تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن

الثعالبي، أبو زيد

الجزء الاول

[الجزء الاول] بسم الله الرّحمن الرّحيم «توطئة» نحمدك اللهم حمد الشاكرين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. وصلاة وسلاما دائمين متلازمين على نبينا محمد عبد الله ورسوله، خير من قرأ كتاب الله، وخير من فسره، وخير من عمل به. وبعد: فإن علم التفسير من خير العلوم قاطبة، وشرف العلم من شرف المعلوم، وقدر المرء قدر ما يحسنه، ولا شك أن الاشتغال بكتاب الله تعالى وتفسيره شرف عظيم، ف «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57] . وهذا الشفاء لن يتحصل عليه إلا من التزم بشرطه، وشرطه التدبر، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: 29] . ولما كانت حاجة الأمة ماسّة إلى معرفة تفسير كتاب ربها، والوقوف على أسراره- قمنا بإخراج أحد هذه التفاسير المباركة ليكون تبصرة للمسلمين، وعونا لهم على فهم كتاب الله العزيز. وها نحن أولاء نقدم للأمة الإسلامية تفسير «الجواهر الحسان» للإمام العلامة أبي زيد الثعالبي رحمه الله تعالى. وقد جاء هذا الكتاب في قسمين: القسم الأول: الدراسة. وجاء في ثلاثة مباحث:

1 - مدرسة ابن عباس ب"مكة"، وكان أشهر تلاميذه من التابعين:

المبحث الأول: نبذة عن حياة أبي زيد الثعالبي. ويشمل: اسمه، كنيته، لقبه، مولده، نشأته، شيوخه، تلاميذه، مصنفاته، ثناء الناس عليه، ثم وفاته. المبحث الثّاني: في الحديث عن التفسير قبل أبي زيد الثعالبي. وفيه ذكرنا معنى التفسير والتأويل، والفرق بينهما، ثم ذكرنا حاجة الناس إلى تفسير الكتاب العزيز، ثم الحديث عن فهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، ثم ذكرنا أشهر مفسري القرآن من الصحابة فمن بعدهم، وبيّنا كذلك قيمة التفسير بالمأثور. ثم عرضنا لأهم مدارس التفسير، وكانت كما يلي: 1- مدرسة ابن عباس ب «مكّة» ، وكان أشهر تلاميذه من التابعين: - سعيد بن جبير. - مجاهد بن جبر. - عكرمة. - طاوس. - عطاء بن أبي رباح. 2- مدرسة أبي بن كعب ب «المدينة النبوية» ، وأشهر تلاميذه: - أبو العالية. - محمد بن كعب القرظي. - زيد بن أسلم. 3- مدرسة عبد الله بن مسعود ب «العراق» ، وأشهر تلاميذه: - علقمة. - مسروق. - عامر الشعبي. - الحسن البصري. - قتادة.

ثم تحدثنا عن قيمة التفسير المأثور عن التابعين، واختلاف أهل العلم من بعدهم في الاحتجاج بأقوالهم. وكذلك خضنا في ذكر سمات التفسير في تلك المرحلة من مثل: اعتماده على التّلقّي والرواية، والخلاف المذهبي الناشئ، وغير ذلك مما هو مسطور في موضعه. وانتقل بنا الحديث إلى الكلام عن التفسير في عصر التدوين، وتحديد هذا العصر تاريخيّا، وكيف سار هذا التفسير سيره حتى بلغ تابعي التابعين. ثم تدرّجنا إلى تبيان اتجاهات التفسير الموجودة بين المفسرين، وكانت: - الاتجاه الأثري: وذكرنا من أعلامه «يحيى بن سلام» ، ثم «محمد بن جرير الطّبريّ» . - الاتجاه اللّغوي: وبيّنّا تاريخ بدايته، وبعض أعلامه، مثل «أبي عبيدة معمر بن المثنى» . - الاتجاه البيانيّ: وأوضحنا جذوره، وبعض أمثلته. المبحث الثالث: الكلام على تفسير أبي زيد. وتحدثنا فيه عن مصادر الشيخ الثعالبي في تفسيره، والكتب التي استقى منها مادّته، وبنى عليها مصنفه. ثم تطرّقنا إلى بيان منهجه في بناء تفسيره من احتجاج بمأثور، ورأي، وكيف أنه مزج بينهما، ففسر كتاب الله بعضه ببعض، ثم بالسّنّة، ثم بتفسير الصحابة والتابعين، واحتجاجه باللغة والأصول، وحديثه عن التوحيد، والرقائق، وعلوم الآخرة، وغير ذلك. وتحدثنا عن الإسرائيليات في تفسيره، وكيف أنه أقلّ منها، ولم يعتمد عليها. ثم تحدثنا عن المنهج اللّغويّ في تفسير أبي زيد، وكذلك المنهج البياني، ثم علوم القرآن في تفسير «الجواهر الحسان» ، وهي: - المكّي والمدني. - القراءات المتواترة والشّاذّة. - الناسخ والمنسوخ. - الأحكام الفقهية المأخوذة من آيات الأحكام.

القسم الثاني: وهو قسم تحقيق النّصّ: وقد كان عملنا في الكتاب مرتبا على النحو التالي: أولا: إخراج النّص سليما خاليا من الأخطاء النحوية والإملائية، وقد اقتضى ذلك من الموازنة بين النسخ التي تحت أيدينا، فآثرنا النص الأصوب والأرقّ دون اعتماد على نسخة بعينها. ثانيا: إثبات فروق النّسخ، وتركنا الكثير منها حيث لا جدوى من ذكرها. ثالثا: تخريج الأحاديث الواردة في النص. رابعا: عزو الآثار إلى مصادرها. خامسا: توضيح الغريب من الألفاظ الواردة في النّصّ معتمدين في ذلك على المعاجم اللغوية والفقهية. سادسا: ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في النص. سابعا: عزو القراءات إلى مصادرها، والتعليق على بعضها حسبما احتاج النص مع بيان كل قراءة. ثامنا: توضيح بعض المصطلحات الفقهية والأصولية الواردة في النص. تاسعا: التعليق على بعض الموضوعات التي أشار إليها المصنف. عاشرا: وضع آيات القرآن الكريم ضمن هلالين مزهرين تيسيرا على القارئ، وتخريج آيات الشواهد.

المبحث الأول نبذة عن حياة الثعالبي

المبحث الأول نبذة عن حياة الثعالبي اسمه، وكنيته، ولقبه: هو عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف «1» ، يكنى أبا زيد، ويلقب ب «الثعالبي» «2» . الجزائري «3» ، المغربي، المالكي. مولده: ذكر صاحبا «شجرة النور الزّكيّة» ، و «الأعلام» أنه ولد سنة 786 هـ- جزما، بينما حكى صاحب «نيل الابتهاج بتطريز الديباج» الشك في سنة ميلاده بين ستا وثمانين، وسبع وثمانين. نشأته: لم تذكر المصادر المترجمة لهذا الإمام شيئا عن نشأته إلا أن الظن بحال من حاله كالإمام يؤكد أن نشأته في بيت علم وفضل، ولا يبعد وجود أهل صلاح في أسرته، كما أن الظن بمثله أن يكون درج على طلب العلم، كما يطلبه أهله من قراءة كتاب الله وحفظه في

_ (1) ينظر ترجمته في: «الضوء اللامع» (4/ 152) ، و «شجرة النور الزكية» (265) ت (976) ، و «فهرس الفهارس» (2/ 131) ، و «هدية العارفين» (532) ، و «ديوان الإسلام» (2/ 56) ت (637) ، و «نيل الابتهاج» (257) ت (306) ، و «الأعلام» (3/ 331) . والملاحظ اتفاقها على ذكر اسمه وكنيته ولقبه، بلا زيادة على ما تقدم. (2) هذه النسبة إلى خياطة جلود الثعالب، وعمل الفراء. وفرق بينها وبين «الثعلبي» حيث إن الأخيرة نسبة إلى القبائل وإلى الموضع، فأما المنتسب إلى القبائل، فإلى ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، منهم أسامة بن شريك الثعلبي، وابن أخيه زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي، والنسبة إلى ثعلبة بن ثور بن هدبة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة، بطن من «مزينة» ، وأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي. ويقال: الثعالبي، المفسر المشهور النيسابوري. وثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، بطن كبير من تميم. وثعلبة بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيء، بطن مشهور من طيء، منهم مسعود بن علبة بن حارثة بن ربيع بن عمرو بن عكوة بن ثعلبة الشاعر. ينظر: «الأنساب» (1/ 505) ، و «اللباب» (1/ 237- 239) ، و «الإكمال» (1/ 529) و «لب الألباب» (1/ 185) . (3) نسبة الى البلدة المعروفة ب «الجزائر» إحدى أقطار المغرب العربي.

رحلاته وشيوخه:

الصغر، واطّلاعه على كتب التاريخ، والتفسير، والحديث، والأصول، والكلام، والأدب، واللغة، والنحو، والصرف، والعروض، وغيرها. رحلاته وشيوخه: مما لا شكّ فيه أن حاجة العلماء إلى الرحلة عظيمة جدّا سعيا في تحصيل العلم، والسّماع من الأشياخ لأن في الرّحلة إليهم، والالتقاء بهم تثقيفا للعقول، وتنقيحا للعلوم، وتمحيصا للمحفوظ. ولقد كانت الرّحلة سنّة العلماء من لدن سيدنا محمد- عليه الصلاة والسلام- إلى أن وقع النّاس فريسة للتخلّف والتكاسل، فقعد بهم ذلك عن طلب العلم، والسّعي في تحصيله. ولقد كان بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا تناءت به الدّار، يركب إلى «المدينة» ، فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم. واستمر ذلك السّعي والتّرحال بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلم. ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلاميّة بعد الفتوحات العظيمة، نجد أن الرّحلة شاعت، وانتشر أمرها، لتفرّق العلماء في شتّى بلدان الدولة الإسلامية. ولقد ضحّى سلفنا الصّالح بكل غال ورخيص، ودفعوا المال والجهد، وتكبّدوا العناء والمشاقّ، في سبيل طلب الحديث وجمعه، والعناية بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الصّحابي الجليل أبو أيوب الأنصاريّ يرحل من «المدينة» قاصدا عقبة بن عامر ب «مصر» ليسأله عن حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا وصل إلى منزل عقبة بن عامر، خرج إليه عقبة فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه منه غيري وغيرك، في ستر المؤمن. قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ستر مؤمنا في الدّنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة» . فقال أبو أيوب: صدقت. ثم انصرف أبو أيوب من توّه إلى راحلته، راجعا إلى «المدينة» ، متحمّلا مشقّة السفر، ووعثاء الطريق، وأخطار المفاوز والقفار. ويقول سعيد بن المسيّب: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد. وذات مرّة قال عمرو بن أبي سلمة للأوزاعيّ: يا أبا عمرو أنا ألزمك منذ أربعة أيام،

ولم أسمع منك إلّا ثلاثين حديثا! قال: وتستقلّ ثلاثين حديثا في أربعة أيّام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى «مصر» ، واشترى راحلة فركبها، حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى «المدينة» ، وأنت تستقلّ ثلاثين حديثا في أربعة أيام؟ «1» . مما سبق يتبيّن أن للرحلة أثرا ملحوظا في تمحيص العلوم، وتنقيحها، وتثبيتها في أذهان العلماء، وأن طلاب العلم نزحوا من قطر إلى قطر، تحملهم ظهور الفيافي والقفار، تنقيبا عن الحديث، أو المسألة الفقهية، أو السّماع من شيخ مشهور، أو التّلمذة على يد عالم إمام. ولم يكن الإمام الثعالبي بدعا في هذا الشّأن، بل سار على درب أسلافه من العلماء، وأقرانه من طلّاب العلم في السّعي والسّفر رغبة في تحصيل العلم، وطلب مسائله وقضاياه. وقد عرفنا الثعالبي نفسه أنه قد رحل في طلب العلم، وسمع من أهل العلم في مختلف الأقطار، فنراه يقول: رحلت في طلب العلم من ناحية «الجزائر» في آخر القرن الثامن، فدخلت «بجاية» عام اثنين وثمانمائة، فلقيت بها الأئمة المقتدى بهم في العلم والدين والورع، أصحاب الفقيه الزاهد الورع عبد الرحمن الوغليسي، وأصحاب الشيخ أبي العباس أحمد بن إدريس متوافرون يومئذ، أصحاب ورع ووقوف مع الحد لا يعرفون الأمراء، ولا يخالطونهم، وسلك أتباعهم مسلكهم، كشيخنا الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عثمان المكلاتي، وشيخنا الولي الفقيه المحقّق أبي الربيع سليمان بن الحسن، وأبي الحسن علي بن محمد البليليتي، وعلي بن موسى، والإمام العلامة أبي العباس النقاوسي، حضرت مجالسهم، وعمدتي على الأولين، ثم دخلت «تونس» عام تسعة أوائل عشرة وأصحاب ابن عرفة متوافرون، فأخذت عنهم، كشيخنا واحد زمانه أبي مهدي عيسى الغبريني، وشيخنا الجامع بين علمي المنقول والمعقول أبي عبد الله الأبي، وأبي القاسم البرزلي، وأبي يوسف يعقوب الزغبي، وغيرهم، وأكثر عمدتي على الأبي، ثم رحلت للمشرق، وسمعت «البخاري» ب «مصر» على البلالي، وكثيرا من اختصار «الإحياء» له، وحضرت مجلس شيخ المالكية بها أبي عبد الله البساطي، وحضرت كثيرا عند شيخ المحدثين بها ولي الدين العراقي، وأخذت عنه علوماً جَمَّةً، مُعْظَمُهَا عِلْمُ الحديث، وفتح لي فتحا عظيما وأجازني،

_ (1) روى هذه الآثار الحاكم في «علوم الحديث» ص 7، 8.

ثم رجعت ل «تونس» فإذا في موضع الغبريني الشيخ أبو عبد الله القلشاني خلفه فيه عند موته، فلازمته، وأخذت البخاري إلا يسيرا عن البرزلي، ولم يكن ب «تونس» يومئذ من يفوقني في علم الحديث، إذا تكلمت أنصتوا، وقبلوا ما أرويه، تواضعا منهم، وإنصافا واعترافا لحق، وكان بعض فضلاء المغاربة يقول لي لما قدمت من المشرق: كنت آية في علم الحديث، وحضرت أيضا شيخنا الأبي وأجازني، ثم قدم «تونس» شيخنا ابن مرزوق عام تسعة عشر، فأقام بها نحو سنة، فأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه «الموطأ» بقراءة الفقيه أبي حفص عمر القلشاني ابن شيخنا أبي عبد الله وغير شيء، وأجازني وأذن لي هو والأبي في الإقراء، وأخذت عن غيرهم- اهـ-. مما سبق يتضح أن الثعالبي قد ذكر أنه سمع في رحلته من شيوخ كثيرين، سمى منهم أربعة عشر شيخا، وسنوردهم فيما يلي مع ذكر البلد التي سمع فيها: 1- محمد بن خلفة بن عمر التونسي الوشتاني «1» الشهير ب «الأبي» : الإمام، العلامة، المحقق، المدقق، البارع، الحافظ، الحاج، الرّحلة، أخذ عن الإمام ابن عرفة، ولازمه، واشتهر في حياته بالمهارة والتقدم في الفنون، وكان من أعيان أصحابه ومحققيهم، «وأبة» «2» ، بضم الهمزة، قرية من «تونس» . قال السّخاويّ: كان سليم الصدر، ذكر ذلك جماعة عنه مع مزيد تقدم في الفنون، له «إكمال الإكمال» في شرح مسلم في ثلاثة مجلدات، جمع فيه بين المازري، وعياض، والقرطبي، والنووي مع زيادات مفيدة من كلام ابن عرفة شيخه وغيره. وله «شرح المدوّنة» أيضا، وله نظم، وكثر انتقاده لشيخه مشافهة، وربما رجع عليه سيما في تعريفه الطهارة. ووصفه ابن حجر في المثبتة بالأصولي، عالم المغرب بالمعقول. وقال: إنه سكن «تونس» وسمّى والده خلفا. وأما شرحه لمسلم، ففي غاية الجودة ملأه بتحقيقات بارعة، وزيادة حسنة نافعة سيما أوائله. قال الثعالبي: حضرت عليه قراءة بحث وتحقيق وتدقيق من أوله إلى «الطهارة» متواليا، وكثيرا من «الطهارة» وأكثر «كتاب الصلاة» ، وكثيرا من أواخر مسلم أو كله، ومن

_ (1) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (244) ، و «نيل الابتهاج» (487) . (2) أبة: اسم مدينة بإفريقية، بينها وبين القيروان ثلاثة أيام، وهي من ناحية الأربس، موصوفة بكثرة الفواكه وإنبات الزعفران. ينظر: «معجم البلدان» (1/ 108) .

«المدونة» و «الرسالة» و «ابن الحاجب» كلها قراءة بحث وتحقيق، وأكثر «إرشاد» أبي المعالي وتفسير القرآن، وأذن لي في إقرائها كلها سنة تسعة عشر وثمانمائة- اهـ- ملخصا. وسمعت والدي الفقيه أحمد- رحمه الله- يحدث عن بعض المشارقة أنه رأى له تفسير القرآن في ثمان مجلدات- اهـ. قال التنبكي: قرأت بخط سيّدي يخلفتين حفيد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي أن وفاته سنة ثمان وعشرين وثمانمائة- اهـ. ويذكر أن الإمام ابن عرفة ليم على كثرة الاجتهاد، وتعبه نفسه في النظر، فقال: كيف أنام وأنا بين أسدين الأبي بفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله- اهـ. ووصفه أبو عبد الله المشذالي بالفقيه، المحقق، العالم. وأخذ عنه جماعة من الأئمة كالقاضي عمر القلشاني، وأبي القاسم بن ناجي، وعبد الرحمن الجدولي، والثعالبي، والشريف العجيسي، وغيرهم، وقال الثعالبي فيه: شيخنا، مولاي، الإمام، الحجة، الثقة، إمام المحققين، الجامع بين حقيقتي المنقول والمعقول، ذو التصانيف الفائقة البارعة، والحجج السّاطعة اللامعة- اهـ. توفي، فيما قيل، سنة سبع وعشرين، و «خلفة» بكسر المعجمة وفتحها ثم لام ساكنة بعدها فاء. وقد سمع الثعالبي من شيخه الأبي ببلدة «تونس» . 2- وليّ الدين العراقي «1» : وهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الإمام الحافظ الفقيه، المصنف، قاضي القضاة وليّ الدين أبو زرعة ابن الإمام العلامة الحافظ زين الدين أبي الفضل، العراقي الأصل، المصري. ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وبكر به أبوه، فأحضره عند أبي الحرم القلانسي خاتمة المسندين بالقاهرة، واستجاز له من أبي الحسن الفرضي، ثم رحل به إلى «الشام» سنة خمس وستين، فأحضره في الثالثة على جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري، ثم رجع، وأسمعه ب «القاهرة» من جماعة من المسندين، ثم طلب بنفسه وهو شاب، فقرأ الكثير، ودأب على الشيوخ، ثم رحل إلى «الشام» صحبه صهره الحافظ نور الدين الهيثمي بعد الثمانين، فسمع الكثير ثم رجع، وهو

_ (1) ينظر ترجمته في: «إنباء الغمر في أبناء العمر» (8/ 21) ، و «البدر الطالع» (1/ 72) ، و «طبقات ابن قاضي شهبة» (4/ 80) .

مع ذلك ملازم للاشتغال بالفقه، والعربية، والفنون، حتى مهر واشتهر، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني، وحفظ، وكتب عنه الكثير، وأخذ عن علماء عصره. قال الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر: ونشأ صيّنا، ديّنا، خيّرا، مع جمال الصورة، وطيب النعمة والتودّد إلى الناس، وناب في الحكم، ودرس في عدة أماكن، ثم استقر في جهات والده بعد وفاته، وعقد مجلس الإملاء بعده، واشتهر صيته وصنف التصانيف، وخرج التخاريج، وولي مشيخة «الجمالية» . ومن تصانيفه: «تحرير الفتاوى» على التنبيه، و «المنهاج» ، و «الحاوي» ، أخذ نكت النشائي، والتوشيح، ونكت ابن النقيب على المنهاج، ونكت الحاوي لابن الملقن، وشحن الكتاب بفوائد الشيخ سراج الدين البلقيني، وبسبب ذلك اشتهر الكتاب، واجتمع شمل فوائد الشيخ، وجمع حواشي الشيخ على «الروضة» في مجلدين، واختصر «المهمات» ، وجمع بينها وبين حواشي «الروضة» في مجلدين، وشرح «بهجة» ابن الوردي في مجلدين، وشرح «جمع الجوامع» للسبكي في مجلدة، وله وفيّات ابتدأ فيها من سنة مولده- رحمه الله تعالى- قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر: وشرح منظومة أبيه في الأصول، وشرع في شرح «سنن» أبي داود، فكتب نحو السدس منه في سبع مجلدات. مات في شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة وله ثلاث وستون سنة وثمانية أشهر. وسمع منه الإمام الثعالبي ب «مصر» . 3- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق الحفيد العجيسي التلمساني «1» : الإمام المشهور، العلّامة، الحجّة، الحافظ، المحقّق الكبير، الثقة الثبت، المطلع النظار، المصنف، التقي، الصالح، الزاهد، الورع، البركة، الخاشي لله، الخاشع الأوّاب، القدوة النبيه، الفقيه المجتهد، الأبرع، الأصوليّ المفسر المحدث، الحافظ المسند الراوية، الأستاذ المقرئ المجوّد، النحوي اللغوي البياني العروضي، الصوفي المسلك المتخلق، الولي الصالح العارف بالله، الآخذ من كل فنّ بأوفر نصيب. أخذ العلم عن جماعة، كالسّيد الشريف العلامة أبي محمد عبد الله بن الإمام العلم الشريف التلمساني، والإمام عالم المغرب سعيد العقباني، والولي الصالح أبي إسحاق

_ (1) ينظر ترجمته في: «البدر الطالع» (2/ 119) ، و «نيل الابتهاج» (499) .

المصمودي، أفرد ترجمته بتأليف، والعلامة أبي الحسن الأشهب العماري، وعن أبيه وعمّه ابني الخطيب ابن مرزوق، وبتونس عن الإمام ابن عرفة، وأبي العباس القصار، وبفأس عن الأستاذ النحوي ابن حياتي الإمام، والشيخ الصالح أبي زيد المكودي، والحافظ محمد بن مسعود الصنهاجي الفيلالي في جماعة، وبمصر عن الأئمة السراج البلقيني، والحافظ أبي الفضل العراقي، والسراج ابن الملقن، والشمس الغماري، والمجد الفيروزآبادىّ صاحب «القاموس» ، والإمام محبّ الدين بن هشام ولد صاحب «المغني» ، والنور النويري، والولي ابن خلدون، والقاضي العلامة ناصر الدين التنسي، وغيرهم. وأجازه من «الأندلس» الأئمة كابن الخشّاب، وأبي عبد الله القيجاطي، والمحدث الحفار، والحافظ ابن علاق، وأبي محمد ابن جزي، وغيرهم، وأخذ عنه جماعة من السادات كالشيخ الثعالبي، وقاضي الجماعة عمر القلشاني، والإمام محمد بن العباس، والعلامة نصر الزواوي، وولي الله الحسن أبركان، وأبي البركات الغماري، والعلّامة أبي الفضل المشذالي، والسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس بن أبي يحيى الشريف، وأخيه أبي الفرج، وإبراهيم بن فائد الزواوي، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن الندرومي، والعلّامة علي بن ثابت، والشهاب ابن كحيل التجاني، وولد العالم محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف، والعلامة أحمد بن يونس القسنطيني، والعالم يحيى بن بدير، وأبي الحسن القلصادي، والشيخ عيسى بن سلامة البكري، والعلامة يحيى المازوني، والحافظ التنسي، والإمام ابن زكري. في خلق كثيرين من الأجلّاء. وقال الحافظ السّخاوي: هو أبو عبد الله حفيد ابن مرزوق، ويقال له أيضا «ابن مرزوق» ، تلا بنافع على عثمان الزروالي، وانتفع في الفقه بابن عرفة، وأجازه ابن الخشّاب والحفار والقيجاطي. وحج قديما سنة تسعين وسبعمائة رفيقا لابن عرفة، وسمع من البهاء الدماميني، والنور العقيلي بمكة، وقرأ بها البخاري على ابن صديق، ولازم المحب ابن هشام في العربية، ثم حج سنة تسعة عشر وثمانمائة، ولقيه رضوان الزيني بمكة، وكذا لقيه ابن حجر- اهـ. وأما تآليفه، فكثيرة منها: شروحه الثلاثة على «البردة» : الأكبر المسمى «إظهار صدق المودة في شرح البردة» استوفي فيه غاية الاستيفاء، ضمنه سبعة فنون في كل بيت، و «الأوسط» و «الأصغر» المسمى «بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب» و «المفاتيح القرطاسية في شرح الشقراطيسية» ، و «المفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية» ، ورجزان في علوم الحديث، الكبير سماه «الروضة» جمع فيه بين ألفيتي ابن ليون والعراقي،

و «مختصر الحديقة» اختصر فيه ألفية العراقي، وأرجوزة في الميقات سماه «المقنع الشافي» في ألف وسبعمائة بيت، وأرجوزة ألفية في محاداة «الشاطبية» ، وأرجوزة نظم «تلخيص المفتاح» ، وأرجوزة نظم «تلخيص ابن البنا» وأرجوزة نظم «جمل» الخونجي، وأرجوزة في اختصار «ألفية ابن مالك» ، و «نهاية الأمل» في شرح جمل الخونجي، و «اغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة» ، وهو أجوبة على مسائل في الفقه والتفسير وغيرهما، وردت عليه من عالم قفصة أبي يحيى بن عقيبة فأجابه عنها، و «المعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج» أجاب فيه العالم قاضي الجماعة بغرناطة ابن سراج عن مسائل نحوية ومنطقية، و «نور اليقين في شرح أولياء الله المتقين» تأليف ألفه في شأن البدلاء تكلم فيه على حديث في أول «الحلية» ، و «الدليل المؤمى في ترجيح طهارة الكاغذ الرومي» ، و «النصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل للناقص» في سبعة كراريس، ألفه في الرد على عصريه وبلديه الإمام قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية في أشياء صوّب العقباني صنيعهم فيها، فخالفه ابن مرزوق، و «مختصر الحاوي في الفتاوى» لابن عبد النور التونسي، و «الروض البهيج في مسألة الخليج» في أوراق نصف كراس، و «أنوار الدراري في مكررات البخاري» ، وتأليف في مناقب شيخه الزاهد الولي إبراهيم المصمودي في مقدار كراس، و «تفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء» ، وهذه كلها تامة. وأما ما لم يكمل من تآليفه، «فالمتجر الربيح والسعي الرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح» صحيح البخاري، و «روضة الأديب في شرح التهذيب» ، و «المنزع النبيل في شرح مختصر خليل» شرح منه الطهارة في مجلدين، ومن الأقضية لآخره في سفرين في غاية الإتقان، و «التحرير والاستيفاء والتنزيل لألفاظ الكتاب والنقول» لا نظير له أصلا، لخصه العلامة الراعي، و «إيضاح المسالك في ألفية ابن مالك» انتهى إلى اسم الإشارة والموصول، مجلد في غاية الإتقان، ومجلد في شرح شواهد شراحها إلى باب كان وأخواتها، وله خطب عجيبة، وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة، فقد سارت بها الركبان شرقا وغربا، بدوا وحضرا. ذكر المازوني والونشريسي منها جملة وافرة في كتابيهما، وله أيضا عقيدته المسماة «عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد» ، وعلى منحاه بنى السنوسي عقيدته الصغرى، و «الآيات الواضحات في وجه دلالة المعجزات» ، و «الدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم» ، و «إسماع الصّم في إثبات الشرف من قبل الأم» . وذكر السخاوي أن من تأليفه شرح فرعي ابن الحاجب، وشرح التسهيل، والله أعلم.

ومولده، كما ذكره هو في شرحه على البردة، ليلة الاثنين رابع عشر ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة. وقال تلميذه الإمام الثعالبي: وقدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد الله بن مرزوق، فأقام بها وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه جميع «الموطأ» بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني، وختمت عليه «أربعينيات النووي» قراءة عليه في منزلة قراءة تفهم، فكان كلما قرأت عليه حديثا يعلوه خشوع وخضوع، ثم أخذ في البكاء، فلم أزل أقرأ وهو يبكي حتى ختمت الكتاب، وهو من أولياء الله تعالى الذين إذا رأوا ذكر الله. وأجمع الناس على فضله من «المغرب» إلى الديار المصرية، واشتهر فضله في البلاد، فكان بذكره تطرز المجالس، جعل الله حبه في قلوب العامة والخاصة، فلا يذكر في مجلس إلا والنفوس متشوقة لما يحكى عنه، وكان في التواضع والإنصاف والاعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية، لا أعلم له نظيرا في ذلك في وقته فيما علمته. وقال أيضا في موضع آخر: هو سيدي الشيخ الإمام، الحبر الهمام، حجة أهل الفضل في وقتنا وخاتمتهم، ورحلة النقاد وخلاصتهم، ورئيس المحققين. توفي يوم الخميس عصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة، وصلّى عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة، حضر جنازته السلطان فمن دونه، لم أر مثله قبله، وأسف الناس لفقده، وآخر بيت سمع منه عند موته: [البسيط] إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي وقد سمع الثعالبي منه بعد عودته من رحلته إلى تونس. 4- أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي، القيرواني، ثم التونسي، الشهير بالبرزلي، الإمام المشهور «1» ، نزيل «تونس» : مفتيها، وفقيهها، وحافظها، العلّامة، أحد الأئمة في المذهب المالكي صاحب «الديوان» في الفقه والنوازل، من كتب المذهب الأجلة، أجاد فيه ما شاء، كان- رحمه الله- إماما علامة، بارعا، حافظا للفقه متفقها فيه، بحاثا نظارا مستحضرا للفقه، أخذ عن جماعة، وفي بعض إجازاته ما ملخصه أنه قرأ على الفقيه المحدث الراوية الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق شيئا من الصحيحين، والشاطبيتين، وتكملة القيجاطي، والدرر

_ (1) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (245) ، و «نيل الابتهاج» (368) .

اللّوامع، يرويهما عن مؤلفهما، والعمدة وغيرها، وعلى الفقيه المحدث الراوية المسن الصالح أبي الحسن البطروني القراءة السبعة، وكتبا كثيرة، وأحزاب الشاذلي عن الشيخ ماضي عنه، وعلى الإمام المؤلف الفقيه الصّالح المتفنن العلم أبي عبد الله بن عرفة، لازمه ما ينيف على ثلاثين سنة، وقرأ عليه بعض مسلم، وسمع جميعه عليه وجميع البخاري، و «الموطأ» ، و «الشفاء» ، و «علوم الحديث» لابن الصلاح، وجميع «التهذيب» مرارا، وابن الحاجب الفرعي، وكثيرا من الأصلي، و «معالم» التلمساني الفقيه، و «جمل» الخونجي، وكثيرا من «المحصل» ، وإلقاء التفسير مرارا، وقرأ عليه مختصره المنطقي وفي الأصلين وأكثر مختصره الفقهي، وأجازه بالجميع وغيرها، وكتب له بخطه مرارا، وقرأ عليه الفقيه المقرئ الراوية أحمد بن مسعود البلنسي، (عرف بابن الحاجة) القراءات السبعة وغيرها، وعلى الفقيه الصالح الراوية المتفنن أبي محمد الشبيبي القراءات السبعة وغيرها، و «التهذيب» ، و «الجلاب» ، و «الرسالة» وغيرها، و «الموطأ» ، ومسلما، وعلم النحو، والحساب، والفرائض، والتنجيم، ولازمه من حدود ستين وسبعمائة إلى عام سبعين، وعلى الفقيه الصالح القاضي العدل الحافظ أحمد بن حيدرة التوزري، لازمه كثيرا، وأخذ عنه مسائل كثيرة، وقرأ على الفقيه الصالح العدل أبي العباس المومناني الصحيحين، و «الشفاء» ، وغيرها، وكذا أخوه الفقيه الصالح القاضي العدل أبو زيد عبد الرحمن، وقرأ عليه شيئا من أصلي ابن الحاجب، وأذن له في إقرائه، وعلى الفقيه المحدث الراوية برهان الدين الشامي، قرأ عليه أبعاضا من البخاري، والترمذي، والشفاء، والشاطبية، وغيرها، وناوله فهرسته، وعلى الرواية المحدث المعمر أبي إسحاق بن صديق الرسام. وذكر في فتاويه أنه لازم ابن عرفة نحو أربعين عاما، فأخذ هديه وعلمه وطريقته، وجالس غيره كثيرا في الفقه والرواية في الحديث وغيره، وحصل بذلك علما كثيرا. وقال السّخاويّ: كان البرزلي أحد أئمة المالكية ببلاده «المغرب» ، وصاحب الفتاوى المتداولة، قدم «القاهرة» حاجا سنة ست وثمانمائة، وأجاز لشيخنا (يعني: ابن حجر) أخذ عنه غير واحد ممن لقيناهم، كأحمد بن يونس. توفي بتونس سنة أربع وأربعين، على ما قيل، أو سنة ثلاث، عن مائة وثلاث سنين، وحينئذ فهو آخر من في القسم الأول من معجم الحافظ ابن حجر، وكان موصوفا بشيخ الإسلام- اهـ. وقد سمع الثعالبي منه ب «تونس» . وكانت وفاته سنة اثنين وأربعين، ومولده (على ما قال السخاوي) في حدود أربعين وسبعمائة، وممن أخذ عنه الشيخ أبو القاسم بن ناجي، والرصاع، والشيخ حلولو،

وغيرهم. 5- علي بن عثمان المنجلاتي «1» ، الزواوي، البجائي: من علماء المالكية وفقهائها الجلة، أخذ عن الشيخ عبد الرحمن الوغليسي وغيره، وهو والد العلامة أبي منصور مفتي «بجاية» ، قال الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في حقّه: شيخنا أبو الحسن، الإمام الحافظ، وعليه كانت عمدة قراءتي ببجاية- اهـ. وله فتاوى نقل بعضها في «المازونية» و «المعيار» . وقد سمع منه الثعالبي أثناء رحلته ب «بجاية» . 6- أحمد النقاوسي البجاني «2» ، العلامة: قال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي: هو شيخنا الإمام المحقق الجامع بين علمي المنقول والمعقول، ذو الأخلاق المرضية، والأحوال الصالحة السنية- اهـ. وقد سمع منه الثعالبي ب «بجاية» . 7- عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد الغبريني، أبو مهدي التونسي «3» : قاضي الجماعة ب «تونس» وعالمها وصالحها، وحافظها وخطيبها، قال الشيخ الثعالبي: شيخنا أوحد زمانه علما ودينا- اهـ. ووصفه تلميذه أبو القاسم بن ناجي بأنه ممن يظن به حفظ المذهب بلا مطالعة، وبالغ في الثناء عليه في غير موضع، بل نقل عنه عصريه أبو القاسم البرزلي في ديوانه في غير موضع. قال السّخاويّ في «تاريخ أهل المائة التاسعة» فيه: قاضي «تونس» وعالمها، أخذ عنه أحمد القلشاني، والشرف العجيسي وغيرهما، مات عام ستة عشر وثمانمائة- اهـ. قال أحمد التنبكي في «نيل الابتهاج» : بل أخذ عنه غالب تلاميذ ابن عرفة المتأخرة وغيرهم، كالبسيلي، وأبي يحيى بن عقبة، وعمر القلشاني، وأبي القاسم القسنطيني، وأبي الحسن علي بن عصفور، وابن ناجي، والزلديوي في خلق كثير، قال ابن ناجي: ما رأيت أصح منه نقلا، ولا أحسن منه ذهنا، ولا أنصف منه، مع كمال الرئاسة، وشاهدت بعض

_ (1) وقع في «شجرة النور الزكية» هكذا: المنكلاتي. وفي غيره «المكلاتي» . وهو هنا كما في «نيل الابتهاج» (332) . (2) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (111) . (3) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (243) ، و «نيل الابتهاج» (297) .

جهّال الطلبة، وكان مؤدبا تلقّاه لما قام في مجلسه، وسجد بين يديه مشتكيا له بإنسان، فصاح عليه وانتهره، وهرب منه، وغضب لمخالفته السنة، وحلف له لا أسمع منه الآن كلمة واحدة- اهـ. وقال تلميذه الأمير أبو عبد الله المدعو الحسن بن السلطان أبي العباس: شيخنا ابن عرفة وشيخنا الغبريني ممن يجتهد في المذهب، ولا يحتاج للدليل على ذلك إذ العيان شاهد بتلك- اهـ. وقال أبو العباس القلشاني: استناب ابن عرفة وقت سفره للحج تلميذه القاضي الجليل أبا مهدي الغبريني على إمامة جامع «الزيتونة» ، وهو المشار إليه في كلامه، وتلميذه حينئذ قاضي الجماعة، ثم استقل بالإمامة المذكورة بعد وفاته، وبقي عليها حتى توفي ليلة السبت سابع عشرين من ربيع الثاني عام خمسة عشر وثمانمائة- اهـ. وقد سمع منه الثعالبي ب «تونس» . 8- سليمان بن الحسن البوزيدي، الشريف التلمساني، أبو الربيع «1» : الإمام العالم، المحصّل، السيد، قال الشيخ أبو البركات التالي: شيخنا الفقيه المحقق، كان قائما على «المدونة» و «ابن الحاجب» ، مستحضرا لفقه ابن عبد السلام، وأبحاثه نصب عينيه- اهـ. قال القلصادي في رحلته: حضرت مجلس سيّدي سليمان البوزيدي، وكان فقيها إماما عالما بمذهب مالك- اهـ. وذكر ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياغلي، أن من شيوخه صاحب الترجمة، وأنه وصف بالشريف، الحسيب النسيب، الفقيه العالم، المحقق الأفضل- اهـ. قال الونشريسي: شيخ شيوخنا، الفقيه المحصّل المحقّق، له إشكالات وجهها لعالم تونس أبي عبد الله بن عقاب، فأجابه عنها- اهـ. وقال في وفياته: توفي شيخ شيوخنا، الحافظ الذاكر، شيخ الفروع أبو الربيع سليمان الشريف عام خمسة وأربعين وثمانمائة. وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» .

_ (1) تنظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (185) .

9- محمد بن علي بن جعفر الشمس، العجلوني، ثم القاهري، الشافعي الصوفي، ويعرف بالبلالي «1» - بكسر الموحدة ثم لام خفيفة-: ولد قبل الخمسين وسبعمائة، واشتغل بتلك البلاد قليلا، ولازم أبا بكر الموصلي، فانتفع به وبغيره، وتميز في التصوف، ولازم النظر في «الإحياء» بحيث كاد يأتي عليه حفظا، وصارت له به ملكة قوية بحيث اختصره اختصارا حسنا جدا. وكان بالنسبة لأصله كالحاوي مع الرافعي، وانتفع به الناس وأقبلوا على تحصيله سيما المغاربة وقرىء عليه غير مرة، وربما استكثر عليه، وكذا صنف «السول في شيء من أحاديث الرسول» ، واختصر «الروضة» ولكن لم يكملا، واختصر «الشفا» ، وعمل مختصرا بديعا في الفروع، وقرض السيرة النبوية لابن ناهض. وعرف بالخير والصلاح قديما، واشتهر بالتعظيم في الآفاق، وحسنت عقيدة الناس فيه، واستقدمه سودون الشيخوني نائب السّلطنة في حدود التسعين، وولاه مشيخة سعيد السعداء، فدام بها نحو ثلاثين سنة لم يزل عنها إلا مرة بخادمها خضر لقيام تمراز نائب الغيبة في الأيام الناصرية فرج ولم يمض سوى عشرة أيام، ثم جيء بالقبض عليه، وعد ذلك من كرامات البلالي، ثم أعيد. وكان كثير التواضع إلى الغاية منطرح النفس جدا، مشهورا بذلك، كثير البذل لما في يده، شديد الحياء، كثير العبادة والتلاوة والذكر، سليم الباطن جدّا بحيث كان كثير من الناس يتكلم فيه بسبب ما له من المباشرات بالخانقات وتؤثر عنه كرامات وخوارق. ذكره ابن حجر في معجمه بما هذا حاصله، قال: وكان يودني كثيرا، وأجاز في استدعاء ابني محمد، وذكر أنه ضاع منه مسموعاته. وكذا ذكره في «الإنباء» باختصار، وأنه استقر في مشيخة سعيد السعداء مدة متطاولة مع التّواضع الكامل، والخلق الحسن وإكرام الوارد. واختصر «الإحياء» فأجاد، وطار اسمه في الآفاق، ورحل إليه بسببه، ثم صنف تصانيف أخرى. وكانت له مقامات وأوراد، وله محبون معتقدون، ومبغضون منتقدون. ونحوه قول المقريزي: كان معتقدا وله شهرة طارت في الآفاق، وللناس فيه اعتقاد، وعليه انتقاد. مات في يوم الأربعاء رابع عشر شوال سنة عشرين، ودفن بمقابر الصوفية بعد شهود ابن حجر الصلاة عليه، وقد جاز السبعين. وهو في عقود المقريزي، وقال: كان كثير الذكر، متواضعا إلى الغاية بحيث لما اجتمعت به قبل يدي مرارا، وقدم إليّ نعلي لما انصرفت عنه، وهذه سيرته مع كل أحد، وحضرت عنده وظيفة الذكر بعد العشاء بالخانقاه، وكان يرى رفع الصوت به ويعلل ذلك،

_ (1) ينظر: «الضوء اللامع» (8/ 178) . [.....]

كثير الحياء يديم التلاوة مع سلامة الباطن، وله محبون يؤثرون عنه كرامات وخوارق رحمه الله. وسمع منه الثعالبي ب «مصر» . 10- عمر بن محمد القلشاني «1» - بفتح القاف وسكون اللام ثم معجمة أو جيم- المغربي، التونسي، الباجي الأصل- «باجة تونس» لا «الأندلس» فتلك منها شارح «الموطأ» - المالكي والد قاضي الجماعة محمد وأخو أحمد. أخذ عن أبيه وغيره، وولي قضاء الجماعة بتونس، واقرأ الفقه، والأصلين، والمنطق، والمعاني والبيان والعربية. وحدث بالبخاري عن أبي عبد الله بن مرزوق، وشرح «الطوالع» شرحا حسنا لم يكمل انتهى منه أكثر من مجلد إلى الإلهيات، وأخذ عنه خلق، منهم ولده، وإبراهيم الأخضري، وغالب الأعيان، وأبو عبد الله التريكي وآخرون ممن لقيناهم كابن زغدان، وكانت ولايته أولا قضاء الأنكحة ببلده كأبيه، ثم قضاء الجماعة بعد موت أبي القاسم القسنطيني، وكان يكون بينهما ما بين الأقران فدام به قليلا حتى مات في سنة ثمان وأربعين. وهناك من أرخه في سنة سبع وسمى جده عبد الله، وكان أبو القاسم قام على أخيه أحمد بسبب ما وقع منه من نقل كلام بعض المفسرين في قصة آدم عليه السلام وأفتى بقتله، بل أفتى أخوه أيضا بذلك قبل علمه به، فلما تبين أنه أخوه قام في الدفع عنه، وكان فصيحا في التقرير بحيث يستفيد منه من يكون بمجلسه من الأعلى والأدنى، ولا يمكن كبير أحد من الكلام، وقد قيل: إن سبب دخوله في القضاء أن عمه أحمد لم يسر سير ابن عقارب الذي كان قبله، فعز على الملك، واقتضى رأيه صرفه بابن أخيه هذا، وحصل لعمه نكاية عظيمة ولكن أعطوه إمامة جامع «الزيتونة» ، واستمر حتى مات، فالله أعلم. وسمع منه الثعالبي بعد رجعته إلى «تونس» . 11- علي بن موسى البجائي، أحد شيوخ عبد الرحمن الثعالبي ابن عبد الله بن محمد بن هيدور التادلي «2» : كان إماما في الفرائض والحساب، حسن الخط كثير التقييد، له مسائل في فنون، شرح تلخيص ابن البناء، وقيد على رفع الحجابلة، توفي عام ستة عشر وثمانمائة.

_ (1) ينظر ترجمته في: «الضوء اللامع» (6/ 137) . (2) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (333) .

وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» . 12- البساطي «1» - محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن مقدم البساطي شمس الدين أبو يوسف القاضي المصري المالكي ولد سنة (756) وتوفي سنة (842) اثنتين وأربعين وثمانمائة. من تصانيفه: توضيح المعقول وتحرير المنقول في شرح منتهى السول والأمل لابن الحاجب، حاشية على شرح المواقف، حاشية على شرح لوامع الأسرار للتحتاني في المنطق والحكمة، حاشية على المطول، الرد الوافر على ابن الناصر، روضة المجالس وأنس الجالس، شرح الألفية لابن مالك، شرح البديعية لابن حجة، شرح التائية لابن الفارض، شرح قصيدة البردة، شفاء العليل شرح مختصر الشيخ الخليل في الفروع قصة الخضر عليه السلام، محاضرات خواص البرية في ألغاز الفقهية، المغني في الفروع، المفاخرة بين الدمشق والقاهرة، مقدمة في الأصول، مقدمة في الكلام، نكت على طوالع الأنوار للبيضاوي في الكلام. وسمع منه الثعالبي أثناء رحلته، وذلك ب «مصر» حرسها الله!! 13- أبو الحسن علي بن محمد البليليتي «2» : وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» . 14- أبو يوسف يعقوب الزغبي «3» : وسمع منه ب «تونس» . وأما شيوخه الذين لم يذكرهم في رحلته، فقد ذكر التنبكي في «نيل الابتهاج» منهم ثلاثة، وهم: 1- عبد الله بن مسعود التونسي «4» : شهر بابن قرشية، قال ابن حجر: أخذ عن والده، وقرأت بخطه أن من شيوخه الإمام ابن عرفة، وقاضي الجماعة أحمد بن محمد بن حيدرة، وأحمد بن إدريس الزواوي، وأبا الحسن محمد بن أحمد البطروني، وأبا العباس أحمد بن مسعود بن غالب القيسي، وتوفي

_ (1) ينظر ترجمته في: «هدية العارفين» (192) . (2) ينظر: «نيل الابتهاج» (258) . (3) ينظر: «نيل الابتهاج» (258) ، و «شجر النور الزكية» (265) ، وفيه «الزعبي» بالعين المهملة. (4) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (230) ، و «الضوء اللامع» (3/ 70) .

سنة سبع وثلاثين وثمانمائة. 2- عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي «1» : الإمام الحافظ الفقيه المحدث العلامة الجليل، حامل لواء المذهب والحفظ في وقته، أبو القاسم شيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام أبي عمران العبدوسي الفاسي نزيل «تونس» ، أخذ عن أبيه وغيره، ووصل في قوة الحافظة الدرجة العظمى، قال القاضي أبو عبد الله بن الأزرق: كتب إليّ الشيخ الفقيه الجليل أحد المفتيين بتونس أبو عبد الله الزلديوي يعرفني حاله بالحفظ فيما يقضي منه العجب من الغرابة، قال: ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم ابن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبد الله محمد بن مرزوق، ويقول لنا فيه: يرد عليكم حافظ المغرب الآن، فقلنا: لعل ذلك من تعسيل الإخوان لإخوانهم في الوصيّة بهم، فلما اجتمعنا به، وأقام عندنا أزيد من عام رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهّم يكون لأحد لما رأينا في بلادنا إفريقيا ومجالس أشياخنا بتونس وبجاية، كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم البرزلي له أهل زماننا في حفظ الفقه، وأشياخ المدونة والناس دونه في ذلك، وببجاية الشيخ الفقيه أبو القاسم المشذالي حضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا من يشبه العبدوسي في حفظه، وعلمنا صدق ابن مرزوق فيما وصفه به، وأن من ورعه ألا يذكر ولا يكتب إلا بما تحقق كما قال الشاعر: [الطويل] فلمّا التقينا صدّق الخبر الخبر وقال الآخر: [منهوك الرجز] بل صغّر الخبر الخبر وقال الونشريسي في تحليته: إنه الفقيه الحافظ المدرس المحدث الصدر الراوية المعتبر الأرفع الأفضل- اهـ. وقال الشيخ الرصاع: شيخنا الإمام العلامة المحدث الصالح الرباني يقال: اجتمع ليلة في جهاز بالشيخ أبي القاسم البرزلي، وهو أعمى، ولما تكلم العبدوسي قال له البرزلي: أهلا بواعظ بلدنا، فقال له العبدوسي: قل وفقيهها، فسكت البرزلي، فعد ذلك من رجلة العبدوسي وسرعة جوابه، رحمهم الله تعالى- اهـ.

_ (1) ينظر ترجمته في: (270) ، (371) ، و «شجرة النور الزكية» (252) .

تلاميذه:

ونقل عنه ابن ناجي في «شرح المدونة» ، والشيخ الثعالبي في شرح ابن الحاجب، وذكر عنه أنه قال: لا يلزم البراذعي مما تعقب به إلا حيث خالف ما في روايته من الأمهات عن موسى بن عقبة. وذكر الونشريسي في وفياته أنه توفي بتونس في التاسع والعشرين في ذي القعدة عام سبعة وثلاثين وثمانمائة. 3- عبد الواحد الغرياني «1» : تلاميذه: أخذ عن الإمام الثعالبي جماعة من أهل العلم منهم: 1- محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب، الشهير محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق «2» . العجيسي التلمساني، عرف بالكفيف، ولد الإمام أبي الفضل قطب المغرب الحفيد ابن مرزوق شارح «المختصر» ، كان ولده صاحب الترجمة إماما عالما علامة، وصفه ابن داود البلوي بشيخنا الإمام، علم الأعلام، فخر خطباء الإسلام، سلالة الأولياء وخلف الأتقياء، المسند الراوية المحدث، العلامة القدوة الحافل الكامل، أبو عبد الله ابن سيدنا شيخ الإسلام، خاتمة العلماء الأعلام، الحبر البحر، الناقد النافذ النّحرير، المشاور العمدة الكبير، ذي التصانيف العديدة، والأنظار السديدة، أبي عبد الله بن مرزوق. أخذ العلم عن جماعة منهم: أبو شيخ الإسلام، قرأ عليه «الصحيح» ، و «الموطأ» وغير كتاب من تآليفه وغيرها، وتفقه عليه وأجازه ما يجوز له وعنه روايته. والإمام العالم، النظار الحجة، أبو الفضل ابن الإمام، والإمام العلامة قاضي الجماعة المعمر المشاور أبو الفضل قاسم العقباني، والأستاذ المقرئ العالم أحمد بن محمد بن عيسى اللجائي الفاسي، والإمام العالم والولي الصالح المحدث عبد الرحمن الثعالبي، والإمام العالم الفقيه النظار أبو عبد الله محمد بن قاسم المشذالي، والإمام قاضي الجماعة العالم المحقق أبو عبد الله بن عقاب الجذامي التونسي، والإمام العالم الراوية الرحال، قاضي الأنكحة أبو محمد عبد الله بن سليمان بن قاسم البجيري التونسي. قرأ وسمع عليهم، وأجازوه عامة، وأجازه مكاتبة من شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر مع أولاد مرزوق عام تسعة وعشرين،

_ (1) ينظر: «نيل الابتهاج» (259) ، و «شجرة النور الزكية» (265) . (2) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (574) .

ومولده ليلة الثلاثاء غرة ذي القعدة عام أربع وعشرين وثمانمائة. قال التنبكي: ومن شيوخه الإمام ابن العبّاس، قال السخاوي: قدم صاحب الترجمة «مكة» فعرض عليه ظهيرة، وأخذ عنه في الفقه وأصوله، والعربية والمنطق في سنة إحدى وستين، وسمعت في إحدى وسبعين أنه حي- اهـ. وفي «وفيات الونشريسي» أن وفاته عام أحد وتسعمائة، ووصفه بالفقيه الحافظ المصقع. وأخذ عنه الخطيب ابن مرزوق ابن أخته، وابن العباس الصغير، ووصفه بشيخنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ «المغرب» ، قرأت عليه الصحيحين وبعض مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي، وحضرت عليه جملة من «التهذيب» و «الخونجي» وغيرها. وبالإجازة ابن غازي نقل عنه في «المازونية» . 2- محمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي «1» : وبه اشتهر نسبة لقبيلة بالمغرب، الحسني، نسبة للحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أم أبيه، قاله تلميذه الملالي في تأليفه التلمساني، عالمها، وصالحها، وزاهدها، وكبير علمائها، الشيخ، العلامة المتفنن، الصالح الزاهد العابد، الأستاذ المحقّق المقرئ، الخاشع: أبو يعقوب يوسف. نشأ خيرا مباركا فاضلا صالحا، أخذ (كما قال تلميذه الملالي) عن جماعة، منهم: والده المذكور، والشيخ العلامة نصر الزواوي، والعلامة محمد بن توزت، والسيد الشريف أبو الحجاج يوسف بن أبي العباس بن محمد الشريف الحسني، أخذ عنه القراءات، وعن العالم المعدل أبي عبد الله الحباب علم الأسطرلاب، وعن الإمام محمد بن العباس الأصول والمنطق، وعن الفقيه الجلاب الفقه، وعن الولي الكبير الصالح الحسن أبركان الراشدي حضر عنده كثيرا، وانتفع به وببركته، وكان يحبه ويؤثره ويدعو له، فحقق الله فيه فراسته ودعوته، وعن الفقيه الحافظ أبي الحسن التالوتي أخيه لأمه «الرسالة» ، وعن الإمام الورع الصالح أبي القاسم الكنابشي «إرشاد» أبي المعالي والتوحيد، وعن الإمام الحجة الورع الصالح أبي زيد الثعالبي «الصحيحين» وغيرهما من كتب الحديث، وأجازه ما يجوز له وعنه، وعن الإمام العالم العلامة الولي الزاهد الناصح إبراهيم التازي، وروى عنه أشياء

_ (1) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (563) .

كثيرة من المسلسلات وغيرها. وعن العالم الأجلّ الصالح أبي الحسن القلصادي الأندلسي الفرائض والحساب، وأجازه جميع ما يرويه وغيرهم. وكان آية في علمه وهديه، وصلاحه وسيرته، وزهده وورعه وتوقيه. جمع تلميذه الملالي في أحواله وسيره وفوائده تأليفا كبيرا في نحو ستة عشر كراسا من القالب الكبير. وكان حليما، كثير الصبر، ربما يسمع ما يكره فيتعامى عنه ولا يؤثر فيه، بل يتبسم، وهذا شأنه في كل ما يغضبه ولا يلقي له بالا، ولا يحقد على أحد، ولا يعبس في وجهه، يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام حتى يعتقد أنه صديقه، وقع له ممن يدعي أنه أعلم أهل الأرض كلام ينقصه، فما بالى به، ولما ألّف بعض عقائده أنكر عليه كثير من علماء أهل وقته، وتكلموا بما لا يليق، فتغير لذلك كثيرا وحزن أياما، ثم رأى في منامه عمر بن الخطاب واقفا على رأسه بيده سيف أو عصا، فهزها على رأسه وهدده بها، وكأنه قال: ما هذا الخوف من الناس. فأصبح قد زال حزنه، واشتدّ قلبه على المنكرين فخرست حينئذ ألسنتهم، فحلم عنهم وسمح، فأقروا بفضله. وكان من عاداته أنه إذا صلى الصبح في مسجده وفرغ من ورده، أقرأ العلم إلى وقت الفطور المعتاد، ثم خرج ووقف مع الناس ساعة بباب داره ثم دخل وصلى الضحى قدر قراءة عشرة أحزاب، ثم اشتغل بالمطالعة في وقت طول النهار، وإلا ربما زالت الشمس وهو في الضحى، وخرج بعد الزوال للخلوات، فلا يرجع إلا للغروب، أو يبقى في بيته فيتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم خرج لمسجده وصلى بالناس الظهر وتنفل أربعا، ويقرىء ثم يتنفل وقت العصر أربعا، ويصلي العصر ويقرأ، أو يخرج لداره. واشتغل بالورد إلى الغروب، ثم خرج للمغرب وتنفل بست ركعات، ويبقى هناك حتى يصلي العشاء، ويقرأ ما تيسر ورجع لداره ونام ساعة، ثم اشتغل بالنظر أو النسخ ساعة وتوضأ، ويصلي باقيا فيها، أو في ذكر لطلوع الفجر، هذا أكثر حاله. وأما وعظه، فكان يقرع الأسماع، وتقشعر منه الجلود، كل من حضر يقول: معي يتكلم، وإياي يعني، جله في الخوف والمراقبة وأحوال الآخرة، لا تخلو مجالسه منه مع حلاوة له، لا توجد في كلام غيره، يعظ كل أحد بحسب حاله، ما رؤي قط إلا وشفتاه متحركتان بالذكر، وربما يكلمه إنسان وهو يذكر الله تعالى، وتسمع لقلبه أنينا من شدة خوفه ومراقبته على الدوام، كان يقول: حقيقة العبودية امتثال الأمر، واجتناب النهي مع كمال الذلة والخضوع.

وكان- رحمه الله- أورع زمانه، يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم، وأتاه في مرضه بعض من يذمه من علماء عصره، فطلب منه أن يسمح له، فغفر له ودعا له، ولما مات بكى عليه هذا العالم شديدا وتألم، ومتى ذكره بكى ويقول: فقدت الدنيا بفقده، كان يثني كثيرا على رجلين من علماء عصره ممن يذمونه ويسيئون إليه، وكان يصلح بين الخصام، ويقضي الحوائج، ذكر أنه كتب يوما ثلاثين كتابا بلا فترة، قال: «كلفني بها إنسان لم أقدر على ردها» . ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بعدة أسفار، وهذه مصائب ابتلينا بها. ومن صبره كثرة وقوفه مع الخلق، ولا يفارق الرجل حتى ينصرف. وهذا كله مع إدامة الطاعات وسواء الطريقة وشدة التّحرّز والإسراع بوفاء حقوق العباد قبل استحقاقها، إذا أعار كتابا رده في أقرب مدة قبل طلب صاحبه، وربما كان سفرا ضخما لا يمكن مطالعته إلا في ثلاثة أيام، فيطالعه يوما واحدا ويرده. وكان يأمر أهله بالصّدقة سيما وقت الجوع ويقول: من أحب الجنة فليكثر الصدقة خصوصا في الغلاء، كثير التصدق بيده، ويكثر الخروج للخلوات ومواضع الخرب الباقية آثارها للاعتبار، وإذا رأى ما كان منها متقنا ذكر حديث: «رحم الله عبدا صنع شيئا فأتقنه» ويقول: أين سكانها؟ وكيف يتنعمون؟. وأما تآليفه فقال الملالي: منها شرحه الكبير على «الحوفية» المسمى «المقرب المستوفى» كبير الجرم، كثير العلم، ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما، ولما وقف عليه شيخه الحسن أبركان تعجب منه، وأمر بإخفائه حتى يكمل سنه أربعين سنة لئلا يصاب بالعين، ويقول له: لا نظير له فيما أعلم، ودعا لمؤلفه، وعقيدته الكبرى سماها «عقيدة التوحيد» في كراريس من القالب الرباعي، أول ما صنفه في الفن، ثم شرحها، ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسا، ثم الصغرى وشرحها في ست، وهي من أجل العقائد لا تعادلها عقيدة، كما أشار إليه هو. حدثني بعضهم أنه مات قريبه وكان صالحا، فرآه في النوم. فسأله عن حاله فقال: دخلت الجنة فرأيت إبراهيم الخليل (عليه السلام) يقرىء صبيانا عقيدة السنوسي، يدرسونها في الألواح يجهرون بقراءتها- اهـ. قال الشيخ: لا شك أنه لا نظير لها فيما علمت، تكفي من اقتصر عليها عن سائر العقائد، وقد نظم سيدي محمد بن يحبش التازي في مدحها أبياتا، وعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى، وشرحها أربع كراريس، وفيه فوائد ونكت، والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى قريبة منها جرما، وشرحها خمس كراريس، وشرح الأسماء الحسنى في كراريس،

وشرحه الكبير على الجزيرية فيه نكت نفيسة، ومختصر الأبي على مسلم في سفرين فيه نكت حسنة، وشرح «ايسا غوجي» في المنطق، تأليف البرهان البقاعي كثير العلم، ومختصره العجيب فيه زوائد على «الخونجي» وشرحه الحسن جدا، وشرح قصيدة الحباك في الأسطرلاب شرح جليل، وشرح أبيات الإمام الاليري في التصوف، وشرح الأبيات التي أولها: تطهر بماء الغيب، وشرحه العجيب على البخاري وصل فيه إلى باب «من استبرأ لدينه» ، وشرح مشكلات البخاري في كراسين، ومختصر الزركشي على البخاري. ومنها عقيدة أخرى فيها دلائل قطعية على من أثبت تأثير الأسباب العادية، كتبها لبعض الصالحين، ومختصر «حاشية التفتازاني» على «الكشاف» ، و «شرح مقدمة الجبر والمقابلة» لابن الياسمين، وشرح «جمل» الخونجي في المنطق، و «شرح مختصر ابن عرفة» ، فيه حل صعوبته، وقال لي: إن كلامه صعب سيما هذا المختصر تعبت كثيرا في حله لصعوبته إلى الغاية، لا أستعين عليها إلا بالخلوة. ومنها شرح رجز ابن سينا في الطب لم يكمل، ومختصر في القراءات السبع، وشرح «الشاطبية» الكبرى لم يكمل، وشرح «الوغليسية» في الفقه لم يكمل، ونظم في الفرائض، واختصار «رعاية» المحاسبي، ومختصر «الرّوض الأنف» للسهيلي لم يكمل، ومختصر «بغية السالك في أشرف المسالك» للساحلي، وشرح «المرشدة» و «الدر المنظوم» في شرح «الجرومية» ، وشرح «جواهر العلوم» للعضد في علم الكلام على طريقة الحكماء، وهو كتاب عجيب جدا في ذلك، إلا أنه صعب متعسّر على الفهم جدا، وتفسير القرآن إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في ثلاثة كراريس، ولم يمكن له التفرغ له، وتفسير سورة «ص» وما بعدها، فهذا ما علمت من تآليفه مع ما له من الفتاوى والوصايا والرسائل والمواعظ، مع كثرة الأوراد وقضاء الحوائج والإقراء- اهـ. وقد أخذ عنه أعلام كابن صعد، وأبي القاسم الزواوي، وابن أبي مدين، والشيخ يحيى بن محمد، وابن الحاج البيدري، وابن العباس الصغير، وولي الله محمد القلعي ريحانة زمانه، وإبراهيم الوجديجي وابن ملوكة، وغيرهم من الفضلاء. وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمسة وتسعين وثمانمائة، وشم الناس المسك بنفس موته، رحمه الله. مولده بعد الثلاثين وثمانمائة. 3- أبو العباس أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي «1» ، الشيخ الإمام الفاضل،

_ (1) ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (265) .

العالم العامل، الولي الصالح الكامل. أخذ عن أبي زيد الثعالبي وغيره، وعنه الشيخ زروق وغيره. ألف اللامية المشهورة في العقائد، شرحها الشيخ السنوسي، وأثنى على ناظمها بالعلم والصّلاح. توفي سنة 884 هـ. 4- محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي «1» : التلمساني خاتمة المحققين، الإمام العالم، العلامة الفهامة، القدوة الصالح السني، أحد الأذكياء، ممن له بسطة في الفهم والتقدم، متمكن المحبة في السنة وبغض أعداء الدين، وقع له بسبب ذلك أمور مع فقهاء وقته حين قام على يهود «توات» ، وألزمهم الذل، بل قتلهم وهدم كنائسهم، ونازعه في ذلك الفقيه عبد الله العصنوني قاضي «توات» ، وراسلوا في ذلك علماء «فاس» و «تونس» و «تلمسان» ، فكتب في ذلك الحافظ التنسي كتابة مطولة، بصواب رأي صاحب الترجمة، ووافقه عليها الإمام السنوسي. دخل بلاد «أهر» وبلاد «تكدة» ، واجتمع بصاحبها، وأقرأ أهلها وانتفعوا به، ثم دخل بلاد «كنو وكشن» من بلاد السودان، واجتمع بصاحب «كنو» واستفاد عليه، وكتب رسالة في أمور السلطنة يحضه على اتباع الشرع، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرر لهم أحكام الشرع وقواعده. ثم رحل لبلاد «التكرور» ، فوصل إلى بلدة «كاغو» ، واجتمع بسلطانها ساسكي محمد الحاج، وجرى على طريقته من الأمر بالمعروف، وألف له تأليفا أجابه فيه عن مسائل، وبلغه هناك قتل ولده بتوات من جهة اليهود، فانزعج لذلك، وطلب من السلطان قبض أهل توات الذين بكاغو حينئذ، فقبض عليهم، وأنكر عليه أبو المحاسن محمود بن عمر إذ لم يفعلوا شيئا، فرجع عن ذلك، وأمر بإطلاقهم، ورحل لتوات فأدركته المنية بها، فتوفي هناك سنة تسع وتسعمائة. ويقال: إن بعض ملاعين اليهود أو غيرهم مشى لقبره فبال عليه فعمي مكانه، وكان- رحمه الله- مقداما على الأمور، جسورا جريء القلب، فصيح اللسان، محبا في السنة جدليا نظارا محققا. له تآليف منها: «البدر المنير في علوم التفسير» ، و «مصباح الأرواح في أصول الفلاح» كتاب عجيب في كراسين أرسله للسنوسي، وابن غازي، فقرظاه، وشرح «مختصر

_ (1) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (576) ، و «بروكلمان» (2/ 363) .

خليل» سماه «مغني النبيل» ، اختصر فيه جدا، وصل فيه للقسم بين الزوجات، وله عليه قطع أخر من البيوعات وغيرها، بل قيل: إنه شرح ثلاثة أرباع المختصر، وحاشية عليه سماها «إكليل المغني» ، وشرح بيوع الآجال من ابن الحاجب، فبحث فيه مع ابن عبد السلام وخليل، وتأليف في المنهيات، ومختصر «تلخيص المفتاح» وشرحه، و «مفتاح النظر» في علم الحديث، فيه أبحاث مع النووي في تقريبه، وشرح «الجمل» في المنطق، ومقدمة فيه، ومنظومة فيه سماها «منح الوهاب» ، وثلاثة شروح عليها. وله أيضا «تنبيه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى مقامات العارفين» ، وشرح خطبة المختصر، ومقدمة في العربية، وكتاب «الفتح المبين» ، وفهرسة مروياته، وعدة قصائد، كالميمية على وزن البردة ورويّها في مدحه صلى الله عليه وسلم. أخذ عن الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ يحيى بن بدير، وغيرهما، وأخذ عنه جماعة، كالفقيه أيد أحمد، والشيخ العاقب الأنصمني، ومحمد بن عبد الجبار الفيجي وغيرهم. ووقع له مراسلة مع الجلال السيوطي في علم المنطق، فمما كتب للسيوطي فيه قوله: [من الطويل] سمعت بأمر ما سمعت بمثله ... وكلّ حديث حكمه حكم أصله أيمكن أنّ المرء في العلم حجّة ... وينهى عن الفرقان في بعض قوله هل المنطق المعنيّ إلّا عبارة ... عن الحقّ أو تحقيقه حين جهله معانيه في كلّ الكلام وهل ترى ... دليلا صحيحا لا يردّ لشكله أرنّي هداك الله منه قضيّة ... على غير هذا تنفها عن محلّه ودع عنك أبداه كفور وذمّة ... رجال وإن أثبتّ صحّة نقله خذ الحقّ حتّى من كفور ولا تقم ... دليلا على شخص بمذهب مثله عرفناهم بالحقّ لا العكس فاستبن ... به لا بهم إذ هم هداة لأجله لئن صحّ عنهم ما ذكرت فكم هم ... وكم عالم بالشّرع باح بضلّه ... في أبيات أخرى، فأجابه السيوطيّ بقوله: [من الطويل] حمدت إله العرش شكرا لفضله ... وأهدي صلاة للنّبيّ وأهله عجيب لنظم ما سمعت بمثله ... أتاني عن حبر أقرّ بنبله

تعجّب منّي حين ألّفت مبدعا ... كتابا جموعا فيه جمّ ب نقله أقرّر فيه النّهي عن علم منطق ... لما قاله الأعلام من ذمّ شكله وسمّاه بالفرقان يا ليت لم يقل ... فذا وصف قرآن كريم ل فضله وقال فيه فيما يقرر رأيه ... مقالا عجيبا نائيا عن مح لّه: ودع عنك أبداه كفور وبعد ذا ... خذ الحقّ حتّى من كفور ب ختله وقد جاءت الآثار في ذمّ من حوى ... علوم يهود أو نصارى ل أجله يعزّز به علما لديه وأنّه ... يعذّب تعذيبا يليق ب فعله وقد منع المختار فاروق صحبه ... وقد خطّ لوحا بعد توراة أهله وقد جاء من نهي اتّباع لكافر ... وإنّ كان ذاك الأمر حقّا ب أصله أقمت دليلا بالحديث ولم أقم ... دليلا على شخص بمذهب مثله سلام على هذا الإمام فكم له ... لديّ ثناء واعتراف بفضله- اهـ- 5- علي بن محمد التالوتي الأنصاري أخو الإمام محمد بن يوسف السنوسي لأمه «1» : قال تلميذه الملالي: شيخنا، الفقيه، الحافظ، المتقن، العالم، المتفنن، الصالح، أبو الحسن، كان محقّقا متقنا حافظا يحفظ كتاب ابن الحاجب، ويستحضره بين عينيه، قل أن ترى مثله حافظا، قرأ عليه أخوه محمد السنوسي «الرسالة» في صغره، وكان من أكابر أصحاب الحسن أبركان، ما رأيته قط مشتغلا بما لا يعنيه، بل إما ذاكرا أو قارئا للقرآن أو مشتغلا بمطالعة أو نحوه، يحفظ «الرسالة» و «ابن الحاجب» ، و «التسهيل» لابن مالك، وغيرها، جعل له وردا كل يوم، قرأت عليه «ابن الحاجب» قراءة بحث وإفادة، وسألته عن وضع الكتاب في الأرض، فقال: حكى شيخنا الحسن أبركان فيه قولين لمتأخري أهل «تونس» و «بجاية» جوازا ومنعا، وسألته عن مستند الناس في عادتهم من عدم أخذ الرجل المقص من صاحبه بل يضعه على الأرض فيأخذه حينئذ، فقال: سألت عنه شيخنا الحسن أبركان فقال: هكذا رأينا شيوخنا يفعلون، ثم قال سيدي علي: ولعلّه علم نسبي- اهـ. قال التنبكي: وقد ذكر السيد الشريف السمهودي الشافعي في كتابه «جواهر العقدين» حكمة منعه عن بعض شيوخه فانظره فيه، قال الملالي: وسألته عن الوتر جالسا قال: فيه قولان بالجواز وعدمه، وذكر أخوه السنوسي أنه يؤخذ جوازه جالسا من قول «المدونة» : أنه

_ (1) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (341) ، و «شجرة النور الزكية» (266) .

يوتر في سفره على الدّابّة- اه. وهذا الأخذ نقله ابن ناجي عن بعض الشيوخ، قال الملالي: رأيت بخطّه عن بعض الصالحين أن من نزل منزلا وجمع أثقاله وخط على حواليها خطّا وهو في داخل الخط، ويقول في داخله ثلاثا: الله الله ربي لا شريك له، لم يضره لصّ ولا عدوّ ولا غيره، ويكون مع ثقله في حرز الله، وهو مجرب- اهـ. وتوفي في صفر عام خمسة وتسعين وثمانمائة، ورأى أخوه السنوسي قبل موته في المنام دارا عظيمة فيها فرش مرتفع فقيل له: هي لأخيك عليّ يدخل فيها عروسا- اهـ. - من الملالي. 6- علي بن عبّاد التّستريّ البكري الفاسي المغربي: «1» أخذ عن أبي بكر البرجي الفقه، وأسئلة كثيرة عن محمد القوري، وسمع الحديث على عبد الرحمن الثعالبي، ومن تآليفه «لطائف الإشارات في مراتب الأنبياء في السموات» ، ولد سنة ثلاثين وثمانمائة. قال التنبكي: وتأليفه المذكور في كراسة ذكر في آخره أنه فرغ منه في ذي الحجة عام ثمانين وثمانمائة. 7- أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق «2» : الإمام العالم الفقيه، المحدث، الصوفي، الولي، الصالح الزاهد، القطب الغوث العارف بالله، الحاج الرحلة المشهورة شرقا وغربا، ذو التصانيف العديدة، والمناقب الحميدة، والفوائد العتيدة، قد عرف بنفسه وأحواله وشيوخه في كناشته وغيرها، فقال: ولدت يوم الخميس طلوع الشمس ثامن وعشرين من المحرم سنة ست وأربعين وثمانمائة، وتوفيت أمي يوم السبت بعده وأبي يوم الثلاثاء بعده كلاهما في سابعي، فبقيت بعين الله بين جدتي الفقيهة أم البنين، فكفلتني حتى بلغت العشر، وحفظت القرآن، وتعلمت صناعة الخرز، ثم نقلني الله بعد بلوغي سادس عشر إلى القراءة، فقرأت «الرسالة» على الشيخين: على السطي، وعبد الله الفخار قراءة بحث وتحقيق، و «القرآن» على جماعة منهم: القوري، والزرهوني، وكان رجلا صالحا، والمجاصي، والأستاذ الصغير بحرف نافع، واشتغلت بالتصوف والتوحيد، فأخذت «الرسالة القدسية» ، و «عقائد الطوسي» على الشيخ

_ (1) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (342) . [.....] (2) ينظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» (130) .

عبد الرحمن المجدولي، وهو من تلاميذ الأبي، وبعض «التنوير» على القوري، وسمعت عليه البخاري كثيرا، وتفقهت عليه في كل «أحكام عبد الحق الصغرى» ، و «جامع الترمذي» ، وصحبت جماعة من المباركين لا تحصى كثرة بين قفيه وفقير. وقال فيه الشيخ ابن غازيّ: صاحبنا الأود الخلاصة الصفي، الفقيه المحدث، الفقير، الصوفي البرنسي، و «برنس» ، بنون مضمومة بعد الراء، نسبة إلى عرب بالمغرب، انتهت فهرسته. وقال الحافظ السخاوي: أخذ على القوري، وكتب على «حكم ابن عطاء الله» ، وعلى «القرطبية» في الفقه، ونظم «فصول السلمي» - اهـ. قال التنبكي: ومن شيوخه، كما ذكره هو، الشيخ الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والولي إبراهيم التازي، والمشذالي، والشيخ حلولو، والسراج الصغير، والرصاع، وأحمد بن سعيد الحباك، والحافظ التنسي، والإمام السنوسي، وابن زكري، وأبو مهدي عيسى المواسي، وبالمشرق عن جماعة كالنور السنهوري، والحافظ الدميري، والحافظ السخاوي، والقطب أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي، وولي الله الشهاب الأنشيطي في جماعة آخرين. وأما تآليفه: فكثيرة يميل إلى الاختصار مع التحرير، ولا يخلو شيء منها عن فوائد غزيرة، وتحقيقات مفيدة سيما في التصوف، فقد انفرد بمعرفته وجودة التأليف فيه، فمنها شرحان على «الرسالة» ، وشرح «إرشاد ابن عسكر» ، وشرح «مختصر خليل» ، رأيت مواضع منه بخطه عن الأنكحة والبيوع وغيرها، وشرح «الوغليسية» ، وشرح «القرطبية» ، وشرح «الغافقية» ، وشرح «العقيدة القدسية» للغزالي، ونيف وعشرون شرحا على الحكم، وقفت على الخامس عشر والسابع عشر منها، وأخبرني والدي- رحمه الله تعالى- أن بعض المكيين أخبره، أن له عليها أربعا وعشرين شرحا، وشرحان على «حزب البحر» ، وشرح «الحزب الكبير» لأبي الحسن الشاذلي، وشرح مشكلاته، وشرح «الحقائق والدقائق» للمقري، وشرح قطع الششتري وشرح «الأسماء الحسنى» ، وشرح «المراصد» في التصوف لشيخه ابن عقبة، و «النصيحة الكافية لمن خصّه الله بالعافية» . واختصره. و «إعانة المتوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين» ، وكتاب «القواعد في التصوف» ، وهذه الثلاثة في غاية النبل والحسن، سيما الأخير لا نظير له. وكتاب «النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنة» ، وكتاب «عدة المريد الصادق من أسباب المقت في بيان الطريق وذكر حوادث الوقت» كتاب جليل فيه مائة فصل بين فيه البدع التي يفعلها فقراء الصّوفية، وله تعليق لطيف على «البخاري» قدر عشرين كراسا اقتصر فيه على ضبط الألفاظ وتفسيرها، وجزء صغير في علم الحديث، وله رسائل كثيرة لأصحابه مشتملة على حكم

ومواعظ وآداب ولطائف التصوف مع الاختصار قلّ أن توجد لغيره، وبالجملة فقدره فوق ما يذكر، ومن تفرغ فذكر حاله وفوائده وحكمه ورسائله جمع منها مجلدا. وهو آخر أئمة الصوفية المحققين الجامعين لعلمي الحقيقة والشريعة، له كرامات عديدة، وحجّ مرات، وأخذ عنه جماعة من الأئمة، كالشمس اللقاني، والعالم محمد بن عبد الرحمن الحطّاب، والزين طاهر القسنطيني، وغيرهم، وقد أجازني سيدي الشيخ الصوفي أحمد بن أبي القاسم الهروي التادلي ما أجازه شيخه العريف الخروبي تلميذ زروق عنه. توفي ب «تكرين» من عمل «طرابلس» «1» في صفر عام تسعة وتسعين وثمانمائة، ووجدت منسوبا إليه من نظمه قوله: [الطويل] ألا قد هجرت الخلق طرّا بأسرهم ... لعلّي أرى محبوب قلبي بمقلتي وخلّفت أصحابي وأهلي وجيرتي ... وتيّمت نجلي واعتزلت عشيرتي ووجّهت وجهي للّذي فطر السّما ... وأعرضت عن أفلاكها المستنيرة وعلّقت قلبي بالمعالي تهمّسا ... وكوشفت بالتّحقيق من غير مرية وقلّدت سيف العزّ في مجمع الوغى ... وصرت إمام الوقت صاحب رفعة وملّكت أرض الغرب طرّا بأسرها ... وكلّ بلاد الشّرق في طيّ قبضتي فملّكنيها بعض من كان عارفا ... وخلّفني فيها بأحسن سيرتي فأرفع قدرا ثمّ أخفض رتبة ... لأرفع مقدارا بأرفع حكمتي وأعزل قوما ثمّ أولي سواهم ... وأعلي منار البعض فوق المنصّة وأجبر مكسورا وأشهر خاملا ... وأرفع مقدارا بأرفع همّتي وأقهر جبّارا وأدحض ظالما ... وأنظر مظلوما بسلطان سطوتي وألهمت أسرارا وأعطيت حكمة ... وحزت مقامات العلا المستنيرة أنا لمريدي جامع لشتاته ... إذا ما سطا جور الزّمان بنكبة وإن كنت في كرب وضيق ووحشة ... فناد أيا زروق، آت بسرعة فكم كربة تجلى بمكنون عزّنا ... وكم طرفة تجنى بأفراد صحبتى

_ (1) طرابلس الغرب: بلدة على جانب البحر. ينظر: «مراصد الاطلاع» (882) .

مصنفات الثعالبي:

مصنّفات الثّعالبيّ: لم تحظ أمة من الأمم بمثل ما حظيت به هذه الأمة الإسلامية من تراث تليد، وأثر حميد، ذلك أن علماءها قد ملئوا مكتباتها بكتب وأسفار تحمل في صفحاتها وصحيفاتها كل علم نافع، سواء في الدنيا أو في الآخرة. ولقد درج الثعالبي- رحمه الله- نفسه ضمن تلك السلسلة المباركة، من شيوخ هذه الأمة، فأخرج لنا نفائس الكتب في مختلف العلوم، إلا أن الذي ذكر لنا في تراجمه لم يكن بالعدد الضخم الذي يبلغ المائة، ولا ما يزيد، مثل ما كان عدد مصنفات ابن الجوزيّ مثلا، فقد قال ابن تيمية عنه: «عددت له ألف مصنف، ثم رأيت بعد ذلك ما لم أر» . وكانت مصنّفات الثعالبي كما يلي: أولا: في التفسير: - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وهو هذا الكتاب. ثانيا: في الفقه: 1- روضة الأنوار، جمعه من نحو من ستين من أمهات الدواوين المعتمدة. 2- جامع الأمهات في أحكام العبادات. ثالثا: في الحديث: 1- أربعون حديثا مختارة. 2- المختار من الجوامع. رابعا: الرقائق وعلوم الآخرة: 1- الأنوار المضيئة في الجمع بين الشريعة والحقيقة. 2- العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة. 3- كتاب النّصائح. 4- جامع الفوائد. 5- الدر الفائق في الأذكار.

6- الإرشاد في مصالح العباد. خامسا: في القراءات: - شرح منظومة ابن بريّ في قراءة نافع. سادسا: تهذيب النّفس: - إرشاد السالك. سابعا: إعراب القرآن وغريبه: 1- تحفة الأقران في إعراب بعض آي القرآن. 2- الذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز. ثامنا: في الخصائص النبوية: - كتاب في معجزاته صلى الله عليه وسلم. وقد أثنى العلماء على مصنّفات الثعالبي، فقال السخاوي: «كان إماما علامة، مصنفا ... » .، وفي شجرة النور: له تآليف كثيرة مفيدة. وبالجملة، فهذا تقييم لأحد مترجمي الإمام الثعالبي، ذكر فيه كتبه وحجمها، ومادتها. قال التنبكي: وأما تآليفه فكثيرة كتفسيره «الجواهر الحسان» في غاية الحسن، اختصر فيه «ابن عطية» مع فوائد وزوائد كثيرة، و «روضة الأنوار، ونزهة الأخيار» ، وهو قدر «المدونة» ، فيه لباب من نحو ستين من أمهات الدواوين المعتمدة، وهو خزانة كتب لمن حصله قال: وجمعته في سنين كثيرة، فيه بساتين وروضات- اهـ. وكتاب «الأنوار في معجزات النبي المختار» صلى الله عليه وسلم، و «الأنوار المضيئة الجامع بين الحقيقة» في جزء، و «رياض الصالحين» جزء، وكتاب «التقاط الدرر» ، وكتاب «الدر الفائق في الأذكار والدعوات» ، و «العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة» مجلد ضخم، وشرح «ابن الحاجب» الفرعي في سفرين، جمع فيه نخب كلام ابن رشد وابن عبد السلام وابن هارون وخليل وغرر ابن عرفة مع جواهر «المدونة» وعيون مسائلها في سفرين، وفي آخره جامع كبير نحو عشرة كراريس من القالب الكبير فيه فوائد، و «إرشاد السالك» جزء صغير،

ثناء العلماء عليه:

و «الأربعون حديثا مختارة» ، و «المختار من الجوامع في محاذاة الدرر اللوامع» ، وكتاب «جامع الفوائد» ، وكتاب «جامع الأمهات في أحكام العبادات» ، وكتاب «النصائح» ، وكتاب «تحفة الإخوان في إعراب بعض آي القرآن» ، و «الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز» ، وكتاب «الإرشاد في مصالح العباد» ، ذكر جميعها في فهرسته. ثناء العلماء عليه: نال الإمام الثعالبي ثناء عطرا من أهل العلم، والله (سبحانه) يعلي ذكر المرء في الأمم والأعصار على قدر إخلاصه ونيته. قال الإمام السخاوي: «وكان إماما مصنفا ... وعمل في الوعظ والرقائق وغير ذلك» . وفي «نيل الابتهاج» قال التنبكي: «الشيخ، الإمام، الحجة، العامل، الزاهد، الورع، ولي الله الناصح الصالح، العارف بالله، أبو زيد، شهر بالثعالبي، صاحب التصانيف المفيدة، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين، قال السخاوي: كان إماما علامة مصنفا، اختصر تفسير ابن عطية في جزءين، وشرح «ابن الحاجب» الفرعي في جزءين، وعمل في الوعظ والرقائق وغيرها- اهـ. قال الشيخ زروق: شيخنا الفقيه الصالح والديا عليه أغلب من العلم، يتحرى في النقل أتم التحري، وكان لا يستوفيه في بعض المواضع- اهـ. قال ابن سلامة البكري: كان شيخنا الثعالبي رجلا صالحا زاهدا عالما عارفا وليا من أكابر العلماء، له تآليف جمة أعطاني نسخة من تفسير «الجواهر» لا بشراء ولا عوض، عاوضه الله بالجنة، وقال غيره: سيدنا ووسيلتنا لربنا الإمام الولي العارف بالله- اهـ. قلت: وهو ممن اتفق النّاس على صلاحه وإمامته، أثنى عليه جماعة من شيوخه بالقلم والدين والصلاح، كالإمام الأبي، والوليّ العراقي، والإمام الحفيد ابن مرزوق. وقال في «شجرة النور الزكية» : «الإمام، علم الأعلام، الفقيه، المفسر، المحدث، الراوية، العمدة، الفهامة، الهمام، الصالح، الفاضل، العارف بالله، الواصل. أثنى عليه جماعة بالعلم والصّلاح والدين المتين» . وقال الغزي في «ديوان الإسلام» : «الإمام، الحبر، العلامة» .

وفاته:

وقال الذّهبيّ في «التفسير والمفسرون» : «الإمام الحجة، العالم العامل، الزاهد، الورع، ولي الله الصالح، العارف بالله، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين» . وفاته: كانت وفاة الثعالبي سنة خمس وسبعين وثمانمائة، كما ذكر تلميذه زروق، وذكره السخاوي في «الضوء اللامع» . إلا أن صاحب «شجرة النور الزكية» حكاها على الشّكّ، بين خمس وست وسبعين. رحمه الله رحمة واسعة!!

المبحث الثاني التفسير قبل أبي زيد الثعالبي التفسير والتأويل

المبحث الثاني التفسير قبل أبي زيد الثعالبي التّفسير والتّأويل التّفسير لغة: التفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: 33] أي: بيانا وتفصيلا، وهو مأخوذ من الفسر، وهو: الإبانة والكشف. قال الفيروزآباديّ «1» : «الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير، والفعل كضرب ونصر» . وقال ابن منظور «2» : «الفسر: البيان، فسر الشيء يفسره- بالكسر- ويفسره- بالضم- فسرا، وفسّره: أبانه، والتفسير: مثله ... والفسر: كشف المغطّى، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل» . وقال أبو حيان «3» : « ... ويطلق التفسير أيضا على التّعرية للانطلاق قال ثعلب: «تقول: فسّرت الفرس: عريته لينطلق في حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري» . وعلى ذلك: فالمادة تدور حول معنيين «4» : الكشف المادّيّ المحسوس، والكشف المعنويّ المعقول.

_ (1) «القاموس المحيط» «فسر» . (2) «اللسان» : مادة «فسر» . (3) «البحر المحيط» 1/ 13. (4) «التفسير» : معالم حياته- منهجه اليوم- أمين الخولي ص 5، و «التفسير والمفسرون» / للذهبي ج 1/ 15.

التفسير اصطلاحا:

وقيل: إن أصل الكلمة من التّفسرة، وهي الدليل من الماء ينظر فيه الطّبيب فيكشف عن علّة المريض كما يكشف المفسّر عن شأن الآية وقصّتها «1» . التفسير اصطلاحا: عرفه السّيوطيّ قائلا «2» : «هو علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيّها ومدنيّها، وبيان محكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها، ونحو ذلك» . وعرّفه أبو حيان فقال «3» : «هو علم يبحث فيه عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفراديّة والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التّركيب وتتمّات ذلك ... » وفيه قصور وغموض «4» ... وتعريف الزركشي أوضح من التعريفين السابقين إذ يقول «5» : «التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزّل على نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنّحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النّزول، والناسخ والمنسوخ» . وهناك تعريفات أخرى- غير ما ذكرنا «6» - وكلها تتفق «على أن علم التفسير علم يبحث عن مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية فهو شامل لكلّ ما يتوقّف عليه فهم المعنى، وبيان المراد» «7» .

_ (1) «الإتقان في علوم القرآن» / للسيوطي 2/ 294، و «تفسير البغوي» 1/ 18 ط المنار، و «اللسان» : فسر. (2) «الإتقان» 2/ 174. (3) «البحر المحيط» ج 1 أو ما بعدها. (4) راجع: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير أبو شهبة ص 41. (5) «البرهان» ج 1/ 33. (6) راجع مثلا: «مناهل العرفان في علوم القرآن» 1/ 406 ط أولى، و «منهج الفرقان في علوم القرآن» ج 2/ 6، «التيسير في قواعد التفسير» / الكافيجي ص 3، 11 وغيرها. (7) «التفسير والمفسرون» 1/ 17.

التأويل لغة:

التأويل لغة: أصله: «من الأول، وهو الرّجوع» . قال الفيروزآباديّ «1» : «آل إليه أولا ومآلا: رجع- وعنه ارتدّ ... وأوّل الكلام تأويلا، وتأوّله: دبّره وقدّره وفسّره، والتأويل عبارة الرّؤيا» . وقال ابن منظور «2» : «الأول: الرّجوع: آل الشّيء يؤول أولا ومآلا: رجع، وأوّل الشّيء: رجعه، وألت عن الشّيء: ارتددت» وفي الحديث: «من صام الدّهر، فلا صام ولا آل» أي: لا رجع إلى خير ... وأوّل الكلام وتأوّله: دبّره وقدّره، وأوّله وتأوّله: فسّره» . وعليه: فالتأويل: إرجاع الكلام إلى ما يحتمله من المعاني. وقيل: التأويل مأخوذ من الإيالة، وهي السّياسة، فكأنّ المؤوّل ساس الكلام ووضعه في موضعه قال الزمخشري «3» : «آل الرّعيّة يؤولها إيالة حسنة، وهو حسن الإيالة، وائتالها، وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم، أي: سائس محتكم قال زياد في خطبته: قد ألنا وإيل علينا، أي: سسنا وسسنا ... » . وقد ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم على معان مختلفة: من ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ... [آل عمران: 7] . بمعنى: التفسير والتعيين. وقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] بمعنى: العاقبة والمصير. وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ... [الأعراف: 53] وقوله

_ (1) «القاموس المحيط» 3/ 331. [.....] (2) «اللسان» / مادة «أول» 1/ 171 وما بعدها. (3) «أساس البلاغة» ص 25 ط الشعب.

التأويل اصطلاحا:

تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: 39] بمعنى: وقوع المخبر به. ومن آيات سورة يوسف «1» أريد بها: نفس مدلول الرؤيا. ومن آيتي سورة الكهف «2» بمعنى بيان حقيقة الأعمال الّتي عملها العبد الصالح، وليس تأويل الأقوال «3» . التأويل اصطلاحا: التأويل عند السلف له معنيان: أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، وبذلك يكون التأويل والتفسير مترادفين، وهذا ما يعنيه «ابن جرير الطبري» في تفسيره حين يقول: «القول في تأويل قوله تعالى ... » وكذا قوله: «اختلف أهل التأويل في هذه الآية ... » . فالتفسير والتأويل كلاهما بمعنى. ثانيهما: هو نفس المراد بالكلام فإن كان الكلام طلبا، كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به وعليه: فالتأويل هنا نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أم مستقبلة، فإذا قيل: طلعت الشّمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا في نظر «ابن تيميّة» هو لغة القرآن التي نزل بها وعلى هذا فيمكن إرجاع كلّ ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني «4» . أما التأويل عند المتأخّرين من الأصوليين والكلاميّين وغيرهم: فهو: «صرف اللّفظ عن المعنى الرّاجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به» ، وهذا هو التأويل الذي يتكلّمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف «5» . قال في «جمع الجوامع» «6» :

_ (1) الآيات: 6، 37، 44، 45، 100. (2) الآيتان: 78، 82. (3) راجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 18، 19. (4) «التفسير والمفسرون» 1/ 19 (بتصرف وإيجاز) . (5) راجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 19. (6) ج 2/ 56، و «التفسير والمفسرون» 1/ 20.

الفرق بين التفسير والتأويل

«التأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل- فصحيح، أو لما يظنّ دليلا من الواقع- ففاسد، أو لا لشيء- فلعب لا تأويل» . الفرق بين التّفسير والتّأويل اختلف علماء «التفسير» في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، ولعل منشأ هذا الخلاف «هو استعمال القرآن لكلمة «التأويل» ، ثم ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاصّ فيها، مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلمين من أصحاب المقالات والمذاهب» «1» . - ومن العلماء من ذهب إلى أنهما بمعنى واحد، ومن هؤلاء: «أبو عبيد القاسم بن سلّام» ، وطائفة معه «2» . - ومنهم من فرق بينهما: يقول الراغب الأصفهانيّ «3» : «التفسير أعمّ من التّأويل، وأكثر ما يستعمل التّفسير من الألفاظ، والتأويل في المعاني كتأويل الرؤيا. والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهيّة، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ، والتّأويل أكثره يستعمل في الجمل فالتفسير: إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ: «كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة» ، أو في تبيين المراد وشرحه كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: 43] ، وإما في كلام مضمّن بقصّة لا يمكن تصوّره إلا بمعرفتها نحو قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: 37] ، وقوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: 189] . وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عامّا، ومرة خاصّا نحو «الكفر» المستعمل تارة في

_ (1) «التفسير» : معالم حياة- ص 6. (2) «الإتقان» 2/ 173، «التفسير والمفسرون» 1/ 21 و «الإسرائيليات والموضوعات» 43. (3) «التفسير والمفسرون» 1/ 21، «نشأة التفسير في الكتب المقدسة والقرآن» / السيد خليل ص 29، نقلا عن: مقدمة التفسير للراغب ص 402- 403 آخر كتاب «تنزيه القرآن عن المطاعن» للقاضي عبد الجبار.

الجحود المطلق، وتارة في جحود الباري خاصّة- و «الإيمان» المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفي تصديق دين الحقّ تارة، وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ «وجد» المستعمل في الجدّ والوجد والوجود» . وقال أبو طالب الثّعلبيّ «1» : «التفسير: بيان وضع اللفظ إمّا حقيقة أو مجازا كتفسير الصراط بالطّريق، والصّيّب بالمطر، والتأويل: تفسير باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر فالتأويل: إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير: إخبار عن دليل المراد لأنّ اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثال قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: 14] تفسيره: أنه من الرّصد يقال: رصدته إذا رقبته، والمرصاد: مفعال منه، وتأويله: التّحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه» . وقال البغويّ «2» : «التأويل: هو صرف الآية إلى معنى محتمل يوافق ما قبلها وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط. والتفسير: هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصّتها» . وقيل: التفسير: ما يتعلق بالرواية، والتأويل: ما يتعلق بالدراية» «3» يقول الكافيجيّ «4» : « ... إن علم التفسير علم يبحث فيه عن أحوال كلام الله المجيد، من حيث إنه يدلّ على المراد بحسب الطاقة البشرية، وينقسم إلى قسمين: تفسير: وهو ما لا يدرك إلا بالنّقل أو السماع، أو بمشاهدة النّزول وأسبابه، فهو ما يتعلّق بالرواية ولهذا قيل: إن التفسير للصحابة. وتأويل: وهو ما يمكن إدراكه بقواعد العربيّة، فهو ما يتعلّق بالدراية ولهذا قيل: إن التأويل للفقهاء، فالقول من الأوّل بلا نقل أو سماع خطأ وكذا القول من الثاني بمجرّد

_ (1) «الإتقان» 2/ 173. (2) «تفسير البغوي» 1/ 18. (3) «الإتقان» 2/ 173. [.....] (4) «التيسير في قواعد التفسير» ص 3، 11.

حاجة الناس إلى التفسير

التشهّي، وأما استنباط المعاني على قانون اللّغة فمما يعدّ فضلا وكمالا» . وقد رجّح المرحوم الدكتور الذهبي هذا الرأي، وعلّل ذلك بقوله «1» : «وذلك لأن التّفسير معناه: الكشف والبيان، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن بعض أصحابه، الذين شهدوا نزول الوحي، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. «وأما التأويل: فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللّفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد، ويتوصّل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لغة العرب، واستعمالها بحسب السياق، ومعرفة الأساليب العربيّة، واستنباط المعاني من كلّ ذلك» . وهذا هو ما نميل إليه. حاجة النّاس إلى التّفسير نزل القرآن الكريم لغرضين أساسيّين: أولهما: ليكون معجزة فلا يقدر البشر على أن يأتوا بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88] ، ولا بسورة من مثله: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يونس: 38] . ثانيهما: ليكون منهج حياة، ودستورا للمسلمين، فيه صلاحهم وفلاحهم إذ تكفّل بكلّ حاجاتهم من أمور الدين والدنيا: عقائد، وأخلاق، وعبادات، ومعاملات ... إلخ. يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الاسراء: 82] ، ففي اتباعه الهداية، وفي الإعراض عنه الشقاء والضّنك فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً

_ (1) «التفسير والمفسرون» 1/ 23.

ْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه: 123- 126] . وبه مخرج الأمّة من أزماتها، ونجاتها من الفتن يقول علي- كرم الله وجهه-: قلت: يا رسول الله، ستكون فتن، فما المخرج منها؟. قال صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، والذّكر الحكيم، والصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به أفلح، ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم» . - ولكي يكون معجزا ويتأتّى تحدّيه للبشر. - ولكي يتأتّى اتخاذه دستورا ومنهج حياة.. - ولكي يتدبّر المؤمنون آياته ... «1» . ولكي يستطيع المسلمون العرب الانطلاق بالدعوة «2» .. لكلّ هذا جاء القرآن عربيّا. وكان القوم- «عند نزوله- سواء من هو حجّة له من المؤمنين الصادقين، ومن هو حجّة عليه من الكافرين الجاحدين- يفهمونه ويحيطون بمعانيه إفرادا وتركيبا فيتلقّون دعوته، ويدركون مواعظه، ويعون تحدّيه بالإعجاز بين مذعنين، يقولون: آمنّا به، ومعاندين يلحدون في آياته، ويمعنون في معارضته كيدا وليّا بألسنتهم وطعنا في الدين. «فما كان منهم من تعذّر عليه فهمه، ولا من خفيت عليه مقاصده ومعانيه، بل كان وضوح معانيه، ويسر فهمه، هو الأصل فيما قام حوله من صراع بين مؤمن يجد فيه شفاء نفسه، وانشراح صدره، وكافر ينقبض لقوارع آياته فلا يزال يدفعها بالإعراض والمعارضة، والدفاع والمقارعة، وكان ذلك هو الأصل أيضا في تكوّن الأمّة المحمّدية، وتولّد التاريخ الإسلاميّ» «3» .

_ (1) قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ.... (2) قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ.... (3) «التفسير ورجاله» / محمد الفاضل بن عاشور ص 7- 8.

يقول ابن خلدون «1» : «إنّ القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلّهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه» . وقد سبقه أبو عبيدة معمر بن المثنّى حين قال «2» : «إنما نزل القرآن بلسان عربيّ مبين فلم يحتج السلف، ولا الذين أدركوا وحيه، إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص» . إلا أن هذا الإطلاق يعارضه قول عمر بن الخطّاب للرسول صلى الله عليه وسلم «3» : «يا رسول الله، إنّك تأتينا بكلام من كلام العرب، وما نعرفه، ولنحن العرب حقّا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ ربّي علّمني فتعلّمت، وأدّبني فتأدّبت» . كما يعارضه صريح القرآن إذ يقول تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] . نعم.. إن هناك ألفاظا لم تستطع بعض القبائل العربيّة معرفتها، ربّما لعدم استعمالهم لها، أو لاحتمال اللفظ عدّة معان، وكذا بعض آيات أشكل عليهم فهم معناها وذلك كسؤالهم النبيّ صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] ، فقالوا: وأيّنا لم يظلم؟ وفزعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فبيّن لهم أنّ المراد بالظّلم الشرك واستدلّ عليه بقوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «4» [لقمان: 13] . ولو صح ما ذهب إليه ابن خلدون وأبو عبيدة، لما كانت حاجة الصحابة إلى تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم. لكنّ تفسير الرسول للقرآن، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة، بيانا لمعنى

_ (1) المقدمة ص 367 ط الأزهرية سنة 1930. (2) «مجاز القرآن» - ط ثانية- دار الفكر. (3) «البرهان في علوم القرآن» للزركشي 1/ 284 ط الحلبي تحقيق أبو الفضل إبراهيم، وقال الصيرفي: ولست أعرف إسناد هذا الحديث، وإن صح، فقد دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف ألسنة العرب. (4) «الإتقان» للسيوطي 2/ 330 و «البرهان» للزركشي 1/ 14.

لفظ، أو توضيحا لمشكل، أو تأكيدا لحكم، أو تفصيلا لمجمل، أو تخصيصا لعامّ، أو تقييدا لمطلق ... إلخ. وكان الصحابة- رضوان الله عليهم- حراصا على حفظ القرآن، وفهم معانيه، وفقه أحكامه ... قال أبو عبد الرحمن السّلميّ: «حدّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يتجاوزوها حتّى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلّمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا» . وإذا كان العرب الخلّص الذين لم تعكّر عربيّتهم عجمة- يحتاجون إلى التّفسير، فنحن أولى وأحوج، بل وأشدّ حاجة إلى تفسير القرآن الكريم إذ صار البون بعيدا بين العرب والفصحى. يقول السّيوطيّ «1» : «ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشدّ احتياجا إلى التفسير» . والحاجة إلى التفسير «إنّما هي حاجة عارضة نشأت من سببين: السبب الأول: هو أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، وإنما كان نزوله وتبليغه في ظرف زمنيّ متسع جدّا قدره أكثر من عشرين عاما، فكان ينزل منجّما على أجزاء مع فواصل زمنيّة متراخية بين تلك الأجزاء، وكان نزوله في تقدم بعض أجزائه وتأخّر البعض الآخر، على ترتيب يختلف عن ترتيبه التعبّديّ لأنّ ترتيب تاريخ النزول كان منظورا فيه إلى مناسبة الظروف والوقائع، مناسبة ترجع إلى ركن من أركان مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وترتيب التلاوة أو الترتيب التعبدي، كان منظورا فيه إلى تسلسل المعاني وتناسب أجزاء الكلام بعضها مع بعض، ... والترتيب الأوّل مؤقّت زائل بزوال ملابساته من الوقائع والأزمنة والأمكنة.

_ (1) «الإتقان» 2/ 296- 297.

فهم الصحابة للقرآن الكريم

أما ترتيب التلاوة التعبديّ فباق لأنه في ذات الكلام، يدركه كلّ واقف عليه وتال له من الأجيال المتعاقبة، بينما الترتيب التاريخيّ لا يدركه إلا شاهد العيان لتلك الملابسات من الجيل الذي كان معاصرا لنزول القرآن ... وكان انقراض تلك الملابسات الوقتية محوجا إلى معرفتها معرفة نقلية تصوّرية، ليتمكّن الآتون من استعمال القرائن والأحوال، التي اهتدى بها إلى معاني التراكيب القرآنية سابقوهم. وأما السبب الثاني: فهو أنّ دلالات القرآن الأصليّة، التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب- تتبعها معان تكون دلالة التراكيب عليها محلّ إجمال أو محلّ إبهام إذ يكون الترتيب صالحا على الترديد لمعان متباينة، يتصوّر فيها معناه الأصليّ ولا يتبيّن المراد منها، كأن يقع التعبير عن ذات بإحدى صفاتها، أو يكنى عن حقيقة بإحدى خواصّها، أو أحد لوازمها ... فينشأ عن ذلك إجمال يتطلّب بيانا، أو إبهام يتطلّب تعيينا ... ولما كان الذين اتصلوا أوّلا بتلك المجملات أو المبهمات أو المطلقات قد رجعوا إلى المبلّغ صلى الله عليه وسلم في طلب بيانها أو تعيينها أو تقييدها فتلقّوا عند ما أفادهم فاطلعوا بأن الذين أتوا بعدهم احتاجوا إلى معرفة تلك الأمور المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لتتّضح لهم تلك المعاني كما اتضحت لمن قبلهم ... » «1» . وبذا تبيّن أن التفسير نشأ منذ بدء الوحي إذ احتاج إليه الصحابة، ثم زادت حاجة التابعين إلى التفسير، ولا سيّما ما رآه الصحابة وسمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتمكّنوا هم من رؤيته ولا سماعه ... ثم اشتدّت حاجة تابعي التابعين. وهكذا كلّما بعد الناس عن عصر نزوله، زادت الحاجة إلى التفسير بمقدار ما زاد من غموض «2» ... فهم الصّحابة للقرآن الكريم نزل القرآن عربيّا على رسول عربيّ، وقوم عرب هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ... [الجمعة: 2] ، فكانوا أخبر بلغتهم، وفهموا القرآن حقّ فهمه، وقد يشكل عليهم فهم آية منه فيرجعون إلى القرآن نفسه، فقد يجدون فيه توضيحا أو تفصيلا، وإلا رجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليفسّر لهم ما أشكل عليهم ...

_ (1) «التفسير ورجاله» من 10- 13. (2) راجع «التفسير والمفسرون» / للذهبي 1/ 101- 102.

وكان الصحابة يجتهدون في فهم القرآن الكريم مستعينين على ذلك ب «1» : 1- معرفة أوضاع اللّغة وأسرارها. 2- معرفة عادات العرب. 3- معرفة أحوال اليهود والنصارى في الجزيرة وقت نزول القرآن. 4- قوّة الفهم، وسعة الإدراك. وبدهيّ أن يتفاوت الصحابة في توافر هذه الأدوات عندهم. وبالتّالي في فهم القرآن الكريم فلم يكونوا جميعا في مرتبة واحدة، ومن هنا كان الاختلاف اليسير بينهم في تفسير القرآن الكريم. ومن ذلك: - ما روي «من أن الصحابة فرحوا حين نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] لظنّهم أنها مجرّد إخبار وبشرى بكمال الدين، ولكنّ عمر بكى وقال: ما بعد الكمال إلّا النّقص، مستشعرا نعي النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد كان مصيبا في ذلك إذ لم يعش النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدها إلا واحدا وثمانين يوما كما روي» «2» . - وفيه ما رواه البخاريّ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال «3» : «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر. فكأنّ بعضهم وجد في نفسه، وقال: لم يدخل هذا معنا، وإنّ لنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: 1] ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذ نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، ولم يقل شيئا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عبّاس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ

_ (1) راجع «التفسير والمفسرون» 1/ 59 وما بعدها. (2) «الموافقات» للشاطبي ج 3/ 384، «التفسير والمفسرون» 1/ 61، 62. [.....] (3) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» 8/ 519، / باب التفسير، وكذا «أسد الغابة» .

أشهر مفسري القرآن من الصحابة

[النصر: 1] فذلك علامة أجلك، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [النصر: 3] فقال عمر: لا أعلم منها إلا ما تقول» . - وقال ابن عباس «1» : «كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 1] ، حتّى أتاني أعرابيّان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها يقول: أنا ابتدأتها» . أشهر مفسّري القرآن من الصّحابة عدّ السّيوطيّ عددا من مفسّري القرآن من الصحابة ذكر منهم: الخلفاء الأربعة، وابن عبّاس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبا موسى الأشعريّ، وعبد الله بن الزّبير رضي الله عنهم. أما الخلفاء الثلاثة الأول، فالرواية عنهم في التفسير قليلة جدّا وذلك بسبب تقدّم وفاتهم، ولا نشغالهم بمهامّ الخلافة «2» . 1- عليّ بن أبي طالب: وأما عليّ- كرّم الله وجهه- فهو أكثرهم تفسيرا للقرآن وذلك لأنه لم يشغل بالخلافة، وإنما كان متفرّغا للعلم حتّى نهاية عصر عثمان ... وكثرة مرافقته للرسول صلى الله عليه وسلم، وسكناه معه، وزواجه من ابنته فاطمة إلى جانب ما حباه الله من الفطرة السليمة ... كلّ ذلك أورثه العلم الغزير حتّى قالت عائشة رضي الله عنها «3» : «أما إنّه لأعلم النّاس بالسّنّة» في زمن كان الصحابة- رضي الله عنهم- متوافرين. وروى معمر، عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطّفيل قال: «شهدت عليّا يخطب، وهو يقول: سلوني فو الله، لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله فو الله، ما من آية إلّا أنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل» . وقيل لعطاء: أكان في أصحاب محمّد أعلم من عليّ؟

_ (1) «الإتقان» 2/ 113. (2) «الإسرائيليات والموضوعات في التفسير» 84، و «التفسير والمفسرون» للذهبي 1/ 64، 65. (3) «الاستيعاب» 3/ 1104، و «أسد الغابة» 4/ 29.

2 - عبد الله بن مسعود:

قال: لا، والله لا أعلمه. وقال ابن مسعود: «إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلّا وله ظهر وبطن، وإنّ عليّ بن أبي طالب عنده من الظّاهر والباطن» «1» . نموذج من تفسير عليّ- رضي الله عنه- للقرآن: قال في تفسير قوله تعالى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً [التوبة: 124] : إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلّما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض، حتّى يبيضّ القلب كلّه، وإنّ النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلّما ازداد النفاق ازداد بذلك السّواد، حتّى يسودّ القلب كلّه، وايم الله، لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتّموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتّموه أسود» «2» . 2- عبد الله بن مسعود: هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمح، وقيل «شمخ» ... ينتهي نسبه إلى مضر، يكنى بأبي عبد الرحمن، وأمّه: أمّ عبد بنت عبد ودّ من هذيل، وكان يقال له: ابن أمّ عبد. أسلم قديما قبل عمر بن الخطّاب، وكان سبب إسلامه: حين مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر- رضي الله عنه- وهو يرعى غنما، فسألاه لبنا فقال: إنّي مؤتمن، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عناقا لم ينز عليها الفحل، فاعتقلها، ثم حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضّرع: أقلص، فقلص، فقلت: علّمني من هذا الدّعاء، فقال: إنّك غلام معلّم ... الحديث «3» . كان عبد الله من أحفظ الصحابة لكتاب الله وأقرئهم له، وكان صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يقرأه عليه، فقال له يوما: اقرأ عليّ سورة النّساء، قال ابن مسعود: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري، يقول: فقرأت عليه، حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: 41] ففاضت

_ (1) راجع «الإتقان» 2/ 319. (2) «تفسير البغوي» - ط المنار 4/ 273. (3) «البداية والنهاية» 7/ 169، «أسد الغابة» 3/ 256- 260.

عيناه صلى الله عليه وسلم «1» . وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» «2» وكان ابن مسعود حريصا على فهم القرآن الكريم يروي الطبريّ وغيره عن ابن مسعود أنه قال: «كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يجاوزهنّ حتّى يعرف معانيهنّ والعمل بهنّ، وعن مسروق قال «3» : قال عبد الله بن مسعود: «والّذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلّا وأنا أعلم فيم نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل لركبت إليه» . وطرق الرواية عن ابن مسعود متعدّدة، وأصحّ هذه الطرق ما جاء من «4» : 1- طريق الأعمش، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود. 2- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود. 3- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وهذه الطرق الثلاثة أخرج منها البخاريّ في صحيحه. وهناك طرق أخرى ك: 1- طريق السّدّيّ الكبير عن مرّة الهمذانيّ عن ابن مسعود أخرج منها الحاكم في مستدركه، وابن جرير في تفسيره- كثيرا. 2- طريق أبي روق عن الضّحّاك عن ابن مسعود، وهي طريق غير مرضيّة أخرج منها ابن جرير في تفسيره أيضا، وهي منقطعة لأن الضّحّاك لم يلق ابن مسعود. وكان لابن مسعود تلاميذ كثير في الكوفة، وكان عمر- رضي الله عنه- لمّا ولّى عمّار بن ياسر على الكوفة سيّر معه عبد الله بن مسعود معلّما ووزيرا، فجلس الكوفيّون إليه وتعلّموا منه.

_ (1) «البداية والنهاية» 7/ 169. (2) «مسند الإمام أحمد» 1/ 7. (3) «صحيح البخاري» - كتاب الفضائل/ باب مناقب عبد الله بن مسعود. (4) «التفسير والمفسرون» للذهبي 1/ 87، 88.

3 - أبي بن كعب:

ويقول العلماء: إن ابن مسعود هو الذي وضع الأساس لطريقة الاستدلال، وقد أثرت هذه الطريقة في مدرسة التفسير، فكثر التفسير بالرأي والاجتهاد «1» ، وسوف يأتي ذكر تلاميذه عند حديثنا عن تفسير التابعين. 3- أبيّ بن كعب: هو: أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النّجّار، سيّد القرّاء «2» ، كنيته: أبو المنذر أو أبو الطّفيل. شهد بيعة العقبة مع السّبعين من الأنصار، وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو أحد المشهورين بحفظ القرآن من الصحابة، وبإقرائه قال فيه عمر بن الخطاب: «أبيّ أقرؤنا» «3» . وهو أحد الذين تلمذ عليهم «ابن عبّاس» يقول ابن عباس «4» : «ما حدّثني أحد قطّ حديثا فاستفهمته، فلقد كنت آتي باب أبيّ بن كعب، وهو نائم، فأقيل على بابه، ولو علم بمكاني لأحبّ أن يوقظ لمكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنّي أكره أن أملّه» . كان أبيّ يكتب في مصحفه أشياء ليست من القرآن الكريم مما يعدّ شرحا، أو تفسيرا، أو سببا لنزول، أو مما نسخ، وكان يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» ، فمن ذلك مثلا: دعاء القنوت «6» . وكان من أعلم الصحابة بكتاب الله وذلك لعدّة عوامل: أنه كان من كتّاب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم. أنه كان حبرا من أحبار اليهود العارفين بأسرار الكتب القديمة وما ورد فيها.

_ (1) المصدر السابق 1/ 120. (2) «تهذيب التهذيب» 1/ 187، «غاية النهاية في طبقات القراء» 1/ 31. «أسد الغابة» 1/ 49- 51. (3) رواه البخاري، وانظر «طبقات القراء للذهبي» 6/ 629 وكذا شهد له النبي صلى الله عليه وسلم. [.....] (4) «طبقات ابن سعد» 2/ 371. (5) «تاريخ الإسلام» للذهبي 2/ 28. (6) راجع «الإتقان» 1/ 66.

4 - عبد الله بن عباس:

وقد تعدّدت طرق الرواية عنه، وأشهر هذه الطّرق: 1- طريق أبي جعفر الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية، عنّ أبيّ، وهي طريق صحيحة، أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا، وأخرج الحاكم منها في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده. 2- طريق وكيع عن سفيان، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل، عن الطّفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه، وهذه يخرج منها الإمام أحمد في مسنده، وهي على شرط الحسن «1» . وتلاميذ أبيّ كثير منهم: أبو العالية، وزيد بن أسلم، ومحمّد بن كعب القرظيّ وغيرهم، ويعدّ أبيّ بن كعب أستاذ مدرسة التفسير في المدينة. 4- عبد الله بن عبّاس «2» : هو: عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم ... يلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجدّ الأول (عبد المطلب) ، فهو ابن عمّ رسول الله. ولد إبّان المقاطعة الاقتصادية الّتي فرضتها قريش على بني المطّلب، أيّ: قبل الهجرة بثلاث سنوات. لازم ابن عبّاس رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنّ الرسول توفّي ولابن عباس من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة. وقد حظي ابن عبّاس بدعوة رسول الله له حين قال صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ، علّمه الكتاب والحكمة» . وفي رواية: «اللهمّ، فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل» . واستجيبت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان عبد الله بن عبّاس «ترجمان القرآن» يقول ابن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس» وذلك لبراعته في التفسير، كما لقّب بالحبر لغزارة علمه، وبالبحر كذلك.

_ (1) راجع «التفسير والمفسرون» 1/ 92، 93. (2) بعض الكتب التي تترجم للمفسرين من الصحابة تقدم ابن عباس على سائر الصحابة لتفوقه في هذا العلم، وبعضها ترجئه بعد الثّلاثة السابقين لتقدمهم في السن عليه وحداثته بينهم.

وإذا كان ابن عبّاس قد فاته طول الصّحبة للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد استعاض عن ذلك بملازمة كبار الصحابة، يسألهم، ويتعرّف أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. يقول ابن عبّاس «1» : «لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطّاب عن المرأتين من أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم اللّتين قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ [التحريم: 4] ، ولم أزل أتلطّف له حتّى عرفت أنهما حفصة وعائشة» . ويقول: «وجدت عامّة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الأنصار فإنّي كنت لآتي الرّجل، فأجده نائما، لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي على وجهي الرّيح، حتّى يستيقظ متى ما استيقظ، وأسأله عمّا أريد ثمّ أنصرف» . لقد تلمذ ابن عبّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّلا، فكان الرسول يعلّمه ويربّيه، قال له يوما: «يا غُلاَمُ، إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف» . وفي خلافة عمر كان لابن عبّاس تقدير خاصّ عنده، فكان يدنيه من مجلسه، رغم حداثة سنّه- كما ذكرنا. وقد أفاد ابن عبّاس من هؤلاء الذين يعدّون بمثابة شيوخه: عمر بن الخطّاب، وأبيّ بن كعب، وعليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، روى عبد الرزّاق عن معمر قال «2» : «عامّة علم ابن عبّاس من ثلاثة: عمر وعليّ وأبيّ بن كعب» . وذكر ابن الأثير الجزريّ في ترجمة ابن عبّاس أنه «3» «حفظ المحكم في زمن

_ (1) «الجامع لأحكام القرآن» / للقرطبي 1/ 22. (2) «تذكرة الحفاظ» للذهبي 1/ 41. (3) «طبقات القراء» 425.

النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم عرض القرآن على أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، وقيل: إنّه قرأ على علي بن أبي طالب- رضي الله عنه» . لقد أوتي ابن عبّاس علما غزيرا جعله أبرز المفسّرين، وأتمّهم اضطلاعا بالتفسير حتّى إنه «لم يبق عند منتصف القرن الأوّل من الهجرة من بين الصحابة وغيرهم إلّا مذعن لابن عبّاس، مسلّم له مقدرته الموفّقة، وموهبته العجيبة، وعلمه الواسع في تفسير القرآن» «1» . لقد امتلك ابن عبّاس أدوات المفسّر فكان عالما بأسرار العربيّة يحفظ الكثير من الشّعر القديم، ويحثّ النّاس على النّظر فيه قائلا «2» : «إذا تعاجم شيء من القرآن، فانظروا في الشّعر فإنّ الشّعر عربيّ» . وهو القائل «3» : «الشّعر ديوان العرب فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الّذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه» . وقد ذكر السّيوطيّ بسنده حوارا دار بين نافع بن الأزرق وابن عبّاس فقال «4» : بينا عبد الله بن عبّاس جالس بفناء الكعبة، قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترىء على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما إليه، فقالا: إنّا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله فتفسّرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب فإنّ الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربيّ مبين، فقال ابن عبّاس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع: أخبرني عن قول الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: 37] . قال: العزون: حلق الرّفاق.

_ (1) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص 16. (2) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص 17. (3) «الإتقان» 1/ 119، «غاية النهاية في طبقات القراء» 426. (4) «الإتقان» 1/ 120.

طرق الرواية عن ابن عباس:

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: [الوافر] فجاءوا يهرعون إليه حتّى ... يكونوا حول منبره عزينا قال: أخبرني عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة: 35] . قال: الوسيلة: الحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم أما سمعت عنترة وهو يقول: [الكامل] إنّ الرّجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي إلى آخر المسائل وأجوبتها «1» . وهي إن دلّت فإنما تدلّ على سعة علمه بلغة العرب، وقوّة ذاكرته مما جعله إمام التّفسير في عهد الصحابة، ومرجع المفسّرين في الأعصر التالية لعصره، وهو إمام مدرسة التفسير في مكّة، وأوّل من ابتدع الطريقة اللّغويّة في تفسير القرآن. طرق الرواية عن ابن عبّاس: تعدّدت طرق الرواية عن ابن عباس، واختلفت تلك الطّرق وأشهر هذه الطّرق وأصحّها «2» : 1- طريق الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبّاس، وتعدّ هذه الطريق من السلاسل الذهبيّة، وقد أخرج منها ابن جرير الطبريّ، وعبد الرّزاق في تفسيرهما. 2- طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح- وعن عكرمة أحيانا- عن ابن عباس، وقد أخرج منها عبد الرّزّاق في تفسيره. 3- طريق معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس ... وقالوا:

_ (1) راجعها في «الإتقان» 1/ 120 وما بعدها. (2) راجع: «الإتقان» 2/ 188، «التفسير والمفسرون» 1/ 77، 88، «حبر الأمة عبد الله بن عباس» ص 182. [.....]

قيمة التفسير المأثور عن الصحابة

إن هذه أجود الطّرق عنه، وفيها قال الإمام أحمد- رضي الله عنه- «إنّ بمصر صحيفة في التّفسير رواها عليّ بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا» . وقال الحافظ ابن حجر: «وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب اللّيث، رواها عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، وهي عند البخاريّ عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه فيما يعلّقه عن ابن عباس» . 4- طريق عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس. وهناك طرق أخرى تلي هذه الطّرق ... «1» . وكان لابن عبّاس مدرسة في التفسير بمكّة، فكان يجلس لأصحابه من التابعين يفسّر لهم كتاب الله تعالى. يقول الإمام ابن تيميّة. «أما التفسير، فأعلم النّاس به أهل مكّة لأنهم أصحاب ابن عبّاس كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عبّاس، وغيرهم من أصحاب ابن عبّاس كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم..» «2» . قيمة التّفسير المأثور عن الصّحابة بعض المحدّثين يعطي التفسير المأثور عن الصحابيّ حكم المرفوع ومن هؤلاء الإمام الحاكم في «مستدركه» إذ يقول «3» : «ليعلم طالب الحديث أنّ تفسير الصحابيّ الذي شهد الوحي والتنزيل- عند الشيخين- حديث مسند» . ولكن قيد ابن الصّلاح والنّوويّ وغيرهما هذا الإطلاق بما يرجع إلى أسباب النّزول، وما لا مجال للرّأي فيه.

_ (1) راجع: «حبر الأمة عبد الله بن عباس» 146 وما بعدها. (2) «مقدمة في أصول التفسير» ص 15. (3) راجع: «تدريب الراوي» ص 64، «التفسير والمفسرون» للذهبي 1/ 94.

يقول ابن الصّلاح «1» : «ما قيل من أنّ تفسير الصحابيّ حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير يتعلّق بسبب نزول آية يخبر به الصّحابيّ، أو نحو ذلك مما لا يمكن أن يؤخذ إلّا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا مدخل للرأي فيه كقول جابر- رضي الله عنه-: كانت اليهود تقول: من أتى امرأة من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول فأنزل الله عزّ وجلّ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... [البقرة: 223] الآية، فأما سائر تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمعدودة في الموقوفات» . وذكروا أن تفسير الصحابيّ له حكم المرفوع إذا لم يكن للرأي فيه مجال، وأما ما يكون للرأي فيه مجال، فله حكم الموقوف. وما حكم عليه بالوقف: قال بعض العلماء: لا يجب الأخذ به لأنه مجتهد فيه، وقد يصيب وقد يخطىء. وقال بعضهم: يجب الأخذ به لأنه: إما سمعه من الرسول، وإما فسّره برأيه، وهم أدرى النّاس بكتاب الله، وهم أهل اللسان، ولما شاهدوه من القرائن والأحوال، ولا سيّما ما ورد عن الأئمّة الأربعة وابن مسعود وابن عبّاس وغيرهم «2» . يقول الزركشيّ «3» : «اعلم أنّ القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنّقل، وقسم لم يرد، والأوّل: إما أن يرد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، أو رءوس التابعين، فالأوّل: يبحث فيه عن صحّة السّند، والثاني: ينظر فيه تفسير الصحابيّ: فإن فسّره من حيث اللغة، فهم أهل اللسان فلا شكّ في اعتماده، أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شكّ فيه ... » . ويقول الحافظ ابن كثير «4» : «.. وحينئذ: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السّنّة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصّحابة فإنّهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصّوا بها، ولما لهم

_ (1) مقدمة «ابن الصلاح» ص 24. (2) «التفسير والمفسرون» ص 95 (بتصرف) . (3) «البرهان» 2/ 183. (4) مقدمة «تفسير ابن كثير» / الجزء الأول.

مدرسة مكة تلاميذ ابن عباس

من الفهم التامّ والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولا سيّما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمّة الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديّين، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم» . مدرسة مكّة تلاميذ ابن عبّاس 1- سعيد بن جبير: هو «1» : سعيد بن جبير بن هشام الأسديّ، مولى بني والبة، يكنى بأبي محمّد «2» أو بأبي عبد الله «3» ، كان حبشيّ الأصل، أسود اللّون، أبيض الخصال «4» . هو أحد كبار التابعين، وإمام من أئمّة الإسلام في التّفسير. كان في أوّل أمره كاتبا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم لأبي بردة الأشعريّ، ثم تفرّغ للعلم حتّى صار إماما علما «5» . أخذ العلم عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل المزنيّ وغيرهم، وتخرّج من مدرسة ابن عبّاس «6» . وكان ابن عباس يثق بعلمه، ويحيل عليه من يستفتيه، وكان يقول لأهل الكوفة إذا أتوه ليسألوه عن شيء: أليس فيكم ابن أمّ الدّهماء؟! يعني: سعيد بن جبير «7» . وكان يحبّ أن يسمع منه، قال له مرّة: حدّث، فقال: أحدّث، وأنت هنا؟ فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدّث، وأنا شاهد فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علّمتك «8» ؟!

_ (1) ترجمته في: «طبقات ابن سعد» 6/ 256، «تقريب التهذيب» 1/ 292، و «فيات الأعيان» 1/ 204، «تهذيب التهذيب» 4/ 11، «البداية والنهاية» 9/ 103، «الأعلام» 3/ 145. (2) «طبقات ابن سعد» ، و «البداية والنهاية» وغيرهما. (3) «طبقات ابن سعد» ، و «البداية والنهاية» وغيرهما. (4) «التفسير والمفسرون» 1/ 104. (5) «الإسرائيليات والموضوعات» 95. (6) «الإسرائيليات والموضوعات» 95. (7) «التفسير والمفسرون» 1/ 105. [.....] (8) «طبقات ابن سعد» 6/ 257، و «وفيات الأعيان» 1/ 204.

مكانته في التّفسير: كان- رضي الله عنه- من أعلم التابعين بالقراءات يقول إسماعيل بن عبد الملك «1» : «كان سعيد بن جبير يؤمّنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره، وهكذا أبدا» . وساعدته معرفته بالقراءات على معرفة معاني القرآن وأسراره، ومع ذلك كان يتورّع من القول في التفسير برأيه. يروي ابن خلّكان «2» : «أن رجلا سأل سعيدا أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب، وقال: لأن يسقط شقّي أحبّ إليّ من ذلك» . وقد شهد له التابعون بتفوّقه في العلم، ولا سيّما التفسير قال قتادة «3» : «وكان أعلم النّاس أربعة، كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتّفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام» . وقال سفيان الثّوريّ «4» : «خذوا التّفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، والضّحّاك» . وقال خصيف «5» : «كان من أعلم التابعين بالطّلاق سعيد بن المسيّب، وبالحجّ عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتّفسير أبو الحجّاج مجاهد بن جبر، وأجمعهم لذلك كلّه سعيد بن جبير» . نموذج من تفسيره: قال سعيد بن جبير: السّبع المثاني هي: البقرة وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس قال: وسمّيت بذلك لأنها بينت فيها الفرائض والحدود «6» . قتله: قتل- رضي الله عنه- سنة أربع وتسعين من الهجرة، قتله الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ

_ (1) «وفيات الأعيان» 1/ 204. (2) «وفيات الأعيان» 1/ 204- 205. (3) «الإسرائيليات والموضوعات» 95. (4) «الإسرائيليات والموضوعات» 95. (5) «وفيات الأعيان» 1/ 204- 205. (6) «تفسير الطبري» 1/ 33، 34.

صبرا وذلك: أن سعيد بن جبير خرج على الخليفة مع ابن الأشعث، فلما قتل ابن الأشعث وانهزم أصحابه من دير الجماجم هرب سعيد، فلحق بمكّة، وكان واليها خالد بن عبد الله القسريّ، فأخذه وبعث به إلى الحجّاج، فقال له الحجّاج: ما أسمك؟ قال: سعيد بن جبير. قال: بل أنت شقيّ بن كسير، قال: بل أمّي كانت أعلم باسمي منك. قال: شقيت أنت وشقيت أمّك، قال: الغيب يعلمه غيرك. قال: لأبدّلنّك بالدّنيا نارا تلظّى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتّخذتك إلها. قال: فما قولك في محمّد؟ قال: نبيّ الرحمة، وإمام الهدى. قال: فما قولك في عليّ؟ أهو في الجنّة أو هو في النار؟ قال: لو دخلتها وعرفت من فيها عرفت أهلها «1» . قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل. قال: فأيّهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقهم. قال: وأيّهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم. قال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين، والطين تأكله النّار؟! قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب. ثم أمر الحجّاج باللّؤلؤ والزّبرجد والياقوت، فجمعه بين يديه، فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتّقي به من فزع يوم القيامة، فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كلّ مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدّنيا إلّا ما طاب وزكا، ثمّ دعا الحجّاج بالعود والنّاي، فلمّا ضرب بالعود، ونفخ بالنّاي بكى سعيد. فقال: ما يبكيك هو اللّعب؟ قال سعيد: هو الحزن: أما النفخ، فذكّرني يوما عظيما، يوم النّفخ في الصّور، وأما

_ (1) هذه رواية المحاجّة بين سعيد والحجاج، أمّا نحن فننزّه سعيدا عن هذا الرد، ونجزم بكون عليّ من أهل الجنة.

العود، فشجرة قطعت من غير حقّ، وأما الأوتار، فمن الشّاء تبعث معها يوم القيامة. قال الحجّاج: ويلك يا سعيد! قال: لا ويل لمن زحرح عن النّار وأدخل الجنّة! قال الحجاج: اختر يا سعيد أيّ قتلة أقتلك. قال: اختر لنفسك يا حجّاج فو الله، لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة! قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو، فمن الله، وأما أنت، فلا براءة لك ولا عذر. قال الحجّاج: اذهبوا به فاقتلوه، فلمّا خرج، ضحك، فأخبر الحجّاج بذلك فردّه، وقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك. فأمر بالنّطع فبسط، وقال: اقتلوه! فقال سعيد: وجّهت وجهي للّذي فطر السّموات والأرض، حنيفا وما أنا من المشركين. قال: وجّهوا به لغير القبلة، قال سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] . قال: كبّوه لوجهه، قال سعيد: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: 55] . قال الحجّاج: اذبحوه! قال سعيد: أما إنّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خذها منّي حتّى تلقاني بها يوم القيامة، ثمّ دعي سعيد فقال: اللهمّ لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي. وكان الحجّاج إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه، ويقول: يا عدوّ الله، فيم قتلتني؟ فيقول الحجّاج: ما لي ولسعيد بن جبير؟! ما لي ولسعيد بن جبير؟ «1» . ذكر عن الإمام أحمد أنه قال «2» : قتل سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلّا وهو محتاج- أو قال: مفتقر- إلى علمه.

_ (1) انظر «وفيات الأعيان» 1/ 205- 206، «تذكرة الحفاظ» 71- 73، «البداية والنهاية» 9/ 101- 103. (2) «طبقات ابن سعد» 6/ 266، «وفيات الأعيان» 1/ 206، «الأعلام» 3/ 145.

2 - مجاهد بن جبر:

2- مجاهد بن جبر: هو: مجاهد بن جبر، أبو الحجّاج القرشيّ المخزوميّ، مولى السّائب بن أبي السّائب المخزوميّ، ولد سنة 21 هـ- في خلافة عمر بن الخطاب، وتوفي سنة 103 هـ «1» . أحد أئمّة التابعين والمفسّرين، وأحد أعلام القرّاء، ومن خاصّة أصحاب ابن عبّاس، اشتهر بقوّة حافظته حتى قال ابن عمر وهو آخذ بركابه: «وددت أنّ ابني سالما وغلامي يحفظان حفظك» «2» . كان مجاهد شغوفا بالعلم، وخاصّة التفسير، روى الفضل بن ميمون عن مجاهد قال «3» : عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرّة. ويقول أيضا «4» : عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاث عرضات، أقف عند كلّ آية، أسأله، فيم نزلت، وكيف كانت؟ ولا تعارض بين الرّوايتين، فالأولى لتمام الضّبط والتجويد، والثانية للعلم والتفسير. أسند مجاهد عن أعلام الصحابة وعلمائهم، عن ابن عمر، وابن عبّاس، وأبي هريرة، وابن عمرو، وأبي سعيد، ورافع بن خديج ... وروى عنه خلق من التابعين «5» . مكانته في التّفسير: كان مجاهد أقلّ أصحاب ابن عبّاس رواية عنه في التفسير، وكان أوثقهم. قال سفيان الثّوريّ «6» : «إذا جاءك التّفسير عن مجاهد، فحسبك به» . وقال ابن تيميّة «7» : «ولذا يعتمد على تفسيره الشافعيّ والبخاريّ وغيرهما من أهل العلم» غير أن بعض العلماء كان لا يأخذ بتفسيره يقول أبو بكر بن عيّاش: قلت للأعمش، ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو: ما بالهم يتّقون تفسير مجاهد؟

_ (1) «طبقات ابن سعد» 5/ 446، «تهذيب التهذيب» 10/ 42، «البداية والنهاية» 9/ 232. (2) «ميزان الاعتدال» 3/ 9. (3) «ميزان الاعتدال» 3/ 9. (4) «تهذيب التهذيب» 10/ 42. [.....] (5) «البداية والنهاية» 9/ 232. (6) «تفسير الطبري» 1/ 30. (7) «مقدمة في أصول التفسير» ص 7 لابن تيمية.

3 - عكرمة:

قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب «1» . لكن هذا لا يقدح في صدقه وعدالته فقد «أجمعت الأمّة على إمامته والاحتجاج به، وقد أخرج له أصحاب الكتب السّتّة» «2» . ثم إنّ سؤال أهل الكتاب أمر مباح- فيما لا يتعلّق بحكم تشريعيّ- أباحه الرسول صلى الله عليه وسلم «3» . كان مجاهد- رضي الله عنه- يعطي عقله حرّيّة واسعة في فهم بعض نصوص القرآن التي يبدو ظاهرها بعيدا فإذا ما مرّ بنصّ قرآنيّ من هذا القبيل، وجدناه ينزّله بكلّ صراحة ووضوح على التشبيه والتمثيل، وتلك الخطّة كانت فيما بعد مبدأ معترفا به، ومقرّرا لدى المعتزلة في تفسير القرآن بالنسبة لمثل هذه النصوص» «4» . نموذج من تفسير مجاهد: روى ابن كثير أن مجاهدا قال في قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [لقمان: 20] ، قال: أما الظاهرة: فالإسلام والقرآن والرسول والرّزق، وأما الباطنة: فما ستر من العيوب والذنوب «5» . وقال في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] قال: من لم يتب إذا أصبح وإذا أمسى، فهو من الظّالمين «6» . 3- عكرمة: هو: عكرمة بن عبد الله البربريّ المدنيّ، مولى عبد الله بن عبّاس، يكنى بأبي عبد الله، أصله من البربر بالمغرب «7» . سمع من مولاه «ابن عبّاس» ، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهم «8» .

_ (1) «طبقات ابن سعد» 5/ 466. (2) «سير أعلام النبلاء» 4/ 324. (3) يقول صلى الله عليه وسلم: بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. (4) «التفسير والمفسرون» 1/ 108. (5) «البداية والنهاية» 9/ 234. (6) «البداية والنهاية» 9/ 234. (7) «طبقات ابن سعد» 5/ 287، «وفيات الأعيان» 1/ 319، «البداية والنهاية» 9/ 254، «الأعلام» 5/ 43. (8) «طبقات ابن سعد» 5/ 287.

تلمذ على يدي عبد الله بن عبّاس، وكان ابن عبّاس لا يألو جهدا في تثقيفه وتعليمه، بل إنّه كان يقسو عليه حتّى يعلّمه، روى ابن أبي شيبة عن عكرمة قال «1» : «كان ابن عبّاس يجعل في رجليّ الكبل يعلّمني القرآن والسّنّة» . وروى البخاريّ في صحيحه عن عكرمة أن ابن عباس قال له «2» : «حدّث النّاس كلّ جمعة مرّة، فإن أبيت فمرّتين، فإن أكثرت فثلاث مرّات، ولا تملّ النّاس هذا القرآن، ولا ألفينّك تأتي القوم، وهم في حديث من حديثهم فتقصّ عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدّثهم، وهم يشتهونه، وانظر السّجع من الدّعاء فاجتنبه فإنّي عهدتّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك» . لقد اهتمّ ابن عبّاس بتلميذه هذا اهتماما كبيرا وكأنّه كان يعدّه ليكون خليفته في تفسير القرآن، وكان يكافئه إذا ما أحسن فهم آية أشكلت على ابن عبّاس. روى داود بن أبي هند عن عكرمة قال: قرأ ابن عبّاس هذه الآية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً [الأعراف: 164] قال ابن عبّاس: لم أدر أنجا القوم أم هلكوا؟ قال: فما زلت أبيّن له حتّى عرف أنهم نجوا، فكساني حلّة «3» . قال شهر بن حوشب: «عكرمة حبر هذه الأمّة» «4» . وقد شهد له الأئمّة الأعلام بالثّقة والعدالة. قال المروزيّ: قلت لأحمد: يحتجّ بحديث عكرمة؟ فقال: نعم، يحتجّ به «5» . وقال ابن معين: إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة وفي حمّاد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام «6» .

_ (1) «البداية والنهاية» 9/ 255، والكبل: القيد. (2) «ميزان الاعتدال» 3/ 93. (3) «طبقات ابن سعد» 5/ 288. [.....] (4) «ميزان الاعتدال» 3/ 93، مقدمة فتح الباري ص 450. (5) «مقدمة فتح الباري» ص 340. (6) «معجم الأدباء» 12/ 189.

وقال البخاريّ: ليس أحد من أصحابنا إلّا وهو يحتجّ بعكرمة «1» . وقد أخرج له: البخاريّ ومسلم وأبو داود والنّسائيّ. علمه ومكانته في التّفسير: كان عكرمة على درجة كبيرة من العلم، فهو من أعلم النّاس بالسّير والمغازي. قال سفيان عن عمرو قال «2» : كنت إذا سمعت عكرمة يحدّث عن المغازي كأنه مشرف عليهم ينظر كيف يصفّون ويقتتلون، وهو من علماء زمانه بالفقه والقرآن. أما التفسير، فقد شهد له الأئمة بذلك، يقول الشّعبيّ: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة «3» . وقال حبيب بن أبي ثابت: اجتمع عندي خمسة: طاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء فأقبل مجاهد، وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلّا فسّرها لهما، فلمّا نفذ ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا «4» . نموذج من تفسير عكرمة: قال عكرمة في قوله تعالى: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي: بالشهوات، وَتَرَبَّصْتُمْ بالتوبة، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ أي: التّسويف، حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ: الموت، وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد: 14] : الشّيطان «5» . وتوفّي عكرمة- رضي الله عنه- بالمدينة سنة سبع ومائة للهجرة، وقيل: سنة أربع ومائة «6» .

_ (1) «مقدمة فتح الباري» ص 450. (2) «البداية والنهاية» 9/ 255، «مقدمة فتح الباري» ص 450. (3) «البداية والنهاية» 9/ 255. (4) «مقدمة فتح الباري» ص 450. (5) «البداية والنهاية» 9/ 259. (6) «تهذيب التهذيب» 7/ 263- 273، «تذكرة الحفاظ» 1/ 90، «البداية والنهاية» 9/ 253.

4 - طاوس:

4- طاوس: هو: طاوس بن كيسان الخولانيّ، أبو عبد الرّحمن. أوّل طبقة أهل اليمن من التابعين، وهو من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن «1» . أدرك جماعة من الصحابة وروى عنهم، وروايته عن ابن عبّاس أكثر، وأخذه عنه في التفسير أكثر من غيره ولهذا عدّ من تلاميذ ابن عبّاس، وجاء ذكره في مدرسته بمكّة «2» . روى عنه خلق من التابعين، منهم: مجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وغيرهم «3» ، شهد له ابن عبّاس بالورع والتقوى، فقال: «إنّي لأظنّ طاوسا من أهل الجنّة» «4» . وطاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب السّتّة. كان طاوس- رضي الله عنه- جريئا في الحقّ، لا يخشى فيه لومة لائم. روى الزّهريّ «5» : أنّ سليمان رأى رجلا يطوف بالبيت، له جمال وكمال، فقال: من هذا يا زهريّ؟ فقلت: هذا طاوس، وقد أدرك عدّة من الصحابة، فأرسل إليه سليمان، فأتاه، فقال: لو ما حدّثتنا!! فقال: حدّثني أبو موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أهون الخلق على الله عزّ وجلّ من ولي من أمور المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم» ، فتغيّر وجه سليمان، فأطرق طويلا، ثم رفع رأسه إليه، فقال: لو ما حدّثتنا!! فقال: حدّثني رجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد عليّا- قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال: إنّ لكم على قريش حقّا، ولهم على النّاس حقّ، ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا ائتمنوا أدّوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين،

_ (1) «البداية والنهاية» 9/ 244. (2) «التفسير والمفسرون» 1/ 114. (3) «البداية والنهاية» 9/ 245. (4) «تهذيب التهذيب» 5/ 9. (5) «البداية والنهاية» 9/ 247. [.....]

5 - عطاء بن أبي رباح:

لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» . قال: فتغيّر وجه سليمان، وأطرق طويلا، ثم رفع رأسه إليه، وقال: لو ما حدّثتنا!! فقال: حدّثني ابن عبّاس أنّ آخر آية نزلت من كتاب الله: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281] . علمه: بلغ طاوس من العلم مبلغا عظيما، وكان واثقا من علمه هذا ... أنكر عليه سعيد بن جبير قوله عن ابن عبّاس: «إنّ الخلع طلاق» ، فلقيه مرّة فقال له: «لقد قرأت القرآن قبل أن تولد، ولقد سمعته وأنت إذ ذاك همّك لقم الثّريد» . وقال قيس بن سعد: «كان طاوس فينا مثل ابن سيرين فيكم» . والتفسير المأثور عنه قليل جدّا، ومعظمه يرويه عن ابن عباس، ولقلّة التفسير المأثور عنه وطول باعه في الفقه قالوا عنه: إنّه فقيه لا مفسّر، وعدّه علماء الفقه فقيها. نموذج من تفسيره: قال في قوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ... [الروم: 39] الآية: «هو الرّجل يعطي العطيّة، ويهدي الهديّة، ليثاب أفضل من ذلك، ليس فيه أجر ولا وزر» . وقد توفّي طاوس- رضي الله عنه- يوم السابع من ذي الحجة سنة 106 هـ، ووافته منيته وهو يحجّ بيت الله الحرام، وصلّى عليه هشام بن عبد الملك، وهو خليفة. 5- عطاء بن أبي رباح: هو: عطاء بن أبي رباح، وأبو رباح هو: أسلم بن صفوان، مولى آل أبي ميسرة بن أبي حثيم الفهريّ «1» . سيّد التابعين علما وعملا وإتقانا في زمانه بمكّة «2» . قال ابن سعد «3» :

_ (1) «طبقات ابن سعد» 5/ 467، «وفيات الأعيان» 1/ 318، «البداية والنهاية» 9/ 317، 318. (2) «ميزان الاعتدال» 3/ 70. (3) «طبقات ابن سعد» 5/ 496، «البداية والنهاية» 9/ 318.

سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود، أعور، أفطس، أشلّ، أعرج، ثمّ عمي بعد ذلك، وكان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث. قال أبو جعفر الباقر وغير واحد «1» : ما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه، وزاد بعضهم: وكان قد حجّ سبعين حجّة، وعمّر مائة سنة، وكان في آخر عمره يفطر في رمضان من الكبر والضّعف، ويفدي عن إفطاره. روى عن عدد كثير من الصحابة، منهم: ابن عمر، وابن عمرو، وعبد الله بن الزّبير، وأبو هريرة، وغيرهم. وسمع من ابن عبّاس التفسير وغيره، وروى عنه من التابعين عدّة، منهم: الزّهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، والأعمش، وغيرهم «2» . مكانته في التّفسير: كان ابن عبّاس يقول لأهل مكّة إذا جلسوا إليه: تجتمعون إليّ يأهل مكّة، وعندكم عطاء؟ «3» . وقال قتادة «4» : كان أعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسّير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام. لم يكن عطاء مكثرا من رواية التّفسير عن ابن عبّاس فضلا عن تفسيره هو، ولعلّ إقلاله في التفسير يرجع إلى تحرّجه من القول بالرّأي «5» . قال عبد العزيز بن رفيع «6» : سئل عطاء عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي.

_ (1) «البداية والنهاية» 9/ 318. (2) «البداية والنهاية» 9/ 318. (3) «تذكرة الحفاظ» 1/ 91. (4) «طبقات ابن سعد» 5/ 496. (5) «التفسير والمفسرون» 1/ 115. (6) «التفسير والمفسرون» 1/ 115.

لكنّه كان يدلي برأيه- أحيانا- في التفسير. روى الطبرانيّ- بسنده- عن يحيى بن ربيعة الصّنعانيّ قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في قوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل: 48] قال: كانوا يقرضون الدّراهم، قيل: كانوا يقصّون منها ويقطعونها «1» . وقيل لعطاء: إن هاهنا قوما يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقال: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد: 17] ، فما هذا الهدى الذي زادهم؟ قلت: ويزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من دين الله، فقال: قال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5] فجعل ذلك دينا «2» . وتوفّي- رضي الله عنه- سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة «3» . وبعد: فهذه هي مدرسة التّفسير بمكّة، تلك التي أسّسها حبر الأمّة عبد الله بن عبّاس، وهؤلاء أشهر شيوخها الذين تخرّجوا فيها على يدي ابن عبّاس، وفي نهاية مطافنا معها نرصد ما يلي: كان لهذه المدرسة دور ضخم في نشر التفسير، وقد هيأ لها هذا الدّور: نبوغ شيوخها، بالإضافة إلى موطن المدرسة «مكّة» حيث البيت الحرام الذي يأتيه الناس من كلّ فجّ عميق. لم يكتف شيوخ هذه المدرسة بنشر التفسير في مكّة، وإنما كان لهم دور بالغ الأهمية خارج مكّة فقد كان لسعيد بن جبير رحلة إلى الرّيّ نشر فيها الكثير من العلم «4» ، وكذلك كان لمجاهد رحلات خارج مكّة، واستقر طاوس باليمن ينشر هناك علم ابن عباس وتفسيره، وأما عكرمة فقد طاف البلاد الإسلاميّة شرقا وغربا إذ رحل إلى خراسان، واليمن، والعراق، والشّام، ومصر، والحرمين «5» .

_ (1، 2) «البداية والنهاية» 9/ 318، 319. (3) «المصدر نفسه» 9/ 317. (4) راجع: «حبر الأمة عبد الله بن عباس» ص 145. (5) راجع: «وفيات الأعيان» 1/ 319، «معجم الأدباء» 12/ 181، «البداية والنهاية» 9/ 254.

مدرسة المدينة تلاميذ أبي بن كعب

جزى الله هؤلاء الأعلام عن القرآن والمسلمين خير الجزاء. مدرسة المدينة تلاميذ أبيّ بن كعب قامت مدرسة المدينة في التفسير على الصحابيّ الجليل أبيّ بن كعب- رضي الله عنه- فهو أستاذها وأشهر مفسّريها. وكان بالمدينة كثير من الصحابة، أقاموا بها، فجلسوا إلى أبيّ يعلمهم كتاب الله وسنّته، ومن أشهر هؤلاء: 1- أبو العالية: هو: زياد، وقيل: رفيع بن مهران الرّياحيّ، مولاهم «1» . مخضرم، أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بسنتين. روى عن: عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس. وابن عمر، وأبيّ بن كعب، وغيرهم. كان من ثقات التابعين، وقد أجمع عليه أصحاب الكتب السّتّة. كان يحفظ القرآن ويتقنه، قال: «قرأت القرآن بعد وفاة نبيّكم بعشر سنين» . وقال: «قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرّات» . وقال فيه ابن أبي داود: «ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية» . رويت عنه نسخة كبيرة في التفسير، رواها أبو جعفر الرازيّ عن الرّبيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيّ، وهو إسناد صحيح. توفّي سنة تسعين من الهجرة، على أرجح الأقوال.

_ (1) راجع: «تهذيب التهذيب» 3/ 284- 285، و «مقدمة فتح الباري» ص 422، وانظر: «التفسير والمفسرون» 1/ 116، 117. [.....]

2 - محمد بن كعب القرظي:

2- محمّد بن كعب القرظيّ: هو: محمد بن كعب بن سليم بن أسد القرظيّ، المدنيّ، أبو حمزة، أو أبو عبد الله، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة منهم: عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وغيرهم، وروى عن أبيّ بن كعب بالواسطة «1» . قال فيه ابن سعد «2» : كان ثقة، عالما، كثير الحديث، ورعا، وهو من رجال الكتب السّتّة. قال فيه ابن عون «3» : ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظيّ: نموذج من تفسيره «4» : قال في قوله تعالى: ... اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا ... : اصبروا: على دينكم، وصابروا: لوعدكم الذي وعدتم، ورابطوا عدوّكم الظاهر والباطن، وَاتَّقُوا اللَّهَ: فيما بيني وبينكم، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] إذا لقيتموني. توفي سنة مائة وثمان من الهجرة «5» ، وقيل: بعد ذلك. 3- زيد بن أسلم: هو «6» : زيد بن أسلم العدويّ، المدنيّ، الفقيه، المفسّر، أبو أسامة، أو أبو عبد الله. كان أبوه مولى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. وكان زيد من كبار التّابعين الذين عرفوا القول بالتفسير. قال فيه الإمام أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنّسائيّ: «ثقة» ، وهو عند أصحاب الكتب السّتّة.

_ (1) «البداية والنهاية» 9/ 268 وما بعدها. (2) راجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 117، و «الإسرائيليات والموضوعات» 98. (3) راجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 117، و «الإسرائيليات والموضوعات» 98. (4) «البداية والنهاية» 9/ 268. (5) المصدر نفسه. (6) «تهذيب التهذيب» 3/ 395- 397، وراجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 118، 119.

مدرسة العراق تلاميذ عبد الله بن مسعود

عرف بغزارة العلم، كان يقرأ القرآن برأيه، ولا يتحرّج من ذلك، إذ يرى جواز التّفسير بالرّأي. وأشهر من أخذ التّفسير عن زيد بن أسلم من علماء المدينة: ابنه عبد الرّحمن بن زيد، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة. وتوفّي سنة ستّ وثلاثين ومائة للهجرة، وقيل غير ذلك. مدرسة العراق تلاميذ عبد الله بن مسعود قامت هذه المدرسة على عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه عنه- وغيره، إلا أنّ ابن مسعود هو أشهر أساتذتها أو هو أستاذها الأوّل لطول باعه في هذا الميدان، بالإضافة إلى أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حين ولّى عمّار بن ياسر على الكوفة، سيّر معه عبد الله بن مسعود، معلّما ووزيرا، فجلس إليه أهل الكوفة وأخذوا عنه أكثر من غيره. ومن أهمّ سمات هذه المدرسة: شيوع طريقة الاستدلال فيها: نظرا إلى أنّ أهل العراق عرفوا بأنهم أهل الرّأيّ، وقد وضع حجر الأساس لهذه الطريقة عبد الله بن مسعود «1» . ومن أشهر رجال هذه المدرسة: 1- علقمة بن قيس: هو: علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك، أبو شبل، النّخعيّ، الكوفيّ. كان من أكابر أصحاب ابن مسعود وعلمائهم، وكان يشبّه بابن مسعود، وكان أعلم أصحابه بعلم ابن مسعود «2» . قال عثمان بن سعيد: «قلت لابن معين: علقمة أحبّ إليك أم عبيدة؟ فلم يخيّر، قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله» . وروى عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ما أقرأ شيئا ولا أعلمه إلّا علقمة

_ (1) «التفسير والمفسرون» 1/ 120 (بتصرف وإيجاز) . (2) «تهذيب التهذيب» 7/ 276- 278، «البداية والنهاية» 8/ 219.

2 - مسروق:

يقرؤه ويعلمه. قال فيه الإمام أحمد: ثقة من أهل الخير، وهو عند أصحاب الكتب الستّة. مات سنة إحدى وستين، وقيل: سنة اثنتين وستّين عن تسعين سنة «1» . 2- مسروق: هو: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أميّة الهمدانيّ، الكوفيّ، العابد، أبو عائشة. سأله عمر يوما عن اسمه، فقال له: اسمي مسروق بن الأجدع، فقال عمر: الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن «2» . روى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وغيرهم. وكان أعلم أصحاب ابن مسعود، وأكثرهم أخذا منه، قال عليّ بن المدينيّ: ما أقدّم على مسروق أحدا من أصحاب عبد الله، يعني: ابن مسعود. وقال الشّعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه. وقد وثّقه علماء الجرح والتّعديل فقال ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله، وقال ابن سعد: «كان ثقة، وله أحاديث صالحة» ، وقد أخرج له الستة. توفّي- رضي الله عنه- سنة ثلاث وستّين من الهجرة على الأشهر «3» . 3- عامر الشّعبيّ: هو: عامر بن شراحيل الشّعبيّ، الحميريّ، الكوفيّ، التّابعيّ الجليل أبو عمرو. قاضي الكوفة «4» .

_ (1) راجع المصدرين السابقين. (2) «تهذيب التهذيب» 10/ 109- 111، «التفسير والمفسرون» 1/ 121، 122، «الإسرائيليات والموضوعات» 99. (3) «تهذيب التهذيب» 10/ 109- 111، «التفسير والمفسرون» 1/ 121، 122، «الإسرائيليات والموضوعات» 99. (4) «تهذيب التهذيب» 5/ 65- 69، «البداية والنهاية» 9/ 239- 240.

4 - الحسن البصري:

كان علّامة أهل الكوفة، إماما حافظا، ذا فنون. وقد أدرك خلقا من الصحابة وروى عنهم، ومنهم: عمر، وعليّ، وابن مسعود، وإن لم يسمع منهم، وروى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عبّاس، وأبي موسى الأشعريّ، وغيرهم. قال الشّعبيّ: أدركت خمسمائة من الصحابة. والشّعبيّ ثقة، فهو عند أصحاب الكتب السّتّة، وقال ابن حبّان في الثقات: كان فقيها شاعرا. وعن سليمان بن أبي مجلز قال: ما رأيت أحدا أفقه من الشّعبيّ، لا سعيد بن المسيّب، ولا طاوس، ولا عطاء، ولا الحسن، ولا ابن سيرين. وقال ابن سيرين: قدمت الكوفة، وللشّعبيّ حلقة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير «1» . ومع أنه قد أوتي هذا الحظّ الوافر من العلم، لم يكن جريئا على كتاب الله حتّى يقول فيه برأيه قال ابن عطية «2» : كان جلّة من السلف كسعيد بن المسيّب، وعامر الشّعبيّ يعظّمون تفسير القرآن، ويتوقّفون عنه تورّعا واحتياطا لأنفسهم، مع إدراكهم وتقدّمهم. توفّي سنة أربع ومائة من الهجرة «3» ، وقيل: سنة تسع ومائة. 4- الحسن البصريّ: هو: الحسن بن أبي الحسن يسار البصريّ، أبو سعيد، مولى الأنصار، وأمّه خيرة مولاة أمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، ربّي في حجرها، وأرضعته بلبانها، فعادت عليه بركة النّبوّة «4» .

_ (1) راجع لهذه الأقوال: «تهذيب التهذيب» ، «البداية والنهاية» ، و «التفسير والمفسرون» . (2) «مقدمة تفسير القرطبي» 1/ 34. [.....] (3) «البداية والنهاية» 9/ 239. (4) «تهذيب التهذيب» 2/ 263- 270، «البداية والنهاية» 9/ 280، «الحسن البصري» للإمام أبي الفرج بن الجوزي- هدية مجلة الأزهر/ محرم 1408 هـ.

5 - قتادة:

ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطّاب. وهو أحد كبار التابعين الأجلّاء علما وعملا وإخلاصا، شهد له بالعلم خلق كثير. قال أنس بن مالك: «سلوا الحسن فإنّه حفظ ونسينا» ، وقال سليمان التّيميّ: «الحسن شيخ أهل البصرة» ، وروى أبو عوانة عن قتادة أنه قال: «ما جالست فقيها قطّ إلّا رأيت فضل الحسن عليه» . وكان أبو جعفر الباقر يقول عنه: «ذلك الّذي يشبه كلامه كلام الأنبياء» «1» . وقد التزم الحسن البصريّ بمنهجه السّلفيّ في تفسير الآيات المتعلّقة بالله وصفاته، ولم يمنعه هذا الالتزام من حرّيّة العقل حين تعرّض لغيرها يقول في تفسير قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49] ، قدّر الله لكلّ شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له، وهذه هي عقيدة السّلف التي بنوها على ما تعلّق بالآية من سبب لنزولها، فعن أبي هريرة قال: جاءت مشركو قريش إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49] «2» . وكان الحسن يعمل عقله وفكره في فهم القرآن وتفسيره يقول في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [النبأ: 23] : «إنّ الله لم يجعل لأهل النّار مدّة، بل قال: لابثين فيها أحقابا، فو الله، ما هو إلّا أنّه إذا مضى حقب دخل آخر ثمّ آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدّة إلّا الخلود» «3» . وتوفّي- رحمه الله- سنة عشر ومائة من الهجرة عن ثمان وثمانين سنة. 5- قتادة: هو: قتادة بن دعامة السّدوسيّ: الأكمه، أبو الخطّاب، عربيّ الأصل، كان يسكن البصرة.

_ (1) «تهذيب التهذيب» 2/ 263. (2) «البغوي الفراء» 221. (3) «البغوي الفراء» 222.

أحد علماء التّابعين، والأئمّة العاملين، روى عن أنس بن مالك وجماعة من التابعين، منهم: سعيد بن المسيّب، وأبو العالية، وزرارة بن أوفى، وعطاء، ومجاهد، وابن سيرين، ومسروق، وأبو مجلز، وغيرهم «1» . وحدّث عنه جماعات من الكبار كالأعمش، وشعبة، والأوزاعيّ، وغيرهم. وكان قويّ الحافظة، واسع الاطّلاع في الشّعر العربيّ، بصيرا بأيّام العرب. كان قتادة على مبلغ عظيم من العلم، فضلا عما اشتهر به من معرفته لتفسير كتاب الله تعالى، وقد شهد له بذلك كبار التّابعين والعلماء. قال فيه سعيد بن المسيّب: «ما أتاني عراقيّ أحسن من قتادة» . وقد استخدم قتادة معرفته باللّغة العربية في التفسير، وأعمل فكره في تفهّم الآيات، بجانب روايته عن السّلف. وقد توفّي- رضي الله عنه- سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، عن ستّ وخمسين سنة على المشهور، وقيل: سنة خمس عشرة ومائة «2» . وبعد: فهذه هي مدارس التفسير المشهورة في عصر التابعين، الذين تلقّوا غالب أقوالهم في التفسير عن الصحابة، وبعضهم استعان بأهل الكتاب، ثم اجتهدوا مستعينين على ذلك بما بلغوا من العلم ودقّة الفهم، وقرب عهدهم من الرسول صلى الله عليه وسلم، والعرب الخلّص، فلم تفسد سليقتهم. وهناك مدارس أخرى غير هذه المدارس الثّلاث، ولكنّها لم ترق لشهرة هذه الثلاث، ومن هذه: مدرسة مصر التي اشتهر من شيوخها: يزيد بن حبيب الأزديّ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله، وغيرهما. ومدرسة اليمن التي أرسى دعائمها طاوس بن كيسان، وكان من أشهر شيوخها: وهب بن منبّه الصّنعانيّ.

_ (1) «وفيات الأعيان» 2/ 179، «البداية والنهاية» 9/ 326، «تهذيب التهذيب» 8/ 351. (2) راجع: «تهذيب التهذيب» 8/ 351- 356، «البداية والنهاية» 9/ 325، 326.

قيمة التفسير المأثور عن التابعين

وهكذا بذل هؤلاء التابعون جهدا ضخما في حمل الأمانة عن الصحابة، ثم جاء تابعو التّابعين ليكملوا المسيرة، وظلّت تتوارث حتّى وصلت إلينا، فجزى الله كلّ من أسهم في هذا العلم خير الجزاء، ونفعنا الله بالقرآن وعلومه!! قيمة التّفسير المأثور عن التّابعين تفسير التّابعيّ: إما أن يكون مأثورا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أو عن صحابته، أو لا، فإن كان مأثورا عن النبيّ، يأخذ حكم تفسيره صلى الله عليه وسلم، وكذلك إن كان مأثورا عن الصحابة. وإن لم يكن مأثورا عن النبيّ ولا عن الصحابة، فقد اختلف العلماء في الرّجوع إليه والأخذ بأقوال التابعين فيه. فقد نقل عن أبي حنيفة أنّه قال «1» : ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرّأس والعين، وما جاء عن الصّحابة تخيّرنا، وما جاء عن التّابعين فهم رجال، ونحن رجال. ونقلوا عن الإمام أحمد روايتين، إحداهما: بالقبول، والأخرى: بعدم القبول «2» . وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يؤخذ بتفسير التابعين لأنهم لم يسمعوا من النبيّ صلى الله عليه وسلم بخلاف تفسير الصّحابة الذين سمعوا من النبيّ صلى الله عليه وسلم وشاهدوا القرائن والأحوال. وأكثر المفسّرين على الأخذ بأقوال التابعين لأنهم تلقوا على أيدي الصحابة كما سبق أن ذكرنا. والرّأي الذي نرجّحه، ونميل إليه هو ما ذكره ابن تيميّة، قال «3» : «قال شعبة بن الحجّاج وغيره: أقوال التابعين ليست حجّة، فكيف تكون حجّة في التفسير!! يعني أنها لا تكون حجّة على غيرهم ممّن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجّة، فإن اختلفوا، فلا يكون قول بعضهم حجّة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك» .

_ (1) راجع: «التفسير والمفسرون» للذهبي 1/ 129. (2) المصدر نفسه. (3) «مقدمة في أصول التفسير» ابن تيمية 28- 29، «الإتقان في علوم القرآن» 2/ 179.

سمات التفسير في تلك المرحلة

سمات التّفسير في تلك المرحلة أتّسم التفسير في تلك المرحلة بعدّة سمات، من أبرزها «1» : أنه اعتمد على التلقّي والرواية، وغلب على التلقّي والرواية طابع الاختصاص، فكان لكلّ بلد مدرسته وأستاذه، فمكّة: أستاذها ابن عبّاس، والمدينة: أستاذها أبيّ بن كعب، والعراق: أستاذه ابن مسعود، وهكذا. دخول أهل الكتاب في الإسلام كان سببا في تسلّل الدّخيل إلى علم التفسير، وقد تساهل التابعون في النّقل عنهم- فيما لا يتعلّق بالأحكام الشرعية- بدون تحرّ ونقد، وأكثر من روي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وغيرهم. كان بدهيّا أن يختلف التابعون في التفسير نظرا لتعدّدهم وكثرتهم، واختلاف مدارسهم التي تخرّجوا فيها، ولكنه خلاف ليس بالكثير إذا ما قيس بالعصور اللاحقة. كما ظهرت نواة الخلاف المذهبيّ إذ ظهرت بعض التفسيرات تحمل في طيّاتها بذورا لتلك المذاهب. التّفسير في عصر التّدوين تبدأ هذه المرحلة في أواخر العصر الأمويّ وأوائل العصر العباسيّ إذ انتشر التدوين بصورة واسعة، وعني العرب «بتدوين كلّ ما يتّصل بدينهم الحنيف، فقد تأسّست في كلّ بلدة إسلامية مدرسة دينية عنيت بتفسير الذّكر الحكيم، ورواية الحديث النبويّ، وتلقين الناس الفقه وشئون التشريع، وكان كثير من المتعلّمين في هذه المدارس يحرصون على تدوين ما يسمعونه ... » «2» . تدوين التّفسير: اختلف في أوّل من ألّف تفسيرا «مكتوبا» ، فبعضهم يذكر أن عبد الملك بن جريج «3» (ت 149 هـ.) هو أوّل من ألّف تفسيرا مكتوبا.

_ (1) راجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 131، 132. (2) «تاريخ الأدب العربي» / العصر الإسلامي د. شوقي ضيف 452. (3) هو عبد الملك عبد العزيز بن جريج، أبو خالد، أو أبو الوليد، مولاهم، من علماء مكة ومحدثيها، ولد سنة 80 هـ، توفي سنة 149 هـ، أول من صنف بالحجاز الكتب، نقل عنه ابن جرير في تفسيره. راجع «طبقات ابن سعد» .

أقسام التفسير

وذكر ابن النّديم: أن أبا العبّاس ثعلبا قال: كان السّبب في إملاء كتاب الفرّاء في المعاني أنّ عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفرّاء: إنّ الأمير الحسن بن سهل، ربّما سألني عن الشّيء بعد الشّيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه، فعلت، فقال الفرّاء لأصحابه: اجتمعوا حتّى أملي عليكم كتابا في القرآن ... فقال الفرّاء لرجل: اقرأ بفاتحة الكتاب نفسّرها، ثم نوفي الكتاب كلّه، فقرأ الرجل وفسّر الفرّاء، قال أبو العبّاس: «لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أنّ أحدا يزيد عليه» «1» . وبذلك يكون ابن النّديم قد عدّ «الفرّاء» أوّل من ألّف تفسيرا للقرآن مدوّنا. ولكن ابن حجر يذكر أن التفسير المدوّن كان قبل الفرّاء وقبل ابن جريج إذ يقول «2» : «وكان عبد الملك بن مروان (ت 86 هـ.) سأل سعيد بن جبير (ت 95 هـ.) أن يكتب إليه بتفسير القرآن فكتب سعيد بهذا التفسير، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير. ويبدو أنه من الصّعب تحديد أوّل من فسّر القرآن تفسيرا مدوّنا على تتابع آياته وسوره كما في المصحف. أقسام التّفسير وظل الخلف يحمل رسالة السّلف جيلا بعد جيل، حتّى وصلت مسيرة التفسير إلى تابعي التابعين، وهنا تعدّدت اتجاهات التفسير إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية هي: أوّلا- الاتّجاه الأثريّ (التّفسير بالمأثور) : والمأثور: اسم مفعول من أثرت الحديث أثرا: نقلته، والأثر: اسم منه، وحديث مأثور، أي: منقول «3» . وعلى ذلك، فهو يشمل المنقول عن الله تبارك وتعالى- في القرآن الكريم،

_ (1) «الفهرست» ص 99. [.....] (2) «تهذيب التهذيب» 7/ 198. (3) «المصباح المنير» (أثر) ، «الإسرائيليات والموضوعات» أبو شهبة ص 64.

-"ابن جرير الطبري":

والمنقول عن النبيّ صلى الله عليه وسلم والمنقول عن الصّحابة، والمنقول عن التّابعين. وجلّ الذين يكتبون عن تاريخ التفسير ويتحدّثون عن الاتجاه الأثريّ يبدأونه بالطبريّ، «فيقطعون بذلك اتصال سلسلة التطوّر في الأوضاع التفسيريّة بين القرن الأول والقرن الثالث بإضاعة حلقة من تلك السلسلة التي تمثّل منهج التفسير في القرن الثّاني لأن تفسير ابن جرير الطبريّ ألّف في أواخر القرن الثالث، وصاحبه توفّي في أوائل القرن الرّابع، وبالوقوف على هذه الحلقة- وهي إفريقيّة تونسيّة- يتّضح كيف تطوّر فهم التفسير عما كان عليه في عهد ابن جريج، إلى ما أصبح عليه في تفسير الطبريّ، ويتضح لمن كان الطبريّ مدينا له بذلك المنهج الأثريّ النظريّ الذي درج عليه في تفسيره العظيم. «ذلك التفسير هو أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، ويعدّ صاحبه مؤسّس طريقة التفسير النقديّ، أو الأثريّ النظريّ الذي صار بعده «ابن جرير الطبريّ» واشتهر بها. ذلك هو تفسير «يحيى بن سلّام» التميميّ البصريّ المتوفّى سنة 200 هـ، ويقع في ثلاث مجلّدات ضخمة، وقد بناه على إيراد الأخبار مسندة، ثم تعقّبها بالنقد والاختيار، وكان يبني اختياره على المعنى اللّغويّ والتخريج الإعرابيّ، وتوجد من هذا التفسير نسخة بتونس «1» . ويعدّ ابن جرير الطبريّ ربيب تلك الطريقة، طريقة يحيى بن سلّام، وثمرة غرسه، وقد ذكر السّيوطيّ عددا من مفسّري هذا الاتجاه الأثريّ منهم: يزيد بن هارون ت 117 هـ. شعبة بن الحجّاج ت 160 هـ. وكيع بن الجرّاح ت 197 هـ. سفيان بن عيينة ت 198 هـ، وغيرهم. - «ابن جرير الطّبريّ» «2» : لكنّ التفسير حين انتهى إلى الطبريّ في أوائل القرن الثالث الهجريّ «كان نهرا مزبدا،

_ (1) «التفسير ورجاله» / ابن عاشور ص 27. (2) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الإمام أبو جعفر الطبري، ولد سنة 224 هـ، وتوفي سنة 310 هـ. وقد جاوز الثمانين بخمس أو ست سنين.

طريقة الطبري في التفسير:

ذا ركام ورواسب، قد انصبّ إلى بحر خضمّ عباب، فامتزج بمائه، وتشرّب من عناصره، وصفا إليه من زبده، وتطهّر لديه من ركامه ورواسبه» «1» . «وابن جرير» فقيه، عالم تبحّر في فنون شتّى من العلم، فهو أحد المشاهير من رجال التّاريخ، ويعدّ كتابه «تاريخ الأمم والملوك» فيه مرجع المراجع، وبه صار إمام المؤرّخين غير منازع. وقد شهد له بذلك كثير من الأعلام يقول الخطيب البغداديّ «2» : «جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات كلّها، بصيرا بالمعاني، فقيها في الأحكام، عالما بالسّنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتّابعين ومن بعدهم، عارفا بأيّام النّاس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنّف أحد مثله ... » . لقد امتلك الطبريّ أدوات التّفسير فاستخدمها بمهارة وحذق، ومن هنا عدّ تفسيره «ذا أوّليّة بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية من ناحية الفنّيّة والصياغة، أما أوليته الزمنية: فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا وما سبقه من المحاولات التفسيريّة، ذهبت بمرور الزّمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهمّ، إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الخالد الذي نحن بصدده» . «وأما أوليته من ناحية الفنّ والصياغة، فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة الّتي سلكها فيه مؤلّفه، حتّى أخرجه للنّاس كتابا له قيمته ومكانته» «4» . طريقة الطّبريّ في التّفسير: حين يفسّر الطبريّ آية يضع لها عنوانا هكذا «القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه ... » ثم يقول: «يعني تعالى بذلك ... » ويستشهد على التفسير بما يرويه بسنده إلى الصّحابة أو

_ (1) «التفسير ورجاله» ص 30. (2) «البداية والنهاية» لابن كثير 11/ 156. (3) هذا على اعتبار فقد تفسير «يحيى بن سلام» الذي أشرت إليه آنفا، أما وقد ذكر الإمام الفاضل بن عاشور أن نسخة من الكتاب موجودة في تونس فإن تفسير الطبري لا يعد ذا أولية زمنية. (4) «التفسير والمفسرون» 1/ 205.

ثانيا - الاتجاه اللغوي:

التابعين، عارضا المعاني الحقيقة والمجازية في استعمالات العرب، مستشهدا بالشّعر العربيّ على ما يثبت استعمال اللفظ في المعنى الذي حمله عليه. وقد يعرض أقوال الصحابة والتابعين إذا تعدّدت في الآية الواحدة، ثم لا يكتفي بمجرّد العرض، وإنما يرجح رأيا على رأي بقوله «1» : «وأولى الأقوال عندي بالصّواب ... » أو «وقال أبو جعفر: والصّواب من القول في هذه الآية ... » ، أو «وأولى التأويلات بالآية ... » ، ثم يويّد رأيه بقوله: «وبمثل الذي قلنا قال أهل التّأويل ... » أو بعرض حجج وأدلة قائلا: «وإنّما رأينا أنّ ذلك أولى التأويلات بالآية لأنّ ... » ، وقد عني ابن جرير بالقراءات عناية كبيرة، ولا غرو، فهو من علماء القراءات المشهورين، وله فيها مؤلّف، إلا أنه ضاع ضمن ما ضاع من التراث العربيّ القديم. كما اهتم الطبريّ بالشعر القديم، يستشهد به على الغريب، وهو في ذلك تابع لابن عباس كما كانت له عناية بالمذاهب النحويّة البصريّة والكوفيّة، يورد الرّأي ويوجّهه. ويورد بعض الأحكام الفقهيّة في تفسيره، مختارا لأحد الآراء، مؤيّدا اختياره بالأدلّة العلميّة القيّمة ... «2» . رحم الله الطبري وجزاه عن القرآن وتفسيره خير الجزاء. ثانيا- الاتّجاه اللّغويّ: وقد بدا هذا الاتجاه واضحا في أواخر القرن الثاني الهجريّ وأوائل القرن الثّالث إذ نشأ علم النّحو، ونضجت علوم اللغة على أيدي الرّوّاد أمثال أبي عمرو بن العلاء، ويونس بن حبيب، والخليل بن أحمد الفراهيديّ، وغيرهم. وكان الغرض الأسمى من تأصيل هذه العلوم وتقعيدها خدمة القرآن الكريم صيانة له من اللّحن، ولا سيما بعد اتصال العرب بالعجم. وقد أثّرت هذه الدراسات في تفسير القرآن تأثيرا كبيرا إذ اشتغل اللغويّون أنفسهم بالقرآن ولغته، وكان من أشهر هؤلاء العلماء «أبو عبيدة معمر بن المثنّى» المتوفّى سنة

_ (1) راجع: «تفسير الطبري» . (2) راجع: «التفسير والمفسرون» 1/ 202- 218.

208 هـ. أو 215 هـ، وقد ألف كتابه «مجاز القرآن» سنة 188 هـ «1» ، ويعدّ هذا الكتاب أقدم مؤلّف في معاني القرآن وصل إلينا. وأبو عبيدة موسوعة علمية له مؤلّفات في مجالات شتّى، وقد «أوتي لسانا صارما جلب على نفسه عداوات كثيرة، ثم تنفّس به العمر قرابة قرن كامل زامل فيه أعلاما كبارا، وجادل خصوما كثارا، وشهد تلاميذه ومن في طبقتهم يجادلون عنه، ويجادلون فيه، فقرّب وباعد، وواصل وقاطع، ولكنّ مخالفيه كانوا من الكثرة بحيث أرهقوه وضايقوه، حتّى جاءه الأجل فلم ينهض لتشييع جنازته أحد، وعلّل ذلك بما ترك من حزازات أدبية» «2» . ويحكي أبو عبيدة سبب تأليفه كتاب «مجاز القرآن» فيقول: «أرسل إليّ الفضل بن الربيع والي البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة، فقدمت إلى بغداد واستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه، وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسيّ، وهو جالس عليها، فسلّمت عليه بالوزارة، فردّ وضحك إليّ، واستدناني حتّى جلست إليه على فرشة، ثم سألني وألطفني وباسطني، وقال: أنشدني، فأنشدتّه فطرب وضحك، وزاد نشاطه، ثم دخل رجل في زيّ الكتّاب له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة! أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا، وقال لي: إنّي كنت إليك مشتاقا، وقد سألت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرّفك إيّاها؟ فقلت: هات، قال: قال الله عزّ وجلّ: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: 65] ، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله وهذا لم يعرف، فقلت: إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم أما سمعت قول امرئ القيس: [الطويل] أَيَقْتُلُنِي وَالمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ وهم لم يروا الغول قطّ، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم، أو عدوا به فاستحسن الفضل ذلك، واستحسن السّائل، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه، فلمّا رجعت إلى البصرة، عملت كتابي الذي سمّيته

_ (1) «معجم الأدباء» 19/ 158. (2) «خطوات التفسير البياني» د. رجب البيومي ص 37، 38، وراجع: «معجم الأدباء» 19/ 160.

ثالثا - الاتجاه البياني:

المجاز، وسألت عن الرجل السائل، فقيل لي: هو من كتّاب الوزير وجلسائه وهو إبراهيم بن إسماعيل الكاتب» «1» . وبعض العلماء ينكر هذه القصّة لأن أبا عبيدة لم يشر إليها في مقدّمة كتابه ... «2» . ومن الذين كتبوا عن اتجاهات التّفسير من يسلك أبا عبيدة- من خلال كتابه هذا- في سلك الاتجاه البيانيّ في التّفسير، وأكثرهم يعدّه رائدا في الاتجاه اللّغويّ. على أن أبا عبيدة لم «يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنّما عنى بمجاز الآية ما يعبّر به عن الآية» «3» . فقد يستعمل أبو عبيدة لفظ المجاز قاصدا به معنى اللّفظ، فمثلا في قوله تعالى: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [الأحقاف: 15] يقول: «مجازه: شددني إليك، ومنه قولهم: وزعني الحلم عن السّفاه، أي: منعني، ومنه الوزعة: الّذين يدفعون الخصوم والنّاس عن القضاة والأمراء» ثم يستشهد بالبيت: على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... فَقُلْتُ ألمّا تصح والشّيب وازع «4» وأما أبو زكريّا الفرّاء المتوفّى سنة 207 هـ، فكان يستعين بتفسيرات السّلف، مضيفا له ما أدّى إليه اجتهاده اللغويّ، وكذا الزّجّاج المتوفّى سنة 311 هـ «5» . لقد استلهم الفرّاء الحسّ اللّغويّ محكّما ذوقه وعقله كما راعى السّياق العامّ في الآية ولذا نجده يفضّل قراءة تحقّق التجانس بين الكلمات المتجاورات على غيرها «6» . ثالثا- الاتّجاه البيانيّ «7» : وبذور هذا الاتجاه نجدها في تفسير ابن عبّاس المبثوث في ثنايا التفسير الأثريّ، ومن

_ (1) «معجم الأدباء» 19/ 158. (2) راجع «خطوات التفسير البياني» ص 44، 45 وقد ذكر الدكتور رجب البيومي أسبابا أخرى ومبررات لرفض هذه القصة. [.....] (3) «فتاوى ابن تيمية» كتاب الإيمان ص 88. (4) «مجاز القرآن» 2/ 92، 93. (5) راجع البغوي الفراء ص 238. (6) راجع البغوي الفراء ص 239، 240 (بتصرف وإيجاز) . (7) بعض المؤلفين في تاريخ التفسير يضعون اتجاها ثالثا بدلا من هذا الاتجاه يطلقون عليه «الاتجاه النقدي» ، وبعضهم يسلك هذا الاتجاه ضمن الاتجاه الأثري. انظر: «التفسير ورجاله» : ابن عاشور ص 26.

أمثلة ذلك: ما رواه ابن جرير في تفسير قوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة: 266] أن عمر- رضي الله عنه- سأل النّاس عن هذه الآية، فما وجد أحدا يشفيه، حتّى قال ابن عباس، وهو خلفه: يا أمير المؤمنين، إني أجد في نفسي منها شيئا، فتلفّت إليه، فقال: تحوّل هاهنا لم تحقّر نفسك؟ قال: هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ، فقال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير وأهل السّعادة حتّى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فَنِيَ عمره واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ من عمل أهل الشقاء، فأفسده كلّه فحرقه أحوج ما كان إليه «1» . «وهو من باب الاستعارة التمثيلية، وقد ألمع إليه ابن عبّاس بقوله المقارب: هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ ... إلخ، وهل قال البلاغيّون فيما بعد غير ذلك؟!» «2» . ونهج تلاميذ ابن عبّاس نهجه، وكان أكثرهم نتاجا في هذا الاتجاه «مجاهدا» «3» ، وأما تأصيل هذا الاتجاه فقد كان على يد «أبي عبيدة» صاحب «مجاز القرآن» ، ويعدّ صاحب الخطوة الأولى في هذا الاتجاه. «وفضل هذا الكتاب في الدراسات البلاغيّة: أنه حين تعرّض للنصوص القرآنية أشار إلى ما تدلّ عليه من حقيقة أو مثل أو تشبيه أو كناية وما يتضمّن من ذكر أو حذف أو تقديم أو تأخير، فوضع بذلك اللّبنة الأولى في صرح الدراسات البلاغيّة للقرآن ... وإذا كان عبد القاهر أظهر من نادى من البلغاء بأن يوضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النّحو، وهو ما سمّي بقضية النّظم فإن بذور قضيّته هذه كانت تكمن في مجاز «أبي عبيدة» حيث رأى في زمنه السّابق ما رآه صاحب «الدّلائل» في زمنه اللاحق، فكان بذلك الرائد الأوّل لعلم المعاني عند من يلتمسون الجذور الضّاربة في الأعماق «4» . وقد رتّب «أبو عبيدة» كتابه وفق ترتيب السّور القرآنية في المصحف، ومن هنا صار من اليسير أن يرجع الدّارس إلى ما ذكر أبو عبيدة في توجيه الآيات الكريمة من مثل قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: 223] حيث قال: إنّها كناية

_ (1) «تفسير ابن جرير» 3/ 47. (2) راجع: «خطوات التفسير البياني» ص 21 وفيه شواهد أخرى. (3) راجع الأمثلة التي ذكرها الدكتور رجب البيومي في «خطوات التفسير البياني» ص 34 وما بعدها. (4) «خطوات التفسير البياني» ص 46، 47.

وتشبيه «1» . ومن مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [التوبة: 109] حيث أتبع الآية بتحليل بيانيّ وعدّها من مجاز التمثيل حين قال: «ومجاز الآية: مجاز التمثيل لأن ما بنوه على التقوى أثبت أساسا من البناء الذي بنوه على الكفر والنفاق فهو على شفا جرف، وهو ما يجرف من الأودية فلا يثبت البناء عليه «2» . تلك هي الخطوة الأولى خطاها أبو عبيدة في التفسير البيانيّ للقرآن الكريم، وإن وجّهت إليه كثير من النقود والمطاعن من علماء كبار أمثال الفرّاء والأصمعيّ والطبريّ «3» ... ثم تلت هذه الخطوة خطوات الجاحظ وابن قتيبة وغيرهما ...

_ (1) راجع: «مجاز القرآن» 1/ 73. (2) «مجاز القرآن» 1/ 269، وانظر: «خطوات التفسير البياني» ص 51، 52. (3) راجع: «خطوات التفسير البياني» ص 58 وما بعدها.

المبحث الثالث الكلام على تفسير الثعالبي

المبحث الثّالث الكلام على تفسير الثّعالبيّ أوّلا: المصادر الّتي استقى منها أبو زيد الثّعالبيّ في «الجواهر الحسان» بادىء ذي بدء أقول: إنه لا يستطيع أحد من الناس أن يزعم أنه يستطيع أن يأتي بأفضل مما أتى به أئمة هذه الأمة، فالخلف عيال على السّلف، ولولا أن الله حفظ بهم الدين، لما كان هذا حال المسلمين، ولعبدوا الله تعالى بمذاهب باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، فلله درهم، وعليه شكرهم. [الطويل] أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع وليس هذا من باب تحجير الواسع، أو تضييق رحمة الله فلم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على عصر دون عصر، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مفرّقا في الأمة، موجودا لمن التمسه، وكم ترك الأول للآخر!! إلا أن اللاحق- ولا مفر- ينقل عن السابق، وهكذا دواليك، سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ، ولن تجد لسنّة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. من هنا كان للثعالبي أن يعتمد على كلام من سبقوه، فهم سلفه، وهو خلفهم، وهم شيوخه، وهو تلميذهم، فمن مكثر عنه، ومن مقلّ. ولا شك أن للرحلة التي ارتحلها الثعالبي في طلب العلم أثرا بالغا في تحصيل دواوين أولئك الأعلام خاصة كتب المشرقيين منهم، فجمع حصيلة وافرة عزّ اقتناؤها، وأسفارا عظيمة ندر اقتناصها. ولقد تنوعت مصادر الثعالبي، وتشكلت على اختلاف العلوم التي يحتاج إليها المفسر والتفسير، وهذه قائمة بأهم المصادر في كل علم على حدة: أوّلا: مصادره من كتب التّفسير: اعتمد الثعالبي- رحمه الله- على عدة مصادر مهمة في التفسير، كان أهمها: 1- تفسير ابن عطية المسمى «المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» : وهو الأصل الذي اعتمده المصنّف، فاختصره، وزاد عليه. ومؤلف «المحرر» هو:

عبد الحق بن غالب بن عبد الرحيم. وقيل: عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عبد الرؤوف بن عبد الله بن تمام بن عطية الغرناطي صاحب التفسير الإمام أبو محمد الحافظ القاضي. قال ابن الزبير: كان فقيها جليلا عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويا لغويا أديبا بارعا شارعا مفيدا ضابطا نسيبا فاضلا، من بيت علم وجلالة، غاية في توقد الذهن، وحسن الفهم، وجلالة التصرف. روى عن: أبيه الحافظ أبي بكر، وأبي علي الغساني، والصفدي، وعنه: ابن مضار، وأبو القاسم بن حبيش، وجماعة. وولي قضاء «المرية» يتوخى الحق والعدل. وألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها، وخرج له برنامجا. ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتوفي بلورقة في خامس عشر رمضان سنة ثنتين. وقيل: إحدى. وقيل: ست وأربعين وخمسمائة. وذكره في «قلائد العقيان» ، ووصفه بالبراعة في الأدب والنظم والنثر. ولقد نوّه أبو حيان في مقدمة تفسيره بالزمخشري، وابن عطية باعتبارهما علمين من أعلام التفسير، وإمامين من كبار أئمته، ووصفهما بأنهما أجل من صنّف في علم التفسير، وأفضل من تعرض للتنقيح فيه، والتحرير، ثم أثنى أبو حيان في هذه المقدمة كذلك على كتابيهما في التفسير ثناء، ورفع من شأنهما، وأشار إلى أنه قام في تفسيره بانتقاد هذين الكتابين والتعقيب عليهما، وذلك حيث يقول: «ولما كان كتاباهما في التفسير قد أنجدا وأغارا وأشرقا في سماء هذا العلم بدرين، وأنارا، وتنزّلا من الكتب التفسيرية منزلة الإنسان من العين، والذهب الإبريز من العين، ويتيمة الدر من اللآلي، وليلة القدر من الليالي، فعكف الناس شرقا وغربا عليهما، وثنوا أعنّة الاعتناء إليهما، وكان فيهما على جلالتهما مجال لانتقاد ذوي التبريز، ومسرح للتخيل فيهما والتمييز، ثنيت إليهما عنان الانتقاد، وحللت ما تخيل الناس فيهما من الاعتقاد أنهما في التفسير الغاية التي لا تدرك، والمسلك الوعر الذي لا يكاد يسلك، وعرضتهما على محكّ النظر، وأوريت فيهما نار الفكر، حتى خلصت دسيسهما، وبرز نفيسهما، وسيرى ذلك من هو للنظر أهل، واجتمع فيه إنصاف وعقل» . والمقصود ذكر فضل تفسير ابن عطية، وبيان أهميته. ولقد نص الثعالبي نفسه في مقدمته على أنه قد اعتمد تفسير ابن عطية، فقال: «

4 -"مفاتيح الغيب" أو التفسير الكبير، للإمام الرازي:

فقد ضمنته (يعني: تفسيره) بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، وزدته فوائد جمّة ... إلخ» . 2- «مختصر تفسير الطّبريّ» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي، النحوي. 3- مختصر «البحر المحيط» لأبي حيّان، اختصره الصفاقسي، وسمّاه: «المجيد في إعراب القرآن المجيد» : يقول محمد بن مخلوف في «شجرة النور الزكية» واصفا كتاب «المجيد» : «وهو من أجلّ كتب الأعاريب، وأكثرها فائدة» . ويقول حاجي خليفة في «كشف الظنون» (بعد أن عرّف بعلم إعراب القرآن وذكر بعض من صنف فيه) : «وأبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي المتوفى 562 هـ، وكتابه أوضحها، وهو في عشر مجلدات، وأبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري النحوي، المتوفى سنة 616 هـ، وكتابه أشهرها، وسماه «التبيان» . أوله: «الحمد لله ... » ، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الصفاقسي، المتوفى سنة 742 هـ، وكتابه أحسن منه، وهو في مجلدات سماه «المجيد في إعراب القرآن المجيد» . وقد ذكره في مقدمته، فقال: «وما نقلته من الإعراب عن غير ابن عطية، فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان ... إلخ» . 4- «مفاتيح الغيب» أو التفسير الكبير، للإمام الرّازيّ: وهو من أجلّ التفاسير، وإن كان أطال في الاستدلال وردّ الشبه إطالة كادت تغطي على كونه كتاب تفسير. ولسنا نميل مع أبي حيان في قوله فيه: «فيه كل شيء إلا التفسير» ، فإنه- رحمه الله- مع الاستطراد إلى ذكر الأدلة والبراهين، قد وفّى التفسير حقّه. وبالجملة: فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة في علم الكلام، واللغة، والأصول، والآثار، وفي العلوم الكونية، والطبيعية، وغير ذلك من فنون العلم. هذا، ولم ينصّ الثعالبي في مقدمته على أنه استقى من «مفاتيح الغيب» ، إلا أنه نقل منه في ثنايا تفسيره، فأكثر من النقل، فيقول: قال الفخر، ثم يذكر كلامه. 5- «أحكام القرآن» للقاضي أبي بكر بن العربيّ: وقد أكثر الثّعالبيّ- رحمه الله- من النقل عنه، وهذا واضح من خلال استقراء آيات الأحكام، وتناوله لها.

ثانيا: كتب غريب القرآن والحديث:

وهذا الكتاب لا يتعرض لسور القرآن كلها، ولكنه يتعرض لما فيها من آيات الأحكام فقط، وطريقته في ذلك أن يذكر السّورة، ثم يذكر عدد ما فيها من آيات الأحكام، ثم يأخذ في شرحها آية آية ... قائلا: الآية الأولى وفيها خمس مسائل «مثلا» ، والآية الثانية وفيها سبع مسائل «مثلا» وهكذا، حتى يفرغ من آيات الأحكام الموجودة في السورة. وهذا الكتاب يعتبر مرجعا مهما للتفسير الفقهي عند المالكية وذلك لأن مؤلفه مالكي تأثر بمذهبه، فظهرت عليه في تفسيره روح التعصّب له، والدفاع عنه، غير أنه لم يشتط في تعصبه إلى الدرجة التي يتغاضى فيها عن كل زلّة علمية تصدر من مجتهد مالكي، ولم يبلغ به التعسّف إلى الحد الذي يجعله يفنّد كلام مخالفه إذا كان وجيها ومقبولا، والذي يتصفح هذا التفسير يلمس منه روح الإنصاف لمخالفيه أحيانا، كما يلمس منه روح التعصب المذهبي التي تستولي على صاحبها، فتجعله أحيانا كثيرة يرمي مخالفه، وإن كان إماما له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة، تارة بالتصريح، وتارة بالتّلويح. ويظهر لنا أن الرجل كان يستعمل عقله الحر، مع تسلط روح التعصب عليه، فأحيانا يتغلب العقل على التعصب، فيصدر حكمه عادلا لا تكدره شائبة التعصب، وأحيانا- وهو الغالب- تتغلب العصبية المذهبية على العقل، فيصدر حكمه مشوبا بالتعسّف، بعيدا عن الإنصاف. وهذا الكتاب أيضا لم ينص المصنف على أنه اعتمد عليه- في مقدمته، بل ذكر النقل عنه في ثنايا التفسير. ثانيا: كتب غريب «1» القرآن والحديث: وقد اعتمد الثعالبي على كتابين في غريب ألفاظ الكتاب العزيز: أولهما: لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، والثاني: وهو مختصر غريب القرآن للحافظ زين الدين العراقي.

_ (1) قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي الغريب من الكلام انما هو الغامض البعيد من الفهم كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل والغريب من الكلام يقال به على وجهين. أحدهما أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد، ومعاناة فكره والوجه الأخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها انتهى. وقال ابن الأثير في «النهاية» : وقد عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب لسانا، حتى قال له علي رضي الله تعالى عنه وقد سمعه يخاطب وقد بني نهد: يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره، فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» فكان عليه الصلاة والسلام يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم بما يفهمونه، فكأن الله تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره، وكان

ثالثا: المصادر التي اعتمد عليها من كتب السنة:

كما اعتمد في غريب السّنة على كتاب أبي عبيد بن سلام الهرويّ. ثالثا: المصادر الّتي اعتمد عليها من كتب السّنّة: 1- صحيح الإمام البخاري. 2- صحيح الإمام مسلم. 3- سنن أبي داود. 4- سنن الترمذي. 5- حلية الأبرار «أو» الأذكار، للأمام النووي. 6- سلاح المؤمن، لتقي الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن همام المصري الشافعي. 7- مصابيح السنة، للبغوي. 8- الموطأ، للإمام مالك. رابعا: كتب الترغيب والترهيب والرقائق: اعتمد الثعالبي في هذا الفنّ على كتابين هما: 1- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للإمام القرطبي.

_ أصحابه يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه سألوه عنه، فيوضحه لهم. واستمر عصره إلى حين وفاته- عليه الصلاة والسلام- وجاء عصر الصحابة جاريا على هذا النمط، فكان اللسان العربي عندهم صحيحا لا يتداخله الخلل إلى أن فتحت الأمصار، وخالط العرب غير جنسهم، فامتزجت الألسن، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلموا من اللسان العربي ما لا بد لهم في الخطاب، وتركوا ما عداه، وتمادت الأيام إلى أن انقرض عصر الصحابة، وجاء التابعون فسلكوا سبيلهم، فما انقضى زمانهم إلا واللسان العربي قد استحال أعجميا، فلما أعضل الداء ألهم الله سبحانه وتعالى جماعة من أهل المعارف إن صرفوا إلى هذا الشأن طرفا من عنايتهم، فشرعوا فيه حراسة لهذا العلم الشريف. فقيل: إن أول من جمع في هذا الفن شيئا أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي البصري المتوفى سنة 210 عشر ومائتين، فجمع كتابا صغيرا، ولم تكن قلته لجهله بغيره، وإنما ذلك لأمرين: أحدهما: أن كل مبتدئ [مبتدأ] بشيء لم يسبق إليه يكون قليلا، ثم يكثر. والثاني: أن الناس كان فيهم يومئذ بقية، وعندهم معرفة، فلم يكن الجهل قد عمّ. [.....]

خامسا: كتب في الأحكام الفقهية والأصولية:

2- العاقبة، للإمام عبد الحق الأشبيلي. وهذان الكتابان نص عليهما في مقدمته، إلا أنه اعتمد على كتب أخرى في ذلك الفن، مثل: 3- الرقائق، لابن المبارك. 4- بهجة المجالس وأنس المجالس، لأبي عمر بن عبد البر. 5- رياضة المتعلمين، للأصفهاني. خامسا: كتب في الأحكام الفقهية والأصوليّة: 1- المدونة، لسحنون بن سعيد. 2- مختصر ابن الحاجب الفرعي. 3- الإلمام في أحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد. 4- البيان والتحصيل، لابن رشد. 5- مختصر ابن الحاجب، المسمى ب «المنتهى» . سادسا: كتب الخصائص والشمائل: اعتمد الثعالبي في «الجواهر الحسان» في هذا الفن على كتاب القاضي عياض، والمسمى ب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» . وكذلك كتاب «الآيات والمعجزات» لابن القطّان. سابعا: كتب في التربية وتهذيب النفوس: نعت الإمام الثعالبي ب «الإمام، الورع، الزاهد، العارف بالله» ، وهذا الرجل كان يتبرك به، ويكثر من الثناء عليه. ولهذا عنى في تفسيره بإيراد آثار الصالحين، والتزود من أخبارهم، فأورد عن بعض كتب أهل العلم المصنفة في ذلك، وكان منها: 1- «بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها» وهو شرح مختصر صحيح البخاري، المسمى «جمع النهاية في بدء الخير والغاية» ،

4 - شرح ابن الفاكهاني على أربعين النووي.

للإمام أبي محمد بن أبي جمرة الأندلسي. وقد ذكره المصنف في مقدمته، فقال: « ... » . 2- «إحياء علوم الدين» ، لأبي حامد الغزالي. وهو أشهر من أن يذكر، وأعرف من أن يعرف. وقد نقل منه المصنف، فأكثر من النقل. واعتمد أيضا على مختصره لمحمد بن علي بن جعفر البلالي. وقد حكى الثعالبي عن هذا المصنف، فقال: « ... وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هذا» . وذلك في تفسيره لآيات الصيام من سورة البقرة. 3- «جواهر القرآن» ، لأبي حامد الغزالي. وهو أليق بالتفسير، إلا أنه ذكر فيه أنه ينقسم إلى علوم، وأعمال، والأعمال ظاهرة وباطنة، والباطنة إلى تزكية وتخلية، فهي أربعة أقسام، علوم وأعمال ظاهرة وباطنة، مذمومة ومحمودة، وكل قسم يرجع إلى عشرة أصول، فيشتمل على زبدة القرآن. 4- شرح ابن الفاكهاني على أربعين النووي. ثامنا: في الأسماء والصّفات: ذكر الثعالبي في ثنايا كلامه نقله عن كتابين في «أسماء الله تعالى» ، وهما: 1- شرح أسماء الله الحسنى، للإمام الرازي. 2- غاية المغنم في أسماء الله الأعظم. لابن الدريهم الموصلي. تاسعا: ومن كتب التّاريخ: ذكر الثعالبي أثناء تفسيره نقولا عن أحد الكتب التي عنيت بسير الخلفاء، وهو كتاب: - الاكتفاء في أخبار الخلفاء، لعبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكرديوس. عاشرا: كتب أخرى منثورة: 1- لطائف المنن، لابن عطاء الله.

ثانيا: منهج الإمام الثعالبي في تفسيره

2- الأنواء، للزجاج. 3- الإفصاح، لشبيب بن إبراهيم. 4- الكوكبِ الدُّرِّيِّ، لأبي العباس أحمد بن سَعْد التجيبي. 5- الكلم الفارقية. 6- التّشوّف، ليوسف بن يحيى التادلي. 7- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر بن عبد البر. 8- مختصر المدارك، للقضاعي. 9- تاريخ بغداد، لأبي بكر بن الخطيب. وغير ذلك مما هو منثور في تفسيره لكتاب الله تعالى. ثانيا: منهج الإمام الثّعالبيّ في تفسيره بين يدي المنهج: ذكر السيوطي في «الإتقان» شروطا يجب توافرها فيمن أقبل على كتاب ربّه بنيّة تفسيره، وكشف معانيه، فحكى عن بعض العلماء قوله: اختلف الناس في تفسير القرآن، هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن وإن كان عالما، أديبا، متسعا في معرفة الأدلة والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج إليها، وهي خمسة عشر علما ... ثم ذكرها- رحمه الله-، وهي: اللغة، والنحو، والتصريف، والاشتقاق، والمعاني، والبيان، والبديع، والقراءات، وأصول الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وعلم الفقه، والأحاديث والآثار لتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وهكذا، ثم علم الملكة (أو الموهبة) . وزاد غير السيوطي علوما أخرى، وأيّا ما يكن الأمر، فقد ذكر أيضا في «التحبير في علم التفسير» عن العلماء أنه: «من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أولا من القرآن، فإن ما أجمل في مكان قد فسر في مكان آخر، فإن أعياه ذلك طلبه في السّنّة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له ... » وساق كلام الشافعي.

أولا: جمعه بين التفسير بالمأثور والرأي:

والمقصود أن الإمام الثعالبي- رحمه الله- قد أتى بحظّ وافر من هذه الشروط التي ذكرها أهل العلم حدودا ومراسم لمن أقبل على تفسير الكتاب العزيز. فهو قد فسر كتاب الله بعضه ببعض، وفسره بما فسره من أنزل عليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وبما فسره الصحابة والتابعون، كما استخدم اللغة، وشرح الغريب، وتعرض لتصريف بعض الكلمات، وأكثر من المسائل الإعرابية، ثم هو بعد ذلك يذكر مسائل في أصول الدين، وأصول الفقه، وفروعه، وأسباب النزول، وإيراده بعض الإسرائيليات، واحتجاجه بالقراءات المتواترة، وذكره الشاذ منها، على ما سيتضح مما يلي. العناصر التي بنى عليها الثعالبي مادّة تفسيره: 1- جمعه بين التفسير بالمأثور من كتاب وسنّة، والتفسير بالرأي. 2- تعرضه لمسائل في أصول الدين. 3- مسائل أصول الفقه في تفسيره. 4- تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية. 5- احتجاجه باللغة، والمسائل النحوية، والتصريفية، وغيرها. 6- ذكره لأسباب النزول، ومكّيّ القرآن ومدنيّه. 7- ذكره للقراءات الواردة في الآية. 8- احتجاجه بالشعر واستشهاده به. 9- موقفه من الإسرائيليات. وإليك- أيها القارئ الكريم- تفصيل ذلك: أولا: جمعه بين التفسير بالمأثور والرّأي: من المشهور عند أهل العلم أن خير ما فسر به كتاب الله تعالى، تفسير بعضه ببعض، أو بما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال السيوطي: فإن ما أجمل في مكان، قد فسر في مكان آخر، فإن أعياه ذلك، طلبه في السّنّة فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له «1» . وأما تفسيره كتاب الله بعضه ببعض، فمنه (مثلا) في قوله تعالى:

_ (1) «التحبير في علم التفسير» (323) .

ثانيا: تعرضه لمسائل في أصول الدين:

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها ... [البقرة: 36] ، يتعرض لمعنى «أزلّهما» ، فيقول: مأخوذ من الزلل، ثم يحكي اختلافهم في كيفية هذا الإزلال، فيقول: وقال جمهور العلماء: أغواهما مشافهةً بدليل قوله تعالى: وَقاسَمَهُما [الأعراف: 21] . وفي الآية التالية، وهي قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37] يحكي عن الحسن أنها قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ... الآية وهي من [الأعراف: 23] . وأما تفسيره بالحديث، فهذا كثير جدا، وفيه (مثلا) في قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ... الآية [الأنعام: 82] يقول: والظُّلْم في هذا الموضع: الشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديث الصحيحة. وفي تفسير قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... الآية [الأنفال: 60] قال: وفي صحيحِ مُسْلِمْ: «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» . وأما آثار السّلف من الصحابة والتابعين، فقد حشا بها تفسيره، فهم خير القرون وأعلمها، فإن سألت عن العربية فهم أرباب الفصاحة فيها، وإن سألت عن علمهم بالأحكام، فهم مؤصّلوها، والبحور التي لا تكدرها الدّلاء، وإن سألت عن أسباب النزول، ومعرفتهم بها، فليس المخبر كالمعاين، وليس من رأى كمن سمع، فمن بينهم من كان يعاين نزول الوحي، ومنهم من نزل بسببه آي الكتاب، وتوبة رب الأرباب. وقد رأينا الثعالبي- رحمه الله- يزيّن صحيفته بالنقل عنهم، والأمثلة تملأ الكتاب، ومنها مثلا: في تفسير قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... السورة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «ما أراه إلا حضور أجلي» ، قال الثعالبي: وتأوله عمر والعباس بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فصدقهما. قال: ونزع هذا المنزع ابن عباس وغيره. وفي سورة القدر في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ يقول: قَال الشعبيُّ وغيرُه: المعْنَى: إنا ابتدأْنا إنزالَ هذا القرآن. ثانيا: تعرّضه لمسائل في أصول الدين: فقد تعرض لذكر معتقده في مسائل منها، مثل «تكليف ما لا يطاق» ، عند تفسيره لقوله تعالى: فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ [البقرة: 31] فقال الثعالبي: «وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا

ثالثا: مسائل أصول الفقه في تفسيره:

يعلمون. وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف» . ثم عاد وذكر المسألة عينها عند تفسير قوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ... الآية «286» من سورة البقرة، وحكى مذهب أبي الحسن الأشعري. ومنها أيضا: مسألة كلام الله تعالى، فتحدث عن مذهب أهل السّنة فيه، عند قوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ ... الآية [البقرة: 33] ، فقال: «وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه (عزَّ وجلَّ) صفة من صفات ذاته يستحيل عليها النّقص ... إلخ» . ومنها: تعرّضه لمسألة الكسب عند تفسير قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... الآية [البقرة: 95] . ومنها: مسألة رؤية الله تعالى، وهذه قد تعرض لها الثعالبي بالذكر عند قوله تعالى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: 55] ، فأشار إلى أن مذهب أهل السّنة امتناع ذلك في الدنيا، وأنه من طريق السمع ورد، ثم عاد فرد على الزمخشري، عند تفسير الآية (143) من سورة «الأعراف» . ومنها: مسألة عصمة الأنبياء عليهم السلام، وقد ذكرها عند تفسير قوله تعالى: وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا [البقرة: 128] وحكى إجماع الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر والصغائر التي فيها رذيلة، وخلافهم في غير ذلك من الصغائر. وحكاية الإجماع إنما نقلها من مختصر الطبري. ثالثا: مسائل أصول الفقه في تفسيره: ولم يتوسّع الثعالبي في ذكر مصادر اعتمد عليها في المسائل الأصولية غير ما ذكره من مختصر ابن الحاجب. ومن المسائل التي أوردها كلامه على «النسخ» لغة واصطلاحا، وذلك عند قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ... [البقرة: 106] ، فنقل كلام ابن الحاجب، ثم قال: انتهى من مختصره الكبير، ثم تعرض لجواز النسخ عقلا، وأن البداء لا يجوز على الله تعالى، وبين أن المنسوخ هو الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبل. كما أنه تعرض لمسألة التقبيح والتحسين، وأنهما في الأحكام من جهة الشرع، لا

رابعا: تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية:

بصفة نفسية. ومنها: كلامه على تخصيص العموم، وأن العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص، ونقل عن الرازي قوله: وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص، والمُجْمَلُ لا يكونُ حُجَّةً أصلا. ثم قال الثعالبي: وهو حسن. رابعا: تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية: قدمنا أن الثعالبي- رحمه الله- نقل من أحكام القاضي ابن العربي، ولم لا فالرجل مذهبه مالكي مثله، ولا غرو، فكان بدهيا أن ينقل ما يخص آيات الأحكام، ويذكر خلاف أهل العلم فيها. ومن ذلك: آية الوضوء والطهارة، وهي الآية السادسة من سورة المائدة، فنجد الثعالبي يقول: قال ابن العربي في أحكامه ... ثم حكى كلامه، ونقل المسائل الفقهية منه، ومنها: قوله: واختلف العلماءُ هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لا ... واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ هل هو فرض أو سنة؟ ... ومنها: آية قصر الصلاة، في قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: 101] . فقال: قال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابنُ رَاهَوَيْهِ: تُقْصَرُ الصلاةُ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلاً، وحُجَّتهم: أحاديثُ رُوِيَتْ في ذلك عن ابن عمر، وابن عباس. وقال الحسنُ، والزُّهْريُّ: تُقْصَرُ في مسيرةِ يَوْمَيْنِ. وروي هذا أيضاً عن مالكٍ، وروي عنه: تُقْصَر في مسافة يوم وليلة. ثم قال: وهذه الأقوالُ الثلاثةُ تتقارَبُ في المعنى، والجمهورُ على جواز القصر في السّفر المباح ... إلخ. ومنها: تعرضه لشهادة القاذف إذا تاب، وذلك في تفسير سورة النور، عند قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ [النور: 4- 5] . وحكى عن الجمهور قبول شهادته إذا تاب. قال: ثم اختلفوا في صورة توبته: فقيل: بأن يُكَذِّبَ نَفْسَه، وإلاَّ لم تُقْبَلُ، وقالت فرقةٌ منها مالك: توبته أن يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُه، وإنْ لم يرجع عن قوله بتكذيب. واختلف فقهاءُ المالكيَّةِ متى تسقط شهادة القاذفِ، فقال ابن الماجشون:

خامسا: احتجاجه باللغة والمسائل النحوية، والتصريفية وغيرها:

بنفس قَذَفِهِ، وقال ابن القاسم وغيره: لا تَسْقُطُ حتى يُجْلَدَ، فإن مَنَعَ من جلده مانع عفو أو غيره لم تُرَدَّ شهادَتُه، ... إلخ كلامه» . وفي اللّعان يقول: وتحريم اللعان أَبَدِيٌّ باتفاق فيما أحفظ من مذهب مالك. ويلاحظ على الثعالبي أنه لم يتوسّع في الاحتجاج للمسائل الفقهية، كما صنع القرطبي- مثلا- ومن قبله ابن العربي، ولعلّ السّبب في ذلك هو أنه لم يخصص تفسيره لنقل الأحكام، وإلا لكان كتاب فقه لا تفسير، وهو قد نص في مقدمته على أنه مختصر، فقال: «فإني جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ... إلخ» . خامسا: احتجاجه باللّغة والمسائل النحوية، والتصريفية وغيرها: وقد ذكرنا آنفا أنه ينقل من الغريبين لأبي عبيد الهروي، ويفسر الألفاظ التي ترد مشكلة، فإذا كانت ذات دلالة شرعية نص عليها، كما وجدناه ينقل المسائل النحوية معتمدا على كلام الصفاقسي في اختصاره من أبي حيان. فمنها: تفسيره للفظ «القسيس» في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً [المائدة: 82] ، فنراه يقول: قال الفَخْر: القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ: قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ، بلغة الروم ... » . ويقول في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية [آل عمران: 156] قال ابن عطية: الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غير، والرجس يقال للأمرين. ويقول في قوله تعالى: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة: 247] قال أبو عبيد الهروي: أي: انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم ... وفي قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة: 260] يقول: يقال: صُرْتُ الشَّيْءَ أصُورُهُ، بمعنى: قطعته، ويقال أيضا: صرت الشيء، بمعنى: أملته ... إلخ» . وأما ذكره للمسائل النحوية، فكثير جدا، فمثلا في قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً ... [طه: 129] ينقل عن الصفاقسي قوله: «ولزاما» إمَّا مصدرٌ، وإمَّا بمعنى ملزم. وأجاز أبو البقاء أنْ يكون جمع لاَزِم، كَقَائِمٍ وقيام. وفي قوله تعالى: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [الأنبياء: 65] .

سادسا: ذكره لأسباب النزول، ومكي القرآن ومدنية:

نقل عن الصفاقسي قوله: وقولهم: «لَقَدْ عَلِمْتَ» جواب قَسَمٍ محذوف معمول لقول محذوف في موضع الحال، أي: قائلين: لقد علمت. وفي أصل الكلمة يقول عند قوله تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً ... [الأعراف: 38] : و «اداركوا» معناه: تلاحقوا. أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوصل. ويذكر بعض لغات العرب، فيقول عند تفسير قوله تعالى: قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ... [يوسف: 36] : قيل فيه: إنه سمى العنب خمرا بالمئال. وقيل: هي لغةُ أزدِ عُمَان، يسمُّون العِنَبَ خمرا. سادسا: ذكره لأسباب النّزول، ومكّيّ القرآن ومدنية: وهذا الفنّ شريف عزيز، فبه يستطيع المفسر أن يحسن الوصول إلى المعنى من الآية، فيسهل فهمها بمعرفة الملابسات التي أحاطت بنزولها. وقد ذكر الثعالبي أسباب نزول بعض الآيات، فمثلا: في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: 58] يقول: «خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ حين أخذه من عُثْمَانَ بْنِ طَلْحة، ومن ابن عَمِّه شَيْبَة، فطلبه العَبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب لِيُضِيفَ السَّدَانَةَ إلى السّقاية، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبةَ، وكَسَرَ ما كَانَ فيها من الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقَامَ إبراهيمَ، وَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ بهذه الآية. قال عمر بنُ الخَطَّاب: فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأُ هذه الآيةَ، وما كُنْتُ سَمْعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وشَيْبَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلاَّ ظالم..» . وفي قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... [النساء: 128] يقول: واختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: «نزلَتْ في النبيِّ- عليه السلام- وسودة بنت زمعة ... » ثم حكى أقوالا أخرى. وفي قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... [الإسراء: 85] يقول: روى ابن مسعود أن اليهود قال بعضُهم لبعْض: سَلُوا محمداً عن الرُّوحِ، فإِن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي ... فسألوه، فنزلَتِ الآية. وقيل: إن الآية مكِّية، والسائلون هم قريش بإشارة اليهود. وأما ما ذكره لمكّي القرآن ومدنيّه، فكان يذكر في أوائل السور كونها مكية أو مدنية،

سابعا: ذكره للقراءات الواردة في الآية:

فمثلا في سورة الحجرات يقول: وهي مدنية بإجماع، ويقول في «ق» : وهي مكية بإجماع، وفي سورة الأنفال: مدنية كلها، قال مجاهد: إلا آية واحدة، وهي قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية. وفي سورة هود: «مكية إلا نحو ثلاث آيات ... » وهكذا. سابعا: ذكره للقراءات الواردة في الآية: وبداية فإن للقراءات الواردة في كتاب الله (تعالى) أثرا كبيرا في إثراء التفاسير بالمعاني المختلفة المتنوعة، مع اشتراط ما اشترطه أهل هذا الفنّ من ضوابط للقراءة المقبولة، واختلاف هذه القراءات له فوائد جمّة: منها: جمع الأمة الإسلامية الجديدة على لسان واحد يوحد بينها، وهو لسان قريش الذي نزل به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيرا من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحجّ، وأسواق العرب المشهورة، فكان القرشيون يستملحون ما شاءوا، ويصطفون ما راق لهم من ألفاظ الوفود العربية القادمة إليهم من كل صوب وحدب، ثم يصقلونه ويهذبونه، ويدخلونه في دائرة لغتهم المرنة، التي أذعن جميع العرب لها بالزعامة، وعقدوا لها راية الإمامة. وعلى هذه السياسة الرشيدة نزل القرآن على سبعة أحرف يصطفي ما شاء من لغات القبائل العربية، على نمط سياسة القرشيين، بل أوفق. ومن هنا صحّ أن يقال: إنه نزل بلغة قريش لأن لغات العرب جمعاء تمثلت في لسان القرشيين بهذا المعنى، وكانت هذه حكمة إلهية سامية فإن وحدة اللسان العامّ من أهمّ العوامل في وحدة الأمة، خصوصا أول عهد بالتوثب والنهوض. ومنها: بيان حكم من الأحكام، كقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء: 12] قرأ سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص: «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أخت من أمّ» بزيادة لفظ: «من أمّ» ، فتبين بها أن المراد بالإخوة في هذا الحكم الإخوة للأم دون الأشقاء، ومن كانوا لأب، وهذا أمر مجمع عليه. ومثل ذلك قوله سبحانه في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة: 89] ، وجاء في قراءة: «أو تحرير رقبة مؤمنة» بزيادة لفظ «مؤمنة» فتبين بها اشتراط الإيمان في الرقيق الذي يعتق كفارة يمين.

وهذا يؤيد مذهب الشافعي، ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط. ومنها: الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين، كقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: 222] قرىء بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة «يطهرن» ، ولا ريب أنّ صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض لأن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، أما قراءة التخفيف، فلا تفيد هذه المبالغة، ومجموع القراءتين يحكم بأمرين: أحدهما: أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر وذلك بانقطاع الحيض. وثانيهما: أنها لا يقربها زوجها أيضا إلّا إن بالغت في الطهر، وذلك بالاغتسال، فلا بد من الطهرين كليهما في جواز قربان النساء، وهو مذهب الشافعي، ومن وافقه أيضا. ومنها: الدلالة على حكمين شرعيين، ولكن في حالين مختلفين كقوله تعالى في بيان الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] قرىء بنصب لفظ «أرجلكم» ، وبجرها، فالنصب يفيد طلب غسلها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ: «وجوهكم» المنصوب، وهو مغسول، والجرّ يفيد طلب مسحها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ «رءوسكم» المجرور، وهو ممسوح. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم: أن المسح يكون للابس الخف، وأنّ الغسل يجب على من لم يلبس الخف. ومنها: دفع توهّم ما ليس مرادا: كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: 9] وقرىء: «فامضوا إلى ذكر الله» ، فالقراءة الأولى يتوهم منها وجوب السرعة في المشي إلى صلاة الجمعة، ولكنّ القراءة الثانية رفعت هذا التوهم لأن المضيّ ليس من مدلوله السرعة. ومنها: بيان لفظ مبهم على البعض: نحو قوله تعالى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: 5] وقرىء: «كالصوف المنفوش» ، فبينت القراءة الثانية أنّ العهن هو الصوف. ومنها: تجلية عقيدة ضلّ فيها بعض الناس: نحو قوله تعالى في وصفه الجنة وأهلها: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [الإنسان: 20] جاءت القراءة بضم الميم، وسكون اللام في لفظ: «وملكا كبيرا» ، وجاءت قراءة أخرى بفتح الميم، وكسر اللام في هذا اللفظ نفسه، فرفعت هذه القراءة الثانية نقاب الخفاء عن وجه الحق في عقيدة رؤية

المؤمنين لله- تعالى- في الآخرة لأنه- سبحانه- هو الملك وحده في تلك الدار: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16] . والخلاصة: أن تنوّع القراءات، يقوم مقام تعدّد الآيات وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدىء من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإعجاز. أضف إلى ذلك ما في تنوّع القراءات من البراهين الساطعة، والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله، وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضادّ، ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله على تنوّع قراءاته، يصدّق بعضه بعضا، ويبين بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض، على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير، وهدف واحد من سموّ الهداية والتعليم، وذلك- من غير شك- يفيد تعدّد الإعجاز بتعدّد القراءات والحروف. ومعنى هذا: أن القرآن يعجز إذا قرىء بهذه القراءة، ويعجز أيضا إذا قرىء بهذه القراءة الثانية، ويعجز أيضا إذا قرىء بهذه القراءة الثالثة، وهلمّ جرّا. ومن هنا تتعدّد المعجزات بتعدّد تلك الوجوه والحروف! ولا ريب أن ذلك أدلّ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم لأنّه أعظم في اشتمال القرآن على مناح جمة في الإعجاز وفي البيان، على كل حرف ووجه، وبكل لهجة ولسان: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال: 42] . ولقد كان الثعالبي- رحمه الله- يكثر من إيراد القراءات متواترة وشاذة، وكان معتمده الأول على تفسير ابن عطية، فكان ينقل منه مواضع القراءات ووجوهها. ومن أمثلة نقله للقراءات: 1- في قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: 184] قال: قرأ باقي السبعة غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر: «فدية» بالتنوين، «طعام مسكين» بالإفراد. قال: «وهي قراءة حسنة ... » . 2- في قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ [الحج: 36] قال: وقرأ ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم: «صَوَافِنَ» جمع: صَافِنَة، وهي التي رُفِعَتْ إحدى يديها بالعقل لئَلاَّ تضطرب، ومنه في الخيل: الصَّافِناتُ الْجِيادُ [ص: 31] . 3- وفي قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: 6] قال: وقرأ

ثامنا: احتجاجه بالشعر:

حمزة وغيره: «وَأَرْجُلِكُمْ» بالخفض، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ «اغسلوا» . ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامل أقرب العاملين. وجمهور الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغسل، وأن المسح لا يجزىء ... ثم قال: قال ابن العربِيِّ في «القَبَس» : ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» بالخَفْض، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن، وهو أحد التأويلات في الآية. انتهى. 4- ثم يحتج ببعض القراءات الشّاذّة على تعضيد المعنى، مثل ما ذكره عند قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... الآية [التوبة: 128] قال: وقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يقتضي مدحا لنسبه صلى الله عليه وسلم، وأنه من صميمِ العَرَبِ وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» - بفتح الفاء- من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثامنا: احتجاجه بالشّعر: الشعر ديوان العرب ففيه تاريخهم، وآثارهم، وبه يفتخرون، ويمتدحون، ويرغبون، ويرهبون، ولم لا وهم قوم الفصاحة والبيان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» . وقد مضى سلف الأمة من المفسرين على الاحتجاج بأشعار العرب، وما قصة نافع بن الأزرق مع ابن عباس ببعيدة عن ذلك. وقد ذكرت أقوال كثيرة عن ابن عباس تدل على جواز الاحتجاج بالشعر في تفسير الكتاب العزيز، منها: الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها، فالتمسنا معرفة ذلك منه. ومن سؤالات نافع ونجدة بن عويمر أنهما قالا: أخبرنا عن قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [المعارج: 37] ، قال: العزون: الحلق الرقاق. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: [الوافر] فجاءوا يهرعون إليه حتّى ... يكونوا حول منبره عزينا وهكذا كانت إجابات ابن عباس، قال أبو عبيد في فضائله: حدثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه كان يسأل عن القرآن، فينشد فيه الشعر. ومن هنا وجدنا الإمام الثعالبي يستشهد بأشعار العرب، فمن ذلك:

تاسعا: موقفه من الإسرائيليات:

1- احتجاجه لقراءة ابن كثير آتَيْتُمْ [البقرة: 233] بمعنى فعلتم- بقول زُهَيْرٌ: [الطويل] وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل 2- واحتجاجه لمعاني بعض الألفاظ، مثل قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً [النساء: 85] . فقال: مُّقِيتاً: معناه: قديراً ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر] وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه ... وكنت على إساءته مقيتا ومنه: احتجاجه على أن من معنى «الجهالة» أن يتعمد الأمر فيركبه، مع عدم مضادة للعلم قال: فمنها قولُ الشَّاعر: [الوافر] أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا 3- ومنه احتجاجه على المسائل النحوية، فمثلا في قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر: 9] يقول نقلا عن الصفاقسي: و «الإيمان» منصوب بفعل مُقَدَّرٍ، أي: واعتقدوا الإيمان، فهو من عطف الجمل كقوله: [الرجز] علفتها تبنا وماء باردا ... ...... وهذا بالإضافة إلى شعر الزّهد والرقائق الذي ضمنه تفسيره، والذي يقرؤه القارئ الكريم، فيستشعر عذوبته ورقّته، وحسن اختياره ومكانه. تاسعا: موقفه من الإسرائيليّات: بادىء ذي بدء، فإن الجنس البشري مرّ عليه قرون عديدة، وأزمان بعيدة، حملت في طيّاتها أخبارا، وأحوالا، وتارة أهوالا، فأخبر بها السّلف الخلف، والمتقدم المتأخر. وإن هذه الأمة المباركة هي الآخرة في تلك السلسلة المديدة من عمر البشرية، فكان لها زبدة الأخبار، والرصيد الأكبر من تواريخ الأمم والشعوب، فحظيت بالعبر والعظات، والسعيد من وعظ بغيره. ولأن أهل الكتاب كانوا سابقين علينا، فقد روي لنا، ورووا هم من أخبارهم وأخبار السابقين، وفي هذا يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: « ... وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» . فكان ما أخبرونا به على ثلاثة أقسام:

1- قسم صدقهم فيه الوحي، فنصدقهم فيه. 2- قسم أكذبهم فيه الوحي، فنكذبهم فيه. 3- قسم سكت عنه، فنسكت عنه، ونقول: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم. ولكن ما المقصود ب «الإسرائيليات» ؟!! الإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل، والنسبة في مثل هذا تكون لعجز المركب الإضافي لا لصدره، وإسرائيل هو: يعقوب- عليه السلام- أي: عبد الله، وبنو إسرائيل هم: أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد، إلى عهد موسى، ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى- عليه السلام- وحتى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقد عرفوا- «باليهود» ، أو «بيهود» من قديم الزمان، أما من آمنوا بعيسى: فقد أصبحوا يطلق عليهم اسم «النصارى» ، وأما من آمن بخاتم الأنبياء: فقد أصبح في عداد المسلمين، ويعرفون بمسلمي أهل الكتاب» . وقد أكثر الله من خطابهم ببني إسرائيل في القرآن الكريم تذكيرا لهم بأبوة هذا النبي الصالح، حتى يتأسوا به، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتركوا ما كانوا عليه من نكران نعم الله عليهم، وعلى آبائهم، وما كانوا يصفون به من الجحود، والغدر، واللؤم، والخيانة وكذلك ذكرهم الله- سبحانه- باسم اليهود في غير ما آية. وأشهر كتب اليهود هي: التوراة، وقد ذكرها الله في قوله تعالى: الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران: 1- 4] . وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ... [المائدة: 44] والمراد بها: التوراة التي نزلت من عند الله قبل التحريف والتبديل، أما التوراة المحرفة المبدلة، فهي بمعزل عن كونها كلها هداية، وكونها نورا، ولا سيما بعد نزول القرآن الكريم، الذي هو الشاهد والمهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل. ومن كتبهم أيضا: الزبور، وأسفار الأنبياء، الذين جاءوا بعد موسى- عليه السلام- وتسمى التوراة، وما اشتملت عليه من الأسفار الموسوية وغيرها (بالعهد القديم) . وكان لليهود بجانب التوراة المكتوبة التلمود، وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعة

قواعد ووصايا وشرائع دينية وأدبية، ومدنية، وشروح، وتفاسير، وتعاليم، وروايات كانت تتناقل وتدرس شفهيا من حين إلى آخر ... وقد اتسع نطاق الدرس والتعليم فيه إلى درجة عظيمة جدّا، حتى صار من الصعب حفظه في الذاكرة، ولأجل دوام المطالعة، والمداولة، وحفظا للأقوال والنصوص، والآراء الأصلية المتعددة والترتيبات، والعادات الحديثة، وخوفا من نسيانها وفقدانها، مع مرور الزمن، وخصوصا وقت الاضطهادات، والاضطرابات، قد دوّنها الحاخامون بالكتابة سياجا للتوراة، وقبلت كسنّة من سيدنا موسى- عليه السلام-. ومن التوراة وشروحها، والأسفار وما اشتملت عليه، والتلمود وشروحه، والأساطير والخرافات، والأباطيل التي افتروها، أو تناقلوها عن غيرهم: كانت معارف اليهود وثقافتهم، وهذه كلها كانت المنابع الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير، والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق، ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق، ففيها كذب صراح، وإن كان فيها سمين ففيها غثّ كثير، فمن ثم انجرّ ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيرهم، ونحو ذلك، وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم. والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات، أو من النصرانيات هو شيء قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب «1» . والملاحظ أن الثعالبي- رحمه الله- كغيره من التفاسير- ذكر بعض الإسرائيليات، ولكنه يعقب ما يذكره بما يفيد عدم صحته، أو على الأقل بما يفيد عدم القطع بصحته. ومن ذلك في قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: 190] . فالثعالبي يقول: ... وروي في قصص ذلك أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ عَبْدَ الحَارث، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قتلته، فزعموا أنهما

_ (1) ينظر: «الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير» ، د. محمد محمد أبو شهبة، ط. مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة 1404 هـ، ص 21 فما بعدها.

أطاعاه ... ثم ذكر القصة وقال: قلت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقف بعد على صحة ما روي من هذه القصص، ولو صحّ لوجب تأويله ... قال: وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ: وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قلب ... إلخ» . ومنه أيضا عند تفسير قوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ [النمل: 20] . يقول: وأكثَرَ بَعضِ النَّاسِ في قصَصها بما رأيتُ اختصاره لعدم صحته. ونراه ينتقد ما يروى من آثار إذا خالفت الشّرع، أو ما لا يليق أن ينسب إلى الوحي. فمثلا عند تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52]- يذكر حديث الغرانيق، ثم يحكي عن أئمة المالكية مثل القاضي عياض، وأبي بكر بن العلاء إنكارهم لهذه الرواية، وأمثالها، ثم قال: قال أبو بكر البَزَّارُ: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره ... » وقد أجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم، ونزاهته عن مثل هذا. ومنه أيضا ما ذكره في قصّة بني إسرائيل لما سألوا عيسى ابن مريم مائدة من السماء [المائدة: 113- 115] ، ثم قال: وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممَّا رأَيْتُ اختصاره لعدم سنده. وعلى أية حال، فإن الملاحظ على الثعالبي- رحمه الله- ندرة إيراده للإسرائيليات جدا، فإن أورد بعض ذلك نبّه عليه كما تقدم.

وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير"الثعالبي" المسمى بجواهر الحسان في تفسير القرآن

وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير «الثعالبي» المسمى بجواهر الحسان في تفسير القرآن اعتمدنا في تحقيق الكتاب على أربع نسخ خطية. ووصفها على النحو التالي: النسخة الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية/ تحت رقم (453) طلعت، تقع في (313) ورقة، وسطرتها 28 سطرا ورمزنا لها بالرمز (أ) . النسخة الثانية: المحفوظة بدار الكتب المصرية، تبدأ من الكهف إلى آخر القرآن، تقع تحت رقم (5) تفسير، الجزء الثاني فقط، ورمزنا لها بالرمز (ب) . النسخة الثالثة: المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (1157) تفسير، تقع في (216) ورقة، سطرتها (33) سطرا وهي من مريم إلى آخر القرآن، ورمزنا لها بالرمز (ج) . النسخة الرابعة: المحفوظة بدار الكتب المصرية، وهي من أول الزمر إلى آخر القرآن، وتحت رقم (47) تفسير م، وتقع في (248) ورقة، ومسطرتها (19) سطرا، ورمزنا لها بالرمز (د) ، هذا، وكان من النسخ المطبوعة المعتمد عليها طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. وقد رمزنا لها بالرمز (ط) . عملنا في الكتاب قمنا في تحقيق الكتاب بما يلي: أولا: المقابلة وإثبات ما كان صوابا في النص ومخالفه في هامش الكتاب، وقمنا بضبط ما أشكل من الكتاب. ثانيا: عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها. ثالثا: تخريج الأحاديث النبوية والآثار. رابعا: ترجمة للأعلام الوارد أسمائهم بالكتاب.

خامسا: شرح غريب النص. معتمدين في ذلك على كتب المعاجم. سادسا: التعليق على بعض المسائل الفقهية. سابعا: التعليق على بعض المسائل النحوية المشار إليها في النص. ثامنا: توثيق للقراءات الواردة في الكتاب، وبيان ما أبهمه المصنف منها. تاسعا: توثيق لبعض المصادر التي اعتمد عليها المصنف. عاشرا: وضع مقدمة للكتاب وترجمة لمؤلفه. وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين

الورقة قبل الأخيرة من نسخة دار الكتب المصرية الورقة الأخيرة

ورقة أولى من نسخة أخرى وهي صعبة القراءة جدا ورقة ثانية

مقدمة المؤلف

[مقدمة المؤلف] الجزء الأول من تفسير الثعالبي بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً يَقُولُ العبدُ الفقيرُ إِلى الله تعالى المعترف بذنبه، الراجي رحمة ربّه، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، لطف الله به في الدّارين وبسائر المؤمنين. الحمد لله ربّ العالمين، وصلوات ربّنا وسلامه على سَيِّدِنَا محمَّد خاتَمِ النبيِّينَ، وَعَلى آله وصحبه السادة المكرمين، والحمد لله الذي منّ علينا بالإيمان، وشرّفنا بتلاوة القرآن، فأشرقت علينا بحمد الله أنواره، وبدت لذوي المعارف عند التلاوة أسراره، وفاضت على العارفين عند التدبّر والتأمّل بحاره، فسبحان من أنزل على عبده الكتاب، وجعله لأهل الفهم المتمسكين به من أعظم الأسباب كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: 29] . أمّا بعد، أيّها الأخ، أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين، وجعلني وإيّاك من أوليائه المتّقين، الذين شرّفهم بنزل قدسه، وأوحشهم من الخليقة بأنسه، وخصّهم من معرفته، ومشاهدة عجائب ملكوته، وآثار قدرته، بما ملأ قلوبهم حبره، وولّه عقولهم في عظمته حيره، فجعلوا همّهم به واحدا، ولم يروا في الدارين غيره، فهم بمشاهدة كماله وجلاله يتنعّمون وبين آثار قدرته وعجائب عظمته يتردّدون، وبالانقطاع إليه والتوكّل عليه يتعزّزون، لهجين بصادق قوله: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: 91] فإنّي جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ما أرجو أن يقر الله به عيني وعينك في الدارين فقد ضمّنته بحمد الله المهمّ مما اشتمل عليه تفسير ابن عطيّة «1» ، وزدتّه فوائد جمّه، من غيره من كتب الأئمّة، وثقات أعلام هذه الأمّة، حسبما رأيته أو روّيته عن الأثبات، وذلك قريب من مائة تأليف، وما منها تأليف إلا وهو منسوب لإمام مشهور بالدين، ومعدود في

_ (1) عبد الحق بن غالب بن عطية الغرناطي، كان فقيها جليلا، عارفا بالأحكام، والحديث، والتفسير، نحويا، لغويا، أديبا، روى عنه ابن مضاء وغيره، له «تفسير القرآن العظيم» مات سنة 541 هـ. ينظر: «طبقات المفسرين» - للسيوطي- ص 60، 61 «بغية الوعاة» (2/ 73، 74) ، «طبقات المفسرين» للداوودي (1/ 265) .

المحقّقين، وكلّ من نقلت عنه من المفسّرين شيئا فمن تأليفه نقلت، وعلى لفظ صاحبه عوّلت، ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزّلل، وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أغزوها إليه، وما انفردت بنقله عن الطبريّ «1» ، فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللّخميّ النحويّ لتفسير الطبريّ- نقلت لأنه اعتنى بتهذيبه، وقد أطنب أبو بكر بن الخطيب في حسن الثناء على الطبري ومدح تفسيره، وأثنى عليه غاية نسأل الله تعالى أن يعاملنا وإياهم برحمته، وكلّ ما في آخره انتهى، فليس هو من كلام ابن عطيّة، بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره، ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر، فليراجع الأمّهات المنقول منها، فليصلحه منها، ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزّلل من حيث لا يشعر، وجعلت علامة التاء لنفسي بدلا من «قلت» ومن شاء كتبها «قلت» ، وأمّا العين، فلابن عطيّة، وما نقلته من الإعراب عن غير ابن عطية فمن الصّفاقسيّ «2» مختصر أبي حيّان «3» غالبا، وجعلت الصّاد علامة عليه، وربّما نقلت عن غيره معزّوا لمن عنه نقلت، وكلّ ما نقلته عن أبي حيّان، فإنما نقلي له بواسطة الصّفاقسيّ غالبا، قال الصّفاقسيّ: وجعلت علامة ما زدتّه على أبي حيّان م. وما يتّفق لي إن أمكن، فعلامته «قلت» ، وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي

_ (1) أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، الإمام العلم صاحب التفسير المشهور، مولده سنة 224، أخذ الفقه عن الزعفراني والربيع المرادي، وذكر الفرغاني عند عد مصنفاته كتاب: لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام، وهو مذهبه الذي اختاره وجوّده واحتج له، وهو ثلاثة وثمانون كتابا. مات سنة 310. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 100) ، «تاريخ بغداد» (2/ 162) ، «تذكرة الحفاظ» (2/ 610) . (2) هكذا بصاد ثم فاء كما ذكره المؤلف وفي الكتب بالسين ثم فاء، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، القيسي، السفاقسي، أبو إسحاق، برهان الدين: فقيه مالكي. تفقه في «بجاية» ، وحج فأخذ عن علماء «مصر» و «الشام» . وأفتى ودرّس سنين. له مصنفات منها «المجيد في إعراب القرآن المجيد» ويسمى «إعراب القرآن» ، و «شرح ابن الحاجب» في أصول الفقه. ينظر: «الأعلام» (1/ 63) ، و «الدرر الكامنة» (1/ 55) ، و «النجوم الزاهرة» (10/ 98) . (3) محمد بن يوسف بن علي بن حيان بن يوسف، الشيخ الإمام العلامة، الحافظ، المفسر النحوي، اللغوي، أثير الدين، أبو حيان الأندلسي، الجياني، الغرناطي، ثم المصري. ولد في 652 هـ. قرأ العربية على رضي الدين القسنطيني، وبهاء الدين بن النحاس، وغيرهم، سمع نحوا من أربعمائة شيخ، وكان ظاهريا، فانتمى إلى الشافعية، له مصنفات منها: «البحر المحيط في التفسير» و «النهر في البحر» ، و «شرح التسهيل» ، و «ارتشاف الضرب» . سمع منه الأئمة العلماء، وأضر قبل موته بقليل، توفي بالقاهرة في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (3/ 67) ، «الأعلام» (8/ 26) ، «طبقات السبكي» (6/ 31) «الدرر الكامنة» (4/ 302) .

حيّان، وما نقلته من الأحاديث الصّحاح والحسان عن غير البخاريّ ومسلم وأبي داود والتّرمذيّ في باب الأذكار والدّعوات- فأكثره من «النّوويّ» «1» و «سلاح المؤمن» ، وفي الترغيب والترهيب وأحوال الآخرة فمعظمه من «التذكرة» للقرطبي «2» ، و «العاقبة» لعبد الحقّ، وربّما زدتّ زيادات كثيرة من «مصابيح البغويّ» «3» وغيره كما ستقف عليه- إن شاء الله تعالى- كلّ ذلك معزوّ لمحالّه، وبالجملة فكتابي هذا محشوّ بنفائس الحكم، وجواهر السّنن الصحيحة والحسان المأثورة عن سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قال أبو عمر بن عبد البر «4» في كتاب «التّقصّي» «5» : وأولى الأمور بمن نصح نفسه، وألهم رشده- معرفة

_ (1) يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام، شيخ الإسلام محيي الدين، أبو زكريا الحزامي النووي، ولد سنة 631، قرأ القرآن ببلده، وختم وقد ناهز الاحتلام، وكان محققا في علمه وفنونه، مدققا في علمه وشؤونه، حافظا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارفا بأنواعه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه، واستنباط فقهه.. في كثير من المناقب يطول ذكرها صنف «المنهاج في شرح مسلم» ، و «المجموع» و «الأذكار» وغيرها. مات سنة 677. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (2/ 153) ، «طبقات السبكي» (5/ 165) ، «النجوم الزاهرة» (7/ 278) . (2) محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبد من أهل «قرطبة» . رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب (في شمالي أسيوط، بمصر) وتوفي فيها. من كتبه «الجامع لأحكام القرآن» يعرف بتفسير القرطبي، و «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة» . وكان ورعا متعبدا، طارحا للتكلف، يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية. ينظر: «الأعلام» (5/ 322) ، «الديباج» (317) . (3) الحسين بن مسعود بن محمد، العلامة محيي السنة، أبو محمد البغوي، يعرف بالفراء أحد الأئمة، تفقه على القاضي الحسين، وكان دينا، عالما، عاملا على طريقة السلف، قال الذهبي: كان إماما في التفسير، إماما في الحديث، إماما في الفقه. بورك له في تصانيفه ورزق القبول لحسن قصده وصدق نيته. ومن تصانيفه: «التهذيب» ، و «شرح المختصر» ، وتفسيره «معالم التنزيل» . وغيرها. مات سنة 516. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 281) ، «وفيات الأعيان» (1/ 402) ، «تذكرة الحفاظ» (4/ 1258) ، و «الأعلام» (2/ 284) ، «شذرات الذهب» (4/ 48) ، «النجوم الزاهرة» (5/ 224) . (4) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري، القرطبي، المالكي، أبو عمر: من كبار حفّاظ الحديث، مؤرخ أديب، بحاثة، يقال له: حافظ المغرب، ولد بقرطبة سنة 368 هـ، وتوفي بشاطبة سنة 463 هـ، من تصانيفه: «الدرر في اختصار المغازي والسير» و «الاستيعاب» و «جامع بيان العلم وفضله» و «المدخل» من القراءات، و «بهجة المجالس وأنس المجالس» و «الاستذكار من شرح مذاهب علماء الأمصار» و «الإنباه على قبائل الرواة» و «الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف» . ينظر: «الأعلام» (8/ 240) ، «وفيات الأعيان» (2/ 348) ، «بغية الملتمس» (474) . (5) «تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» ، أو «التقصي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك» ، ص 9.

وسميته ب"الجواهر الحسان في تفسير القرآن"

السنن التي هي البيان لمجمل القرآن بها يوصل إلى مراد الله تعالى من عباده فيما تعبّدهم به من شرائع دينه الذي به الابتلاء، وعليه الجزاء، في دار الخلود والبقاء، التي لها يسعى الألبّاء العقلاء، والعلماء الحكماء، فمن منّ الله عليه بحفظ السّنن والقرآن، فقد جعل بيده لواء الإيمان، فإن فقه وفهم، واستعمل ما علم- دعي في ملكوت السموات عظيما، ونال فضلا جسيما- انتهى، والله أسأل أن يجعل هذا السعي خالصاً لوَجْهِهِ، وعملاً صالحاً يقرِّبنا إلى مرضاته، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العظيم. وسمّيته ب «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» أسأل الله أن ينفع به كلّ من حصّله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العالمين. وها أنا- إن شاء الله- أشرع في المقصود وألتقط من كلام ابن عطيّة- رحمه الله- ما ستقف عليه من النّبذ الحسنة المختارة ما تقرّ به العين، وإذا نقلت شيئا من غيره، عزوته لصاحبه كما تقدّم. قال ع «1» - رحمه الله- بعد كلام في أثناء خطبته: ولما أردتّ أن أختار لنفسي وأنظر في علم أعدّ أنواره لظلم رمسي، سبرت العلوم بالتنويع والتقسيم، وعلمت أنّ شرف العلم على قدر شرف المعلوم فوجدتّ أمتنها حبالا، وأرسخها جبالا، وأجملها آثارا وأسطّعها أنوارا- علم كتاب الله جلّت قدرته، وتقدّست أسماؤه، الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42] الذي استقلّ بالسّنّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، وأيقنت أنه أعظم العلوم تقريبا إلى الله تعالى، وتخليصا للنّيّات، ونهيا عن الباطل، وحضّا على الصالحات إذ ليس من علوم الدنيا فيختلّ حامله من منازلها صيدا، ويمشي في التلطّف لها رويدا، ورجوت أنّ الله تعالى يحرّم على النّار فكرا عمّرته أكثر عمره معانيه، ونفسا ميّزت براعة رصفه ومبانيه، ثم قال: قال اللَّه تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] قال المفسّرون: أي: علم معانيه، والعمل بها، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قيّدوا العلم بالكتب» «2» ففزعت إلى تعليق ما

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 34- 36) . (2) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس.

يتنخّل لي في المناظرة من علم التفسير، قال: ولنقدّم بين يدي القول في التفسير أشياء قد قدّم

_ حديث أنس بن مالك: أخرجه ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» (ص 274- بتحقيقنا) والخطيب في «تاريخ بغداد» (10/ 46) ، وفي «تقييد العلم» (ص- 70) وفي «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 228) ، رقم (440) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 86) ، رقم (94) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1/ 306) ، كلهم من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن ابن المثنى، عن عمه ثمامة بن أنس، عن أنس بن مالك مرفوعا. وقال الخطيب في «التقييد» : تفرد برواية هذا الحديث عبد الحميد بن سليمان الخزاعي المدني أخو فليح عن عبد الله بن المثنى مرفوعا، وغيره يرويه موقوفا على أنس، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح تفرد بروايته مرفوعا عبد الحميد، قال يحيى بن معين وأبو داود: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث. قال: ووهم ابن المثنى في رفعه، والصواب: عن ثمامة، عن أنس أنه كان يقول ذلك لبنيه، ولا يرفعه. اه. وعبد الحميد بن سليمان قال الحافظ في «التقريب» (1/ 468) : ضعيف. وقال العسكري كما في «المقاصد» (ص 55) : ما أحسبه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب عبد الحميد وهم فيه، وإنه من قول أنس فقد روى عبد الله بن المثنى عن ثمامة قال: كان أنس يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. اه. وللحديث طريق آخر مرفوع. أخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 228) والقضاعي في «مسند الشهاب» (637) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن أخي موسى بن عقبة، عن الزهري، عن أنس مرفوعا به. وإسماعيل بن أبي أويس، قال الحافظ في «التقريب» (1/ 71) : صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه. وقد ورد هذا الحديث موقوفا على أنس كما أشار إليه بعضهم كما تقدم. والموقوف أخرجه الدارمي (1/ 126- 127) ، باب: من رخص في كتابه العلم، وأبو خيثمة في «العلم» رقم (120) ، والطبراني في «الكبير» (1/ 246) ، رقم (700) ، والحاكم (1/ 106) ، والخطيب في «تقييد العلم» ص (96) ، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (7/ 16) ، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص- 368) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1/ 316) ، كلهم من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري، عن ثمامة، عن أنس موقوفا. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 155) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ، ورجاله رجال الصحيح، وعبد الله بن المثنى قال الحافظ في «هدي الساري» (ص- 436) : وثقه العجلي والترمذي، واختلف فيه قول الدارقطني، وقال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم صالح، وقال النسائي: ليس بالقوي وقال الساجي: فيه ضعف، ولم يكن من أهل الحديث، وروى مناكير، وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه. قلت: لم أر البخاري احتج به إلا في روايته عن عمه ثمامة، فعنده عنه أحاديث، وأخرج له من روايته عن ثابت عن أنس حديثا توبع فيه عنده، وهو في فضائل القرآن، وأخرج له أيضا في اللباس عن مسلم بن إبراهيم عنه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن القزع بمتابعة نافع وغيره عن ابن عمر، وروى له الترمذي وابن ماجه. وقال في «التقريب» (1/ 445) : صدوق كثير الغلط. [.....]

أكثرها المفسّرون، وأشياء ينبغي أن تكون راسخة في حفظ الناظر في هذا العلم مجتمعة لذهنه.

_ حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه الحاكم (1/ 106) ، والخطيب في «تقييد العلم» (ص 69) ، والطبراني في «الأوسط» (1/ 469) رقم (852) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 87) ، رقم (96) كلهم من طريق عبد الله بن المؤمل، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله: أقيد العلم؟ قال: نعم، قلت: وما تقييده؟ قال: الكتابة. وضعفه الحاكم، وقال الذهبي: ابن المؤمل ضعيف. تنبيه: وقع في «المعجم الأوسط» عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، ولم يذكر ابن جريج. وقد اضطرب عبد الله بن المؤمل في إسناد هذا الحديث، فرواه كما تقدم، ورواه مرة، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو، أخرجه الخطيب في «تقييد العلم» (ص- 68) ، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص 364) ، وأخرجه الخطيب أيضا في «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 228) ، رقم (439) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 86) رقم (95) كلهم من طريق سريج بن النعمان عنه به. وقد ضعف ابن الجوزي هذا الطريق والذي قبله، فقال: هذه الطرق كلها لا تصح، أما الطريقان الأولان ففيهما عبد الله بن المؤمل قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم بن حبان: لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد. اه. واضطرب فيه ابن المؤمل مرة ثالثة، فرواه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. أخرجه الخطيب البغدادي في «تقييد العلم» (ص- 69) ، وقد توبع ابن المؤمل على هذا، تابعه ابن أبي ذئب: أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (ص 364) ، والخطيب في «تقييد العلم» (ص- 69) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1/ 87) ، رقم (97) ، كلهم من طريق إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به. ونقل ابن الجوزي، عن الدارقطني قوله: تفرد به إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب. وقال ابن الجوزي: فيه إسماعيل بن يحيى، قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالبواطيل، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات وما لا أصل له عن الأثبات، لا يحل الرواية عنه بحال، وقال الدارقطني: كذاب متروك. حديث ابن عباس: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (2/ 792) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف، عن أبي الزناد، عن الأعرج. عن ابن عباس مرفوعا. وقال ابن عدي: وحفص بن عمر حديثه منكر. والحديث من هذه الطرق يحتمل التحسين، وله شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب، وابن عباس. أثر عمر: أخرجه ابن أبي شيبة (9/ 49) ، والدارمي (1/ 127) ، والخطيب في «تقييد العلم» (ص 88) ، والحاكم (1/ 106) من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن عبد الملك بن أبي سفيان، عن عمه عمرو بن أبي سفيان، عن عمر، فذكره. وصححه الحاكم. أثر ابن عباس: أخرجه الخطيب في «تقييد العلم» ص (92) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير. قال:

باب في فضل القرآن

باب في فضل القرآن «1» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّها ستكون فتن كقطع اللّيل المظلم، قيل: فما النّجاة منها، يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو فصل ليس بالهزل، من تركه تجبّرا، قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، والصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، من علم علمه سبق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به، فقد هدي إلى صراط مستقيم» «2» ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد علم الأوّلين والآخرين، فليثوّر القرآن» «3» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الّذي يتعاهد القرآن، ويشتدّ عليه له أجران، والّذي يقرؤه وهو خفيف عليه مع السّفرة الكرام البررة» «4» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «اتلوا هذا القرآن،

_ قال ابن عباس: قيدوا العلم بالكتاب. وسنده ضعيف فرواية عكرمة بن عمار عن يحيى مضطربة. (1) هذا الباب يوجد في «المحرر الوجيز» (1/ 36) هكذا: باب: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، وعن نبهة العلماء، في فضل القرآن المجيد، وصورة الاعتصام به. (2) أخرجه الترمذي (5/ 172) ، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضائل القرآن، حديث (2906) ، والدارمي (2/ 435) ، كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، كلاهما من طريق الحسين بن علي الجعفي، عن حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي به. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 337) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، والدارمي، والترمذي، ومحمد بن نصر، وابن الأنباري في «المصاحف» . (3) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (1/ 548) رقم (2454) ، وعزاه إلى الديلمي، عن أنس مرفوعا، وقد ورد هذا الحديث عن ابن مسعود لكن موقوفا، فأخرجه الطبراني في «الكبير» (9/ 146) ، رقم (8665) من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود، وذكره الهيثمي في «المجمع» (7/ 168) ، وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني أيضا (9/ 146) ، رقم (8666) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن عبد الله قال: «من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين» وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 280) ، رقم (814) ، والفريابي في «فضائل القرآن» (ص- 197) ، رقم (78) ، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 36) رقم (80) . وابن أبي شيبة (10/ 485) ، رقم (10067) كلهم من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال: «إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين» . (4) أخرجه البخاري (8/ 560) ، كتاب التفسير، باب سورة «عبس» ، حديث (4937) ، ومسلم (1/ 550) ،

فإنّ الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات أما إنّي لا أقول «آلم» حرف، ولكن الألف حرف، واللّام حرف، والميم حرف» «1» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من شفيع أفضل عند الله من القرآن، لا نبيّ ولا ملك» «2» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل عبادة أمّتي القرآن» «3» ، وحدّث أنس بن

_ كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل الماهر بالقرآن، حديث (798/ 244) ، وأبو داود (1/ 460) ، كتاب الصلاة، باب في ثواب قراءة القرآن، حديث (1454) ، والترمذي (5/ 171) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن، حديث (2904) ، والنسائي في «التفسير» (2/ 492) ، رقم (666) ، وابن ماجة (2/ 1242) ، كتاب «الأدب» ، باب ثواب القرآن، حديث (3779) ، وأحمد (6/ 48، 110، 192، 239) ، وعبد الرزاق (2/ 491) ، رقم (4194) ، وابن أبي شيبة (10/ 490) ، رقم (10085) ، والدارمي (2/ 444) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب فضل من يقرأ القرآن ويشتد عليه، والطيالسي (2/ 2- منحة) ، رقم (1184) ، والبيهقي (2/ 395) ، كتاب «الصلاة» ، وفي «شعب الإيمان» (4/ 537) ، رقم (1822) ، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص- 5) ، رقم (6) ، والفريابي في «الفضائل» (ص- 114) ، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص 39) ، رقم (29) ، وابن حبان (3/ 44) ، رقم (767) ، من طرق، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام الأنصاري، عن عائشة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (1) أخرجه الترمذي (5/ 175) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر، حديث (2910) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 216) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 548) ، رقم (1831) كلهم من طريق الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، وميم حرف» . وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، سمعت قتيبة يقول: بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ... » اه. قلت: الذي ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كعب والد محمد، وينظر «الإصابة» (6/ 346) . (2) ذكره الغزالي في «الإحياء» (1/ 273) . وقال الحافظ العراقي في «تخريجه» : رواه عبد الملك بن حبيب من رواية سعيد بن سليم مرسلا. اه. وينظر: «كشف الخفاء» (1/ 20) . (3) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 354) ، رقم (2022) من طريق سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن النعمان بن بشير مرفوعا. وقد ورد بلفظ: «أفضل العبادة قراءة القرآن» . ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (1/ 511) ، رقم (2263) ، وعزاه إلى ابن قانع، عن أسير بن جابر، وإلى السجزي في «الإبانة» ، عن أنس. وأسير بن جابر في صحبته نظر، قاله ابن الأثير كما في «فيض القدير» (2/ 44) . والحديث ذكره الغزالي في «الإحياء» (1/ 273) ، وقال الحافظ العراقي: أخرجه أبو نعيم في «فضائل القرآن» من حديث النعمان بن بشير، وأنس، وإسنادهما ضعيف.

مالك «1» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من قرأ مائة آية، كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ ثلاثمائة آية، لم يحاجّه القرآن» «2» ، قال الشيخ يحيى بن شرف النوويّ «3» : اعلم أنّ قراءة القرآن آكد الأذكار، وأفضلها فينبغي المداومة عليها فلا يخلو عنها يوما وليلة، ويحصل له أصل القراءة بقراءة الآيات القليلة، والمطلوب القراءة بالتدبّر والخشوع والخضوع، وقد روّينا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ عن أنسٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من قرأ خمسين آية، لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية، كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية، لم يحاجّه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية، كتب له قنطار من الأجر» ، وفي رواية: «من قرأ أربعين آية بدل: «خمسين» ، وفي رواية: «عشرين «4» آية» وفي رواية عن أبي هريرة «5» عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ عشر آيات لم يكتب

_ (1) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار- واسمه تيم الله- بن ثعلبة بن عمرو بن خزرج بن حارثة. أبو حمزة. الأنصاري. الخزرجي. النجاري من بني عدي بن النجار. خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي سنة 90 وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (258/ 1/ 151) ، «الإصابة» (1/ 71) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 31) ، «الاستيعاب» (1/ 109) ، «الثقات» (3/ 4) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 395) ، «الجرح والتعديل» (2/ 1036) ، «الأعلام» (2/ 24) ، «العبر» (1/ 107) ، «تهذيب الكمال» (1/ 122) ، «تقريب التهذيب» (1/ 14) ، «الوافي بالوفيات» (9/ 411) ، «تاريخ الثقات» (73) . (2) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (679) . (3) ينظر: «الأذكار» ص 133، بتصرف. (4) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (679) . [.....] (5) أبو هريرة بن عامر بن عبد ذي الشّرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب. الدوسي. وقيل في نسبه غير ذلك. واختلف في اسمه اختلافا كثيرا. ذكره ابن حجر في «الإصابة» وقد عدد من أقوالهم في اسمه الشيء الكثير. قال ابن الأثير: أبو هريرة- الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم حديثا عنه، وهو دوسي. وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا لم يختلف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه.. وقيل: رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كمه هرة فقال: «يا أبا هريرة» . وفاته: قيل توفي سنة (57) ، وله (78 سنة) ، قيل: مات ب «العقيق» ، وحمل إلى المدينة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 318) ، «الإصابة» (7/ 199) ، «الاستيعاب» (1768) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 209) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1655) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 262) ، «الكنى والأسماء» (1/ 60) ، «المغني» (298) ، «الكاشف» (3/ 385) ، «الأنساب» (5/ 402) ، «تنقيح المقال» (3/ 38) ، «معرفة الثقات» (22756) ، «تاريخ الثقات» (2061) .

من الغافلين» «1» ، وجاء في الباب أحاديث كثيرة بنحو هذا. انتهى من «الحلية» . وروى ابن عبّاس «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشراف أمّتي حملة القرآن» «3» ، وروى أنَسُ بنُ مالكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن شافع مشفّع وما حل مصدّق، ومن شفع له القرآن نجا، ومن محل به القرآن يوم القيامة، كبّه الله لوجهه في النّار» «4» ، وأحقّ من شفع

_ (1) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (ص 188) ، رقم (702) ، و «الحاكم» (1/ 555) ، كلاهما من طريق محمد بن إبراهيم الصوري، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي. قلت: ومؤمل بن إسماعيل. وثقه ابن معين وإسحاق بن راهويه. وقال ابن سعد: ثقة كثير الغلط. وقال الدارقطني: كثير الخطأ. وقال الساجي: صدوق كثير الخطأ، وله أوهام يطول ذكرها. وقال أبو حاتم: صدوق شديد السنة، كثير الخطأ. وقال البخاري: منكر الحديث. وقد لخص الحافظ هذه الأقوال في «التقريب» فقال: صدوق إلا أنه سىء الحفظ. ينظر: «الجرح والتعديل» (8/ 374) ، و «التقريب» (2/ 555) و «التهذيب» (10/ 380- 381) . (2) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو العباس. القرشي. الهاشمي. ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمه: أم الفضل لبابة بنت الحارث. الهلالية. ولد وبنو هاشم بالشّعب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس. كان يسمى «البحر» لسعة علمه، ويسمى «حبر الأمة» ، ويسمى «ترجمان القرآن» ، وهو من صغار الصحابة توفي النبي صلى الله عليه وسلم وله على أرجح الأقوال ثلاث عشرة سنة. توفي ب «الطائف» سنة 68 وله (71 أو 72 أو 74) . ينظر ترجمته في: «الإصابة» (4/ 90) ، «أسد الغابة» (3/ 290) ، «الاستيعاب» (3/ 933) ، «تجريد أسماء الصحابة (1/ 320) ، «التاريخ الكبير» (3/ 3، 5) «الجرح والتعديل» (5/ 116) ، «العبر» (1/ 41) ، «الأعلام» (4/ 95) ، «شذرات الذهب» (1/ 75) «صفوة الصفوة» (1/ 746) . (3) أخرجه السهمي في «تاريخ جرجان» (ص- 494) ، والطبراني في «الكبير» (12/ 125) ، رقم (12612) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 556) ، رقم (2703) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 124) ، كلهم من طريق سعد بن سعيد الجرجاني: ثنا نهشل بن عبد الله، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 164) ، وقال: وفيه سعد بن سعيد الجرجاني، وهو ضعيف. والحديث ضعفه المنذري في «الترغيب» (919) . (4) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «فضائل القرآن» كما في «تخريج الكشاف» للزيلعي (2/ 187، 188) من طريق حجاج عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس، فذكره وقال الزيلعي: وفيه انقطاع، وحجاج ضعيف.

له القرآن أهله وحملته، وأولى من محل به من عدل عنه، وضيّعه، وقال قوم من الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تر يا رسول الله ثابت بن قيس «1» لم تزل داره البارحة يزهر فيها وحولها أمثال المصابيح؟! فقال لهم: فلعلّه قرأ سورة البقرة، فسئل ثابت بن قيس فقال: نعم، قرأت سورة البقرة» «2» ، وفي هذا المعنى حديث صحيح عن أسيد بن حضير «3» في تنزّل

_ وللحديث شواهد من حديث جابر وابن مسعود. حديث جابر: أخرجه ابن حبان (1793- موارد) ، والبزار (1/ 78- كشف) ، رقم (122) ، كلاهما من طريق أبي كريب محمد بن العلاء: ثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القرآن شافع مشفع، وما حل مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار» . وصححه ابن حبان. وقال البزار: لا نعلم أحدا يرويه عن جابر إلّا من هذا الوجه وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 174) ، وقال: ورجال حديث جابر المرفوع ثقات. حديث ابن مسعود: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (4/ 108) ، والطبراني في «الكبير» (10/ 244) ، رقم (10450) ، كلاهما من طريق هشام بن عمار: ثنا الربيع بن بدر، عن الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعا. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش، تفرد به عنه الربيع. (1) ثابت بن قيس بن الشماس بن زهير بن مالك. أبو عبد الرحمن وأبو محمد. الأنصاريّ الخزرجي. خطيب الأنصار. قال ابن الأثير: كان ثابت خطيب الأنصار، وخطيب النبي صلى الله عليه وسلم كما كان حسان شاعره.. شهد أحدا وما بعدها، وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر شهيدا. روى عنه أنس بن مالك وأولاده. ينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 64) ، «الاستيعاب» (1/ 200) ، «الاستبصار» (1/ 117) ، «الإصابة» (1/ 203) ، «أسد الغابة» (1/ 275) ، «الثقات» (3/ 43) ، «تقريب التهذيب» (1/ 116) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 12) ، «تهذيب الكمال» (1/ 368) ، «الكاشف» (1/ 171) ، «التاريخ الكبير» (5/ 167) ، «الجرح والتعديل» (2/ 456) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 308) . (2) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب: «فضائل القرآن» كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 33) ، قال حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوه، فذكروا الحديث. وقال ابن كثير: وهذا إسناد جيد إلا أن فيه إبهاما، ثم هو مرسل. (3) هو: أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل.. قيل كنيته: أبو حضير، أبو عمرو، أبو عيسى، أبو يحيى، أبو عتيك. الأنصاري. الأشهلي الأوسي، شهد العقبة الثانية، وكان نقيبا لبني عبد الأشهل. اختلف في شهوده بدرا، وشهد أحدا وكان ممن ثبت يومها، وجرح حينئذ سبع جراحات، قال ابن إسحاق: حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن

الملائكة في الظّلّة لصوته بقراءة سورة البقرة «1» . قلت: وفي رواية سورة الكهف. وهذا الحديث خرّجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنّسائيّ. انتهى. وقال عقبة بن عامر «2» : «عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع، فقال: عليكم بالقرآن» «3» ، وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «4» : أنَّ من أشراط السّاعة أن يبسط

_ عائشة قالت: «ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وعباد بن بشير. توفي سنة (20) ، وقيل 21، وقيل: في إمارة عمر. ينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 21) ، «الثقات» (3/ 6) ، «أسد الغابة» (1/ 111) ، «الإصابة» (1/ 48) ، «الإكمال» (2/ 482) ، «الاستيعاب» (1/ 92) ، «تهذيب الكمال» (1/ 113) . (1) أخرجه البخاري (8/ 680) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، حديث (5018) . (2) هو: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة ... الجهني، أبو حماد. وقيل: أبو لبيد. وأبو عمرو. قال ابن الأثير في «الأسد» : روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو عباس، وأبو أيوب، وأبو أمامة، وغيرهم. ومن التابعين: أبو الخير، وعلي بن رباح أبو قبيل، وسعيد بن المسيب وغيرهم. شهد «صفين» مع معاوية، وشهد فتوح الشام، وهو كان البريد إلى عمر بفتح «دمشق» ، وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن. توفي بمصر، وكان واليا عليها سنة (58 هـ.) ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 53) ، «الإصابة» (4/ 250) ، «الثقات» (3/ 280) ، «الطبقات الكبرى» (2/ 376) ، «التاريخ الكبير» (6/ 340) ، «التاريخ الصغير» (2/ 123) ، «الرياض المستطابة» (220) ، «الأعلام» (2/ 240) ، «العبر» (1/ 62) ، «الإكمال» (6/ 88) ، «سير أعلام النبلاء» (2/ 467) ، «طبقات الحفاظ» (10) «تذكرة الحفاظ» (1/ 42) ، «روضات الجنات» (8/ 38) ، «الجرح والتعديل» (6/ 313) ، «تهذيب الكمال» (2/ 945) ، «تقريب التهذيب» (2/ 27) . (3) أخرجه الطبراني في «الكبير» (19/ 296) ، رقم (658) . (4) هو: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي.. أبو محمد. وقيل: أبو عبد الرحمن. القرشي. السهمي. أسلم قبل أبيه، وكان من فضلاء الصحابة عالما بالقرآن، وقرأ الكتب المتقدمة، وكان من أشهر حفاظهم، وأخباره كثيرة لا يتسع المقام للحديث عنه. وفاته: قيل: توفي سنة (63) وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 349) ، «الإصابة» (4/ 111) ، «الثقات» (3/ 211) ، «الاستيعاب» (3/ 256) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 326) ، «الجرح والتعديل» (5/ 116) ، «تقريب التهذيب» (1/ 436) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 337) ، «تهذيب الكمال» (2/ 716) ، «شذرات الذهب» (1/ 62) ، «النجوم الزاهرة» (20) ، «الوافي بالوفيات» (17/ 380) . [.....]

القول، ويخزن الفعل، ويرفع الأشرار، ويوضع الأخيار، وأن تقرأ المثناة على رءوس النّاس، لا تغيّر، قيل: وما المثناة «1» ؟ قال: ما استكتب من غير كتاب الله، قيل له: فكيف بما جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أخذتموه عمّن تأمنونه على نفسه ودينه فاعقلوه، وعليكم بالقرآن فتعلّموه، وعلّموه أبناءكم فإنّكم عنه تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظا لمن عقل «2» وقال رجل لعبد الله بن مسعود «3» : أوصني، فقال: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنّه خير يأمر به، أو شرّ ينهى عنه «4» ، وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أحسن النّاس قراءة أو صوتا بالقرآن فقال: «الّذي إذا سمعته رأيته يخشى الله تعالى» «5» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا بالقرآن قبل أن يجيء قوم يقيمونه كما يقام القدح «6» ، ويضيّعون معانيه، يتعجّلون أجره، ولا

_ (1) قال العلامة ابن الأثير: وقيل: إن المثناة هي أن أحبار بني إسرائيل بعد موسى- عليه السلام- وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو المثناة، فكأن ابن عمرو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كانت عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك منهم، فقال هذا لمعرفته بما فيها. قال الجوهري: «المثناة» هي التي تسمى بالفارسية دوبتي، وهو الغناء. ينظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» (1/ 225- 226) . (2) أخرجه الدارمي (1/ 123) ، باب: من لم ير كتابة الحديث. (3) هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن سمع بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن الحرث بن تيم بن سعد بن هذيل أبو عبد الرحمن الهذلي. حليف بني زهرة. قال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام «إنك غلام معلم» وقال هو: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا، وكان يقول أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة. توفي سنة: 32، وقيل: 33، وقيل: توفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة، والأول أرجح. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 484) ، «الإصابة» (4/ 129) ، «الثقات» (3/ 208) ، «الاستبصار» (65، 139) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 334) ، «الأعلام» (4/ 137) ، «التاريخ الصغير» (1/ 60) ، «الجرح والتعديل» (5/ 149) ، «العبر» (1/ 25) ، «حلية الأولياء» (1/ 375) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 461) . (4) أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 231) رقم (864) وابن المبارك في «الزهد» (ص 12) رقم (36) وسعيد بن منصور رقم (50) وابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «تفسير ابن كثير» (2/ 2) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 130) . وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 195) ولكن عن ابن عباس وأظنه خطأ من الطابع أو الناسخ وزاد نسبته إلى أبي عبيد في «فضائله» والبيهقي في «شعب الإيمان» . (5) أخرجه عبد الرزاق (2/ 488) رقم (4185) عن طاوس مرسلا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 173) من حديث ابن عمر وعزاه للطبراني في الأوسط وقال: وفيه حميد بن حماد بن حوار وثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ وبقية رجاله رجال الصحيح. (6) القدح: السهم قبل أن ينصّل ويراش. ينظر: «لسان العرب» (3542) .

يتأجّلونه» «1» ، وروي أنّ أهل اليمن، لمّا قدموا أيام أبي بكر الصديق «2» رضي الله عنه سمعوا القرآن فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: «هكذا كنّا، ثمّ قست القلوب» «3» ، وروي أن عمر بن الخطاب «4» رضي الله عنه قرأ مرة إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ [الطور: 7، 8] فأنّ أنّة عيد منها عشرين يوما «5» ، قال القرطبي في «التّذكرة» «6» : وما تقرّب

_ (1) أخرجه أبو داود (1/ 280) ، كتاب: «الصلاة» ، باب: ما يجزىء الأمي والأعجمي من القراءة، حديث (830) ، وأحمد (3/ 397) ، والفريابي في «فضائل القرآن» (ص 244) ، رقم (174) ، والآجري في «أخلاق أهل القرآن» (ص 92) ، رقم (28) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 575- 576) ، رقم (2399) ، كلهم من طريق حميد الأعرج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا. وأخرجه أحمد (3/ 357) ، وأبو يعلى (4/ 140) ، رقم (2197) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» ، (5/ 576- 577) ، رقم (2400) من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. وقد روي هذا الحديث عن ابن المنكدر مرسلا. أخرجه عبد الرزاق (3/ 382) رقم (6034) ، وابن أبي شيبة (10/ 480) ، رقم (10053) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 575) ، رقم (2398) ، عن ابن المنكدر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. (2) هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي.. القرشي. التيمي أبو بكر الصديق بن أبي قحافة، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. هو صحابي شهير غني عن التعريف، وقد جاءت ترجمته في مصادر يصعب حصرها في مثل هذا الموضع. توفي يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة (13) وله (63 سنة) . ينظر ترجمته في: «الاستيعاب» (293) ، «أسد الغابة» (6/ 37) ، «الإصابة» (4/ 101) ، «المغني» (286) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 152) ، «الكنى والأسماء» (1/ 6) ، «بقي بن مخلد» (30) ، «الزهد لوكيع» (99) ، «تاريخ الثقات» (1906) ، «معرفة الثقات» (2092) ، «الأعلام» (4/ 102) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1589) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 43) ، «تقريب التهذيب» (2/ 401) ، «تذكرة الحفاظ» (1/ 2) ، «شرف أصحاب الحديث» (35، 90) ، «أصحاب بدر» (41) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 358) ، «تاريخ الإسلام» (2/ 97) «الرياض المستطابة» (140) ، «صفة الصفوة» (1/ 235) . (3) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 33- 34) من طريق الأعمش عن أبي صالح به وذكره الهندي في «كنز العمال» (4097) وعزاه لأبي نعيم. (4) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي.. أبو حفص. القرشي. العدوي. أمير المؤمنين. الفاروق. ولد بعد «الفجار الأعظم» بأربع سنين قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة، وقيل: يرون ذلك. طعن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة (23) ، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة (24) على أرجح الأقوال. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 145) ، «الإصابة» (4/ 275) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 397) ، «الاستيعاب» (3/ 1144) ، «الجرح والتعديل» (6/ 105) ، «تقريب التهذيب» (2/ 540) ، «تهذيب التهذيب» (7/ 438) ، «الكاشف» (309) ، «تاريخ جرجان» (730) . (5) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 146) وعزاه إلى أبي عبيد في «فضائله» . (6) ينظر: «التذكرة» (1/ 126) .

المتقرّبون إلى الله تعالى بشيء مثل القرآن قال صلى الله عليه وسلم: «يقول الرّبّ تبارك وتعالى: من شغله قراءة القرآن عَنْ مَسْأَلتي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين» رواه الترمذي. انتهى. قلت: ولفظ الترمذيّ عن أبي سعيد «1» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الرّبّ عزّ وجلّ: «من شغله القرآن وذكري عَنْ مَسْأَلتي، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين» ، و «فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ «2» .

_ (1) هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج.. أبو سعيد الخدري، الأنصاري. قال ابن الأثير: كان من الحفاظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المكثرين ومن العلماء الفضلاء العقلاء. روى عن أبي سعيد قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله، إنه عبل العظام. فردني. توفي سنة «74 هـ.» . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 143) ، «الإصابة» (7/ 84) ، «الاستيعاب» (2/ 1671) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 172) ، «الأنساب» (5/ 6) ، «الإكمال» (3/ 296) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1609) ، «تقريب التهذيب» (2/ 428) . (2) أخرجه الترمذي (5/ 184) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب (25) ، حديث (2926) ، والدارمي (2/ 441) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب فضل كلام الله على سائر الكلام، وابن نصر في «قيام الليل» (ص 71) ، والعقيلي في «الضعفاء» (4/ 49) ، وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 106) ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص 238) ، كلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري به مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. والحديث أعله العقيلي في «الضعفاء» بمحمد بن الحسن وقال: لا يتابع عليه. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 82) ، رقم (1738) : سألت أبي عن حديث رواه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: «من شغله القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب السائلين» قال أبي: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن ليس بالقوي اه. فأعل العقيلي وأبو حاتم هذا الحديث بمحمد بن الحسن. قلت: قال البيهقي: تابعه الحكم بن بشير، ومحمد بن مروان، عن عمرو بن قيس لتنحصر علة الحديث في ضعف وتدليس عطية العوفي. وللحديث شاهد من حديث عمر بن الخطاب: أخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 93) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 413) ، رقم (572) ، كلاهما من طريق صفوان بن أبي الصهباء، عن بكير بن عتيق، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده مرفوعا به، ومن طريق صفوان أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 166) ، وقال: قال ابن حبان: هذا موضوع ما رواه إلا صفوان بهذا الإسناد، فأما صفوان، فيروي عن الأثبات ما لا أصل له من حديث الثقات، ولا يجوز الاحتجاج بما انفرد به. [.....]

وعن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لم يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح «1» . انتهى. وعماد الأمر التدبّر والتفهّم، فقلّة القراءة مع التفهّم أفضل من كثرتها من غير تفهّم، وهذا الذي عليه المحقّقون، وهو الذي يدلّ عليه القرآن، وصحيح الآثار، ولولا الإطالة، لأتينا من ذلك بما يثلج له الصدر، وقد ذكر بعض شراح «الرسالة» «2» في الذي يقرأ القرآن من غير تأمّل ولا تفهّم، هل له أجر أم لا؟ قولان، وهذا الخلاف، والله أعلم، في غير المتعلّم، والقول بعدم الأجر على ضعفه هو ظاهر ما حكاه عياض «3» في «المدارك» عن

_ وللحديث شاهد آخر من حديث حذيفة: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (7/ 313) ، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، ثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته قبل أن يسألني» . وقال أبو نعيم: غريب، تفرد به أبو مسلم. وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 413- 414) ، رقم (573) ، من طريق يزيد بن خمير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قال: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ ما أعطي السائلين» . (1) أخرجه الترمذي (5/ 198) ، كتاب «القراءات» ، باب (13) ، حديث (2949) ، وأبو داود (1/ 443) ، كتاب «الصلاة» ، باب تحزيب القرآن، حديث (1394) ، وابن ماجة (1/ 428) ، كتاب «الصلاة» ، باب في كم يستحب يختم القرآن، حديث (1347) ، والدارمي (1/ 350) ، كتاب «الصلاة» ، باب في كم يختم القرآن، وأحمد (2/ 195) ، وابن حبان (3/ 35) ، رقم (758) ، كلهم من طريق قتادة، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان. (2) هي «الرسالة القشيرية» في التصوف، للإمام أبي القاسم عبد الكريم ابن هوازن القشيري، الأستاذ الشافعي، المتوفى سنة 465 هـ، عن تسعة وثمانين عاما، وهي على أربعة وخمسين بابا، وثلاثة فصول، وقد شرحها القاضي زكريا بن محمد الأنصاري ت 910، في مجلد مع المتن، سماه «إحكام الدلالة على تحرير الرسالة» . ومن شروحها «الدلالة على فوائد الرسالة» للشيخ الفقيه سديد الدين أبي محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد العلي اللخمي. وشرحها- أيضا- المولى علي القاري في مجلدين. ينظر: «كشف الظنون» (883) . (3) هو أبو الفضل عياض- بكسر العين- بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى اليحصبي- بضم الصاد- المالكي، سبتي الدار والميلاد، أندلسي الأصل، ولد سنة 476 هـ، ورحل إلى «الأندلس» ، وأخذ عن علمائها كأبي الوليد بن رشد، وأبي علي الغساني، وغيرهما، ثم عاد إلى «سبتة» وتولى بها التدريس والقضاء، وصار إمام وقته في الحديث، والتفسير، والفقه، والأصول، كما كان عالما بالنحو واللغة ومن أشهر مؤلفاته: كتاب «التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة» ، وكتاب «ترتيب المدارك في طبقات أصحاب مالك» . توفي سنة 544 هـ. ينظر: «ترتيب المدارك» (1/ 18) ، «الفكر السامي» (3/ 58) وما بعدها، «شجرة النور» ص 140.

الشّبليّ في قصّته مع الإمام المقرئ. وبالجملة فالتدبّر والتفهّم هو الذي يحصل معه الإنابة والخشوع، وكل خير، ونقل الباجيّ «1» في «سنن الصّالحين» عن محمد بن كعب القرظيّ «2» قال: لأن أقرأ في ليلي حتّى أصبح ب «إذا زلزلت» ، وبالقارعة لا أزيد عليهما وأتردّد فيهما وأتفكّر أحبّ إليّ من أن أهذّ القرآن ليلي هذّا، أو قال: أنثره نثرا «3» ، ونحوه عن مجاهد «4» وغيره، وعن ابن عبّاس قال: «ركعتان مقتصدتان في تفكّر خير من قيام ليلة والقلب ساه «5» . انتهى. قال ابن أبي جمرة «6» : والمرغّب فيه التدبّر في القراءة، وإن قلّت، وهو خير من كثرة

_ (1) القاضي أبو الوليد: هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي، أصلهم من «بطليوس» ، ثم انتقلوا إلى باجة أعني «باجة» الأندلس، أخذ بالأندلس عن ابن الأصبغ، وابن محمد المكي، وابن شاكر، وغيرهم، ورحل سنة 426، فأقام بالحجاز مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام، ثم ارتحل إلى «بغداد» ، فدرس الفقه، وسمع الحديث ثم دخل «الشام» ثم «الموصل» . له مؤلفات عديدة منها: كتاب «السراج في علم الحجاج» ، وكتاب «مسائل الخلاف» ، وكتاب «شرح المدونة» ، وكتاب «المقتبس» من علم مالك، وكتاب «المهذب في اختصار المدونة» ، وكتاب «اختلاف الموطأ» ، وكتاب «إحكام الفصول في أحكام الوصول» ، وكتاب «المنتقى في شرح الموطأ» ، وهو اختصار لكتاب «الاستيفاء» ، وتوفي سنة 494 هـ، وقيل سنة 474. ينظر: «الديباج» ص 120 وما بعدها، و «شجرة النور» ص 121. (2) محمد بن كعب القرظي المدني، ثم الكوفي أحد العلماء. قال ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي. وقال ابن سعد: كان ثقة ورعا كثير الحديث. قيل: مات سنة تسع عشرة ومائة. وقيل: سنة عشرين. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 452) «تهذيب التهذيب» (9/ 420) ، «تقريب التهذيب» (2/ 203) ، «الكاشف» (3/ 92) ، «الثقات» (5/ 351) ، «طبقات ابن سعد» (5/ 370، 371) . (3) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (3/ 214- 215) . (4) مجاهد بن جبر، مولى السائب بن أبي السائب، أبو الحجّاج المكي، المقرئ، الإمام، المفسّر، روى عن ابن عباس وقرأ عليه. قال مجاهد: عرضت على ابن عباس ثلاثين مرة. روى عن الصحابة. وثقه ابن معين وأبو زرعة. ولد سنة 21 هـ، وتوفي ب «مكة» وهو ساجد سنة 102 هـ، وقيل: غير ذلك. ينظر: «الخلاصة» (3/ 10) (6854) ، «صفة الصفوة» (2/ 208- 211) ، و «ميزان الاعتدال» (3/ 439- 440) . (5) ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (8/ 201) رقم (22544) وعزاه لابن أبي الدنيا في «التفكر» . (6) عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جمرة، الأزدي، الأندلسي، أبو محمد: من العلماء بالحديث، مالكي. أصله من «الأندلس» ، ووفاته ب «مصر» ، من كتبه «جمع النهاية» اختصر به صحيح البخاري، ويعرف بمختصر ابن أبي جمرة، و «بهجة النفوس» في شرح جمع النهاية، و «المرائي الحسان» في الحديث، و «الرؤيا» . ينظر: «الأعلام» (4/ 89) ، «البداية والنهاية» (13/ 346) .

القراءة بلا تدبّر وفائدة التدبّر هو أن تعرف معنى ما تتلوه من الآي «1» . انتهى. وقال الحسن بن أبي الحسن «2» : إنّكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل، وجعلتم الليل جملا تركبونه، فتقطعون به المراحل، وإن من كان قبلكم رأوه رسائل إليهم من ربّهم، فكانوا يتدبّرونه بالليل، وينفذونه بالنهار، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتّخذوا درسه عملا، إنّ أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته، ما يسقط منه حرفا، وقد أسقط العمل به. قال ع «3» : قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: 22] وقال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل: 5] ، أي: علم معانيه، والعمل به، والقيام بحقوقه ثقيل، فمال الناس إلى الميسّر، وتركوا الثقيل، وهو المطلوب منهم، وقيل ليوسف بن أسباط «4» : بأي شيء تدعو، إذا ختمت القرآن؟ فقال: أستغفر الله من تلاوتي لأنّي إذا ختمته، ثم تركت ما فيه من الأعمال، خشيت المقت، فأعدل إلى الاستغفار والتسبيح، وقرأ رجل القرآن على بعض العلماء، قال: فلما ختمته، أردت الرجوع من أوّله، فقال لي: اتخذت القراءة عليّ عملا، اذهب فاقرأه على الله تعالى في ليلك، وانظر ماذا يفهمك منه، قال الغزّاليّ في كتاب «التفكّر» : وأما طريق الفكر الذي تطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محمودة، أو التنزّه عن صفات مذمومة، فلا يوجد فيه أنفع من تلاوة القرآن بالفكر فإنه جامع لجميع المقامات والأحوال، وفيه شفاء للعالمين، وفيه ما يورث الخوف، والرجاء، والصبر، والشكر، والمحبة، والشوق، وسائر الأحوال المحمودة، وفيه ما يزجر

_ (1) «بهجة النفوس» لابن أبي جمرة (4/ 76) . (2) الحسن بن أبي الحسن البصري، مولى أم سلمة، والربيع بنت النضر، أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام، أحد أئمة الهدى والسنة. قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا، ناسكا، كثير العلم فصيحا جميلا، وسيما، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه. قال ابن علية: مات سنة عشر ومائة. قيل: ولد سنة إحدى وعشرين لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت له أصلا ثابتا خلا أربعة أحاديث. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (1/ 210) ، «تهذيب الكمال» (1/ 255) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 263) و «تقريب التهذيب» (1/ 165) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (1/ 210) ، «الكاشف» (1/ 220) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 39) . (4) أحد الزهاد والعباد، وكان له اليد الطولى في المواعظ والحكم. روى عن الثوري وزائدة بن قدامة وغيرهما. وروى عنه المسيب بن واضح، وعبد الله بن خبيق. نزل الثغور مرابطا. قال شعيب بن حرب: ما أقدم على يوسف بن أسباط أحدا. وقد وثقه ابن معين. ينظر ترجمته في: «حلية الأولياء» (8/ 237) ، «سير أعلام النبلاء» (9/ 169) . [.....]

باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه

عن سائر الصفات المذمومة، فينبغي أن يقرأه العبد، ويردّد الآية الّتي هو محتاج إلى التفكّر فيها مرة بعد أخرى، ولو ليلة كاملة، فقراءة آية بتفكّر وفهم خير من ختمة من غير تدبّر وفهم فإن تحت كل كلمة منه أسرارا لا تنحصر، ولا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة وكذلك حكم مطالعة أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أوتي عليه السلام جوامع الكلم، فكل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة، لو تأمله العالم حقّ تأمله، لم ينقطع فيه نظره طول عمره، وشرح آحاد الآيات والأخبار يطول، وانظر قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ روح القدس نفث في روعي «1» أحبب من أحببت، فإنّك مفارقه، وعش ما شئت فإنّك ميّت، واعمل ما شئت، فإنّك مجزيّ به» فإن هذه الكلمات جامعة لحكم الأولين والآخرين وهي كافية للمتأملين، ولو وقفوا على معانيها، وغلبت على قلوبهم غلبة يقين، لاستغرقتهم، ولحالت بينهم، وبين التلفّت إلى الدنيا بالكلية. انتهى من «الإحياء» . باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه «2» ، فإنّ الله تعالى يحبّ أن يعرب» . قال أبو العالية «3» في تفسير قوله عز وجلّ: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً

_ (1) الرّوع: القلب والعقل، ووقع ذلك في روعي، أي نفسي وخلدي وبالي. ينظر: «لسان العرب» 1778. (2) أخرجه أبو يعلى (11/ 436) ، رقم (6560) ، والحاكم (2/ 439) ، وابن أبي شيبة (10/ 456) ، رقم (9961) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (8/ 77- 78) كلهم من طريق عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد على مذهب جماعة من أئمتنا. وتعقبه الذهبي بقوله: بل أجمع على ضعفه. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 167) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري، وهو متروك. والحديث ذكره السيوطي في «الجامع الصغير» (1/ 558- فيض) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، والحاكم، والبيهقي في «شعب الإيمان» ورمز له بالضعف، ووافقه المناوي. وذكره أيضا الألباني في «السلسلة الضعيفة» .. رقم (1345) وقال: ضعيف جدا. (3) رفيع- بضم أوله مصغرا- ابن مهران الرياحي- بكسر المهملة- مولاهم، أبو العالية البصري، مخضرم، إمام من الأئمة، صلى خلف عمر، دخل على أبي بكر، روى عن أبي، وعلي، وحذيفة، وعلى خلق. وعنه قتادة، وثابت، وداود بن أبي هند بصريون وخلق. قال عاصم الأحول: كان إذا اجتمع عليه أكثر من أربعة قام وتركهم. قال مغيرة: أول من أذّن بما وراء النهر أبو العالية. قال أبو خلدة: مات سنة

[البقرة: 269] قال: الحكمة: الفهم في القرآن «1» ، وقال قتادة «2» : الحكمة: القرآن، والفقه فيه «3» . وقال غيره: الحكمة: تفسير القرآن «4» . وقال الشعبي «5» : رحل مسروق «6» إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسّرها رحل إلى الشام، فتجهز، ورحل إليه حتى علم تفسيرها، وذكر علي بن أبي طالب «7» رضي الله عنه ...

_ تسعين، وهو الصحيح. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (1/ 330) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 284) ، «تقريب التهذيب» (1/ 252) و «الكاشف» (1/ 312) . (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 90) (6179) ، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 40) . (2) قتادة بن دعامة السّدوسي، أبو الخطّاب البصري الأكمه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مدلس. قال ابن المسيّب: ما أتاني عراقي أحفظ من قتادة. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد. قال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح. ينظر: «طبقات ابن سعد» (9/ 156) ، «معرفة الثقات» (1513) ، «سير الأعلام» (5/ 269) ، «الثقات» (5/ 322) ، «تراجم الأحبار» (3/ 264) ، «الحلية» (2/ 333) ، «لسان الميزان» (7/ 341) ، «ميزان الاعتدال» (3/ 385) ، «تهذيب الكمال» (2/ 1121) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 350) . (3) الطبري (3/ 89) (6177) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 616) ، وعزاه لعبد بن حميد، وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (1/ 40) . (4) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 40) . (5) عامر بن شراحيل الحميري، الشعبي، أبو عمرو الكوفي، الإمام العلم، روى عن كثير من الصحابة، وروى عنه ابن سيرين والأعمش، وكان فقيها. قال الشعبي: «ما كتبت سوداء في بيضاء» . توفي سنة 103 هـ. ينظر: «الخلاصة» (2/ 22) (3263) ابن سعد (6/ 171- 178) ، و «المعارف» (ص 449- 451) ، و «الحلية» (4/ 310- 338) . (6) مسروق بن الأجدع الهمداني، أبو عائشة الكوفي، الإمام القدوة. عن أبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وطائفة. وعنه: زوجته قمير، وأبو وائل، والشعبي، وخلق. قال أبو إسحاق: حج مسروق فما نام إلا ساجدا على وجهه، وقال ابن المديني: صلى خلف أبي بكر، وقال ابن معين: ثقة لا يسأل عن مثله. قال ابن سعد: توفي سنة ثلاث وستين. ينظر: «طبقات ابن سعد» (4/ 113) ، «سير الأعلام» (4/ 63) ، «تاريخ بغداد» (13/ 232) ، «معرفة الثقات» (1709) ، «تراجم الأحبار» (3/ 330) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1320) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 110) (205) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (3/ 21) . (7) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.. أبو الحسن. القرشي. الهاشمي. ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.

جابر بن عبد الله «1» ، فوصفه بالعلم، فقال له رجل: جعلت فداك، تصف جابرا بالعلم، وأنت أنت، فقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «2» [القصص: 85] ، وقال إياس بن معاوية «3» : مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره كمثل قوم جاءهم كتاب من ملكهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة «4» لا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعلم التفسير كرجل جاءهم بمصباح فيقرءوا ما في الكتاب «5» ، وقال ابن عبّاس: الذي يقرأ، ولا يفسر كالأعرابيّ الذي يهذّ «6» الشّعر «7» ، وقال مجاهد: أحبّ الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل الله «8» ، وقال الحسن:

_ ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، رابع الخلفاء الراشدين، وزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالد الحسن والحسين، وهو غني عن التعريف، فاضت بذكره كتب التواريخ والسير، قتل في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة (40) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 91) ، «الإصابة» (4/ 269) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 392) ، «الاستبصار» (390) ، «تاريخ الخلفاء» (166) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 137) ، «التاريخ الصغير» (1/ 435) ، «الجرح والتعديل» (6/ 191) ، «حلية الأولياء» (2/ 87) ، «تهذيب الكمال» (2/ 971) ، «تهذيب التهذيب» (7/ 334) . (1) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عبد الله. وقيل: أبو عبد الرحمن الأنصاري السلمي شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صبي، ومن فضائله قال: استغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البعير خمسا وعشرين مرة. يعني بقوله: ليلة البعير أنه باع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا، واشترط ظهره إلى المدينة، وكان في غزوة لهم. توفي سنة 740 وقيل 77 وكان عمره: 94 سنة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 307) ، «الإصابة» (1/ 222) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 73) ، «الاستيعاب» (1/ 219) ، «الطبقات الكبرى» (3/ 561) ، «الاستبصار» (151) ، «التاريخ الكبير» (2/ 207) ، «التاريخ الصغير» (1/ 21، 115) ، «الجرح والتعديل» (2/ 2019) ، «تهذيب الكمال» (1/ 179) . (2) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 40) . [.....] (3) إياس بن معاوية بن قرة المزني، أبو وائلة البصري، القاضي. عن أبيه، وأنس، وابن المسيب. وعنه الأعمش، وأيوب، والحمادان. وثقه ابن سعد وابن معين. قال إياس: من عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. وقال: كل ديانة أسست على غير ورع فهي هباء. قال خليفة: مات ب «واسط» سنة اثنتين وعشرين ومائة. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (1/ 108) ، «تهذيب التهذيب» (1/ 390) ، «تقريب التهذيب» (1/ 87) ، و «الكاشف» (1/ 144) ، «طبقات ابن سعد» (7/ 234) . (4) الرّوعة: الفزعة. ينظر: «لسان العرب» 1777. (5) ابن عطية (1/ 40) . (6) الهذّ: سرعة القراءة، ومنه: هذّ القرآن يهذّه هذّا. ينظر: «لسان العرب» 4643. (7) ينظر: «المحرر الوجيز» لابن عطية الأندلسي (1/ 40) . (8) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 40) .

فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين

والله ما أنزل الله آية إلا أحبّ أن يعلم فيمن أنزلت، وما يعني بها «1» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه الرّجل كلّ الفقه حتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة» «2» . فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسّرين روي عَن عائشَة «3» رضي الله عنها أنَّها قَالَتْ: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسّر من كتاب الله تعالى إلّا آيا بعدد علّمهنّ إيّاه جبريل عليه السّلام» . قال ع «4» : ومعنى هذا الحديث في مغيّبات القرآن، وتفسير مجمله، ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف من الله تعالى، ومن جملة مغيّباته ما لم يعلم الله به عباده كوقت قيام الساعة ونحوها، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور وكرتبة خلق السموات والأرض. وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تكلّم في القرآن برأيه، فأصاب، فقد أخطأ» «5» ، ومعنى هذا أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله، فيتسوّر عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء أو اقتضته قوانين العلوم كالنحو، والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويّون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كلّ واحد باجتهاده المبنيّ على قوانين علم ونظر فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرّد رأيه، وكان جلّة من السلف كسعيد بن المسيّب «6» ، وعامر الشّعبيّ، وغيرهما يعظّمون تفسير القرآن، ويتوقّفون

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 40) . (2) ينظر: «إتحاف السادة المتقين» (4/ 527) . (3) عائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. أم عبد الله. أم المؤمنين- رضي الله عنها- القرشية. التيمية. أمها: أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية. ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمسة. توفيت سنة (58) في ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان عند الأكثر، وقيل: سنة (57) ودفنت بالبقيع. ينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 188) ، «الإصابة» (8/ 139) ، «أعلام النساء» (3/ 9) ، «الاستيعاب» (4/ 1881) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 286) ، «التاريخ الصغير» (1/ 102) ، «طبقات ابن سعد» (8/ 39) ، «حلية الأولياء» (2/ 43) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1689) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 433) ، «تقريب التهذيب» (2/ 606) ، «الكاشف» (3/ 476) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (3/ 387) ، «السمط الثمين» (33) ، «شذرات الذهب» (1/ 61) ، «طبقات الشيرازي» (47) ، «العبر» (1/ 62) ، «بقي بن مخلد» (4) ، «النجوم الزاهرة» (1/ 150) ، «معجم طبقات الحفاظ» (105) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 41) . (5) سيأتي تخريجه. (6) سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي، أبو محمد المدني،

عنه تورّعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدّمهم، وكان جلّة من السلف كثير عددهم يفسّرونه، وهم أبقوا على المسلمين في ذلك رضي الله عن جميعهم. ت: وخرج أبو عيسى التّرمذيّ في «جامعه» عن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّأ مقعده من النَّارِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح «1» ، وخرّج أيضا عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «اتّقوا الحديث عنّي إلّا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار، ومن قال في القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعده من النَّارِ» ، قال/ أبو عيسى: هذا حديث حسن «2» ، وخرّج عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه، فأصاب، فقد أخطأ» «3» ، قال

_ الأعور، رأس علماء التابعين، وفردهم، وفاضلهم وفقيههم. ولد سنة خمس عشرة. قال ابن عمر: هو والله أحد المقتدين به. قال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح. قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: سنة أربع. ينظر: «الخلاصة» (1/ 390) ، «طبقات خليفة» ت (2096) ، «تاريخ البخاري» (3/ 510) ، «تاريخ الإسلام» (4/ 4) ، «العبر» (1/ 110) ، «سير أعلام النبلاء» (4/ 217) . (1) أخرجه الترمذي (5/ 199) ، كتاب «التفسير» ، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث (2950) ، وأحمد (1/ 233) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 35) ، وفي «شرح السنة» (1/ 211- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق سفيان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وقال الترمذي: حسن صحيح. قلت: وعبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي. قال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما دفع الحديث وربما وقفه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال النسائي: ليس بقوي، ويكتب حديثه. وقال أحمد: ضعيف الحديث. ينظر: «ميزان الاعتدال» (2/ 530) ، و «تهذيب التهذيب» (6/ 94) . [.....] (2) أخرجه الترمذي (5/ 199) ، كتاب «التفسير» ، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث (2951) ، وأحمد (1/ 293) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 210) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن اه. ومداره على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وقد مرت ترجمته. (3) أخرجه الترمذي (5/ 200) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، حديث (2952) ، وأبو داود (2/ 344) ، كتاب «العلم» ، باب الكلام في كتاب الله بغير علم، حديث (3652) ، وأبو يعلى (3/ 90) ، رقم (1520) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 31) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب من قال في القرآن بغير علم، حديث (8086) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 35) ، وفي «شرح السنة» (1/ 211- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق سهيل أخو حزم، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم.

أبو عيسى: هكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم شدّدوا في هذا في أنّ يفسر القرآن بغير علم. وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليبس الظّنّ بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدلّ على ما قلنا: إنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم حدثنا الحسين بن مهديّ البصريّ «1» ، حدثنا عبد الرّزّاق «2» عن معمر «3» عن قتادة قال: ما في القرآن آية، إلا وقد سمعت فيها بشيء وحدثنا ابن أبي عمر «4» ، حدثنا سفيان بن عيينة «5» عن

_ (1) الحسين بن مهدي الأبلي- بالضم- أبو سعيد البصري. عن عبد الرزاق وعبيد الله بن موسى. وعنه الترمذي وابن ماجه قال أبو حاتم: صدوق. مات سنة سبع وأربعين ومائتين. ينظر: «الخلاصة» (1/ 232) ، «تهذيب الكمال» (1/ 295) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 372) ، «تقريب التهذيب» (1/ 180) . (2) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، أحد الأئمة الأعلام الحفاظ. قال أحمد: من سمع منه بعد ما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال ابن عدي: رحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم، ولم نر بحديثه بأسا، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع. وقال أحمد: لم أسمع منه شيئا، لكنه رجل يعجبه أخبار الناس. مات سنة (211) هـ. عن 85 سنة. ينظر: «تاريخ البخاري الكبير» (6/ 130) ، «الجرح والتعديل» (6/ 204) ، «ميزان الاعتدال» (2/ 609) ، «لسان الميزان» (7/ 287) ، «سير الأعلام» (9/ 563) ، «الثقات» (8/ 412) ، «تهذيب الكمال» (2/ 829) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 310) ، «خلاصة التهذيب» (2/ 161) ، «البداية والنهاية» (10/ 265) . (3) معمر بن راشد الأزدي، مولى مولاهم، عبد السلام بن عبد القدوس، أبو عروة البصري ثم اليماني، أحد الأعلام. عن الزهري، وهمام بن منبه، وقتادة، وخلق. وعنه: أيوب، والثوري، وابن المبارك، وخلق. قال العجلي: ثقة صالح. قال النسائي: ثقة مأمون. وضعفه ابن معين في ثابت. توفي سنة (153) هـ. ينظر: «نسيم الرياض» (1/ 74) ، «تراجم الأحبار» (3/ 255) ، «تذكرة الحفاظ» (1/ 178) ، «طبقات ابن سعد» (3/ 397) ، «تاريخ الإسلام» (6/ 394) ، «لسان الميزان» (7/ 394) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1355) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 243) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (3/ 47) ، «الكاشف» (3/ 164) . (4) محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، أبو عبد الله الحافظ، نزيل مكة. عن فضيل بن عياض، وأبي معاوية وخلق. وعنه مسلم، والترمذي وابن ماجة وهلال بن العلاء. وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم: صدوق، حدث بحديث موضوع. عن ابن عيينة. قال البخاري: مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 468) ، «الكاشف» (3/ 107) ، «تهذيب التهذيب» (9/ 518) . (5) سفيان بن عيينة بن أبي عمر بن الهلالي، مولاهم أبو محمد الأعور الكوفي، أحد أئمة الإسلام. روى عن عمرو بن دينار والزّهري، وزيد بن أسلم وغيرهم، كان حديثه نحو سبعة آلاف. قال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، ولد سنة (107) هـ، وتوفي سنة (198) هـ.

الأعمش «1» ، قال: قال مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود، لم أحتج إلى أن أسأل ابن عبّاس عن كثير من القرآن مما سألت. انتهى ما نقلته من الترمذي «2» . ثم قال ع «3» : فأما صدر المفسّرين والمؤيّد فيهم، فعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ويتلوه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو تجرد للأمر وكمّله وتتبّعه العلماء عليه كمجاهد، وسعيد بن جبير «4» ، وغيرهما، والمحفوظ عنه في ذلك أكثر من المحفوظ عن عليّ بن أبي طالب، وقال ابن عبّاس: ما أخذت من تفسير القرآن، فعن علي بن أبي طالب، وكان علي بن أبي طالب يثني على تفسير ابن عبّاس، ويحضّ على الأخذ عنه، وكان عبد الله بن مسعود يقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ، فقّهه في الدّين، وعلّمه التّأويل» «5» ، وحسبك بهذه

_ ينظر: «الخلاصة» (1/ 397) ، (2590) ، «الحلية» (7/ 270- 318) ، و «المعارف» ص (506- 507) ، «الوفيات» (2/ 391- 393) . (1) سليمان بن مهران الكاهلي، مولاهم، أبو محمد الكوفي الأعمش، أحد الأعلام الحفاظ والقراء. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلاثمائة حديث. وقال ابن عيينة: كان أقرأهم وأحفظهم وأعلمهم. وقال عمرو بن علي: كان يسمى «المصحف» لصدقه. وقال العجلي، ثقة ثبت، يقال: ظهر له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب، وكان فصيحا وقال النسائي: ثقة ثبت. وعدّه من المدلّسين. قال أبو نعيم: مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن أربع وثمانين سنة. ينظر: «الثقات» (4/ 302) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 222) ، «تقريب التهذيب» (1/ 331) ، «تاريخ البخاري الكبير» (4/ 37) ، «الجرح والتعديل» (4/ 63) ، «سير الأعلام» (5/ 226) . (2) ينظر: «سنن الترمذي» (5/ 200) ، كتاب «التفسير» . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 41) . (4) سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم الكوفي الفقيه، أحد الأعلام. قال اللالكائي: ثقة إمام حجة. قال عبد الملك بن أبي سليمان: كان يختم كل ليلتين. قال ميمون بن مهران: مات سعيد وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. قتل سنة خمس وتسعين كهلا قتله الحجاج فما أمهل بعده. قال خلف بن خليفة عن أبيه: شهدت مقتل ابن جبير فلما بان الرأس قال: لا إله إلا الله لا إله إلا الله، فلما قالها الثالثة لم يتمها- رضي الله عنه. ينظر: «تهذيب الكمال» (1/ 479) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 11) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (1/ 374) ، «الكاشف» (1/ 356) ، «الثقات» (4/ 275) ، «تاريخ البخاري الكبير» (3/ 461) ، «الحلية» (4/ 272) . (5) أخرجه البخاري (1/ 294) ، كتاب «الوضوء» ، باب وضع الماء عند الخلاء، حديث (143) ، ومسلم (4/ 1927) ، كتاب «فضائل الصحابة» ، باب فضائل عبد الله بن عباس، حديث (138/ 2477) ، وأحمد (1/ 327) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 51- 52) ، كتاب «المناقب» ، باب عبد الله بن العباس، حديث (8177) ، وأبو يعلى (4/ 427) ، رقم (2553) ، وابن حبان (15/ 529) ، رقم (7053) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 104) ، رقم (11204) ، كلهم من طريق هاشم بن القاسم: ثنا

الدعوات، ويتلوه عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب «1» ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو بن العاصي. وكل ما أخذ عن الصحابة، فحسن متقدّم، ومن المبرّزين في التابعين الحسن بن أبي

_ ورقاء بن عمر اليشكري، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس به. وأخرجه البخاري (1/ 204) ، كتاب «العلم» ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم علمه الكتاب» ، حديث (75) ، و (7/ 126) كتاب «فضائل الصحابة» ، باب ذكر ابن عباس (رضي الله عنهما) حديث (3756) ، و (13/ 259) ، كتاب «الاعتصام» ، حديث (7270) ، والترمذي (5/ 680) ، كتاب «المناقب» ، باب مناقب عبد الله بن عباس، حديث (3824) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 52) ، كتاب «المناقب» ، حديث (8179) ، وابن ماجة (1/ 58) ، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث (166) ، وأحمد (1/ 214، 359) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 518) ، وابن حبان (15/ 530) ، رقم (7054) ، والطبراني في «الكبير» (10/ 293) ، رقم (10588) ، كلهم من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه أحمد (1/ 269) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 213) ، رقم (11531) ، كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وأخرجه أحمد (1/ 266، 314، 328، 335) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 493- 494) ، وابن حبان (15/ 531) ، رقم (7055) ، والطبراني في الكبير (10587، 10614) ، كلهم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وأخرجه الترمذي (5/ 679- 680) ، كتاب «المناقب» ، باب مناقب عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) ، حديث (3823) ، من طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: دعا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتيني الحكمة مرتين. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء، وقد رواه عكرمة، عن ابن عباس. [.....] (1) هو: أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. أبو المنذر، أبو الطفيل سيد القراء، سيد المسلمين، الأنصاري، النجاري، الخزرجي، المعاوي. كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا والمشاهد. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ليهنئك العلم يا أبا المنذر» وقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك» . وكان عمر (رضي الله عنه) يسميه: سيد المسلمين. وهو أول من كتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتبه فلان بن فلان. روى عنه من الصحابة: عمر، وكان يسأله عن النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات- وأبو أيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صرد وغيرهم. مات سنة: 22 في خلافة عمر، وقيل: بقي إلى خلافة عثمان. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (ت 33) ، «الإصابة» (1/ 16) ، «الثقات» (3/ 5) ، «تقريب التهذيب» (1/ 48) ، «تاريخ ابن معين» (1564) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 389) .

الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعلقمة «1» ، وقد قرأ مجاهد على ابن عباس قراءة تفهّم ووقوف عند كل آية، ويتلوهم عكرمة «2» ، والضّحّاك بن مزاحم «3» ، وإن كان لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير، وأما السّدّي «4» - رحمه الله تعالى- فكان عامر الشعبيّ يطعن عليه، وعلى أبي صالح «5» لأنه كان يراهما مقصّرين في النظر، ثم حمل تفسير كتاب الله عزّ وجلّ عدول كلّ خلف، وألّف الناس فيه كعبد الرّزّاق، والمفضّل، وعلي بن أبي طلحة، والبخاري، وغيرهم، ثم إنّ محمد بن جرير الطبريّ- رحمه الله-

_ (1) علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النّخع النّخعي، أبو شبل الكوفي، أحد الأعلام، مخضرم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وطائفة. وعنه إبراهيم النّخعي، والشّعبي، وسلمة بن كهيل وخلق. قال إبراهيم: كان يقرأ في خمس. وقال ابن المديني: أعلم الناس بابن مسعود علقمة والأسود. قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وستين وقال أبو نعيم: سنة إحدى وستين. قيل: عن تسعين سنة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 241) ، «تهذيب التهذيب» (7/ 275) ، «تقريب التهذيب» (2/ 30) ، «الكاشف» (2/ 277) ، «طبقات ابن سعد» (7/ 34، 209) ، (2) عكرمة البريري، مولى ابن العباس، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأعلام. روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، رموه بغير نوع من البدعة. ثقة بريء مما يرميه الناس به. وثّقه أحمد والنسائي. توفي سنة 105 هـ. ينظر: «الخلاصة» (2/ 240) (4928) ، «ابن سعد» (5/ 212- 216) ، «الوفيات» (3/ 265- 266) و «الدوادي» (1/ 380- 381) . (3) الضحاك بن مزاحم الهلالي، مولاهم الخرساني، يكنى أبا القاسم. روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي سعيد، وغيرهم، وروى عنه عبد الرحمن بن عوسجة وغيره. قال ابن حبّان: في جميع ما روى نظر، إنما اشتهر بالتفسير. توفي سنة 105 هـ. ينظر: «الخلاصة» (2/ 5) (3146) ، «ابن سعد» (6/ 210- 211) ، «صفة الصفوة» (4/ 150) ، «المعارف» ص (457- 458) . (4) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي مولى قريش، أبو محمد الكوفي، رمي بالتشيع. عن أنس، وابن عباس، وباذان. وعنه أسباط بن نصر، وإسرائيل، والحسن بن صالح. قال ابن عدي: مستقيم الحديث صدوق. قال خليفة: توفي سنة سبع وعشرين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 90) ، «تهذيب التهذيب» (1/ 313) ، «تقريب التهذيب» (1/ 71، 72) ، «الكاشف» (1/ 125) ، «الثقات» (4/ 20) ، «ميزان الاعتدال» (1/ 236) . (5) ذكوان المدني، أبو صالح السّمّان، روى عن سعد، وأبي الدّرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وخلق. وروى عنه بنوه سهيل، وعبد الله، وصالح، وعطاء بن أبي رباح، وسمع منه الأعمش ألف حديث. قال أحمد: ثقة ثقة، شهد الدّار. قال محمد بن عمر الواقدي: توفي سنة 101 هـ. ينظر: «الخلاصة» (1/ 311) (1973) ، «ابن سعد» (5/ 222 و 6/ 158) و «تهذيب التهذيب» (3/ 219- 220) ، و «مرآة الجنان» (1/ 211) .

جمع على الناس أشتات التفسير، وقرّب البعيد وشفى في الإسناد. ومن المبرّزين في المتأخّرين أبو إسحاق الزّجّاج «1» ، وأبو عليّ الفارسيّ «2» فإن كلامهما منخول، وأما أبو بكر النّقّاش «3» ، وأبو جعفر النّحّاس «4» - رحمهما الله-، فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما مكّيّ بن أبي طالب «5» - رحمه الله-، وأبو العباس المهدويّ «6» - رحمه الله- متقن التأليف، وكلّهم مجتهد مأجور- رحمهم الله- ونضّر وجوههم.

_ (1) هو: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، كان يخرط الزّجاج، ثم مال إلى النحو فلزم المبرد. صنف: «معاني القرآن وإعرابه» و «الاشتقاق» و «فعلت وأفعلت» وغيرها. توفي (311 هـ) . ينظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» (6/ 89) ، و «النجوم الزاهرة» (3/ 208) ، و «بغية الوعاة» (1/ 411) . (2) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو علي الفارسي، النحوي المشهور، أخذ النحو عن أبي إسحاق الزجاج، ثم عن أبي بكر بن السري، وأخذ عنه كتاب سيبويه، وانتهت إليه رياسة علم النحو، مات الفارسي سنة 377 هـ. ينظر: «غاية النهاية» (1/ 207) ، «طبقات الزبيدي» ص 120. (3) محمد بن الحسن بن محمد بن زياد بن هارون الموصلي. ولد سنة (266) هـ. وهو إمام أهل العراق في القراءات والتفسير، بلا مدافع. وقد قرأ على ابن أبي مهران، وهارون بن موسى الأخفش، وجماعة. وروى عن أبي مسلم الكجي، ومطين، وآخرين. وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين وجماعة. ورحل وطوف من مصر إلى ماوراء النهر. وقد صنف في التفسير، وسماه «شفاء الصدور» . قال هبة الله اللالكائي: تفسير النقاش، إشقاء الصدور، ليس شفاء الصدور. توفي في شوال سنة (351) هـ. ينظر: «الأعلام» (6/ 81) ، و «وفيات الأعيان» (1/ 489) . (4) أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي المصري، أبو جعفر النحاس: مفسر، أديب، مولده ب «مصر» ، ووفاته ب «مصر» أيضا سنة (338) هـ، كان من نظراء نفطويه، وابن الأنباري، زار «العراق» ، واجتمع بعلمائه، من مصنفاته: «تفسير القرآن» ، و «إعراب القرآن» ، و «ناسخ القرآن ومنسوخه» ، و «شرح المعلقات السبع» . ينظر: «الأعلام» (1/ 208) ، «البداية والنهاية» (11/ 222) ، «إنباه الرواة» (1/ 101) . (5) أبو محمد، مكي بن أبي طالب القيسي، النحوي المقرئ، كان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية كثير التآليف. صنف: «الكشف عن وجوه القراءات» ، و «مشكل إعراب القرآن» ، و «الموجز في القراءات» وغيرها. توفي (437 هـ) . تنظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» (5/ 274) ، و «بغية الوعاة» (2/ 298) ، و «شذرات الذهب» (3/ 260) . (6) أحمد بن عمار، أبو العباس المهدوي، أستاذ مشهور، قرأ على محمد بن سفيان، وقرأ عليه غانم بن الوليد، وموسى بن سليمان اللخمي، له: «التفسير المشهور» مات سنة 440 هـ.

فصل

فصل واختلف الناس في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه» . ثم قال ع «1» بعد كلام: والذي مال إليه كثير من أهل العلم كأبي عبيد «2» وغيره، أنّ معنى الحديث أنّه أنزل على سبع/ لغات لسبع قبائل، ثم اختلفوا في تعيينهم، وأنا ألخّص الغرض جهدي بحول الله، فأصل ذلك وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر «3» لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرشيّ، واسترضع في بني سعد، ونشأ فيهم، ثم ترعرع وشب، وهو يخالط في اللسان كنانة وهذيلا وخزاعة وأسدا وضبّة وألفافها لقربهم من مكة، وتكرارهم عليها، ثم بعد هذه تميما وقيسا ومن انضاف إليهم وسط جزيرة العرب، فلما بعثه الله تعالى، ويسّر عليه أمر الأحرف أنزل عليه القرآن بلغة هذه الجملة المذكورة، وهي التي قسّمها على سبعة لها السبعة الأحرف، وهي اختلافاتها في العبارة، قال ثابت بن قاسم: لو قلنا: من هذه الأحرف لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبّة وألفافها «4» ، ومنها لقيس، - لكان قد أتى على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن، وهذا نحو ما ذكرناه، وهذه الجملة هي التي

_ ينظر: «بغية الوعاة» (1/ 351) ، ط. دار المعارف، و «غاية النهاية» (1/ 92) . (1) انظر «المحرر الوجيز» (1/ 54) . [.....] (2) القاسم بن سلام أبو عبيد البغدادي، أحد أئمة الإسلام فقها، ولغة وأدبا، أخذ العلم عن الشافعي، والقراءات عن الكسائي وغيره. قال ابن الأنباري: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثا فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف ثلثه. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: عرضت كتاب «الغريب» لأبي عبيد على أبي فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرا. توفي سنة (224) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 67) ، «طبقات ابن سعد» (7/ 355) ، و «إنباه الرواة» (3/ 12) ، و «طبقات الشافعية» للأسنوي ص 11، «تهذيب الأسماء واللغات» (2/ 30) ، «طبقات الفقهاء» للعبادي ص 25. (3) بنو سعد بن بكر: هم بطن من هوازن، من قيس عيلان، أصلهم من العدنانية. وهم بنو سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. وهم أصحاب غنم، وهم حضنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بعثوا سنة تسع للهجرة ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه مشهور. ومن أوديتهم: قرن الحبال، ومن مياههم: تقتد. ينظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص 481) ، و «نهاية الأرب» للنويري (2/ 335) ، و «معجم قبائل العرب» لكحالة (513) . (4) اللفيف: القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا. وجاءوا ألفافا، أي لفيفا. ينظر: «لسان العرب» (4054) .

انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدّخل «1» ، ويسرها الله لذلك ليظهر آية نهيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه، وسبب سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة، فلم تطرقها الأمم. فأما اليمن، وهو جنوبيّ الجزيرة، فأفسدت كلام عربه خلطة الحبشة والهنود على أنّ أبا عبيد القاسم بن سلّام، وأبا العبّاس المبرّد «2» قد ذكرا أنّ عرب اليمن من القبائل التي نزل القرآن بلغاتها. قال ع «3» : وذلك عندي إنما هو فيما استعملته عرب الحجاز من لغة اليمن كالعرم «4» والفتّاح فأما ما انفردوا به كالزّخيخ «5» والقلّوب «6» ، فليس في كتاب الله منه شيء، وأما ما والى العراق من جزيرة العرب وهي بلاد ربيعة وشرقيّ الجزيرة، فأفسدت لغتها مخالطة الفرس والنّبط ونصارى الحيرة وغير ذلك، وأما الذي يلي الشام، وهو شماليّ الجزيرة، وهي بلاد آل جفنة وغيرهم، فأفسدها مخالطة الرّوم، وكثير من بني إسرائيل، وأما غربيّ الجزيرة، فهي جبال تسكن بعضها هذيل وغيرهم، وأكثرها غير معمور، فبقيت القبائل المذكورة سليمة اللغات، لم تكدر صفو كلامها أمة من العجم. ويقوى هذا المنزع أنه لما اتسع نطاق الإسلام وداخلت الأمم العرب، وتجرّد أهل المصرين البصرة، والكوفة لحفظ لسان العرب، وكتب لغتها، لم يأخذوا إلا من هذه

_ (1) الدّخل: العيب والغش والفساد. ينظر «لسان العرب» (1342) . (2) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس المبرد، إمام العربية ب «بغداد» في زمانه، أخذ عن المازني، وأبي حاتم السجستاني، له كتاب «الكامل» ، و «المقتضب» ، و «إعراب القرآن» مات سنة 285 هـ. ينظر: «بغية الوعاة» (1/ 269) ، و «أخبار النحويين البصريين» - لأبي السعيد الصيرفي- ص 105 ط. الاعتصام. (3) «المحرر الوجيز» (1/ 46) . (4) قيل: العرم: اسم الوادي (يعني الذي كان به سبأ) . وقيل: اسم الخلد الذي نقب السدّ حتى فتح وسال ماؤه، فغرق ديارهم وأهلك بساتينهم. وقيل: العرم: المسنّاة. قال ابن الأعرابي: العرم والبرّ من أسماء الفأرة ... وقيل: العرم: المطر الشديد. وخصه بعضهم بالفأر الذكر، وهو الجراد أيضا. ينظر: «عمدة الحفاظ» ، للسمين الحلبي أحمد بن يوسف ت 756 هـ، (3/ 78) ، و «تفسير غريب القرآن» ، ابن قتيبة الدينوري ص 355. (5) الزّخيخ: النار، يمانية، وقيل: هي شدة بريق الجمر والحرّ والحرير لأن الحرير يبرق من الثياب. ينظر: «لسان العرب» 1820. (6) القلّيب، والقلّوب، والقلّوب، والقلوب، والقلاب: الذئب، يمانية. ينظر: «لسان العرب» 3715.

القبائل الوسيطة المذكورة، ومن كان معها، وتجنّبوا اليمن والعراق والشام، فلم يكتب عنهم حرف واحد، وكذلك تجنّبوا حواضر الحجاز مكّة، والمدينة، والطائف لأنّ السّبي والتجّار من الأمم كثروا فيها، فأفسدوا اللغة، وكانت هذه الحواضر في مدة النبيّ صلى الله عليه وسلم سليمة لقلّة المخالطة، فمعنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» ، أي: فيه عبارات سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن فيعبر عن المعنى فيه مرة بعبارة قريش، ومرة بعبارة هذيل، ومرة بغير ذلك بحسب الأفصح، والأوجز في اللفظة ألا ترى أنّ: «فطر» معناها عند غير قريش ابتداء خلق الشيء وعمله، فجاءت في القرآن، فلم تتجه لابن عبّاس حتى اختصم إليه أعرابيّان في بئر، فقال أحدهما/ أنا فطرتها، قال ابن عبّاس: ففهمت حينئذ موقع قوله سبحانه: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 1] «1» ، وقال أيضا: ما كنت أدري معنى قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا [الأعراف: 89] حتى سمعت بنت ذي جدن تقول لزوجها: تعال، أفاتحك، أي: أحاكمك «2» ، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل: 47] ، فوقف به فتى، فقال: إن أبي يتخوّفني حقّي، فقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل: 47] أي: على تنقّص لهم «3» ، وكذلك اتفق لقطبة بن مالك «4» إذ سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ق: 10] ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر «5» إلى غير هذا من الأمثلة، فأباح الله تعالى لنبيه عليه السلام هذه الحروف

_ (1) أخرجه البيهقي في «الشعب» (2/ 258) (1682) ، وذكره السيوطي في «الدر» في سورة فاطر (5/ 458) ، وعزاه لأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الشعب» . (2) أخرجه الطبري في سورة الأعراف (6/ 4) (14867) ، وذكره السيوطي في «الدر» (3/ 191) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «الوقف والابتداء» ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» . (3) الطبري (7/ 581) (21618) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (4/ 223) ، وعزاه لابن جرير. (4) قطبة بن مالك الثعلبي. صحابي له أحاديث. وعنه ابن أخيه زياد بن علاقة فقط. ينظر: «الخلاصة» (2/ 354) ، «تهذيب التهذيب» (8/ 389) (673) ، «تاريخ البخاري الكبير» (7/ 191) ، «الثقات» (3/ 347) ، «أسماء الصحابة الرواة» ت (226) . (5) أخرجه مسلم (2/ 414- نووي/ دار الحديث) ، كتاب «الصلاة» ، باب القراءة في الصبح، حديث (165- 167/ 457) ، والترمذي (2/ 108- 109) ، كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في القراءة في صلاة الصبح، حديث (306) ، والنسائي (2/ 157) ، كتاب «الافتتاح» ، باب القراءة في الصبح بقاف، حديث (950) ، وابن ماجه (1/ 268) ، كتاب «الصلاة» ، باب القراءة في صلاة الفجر، حديث (816) ، وأحمد. [.....]

فصل في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق

السبعة، وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز، وجودة الرّصف «1» ، ولم تقع الإباحة في قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: 20] بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات، جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا، لذهب إعجاز القرآن، وكان معرّضا أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله، وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبيّ صلى الله عليه وسلم ليوسّع بها على أمته، فقرأ مرة لأبيّ بما عارضه به جبريل، ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضا، وفي صحيح البخاريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف» «2» . فصل في ذكر الألفاظ الّتي في القرآن ممّا للغات العجم بها تعلّق اختلف الناس في هذه المسألة «3» ، ...

_ (4/ 322) ، والحميدي (825) ، وابن خزيمة (527، 1591) ، كلهم من طريق زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (1) الرّصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه. ينظر: «لسان العرب» (1656) . (2) أخرجه البخاري (8/ 639) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث (4991) ، ومسلم (1/ 561) ، كتاب «صلاة المسافرين» ، باب بيان أن القرآن على سبعة حروف، حديث (272/ 819) ، من حديث ابن عباس. (3) ذهب أكثر أهل العلم، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر، وأبو الحسين بن فارس إلى عدم وقوع لفظ أعجمي في كتاب الله تعالى. واستدلوا بقوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف: 2] ، وقوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت: 44] ، وقد شدد الشافعي النكير على القائل بعكس ذلك. وقال أبو عبيدة: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أن «كذا» بالنبطية فقد أكبر القول. وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري- رحمه الله-: ما ورد عن ابن عباس وغيره من تفسير ألفاظ من القرآن إنها بالفارسية والحبشية أو النبطية أو نحو ذلك، إنما اتفق فيها توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد. وقال ابن فارس: لو كان فيه من لغة غير العرب شيء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها. وذهب آخرون من العلماء إلى وقوعه فيه، وأجابوا عن قوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيّا، والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية، وعن قوله تعالى: ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ بأن المعنى من السياق: «أكلام أعجمي ومخاطب عربي!» كما استدلوا

فقال أبو عبيدة «1» وغيره: إنّ في كتاب الله تعالى من كلّ لغة، وذهب الطبريّ وغيره إلى أن القرآن ليس فيه لفظة إلا وهي عربية صريحة، وأن الأمثلة والحروف التي تنسب إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها توارد اللغتين، فتكلّمت العرب والفرس أو الحبشة بلفظ واحد وذلك مثل قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ [المزمل: 6] قال ابن عبّاس: نشأ بلغة الحبشة: قام من الليل «2» ، ومنه قوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ، قال أبو موسى الأشعريّ «3» : كفلان: ضعفان من الأجر بلسان ...

_ باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو «إبراهيم» ، و «سليمان» ، و «داود» للعلمية والعجمة. ورد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف، فالكلام في غيرها موجّه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس. وقد اختار السيوطي مذهب القائلين بالوقوع، واستدل له بما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال: في القرآن من كل لسان. وروي مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه. وكان في ذلك إشارة إلى أن كتاب الله حوى علوم الأولين والآخرين، ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه هو. وثمة مذهب يجمع بين القولين، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، فقد قال: والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: أعجمية فصادق. ومال إلى هذا القول الجواليقي وابن الجوزي وآخرون. وللتاج السبكي نظم لهذه الكلمات الأعجمية، وقد زاد عليه كل من الحافظ ابن حجر والسيوطي. ينظر: «الإتقان في علوم القرآن» (2/ 125- 129) ، و «التحبير في علم التفسير» (200- 202) ، وكلاهما للحافظ السيوطي. (1) معمر بن المثنى التيمي البصري، أبو عبيدة النحوي: من أئمة العلم بالأدب واللغة، ولد في 110 هـ. قال الجاحظ: لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه، كان إباضيا شعوبيا، من حفاظ الحديث، لما مات لم يحضر جنازته أحد، لشدة نقده معاصريه توفي 209 هـ، له مؤلفات منها: «مجاز القرآن» ، «الشوارد» ، «الزرع» . ينظر: «وفيات» (2/ 105) ، «المشرق» (15/ 600) ، «تذكرة الحفاظ» (1/ 338) ، «بغية الوعاة» (395) ، «السيرافي» (67) ، «الأعلام» (7/ 272) . (2) ينظر: «الطبري» (1/ 31) (2) ، والبيهقي في «سننه» (3/ 20) ، وذكره السيوطي في «الدر» (6/ 443) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن نصر، وابن المنذر، والبيهقي في «سننه» . (3) هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب بن عامر بن غنم بن بكر بن عامر بن عذب بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر.. أبو موسى الأشعري. صحابي مشهور، كان حسن الصوت.

باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية

الحبشة «1» ، وكذلك قال ابن عبّاس في القسورة: إنّه الأسد بلغة الحبشة «2» ، إلى غير هذا من الأمثلة. قال ع «3» : والذي أقوله إنّ القاعدة والعقيدة هي أنّ القرآن بلسان عربيّ مبين، وليس فيه لفظة تخرج عن كلام العرب، فلا تفهمها إلا من لسان آخر، فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها، فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وسفر إلى الشام وأرض الحبشة، فعلقت العرب بهذا كلّه ألفاظا أعجمية، غيّرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربيّ الصحيح الصريح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن، فإن جهلها عربيّ ما، فكجهله الصريح مما في لغة غيره كما لم يعرف ابن عبّاس معنى «فاطر» إلى غير ذلك، فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب، وعرّبتها، فهي عربية بهذا الوجه، وما ذهب إليه الطبريّ من أن اللغتين اتفقتا في لفظة لفظة، فذلك بعيد، بل إحداهما أصل، والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذّا. باب تفسير أسماء القرآن وذكر السّورة والآية هو القرآن، وهو الكتاب، وهو الفرقان، وهو الذّكر، فالقرآن: مصدر من قولك: قرأ الرّجل، إذا تلا، يقرأ قرآنا وقراءة. / وقال قتادة: القرآن: معناه التأليف، قرأ الرجل إذا جمع وألّف قولا، وبهذا فسر قتادة قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة: 17] أي: تأليفه «4» ، والقول الأول

_ بالقرآن، وله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة توفي سنة 42 أو 44 وله نيف وستين سنة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 306) ، «الإصابة» (4/ 119) ، «الاستيعاب» (4/ 1762) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 206) ، «الأنساب» (1/ 266) ، «الكنى والأسماء» (1/ 57) ، «تذكرة الحفاظ» (1/ 23) . (1) ينظر: الطبري (1/ 31) (1) ، وقد ذكره السيوطي في «الدر» (6/ 261) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (1/ 31) (4) ، وذكره السيوطي في «الدر» (6/ 461) ، وعزاه لابن أبي حاتم. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 51) . (4) أخرجه الطبري (1/ 68) (119) ، وذكره السيوطي في «الدر» (6/ 468) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر.

أقوى أن القرآن مصدر من قرأ إذا تلا، ومنه قول حسّان بن ثابت «1» يرثي عثمان بن عفّان «2» رضي الله عنه: [البسيط] ضحّوا بأشمط عنوان السّجود به ... يقطّع اللّيل تسبيحا وقرآنا «3» أي: وقراءة. وأما الكتاب، فهو مصدر من كتب، إذا جمع ومنه قيل: كتيبة لاجتماعها ومنه قول الشاعر: [البسيط] ............... ..... ... ... واكتبها بأسيار «4»

_ (1) هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.. أبو الوليد، وأبو المضرب، وأبو الحسام، وأبو عبد الرحمن الأنصاري. الخزرجي. النجاري. شاعر النبي صلى الله عليه وسلم. وهو صحابي شهير، وقد جاء في الصحيحين عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان: «اهجهم» أو «هاجهم، وجبريل معك» . وفاته: قيل: توفي قبل الأربعين وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 129) ، «الاستيعاب» (1/ 341) ، «أسد الغابة» (2/ 5) ، «الإصابة» (2/ 8) ، «الثقات» (3/ 71) ، «تقريب التهذيب» (1/ 161) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 247) ، «تهذيب الكمال» (1/ 248) ، «الجرح والتعديل» (3/ 1026) ، «شذرات الذهب» (1/ 41) . [.....] (2) هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. أبو عبد الله وأبو عمرو. القرشي. الأموي. ذو النورين. أمير المؤمنين. ولد بعد عام الفيل بست سنين. وهو ثالث الخلفاء الراشدين ومجهز جيش العسرة، وهو الذي تستحي منه ملائكة الرحمن، وهو المقتول ظلما، غني عن التعريف، كتبت في سيرته الكتب، وتغير وجه التاريخ بمقتله، والله سبحانه نسأل العودة إلى أصل الإسلام الصافي قبل الممات بفضله آمين. توفي يوم 22 ذي الحجة سنة 35 وقيل: غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 584) ، «الإصابة» (4/ 223) ، «الزهد» لوكيع (521) ، «التبصرة والتذكرة» (1/ 131) ، «التعديل والتجريح» (1043) ، «بقي بن مخلد» (28) . (3) وهو في «ديوانه» ص 216، و «لسان العرب» (عنن) ، و (ضحا) ، و «الدر المصون» (1/ 466) ، والذهبي في «التاريخ» كما في «خزانة الأدب» (9/ 418) ، ونسبه البغدادي لأوس بن مغراء، وكذلك في المقاصد النحوية (4/ 17) ، ولكثير بن عبد الله النهشلي في «الدرر» (5/ 214) ، وبلا نسبة في «إصلاح المنطق» ص 290. وللبيت رواية أخرى لصدره، وهي: هذا سراقة للقرآن يدرسه. وقوله: «ضحّوا» ... البيت أي: ذبحوه كالأضحية وذلك أنهم قتلوه في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة. والشّمط: بياض الشعر من الرأس يخالط سواده. وكأنه قال: بأشمط ظاهر الخير. (4) هذا جزء من عجز بيت، وهو: لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على بعيرك............

أي: اجمعها. وأما الفرقان، فهو أيضا مصدر لأنه فرق بين الحقّ والباطل، والمؤمن والكافر فرقانا وفرقانا. وأما الذّكر فسمي بذلك لأنه ذكر به الناس آخرتهم وإلاههم، وما كانوا في غفلة عنه، فهو ذكر لهم، وقيل: سمي بذلك، لأن فيه ذكر الأمم الماضية، والأنبياء، وقيل: سمي بذلك لأنه ذكر وشرف لمحمّد صلى الله عليه وسلم وقومه وسائر العلماء به. وأما السّورة، فإن قريشا كلّها ومن جاورها من قبائل العرب كهذيل، وسعد بن بكر، وكنانة يقولون: سورة بغير همز، وتميم كلها وغيرهم يهمزون. فأما من همز، فهي عنده كالبقيّة من الشيء، والقطعة منه التي هي سؤر وسؤرة من أسأر، إذا أبقى ومنه سؤر الشراب. وأما من لا يهمز، فمنهم من يراها من المعنى المتقدّم إلا أنها سهلت همزتها، ومنهم من يراها مشبهة بسورة البناء، أي: القطعة منه لأن كل بناء فإنما بني قطعة بعد قطعة، فكل قطعة منها سورة، فكان سور القرآن هي قطعة بعد قطعة حتى كمل منها القرآن، ويقال أيضا للرتبة الرفيعة من المجد والملك: سورة ومنه قول النابغة الذبيانيّ «1» للنعمان بن المنذر «2» [الطويل] :

_ والبيت منسوب لسالم بن دارة الفزاري في «الكامل» (988) ، و «خزانة الأدب» (5/ 531) ، وفيها «على قلوصك» ، «شرح ديوان الحماسة» للتبريزي (1/ 205) ، وبلا نسبة في «اللسان» (كتب) ، و «تاج العروس» (4/ 103) . وللبيت رواية أخرى كما في «شرح ديوان الحماسة» ، وهي: وإن خلوت به في الأرض وحدكما ... فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار وقصة البيت أن بني فزارة كانت ترمى بغشيان الإبل، فهجاهم سالم بقصيدة مطلعها: يا صاحبيّ ألمّا بي على الدار ... بين الهشوم وشطي ذات أمّار. (1) زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني، الغطفاني المضري أبو أمامة، شاعر جاهلي. وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره على النابغة، كان أحسن شعراء العرب ديباجة، عاش عمرا طويلا. توفي في (18) ق هـ. ينظر: «شرح شواهد المغني» (29) ، «معاهد التنصيص» (1/ 233) ، «الأغاني» (11/ 3) ، و «جمهرة» (52426) ، و «نهاية الأرب» (3/ 59) ، و «الشعر والشعراء» (38) ، «الأعلام» (3/ 54) . (2) النعمان الثالث بن المنذر الرابع بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، أبو قابوس، من أشهر ملوك «الحيرة» في الجاهلية. كان داهية مقداما. وهو ممدوح النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وحاتم الطائي. وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، وباني مدينة «النعمانية» على ضفة دجلة اليمنى، وصاحب يومي البؤس والنعيم. توفي سنة (15) قبل الهجرة.

ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب «1» فكأن الرتبة انبنت حتى كملت. وأما الآية، فهي العلامة في كلام العرب، ولما كانت الجملة التامة من القرآن علامة على صدق الآتي بها، وعلى عجز المتحدّى بها، سميت آية، هذا قول بعضهم، وقيل: سميت آية لما كانت جملة وجماعة كلام كما تقول العرب: جئنا بآيتنا، أي: بجماعتنا، وقيل: لما كانت علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها، سمّيت آية. ت: وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب ... » الحديث «2» ، و «آية الإيمان حبّ الأنصار «3» ، وآية ما بيننا وبين المنافقين شهود العشاء» يقوّي القول الأول، والله أعلم، وهذا هو الراجح في مختصر الطبريّ، قال: والآية العلامة، وذلك أظهر في العربية والقرآن، وأصحّ القول أن آيات القرآن علامات للإيمان، وطاعة الله تعالى، ودلالات على وحدانيته وإرسال رسله، وعلى البعث والنشور، وأمور الآخرة، وغير ذلك ممّا تضمّنته علوم القرآن. انتهى.

_ انظر: «حمزة الأصفهاني» (73- 74) ، «الصحاح» (2/ 340) ، «ابن خلدون» (2/ 265) ، «الأعلام» (8/ 43) . (1) البيت في ديوانه (28) ، «ديوان المعاني» (1/ 16) ، و «المصون» (154) ، و «البحر المحيط» (1/ 242) ، و «تفسير القرطبي» (1/ 65) ، و «الدر المصون» (1/ 153) ، «اللسان» (سور) (3/ 2148) . والمعنى: أعطاك رفعة وشرفا ومنزلة، وجمعها (سور) ، أي: رفع. (2) أخرجه البخاري (1/ 111) ، كتاب «الإيمان» ، باب علامة المنافق، حديث (33) ، و (5/ 341- 342) ، كتاب «الشهادات» ، باب من أمر بإنجاز الوعد، حديث (2682) ، (5/ 441) ، كتاب «الأدب» ، باب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، حديث (6095) ، ومسلم (1/ 78) ، كتاب «الإيمان» ، باب بيان خصال المنافق، حديث (95/ 107) ، والترمذي (5/ 19) ، كتاب «الإيمان» ، باب ما جاء في علامة المنافق، حديث (2631) ، والنسائي (8/ 117) ، كتاب «الإيمان» ، باب علامة المنافق، وأحمد (2/ 357، 397، 536) ، وأبو عوانة (1/ 20، 21) ، وأبو يعلى (11/ 406) ، رقم (6533) ، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص 59) من طرق، عن أبي هريرة به. (3) أخرجه البخاري (7/ 141) ، كتاب «مناقب الأنصار» ، باب حب الأنصار من الإيمان، حديث (3784) ، ومسلم (1/ 85) ، كتاب «الإيمان» ، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان، حديث (74/ 128) ، والنسائي (8/ 116) ، كتاب «الإيمان» : باب علامة الإيمان، وأبو يعلى (7/ 190- 191) ، رقم (4175) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 240- بتحقيقنا) ، من حديث أنس مرفوعا.

باب في الاستعاذة

باب في الاستعاذة قال الله عزّ وجلّ: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: 98] معناه: إذا أردت أن تقرأ، فأوقع الماضي موقع المستقبل لثبوته، وأجمع العلماء على أنّ قول القارئ: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم ليس بآية من كتاب الله، وأجمعوا على استحسان ذلك، والتزامه عند كل قراءة في غير صلاة. واختلفوا في التعوّذ في الصلاة فابن سيرين «1» والنّخعيّ «2» وقوم يتعوّذون في كل ركعة، ويمتثلون أمر الله سبحانه بالاستعاذة على العموم في كل قراءة، وأبو حنيفة «3»

_ (1) محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر البصري، إمام وقته. عن مولاه أنس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعائشة، وطائفة من كبار التابعين. وعنه الشعبي، وثابت، وقتادة، وأيوب، ومالك بن دينار، وسليمان التّيمي، وخالد الحذّاء، والأوزاعي وخلق كثير. قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس. وقال خالد الحذّاء: كل شيء يقول يثبت عن ابن عباس إنما سمعه من عكرمة أيام المختار. قال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، عاليا، رفيعا، فقيها، إماما، كثير العلم. وقال أبو عوانة: رأيت ابن سيرين في السوق فما رآه أحد إلا ذكر الله تعالى. وقال بكر المزني: والله ما أدركنا من هو أورع منه. وروي أنه اشترى بيتا، فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه منه شيء فتركه. قال حماد بن زيد: مات سنة عشر ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 412) ، «تهذيب التهذيب» (9/ 214) ، «الكاشف» (3/ 51) ، «تاريخ البخاري الكبير» (1/ 90) ، «الوافي بالوفيات» (3/ 146) . (2) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه يرسل كثيرا عن علقمة، وهمام بن الحارث، والأسود بن يزيد، وأبي عبيدة بن عبد الله، ومسروق، وخلق. وعنه الحكم، ومنصور، والأعمش، وابن عون، وزبيد وخلق. وكان لا يتكلم إلا إذا سئل. قال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يهاب الأمير. وقال الأعمش. كان إبراهيم يتوقى الشهرة، ولا يجلس إلى الأسطوانة. وقيل: إنه لم يسمع من عائشة. قال أبو نعيم: مات سنة ست وتسعين. وقال عمرو بن عليّ: سنة خمس آخر السنة. وولد سنة خمسين، وقيل سنة سبع وأربعين. ينظر: «الخلاصة» (1/ 59، 60) ، «تاريخ البخاري الكبير» (1/ 335) ، «الجرح والتعديل» (2/ 146) ، «الثقات» (6/ 25) ، «لسان الميزان» (1/ 126) . (3) النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، أبو حنيفة: إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة. قيل: أصله من أبناء فارس. ولد ونشأ بالكوفة. كان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه. ثم انقطع للتدريس والإفتاء، وامتنع عن القضاء ورعا، كان قوي الحجة، ومن أحسن الناس منطقا، كريما في أخلاقه. وقال الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، ولد سنة (80) هـ، وتوفي سنة (150) هـ. انظر: «تاريخ بغداد» (13/ 323) ، «النجوم الزاهرة» (2/ 12) ، «الأعلام» (8/ 36) .

والشافعيّ «1» يتعوّذان/ في الركعة الأولى من الصلاة، ويريان قراءة الصلاة كلّها كقراءة واحدة، ومالك- رحمه الله- لا يرى التعوّذ في الصلاة المفروضة، ويراه في قيام رمضان، ولم يحفظ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه تعوّذ في صلاة. وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس هو لفظ كتاب الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، وأما المقرءون، فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله، وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: أعوذ بالله المجيد من الشّيطان المريد، ونحو هذا مما لا أقول فيه: نعمت البدعة، ولا أقول: إنه لا يجوز، ومعنى الاستعاذة الاستجارة والتحيّز إلى الشيء على وجه الامتناع به من المكروه. وأما الشيطان، فاختلف في اشتقاقه «2» ، فقال الحذّاق: هو فيعال من شطن، إذا بعد

_ (1) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم. وشافع بن السائب هو الذي ينسب إليه الشافعي، لقي النبي صلى الله عليه وسلم في صغره، وأسلم أبوه السائب يوم «بدر» فإنه كان صاحب راية بني هاشم، وكانت ولادة الشافعي بقرية من الشام يقال لها «غزة» . قاله ابن خلكان وابن عبد البر. وقال صاحب التنقيب: ب «منى» من مكة، وقال ابن بكار: ب «عسقلان» ، وقال الزوزني: ب «اليمن» ، والأول أشهر، وكان ذلك في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة (رحمه الله) حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، ثم سلمه أبوه للتفقه إلى مسلم بن خالد مفتي مكة، فأذن له في الإفتاء. وهو ابن خمسة عشر سنة، فرحل إلى الإمام مالك بن أنس ب «المدينة» ، فلازمه حتى توفي مالك (رحمه الله) ثم قدم «بغداد» سنة خمسة وتسعين ومائة، وأقام بها سنتين، فاجتمع عليه علماؤها، وأخذوا عنه العلم ثم خرج إلى «مكة» حاجا، ثم عاد إلى «بغداد» سنة ثمان وتسعين ومائة، فأقام بها شهرين أو أقل، فلما قتل الإمام موسى الكاظم خرج إلى «مصر» ، فلم يزل بها ناشرا للعلم، وصنف بها الكتب الجديدة، وانتقل إلى رحمة الله (تعالى) يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر في يومه. ينظر: «ابن هداية الله» ص 11، «سير أعلام النبلاء» (10/ 1) ، «التاريخ الكبير» (1/ 42) ، «طبقات الحفاظ» (ص 152) ، «تذكرة الحفاظ» (1/ 361) . [.....] (2) اختلف أهل العربية في اشتقاق «الشيطان» ، فقال جمهورهم: هو مشتق من «شطن يشطن» أي: بعد لأنه بعيد من رحمة الله تعالى، وأنشدوا: [الوافر] نأت بسعاد عنك نوى شطوف ... فبانت والفؤاد بها رهين وقال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف] أيّما شاطن عصاه عكاه ... ثمّ يلقى في السّجن والأكبال وحكى شيخ النحاة سيبويه: «تشيطن» أي فعل فعل الشياطين، فهذا كله يدل على أنه من شطن لثبوت النون وسقوط الألف في تصاريف الكلمة، ووزنه على هذا «فيعال» . وقيل: هو مشتق من «شاط يشيط» أي: هاج واحترق. ولا شك أن هذا المعنى موجود فيه، فأخذوا.

تفسير فاتحة الكتاب

لأنه بعد عن الخير والرحمة، وأما الرجيم، فهو فعيل بمعنى مفعول كقتيل وجريح، ومعناه: أنه رجم باللعنة والمقت وعدم الرحمة. تفسير فاتحة الكتاب بحول الله تعالى وقوّته [سورة الفاتحة (1) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) باب في تفسير: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ روي أن رجلا قال بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم: «تعس الشّيطان» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقل ذلك فإنّه يتعاظم عنده ولكن قل: بسم الله الرّحمن الرّحيم، فإنّه يصغر حتّى يصير أقلّ من الذّباب» «1» ، والبسملة تسعة عشر حرفا، قال بعض الناس: إن رواية بلغتهم أنّ ملائكة النار الذين قال الله فيهم: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: 30] إنما ترتب عددهم على حروف: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لكلّ حرف ملك، وهم يقولون في كل أفعالهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فمن هناك هي قوتهم، وباسم الله استضلعوا «2» . قال ع «3» : وهذا من ملح التفسير، وليس من متين العلم. ت: ولا يخفى عليك لين ما بلغ هؤلاء، ولقد أغنى الله تعالى بصحيح

_ - بذلك أنه مشتق من هذه المادة، لكن لم يسمع من تصاريفه إلا ثابت النون محذوف الألف، كما تقدم. ووزنه على هذا «فعلان» . ويترتب على القولين: صرفه وعدم صرفه إذا سمى به، وأما إذا لم يسم به فإنه منصرف البتة لأن من شرط امتناع فعلان الصفة ألا يؤنث بالتاء، وهذا يؤنث بها، قالوا: شيطانة. ينظر: «الدر المصون» ، للسمين الحلبي (1/ 48- 49) . بتصرف. (1) أخرجه أبو داود (2/ 714) ، كتاب «الأدب» ، باب (77) ، حديث (4982) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 142) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا عثرت دابته، حديث (10388) ، كلاهما من طريق خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن رجل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وأخرجه الحاكم (4/ 292) من طريق يزيد بن زريع: ثنا خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورديف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يسمه يزيد بن زريع، عن خالد سماه غيره أسامة بن مالك والد أبي المليح بن أسامة. ووافقه الذهبي، وزاد: «ورواه محمد بن حمدان، عن خالد، عن أبي تميمة، عن أبي المليح بن أسامة عن أبيه. اه. والطريق الذي أشار إليه الذهبي: أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 142) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا عثرت به دابته، حديث (10389) ، من طريق أحمد بن عبدة، عن محمد بن حمدان به. وأخرجه أحمد (5/ 59) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 401- بتحقيقنا) ، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن أبي تميمة الهجيمي، عمن كان رديفه. (2) الضّلاعة: القوة وشدة الأضلاع، والضليع: العظيم الخلق الشديد، يقال: ضليع بيّن الضّلاعة. ينظر: «لسان العرب» (2599) . (3) «المحرر الوجيز» (1/ 61) .

الأحاديث وحسنها عن موضوعات الورّاقين، فجزى الله نقاد الأمة عنا خيرا. وما جاء من الأثر عن جابر وأبي هريرة مما يقتضي بظاهره أن البسملة آية من الفاتحة يرده صحيح الأحاديث كحديث أنس، وأبي بن كعب، وحديث: «قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي» «1» ونحوها، ولم يحفظ قطّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، ولا عن الخلفاء بعده أنهم يبسملون في الصلاة «2» .

_ (1) أخرجه مالك (1/ 84) ، كتاب «الصلاة» ، باب القراءة خلف الإمام، الحديث (39) ، وأحمد (2/ 285) ، ومسلم (1/ 297) ، كتاب «الصلاة» ، باب وجوب قراءة الفاتحة، الحديث (39 و 40) ، وأبو داود (1/ 512- 513- 514) ، كتاب «الصلاة» ، باب من ترك قراءة الفاتحة، الحديث (821) ، والترمذي (2/ 25) ، كتاب «الصلاة» ، باب لا صلاة إلا بالفاتحة، الحديث (247) ، والنسائي (2/ 135- 136) ، كتاب «الصلاة» ، باب ترك قراءة البسملة في الفاتحة، والبخاري في «جزء القراءة» (ص 4) ، وابن ماجة (2/ 1243) ، كتاب «الأدب» ، باب ثواب القرآن، حديث (3784) ، والدارقطني (1/ 312) وابن خزيمة (1/ 253) ، والبيهقي (2/ 39) عن أبي هريرة. ولفظ مالك عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج غير تمام» قال: فقلت: يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام، قال: فغمز ذراعي، ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اقرءوا، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله تعالى: حمدني عبدي» الحديث. (2) ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة، فمن بعدهم إلى ترك الجهر بالتسمية، بل يسرّ بها، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، وهو قول إبراهيم النّخعي، وبه قال مالك، والثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب قوم إلى أنه يجهر بالتسمية للفاتحة والسورة جميعا، وبه قال من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو الزبير، وهو قول سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإليه ذهب الشافعي. وروى في الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر يبدءون وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة ب «الحمد لله رب العالمين» معناه: أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه: أنهم كانوا لا يقرءون «بسم الله الرحمن الرحيم» . وكان الشافعي يرى أن يبدأ «ببسم الله الرحمن الرحيم» وأن يجهر بها إذا جهر بالقراءة. قال العلامة أحمد شاكر: ومن فقه أبي عيسى الترمذي أن عقد الخلاف في البابين (180، 181) بين الجهر بالبسملة وترك الجهر بها، ولم يعقد بين أصل قراءتها وتركها. أما أئمة القراءات، فإنهم جميعا اتفقوا على قراءة البسملة في ابتداء قراءة كل سورة، سواء الفاتحة أو غيرها من السور سوى «براءة» ولم يرد عن واحد منهم أبدا إجازة ابتداء القراءة بدون التسمية. قال ابن الجزري في «طيبته» . بسمل بين السّورتين (ب) س (ن) صف ... (د) م (ش) ق (ر) جا وصل (ف) شا وعن خلف (العاشر) فاسكت فصل ... والخلف (ك) م (حما) (ج) لا (الأزرق) إلى أن قال: وفي ابتداء السورة كلّ بسملا. وقال صاحب «الشاطبية» : ولا بد منها (أي البسملة) في ابتدائك سورة.

ع «1» : والباء في بِسْمِ اللَّهِ متعلّقة عند نحاة البصرة باسم تقديره: ابتدائي مستقر أو ثابت باسم الله، وعند نحاة الكوفة بفعل تقديره: ابتدأت باسم الله، واسم: أصله سمو بكسر السين، أو سمو بضمها، وهو عند البصريين مشتقّ من السّمو «2» . ت: وهو العلو والارتفاع.

_ - والحرف الأول في كلمة من البيتين يرمز لقارىء أو راو، فالبسملة آية في كل سورة عند الأكثرين، وهؤلاء هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقي شيخا عن شيخ في التلاوة والأداء، وقد اتفقوا جميعا على قراءتها أول الفاتحة، وإن وصلت بغيرها، وجميع المصاحف التي كتبها الخليفة الثالث عثمان وأقرها الصحابة دون ما عداها كتبت فيها البسملة في أول كل سورة، سوى «براءة» ، وأن الصحابة (رضوان الله عليهم) حين جمعوا القرآن في المصاحف جردوه من كل شيء غيره، فلم يأذنوا بكتابة أسماء السور ولا أعداد الآي ولا «آمين» ، ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما ليس في كتاب الله في المصاحف، حرصا منهم على الحفاظ عليه، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ألا يدل دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العمل المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتابة فيه؟!! تنظر المسألة في: «الأم» للشافعي (1/ 213) ، «شرح المهذب» (3/ 288) ، «حلية العلماء ومعرفة مذاهب الفقهاء» (2/ 102) ، «فتح الوهاب» للشيخ زكريا (1/ 40) ، «الحاوي» للماوردي (2/ 104) ، «روضة الطالبين» (1/ 347) ، «بدائع الصنائع» (1/ 203) ، «المبسوط» (1/ 15) ، «الهداية» (1/ 48) ، «شرح فتح القدير» (1/ 253، 254) ، «الاختيار» (1/ 51) ، «الحجة على أهل المدينة» (1/ 96) ، «الكافي» لابن عبد البر ص (40) ، «المغني» لابن قدامة (2/ 151) ، «كشاف القناع» (1/ 335) ، «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (2/ 48) ، «بداية المجتهد» لابن رشد (1/ 96- 97) ، «نيل الأوطار» (2/ 222- 232) ، «فتح العلام» ص (195) ، «سبل السلام» (1/ 241) ، «شرح البهجة» (1/ 308- 309) ، «الجمل على المنهج» (1/ 345) ، «مختلف الرواية» ص (412) ، «الأوسط» (3/ 119- 123) . (1) «المحرر الوجيز» (1/ 61) . (2) اشتقاق الاسم عند المحققين من النحويين من السمو، وهو الارتفاع، ومحل مرتفع فهو ظاهر. والاسم يظهر المسمى عند السامع فاشتق من السمو لذلك، وقد قيل: إنما اشتق الاسم من السمو لكون الكلام على ثلاثة أقسام. وضع لكل قسم عبارة، وكان الاسم المقدم فأعطي أرفع العبارات، وكان الحرف المتأخر إذ لا معنى له في ذاته، فأعطي أحط العبارات، وكان الفعل واسطة بينهما فتوسط اسمه. وذهب قوم إلى أن اشتقاق الاسم من السمة، وهي العلامة، والاسم جعل دلالة على المسمى، وهذا تبطله صناعة العربية إذ لو كان مشتقا من السمة لقيل في تصغيره: وسيم، ولا يقال ذلك إنما يقال في تصغيره سميّ، وكذلك في جمعه أسماء برد لام الفعل. والتكبير والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، فصح أن اشتقاقه من السمو. ينظر: «العلوم المستودعة في السبع المثاني» (ج 2) ، و «الصاوي على الخريدة» (6- 7) .

قال ص «1» : والاسم: هو الدالّ بالوضع. على موجود في العيان إن كان محسوسا، وفي الأذهان إن كان معقولا من غير تعرّض ببنيته للزمان، ومدلوله هو المسمّى «2» ، والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلا على المعنى، فهي أمور ثلاثة متباينة، فإذا أسندت حكما إلى لفظ اسم، فتارة يكون حقيقة نحو: زيد اسم ابنك، وتارة يكون مجازا وهو حيث يطلق الاسم، ويراد به المسمّى كقوله تعالى: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78] ، وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: 1] ، وتأول السّهيليّ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ على إقحام الاسم، أي: سبح ربك، وإنما ذكر الاسم حتى لا يخلو التسبيح من/ اللفظ باللسان لأن الذكر بالقلب متعلّقه المسمى، والذكر باللسان متعلقه اللفظ، وتأول قوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً [يوسف: 40] بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على الحقيقة فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها. انتهى. وقال الكوفيّون: أصل اسم وسم من السّمة، وهي العلامة لأن الاسم علامة لمن وضع له، والمكتوبة التي لفظها الله أبهر أسمائه تعالى وأكثرها استعمالا، وهو المتقدّم لسائرها في الأغلب، وإنما تجيء الأخر أوصافا، وحذفت الألف الأخيرة من الله لئلّا يشكل بخط «اللّات» ، وقيل: طرحت تخفيفا.

_ (1) ينظر: «المجيد في إعراب القرآن المجيد» لإبراهيم بن محمد الصفاقسيّ ص (41) . (2) في حقيقة الاسم عند المتكلمين خلاف مشهور، فذهب الأشعرية إلى أنه عين المسمى. وذهبت المعتزلة إلى أنه غير المسمى، وقالت الأشعرية وطائفة من المتكلمين: إن الكلام في الاسم والمسمى يعرفك حقيقة صفات معبودك، فتصل بذلك إلى تصحيح توحيدك، فإذا لم ينظر الإنسان ويستدل فكيف يصل إلى المعرفة التي كلفها؟! لكن منع الشافعي رضي الله عنه، وابن حبل، وأكثر الفقهاء، والمحدثين (رضي الله عنهم) طريق الكلام في الاسم والمسمى. حتى قال الشافعي: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم هو المسمى أو غير المسمى فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له. وعلى كل، فطريق المتكلمين غير طريق الفقهاء والمحدثين فإن الفقهاء والمحدثين أخذوا الأمور بالتسليم والنقل، والمتكلمون ركبوا إلى النقل طريق النظر بالعقل، فأقاموا صناعة غير معهودة في السلف، وقالوا: نفتح بها طريق النظر إذ السلف كانوا لقرب عهدهم بالنبوة ولاشتغال أفكارهم بالنظر في ملكوت السماء والأرض مستغنين عن هذه الصناعة إذ كانت الأدلة راسخة في قلوبهم، وطرق الاستدلال نيرة في عقولهم، فلما ذهب ذلك الجيل الجليل وفترت الدواعي، وفشت البدع بسوء النظر، وجب أن يحرّ طريق النظر، وتنهج مسلك العبر، وتبين الأدلة الصحيحة من الفاسدة، وتصان عقائد الخلق عن تشويش المبتدعة والمارقة، فتكلموا بما لم يعهد من السلف الكلام فيه، فمن العلماء من يؤثره ويراه عين الصواب، ومنهم من يجتنبه ويجعله عين الضلال، ومنهم من يتوقف فيه، ومنهم من يرتضي منه أسلوبا دون غيره من الأساليب. انظر: «العلوم المستودعة في السبع المثاني» 19 خ.

والرّحمن «1» : صفة مبالغة من الرحمة، معناها: أنه انتهى إلى غاية الرحمة، وهي صفة تختصّ بالله تعالى، ولا تطلق على البشر، وهي أبلغ من فعيل، وفعيل أبلغ من فاعل لأن راحما يقال لمن رحم ولو مرة واحدة، ورحيما يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في الرحمة «2» .

_ (1) ينظر: «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» للإمام القرطبي، (1/ 61: 92) . (2) قال الشيخ أبو حيان: «وكان القياس الترقي كما تقول: عالم نحرير، وشجاع باسل، لكن أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم وأصولها، ليكون كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها وما لطف، واختاره الزمخشري» . ينظر: «البحر المحيط» (1/ 128) . [.....]

قال ابن عبّاس وغيره: إنها مكية «1» ويؤيد هذا أن في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: 87] ، والحجر مكية بإجماع، وفي حديث أبي بن كعب أنّها السبع المثاني «2» . ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاة بغير: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وروي عن عطاء بن يسار «3» وغيره ...

_ (1) ذكره السمرقندي في «تفسيره» (1/ 78) ، وابن كثير (1/ 8) عن ابن عباس، وقتادة، وأبي العالية. والسيوطي في «الدر» (1/ 19- 20) عن علي وقتادة. وقال الحافظ في «الفتح» (8/ 9) : إن الفاتحة مكية، وهو قول الجمهور. (2) أخرجه الترمذي (5/ 297) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب سورة الحجر، حديث (3125) ، (5/ 155) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، حديث (2875) ، والنسائي (2/ 139) ، كتاب «الافتتاح» ، باب تأويل قول الله (عز وجل) : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، حديث (914) ، وفي «التفسير» (1/ 523- 524) ، رقم (225) ، والطبري في «تفسيره» (9/ 142) ، وأحمد (2/ 412- 413) ، والدارمي (2/ 446) ، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (5/ 114) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص 86) ، رقم (165) ، وأبو يعلى (11/ 367- 368) ، رقم (6482) ، وابن خزيمة (1/ 252) ، رقم (500، 501) ، وابن حبان (3/ 53) ، رقم (775- الإحسان) ، والحاكم (1/ 557) ، والبيهقي (2/ 375- 376) ، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصححه ابن خزيمة وابن حبان. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 21) وزاد نسبته إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبي ذر الهروي في «فضائل القرآن» . (3) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، أحد الأعلام. عن مولاته ميمونة، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وأبي ذرّ وخلق. وعنه أبو سلمة، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو جعفر الباقر، وعمرو بن دينار، وخلق. قال النسائي: ثقة. قال الهيثم بن عديّ: توفي سنة سبع وتسعين. وقال عمرو بن علي: سنة.

أنها مدنية «1» ، وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها فاتحة الكتاب، واختلف، هل يقال لها أم الكتاب؟ فكره ذلك الحسن بن أبي الحسن، وأجازه ابن عبّاس وغيره «2» . وفي تسميتها ب «أمّ الكتاب» حديث رواه أبو هريرة «3» ، واختلف هل يقال لها: «أمّ القرآن» ؟ فكره ذلك ابن سيرين «4» ، وجوزه جمهور العلماء. وسميت «المثاني» لأنها تثنّى في كل ركعة «5» وقيل: لأنها استثنيت لهذه الأمة. وأما فضل هذه السورة، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حديث أبيّ بن كعب أنّها لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلها «6» ، وروي أنها تعدل ثلثي القرآن، وهذا العدل إما أن يكون في المعاني، وإما أن يكون تفضيلا من الله تعالى لا يعلل وكذلك يجيء عدل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1] وعدل: إِذا زُلْزِلَتِ [الزلزلة: 1] وغيره.

_ - ثلاث ومائة. ينظر: «تهذيب الكمال» (2/ 938) ، و «تهذيب التهذيب» (7/ 317) ، و «تقريب التهذيب» (2/ 23) ، و «سير الأعلام» (4/ 448) . (1) ذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 37) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 45) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 20) ، وعزاه لوكيع في «تفسيره» . كلهم عن مجاهد. وابن كثير (1/ 8) عن أبي هريرة، ومجاهد، وعطاء بن يسار، والزهري. وقال ابن كثير: والأولى أشبه «أي أنها مكية» ، لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والله تعالى أعلم. (2) أخرجه البخاري معلقا (8/ 6) . وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 46) ، وابن كثير (1/ 8) . وقال الحافظ في «الفتح» (8/ 6) : ويأتي في تفسير «الحجر» حديث أبي هريرة مرفوعا: «أم القرآن هي السبع المثاني» ولا فرق بين تسميتها بأم القرآن، وأم الكتاب، ولعل الذي كره ذلك وقف عند لفظ «الأم» . (3) أخرجه الترمذي (5/ 297) ، كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة الحجر، حديث (3124) ، وأبو داود (1/ 461) ، كتاب «الصلاة» ، باب فاتحة الكتاب، حديث (1457) من طريق ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب والسبع المثاني» . وأخرجه البخاري (8/ 232) بلفظ: «أم القرآن هي السبع، والقرآن العظيم» . وأخرجه البغوي في «شرح السنة» (3/ 13- بتحقيقنا) ، وقال: هذا حديث صحيح، وأراد بأم القرآن فاتحة الكتاب، وسميت بأم القرآن لأنها أصل القرآن، وأم كل شيء أصله، وسميت مكة أم القرى كأنها أصلها ومعظمها، وقيل: سميت أم القرآن، لأنها تتقدم القرآن، وكل من تقدم شيئا فقد أمه» . (4) ينظر: الماوردي في «تفسيره» (1/ 46) ، وابن كثير (1/ 8) ، والحافظ في «الفتح» (8/ 6) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 20) ، وعزاه لابن ضريس في «فضائل القرآن» . (5) ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 103) طبعة أحمد شاكر. (6) تقدم تخريجه قريبا.

[سورة الفاتحة (1) : الآيات 2 إلى 3]

ت: ونحو حديث أبيّ حديث أبي سعيد بن المعلّى «1» إذ قال له صلّى الله عليه وسلم: «ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي أوتيته» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة. انتهى من «سلاح المؤمن» تأليف الشيخ المحدّث أبي الفتح تقي الدّين محمّد بن علي بن همام «2» - رحمه الله-. [سورة الفاتحة (1) : الآيات 2 الى 3] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) الحَمْدُ: معناه الثناء الكاملُ، والألف واللام فيه لاِستغراقِ الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر لأنَّ الشكر إنما يكون على فِعْلٍ جميل يسدى إِلى الشاكر، والحمد المجرَّد هو ثناء بصفات المحمود. قال ص «3» : وهل الحمدُ بمعنى الشكْر أو الحمدُ أَعمُّ، أو الشكر ثناءٌ على اللَّه بأفعاله، والحمد ثناء عليه بأوصافه؟ ثلاثةُ أقوال. انتهى. قال الطبريُّ «4» : الحمدُ لِلَّهِ: ثناءٌ أثنى به على نفسه تعالى، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا به عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد للَّه/، وعلى هذا يجيء: قولوا: إِيَّاكَ، واهْدِنَا.

_ (1) أبو سعيد بن المعلّى بن لوذان بن حبيب بن عدي بن زيد بن ثعلبة بن مالك بن زيد مناة الأنصاري، اسمه رافع، له أحاديث، انفرد له البخاري بحديث. وعنه حفص بن عاصم. قال الزيادي: مات سنة ثلاث وسبعين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 219) ، و «تهذيب التهذيب» (12/ 107) ، و «التاريخ الكبير» (9/ 34) . (2) «سلاح المؤمن» لتقي الدين أبي الفتح محمد بن محمد بن علي بن همام، المصري، الشافعي، المتوفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة. اشتهر في حياته بالغرناطي. أوله: الحمد لله المنعم على خلقه بجميع آلائه. إلخ، بوبه على واحد وعشرين بابا، وقد اختصره الذهبي محمد بن أحمد الحافظ المتوفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ينظر: «كشف الظنون» (2/ 994، 995) . (3) «المجيد» ص 50. (4) «تفسير الطبري» (1/ 139- 140) ، وقد استدل أبو جعفر على حذف ما تعرفه العرب في أحاديثها بقول الشاعر: [الوافر] واعلم أنني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم؟ ... فقال المخبرون لهم: وزير ثم قال: يريد بذلك، فقال المخبرون لهم: الميت وزير، فأسقط الميت إذ كان قد أتى من الكلام بما دل على ذلك ... » . [.....]

[سورة الفاتحة (1) : الآيات 4 إلى 5]

قال: وهذا من حذف العربِ ما يدلُّ ظاهر الكلام عليه، وهو كثيرٌ. والرب في اللغة: المعبودُ، والسيدُ المالكُ، والقائمُ بالأمور المُصْلِحُ لما يفسد منها، فالرب على الإِطلاق هو ربُّ الأرباب على كل جهة، وهو اللَّه تعالى. والعَالَمُونَ: جمع عَالَمٍ، وهو كل موجود سوى اللَّه تعالى، يقال لجملته: عَالَمٌ، ولأجزائه من الإنس والجن وغير ذلك عَالَمٌ، عَالَمٌ، وبحسب ذلك يجمع على العَالَمِينَ، ومن حيثُ عالَمُ الزمانِ متبدِّلٌ في زمان آخر، حَسُنَ جمعها، ولفظة العالَمِ جمع لا واحد له من لفظه، وهو مأخوذ من العَلَمِ والعلامة لأنه يدل على موجده كذا قال الزَّجَّاج «1» ، قال أبو حَيَّان «2» : الألف واللام في العَالَمِينَ لِلاستغراقِ، وهو جمع سلامة، مفرده عَالَمٌ، اسم جمع، وقياسه ألا يجمع، وشذَّ جمعه أيضاً جمع سلامة لأنه ليس بعَلَمٍ ولا صفةٍ. م: وذهب ابنُ مالك «3» في «شَرْحِ التَّسْهِيلِ» إلى أن «عَالَمِين» اسم جمعٍ لمن يعقل، وليس جمع عالمٍ لأن العَالَمَ عامٌّ، و «عالَمِينَ» خاصٌّ، قلت: وفيه نظر. انتهى. وقد تقدّم القول في الرحمن الرحيم. [سورة الفاتحة (1) : الآيات 4 الى 5] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: الدِّينُ في كلام العربِ على أنحاء، وهو هنا الجزاءُ يوم الدين، أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بها قاله ابن عباس «4» وغيره مَدِينِينَ: محاسَبِينَ «5» ، وحكى أهل اللغة: دِنْتُهُ بِفِعْلِهِ دَيْناً بفتح الدال، ودينا بكسرها: جزيته

_ (1) «معاني القرآن وإعرابه» لأبي إسحاق الزجاج (1/ 46) . (2) «البحر المحيط» (1/ 132) ، وينظر «المجيد» ص (53) . (3) محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجيّاني، أبو عبد الله، جمال الدين، أحد الأئمة في علوم العربية. ولد في حيان ب «الأندلس» سنة 600 هـ. وانتقل إلى دمشق، فتوفي فيها سنة (672) هـ. من كتبه: «الألفية» وهو أشهرها في النحو، و «تسهيل الفوائد» في النحو أيضا، وكذلك «الكافية الشافية» أرجوزة في نحو ثلاثة آلاف بيت، و «إيجاز التعريف» في الصرف، و «العروض» . ينظر: «الأعلام» (6/ 233) ، «بغية الوعاة» (53) ، «آداب اللغة» (3/ 140) ، و «طبقات السبكي» (5/ 28) . (4) أخرجه ابن جرير (9/ 292) (25889) ، وذكره السيوطي في «الدر» (5/ 65) عن ابن عباس، والقرطبي (1/ 125) . (5) أخرجه ابن جرير (10/ 491) برقم (29383) ، عن قتادة، و (10/ 491) رقم (29384) ، عن السدي. وذكره السيوطي في «الدر» (5/ 519) ، والقرطبي (1/ 125) .

ومنه قول الشاعر: [الكامل] واعلم يَقِيناً أَنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ ... واعلم بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ «1» إِيَّاكَ نَعْبُدُ: نطق المؤمن به إِقرار بالربوبية، وتذلُّل وتحقيق لعبادة اللَّه وقدَّم «إِيَّاكَ» على الفعل اهتماما، وشأن العرب تقديم الأَهَمِّ، واختلف النحويُّون في «إِياك» «2» ، فقال الخليلُ «3» : «إيَّا» : اسم مضمر أضيف إِلى ما بعده للبيان لا للتعريف، وحكى عن العرب: «إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابِّ» ، وقال المبرِّد: إِيَّا: اسمٌ مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف، وحكى ابن كَيْسَانَ «4» عن بعض الكوفيِّين أنَّ «إِيَّاكَ» بكماله اسم

_ (1) ينظر: «مجاز القرآن» (1/ 23) ، «الكامل» (1/ 426) ، «إعراب ثلاثين سورة» لابن خالويه (241) ، «الجمهرة» (2/ 306) ، «الخزانة» (4/ 230) ، «جمهرة الأمثال» للعسكري (169) ، «المخصص» (17/ 155) ، «تفسير الطبري» (1/ 155) ، «القرطبي» (1/ 101) ، «الدر المصون» (1/ 72) ، «اللسان والتاج» (دين) . (2) اختلف النحويون في «ايا» هل هو من قبيل الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ فالجمهور على أنه مضمر، وقال الزجاج: هو اسم ظاهر. وقال ابن درستويه. إنه بين الظاهر والمضمر. وقال الكوفيون: مجموع «ايا» ولواحقها هو الضمير. والقائلون بأنه ضمير اختلفوا فيه على أربعة أقوال: أحدها: أنه كله ضمير. والثاني: أن «ايا» وحده ضميره، وما بعده اسم مضاف إليه يبين ما يراد به من تكلم، وغيبة، وخطاب. والثالث: أن «ايا» عماد، وما بعده هو الضمير، وشذت إضافته إلى الظاهر في قولهم: «إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وايا الشواب» بإضافة «ايا» إلى الشواب. وهذا يؤيد قول من جعل الكاف والهاء والياء في محل جر إذا قلت: إياك، إياه، إياي. ينظر: «الدر المصون» (1/ 73) ، و «همع الهوامع» (1/ 61) ، و «الكتاب» (2/ 355) ، و «شرح الكافية» (2/ 12) ، و «سر صناعة الإعراب» (1/ 311) ، و «شرح المفصل» (3/ 98) ، و «الإنصاف» (2/ 695) . (3) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، الفراهيدي، الأزدي، اليحمدي، أبو عبد الرحمن، ولد سنة (100) هـ. في البصرة. من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، عاش فقيرا صابرا. قال النضر بن شميل: ما رأى الراءون مثل الخليل، ولا رأى الخليل مثل نفسه. فكر في ابتكار طريقة في الحساب تسهله على العامة فدخل المسجد وهو يعمل فكره فصدمته سارية وهو غافل، فكانت سبب موته سنة (170) هـ. ب «البصرة» . من كتبه «العين» ، و «معاني الحروف» ، و «العروض» ، و «النغم» . ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 172) ، «إنباه الرواة» (1/ 341) ، «نزهة الجليس» (1/ 80) ، «الأعلام» (2/ 314) . (4) محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الحسن المعروف ب «ابن كيسان» : عالم بالعربية من أهل «بغداد» ، أخذ عن المبرد وثعلب، من كتبه «المهذب» في النحو، «غريب الحديث» ، «معاني القرآن» ، «المختار في علل النحو» توفي من (299) هـ. ينظر: «إرشاد الأريب» (6/ 280) ، «معجم المطبوعات» (229) . «نزهة الألباء» (301) ، «شذرات الذهب» (2/ 232) ، «كشف الظنون» (1703) ، «مصابيح الكتاب» ، «الأعلام» (5/ 308) .

[سورة الفاتحة (1) : الآيات 6 إلى 7]

مضمر، ولا يعرف اسم مضمر يتغيَّر آخره غيره، وحكي عن بعضهم أنه قال: الكاف والهاء والياء هو الاسم المضمر، لكنها لا تقوم بأنفسها، ولا تكون إِلا متصلات، فإذا تقدَّمت الأفعال جعل «إِيَّا» عماداً لها، فيقال: إِيَّاكَ، وإِيَّاهُ، وإِيَّايَ، فإِذا تأخرت، اتصلت بالأفعال، واستغني عن «إيّا» . ونَعْبُدُ: معناه: نقيم الشرع والأوامر مع تذلُّل واستكانةٍ، والطريقْ المذلَّل يقال له معبَّدٌ، وكذلك البعير. ونَسْتَعِينُ معناه نطلب العون منك في جميع أمورنا، وهذا كله تبرّ من الأصنام. [سورة الفاتحة (1) : الآيات 6 الى 7] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) وقوله تعالى: اهْدِنَا: رغبة لأنها من المربوب إلى الرب، وهكذا صيغ الأمر كلها، فإِذا كانت من الأعلى، فهي أَمْرٌ. والهِدَايَةُ في اللغة: الإرشادُ، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسِّرون بغير لفظ الإِرشاد وكلها إِذا تأملت راجِعةٌ إلى الإرشاد، فالهدى يجيء بمعنى خَلْقِ الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5] ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: 46] ، وإِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: 56] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [الأنعام: 125] الآية، قال أبو المعالي «1» : فهذه الآيات لا يتجه جلها إلا على خلق الإيمان في القلب، وهو محض الإرشاد «2» . 8 أوقد جاء الهدى بمعنى الدعاء كقوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] أي: داع/ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] .

_ (1) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالي بن أبي محمد الجويني، ولد سنة (419) ، وتفقه على والده، وقعد للتدريس بعده، وحصل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الأسفراييني الإسكاف، وصار إماما، حضر درسه الأكابر، وتفقه به جماعة من الأئمة. قال السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، ومن تصانيفه: النهاية والغياثي والإرشاد، وغيرهما. مات سنة (478) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 255) ، «طبقات السبكي» (3/ 249) ، «وفيات الأعيان» (2/ 341) ، و «الأنساب» (3/ 430) ، «شذرات الذهب» (3/ 358) ، «النجوم الزاهرة» (5/ 121) ، و «معجم البلدان» (2/ 193) . (2) ينظر: ص 486.

وقد جاء الهدى بمعنى الإِلهام من ذلك قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50] . قال المفسِّرون: ألهم الحيواناتِ كلَّها إِلى منافعها. وقد جاء الهدى بمعنى البيان من ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ [فصلت: 17] قال المفسِّرون: معناه: بيَّنَّا لهم. قال أبو المعالي «1» : معناه: دعوناهُمْ، وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [الليل: 12] ، أي: علينا أنْ نبيِّن. وفي هذا كله معنى الإِرشاد. قال أبو المعالي: وقد ترد الهدايةُ، والمراد بها إِرشاد المؤمنين إِلى مسالك الجِنَانِ والطرقِ المفضيةِ إِلَيْهَا كقوله تعالى في صفة المجاهدين: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد: 4- 5] ومنه قوله تعالى: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات: 23] ، معناه: فاسلكوهم إِليها. قال ع «2» : وهذه الهدايةُ بعينها هي التي تقال في طرق الدنيا، وهي ضدُّ الضلالِ، وهي الواقعة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ على صحيح التأويلات، وذلك بيِّن من لفظ «الصِّرَاط» والصراط في اللغة: الطريقُ الواضِحُ ومن ذلك قول جَرِيرٍ «3» : [الوافر] أَمِيرُ المُؤْمِنيِنَ على صِرَاطٍ ... إِذَا اعوج المَوَارِدُ مستقيم «4»

_ (1) ينظر: «الإرشاد» ص (190) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 73) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 73) . (3) جرير بن عطية بن حذيفة الخطفى بن بدر الكلبي، اليربوعي، من تميم أشعر أهل عصره، ولد سنة (28) هـ. ومات سنة 110 هـ. في «اليمامة» . وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم، وكان هجاءا مرّا، فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل، وكان عفيفا، وهو من أغزل الناس شعرا. ينظر: «الأعلام» (2/ 19) ، «وفيات الأعيان» (1/ 102) ، «الشعر والشعراء» (179) ، و «خزانة الأدب» (1/ 36) . [.....] (4) البيت في مدح هشام بن عبد الملك، ينظر: ديوانه (507) ، «شرح الديوان» لمحمد بن حبيب (1/ 218) ، «المحتسب» (1/ 43) ، «مجاز القرآن» (1/ 24) ، «تفسير الطبري» (1/ 56) ، «تفسير القرطبي» (1/ 103) ، «اللسان» (سرط) ، «الجمهرة» (2/ 330) ، «الدر المصون» (1/ 78) . والموارد: الطرق، واحدها موردة.

واختلف المفسِّرون في المعنى الذي استعير له «الصِّراط» في هذا الموضع: فقال علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: الصراط المستقيم هنا القرآنُ «1» ، وقال جابرٌ: هو الإِسلام، يعني الحنيفيَّة «2» . وقال محمَّد بن الحنفيَّة «3» : هو دينُ اللَّه الذي لا يَقْبَلُ مِن العِبَادِ غيره «4» . وقال أبو العالية: هو رسول الله صلّى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بَكْر وعمر، أي: الصراط المستقيم طريق محمد صلّى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر «5» ، وهذا قويٌّ في المعنى، إلاَّ أنَّ تسمية أشخاصهم طريقاً فيه تجوُّز، ويجتمع من هذه الأقوال كلِّها أنَّ الدعوة هي أنْ يكون الداعي على سنن المنعم عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام وهو حالُ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلم وصاحبيه. وهذا الدعاء إِنما أمر به المؤمنون، وعندهم المعتقدات، وعند كل واحد بعض الأعمال، فمعنى قوله: اهْدِنَا فيما هو حاصل عندهم: التثبيتُ والدوام، وفيما ليس بحاصل، إِما من جهة الجهل به، أو التقصير في المحافظة عليه: طلب الإرشاد إليه، فكلّ

_ (1) أخرجه ابن جرير (1/ 173) (176) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 59) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 41) ، عن علي مرفوعا، وابن كثير (1/ 27) ، عن علي موقوفا عليه. وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري: والإسناد إلى علي بن أبي طالب فيه انهيار. (2) أخرجه ابن جرير (178) ، وصححه الحاكم (2/ 259) ، ووافقه الذهبي. وذكره الماوردي في تفسيره (1/ 59) ، والبغوي (1/ 41) ، وابن كثير (1/ 27) ، قال: صحيح، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 40) وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، والمحاملي في «أماليه» ، والحاكم. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. (3) محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد، الإمام المعروف ب «ابن الحنفية» أمه خولة بنت جعفر الحنفية، نسب إليها. عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه: إبراهيم، وعبد الله، والحسن، وعمرو بن دينار، وخلق. قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية. قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 440) ، و «تهذيب التهذيب» (9/ 354) ، و «الكاشف» (3/ 80) ، و «الثقات» (5/ 347) . (4) ذكره الماوردي في «تفسيره» (ص 59) ، وابن كثير (ص 27) ، وقال: صحيح. (5) أخرجه ابن جرير (1/ 105) برقم (184) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 59) ، والبغوي (1/ 41) ، وابن كثير (1/ ص 27، 28) ، وقال: صحيح. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 41) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جريج، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم في «المستدرك» ، عن ابن عباس، وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.

داع به إنما يريد الصراط بكماله في أقواله، وأفعاله، ومعتقداته واختلف في المشار إِليهم بأنه سبحانه أنعم عليهم، وقول ابن عبَّاس، وجمهور من المفسِّرين: أنه أراد صراط النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالِحِين، وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ... الآية [النساء: 66] إلى قوله: رَفِيقاً «1» . وقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، اعلم أنَّ حكم كل مضافٍ إلى معرفة أنْ يكون معرفة، وإنما تنكَّرت «غَيْرٌ» و «مِثْلٌ» «2» مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك إِذا قلْتَ: رأيتُ غَيْرَكَ، فكلُّ شيء سوى المخاطَبِ، فهو غيره وكذلك إِنْ قُلْتَ: رأيْتُ مثْلَكَ، فما هو مثله لا يحصى لكثرة وجوه المماثلة. والْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: اليهودُ، والضالُّون: النصارى قاله ابن مسعود، وابن عَبَّاس، مجاهد، والسُّدِّيُّ، وابن زيد «3» . وروى ذلك عديّ بن حاتم «4» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «5» ، وذلك بيِّن من كتاب اللَّه لأنَّ ذِكْرَ

_ (1) أخرجه ابن جرير (1/ 106) برقم (188) ، وقال أحمد شاكر في تحقيقه للطبري (1/ 178) (188) : في إسناده ضعف. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 75) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 42) . (2) هذا يكون في الإضافة المحضة المعنوية لا الإضافة غير المحضة اللفظية. (3) أخرجه الطبري (1/ 111- 114) بأرقام (200- 201- 202- 205- 214- 219) عن ابن زيد، ومجاهد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم. وذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (1/ 77) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 42- 43) . وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني روى عن أبيه، وعن وكيع وابن وهب، وقتيبة، وخلق. ضعّفه أحمد، وابن المديني، والنسائي، وغيرهم. توفي سنة (182) هـ. ينظر: «الخلاصة» (2/ 133) (4094) ، «الجرح والتعديل» (2/ 232- 233) ، و «المغني» (2/ 380) . (4) هو: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثعلب بن عمرو بن عوث بن طيّ ... وقيل في نسبه غير ذلك، أبو الطريف. وقيل: أبو وهب، الطائي. وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب بكرمه وجوده المثل، وكان هو أيضا كريما جوادا، وقد أسلم بعد أن كان نصرانيا. وروى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، وثبت هو وقومه بعد موت النبي صلّى الله عليه وسلم وردت كثير من العرب، فجاء إلى أبي بكر بصدقة قومه. وأخباره في الكلام كثيرة، وسيرته بين الصحابة شهيرة. توفي سنة (67) وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 8) ، «الإصابة» (4/ 228) ، «الثقات» (1/ 316) ، «الاستيعاب» (1057) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 376) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 322) ، «التاريخ الكبير» (7/ 43) ، «التاريخ الصغير» (1/ 148) ، «الجرح والتعديل» (7/ 2) . (5) أخرجه الترمذي (5/ 204) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب ومن سورة فاتحة الكتاب، حديث (2954) . -

(القول في"آمين")

8 ب غضَبِ اللَّه على اليهود متكرِّر فيه كقوله: وَباؤُ بِغَضَبٍ/ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: 112] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية [المائدة: 60] وغضب اللَّه تعالى، عبارة عن إظهاره عليهم محناً وعقوباتٍ وذِلَّةً، ونحو ذلك ممَّا يدلُّ على أنه قد أبعدهم عن رحمته بُعْداً مؤكَّداً مبالغاً فيه، والنصارى كان محقِّقوهم على شِرْعَةٍ قبل ورود شرعِ محمَّد صلّى الله عليه وسلم، فلما ورد، ضلُّوا، وأما غير متحقِّقيهم، فضلالتهم متقرِّرة منذ تفرَّقت أقوالهم في عيسى عليه السلام، وقد قال اللَّه تعالى فيهم: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة: 77] . وأجمع الناسُ على أنَّ عدد آي سورة الحمد سبْعُ آيات العالمين آية، الرحيم آية، الدين آية، نستعين آية، المستقيم آية، أنعمت عليهم آية، ولا الضالين آية، وقد ذكرنا عند تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أن ما ورد من خلاف في ذلك ضعيفٌ. (القَوْلُ فِي «آمِينَ» ) روى أبو هريرة وغيره عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا قَالَ الإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا «آمِينَ» ، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ فِي السَّماءِ تَقُولُ: «آميِنَ» ، فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ، غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه» «1» .

_ - وأحمد (4/ 378- 379) ، وابن حبان (1715- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 99- 100) ، رقم (237) ، والطبري في «تفسيره» (1/ 193- شاكر) ، رقم (208) والبيهقي في «دلائل النبوة» (5/ 340) ، كلهم من طريق سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم به مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث سماك بن حرب، وروى شعبة، عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم، عن النبي صلّى الله عليه وسلم الحديث بطوله. وصححه ابن حبان. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 43) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقد ورد هذا الحديث مرسلا. أخرجه سعيد بن منصور (179) ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم: «المغضوب عليهم: اليهود، والنصارى هم الضالون» . وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 43) ، وزاد نسبته إلى سفيان بن عيينة في «تفسيره» . وللحديث طرق أخرى ضعيفة أخرجها الطبري في «تفسيره» (1/ 193) . وللحديث أيضا شاهد من حديث أبي ذر، أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 30) . وحسنه الحافظ في «الفتح» (8/ 9) فقال: وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر. (1) أخرجه مالك (1/ 88) ، كتاب «الصلاة» ، باب التأمين خلف الإمام، الحديث (47) ، وأحمد (2/ 440) ، والبخاري (2/ 266) ، كتاب «الأذان» ، باب جهر المأموم بالتأمين، الحديث (782) ، ومسلم-

ت: وخرج مسلم وأبو داود والنسائيُّ من طريق أبي موسى رضي اللَّه عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ ليُؤمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا: «آمِينَ» ، يُجِبْكُمُ اللَّهُ ... » الحديثَ «1» . انتهى. ومعنى «آمِينَ» عند أكثر أهل العلم: اللَّهُمَّ، استجب، أو أجبْ «2» يَا رَبِّ. ومقتضى الآثار أنَّ كل داع ينبغي له في آخر دعائه أنْ يقول: «آمِينَ» ، وكذلك كل

_ - (1/ 310) ، كتاب «الصلاة» ، باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير، الحديث (87/ 415) ، وأبو داود (1/ 575) ، كتاب «الصلاة» ، باب التأمين وراء الإمام، الحديث (935) ، والنسائي (2/ 144) ، كتاب «الافتتاح» ، باب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة به بزيادة: «فإنه من وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذنبه» . وأخرجه عبد الرزاق (2/ 97) ، كتاب «الصلاة» ، باب آمين، الحديث (2644) بزيادة، فقال: ثنا معمر، عن الزهري، عن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقولوا: آمين، فإن الملائكة يقولون: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» . وأخرجه أحمد (2/ 233) ، والنسائي (2/ 144) ، كتاب «الافتتاح» ، باب جهر الإمام بآمين، من طريق معمر به. [.....] (1) أخرجه مسلم (2/ 283: 286- الأبي) ، كتاب «الصلاة» ، باب التشهد في الصلاة، حديث (62/ 404) ، وأبو داود (1/ 319- 320) ، كتاب «الصلاة» ، باب التشهد، حديث (972) ، والنسائي (2/ 196) ، كتاب «التطبيق» ، باب قوله، ربنا لك الحمد، حديث (1064) . وابن ماجة (1/ 276) ، كتاب «الصلاة» ، باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا، حديث (847) ، وأحمد (4/ 393، 394، 401، 405، 415) ، وابن خزيمة (1584، 1593) ، والبيهقي (2/ 96) ، كلهم من طريق حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا. (2) «آمين» ليست من القرآن إجماعا، ومعناها: استجب، فهي اسم فعل مبني على الفتح. وقيل: ليس اسم فعل، بل هو من أسماء الباري تعالى، والتقدير: يا آمين، وقد ضعف أبو البقاء هذا القول بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان ينبغي أن يبنى على الضم لأنه منادى مفرد معرفة. والثاني: أن أسماء الله تعالى توقيفية. وفي «آمين» لغتان: المد والقصر، تقول العرب: آمين، وأمين، قال الشاعر: [الطويل] تباعد عنّي فطحلّ إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا وقال المجنون: [البسيط] يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 54) ، و «الوسيط» (1/ 70) ، و «الدر المصون» (1/ 86) ، و «الزاهر» (1/ 161) ، و «غرائب النيسابوري» (1/ 75) ، وابن كثير (1/ 31) .

قارئ للحمدِ في غير صلاة، وأما في الصلاة، فيقولها المأموم والفَذُّ، وفي الإمام في الجهر اختلاف «1» . واختلف في معنى قوله صلّى الله عليه وسلم: «فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ» ، فقيل: في الإجابة، وقيل: في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجَّح أنَّ المعنى: فمن وافق في الوقْتِ مع خلوصِ النيةِ والإِقبالِ على الرغبة إِلى اللَّه بقلْبٍ سليمٍ فالإِجابة تتبع حينئذ لأِنَّ من هذه حاله، فهو على الصراط المستقيم. وفي «صحيح مُسْلِمٍ» وغيره عن أبي هريرة قال: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أثنى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهدنا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» «2» انتهى، وعند مالك: «فَهَؤُلاَءِ لِعَبْدِي» . وأسند أبو بكر بن الخَطِيبِ «3» عن نافعٍ «4» عن ابن عُمَرَ «5» قال: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلم: «من

_ (1) ذهب جماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الجهر بالتأمين، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، قال عطاء: كنت أسمع الأئمة- وذكر ابن الزّبير ومن بعده- يقولون: آمين، ويقول من خلفه: آمين، حتى إنّ للمسجد للجّة. ينظر: «شرح السنة» (2/ 208) . (2) تقدم تخريجه. (3) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، أحد حفاظ الحديث وضابطيه المتقنين. ولد سنة (392) ، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر ابن الصباغ، وشهرته في الحديث تغني عن الإطناب. قال ابن ماكولا: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله. وقال الشيرازي: كان أبو بكر يشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. مات (463) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 240) ، «طبقات السبكي» (3/ 12) ، «وفيات الأعيان» (1/ 76) . (4) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني عن ابن عمر، وأنس. وعنه ابن أخيه مالك بن أنس، والزهري. وثقه أبو حاتم وغيره. قال الواقدي: هلك في إمارة أبي العباس. ينظر: «تاريخ الإسلام» (5/ 307) ، «الثقات» (5/ 471) ، «تراجم الأحبار» (4/ 139) ، «تاريخ أسماء الثقات» (1473) ، «سير الأعلام» (5/ 283) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1404) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 409) (737) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (3/ 89) ، «الكاشف» (3/ 197) . (5) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن-

كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» انتهى من «تَارِيخِ بَغْدَاد» ولم يذكر في سنده مَطْعَناً. وقال ابن العربيِّ «1» في «أحكامه» «2» : والصحيحُ عندي وجوبُ قراءتها على المأمومِ فيما أسر فيه، وتحريمها فيما جهر فيه، إذا سمع/ الإِمام لِمَا عليه من وجوب الإِنصاتِ 9 أوالاستماع، فإِنْ بَعُدَ عن الإِمام، فهو بمنزلة صلاة السرِّ. انتهى. نجز تفسير سورة الحَمْدِ، والحَمْدُ للَّه بجميع محامده كلِّها ما علمْتُ منها، وما لم أعلم.

_ - عدي بن كعب بن لؤي بن غالب. أبو عبد الرحمن. القرشي، العدوي. ولد سنة: (3) من البعثة النبوية توفي سنة: (84) . ينظر ترجمته في: «الإصابة» (4/ 107) ، «أسد الغابة» (3/ 340) ، «الثقات» (3/ 209) ، «شذرات الذهب» (2/ 15) ، «الجرح والتعديل» (5/ 107) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 203) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 325) ، «تقريب التهذيب» (1/ 435) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 328) . (1) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، ولد (468) هـ.، من حفاظ الحديث بلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، صنف كتبا في الحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، والأدب، والتاريخ، وولي قضاء إشبيلية، من مؤلفاته «أحكام القرآن» و «المحصول» ، و «الناسخ والمنسوخ» ، وغيرها كثير، توفي (543) هـ. ينظر: «طبقات الحفاظ» للسيوطي، «وفيات» (1/ 489) ، «نفح الطيب» (1/ 340) ، «قضاة الأندلس» (105) ، «جذوة الاقتباس» (2160) ، «الأعلام» (6/ 230) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 5) .

تفسير سورة البقرة

بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما تفسير سورة البقرة «1» هذه السورة مدنيّة نزلت في مدد شتّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلم،

_ (1) هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسان. وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات. ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم. وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية وأساليب الكتب التشريعية وأساليب التذكير والموعظة. يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده، وانتظارهم لبيان مقصده، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن، فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعا على نفوسهم، فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] الآيات. فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي، وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين- ابتدئ بذكرهم، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفي المشركين الصرحاء، والمنافقين، لف الفريقان لفا واحدا، فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا لدخائلهم، ورد مطاعنهم، ثم كان خاتمة ما قرعت من أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بدءا تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم، فكان ذلك من رد العجز على الصدر، فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعا، وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم، ومنّه على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها، فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن، وأنفذ الفرق قولا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل-

وهي: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ

_ - العلم، ومظنة اقتداء العامة لهم من قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: 40] الآيات، فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه لهم، ووصف ما لاقوا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافا بلغ بهم حد الكفر، وذلك جامع لخلاصة تكوين أمة إسرائيل وجامعتهم في عهد موسى ثم ما كان من أهم أحداثهم مع الأنبياء الذين قفوا موسى إلى أن تلقوا دعوة الإسلام بالحسد والعداوة حتى على الملك جبريل وبيان أخطائهم لأن ذلك يلقي في النفوس شكا في تأهلهم للاقتداء بهم. وذكر من ذلك نموذجا من أخلاقهم في تعلق الحياة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: 96] ومحاولة العمل بالسحر وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: 102] إلخ، وأذى النبي بموجبة الكلام لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: 104] . ثم قرن اليهود والنصارى والمشركين في قرن حسدهم المسلمين والسخط على الشريعة الجديدة ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ- إلى قوله- وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 105- 112] ثم ما أثير من الخلاف بين اليهود والنصارى، وادعاء كل فريق أنه هو المحق وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ- إلى- يَخْتَلِفُونَ [البقرة: 112] ثم خص المشركين بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، وسمحوا بذلك في خرابه، وأنهم تشابهوا في ذلك هم واليهود والنصارى واتحدوا في كراهية الإسلام. والاحتراز عن إجابتها في الذين كفروا منهم، وأن الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ملة إبراهيم، وأن من ذلك الرجوع إلى استقبال الكعبة، ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وذكر شعائر الله بمكة، وإبكات أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة، وإن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: 177] وذكروا بنسخ الشرائع لصلاح الأمم، وأنه لا بدع في نسخ شريعة التوراة أو الإنجيل بما هو خير منهما. ثم عاد إلى محاجة المشركين بآثار صنعة الله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ [البقرة: 164] إلخ ومحاجة المشركين في يوم يتبرءون فيه من قادتهم، وإبطال مزاعم دين الفريقين في محرمات من الأكل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: 172] وقد كمل ذلك بذكر صنف من الناس قليل، وهم المشركون الذين لم يظهروا الإسلام ولكنهم أظهروا مودة المسلمين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: 204] . ولما قضى حق ذلك كله بأبدع بيان وأوضح برهان انتقل إلى قسم تشريعات الإسلام إجمالا بقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: 177] ثم تفصيلا: القصاص، الوصية، الصيام، الاعتكاف، الحج، الجهاد، ونظام المعاشرة والعائلة والمعاملات المالية، والإنفاق في سبيل الله والصدقات، والمسكرات، واليتامى، والمواريث، والبيوع، والربا، والديون، والإشهاد، والرهن، والنكاح، وأحكام النساء والعدة والطلاق، والرضاع، والنفقات، والأيمان. وختمت السورة بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية، وذلك من جوامع الكلم فكان هذا الختام تذليلا وفذلكة: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [البقرة: 284] الآيات. وكانت في خلال ذلك كله أغراض شتى سيقت في معرض الاستطراد في متفرق المناسبات تجديدا-

[البقرة: 281] ، ويقال لسورة البقرة: «فسطاط القرآن» ، وذلك لعظمها وبهائها، وما تضمّنت من الأحكام والمواعظ، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا، وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل، وأعطيت طه والطّواسين «1» من ألواح موسى «2» ، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش» «3» . ت: وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحديث بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة. خرّج الحاكم أبو عبد الله «4» في «المستدرك على الصحيحين»

_ - لنشاط القارئ والسامع كما يسفر وجه الشمس إثر نزول الغيوث الهوامع، وتخرج بوادر الزهر عقب الرعود القوارع- من تمجيد الله وصفاته اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة: 255] ورحمته، وسماحة الإسلام، وضرب أمثال أَوْ كَصَيِّبٍ [البقرة: 19] واستحضار نظائر وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [البقرة: 74] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة: 243] ، وعلم، وحكمة، ومعاني الإيمان والإسلام، وتثبيت المسلمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [البقرة: 153] والكمالات الأصلية، والمزايا التحسينية، وأخذ الأعمال والمعاني من حقائقها وفوائدها لا من هيئاتها، وعدم الاعتداد بالمصطلحات إذا لم ترم إلى غايات وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: 189] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: 177] وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: 217] والنظر والاستدلال، ونظام المحاجة، وأخبار الأمم الماضية والرسل وتفاضلهم، واختلاف الشرائع. ينظر: «التحرير» (1/ 203- 206) . (1) وهي السور المبدوءة ب «طس» أو «طسم» . [.....] (2) «موسى» اسم عبراني معرب عن «موشى» ، «مو» بالعبرانية: الماء، و «شى» الشجر، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر. وهو اسم نبي بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وهو علم أعجمي لا يقضى عليه بالاشتقاق، وإنما يشتق «موسى الحديد» . ينظر: «التبيان» (1/ 63) . وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل. «الكامل» لابن الأثير (1/ 169) . (3) أخرجه الحاكم (1/ 561) ، (2/ 259) ، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 485) ، رقم (2478) ، كلاهما من طريق عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار به مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: عبيد الله، قال أحمد: تركوا حديثه. (4) محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبي، الطهماني، الحافظ أبو عبد الله، الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب «المستدرك» ، وغيره من الكتب المشهورة، كان مولده سنة (321) ، ورحل في طلب الحديث، وسمع الكثير على شيوخ يزيدون على ألفين، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي الوليد النيسابوري وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم، أخذ عنه أبو بكر البيهقي وصنف المصنفات الكثيرة. مات سنة (405) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 193) ، «لسان الميزان» (5/ 232) .

عن معقل بن يسار «1» رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أعملوا بالقرآن أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبرونكم، وآمنوا بالتّوراة والإنجيل والزّبور وما أوتي النّبيّون من ربّهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنّه شافع مشفّع، وما حل» مصدّق، وإنّي أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل وأعطيت طه والطّواسين والحواميم «3» من الواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» «4» ، ما حل بالمهملة، أي: ساع، وقيل: خصم. انتهى من «السّلاح» . وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنّهما غيايتان «5» ، بينهما شرق، أو غمامتان سوداوان، أو كأنّهما ظلّة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما» «6» . ت: أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهليّ «7» رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه

_ (1) معقل بن يسار المزني، أبو علي، بايع تحت الشجرة. له أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر، ومسلم بحديثين وعنه عمران بن حصين. مات في خلافة معاوية. ينظر: «الخلاصة» (3/ 45) ، و «تهذيب التهذيب» (10/ 235) ، و «الثقات» (3/ 392) . (2) أي: خصم مجادل مصدق. وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان، إذا سعي به إلى السلطان، يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به. ينظر: «النهاية» (4/ 303) . (3) يعني السور المبدوءة ب «حم» . (4) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/ 578) كتاب «معرفة الصحابة» باب معقل بن يسار وسكت عنه هو والذهبي. (5) الغياية: السحابة المنفردة، أو هي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه. ينظر: «النهاية» (3/ 403) ، و «لسان العرب» (3332) . (6) سيأتي تخريجه. (7) هو: صدي بن عجلان بن الحارث وقيل: عجلان بن وهب ... أبو أمامة. الباهلي. السهمي. سكن «مصر» ثم انتقل منها فسكن «حمص» من الشام، ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين. وقال ابن الأثير في موضع آخر. روى عنه سليم بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو غالب حزور، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد، وغيرهم. توفي سنة (81) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 16) ، (6/ 16) ، «الإصابة» (7/ 9) ، «الاستيعاب» (4/ 1602) «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 148) ، «بقي بن مخلد» (17) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 415) .

اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران فإنّهما يأتيان كأنّهما غمامتان، أو كأنّهما غيايتان، أو كأنّهما فرقان «1» من طير صوّاف يحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» ، قال معاوية «2» : بلغني أنّ البطلة: السّحرة «3» ، فقوله صلّى الله عليه وسلم: «غمامتان» ، يعني: سحابتين بيضاوين، والغيايتان بالغين المعجمة. أبو عبيد: الغياية كلّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، وهو مثل السحابة، وفرقان بكسر الفاء، أي: جماعتان. انتهى من «السلاح» . وروى أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وسلم، أنه قال: «لكلّ شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية هي سيّدة آي القرآن، هي آية الكرسيّ» «4» ، وفي «البخاريّ» أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «من قرأ

_ (1) الفرقان: القطعتان. ينظر: «النهاية» (3/ 440) . (2) هو: معاوية بن صخر (أبي سفيان) بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن. القرشي. الأموي. أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، والقول الأول أشهر على الصحيح من الأقوال. وهو خال المؤمنين، وكاتب النبي صلّى الله عليه وسلم وهو الذي طالب بدم عثمان، فكان من الحروب بينه وبين عليّ ما كان، وإسلامه وحروبه وإمارته شهيرة جدّا، ولا يتسع المقام للحديث عنه. توفي في رجب سنة (60) هـ. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 209) ، «الإصابة» (6/ 112) ، «الاستيعاب» (3/ 1416) ، «الاستبصار» (40، 67) ، «الكاشف» (3/ 157) ، «الأعلام» (7/ 261) ، «شذرات الذهب» (1/ 418) ، «العبر» (1/ 549) ، «العقد الثمين» (7/ 227) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 207) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1344) ، «التاريخ الكبير» (7/ 326) . (3) أخرجه مسلم (1/ 553) ، كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث (252) ، وأحمد (5/ 249) ، والطبراني في «الكبير» (8/ 139) ، رقم (7544) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 395) ، كتاب «الصلاة» ، باب المعاهدة على قراءة القرآن، وفي «شعب الإيمان» (2/ 451) ، رقم (2372) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 19- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام أنه سمع أبا أمامة، فذكره. وللحديث شاهد من حديث النواس بن سمعان الكلابي: أخرجه مسلم (1/ 553) كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة، حديث (253) ، والترمذي (5/ 160) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في سورة آل عمران، حديث (2883) . والبيهقي في «شعب الإيمان» (2373) ، عن النواس بن سمعان بنحو حديث أبي أمامة. (4) أخرجه الترمذي (5/ 157) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (2878) ، وعبد الرزاق (3/ 376- 377) ، رقم (6019) ، والحميدي (2/ 437) ، رقم (994) ، والحاكم (1/ 560- 561) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 452) ، رقم (2375) ، وابن عدي في «الكامل» (2/ 637) . كلهم من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. -[.....]

بالآيتين مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ/ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «1» وروى أبو هريرة عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: 9 ب

_ - وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه اه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه والشيخان لم يخرجا عن حكيم لوهن في رواياته، وإنما تركاه لغلوه في التشيع. ووافقه الذهبي. قلت: والشيخان لم يتركا حكيم لتشيعه فقط، إنما لضعفه أيضا. فقال الحافظ في «التقريب» (1468) : ضعيف، رمي بالتشيع، ولأول الحديث شاهد من حديث سهل بن سعد: أخرجه أبو يعلى (13/ 547) ، رقم (7554) ، وابن حبان (1727- موارد) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 6) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (1/ 101) ، والطبراني في «الكبير» (6/ 163) ، رقم (5864) كلهم من طريق خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به. وخالد بن سعيد، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح. والنسائي في «الكبرى» (5/ 14) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب الآيتان من سورة البقرة، حديث (8020) ، والحميدي (1/ 215) ، رقم (452) ، وعبد الرزاق (3/ 377) ، رقم (6021) ، وابن خزيمة (2/ 180) ، رقم (1141) ، كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود به مرفوعا. وعند بعضهم: قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود في الطواف فسألته عنه، فحدثني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ... ، وذكر الحديث وللحديث طرق أخرى واختلاف فيها تكلم عليها الحافظ علي بن عمر الدارقطني في كتابه القيم «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» (6/ 171- 174) . (1) أخرجه البخاري (8/ 672) ، كتاب «فضائل القرآن» : باب فضل سورة البقرة، حديث (5009) ، ومسلم (1/ 555) ، كتاب «صلاة المسافرين» : باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (255/ 807) ، وأبو داود (1/ 444) ، كتاب «الصلاة» ، باب تحزيب القرآن، حديث (1397) ، والترمذي (5/ 159) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في آخر سورة البقرة، حديث (2881) ، والنسائي في «الكبرى» ، (5/ 9) كتاب «فضائل القرآن» ، باب سورة كذا وسورة كذا، حديث (8003) ، و (5/ 14) ، باب الآيتان من آخر سورة البقرة، حديث (8018) ، وأحمد (4/ 121، 122) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص 105- 106) ، رقم (233) ، وعبد الرزاق (3/ 377) ، رقم (6020) ، والدارمي (1/ 288) ، وسعيد بن منصور (475) ، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص- 83) ، رقم (161) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 204- 205) رقم (550، 552) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» ، (3/ 20) ، كتاب «الصلاة» ، باب كم يكفي الرجل قراءة القرآن في ليله، وفي «شعب الأيمان» (2/ 462) ، رقم (2405، 2406) ، كلهم من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت أحدّث عن أبي مسعود حديثا فلقيته وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدث عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: والذي حدث عبد الرحمن بن يزيد بهذا الحديث هو علقمة بلا شك فأخرجه البخاري (8/ 712) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب في كم يقرأ القرآن، حديث (5051) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 1 إلى 3]

«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «1» . ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «2» ، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» . وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون. [سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) قوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين «3» فقال

_ (1) الحديث بهذا اللفظ عن عبد الله بن المغفل ذكره الهيثمي في «معجم الزوائد» (6/ 315) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه عدي بن الفضل، وهو ضعيف. أما الحديث الذي ورد عن أبي هريرة في هذا المعنى، فأخرجه مسلم (1/ 539) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» . (2) أخرجه مسلم (1/ 554) ، كتاب: «الإيمان» ، باب: في ذكر سدرة المنتهى، حديث (254/ 806) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 15) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب «الآيتان من آخر سورة البقرة» ، حديث (8021) ، والبغوي في «شرح السنة» (2/ 23- بتحقيقنا) ، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. (3) إنه مما علم باستقراء كتاب الله تعالى أن تسعا وعشرين سورة من القرآن الكريم قد افتتحت بحروف مقطعة، من جنس كلام العرب. وبداية، فإن هذه الحروف لم ينقل عن العرب دلالات لها، ولو كانت لها دلالات لتواتر النقل عليها، ولنقل ذلك علماء الصحابة وأئمتهم، وهذا الأمر- أعني افتتاح السور بها- لهو في حد ذاته نوع من التحدي للقيام بالكشف عن أسرارها والتفكر فيها. ولما لم يذكر عن الغرب لها دلالات فقد كان للعلماء بشأنها موقفان: أولهما: ذهب الشعبي وسفيان الثوري، وجماعة من أهل الحديث إلى أنها سر الله في القرآن، وهي من المتشابه. وثانيهما: وهو ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم: أنه يجب أن يتكلم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها. وقد كان لابن عباس ترجمان القرآن النصيب الأوفر من الأقوال في هذه الأحرف. وجاء المفسرون من بعده، فاتسعوا في تحديد معاني هذه الفواتح، فقد ذكروا منها: أنها: -

الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت «1» ، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً. فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها «2» . وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها «3» ، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى «4» ، وقال قوم:

_ - 1- اسم الله الأعظم. 2- قسم أقسم الله به وهو من أسمائه. 3- أسماء للسور التي وردت فيها. 4- اسم من أسماء القرآن. 5- فواتح يفتح الله بها القرآن. 6- لكل كتاب سر، وسر القرآن فواتحه. 7- حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كل حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر. 8- حروف هجاء موضوع. 9- حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة. 10- ابتدئت بذلك السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين. 11- علامات لأهل الكتاب أنه سينزل على محمد كتاب يفتتح بالحروف المقطعة. 12- حروف من حساب الجمل. ينظر: «البرهان» (1/ 169) ، و «جامع البيان» (1/ 205) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 81) ، و «مفاتيح الغيب» (2/ 3) ، و «البحر المحيط» (1/ 154) . (1) ذكره السمرقندي في تفسيره (1/ 87) ، والبغوي (1/ 44) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 82) ، والقرطبي (1/ 133- 134) . (2) أخرجه ابن جرير (1/ 119) ، (233) مختصرا. وذكره السمرقندي في «تفسيره» (1/ 87) ، عن علي بلفظ «وهو اسم من أسماء الله تعالى» . وابن عطية في «تفسيره» (1/ 82) ، وابن كثير (1/ 36) ، القرطبي (1/ 134) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 54) ، بلفظ «اسم الله أعظم» ، وعزاه لابن جريج وابن أبي حاتم. (3) أخرجه ابن جرير (1/ 119) (236) ، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 82) ، والبغوي (1/ 44) ، بلفظ «أنها أقسام» عن ابن عباس، والماوردي في «تفسيره» (1/ 64) وابن كثير (1/ 36) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 54) ، وعزاه لابن مردويه. (4) أخرجه ابن جرير (1/ 119) برقم (239) بلفظ: «أنا الله أعلم» . وفي (6/ 525) برقم (17534) ، -

هي حسابُ أَبِي جَاد «1» لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد صلّى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب «2» ، وهو قول أبي العالية وغيره «3» . ت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ «4» في «الرَّوْضِ الأُنُفِ» ، فانظره. قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ» : الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب. واختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب. واختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره.

_ - بلفظ: «أنا الله أرى» . والسيوطي في «الدر» (1/ 54) ، بلفظ: «أنا الله أعلم» ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس. وفي (3/ 534) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ، وابن النجار في «تاريخه» ، وذكره القرطبي (1/ 135) ، وابن كثير (1/ 36) ، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 82) . (1) وأبو جاد: الكلمة الأولى من الكلمات الثماني التي تجمع حروف الهجاء العربية. ويقال: أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لقي أعرابيّا فسأله: هل تحسن القراءة؟ فقال: نعم، قال: فاقرأ أم القرآن، فقال الأعرابي: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟!، فضربه عمر، وأسلمه إلى الكتّاب، فمكث حينا ثم هرب، ولما رجع إلى أهله أنشدهم [الوافر] : أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أسطر متتابعات وخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصا وقريشيات وما أنا والكتابة والتهجي ... وما حظ البنين مع البنات ينظر: «المعجم الكبير» (1/ 22، 23) . (2) حييّ بن أخطب النضري: جاهلي، من الأشداء العتاة. كان ينعت ب «سيد الحاضر والبادي» . أدرك الإسلام، وآذى المسلمين فأسروه يوم «قريظة» . ثم قتلوه. ينظر: «سيرة ابن هشام» (2/ 148- 149) ، «تهذيب الأسماء» (1/ 171) ، و «الأعلام» (2/ 292) . (3) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 82) والسيوطي في «الدر» (1/ 56) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....] (4) عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي: حافظ، عالم باللغة والسير، ضرير. ولد في «مالقة» ، وعمي وعمره (17 سنة) . ونبغ فاتصل خبره بصاحب «مراكش» فطلبه إليها وأكرمه، فأقام يصنّف كتبه، من كتبه «الروض الأنف» في شرح «السيرة النبوية» لابن هشام، وغيرها من الكتب في التفسير. ولد سنة (508 هـ.) ، وتوفي سنة (581 هـ.) . انظر: «وفيات الأعيان» (1/ 28) ، «نكت الهميان» (187) ، «زاد المسافر» (96) «الأعلام» (3/ 313) .

ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله: لِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى» ، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه. قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. يُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه: يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه: يظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ. ت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها. انتهى. قال ص «1» : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر. انتهى. وقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ «2» عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع 10 أ

_ (1) «المجيد» ص 84. (2) اختلف العلماء في تعريف الرزق في عرف الشرع، فقال أبو الحسين البصري من المعتزلة: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا الله تعالى الأموال. فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالا فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص. واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا. وقال الأشاعرة: الحرام قد يكون رزقا، وحجتهم من وجهين: الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام، فذلك الحرام صار حظا ونصيبا، فوجب أن يكون رزقا له. الثاني: أنه تعالى قال: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: 6] وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا. وقد احتج المعتزلة بالكتاب، والسنة، والمعنى: أما الكتاب فعدة وجوه: أحدها: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 3] مدحهم الله تعالى على الإنفاق مما رزقهم، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وهذا باطل بالاتفاق. ثانيها: قالوا: لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله سبحانه: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [المنافقون: 10] ، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه، بل يجب عليه-

[سورة البقرة (2) : الآيات 4 إلى 7]

به، حلالا كان أو حراما، ويُنْفِقُونَ: معناه هنا: يؤْتُونَ ما ألزمهُمُ الشرعُ من زكاةٍ، وما ندبهم إِلَيْهِ من غير ذلك. [سورة البقرة (2) : الآيات 4 الى 7] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: اختلف المتأوِّلون من المراد بهذه الآية والتي قبلها، فقال قوم: الآيتان جميعاً في جميع المؤمنينَ، وقال آخرون: هما في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتاب، وقال آخرون: الآية الأولى في مُؤْمِنِي العربِ، والثانيةُ في مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام «1» وفيه نزلت.

_ - رده فدل ذلك على أن الحرام لا يكون رزقا. ثالثها: استدلوا بقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: 59] . فبين سبحانه أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله فثبت أن الحرام لا يكون رزقا. وأما السنة، فما رواه أبو الحسين البصري بإسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرة، فقال له: يا رسول الله! إن الله كتب علي الشقوة، فلا أراني أرزق إلا من دفّي بكفي، فائذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال عليه السلام «لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت، أي عدو الله: لقد رزقك الله رزقا طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا» وأما المعنى، فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام، وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال: إنه رزقه إياه ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان الكل من الله، لكنه كما يقال: يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [الإنسان: 6] فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضا من العباد، وكذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقا أيضا، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا لأن قوله عليه السلام: «فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه» صريح في أن الرزق قد يكون حراما. وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة، وهو أن الحرام هل يسمى رزقا أم لا؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ. والله أعلم. ينظر: «الفخر الرازي» (2/ 28، 29) . (1) هو: عبد الله بن سلام بن الحارث.. من ذرية يوسف (عليه السلام) . أبو يوسف، حليف النوافل من الخزرج «الإسرائيلي» ، الأنصاري. -

وقوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يعني القرآن، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني: الكتب السالفة، ويُوقِنُونَ معناه: يعلَمُونَ عِلْماً متمكِّناً في نفوسهم، واليقين أعلى درجات العلم. وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ إِشارة إِلى المذكورين، والهدى هنا: الإِرشاد، والفلاحُ: الظَّفَر بالبغية، وإدراك الأمل. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ... إلى عَظِيمٌ: اختلف فيمن نزلَتْ هذه الآية بعد الاتفاق على أنها غير عامَّة لوجود الكفار قد أسلموا بعدها، فقال قوم: هي فيمن سبق في علْمِ اللَّه، أنه لا يؤمِنُ، وقال ابن عَبَّاسٍ: نزَلَتْ في حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ، وأَبِي ياسِرِ بنِ أَخْطَبَ، وكعب بن الأَشْرَفِ «1» ، ونظرائهم «2» . والقولُ الأول هو المعتمد عليه. وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ معناه: معتدلٌ عندهم، والإِنذار: إعلام بتخويف، هذا حدُّه، وقوله تعالى: خَتَمَ: مأخوذ من الخَتْم، وهو الطبعُ، والخاتَمُ: الطابَعُ قال في مختصر الطبريِّ: والصحيح أن هذا الطبع حقيقة «3»

_ - قال ابن الأثير في «الأسد» : كان إسلامه لما قدم النبي المدينة مهاجرا. روى عنه ابناه يوسف، ومحمد، وأنس بن مالك، وزرارة بن أوفى، وكان قد ذكر قبل ذلك أنه كان اسمه في الجاهلية «الحصين» ، فسماه رسول الله حين أسلم عبد الله. توفي سنة (43) هـ. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 264) ، «الإصابة» (4/ 80) ، «الثقات» (3/ 228) ، «نقعة الصديان» (245) ، «عنوان النجابة» (124) ، «شذرات الذهب» (1/ 40) ، «تقريب التهذيب» (1/ 422) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 249) . (1) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، شاعر جاهلي. كانت أمه من «بني النضير» فدان باليهودية. وكان سيدا في أخواله. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجوم النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم، والتشبيب بنسائهم، وخرج إلى مكة بعد وقعة «بدر» فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة. وأمر النبي صلّى الله عليه وسلم بقتله، فانطلق إليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهر حصنه سنة (3 هـ.) وحملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة. ينظر: «الروض الأنف» (2/ 123) ، «إمتاع الأسماع» (1/ 107) ، «ابن الأثير» (2/ 53) ، «الطبري» (3/ 2) ، «الأعلام» (5/ 225) . (2) الطبري (1/ 141) برقم (295) وذكره السمرقندي (1/ 91- 92) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 87) ، والماوردي (1/ 72) ، والقرطبي (1/ 160) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 65) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير (1/ 45) . (3) قال ابن فارس في «فقه اللغة» : الحقيقة من قولنا: حقّ الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقق، -

لا أنه مجاز «1» فقد جاء عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً، نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ واستغفر، صُقِلَ «2» قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ، زَادَتْ حتى تَغَلَّقَ قلبه، فذلك

_ وهو المحكم يقال: ثوب محقّق النّسج: أي محكمه. فالحقيقة: الكلام الموضوع موضعه الذي ليس باستعارة، ولا تمثيل، ولا تقديم فيه، ولا تأخير كقول القائل: أحمد الله على نعمه وإحسانه. وهذا أكثر الكلام، وأكثر آي القرآن وشعر العرب على هذا. وينظر: «البحر المحيط» للزركشي (2/ 152) ، «سلاسل الذهب» له ص (182) ، «التمهيد» للأسنوي ص (185) ، «نهاية السول» له (2/ 145) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 327) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري» (ص 46) . (1) المجاز مأخوذ من جاز يجوز إذا استنّ ماضيا، تقول: جاز بنا فلان، وجاز علينا فارس هذا هو الأصل. ثم تقول: يجوز أن تفعل كذا: أي ينفذ ولا يرد ولا يمنع. وتقول: عندنا دراهم وضح وازنة، وأخرى تجوز جواز الوازنة: أي: إن هذه وإن لم تكن وازنة فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها. فهذا تأويل قولنا: «مجاز» يعني: أن الكلام الحقيقي يمضي لسننه لا يعترض عليه، وقد يكون غيره يجوز جوازه لقربه منه، إلا أن فيه من تشبيه واستعارة وكفّ ما ليس في الأوّل وذلك كقولنا: عطاء فلان مزن واكف. فهذا تشبيه، وقد جاز مجاز قوله: عطاؤه كثير واف. ومن هذا قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: 16] . فهذا استعارة. وقال ابن جني في «الخصائص» : الحقيقية ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضد ذلك، وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة: وهي الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عدمت الثلاثة تعيّنت الحقيقة فمن ذلك قوله صلّى الله عليه وسلم في الفرس: «هو بحر» ، فالمعاني الثلاثة موجودة فيه. ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (2/ 158) ، «سلاسل الذهب» له ص (190) ، «التمهيد» للأسنوي ص (185) ، «نهاية السول» له (2/ 145) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 354) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص (47) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي، (1/ 221) ، «المستصفى» للغزالي (1/ 341) ، «حاشية البناني» (1/ 304) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 273) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (2/ 152) ، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني ص (387) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (1/ 399) ، «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 14، 2/ 405) ، «الإحكام في أصول الأحكام» (4/ 437) ، «التحرير» لابن الهمام ص (160) ، «تيسير التحرير لأمير بادشاه» (1/ 73، 2/ 3) ، «كشف الأسرار» للنسفي (1/ 226) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (1/ 138) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (1/ 72) ، «حاشية نسمات الأسحار» لابن عابدين ص (98) ، «شرح مختصر المنار» للكوراني ص (59) ، «الوجيز» للكراماستي ص (8) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (1/ 527) ، «تقريب الوصول» لابن جزي ص (73) ، «إرشاد الفحول» للشوكاني ص (22) ، «نشر البنود» للشنقيطي (1/ 124) ، «الكوكب المنير» للفتوحي ص (39- 56) ، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (2/ 2) . (2) الصّقل: الجلاء. ينظر: «لسان العرب» (2473) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 8 إلى 12]

الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ» «1» [المطففين: 14] » انتهى. والغِشَاوَةُ: الغطاء المغشي الساتر، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: معناه: لِمخالفتِكَ يا محمَّد، وكفرهم بالله، وعَظِيمٌ: معناه بالإضافة إلى عذاب دونه. [سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 12] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ... إِلَى وَما يَشْعُرُونَ: هذه الآية نزلت في المنافقين، وسَمَّى اللَّهُ تعالى يوم القيامة اليَوْمَ الآخِرَ لأنه لا ليل بعده، ولا يقالُ يوم إِلا لما تقدَّمه ليل، واختلف المتأوِّلون في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ، فقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى يُخَادِعُون رسول اللَّه «2» ، فأضافَ الأمرَ إلى اللَّه تجوُّزاً لتعلُّق رسوله به، ومخادعتُهم هي تحيُّلهم في أن يُفْشِيَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمؤمنون إليهم أسرارهم. ع «3» : تقول: خادَعْتُ الرجُلَ بمعنى: أعملْتُ التحيُّل عليه، فَخَدَعْتُهُ، بمعنى: تمَّت عليه الحيلة، ونفذ فيه المرادُ، وقال جماعةٌ: بل يخادعون اللَّهَ والمؤمنين بإِظهارهم من الإِيمان خلافَ ما أبطنوا من الكفر، وإِنما خدعوا أنفسهم لحصولهم في العذاب، وَما يَشْعُرُونَ بذلك، معناه: وما يعلمون علْمَ تفطُّن وتَهَدٍّ، وهي لفظة مأخوذة من

_ (1) أخرجه أحمد (2/ 297) ، والترمذي (5/ 434) ، كتاب «تفسير القرآن» ، باب ومن سورة ويل للمطففين، حديث (3334) ، والنسائي في «التفسير» (2/ 505) ، رقم (678) ، وفي «الكبرى» (6/ 110) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يفعل من بلي بذنب وما يقول، حديث (10251) ، وابن ماجه (2/ 1418) ، كتاب «الزهد» باب ذكر الذنوب، حديث (4244) ، والطبري في «تفسيره» (30/ 62) ، والحاكم (2/ 517) ، وابن حبان (3/ 210) ، رقم (930) ، و (1771- موارد) ، كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 539) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» . (2) ذكره ابن عطية (1/ 90) ، والقرطبي (1/ 170) . [.....] (3) «المحرر الوجيز» (1/ 90) .

الشِّعَار كأن الشيء المتفطَّن له شعار للنَّفْس، وقولهم: لَيْتَ شِعْرِي: معناه: ليت فطنتي تُدْرِكُ. واختلف، ما الذي نَفَى/ اللَّه عنهم أنْ يشعروا له؟ فقالت طائفة: وما يَشْعُرُونَ أنَّ ضرَرَ تلْكَ المخادَعَةِ راجعٌ عليهم لخلودهم في النَّار، وقال آخرون: وما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّه يكشف لك سرّهم ومخادعتهم في قولهم: آمَنَّا. قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أي: في عقائدهم فسادٌ «1» ، وهم المنافقون، وذلك إما أن يكون شكًّا، وإما جحدًا بسبب حسدهم مع علمهم بصحَّة ما يجحدون، وقال قوم: المَرَضُ غمّهم بظهوره صلّى الله عليه وسلم، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً، قيل: هو دعاءٌ عليهم، وقيل: هو خبر أنَّ اللَّه قد فعل بهم ذلك، وهذه الزيادة هي بما ينزل من الوحْيِ، ويظهر من البراهين. ت: لما تكلَّم ع: على تفسير قوله تعالى: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [الفتح: 6] . قال «2» : كُلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فَإنَّما هو بمعنى إيجاب الشيء لأَنَّ اللَّه تعالى لا يدعو على مخلوقاته، وهي في قبضته، ومن هذا: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ [الهمزة: 1] ، وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين: 1] ، وهي كلها أحكام تامَّة تضمنها خبره تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي: مؤلم، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي: بالكفر وموالاةِ الكفرةِ ولقول المنافقين: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ثلاثُ تأويلاتٍ: أحدها: جحد أنهم يفسدون، وهذا استمرار منهم على النِّفاق. والثاني: أنّ يقروا بموالاة الكُفَّار ويدَّعون أنها صلاحٌ من حيث هم قرابةٌ توصل. والثالث: أنهم يصلحون بين الكفار والمؤمنين.

_ (1) وفي تفسير «المرض» قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وجميع المفسرين: أي شك ونفاق. وقال الزجاج: المرض في القلب: كل ما خرج به الإنسان من الصحة في الدين. ينظر: «الوسيط» (1/ 87) ، «صحيفة ابن أبي طلحة» (ص 78) ، و «معاني الزجاج» (1/ 86) ، ونسبه إلى أبي عبيدة، و «غريب القرآن» (ص 41) ، و «الدر المنثور» (1/ 30) عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، والربيع، وينظر: «مجاز القرآن» (1/ 32) ، و «الزاهر» (1/ 586) . (2) «المحرر الوجيز» (3/ 73) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 13 إلى 16]

و «أَلاَ» : استفتاحُ كلامٍ، و «لكن» : حرف استدراك، ويحتمل أن يراد هنا: لا يَشْعُرُونَ أنهم مفسدون، ويحتمل أن يراد: لا يشعرون أن الله يفضحهم. [سورة البقرة (2) : الآيات 13 الى 16] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ... الآية: المعنى: صدِّقوا بمحمَّد وشرعه كما صدَّقَ المهاجرون والمحقِّقون من أهل يثرب، قالوا: أنكون كالذين خَفَّت عقولهم، والسفه: الخفَّة والرقَّة الداعيةُ إِلى الخفة، يقال: ثوب سَفِيهٌ، إِذا كان رقيقًا هَلْهَلَ النَّسْجِ، وهذا القول إِنما كانوا يقولونه في خفاء، فَأَطْلَعَ اللَّه عليه نبيَّه عليه السلام، والمؤمنين، وقرر أن السفه ورقَّة الحلوم وفساد البصائرِ إِنما هو في حيِّزهم وصفةٌ لهم، وأخبر أنهم لا يعلمون أنهم السفهاء لِلرَّيْنِ الَّذي على قلوبهم. وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: هذه كانت حالَ المنافقين: إِظهارُ الإيمان للمؤمنين، وإِظهار الكفر في خلواتهم، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم يعرض عنهم، ويَدَعُهُمْ في غمرة الاشتباه مخافة أن يتحدَّثَ الناسُ عنه أنه يقتُلُ أصحابه حَسْبَمَا وقع في قِصَّة عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابْنِ سَلُول «1» ، قال مَالِكٌ: النِّفَاقُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم هو الزندقةُ اليَوْمَ، واختلف المفسِّرون في المراد بشياطينهم، فقال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما: هم رؤساء الكفر «2» ، وقيل: الكُهَّان، قال البخاريُّ: قال مجاهدٌ: إِلى شَياطِينِهِمْ، أي: أصحابهم من المنافقين والمشركين «3» . قال ص «4» : شياطينهم: جمع شيطانٍ، وهو كل متمرّد من الجنّ والإنس

_ (1) عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب، المشهور ب «ابن سلول» ، وسلول جدته لأبيه، من «خزاعة» ، رأس المنافقين في الإسلام، من أهل المدينة. كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم. كان كلما نزلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها. لما مات تقدّم النبي صلّى الله عليه وسلم فصلّى عليه ولم يكن ذلك من رأي «عمر» فنزلت: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [التوبة: 84] . ينظر: «الأعلام» (4/ 65) ، «طبقات ابن سعد» (3/ 90) ، «جمهرة الأنساب» (335) . (2) أخرجه الطبري (1/ 163) برقم (349) ، وذكره القرطبي (1/ 179) . (3) أخرجه الطبري (1/ 164) برقم (355) ، وذكره البغوي في «التفسير» (1/ 51) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 70) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وذكره ابن كثير (1/ 51) . (4) «المجيد في إعراب القرآن المجيد» (ص 118) .

والدوابِّ. قاله ابن عبَّاس، وأنثاه شيطانة. انتهى. ت: ويجب على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة، وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ» . رواه أبو داود «1» ، وفيه عنه صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ له يوم القيامة لسانان 11 أمن نَارٍ» . انتهى. / من سنن أبي داود «2» . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ: اختلف المفسِّرون في هذا الاستهزاء، فقال جمهور العلماء: هي تسمية العُقُوبة باسم الذَّنْب، والعربُ تستعمل ذلك كثيرًا، وقال قوم: إن اللَّه سبحانه يفعل بهم أفعالاً هي في تأمل البَشَر هُزْءٌ روي أنَّ النَّارَ تجمد كما تَجْمُدُ الإِهالة «3» ، فيمشون عليها، ويظنون أنها منجاة، فتخسف بهم، وما روي أن أبواب النَّار تفتح لهم، فيذهبون إِلى الخروج، نحا هذا المنحى ابنُ عَبَّاس والحسن. ت: وقوله تعالى: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد: 13] يقوِّي هذا المنحى، وهكذا نص عليه في اختصار الطبريِّ. انتهى. وقيل: استهزاؤه بهم هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية، ويَمُدُّهُمْ، أي: يزيدهم في الطغيان، وقال مجاهد: معناه: يملي لهم «4» ، والطغيان الغلوّ وتعدّي الحدّ

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 684) ، كتاب «الأدب» ، باب في ذي الوجهين، حديث (4872) ، من طريق أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعا بهذا اللفظ، وأخرجه البخاري (10/ 489) ، كتاب «الأدب» ، باب ما قيل في ذي الوجهين، حديث (6058) ، ومسلم (4/ 1958) ، كتاب «فضائل الصحابة» ، باب خيار الناس، حديث (199/ 2526) ، بلفظ: «تجدون من شر الناس ... » الحديث. (2) أخرجه أبو داود (2/ 684- 685) ، كتاب «الأدب» ، باب في ذي الوجهين، حديث (4873) ، والدارمي (2/ 314) ، كتاب «الرقاق» ، باب ما قيل في ذي الوجهين، والبخاري في «الأدب المفرد» (188) ، وابن حبان (1979- موارد) ، والطيالسي (2/ 59- منحة) ، رقم (6175) ، وابن أبي شيبة (8/ 558) رقم (5515) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 523- بتحقيقنا) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 229) ، رقم (4881) ، كلهم من طريق شريك بن عبد الله، عن الركين، عن نعيم بن حنظلة، عن عمار بن ياسر مرفوعا، وصححه ابن حبان. وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (3/ 137) : وسنده حسن. (3) الإهالة: الدّهن. ينظر: «عمدة الحفاظ» (1/ 153) . (4) أخرجه الطبري (1/ 168) برقم (364) عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم. وبرقم (365) عن مجاهد، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 70) عن ابن مسعود.

[سورة البقرة (2) : الآيات 17 إلى 20]

كما يقال: طغى الماء، وطغت النّار ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردَّدون حيرةً، والعَمَهُ الحَيْرَةُ من جهة النّظر، والعامة الذي كأنه لا يبصر. [سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 20] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) قوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً ... إلى قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ: قال الفَخْر «1» : اعلم أن المقصود من ضرب المِثَالِ أنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفْسِهِ لأن الغرض من المَثَل تشبيه الخَفِيِّ بِالجَلِيِّ، والغائب بالشاهدِ، فيتأكَّد الوقوفُ على ماهيته، ويصير الحس مطابقاً للعقل وذلك هو النهاية في الإِيضاح ألا ترى أنَّ الترغيب والترهيب إِذا وقع مجرَّداً عن ضرب مَثَلٍ، لم يتأكَّد وقوعه في القلب كتأكُّده مع ضرب المثل، ولهذا أكثر اللَّه تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه الأمثالَ، قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21] انتهى. والمَثَل والمِثْل والمَثِيلُ واحدٌ، معناه: الشبيه، قاله أهل اللغة. واسْتَوْقَدَ: قيل: معناه أوقد. واختلف المتأولون في فعل المنافقين الذي يشبه فعل الذي استوقد ناراً فقالت فرقةٌ: هي فيمن كان آمن، ثم كفر بالنفاقِ، فإِيمانه بمنزلة النار أضاءت، وكفره بعد بمنزلة انطفائها، وذهابِ النور، وقالت فرقةٌ، منهم قتادة: نطقهم ب «لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» والقُرْآنِ كإِضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها «2» ، قال جمهورُ النحاة: جواب «لَمَّا» : «ذَهَبَ» ويعود الضمير من نورهم على «الذي» ، وعلى هذا القولِ يتمُّ تمثيل المنافق بالمستوقِدِ لأنَّ بقاء المستوقِدِ في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق على الخلاف المتقدِّم. وقال قومٌ «3» : جوابُ «لَمَّا» مضمرٌ، وهو «طُفِئَتْ» ، فالضمير في «نُورِهِمْ» على هذا

_ (1) «مفاتيح الغيب» (2/ 66) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 100) . (3) ومن هؤلاء أبو القاسم الزمخشري، فقد قال عن جواب «لما» . «محذوف ... كأن قيل: فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في-[.....]

للمنافقين، والإخبار بهذا هو عن حال لهم تكونُ في الآخرة، وهو قوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ... الآيةَ [الحديد: 13] وهذا القول غير قويٍّ. والأصم: الذي لا يسمع، والأبكم: الذي لا ينطق، ولا يفهم، فإِذا فهم، فهو الأخرس، وقيل: الأبكم والأخرس واحدٌ، ووصفهم بهذه الصفات إِذْ أعمالهم من الخطإ وعدم الإِجابة كأعمال من هذه صفته. و «صُمٌّ» : رفع على خبر الابتداء، إما على تقدير تكرير «أُولَئِكَ» ، أو إِضمارهم. وقوله تعالى: فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ قيل: معناه: لا يؤمنون بوجْهٍ، وهذا إنما يصح أنْ لو كانت الآية في معيَّنينِ، وقيل: معناه: فهم لا يرجعونَ ما داموا على الحال التي وصفهم بها، وهذا هو الصحيحُ. أَوْ كَصَيِّبٍ: «أَوْ» : للتخيير، معناه مثِّلوهم بهذا أو بهذا، والصَّيِّبُ المطر من: 11 ب صَابَ يَصُوبُ، إِذا/ انحط من عُلْو إِلى سفل. وظُلُماتٌ: بالجمع: إِشارة إِلى ظلمة الليل وظلمة الدجن، ومن حيث تتراكب وتتزيد جُمِعَتْ، وكون الدجن مظلماً هول وغم للنفوس بخلاف السحاب والمطر، إذا انجلى دجنه، فإنه سارٌّ جميل. واختلف العلماء في «الرَّعْدِ» ، فقال ابن عباس ومجاهد وشَهْرُ بن حَوْشَبٍ «1» وغيرهم: هو مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بهذا الصوتِ المسموعِ كلَّما خالفتْ سحابةٌ، صاح بها، فإِذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي الصواعقُ، واسم هذا الملك: الرّعد «2» .

_ - إحياء النار..» وجعل هذا أبلغ من ذكر الجواب، وجعل جملة قوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ مستأنفة أو بدلا من جملة التمثيل. وقد رد عليه أبو حيان- كما ذكر السمين عنه- بوجهين: أحدهما: أن هذا تقدير مع وجود ما يغني عنه، فلا حاجة إليه إذ التقديرات إنما تكون عند الضرورات. والثاني: أنه لا تبدل الجملة الفعلية من الجملة الاسمية. ينظر: «الكشاف» (1/ 73) ، و «البحر المحيط» (1/ 213) ، و «الدر المصون» (1/ 132) . (1) شهر بن حوشب الأشعري، فقيه قارئ، من رجال الحديث. شامي الأصل، سكن «العراق» ، وكان يتزيّا بزي الجند، ويسمع الغناء بالآلات. وولي بيت المال مدة، وهو متروك الحديث. وكان ظريفا، قال له رجل: إني أحبك، فقال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله، ووزيرك على دين الله، ومؤنتي على غيرك. ينظر: «الأعلام» (3/ 178) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 369) ، و «التاج» (1/ 214) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 102) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 53) ، والقرطبي (1/ 187) .

وقيل: الرَّعْدُ مَلَكٌ، وهذا الصوت تسبيحُهُ. وقيل: الرعد: اسم الصوْتِ المسموعِ قاله عليُّ بن أبي طالب «1» . وأكثر العلماء على أن الرعد ملكٌ، وذلك صوته يسبِّح ويزجرُ السحابَ. واختلفوا في البَرْقِ. فقال علي بن أبي طالب وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «هُوَ مِخْرَاقُ حَدِيدٍ بِيَدِ المَلَكِ يَسُوقُ بِهِ السَّحَابَ» وهذا أصحُّ ما روي فيه «2» . وقال ابن عبَّاس: هو سَوط نور بيد المَلَكِ يزجي به السحَابَ «3» ، وروي عنه: أنَّ البرق ملك يتراءى «4» . واختلف المتأوّلون في المقصد بهذا المثل، وكيف تترتب أحوالُ المنافقينَ المُوَازِنَةُ لما في المَثَل من الظلماتِ والرعْدِ والبرقِ والصواعِقِ. فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن. وقال ابنُ مسعود: إِن المنافقين في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانُوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب اللَّه المثل لهم «5» ، وهذا وفاقٌ لقول الجمهور. ومُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ معناه: بعقابهم، يقال: أحاط السلطان بفلانٍ، إِذا أخذه أخذًا حاصرًا من كل جهة، ومنه قوله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: 42] .

_ (1) ذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 53) ، وابن عطية (1/ 102) ، والقرطبي (1/ 187) . (2) أخرجه البيهقي في «سننه» (3/ 363) ، كتاب «صلاة الاستسقاء» ، باب ما جاء في الرعد، عن علي موقوفا وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (4/ 96) ، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب «المطر» ، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» . (3) ذكره الماوردي في «التفسير» (1/ 82) ، والبغوي (1/ 53) ، والقرطبي (1/ 187) . (4) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 102) ، والقرطبي (1/ 188) . (5) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 103) .

ويَكادُ فعل ينفي المعنى مع إِيجابه، ويوجبه مع النفي «1» ، فهنا لم يخطف البرق الأبصار، والخَطْفُ: الانتزاعُ بسرعة، ومعنى يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ، تكاد حجج القرآن وبراهينه وآياته الساطعة تبهرهم، ومن جعل البَرْقَ في المثل الزجْرَ والوعيدَ، قال: يكاد ذلك يصيبهم. و «كُلَّمَا» : ظرفٌ، والعامل فيه «مَشَوْا» ، و «قَامُوا» معناه: ثَبَتُوا، ومعنى الآية فيما روي عن ابن عَبَّاس وغيره: كلَّما سمع المنافقون القرآن، وظهرت لهم الحججُ، أنسوا ومشوا معه، فإذا نَزَلَ من القرآن ما يعمهون فيه، ويضلون به، أو يكلَّفونه، قاموا، أي: ثَبَتُوا على نفاقهم. وروي عن ابن مسعودٍ أنَّ معنى الآية: كلَّما صلُحَتْ أحوالهم في زروعهم ومواشِيهِمْ، وتوالَتْ عليهم النّعم، قالوا: دين محمَّد دِينٌ مبارَكٌ، وإِذا نزلت بهم مصيبةٌ أَو أصابتهم شدَّة، سَخِطُوه وثَبَتُوا في نفاقهم «2» . ووحَّد السمع لأنه مصدر يقع للواحد والجمع. 12 أوقوله سبحانه: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لفظه العمومُ، ومعناه عند/ المتكلِّمين: فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه، وقديرٌ بمعنى قَادِرٍ، وفيه مبالغةٌ، وخَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك.

_ (1) وزعم جماعة منهم ابن جني وأبو البقاء وابن عطية أنّ نفيها إثبات وإثباتها نفي، حتى ألغز بعضهم فيها فقال: [الطويل] أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود إذا نفيت- والله أعلم- أثبتت ... وإن أثبتت قامت مقام جحود وحكوا عن ذي الرمة أنه لمّا أنشد قوله: [الطويل] إذا غيّر النأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح عيب عليه لأنه قال: لم يكد يبرح فيكون قد برح، فغيّره إلى قوله: «لم يزل» أو ما هو بمعناه، والذي غرّ هؤلاء قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71] قالوا: فهي هنا منفيّة وخبرها مثبت في المعنى، لأن الذبح وقع لقوله: فَذَبَحُوها. والجواب عن هذه الآية من وجهين: أحدهما: أنه يحمل على اختلاف وقتين، أي: ذبحوها في وقت، وما كادوا يفعلون في وقت آخر. والثاني: أنه عبّر بنفي مقاربة الفعل عن شدّة تعنّتهم وعسرهم في الفعل. وأمّا ما حكوه عن ذي الرّمّة فقد غلّط الجمهور ذا الرّمة في رجوعه عن قوله وقالوا: هو أبلغ وأحسن ممّا غيّره إليه. ينظر: «الدر المصون» (1/ 140) . (2) ينظر: ابن عطية (1/ 104) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 21 إلى 24]

[سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 24] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... الآيَةَ: «يَا» : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ «1» . قال ع «2» : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ: يا أَيُّهَا النَّاسُ. وأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح. اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ» : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون «3» ، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ» ، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل] وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق «4»

_ (1) ينظر المصدر السابق، والقرطبي (1/ 194) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 105) . (3) أخرجه الطبري (1/ 196) برقم (474) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 74) ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ. (4) وبعده: فلمّا كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألّق وهما بلا نسبة في «تفسير الطبري» (1/ 364) ، و «القرطبي» (1/ 227، 12/ 282) ، و «زاد المسير» (1/ 48) ، و «الدر المصون» (1/ 47) ، و «الحماسة البصرية» (1/ 56) . والشاهد فيه «لعل» : استعملها-[.....]

انتهى. قال ع «1» : وقال سيبويه «2» : ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و «لَعَلَّ» : متعلِّقة بقوله: «اعبدوا» ، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ» : مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر] إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «3» فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ» . وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا

_ - الشاعر هنا مجردة من الشك بمعنى «لام كي» . يقول: كفوا الحروب لنكف، ولو كانت «لعل» هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق. ينظر: «أمالي ابن الشجري» (1: 71) ، والملا: الصحراء، والأرض الواسعة. (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 105) . (2) عمرو بن عثمان بن قنير الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب «سيبويه» : إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ولد في إحدى قرى «شيراز» ، وقدم «البصرة» ، فلزم الخليل بن أحمد، ففاقه، وصنف كتابه المسمى «كتاب سيبويه» في النحو. لم يصنع قبله ولا بعده مثله، ناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم. كان أنيقا جميلا، توفي شابا، ولد سنة (148 هـ.) وتوفي سنة (180 هـ.) . ينظر: «ابن خلكان» (1: 385) ، «البداية والنهاية» (10: 176) ، «الأعلام» (5/ 81) . (3) البيت لمعود الحكماء. انظر: «تأويل مشكل القرآن» (135) ، الأصبهاني (214) ، الصاحبي (63) ، «معجم الشعراء» (391) ، «المفضليات» (359) ، «الصناعتين» (212) ، «معجم مقاييس اللغة» (3/ 98) ، «العمدة» (1/ 237) ، وفيه النسبة لجرير بن عطية، «معاهد التنصيص» (2/ 260) . والشاهد فيه: الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان: أحدهما، ثم يراد بضمير الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحدهما، ثم يراد بالآخر الآخر، فالأول كما في البيت هنا، فإنه أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من «رعيناه» النبت.

ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ «1» : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين. قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن «2» ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس «3» : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته. ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / 12 ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] ، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن. وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر «4» ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ» ، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة. وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: 98] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 106) . وابن فورك هو: محمد بن الحسين بن فورك، أبو بكر الأصفهاني، المتكلم، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ، أخذ طريقة أبي الحسن الأشعري، عن أبي الحسين الباهلي وغيره، أحيى الله تعالى به أنواعا من العلوم، وبلغت مصنفاته الشيء الكثير، وجرت له مناظرات عظيمة. مات سنة (406) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 190) ، «طبقات السبكي» (3/ 52) ، «تبيين كذب المفتري» ص (232) . «الأعلام» (6/ 313) ، «مرآة الجنان» (3/ 17) ، «النجوم الزاهرة» (4/ 240) . (2) وقال قوم آخرون: إن معنى قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: من مثل محمد من البشر لأن محمدا بشر مثلكم، يعني لأنه لم يكن قرأ الكتب ولا درس، فأتوا بسورة فيها حق من مثل محمد، كما جاء بذلك صلّى الله عليه وسلم. ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 374) ، و «بحر العلوم» للسمرقندي (1/ 102) . (3) أخرجه الطبري (1/ 202) برقم (496) ، وذكره ابن عطية (1/ 107) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 77) ، وعزاه لابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم. (4) ينظر: «مفاتيح الغيب» (2/ 112) .

[سورة البقرة (2) : آية 25]

[سورة البقرة (2) : آية 25] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... الآية. بَشِّرِ: مأخوذ من البَشَرَةِ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثرٌ في بَشَرة الوجه، والأغلب استعمال البِشَارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيَّدة به كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34] ومتى أطلق لفظ البِشَارة، فإِنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ردٌّ على من يقول: إِن لفظة الإِيمان بمجرَّدها تقتضي الطاعاتِ لأنه لو كان كذلك، ما أعادها، وجَنَّاتٍ جمع جَنَّة، وهي بستان الشجرِ والنخلِ، وبستانُ الكَرْم، يقال له الفِرْدَوسُ، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أَنَّ ثِيَابَ الجَنَّةِ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ» «1» ، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرةَ عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن «2» . انتهى من «التَّذْكِرَةِ» «3» . ت: وفي الباب عن ابن عبَّاس، وجرِيرِ بن عبد اللَّهِ، وغيرهما: وسمِّيتِ الجنةُ جنَّةً لأنها تجنُّ من دخلها «4» أي: تستره، ومنه المِجَنُّ، وَالْجَنَنُ، وجنّة اللّيل. ومِنْ تَحْتِهَا معناه من تحت الأشجار التي يتضمَّنها ذِكْر الجنة. ت: ومن أعظم البِشَارات أنَّ هذه الأمة هم ثلثا أهْلِ الجنَّة، وقد خرَّج أبو بكر بن أبي شيبة «5» عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ثُلُثَا أهل الجنّة، إنّ أهل

_ (1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه الترمذي (4/ 671- 672) ، كتاب «صفة الجنة» ، باب ما جاء في صفة شجرة الجنة، حديث (2525) ، وأبو يعلى (11/ 57) ، رقم (6195) ، وابن حبان (2624- موارد) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (3/ 240) ، رقم (400) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 108) ، كلهم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن حبان. (3) «التذكرة» ، تحقيق الدكتور السيد الجميلي، ص (607) ، وفيها قول الترمذي: حديث حسن غريب. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 108) . (5) عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبس (بموحدة) ، مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة، الكوفي الحافظ. أحد الأعلام، وصاحب «المصنف» . عن شريك، وهشيم، وابن المبارك، وجرير بن-

الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» «1» ، وخرَّج ابن ماجه والترمذيُّ عن بُرَيْدة بن حُصَيْب «2» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن «3» .

_ - عبد الحميد، وابن عيينة، وخلق. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو زرعة، وعثمان بن خرّزاذ، وأحمد بن علي المروزي، وخلق. قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه. وقال الخطيب: كان متقنا حافظا، صنف التفسير وغيره. وقال نفطويه: اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفا. قال البخاري: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 94) ، و «تهذيب التهذيب» (6/ 2) ، و «الجرح والتعديل» (5/ 737) . [.....] (1) أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 470) . (2) هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ... أبو عبد الله. وقيل: أبو سهل. وقيل: أبو ساسان. وقيل أبو الحصيب. الأسلمي. قال ابن الأثير في «الأسد» : أسلم حين مر به النبي صلّى الله عليه وسلم مهاجرا هو ومن معه، وكانوا نحو ثمانين بيتا، فصلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم العشاء الآخرة، فصلوا خلفه، وأقام بأرض قومه ثم قدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد «أحد» ، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان تحت الشجرة. وكان من ساكني «المدينة» ثم تحول إلى «البصرة» ، وابتنى بها دارا، ثم خرج منها غازيا إلى «خراسان» فأقام ب «مرو» حتى مات ودفن بها، وبقي ولده بها. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 209) ، «الإصابة» (1/ 151) ، «الثقات» (3/ 29) ، «الجرح والتعديل» (2/ 424) ، «سير أعلام النبلاء» (2/ 469) ، «الجمع بين رجال الصحيحين» (1/ 61) ، «مشاهير علماء الأمصار» (60) ، «تقريب التهذيب» (1/ 96) . (3) أخرجه الترمذي (4/ 683) ، كتاب «صفة الجنة» ، باب ما جاء في صف أهل الجنة، حديث (2546) ، وأحمد (5/ 347) ، كلاهما من طريق ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسلا، ومنهم من قال: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. اهـ. قلت: أما الطريق المرسل والذي أشار إليه الترمذي، فأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 548) ، رقم (1572) من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسلا. وأخرجه ابن ماجه (2/ 1433- 1434) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة أمة محمد صلّى الله عليه وسلم، حديث (4289) ، والدارمي (2/ 337) ، كتاب «الرقاق» ، باب في صفوف أهل الجنة، والحاكم (1/ 82) من طرق عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعا. وعند الدارمي: عن علقمة، عن سليمان قال: أراه عن أبيه. وللحديث شاهد من حديث أبي موسى. ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 73) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه القاسم بن غصن، وهو ضعيف. -

انتهى من «التذْكرة» «1» للقرطبيِّ. والْأَنْهارُ: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعَةِ مأخوذةٌ من أنْهَرْتُ، أي: وسّعت ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ» «2» . ومعناه: ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهْرِ، ونسب الجري إِلى النهر، وإِنما يجري الماء تجوّزا كما قال سبحانه: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد إِنما تجري على سطْح أرض الجنة منضبطةً. وقولهم: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ: إِشارة إِلى الجنس، أي: هذا من الجنس الذي 13 أرزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل/ أن يكون تعجباً منهم، وهو قولُ ابنِ عَبَّاس «3» ، ويحتمل أن يكون خَبَراً من بعضهم لبعْضٍ قاله جماعة من المفسِّرين، وقال الحسنُ، ومجاهدٌ: يرزقُونَ الثمرةَ، ثم يرزقُونَ بعْدَها مثْلَ صورتها، والطَّعْم مختلفٌ، فهم يتعجَّبون لذلك، ويخبر بعضهم بعضاً «4» ، وقال ابن عبَّاس: ليس في الجنة شيْءٌ ممّا في الدنيا سوى

_ - وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 215) : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه القاسم بن غصن، عن موسى الجهني، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منهم ثمانون صفا» قالا: هذا خطأ إنما هو موسى الجهني، عن الشعبي، عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسل. قالا: والخطأ من القاسم. قلت: ما حال القاسم؟؟! قالا: ليس بقوي. (1) ينظر: «التذكرة» (2/ 506) . (2) أخرجه أحمد (3/ 463- 464) ، والبخاري (9/ 672) ، كتاب «الذبائح والصيد» ، باب إذا أصاب القوم غنيمة ... ، حديث (5543) ، ومسلم (3/ 1558) ، كتاب «الأضاحي» ، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، حديث (20/ 1968) ، وأبو داود (3/ 247) ، كتاب «الأضاحي» ، باب في الذبيحة بالمروة، حديث (2821) ، والترمذي (4/ 81) ، كتاب «الأحكام والفوائد» ، باب ما جاء في الزكاة بالقصب وغيره، حديث (1491) ، والنسائي (7/ 226) ، كتاب «الضحايا» ، باب في الذبح بالسن، وابن ماجة (2/ 1061) ، كتاب «الذبائح» ، باب ما يذكى به، حديث (3178) . والدارمي (2/ 84) ، كتاب «الأضاحي» ، باب: في البهيمة إذا ندت، وعبد الرزاق (4/ 465- 466) ، رقم (8481) ، والطيالسي (963) ، وابن الجارود (895) ، والحميدي (1/ 199) ، رقم (410) ، وابن حبان (5856- الإحسان) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 183) ، والطبراني في «الكبير» (4/ 321) ، رقم (4380، 4381، 4382، 4383، 4384) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 18- بتحقيقنا) ، من طريق عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله، إنا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ما لم يكن سنّا، أو ظفرا، وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» . (3) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، وابن كثير (1/ 62) . (4) أخرجه الطبري (1/ 209) برقم (528) ، وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 41) ، وذكره البغوي في «التفسير» -

الأسماءِ، وأما الذوات فمتباينة «1» ، وقال بعض المتأوِّلين: المعنى أنهم يرون الثمر، فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقْنَا مِنْ قبل في الدنيا، وقال قومٌ: إن ثمر الجنة إِذا قطف منه شيء، خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إِشارة إِلى الخارج في موضع المجني. وقوله تعالى: مُتَشابِهاً قال ابن عباس وغيره: معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في الطعم «2» ، وأَزْواجٌ: جمع زوج، ويقال في المرأة: زوجة، والأول أشهر، ومُطَهَّرَةٌ: أبلغ من طَاهِرَة، أي: مُطَهَّرة من الحَيْض، والبُزَاق، وسائر أقذار الآدميَّات، والخلودُ: الدوامُ، وخرَّج ابن ماجة عن أسامة بن زيد «3» قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ لأَِصْحَابِهِ: «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لاَ خَطَرَ «4» لَهَا هِيَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، نور

_ - (1/ 56) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 83) ، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وذكره ابن كثير (1/ 63) . (1) أخرجه الطبري (1/ 210) برقم (535) ، وذكره السمرقندي (1/ 104) ، والبغوي في التفسير (1/ 56) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، والقرطبي (1/ 206) ، وابن كثير (1/ 63) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 82) ، وعزاه لمسدد، وهناد في «الزهد» ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» . (2) أخرجه الطبري (1/ 209) برقم (524) ، وذكره البغوي في التفسير (1/ 56) ، وابن عطية (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، وابن كثير (1/ 63) . (3) أسامة بن زيد بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر، أبو يزيد، وأبو خارجة، وأبو محمد، وأبو زيد الحب بن الحب الكلبي. أمه: أم أيمن حاضنة النبي صلّى الله عليه وسلم. ولد في الإسلام، ومناقبه كثيرة، وأحاديثه شهيرة، وكان سكن «المزة» من عمل «دمشق» ، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى «المدينة» فمات بها ب «الجرف» . روى ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن أسامة بن زيد لأحب إليّ (أو من أحب الناس إليّ) ، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا» . قيل: توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: مات سنة (54) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 79) ، «الإصابة» (1/ 29) ، «الاستيعاب» (1/ 75) ، «الاستبصار» (34) ، «الكاشف» (1/ 104) ، «صفة الصفوة» (1/ 521) ، «بقي بن مخلد» (33) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 13) ، «التاريخ الكبير» (2/ 20) ، «التاريخ لابن معين» (3/ 22) . (4) قوله صلّى الله عليه وسلم: «لا خطر لها» أي لا عوض لها ولا مثل. والخطر بالتحريك- في الأصل: الرّهن وما يخاطر عليه. ومثل الشيء، وعدله، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومزيّة. ينظر: «النهاية» (2/ 46) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 26 إلى 29]

يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ «1» وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا: نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» «2» انتهى من «التذْكرَةِ» «3» . وقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها. [سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 29] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا

_ (1) الحبرة: النّعمة وسعة العيش، وكذلك الحبور. ينظر: «النهاية» (1/ 327) . [.....] (2) أخرجه ابن ماجه (2/ 1448- 1449) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة الجنة، حديث (4332) ، وابن حبان (2620- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (1/ 162- 163) ، رقم (388) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 304) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة» ، رقم (24) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص 233) ، رقم (391) ، كلهم من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد مرفوعا. وقال البوصيري في «الزوائد» : في إسناده مقال، والضحاك المعافري ذكره ابن حبان في «الثقات» اهـ. قال الحافظ في «التقريب» (1/ 374) : الضحاك المعافري مقبول. اهـ. يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين كما ذكره هو في مقدمة «التقريب» . والحديث ذكره الهندي في «كنز العمال» (14/ 461) ، وعزاه إلى ابن ماجة، وأبي يعلى، والنسائي، وابن حبان، وأبي بكر بن أبي داود في «البعث» ، والروياني، والرامهرمزي، والطبراني، والبيهقي في «البعث» ، وسعيد بن منصور، عن أسامة بن زيد. تنبيه: عزاه الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (1/ 59) إلى ابن ماجة فقط، ولم يعزه للنسائي في «الصغرى» ، ولا في «الكبرى» ، وأظن أن عزوه للنسائي خطأ من المتقي الهندي. (3) ينظر: «التذكرة» (596) .

بالذُّبَابِ ونحوه. واختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟ ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان. قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار. ع «1» : وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره. قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال. واختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ... الآية. فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة «2» ، وهذا التأويل هو 13 ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها. وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 113) . (2) أخرجه الطبري (1/ 222- 223) برقم (576- 580) بنحوه، عن ابن عباس، ومجاهد. وذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 114) ، والماوردي (1/ 90) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 89) ، والقرطبي (1/ 213) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 30 إلى 32]

في نفسه، واسْتَوى: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء. ع «1» : أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان. وفَسَوَّاهُنَّ: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ «2» : فَسَوَّاهُنَّ، أي: خلقهن. انتهى. وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ» ، وفي «النازعات» . [سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 32] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: «إِذْ» ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر، تقديره: واذكر إِذ قال، وإِضافةُ «رَبٍّ» إِلى محمد صلّى الله عليه وسلم، ومخاطبتُهُ بالكاف- تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و «الملائكةُ» : واحدها ملَكٌ، والهاء في «ملائكة» لتأنيث الجُموعِ غير حقيقيٍّ، وقيل: هي للمبالغة كعلّامة ونسّابة، والأول أبين. وجاعِلٌ في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة: جاعلٌ بمعنى فاعل «3» ، وقال ابن سابط «4» عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ لأَنَّ الأَرْضَ دحيت

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 115) . (2) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي. كان إماما كبيرا، حافظا للغة بارعا في العربية، روى عن أبي طاهر بن خزيمة، وأبي محمد المخلدي. أخذ عنه الواحدي. له: «العرائس في قصص الأنبياء» وكتاب «ربيع المذكرين» . توفي (427 هـ.) . ينظر ترجمته في: «بغية الوعاة» (1/ 356) ، و «النجوم الزاهرة» (4/ 283) ، و «طبقات المفسرين» للداوودي (1/ 66) . (3) أخرجه الطبري (1/ 235) برقم (597) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 93) ، عن الحسن، وعزاه لابن جرير. (4) عبد الرحمن بن سابط القرشي، الجمحي، المكي، عن عمر، ومعاذ مرسلا، وعن عائشة بواسطة، في-

مِنْ تَحْتِهَا وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بين المقام والرّكن» «1» . وخَلِيفَةً: معناه: من يخلف. قال ابن عبَّاس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ «2» ، بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً «3» ، وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفةٌ مني في الحُكْمِ «4» . وقوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ... الآيةَ: قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق القول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: 27] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب «5» : فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة. قال ابن زيد وغيره: إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ، ويسفكون الدماء «6» فقالوا لذلك هذه المقالةَ: إِما على طريق التعجُّب من استخلاف الله

_ - مسلم فرد حديث، وسعد، وجابر، وعنه علقمة بن مرثد، وابن جريج، والليث، وخلق. وثقه ابن معين وقال: لم يسمع من أبي أمامة، والدارقطني، قال ابن سعد: مات بمكة سنة ثماني عشرة ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 133) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 180) ، «الثقات» (7/ 69) . (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 448- شاكر) ، وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 70) من طريق عطاء عن ابن سابط به مرفوعا. وقال ابن كثير: وهذا مرسل، وفي سنده ضعف. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 95) ، وزاد نسبته إلى ابن عساكر. (2) الفلّ: المنهزمون. ينظر: «لسان العرب» (3466) . (3) أخرجه الطبري (1/ 236) برقم (601) ، وصححه الحاكم (2/ 261) ، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 93) . (4) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 116) ، والماوردي (1/ 95) . (5) محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر: قاض من كبار علماء الكلام انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد في «البصرة» سنة (338) هـ.، وسكن «بغداد» فتوفي فيها سنة (403. هـ.) ، كان جيد الاستنباط، سريع الجواب. من تصانيفه: «إعجاز القرآن» ، و «الإنصاف» ، و «مناقب الأئمة» ، و «دقائق الكلام» ، و «الملل والنحل» ، و «هداية المرشدين» ، وغير ذلك. ينظر: «الأعلام» (6/ 176) ، «وفيات الأعيان» (1/ 481) ، «قضاة الأندلس» (37- 40) ، «تاريخ بغداد» (5/ 379) . [.....] (6) أخرجه الطبري (1/ 244) برقم (614- 615- 616) ، عن ابن زيد، وابن إسحاق، وابن جريج، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 94) ، عن ابن زيد، وعزاه لابن جرير.

من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعاً الاستخلاف، والعصيان. 14 أوقال أحمد بن يَحْيَى/ ثَعْلَبٌ «1» وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها ... «2» الآية على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا؟ وقال آخرون: كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرضِ خلْقاً يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: إِنِّي جاعِلٌ قالوا: رَبَّنَا، أَتَجْعَلُ فِيها ... الآيةَ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل، أو غيره؟ ونحو هذا في «مختصر الطبريِّ» ، قال: وقولهم: أَتَجْعَلُ فِيها ليس بإنكار لفعله عز وجلّ وحكمه، بل استخبارٌ، هل يكون الأمر هكذا، وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ وسفْكَ الدماء فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إِلا حكمة. انتهى. ت: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم- صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم- والسفك صبُّ الدَّمِ، هذا عُرْفُه، وقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ. قال بعض المتأوّلين: هو على جهة الاستفهام كأنهم أرادوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ... الآيةَ، أم نتغير عن هذه الحال؟ قال ع «3» : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم: أَتَجْعَلُ. وقال آخرون: معناه: التمدُّح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسُفُ: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: 55] ، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام لأن يستخلف الله

_ (1) هو: أبو العباس أحمد بن يحيى بن يسار، وقيل: سيار الشيباني، المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة. صنف: «المصون في النحو» ، و «معاني القرآن» ، و «ما تلحن فيه العامة» ، و «الفصيح» وغيرها. توفي (291 هـ) . ينظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» (1/ 30) ، و «بغية الوعاة» (1/ 296) ، و «غاية النهاية» (1/ 148) . (2) ينظر: ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 117) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 118) .

من يعصيه في قولهم: أَتَجْعَلُ، وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه «1» ، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ» على عرفه «2» في اللغة، وبِحَمْدِكَ: معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ «3» قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى؟ إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى: «سبحان الله وَبِحَمْدِهِ» ، وفي رواية: «سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا اصطفى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» «4» وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم» «5» وهذا الحديث

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 248) برقم (619) ، وذكره البغوي (1/ 60) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 118) ، والقرطبي (1/ 236) ، وابن كثير (1/ 71) . (2) أخرجه الطبري (1/ 248) برقم (620) ، وعبد الرزاق في التفسير (1/ 42) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 95) . (3) قيل هو: جندب بن جنادة بن سكن. وقيل: عبد الله، وقيل: اسمه: برير وقيل بالتصغير، والاختلاف في أبيه كذلك، وشهرته: أبو ذر الغفاري. قلت: كان من كبار الصحابة وفضلائهم ومشاهيرهم وزهادهم، قديم الإسلام، قويّا في الحق، صادق اللهجة. ولا يتسع المقام للحديث عنه، وقد ألفت في سيرته المؤلفات الكثيرة. توفي ب «الربذة» سنة (31 أو 32) . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 357) ، «الإصابة» (7/ 60) ، «بقي بن مخلد» (15) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 164) ، «حلية الأولياء» (1/ 127) ، «تهذيب الكمال» (1603) ، «تقريب التهذيب» (2/ 420) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 90) ، «الزهد» لوكيع (33) ، «شذرات الذهب» (1/ 31) . (4) أخرجه مسلم (4/ 2093- 2094) ، كتاب «الذكر والدعاء» ، باب فضل سبحان الله وبحمده، حديث (84، 85/ 2731) ، من طريق عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر به. (5) أخرجه البخاري (11/ 210) ، كتاب «الدعوات» ، باب فضل التسبيح، حديث (6406) ، و (11/ 575) ، كتاب «الأيمان والنذور» ، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم فصلى، حديث (6682) ، و (13/ 547) ، كتاب «التوحيد» ، باب قول الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، حديث (7563) ، ومسلم (4/ 2072) ، كتاب «الذكر والدعاء» ، باب فضل التهليل، والتسبيح، والدعاء، حديث (31/ 2694) ، والترمذي (5/ 512) ، كتاب «الدعوات» ، باب (60) ، حديث (3467) ، وابن ماجة (2/ 1251) ، كتاب «الأدب» ، باب فضل التسبيح، حديث (3806) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 207- 208) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يثقل الميزان، حديث (10666) ، وأحمد (2/ 232) ، وأبو يعلى (10/ 483) ، رقم (6096) ، وابن حبان (3/ 112- 113) ، رقم (831) ، (3/-

به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه. انتهى. وَنُقَدِّسُ لَكَ: قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ «1» ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون: وَنُقَدِّسُ لَكَ: معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره «2» . وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. قال ابن عبَّاس: كان إِبليس- لعنه اللَّه- قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ لما جعله الله 14 ب خَازِنَ السماء الدنيا/، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني ما في نفس إِبْلِيسَ «3» . وقال قتادة: لما قالتِ الملائكةُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعةٍ، قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني: أفعالَ الفضلاء «4» .

_ - 121- 122) ، رقم (841) ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص 499) ، وفي «شعب الإيمان» (1/ 420) ، رقم (591) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 81- بتحقيقنا) ، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص 87) ، كلهم من طريق محمد بن فضيل، ثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. (1) أخرجه الطبري (1/ 249) برقم (625) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 95) ، عن ابن عباس، وذكره ابن كثير (1/ 71) . (2) أخرجه الطبري (1/ 249) برقم (623) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 95) ، وابن كثير (1/ 71) . (3) أخرجه الطبري (1/ 249) برقم (626) ، وقال أحمد شاكر: بشر بن عمارة ضعيف، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 2/ 81) : تعرف وتنكر. وقال النسائي في «الضعفاء» ص 6: ضعيف. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن حبان في كتاب: «المجروحين» (ص 125) رقم، (132) : كان يخطىء حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، ولم يكن يعلم الحديث ولا صناعته، وأما شيخه أبو روق فهو عطية بن الحارث الهمداني، وهو ثقة، وقال أحمد والنسائي: «لا بأس به» ، وقد أشار ابن كثير إليه بالانقطاع لأجل اختلافهم في سماع الضحاك بن مزاحم الهلالي من ابن عباس وقد رجح أحمد شاكر في «شرح المسند» (2262) سماعه منه، ثم قال: وكفى ببشر بن عمارة ضعفا في الإسناد إلى نكارة السياق الذي رواه وغرابته. اهـ. (4) أخرجه الطبري (1/ 250) برقم (639) ، وقال أحمد شاكر: ذكره ابن كثير (1/ 130) ، و «الدر المنثور» (1/ 46) ، و «الشوكاني» (1/ 50) . [.....]

وقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: معناه: عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم: بل تعليمٌ بقولٍ إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خَاصَّته. ت: قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها، إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة. انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه، فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله: الْأَسْماءَ: فقال جمهور الأُمَّة: علَّمه التسميات، وقال قومٌ: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين ولفظة عَلَّمَ تعطي ذلك. ثم اختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ: علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات دقيقها، وجليلها «1» ، وقال الطبريُّ «2» : علَّمه أسماء ذريته، والملائكة ورجَّحه بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقال أكثر العلماء: عَلَّمه تعالى منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح. وقيل غير هذا. واختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟. وأَنْبِئُونِي: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ «3» ، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون.

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 252) برقم (646- 647- 648- 649- 656) ، وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 42- 43) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 100- 101) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 485) . (3) حاصل ما في شرح «المواقف» ، أشار إليه «الخالي» هو أن ما لا يطاق على ثلاث مراتب: الأولى: ما يمكن في نفسه لكن يمتنع من العبد لعلم الله (تعالى) بعدم وقوعه، كإيمان أبي لهب، وهي المرتبة الأولى من مراتب ما لا يطاق فإن هذا مقدور للمكلف بالنظر إلى ذاته، وممتنع له بالنظر إلى علم الله (تعالى) بعدم وقوعه، ومعنى كونه مقدورا أنه يجوز تعلق القدرة الحادثة أي قدرة المكلف به لا أنه متعلق القدرة بالفعل لأن القدرة الحادثة لا تتعلق بمثل هذا الفعل لأن القدرة الحادثة عندنا مع الفعل لا قبله، فلا يتصور تعلقه بما لم يقع. ثم إن التكليف بهذا المحال جائز وواقع اتفاقا، ولا خلاف فيه للمعتزلة. الثانية: ما يمكن في نفسه لكن يمتنع من العبد عادة، كخلق الأجسام، وحمل الجبل، والطيران إلى-

وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف. وقوله تعالى: هؤُلاءِ ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمى كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ. والذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. وَهَؤُلاءِ: مبنيٌّ على الكسر، وكُنْتُمْ في موضع الجزمِ بالشرْطِ، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرِّد: محذوفٌ تقديره: إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وناس من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم: معنى الآية: إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك «1» . ت: وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون كما تقدَّم، والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها ... الآية.

_ - السماء. وهذه المرتبة الوسطى من مراتب ما لا يطاق، والتكليف بهذا جائز عندنا وإن لم يقع، كما دل عليه الاستقراء، وقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286] وما يتوهم من ظاهر بعض الآيات أنه تكليف بهذا المحال، كقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] فهو للتعجيز لا للتكليف، ومنعت المعتزلة جواز التكليف لكونه قبيحا منه تعالى عقلا عندهم كما في الشاهد فإن من كلف الأعمى نقط المصاحف والزمنى المشي إلى أقصى البلاد، عد سفيها، وقبح ذلك في بداهة العقول. والجواب: أنه لا يقبح منه تعالى شيء، ولا يجب عليه، إذ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، والمفهوم من كلام صاحب «التوضيح» أن مذهب الماتريدية هنا كمذهب المعتزلة إلا أن عدم جوازه عند الماتريدية بناء على أنه لا يليق من حكمته وفضله. وعند المعتزلة بناء على أن الأصلح واجب على الله (تعالى) . الثالثة: ما يمكن في نفسه ولكن يمتنع لنفس مفهومه، كجمع الضدين، وقلب الحقائق. وهي المرتبة القصوى من مراتب ما لا يطاق، والتكليف به لا يقع ولا يجوز بالاتفاق، أما أنه لا يقع قط فلأنه لم يوجد بالاستقراء، وأما أنه لا يجوز فلأن جواز التكليف فرع تصوره، ولا يمكن تصوره. وفي شرح «المواقف» أن بعضا منا قالوا بوقوع تصوره، فما ذكره صاحب «المواقف» من أن جواز التكليف بالممتنع لذاته فرع تصوره يشعر بأن هؤلاء يجوزونه. ينظر: «نشر الطوالع» (295- 297) ، و «البرهان» (1/ 102) ، و «المنخول» (ص 22) ، و «المحصول» (1/ 2/ 357) ، والمتصفي» (1/ 74) . (1) أخرجه الطبري (1/ 255) برقم (672) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 101) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 33 إلى 34]

وقال آخرون: إِن كنتم صادِقِينَ في أنِّي إِن استخلفتكم، سبَّحتم بحَمْدِي، وقدَّستم لي. وقال/ قوم: معناه: إن كنتم صادقين في جوابِ السؤال، عالمين بالأسماء. 15 أوسُبْحانَكَ: معناه تنزيهاً لك وتبرئةً أنْ يعلم أحدٌ من علمك إِلا ما علمته، والعَلِيمُ: معناه: العَالِمُ، ويزيد عليه معنى من المبالغةِ والتكثيرِ في المعلوماتِ، والحكيمُ: معناه: الحاكِمُ وبينهما مزية المبالغةِ، وقيل: معناه: المُحْكِمُ، وقال قوم: الحَكِيمُ المانعُ من الفساد، ومنه حَكَمَةُ الفرسِ مانعته. [سورة البقرة (2) : الآيات 33 الى 34] قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) وقوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ: أَنْبِئْهُمْ: معناه: أخبرهم، والضمير في «أَنْبِئْهُمْ» عائدٌ على الملائكة بإجماعٍ، والضميرُ في «أَسْمَائِهِمْ» مختلَفٌ فيه حَسَبَ الاختلاف في الأسماء التي علَّمها آدم، قال بعض العلماء: إنَّ في قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ نبوءةً لآدم عليه السلام إِذ أمره اللَّه سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم اللَّه عز وجَلَّ. وقوله تعالى: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: معناه: ما غاب عنكم لأنَّ اللَّه تعالى لا يغيبُ عنه شيء، الكلُّ معلوم له. واختلف في قوله تعالى: مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فقال طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع، «وإِذْ» من قوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ معطوفةٌ على «إذِ» المتقدِّمة، وقولُ «1» اللَّه تعالى

_ (1) كلام الله تعالى صفة أزلية قديمة قائمة بذاته (تعالى) ، منافية للسكوت والآفة- كما في الخرس- ليست من جنس الأصوات والحروف. بل بها آمر ناه. يدل عليها بالعبارات أو الكتابة أو الإشارة. فتلك الصفة واحدة في ذاتها، وإن اختلفت العبارات الدالة عليها، كما إذا ذكر الله بألسنة مختلفة، فالصفة: هي الأمر القائم بالغير، فهو جنس في التعريف أو كالجنس، بناء على الخلاف في المفهومات الاصطلاحية: هل هي حدود أو رسوم. الأول: مبني على أنها وإن كان أمرا اصطلاحيا طارئا على المعنى اللغوي للكلام إذ الكلام في اللغة القول. يقال: أتى بكلام طيب، أي قول، إلا أنه ليست وراء ما اصطلح عليه المصطلح أمر آخر. فذلك-

وخطابه للملائكةِ متقرِّر قديم في الأَزَلِ بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته.

_ - الذي ذكر في تعريف تلك الصفة هو ذاتياتها بحسب الاصطلاح. والثاني: مبني على أن لها قبل المعنى الاصطلاحي معنى وضع الواضع اللفظ ليدل عليه، فذلك المعنى ثان بعد أول، فهو عارض والتعريف بالعوارض رسم. وجزم البعض من المحققين بأنها رسوم لأن الاطلاع على ذاتيات تلك الصفات غير ممكن. والحد ما تركب من الذاتيات: الجنس، والفصل. وحيث إن الذاتيات لم يطلع عليها فلا تكون إلا رسوما لأنها بخواص هذه الصفات فقط لأن الخواص مأخوذة في تعريف الصفات حيث أخذ في تعريف صفة الكلام أنها تتعلق دلالة ... وفي تعريف صفة القدرة أنها تتعلق تعلق تأثير. وعلى كل ف «صفة» يشمل الصفة القديمة والحادثة. «قديمة» : فصل أو كالفصل- مخرج لغير الصفة القديمة، وهو الصفة الحادثة. ثم الأقوال في القديم والأزلي ثلاثة: الأول: القديم هو الذي لا ابتداء لوجوده. والأزلي: ما لا أول له، عدميا كان أو وجوديا. فكل قديم أزلي ولا عكس. الثاني: القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده. والأزلي: ما لا أول له عدميا كان أو وجوديا، قائما بنفسه أو غيره. الثالث: القديم والأزلي: ما لا أول له، عدميا كان أو وجوديا، قائما بنفسه أولا. فعلى الأول: الصفات السلبية لا توصف بالقدم، وتوصف بالأزلية، بخلاف ذات الله تعالى والصفات الثبوتية فإنها توصف بالقدم والأزلية. وعلى الثاني: الصفات مطلقا لا توصف بالقدم، وتوصف بالأزلية، بخلاف ذاته تعالى فإنها توصف بكل منهما. وعلى الثالث: كل من الذات والصفات مطلقا يوصف بالقدم والأزلية. فالقديم في التعريف صحيح على الرأي الأول والثالث، بخلافه على الثاني «قائمة بذاته» . وللقيام معنيان: قيام: بمعنى التبعية في التحيز كما في العرض بالنسبة لجوهره. وليس قيام صفة الله بذاته على هذا النحو إذ لا تحيز للذات حتى تتبعها الصفة فيه. وقيام: بمعنى آخر هو اختصاص الناعت بالمنعوت. وهو المراد بقيام الصفة بذاته تعالى. «ليس بحرف ولا صوت» : لأنه معنى نفسي، وتلك أعراض مشروط حدوث بعضها بانقضاء البعض إذ امتناع التكلم بالحرف الثاني بدون انقضاء الحرف الأول بدهي خلافا للحنابلة، والحشوية، والكرامية القائلين بأن كلامه منتظم من كلمات قائمة بذاته تعالى. قديم عند الحنابلة، حادث عند الكرامية. «منافية للسكوت والآفة» : السكوت عدم التكلم مع القدرة عليه. والآفة: عدم مطاوعة الآلة، إما بحسب الفطرة كما في الخرس، أو من جهة ضعفها كما في الطفولية. ولقائل أن يقول: هذا إنما يصدق على الكلام اللفظي دون النفسي إذ السكوت والخرس إنما ينافيان التلفظ. ويجاب بأن المراد ب «السكوت والآفة» : الباطنيان، بأن لا يريد في نفسه الكلام، أو لا يقدر عليه، ويتلخص في أنه كما أن الكلام لفظي ونفسي، كذلك ضده، وهو السكوت والخرس: لفظي وباطني، -

ت: ما ذكره- رحمه اللَّه- هو عقيدةُ أهل السنة، وها أنا أنقل من كلام الأئمة، إن شاء اللَّه، ما يتبيَّن به كلامه، ويزيده وضوحاً، قال ابن رُشْدٍ: قوله صلّى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خلق» «1» لا يفهم منه أن لله عز وجلّ كلمات غير تامّات لأن

_ - والمراد الثاني منهما حيث أريد بالكلام الكلام النفسي، فالله منزه عن الاتصاف بالخرس والآفة. «هو بها آمر ناه» : فهو صفة واحدة تتكثر بحسب التعلقات. فالكلام باعتبار تعلقه بشيء خبر، وبآخر أمر أو نهي. وبهذا يخرج العلم والقدرة. وهكذا سائر الصفات الوجودية غير الكلام لأنه لا أمر ولا نهي بواحدة منها. وغير الأشاعرة يقولون: الكلام هو اللفظ المنتظم من الحروف والأصوات، وينفون الصفة النفسية وهم في ذلك قد انقسموا إلى قسمين: القسم الأول: كلامه ألفاظ قائمة بذاته، وهي قديمة، وهم بعض الحنابلة، أو حادثة، وهم الكرامية. والقسم الثاني: يقول: كلام الله ألفاظ قائمة بالغير. وهم المعتزلة. فالحنابلة يعرفونه: بأنه المؤلف من الكلمات القديمة القائمة بذاته تعالى. والكرامية يعرفونه: بأنه هو المؤلف من الكلمات الحادثة القائمة بذاته تعالى. وحيث إن المعتزلة لم يعرفوه بالصفة النفسية، فليس عندهم سوى الألفاظ وهي حادثة لأنها مرتبة، ويستحيل قيام الحادث بالقديم. فهم يقولون: إن كلامه ألفاظ قائمة بغيره، فهم يتجوزون بمتكلم عن موجد وخالق للكلام. وعليه فالمعتزلة لا يثبتون كلاما لله لا نفسيا، كما أثبته الأشاعرة. ولا لفظيا حادثا كما قالت الكرامية، بل يثبتون كلاما لا على أنه متصف به، بل على أنه مخلوق قائم بغيره. فالكلام عند المعتزلة هو المؤلف من الكلمات المسموعة الحادثة القائمة بغير الذات. فقد خالفوا جميع الفرق. ينظر: تحقيق «صفة الكلام» لشيخنا حافظ مهدي ص 52- 54. (1) أخرجه مالك (2/ 978) ، كتاب «الاستئذان» ، باب ما يؤمر به من الكلام في السفر، حديث (34) ، ومسلم (4/ 2080- 2081) ، كتاب «الذكر والدعاء» ، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، حديث (54/ 2708) ، والترمذي (5/ 496) ، كتاب «الدعوات» ، باب ما يقول إذا نزل منزلا، حديث (3437) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 144) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا نزل منزلا، حديث (10364) ، وأحمد (6/ 377) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» ، رقم (533) ، وابن خزيمة (4/ 150- 151) ، رقم (2567) ، وابن حبان (6/ 418) ، رقم (2700) ، والبيهقي (5/ 253) ، كتاب «الحج» ، باب ما يقول إذا نزل منزلا، كلهم من طريق يعقوب بن عبد الله الأشج، عن بسر بن سعيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلا فليقل ... » فذكرت الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال: وروى مالك بن أنس هذا الحديث أنه بلغه، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، فذكر نحو هذا الحديث. وروى ابن عجلان هذا الحديث عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، ويقول: عن سعيد بن المسيب، عن خولة. -

كلماته هي قوله، وكلامه هو صفةٌ من صفات ذاتِهِ يستحيلُ عليها النقص، وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه عزَّ وجلَّ صفة من صفات ذاته قديمٌ غيرُ مخلوقٍ لأن الكلام هو، المعنى القائِمُ في النفسِ، والنطقُ به عبارةٌ عنه قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ [المجادلة: 8] فأخبر أن القول معنًى يقوم في النفْسِ، وتقول: في نَفْسِي كَلاَمٌ، أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهومُ من كلامه، وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارة عنه وكذلك كلام الله عز وجلّ القديمُ الذي هو صفة من صفاتِ ذاته هو المفهوم من قراءة القارئ لا نَفْسُ قراءته التي تسمعها لأنَّ نفس قراءته التي تسمعها مُحْدَثَةٌ، لم تكن حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بيِّن إلا لمن أعمى اللَّه بصيرته. انتهى بلفظه من «البَيَانِ» . وقال الغَزَّالِيُّ «1» بعد كلامٍ له نحو ما تقدَّم لابن رشد: وكما عقل قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادته بذات الوالدِ قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده، وعقل، وخلق اللَّه سبحانه له علْماً بما في قلْب أبيه من الطَّلَب، صار مأموراً بذلك الطلب الذي قام بذاتِ أبيه، ودام وجوده إِلى وقت معرفة ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دلَّ عليه قوله عزَّ وجلَّ: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ/ [طه: 12] بذات اللَّه تعالى، ومصير موسى عليه السلام سامعا لذلك الكلام

_ - وحديث الليث أصح من رواية ابن عجلان. اهـ. وهذا توضيح وشرح لكلام الترمذي رحمه الله: أما رواية مالك، فهي في «الموطأ» (2/ 978) ، عن الثقة عنده، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج به. أما رواية محمد بن عجلان، فأخرجها ابن ماجة (2/ 1174) ، كتاب «الطب» ، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، حديث (3547) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 144) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا نزل منزلا، حديث (10395) ، كلاهما من طريق محمد بن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، عن خولة بنت حكيم به. وقد ورد هذا الحديث، عن سعيد بن المسيب مرسلا. أخرجه عبد الرزاق (9260) ، والنسائي (6/ 144- الكبرى) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا نزل منزلا، كلاهما من طريق ابن عجلان، عن يعقوب بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب مرسلا. (1) محمد بن محمد بن محمد، حجة الإسلام، أبو حامد الغزالي، ولد سنة (450) ، أخذ عن الإمام، ولازمه، حتى صار أنظر أهل زمانه وجلس للإقراء في حياة إمامه وصنف «الإحياء» المشهور، و «البسيط» ، وهو كالمختصر للنهاية، وله «الوجيز» ، و «المستصفى» ، وغيرها. توفي سنة (505) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 293) ، «وفيات الأعيان» (3/ 353) ، «الأعلام» (7/ 247) ، و «اللباب» (2/ 170) ، و «شذرات الذهب» (4/ 10) ، و «النجوم الزاهرة» (5/ 203) ، «العبر» (4/ 10) .

مخاطَباً به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلبِ، ومعرفةُ بذلك الكلامِ القديمِ. انتهى بلفظه من «الإحياء» . وقوله: لِلْمَلائِكَةِ عمومٌ فيهم، والسجودُ في كلام العرب: الخضوعُ والتذلُّل، وغايته وضعه الوجْه بالأرض، والجمهور على أنَّ سجود الملائكة لآدم إيماءٌ وخضوعٌ، ولا تدفع الآية أنْ يكونوا بلغوا غاية السجود، وقوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [الحجر: 29] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقعٌ، واختُلِفَ في حال السجودِ لآدم. فقال ابن عَبَّاسٍ: تعبَّدهم اللَّه بالسجود لآدم، والعبادةُ في ذلك للَّهِ «1» ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابن عبَّاس أيضاً: كان سجودَ تحيَّة كسجود أبوَيْ يوسُفَ عليه السلام له، لا سجودَ عبادة «2» ، وقال الشَّعبيُّ: إنما كان آدم كالقِبْلة «3» ، ومعنى لِآدَمَ: إلى آدَمَ. ع «4» : وفي هذه الوجوهِ كلِّها كرامةٌ لآدم عليه السلام. وقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ نصبٌ على الاستثناءِ المتَّصِلِ لأنه من الملائكة على قوله الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً ومَلَكاً على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل قال ابن عباس «5» . وقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجِنِّ كما آدمُ أبو البشر، ولم يكُ قطُّ ملَكاً «6» ، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: واسمه الحارث «7» .

_ (1) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 124) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 102) بنحوه. (2) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 124) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 102) ، بنحوه عن ابن عباس. (3) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 124) . [.....] (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 124) . (5) أخرجه البيهقي في «الشعب» (1/ 170) برقم (146- 147) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 102- 103) ، وعزا أحدهما لابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» ، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب: «الأضداد» ، والبيهقي في «الشعب» ، والثاني عزاه لوكيع، وابن المنذر، والبيهقي. (6) أخرجه الطبري (1/ 264) رقم (701) ، عن ابن زيد، وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 124) ، والقرطبي (1/ 251) . (7) أخرجه الطبري (1/ 265) برقم (704) ، عن السدي، وذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 124) ، والقرطبي (1/ 251) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 103) ، عن السدي، بلفظ «كان اسم إبليس الحرث» .

وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: كان من الْجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكةُ فسَبَوْهُ صغيراً، وتعبَّد مع الملائكة، وخُوطِبَ معها، وحكاه الطبريّ عن ابن مسعود «1» . والاستثناء على هذا الأقوال منقطعٌ واحتجَّ بعض أصحاب هذا القول بأن اللَّه تعالى قال في صفة الملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] ورجَّح الطبريُّ قَوْلَ من قال: إن إِبليسَ كان من الملائكَةِ، وقال «2» : ليس في خلقه مِنْ نارٍ، ولا في تركيبِ الشَّهْوَةِ والنسلِ فيه حينَ غُضِبَ عليه ما يدْفَعُ أنه كان من الملائكة، وقوله تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: 50] يتخرَّج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جِنًّا لاستتارها قال اللَّه تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: 158] وقال الأعشى في ذكر سليمانَ عليه السلام: [الطويل] وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلاَئِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بِلاَ أَجْرِ «3» أو على أن يكون نسبه إلى الجَنَّةِ كما ينسب إلى البَصْرَةِ بِصْرِيَّ. قال عِيَاضٌ: ومما يذكرونه قصَّةُ إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيساً فيهم، ومن خُزَّان الجَنَّة إلى ما حكَوْه، وهذا لم يتفقْ عليه، بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن. انتهى من «الشِّفا» «4» . وإِبْلِيسُ: لا ينصرفُ لأنه اسم أعجميٌّ قال الزَّجَّاج: ووزنه فِعْلِيلُ، وقال ابن عبَّاس وغيره: هو مشتقٌّ من أُبْلِسَ، إِذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل «5» ، ولم

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 263) برقم (698) ، وذكره القرطبي (1/ 251) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 508) . (3) البيت للأعشى وقبله: ولو كان شيء خالدا أو معمّرا ... لكان سليمان البريء من الدّهر براه إلهي واصطفاه عباده ... وملّكه ما بين ثريا إلى مصر ينظر: «ملحق ديوانه» (243) ، و «اللسان» (جنن) ، و «تفسير الطبري» (1/ 506) ، و «القرطبي» (1/ 295) ، و «البحر المحيط» (1/ 304) ، و «الدر المصون» (1/ 186) ، و «روح المعاني» (1/ 230) وقال: وكون الملائكة لا يستكبرون- وهو قد استكبر- لا يضر، إما لأن من الملائكة من ليس بمعصوم- وإن كان الغالب فيهم العصمة على العكس منا- وفي «عقيدة أبي المعين النسفي» ما يؤيد ذلك، وإما لأن إبليس سلبه الله (تعالى) الصفات الملكية، وألبسه ثياب الصفات الشيطانية، فعصى عند ذلك، والملك ما دام ملكا لا يعصي. (4) ينظر: «الشفا» ص (858) . (5) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 125) .

تصرفه هذه الفرقةُ لشذوذه وقلَّته، ومنه قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: 44] أيْ: يائسون من الخير، مبعدون منه فيما يرون، وأَبى: معناه: امتنَعَ من فعْلِ ما أمر به، وَاسْتَكْبَرَ: دخل في الكبرياءِ، والإبَاءَةُ مقدَّمة على الاِستكبارِ في ظهورهما عليه، والاستكبارُ والأَنَفَة مقدَّمة في معتقده، وروى ابْنُ القاسم «1» عن مَالكٍ أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ معْصيَةٍ كانت الحسدُ، والكِبْرُ، والشُّحُّ، حسد إِبليسُ آدم، وتكبَّر، وشحّ آدم/ في أكله 16 أمن شجرة قد نُهِيَ عن قربها «2» . ت: إِطلاق الشحِّ على آدم فيه ما لا يخفى عليك، والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحُطُّ من رتبتهم، وقد قال اللَّه تعالى في حق آدَمَ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115] . وقوله تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ: قالت فِرقَةٌ: معناه: وصار من الكافرين، وردَّه ابن فُورَكَ، وقال جمهور المتأوِّلين: معنى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ، أيْ: في علْمِ اللَّهِ تعالى، وقال أبو العالية: معناه: من العاصين «3» ، وذهب الطبريُّ إِلى أن اللَّه تعالى أراد بقصة إبْلِيسَ تقريعَ أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدُّم نعم اللَّه عليهم، وعلى أسلافهم. ت: ولفظ الطبريِّ «4» : وفي هذا تقريعٌ لليهود إذ أبوا الإسلام مع علمهم بنبوءة رسول الله صلّى الله عليه وسلم من التوراة والكُتُبِ حَسَداً له، ولبني إِسماعيل كما امتنع إِبليسُ من السجود حَسَداً لآدَم وتكبُّراً عن الحق وقبولِهِ، فاليهود نظراء إِبْليسَ في كُفْرهم وكِبْرهم وحَسَدهم وتَرْكِهِمْ الانقيادَ لأمر اللَّه تعالى. انتهى من «مختصر الطبريِّ» لأبي عبد اللَّه اللَّخْمِيِّ النحْويِّ. واختلف، هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً؟ على قولَيْن بين أهل السنة، ولا خلاف أنه

_ (1) عبد الرحمن بن القاسم العتقي: جمع بين الزهد والعلم، وتفقه بمالك ونظرائه، وصحب مالكا عشرين سنة، وعاش بعده اثنتي عشرة سنة، مولده سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومات ب «مصر» سنة إحدى وتسعين ومائة. ينظر: «الطبقات» للشيرازي (150) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 125) . (3) أخرجه الطبري (1/ 266) برقم (705) . (4) ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 510) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 35 إلى 36]

كان عالماً باللَّه قبل كفره، ولا خلاف أن اللَّه تعالى أخرج إبليس عند كفره، وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: اسْكُنْ. [سورة البقرة (2) : الآيات 35 الى 36] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) قوله تعالى: وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ: اسْكُنْ: معناه: لاَزِمِ الإقامةَ، ولفظه لفظ الأمر، ومعناه الإِذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام، هل هي جنةُ الخُلْدِ، أو جنةٌ أخرى. ت: والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة. وَكُلا مِنْها، أي: من الجنةِ، والرغَد: العيشَ الدارَّ الهنيَّ، و «حَيْثُ» مبنيةٌ على الضمِّ. وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ: معناه لا تقرباها بأكْلٍ، والهاءُ في «هَذِهِ» بدلٌ من الياء، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرةٍ معيَّنة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال ابن عَبَّاس، وابن مسعود: هي الكَرْم «1» ، وقيل: هي شجرة التِّين «2» ، وقيل: السنبلة «3» وقيل غير ذلك. وقوله: فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ: الظالمُ في اللغة: الذي يضع الشيء في غير موضعه، والظلم في أحكام الشرع على مراتب: أعلاها الشِّرْكُ، ثم ظُلْمُ المعاصي وهي مراتب، وفَأَزَلَّهُمَا: مأخوذ من الزَّلَلِ، وهو في الآية مجازٌ لأنه في الرأْي والنَّظر، وإنما حقيقة الزَّلَلِ في القَدَمِ، وقرأ حمزة «4» : «فأَزَالَهُمَا» مأخوذ من الزوال، ولا خلاف بين

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 269- 270) برقم (730) عن ابن عباس وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 107) . [.....] (2) أخرجه الطبري (1/ 270) برقم (740) عن بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم بلفظ «التينة» وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 170) بلفظ: «التين» ، والشوكاني في «تفسيره» (1/ 130) . (3) أخرجه الطبري (1/ 269) عن عدد من الصحابة والتابعين، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 107) ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ. (4) ينظر: «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 388) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 14) ، و «طيبة النشر» (4/ 18) ، و «العنوان» (69) ، و «إعراب القراءات السبع وعللها» (1/ 81) ، و «حجة القراءات» (94) ، و «شرح شعلة» (261) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 147) ، وقد قرأ بها الحسن وأبو رجاء. ينظر: «البحر المحيط» (1/ 313) ، و «القرطبي» (1/ 213) .

العلماء أن إبليس اللعينَ هو متولِّي إغواء آدم- عليه السلام-، واختلف في الكيفيَّة. فقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء: أغواهما مشافهةً «1» بدليل قوله تعالى: وَقاسَمَهُما [الأعراف: 21] والمقاسمة ظاهرها المشافهةُ. وقالت طائفةٌ: إن إبليس لم يدخُلِ الجنةَ بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانِهِ، وسُلْطَانه، ووَسَاوِسِهِ التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابن آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ/» «2» . ت: وإلى هذا القوْلِ نَحَا المَازِرِيُّ «3» في بعض أجوبته، ومن ابتلي بشيء من

_ - وحمزة هو: حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل التيمي الزيات. أحد القراء السبعة. كان عالما بالقراءات. انعقد الإجماع على تلقي قراءته بالقبول. قال الثوري: ما قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر. ينظر: «الأعلام» (2/ 277) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 27) ، «وفيات الأعيان» (1/ 167) . (1) أخرجه الطبري (1/ 272) رقم (741) ، عن ابن عباس، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 108) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 131) ، كلاهما عن ابن عباس. (2) أخرجه البخاري (4/ 326) ، كتاب «الاعتكاف» ، باب هل يخرج المعتكف، حديث (2035) ، وباب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، حديث (2038) ، وباب هل يدرأ المعتكف عن نفسه، حديث (2039) ، و (6/ 242- 243) ، كتاب «فرض الخمس» ، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم حديث (3101) ، و (6/ 387- 388) ، كتاب «بدء الخلق» ، باب صفة إبليس وجنوده، حديث (3281) ، و (10/ 613- 614) ، كتاب «الأدب» باب التكبير والتسبيح عند التعجب، حديث (6219) ، و (13/ 169) ، كتاب «الأحكام» ، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء، حديث (7171) ، ومسلم (4/ 1712) ، كتاب «السلام» ، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة ... ، حديث (25/ 2175) ، وأبو داود (1/ 749) ، كتاب «الصيام» ، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته، حديث (2470، 2471) ، وابن ماجة (1/ 565- 566) ، كتاب «الصيام» ، باب في المعتكف يزوره أهله في المسجد، حديث (1779) ، وأحمد (6/ 337) ، وعبد الرزاق (8065) ، وابن خزيمة (3/ 349) ، رقم (2233، 2234) ، وابن حبان (3671) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (1/ 29- 30) ، والبيهقي (4/ 321) ، كتاب «الصيام» ، باب المعتكف يخرج إلى باب المسجد، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 397- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن صفية بنت حيي به. (3) المازري: هو محمد بن علي بن عمر التميمي، المازري، يعرف ب «الإمام» ، ويكنى بأبي عبد الله، أصله، من «مازر» مدينة في جزيرة «صقلية» ، خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين، الحافظ النظار، كان واسع الباع في العلم والاطلاع مع حدة في الذهن ورسوخ تام حتى بلغ درجة الاجتهاد، أخذ عن أبي الحسن اللخمي وغيره وعنه أخذ ما لا يعد، منهم: أبو محمد عبد السلام، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم، وله مؤلفات منها: «شرح التلقين» ليس للمالكية كتاب مثله، و «شرح البرهان» -

وسوسة هذا اللعينِ فأعظم الأدوية له الثقَةُ باللَّه، والتعوُّذ به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدمُ الالتفاتِ إليه، ما أمكن قال ابن عطاءِ اللَّه «1» في «لَطَائِفِ المِنَنِ» : كان بي وسواسٌ في الوضوءِ، فقال لي الشيخُ أبو العبَّاس المُرْسِيُّ «2» : إن كنت لا تترك هذه الوسوسةَ لا تَعْدُ تَأْتِينَا، فَشَقَّ ذلك علَيَّ، وقطع اللَّه الوسواسَ عني، وكان الشيخ أبو العباس يُلَقِّنُ للوسواسِ: سُبْحَانَ المَلِكِ الخَلاَّقِ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر: 16، 17] انتهى. قال عِيَاضٌ: في «الشِّفا» «3» وأما قصة آدم عليه السلام، وقوله تعالى: فَأَكَلا مِنْها [طه: 121] بعد قوله: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ، وقوله تعالى: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ [الأعراف: 22] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: 121] أي: جهل، وقيل: أخطأ، فإن اللَّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115] قال ابن عبَّاس: نسي عداوة إِبليس، وما عهد اللَّه إِليه من ذلك «4» بقوله: إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ... [طه: 117] الآيَة، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عهد إِليه فنسي «5» ، وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بِحَلِفِ إِبليس لهما: إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: 21] وتوهَّما أن أحداً لا يحلف

_ - لأبي المعالي الجويني المسمى «إيضاح المحصول من برهان الأصول» . ولد سنة (443) هـ، وتوفي سنة (536 هـ.) ينظر: «شجرة النور» ص (127) ، «الديباج» (ص 279) . (1) أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل تاج الدين، ابن عطاء الله الإسكندري: متصوف شاذلي، من العلماء، كان من أشد خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية. له تصانيف منها: «الحكم العطائية» في التصوف، و «تاج العروس» في الوصايا والعظات، و «لطائف المنن في مناقب المرسي وأبي الحسن» توفي ب «القاهرة» . وينسب إليه كتاب «مفتاح الفلاح» ، وليس من تآليفه. ينظر: «الأعلام» (1/ 221 و 222) ، «الدرر الكامنة» (1/ 273) ، «كشف الظنون» (675) . (2) أحمد بن عمر المرسي، أبو العباس، شهاب الدين: فقيه متصوف، من أهل الإسكندرية، أصله من «مرسية» من «الأندلس» . ينظر: «الأعلام» (1/ 186) ، «النجوم الزاهرة» (7/ 371) . (3) ينظر: «الشفا» ص (822، 823) . (4) ذكره الماوردي في «التفسير» (3/ 430) بنحوه، والقرطبي (6/ 4291) . (5) أخرجه الطبري (8/ 465) برقم (24380) ، والحاكم (2/ 380- 381) ، وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (4/ 553) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في «الصغير» وابن منده في «التوحيد» ، والحاكم.

باللَّه حانِثاً، وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جُبَيْر: حلف باللَّه لهما حتى غَرَّهُمَا، والمؤمن يخدع، وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفَةَ فلذلك قال تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115] أَيْ: قَصْداً للمخالفةِ وأكثر المفسرين «1» على أن العزمَ هنا الحزمُ والصبرُ، وقال ابن فُورَكَ وغيره: إِنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى [طه: 121، 122] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل: بل أكلها، وهو متأوِّل، وهو لا يعلم أنَّها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول نهي اللَّه تعالى عن شجرة مخصوصةٍ، لا على الجنْسِ، ولهذا قيل: إنما كانت التوبةُ من ترك التحفُّظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن اللَّه تعالى لم ينهه عنها نَهْيَ تحريمٍ. انتهى بلفظه فجزاه اللَّه خيرًا، ولقد جعل اللَّه في شِفَاهُ شِفَاءً. والضمير في عَنْها يعود على الجنة، وهنا محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهر تقديره: فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وقوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ: قيل: معناه: مِنْ نعمة الجنَّةِ إلى شقاء الدنيا، وقيل: من رفعة المنزلةِ إلى سُفْل مكانة الذنب. ت: وفي هذا القول ما فيه، بل الصوابُ ما أشار إليه صاحب «التَّنْوِيرِ» بأن إخراج آدَم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفةً، هو وأخيارَ ذرّيته، قائمين فيها بما يجبُ للَّه من عبادتِهِ، والهبوطُ النزولُ من عُلْو إلى سُفْل، واختلف من المخاطَبُ بالهبوط. فقال السُّدِّيُّ/ وغيره: آدم، وحَوَّاء، وإِبليس، والحيّة التي أدخلت إبليس في فمها، 17 أوقال «2» الحسن: آدم، وحواء والوسوسة «3» . وبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ جملةٌ في موضع الحال، وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ، أيْ: موضع استقرار، وقيل: المراد الاستقرار في القبور، والمتاع: ما يستمتع به من

_ (1) قال السمين الحلبي: «قال قتادة: صبرا، وقال غيره: حزما. وهذه غلطة. والأولى في تفسيرها: ولم نجد له تصميما على ما همّ به. وقال شمر: العزم والعزيمة: ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله. ينظر: «عمدة الحفاظ» (3/ 87) . [.....] (2) أخرجه الطبري (1/ 278) برقم (760) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 110) عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره ابن كثير (1/ 206) ، والماوردي (1/ 107) والشوكاني في «تفسيره» (1/ 131) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 129) ، والقرطبي (1/ 272) .

أكل، ولُبْس، وحَدِيثٍ، وأنس، وغيرِ ذلك. واختلف في «الحِينِ» هنا. فقالت فرقةٌ: إلى المَوْتِ، وهذا قولُ من يقول: المستقرُّ هو المُقام في الدنيا، وقالت فرقة: إِلى حِينٍ: إلى يومِ القيامةِ، وهذا هو قول من يقول: المستَقَرُّ هو في القبور، والحِينُ المدَّة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان «1» والالتزامات سَنَةٌ قال اللَّه تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم: 25] وقيل: أقصرها ستَّةُ أشهر لأن من النخل ما يطعم في كلِّ ستة أشهر. وفي قوله تعالى: إِلى حِينٍ فائدةٌ لآدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقلٌ إِلى الجنة التي وعد بالرجوع إِليها، وهي لغير آدم دالَّة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سَرَنْدِيبَ «2» ، وأن حواء نزلَتْ بِجُدَّةَ «3» ، وأن الحية نزلت بأصبهان «4» ،

_ (1) الأيمان لغة: جمع يمين، وهو القوة، وفي الصحاح: اليمين: القسم، والجمع: الأيمن، والأيمان. انظر: «الصحاح» (6/ 2221) ، «المصباح المنير» (2/ 1057) ، و «المغرب» (2/ 399) ، «لسان العرب» (3/ 462) ، «القاموس المحيط» (4/ 281) . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: عقد قوي به عزم الحالف على فعل شيء أو تركه. وعرفه الشافعية بأنه: تحقيق غير ثابت ماضيا كان أو مستقبلا، نفيا أو إثباتا، ممكنا أو ممتنعا، صادقة أو كاذبة، على العلم بالحال أو الجهل به. وعرفه المالكية بأنه: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته. وعرفه الحنابلة بأنه: توكيد حكم (أي: محلوف عليه) ، بذكر معظم، أو هو: المحلوف به على وجه مخصوص. ينظر: «تبيين الحقائق» (3/ 107) ، «شرح فتح القدير» (4/ 2) ، «مغني المحتاج» (4/ 320) ، «المحلى على المنهاج» (4/ 370) ، «حاشية الدسوقي» (2/ 112) ، «شرح منتهى الإرادات» (3/ 419) . (2) سرنديب جزيرة عظيمة بأقصى بلاد الهند. يقال: ثمانون فرسخا في مثلها، فيها الجبل الذي هبط عليه آدم- عليه السلام- يقال له: الرهون، وهو ذاهب في السماء يراه البحريون من مسافة أيام كثيرة. وفيه أثر آدم وقبره، وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر طولها نحو سبعين ذراعا. ينظر: «مراصد الاطلاع» (2/ 710) . (3) جدّة بالتشديد: بلد على ساحل بحر اليمن، هو فرضة «مكة» . ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 318) . (4) أصبهان منهم من يفتح الهمزة وهو الأكثر الأشهر، وكسرها آخرون. أصبهان: لفظ معرّب من سباهان بمعنى الجيش، فيكون معناه على حذف المضاف مدينة «الجيش» : مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها. وأصبهان: اسم للإقليم بأسره. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 87) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 37 إلى 38]

وقيل: بِمَيْسَانَ «1» ، وأن إبليسَ نزل عند الأُبُلَّةِ «2» . [سورة البقرة (2) : الآيات 37 الى 38] فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ: المعنى: فقال الكلماتِ، فتابَ اللَّه علَيْه عنْد ذلك، وقرأ ابن كثير «3» «آدَمَ» بالنصب «مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ» بالرفع، واختلف المتأوِّلون في الكلماتِ، فقال الحسنُ بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ... «4» الآية [الأعراف: 23] ، وقالت طائفة: إِنَّ آدم رأى مكتوباً على ساق العرش: محمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ، فتشفَّع به، فهي الكلماتُ «5» ، وسئل بعض سَلَفِ المسلمين عمَّا ينبغي أن يقوله المُذْنِبُ، فقال: يقول ما قاله أبواه: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] وما قاله موسى: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: 16] وما قال يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: 87] وتَابَ عَلَيْهِ: معناه: راجعٌ به، والتوبةُ، من اللَّه تعالى الرجوعُ على عبده بالرحمةِ والتوفيقِ، والتوبةُ من العبد الرجوعُ عن المعصيةِ، والندمُ على الذنب، مع تركه فيما يستأنف. ت: يعني: مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص اللَّه تعالى آدم بالذكْرِ في التلقِّي، والتوبة، وحواءُ مشارِكَةٌ له في ذلك بإجماع لأنه المخاطَبُ في أول القصَّة، فكملت القصة بذكُره وحْدَه وأيضاً: فَلأَنَّ المرأة حُرْمَةٌ ومستورةٌ، فأراد اللَّه تعالَى السِّتْر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [طه: 121] وبنية التَّوَّاب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: هُوَ التَّوَّابُ تأكيدٌ فائدتُهُ أنَّ التوبة على العبد إنما هي

_ (1) «ميسان» : كورة واسعة كثيرة القرى والنخل، بين «البصرة» و «واسط» قصبتها «ميسان» . ينظر: «مراصد الاطلاع» (3/ 1343) . (2) «الأبلّة» : بلدة على شاطىء دجلة «البصرة» العظمى، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة «البصرة» . ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 18) . (3) عبد الله بن كثير الداري المكي، أبو معبد: أحد القرّاء السبعة. كان قاضي الجماعة ب «مكة» . وكانت حرفته العطارة. ويسمون العطار «داريّا» . فعرف ب «الداري» . وهو فارسي الأصل، ولد سنة (45 هـ.) ب «مكة» وتوفي سنة (120 هـ.) بها أيضا. ينظر: «وفيات الأعيان» (1: 250) ، «الأعلام» (4/ 115) . (4) أخرجه الطبري (1/ 281) برقم (778) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 118) ، وعزاه لعبد بن حميد، وذكره ابن كثير (1/ 81) . (5) ينظر: القرطبي (1/ 276) .

نعمة من اللَّه تعالى، لا من العبد وحده لئلاَّ يعجب التائبُ، بل الواجب عليه شكر اللَّه تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علَّق بكل أمر منهما حكمًا غير حكم الآخر، فعلَّق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى. ت: وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تَكْرِمَةٍ لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العبادات. 17 ب وجَمِيعاً: حالٌ من الضمير/ في «اهبطوا» ، واختلف في المقصود بهذا الخطاب. فقيل: آدم، وحواء، وإبليس، وذريَّتهم، وقيل: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء لأن إبليس لا يأتيه هُدًى، والأول أصح لأن إبليس مخاطَبٌ بالإيمان بإجماع «1» . «وإِنْ» في قوله: فَإِمَّا هي للشرط، دخلت «مَا» عليها مؤكِّدة ليصح دخول النون المشدَّدة، واختلف في معنى قوله: هُدىً فقيل: بيان وإرشاد، والصواب أن يقال: بيان ودعاءٌ، وقالت فرقة: الهُدَى الرسُلُ، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فَمَنْ بعده.

_ (1) يطلق الإجماع في اللّغة، على معنيين: أحدهما: العزم، يقال: أجمعت المسير والأمر، وأجمعت عليه أي: عزمت. ثانيهما: الاتّفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتّفقوا، قال في «القاموس» : الإجماع: الاتّفاق، والعزم على الأمر. عرّفه الرازيّ في «المحصول» والإجماع اصطلاحا بأنه: عبارة عن اتّفاق أهل الحلّ والعقد من أمّة محمد صلّى الله عليه وسلم على أمر من الأمور. وعرّفه الآمديّ بقوله: عبارة عن اتّفاق جملة أهل الحلّ والعقد من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم في عصر من الأعصار على واقعة من الوقائع. وعرّفه النّظّام من المعتزلة بقوله: هو كلّ قول قامت حجّته حتّى قول الواحد. وعرّفه سراج الدين الأرمويّ في «التحصيل» بقوله: هو اتّفاق المسلمين المجتهدين في أحكام الشّرع على أمر ما من اعتقاد، أو قول، أو فعل. ويمكن أن يعرّف بأنّه اتفاق المجتهدين من هذه الأمّة بعد وفاة محمّد صلّى الله عليه وسلم في عصر على أمر شرعيّ. ينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 670) ، «البحر المحيط» للزركشي (4/ 435) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (1/ 179) ، «سلاسل الذهب» للزركشي ص (337) ، «التمهيد» للأسنوي ص (451) ، «نهاية السول» له (3/ 237) ، «زوائد الأصول» له ص (362) ، «منهاج العقول» (2/ 377) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 39 إلى 41]

وقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ: شرطٌ، جوابه: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، قال سيبوَيْهِ: والشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ. وقوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم منها، ويحتمل: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم القيامة، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه. ت: وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبريِّ، ولفظه عن ابن زيد: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، أي: لا خوف عليهم أمامهم «1» ، قال: وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموتِ فأمَّنهم سبحانه منه، وسلّاهم عن الدنيا. انتهى. [سورة البقرة (2) : الآيات 39 الى 41] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: لما كانت لفظة الكُفْرِ يشترك فيها كفر النعمِ، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلودٌ، بيَّن سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ... والآياتُ هنا يحتمل أن يريد بها المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ، والصُّحْبَةُ الاقتران بالشيْءِ في حالةٍ مَّا زمنا. قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ: إسْرَائِيلَ: هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ- عليهم السلام- وإِسْرَا: هو بالعبرانية عبد، وإِيلُ: اسم اللَّه تعالى، فمعناه عَبْدُ اللَّهِ، والذِّكْرُ في كلام العَرَبِ على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضدّ النسيان، والنعمة هنا اسم «2» جنس، فهي مفردة بمعنى الجَمْعِ، قال ابن عَبَّاس، وجمهور العلماء: الخِطَابُ لجميع بني إسرائيل في مدَّة النبيِّ صلّى الله عليه وسلم.

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 285) برقم (796) . (2) الجنس: هو جملة الشيء ومجموع أفراده، وهو أعم من النوع، وقد استعمل النحاة هذا التعبير في مجال الدلالة على الشيوع والعمومية في النوع الواحد. وقد أطلق النحاة هذا اللفظ في مجال تقسيم العلم وذكر أنواعه، فقالوا: العلم: علم شخص أو جنس. واستعملوه أيضا في اسم الجنس الذي قسموه إلى ثلاثة أقسام: 1- اسم جنس جمعي. 2- اسم جنس إفرادي. 3- اسم جنس آحادي. «معجم المصطلحات النحوية والصرفية» ، د. محمد سمير نجيب اللبدي، (ص 55- 56) . [.....]

وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: أمر وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماءِ عامٌّ «1» في جميع أوامره سبحانه ونواهيه ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمّد صلّى الله عليه وسلم الذي في التوراة، والرهبةُ يتضمَّن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذيُّ الحَكِيمُ «2» في «نَوَادِرِ الأصول» له عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ» «3» . انتهى من «التذكرة» للقرطبيّ، ورواه ابن المبارك «4» في

_ (1) عرفه أبو الحسين البصريّ في «المعتمد» بقوله: «هو اللّفظ المستغرق لما يصلح له» . وزاد الإمام الرّازي على هذا التّعريف في «المحصول» : « ... بوضع واحد» ، وعليه جرى البيضاويّ في «منهاجه» . وعرّفه إمام الحرمين الجوينيّ في «الورقات» بقوله: «العام: ما عمّ شيئين فصاعدا» . وإلى ذلك أيضا ذهب الإمام الغزّاليّ حيث عرّفه بأنّه: «اللّفظ الواحد الدّالّ من جهة واحدة على شيئين فصاعدا» . ويرى سيف الدّين الآمديّ أنّ العامّ هو: «اللّفظ الواحد الدّالّ على قسمين فصاعدا مطلقا معا» . واختار ابن الحاجب: «أن العامّ ما دلّ على مسميّات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة» . ينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 3418) ، و «البحر المحيط» للزركشي (3/ 5) ، و «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (2/ 185) ، و «سلاسل الذهب» للزركشي (ص 219) ، و «التمهيد» للإسنوي (ص 297) ، و «نهاية السول» له (2/ 312) ، و «زوائد الأصول» له (ص 248) ، و «منهاج العقول» للبدخشي: (2/ 75) ، و «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص 69) ، و «التحصيل من المحصول» للأرموي: (1/ 343) ، و «المنخول» للغزالي (ص 138) ، و «المستصفى» له (2/ 32) ، و «حاشية البناني» (1/ 392) ، و «الإبهاج» لابن السبكي (2/ 82) ، و «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (2/ 254) ، و «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (ص 326) ، و «حاشية العطار على جمع الجوامع» (1/ 505) ، و «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 189) ، و «إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (ص 230) . (2) محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي: باحث صوفي، عالم بالحديث وأصول الدين من أهل «ترمذ» نفي منها بسبب تصنيفه كتابا خالف فيه ما عليه أهلها، فشهدوا عليه بالكفر. وقيل: اتهم باتباع طريقة الصوفية في الإشارات ودعوى الكشف. وقيل: فضّل الولاية على النبوة، ورد بعض العلماء هذه التهمة عنه. أما كتبه، فمنها: «نوادر الأصول في أحاديث الرسول» ، و «الفروق» . ينظر: «الأعلام» (6/ 272) ، «مفتاح السعادة» (2/ 170) ، «طبقات السبكي» (2/ 20) ، «الرسالة المستطرفة» (43) . (3) أخرجه ابن حبان (2494- موارد) ، والبزار (4/ 74- «كشف» ) ، حديث (3233) . (4) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. روى عن حميد، وإسماعيل، وغيرهم. كتب عن أربعة آلاف شيخ وروى عن ألف، عالم المشرق والمغرب، وكان ثقة، ولد سنة (118 هـ.) ، وتوفي سنة (181 هـ.) . ينظر: «الخلاصة» (2/ 93) (3767) ، و «الحلية» (8/ 162- 190) ، و «الوفيات» (3/ 32- 34) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 42 إلى 43]

«رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن البصريِّ، وفيه: قَالَ اللَّهُ: «وَعِزَّتِي، لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ فَإذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» «1» . انتهى، ورواه أيضاً الترمذيُّ الحكيمُ في كتاب «خَتْمِ الأَوْلِيَاءِ» قال صاحب «الكَلِمِ الفَارِقِيَّةِ، والحِكَمِ الحقيقيَّة» : «بقدر ما يدخل القلب من التعظيم والحرمة/ 18 أتنبعث الجوارح في الطاعة والخدمة» . انتهى. وآمِنُوا: معناه: صدّقوا، ومُصَدِّقاً نصبٌ على الحال من الضمير في أَنْزَلْتُ، وبِما أَنْزَلْتُ كناية عن القرآن، ولِما مَعَكُمْ، يعني: التوراةَ. وقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ هذا من مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمها واحدٌ، وَحُذِّرُوا البدارَ إلى الكفر به إِذ على الأول كِفْلٌ من فعل المقتدى به، ونصب «أَوَّلَ» على خبر «كَانَ» . ع «2» : وقد كان كَفَر قبلهم كفار قريشٍ، وإِنما معناه من أهل الكتاب إِذ هم منظورٌ إِليهم في مثل هذا، واختلف في الضمير في «به» ، فقيل: يعود على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقيل: على القرآن، وقيل: على التوراة، واختلف في الثمن الذي نُهُوا أن يشتروه بالآياتِ. فقالتْ طائفةٌ: إن الأحبار كانوا يُعلِّمُونَ دينَهم بالأجرة، فَنُهُوا عن ذلك، وفي كتبهم: «عَلِّمْ مَجَّاناً كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّاناً» ، أي: باطلاً بغير أجرة. وقيل: كانت للأخبار مأكلة يأكلونها على العِلْمِ. وقال قوم: إن الأحبار أخذوا رُشاً على تغييرِ صفَةِ محمَّد صلّى الله عليه وسلم في التوراة، فنُهُوا عن ذلك. وقال قوم: معنى الآية: ولا تشتروا بأوامري، ونواهِيَّ، وآياتي ثمناً قليلاً، يعني: الدنيا ومدَّتها والعيش الذي هو نزْرٌ «3» لا خَطَر له، وقد تقدَّم نظير قوله: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ، وبيْنَ «اتقون» ، و «ارهبون» فرق إن الرهبة مقرونٌ بها وعيدٌ بالغ. [سورة البقرة (2) : الآيات 42 الى 43] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

_ (1) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 50، 51) رقم (157) عن الحسن مرسلا. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 134) . (3) النّزر: القليل التّافه. ينظر: «لسان العرب» (4393) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 44 إلى 46]

وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، أي: لا تخلطوا، قال أبو العاليةِ: قالت اليهود: محمَّد نبيٌّ مبعوثٌ، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم: إلى غيرنا باطلٌ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، أي: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم «1» ، وفي هذهِ الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصى من الجاهل، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملةٌ في موضع الحال. قال ص «2» : وَتَكْتُمُوا مجزومٌ معطوف على تَلْبِسُوا، والمعنى النهْيُ عن كلٍّ من الفعلين. انتهى. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: معناه: أظهروا هيئَتَها، وأديموها بشروطها، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: من التطهير. وقوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ: قيل: إنما خص الركوع بالذِّكْر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوعٌ. ت: وفي هذا القول نظرٌ، وقد قال تعالى في «مَرْيم» : اسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: 43] ، وقالت فرقة: إنما قال: مَعَ لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمرهم بقوله: مَعَ شهود الجماعة. ت: وهذا القول هو الذي عوَّل عليه ع: في قصَّة مرْيَمَ «3» - عليها السلام-، والركوع الانحناء بالشخص. [سورة البقرة (2) : الآيات 44 الى 46] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) وقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ خرج مخرج الاستفهامِ، ومعناه التوبيخُ، و «البِرُّ» يجمع وجوه الخيرِ والطاعاتِ، وتَنْسَوْنَ معناه تتركون أنفسكم. قال ابنُ عَبَّاس: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلِّديهم باتباع التوراة، وكانوا هم

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 294) برقم (829) بلفظ «كتموا بعث محمد صلّى الله عليه وسلم» . وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 135) . (2) «المجيد» ص 230. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 434) .

يخالفونها في جحدهم منها صفة محمّد صلّى الله عليه وسلم «1» . وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدَهُمْ أحد من العرب في اتّباع محمّد صلّى الله عليه وسلم، دلُّوه على ذلك، وهم لا يفعلونه. ت: وخرَّج الحافظُ أبو نُعَيْمٍ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهانيُّ «2» في كتاب «رِيَاضَةِ المُتَعَلِّمِينَ» قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد «3» ، حدَّثنا الحارث بن أبي أُسَامَةَ «4» ، حدثنا أبو النَّضْرِ «5» /، حدثنا محمَّد بن عبد اللَّه بن علي بن زيْدٍ عن أنس بن مالك- رضي اللَّه 18 أعنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب أفلا يعقلون» «6» . انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 296) برقم (840) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 126) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم: حافظ، مؤرخ، من الثقات في الحفظ والرواية. ولد ومات في «أصبهان» . من تصانيفه «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» ، و «معرفة الصحابة» . ينظر: «الأعلام» (1/ 157) ، «ابن خلكان» (1/ 26) ، «ميزان الاعتدال» (1/ 52) ، «طبقات الشافعية» (3/ 7) . (3) محمد بن خلاد بن كثير الباهلي، أبو بكر البصري. عن ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وابن فضيل، وطبقتهم. وعنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وزكريا خياط السنة. قال ابن حبان في «الثقات» : مات سنة تسع وثلاثين ومائتين. ينظر: «خلاصة تذهيب تهذيب الكمال» (2/ 401) ، «تهذيب التهذيب» (9/ 152) ، «الثقات» (9/ 86) . (4) اسم أبي أسامة: داهر: ونعت الحارث بأنه الحافظ، الصّدوق، العالم، مسند العراق، أبو محمد التّميمي، مولاهم البغدادي الخصيب، صاحب «المسند» المشهور، ولم يرتّبه على الصّحابة، ولا على الأبواب. ولد في سنة ستّ وثمانين ومئة. ذكره ابن حبان في «الثقات» . وقال الدارقطني: صدوق. توفي الحارث يوم «عرفة» سنة اثنين وثمانين ومئتين. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (13/ 388- 390) . [.....] (5) هاشم بن القاسم الليثي، أبو النضر الخراساني، قيصر، الحافظ. عن شعبة، وابن أبي ذئب، وحريز بن عثمان، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، ويحيى، وابن المديني، وخلق. قال العجلي: ثقة، صاحب سنة. كان أهل «بغداد» يفتخرون به. قال مطين: مات سنة سبع ومائتين. ينظر: «خلاصة تهذيب التهذيب» (3/ 110) ، و «تهذيب التهذيب» (11/ 18) ، و «الكاشف» (3/ 217) ، و «الجرح والتعديل» (6/ 446) . (6) أخرجه أحمد (3/ 120، 180، 231، 239) ، وابن المبارك في «الزهد» (819) ، وأبو يعلى (7/ 69) ، رقم (3992) ، من طريق حماد عن علي بن زيد، عن أنس به. -

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ: قال مقاتل «1» : معناه: على طلب الآخرة، وقيل: استعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات على نيلِ رضوانِ اللَّه سبحانه، وبالصلاةِ على نيل رضوانِ اللَّه، وحطِّ الذنوب، وعلى مصائب الدهْر أيضاً ومنه الحديثُ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذَا حَزَبَهُ «2» أَمْرٌ، فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ» «3» ، ومنْهُ ما روي أنَّ عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَمُ «4» وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ «5» ، وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوْمُ «6» ، ومنه قيل لرمضانَ شهْرُ الصبْرِ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكْرِ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهواتِ، ويزهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنْكَرِ، وتُخشِّع، ويقرأُ فيها القرآن الذي يذكِّر بالآخرة، وقال قومٌ: الصبر على بابه، والصلاة الدعاءُ، وتجيء الآية على هذا القولِ مشْبِهةً لقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا

_ وأخرجه أبو يعلي (7/ 180) ، رقم (4160) ، وابن حبان. (35- موارد) من طريق مالك بن دينار، عن أنس به. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (8/ 172) ، من طريق سليمان التيمي، عن أنس به. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 64) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبزار، وابن أبي داود في «البعث» ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» . (1) مقاتل بن سليمان الأزدي، أبو الحسن الخراساني، المفسر عن الضحاك، ومجاهد. وعنه ابن عيينة، وعلي بن الجعد. قال الشافعي: الناس عيال عليه في التفسير. قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. وقال الحربي: لم يسمع من مجاهد شيئا. وقال أبو حنيفة: مشبّه. وكذّبه وكيع. قال ابن حبان: كان يأخذ عن اليهود علم الكتاب، وكان مشبّها يكذب. قيل: مات سنة خمسين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 53- 54) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 285) . (2) أي إذا نزل به منهم أو أصابه غمّ. ينظر: «النهاية» (1/ 377) . (3) أخرجه أحمد (5/ 388) ، وأبو داود (1/ 420- 421) كتاب «الصلاة» ، باب وقت قيام النبي صلّى الله عليه وسلم من الليل، حديث (1319) ، من حديث حذيفة. (4) قثم (بضم أوله، وفتح المثلاثة) ابن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، صحابي، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، واستشهد في غزو «سمرقند» وقبره بها. ينظر: «الخلاصة» (2/ 359) ، «تهذيب الكمال» (2/ 1124) ، «تهذيب التهذيب» (8/ 361) ، «تقريب التهذيب» (2/ 123) . (5) أخرجه الطبري (1/ 299) برقم (852) ، وقال أحمد شاكر: «إسناده صحيح» وأخرجه البيهقي في «الشعب» (7/ 114) برقم (9682) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 131) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «الشعب» . (6) أخرجه البيهقي في «الشعب» (7/ 113) برقم (9680) .

وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال: 45] لأن الثبات هو الصبر، وذكر اللَّه هو الدعاءُ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ «1» عن ثابتٍ البُنَانِيِّ «2» عن صِلَةَ بْنِ أشْيَمِ «3» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ صلى صَلاَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاه» «4» وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صلى صَلاَةً غَيْرَ سَاهٍ، وَلاَ لاَهٍ، كُفِّرَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ شَيْءٍ» «5» . انتهي. وهذان الحديثان يُبَيِّنَانِ ما جاء في «صحيح البخاريِّ» عن عثمانَ حيثُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثاً، ثم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صلى ركعتين لا

_ (1) حمّاد بن سلمة بن دينار الرّبعي، أو التّميمي، أو القرشي، مولاهم، أبو سلمة البصري، أحد الأعلام. عن ثابت، وسماك، وسلمة بن كهيل، وابن أبي مليكة، وقتادة، وحميد، وخلق. وعنه ابن جريح، وابن إسحاق شيخاه، وشعبة، ومالك، وحبّان بن هلال، والقعنبيّ، وأمم. قال القطان: إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الإسلام. وقال ابن المبارك: ما رأيت أشبه بمسالك الأول من حماد. وقال وهيب بن خالد: كان حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا. قال حماد: من طلب العلم لغير الله مكر به. توفي سنة سبع وستين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 252) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 11) ، و «الثقات» (6/ 216) . (2) ثابت بن أسلم البناني، مولاهم، أبو محمد البصري، أحد الأعلام. قال ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثا. وقال حماد بن زيد: ما رأيت أعبد من ثابت. وقال شعبة: كان يختم في كل يوم وليلة ويصوم الدهر. وثقه النسائي، وأحمد، والعجلي. قال ابن عليّة: مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة. ينظر: «طبقات ابن سعد» (1/ 478 و 7/ 231) ، «الوافي بالوفيات» (10/ 461) ، «الحلية» (2/ 318) ، «سير الأعلام» (5/ 220) ، «تذكرة الحفاظ» (125) ، «لسان الميزان» (7/ 187) ، «ميزان الاعتدال» (1/ 362) ، «تهذيب الكمال» (1/ 170) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (1/ 147) . (3) الزاهد، العابد، القدوة، أبو الصهباء، العدوي، البصري، زوج العالمة معاذة العدوية. حدث عنه: أهله معاذة، والحسن، وحميد بن هلال، وثابت البناني، وغيرهم. ينظر: «سير الأعلام» (3/ 497) . (4) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 402) رقم (1143) ، وابن شاهين في «الصحابة» كما في «الإصابة» (3/ 260) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن صلة بن أشيم به مرسلا. (5) أخرجه ابن المبارك (ص 402- 403) ، رقم (1145) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 326- 327) ، رقم (902) من طريق ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن ربيعة بن قيس، عن عقبة بن عامر مرفوعا. وأخرجه الطبراني (17/ 327) ، رقم (903) ، من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن رجل، عن ربيعة بن قيس، عن عقبة بن عامر به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (2/ 278) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» بإسنادين في أحدهما ابن لهيعة، وفيه كلام. [.....]

يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «1» . انتهى. والضمير في قوله تعالى: وَإِنَّها قيل: يعود على الصلاة، وقيل: على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبْرِ والصلاة. قال ص «2» : «وإنَّهَا» الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. انتهى. ثم ذكر أبو حَيَّان «3» وجوهاً أُخَرَ نحو ما تقدَّم. وكَبِيرَةٌ: معناه: ثقيلةٌ شاقَّة، والخَاشِعُونَ: المتواضعون المخبتُونَ، والخشوعُ هيئة في النفْسِ يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع. ويَظُنُّونَ في هذه الآية، قال الجمهور: معناه: يوقنُونَ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشَّكُّ مع ميلٍ إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحِسِّ لا تقول العرب في رجل مَرْئِيٍّ أظن هذا إنسانًا، وإنَّمَا تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس كهذه الآية وكقوله تعالى: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: 53] . قال ص «4» : قلتُ: وما ذكره ابن عَطيَّةَ هو معنى ما ذكره الزّجّاج «5» في معانيه 19 أعن بعْض أهل العلْمِ أنَّ الظنَّ يقع في معنى العلْمِ الذي لم تشاهدْه/، وإِنْ كان قد قامت في نفسك حقيقتُهُ، قال: وهذا مذهبٌ إلا أن أهل اللغة لم يذكروه، قال: وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي «6» ،

_ (1) أخرجه البخاري (1/ 259) ، كتاب «الوضوء» ، باب الوضوء ثلاثا، الحديث (159) ، (160) ، (164) ، (1934) ، (6433) ، ومسلم (1/ 205) ، كتاب «الطهارة» ، باب صفة الوضوء وكماله، الحديث (4/ 226) ، وأبو داود (1/ 78- 81) ، كتاب «الطهارة» ، باب صفة وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم، الحديث (106) ، (110) ، وابن ماجة (1/ 105) ، كتاب «الطهارة» ، باب ثواب الطهور، الحديث (285) ، والنسائي (1/ 64) ، كتاب «الطهارة» ، باب المضمضة والاستنشاق، وباب بأي اليدين يتمضمض، والبيهقي (1/ 49) ، كتاب «الطهارة» ، باب سنة التكرار في المضمضة والاستنشاق، والدارقطني (1/ 83) ، كتاب «الطهارة» ، باب وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم. (2) «المجيد» ص 233. (3) ينظر: «البحر المحيط» (1/ 341) . (4) «المجيد» (235) . (5) ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (1/ 126) . (6) أبو إسحاق: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم بن بابك الجهضمي الأزدي: مولى آل جرير بن حازم. أصله من «البصرة» ، وبها نشأ، واستوطن «بغداد» وتفقه بابن-

[سورة البقرة (2) : الآيات 47 إلى 48]

رواه عن زيد بن أسْلَمَ «1» . انتهى. والمُلاَقَاةُ هي لِلثوابِ أو العقابِ، ويصحُّ أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث. وراجِعُونَ: قيل: معناه: بالموْتِ، وقيل: بالحشرِ والخروجِ إلى الحساب والعرضِ، ويقوِّي هذا القوْل الآيةُ المتقدِّمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 47 الى 48] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: قد تكرَّر هذا النداءُ والتذكيرُ بالنعمة، وفائدةُ ذلك أن الخطاب الأول يصحُّ أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرِّر إنما هو للكافرين بدلالة ما بعده وأيضاً: فإن فيه تقويةَ التوقيف، وتأكيدَ الحضِّ على أيَادِي اللَّه سبحانه، وحُسْن خطابهم بقوله سبحانه: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيلٌ لهم، وفي الكلام اتساعٌ، قال قتادة وغيره: المعنى: على عَالَمِ زمانِهِمُ الذي كانتْ فيه النبوءةُ المتكرِّرة، لأن الله تعالى يقول لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «2» [آل عمران: 110] . وَاتَّقُوا يَوْماً، أي: عذابَ يوم، أو هولَ يومٍ ويصح أن يكون يوماً نصبه على

_ - المعدّل، وكان يقول: أفخر على الناس برجلين ب «البصرة» : ابن المعدل: يعلّمني الفقه، وابن المديني: يعلمني الحديث. ينظر: «الديباج المذهب» (1/ 283- 284) . (1) زيد بن أسلم العدوي، مولاهم، المدني، أحد الأعلام. عن أبيه، وابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي هريرة، وقال ابن معين: لم يسمع منه، ولا من جابر، وعنه بنوه، وداود بن قيس، ومعمر وروح بن القاسم. قال مالك: كان زيد يحدّث من تلقاء نفسه، فإذا قام فلا يتجرىء عليه أحد. وثقه أحمد، ويعقوب بن شيبة. مات سنة ست وثلاثين ومائة في ذي الحجة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 349) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 395) ، «الكاشف» (1/ 136) ، «تاريخ البخاري الكبير» (3/ 387) ، «تاريخ البخاري الصغير» (1/ 137) ، «الجرح والتعديل» (3/ 2509) ، «ميزان الاعتدال» (2/ 98) ، «الثقات» (6/ 246) . (2) أخرجه الطبري (1/ 303) برقم (869) بلفظ «فضلهم على عالم ذلك الزمان» وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 133) بلفظ «فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم» وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد.

[سورة البقرة (2) : آية 49]

الظرف «1» ، ولا تَجْزِي: معناه: لا تغني، وقال السُّدِّيُّ: معناه: لا تقضي ويقوِّيه قوله: شَيْئاً، وفي الكلام حذفٌ، التقدير: لا تجزي فيه، وفي مختصر الطبريِّ: أي: واتقوا يوماً لا تقضي نفْسٌ عن نفس شيئاً، ولا تغني غَنَاءً، وأَحَدُنَا اليومَ قد يقضي عن قريبه دَيْناً، وأما في الآخرة، فيسر المرء أن يترتَّب له على قريبه حقٌّ لأنَّ القضاء هناك من الحسنات والسيئات كما أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلم. انتهى. والشَّفَاعَةُ: مأخوذة من الشَّفْع، وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شَفْعٌ وسبب هذه الآية أنَّ بني إسرائيل قالوا: «نَحْنُ أبناءُ أنبياء الله، وسيشفع لنا أبناؤنا» ، وهذا إنما هو في حق الكافرين للإجماع، وتواترِ الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين. وقوله تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ: قال أبو العالية: العَدْلُ: الفدية. قال ع «2» : عدل الشيْءِ هو الذي يساويه قيمةً وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْلُ بكسر العين: هو الذي يساوي الشيء من جنسه، وفي جرمه، والضمير في قوله: وَلا هُمْ عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآيةُ، ويحتمل أن يعود على النفسينِ المتقدِّمِ ذكرُهما لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنْسِ، وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإِن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلَّص إِلاَّ بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى. ت: أو يمنّ عليه إلا أنَّ الكافرَ ليس هو بأهلٍ لإنْ يمنّ عليه. [سورة البقرة (2) : آية 49] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وقوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: أي: خلَّصناكم، وَآل: أصْلُهُ أَهْل قلبت الهاء أَلِفاً ولذلك رَدَّها التصغيرُ إلى الأصل، فقيل: أُهَيْل، وآلُ الرجل قرابته، وشيعته، وأتباعه، وفرعونُ: اسمٌ لكلِّ من ملك من العَمَالِقَةِ بمصر، وفرعون موسى، قيل:

_ (1) ويكون المفعول حينئذ محذوفا، وتقديره: واتقوا العذاب في يوم صفته كيت وكيت. وقد منع أبو البقاء كونه ظرفا، قال: لأن الأمر بالتقوى لا يقع في يوم القيامة. والجواب عنه- كما يقول السمين الحلبي-: أن الأمر بالحذر من الأسباب المؤدية إلى العذاب في يوم القيامة. ينظر: «الدر المصون» (1/ 214) ، «التبيان في إعراب القرآن» لأبي البقاء العكبري، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الشام للتراث، بيروت لبنان، (1/ 60) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 139) .

اسمه مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّان، وقال ابْن إِسحاق: اسمه الوليدُ بْنُ مُصْعب، وروي أنه كان من أهل إِصْطَخْر «1» وَرَدَ مِصْرَ، فاتفق له فيها المُلْك، وكان أصل كون بني إِسرائيل بمصر نزولَ إسرائيل بها زمَنَ ابنه يُوسُفَ عليهما السلام. ويَسُومُونَكُمْ: معناه: يأخذونكم به، ويُلْزمُونَكم إياه، والجملة في موضعِ نصبٍ على الحال، أي: سائمين/ لكم سُوءَ العذاب، وسوءُ العذاب أشدُّه وأصعبه، وكان فرعون 19 ب على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجَتْ من بيت المقْدِس، فأحرقت بيوتَ مِصْرَ، فأولت له رؤياه أنَّ مولوداً من بني إسرائيل ينشأ، فيخرب مُلْكَ فرعون على يَدَيْهِ، وقال ابن إسْحَاق، وابن عبَّاس، وغيرهما: إن الكهنة والمنجِّمين قالُوا لفرعون: قد أظلك زمانُ مولودٍ من بني إسرائيل يخرب مُلْكَك «2» . ويُذَبِّحُونَ بدلٌ من: «يَسُومُونَ» ، وَفِي ذلِكُمْ: إشارةٌ إلى جملة الأمر، وبَلاءٌ معناه: امتحان واختبار، ويكون البلاء في الخير والشر. وحكى الطبريُّ وغيره في كيفية نجاتهم أن موسى- عليه السلام- أوحي إلَيْه أن يسري من مصر ببني إِسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا الحُلِيَّ والمتاعَ من القِبْطِ «3» ، وأحل اللَّه ذلك لبني إسرائيل، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون رَأْيِ موسى- عليه السلام- وهو الأشبه به، فسرى بهم موسى من أول الليْلِ، فأعلم بهم فرعون، فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدِّيَكَةُ، فلم يَصِحْ تلك الليلة بمصر دِيكٌ حتى أصبح، وأمات اللَّه تلك الليلةَ كثيراً من أبناء القِبطِ، فاشتغلوا بالدَّفْنِ، وخرجوا في الأتباع مشرِّقين، وذهب موسى عليه السلام إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إِسرائيل نيِّفاً على ستِّمائة ألف، وكانت عِدَّة فرعون أَلْفَ ألْفٍ ومِائَتَي ألْفٍ، وحكي غير هذا مما اختصرته لقلَّة ثبوته، فلما لحق فرعَوْنُ موسى، ظن بنو إِسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لموسى: أين أُمِرْتَ؟ فقال: هكذا، وأشار إلى البحر، فركض يُوشَعُ فرسه حتى بلغ الغَمْرَ «4» ، ثم رجع، فقال لموسى: أين أُمِرْتَ؟ فو الله: ما كَذَبْتَ، ولا كُذِبْتَ، فأشار إِلى البحر، وأوحى الله تعالى

_ (1) إصطخر: بلدة بفارس، يقال: إن كور «فارس» ، الخمسة، أكبرها وأصلها كورة «إصطخر» ، ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 87) . (2) أخرجه الطبري (1/ 311) برقم (893) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 133) ، وعزاه لابن جرير. (3) القبط: جيل بمصر. وقيل: هم أهل مصر. ينظر: «لسان العرب» (3514) ، و «النهاية» (4/ 6) . [.....] (4) غمر البحر: معظمه، والغمر: الماء الكثير، وقيل: الكثير المغرّق. ينظر: «لسان العرب» (3293، 3294) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 50 إلى 54]

إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يوم عاشوراء. [سورة البقرة (2) : الآيات 50 الى 54] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ... الآية: فَرَقْنا: معناه: جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى بِكُمُ أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ «1» ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل: انفرق البحْرُ عَرْضاً على اثني عَشَرَ طَريِقاً طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى- عليه السلام-: اللهمَّ، أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق «2» ، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ «3» يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلاً حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة «4» ، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا.

_ (1) بحر القلزم: شعبة من بحر الهند، أوّله من بلاد البربر والسودان والحبش من جهة الجنوب، ومن جهة الشمال «عدن» وبلاد العرب حتى يقطع آخره عند «القلزم» ، وهي مدينة صغيرة على أرض مصر. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 166) . (2) هو ما عطف وجعل كالقوس من الأبنية. ينظر: «لسان العرب» (2725) ، و «المعجم الوسيط» (577) . (3) قيل: إن الماذيان هو النهر الكبير، وهذه الكلمة ليست بعربية، قال ابن الأثير: وهي سواديّة. ينظر: «النهاية» (4/ 313) .، «اللسان» (4164) (حزن) . (4) الرّمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ للنسل، معرّب، والجمع رمك. ينظر: «لسان العرب» (1733) .

وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شُغُلٍ. قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم. 20 أوموسى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخليل صلّى الله عليه وسلم «1» . وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها. قال ع «2» : حدثني أبي- رضي الله عنه- قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ- رحمه اللَّه- يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول: أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم: آتِنا غَداءَنا [الكهف: 62] . ت: وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام. قال ع «3» : وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد. وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي: إلهاً، والضمير في بَعْدِهِ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغير إذن موسى- عليه

_ (1) ينظر: «النكت والعيون» (1/ 120) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 142) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 142) .

السلام- وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً [طه: 87] ، فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهدى لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين. وقيل: بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتى يجيء موسى، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، / فطرح القبضة، وقال: كن عجلاً. وقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ. ت: والذي في القرآن: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: 138] ، قيل: كانت على صور البقر، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138] ، فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه،

[سورة البقرة (2) : الآيات 55 إلى 57]

والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفاً، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيداً، وتاب على البقية فذلك قوله سبحانه: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ وقال بعض المفسِّرين: وقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح، فقتلوهم، وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي: ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ «1» ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى صلّى الله عليه وسلم في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ حين عُبِدَ العِجْلُ. وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول من الذنب أو غيره. ت: ومنه الحديثُ: «فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا» . قال ع «2» : ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ، والكتابُ هنا هو التوراةُ بإجماع، واختلف في الفُرْقَانِ هنا، فقال الزجَّاج وغيره: هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، وقال آخرون: الكتاب التوراةُ، والفرقانُ سائر الآيات التي أوتي موسى عليه السلام لأنها فَرَقَتْ بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجْلُ مِنْ ذَهَب؟ فقال ذلك الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحماً ودماً، والأول أصحُّ. ت: وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ عن أبي العالية: إلى خالقكم «3» مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ، أي: خلقهم، فالبريئة: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة. انتهى من «مختصر أبي عبد الله اللّخميّ النحوي للطبريّ» . [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 57] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى: يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف

_ (1) الحبوة والحبوة: الثوب الذي يحتبى به، والاحتباء هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها. ينظر: «لسان العرب» (765) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 144) . (3) السيوطي في «الدر» (1/ 136) ، وعزاه لابن أبي حاتم.

في وقت اختيارهمْ. فحكى أكثر المفسِّرين أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم ليستغفِروا لبني إسرائيل، وحكى النقَّاش وغيره أنه اختارهم حين خَرَجَ من البحْرِ، وطلب بالميعاد، والأول أصح. وقصة السبعين أنَّ موسى عليه السلام، لما رجع من تكليم اللَّه تعالى، ووجد العجْلَ قد عُبِدَ، قالتْ له طائفة ممَّن لم يعبد العجلَ: نحن لم نكْفُرْ، ونحن أصحابك، ولكنْ أسمعْنَا كلام ربِّك، فأوحى اللَّه إِليه أن اختَرْ منهم سَبْعِينَ، فلم يجد إلا ستِّين، فأوحى إليه أن اختر من الشباب عَشَرةً، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستَّةً من كلِّ سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحُّوا فيمن يتأخَّر، فأُوحِيَ إِليه أنَّ من تأخّر له أجر من 21 أمضى، فتأخَّر يوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكَالُوثُ بْنُ يُوفَنَّا، وذهب موسى عليه السلام/ بالسبْعين، بعد أن أمرهم أن يتجنَّبوا النساء ثلاثاً، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجَبَلَ، فألقي عليهم الغمام، قال النَّقَّاش: غشيتهم سحابة، وحِيلَ بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا سجوداً، قال السُّدِّيُّ وغيره: وَسَمِعوا كلامَ اللَّهِ يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطتْ أذهانهم، ورَغِبُوا أن يكون موسى يسمع ويعبِّر لهم، ففعل، فلما فرغوا، وخرجوا، بدَّلت منهم طائفةٌ ما سمعت من كلام اللَّهِ، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: 75] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم اللَّه تعالى بذلك، فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، ولم يطلبوا من الرؤية محالاً أما إِنه عند أهل السُّنَّة «1» ممتنعٌ في الدنيا من طريق السمع،

_ (1) اتفقت كلمة الأشاعرة على جواز رؤيته (تعالى) عقلا في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه تعالى يجوز أن ينكشف لعباده المؤمنين من غير ارتسام صورة، ولا اتصال شعاع، ولا حصول في جهة ومقابلة. واستدلوا على ذلك بأدلة نقلية وأدلة عقلية، فلنذكر الأدلة النقلية لأنها الأصل في هذا الباب، وهي أكثر من أن تحصى، والمعتمد منها عند أهل السنة قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى- عليه السلام- في ميقات المناجاة: قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: 143] . تنطق الآية الكريمة بمسألة تتعلق بالذات الأقدس، وهي مسألة الرؤية، ولم يحدد النطق الكريم الحكم فيها، بل ترك لذوي العقول البحث. فكان القول بجوازها ووقوعها، وكان القول باستحالتها وعدم وقوعها، ولم يكن لصاحب كل قول من الآية الكريمة ما يعتمد عليه صريحا، بل كل مستند له هو الركون إلى اللغة تارة، واللجوء إلى الدليل العقلي أخرى. غير أن أهل السنة نظروا إلى ظروف الآية وما سيقت لأجله، فكانت عضدا قويا ركنوا إليه. -

فأخذتهم حينئذ الصاعقةُ، فاحترقوا وماتوا موْتَ همودٍ يعتبر به الغير، وقال قتادة: ماتوا،

_ - فالآية الكريمة تقول: لقد وعى موسى- عليه السلام- لمناجاتنا، ورفعناه إلى هذا المستوي واتصل بالأفق الأعلى، وانتهى من الإنسانية إلى الذروة العليا، وشهد من أمر الله ما لم يصل غيره إلى تعقله بأقوى الأدلة والبراهين، وأنزله هذه المنزلة، ووقف في ساحة جلاله وحظائر قدسه ومساقط أنوار جماله وذاق حلاوة خطابه. أليس يطلب إلى ربه أن يمتعه بالنظر إلى ذاته الأقدس ليجمع بين حلاوة الكلام وجمال الرؤية، ويؤيد أن الحامل لموسى- عليه السلام- على طلب الرؤية عوامل الشوق ما روي عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: «جاء موسى- عليه السلام- ومعه السبعون رجلا، وصعد موسى الجبل، وبقي السبعون في أسفل الجبل، فكلم الله موسى، وكتب له في الألواح كتابا، وقربه نجيّا، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، نعم طلبها بعامل الشوق، وقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، ولم يكن موسى قد جرى في هذه القضية على غير المألوف، حيث جعل النظر مسببا عن الرؤية، والحال أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماسا لرؤيته، فهي متأخرة عنها إذ الغرض رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ: مكني من رؤيتك، فأنظر إليك، وأراك، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم. نعم أقدم موسى على طلب النظر إلى الذات الأقدس، وانتظر ما يكون من أمر الله، وقد وقع عليه عمود من الغمام، وتغشى الجبل جلال الرب وسمع النطق الكريم لَنْ تَرانِي عند هذه الآية الكريمة تقف المعتزلة رافعة الرأس، ولو أنهم لاحظوا ما كان من حب موسى واصطفاء الله له، لم ينصرف ذهنهم إلى المنع من مطالعة الذات الأقدس، بل المتبادر إلى الذهن «لن تقوى على رؤيتي وأنت على ما أنت عليه، لتوقفها على استعداد في الرائي، ولم يوجد في موسى- عليه السلام- وقت الطلب يشهد لهذا ما أخرجه الترمذي في «نوادر الأصول» عن ابن عباس «تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: قال الله تعالى: «يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم، ولا تبلى أجسامهم» . كذلك يدل على أن التأبيد المستفاد من قوله تعالى: لَنْ تَرانِي إنما هو موقوف على عدم تغيير الحال يؤيد ذلك ما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس، وفيه يقول: «يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال موسى: رب أن أراك ثم أموت أحب إلي من ألا أراك ثم أحيا» وقد نبّه جل شأنه بقوله: لَنْ تَرانِي على وجود المانع، وهو الضعف عن تحملها، حيث أراه ضعف من هو أقوى منه وتفتته عند ما تجلى عليه الرب وغشيه ذو الجلال والإكرام. فكان الجبل وتماسكه وعاد الجبل متقوص الأركان متداخل الأجزاء سقيم القوام، وكان موسى فاقد الحياة لطلبه هذه المرئية من الانكشاف، وهو باق على حاله. أفاق موسى واسترد حياته، وقال: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: 143] أنزهك من أن أسألك شيئا بغير إذنك تبت عن الإقدام وأنا أول المؤمنين بأن لا يراك أحد في هذه النشأة، وليس كما يزعم الخصم من أن التوبة دليل العصيان، فكان موسى يعلم امتناعها وقد طلبها وهي ممتنعة. بل تاب من طلب الرؤية بغير إذن، وكيف لا يتوب وهو الرب صاحب الجبروت، وهو موسى المصطفى الكليم. وقد قيل قديما: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) - إلى هنا كان حتما أن نبين أن أهل السنة كانوا في غيبة عن أدلة الجواز، لكن دفعهم أن ما سيكون من الأدلة على الوقوع سمعي فحسب، قد يأتيها الخصم بمنع إمكان المطلوب لأجل هذا مهدوا الطريق للوقوع، فبرهنوا على الجواز بالأدلة النقلية والعقلية، -

وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسى

_ - وكان سلوكهم بهذا الطريق كافيا في الاستدلال على الوقوع بالدليل النقلي، وتفصيل ذلك مذكور في كتب العقائد. وكذلك اتفقت كلمة الأشاعرة على وقوع رؤيته (تعالى) في الآخرة، واستدلوا على ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22- 23] فالآية صريحة في أن وجوه المؤمنين المخلصين يوم القيامة متهللة من عظيم المسرة، يشاهد عليها نضرة النعيم. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أن تراه مستغرقة في مطالعة جماله، بحيث تغفل عما سواه ففي حديث جابر، وقد رواه ابن ماجة: «فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحجب عنهم» والحجاب من قبلهم لا من قبله (عز وجل) ، فهذا يدل على أن المراد من النظر حقيقته، وهو الرؤية. ووجه الاحتجاج في الآية الكريمة: أن النظر في الآية جاء موصولا بإلى، وكل ما كان كذلك فهو بمعنى الرؤية، فالنظر في الآية بمعنى الرؤية. أما الصغرى، فدليلها الآية، وأما الكبرى، فيستدل لها بشهادة النقل عن أئمة اللغة وتتبع موارد الاستعمال، فقد نقل عن أهل اللغة أن للنظر معان عدة يتميز بعضها عن بعض بواسطة التعدية فقد جاء النظر بمعنى الانتظار متعديا بنفسه قال الله تعالى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: 13] أي: انتظرونا، وقول الشاعر: [الوافر] وإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غدا لناظره قريب أي ينتظره. وجاء بمعنى التفكر ويستعمل ب «في» يقال: نظرت في الأمر الفلاني، أي تفكرت فيه: وجاء بمعنى الرأفة والتعطف، ويتعدى باللام، يقال: نظر الأمير لفلان، أي رأف به وتعطف. وجاء بمعنى الرؤية، ويستعمل ب «إلى» قال الشاعر: [الطويل] نظرت إلى من أحسن الله وجهه ... فيا نظرة كادت على رامق تقضي ومثل ذلك النظر في الآية إذ جاء موصولا ب «إلى» ، فيجب حمله على الرؤية، فتكون واقعة في ذلك اليوم، وهو المطلوب. ولا يعكر أن النظر المستعمل ب «إلى» يأتي بمعنى آخر غير الرؤية كالتأخير كما في قوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280] . لأن لفظة «إلى» في الآية ليست صلة للنظر، بل لبيان المدة. وقد اعترضت المعتزلة هذا الدليل، فمنعت صغراه (النظر في الآية موصول بإلى) قالوا: لا نسلم أن النظر في الآية موصول ب «إلى» لأنها ليست حرفا، بل هي اسم بمعنى النعمة واحد الآلاء، ومفعول به للنظر، يشهد لذلك ما قيل عن أهل اللغة أن الآلاء واحدها آلى، وأيلى، وألو، وألى، وإلى. قال الأعشى: أبيض لا يرهبه النزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إليّ أي نعمة أو بمعنى «عند» يؤيده قول الشاعر: فهل لكم فيما إلى فإنني ... طبيب بما أعيى النطاس حذيما أي فيما عند. -[.....]

يناشد ربَّه فيهم، ويقول: أيْ ربِّ، كيف أرجع إِلى بني إِسرائيل دونهم، فيَهْلِكُون، ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا، وهم الأخيار. قال ع «1» : يعني: هم بحال الخير وقْتَ الخروج، وقال قومٌ: بل ظن موسى أنَّ السبعين، إِنما عوقبوا بِسَبَبِ عبادة العجْلِ، فذلك قوله: أَتُهْلِكُنا [الأعراف: 155] ، يعني السبعين: بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الأعراف: 155] يعني: عَبَدَةَ العجلِ، وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى: أَرِنَا [النساء: 153] وليس ذلك من مقدورِ موسى عليه السلام. قال ع «2» : ومن قال: إن السبعين سَمِعُوا ما سمع موسى، فقد أخطأ، وأذهب فضيلةَ موسى، واختصاصه بالتكليم. وجَهْرَةً: مصدر في موضع الحالِ «3» ، والجهرُ العلانيةُ، ومنه الجهر ضد السر،

_ - ومعنى الآية على الأول: منتظرة نعمة ربها، وعلى الثاني: عند ربها منتظرة نعمته. أجاب أهل السنة عند المنع: أولا: لو أريد من النظر في الآية انتظار النعمة لما خص بإسناده إلى الوجوه التي هي محل الأعين- بالباصرة، ولم يكن للتعدية بالظرف معنى فإن المؤمنين في دار الدنيا منتظرون نعمته تعالى، وكذلك الكفار. ثانيا: أن جعل «إلى» بمعنى النعمة في هذا المقام يخالف المعقول لأن الانتظار يعد من الآلام كيف وقد قيل: إنه الموت الأحمر؟! ويخالف المنقول أيضا إذ روي أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى جناته وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية» ثم قرأ (عليه الصلاة والسلام) : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22- 23] والله ما نسخها منذ أنزلها. ثالثا: إن الانتظار أمارة الغم وعدم الاطمئنان، وقد قيل كما سبق أنه الموت الأحمر، وهذا يخالف ما سيقت لأجله الآية من التبشير للمؤمنين بالإنعام وحسن الحال وفراغ البال، وذلك إنما يكون برؤيته تعالى، فإنها من أجلّ النعم والكرامات المستتبعة لنضارة الوجوه. وما يقوله المعتزلة من أن ترتب الغم على الانتظار أمر عادي يجوز تخلفه في الآخرة حيث إنها دار خوارق العادات، على أنه إنما يكون غما إذا لم يكن مقطوعا بما يترتب عليه من حصول النعم كيف وهو وعد من لا يخلف وعده، فمدفوع بأن هذا خروج عن السنن الكونية فقد جرت عادة الله (تعالى) أن يبشر خلقه وينذرهم بما يعلمونه لذة وعذابا بحسب العادة، ولذا لم يقع التبشير بالنار والإنذار بالجنة مع إمكان أن يخلق الله اللذة في النار والعذاب والألم في الجنة. ينظر: الرؤية لشيخنا عبد الفضيل طلبة ص 40 وما بعدها. (1) «المحرر الوجيز» (1/ 147) . (2) السابق. (3) قوله تعالى: جَهْرَةً فيه قولان:

وجَهَرَ الرَّجُلُ الأَمْرَ: كشفه، وفي «مختصر الطبريِّ» عن ابن عبَّاس: جَهْرَةً: قال علانيةً «1» ، وعن الربيع: جَهْرَةً: عياناً «2» . انتهى. وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أجاب اللَّه تعالى فيهم رغبةَ موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمودِ، أو الموت ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة، ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي: على هذه النعمة، والترجِّي إِنَّمَا هو في حق البَشَر. وذكر المفسِّرون في تظليل الغمامِ أنَّ بني إِسرائيل، لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص «3» التِّيه بَيْن مصْر والشَّام، فأُمِرُوا بقتال الجَبَّارين، فَعَصَوْا، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: 24] فدعا موسى عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحْص أربعين سَنَةً يتيهون في مقدارِ خَمْسَة فراسِخَ أو ستَّةٍ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كلَّه، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيثُ كانوا بكرةَ أَمْسِ، فندم موسى على دعائه عليهم، فقيل له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: 26] .

_ - أحدهما: أنها مصدر وفيها حينئذ قولان: أحدهما: أنّ ناصبها محذوف، وهو من لفظها، تقديره: جهرتم جهرة، نقله أبو البقاء. والثاني: أنها مصدر من نوع الفعل فتنتصب انتصاب القرفصاء من قولك: «قعد القرفصاء» ، «واشتمل الصمّاء» ، فإنها نوع من الرؤية، وبه بدأ الزمخشري. والثاني: أنها مصدر واقع موقع الحال، وفيها حينئذ أربعة أقوال: أحدهما: أنه حال من فاعل «نرى» أي: ذوي جهرة، قاله الزمخشري. والثاني: أنّها حال من فاعل «قلتم» ، أي: قلتم ذلك مجاهرين، قاله أبو البقاء، وقال بعضهم: فيكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: قلتم جهرة لن نؤمن لك، ومثل هذا لا يقال فيه تقديم وتأخير، بل أتى بمفعول القول ثم بالحال من فاعله، فهو نظير: «ضربت هندا قائما» . والثالث: أنّها حال من اسم الله تعالى، أي: نراه ظاهرا غير مستور. والرابع: أنّها حال من فاعل «نؤمن» نقله ابن عطية، ولا معنى له، والصحيح من هذه الأقوال الستة الثاني. ينظر: «الدر المصون» (1/ 229) . (1) أخرجه الطبري (1/ 338) برقم (948) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 136) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (1/ 339) برقم (949) . (3) الفحص: ما استوى من الأرض. وفي حديث كعب: «إن الله بارك في الشام، وخص بالتقديس من فحص الأردن إلى رفح» والفحص- هنا- ما بسط من نهر الأردن، وكشف من نواحيه. ينظر: «لسان العرب» (3356) .

وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التِّيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحْصِ التيه، وقاتلوا الجَبَّارين، وإذ كان جميعُهم في التيه، قالوا لموسى: من لنا بالطعامِ؟ قال: اللَّه، فأنزل اللَّه عليهم المَنَّ والسلوى، قالوا: مَنْ لنا من حَرِّ الشمس؟ فظلَّل عليهم الغمامَ، قالوا: بِمَ نستصْبِحُ بالليل، فضَرَبَ لهم عمودَ نُورٍ في وَسَطَ مَحَلَّتهم، وذكر مكِّيٌّ عمود نار، قالوا: من لنا بالماء؟ / فأمر موسى بضرب الحَجَرِ، قالوا: من لنا 21 ب باللباس، فَأُعْطُوا ألاَّ يبلى لهم ثوبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأن تنمو صِغَارُهَا حَسَب نُمُوِّ الصبيانِ، والمَنُّ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ هذا قول فرقةٍ، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حُلْوٌ، وقيل: الذي ينزل اليوْمَ على الشجَر، وروي أنَّ المَنَّ كان ينزل عليهم من طُلُوع الفَجْر إلى طُلُوع الشمس كالثلج، فيأخذ منه الرجُلُ ما يكفيه ليومه، فإِنِ ادَّخَرَ، فسد عليه إِلا في يوم الجمعة فإِنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبْتِ، فلا يفسد عليهم لأن يوم السبت يومُ عبادةٍ. والسلوى طيرٌ بإِجماع المفسّرين، فقيل: هو السّمانى. وقيل: طائر مثل السّمانى. وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجَنُوب. ص «1» : قال ابن عطيَّة: وغلط الهُذَلِيُّ «2» في إِطلاقه السلوى على العَسَلِ حيث قال: [الطويل] وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ عَهْداً لأنْتُمُ ... أَلَذُّ مِنَ السلوى إِذَا مَا نَشُورُهَا «3» ت «4» : قد نقل صاحبُ المختصر أنه يطلق على العَسَلِ لغةً فلا وجه

_ (1) «المجيد» ص (259) . (2) خويلد بن خالد بن محرّث، أبو ذؤيب، من بني هذيل بن مدركة، من «مضر» : شاعر فحل، مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وسكن «المدينة» ، واشترك في الغزو والفتوح. وعاش إلى أيام عثمان. قال البغدادي: هو أشعر هذيل من غير مدافعة. وفد على النبي صلّى الله عليه وسلم ليلة وفاته، فأدركه وهو مسجّى، وشهد دفنه. ينظر: «الأغاني» (6/ 56) ، «الشعر والشعراء» (252) ، و «خزانة البغدادي» (1/ 203) ، و «الأعلام» (2/ 325) . (3) البيت لأبي ذؤيب، وأنشده ابن منظور في «اللسان» لخالد بن زهير ينظر: «ديوان الهذليين» (1/ 158) ، و «اللسان» (سلا) ، و «البحر المحيط» (1/ 364) ، و «القرطبي» (1/ 407) ، و «الدر المصون» (1/ 230) ، و «روح المعاني» (1/ 264) . (4) لا زال الكلام للصفاقسي.

[سورة البقرة (2) : الآيات 58 إلى 60]

لتغليظه لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية. انتهى. وقوله تعالى: كُلُوا ... الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف اختصارا لدلالة الظاهر عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ. ص «1» : وقوله: وَما ظَلَمُونا: قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا، أي: فَعَصوْا، وما ظَلَمُونا، وقدَّر غيره: فظَلَمُوا، ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه. انتهى. ت: وقول أبي حَيَّان: «لا حاجة إلى هذا التقدير ... » إِلى آخره: يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإنه لا يجوز. [سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 60] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ. الْقَرْيَةَ: المدينةُ سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقدس في قول الجمهور. وقيل: إلى أريحا، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شبّة «2» : كانت

_ (1) «المجيد» (ص 259) . (2) عمر بن شبّة- واسمه زيد- بن عبيدة بن ريطة النميري، البصري، أبو زيد، شاعر، راوية، مؤرخ، حافظ للحديث، من أهل «البصرة» . توفي ب «سمراء» سنة (262) هـ، له تصانيف، منها: «كتاب الكتاب» ، و «النسب» ، و «أخبار بني نمير» ، و «أخبار المدينة» جزء منه، و «تاريخ البصرة» ، و «أمراء الكوفة» ، و «أمراء البصرة» ، و «أمراء المدينة» ، و «أمراء مكة» ، و «كتاب السلطان» ، و «مقتل عثمان» ، و «السقيفة» ، و «جمهرة أشعار العرب» ، و «الشعر والشعراء» ، و «الأغاني» . ينظر: «الأعلام» (5/ 47- 48) ، و «تهذيب التهذيب» (7/ 460) ، و «الوفيات» (1/ 378) . [.....]

قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج «1» عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ. ت: لكن ظاهر قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: 25] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإمام الفخر» . انتهى. وفَكُلُوا: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلّة، فلذلك قال: رَغَداً. والْبابَ: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة «3» ، وسُجَّداً: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعاً «4» ، وقيل: متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء «5» كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة و، غيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ» لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ «6» ، وقال ابن عَبَّاس: قيل/ لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم «7» . ت: قال أحمد بن نصرٍ «8» الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره» : «وروي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سار

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» (2/ 165) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (11/ 159) . (3) أخرجه الطبري (1/ 339) برقم (1004) . (4) أخرجه الطبري (1/ 339) برقم (1008) ، والحاكم (2/ 262) ، وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 138) ، وعزاه لوكيع، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم. (5) قال الزجاج: ولو قرىء «حطة» كان وجهها في العربية، كأنهم قيل لهم: قولوا: احطط عنا ذنوبنا حطة. معاني القرآن (1/ 139) . وقد فات الزجاج أن إبراهيم بن أبي عبلة قرأها بالنصب، كما في «المحرر الوجيز» (1/ 150) ، و «البحر المحيط» (1/ 384) ، و «الدر المصون» (1/ 232) ، و «الشواذ» لابن خالويه (ص 13) . (6) أخرجه الطبري (1/ 340) برقم (1016) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 138) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن عكرمة. وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 47) ، بلفظ: «لا إله إلّا الله» . (7) أخرجه الطبري (1/ 341) برقم (1017) ، بلفظ: «أمروا أن يستغفروا» . (8) أحمد بن نصر، أبو حفص الداودي، فقيه مالكي. له كتاب «الأموال» في أحكام أموال المغانم والأراضي التي يتغلب عليها المسلمون. ينظر: «الأعلام» (1/ 264) .

مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» انتهى. وحكي عن ابن مَسْعود وغيره أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ. وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ عِدَةٌ: المعنى: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد ب الْمُحْسِنِينَ هنا. وقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... الآية. روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا: حِطَّة، وطؤطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة «1» . وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم تنبيها أنّ تكذيبهم لمحمّد صلّى الله عليه وسلم جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم. انتهى. والرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس «2» : أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألفا. واسْتَسْقى: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «استفعل» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: 6] ، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأس

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 344) برقم (1028) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 139) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (1/ 345) برقم (1041) بنحوه. وذكره الماوردي في «التفسير» (1/ 127) بنحوه.

الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ «1» ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع شيء عن شَيْء ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار. وأُناسٍ: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ عليه السلام. وقوله سبحانه: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ... الآية. ت: رُوِّينَا من طريق أنس، بن مالك عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ «2» . انتهى. والمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها. وَلا تَعْثَوْا: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ. ص «3» : مُفْسِدِينَ: حالٌ مؤكِّدة لأن: «لاَ تَعْثَوْا» : معناه: / لا تفسدوا. 22 ب انتهى.

_ (1) الجوالق والجوالق: وعاء من الأوعية معروف معرب. ينظر: «لسان العرب» (662) . (2) أخرجه مسلم (4/ 2095) ، كتاب «الذكر والدعاء» ، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، حديث (89/ 2734) ، والترمذي (4/ 265) ، كتاب «الأطعمة» ، باب ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه، حديث (1816) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 202) كتاب «الدعاء بعد الأكل» ، باب ثواب الحمد لله، حديث (6899) ، وأحمد (3/ 100، 117) ، وأخرجه أيضا الترمذي في «الشمائل» ، رقم (195) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 65- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرفه إلا من حديث زكريا بن أبي زائدة. (3) «المجيد» (ص 271) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 61 إلى 64]

[سورة البقرة (2) : الآيات 61 الى 64] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «1» ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «2» ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «3» ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «4» . ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ. انتهى. وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «5» . مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 352) برقم (1076) قال أحمد شاكر: «ابن كريب» ضعيف، وقد بين القول في ضعفه في «شرح المسند» (2571) . وأبوه كريب بن أبي مسلم «تابعي ثقة» . اهـ. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 141) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....] (2) أخرجه الطبري (1/ 351) برقم (1071) عن قتادة. (3) ذكره السيوطي في «الدر» (1/ 141) عن ابن عباس بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره في موضع آخر عن ابن عباس بلفظ «قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفا من قراءة ابن مسعود هذا أحدها: «من بقلها وقثائها وثومها» وعزاه في هذا الموضوع لابن أبي داود. (4) المغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط والرمث. الواحد مغفور ومغثور. ينظر: «لسان العرب» (3275) . (5) علي بن سليمان بن الفضل، أبو المحاسن، المعروف ب «الأخفش الأصغر» : نحوي، من العلماء. من أهل بغداد، أقام ب «مصر» سنة (287- 300 هـ.) ، وخرج إلى «حلب» ، ثم عاد إلى «بغداد» ، وتوفي بها وهو ابن 80 سنة. له تصانيف، منها: «شرح سيبويه» ، و «الأنواء» ، و «المهذب» ، وكان ابن الرومي مكثرا من هجوه. توفي سنة (315 هـ.) . انظر: «بغية الوعاة» (338) ، و «وفيات الأعيان» (1: 332) ، و «الأعلام» (4/ 291) .

الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ. وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين «1» ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن «2» ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم. انتهى. وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «3» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ. انتهى. وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم

_ (1) وقرأ «مصر» بغير تنوين في هذه الآية الأعمش، كما في مختصر الشواذ لابن خالويه (ص 14) . كما قرأ بها طلحة بن مصرف والحسن وأبان بن تغلب، وقيل: هي كذلك في مصحف أبي بن كعب ومصحف عبد الله وبعض مصحاف عثمان. كما في «البحر المحيط» (1/ 396- 397) ، و «الدر المصون» (1/ 241) . (2) أخرجه الطبري (1/ 354) برقم (1085) بلفظ: «مصرا من الأمصار، زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر» اهـ. (3) قوله تعالى: الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ يعني: فقر النفس. قال السمين الحلبي: والمراد بها هنا الجزية والصغار. «عمدة الحفاظ» (2/ 239) . وقال الحسن وقتادة: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ هي أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال عطاء بن السائب: هي الكستينج (لبس اليهود) وزي اليهودية، والْمَسْكَنَةُ: زي الفقر، فترى المثرى منهم يتباءس مخافة أن يضاعف عليه الجزية، ولا يوجد يهودي غني النفس. ينظر: «الوسيط» (1/ 147) ، و «الطبري» (2/ 137) ، و «البغوي» (1/ 66) ، و «ابن كثير» (1/ 102) ، و «الدر المنثور» (1/ 73) .

للشنعة «1» ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب. ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ... الآية. اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية. فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم: هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: 156] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ. قال ص «2» : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «3» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج] إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وهند مثلها يصبي «4» انتهى. قال ع «5» : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين. وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل

_ (1) الشّنعة: الاسم من الشناعة، وشنع الأمر أو الشيء شناعة وشنعا وشنعا وشنوعا: قبح. ينظر: «لسان العرب» (2339) . (2) «المجيد» (ص 280) . (3) ينظر: «السبعة» (157) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 94) ، و «حجة القراءات» (100) ، و «شرح شعلة» (265) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 396) . (4) البيت لزيد بن ضبة، وهي في «اللسان» صبا. (5) «المحرر الوجيز» (1/ 157) .

الكتاب «1» ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «2» ، وقال ابنُ جْرَيْج «3» : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «4» ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «5» ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «6» ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «7» . وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ... الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه. قاله ابنُ عبَّاس «8» ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «9» ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ «10» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 361) برقم (1112) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) ، وعزاه لوكيع. (2) أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1101) بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 47) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 145) ، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....] (3) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، الفقيه، أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة، وعكرمة مرسلا، وعن طاوس مسألة، ومجاهد، ونافع، وخلق، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه، والأوزاعي، والسفيانان، وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 12) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 402) ، «تهذيب الكمال» (2/ 178) ، «الكاشف» (2/ 210) ، «الثقات» (7/ 93) . (4) أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1107) . (5) أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1108) . (6) زياد بن أبيه، وأبيه أبو سفيان، أمير من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة من أهل «الطائف» أدرك النبي صلّى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، ولد في (اهـ.) قال الشعبي: ما رأيت أحدا أخطب من زياد، توفي في (53 هـ.) ينظر: «ميزان الاعتدال» (1: 355) ، «الأعلام» (3/ 53) . (7) أخرجه الطبري (1/ 361) برقم (1109) ، (1110) عن الحسن وقتادة. (8) أخرجه الطبري (1/ 366- 367) برقم (1125) . (9) أخرجه الطبري (1/ 366) برقم (1118) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (10) فلسطين: آخر كور «الشام» من ناحية «مصر» ، قصبتها «بيت المقدس» ، ومن مشهور مدنها «عسقلان» ، -

[سورة البقرة (2) : الآيات 65 إلى 66]

عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ. قال ع «1» : والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين. وبِقُوَّةٍ: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ واجتهاد «2» . وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق «3» . وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه. وقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ... الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يؤمن. [سورة البقرة (2) : الآيات 65 الى 66] وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

_ - و «الرملة» ، و «غزة» ، و «أرسوف» ، و «قيسارية» ، و «نابلس» ، و «أريحا» ، و «عمان» و «يافا» ، و «بيت جبرين» ، وهي أول أجناد «الشام» ، أولها من ناحية الغرب «رفح» وآخرها «اللجون» من ناحية الغور. ينظر: «مراصد الاطلاع» (3/ 1042) . (1) «المحرر الوجيز» (1/ 159) . (2) أخرجه الطبري (1/ 367) برقم (1131) عن السدي، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) وعزاه لابن جرير. (3) أخرجه الطبري (1/ 368) برقم (1132) بلفظ: «خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحق» .

وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ... الآية: علمتمْ: معناه: عرفتم، والسَّبْتُ مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه/ أن الله عز وجلّ أمر 23 ب موسى عليه السلام بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسى ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلى يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إلى موسى أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن. وقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالى، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ، مع تكراره كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ «1» على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت، ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زماناً حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ، فربط حوتاً بخزمة «2» ، وضرب له وَتِداً بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ، جاء، فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع. وقيل: بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيراً يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادره يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ، ولم تَنْهَ، فقيل: نجت مع الناهين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين. وكُونُوا: لفظةُ أمر، وهو أمر التكوينِ كقوله تعالى لكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] قال ابن الحاجب «3»

_ (1) أيلة: مدينة على ساحل بحر «القلزم» مما يلي «الشام» . قيل: هي آخر الحجاز وأول «الشام» . وهي مدينة اليهود، الذين اعتدوا في السبت. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 138) . (2) الخزم: شجر له ليف تتخذ من لحائه الحبال، الواحدة خزمة. ينظر: «لسان العرب» (1153) . [.....] (3) عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو، جمال الدين ابن الحاجب: فقيه مالكي، من كبار-

في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب «منتهى الوُصُولِ» «1» : صيغةُ: افعل، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملاً. الوجوبُ: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء: 78] والنَّدْبُ: فَكاتِبُوهُمْ [النور: 33] . والإِرشادُ: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: 282] والإِباحةُ: فَاصْطادُوا [المائدة: 2] . والتأديب: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . والامتنانُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأنعام: 142] . والإِكرامُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ق: 34] والتَّهديد: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40] والإِنذار: تَمَتَّعُوا [إبراهيم: 30] والتسخيرُ: كُونُوا قِرَدَةً [الأعراف: 166] والإِهانة: كُونُوا حِجارَةً [الإسراء: 50] والتَّسويةُ: فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا [الطور: 16] والدعاءُ: اغْفِرْ لَنا [آل عمران: 147] والتمنِّي: [الطويل] : ... أَلاَ انجلي ... «2» وكمالُ القدرة: كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] . انتهى. وزاد غيره كونها للتعجيزِ، أعني: صيغةَ «افعل» . قال ابن الحاجِبِ: وقد اتفق على أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإِباحةَ والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب «3» . انتهى.

_ - العلماء بالعربية، كردي الأصل. ولد في «أسنا» (من صعيد مصر) ونشأ في «القاهرة» ، وسكن «دمشق» ، وكان أبوه حاجبا، فعرف به، له تصانيف كثيرة منها: «الكافية» في النحو، و «الشافية» في الصرف. ولد سنة (570 هـ.) ، وتوفي سنة (646 هـ.) . ينظر: «وفيات» (1: 314) ، «الطالع السعيد» (188) ، «مفتاح السعادة» (1: 117) ، «غاية النهاية» (1: 508) ، «الأعلام» (4/ 211) . (1) ينظر: «البرهان» (1/ 212) ، «المحصول» (1/ 2/ 62) ، «الأحكام» للآمدي (1/ 122) ، «المستصفى» (1/ 420) ، «التمهيد» للأسنوي (269) ، «المنخول» (105) ، «شرح العضد» (2/ 79) ، «شرح الكوكب» (2/ 41) ، «المعتمد» (1/ 57) ، «التبصرة» (27) ، «كشف الأسرار» (1/ 107) ، «حاشية البناني» (1/ 316) ، «فواتح الرحموت» (1/ 372) ، «تيسير التحرير» (1/ 351) ، «أصول السرخسي» (1/ 15) ، «الوصول إلى الأصول» (1/ 133) ، «تقريب الوصول» (93) ، «ميزان الأصول» (1/ 217) . (2) البيت لامرىء القيس في ديوانه ص (18) و «الأزهية» ص (271) و «خزانة الأدب» (2/ 326، 327) و «سرّ صناعة الإعراب» (2/ 513) ، و «لسان العرب» (11/ 361) (شلل) و «المقاصد النحويّة» (4/ 317) وبلا نسبة في «أوضح المسالك» (4/ 93) و «جواهر الأدب» ص (78) و «رصف المباني» ص (79) و «شرح الأشموني» (2/ 493) . (3) ولطلب الفعل صيغ مختلفة نوردها فيما يلي:

وخاسِئِينَ: معناه: مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ كما يقال للكَلْب، وللمطْرُود: اخسأ، وروي في قصصهم أنَّ اللَّه تعالى مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجون

_ - 1- فعل الأمر: وذلك بصيغته المعروفة مثل قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [الحج: 78] . 2- صيغة المضارع المقترن ب «لام الأمر» مثل قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] . ومثل: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29] . ومثل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق: 7] . 3- صيغة المصدر القائم مقام فعل الأمر: مثل قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ [المائدة: 89] . ومثل قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: 4] . 4- جملة خبرية يراد بها الطلب: مثل قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: 233] . إذ ليس المراد من هذا النّصّ الإخبار عن حصول الإرضاع من الوالدات لأولادهن، وإنما المراد هو أمر الوالدات بإرضاع أولادهن، وطلب إيجاده منهن. ومثل قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141] . فإن الظاهر من هذه الآية أنها للخبر، وإنما المراد بها أمر المؤمنين ألا يمكّنوا الكافرين من التّجبّر عليهم، والتّكبّر بأية صفة كانت. ومثل قوله صلّى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشّيخان: «لا تنكح البكر حتّى تستأذن» . وقد اتّفق الأصوليون على أنّ صيغة الأمر تستعمل في مدلولات كثيرة، لكن لا تدلّ على واحد من هذه المدلولات بعينه إلا بقرينة، وهذه المدلولات هي كما ذكرها المصنف رحمه الله. وقد اختلفت آراء العلماء في تعداد هذه الصّيغ زيادة، ونقصا، وسبب ذلك تداخل هذه الصّيغ مع بعضها، واختلاف وجهات النّظر في المعنى، وفي القرينة الّتي تحدّد وجه الاستعمال. واتّسعت دائرة الاختلاف بين العلماء والأصوليين فيما يدلّ عليه الأمر حقيقة حيث إنّ دوران الأمر على أوجه كثيرة- كما سبق- لا يدلّ على أنّه حقيقة في كلّ منها. فإذا ورد أمر من الأوامر في القرآن الكريم، أو في السّنّة النّبويّة، فهل يعتبر هذا الأمر دالّا على الوجوب؟ أم النّدب؟ أم الإباحة؟ أم لمعنى آخر؟ إن خصوصيّة التّعجيز، والتّحقير، والتّسخير ... وغير هذه المعاني غير مستفاد من مجرّد صيغة الأمر، بل إنّما تفهم هذه المعاني من القرائن، وعليه فلا خلاف في أنّ صيغة الأمر ليست حقيقيّة في جميع الوجوه السّابقة. وللعلماء آراء متعدّدة في دلالة الصيغة على الوجوب، أو على الندب، أو على غيرهما، فقد اتفق العلماء على أن صيغة الأمر لا تدلّ على أي معنى من المعاني المتقدمة إلا بقرينة، كما قلنا سابقا. وقد اختلفوا فيما إذا تجرّدت هذه الصّيغة عن القرينة، فهل تدل على الوجوب؟ أم على النّدب؟ أم على الإباحة؟ المذهب الأوّل: وهو لجمهور العلماء حيث ذهبوا إلى أن صيغة «افعل» تدلّ على الوجوب حقيقة، -

إلى مساجِدِهِمْ، ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحداً من الهالكينَ، فقالوا: إِن للنَّاس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبوابَ لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً يعرفون الرجُلَ والمرأة. وقيل: إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ تَبَرِّياً منهم، فأصبحوا، ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضهم 24 أعلى بعض/. وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل، ولا تأكل، ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيام «1» ، ووقع في كتاب مسلم عنه صلّى الله عليه وسلم «أنّ أمّة من الأمم فقدت، وأراها

_ - مجازا فيما سواه، أي: في النّدب والإباحة، وسائر المعاني المستعملة فيها الصيغة، وهذا مذهب الشافعي، واختاره ابن الحاجب في «المختصر» ، والبيضاويّ في «المنهاج» . المذهب الثّاني: ويعزى لأبي هاشم الجبّائي، وهو وجه عند الشافعية حيث ذهبوا إلى أن صيغة الأمر حقيقة في الندب، مجاز فيما سواه. المذهب الثّالث: يرى أن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة، وهو التخيير بين الفعل والتّرك، فهي لا تدلّ إلا على الجواز حقيقة لأنه هو المتيقن، فعند خلوّه عن القرينة يكون حقيقته في الإباحة، مجازا فيما سواها. المذهب الرّابع: ويعزى للماتريديّ حيث يرى أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطّلب لأن كلا من الوجوب والندب طلب، ويزاد قيد الجزم في جانب الوجوب لأنه الطلب الجازم، والندب غير جازم. المذهب الخامس: وفيه تكون صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والنّدب اشتراكا لفظيّا. المذهب السّادس: يرى أن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والنّدب، والإباحة. المذهب السّابع: يرى أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين هذه الأنواع الثلاثة، وهو الإذن. نصّ عليه أبو عمرو بن الحاجب. المذهب الثّامن: وإليه ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، والآمديّ حيث كانوا يتوقّفون عن القول بأن الصيغة تدلّ على الوجوب، أو على الندب لأن الصيغة استعملت في الوجوب تارة، وفي النّدب أخرى، فقالوا بالتوقّف. قال الآمديّ: ومنهم من توقّف، وهو مذهب الأشعري (رحمه الله تعالى) ومن تبعه من أصحابه كالقاضي أبي بكر، والغزالي، وغيرهما، وهو الأصح. المذهب التّاسع: يرى أن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد. وقيل: صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب، والنّدب، والتحريم، والكراهة، والإباحة فهي مشتركة بين الأحكام الخمسة، ووجهة دلالة الصيغة على التحريم والكراهة فإنها تستعمل في التّهديد، وهو يستلزم ترك الفعل المهدّد عليه، وهو إما محرم، أو مكروه. ينظر: «الإحكام» للآمدي (2/ 9) ، و «التيسير شرح التحرير» (2/ 49) . (1) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 147) وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.

[سورة البقرة (2) : الآيات 67 إلى 73]

الفأر» ، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه صلّى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله صلّى الله عليه وسلم على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلّى الله عليه وسلم: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال: الزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها. قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب «1» ، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها «2» ، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى «3» . وَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ. [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 73] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ... الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه.

_ (1) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 161) ، والماوردي (1/ 136) . (2) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 161) . (3) ذكره ابن عطية (1/ 161) ، وقد رجح هذا الخبر الذي رواه ابن عباس.

وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء «1» حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً. والآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم. 24 ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ ... الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره «2» . والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة. قال م: قال الجَوْهَرِيُّ «3» : والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون. انتهى.

_ (1) اللّحاء- ممدود-: الملاحاة كالسّباب، ولاحى الرّجل وملاحاة ولحاء: شاتمه. ولاحيته ملاحاة ولحاء: إذا نازعته. ينظر: «لسان العرب» (4015) . (2) أخرجه الطبري (1/ 389) برقم (1239) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 151) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن ابن عباس. (3) إسماعيل بن حماد الجوهري، كان من أعاجيب الزمان ذكاء، وفطنة، وعلما، كان إماما في اللغة والأدب، قرأ على ابن علي الفارسي، والسيرافي. له: «الصحاح» ، و «مقدمة في النحو» ، مات سنة 393 هـ. ينظر: «البغية» (1/ 446، 447) . [.....]

ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ «1» في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز] معنى «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ ... وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه. وقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه. قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ» : فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها. انتهى. والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية «2» . وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر. ورُوِيَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا» «3» .

_ (1) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم، محدث الديار المصرية، ذو التصانيف المفيدة، زين الدين أبو الفضل، العراقي الأصل، الكردي. ولد سنة (725) ، أحب الحديث، وسمع كثيرا، وولع بتخريج أحاديث «الإحياء» ، ورافق الزيلعي الحنفي، وكان مفرط الذكاء، أكثر الرحلة والسماع، أخذ عنه الهيثمي، وغيره كابن حجر وبرهان الدين الحلبي، صنف «ألفية الحديث» وعمل نكتا على ابن الصلاح، وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلا على ابن سيد الناس. ت (806) . ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (4/ 29) ، «الضوء اللامع» (4/ 171) ، «إنباء الغمر» (5/ 170) . (2) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 163) . (3) أخرجه ابن أبي حاتم (1/ 223) ، رقم (727) ، والبزار (3/ 40- كشف) ، رقم (2188) ، وابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 111) ، كلهم من طريق عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لولا أن بني إسرائيل قالوا: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة: 70] لما أعطوا، ولكن استثنوا» وقال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» (6/ 319) : رواه البزار، وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 150) ، وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. وللحديث شاهد مرسل عن عكرمة. ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 150) ، وعزاه إلى سعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر.

وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب «1» ، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان «2» ، وقيل: من العمل «3» . ولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة. وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة «4» ، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى 25 أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه. / فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ «5» ،

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 394- 395) برقم (1262- 1263- 1264) ، عن قتادة وأبي العالية، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 152) عن أبي العالية، وعزاه لابن جرير. (2) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 194) . (3) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 164) . (4) الغيضة: الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. ينظر: «لسان العرب» (3327) . (5) أخرجه الطبري (1/ 398) برقم (1290) عن عبيدة السلماني من طريق محمد بن سيرين. كما أخرجه عبد الرزاق في التفسير (1/ 49) . وهو عبيدة بن عمرو السّلماني، قبيلة من «مراد» . مات النبي صلّى الله عليه وسلم وهو في الطريق. عن علي، وابن مسعود. وعنه الشعبي، والنخعي، وابن سيرين. قال ابن عيينة: كان يوازي شريحا في القضاء والعلم. قال أبو مسهر: مات سنة اثنتين وسبعين. وقال الترمذي: سنة ثلاث. ينظر: «الخلاصة» (2/ 207) ، «طبقات ابن سعد» (6/ 93) ، «سير أعلام النبلاء» (4/ 40) ، «العبر» (1/ 79) ، و «التقريب» (1/ 547) .

وقيل: بوزنها مرتَيْنِ «1» . وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات «2» ، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير «3» . والْآنَ: مبنيٌّ على الفتح «4» ، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ. وقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة «5» ، وقيل: كان

_ (1) ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 164) ، ولم يذكر له سندا. (2) أخرجه الطبري (1/ 398) برقم (1282) عن السدي. (3) أخرجه الطبري (1/ 398) برقم (1284) بلفظ: «كانت البقرة لرجل يبر أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فباعها بملء جلدها ذهبا» . عن مجاهد. اهـ. (4) واختلف في علّة بنائه، فقال الزجاج: «لأنّه تضمّن معنى الإشارة لأنّ معنى أفعل الآن أي: هذا الوقت» . وقيل: لأنه أشبه الحرف في لزوم لفظ واحد، من حيث إنه لا يثنّى ولا يجمع ولا يصغّر. وقيل: لأنه تضمّن معنى حرف التعريف وهو الألف واللام كأمس، وهذه الألف واللام زائدة فيه بدليل بنائه ولم يعهد معرّف بأل إلّا معربا، ولزمت فيه الألف واللام كما لزمت في «الذي» و «التي» وبابهما، ويعزى هذا للفارسي. وهو مردود بأنّ التضمين اختصار، فكيف يختصر الشيء، ثم يؤتى بمثل لفظه. وهو لازم للظرفيّة ولا يتصرّف غالبا، وقد وقع مبتدأ في قوله- عليه السلام-: «فهو يهوي في قعرها الآن حين انتهى» فالآن مبتدأ، وبني على الفتح لما تقدّم، و «حين» خبره، بني لإضافته إلى غير متمكّن، ومجرورا في قوله: أإلى الآن لا يبين ارعواء ... وادعى بعضهم إعرابه مستدلا بقوله: كأنّهما ملآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر يريد: «من الآن» فجرّه بالكسرة، وهذا يحتمل أن يكون بني على الكسر. وزعم الفراء أنه منقول من فعل ماض، وأن أصله آن بمعنى حان فدخلت عليه أل زائدة واستصحب بناؤه على الفتح، وجعله مثل قولهم: «ما رأيته مذ شبّ إلى دبّ» وقوله عليه السلام: «وأنهاكم عن قيل وقال» ، وردّ عليه بأنّ أل لا تدخل على المنقول من فعل ماض، وبأنه كان ينبغي أن يجوز إعرابه كنظائره، وعنه قول آخر أنّ أصله «أوان» فحذفت الألف ثم قلبت الواو ألفا، فعلى هذا ألفه عن واو، وقد أدخله الراغب في باب «أين» فتكون ألفه عن ياء، والصواب الأول. ينظر: «الدر المصون» (1/ 260، 261) . (5) أخرجه الطبري (1/ 397) برقم (1279) بلفظ: «من كثرة قيمتها» قال العلامة أحمد شاكر: «وفيه أبو معشر بن عبد الرحمن السندي المدني، وهو ضعيف» .، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 152) ، وعزاه لابن جرير، وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 163) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 74 إلى 75]

ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل «1» . وفَادَّارَأْتُمْ: معناه: تدافعتم قتل القتيل، وفِيها، أي: في النَّفْس. وقوله تعالى: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها : آية من اللَّه تعالى على يدَيْ موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً. وقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ... الآيةَ: في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حكي لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، ليعتبر به إلى يوم القيامة. وذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصري محمّد صلّى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ، وروي أن هذا القتيل لما حَيِيَ، وأخبر بقاتله، عاد ميتا كما كان. [سورة البقرة (2) : الآيات 74 الى 75] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ... الآية: أي: صلبت وجفَّت، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالى، قال قتادة وغيره: المراد قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم، وما ركبوه بعد ذلك «2» ، و «أَوْ» : لا يصحُّ أن تكون هنا للشكِّ، فقيل: هي بمعنى «الواو» ، وقيل: للإضراب، وقيل: للإبهام، وقيل غير ذلك «3» .

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 399) برقم (1292) عن وهب بن منبه كان يقول: «إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة، إنما قالوا لموسى «أتتخذونا هزوا» لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت، فحادوا عن ذبحها» ، وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 165) ، والقرطبي (1/ 387) ، عن وهب بن منبه. [.....] (2) ذكره ابن عطية الأندلسي في تفسيره (1/ 166) عن أبي العالية وقتادة. (3) في «أو» خمسة أقوال: أظهرها: أنها للتفصيل بمعنى أنّ النّاظرين في حال هؤلاء منهم من يشبّههم بحال المستوقد الذي هذه صفته، ومنهم من يشبّههم بأصحاب صيّب هذه صفته. الثاني: أنها للإبهام، أي: إن الله أبهم على عباده تشبيههم بهؤلاء أو بهؤلاء.

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ... الآية: معذرةٌ للحجارة، وتفضيلٌ لها على قلوبهم، قال قتادة: عذر اللَّه تعالى الحجارة، ولم يعذِر شقيَّ بني آدم «1» . ت: وروى البَزَّار عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ العَيْنِ، وَقَسَاوَةُ القَلْبِ، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا» «2» . انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» لأبي

_ - الثالث: أنها للشّكّ، بمعنى أن الناظر يشكّ في تشبيههم. الرابع: أنها للإباحة. الخامس: أنها للتخيير، أي: أبيح للناس أن يشبّهوهم بكذا أو بكذا، وخيّروا في ذلك. وزاد الكوفيون فيها معنيين آخرين: أحدهما: كونها بمعنى الواو، وأنشدوا: [البسيط] جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر والثاني: كونها بمعنى بل، وأنشدوا: [الطويل] بدت مثل قرن الشمس في رونق الضّحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح أي: بل أنت. ينظر: «الدر المصون» (1/ 134- 135) . (1) أخرجه الطبري (1/ 408) برقم (1323) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 156) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (2) أخرجه البزار (3230- كشف) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 125) من طريق هانىء بن المتوكل عن عبد الله بن سليمان عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس مرفوعا. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ففيه هانىء بن المتوكل. قال ابن حبان: كثرت المناكير في روايته، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن الجوزي: وعبد الله بن سليمان مجهول. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 229) ، وقال: رواه البزار، وفيه هانىء بن المتوكل، وهو ضعيف. وتعقب السيوطي ابن الجوزي في «اللآلئ» (2/ 312) بما لا طائل تحته، فقال: أورده في «الميزان» في ترجمة هانىء، وقال: حديث منكر. اهـ. والحديث ذكره الحافظ في «اللسان» (6/ 186- 187) وقال: أورده البزار في مسنده، وقال: عبد الله بن سليمان روى أحاديث لم يتابع عليها. وأما هانىء فقال ابن القطان: لا يعرف حاله. كذا قال. وقال أبو حاتم الرازي: أدركته ولم أكتب عنه. اهـ. وللحديث طريق آخر: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 1099) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (1/ 246) ، (2/ 323) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 125) كلهم من طريق سليمان بن عمرو النخعي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس مرفوعا. وقال ابن عدي: هذا الحديث وضعه سليمان على إسحاق. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أبو داود النخعي، قال أحمد ويحيى: كان يضع الأحاديث، قال ابن عدي: وضع هذا على إسحاق. وللحديث طريق ثالث: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (6/ 175) من طريق الحسن بن عثمان: ثنا أبو سعيد المازني، ثنا-

العباس أحمد بن سَعْد التُّجِيبِيِّ، قال الغَزَّاليُّ في «المِنْهَاج» : واعلم أن أول الذنب قسوةٌ، وآخره، والعياذ باللَّه، شؤمٌ وشِقْوَةٌ، وسوادُ القلْب يكون من الذنوب، وعلامةُ سواد القلب ألاَّ تجد للذنوب مفزعاً، ولا للطاعات موقعاً، ولا للموعظة منجعاً. انتهى. وقيل في هبوط الحجارة: تفيُّؤ ظلالها، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلُقُ في بعض الأحجار خشيةً وحياةً، يهبط بها من عُلْوٍ تواضعاً، وقال مجاهد: ما تردى حجرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تَفَجَّرَ نهر من حَجَر، ولا خَرَج ماء منه، إلا من خشية الله عز وجلّ نزل بذلك القرآن «1» ، وقال مثله ابْنُ جُرَيْجٍ «2» . وقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... الآية: الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلم وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار 25 ب الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطابِ التقرير/ على أمر فيه بُعْد إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهودِ أفاعيلُ سوءٍ، وهؤلاء على ذلك السَّنَن. وتحريفُ الشيء: إِمالته من حالٍ إلى حال، وذهب ابن عبَّاس إلى أن تحريفهم وتبديلهم إِنما هو بالتأويل، ولفْظُ التوراة باق «3» ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدَّلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأنَّ ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ حفظه. قلْتُ: وعن ابن إسحاق أن المراد ب «الفريقِ» هنا طائفةٌ من السبعين الذين سمعوا كلامَ اللَّه مع موسى. انتهى من «مختصر الطبريِّ» وهذا يحتاج إلى سند صحيح.

_ - حجاج بن منهال عن صالح المري عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا. وقال أبو نعيم: تفرد برفعه متصلا عن صالح حجاج. وهذا الشاهد ذكره السيوطي في «اللآلئ» (2/ 313) ، ولم يتكلم عليه. وقال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (2/ 301) قلت: فيه مضعفون. اهـ. يقصد رحمه الله صالح المري ويزيد الرقاشي. وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 407) رقم (10783) عن محمد بن واسع من قوله. (1) أخرجه الطبري (1/ 408) برقم (1321) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 156) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (2) أخرجه الطبري (1/ 408) برقم (1326) ، وذكره القرطبي (1/ 395) . (3) ذكره ابن عطية (1/ 168) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 76 إلى 78]

[سورة البقرة (2) : الآيات 76 الى 78] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) وقوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا ... الآية: المعنى: وهم أيضاً، إذا لُقُوا يفعلون هذا، فكيف يُطْمَع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفاً فيه كشف سرائرهم ورد في التفسير أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ «1» المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ» ، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه: اذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم: آمنا، واكفروا إِذا رجعتم، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في المنافقين من اليهود «2» ، وروي عنه أيضاً أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إليكم خاصّة، فلما دخلوا، قال بعضهم: لم تُقِرُّونَ بنبوءته «3» ، وقال أبو العالية وقتادةُ: إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال لهم كفرةُ الأحبار: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي: عرَّفكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «4» . ولِيُحَاجُّوكُمْ: من الحجة، وعِنْدَ رَبِّكُمْ: معناه: في الآخرة. وقول تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ: قيل: هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل: هو خطابٌ من اللَّه تعالى للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال. وأُمِّيُّونَ هنا: عبارةٌ عن عامَّة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة: الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ نُسِبَ إلى الأُمِّ إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب، لا بحال أبيه إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ قاله الطبريُّ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها. والْكِتابَ: التوراة.

_ (1) قصبة البلد: مدينته، وقيل: معظمه، والقصبة: جوف الحصن، يبنى فيه بناء هو أوسطه، والقصبة: القرية. وقصبة القرية: وسطها. ينظر: «لسان العرب» (3641) . (2) أخرجه الطبري (1/ 413) برقم (1339) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 157) ، وعزاه لابن جرير. وذكره ابن عطية الأندلسي في «التفسير» (1/ 168) . (3) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 168) . (4) ذكره السيوطي في «الدر» (1/ 158) ، وعزاه لعبد بن حميد.

[سورة البقرة (2) : الآيات 79 إلى 82]

والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى أَمانِيَّ، فقالت طائفة: هي هاهنا من: تمنَّى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب. وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل] تمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ... وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِ «1» فمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته. وقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب. ص «2» : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: «إن» : نافية بمعنى «ما» . انتهى. [سورة البقرة (2) : الآيات 79 الى 82] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... الآية. 26 أقال الخليلُ: «الوَيْلُ» : شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، / لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم. وروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار «3» .

_ (1) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (1/ 169) و «البحر المحيط» (1/ 436) ، و «الدر المصون» (1/ 269) . [.....] (2) «المجيد» ص 308. (3) أخرجه الطبري (1/ 423) برقم (1399) بلفظ «واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لا نماعت من شدة حره» ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 159) ، وعزاه لابن مبارك في «الزهد» ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .

وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً» «1» . وروى عثمانُ بن عفّان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» «2» ، والذين يكْتُبُونَ: هم الأحبار والرؤساء. وبِأَيْدِيهِمْ قال ابن السَّرَّاج «3» : هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدّلوه هو صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدّلون فيها صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عبد اللَّه «4» ، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكل التي كانت لهم، ويَكْسِبُونَ معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن. وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ... الآية: روى ابن زَيْد وغيره أنَّ سببها أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ، ثمّ تخلفونا أنتم،

_ (1) أخرجه الترمذي (5/ 320) كتاب «تفسير القرآن» ، باب سورة الأنبياء، حديث (3164) ، وأحمد (3/ 75) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» رقم (924) ، وأبو يعلى (2/ 523) رقم (1383) ، وابن حبان (2610- موارد) ، والطبري (29/ 155) ، والحاكم (4/ 596) ، ونعيم بن حماد في «زوائده» على «الزهد» لابن المبارك رقم (334) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص 271) رقم (464) من طرق عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي قلت: وسنده ضعيف لضعف دراج كما هو معروف، وبعضهم يقبل حديثه عن أبي الهيثم. قال الحافظ في «التقريب» (1/ 235) : دراج صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعيف. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 159) ، وزاد نسبته إلى هناد، وابن أبي الدنيا في «صفة النار» ، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. (2) أخرجه الطبري في تفسيره (1/ 422) عن عثمان. (3) محمد بن السري بن سهل، أبو بكر: أحد أئمة الأدب والعربية. من أهل «بغداد» ، كان يلثغ بالراء فيجعلها غينا. ويقال: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله. مات شابا. وكان عارفا بالموسيقى. من كتبه: «الأصول» في النحو، و «شرح كتاب سيبويه» ، و «الشعر والشعراء» ، و «الخط والهجاء» ، و «المواصلات والمذكرات في الأخبار» . توفي في سنة 316 هـ. ينظر: «بغية الوعاة» (44) ، و «طبقات النحويين واللغويين» (122) ، و «نزهة الألباء» (313) ، و «الأعلام» (6/ 136) . (4) أخرجه الطبري (1/ 422) برقم (1391) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 660) ، وعزاه لابن أبي حاتم.

[سورة البقرة (2) : الآيات 83 إلى 85]

فَقَالَ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لاَ نَخْلُفُكُمْ» فنزلَتْ هذه الآية «1» . قال أهل التفسير: العهد في هذه الآية: الميثاقُ والموعد، و «بلى» رد بعد النفْيِ بمنزلة «نَعَمْ» بعد الإِيجاب «2» ، وقالت طائفة: السيئة هنا الشرك كقوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [النمل: 90] والخَطِيئاتُ: كبائر الذنوب، قال الحسن بن أبي الحسن، والسُّدِّيُّ: كل ما توعد اللَّه عليه بالنار، فهي الخطيئة المحيطَةُ «3» ، والخلودُ في هذه الآية على الإِطلاق والتأبيد في الكُفَّار، ومستعار بمعنى الطُّول في العُصَاة، وإِن علم انقطاعه. قال محمَّد بن عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في مختصره للطبريِّ: أجمعتِ الأمَّة على تخليد مَنْ مات كافراً، وتظاهرت الرواياتُ الصحيحةُ عن الرسول صلّى الله عليه وسلم والسلفِ الصالح، بأن عصاة أهل التوحيد لا يخلَّدون في النار، ونطق القرآن ب إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 116] لكن من خاف على لَحْمه ودَمِه، اجتنب كل ما جاء فيه الوعيدُ، ولم يتجاسَرْ على المعاصي اتكالا على ما يرى لنفسه من التوحيد، فقد كان السلف وخيار الأمة يخافُون سلْب الإِيمان على أنفسهم، ويخافون النفاقَ عليها، وقد تظاهرتْ بذلك عنهم الأخبار. انتهى. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: يدلُّ هذا التقسيم على أن قوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ... الآية في الكفار، لا في العصاة ويدل على ذلك أيضاً قوله: وَأَحاطَتْ لأن العاصي مؤمنٌ، فلم تحط به خطيئاته ويدل على ذلك أيضاً أن الردَّ كان على كُفَّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النَّارَ لا تَمَسُّهم إلا أياماً معدودةً، فهم المراد بالخلود، والله أعلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 83 الى 85] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 426) برقم (1462) . وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 163) ، وعزاه لابن جرير. (2) ينظر: «مغني اللبيب» ص 113، ص 346، ص 348. (3) أخرجه الطبري (1/ 430) برقم (1438) عن الحسن، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 164) ، وعزاه لوكيع.

وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسى- عليه السلام- وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى: قلنا لهم: لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ... الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم» والمعنى: وإذ استحلفناهم، واللَّهِ/ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع برّ 26 ب الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأب، وفي البهائم فقد الأمّ، وقال صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ» ، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامى، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين. وقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: أمر عطف على ما تضمَّنه لاَ تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ «1» : «حَسَناً» بفتح الحاء والسين، قال الأخفش «2» : وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج «3» وغيره: بل المعنى في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلاً حَسَناً» بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها «4» ، وقال ابن جُرَيْجٍ: قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلّى الله عليه وسلم «5» ، وقال سفيان الثّوريّ «6» :

_ (1) ينظر: «العنوان» ، (70) ، و «حجة القراءات» (103) ، و «الحجة» (2/ 126) ، و «شرح الطيبة» (4/ 44) ، و «شرح شعلة» (267) ، و «إتحاف» (1/ 401) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 160) . والكسائي هو: علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو الحسن الكسائي: إمام في اللغة والنحو والقراءة. من تصانيفه: «معاني القرآن» ، و «المصادر» ، و «الحروف» ، و «القراءات» ، و «النوادر» ، و «المتشابه في القرآن» ، و «ما يلحن فيه العوام» . توفي ب «الري» في «العراق» سنة 189 هـ. ينظر: «ابن خلكان» (1/ 330) ، «تاريخ بغداد» (11/ 403) ، «الأعلام» (4/ 283) . (2) «معاني القرآن» (1/ 308) ، و «المحتسب» (2/ 363) . (3) «معاني القرآن» (1/ 164) . (4) أخرجه الطبري (1/ 432) برقم (1450) من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 165) ، وعزاه لابن جرير. (5) ذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 173) عن ابن جريج. [.....] (6) سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الحارث بن مالك بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة على الصحيح، وقيل: من ثور همدان، الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام، كان من الفضلاء، وكان لا يسمع شيئا إلّا حفظه، كان متقنا ضابطا زاهدا ورعا. ولد سنة سبع وسبعين، وتوفي ب «البصرة» سنة 161 هـ. -

معناه: مروهم بالمَعْروف، وانهوهم عن المُنْكَر «1» ، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به «2» ، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تقبّل منها، دون ما لم يتقبل. 27 أوقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ... الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أسند إليهم تولّي أسلافهم إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره «3» . والمراد بالقليلِ المستثنى جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة على هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقوى. ص «4» : إِلَّا قَلِيلًا: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو «5» : «إلاَّ قَلِيلٌ» بالرفع، ووجَّهه ابن عطية على بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب باعتبار نفي ضده أو نقيضه فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ» على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب على ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ» بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه «6» لذلك بابا في كتابه. انتهى. ودِماءَكُمْ: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ. أصله «دَمَيٌ» وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ

_ - ينظر: «الخلاصة» (1/ 396) (2584) ، «ابن سعد» (6/ 257- 260) ، و «الحلية» (6/ 356- 493) ، و (7/ 3- 141) . (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 173) عن سفيان الثوري. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 173) عن أبي العالية. (3) أخرجه الطبري (1/ 438) برقم (1465) بلفظ: «أي تركتم ذلك كله» ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 165) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. (4) «المجيد» ص 319. (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 173) ، و «البحر المحيط» (1/ 455) ، و «الدر المصون» (1/ 280) ، و «حاشية الشيخ زادة على البيضاوي» (1/ 345) . وهو زيان (وقيل غير ذلك) أبو عمرو بن العلاء، البصري، أحد القراء السبعة، قرأ على سعيد بن جبير، وشيبة بن نصاح، وعاصم بن أبي النجود، روى القراءة عنه عرضا وسماعا حسين بن علي الجعفي، وخارجة بن مصعب، مات سنة 154 هـ. ينظر: «غاية النهاية» (1/ 288) ، و «طبقات الزبيدي» (ص 35) . (6) ينظر: «الكتاب» (2/ 330- 331) .

: معناه: ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول. وقوله تعالى: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ، أي: خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار. وقيل: المراد: من كان في مدة محمّد صلّى الله عليه وسلم والمعنى: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ. وقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ... الآية: هؤُلاءِ دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: / يا هؤلاء، فحذف 27 ب حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه «1» ، مع المبهمات. وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بن أحمد «2» ...

_ (1) إلى مذهب سيبويه والبصريين أشار ابن مالك بقوله: [الرجز] وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قلّ، ومن يمنعه فانصر عاذله أي: ذاك التعرّي من حرف النداء يكون مع اسم الجنس، واسم الإشارة- كما في الآية- قليلا، وهو مذهب الكوفيين، وأما من منع الحذف معهما- وهم البصريون وسيبويه- فهم محجوجون بما روي من أشعار العرب مما لا يمكن ردّه، فمما ورد في اسم الإشارة قوله: [الطويل] إذا هملت عيني لها قال صاحبي ... بمثلك- هذا- لوعة وغرام وقوله: [البسيط] إنّ الألى وصفوا قومي لهم فبهم ... هذا- اعتصم، تلق من عاداك مخذولا وقوله: [الخفيف] ذا، أرعواء، فليس بعد اشتعال الر ... رأس شيبا إلى الصّبا من سبيل وجعل منه قوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ- هؤُلاءِ- تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 85] . واعلم أن هذا الحذف مع اسم الجنس واسم الإشارة مقيس مطرد عند الكوفيين، وأما مذهب البصريين وسيبويه فشاذ أو ضرورة كما أشار المصنف إليه بمنع سيبويه الحذف. (2) قال أبو حيان: وهو أبو الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري، من أهل بلدنا «غرناطة» ، يعرف بابن الباذش، وهو والد الإمام أبي جعفر أحمد مؤلف كتاب «الإقناع» في القراءات، وله اختيارات في النحو، حدث بكتاب سيبويه عن الوزير أبي بكر محمد بن هشام المصحفي، وعلق عنه في النحو على كتاب «الجمل» و «الإيضاح» ، ومسائل من «كتاب سيبويه» . وقال السيوطي: وفي «تاريخ غرناطة» : أوحد في زمانه إتقانا ومعرفة، وتفرّدا بعلم العربيّة، ومشاركة في غيرها. حسن الخطّ، كبير الفضل، مشاركا في الحديث، عالما بأسماء رجاله ونقلته، مع الدين والفضل-

28 أشيخنا «1» : هؤُلاءِ: رفع بالابتداء، وأَنْتُمْ: خبر، وتَقْتُلُونَ، حال بها تَمَّ المعنى، وهي المقصود. ص «2» : قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله هؤُلاءِ مبتدأ، وأَنْتُمْ خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل أَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ الخبر، إلى عكسه. انتهى. ت: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه لاختصاصها بأول الكلام ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِماً» ، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِماً» ، قال معناه ابنُ هِشَامٍ «3» ، ف «قَائِماً» ، في المثال المتقدِّم نصب على الحال. انتهى. وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعا لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج. والديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ» . ومعنى تَظاهَرُونَ: تتعاونون، والْعُدْوانِ: تجاوز الحدود، والظلم.

_ - والزّهد والانقباض عن أهل الدنيا، قرأ على نعم الخلف وغيره. وحدّث عن القاضي عياض وغيره، وأمّ بجامع «غرناطة» . وصنّف: شرح «كتاب سيبويه» ، و «المقتضب» وشرح «أصول ابن السّراج» ، وشرح «الإيضاح» ، وشرح «الجمل» ، وشرح «الكافي» للنحاس. توفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ينظر: «البحر المحيط» (1/ 458) ، و «بغية الوعاة» (2/ 142- 143) . (1) هذا من كلام ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 174) . (2) «المجيد» ص 322. (3) عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد، جمال الدين، ابن هشام، من أئمة العربية، قال ابن خلدون: ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر ب «مصر» عالم بالعربية يقال له: «ابن هشام» ، أنحى من سيبويه. من تصانيفه: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب- ط» و «عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب» ، و «الجامع الصغير» ، و «الجامع الكبير» ، وغيرها، وتوفي سنة 567 هـ. ب «مصر» . ينظر: «الأعلام» (4/ 147) ، «الدرر الكامنة» (2/ 308) ، «النجوم الزاهرة» (10/ 336) . [.....]

وقرأ حمزة «1» : «أسرى تفدوهم» ، وأُسارى: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر استعماله حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ: بمعنى مفعول، وتُفادُوهُمْ: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فدى، إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفادى، إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير. انتهى. ت: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلاً» ، وظاهره لا فَرْق بينهما. وقوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ... الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارى، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناس هو غلبة العدوّ. والدُّنْيا: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات، وأَشَدِّ الْعَذابِ: الخلودُ في جهنم. وقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ قرأ نافعٌ، وابن كَثِير «2» بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم والآية واعظةٌ لهم بالمعنى، إذ اللَّه تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص. وقرأ الباقون بتاء على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا وهو قوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ ... الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن الخَطَّاب- رضي اللَّه عنه- قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمّد يريد هذا، وما يجري مجراه «3» /.

_ (1) وقرأ الجماعة غير حمزة «أسارى» ، وقرأ هو أسرى، وقرىء «أسارى» بفتح الهمزة. ينظر: «الحجة للقراء السبعة» (2/ 143) ، و «حجة القراءات» (104) ، و «العنوان» (70) ، و «إتحاف» (1/ 402) ، و «شرح الطيبة» (4/ 45) ، و «شرح شعلة» (268) ، و «البحر المحيط» (1/ 459) . (2) ينظر: «حجة القراءات» (105) ، وشرح «طيبة النشر» ، (4/ 40) ، وشرح «شعلة» (266) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 403) . (3) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 176) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 86 إلى 88]

[سورة البقرة (2) : الآيات 86 الى 88] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ... الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة- بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، في الآخرة، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لا في الدنيا، ولا في الآخرة. ص «1» : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: «اللام» في «لَقَدْ» : يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السّهيليّ. ومَرْيَمَ: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علما عليها. انتهى. والْكِتابَ: التوراةُ. وَقَفَّيْنا: مأخوذ من القَفَا تقول: قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى- عليهم السلام-. والْبَيِّناتِ: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى. وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك. وَأَيَّدْناهُ: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة. قال ابن عبَّاس: رُوح القدس: هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى «2» ، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً «3» ، وقال السُّدِّيُّ، والضّحّاك،

_ (1) «المجيد» (ص 331) . (2) أخرجه الطبري (1/ 449) برقم (1494) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 167) . (3) أخرجه الطبري (1/ 449) برقم (1493) عن ابن زيد.

والربيع، وقتادة: بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريلُ- عليه السلام «1» - وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِحَسَّان: «اهج قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» «2» ومرةً قال له: «وجبريل معك» ، وفَكُلَّما: ظرف والعامل فيه: اسْتَكْبَرْتُمْ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار. والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس. ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد. وفَقَلِيلًا: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمّد صلّى الله عليه وسلم منْهُمْ ومَا في قوله: مَّا يُؤْمِنُونَ زائدةٌ موكّدة «3» .

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 448) بأرقام (1488- 1489- 1490- 1491) عن قتادة، والسدي، والضحاك، والربيع. (2) أخرجه البخاري (6/ 351) كتاب «بدء الخلق» ، باب ذكر الملائكة، حديث (3213) ، (7/ 480) كتاب «المغازي» ، باب مرجع النبي صلّى الله عليه وسلم من الأحزاب، حديث (4123، 4124) ، (10/ 562) كتاب «الأدب» ، باب هجاء المشركين، حديث (6153) ، ومسلم (4/ 1933) كتاب «فضائل الصحابة» ، باب فضائل حسابن بن ثابت، حديث (153/ 2486) ، وأحمد (4/ 299، 302) ، وابن حبان (7146) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 298) ، والبيهقي (10/ 237) ، والطبراني في «الكبير» (3588، 3589، 3590) كلهم من طريق عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به. (3) قال السمين الحلبي: في نصب «قليلا» ستة أوجه: أحدها وهو الأظهر: أنه نعت لمصدر محذوف أي: فإيمانا قليلا يؤمنون. الثاني: أنه حال من ضمير ذلك المصدر المحذوف أي: فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلّته، وقد تقدّم أنه مذهب سيبويه وتقدّم تقريره. الثالث: أنه صفة لزمان محذوف، أي: فزمانا قليلا يؤمنون، وهو كقوله: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ. الرابع: أنه على إسقاط الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمّا حذف حرف الجرّ انتصب، ويعزى لأبي عبيدة. الخامس: أن يكون حالا من فاعل «يؤمنون» ، أي فجمعا قليلا يؤمنون أي المؤمن فيهم قليل، قال معناه ابن عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: «ذهب قتادة إلى أنّ المعنى: فقليل منهم من يؤمن» ، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع «قليل» . قلت: لا يلزم الرفع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لما تقدّم من أنّ نصبه على الحال واف بهذا المعنى. و «ما» على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد. -

[سورة البقرة (2) : الآيات 89 إلى 91]

[سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 91] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... الآية الكتاب: القرآن، ومُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ: يعني التوراة، ويَسْتَفْتِحُونَ معناه أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ، قالوا لهم: لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ، لقاتلْنَاكُم معه، واستنصرنا عليكم به، ويَسْتَفْتِحُونَ: معناه يستنصرون، قال أحمد بن نصر الداوديّ: ومنه: «عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ» ، أي: بالنصر. انتهى. وروى أبو بكر/ محمد بن حُسَيْنٍ الاْجُرِّيُّ «1» عن ابن عبَّاس، قال: كانت يهود خيبر

_ - السادس: أن تكون «ما» نافية أي: فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا، ومثله: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [السجدة: 9] ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [النمل: 62] ، وهذا قوي من جهة المعنى، وإنما يضعف شيئا من جهة تقدّم ما في حيّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنّ تقديم ما في حيزها عليها لم يجزه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن تكون «ما» مصدرية، لأن «قليلا» يبقى بلا ناصب» . يعني أنّك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها، ويكون المصدر مرفوعا ب «قليلا» على أنه فاعل به فأين الناصب له؟ وهذا بخلاف قوله: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ [الذاريات: 17] فإنّ «ما» هناك يجوز أن تكون مصدرية لأنّ «قليلا» منصوب ب كان. وقال الزمخشري: «ويجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم» . قال أبو حيان: «وما ذهب إليه من أنّ «قليلا» يراد به النفي فصحيح، لكن في غير هذا التركيب» ، أعني قوله تعالى: فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [البقرة: 88] لأنّ «قليلا» انتصب بالفعل المثبت فصار نظير «قمت قليلا» أي: قمت قياما قليلا، ولا يذهب ذاهب إلى أنّك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت «قليلا» منصوبا نعتا لمصدر ذلك الفعل يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه بالكليّة، وإنما الذي نقل النحويون: أنّه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم: «أقلّ رجل يقول ذلك، وقلّما يقوم زيد» ، وإذا تقرّر هذا فحمل القلة على النفي المحض هنا ليس بصحيح» انتهى. قلت: ما قاله أبو القاسم الزمخشري- رحمه الله- من أنّ معنى التقليل هنا النفي قد قال به الواحديّ قبله، فإنه قال: «أي: لا قليلا ولا كثيرا، كما تقول: قلّما يفعل كذا، أي: ما يفعله أصلا» . ينظر: «الدر المصون» (1/ 297) . (1) محمد بن الحسين بن عبد الله، أبو بكر الآجري: فقيه شافعي، محدث، نسبته إلى «آجر» (من قرى-

يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا التقوا، هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يوماً بالدعاء، فقالوا: اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا التقوا، دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غطفان، فلما بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، والاستفتاحُ: الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام «1» . انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلم وآيات نبوءته. وروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز، وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع «2» المَبْعَث، وما عرفوا هو محمّد صلّى الله عليه وسلم وشرعه ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة وفَلَعْنَةُ اللَّهِ إبعاده لهم، وخزيهم لذلك. وبئس: أصله «بَئِسَ» ، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و «مَا» عند سيبويه «3» : فَاعِلَةٌ ب «بِئْسَ» والتقدير: بِئْسَ الذي اشتروا به أنفسُهُمْ.

_ - «بغداد» ) ولد فيها، وحدث ب «بغداد» قبل سنة 330، ثم انتقل إلى «مكة» ، فتنسك وتوفي فيها 360 هـ، له تصانيف كثيرة، منها: «أخبار عمر بن عبد العزيز» ، و «أخلاق حملة القرآن» . ينظر: «الأعلام» (6/ 97) ، «وفيات الأعيان» (1: 488) ، و «الرسالة المستطرفة» (32) ، و «صفة الصفوة» (2/ 265) ، و «النجوم الزاهرة» (4/ 60) . (1) أخرجه الحاكم (2/ 263) وقال الذهبي: عبد الملك متروك هالك. (2) الصّقع: ناحية الأرض والبيت ... وفلان من أهل هذا الصقع، أي من أهل هذه الناحية. ينظر: «لسان العرب» (2472) . [.....] (3) ذهب الفراء إلى أنها مع «بئس» شيء واحد ركّب تركيب «حبّذا» ، نقله ابن عطية، ونقل عنه المهدوي أنه يجوّز أن تكون «ما» مع بئس بمنزلة كلّما، فظاهر هذين النقلين أنها لا محلّ لها. وذهب الجمهور إلى أنّ لها محلا، ثم اختلفوا: محلّها رفع أو نصب؟ فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز والجملة بعدها في محلّ نصب صفة لها، وفاعل بئس مضمر تفسّره «ما» ، والمخصوص بالذمّ هو قوله: «أن يكفروا» لأنه في تأويل مصدر، والتقدير: بئس هو شيئا اشتروا به كفرهم، وفيه قال الفارسي في أحد قوليه، واختاره الزمخشري، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذمّ محذوفا، و «اشتروا» صفة له في محلّ رفع تقديره: بئس شيئا شيء أو كفر اشتروا به، كقوله: [الطويل] لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل أي: فتى أضحى، و «أن يكفروا» بدل من ذلك المحذوف، أو خبر مبتدأ محذوف أي: هو أن يكفروا. وذهب الكسائي إلى أنّ «ما» منصوبة المحلّ أيضا، لكنه قدّر بعدها «ما» أخرى موصولة بمعنى الذي، وجعل الجملة من قوله: «اشتروا» صلتها، و «ما» هذه الموصولة هي المخصوص بالذمّ، والتقدير: بئس-

واشْتَرَوْا: بمعنى: باعوا. وبِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، ومِنْ فَضْلِهِ، يعني: من النبوءة والرسالة، ومَنْ يَشاءُ، يعني به محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخل في المعنى عيسى صلّى الله عليه وسلم لأنهم كفروا به بَغْياً، واللَّه قد تفضَّل عليه. وفَباؤُ: معناه: مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر أنهم بَاءُوا به. وقال البخاريّ: قال قتادة: فَباؤُ: معناه: انقلبوا «1» . انتهى.

_ - شيئا الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلّ ل «اشتروا» على هذا، ويكون «أن يكفروا» على هذا القول خبرا لمبتدأ محذوف كما تقدّم، فتلخّص في الجملة الواقعة بعد «ما» على القول بنصبها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها صفة لها فتكون في محلّ نصب أو صلة ل «ما» المحذوفة فلا محلّ لها أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محلّ رفع. وذهب سيبويه إلى أنّ موضعها رفع على أنّها فاعل بئس، فقال سيبويه: هي معرفة تامة، التقدير: بئس الشيء، والمخصوص بالذمّ على هذا محذوف أي شيء اشتروا به أنفسهم، وعزي هذا القول أيضا للكسائي. وذهب الفراء والكسائي أيضا إلى أنّ «ما» موصولة بمعنى الذي والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه، وهو أحد قولي الفارسي، والتقدير: بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، فأن يكفروا هو المخصوص بالذمّ. قال أبو حيان: «وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه» . ونقل المهدوي وابن عطية عن الكسائي أيضا أن «ما» يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: بئس اشتراؤهم، فتكون «ما» وما في حيّزها في محلّ رفع. قال ابن عطية: «وهذا معترض بأنّ «بئس» لا تدخل على اسم معيّن يتعرّف بالإضافة للضمير» . قال أبو حيان: «وهذا لا يلزم إلا إذا نصّ أنه مرفوع بئس، أمّا إذا جعله المخصوص بالذمّ وجعل فاعل «بئس» مضمرا والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير: بئس اشتراء اشتراؤهم فلا يلزم الاعتراض» . قلت: وبهذا- أعني بجعل فاعل بئس مضمرا فيها- جوّز أبو البقاء في «ما» أن تكون مصدرية، فإنه قال: «والرابع أن تكون مصدرية أي: بئس شراؤهم، وفاعل بئس على هذا مضمر لأنّ المصدر هاهنا مخصوص ليس بجنس» يعني فلا يكون فاعلا، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في «به» على «ما» والمصدرية لا يعود عليها، لأنها حرف عند الجمهور، وتقدير أدلّة كلّ فريق مذكور في المطوّلات. فهذه نهاية القول في «بئسما» و «نعمّا» والله أعلم. ينظر: «الدر المصون» (1/ 299- 300) ، و «الكتاب» (1/ 476) . (1) علقه البخاري في «صحيحه» (8/ 11) كتاب «التفسير» وقال الحافظ في «الفتح» (8/ 12) : وصله عبد بن حميد.

[سورة البقرة (2) : الآيات 92 إلى 95]

وبِغَضَبٍ معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلم على غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالى عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ. وقيل: لكفرهم بعيسى- عليه السلام- فالمعنى: على غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبهم لها. ومُهِينٌ: مأخوذ من «الهَوَانِ» ، وهو الخلود في النَّار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له. وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني لليهود: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، وهو القرآن، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنون: التوراةَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ قال قتادة: أي: بما بعده «1» ، قال الفَرَّاء «2» . أي: بما سواه «3» ، ويعني به: القرآن، ووصف تعالى القرآن بأنه الحق ومُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة عند سيبَوَيْهِ. وقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيب لهم في ذلك، واحتجاج عليهم. [سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى 95] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: بِالْبَيِّناتِ: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وسائر الآيات، وخُذُوا ما/ آتَيْناكُمْ: يعني: التوراة والشرع بِقُوَّةٍ، أي: 29 ب

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 463) برقم (1559) ، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 179) . (2) هو: يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان، الديلمي، إمام العربية، أبو زكريا، المعروف ب «الفراء» ، كان أعلم الكوفيين بالنحو بعد الكسائي، كان يميل إلى الاعتزال، من تصانيفه: «معاني القرآن» و «المذكر والمؤنث» ، و «الحدود» في الإعراب وغيرها. توفي (207 هـ.) . ينظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» (14/ 149) ، و «بغية الوعاة» (2/ 333) ، و «النجوم الزاهرة» (2/ 85) . (3) ينظر: «معاني الفراء» (1/ 60) ، و «الطبري» (2/ 348) ، و «الوسيط» (1/ 174) ، و «بحر العلوم» (1/ 137) .

بعزمٍ، ونشاطٍ. وجِدٍّ. وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم. وقوله تعالى: بِكُفْرِهِمْ يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ» . وقوله تعالى: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا. وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ... الآية: أمر لمحمّد صلّى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنى: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، والدَّارُ: اسمُ «كان» ، و «خالصة» : خبرها ومِنْ دُونِ النَّاسِ يحتملُ أن يراد ب «النَّاس» : محمّد صلّى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيّنة أعطاها الله رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلم لأن اليهود قالَتْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] ، وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه لتظهر الآية لنبيّه صلّى الله عليه وسلم. ت: قال عِيَاضٌ «1» : ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا «2» ، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا على ذلك كقوله تعالى لليهود: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً «3» ... الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج «4» في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة لأنهُ قال لهم: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله

_ (1) ينظر: «الشفا» (ص 382- 383) . (2) قضايا: جمع قضية، وهي الحادثة الواقعة في حكم قضاء الله (تعالى) وقدره. (3) خالصة: خاصة بكم. (4) «معاني القرآن» (1/ 176) .

تعالى عليه وسلم «والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ» «1» ، يعني: يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ «2» : من أَعجب أمرهم أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه «3» ، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم. انتهى من «الشّفا» . والمراد بقوله: فَتَمَنَّوُا: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب «4» ، ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إِلى الأيدي إِذ الأَكْثَرُ من كسب «5» العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك.

_ (1) ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 182) ، الغصة: ما تقف في الحلق، فتمنع النفس حتى تهلكه، وغص بريقه: وقع الموت به سريعا. وقد ورد هذا موقوفا على ابن عباس، أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وينظر: «الدر المنثور» (1/ 173) . (2) عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جعفر، أبو محمد، الأموي، المعروف بالأصيلي: عالم بالحديث، والفقه. من أهل «أصيلة» (في «المغرب» ) أصله من كورة «شبدونة» ولد فيها سنة 324 هـ، ورحل به أبوه إلى «أصيلا» من بلاد العدوة، فنشأ فيها، ويقال: ولد في «أصيلا» . رحل في طلب العلم، فطاف في «الأندلس» والمشرق، ودخل «بغداد» سنة 351 هـ، وعاد إلى «الأندلس» في آخر أيام المستنصر، فمات ب «قرطبة» ، له كتاب «الدلائل على أمهات المسائل» في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة. ينظر: «الأعلام» (4/ 63) ، و «جذوة المقتبس» (239) . (3) يقدم عليه أي: على تمني الموت. ولا يجيب إليه: أي إلى تمنيه، إذا قيل له: تمنه. (4) ذكره السيوطي في «الدر» (1/ 172) بلفظ: «فاسألوا الموت» ، وعزاه لابن جرير. وذكره ابن عطية الأندلسي في «التفسير» (1/ 181) بلفظ: «السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب» . قاله ابن عباس. [.....] (5) الكسب أصله في اللغة: الجمع، قاله الجوهري: وهو طلب الرزق، يقال: كسبت شيئا واكتسبته بمعنى، وكسبت أهلي خيرا، وكسبت الرجل مالا فكسب، وهذا مما جاء على فعلته ففعل. والكواسب: الجوارح، وتكسب: تكلف الكسب، والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: عقد القلب وعزمه، كقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: 225] أي بما عزمتم عليه وقصدتموه. الوجه الثاني: من الكسب: كسب المال من التجارة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة: 267] . فالأول للتجار، والثاني للزراع. الوجه الثالث: من الكسب: السعي والعمل، كقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] وقوله: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: 39] وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ [الأنعام: 70] فهذا كله للعمل، واختلف الناس في الكسب والاكتساب، هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق؟ -

[سورة البقرة (2) : الآيات 96 إلى 97]

وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: ظاهره الخبر، ومضمَّنه الوعيدُ لأن اللَّه سبحانه عليمٌ بالظالمينَ، وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد. [سورة البقرة (2) : الآيات 96 الى 97] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)

_ - فقالت طائفة: معناهما واحد. قال أبو الحسن علي بن أحمد: وهو الصحيح عند أهل اللغة لا فرق بينهما، وقال ذو الرمة: [البسيط] ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب. وقال الآخرون: الاكتساب أخص من الكسب لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، ولا يقال: يكتسب، قال الحطيئة: [البسيط] ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر هداك مليك الناس يا عمر قلت: والاكتساب: افتعال، وهو يستدعي اهتماما وتعملا واجتهادا، وأما الكسب فيصح نسبته بأدنى شيء، ففي جانب الفضل جعل لها ما لها فيه أو في سعي. وفي جانب العدل لم يجعل عليها إلا ما لها فيه اجتهاد واهتمام. والقائلون بالكسب اختلفوا في حقيقته، فقالت المعتزلة: هو إحداث العبد لفعله بقدرته ومشيئته استقلالا، وليس للرب منع فيه، ولا هو خالق فعله، ولا مكونه، ولا مريد له. وقالت الأشعرية: هو مقارنة قدرة العبد لفعله الاختياري في محل واحد هو العبد، بمعنى أنه متى خلق الله القدرة التي هي العرض مقارنة لذلك الفعل، كان ذلك الفعل اختياريا ومكسوبا للعبد بدون أن يكون لقدرته فيه مدخل أصلا، وإن لم يخلق الله تلك القدرة المقارنة للفعل، بل خلق الفعل في العبد فقط، كان ذلك الفعل اضطراريا، ولم يكن مكسوبا للعبد. وهذا الفريق صرح بأن العبد مجبور في الباطن مختار في الظاهر، فهو عنده مجبور في صورة مختار. ولا يخفى أن هذا المذهب ومذهب الجبرية واحد معنى، فيلزم على كل من المذهبين ما يلزم على الآخر، والتستر بقالب الاختيار، وصورته الظاهرية، المخالفة للواقع لا يفيد. وقال العلامة الأمير: الكسب هو صرف إرادة العبد إلى الفعل، وهو أمر اعتباري، لا يحتاج لخلق وإيجاد، وبيان ذلك: أن العبد إذا توجهت إرادته لفعل من أفعاله كالصلاة، أوجد الله (تعالى) في العبد شيئين مقترنين أحدهما فعله بالمعنى الحاصل بالمصدر أي حركاته وسكناته. والثاني قدرته المتعلقة بفعله تعلق مقارنة، وتعلقه المذكور هو فعله بالمعنى المصدري، فالسبب هو توجه إرادة العبد، والمسبب شيئان وجوديان أوجدهما المولى تعالى مقترنين وهما فعل العبد وقدرته، فلا يناسب حينئذ جعل أحدهما علة أو شرطا لآخر، وإنما السبب أو الشرط في إيجاد المؤثر لهما إرادة العبد، لكنه عادي لا عقلي. فإذا قصد العبد فعل الخير خلق الله (تعالى) فيه قدرة فعل الخير، وخلق الخير معها. وإن قصد فعل الشر خلق الله (تعالى) فيه قدرة فعل الشر، وخلق الشر معها. فكان هو المفوت لقدرة فعل الخير لقصده فعل الشر فيستحق الذم. ينظر: «أفعال العباد» لشيخنا عبد الرحمن إبراهيم ص 51- 54.

وقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ... الآية: وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم، وأن لا خير لهم عند اللَّه تعالى. وقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: قيل: المعنى: / وأحرصُ من الذين أشركوا 30 ألأن مشركِي العَرَبِ لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، والضمير في أَحَدُهُمْ يعودُ في هذا القول على اليهودِ، وقيل: إِن الكلام تَمَّ في حياةٍ، ثم استؤنف الإِخبار عن طائفة من المشركين أنهم يودُّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنَةٍ، والزحزحة الإبعاد والتنحية، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ وعيدٌ. وقوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... الآيةَ: أجمع أهل التفْسير أن اليهود قالتْ: جبريلُ عدوُّنا، واختلف في كيفيَّة ذلك، فقيل: إن يهود فدك «1» قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «نَسْأَلُكَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ عَرَفْتَهَا، اتبعناك، فَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ، فَقَالَ: لُحُومُ الإِبِلِ، وأَلْبَانُهَا، وَسَأَلُوهُ عَنِ الشَّبَهِ فِي الوَلَدِ، فَقَالَ: أَيُّ مَاءٍ عَلاَ، كَانَ لَهُ الشَّبَهُ، وَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: تَنَامُ عَيْنِي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ، قَالُوا: ذَاكَ عَدُوُّنَا لأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ، وَالشَّدَائِدِ، وَالجَدْبِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكَائِيلُ مَلَكُ الرَّحْمَةِ، وَالخِصْب، والأَمْطَار، لاتَّبَعْنَاكَ» . وَفِي جِبْرِيلَ لغاتٌ: جِبْرِيلُ «2» بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجبريل، بفتح الجيم

_ (1) بالتحريك، وآخره كاف: قرية ب «الحجاز» ، بينها وبين «المدينة» يومان. وقيل: ثلاثة، أفاءها الله (تعالى) على رسوله (عليه السلام) صلحا. فيها عين فوّارة ونخل. ينظر: «مراصد الاطلاع» (3/ 1020) (2) قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: «جبريل» بكسر الجيم والراء، جعلوا (جبريل) اسما واحدا على وزن (قطمير) ، وحجتهم قول الشاعر: وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء وقرأ حمزة والكسائي: «جبرئيل» بفتح الجيم والراء مهموزا، قال الشاعر: شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة ... مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها وحجتهم ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما جبرئيل وميكائيل» كقولك عبد الله وعبد الرحمن، (جبر) هو العبد، و (إيل) هو الله، فأضيف (جبر) إليه وبني فقيل (جبرئيل) . وقرأ ابن كثير «جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء مثل (سمويل) وهو اسم طائر. قال عبد الله بن كثير: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المنام فأقرأني «جبريل» فأنا لا أقرأ إلا كذلك. وقرأ يحيى عن أبي بكر: «جبرئل» على وزن (جبرعل) وهذه لغة تميم وقيس. ينظر: «العنوان في القراءات السبع» (71) ، و «حجة القراءات» (107) ، و «الحجة» (2/ 163) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 50) ، و «شرح شعلة» (270) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 167) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 98 إلى 104]

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك. ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها. انتهى. وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «1» . وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف. وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد. [سورة البقرة (2) : الآيات 98 الى 104] مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104)

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 183) .

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ... الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه. وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ... الآيةَ: قال سيبوَيْه «1» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه. وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على 30 ب عِلْمٍ. وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ... الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «2» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «3» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

_ (1) اختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال فقال الأخفش: إن الهمزة للاستفهام والواو زائدة، وهذا على رأيه في جواز زيادتها. وقال الكسائي: هي «أو» العاطفة التي بمعنى بل، وإنما حركت الواو ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة. وقال البصريون هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف، والزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئا يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هنا: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. ينظر: «الدر المصون» (1/ 316) ، و «الكتاب» (3/ 189) . (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 185) بلفظ: «تقرأ من التلاوة» عن عطاء. (3) أخرجه الطبري (1/ 492) برقم (1658) ، وقال العلامة أحمد شاكر: ووقع في المطبوعة «العبقري» وهو تصحيف، وتصحيحه كالآتي: الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي- ضعيف قال أبو زرعة «لا يصدق» ، وهو مترجم في «لسان الميزان» ، و «ابن أبي حاتم» (1/ 2/ 61- 62) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 185) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 183) ، وعزاه لابن جرير.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً. وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام. والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «1» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه. قال ع «2» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل: «إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك. ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «3» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «4» ت: قال عياض «5» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 499) برقم (1680) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 183) ، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 186) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 186) . (3) وقرأ بها الحسن بن علي وابن عباس، كما في مختصر الشواذ ص 16 وقرأ بها أيضا أبو الأسود الدؤلي، والضحاك، وابن أبزى. ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 186) ، و «البحر المحيط» (1/ 497) ، و «الدر المصون» (1/ 321) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 187) . (5) ينظر: «الشفا» (ص 853- 855) .

هَارُوت ومَارُوت. وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «1» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «2» كما نصَّه اللَّه أول الآيات. انتهى. انظره. وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ... الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «3» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «4» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «5» : [الطويل]

_ (1) وليس هو أي ما تضمنته قصتهما. يؤخذ بقياس: يستنبط بقياس أي ليس مما يجري فيه القياس على غيره، مما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة فلا ينبغي الخوض فيه نفيا أو إثباتا. قال في «نسيم الرياض» : وهذا الذي ذكره من أنه لم يرد فيه حديث ضعيف، ولا صحيح ردوه- كما نقله السيوطي في «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» - بأنه ورد من طرق كثيرة منها ما في مسند أحمد، عن ابن عمر (رضي الله عنهما) مرفوعا ورواه ابن حبان، والبيهقي، وابن جرير وابن حميد في «مسنده» ، وابن أبي الدنيا وغيرهم من طرق عديدة. وقال ابن حجر في «شرح البخاري» : إن له طرقا تفيد العلم بصحته. وكذا في حواشي البرهان الحلبي، وذكره مسندا عن ابن عمر (رضي الله عنهما) أنه سمعه صلّى الله عليه وسلم يقول: «لما أهبط الله (تعالى) آدم إلى الأرض، قالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها! وقالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. فقال الله تعالى: هلما بملكين يهبطان الأرض. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا، فتمثلت لهما الزهرة امرأة حسنة من البشر فراوداها عن نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تتكلما بهذه الكلمة من الشرك، فأبيا. فذهبت وأتت بابن جار لها تحمله، فراوداها. فقالت: لا، حتى تقتلا هذا الصبي فقالا: لا. ثم راوداها مرة أخرى، فأتت بقدح خمر، فقالت: لا، حتى تشرباه. فشربا وسكرا، فتكلما بكلمة الكفر، وقتلا الصبي، فخيرهما الله (تعالى) بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا: «فعلقا بين السماء والأرض» . قال الخفاجي: وقد جمع السيوطي طرق هذا الحديث في تأليف مستقل، فبلغت نيفا وعشرين طريقا. [.....] (2) هذه الأخبار التي ذكرها بعض المفسرين منقولة من كتب اليهود في الإسرائيليات وافترائهم وكذبهم على أنبياء الله تعالى وملائكته. (3) محمد بن زياد، المعروف ب «ابن الأعرابي» ، راوية، ناسب، علامة باللغة، ولد 150 هـ من أهل «الكوفة» ، كان أحول، لم ير أحد في علم الشعر أغزر منه. له تصانيف منها: «أسماء الخيل وفرسانها» ، و «الأنواء» و «الفاضل» و «البشر» وغيرها. وتوفي 231 هـ. ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 492) ، و «تاريخ بغداد» (5/ 282) ، و «المقتبس» (6/ 3- 9) ، و «نزهة الألباء» (207) ، و «الأعلام» (6/ 131) . (4) وهي قراءة طلحة بن مصرف، كما في «مختصر الشواذ» (ص 16) ، و «البحر المحيط» (1/ 498) ، و «الدر المصون» (1/ 322) . (5) كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المصرب. شاهر عالي الطبقة من أهل «نجد» ، له «ديوان-

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ... وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «1» وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه. 31 أص «2» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم. انتهى. ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «3» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال: اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط. م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «4» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم

_ شعر» كان ممن اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الإسلام هجا النبي صلّى الله عليه وسلم وأقام يشبب بنساء المسلمين، فهدر النبي دمه، فجاءه «كعب» مستأمنا، وقد أسلم، وأنشده لاميته المشهورة التي مطلعها: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول» فعفا عنه النبي صلّى الله عليه وسلم وخلع عليه بردته. وهو من أعرق الناس في الشعر. ينظر: «الأعلام» (5/ 226) . (1) البيت في ملحق ديوانه (258) ، و «أمالي المرتضى» (2/ 77) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 187) ، و «تفسير القرطبي» (2/ 54) ، و «الدر المصون» (322) . ويروى ملفقا من بيتين لأسيد بن أبي إياس الهذلي في «شرح أشعار الهذليين» (2/ 627) وبلا نسبة في «شرح الأشموني» (1/ 158) و «شرح شذور الذهب» (ص 468) و «مغني اللبيب» (ص 2/ 594) . والشاهد فيه استعمال الفعل «تعلّم» بمعنى «اعلم» ، فنصب به مفعولين بواسطة «أنّ» المصدريّة المؤكّدة، وهذا هو الأكثر في تعدّي هذا الفعل. (2) «المجيد» (ص 361) . (3) التأخيذ: حبس السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء. والتأخيذ- أيضا-: أن تحتال المرأة بحيل في منع زوجها من جماع غيرها، يقال: لفلانة أخذة تؤخذ بها الرجال عن النساء. ينظر: «لسان العرب» (36) . (4) «التبيان» (1/ 101) وأبو البقاء هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، الإمام محبّ الدين، أبو البقاء العكبريّ، البغداديّ الضّرير، النحويّ، الحنبليّ، صاحب الإعراب. قال القفطي: أصله من «عكبرا» ، وقرأ بالرّوايات على أبي الحسن البطائحيّ، وتفقّه بالقاضي أبي يعلى الفرّاء، ولازمه حتى برع في المذهب والخلاف والأصول، وقرأ العربيّة على يحيى بن نجاح وابن الخشّاب حتى حاز قصب السّبق، وصار فيها من الرّؤساء المتقدّمين، وقصده الناس من الأقطار، وأقرأ النّحو، واللّغة، والمذهب، والخلاف، والفرائض، والحساب. ينظر: «بغية الوعاة» (2/ 38، 39) .

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر. انتهى. وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب. وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع. وقرأ جمهورُ النَّاس «1» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «2» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

_ (1) وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبي: «راعونا» على إسناد الفعل لضمير الجمع، وذكر أيضا أن في مصحف عبد الله (ارعونا) خاطبوه بذلك إكبارا وتعظيما إذ أقاموه مقام الجمع، وقرأ الحسن وابن أبي ليلى، وأبو حيوة، وابن محيصن: «راعنا» بالتنوين جعله صفة لمصدر محذوف، أي: قولا راعنا، وهو على سبيل النسب كلابن، وتامر. ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 189) ، و «البحر المحيط» (1/ 508) ، و «الدر المصون» (1/ 332) ، و «مختصر الشواذ» (ص 16) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 411) . (2) وسدّ الذّرائع: هي التّوصّل بما هو مصلحة إلى مفسدة، كما يرى الشاطبي، أو وسيلة وطريقة إلى الشيء، عن شمس الدين ابن القيم، فالشاطبي يقتصر على الذّرائع سدّا، وابن القيم يشملها سدّا وفتحا. فسدّ الذرائع وسيلة مباحة يتوصّل بها إلى ممنوع مشتمل على مفسدة. قال الباجيّ: ذهب مالك إلى المنع من سدّ الذّرائع، وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصّل بها إلى فعل المحظور، مثل: أن يبيع السّلعة بمائة إلى أجل، ويشتريها بخمسين نقدا، فهذا قد توصل إلى خمسين بذكر السلعة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 105 إلى 106]

[سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106] مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) وقوله سبحانه: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية: يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ: الرحمة القرآن. وقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ... الآية: النَّسْخُ في كلام العرب، على وجهين: أحدهما: النَّقْل كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالى في قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] . الثاني: الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ: أحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ. والآخر: لا يثبت كقولهم: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ. وورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن وحَدُّ «النَّاسِخ» عنْد حُذَّاق أهل السنة: الْخِطَابُ الدالُّ على ارتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتاً، مع تراخيه عنه. ت: قال ابن الحاجِبِ: والنَسْخُ لغةً: الإِزالة، وفي الاصطلاح: رفع الحُكْمِ الشرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر «1» . انتهى من «مختصره الكبير» .

_ (1) ينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (2/ 1293) ، «البحر المحيط» للزركشي (4/ 63) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (3/ 15) ، «سلاسل الذهب» للزركشي (ص 290) ، «التمهيد» للأسنوي (ص 435) ، «نهاية السول» له (2/ 548) ، «زوائد الأصول» له (ص 308) ، «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 224) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص 87) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 7) ، «المنخول» للغزالي (ص 288) ، «المستصفى» له (1/ 107) ، «حاشية البناني» (2/ 74) ، «الإبهاج» لابن السبكي (2/ 226) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 129) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 106) ، «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 363) ، «إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (ص 389) ، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (4/ 463) ، «أعلام الموقعين» لابن القيم (1/ 29) ، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (3/ 49) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (2/ 621، 981) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (2/ 185) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (2/ 34) ، «شرح المنار» لابن ملك (ص 91) ، «الموافقات» للشاطبي (3/-

والنسْخُ جائز على اللَّه تعالى عقلاً لأنه لا يلزم عنه محالٌ «1» ، ولا تتغيرُ صفة من صفاته تعالى/، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا 31 ب النسخ لطروء علْم، بل اللَّه تعالى يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاءُ لا يجوزُ على اللَّه تعالى لأنه لا يكون إلا لطروءِ علْمٍ أو لتغيُّر إِرادة وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالى، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاءَ واحداً، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا. والمنسوخُ عند أئمتنا: الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنّ الأوامر مرادة، وأن

_ - 102) ، «تقريب الوصول» لابن جزيّ (ص 125) ، «شرح مختصر المنار» للكوراني (ص 91) ، «نشر البنود» للشنقيطي (2/ 280) ، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (ص 462) . وينظر: «تهذيب اللغة» (7/ 181) ، «لسان العرب» (6/ 4407) ، «تاج العروس» (2/ 282) ، «معيار العقول في علم الأصول» لابن المرتضى (1/ 172) ، «كشف الأسرار» (3/ 154) ، «حواشي المنار» (708) ، «العدة» (3/ 778) ، «الحدود» للباجي (ص 49) ، «اللمع» (ص 30) ، «الوصول» لابن برهان (2/ 7) ، «روضة الناظر» (26) ، «الرسالة» للشافعي (128) ، «المغني» للخبازي (250) ، «المسودة» (195) ، «شرح تنقيح الفصول» (301) ، «تقريب الوصول» (125) ، «المنتهى» لابن الحاجب (113) . (1) أجمع أهل الشرائع طرّا من المسلمين والنصارى واليهود على جوازه عقلا، وخالف في ذلك الشمعونية من اليهود متمسكين بشبه واهية. احتج الجمهور بدليل عقلي حاصله: أن المخالف لا يخلو حاله من أحد أمرين: أما إن يكون ممن يوافق على أن الله (تعالى) هو الفاعل المختار، له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض. وإما أن يكون ممن يعتبر المصلحة في أفعاله (تعالى) ، فإن كان الأول، فليس في العقل ما يمنع من أن يأمر الله بشيء في وقت وينهى عنه في وقت آخر، كأمره بالصوم في اليوم الأخير من رمضان، ونهيه عنه في اليوم الأول من شوال. وإن كان الثاني، فلا يمتنع أن يعلم الله أن في الفعل مصلحة في وقت، فيأمر به، وأن في الفعل مضرة في وقت آخر، فينهى عنه فإن المصلحة مما تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. أما اختلافها بالأشخاص فإنا نرى الغنى مصلحة لبعض الناس، والفقر مفسدة له، بينما نرى الفقر مصلحة للبعض الآخر، والغنى مفسدة له يدلنا على ذلك قول الرسول الأمين فيما يرويه عن رب العالمين: «إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا الفقر، ولو أغنيته لأفسده. وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده» وأما اختلافها بحسب الأحوال والأزمان، فإنا نرى الشدة والغلظة نافعة في زمان دون زمان، لا ينفع فيه إلا المداراة والمساهلة. ومثل ذلك المريض يكون تناول الدواء مفيدا له حين مرضه، فيأمره الطبيب بتناوله، ويكون مضرا له بعد سلامته، فينهاه الطبيب عنه حينئذ، أو كالغذاء الجيد لا تتحمله معدة المريض الضعيف، فينهى عنه. فإذا شفي من مرضه وسلمت معدته واحتاج إلى ما يعيد قوته، حتم عليه الطبيب تناول ما كان يمنعه عنه. واعتبر ذلك في تربية الطفل يعطى من الغذاء الخفيف ما يناسبه حتى إذا شب زيد له من متين الغذاء بمقداره. ومنع من رضاع أمه إذ كان ذلك لا يناسب بعد كبره. ينظر: «النسخ» لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص 20. [.....]

الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالى حَسَنٌ «1» ، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا

_ (1) لا قبح عقلا وشرعا في شيء من الأشياء من حيث كونه مخلوقا لله (تعالى) ، سواء كانت أفعال العباد أو لا لأن مالك الأمور كلها يفعل ما يشاء. وأما أفعال العباد من حيث كونها مكسوبة للعباد، فقد تتصف بالحسن والقبح الشرعيين. هذا عند الأشاعرة، وأما المعتزلة فقد قالوا: القبيح قبيح في نفسه، فيقبح من الله (تعالى) كما يقبح منا، وكذا الحسن، وقد يدركان بالعقل، فوقع الاختلاف بين الفريقين في أن العقل هل له حكم في حسن الأفعال وقبحها أم لا. بل الحاكم بهما الشرع فقط؟! وتفصيل المقام على ما في شرح «المواقف» : أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان: الأول: كون الفعل صفة كمال كالعلم، وكونه صفة نقصان كالجهل، ولا نزاع بين الفريقين في أن الحسن والقبح بهذا المعنى يدركان بالعقل فإن العقل يحتم بأن العلم حسن، والجهل قبيح، ولا يتوقف على حكم الشرع بالحسن والقبح فيهما. والمعنى الثاني: كون الفعل ملائما للغرض أو منافرا له، فما وافق الغرض كان حسنا، وما خالفه كان قبيحا، وما خلا منهما لا يكون حسنا ولا قبيحا. وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح: ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون حسنا ولا قبيحا. ولا نزاع في أن الحسن والقبح بهذا المعنى أيضا عقليان، أي يدركان بالعقل، لكن هذا المعنى يختلف بالاعتبار فإن قتل زيد مصلحة لأعدائه وموافق لغرضهم، ومفسدة لأوليائه ومخالف لغرضهم، والمعنى الثالث: كون الفعل متعلق المدح عاجلا والثواب آجلا، وكونه متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا. وهذا المعنى الثالث هو محل النزاع، فالحسن والقبح بهذا المعنى عند الأشعري شرعي وذلك لأنهما لا يكونان لذات الفعل، وليس للفعل صفة لأجلها يكون الفعل حسنا وقبيحا بهذا المعنى الثالث حتى يدرك العقل ما به الحسن والقبح، ويحكم بالحسن والقبح، بل كل ما أمر الشارع به فهو حسن، وكل ما نهى الشارع عنه قبيح، حتى لو عكس الأمر لانعكس الحال. وقالت المعتزلة: للفعل في نفسه (أي مع قطع النظر عن الشرع) جهة محسنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا أو مقبحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا. ثم إن تلك الجهة المقتضية لهما هو ذات الفعل عند جمهور المتقدمين منهم، وصفة حقيقة زائدة على ذات الفعل عند بعض المتقدمين منهم. وقال الجبائي منهم: ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية لها، بل لوجوه واعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب. ثم إن المعتزلة قالوا: إن من الحسن والقبح ما يدركه العقل ضرورة من غير نظر واستدلال، كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار. ومنهما ما يدركه العقل بالنظر والاستدلال، كقبح الصدق الضار، وحسن الكذب النافع. ومنهما ما لا يدركه العقل لا بالضرورة ولا بالاستدلال، كحسن صوم آخر رمضان، وقبح صوم أول شوال، لكن إذا ورد به الشرع، وعلم أن ثمة جهة محسنة ومقبحة، فإدراكه الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع عنهما بأمره ونهيه. وللماتريدية موافقة للمعتزلة في أن حسن بعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له، ويعرفان عقلا كما يعرفان شرعا. ينظر: «نشر الطوالع» (ص 278- 280) ، «البحر المحيط» للزركشي (1/ 143، 168) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 87) ، «سلاسل الذهب» للزركشي (97) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (1/ 76) ، «التمهيد» للأسنوي (61- 62) ، «نهاية السول» له (1/ 88) ، «زوائد الأصول» له (195) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 670) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (7) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 175- 180) ، «المنخول» للغزالي (8) ، «المستصفى» له (1/ 55) ، «حاشية البناني» (1/-

ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس «1» به لأن المخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم، لكان نسخاً، والنسخ لا يجوز في الأخبار «2» ، وإِنما هو

_ - 64) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 61، 138) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (1/ 87- 88) ، «تخريج الفروع» (244) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (1/ 77- 81) ، «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 327) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (1/ 173) ، «نسمات الأسحار» لابن عابدين (45) ، «شرح المنار» لابن ملك (35) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (1/ 150- 151) ، «الكوكب المنير» للفتوحي (95) . (1) معلوم أن التخصيص والنسخ يشتركان في أن كل واحد منهما بيان ما لم يرد باللفظ، إلا أنهما يفترقان في أمور، وهي أن التخصيص يبين أن العام لم يتناول المخصوص، والنسخ يرفع بعد الثبوت وأن التخصيص لا يرد إلا على العام، والنسخ يرد عليه وعلى غيره. وأنه يجب أن يكون متصلا، والنسخ لا يكون إلا متراخيا. وأنه لا يجوز إلى أن لا يبقى شيء، والنسخ يجوز. وأنه قد يكون بأدلة السمع وغيرها، والنسخ لا يجوز إلا بالسمع. وأنه يكون معلوما ومجهولا. والنسخ لا يكون إلا معلوما. وأنه لا يخرج المخصوص منه من كونه معمولا به في مستقبل الزمان، والنسخ يخرج المنسوخ عن ذلك. وأنه يرد في الأخبار والأحكام، والنسخ لا يرد إلا في الأحكام. وأن دليل الخصوص يقبل التعليل ودليل النسخ لا يقبله. ينظر: «النسخ» لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص 91. (2) تنوعت آراء الأصوليين في موضوع النسخ، فمنهم من ذهب إلى أن النسخ كما يكون في الأوامر والنواهي يكون في الأخبار. وينسب لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي حيث قالا: «قد يدخل النسخ على الأمر والنهي وعلى جميع الأخبار» ولم يفصلا، وتابعهما على هذا القول جماعة. قال أبو جعفر: «وهذا القول عظيم جدا يئول إلى الكفر» لأن قائلا لو قال: «قام فلان» ثم قال: «لم يقم» ثم قال: «نسخته» لكان كاذبا. وبعضهم ذهب إلى أن أمر الناسخ والمنسوخ موكول إلى الإمام، فله أن ينسخ ما شاء. وهذا القول أعظم لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلّى الله عليه وسلم إلا بالوحي من الله (تعالى) إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن، فلما ارتفع هذا بموت النبي صلّى الله عليه وسلم ارتفع النسخ. ومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي، وأما الأخبار فيفصل فيها بين ما فيه حكم، فيجوز النسخ فيه، وبين ما لا حكم فيه، فلا يجوز. ومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي خاصة. وهذا المذهب حكاه هبة الله بن سلامة عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة بن عمار. وهناك مذهب خامس، عليه أئمة العلماء، وهو أن النسخ إنما يكون في المتعبدات لأن لله (عز وجل) أن يتعبد خلقه بما شاء إلى أي وقت شاء، ثم يتعبدهم بغير ذلك، فيكون النسخ في الأوامر والنواهي وما كان في معناهما مثل قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور: 3] وقوله تعالى في سورة يوسف- عليه السلام-: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً [يوسف: 47] فالأولى مثال للخبر الذي بمعنى النهي لأن المعنى. لا تنكحوا زانية ولا مشركة. -

مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال: أليس معناه وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال: إِن في ضمن المعنَى: إِلاَّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك الإِخبار كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلاً وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله- عليه السلام- «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» «1» ، وهو ظاهر مسائل مالك.

_ - والثانية مثال للخبر الذي بمعنى الأمر لأن المعنى «ازرعوا» وهذا المذهب عزي إلى الضحاك بن مزاحم. ينظر: «النسخ» لشيخنا إمام عيسى. (ص 18- 19) . (1) أخرجه أبو داود (3/ 290) كتاب «الوصايا» ، باب الوصية للوارث، حديث (2870) ، والترمذي (4/ 433) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، حديث (2120) ، وابن ماجه (2/ 905) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، حديث (2713) ، وأحمد (5/ 267) ، والطيالسي (2/ 117- منحة) رقم (2407) ، وسعيد بن منصور (427) ، والدولابي في «الكنى» (1/ 64) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (1/ 227) ، والبيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي. قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إنّ الله (تبارك وتعالى) قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» رقم (949) من طريق الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن جابر، ثنا سليم بن عامر، سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث. وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم: عمرو بن خارجة، وأنس بن مالك، وابن عباس، وجابر، وعلي، وعبد الله بن عمرو، ومعقل بن يسار، وزيد بن أرقم، والبراء، ومجاهد مرسلا. حديث خارجة: أخرجه الترمذي (4/ 434) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، حديث (2121) ، والنسائي (6/ 247) ، كتاب «الوصايا» ، باب إبطال الوصية للوارث وابن ماجة (2/ 905) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، وأحمد (4/ 186، 187) ، والدارمي (2/ 419) كتاب «الوصايا» ، باب الوصية للوارث، والطيالسي (1317) ، وأبو يعلى (3/ 78) رقم (1508) ، والبيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة أن النبي صلّى الله عليه وسلم خطب على ناقته وأنا تحت جرانها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: «إن الله (عز وجل) أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» . قال الترمذي: حسن صحيح. وللحديث طريق آخر. -

ت: ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن الخَبَرَ المتواترَ القطعيّ، وقد أشار إلى أن هذا

_ - أخرجه الدارقطني (4/ 152) كتاب الوصايا، حديث (10) ، والبيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، عن طريق زياد بن عبد الله عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن عمرو بن خارجة مرفوعا بلفظ: «لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة» . وضعف البيهقي سنده: وأخرجه الطبراني في «الكبير» (4/ 202) رقم (4140) من طريق عبد الملك بن قدامة الجمحي عن أبيه عن خارجة بن عمرو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال يوم الفتح وأنا عند ناقته: «ليس لوارث وصية، قد أعطى الله (عز وجل) كل ذي حق حقه، وللعاهر الحجر» . وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي، وثقه ابن معين، وضعفه الناس. اهـ. قلت: ووثقه أيضا يعقوب بن سفيان فقال في «المعرفة والتاريخ» (1/ 435) : «مديني ثقة» . لكن عبد الملك هذا ضعفه الجمهور: قال البخاري في «الضعفاء» (220) : يعرف وينكر. وقال أبو زرعة الرازي: منكر الحديث «سؤالات البرذعي» (ص 356) . وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث «علل الحديث» (2435) . وقال النسائي: مدني ليس بالقوي «الضعفاء والمتروكين» (403) . وقال الدارقطني: مدني يترك «سؤالات البرقاني» (301) . حديث أنس: أخرجه ابن ماجه (2/ 906) كتاب «الوصايا» باب لا وصية لوارث، حديث (2714) ، والدارقطني (4/ 70) كتاب «الفرائض» ، حديث (8) ، والبيهقي (6/ 264- 265) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين. من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن سعيد بن أبي سعيد عن أنس به. قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 368) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. حديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني (4/ 97) كتاب الفرائض، حديث (89) ، والبيهقي (6/ 263) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين. من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. قال البيهقي: عطاء: هو الخراساني، لم يدرك ابن عباس ولم يره. قاله أبو داود وغيره. وأخرجه البيهقي (6/ 263- 264) من طريق يونس بن راشد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال الحافظ في «التلخيص» (3/ 92) : حديث حسن. حديث جابر: أخرجه الدارقطني (4/ 97) كتاب «الفرائض» ، حديث (90) من طريق فضل بن سهل: ثنى إسحاق بن إبراهيم الهروي، ثنا سفيان عن عمرو عن جابر به. قال الدارقطني: الصواب مرسل. قال أبو الطيب آبادي في «التعليق المغني» (4/ 97) : إسحاق بن إبراهيم الهروي، ثم البغدادي، أبو موسى، وثقه ابن معين وغيره، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: أبو موسى الهروي روى عن سفيان عن عمرو عن جابر: «لا وصية ... الحديث» . كأنه سفيان عن عمرو مرسلا، «كذا في الميزان» اهـ.

الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة: 180] ،

_ - وللحديث طريق آخر: أخرجه الدارقطني (4/ 152) كتاب «الوصايا» ، حديث (12) من طريق نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث، ولا إقرار بدين» . حديث علي: أخرجه الدارقطني (4/ 97) كتاب الفرائض، حديث (91) ، من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الدين قبل الوصية، ولا وصية لوارث» . ومن طريق يحيى أخرجه ابن عدي في «الكامل» (7/ 190) ويحيى بن أبي أنيسة. قال أحمد: متروك الحديث. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وليس بذاك. وقال النسائي: متروك الحديث. وأسند ذلك ابن عدي في «الكامل» عنهم. حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه الدارقطني (4/ 98) كتاب «الفرائض» ، حديث (93) ، وابن عدي في «الكامل» (2/ 817) من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر: «لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة» . حديث معقل بن يسار: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (5/ 211) من طريق علي بن الحسن بن يعمر: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال معقل بن يسار: كنا بمنى وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يخطب ولعاب ناقته بين كتفي، ففهمت من كلامه قال: «لا وصية لوارث» . قال ابن عدي: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد. حديث زيد بن أرقم والبراء: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (6/ 350) من طريق موسى بن عثمان الحضرمي عن أبي إسحاق عن البراء وزيد بن أرقم قالا: كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلم يوم غدير «خم» ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال: «إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهلي، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، ولعن الله من تولى غير مواليه. الولد للفراش وللعاهر الحجر. ليس لوارث وصية» . قال ابن عدي: موسى بن عثمان: حديثه ليس بمحفوظ. وقال أبو حاتم: متروك. ينظر: «اللسان» (6/ 125) ، و «الميزان» (4/ 214) . مرسل مجاهد: أخرجه البيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن سليمان الأحول عن مجاهد به.

واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «نَنْسَأْهَا» بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ: «نُنْسِهَا» من النسيان «1» ، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ إِلاَّ أنها همزت بعد السين «2» ، فهذه بمعنى التأخير والنِّسْيَان في كلام العربِ يجيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به: ما ننسَخْ/ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لها، فإنّا 32 أنأتي بخيرٍ منها لكُمْ أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو على معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ، انظرها، إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار. ع «3» : والصحيح أن نسيان النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآناً- جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيّ صلّى الله عليه وسلم معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البشر لأنه صلّى الله عليه وسلم قد بَلَّغَ، وأدَّى الأمانة ومنه الحديثُ، حِينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: «أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟ قَالَ: حَسِبْتُ أنّها رفعت فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا» «4» . وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ: معناه: التقرير، ومعنى الآية، أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير على ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ، معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ بدليل العقل، ولا المحالاتُ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب: الموجود، وقَدِيرٌ: اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ «5» : وإِن من علم

_ (1) ينظر: «السبعة» (168) ، و «الكشف» (1/ 257) ، و «حجة القراءات» (109) ، و «العنوان» (71) ، و «الحجة» (2/ 180) ، و «شرح الطيبة» (4/ 54، 55) ، و «شرح شعلة» (272) ، و «معاني القراءات» (1/ 169) ، و «إتحاف» (1/ 411) . (2) وقد ذكر أبو حيان في البحر اثنتي عشرة قراءة لهذه اللفظة. ينظر: «البحر المحيط» (1/ 513) . (3) «المحرر الوجيز» (1/ 194) . (4) أخرجه أحمد (3/ 407) وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 72) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح. (5) عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري، النيسابوري، أخذ عن أبي علي الدقاق، وأبي عبد الرحمن السلمي، ودرس الفقه على أبي بكر الطوسي، وقرأ الكلام على ابن فورك، وأبي إسحاق الأسفراييني، قال ابن السمعاني: لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته. صنف التفسير الكبير، والرسالة. ولد سنة 376، ومات سنة 465.

[سورة البقرة (2) : الآيات 107 إلى 108]

أن مولاه قديرٌ على ما يريد، قَطَعَ رجاءه عن الأغيار كما قال تعالى عن إِبراهيم- عليه السلام-: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: 37] قال أهل الإِشارة: معناه: سهلت طريقهم إِليك، وقطَعْت رجاءهم عن سواك، ثم قال: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، [إبراهيم: 37] أي: شغلتهم بخدمتك، وأنت أولى بهم، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: 37] ، أي: إِذا احتاجوا شيئاً، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم فإِنك على ذلك قديرٌ، وإِن من لزم بابه أوصل إليه محابَّه، وكفاه أسبابه، وذلل لهُ كلَّ صعب، وأورده كلَّ سهل عذبٍ من غير قطعِ شُقَّة، ولا تحمل مشقة انتهى من «التحبير» . [سورة البقرة (2) : الآيات 107 الى 108] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآيةَ: المُلْك السلطانُ، ونفوذُ الأمرِ، والإِرادةِ، وجَمْع الضمير في لَكُمْ دالٌ على أن المراد بخطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم خطابُ أمته. وقوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ... الآيةَ: قال أبو العالية: إِن هذه الآية نزلَتْ حين قال بعض الصحابة للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «لَيْتَ ذُنُوبَنَا جَرَتْ مجرى ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: «قَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً مِمَّا أعطى بَنِي إِسْرَائِيلَ» ، وتَلاَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: 110] ، وقال ابنُ عَبَّاس: سَبَبُهَا أنَّ رافع بن حريملة اليهوديّ سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلم تفجيرَ عُيونٍ، وغير ذلك «1» ، وقيل غير هذا، وما سئل موسى- عليه السلام- هو أَنْ يرى اللَّه جهرةً. وكنى عن الإِعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدّل، وضَلَّ: أخطأ (32 ب الطريق، والسواء مِنْ/ كل شيءٍ الوسَطُ، والمعظَمُ ومنه: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ

_ - انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 254) ، «طبقات السبكي» (3/ 243) ، «تاريخ بغداد» (11/ 83) ، «الأعلام» (4/ 180) . [.....] (1) أخرجه الطبريّ (1/ 530) برقم (1780) وقال أحمد شاكر في المطبوعة: «من قولهم» ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام (2/ 197) اهـ. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 201) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، ولابن إسحاق.

[سورة البقرة (2) : الآيات 109 إلى 110]

[الصافات: 55] وقال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في رثاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلم [الكامل] : يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه ... بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ «1» والسبيلُ: عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله تعالى لعباده. [سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 110] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ... الآيةَ: قال ابنُ عَبَّاس: المراد ابنا أَخْطَبَ حُيَيٌّ وأَبُو يَاسِرً، أي: وأتباعهما «2» ، واختلف في سبب هذه الآيةِ، فقيل: إن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ «3» ، وعمّار بن ياسر «4» أتيا بيت

_ (1) ينظر: «ديوانه» ص (66) ، و «لسان العرب» (14/ 412) (سوا) ، وبلا نسبة من «المقتضب» (2/ 274) ، و «السيرة مع الروض» (4/ 266) ، و «مجاز القرآن» (1/ 50) ، و «الكامل» (3/ 1369) . وينظر: «تفسير الطبري» (1/ 368) ، و «القرطبي» (2/ 70) ، «الدر المصون» (1/ 340) . (2) أخرجه الطبري (1/ 534) برقم (1791) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 201) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم. وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 196) . (3) حذيفة بن اليمان (واسم اليمان حسل، وقيل: حسيل) بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة فروة، ابن الحارث بن مازن بن قطيعة بن عبس بن بغيض. أبو عبد الله العبسي، واليمان لقب: حسل والده. وقيل: لقب جروة بن الحارث. وقيل له ذلك لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن. من كبار الصحابة. صاحب سر رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المنافقين. روى عنه ابنه أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وقيس بن أبي حازم، وأبي وائل، وزيد بن وهب، وغيرهم. توفي سنة (36) بعد وفاة عثمان بأربعين ليلة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 468) ، «الإصابة» (1/ 332) ، «الثقات» (3/ 80) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 125) ، «الكاشف» (1/ 210) ، «العبر» (1/ 25) ، «الاستيعاب» (1/ 344) . (4) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم ... المذحجي أبو اليقظان. العنسي. حليف بني مخزوم. هو من السابقين الأولين إلى الإسلام ... وأمه سميّة، وهي أول من استشهد في سبيل الله (عز وجل) وأبوه وأمه من السابقين، وكان إسلام عمار بعد بضعة وثلاثين، وهو ممن عذب في الله. قال عمار: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله صلّى الله عليه وسلم فيها فقلت: ما تريد؟ فقال: ما تريد أنت؟ قلت: أريد أن أدخل على محمد وأسمع منه كلامه. فقال: وأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا. وهو من مشاهير الصحابة رضي الله عنه. قتل مع علي ب «صفين» سنة (37) ، وله (93 سنة) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 129) ، «الإصابة» (4/ 373) ، «الثقات» (3/ 302) ، «الاستيعاب» -

المِدْرَاس «1» ، فأراد اليهودُ صرْفَهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل: إن هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في: راعِنا [البقرة: 104] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفاراً من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمّد صلّى الله عليه وسلم. ت: وقد جاءَتْ أحاديث صحيحةٌ في النهيِ عن الحسدِ، فمنْها حديثُ مالكٍ في الموطَّإ عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَاد اللَّهِ إخْوَاناً، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهُجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» «2» وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن الزُّبَيْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، حَالِقَتَا الدِّينِ، لاَ حَالِقَتَا الشَّعْرِ» «3» . انتهى من «التمهيد» .

_ - (3/ 1135) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 394) ، «التاريخ الصغير» (1/ 79) ، «الجرح والتعديل» (6/ 389) . (1) المدراس: البيت الذي يدرس فيه القرآن، وكذلك مدراس اليهود، وهو المقصود هنا. ينظر: «لسان العرب» (1360) . (2) أخرجه البخاري (10/ 496) في الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر (6065) ، وباب الهجرة (7076) . ومسلم (4/ 1983- 1984) في البر والصلة، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (23- 24/ 2559) وأبو داود (2/ 695) في الأدب، باب فيمن يهجر أخاه المسلم (4910) ، والترمذي (4/ 90) في البر والصلة، باب ما جاء في الحسد (1935) ، ومالك في الموطأ (2/ 907) في المهاجرة، باب ما جاء في حسن الخلق، باب ما جاء في المهاجرة (14) . وأحمد (3/ 199، 201، 225، 277، 283) . والحميدي (1183) ، والطيالسي (2190) وعبد الرزاق (20222) ، وأبو يعلى (3261) والبيهقي (10/ 232) والبغوي في شرح السنة بتحقيقنا (6/ 490) برقم (3416) من طرق عن أنس. (3) أخرجه الترمذي (4/ 664) كتاب «صفة القيامة» ، باب (56) رقم (2510) ، وأحمد (1/ 165، 167) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (6/ 120) كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد أن مولى الزبير حدثه أن الزبير بن العوام حدثه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال، فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث قد اختلفوا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فروى بعضهم عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير عن النبي صلّى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه عن الزبير. اهـ. والطريق المرسل الذي أشار إليه الترمذي: أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (6/ 121) . وهذا الحديث أخرجه البزار (2/ 418، 419- كشف) رقم (2002) من طريق موسى بن خلف عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد مولى لآل الزبير عن ابن الزبير به. وقال البزار: هكذا رواه موسى بن خلف، ورواه هشام صاحب الدستوائي عن يحيى عن يعيش عن مولى للزبير عن الزبير. وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 33) : وإسناده جيد. قلت: وفيه نظر كما سيأتي فقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 327) رقم (2500) : سئل أبو زرعة عن حديث رواه موسى بن خلف عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش مولى ابن الزبير عن الزبير أن النبي صلّى الله عليه وسلم-

والعَفْوُ: تركُ العُقُوبةِ، والصفْح: الإِعراض عن المُذْنِبِ كأنَّه يولي صفحة العُنُق، قال ابنُ عَبَّاس: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [التوبة: 29] الآيةَ إلى قوله: صاغِرُونَ «1» . وقيل: بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ «2» [التوبة: 5] ، وقال قوم: ليس هذا حدَّ المنسوخِ لأن هذا في نفْس الأمر كان التوقيفَ على مدَّته. ت: وينبغي للمؤمن أَن يتأدَّب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَال: «أَلاَ أَدُلُّكُمْ على مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تَحْلُمُ على مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ» خرَّجه النسائيُّ «3» . انتهى من «الكوكب الدرِّيِّ» لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد التُّجِيبِيِّ. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: مقتضاه في هذا الموضِعِ: وَعْدٌ للمؤمنين. وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية: قال الطبريُّ «4» : إِنما أمر اللَّه المؤمنين هنا بالصَّلاة والزَّكاة ليحطَّ ما تقدَّم من ميلهم إِلى قول اليهودِ: راعِنا [البقرة: 104] لأنَّ ذلك نَهْيٌ عن نوعه، وقوله: تَجِدُوهُ، أي: تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» بسنده قال: «جَاءَ رجل من الأنصار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي لاَ أُحِبُّ المَوْتَ؟ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يديك فإنّ

_ قال، فذكر الحديث، قال أبو زرعة: رواه علي بن المبارك، وشيبان، وحرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن يعيش بن الوليد بن هشام أن مولى لآل الزبير حدثه أن الزبير حدثه عن النبي صلّى الله عليه وسلم. قال أبو زرعة: الصحيح هذا، وحديث موسى بن خلف وهم. (1) أخرجه الطبري (1/ 536) برقم (1799) ، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 582) ، وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 196) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 202) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» . وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 194) . (2) أخرجه الطبري (1/ 536) برقم (1799) عن ابن عباس، وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 55) عن قتادة، والبيهقي في «الدلائل» (2/ 582) عن ابن عباس، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 202) عن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، والبيهقي في «الدلائل» ، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 194) . (3) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 192) من حديث عبادة بن الصامت، وقال: رواه البزار، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب. (4) «تفسير الطبري» (2/ 506) . [.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 111 إلى 115]

المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يلحقه، وإن خلفه، أحبّ التّخلّف» «1» . انتهى. 33 أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبرٌ في اللفظ، معناه الوعد والوعيد/. [سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 115] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115) وقوله تعالى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، معناه: قال اليهودُ: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم. ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ. وهُوداً: جمعُ هَائِدٍ «2» ، ومعناه: التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه- عليه السلام- بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم: «لَنْ» نفي حسُنت بعده «بلى» إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: جملة في موضعِ الحالِ. وقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ... الآية: معناه: أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة. ع «3» : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشير بعيسى، وكلاهما يتضمّن صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم،

_ (1) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 224) رقم (634) عن عبد الله بن عبيد به. (2) ينظر: «عمدة الحفاظ» (4/ 307) . (3) «المحرر الوجيز» (1/ 198) .

فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا. وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ تنبيه لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه، قيل: هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل: التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها. وقوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار العَرَبِ لأنهم لا كتابَ لهم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... الآية، أي: فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ... الآيةَ، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ «1» ، وقال ابن زَيْد: المراد كُفَّار قريش حين صدّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المسجِدِ الحرامِ «2» ، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة. وقوله سبحانه: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ... الايةَ: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضرباً، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ «3» ، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ «4» وفَأَيْنَما «5» شرط، وتُوَلُّوا جزم به،

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 544) برقم (1822) بلفظ: «إنهم النصارى» ، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 199) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 204) ، وعزاه لابن جرير، ولفظه السيوطي: «هم النصارى» . (2) أخرجه الطبري (1/ 546) برقم (1828) وذكره ابن كثير (1/ 156) ورجح قول ابن زيد. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 199) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 107) ، ولفظه «نزلت في مشركي مكة، وأراد بالمساجد المسجد الحرام، منعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية» ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 204) ، وعزاه لابن جرير. (3) أخرجه الطبري (1/ 547) برقم (1829) عن قتادة وبرقم (1831) عن السدي. وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 199) عن قتادة والسدي. (4) أخرجه البخاري (3/ 483) ، كتاب «الحج» ، باب لا يطوف بالبيت عريان، الحديث (1622) ، ومسلم (2/ 982) ، كتاب «الحج» ، باب لا يحج البيت مشرك، الحديث (435/ 1347) واللفظ له، من حديث أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) ، في الحجّة التي أمره عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: «لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان» . (5) «أين» هنا اسم شرط بمعنى «إن» و «ما» مزيدة عليها «وتولوا» مجزوم بها وزيادة «ما» ليست لازمة لها بدليل قوله: -

وفَثَمَّ: جوابه، ووَجْهُ اللَّهِ: معناه: الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآية، 33 ب فقال ابنُ عُمَرَ: نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ، / حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته «1» ، وقال النَّخَعِيُّ: الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي: موضع رضاه، وثوابه، وجهة رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة «2» ، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ «3» : نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة «4» ، فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بن ربيعة، قال: «كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ القبلة،

_ - أين تضرب بنا العداة تجدنا ... وهي ظرف مكان، والناصب لها ما بعدها، وتكون اسم استفهام أيضا فهي لفظ مشترك بين الشرط والاستفهام ك «من» و «ما» وزعم بعضهم أن أصلها السؤال عن الأمكنة وهي مبنية على الفتح لتضمنه معنى حرف الشرط أو الاستفهام. ينظر «الدر المصون» (1/ 350) . (1) الطبري (1/ 550) (1839- 1840) وروي بإسنادين عن ابن عمر أولهما من طريق أبي كريب قال حدثنا ابن إدريس قال حدثنا عبد الملك عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. وثانيهما من طريق أبي السائب قال حدثنا ابن فضيل عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. اهـ. وقال أحمد شاكر: «والحديث رواه أحمد أيضا (4714) عن يحيى القطان عن عبد الملك بن أبي سليمان بنحوه ورواه مسلم (1/ 195) من طريق يحيى وآخرين. وكذلك رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 4) بأسانيد من طريق عبد الملك» اهـ. وذكره البغوي في «التفسير» (1/ 108) وذكره ابن عطية (1/ 200) ، وابن كثير (1/ 158) والشوكاني في «التفسير» (1/ 197) . (2) أخرجه الطبري (1/ 551) برقم (1844) عن المثنى قال: حدثني الحجاج، قال: حدثنا حماد، قال: قلت للنخعي: إني كنت استيقظت- أو قال: أيقظت- شك الطبري- فكان في السماء سحاب، فصليت لغير القبلة؟ قال: مضت صلاتك، يقول الله (عز وجل) : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. اهـ. وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 200) . (3) عبد الله بن عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر.. حليف بني عدي بن كعب ثم حليف الخطاب والد عمرو. وهو من عنز بن وائل. أبو محمود. العنزي. الأصغر. العدوي. ولد على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم، وقيل: ولد سنة 6، وتوفي سنة (85 هـ.) ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 287) ، «الإصابة» (4/ 89) ، «الثقات» (3/ 219) ، «الجرح والتعديل» (5/ 122) ، «بقي بن مخلد» (647) . (4) أخرجه الطبري (1/ 551) برقم (1845) ، وذكره ابن عطية (1/ 200) والشوكاني في «فتح القدير» (1/ 197) .

وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أخطئوها، فعرّفوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية» «1» .

_ (1) أخرجه أبو داود الطيالسي (ص- 156) ، الحديث (1145) ، والترمذي (2/ 176) ، كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة في الغيم، الحديث (345) ، وابن ماجة (1/ 326) ، كتاب «إقامة الصلاة» ، باب من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم، الحديث (1020) ، والدارقطني (1/ 272) : كتاب «الصلاة» ، باب الاجتهاد في القبلة، الحديث (5) ، وأبو نعيم (1/ 179) ، والبيهقي (2/ 11) ، كتاب «الصلاة» ، باب استبيان الخطأ بعد الاجتهاد، وعبد بن حميد (ص- 130) ، رقم (316) ، والطبري في «تفسيره» (2/ 531) ، والعقيلي في «الضعفاء» (1/ 31) ، من رواية الربيع بن السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه به، وقال الترمذي: (ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد، أبو الربيع السمان يضعف في الحديث) . وقال العقيلي: وأما حديث عامر بن ربيعة، فليس يروى من وجه يثبت متنه، وقد توبع أبو الربيع السمان. تابعه عمرو بن قيس عند الطيالسي، وسعد بن سعيد، عند عبد بن حميد لتنحصر علة الحديث في عاصم بن عبيد الله. وعاصم بن عبيد الله: قال الحافظ: ضعيف. ينظر: «التقريب» (1/ 385) . وقال العلامة أحمد شاكر في «تعليقه على الطبري» (2/ 531) ، حديث ضعيف. وقد وردت القصة من وجه آخر من حديث جابر بن عبد الله: أخرجه الحاكم (1/ 206) ، كتاب «الصلاة» ، والدارقطني (1/ 272) ، والبيهقي (2/ 10) ، من طريق داود بن عمرو، ثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: «كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر فأصابنا غيم ... » فذكره، قال الدارقطني: (كذا قال: عن محمد بن سالم وقال غيره: عن محمد بن يزيد، عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء، وهما ضعيفان) . وقال الحاكم: (رواته محتج بهم كلهم، غير محمد بن سالم، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح) . وأخرجه الدارقطني (1/ 272) ، والبيهقي (2/ 11) ، أيضا من طريق أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان العزرمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر (رضي الله عنهما) قال: «بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم بسرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة ... » فذكر الحديث، وفيه: «فأتينا النبي صلّى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك، فسكت وأنزل الله (عز وجل) : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي حيث كنتم» . قال البيهقي: (وكذلك رواه الحسن بن علي بن شبيب العمري، ومحمد بن محمد بن سليمان الباغندي، عن أحمد بن عبيد الله، ولم نعلم لهذا الحديث إسنادا صحيحا قويا، وذلك لأن عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبيد الله العزرمي، ومحمد بن سالم الكوفي، كلهم ضعفاء، والطريق إلى عبد الملك العزرمي غير واضح لما فيه من الوجادة وغيرها، وفي حديثه أيضا نزول الآية في ذلك، وصحيح عن عبد الملك بن أبي سليمان العزرمي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن الآية إنما نزلت في التطوع خاصة، حيث توجه بك بعيرك) . [.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 116 إلى 117]

وقيلَ: نزلت الآية حين صُدَّ رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلم عن البيت. وواسِعٌ: معناه مُتَّسِعُ الرحمة، عَلِيمٌ أين يضعها، وقيل: واسِعٌ: معناه هنا أنه يوسِّع على عباده في الحُكْم دينُهُ يُسْرٌ، عَلِيمٌ بالنيَّات التي هي ملاك العمل. [سورة البقرة (2) : الآيات 116 الى 117] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ ... الآية: اختلف على مَنْ يعود ضميرُ «قَالُوا» ، فقيل: على النصارى، وهو الأشبه، وقيل: على اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ، وقيل: على كفرة العربِ لأنهم قالوا: الملائكة بنَاتُ اللَّه. ت: وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ: ويحتمل أن يعني بالآية كلُّ من تقدَّم ذكره من الكفرة، وقد تقدَّم ذكر اليهود والنصارى والذين لا يعلمون، وهم المشركون، وكلُّهم قد ادعى للَّه ولداً، تعالى اللَّه عن قولهم. انتهى من «مختصر الطبريّ» . وسُبْحانَهُ: مصدر، معناه: تنزيهاً له وتبرئةً مما قالوا، والقُنُوتُ في اللغة: الطاعةُ، والقنوتُ: طول القيام، فمعنى الآية: إن المخلوقات تقنُتُ للَّه، أي: تخشع، وتطيع، والكفار قنوتُهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظلُّه، وهو كاره، وبَدِيعُ: مصروف من مبدع، والمبدع: المخترع المنشئ، وخص السَّموات والأرضَ بالذكْر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جلّ وعلا. وقَضى: معناه: قدَّر، وقد يجيء بمعنى: أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنَيَانِ، والأمر: واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وتلخيص المعتَقَدِ في هذه الآية أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودِهَا، قادراً مع تأخُّر المقدورات، عالماً مع تأخُّر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآية ممَّا يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأموراتِ إِذ المحدَثَاتُ تجيء بعد أنْ لم تكنْ، وكل ما يستند إِلى اللَّه تعالى من قدرةٍ وعلمٍ وأمر، فهو قديمٌ لم يزَلْ، والمعنى الَّذي تقتضيه عبارةُ كُنْ هو قديمٌ قائمٌ بالذاتِ، والوضوح التامُّ في هذه المسألة [لا] يحتاج أكثر من هذا البَسْط. ت: وقد قدَّمنا ما يزيدُ هذا المعنى وضُوحاً عند قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] ، فانظره.

[سورة البقرة (2) : الآيات 118 إلى 120]

[سورة البقرة (2) : الآيات 118 الى 120] وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ... الآية: قال الربيعُ والسُّدِّيَّ: هم كفار العرب «1» ، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيّ صلّى الله عليه وسلم نحو هذا، وقال مجاهدٌ: هم النصارى «2» ، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم من اليهود لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله «3» ، وقيل: الإشارة إلى 34 أجميع هذه الطوائف لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، ولَوْلا تحضيضٌ بمعنى «هَلاَّ» ، والآية هنا العلامة الدالَّة، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم اليهودُ والنصارى في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ العربَ والنصارى واليهُودَ وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يصحّ أو في الكفر. وقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم. وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً، أي: لمن آمن، ونذيراً لمن كفر، وقرأ نافع وحده «4» ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدَّة عذابهم كما تقول: فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ. ت: وزاد في «مختصر الطبرِّي» ، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو،

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 560) برقم (1866) عن الربيع بلفظ: «هم كفار العرب» ، وبرقم (1867) عن السدي: «فهم العرب» اهـ. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 202) . (2) أخرجه الطبري (1/ 560) برقم (1862) ، (1863) من طريقين عن مجاهد. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 202) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 109) . (3) أخرجه الطبري (1/ 560) برقم (1864) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 202) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 208) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم. وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 199) . (4) ينظر: «السبعة» (169) ، و «الكشف» (1/ 262) ، و «حجة القراءات» (111) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 209) ، و «العنوان» (71) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 60) ، و «معاني القراءات» (1/ 170) ، و «شرح شعلة» (274) ، و «إتحاف» (1/ 414) .

واللَّه أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ «1» بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر الذي يوردهم الجحيمَ نظيرَ قوله عز وجل: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: 8] ، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ ومن وافقه من أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضاً بمعنى مَا قبله. انتهى. وقرأ باقي السبعة: «وَلاَ تسأل» بضم التاء واللام. والْجَحِيمِ: إحدى طبقات النار. وقوله تعالى: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، أي: ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فهذا شرط خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأمته معه داخلةٌ فيه. ت: والأدب أن يقال: خوطب به صلّى الله عليه وسلم والمراد أمّته لوجود عصمته صلّى الله عليه وسلم وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآيِ، وقد نبَّه- رحمه اللَّه- على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي، وكان الأولى أن ينبِّه على ذلك هنا أيضاً، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً، فقال- رحمه اللَّه-: اعلم، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه- عليه السلام- لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل «2» على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه «3» ، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان «4» في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «5» [المائدة: 67] كما قال لموسى وهارون- عليها السلام-: لاَ تَخافا [طه: 46] لتشتد بصائرهم «6» في الإبلاغ وإظهار دين الله، ويذهب

_ (1) يقال: ما أكترث به، أي ما أبالي، ولا يستعمل إلا في النفي، فإن ورد في إثبات فهو شاذ. ينظر: «لسان العرب» (3848) (كرث) . (2) أي: يكذب عليه ويفتري. (3) يختم على قلبه: يطبع عليه ما يمنعه عن قبول الحق. (4) بالمكاشفة والبيان: بكشفه له وتبيينه. (5) «ويعصمك من الناس» : أي يحميك ويصونك عنهم حتى لا يقدر أحد على شيء يضرك. (6) تشتد: تقوى، وتزيد شدة. بصائرهم: المقصود بهم موسى، وهارون، ومحمد. أي: يكونون على بصيرة ويقين في أمورهم.

[سورة البقرة (2) : الآيات 121 إلى 124]

عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ... [الحاقة: 44] الآية، وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الإسراء: 75] ، فمعناه: أنّ هذا جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو صلّى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: 116] فالمراد غيره، كما قال: إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية [آل عمران: 149] وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: 24] ، ولَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: 1] ، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء كما قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... [الأنعام: 52] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ- عليه السلام- ولا كَانَ من الظالمين. انتهى من «الشِّفَا» «1» . ص «2» : وَلَئِنِ: هذه اللام هي الموطّئة والمؤذنة، وهي مشعرة بقسم مقدّر قبلها. انتهى. [سورة البقرة (2) : الآيات 121 الى 124] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ ... الآية: قال قتادة: المراد ب «الَّذِينَ» في هذا الموضع: من أسلم من أمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، والكتابُ على هذا: التأويل القرآن «3» ، وقال ابنُ زَيْد: المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل «4» ، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، وآتَيْناهُمُ: معناه: أعطيناهم، ويَتْلُونَهُ: معناه: يتبعونه حقَّ اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْر الدَّاوُودِيُّ: وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ: يقال: فلانٌ يتلو فلاناً، أي: يتبعه ومنه: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: 2] أي: تبعها. انتهى.

_ (1) ينظر: «الشفا» (ص 717، 718) . (2) «المجيد» (ص 396) . (3) أخرجه الطبري (1/ 566) برقم (1880) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 204) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 210) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 204) . [.....]

وللَّه دَرُّ مَنِ اتبع كلامَ ربِّهِ، واقتفى سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِ «المدارك» : قال في ترجمة سُحْنُون «1» : كان سُحْنُون يقول: مَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة في السَّبِخَةِ تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها. انتهى. وقيل: يَتْلُونَهُ: يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضاً يتضمَّن الاِتّباع والامتثال، وحَقَّ «2» : مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على «الكتاب» ، وقيل: يعود على محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في يَكْفُرْ بِهِ يحتمل من العود ما ذكر في الأول. وقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: تقدّم بيان نظيرها، ومعنى: لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ: أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحَدَّ، فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة. ت: ولم ينبِّه- رحمه اللَّه- على هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة، وابْتَلى معناه: اختبر، وفي «مختَصَرِ الطَّبريِّ» : ابْتَلى، أي: اختبر، والاختبارُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لعباده على علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه

_ (1) هو الإمام سحنون، أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي، القيرواني، الفقيه، الحافظ، العابد، الورع، المتفق على فضله وإمامته، اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، أخذ العلم عن أئمة من أهل المشرق والمغرب. وأخذ عنه من أئمة الرواة نحو سبعمائة، انتهت إليه الرياسة في العلم، وعليه المعول في المشكلات، وإليه الرحلة، ومدونته عليها الاعتماد في المذهب المالكي. ولد رحمه الله سنة 160 هـ. وتوفي سنة 240 هـ. وقبره ب «القيروان» . ينظر: «الديباج» (2/ 30) ، و «الشجرة الزكية» (ص 69) . (2) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نصب على المصدر، وأصله: «تلاوة حقا» ثم قدم الوصف وأضيف إلى المصدر، وصار نظير: «ضربت شديد الضرب» أي: ضربا شديدا، فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه. الثاني: أنه حال من فاعل يتلونه، أي: يتلونه محقين. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، وقال ابن عطية: و «حق» مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى أفعل، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى ضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم: «رجل واحد أمه، ونسيج وحده» يعني أنه في قوة أفعل التفضيل بمعنى أحق التلاوة، وكأنه يرى أن إضافة أفعل غير محضة، ولا حاجة إلى تقدير عامل فيه، لأن ما قبله يطلبه. ينظر: «الدر المصون» (1/ 358) .

فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ- رضي اللَّه عنه- في قوله عز وجَلَّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: 31] فقال رضي اللَّه عنه: إِن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزلْ عالماً بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ، أي: حتى نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم. انتهى، وهو كلام حسنٌ. وقد نبه ع: على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجرى على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو. وإِبْراهِيمَ: يقال: إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في «الكلمات» ، فقال ابن عَبَّاس: هي ثلاثُونَ سَهْماً هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملاً إلا إبراهيمُ- عليه السلام- منْها في «براءة» : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ... الآية [التوبة: 112] ، وعشرة في «الأحزاب» : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... الآية [الأحزاب: 35] ، وعَشَرة في سَأَلَ سائِلٌ «1» [المعارج: 1] . ت: وقيل غير هذا. وفي «البخاريِّ» : أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ «2» ، قال الراوي: فأوحى اللَّه إليه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والإِمام القُدْوة. وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ لأنها/ اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن 35 أ

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 572) برقم (1909- 1910- 1911) ، والحاكم (2/ 552) ، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وصححه الذهبي. وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 111) ، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 205) ، وابن كثير (1/ 165) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 211) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، وابن عساكر، وذكره الشوكاني في «تفسيره» (1/ 204) . (2) أخرجه البخاري (6/ 447) كتاب «أحاديث الأنبياء» ، باب قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا حديث (3356) ، ومسلم (4/ 1839) كتاب «الفضائل» ، باب من فضائل إبراهيم الخليل صلّى الله عليه وسلم، حديث (151/ 2370) ، وأحمد (2/ 418) ، والبيهقي (8/ 325) كتاب «الأشربة» ، باب السلطان يكره على الاختتان. كلهم من طريق أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «اختتن إبراهيم على رأس ثمانين سنة، واختتن بالقدوم» . وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة: أخرجه أبو يعلى (10/ 383- 384) رقم (5981) من طريق محمَّد بنِ عَمْرٍو عن أَبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة به.

[سورة البقرة (2) : الآيات 125 إلى 126]

إبراهيم، لما أتمَّ هذه الكلماتِ أو أتمَّها اللَّه عليه، كتب اللَّه له البراءة من النَّار، فذلك قوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: 37] . وقول إبراهيم عليه السلام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي هو على جهةِ الرغباءِ إلى اللَّه، أي: ومن ذريتي، يا ربِّ، فاجعل. وقوله تعالى: قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، أي: قال الله، والعهد فيما قال مجاهد: الإمامة «1» . [سورة البقرة (2) : الآيات 125 الى 126] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ، أي: الكعبة مَثابَةً «2» ، يحتملُ مِنْ ثَابَ إِذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يثابون هناك، وَأَمْناً للناسِ والطيرِ والوُحُوشِ إذ جعل اللَّه لها حرمةً في النفوس بحيث يَلْقَى الرجُلُ بها قاتِلَ أبيه، فلا يهيجه، وقَرَأَ جمهور الناس: «واتخذوا» ، بكسر الخاء على جهة الأمر لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، «واتخذوا» «3» بفتح الخاء على جهة الخبر عن مَنِ اتخذه مِنْ متبعي إبراهيم- عليه السلام- ومقام إبراهيم في قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وغيرهما، وخرَّجه البُخَارِيُّ هو الحَجَر الذي ارتفع عليه إِبراهيم حينَ ضَعُف عن رفْع الحجارةِ الَّتي كان إِسماعيلُ يناوله إِياها في بنَاء البَيْت، وغَرِقَتْ قدماه فيه، ومُصَلًّى: موضع صلاة. ص «4» : مِنْ مَقامِ: مِنْ تبعيضيةٌ على الأظهر، أو بمعنى: «في» أو زائدة

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 578) برقم (1948) بلفظ: «لا يكون إمام ظالما» من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 206) ، كما ذكر المصنف. (2) قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ قيل: مكانا يثوبون إليه كل وقت على ممر الأيام وتكرر الأعوام، لا يملون منه. وقيل: مكانا يكسبون فيه الثواب. قال السمين: ولا شك أنه موجود فيه الأمران. ومنه: إن فلانا لمثابة ولمثابا، أي تأتيه الناس لمعروفه، ويرجعون إليه مرة أخرى. ينظر: «عمدة الحفاظ» (1/ 339) ، و «غريب القرآن» لابن قتيبة (63) . (3) ينظر: «حجة القراءات» (113) ، و «الحجة» (2/ 220) ، و «العنوان» (71) ، و «شرح الطيبة» (4/ 67) ، و «إتحاف» (1/ 417) . (4) «المجيد» (ص 402) .

على مذهب الأخفش، والمقامُ: مَفْعَلٌ من القيامِ، والمراد به هنا المكانُ، انتهى، يعني: المكانَ الذي فيه الحَجَر المسمى بالمقام. وقوله تعالى: وَعَهِدْنا: العَهْدُ في اللغة: على أقسام، هذا منها، الوصية بمعنى الأمر، وطَهِّرا: قيل: معناه: ابنياه وأسِّساه على طَهَارَةٍ ونيَّةِ طَهَارَةٍ، وقال مجاهدٌ: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان «1» ، ولِلطَّائِفِينَ ظاهره: أهل الطوافِ، وَقَالَهُ عطاء وغيره «2» ، وقال ابن جُبَيْر: معناه: للغرباءِ الطارئِينَ على مكَّة «3» ، وَالْعاكِفِينَ: قال ابن جُبَيْر: هم أهل البلد المقيمُونَ «4» ، وقال عطاء: هم المجاورُونَ بمكَّة «5» ، وقال ابنُ عبَّاس: المصَلُّون «6» ، وقال غيره المعتكفُونَ، والعكُوف في اللغة: الملازمة. وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، أيْ: من الجبابرة والعدُوِّ المستأصل، وروي أن اللَّه تعالى، لما دعاه إِبراهيم، أمر جبريل، فاقتلع فِلَسْطِينَ، وقيل: بقعة من الأرْدُنِّ «7» ، فطاف بها حَوْلَ البيتِ سبْعاً، وأنزلها بِوَج «8» ، فسمِّيت الطَّائِفَ «9» بسبب الطواف. وقوله تعالى: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ... الآية: قال أبيُّ بن كَعْب، وابن إسحاقَ، وغيرهما: هذا القَوْلُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لإِبراهيم «10» ، وقال ابنُ عَبَّاس، وغيره:

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 588) برقم (2016) بلفظ: «من الأوثان» ، وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 208) . (2) أخرجه الطبري (1/ 588) برقم (2020) بلفظ: «إذا كان طائفا بالبيت فهو من الطائفين» . وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 208) . (3) أخرجه الطبري (1/ 588) برقم (2019) بلفظ: «من أتاه من غربة» ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 208) . (4) أخرجه الطبري (1/ 589) برقم (2023) ، وابن عطية الأندلسي في «التفسير» (1/ 208) . (5) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 208) . (6) أخرجه الطبري (1/ 589) برقم (2025) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 208) . [.....] (7) الأردن: كورة واسعة منها «الغور» ، و «طبريّة» ، و «صور» ، و «عكّا» ، وما بين ذلك. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 54) . (8) بالفتح، ثم التشديد: واد موضع بالطائف به كانت غزاة النبي عليه السلام. ينظر: «مراصد الاطلاع» (3/ 1426) . (9) كانت تسمى قديما «وجّ» ، وسمّيت «الطائف» لما أطيف عليها الحائط وهي ناحية ذات نخيل وأعناب ومزارع وأودية، وهي على ظهر جبل غزوان. ينظر: «مراصد الاطلاع» (2/ 877) . (10) أخرجه الطبري (1/ 594) برقم (2035) عن أبي بن كعب، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 209) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 233) ، والشوكاني في «التفسير» (1/ 208) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 127 إلى 129]

هذا القول من إِبراهيم «1» . قال ع «2» : فكأنَّ إِبراهيم دعا للمؤمنين، وعلى الكافرين، وفي «مختصر الطبريِّ» : وقرأ بعضهم، «فأُمْتِعْهُ» بالجزم، والقَطْع على الدعاء «3» ، ورآه دعاءً من إِبراهيم، وروي ذلك عن أبي العالية، كان ابنُ عبَّاس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، سأل ربَّه أنَّ من كَفَر به، فأمتعه قليلاً يقول: فارزقه قليلاً، ثم اضطره إِلى عذاب النارِ، أي: أَلْجِئْهُ. انتهى، وعلى هذِهِ القراءةِ يجيءُ قولُ ابن عبّاس، لا على قراءة الجمهور، وقَلِيلًا: معناه: مُدَّة العُمُر لأن متاع الدنيا قليلٌ. [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 129] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ... الآية: القواعدُ: جمع قاعدةٍ، وهي الأساس. ص «4» : القواعدُ، قال الكسائيُّ والفَرَّاء: هي الجُدُر، وقال أبو عُبَيْدة: هي الأساس. انتهى. واختلفوا في قصص البَيْت، فقيل: إِن آدم أمر بِبِنَائِهِ، ثم دثر، ودرس حتى دلَّ عليه

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 594) برقم (2037) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 233) ، والشوكاني في «التفسير» (1/ 208) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 209) . (3) وهي قراءة شاذة، كما في «المحتسب» (1/ 104) ، ونسبها لابن عباس- رضي الله عنهما- قال ابن جني: فيحتمل أمرين: أحدهما: - وهو الظاهر- أن يكون الفاعل في «قال» ضمير إبراهيم عليه السلام، أي قال إبراهيم أيضا: ومن كفر فأمتعه يا رب ثم اضطره يا رب ... وأما الآخر فهو أن يكون الفاعل في «قال» ضمير اسم الله تعالى أي: فأمتعه يا خالق، أو فأمتعه يا قادر، أو يا مالك، أو يا إله، يخاطب بذلك نفسه (عز وجل) ، فجرى هذا على ما تعتاده العرب من أمر الإنسان لنفسه، كقراءة من قرأ: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259] أي: أعلم يا إنسان. وكقول الأعشى: [البسيط] وهل تطيق وداعا أيها الرجل. (4) «المجيد» (ص 408) .

إبراهيم، فرفع قواعده، وقيل: إِن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر اللَّه، وقيل غير هذا. ع «1» : والذي يصحُّ من هذا كلِّه أن اللَّه سبحانه أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، / 35 ب وجَائِزٌ قِدَمُهُ، وجَائز أن يكون ذلك ابتداءً، ولا يرجح شيء من ذلك إِلا بسند يقطع العُذْر. وَإِسْماعِيلُ: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، والتقديرُ: يقولاَنِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أي: السميع لدعائنا، العليمُ بنيَّاتنا، وخصَّا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما، وقولهما: اجْعَلْنا بمعنى: صيِّرنا مُسْلِمَيْن، وكذلك كانا، وإنما أرادا التثبيتَ والدوامَ، والإِسلام في هذا الموضعِ. الإِيمانُ والأعمالُ جميعاً، «ومِنْ» في قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا للتبعيض لأن اللَّه تعالى قد كان أعلمه أنَّ منهم ظالمين، والأُمَّة: الجماعةُ، وَأَرِنا قالتْ طائفةٌ: من رؤية البصَرِ، وقالت طائفةٌ: من رؤية القلبِ، وهذا لا يصحُّ، قال قتادة: المناسكُ معالم الحجِّ، واختلف في معنى طلبهم التوبةَ، وهم أنبياء معصومُونَ، فقالتْ طائفةٌ: طلبا التثْبيتَ والدوامَ، وقيل: أرادا من بعدهما مِنَ الذُّرِّيَّة، وقيل، وهو الأحسن إِنهما لما عرفا المناسكَ، وبنيا البيتَ، أرادا أن يسنا للناس أنَّ تلك المواطنَ مكانُ التنصُّل من الذنوبِ، وطلبِ التوبة. وقال الطبريُّ: إِنه ليس أحد من خلق اللَّه إِلا بينه وبين اللَّه معانٍ يحب أنْ تكون أحسن ممَّا هي، وأجمعت الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر ومن الصغائر الَّتي فيها رذيلةٌ، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومُونَ من الجميع «2» ، وأنّ قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنِّي لأَتُوبُ فِي اليَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سَبْعِينَ

_ (1) «المحرر الوجيز» (1/ 210) . (2) وفي «شرح المواقف» : أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم عن تعمد الكذب في دعوى الرسالة وما يبلغونه من الله (تعالى) إلى الخلائق، وفي جواز صدور الكذب عنهم فيما ذكر على سبيل السهو والنسيان خلاف، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق وكثير من الأئمة لدلالة المعجزة على صدقهم في تبليغ الأحكام. وجوز القاضي أبو بكر، وقال: إنما دلت المعجزة على صدقه فيما هو متذكر له عامد إليه، وأما ما كان من النسيان وفلتات اللسان، فلا دلالة للمعجزة على الصدق فيه، فلا يلزم من الكذب هناك نقص لدلالتها. وأما ما سوى الكذب في التبليغ، فهو إما كفر أو غيره من المعاصي، أما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم عنه قبل النبوة وبعدها. وجوز الشيعة إظهار الكفر وقاية لنفسه عند الهلاك، وذلك باطل لأنه يفضي إلى إخفاء الدعوة بالكلية لضعفهم وقلة موافقتهم وكثرة مخالفتهم عند دعوتهم أولا. وأيضا منقوض بدعوة إبراهيم وموسى (عليهما السلام) في زمن نمرود وفرعون مع شدة خوف الهلاك. وأما غير الكفر فإما كبائر أو صغائر، وكل منهما إما أن يصدر عمدا أو سهوا، فالأقسام أربعة، وكل واحد منهما إما قبل البعثة أو بعدها،

مَرَّةً» ، إِنَّما هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ إلى أَرْفَعَ مِنْهَا لِتَزَيُّدِ علومه، وإطلاعه على أمر ربه، فهو يتوب من منزلة إلى أعلى، والتوبةُ هنا لُغَوِيَّةٌ، وقوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ... الآية: هذا هو الذي أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلم بقوله: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وبشرى عيسى» ، ومعنى مِنْهُمْ، أي: يعرفُوهُ، ويتحقَّقوا فضلَه، ويشفق عليهم، ويحرص. ت: وقد تواتَرَتْ أخبار نبيِّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وبعثته في الكتب السالفة، وعَلِمَ بذلك الأحْبارُ، وأخبروا به، وبتعيين الزَّمَن الذي يبعث فيه. وقد روى البيهقيّ أحمد بن الحسين «1» ...

_ - فالأقسام ثمانية. أما صدور الكبائر عنهم عمدا، فمنعه الجمهور من محققي الأشاعرة والمعتزلة، وأما صدورها عنهم سهوا أو على سبيل الخطأ في التأويل، فجوزه الأكثرون، والمختار خلافه. وأما الصغائر عمدا فجوزه الجمهور خلافا للجبائي. وأما صدورها سهوا، فهو جائز باتفاق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة بشرط أن ينبهوا عليه فينتهوا عنه، إلا الصغائر التي تدل على الخسة ودناءة الهمة، كسرقة حبة أو لقمة فإنها لا تجوز أصلا، عمدا ولا سهوا. وهذا كله بعد الاتصاف بالنبوة. وأما قبلها فعند أكثر أصحابنا وجمع من المعتزلة لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة (أقول: أي عمدا كان أو سهوا) وقال أكثر المعتزلة: تمتنع الكبيرة وإن تاب عنها لأن صدور الكبيرة يوجب النفرة ممن ارتكبها، والمنفور عنه لا يتبعه الناس، فتفوت مصلحة البعثة. وفي «شرح العقائد» : ومن المعتزلة من منع ما ينفر الطباع عن متابعتهم، سواء كان ذنبا لهم أو لا، كعهر الأمهات، أي كونهن زانيات، والفجور في الآباء ودنائتهم أو استرذالهم. كذا في شرح «المواقف» . وفي شرح «العقائد» : أنه الحق. ولعل ضميري الجمع في «دنائتهم، واسترذالهم» راجعان إلى الأنبياء، ولا يبعد رجوعهما إلى الآباء. وعند الروافض: لا يجوز صغيرة ولا كبيرة، لا عمدا ولا سهوا، ولا خطأ في التأويل قبل الوحي وبعده. والمفهوم من شرح «العقائد» : أن الشيعة كالروافض في هذا الحكم إلا أنهم جوزوا إظهار الكفر عند خوف الهلاك. تنبيه: العصمة عندنا على ما يقتضيه أصلنا من استناد الأشياء كلها إلى الفاعل المختار ابتداء: ألا يخلق الله (تعالى) فيهم ذنبا. وهي عند الفلاسفة بناء على ما ذهبوا إليه من القول بإيجاب الفعل عند استعداد القوابل ملكة، أي صفة نفسانية راسخة تمنع صاحبها من الفجور، وتحصل هذه الصفة النفسانية ابتداء بالعلم بمعايب المعاصي ومناقب الطاعات، وتتأكد وتترسخ هذه الصفة في الأنبياء بتتابع الوحي إليهم بالأوامر والنواهي، والاعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر وترك الأولى فإن الصفات النفسانية تكون في ابتداء حصولها أحوالا، أي غير راسخة ثم تصير ملكات، أي راسخة في محلها، كذا في شرح «المواقف» . ينظر: «نشر الطوالع» (338- 342) . (1) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الإمام الحافظ الكبير، أبو بكر البيهقي سمع الكثير ورحل وجمع وصنف، مولده سنة 384، تفقه على ناصر العمري، وأخذ علم الحديث عن أبي عبد الله الحاكم، وكان كثير التحقيق والإنصاف، قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منه إلا البيهقي، فإن له على الشافعي منه لتصانيفه في نصرة مذهبه، ومن تصانيفه: «السنن الكبير» ، و «السنن الصغير» ، -

وغيره عن طلحة بن عُبَيْد اللَّه «1» - رضي اللَّه عنه- قَالَ: «حَضَرْتُ سُوقَ بصرى، فَإِذَا رَاهِبٌ في صومعة، يقول: سَلُوا أَهْلَ هَذَا المَوْسِمِ، أفيهِمْ مَنْ هو مِنْ هذا الحَرَمِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا، فما تَشَاءُ؟ قَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ؟ قُلْتُ: ومَنْ أَحْمَدُ؟ قَالَ: أحمدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إلى نَخْلٍ وَسِبَاخٍ، إِذَا كَانَ، فَلاَ تُسْبَقَنَّ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، وَأَسْرَعْتُ اللَّحَاق بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتَ، هَلْ ظَهَرَ بَعْدِي أَمْرٌ؟ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ الأُمِّيُّ قَدْ تَنَبَّأَ، وَتَبِعَهُ أبو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحَافَةَ، فَمَشَيْتُ إلى أَبِي بَكْرٍ، وَأَدْخَلَنِي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمْتُ» «2» ، وقد روى العُذْرِيُّ وغيره عن أبي بكر- رضي اللَّه عنه- أنَّه قَالَ: «لقيتُ شيخاً باليمن، فقال لي: أنْتَ حَرَمِيٌّ، فقلت: نعم، فقال: وأحسبكَ قُرَشِيًّا، قلت: نعم، قال: بَقِيَتْ لِي فيكَ واحدةٌ، اكشف لي عن بَطْنك، قُلْتُ: لا أفعل، أو تخبرني لِمَ ذلك، قال: أجدُ في العلْمِ الصحيحِ أن نبيًّا يبعثُ في الحرمين يقارنه على أمره فتًى وكَهْل، أمَّا الفتى، فخوَّاض غمراتٍ، ودفَّاع مُعْضِلاَتٍ، وأما الكَهْل، فأبيضُ نحيفٌ على بطنه شَامَةٌ، وعلى فَخِذِهِ اليسرى علامةٌ، وما عليك أنْ تريني ما سألتُكَ عَنْه، فقد تكامَلَتْ فيك الصِّفَةُ، إِلا/ ما خَفِيَ علَيَّ؟ قال أبو بكر: فكَشَفْتُ له عَنْ بطني، فرأى شامَةً سوداء فوق سُرَّتي، فقالَ: أَنْتَ هو وربِّ الكعبة، إِني متقدِّم إِليك في أمْرٍ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قال: إِيَّاكَ، والمَيْلَ عن الهدى،

_ - و «دلائل النبوة» وغيرها. مات سنة 458. ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 220) ، «الأعلام» (1/ 113) . (1) هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ... أبو محمد القرشي. التيمي، أحد العشرة. يعرف ب «طلحة الخير» . قال ابن حجر في «الإصابة» هو أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد الستة أصحاب الشورى. روى عن النبي، وعنه: بنوه يحيى، وموسى، وعيسى، وقيس بن أبي حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والأحنف، ومالك بن أبي عامر، وغيرهم ... وكان عند وقعة بدر في تجارة في «الشام» ، فضرب له النبي بسهمه وأجره، وشهد «أحدا» ، وأبلى فيها بلاء حسنا، ووقى النبي بنفسه، واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه. توفي في جمادى الأولى سنة (36) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 85) ، «البداية والنهاية» (7/ 47) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 20) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 264) ، «شذرات الذهب» (1/ 42، 43، 59) ، «الإصابة» (3/ 290) ، «التعديل والتجريح» (421) ، «الاستبصار» (116، 134، 160) ، «التاريخ الصغير» (69، 75) ، «الرياض المستطابة» (135) ، «الرياض النضرة» (1/ 33) ، «تهذيب الكمال» (2/ 628) . [.....] (2) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 165- 166) عن طلحة بن عبيد الله.

وعليك بالتمسُّك بالطريقةِ الوسطى، وخَفِ اللَّه فيما خَوَّلَكَ، وأعطى، قال أبو بكر: فلمَّا ودعتُهُ، قال: أَتَحْمِلُ عنِّي إِلى ذلك النبيِّ أبياتاً، قلت: نعم، فأنشأ الشيخ يَقُولُ: [الطويل] أَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ سَئِمْتُ مُعَاشِرِي ... وَنَفْسِي وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي الحَيِّ عَاهِنَا حَيِيتُ وَفِي الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ عِبْرَةٌ ... ثَلاَثَ مِئينَ بَعْدَ تِسْعِينَ آمِنَا وَقَدْ خَمَدَتْ مِنِّي شَرَارَةُ قُوَّتِي ... وَأُلْفِيتُ شَيْخاً لاَ أُطِيقُ الشِّوَاحِنَا وَأَنْتَ وَرَبِّ الَبْيتِ تَأْتِي مُحَمَّداً ... لِعَامِكَ هَذَا قَدْ أَقَامَ البَرَاهِنَا فَحَيِّ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... على دِينِهِ أَحْيَا وَإِنْ كُنْتُ قَاطِنَا قال أبو بكر: فحفظْتُ شعره، وقدمت مكّة، وقد بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فجاءني صناديد «1» قُرَيْشٍ، وقالوا: يا أبا بكْرٍ، يتيمُ أَبِي طالِبٍ، يَزْعُم أنه نبيٌّ، قال: فجئت إلى منزل النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقرعْتُ علَيْه، فخرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، فُقِدْتَ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِكَ، وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَآمِنْ بِاللَّهِ، فَقُلْتُ وَمَا دَلِيلُكَ؟ قَالَ: الشَّيْخُ الَّراهِبُ الَّذِي لَقِيتَهُ بِاليَمَنِ، قُلْتُ: وَكَمْ مِنْ شَيْخٍ لَقِيتُ! قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الشَّيْخَ الَّذِي أَفَادَكَ الأَبْيَاتَ، قُلْتُ: وَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَا؟ قَالَ: الرُّوحُ الأمِينُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الأَنْبِيَاءَ قَبْلِي، قُلْتُ: مُدَّ يَمِينَكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فانصرفت وَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَشَدُّ مِنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فَرَحاً بِإِسْلاَمِي» . انتهى من تأليف ابن القَطَّان في «الآيات والمعجزات» . ويَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ، أي: آيات القرآن، والْكِتابَ: القرآن، قال قتادة: وَالْحِكْمَةَ السنة «2» ، وروى ابن وهْب «3» عن مالكٍ أن الْحِكْمَةَ: الفقْهُ في الدين «4» ، والفهم الذي هو سجيَّة ونور من الله تعالى.

_ (1) هم أشرافهم وعظماؤهم، واحدها صنديد. ينظر: «لسان العرب» (2507) . (2) أخرجه الطبري (1/ 607) برقم (2083) وذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 212) والسيوطي في «الدر» (1/ 255) ، وعزاه لعبد بن حميد، ابن جرير. وذكره ابن كثير (1/ 184) . (3) ابن وهب هو أبو محمد، عبد الله بن وهب بن مسلم، القرشي، مولاهم. روى عن علماء كثيرين منهم مالك، والليث، وابن أبي ذئب، والسفيانان. وقرأ على نافع بن أبي نعيم، تفقه بمالك، والليث، وابن أبي دينار، وأبي حازم، وغيرهم. له مصنفات كثيرة، منها: سماعه من مالك، وجامعه الكبير، وكان مولده سنة خمس ب «مصر» وتوفي يوم الأحد لخمس بقين من شعبان سنة سبع وتسعين ومائة. ينظر: «الديباج المذهب» (1/ 413) ، و «تذكرة الحفاظ» (1/ 277) ، و «البداية والنهاية» (10/ 240) . (4) أخرجه الطبري (1/ 607) برقم (2084) ، وذكره ابن عطية (1/ 212) ، وابن كثير (1/ 184) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 130 إلى 133]

ت: ونقل عِيَاضٌ في «مداركه» عن مالك أن الْحِكْمَةَ نورٌ يقذفه اللَّه في قلب العبد، وقال أيضاً: يقع في قلبي أنَّ الْحِكْمَةَ الفقْهُ في دين اللَّه، وأمر يدخلُه اللَّه القلُوبَ من رحمته وفَضْله، وقال أيضاً: الْحِكْمَةَ التفكُّر في أمر اللَّه، والاتِّباعُ له، والفقْه في الدِّين، والعمل به. انتهى. وقد أشار ع: إلى هذا عند قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ «1» [البقرة: 269] . ت: والظاهر أن المراد ب الْحِكْمَةَ هنا: ما قاله قتادة، فتأمَّله. وَيُزَكِّيهِمْ: معناه يطَهِّرهم، وينمِّيهم بالخَيْر، والْعَزِيزُ: الّذي يغلب، ويتم مراده، والْحَكِيمُ: المصيب مواقع الفعل، المحكم لها. [سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 133] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ... الآية: «من» : استفهام، والمعنى: ومن يزهد منها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة: الشريعة والطريقَةُ، وسَفِهَ من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، واصطفى من الصَّفْوَة، معناه: تخيَّر الأصفى، ومعنى هذا الاِصطفاءِ أنه نبأه، واتَّخذه خليلاً. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: قيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضافٍ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ كان هذا القول من اللَّه تعالى حين ابتلاه بالكوكبِ والقمرِ والشمس والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في «بِهَا» عائدٌ على كلمته التي هي أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وقيلَ: على الملة، والأول أصوبُ لأنه أقرب مذكور. وَيَعْقُوبُ: قيل: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، وقيل: مقطوعٌ منفردٌ بقوله: يَا بَنِيَّ، والتقدير: ويعقوب قال: يا بنيّ/. 36 ب

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 364) .

واصْطَفى هنا: معناه: تخيَّر صفوةَ الأديان. وقوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتى بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائباً لازماً. وقوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى الذين انتحلوا الأنبياءَ- صلوات اللَّه عليهم- ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ: أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصى، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا، بل أنتم تفترُونَ، «وأم» «1» : للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ «أَمْ» يستفهم

_ (1) في «أم» هذه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو المشهور أنها منقطعة، والمنقطعة تقدر ب «بل» وهمزة الاستفهام، وبعضهم يقدرها ببل وحدها، ومعنى الإضراب انتقال من شيء إلى شيء لا إبطال له، ومعنى الاستفهام الإنكار والتوبيخ، فيؤول معناه إلى النفي أي: بل أكنتم شهداء يعني لم تكونوا. الثاني: أنها بمعنى همزة الاستفهام وهو قول ابن عطية والطبري، لا أنهما اختلفا في محلها: فإن ابن عطية قال: وأم تكون بمعنى ألف الاستفهام في صدر الكلام لغة يمانية، وقال الطبري: إن أم يستفهم بها وسط كلام قد تقدم صدره/. قال أبو حيان في قول ابن عطية: ولم أقف لأحد من النحويين على ما قال، وقال في قول الطبري: وهذا أيضا قول غريب. الثالث: أنها متصلة وهو قول الزمخشري، قال الزمخشري بعد أن جعلها منقطعة وجعل الخطاب للمؤمنين قال بعد ذلك: وقيل الخطاب لليهود، لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم: أم كنتم شهداء؟ ولكن الوجه أن تكون «أم» متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء، يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء؟ قال أبو حيان: ولا أعلم أحدا أجاز حذف هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك في شعر ولا غيره لو قلت: «أم زيد» تريد: «أقام عمرو أم زيد» لم يجز، وإنما يجوز حذف المعطوف عليه مع الواو والفاء إذا دل عليه دليل كقولك: «بلى وعمرا» لمن قال: لم يضرب زيدا، وقوله- تعالى-: فَانْفَجَرَتْ [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت وندر حذفه مع أو كقوله: [الطويل] فهل لك أو من والد لك قبلنا ... ............... ........... أي: من أخ أو والد، ومع حتى كقوله: [الطويل] .

بها في وسط كلامٍ قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، أي: حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدّمات الموت. ومِنْ بَعْدِي، أي: من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ. وقد أطلق النبيُّ صلّى الله عليه وسلم على العَبَّاس اسم الأب، فقال: «هذا بقية آبائي» «1» ، وقال: «رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي» الحَدِيثَ «2» ، وقال: «أَنَا ابن الذِّبِيحَيْنِ» «3» ، على القول الشهيرِ في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ. ت: وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل على ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى.

_ - فوا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع أي: يسبني الناس حتى كليب على نظر فيه، وإنما الجائز حذف «أم» مع ما عطفت كقوله: [الطويل] دعاني إليها القلب إنّي لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها أي: أم في، وإنما جاز ذلك، لأن المستفهم عن الإثبات يتضمن نقيضه، ويجوز حذف الثواني المقابلات إذا دل عليها المعنى، ألا ترى إلى قوله: تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] كيف حذف، «والبرد» انتهى. ينظر: «الكتاب» (3/ 18) ، و «ابن يعيش» (8/ 18) ، و «المقتضب» (2/ 41) ، و «الأشموني» (3/ 116) ، و «البحر المحيط» (1/ 572) ، و «الدر المصون» (1/ 377- 378) . (1) أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 207) من حديث الحسن بن علي مرفوعا بلفظ: «احفظوني في العباس، فإنه بقية آبائي» . وقال: لا يروي عن الحسن بن علي بن أبي طالب إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» (9/ 272) : رواه الطبراني في «الصغير» ، و «الأوسط» ، وفيه جماعة لم أعرفهم. وأخرجه الطبراني في «الكبير» كما في «تخريج الكشاف» للزيلعي (1/ 90) عن ابن عباس بمثل حديث الحسن. وقد روي هذا الحديث مرسلا عن مجاهد: أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 382) كتاب «الفضائل» ، باب فضائل العباس، حديث (32212) ، وعبد الرزاق (2/ 132) كلاهما من طريق ابن عيينة عن داود بن سابور عن مجاهد عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسلا. (2) أخرجه ابن أبي شيبة (14/ 484) كتاب «المغازي» ، باب فتح مكة عن عكرمة مرسلا بلفظ: «ردوا عليّ أبي فإن عم الرجل صنو أبيه» . وذكره الهندي في «كنز العمال» (30195) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة. (3) الحديث لا أصل له بهذا اللفظ. قال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (3/ 177) : غريب، والخلاف في تعيين الذبيح، هل هو إسماعيل أم إسحاق منذ عهد الصحابة (رضي الله عنهم) ، والأحاديث التي وردت في تعيين أحدهما لا يصح منها شيء.

[سورة البقرة (2) : الآيات 134 إلى 138]

[سورة البقرة (2) : الآيات 134 الى 138] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) وقوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ... الآية، يعني بالأُمَّةِ الأنبياءَ المذكورينَ، والمخاطَبُ في هذه الآية اليهودُ والنصارى، وقولهم: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا نظير قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: 111] ، والحنيف في الدين: الذي مال عن الأديان المكروهة إِلى الحقِّ، ويجيء الحنيفُ في الدين بمعنى المستقيمِ على جميع طاعاتِ اللَّهِ. قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية: هذا الخطاب لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا: يعني القرآن، والْأَسْباطِ هم ولَدُ يعقوبَ، وهم: رُوبِيل، وشَمْعُون، ولاَوي، ويَهُوذَا، وريالُون، ويشحر، ودنية بنته، وأمهم ليا، ثم خَلَف على أختها رَاحِيل، فولَدَتْ له يوسُفَ، وبِنْ يَامِين، ووُلِدَ له من سُرِّيَّتَيْنِ: ذان، وتفثالا، وجاد، واشر. والسِّبْطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسُمُّوا الأسباط لأنه كان من كل واحدٍ منهم سبط. ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أي: لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض كما تفعلون، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ، أيْ: فإن صَدَّقوا تصديقاً مثْلَ تصديقكم، فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا، أي: أعرضوا، يعني: اليهودَ والنصارى، فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، أي: في مشاقَّةٍ ومخالفةٍ لَكَ، هم في شِقٍّ، وأنت في شِقٍّ، وقيل: شَاقَّ معناه: شَقَّ كل واحدٍ وصل ما بينَه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إِياهم، ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قَتْل بني قَيْنُقَاعَ، وبني قريظة، وإِجلاء النَّضِير. وهذا الوَعْدُ وانتجازه من أعلام نبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم. والسَّمِيعُ لقول كل قائل، والْعَلِيمُ بما ينفذه في عباده، وصِبْغَةَ اللَّهِ:

[سورة البقرة (2) : الآيات 139 إلى 141]

شريعتُهُ ودينُهُ وسنَّته، وفطْرته، قال كَثِيرٌ من المفسّرين/: وذلك أن النصارى لهم ماء 37 أيصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك. وقيل: سمي الدِّين صبغةً استعارةً من حيث تظهر أعْمَالُهُ وسِمَتُهُ على المتدِّين كما يظهر الصِّبْغ في الثَّوْب وغيره، ونصب الصِّبْغة على الإِغراء «1» . [سورة البقرة (2) : الآيات 139 الى 141] قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) وقوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ ... الآية: معنى الآية: قل يا محمَّد لهؤلاءِ اليهودِ والنصارى: أتحاجُّوننا في اللَّه، أي: أتجادلونَنَا في دِينِهِ، والقُرْب منه، والحُظْوة لديه سُبْحانه، والرب واحدٌ، وكلٌّ مجازًى بعمله، ثم وبَّخهم بقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أي: ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدَّعون ما نَحْن أولى به منْكُمْ. وقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ عطْفٌ على ألف الاستفهامِ المتقدِّمة، وهذه القراءة بالتاء من فوقُ قراءةُ ابن عامر، وحمزةَ، وغيرهما، وقرأ نافعٌ وغيره بالياء من أسفل «2» ، «وأَمْ» على هذه القراءةِ مقطوعةٌ، ووقفهم تعالى على موضعِ الإنقطاعِ في الحجّة لأنهم إن قالوا:

_ (1) وفي انتصاب «صبغة» أربعة أوجه: أحدها: أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد، وهذا اختاره الزمخشري، وقال: هو الذي ذكر سيبويه والقول ما قالت حذام انتهى. قوله واختلف حينئذ عن ماذا انتصب هذا المصدر؟ فقيل عن قوله: قُولُوا آمَنَّا [البقرة: 136] ، وقيل عن قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 136] ، وقيل عن قوله: فَقَدِ اهْتَدَوْا [البقرة: 137] . الثاني: أن انتصابها على الإغراء أي: الزموا صبغة الله. قال أبو حيان: وهذا ينافره آخر الآية، وهو قوله: وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: 138] إلا أن يقدر هنا قول، وهو تقدير لا حاجة إليه، ولا دليل من الكلام عليه. الثالث: أنها بدل من «ملة» ، وهذا ضعيف إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل كثيرة. الرابع: انتصابها بإضمار فعل أي: اتبعوا صبغة الله، ذكره أبو البقاء مع وجه الإغراء، وهو في الحقيقة ليس زائدا، فإن الإغراء أيضا هو نصب بإضمار فعل. ينظر: «الدر المصون» (1/ 388) . (2) ينظر: «السبعة» (171) ، و «الحجة» (2/ 228) ، و «معاني القراءات» (1/ 180) ، و «العنوان» (72) ، و «حجة القراءات» (115) ، و «شرح الطيبة» (4/ 71) ، و «شرح شعلة» (278) ، و «إتحاف» (1/ 419) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 142 إلى 143]

إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا: لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلُمُّوا إِلى دينهم إِذ تقرّون بالحق. وقوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ تقريرٌ على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً، أيْ: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ادعوه «1» ، وقال قتادةُ وغيره: هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيّ صلّى الله عليه وسلم «2» والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ، «ومِن» متعلِّقةٌ ب «عِنْده» ، ويحتمل أن تتعلق ب «كَتَمَ» . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ ... الآيةَ: فيه وعيد وإِعلام أنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل: الذي لا يفطنُ للأمور إهْمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها. وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ ... الآية: كرَّرها عن قرب لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول. [سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 143] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ... الآية: اختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس: هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمَّد، ما ولاَّك عَنْ قبلتنا، ارجع إليها، ونؤمنْ بك «3» ، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل: اليهود والمنافقُونَ، وقالت فرقة: هم كفّار قريش.

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 217) عن مجاهد، والحسن، والربيع. [.....] (2) أخرجه الطبري (1/ 627) برقم (2142) من طريق معمر عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 60) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 260) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. وذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 217) . (3) أخرجه الطبري (2/ 7) برقم (2167) ، وذكره ابن عطية (1/ 218) .

ووَلَّاهُمْ: معناه: صرفهم، ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ: إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالى هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم، وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ، أيْ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي: عدولاً روي ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط: الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها ومنه قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: 28] . وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة: جميع الجنس، وأن أمة محمّد صلّى الله عليه وسلم تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ على أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنى حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وروي عنه أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه «1» . ت: وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في «رقائقه» وغيرهم قائلا صلّى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... الآية. وكون الرسولِ شهيداً، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: «عليكم» بمعنى «لَكُمْ» ، أي: يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان. وقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ ... الآية: قال قتادةُ وغيره: القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس «2» ، أي: إِلا فِتْنَةً لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة أو من اليهود على ما قاله الضّحّاك الذين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنْ صَلَيْتَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، اتبعناك» ، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه، امتحانا لهم، فلم يؤمنوا «3» . وقال ابنُ عَبَّاس: القبلة في الآيَةِ: الكعبةُ «4» ، وكُنْتَ عَلَيْها بمعنى: أَنْتَ عليها كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110] ، بمعنى: أنتم. وَمَا جَعَلْنَاهَا وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا إلا فتنةً، وروي في ذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما حُوِّل إِلى الكعبة، أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلتِ الآية، ومعنى: لِنَعْلَمَ، أي ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ استقبال العلْمِ بعد أنْ

_ (1) أخرجه البخاري (8/ 247) كتاب «التفسير» ، باب «ذرية من حملنا مع نوح» حديث (4712) ومسلم (1/ 184) كتاب «الإيمان» باب أدنى أهل الجنة منزلة حديث (327/ 194) من حديث أبي هريرة. (2) أخرجه الطبري (2/ 14) برقم (2206) عن السدي، وذكره ابن عطية (1/ 219) . وذكره الشوكاني (1/ 218) عن عطاء. (3) ذكره ابن عطية (1/ 219) . (4) ذكره ابن عطية (1/ 220) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 144 إلى 145]

لم يكن، ويَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عبارةٌ عن المرتدِّ، والرجوعُ على العَقِبِ أَسوأُ حالات الراجع. وقوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ... الآية: الضمير في «كَانَتْ» راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حَسْبما تقدَّم من الخلاف في القبلة، «وكَبِيرَة» هنا معناه: شاقَّة صعبةٌ، تكبُرُ في الصدور، ولما حُوِّلَتِ القبلة، كان من قول اليهود: يا محمَّدُ، إن كانَتِ الأولى حقاً، فأنتَ الآنَ على باطلٍ، وإن كانتْ هذه حقًّا، فكنْتَ في الأولى على ضلالٍ، فَوَجَمَتْ نفوسُ بعْضِ المؤمنين، وأشْفَقُوا على مَنْ مات قبل التحويل من صلاتِهِمُ السالفة، فنزلَتْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، أي: صلاتكم، قاله ابن عبَّاس وغيره «1» ، وسمَّى الصلاة إِيماناً لَمَّا كانَتْ صادرةً عن الإيمان ولأن الإِيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إِذ هو الأصل، ولئلاَّ يندرج في اسم الصلاة صلاةُ المنافقين إِلى بيت المَقْدِسِ، فذكر المعنَى الَّذي هو ملاك الأمر، وأيْضاً سُمِّيتْ إِيماناً إِذ هي من شُعَب الإِيمان. ت: وفي العتبية من سماع ابن القاسم «2» ، قال مالكٌ: قال اللَّهُ تبارَكَ وتعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المَقْدِس، قال ابنُ رُشْد وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان اللَّه ليضيعَ إِيمانكم بفَرْضِ الصلاة عليكم إلى بيْتِ المقدِسِ. انتهى من «البَيَان» . والرَّأْفَةُ: أعلى منازل الرحْمَة. [سورة البقرة (2) : الآيات 144 الى 145] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 20) برقم (2232) . وذكره ابن عطية (1/ 221) . (2) ابن القاسم هو: أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء، المعروف بابن القاسم، ولد ب «مصر» سنة 128 هـ. وقيل: سنة 132 هـ. وقيل غير ذلك، سافر إلى «المدينة» فصحب الإمام مالكا، وتفقه عليه، وروى عنه وعن الليث بن سعد، وعبد العزيز بن الماجشون، وغيرهم، وروى عنه أصبغ، وسحنون، وعيسى بن دينار، وغيرهم. ومن مؤلفاته: «كتاب المدونة» ، وهي التي أخذها عنه سحنون، وهي من أجل كتب الفقه المالكي، توفي ب «مصر» سنة 191 هـ. ينظر: «الديباج المذهب» (1/ 465) ، «شذرات الذهب» (1/ 329) ، «وفيات الأعيان» (3/ 362) .

وقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ... الآية: المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضاً: فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالى أنْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة «1» ، ومعنى التقلُّب نحو السماء: أنَّ السماء جهةٌ قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ. قال ص: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ: يدلُّ على تقدير حالٍ، أي: قد نرى تقلُّب وجهك في السماءِ طالباً قبلةً غير التي أنت مستقبلها، فلنولينّك. انتهى. وتَرْضاها: معناه: تحبّها/، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يحبّ الكعبة والتحوّل عن بيت 38 أالمقدس لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ: أحدها: لقول اليهودِ: «مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ حتَّى اتبعنا» قاله مجاهد. الثاني «2» : ليصيب قبلة إِبراهيمَ- عليه السلام- قاله ابن عَبَّاس «3» . الثالث: ليستألف العربَ لمحبَّتها في الكعبة، قاله الربيعة والسُّدِّيُّ «4» . ع «5» : والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ. وقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ ... الآية: أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، وشَطْرَ: نصبٌ على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا: أمر

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 22) برقم (2235) ، (2236) عن قتادة من طريقين وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 62) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 221) . (2) أخرجه الطبري (2/ 23) برقم (2239) بنحوه. وذكره ابن عطية (1/ 221) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 269) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (3) أخرجه الطبري (2/ 23) برقم (2241) بنحوه. وذكره ابن عطية (1/ 221) . (4) أخرجه الطبري (2/ 22) برقم (2237) عن الربيع، وبرقم (2238) عن السدي. وذكره ابن عطية (1/ 22) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 222) ، والميزاب: المثعب، فارسي معرب، والجمع مآزيب إذا همز، وميازيب إذا لم يهمز. ينظر: «لسان العرب» (4823) (وزب) ، و «الوسيط» (407) .

للأمة ناسخٌ. وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية: المعنى: أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم أمام الأمم، وأن استقبالها هو الحقُّ الواجب على الجميع اتباعا لمحمَّد صلّى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وتضمَّنت الآيةُ الوعيد. وقوله جلَّت قدرته: وَلَئِنْ أَتَيْتَ ... الآية: أعلَمَ اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- حين قالَتْ له اليهودُ: راجِعْ بيْتَ المَقْدِسِ، ونؤمن بكَ أن ذلك مخادَعَةٌ منهم، وأنهم لا يتَّبعون له قِبْلَةً، يعني: جملتهم لأن البعض قد اتبع، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي: فلا تُصْغِ إِليهم، والآية هنا العَلاَمَةُ. وقوله جلَّت عظمته: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ... لفظ خبرٍ يتضمَّن الأمر، أي: فلا تركنْ إِلى شيء من ذلك، وَما بَعْضُهُمْ ... الآية، قال ابن زيد وغيره: المعنى ليستِ اليهودُ متبعةً قبلة النصارى، ولا النصارى متبعةً قبلةَ اليهودِ، فهذا «1» إِعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم، وقبلةُ النصارى مَشْرِقُ الشمْسِ، وقبلةُ اليهود بيْتُ المَقْدِسِ. وقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ... الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلم والمرادُ أمته، وما ورد من هذا النوع الّذي يوهم من النبيّ صلّى الله عليه وسلم ظُلْماً متوقّعاً، فهو محمولٌ على إِرادة أمته لعصمة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وقَطْعاً أن ذلك لا يكُونُ منْه، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب النبيّ صلّى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر، قال الفَخْر «2» : ودلَّت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم لأن قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يدلُّ على ذلك. انتهى، وهو حَسَنٌ. ص: وَلَئِنْ أَتَيْتَ: لام «لَئِنْ» مؤذنةٌ بقَسَمٍ مقدَّرٍ قبلها، ولهذا كان الجواب: له مَّا تَبِعُوا، ولو كان للشرط، لدخلت الفاء، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضياً، لأنه إِذا حذف جوابه، وجب فعله لفظا. انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 27) برقم (2263) ، وذكره ابن عطية (1/ 223) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 270) عن السديّ. وذكره الشوكاني في «تفسيره» عن السديّ كذلك. [.....] (2) «التفسير الكبير» (4/ 116) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 146 إلى 147]

[سورة البقرة (2) : الآيات 146 الى 147] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ... الآية: الضمير في يعرفونه عائدٌ على الحق في القبلة، والتحوُّل إلى الكعبة، قال ابن عبَّاس وغيره «1» ، وقال مجاهدٌ وغيره: هو عائدٌ على محمّد صلّى الله عليه وسلم، أي: يعرفون صدْقَه ونبوَّته «2» . ت: بل وصفاتِهِ. وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ: الفريقُ: الجماعةُ، وخص، [لأن] منهم من أسلم ولم يكتم والإشارة بالحق إلى ما تقدَّم على الخلاف في ضمير يَعْرِفُونَهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ظاهرٌ في صحَّة الكفر عناداً. وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هو الحق، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: الخطاب للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم والمرادُ أمَّته، وامترى في الشيء، إِذا شك فيه ومنه: المراء، لأن 38 ب هذا يشك في قول هذا. [سورة البقرة (2) : الآيات 148 الى 151] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) وقوله تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ : الوجهةُ: من المواجهة كالقبلة، والمعنى: ولكلِّ صاحبِ ملَّة وجهةٌ هو مولِّيها نفْسَه، قاله ابن عبّاس وغيره «3» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 28) برقم (2267) عن ابن عباس، كما أخرج عدة آثار بهذا المعنى عن قتادة، والربيع، والسدي وغيرهم. والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 223) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 270) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 224) . (3) أخرجه الطبري (2/ 31) برقم (2280) عن الربيع وبرقم (2281) عن عطاء وبرقم (2283) عن ابن عباس. وذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 224) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 271) ، وعن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

وقرأ ابن عامر «1» : «هُوَ مَولاَّهَا» ، أيْ: اللَّه مُوَلِّيها إياهم، ثم أمر تعالى عباده باستباق الخَيْرات، والبدارِ، إلى سبيل النجاة، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده أَن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الخَيْرِ فَلْيَنْتَهُزْهُ «2» ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي، متى يُغْلَقُ عَنْهُ» . انتهى. ثم وعظهم سبحانه بذكْر الحشر موعظةً تتضمَّن وعيداً وتحذيراً. ص: «أينما» ظرفٌ مضمَّن معنى الشرط في موضعِ خَبَرِ «كان» . انتهى. وقوله: أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يعني به البعْثَ من القبور. وقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ معناه: حيثُ كنْتَ، وأَنى توجَّهْتَ من مشارقِ الأرض، ومغاربِها، وكرَّرت هذه الآية تأكيداً من اللَّه سبحانه لأن موقع التحويلِ كان صَعْباً في نفوسهم جدًّا، فأكَّد الأمر ليرى الناسُ التهمُّم به، فيخفَّ عليهم وتسكُنَ نفوسُهم إليه. وقوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ... الآية: المعنى: عرفتكم وجه الصواب في قبلتكم، والحجة لذلك لئلاَّ يكون للناسِ عليكم حجةٌ، والمراد ب «النَّاس» العمومُ في اليهودِ والعربِ وغيرهم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، أي: من المذكورين ممَّن تكلَّم في النازلة في قولهم: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ [البقرة: 142] . وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ... الآية: [فيه] تحقيرٌ لشأنهم، وأمر باطراح أمرهم، ومراعاة أمره سبحانه، قال الفَخْر «3» : وهذه الآية تدلُّ على أن الواجب علَى المَرْء في كلِّ أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه خشيةَ ربه تعالى، وأن يعلم أنه ليس في أيدي الخَلْقِ شيء البتَّةَ وألاَّ يكون مشتغل القَلْب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. انتهى.

_ (1) وحجته في هذه القراءة أنه: قدر له أن يتولاها، ولم يسند إلى فاعل بعينه، فيجوز أن يكون «هو» كناية عن الاسم الذي أضيفت إليه «كل» . وهو الفاعل، ويجوز أن يكون فاعل التولية «الله» ، و «هو» كناية عنه. والتقدير: ولكل ذي ملة قبلة الله موليها وجهه. ثم ردّ ذلك إلى ما لم يسمّ فاعله. ينظر: «حجة القراءات» (117) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 230) ، و «العنوان» (72) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 74، 75) ، و «شرح شعلة» (278) ، و «معاني القراءات» (1/ 181) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 422) . (2) النهزة: الفرصة، وانتهزتها: اغتنمتها. ينظر: «النهاية» (5/ 135) . (3) «التفسير الكبير» (4/ 127) .

قال ص: إِلَّا الَّذِينَ استثناءٌ متَّصِلٌ، قاله ابن عباس وغيره، أي: لئلاَّ تكون حجةٌ من اليهود المعاندين القائلين ما ترك قبلتنا، وتوجَّه للكعبة إِلاَّ حبًّا لبلده، وقيل: منقطع، أي: لكن الذين ظلموا منهم فإِنهم يتعلَّقون عليكم بالشُّبَه، وزعم أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بْنُ المثنى: إن «إِلاَّ» في الآية بمعنى «الواو» ، قال ومنه: [الوافر] : وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوه ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ «1» أي: والَّذين ظلموا، وَالفَرْقَدَان، ورُدَّ بأنَّ «إِلاَّ» بمعنى الواو ولا يقوم علَيْه دليلٌ. انتهى. وقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أمر باستقبال القبْلَة، وهو شرطٌ في الفرض إِلاَّ في القتالِ حالة الالتحامِ، وفي النوافل إِلا في السفرِ الطويلِ للرَّاكب، والقدرةُ على اليقينِ في مصادفتها تَمْنَعُ من الاِجتهادِ، وعلى الاِجتهادِ تَمْنَعُ من التقليد. وقوله سبحانه: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عطْفٌ على قوله: «لَئِلاَّ» وقيل: هو في موضع رفع بالاِبتداء، والخبرُ مضمرٌ، تقديره: ولأتمَّ نعمتي عليكم، عرَّفتكم قبلتي، ونحوهُ، وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ترجٍّ في حقِّ البشر، والكافُ في قوله: «كَمَا» ردٌّ على قوله: «وَلأُتِمَّ» ، أي: إِتماماً كما، وهذا أحسنُ الأقوال، أي: لأتم نعمتي عليكم في بيان سُنَّة إِبراهيم عليه السلام/ كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ إِجابة لدعوته في قوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: 129] . 39 أ

_ (1) البيت لعمرو بن معد يكرب في ديوانه (ص 178) و «الكتاب» (2/ 334) و «لسان العرب» (15/ 432) (ألا) و «الممتع في التصريف» (1/ 51) والحضرمي بن عامر في «تذكرة النحاة» (ص 90) و «حماسة البحتري» (ص 151) و «الحماسة البصرية» (2/ 418) و «شرح أبيات سيبويه» (2/ 46) و «المؤتلف والمختلف» (ص 85) ولعمرو أو لحضرمي في «خزانة الأدب» (3/ 421) و «الدرر» (3/ 170) و «شرح شواهد المغني» (1/ 216) وبلا نسبة في «الأشباه والنظائر» (8/ 180) و «أمالي المرتضى» (2/ 88) و «الإنصاف» (1/ 268) و «الجنى الداني» (ص 519) و «خزانة الأدب» (9/ 321، 322) و «رصف المباني» (ص 92) و «شرح الأشموني» (1/ 234) و «شرح المفصل» (2/ 89) و «العقد الفريد» (3/ 107، 133) و «فصل المقال» (ص 257) و «مغني اللبيب» (1/ 72) و «المقتضب» (4/ 409) و «همع الهوامع» (1/ 229) . واستشهد به على نعت «كلّ» بقوله: «إلّا الفرقدان» على تقدير «غير» . وفيه ردّ على المبرد الذي زعم أنّ الوصف ب «إلّا» لم يجىء إلّا فيما يجوز فيه البدل. ف «إلّا الفرقدان» صفة، ولا يمكن فيه البدل. (والفرقدان) نجمان قريبان من القطب، لا يفارق أحدهما الآخر.

[سورة البقرة (2) : الآيات 152 إلى 153]

وقيل: الكاف من «كمَا» رَدٌّ على «تَهْتَدُونَ» ، أي: اهتداء كما. قال الفَخْر «1» : وهنا تأويلٌ ثالثٌ، وهو أن الكاف متعلِّقة بما بعدها، أي: كما أرسلنا فيكم رسولاً، وأوليتكم هذه النعم، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ... الآيةَ. انتهى. ت: وهذا التأويل نقله الدَّاوُودِيُّ عن الفراء. انتهى، وهذه الآية خطاب لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم وآياتِنا يعني: القرآن، ويُزَكِّيكُمْ، أي: يطهركم من الكفر، وينمّيكم بالطاعة، والْكِتابَ: القرآن، والْحِكْمَةَ: ما يتلقّى عنه صلّى الله عليه وسلم من سنَّةٍ، وفقْهٍ، ودينٍ، وما لم تكونوا تعلمون قصص من سلف، وقصص ما يأتي من الغيوب. [سورة البقرة (2) : الآيات 152 الى 153] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) قوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ... الآية: قال سعيد بن جُبَيْر: معنى الآية: اذكروني بالطاعةِ، أذكركم بالثواب «2» . ت: وفي تفسير أحمد بن نصر الداوديّ: وعن ابن جُبَيْر: اذكروني بطاعتِي، أذكرْكُمْ بمغفرتي «3» ، وروي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَقَدْ ذَكَر اللَّهَ، وإِنْ قلَّت صلاته، وصيامه، وتلاوته القُرآن، ومن عَصَى اللَّه، فقد نَسِيَ اللَّه، وإِن كَثُرَتْ صلاته، وصيامه، وتلاوته القرآن» «4» . انتهى.

_ (1) ينظر: «التفسير الكبير» (4/ 129) ، و «الدر المصون» (1/ 409- 411) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 226) . (3) أخرجه الطبري (2/ 40) برقم (2318) ، وذكره ابن عطية (1/ 226) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 273) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأخرجه ابن المبارك في كتاب «الزهد» باب ذكر الله تبارك وتعالى، (928) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 128) . (4) أخرجه الطبراني في «الكبير» (22/ 154) رقم (413) من طريق الهيثم بن جماز عن الحارث بن حسان، عن زاذان عن واقد مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم به مرفوعا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 261) ، وقال: وفيه الهيثم بن جماز، وهو متروك. وذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (1/ 446) رقم (1924) ، وعزاه إلى الحسن بن سفيان، والطبراني، وابن عساكر عن واقد. وللحديث شاهد مرسل: أخرجه ابن المبارك (ص 17) رقم (70) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 452) رقم (687) ، وسعيد بن منصور رقم (230) عن خالد بن أبي عمران مرسلا. وزاد نسبته السيوطي في «الدر» (1/ 149) إلى ابن المنذر.

وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن أنس بن مالك، قال: مَا مِنْ بُقْعَةٍ يُذْكَرُ اللَّهُ عَلَيْهَا بصَلاةٍ أو بذكْرٍ إِلاَّ افتخرت على ما حَوْلَهَا من البِقَاعِ، واستبشَرَتْ بذكْر اللَّه إِلى منتهاها منْ سبعِ أرَضِينَ، وما مِنْ عَبْدٍ يقومُ يصلِّي إِلا تزخرفَتْ له الأرض «1» . قال ابنُ المُبَارك: وأخبرنا المسعوديُّ عن عَوْنِ بنِ عبدِ اللَّهِ «2» ، قال: الذاكِرُ في الغافِلِينَ كالمقاتل خَلْف الفارِّين «3» . انتهى. وقال الربيعُ والسِّدّي: المعنى: اذكروني بالدعاءِ والتسبيحِ «4» ونحوه، وفي صحيح البخاريِّ ومسلمٍ وغيرهما عن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه-، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم: يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وتعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ منهم ... » «5» الحديث. انتهى.

_ (1) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» ص (115) رقم (339) عن أنس بن مالك موقوفا. وأخرجه أبو يعلى (7/ 143) رقم (4110) من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 81- 82) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. اهـ. وزاد نسبته المناوي في «فيض القدير» (5/ 475) إلى البيهقي في «شعب الإيمان» . (2) عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله، الكوفي، الزاهد. عن أبيه، وعائشة، وابن عباس. وعنه قتادة، وأبو الزبير، والزهري. وثقه أحمد وابن معين، ورماه ابن سعد بالإرجاء. قال البخاري: مات بعد العشرين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 309) ، و «تهذيب التهذيب» (8/ 171) ، و «الكاشف» (2/ 358) ، و «تاريخ الثقات» (377) . [.....] (3) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 122) رقم (357) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 40) برقم (2319) ، (2320) ، وذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 226) . (5) أخرجه البخاري (13/ 395) كتاب «التوحيد» ، باب قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، حديث (7405) ، ومسلم (4/ 2061) كتاب «الذكر والدعاء» ، باب الحث على ذكر الله (تعالى) ، حديث (21/ 2675) ، والترمذي (5/ 581) كتاب «الدعوات» ، باب في حسن الظن بالله (عز وجل) ، حديث (3603) ، وابن ماجة (2/ 1255- 1256) كتاب «الأدب» ، باب فضل العمل، حديث (3822) ، وأحمد (2/ 251، 413) ، وابن خزيمة في «التوحيد» (ص 7) ، وابن حبان (3/ 93) رقم (811) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 81- بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه مسلم (4/ 2061) كتاب «الذكر والدعاء» ، باب الحث على ذكر الله (تعالى) ، حديث-

[سورة البقرة (2) : الآيات 154 إلى 157]

وَاشْكُرُوا لِي، أي: نعمي وأيادِيَّ، وَلا تَكْفُرُونِ: أي: نعمي وأياديَّ. ت: وعن جابر قَالَ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أدى شُكْرَهَا، فَإِنْ قالها الثانيةَ، جدَّد اللَّهُ لها ثوابَهَا، فَإن قالها الثالثةَ، غفر اللَّه له ذُنوبَه» رواه الحاكمُ في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيح» . انتهى من «السِّلاح» . وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، أي: بمعونته وإنجاده. [سورة البقرة (2) : الآيات 154 الى 157] وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) وقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ... الآية: سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين: مَاتَ فلانٌ، ماتَ فلانٌ، فكره اللَّه سبحانه أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم، فنزلَتْ هذه الآية، وأيضاً: فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم، تعظِّم منزلة الشهداءِ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ. ت: وخرَّجه البخاريُّ في «صحيحه» عن أنسٍ، قال: «أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ «2» سَهْمٍ، وهو غلامٌ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله/، قد

_ - (2675) ، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 85) ، وأحمد (2/ 516، 524) من طريق زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. (1) أخرجه الحاكم (1/ 507- 508) ، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 98) رقم (4402) من طريق عبد الرحمن بن قيس: نا محمد بن أبي حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: ليس بصحيح قال أبو زرعة: عبد الرحمن بن قيس كذاب. والحديث ذكره الذهبي في «الميزان» (2/ 583) ، وقال: منكر. اهـ. وعبد الرحمن بن قيس: قال الحافظ في «التقريب» (1/ 496) : متروك كذبه أبو زرعة وغيره. (2) أي لا يعرف راميه يقال: سهم غرب، بفتح الراء وسكونها، وبالإضافة، وغير الإضافة. وقيل: هو بالسكون إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره. ينظر: «النهاية» (3/ 350- 351) .

عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِب، وَإِن تَكُن الأخرى، ترى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: وَيْحَكِ، أَوَ هُبِلْتِ، أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى ... » الحديثَ «1» . انتهى. ع «2» : والفرق بين الشهيدِ وغيرهِ إِنما هو الرِّزْقُ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم. ت: وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، ويرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ» . قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، زاد ابن ماجَة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» «3» ، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «4» : هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة: «ستَّ خِصَالٍ» وهي في متن الحديث سَبْعٌ، وعلى ما في ابن ماجة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» تكون ثمانياً، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد «5» بسنده عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ» انتهى. وخرّج الترمذيّ، والنسائيّ عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ» «6» انتهى.

_ (1) أخرجه البخاري (7/ 355) كتاب «المغازي» ، باب فضل من شهد بدرا، حديث (3982) ، (11/ 423) كتاب «الرقاق» باب صفة الجنة والنار، حديث (6550) من حديث أنس. (2) «المحرر الوجيز» (1/ 227) . (3) أخرجه الترمذي (4/ 187- 188) كتاب «فضائل الجهاد» ، باب في ثواب الشهيد، حديث (1663) ، وابن ماجة (2/ 935- 936) كتاب «الجهاد» ، باب فضل الشهادة في سبيل الله، حديث (2799) كلاهما من طريق بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب مرفوعا. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. (4) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 218) . (5) الإمام المحدّث الحافظ الفقيه المفتي، شيخ العراق، أبو بكر أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل، البغدادي الحنبليّ النّجّاد. ولد سنة ثلاث وخمسين ومئتين، سمع أبا داود السّجستاني، ارتحل إليه، وهو خاتمة أصحابه، وصنف ديوانا كبيرا في السنن، مات النّجّاد- رحمه الله تعالى- في ذي الحجّة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (15/ 502- 504) . (6) أخرجه الترمذي (4/ 190) كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء في فضل المرابط، حديث (1668) ، والنسائي (6/ 36) كتاب «الجهاد» ، باب ما يجد الشهيد من الألم، حديث (3161) ، وابن ماجه (2/-

ع «1» : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ» «2» ، وروي: «أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ» ، ورويَ: «أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ» ، إِلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ، أو للجميع في أوقات متغايرة. ت: وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب «الإِفصاح» أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال صاحب «التذكرة» : وهذا قول حَسَنٌ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع. انتهى. قال ع «3» : وجمهور العلماء على أنهم في الجَنَّة ويؤيّده قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لأمِّ حَارِثَةَ: «إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى» . وقال مجاهد: هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا «4» ، وفي «مختصر الطبريِّ» ، قال: ونهى عزَّ وجَلَّ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أموات، وأعلم سبحانه أنه أحياء،

_ - 937) كتاب «الجهاد» ، باب فضل الشهادة في سبيل الله، حديث (2802) ، والدارمي (2/ 205) كتاب «الجهاد» ، باب فضل الشهيد، وأحمد (2/ 297) ، والبيهقي (9/ 164) كتاب «السير» ، باب فضل الشهادة في سبيل الله (عز وجل) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 516- بتحقيقنا) كلهم من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وللحديث شاهد من حديث أبي قتادة: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 297) وقال: رواه الطبراني، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (7/ 142) من طريق إسحاق العنبري: ثنا يعلى بن عبيد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري، تفرد به إسحاق عن يعلى. اهـ. وإسحاق العنبري: قال الذهبي في «المغني» (1/ 72) رقم (574) : قال الأزدي: لا تحل الرواية عنه كذاب. اهـ. وللحديث شاهد من حديث سنان بن سنة الأسلمي: أخرجه ابن ماجة (1/ 561) كتاب «الصيام» ، باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر، حديث (1765) ، والدارمي (2/ 95) . وقال البوصيري: إسناده صحيح. (1) «المحرر الوجيز» (1/ 227) . [.....] (2) أخرجه الترمذي (4/ 176) كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء في ثواب الشهداء، حديث (1641) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 227) . (4) أخرجه الطبري (2/ 42) برقم (2323) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 285) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين، بأنهم في البَرْزَخِ يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة على أنه قد ورد في الحديثِ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ» ، ومعنى: «يُعَلَّق» : يأكل ومنه قوله: ما ذقْتُ عَلاقاً، أي: مأكلاً، فقد عم المؤمنين بأنهم يرزقُونَ في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم، واللَّه أعلم. انتهى. وروى النسائيُّ أن رجلاً قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ؟ قَالَ: كفى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ على رَأْسِهِ فِتْنَةً» «1» . انتهى. ت: وحديثُ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ» خرَّجه مالك رحمه اللَّه. قال الدَّاووديُّ: وحديث مالكٍ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح، والذي روي أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ لا يصحُّ في النقل. انتهى. قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» «2» : والأشبه قولُ من قال: كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ لموافقته لحديثِ «الموطَّإ» ، هذا/ وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ، ولم يذكر مطعناً في 40 أإسنادها. انتهى. ثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ، ثم وعد على الصَّبْر، فقال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي: نمتحنكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، أي: من الأعداء في الحروبِ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي بالجوانحِ «3» ، والمصائبِ، وَالْأَنْفُسِ بالموت، والقَتْل، وَالثَّمَراتِ بالعَاهَاتِ، والمرادُ بشيءٍ من هذا وشيءٍ من هذا، واكتفى بالأول إِيجازاً، ثم وصف سبحانه الصابرين الَّذين بشَّرهم بقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فجعل سبحانه هذه الكلماتِ ملجأً لذوي المصائبِ لما جمعتْ من المعاني المباركةِ من توحِيدِ اللَّهِ سبحانه، والإِقرار له بالعبودية، والبعثِ من القبور، واليقين

_ (1) أخرجه النسائي (4/ 99) كتاب «الجنائز» ، باب الشهيد، حديث (2053) عن رجل من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم به مرفوعا. وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي. (2) ينظر: «التمهيد» (11/ 64) . (3) الجائحة: الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة. ينظر: «لسان العرب» (719) (جوح) .

بأنَّ رجوع الأمر كلِّه إِليه كما هو له، قال الفَخْرُ «1» : قال أبو بَكْرٍ الوَرَّاق «2» : إِنَّا لِلَّهِ: إقرارٌ منَّا له بالمُلْكِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِقرارٌ على أنفسنا بالهلاكِ. واعلم أن قوله: إِنَّا لِلَّهِ يدلُّ على كونه راضيًا بكلِّ ما نَزَلَ به، ووردَتْ أخبارٌ كثيرة في هذا الباب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فمنِ استرجع عند المصيبة، جَبَر اللَّه مصيبته، وأحْسَنَ عقباه، وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضَاهُ. انتهى. وروي: «أنّ مصباح رسول الله صلّى الله عليه وسلم انطفأ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فَقِيلَ: أَمُصِيبَةٌ هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ كُلُّ مَا آذَى المُؤْمِنَ، فَهُوَ مُصِيبَةٌ» «3» . قال النوويُّ «4» : ورُوِّينَا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» «5» عن أبي هريرة، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليسترجعْ أحدُكُمْ في كلِّ شيء، حتى في شِسْعِ «6» نَعْلِه فَإِنها من المصائِبِ» «7» . انتهى من «الحلية» .

_ (1) «التفسير الكبير» (4/ 140) . (2) الإمام المحدّث، أبو بكر، محمد بن إسماعيل بن العبّاس البغداديّ المستملي الورّاق. سمع أباه، والحسن بن الطّيّب، وعمر بن أبي غيلان، وأحمد بن الحسن الصّوفي، ومحمد بن محمد الباغندي، والبغوي. وعنه: الدّارقطني، والبرقاني، وأبو محمد الخلّال، وأحمد بن عمر القاضي، وأبو محمد الجوهري وعدّة. ولد سنة ثلاث وتسعين ومئتين، ومات في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (16/ 388، 389) . (3) ينظر: «تفسير القرطبي» (2/ 175) . (4) «الأذكار» (ص 158) . (5) الإمام الحافظ الثقة الرّحال، أبو بكر، أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط الهاشميّ الجعفريّ، مولاهم الدّينوري، المشهور ب «ابن السّنّي» ، ولد في حدود سنة ثمانين ومئتين. وهو الذي اختصر «سنن النّسائي» ، واقتصر على رواية المختصر، وسمّاه «المجتبى» ، وجمع وصنّف كتاب «يوم وليلة» . توفي آخر سنة أربع وستين وثلاثمائة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (16/ 255- 256) . (6) الشّسع: أحد سيور النعل، وهو الذي يدخل بين الإصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، والزمام: السّير الذي يعقد فيه الشّسع. ينظر: «النهاية» (2/ 472) . (7) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (346) ، وذكره الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (3/ 231) رقم (3351) ، وعزاه لمسدد.

وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية: نِعَمٌ من اللَّه تعالى على الصابرين المسترجعين، وصلوات اللَّه على عبده: عفْوُهُ، ورحمتُه، وبركته، وتشريفه إِياه في الدنيا والآخرة، وكرَّر الرحْمَة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لمَّا اختلف اللَّفْظ تأكيداً منه تعالى وشهد لهم بالاهتداء. ت: وفي «صحيح البخاري» : وقال عُمَرُ: نِعْمَ العدلان، ونَعْمُ العِلاَوة «1» الَّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ... إلى الْمُهْتَدُونَ «2» ، قال النوويُّ في «الحلية» «3» : ورُوِّينا في سنن ابن ماجة، والبيهقيِّ بإِسناد حَسَنٍ عن عمرو بن حزم «4» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلّا كساه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ» «5» ، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ، والسنن الكَبيِرِ للبيهقيِّ عن ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عزى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» إسناده ضعيف «6» ، وروّينا في

_ (1) العلاوة: ما عولي فوق الحمل وزيد عليه. ينظر: «النهاية» (3/ 295) ، و «الوسيط» (631) . [.....] (2) أخرجه البخاري (3/ 205) كتاب «الجنائز» ، باب الصبر عند الصدمة الأولى، عن عمر تعليقا. ووصله الحاكم (2/ 270) من طريق جرير عن منصور عن سعيد بن المسيب عن عمر به. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعلم خلافا بين أئمتنا أن سعيد بن المسيب أدرك أيام عمر (رضي الله عنه) ، وإنما اختلفوا في سماعه منه. اهـ وله طريق آخر عن عمر بنحوه: ذكره الحافظ في «الفتح» (3/ 205) ، وعزاه إلى عبد بن حميد. (3) «الأذكار» (ص 180) . (4) عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري، الخزرجي، أبو الضحاك، المدني، شهد الخندق، وولي بعض أمور «اليمن» . له أحاديث. وعنه ابنه محمد، وزياد بن نعيم. قال المدائني: مات سنة إحدى وخمسين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 282- 283) ، و «تهذيب التهذيب» (8/ 20) ، و «الكاشف» (326) ، و «تقريب التهذيب» (2/ 68) . (5) أخرجه ابن ماجة (1/ 511) كتاب «الجنائز» باب ما جاء في ثواب من عزى مصابا، حديث (1601) ، والبيهقي (4/ 59) كتاب «الجنائز» ، باب ما يستحب من تعزية أهل الميت من طريق قيس أبي عمارة، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال البوصيري: في إسناده قيس أبو عمارة، ذكره ابن حبان في «الثقات» ، وقال الذهبي في «الكاشف» : ثقة. وقال البخاري: فيه نظر، وباقي رجاله على شرط مسلم. (6) أخرجه الترمذي (3/ 385) كتاب «الجنائز» ، باب ما جاء في أجر من عزى مصابا، حديث (1073) ، وابن ماجة (1/ 511) كتاب «الجنائز» ، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابا، حديث (1602) من طريق محمد بن سوقة عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث علي بن عاصم، ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد موقوفا اهـ. قال الحافظ ابن حجر في أجوبته عن أحاديث «المصابيح» (1/ 86) : قلت: أخرجه الترمذي، وابن ماجه-

[سورة البقرة (2) : آية 158]

كتاب الترمذيِّ أيضاً عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عزى ثكلى، كُسِيَ بِرِدَاءٍ فِي الجَنَّةِ» . قال الترمذيُّ ليس إِسناده بالقَوِيِّ «1» . انتهى. [سورة البقرة (2) : آية 158] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158) قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: الصَّفَا: جمع صَفَاةٍ، وهي الصَّخْرة العَظيمة، والمَرْوَة واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارة الصِّغَار الَّتي فيها لين، ومِنْ شَعائِرِ اللَّهِ معناه: معالمه، ومواضع عبادته، وقال مجاهدٌ: ذلك راجعٌ إِلى القول، أي: مما أشعركم اللَّه بفضله: مأخوذٌ من شَعَرْتُ، إِذا تحسّست «2» . وحَجَّ: معناه: قصد، وتكرّر، واعْتَمَرَ: زار وتكرّر مأخوذ من عمرت 40 ب الموضعَ، والجُنَاحُ: الإِثمُ، والمَيْلُ عن الحقِّ والطاعةِ، ومن اللفظةِ الجناح/ لأنه في شِقٍّ ومنه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: 61] ، ويَطَّوَّفَ: أصله يتطوَّف، فقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ... الآيةَ: خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما، وقوله: فَلا جُناحَ ليس المقصودُ منه إباحة الطوافِ لمن شاءه لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيمُ، وإِنما المقصودُ رفْعُ ما وقع في نفوسِ قومٍ من العربِ من أنَّ الطوَافَ بينهما فيه حرجٌ، وإِعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غيرُ صوابٍ، وفي الصحيح عن عائشة- رضي الله

_ من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلم. ورجاله رجال «الصحيحين» إلا علي بن عاصم فإنه ضعيف عندهم. قال الترمذي بعد تخريجه: «لا نعرفه مرفوعا إلا عن علي بن عاصم» . ورواه بعضهم عن محمد بن سوقة شيخ علي بن عاصم موقوفا على عبد الله بن مسعود. وقال الترمذي أيضا: «أنكروه على علي بن عاصم، وعدوه من غلطه» . وقال أبو أحمد بن عدي: رواه جماعة متابعة لعلي بن عاصم، سرقه بعضهم منه، وأخطأ فيه بعضهم. وأخرجه ابن عدي من حديث أنس بلفظ: «من عزّى أخاه المسلم من مصيبته كساه الله حلّة» ، وسنده ضعيف. وأخرجه أبو الشيخ في «كتاب الثواب» من حديث جابر بمعناه، وأبو يعلى من حديث أبي برزة بلفظ آخر. وقد قلنا: إن الحديث إذا تعددت طرقه يقوى بعضها ببعض، وإذا قوي كيف يحسن أن يطلق عليه: إنه مخلتق؟! اهـ. (1) أخرجه الترمذي (3/ 378- 379) ، كتاب «الجنائز» ، باب آخر في فضل التعزية، حديث (1076) ، من حديث أبي برزة. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي. وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي. (2) ذكره ابن عطية (1/ 229) .

عنها-: «أنَّ ذَلِكَ فِي الأنْصارِ» . ومذهبُ مالكٍ والشافعيِّ «1» أنَّ السعْيَ بينهما فرضٌ لا يجزىء تاركه، إِلاَّ العودة، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «2» والدليلُ على ركنيَّته ما رُويَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنّه قال: «إنّ

_ (1) من أركان الحج: السعي بين الصفا والمروة لما روى «الدارقطني» و «البيهقي» بإسناد حسن أنه صلّى الله عليه وسلم استقبل الناس في المسعى. وقال: «يا أيّها النّاس اسعوا فإنّ السّعي قد كتب عليكم» ، أي فرض، وأصل السعي: الإسراع، والمراد به هنا: مطلق المشي. ويشترط لصحة السعي شروط ستة: الأوّل: البدء بالصفا في الأوتار، وبالمروة في الأشفاع للاتباع مع خبر «خذوا عنّي مناسككم» ، وخبر «ابدءوا بما بدأ الله به» ، فلو خالف الساعي ذلك لم يصح. الثاني: كونه سبع مرات يقينا، للاتباع بحسب الذهاب من الصفا إلى المروة مرّة، والإياب من المروة إلى الصفا مرة أخرى، ولا بد أن تكون السبع متيقنة، فلو شك الساعي في العدد، فإن كان قبل الفراغ، بنى على الأقل وجوبا، وإن كان بعد الفراغ لم يؤثر. الثالث: أن يقطع الساعي المسافة بين الصفا والمروة في كل مرّة، فلو بقي منها شيء لم يكف. الرابع: أن يكون قطع المسافة من بطن الوادي، وهو المسعى المعروف الآن. نعم لو انحرف قليلا في سعيه عن محلّ السعي لم يضر، كما نصّ عليه الشافعيّ- رضي الله عنه-. الخامس: أن يكون بعد طواف الإفاضة أو طواف القدوم لأنه الوارد من فعله صلّى الله عليه وسلم، ونقل «الماوردي» الإجماع على ذلك. ومحلّ كونه يقع صحيحا بعد طواف القدوم إذا لم يكن الساعي قد وقف بعرفة بعد طواف القدوم، فلو وقف بها بعد طواف القدوم، وقبل السعي، لم يصح سعيه، إلا بعد طواف الإفاضة لدخول طواف الفرض، فلا يجوز أن يسعى بعد طواف نفل مع إمكانه بعد طواف الفرض. ومن فعل السعي بعد طواف القدوم لم تسنّ له إعادته بعد طواف الإفاضة، بل تكره إعادته لأنه صلّى الله عليه وسلم وأصحابه لم يسعوا إلا بعد طواف القدوم. نعم تجب إعادة السعي على صبي ورقيق إذا كملا قبل الوقوف بعرفة، أو في أثنائه، كما تقدّم. السادس: عدم الصارف، فلو حصل السعي بقصد المسابقة مثلا لم يصح. ويندب في السعي أمور: منها: أن يخرج من باب الصفا عقب الفراغ من صلاة الطواف واستلام الحجر وتقبيله. ومنها: أن يرقى الذكر على الصفا والمروة قدر قامة فإنه صلّى الله عليه وسلم رقى على كلّ منهما- حتى رأى البيت. رواه مسلم. أما النساء والخناثى، فلا يسنّ لهم ذلك إلا إذا خلا المحلّ عن الرجال الأجانب. ومنها: الذكر الوارد عند كل منهما. ومنها: أن يكون متطهرا من الحدث والخبث، مستور العورة. ومنها: عدم الركوب إلا لعذر. ومنها: أن يهرول الذكر في وسط المسافة ذهابا وإيابا، وأما في أوّل المسافة وآخرها، فيمشي على حسب عادته، كما أن المرأة والخنثى لا يهرولان مطلقا. ومنها: اتصال السعي بالطواف، واتصال أشواط بعضها ببعض من غير تفريق. ومنها: أن يتحرز من إيذاء الغير وألا يشتغل بما يشغل القلب، كالنظر إلى الساعين. ويكره للساعي أن يقف في أثناء سعيه بلا عذر لحديث أو غيره، وأن يصلّي بعده ركعتين. (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 48) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 159 إلى 160]

اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ، فاسعوا» ، صحَّحه الدارقطنيُّ «1» ويعضِّده المعنى، فإنه شعار، أي: معلم لا يخلو عنه الحجُّ والعمرة، فكان ركناً كالطواف. انتهى. وَمَنْ تَطَوَّعَ: أي: زاد بِرًّا بعد الواجبِ في جميع الأعمال، وقال بعضهم: معناه: من تطوَّع بحجٍّ أو عمرةٍ بعد حجَّةِ الفريضةِ، ومعنى شاكِرٌ، أي: يبذل الثوابَ والجزاءَ، عَلِيمٌ: بالنيات والأعمال لا يضيعُ معه لعاملٍ عمل. [سورة البقرة (2) : الآيات 159 الى 160] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنا ... الآيةَ: المراد ب «الذين» : أحبار اليهود «2» ، ورهبانُ النصارى الذين كتموا أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم وتتناول الآية بَعْدُ كلَّ من كتم علمًا من دين اللَّه يُحْتَاجُ إلى بَثِّهِ، وذلك مفسّر في قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القيامة بلجام من النّار» «3» .

_ (1) أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان، البغدادي الدارقطني، الحافظ الكبير، ولد سنة 306، تفقه بأبي سعيد الإصطخري، صنف المصنفات المفيدة، منها السنن والعلل وغيرهما، قال الحاكم: صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماما في النحو، والقراءة، وأشهد أنه لم يخلق على أديم الأرض مثله. مات سنة 385. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 161) ، «تاريخ بغداد» (12/ 34) ، «وفيات الأعيان» (2/ 459) . (2) ينظر: «الطبري» (3/ 249) ، و «معاني الزجاج» (1/ 218) ، و «الدر المنثور» (1/ 162) ، عن مجاهد والسدي وقتادة، وابن كثير (1/ 200) عن أبي العالية، و «غرائب النيسابوري» (2/ 67) عن ابن عباس، و «أسباب النزول» للواحدي (ص 31) ، و «أسباب النزول» للسيوطي (ص 27) . (3) ورد من حديث أبي هريرة، وحديث عبدُ اللَّه بن عمرو بن العاص، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة، وطلق بن علي. فأما حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود (2/ 345) في العلم، باب كراهية منع العلم (3658) ، والترمذي (5/ 29) في العلم، باب ما جاء في كتمان العلم (2649) ، وابن ماجه (1/ 96) في «المقدمة» ، باب من سئل عن علم فكتمه (261) ، وأحمد في «المسند» (2/ 263، 305، 344، 353، 495) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (9/ 55) ، والطيالسي (2534) ، وأبو يعلى (11/ 268) ، برقم (6383) ، وابن حبان (95- موارد) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (432) ، من طريقين: حماد بن سلمة، وعمارة بن زاذان، وعن علي بن الحكم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن. وقال العقيلي في «الضعفاء» (1/ 74) ، إسناده صالح. وقال الذهبي في «الكبائر» (ص 122) : إسناده صحيح، رواه عطاء بن أبي هريرة. وقال الحافظ في «القول المسدد» ص 45 بعد ما أورد الحديث من طريق أبي داود: والحديث وإن لم-

_ - يكن في نهاية الصحة. لكنه صالح للحجة. وأخرجه أحمد (2/ 296، 499، 508) ، وابن أبي شيبة (19/ 55) ، والخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (2/ 268) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (134، 135) ، من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عطاء به. وأخرجه الحاكم (1/ 101) من طريق القاسم بن محمد بن حماد، عن أحمد بن عبد الله، عن محمد بن ثور، عن ابن جريج قال: جاء الأعمش إلى عطاء فسأله عن حديث فحدثه، فقلنا له: تحدث هذا وهو عراقي؟ قال: لأني سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ممن سئل....» فذكره. وقال الحاكم: هذا حديث تداوله الناس بأسانيد كثيرة، تجمع ويذاكر بها. وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي. وتعقبه العراقي كما في «شرح الإحياء» رقم 56 بقوله: لا يصح من هذا الطريق لضعف القاسم بن محمد بن حماد الدلال الكوفي. قال الدارقطني: حدثنا عنه وهو ضعيف. فلهذا لم أخرجه من هذا الوجه. قال الدارقطني في الجزء السابع من «الأفراد» : وإنما يعرف هذا من حديث علي بن الحكم، عن عطاء، عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي في «المدخل» (574) ، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (1/ 238) برقم (140) ، من طريق سماك بن حرب، عن عطاء به. وقال البغوي: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (4/ 410) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (137) ، من طريق الحسن بن شعيب قال نا إسماعيل بن إبراهيم نا صغدي بن سنان، عن ابن جريج عن عطاء به. وقال ابن الجوزي (1/ 106) : صغدي، قال يحيى: ليس بشيء. وأخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 114) ، وابن عدي في «الكامل» (4/ 1395) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل» (136) ، من طريق صدقة بن موسى الدقيقي عن مالك بن دينار، عن عطاء به. قال الطبراني، وابن عدي: لم يروه عن مالك غير صدقة. ونقل ابن الجوزي قول يحيى في صدقة: ليس بشيء. وأخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (6) ، وابن الجوزي في «العلل» (140) ، وابن عدي في «الكامل» (4/ 1596) ، من طريقين عن ليث بن أبي سليم عن عطاء به. وقال ابن عدي: وهذا لا أعلم رفعه عن ليث غير عبد الرحمن بن أبي الجويني- الراوي عنه عنده، وعند ابن عبد البر- ورواه جرير الرازي، وغيره عن ليث موقوفا. وأخرجه ابن ماجة (1/ 98) في «المقدمة» ، باب من سئل عن علم فكتمه (266) ، والعقيلي (1/ 74) من طريق إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسي، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به. وقال الحافظ العراقي في «الشرح» : وله طريق آخر صحيح من رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة أورده ابن ماجة. وقال العلامة ابن القيم في «تهذيب السنن» (5/ 251) : وهؤلاء كلهم ثقات، وعزاه لابن خزيمة أيضا. وقال العقيلي في ترجمة الكرابيسي: ليس لحديثه أصل مسند، إنما هو موقوف من حديث ابن عون. أما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه ابن حبان (96- موارد) ، وابن عبد البر (8) ، والحاكم-[.....]

قال ابن العربيِّ «1» : وللآية تحقيقٌ، وهو أن العَالِمَ إِذا قصد الكتمانَ، عصى، وإِذا لم يقصده، لم يلزمْهُ التبليغُ، إذا عرف أن معه غيره، وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدِّثان بكلِّ ما سمعا من النبيِّ صلّى الله عليه وسلم إِلاَّ عند الحاجةِ، وكان الزُّبَيْرُ أقلَّهم حديثاً، ثم قال ابنُ العَرَبِيِّ: فأما من سئل، فقد وجَبَ عليه التبليغُ لهذه الآية، وأما إِن لم يُسْأل، فلا يلزمُ التبليغ إِلا في القرآن وحْده، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم في فضيلةِ التبْلِيغِ بأنَّه قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» «2» انتهى من «أحكام القرآن» .

_ - في المستدرك» (1/ 102) ، والخطيب في «التاريخ» (5/ 38- 39) ، وابن المبارك في «الزهد» (119) ، والبيهقي في «المدخل» (575) ، وابن الجوزي في «العلل» (123) ، من طرق عن ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش بن عباس، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو رفعه به. وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، وقال ابن الجوزي: فيه عبد الله بن وهب الفسوي قال ابن حبان: دجال يضع الحديث. وقال المنذري في «المختصر» (5/ 251) : وهذا إسناد صحيح. وقد ظن أبو الفرج بن الجوزي أن هذا هو ابن وهب النسوي الذي قال فيه ابن حبان: يضع الحديث، فضعف الحديث به، وهذا من غلطاته، بل هو ابن وهب الإمام العلم، والدليل عليه: أن الحديث من رواية أصبغ بن الفرج، ومحمد بن عبد الله بن الحكم، وغيرهما من أصحاب ابن وهب عنه. والنسوي متأخر. من طبقة يحيى بن صاعد. والعجب من أبي الفرج كيف خفي عليه هذا؟ وقد ساقها من طريق أصبغ، وابن عبد الحكم، عن ابن وهب. وقال الهيثمي في «المجمع» (1/ 166) . رواه الطبراني في «الكبير» ، و «الأوسط» ، ورجاله موثقون. وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الخطيب في «التاريخ» (6/ 77) ، وابن عبد البر (9) ، وابن عدي في «الكامل» (3/ 1062، 1293، 6/ 2174) ، وابن الجوزي في «العلل» (115- 118) ، وابن حبان في «المجروحين» (3/ 97) من طرق عنه. وعزاه الهيثمي في «المجمع» (1/ 163) للطبراني في «الكبير» ، و «الأوسط» ، وقال في إسناد «الكبير» : سوار بن مصعب وهو متروك، وفي إسناد «الأوسط» : النضر بن سعيد ضعفه العقيلي. (1) ينظر: «الأحكام» (1/ 49) . (2) ورد من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم، فأما حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي (5/ 33) في «العلم» ، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2657، 2658) ، وابن ماجة (1/ 85) في «المقدمة» ، باب من بلغ علما (232) ، والحميدي في «مسنده» (88) ، وأحمد (1/ 437) ، والشافعي في «مسنده» (1/ 16) ، وأبو يعلى (26/ 5، 5296) ، وابن حبان (74، 75، 76) موارد، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» برقم (6، 7، 8) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (188، 189، 190، 191) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 331) ، والخطيب في «الكفاية» (ص 173) ، وفي «شرف أصحاب الحديث» . ص (18، 19) ، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (1/ 15- 16، 43) ، وفي «الدلائل» (6/ 540) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1419، 1420) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 9، 10) ، وأبو الشيخ في «الأمثال» (204) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (2/ 90) ، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص 322 من طرق عنه. -

والْبَيِّناتِ وَالْهُدى: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم ثم يعمُّ بعدُ كلَّ ما يكتم من خير، وفِي الْكِتابِ يراد به التوراةُ والإنجيلُ، ويدخل القرآن في عموم الآية. واختلف في «اللاَّعِنينَ» . فقال قتادة، والربيع: الملائِكةُ والمؤمنون «1» ، وهذا ظاهرٌ واضحٌ، وقيل: الحشرات والبهائمُ «2» ، وقيل: جميع المخلوقات ما عدا الثقلين الجنّ

_ - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود (2/ 346) ، في «العلم» ، باب فضل نشر العلم (3660) ، والترمذي (2656) ، وابن ماجة (230) ، وأحمد (5/ 183) ، وابن حبان (72- 73) موارد، والدارمي (1/ 75) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (2/ 232) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (184، 185، 186، 187) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (94) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 11) ، والرامهرمزي (3، 4) ، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص 17، 18) ، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/ 71) . وقال الترمذي: حديث حسن. وأما حديث جبير بن مطعم: فأخرجه ابن ماجة (231) ، وأحمد (4/ 80، 82) ، والدارمي (1/ 74- 75) ، والطبراني في «الكبير» (1541) ، وأبو يعلى في «مسنده» (7413) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1421) ، والطحاوي في «المشكل» (2/ 232) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 10) ، وابن حبان في «المجروحين» (1/ 4- 5) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (195) ، والحاكم في «المستدرك» (1/ 87) ، من طرق عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه. وأخرجه ابن ماجة (231) ، والطبراني في «الكبير» (1542) ، والطحاوي في «المشكل» (2/ 232) ، من طريق ابن إسحاق، وعن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن محمد بن جبير به. وقال البوصيري في «الزوائد» (1/ 99) : هذا إسناد ضعيف لضعف عبد السلام ... وأخرجه الطبراني (1543) ، وابن أبي حاتم (1/ 10) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن أبي عمرو، عن محمد بن جبير، عن أبيه به. وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (7414) ، والحاكم (1/ 87- 88) ، من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبير به. وتابعه عليه إسماعيل بن جعفر، عن عمرو به، أخرجه الدارمي في «سننه» (1/ 74) . وأخرجه الطبرانيّ (1544) ، والحاكم (1/ 87) من طريق نعيم بن حماد قال: ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن جبير. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (1) أخرجه الطبري (2/ 59) برقم (2393- 2394- 2395) ، عن قتادة، والربيع، وذكره ابن عطية (1/ 231) ، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 65) عن قتادة بلفظ: «الملائكة» . (2) أخرجه الطبري (2/ 58) برقم (2385 إلى 2392) عن مجاهد، وعكرمة، أما الأخبار التي عن مجاهد رويت بأسانيد مختلفة. وذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 231) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 134) عن مجاهد.

[سورة البقرة (2) : الآيات 161 إلى 162]

والإِنْسَ «1» ، وهذان القولانِ لا يقتضيهما اللفظُ، ولا يثبتان إلا بسندٍ يقطعُ العُذْر، ثم استثنى اللَّه سبحانه التائبين. وَأَصْلَحُوا، أي: في أعمالهم وأقوالهم. وَبَيَّنُوا، أي: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم. [سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 162] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ... الآية: هذه الآية محكمةٌ في الذين وَافَوْا على كفرهم، واختلف في معنى قوله: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: والكُفَّار لا يلعنُون أنفسهم. فقال قتادة، والربيع: المراد ب النَّاسِ: المؤمنون خاصَّة «2» ، وقال أبو العالية: معنى ذلك في الآخرة «3» . وقوله: خالِدِينَ فِيها، أي: في اللعنة، وقيل: في النار، وعاد الضمير علَيْها، وإِن لم يَجْرِ لها ذكر لثبوتها في المعنى. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرون عن العذاب، ويحتمل أن يكون من النّظر 41 أنحو قوله تعالى: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ/ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران: 77] والأول أظهر لأن النظر بالعين إنما يعدَّى ب «إلى» إلا شاذًّا في الشعر. [سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 60) برقم (2396) ، وإسناد هذا الخبر: «حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط عن السدي قال: قال البراء بن عازب ... » ثم ذكر الخبر بنحوه. (2) أخرجه الطبري (2/ 62) برقم (2400- 2401) بإسنادين مختلفين أحدهما: عن قتادة، والآخر عن الربيع. وذكره ابن عطية (1/ 232) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 298) عن قتادة. (3) أخرجه الطبري (2/ 62) برقم (2402) بلفظ: «إن الكافر يوقف يوم القيامة، فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون» . وذكره ابن عطية (1/ 232) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 134) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 298) ، وعزاه لابن جرير.

وقوله تعالى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ ... الآية: إِعلام بالوحدانيّة. قال عطاءٌ: لما نزلَتْ هذه الآية بالمدينَةِ، قال كفَّار قريشٍ بمكَّة: ما الدليلُ على هذا، وما آيته، وعلامته «1» ؟ ونحوه عن ابن المُسَيَّب «2» ، فنزل عنْد ذلك قولُه تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الآية، أي: في اختراعها وإنشائها. وَالنَّهارِ: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يقضي بذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَسَوَادُ الَّليْلِ» «3» ، وهذا هو مقتضى الفقْهِ في

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 232) . (2) المصدر السابق. (3) ورد ذلك من حديث عدي بن حاتم، وسهل بن سعد: فأما حديث عدي بن حاتم: فأخرجه البخاري (4/ 157) في الصوم: باب قول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... ، وفي (8/ 31) في التفسير، باب: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... (4509) ، ومسلم (2/ 766) في الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (33- 1090) ، وأبو داود (1/ 717) في الصيام، باب في وقت السحور (2349) ، والترمذي (5/ 195) في التفسير: باب ومن سورة البقرة (2970، 2971) ، وأحمد (4/ 377) ، وابن أبي شبية في «مصنفه» (3/ 289) برقم (9079) ، وابن جرير في «تفسيره» (2989) ، والدارمي (2/ 5، 6) ، في الصوم، باب متى يمسك المتسحر من الطعام والشراب، والطبراني في «الكبير» (17/ 79، 80) برقم (176) ، والبيهقي (4/ 215) من طريق الشعبي، عن عدي بن حاتم به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 360) ، فزاد في نسبته إلى سفيان بن عيينة، وسعيد بن منصور، وابن المنذر. وأخرجه البخاري في التفسير (4510) ، والنسائي (4/ 148) في الصيام: باب قول الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وابن جرير (2989) ، والطبراني (177، 178) من طريق مطرف عن الشعبي، عن عدي قال: قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار. وصحّحه ابن خزيمة (3/ 209) برقم (1926) ، وذكره السيوطي في «الدر» ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. وأخرجه أحمد (4/ 377) ، والطبراني في «الكبير» (172، 173، 174، 175) ، وابن جرير (2988) من طريق مجالد: حدثني عامر حدثني عدي بن حاتم. قال: علمني رسول الله صلّى الله عليه وسلم الصلاة والصيام. فقال: صل كذا، وصل كذا، وصم كذا. فإذا غابت الشمس فكل واشرب، حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وصم ثلاثين يوما، إلا أن ترى الهلال قبل ذلك. فأخذت خيطين من شعر أسود وأبيض، فكنت أبصر فيهما فلا يتبين لي، فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فضحك، فقال: يا ابن حاتم، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل. وأما حديث سهل بن سعد: فأخرجه البخاري البخاري (4/ 157) في الصوم، باب قول الله تعالى: وَكُلُوا-

الأيْمَانِ ونحوها، وأما على ظاهر اللغة، وأخذه من السعة، فهو من الإِسْفَار، وقال الزَّجَّاج في «كتاب الأنوار» : أَوَّلُ النهارِ ذُرُورُ الشمسِ، قال: وزعم النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ «1» أن أول النهار ابتداءُ طلوعِ الشمسِ، ولا يعدُّ ما قبل ذلك من النَّهار. قال ع «2» : وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلم هو الحَكَم. وَالْفُلْكِ: السُّفُن، ومفرده وجمعه بلفظ واحد. وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني به الأمطارَ، وَبَثَّ: معناه: فرق، وبسط، ودَابَّةٍ: تجمع الحيوان كلّه. وتَصْرِيفِ الرِّياحِ: إِرسالها عقيماً، وملقَّحة وَصِرًّا ونَصْراً وهلاكاً وجنوباً وشَمالاً وغير ذلك، والرِّيَاحُ: جمع ريحٍ، وجاءت في القرآن مجموعةً مع الرحمة، مفردةً مع العذاب، إِلا في «يُونُسُ» في قوله سبحانَه: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: 22] وهذا، أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديثِ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إِذَا هَبَّتْ رِيحٌ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ، اجعلها رِيَاحاً، وَلاَ تَجْعَلْهَا رِيحاً» «3» ، وذلك لأن ريح العذابِ شديدة ملتئمة

_ - وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ... (1917) ، و (8/ 31) في التفسير، باب: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ... (4511) . ومسلم (2/ 767) في الصيام: باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (35/ 1091) ، والنسائي في «الكبرى» ، ذكره المزي في «تحفة الأشراف» (4/ 121) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 53) . وأبو يعلى في «مسنده» (7540) ، وابن جرير (2990) ، والبيهقي (4/ 215) في الصيام، باب الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصّائم من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ قال: فكان الرجل إذا أراد الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رئيهما، فأنزل الله بعد ذلك: مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنما يعني بذلك: اللّيل والنهار. (1) النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني، التميمي، أبو الحسن: أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، ولد ب «مرو» (من بلاد «خراسان» ) سنة 122 هـ. من مصنفاته: «الصفات» كبير، من صفات الإنسان، والبيوت، والجبال، والإبل، والغنم، والطير، والكواكب، والزروع، و «كتاب السلاح» ، و «المعاني» و «غريب الحديث» و «الأنواء» . وتوفي ب «مرو» سنة 203 هـ. ينظر: «الأعلام» (8/ 33) ، و «وفيات الأعيان» (2/ 161) ، و «غاية النهاية» (2/ 341) . [.....] (2) «المحرر الوجيز» (1/ 233) . (3) أخرجه أبو يعلى (4/ 341) رقم (2456) من طريق حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 138) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه حسين بن قيس. الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. والحديث ذكره الحافظ في «المطالب العالية» رقم (3371) ، وعزاه إلى مسدد وأبي يعلى.

[سورة البقرة (2) : الآيات 165 إلى 167]

الأجزاء، كأنها جسمٌ واحدٌ، وريح الرحمة لينة تجيء من هاهنا وهاهنا متقطِّعة، فلذلك يقال هي رياحٌ، وهو معنى نشر، وأفردت مع الفلك لأن ريح إِجراء السُّفُن، إنما هي واحدةٌ متصلة، ثم وصفت بالطِّيبِ، فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب، وهي لفظة من ذوات الواوِ، يقال: رِيحٌ، وأَرْوَاحٌ، ولا يقال: «أَرْيَاحٌ» ، وإِنما يقال: رِيَاحٌ من جِهة الكَسْرة، وطلب تناسب الياء معها، وقد لُحِّن في هذه اللفظة عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ «1» ، فاستعمل «الأَرْيَاحَ» في شعره، ولُحِّنَ في ذلك، وقال له أبو حَاتِمٍ «2» : إِنَّ الأرياحَ لا يجوزُ، فقال: أما تَسْمَعُ قولهم: رِيَاح، فقال أبو حَاتِمٍ: هذا خلافُ ذلك، فقال: صدَقْتَ، ورَجَع. وَالسَّحابِ: جمع سحابَةٍ، سمي بذلك لأنه ينسحبُ، وتسخيره بعثه من مكانٍ إلى آخر، فهذه آيات. [سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً ... الآية: النّدّ: النظير،

_ (1) عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ بِلاَلِ بْنِ جَرِيرٍ بن عطية الكلبي، اليربوعي، التميمي: شاعر مقدم، فصيح. من أهل «اليمامة» . كان يسكن بادية «البصرة» ، ويزور الخلفاء من بني العباس، فيجزلون صلته. وبقي إلى أيام الواثق، وعمي قبل موته. وهو من أحفاد جرير الشاعر. وكان النحويون في البصرة يأخذون اللغة عنه. له أخبار. وهو القائل: [الطويل] «بدأتم فأحسنتم، فأثنيت جاهدا ... وإن عدتم أثنيت، والعود أحمد» والقائل: [الطويل] «وما النفس إلا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها» وجمع من نظمه «ديوان شعر» حققه ونشره شاكر العاشور. ينظر: «الأعلام» (5/ 37) ، و «تاريخ بغداد» (12/ 282) . (2) سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني: من كبار العلماء باللغة والشعر؟ من أهل «البصرة» كان المبرد يلازم القراءة عليه. له نيف وثلاثون كتابا، منها كتاب «المعمرين» ، و «النخلة» ، و «ما تلحن فيه العامة» ، و «الشجر والنبات» ، و «الطير» و «الأضداد» ، و «الوحوش» ، و «الحشرات» ، و «الشوق إلى الوطن» ، و «العشب والبقل» ، و «الفرق بين الآدميين وكل ذي روح» ، و «المختصر» في النحو على مذهب الأخفش وسيبويه. وله شعر جيد. ينظر: «الأعلام» (3/ 143) ، و «الفهرست» لابن النديم (1/ 58) ، و «الوفيات» (1/ 218) .

والمقاوم، قال مجاهد، وقتادة: المراد بالأنداد: الأوثانُ «1» كَحُبِّ اللَّهِ، أي: كحبِّكم للَّه، أو كحبِّهم حسبما قَدَّر كلَّ وجه منْها فرقةٌ، ومعنى: كَحُبِّهِمْ، أي: يسوُّون بين محبَّة اللَّه، ومحبَّة الأوثان، ثم أخبر أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للَّه، لإِخلاصهم، وتيقُّنهم الحق. وقوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أي: ولو ترى، يا محمَّد، الذين ظلموا في حال رؤيتهمُ العذابَ، وفزعهم منْه، واستعظامِهِمْ له، لأقرُّوا أن القوة للَّه، أو لعلمتَ أنَّ القوَّة للَّه جميعاً، فجواب «لَوْ» : مضمَرٌ على التقديرين «2» ، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ علم

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 71) برقم (2414- 2415) بإسنادين مختلفين أحدهما: عن قتادة، ومجاهد بلفظ: «من الكفار لأوثانهم» . وذكره ابن عطية (1/ 234) والسيوطي في «الدر» (1/ 303- 304) . (2) جواب «لو» محذوف، واختلف في تقديره، ولا يظهر ذلك إلا بعد ذكر القراءات الواردة في ألفاظ هذه الآية الكريمة: قرأ ابن عامر ونافع: «ولو ترى» بتاء الخطاب، «أن القوة» و «أن الله» بفتحهما، وقرأ ابن عامر: «إذ يرون» بضم الياء، والباقون بفتحهما. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون: «ولو يرى» بياء الغيبة، «أنّ القوة» و «أنّ الله» بفتحهما، وقرأ الحسن وقتادة وشيبة ويعقوب وأبو جعفر: «ولو ترى» بالخطاب، «إنّ القوة» و «إن الله» بكسرهما، وقرأت طائفة: «ولو يرى» بياء الغيبة، «إن القوة» و «إن الله» بكسرهما. إذا تقرّر ذلك فقد اختلفوا في تقدير جواب لو، فمنهم من قدّره قبل قوله: «أن القوة» ومنهم من قدّره بعد قوله: «وأنّ الله شديد العذاب» وهو قول أبي الحسن الأخفش والمبرد. أمّا من قدّره قبل «أنّ القوة» فيكون «أنّ القوة» معمولا لذلك الجواب. وتقديره على قراءة ترى- بالخطاب- وفتح أنّ وأنّ: لعلمت أيها السامع أنّ القوة لله جميعا، والمراد بهذا الخطاب: إمّا النبيّ عليه السلام وإمّا كلّ سامع. وعلى قراءة الكسر في «إنّ» يكون التقدير: لقلت إنّ القوة لله جميعا، والخلاف في المراد بالخطاب كما تقدّم، أو كون التقدير: لاستعظمت حالهم، وإنما كسرت «إنّ» لأنّ فيها معنى التعليل نحو قولك: لو قدمت على زيد لأحسن إليك إنّه مكرم للضّيفان، فقولك: «إنه مكرم للضّيفان» علّة لقولك: «أحسن إليك» . وقال ابن عطية: «تقديره: ولو ترى الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقرّوا أنّ القوة لله جميعا» . وناقشه الشيخ فقال: «كان ينبغي أن يقول: في وقت رؤيتهم العذاب فيأتي بمرادف «إذ» وهو الوقت لا الحال، وأيضا فتقديره لجواب «لو» غير مرتّب على ما يلي «لو» لأنّ رؤية السامع أو النبي عليه السلام الظالمين في وقت رؤيتهم لا يترتّب عليها إقرارهم بأنّ القوة لله جميعا، وهو نظير قولك: «يا زيد لو ترى عمرا في وقت ضربه لأقرّ أنّ الله قادر عليه» فإقراره بقدرة الله ليست مترتبة على رؤية زيد. انتهى. وتقديره على قراءة «يرى» بالغيبة: لعلموا أن القوة، إنّ كان فاعل «يرى» «الذين ظلموا» ، وإن كان ضميرا يعود على السامع فيقدّر: لعلم أنّ القوة. وأمّا من قدّره بعد قوله: شديد العذاب فتقديره على قراءة «ترى» بالخطاب: لاستعظمت ما حلّ بهم، ويكون فتح «أنّ» على أنه مفعول من أجله، أي: لأنّ القوة لله جميعا، وكسرها على معنى التعليل نحو: «أكرم زيدا إنه عالم، وأهن عمرا إنّه جاهل» ، أو تكون جملة معترضة بين «لو» وجوابها المحذوف. وتقديره على قراءة «ولو يرى» بالغيبة إن كان فاعل «يرى» ضمير السامع: لاستعظم ذلك، وإنّ كان فاعله-

ذَلِكَ، ولكنْ خوطبَ، والمرادُ أمته. وقرأ حمزةُ وغيره «1» بالياء، أي: ولو يرى في الدنيا الذين ظلموا حالَهُمْ في الآخرة، إِذ يرون العذاب، لعلموا أن القوة لله. والَّذِينَ اتُّبِعُوا بفتح التاء والباء: هم العَبَدة لغير اللَّه الضالُّون المقلِّدون لرؤسائهم، أو للشياطينِ، وتبرِّيهم هو بأنْ قالوا إِنا لم نضلَّ هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم. والسَّبَبُ في اللغة: الحبلُ الرابط الموصِّل، فيقال في كلِّ ما يتمسَّك به فَيَصِلُ بين شيئين، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، أي: الأتباع. والكَرَّة: العودة إِلى حال قد كانَتْ كذلك، يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ ... الآيةَ: يحتمل

_ - «الذين» كان التقدير: لا ستعظموا ما حلّ بهم، ويكون فتح «أنّ» على أنها معمولة ليرى، على أن يكون الفاعل «الذين ظلموا» ، والرؤية هنا تحتمل أن تكون من رؤية القلب فتسدّ «أنّ» مسدّ مفعولهما، وأن تكون من رؤية البصر فتكون في موضع مفعول واحد. وأمّا قراءة «يرى الذين» بالغيبة وكسر «إنّ» و «إنّ» فيكون الجواب قولا محذوفا وكسرتا لوقوعهما بعد القول، فتقديره على كون الفاعل ضمير الرأي: لقال إنّ القوة وعلى كونه «الذين» : لقالوا، ويكون مفعول «يرى» محذوفا أي: لو يرى حالهم. ويحتمل أن يكون الجواب: لاستعظم أو لا ستعظموا على حسب القولين، وإنما كسرتا استئنافا، وحذف جواب «لو» شائع مستفيض، وكثر حذفه في القرآن. وفائدة حذفه استعظامه وذهاب النفس كلّ مذهب فيه بخلاف ما لو ذكر، فإنّ السامع يقصر همّه عليه، وقد ورد في أشعارهم ونثرهم حذفه كثيرا. قال امرؤ القيس: [الطويل] وجدّك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا وقال النابغة: [الطويل] فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلّا ليال قلائل ينظر: «الدر المصون» (1/ 428- 429) ، و «البحر المحيط» (1/ 645- 646) . (1) قراءة أهل مكة والكوفة وأبي عمرو بالياء التحتية «يرى» ، وهو اختيار أبي عبيد. وقراءة أهل المدينة وأهل الشام بالفوقية. والمقصود بأهل مكة: ابن كثير، وأهل الكوفة: عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وأبو عامر بالياء التحتية، وابن جماز عن أبي جعفر، وليس من أهل الشام من يقرأ بياء الغيبة، والمقصود به ابن عامر. وأما الذين يقرءون بتاء الخطاب، فهم: نافع، وابن وردان عن أبي جعفر، ويعقوب البصري. والمخاطب: السامع، أو الرسول صلّى الله عليه وسلم. و «الذين» مفعول به. أما اختيار أبي عبيد لإحدى القراءتين فلا يطعن في الأخرى لأن القراءة سنة متبعة. ينظر: «حجة القراءات» (120) ، و «السبعة» (173) ، و «الحجة» (2/ 258) ، و «العنوان» (72) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 80) ، و «معاني القراءات» (1/ 186) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 425) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 168 إلى 170]

أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي: يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ارتكبوها. وقال ابنُ مَسْعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها «1» ، والحَسْرَة: أعلى درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ الذي انقطع، وذهبت قوَّته، وقيل: من حَسَر، إِذا كشف. [سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 170] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (169) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ... الآية: الخطابُ عامٌّ، و «ما» بمعنى «الَّذِي» ، «وحَلاَلاً» : حال من الضمير العائد على «مَا» ، و «طَيِّباً» : نعتٌ، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في «كُلُواْ» ، تقديره: مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك: الحلال فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ: المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ. قال الفَخْر «2» : الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد. انتهى. وخُطُواتِ: جمع خطوةٍ، والمعنى: النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه. قال ابن عَبَّاس: خطواته: أَعماله «3» ، وقال غيره: آثاره «4» . ع «5» : وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطوات الشيطان.

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 236) عن ابن مسعود، والسدي. (2) ينظر: «التفسير الكبير» (5/ 3) . (3) أخرجه الطبري (2/ 81) برقم (2446) بلفظ: «عمله» ، وذكره ابن عطية في التفسير (1/ 237) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 305) . (4) ينظر: «المحرر» (1/ 237) . (5) ينظر: «المحرر» (1/ 237) .

[سورة البقرة (2) : آية 171]

وعَدُوّ: يقع للمفرد والمثنى والجمع. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ ... الآية: «إنما» هاهنا: للحصر، وأمر الشيطان: إما بقوله في زَمَن الكهنة، وإما بوسوسته. والسوء: مصدرٌ من: سَاءَ يَسُوءُ، وهي المعاصِي، وما تسوء عاقبته، وَالْفَحْشاءِ: قيل: الزنا، وقيل: ما تفاحَشَ ذكره، وأصل الفُحْش: قُبْحِ المنظر، ثم استعملت اللفظة فيما يستقبحُ، والشَّرْعُ: هو الذي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فكُّل ما نهتْ عنه الشريعةُ، فهو من الفحشاء. وما لاَ تَعْلَمُونَ: قال الطبري «1» : يريد: ما حرموا من البَحِيرة، والسِّائبة، ونحوها، وجعلوه شرعاً. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ، يعني: كفَّارَ العرب، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في اليهود «2» ، والألفُ في قوله سبحانه: أَوَلَوْ كانَ: للاستفهامِ لأن غاية الفساد في الاِلتزامِ أنْ يقولوا: نتبع آباءنا، ولو كانوا لا يعقلون، فقُرِّرُوا على التزامهم هذا إذ هذه حال آبائهم. وقوةُ ألفاظ هذه الآية تُعطِي إِبْطَال التقليد، وأجمعتِ الأمَّة على إبطاله في العقائد. [سورة البقرة (2) : آية 171] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: المرادُ تشبيهُ واعظِ الكافرينَ، وداعِيهِمْ بالراعي الذي يَنْعِقُ بالغَنَمِ أو الإِبل، فلا تسمع إِلا دعاءه، ونداءه، ولا تَفْقَهُ ما يقول هكذا فسر ابن عباس، وعكْرمة، والسُّدِّيُّ «3» ، وسيبويه «4» ، فذكَرَ تعالى بعْضَ هذه الجملة، وبعضَ هذه، ودَلَّ المذْكُور على المحذوفِ، وهذه نهايةُ الإِيجاز. والنَّعِيقُ: زجْر الغَنَم، والصِّيَاحُ بها.

_ (1) «تفسير الطبري» (3/ 303) . [.....] (2) أخرجه الطبري (2/ 83) ، برقم (2455) ، وذكره ابن عطية (1/ 238) ، وابن كثير (1/ 204) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 84- 85) عن ابن عباس، والسدي، وعكرمة، وكذا أخرجه سفيان الثوري في «التفسير» (1/ 55) عن عكرمة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 228) ، وابن كثير في «التفسير» (1/ 204) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 306- 307) . (4) ينظر: «الكتاب» (1/ 108) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 172 إلى 173]

[سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 173] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ ... الآية: الطَّيِّب: هنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض «مِنْ» إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنى: في كل حالةٍ، وفي «مصابيح البَغَوِيِّ» عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» «1» . انتهى. قال القُشَيْرِيُّ: قال أهل العلْمِ بالأصول: نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن: نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ: ما أولاهم، ونعمةُ الدفع: ما زوى عنهم، وليس كلّ إنعامه

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 653) ، كتاب «صفة القيامة» ، باب (43) رقم (2486) ، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، ثنا محمد بن معن، حدثني أبي عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بن مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه الحاكم (4/ 136) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن محمد بن معن به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن حبان (952- موارد) من طريق معتمر بن سليمان، عن معمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به. وهذا سند منقطع كما أفاد الحافظ في «الفتح» (9/ 583) ، وقال: لكن في الرواية انقطاع خفي على ابن حبان، فقد رويناه في مسند مسدد عن معتمر، عن معمر، عن رجل من بني غفار عن المقبري اهـ. والطريق الذي ذكره الحافظ وعزاه لمسدد: أخرجه عبد الرزاق (10/ 424) رقم (19573) ، وأحمد (2/ 283) ، والبيهقي (4/ 306) كتاب «الصيام» ، باب ما جاء في الطاعم الشاكر. كلهم من طريق معمر عن رجل من بني غفار، عن المقبري، عن أبي هريرة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: فأخرجه أحمد (2/ 289) ، والحاكم (4/ 136) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي حرة عن عمه حكيم عن سليمان الأغر عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجة (1/ 561) كتاب «الصيام» ، باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر، حديث (1764) من طريق عبد الله بن عبد الله الأموي، عن معن بن محمد عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة به. وللحديث شاهد آخر من حديث عائشة: أخرجه الحاكم (2/ 12) من طريق عبد العزيز بن يحيى: ثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «ليس بالمؤمن الذي يبيت وجاره جائع إلى جنبه» . وسكت عنه الحاكم، وقال الذّهبي: عبد العزيز ليس بثقة. وقال ابن حجر في «التقريب» (1/ 523) : متروك كذبه إبراهيم بن المنذر.

سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا. انتهى من «التَّحْبير» . وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمى ب «بهجة المجالس» . قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً على ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حتى يُغْفَرَ لَهُ» «1» قال أبو عُمَر: مكتوبٌ في التوراةِ: «اشكر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ، إِذَا شُكِرَتْ، وَلاَ مُقَامَ لَهَا، إِذَا كُفِرَتْ» . انتهى. «وإِنْ» من قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس كما تقول: افعل كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلاً، و «إِنَّمَا» هاهنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنى مخصِّص لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البزّار عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَثَمَنَهُ» «2» انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» للإمام أبي العباس أحمد بن سعد التّجيبيّ.

_ (1) تقدم تخريجه. (2) لقد أبعد المصنف (رحمه الله) النجعة في هذا الحديث، حيث إن هذا الحديث بهذا اللفظ قد أخرجه أبو داود (2/ 301) كتاب «البيوع» ، باب في ثمن الخمر والميتة، حديث (3485) من حديث أبي هريرة مرفوعا. وللحديث شاهد من حديث جابر: أخرجه البخاري (4/ 424) كتاب «البيوع» ، باب بيع الميتة: والأصنام حديث (2236) ، ومسلم (3/ 1207) كتاب «المساقاة» ، باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام حديث (71/ 1581) ، وأحمد (3/ 324، 326) ، وأبو داود (3/ 756- 757) كتاب «البيوع» ، باب في ثمن الخمر، والميتة حديث (3486) . والترمذي (3/ 591) كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، حديث (1297) ، والنسائي (7/ 309- 310) ، كتاب «البيوع» ، باب بيع الخنزير، وابن ماجة (2/ 732) ، كتاب «التجارات» ، باب ما لا يحل بيعه حديث (2167) ، وأبو يعلى (3/ 395- 396) رقم (1873) ، وابن الجارود (578) ، والبيهقي (6/ 12) كتاب «البيوع» ، باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير والأصنام. والبغوي في «شرح السنة» (4/ 218- بتحقيقنا) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، ويحيى بن عباد، وأنس بن مالك: حديث عمر بن الخطاب: أخرجه البخاري (4/ 483) كتاب «البيوع» باب لا يذاب شحم الميتة ويباع ودكه، حديث (2223) ، -

وَالدَّمَ يراد به المسفوحُ لأن ما خالط اللحْمَ، فغير محرَّم بإِجماع. ت: بل فيه خلافٌ شاذٌّ، ذكره ابن الحاجبِ، وغيره، والمشهورُ: أظهر لقول

_ - ومسلم (3/ 1208) كتاب «المساقاة» ، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، حديث (1/ 1852) ، والنسائي (7/ 177) ، كتاب «الفرع والعتيرة» ، باب النهي عن الانتفاع بما حرم الله (عز وجل) . وابن ماجة (2/ 1122) ، كتاب «الأشربة» ، باب التجارة في الخمر، حديث (3383) . والدارمي (2/ 115) كتاب «الأشربة» ، باب النهي عن الخمر وشرائها. وأحمد (1/ 25) ، والحميدي (1/ 9) رقم (13) ، وعبد الرزاق (8/ 195- 196) رقم (14854) ، وابن الجارود رقم (577) ، وأبو يعلى (1/ 178) رقم (200) . والبغوي في «شرح السنة» (4/ 220- 221- بتحقيقنا) كلهم من طريق طاوس، عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» . حديث ابن عباس: أخرجه أحمد (1/ 347، 293) ، وأبو داود (2/ 2- 3) ، كتاب «البيوع» ، باب في ثمن الخمر والميتة حديث (3488) ، والبيهقي (6/ 13) كتاب «البيوع» ، باب تحريم بيع ما يكون نجسا لا يحل أكله. كلهم من طريق أبي الوليد، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم جالسا عند الركن قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: «لعن الله اليهود.. ثلاثا، إن الله تعالى حرم عليهم الشّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» . حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (4/ 484) كتاب «البيوع» ، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع، ودكه حديث (2224) ، ومسلم (3/ 1208) كتاب «المساقاة» ، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، حديث (1583) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «قاتل الله يهودا حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها» . حديث عبد الله بن عمر: أخرجه أحمد (2/ 213) عنه، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عام الفتح يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن به الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: «لا، هي حرام» ، ثم قال: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوها، ثم باعوها، فأكلوا ثمنها» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 94) ، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» ، إلا أنه قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، وثمن الخنزير، وعن مهر البغي، وعن عسب الفحل. ورجال أحمد ثقات وإسناد الطبراني حسن. حديث يحيى بن عباد: ذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 92) عنه، قال: أهدي للنبي صلّى الله عليه وسلم زق خمر بعد ما حرمت فلما أتي بها النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: «إنّ الخمر قد حرمت» ، فقال بعضهم: لو باعوها فأعطوا ثمنها فقراء المسلمين، فأمر بها النبي صلّى الله عليه وسلم فأهريقت في وادي من أودية «المدينة» ، وقال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم شحومها فباعوها، وأكلوا أثمانها» . قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه أشعث بن سوار، وهو ثقة، وفيه كلام. -

عائشةَ- رضي اللَّه عنها-: «لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ» . انتهى. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. قال ابن عبَّاس وغيره: المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان «1» ، وأُهِلَّ بِهِ: معناه صِيحِ به ومنه: استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ باسم المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال قتادة وغيره: غيْرَ قاصدِ فسادٍ «2» وتعدٍّ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره: المعنى: غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم، فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي الرخصة «3» .

_ - حديث أنس بن مالك: أخرجه أحمد (3/ 217) ، وأبو يعلى (5/ 382) رقم (3042) . وابن حبان (1119- موارد) ، من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفه» (9/ 211- 212) رقم (16970) ، من حديث أنس بن مالك مرفوعا بلفظ: «قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها» . (1) أخرجه الطبري (2/ 90) برقم (2479- 2481) بإسنادين مختلفين عن ابن عباس بنحوه، وذكره ابن عطية (1/ 240) والسيوطي في «الدر» (1/ 308) ، وعزاه لابن المنذر، وابن جرير. (2) أخرجه الطبري (2/ 92) برقم (2495) بنحوه. وذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 240) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 141) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 308) ، وعزاه لعبد بن حميد. (3) الرخصة (بسكون الخاء وحكي ضمها) في اللغة: التيسير والتسهيل. قال الجوهري: الرخصة في الأمر: خلاف التشديد فيه، ومن ذلك رخص الشعر إذا سهل وتيسر. وفي الاصطلاح: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر. وتنقسم الرخصة إلى أربعة أقسام: الأول: الإيجاب، ويمثل له بوجوب أكل الميتة للمضطر الثابت بقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] مع قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: 173] على خلاف قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... [المائدة: 3] إلخ فهو رخصة لأنه حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر هو حفظ الحياة. الثاني: الندب، كقصر الصلاة الرباعية في السفر الثابت بقوله صلّى الله عليه وسلم: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» على خلاف الدليل الموجب للإتمام، وهو فعله صلّى الله عليه وسلم مع قوله صلّى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» المبين للعدد المطلوب في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ. الثالث: الإباحة، كإباحة السلم الثابت بقوله صلّى الله عليه وسلم: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى-

قال مالك «1» - رحمه اللَّه-: يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي «الموطّإ» وهو لكثير من 42 ب العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة فيما بين يديه/ من مفازةٍ وقَفْرٍ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «2» ، وقد قال العلماء: إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ، دخل النَّار إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له. انتهى. والمعنى: أنه لم يأكلْ حتى مات جوعاً، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... [النساء: 29] الآية إِلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً [النساء: 30] قال ابن العربيِّ: وإذا دامتِ المَخْمَصة «3» ، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ: أحدهما لمالك: يأكل حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره: يأكل بمقدارِ سدّ الرّمق، وبه قال ابن حبيب «4» ،

_ أجل معلوم» على خلاف قوله صلّى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك» الدال على حرمة بيع المعدوم. للحاجة إلى هذا النوع من المعاملة. وإن شئت فارجع إلى كتب الفروع لتقف على حكمة مشرعية السلم. الرابع: خلاف الأولى، كالفطر في نهار رمضان (للمسافر الذي لا يتأذى بالصوم) المشروع بقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] على خلاف قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] دفعا للمشقة. وكان خلاف الأولى لقوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 184] . ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (1/ 325- 326) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (1/ 122) ، «التمهيد» ، للأسنوي (70) ، «نهاية السول» له (1/ 120) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 93) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (19) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 179) ، «المستصفى» للغزالي (1/ 98) ، «حاشية البناني» (1/ 119- 123) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 81) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (1/ 185) . (1) أخرجه الطبري (2/ 91- 92) بإسنادين عن مجاهد. وسعيد بن منصور في سننه (2/ 645) برقم (243) وذكره ابن عطية (1/ 240) . (2) ينظر: «الأحكام» (1/ 56) . [.....] (3) المخمصة: مفعلة من الخمص، وهو ضمور البطن، ومنه: رجل خامص، وخمصان البطن، وامرأة خمصانة، ولما كان الجوع يؤدي إلى ضمور البطن عبّر به عنه: أي فمن اضطر في مجاعة. ينظر: «عمدة الحفاظ» (1/ 617) . لأن الضرورة تقدر بقدرها، فأكل الميتة محظور، ولكن إبقاء مهجة الإنسان عند المخمصة ضرورة، وليست أقل من المحظور، فيباح المحظور لأجل الضرورة، فعليه الأكل لإبقاء روحه، فلو لم تبح الضرورات المحظورات لما تحقق الضرر، والضرر يزال. (4) ابن حبيب: هو أبو مروان عبد الملك بن حبيب، كان إماما في الحديث، والفقه، واللغة، والنحو، انتهت إليه رئاسة العلم في الأندلس، ولد في «ألبيرة» ، وسكن «قرطبة» ، وتفقه بابن الماجشون، ومطرف، وعبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم، له مؤلفات تزيد على ألف كتاب، أشهرها: «الواضحة» ، توفي عام 238 هـ، وقيل 239 هـ.

[سورة البقرة (2) : الآيات 174 إلى 176]

وابن الماجشون «1» . انتهى. [سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 176] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176) وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ... الآية. قال ابن عَبَّاس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمّد صلّى الله عليه وسلم، والْكِتابِ: التوراة والإِنجيل «2» . ع «3» : وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ على مذمَّتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ «4» بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره: سمى مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إِلى النار «5» ، وقيل: يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً. ت: وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين على تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه عزَّ وجلَّ «6» ، وقد قال تعالى لنبيِّه- عليه السلام-:

_ ينظر ترجمته في: «شجرة النور الزكية» (ص 74) ، «الديباج» (ص 154) ، «شذرات الذهب» (2/ 90) . (1) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، كنيته أبو مروان، والماجشون هو أبو سلمة، والماجشون: المورد بالفارسية، سمي بذلك لحمرة في وجهه. كان عبد الملك فقيها فصيحا، دارت عليه الفتوى في أيامه إلى أن مات، كما دارت على أبيه قبله، فهو فقيه تفقه بأبيه وبمالك، وغيرهما، وتفقه به خلق كأحمد بن المعذل، وابن حبيب، توفي عبد الملك سنة اثنتي عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: أربع عشرة ومائتين هجرية. ينظر: «الديباج المذهب» (2/ 6) ، و «ترتيب المدارك» (2/ 360) ، و «وفيات الأعيان» (2/ 340) ، و «شجرة النور الزكية» (1/ 56) . (2) أخرجه الطبري (2/ 94) برقم (2502- 2503- 2504) عن قتادة، والربيع، والسدي. وذكره ابن عطية في التفسير (1/ 241) . (3) «المحرر الوجيز» (1/ 241) . (4) الهجنة من الكلام: ما يعيبك، وتقول: لا تفعل كذا فيكون عليك هجنة. ينظر: «لسان العرب» (4625- 4626) . (5) ينظر: «المحرر» (1/ 241) . (6) «تفسير الطبري» (3/ 330) .

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ... [الأنعام: 90] الآية، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «1» ، قال: «عَلَّمْتُ نَاساً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ، وَالقُرْآنَ، وأهدى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً، فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم، فَلأسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أهدى إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ، فاقبلها» ، وَفِي روايةٍ: «فَقُلْتُ مَا ترى فِيهَا، يَا رَسُولَ اللَّهُ؟ قَالَ: جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا» «2» . انتهى. وقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: قيل: هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالى يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره: المعنى: لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ. وَلا يُزَكِّيهِمْ، أي: لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل: المعنى: لا يسمِّيهم أزكياء. وقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: قال جمهور المفسِّرين: «ما» تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي: هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [عبس: 17] وأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم: 38] .

_ (1) هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، أبو الوليد الأنصاري، الخزرجي. من مناقبه: نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [سورة المائدة: الآية 51] لما تبرأ من حلفه مع بني قينقاع لما خانوا المسلمين في غزوة الخندق. توفي سنة 34 بالرملة. وقيل: ببيت المقدس. وقيل: عاش إلى سنة «45» . ينظر ترجمته في: «الثقات» (3/ 302) ، «أسد الغابة» (3/ 160) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 394) ، «أصحاب بدر» (184) ، «الإصابة» (4/ 27) ، «الطبقات» (99، 302) ، «المصباح المضيء» (1/ 85) ، «الجرح والتعديل» (6/ 95) ، «تقريب التهذيب» (1/ 395) ، «الاستيعاب» (2/ 807) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 111) ، «التاريخ الصغير» (1/ 41، 42، 65، 66) ، «التاريخ الكبير» (6/ 92) ، «الوافي بالوفيات» (16/ 618) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 107) ، «تهذيب الكمال» (2/ 655) ، «طبقات الحفاظ» (45) ، «الأعلام» (3/ 258) ، «الرياض المستطاب» (207) . (2) أخرجه أبو داود (2/ 285) كتاب «الإجارة» ، باب في كسب المعلم، حديث (3416) ، وابن ماجة (2/ 729- 730) كتاب «التجارات» ، باب الأجر على تعليم القرآن، حديث (2157) ، وأحمد (5/ 315) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (183) من طريق المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت به.

[سورة البقرة (2) : آية 177]

وقال قتادة، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْر، والربيع: أظهر التعجُّب من صبرهم على النار لَمَّا عملوا عملَ مَنْ وَطَّن نفْسه علَيْها «1» ، وتقديره ما أجرأَهم علَى النَّارِ إِذ يعملون عملاً يؤدِّي إِليها، وذهب مَعْمَرُ بْنُ المثنى إِلى أن «ما» استفهامٌ، معناه: أيُّ شَيْءٍ صبرهم عَلَى النار «2» ، والأول أظهر. وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... الآية: المعنى: ذلك الأمر بأنَّ اللَّه نزَّل الكتابَ بالحَقِّ، فكفروا/ به، والإشارة إلى وجوب النّار لهم. والْكِتابَ: القرآن، وبِالْحَقِّ، أي: بالإخبار الحقّ، أي: الصادقة. والَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ هم اليهودُ والنصارى، في قول السُّدِّيِّ «3» ، وقيل: هم كفَّار العرب لقول بعضهم: هو سِحْرٌ، وبعضهم: أساطير، وبَعْضهم: مفترًى، إلى غير ذلك. وبَعِيدٍ، هنا: معناه من الحقّ، والاستقامة. [سورة البقرة (2) : آية 177] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) وقوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الخِطَابُ بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى: ليس البرّ الصلاة وحدها «4» ،

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 96) برقم (2508- 2509- 2510- 2511- 2512) ، عن قتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، والربيع. وذكره ابن عطية (1/ 242) ، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 66) عن قتادة بلفظ: «ما أجرأهم عليها» ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 309) عن قتادة، وعزاه لابن جرير. (2) وبه قال السدي وجماعة، كما في تفسير الطبري (3/ 332) ، عن السدي، وأبي كريب، وابن زيد، وفي «البحر» (1/ 669) عن ابن عباس والسدي، والمبرد ومعمر بن المثنى، وفي «الدر» (1/ 169) عن السدي، وفي «فتح القدير» (1/ 172) عنه أيضا. وينظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة (1/ 64) . (3) أخرجه الطبري (2/ 98) برقم (2520) وذكره ابن عطية (1/ 242) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 309) ، وعزاه لابن جرير. [.....] (4) أخرجه الطبري (2/ 99) برقم (2521- 2524) بإسنادين عن ابن عباس. وذكره ابن عطية (1/ 243) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 310) بإسنادين، عن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

وقال قتادة، والربيع: الخطاب لليهودِ والنصارى لأنهم تكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلت كل فرقة تولِّيها، فقيلَ لهم: ليس البرَّ ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ من آمن باللَّه «1» . وقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآيةَ: هذه كلُّها حقوقٌ في المال سوى الزكاةِ، قال الفَخْر «2» : وروَتْ فاطمةُ بنْتُ قَيْسٍ، أنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ «3» ، وتَلاَ: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآية، وعنه صلّى الله عليه وسلم «لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شبعان، وجاره طاويا إلى جنبه» «4» انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 99- 100) برقم (2526- 2528) عن قتادة، والربيع بن أنس، وذكره ابن عطية (1/ 243) . وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 66) عن قتادة. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 310) عن قتادة، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير. (2) «التفسير الكبير» (5/ 35) . (3) أخرجه الترمذي (3/ 48) في الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة (659، 660) . والطبري (2/ 57) ، والدارمي (1/ 385) في الزكاة، باب ما يجب في مال سوى الزكاة. والدارقطني (2/ 125) في الزكاة، باب تعجيل الصدقة قبل الحول رقم (11، 12) . والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 27) ، والبيهقي (4/ 84) في الزكاة: باب الدليل على أن من أدى فرض الله في الزكاة، فليس عليه أكثر منه إلا أن يتطوع ... من طريق شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف. وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث من قوله. وهذا أصح. وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث. والذي يرويه أصحابنا في التعاليق ليس في المال حق سوى الزكاة- فلست أحفظ فيه إسنادا. وأخرجه ابن ماجة بالإسناد السابق (1/ 570) في الزكاة، باب ما أدي زكاته ليس بكنز (1789) بلفظ: «ليس في المال حق سوى الزكاة» . وقال النووي كما في تخريج أحاديث «الكشاف» للزيعلي (1/ 107) : حديث «ليس في المال حق سوى الزكاة» حديث منكر. ثم نقل كلام البيهقي برمته. وبالجملة فالحديث كيفما كان ضعيف بأبي حمزة ميمون الأعور ضعفه الترمذي. وقال البيهقي: لا يثبت إسناده، تفرد به أبو حمزة الأعور، وهو ضعيف. ومن تابعه أضعف منه. وللفظ الأول من الحديث شاهد أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 89، 90) ، من طريق موسى بن إسماعيل، عن محمد بن راشد، عن عبد الكريم، عن حبان بن جزىء، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «في المال حق بعد الزكاة؟ قال: نعم، يحمل على النجيبة» . (4) أخرجه البزار (1/ 76- كشف) رقم (115) ، من طريق حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس مرفوعا بلفظ: «ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره طاوي» . وقال البزار: لا نعلمه، يروى عن أنس إلا من هذا الوجه. قلت: وفي كلام البزار نظر حيث إن للحديث طريقا آخر عن أنس: أخرجه الطبراني في «المعجم-

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «1» : وإِذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلَتْ بعد ذلك حاجةٌ، فإِنه يجبُ صرف المال إِليها باتفاق من العلماءِ، وقد قال مالك: يجبُ على كافَّة المسلمين فِدَاءُ أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالَهُمْ، وكذلك إِذا منع الوالي الزكاةَ، فهل يجبُ على الأغنياء إِغناءُ الفقراء؟ الصحيحُ: وجوبُ ذلك علَيْهم. انتهى. ومعنى: آتَى: أعطى على حبِّه، أي: على حبِّ المال، ويحتملُ أن يعود الضميرُ على اسْمِ اللَّه تعالى من قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، أي: من تَصَدَّقَ مَحَبَّة في اللَّه وطاعته. ص: والظاهر أن الضمير في «حُبِّهِ» عائدٌ على «المال» لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إِلاَّ بدليلٍ. انتهى. قال ع «2» : والمعنَى المقصودُ أن يتصدَّق المرءُ في هذه الوجوهِ، وهو صحيحٌ شحيحٌ يخشَى الفَقْر، ويأمل الغنى كما قال صلّى الله عليه وسلم «3» . والشحّ في هذا الحديث: هو

_ - الكبير» (1/ 259) رقم (751) ، من طريق محمد بن سعيد الأثرم، ثنا همام، ثنا ثابت، ثنا أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعانا، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به» . والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (8/ 170) ، وقال: رواه الطبراني، والبزار، وإسناد البزار حسن. والحديث ذكره أيضا المنذري في «الترغيب» (3/ 334) ، وقال: رواه الطبراني، والبزار، وإسناده حسن، وللحديث شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (110) ، وفي «التاريخ الكبير» (5/ 195، 196) ، وأبو يعلى (5/ 92) رقم (2699) ، والحاكم (4/ 167) ، والطبراني في «الكبير» (12/ 154) رقم (12741) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (10/ 392) ، كلهم من طريق سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المساور، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه» . والحديث ذكره المنذري في «الترغيب» (3/ 334) ، وقال: رواه الطبراني، وأبو يعلى ورواته ثقات. وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 170) : رواه الطبراني، وأبو يعلى، ورجاله ثقات. (1) ينظر: «الأحكام» (1/ 59) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 243) . (3) أخرجه البخاري (3/ 334) في الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (1419) ، و (5/ 439- 540) في «الوصايا» ، باب الصدقة عند الموت (2748) ، ومسلم (2/ 716) في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (92- 93/ 1032) ، وأبو داود (2/ 126) في الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (2865) ، والنسائي (5/ 68) في الزكاة، باب أي الصدقة أفضل، و (6/ 237) في الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، وابن ماجة (2/ 903) في الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة، والتبذير عند الموت (2706) . والبخاري في «الأدب المفرد» برقم (786) ، وأحمد (2/ 231، 415، 447) ، وابن خزيمة (4/ 103) برقم (2454) ، والبيهقي (4/ 190) ، والبغوي (3/ 423) برقم.

الغريزيُّ الذي في قوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: 128] وليس المعنَى أنْ يكون المتصدِّق متَّصِفاً بالشحِّ الذي هو البُخْل. وَفِي الرِّقابِ، أي: العتق، وفَكّ الأسرى. وَالصَّابِرِينَ: نصبٌ على المدح، أو على إِضمار فعْلٍ، وهذا مَهْيَعٌ «1» في تكرار النعوت. والْبَأْساءِ: الفَقْر والفاقة. وَالضَّرَّاءِ: المرض، ومصائبُ البدن، وعن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَنْ يدعى إِلَى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ «2» . انتهى من «السلاح» .

_ - (1665) ، من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ... » فذكره. (1) المهيع: هو الطريق الواسع المنبسط. ينظر: «لسان العرب» (4838) (هيع) . (2) أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (1/ 103) ، وفي «الأوسط» (4/ 44) رقم (3057) ، وفي «الكبير» (12/ 19) رقم (12345) ، وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 69) . كلهم من طريق قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا. وقال الطبراني: لم يروه عن حبيب إلا قيس بن الربيع، وشعبة بن الحجاج، عن نصر بن حماد الوراق. وقال أبو نعيم: رواه شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 98) ، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة بأسانيد، وفي أحدها قيس بن الربيع وثقه شعبة، والثوري، وغيرهما. وضعفه يحيى القطان، وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. قلت: قيس بن الربيع في سند الطبراني في معاجمه الثلاثة، وليس كما يوهم كلام الهيثمي. والحديث ضعفه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (4/ 79) ، وأعله بقيس بن الربيع، وقال: ضعفه الجمهور، وهذا الحديث قد رواه شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو نعيم. أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 103) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 84- بتحقيقنا) . كلاهما من طريق نصر بن حماد الوراق، نا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وهذا سند ضعيف جدا. نصر بن حماد قال النسائي، وغيره: ليس بثقة، ينظر «المغني» للذهبي (6609) . وتابعهما عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن حبيب. أخرجه الحاكم (1/ 502) . وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والمسعودي لم يخرج له مسلم شيئا فضلا عن اختلاطه.

[سورة البقرة (2) : الآيات 178 إلى 179]

وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب «1» ، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» «2» انتهى. وَحِينَ الْبَأْسِ، أي: وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ: بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُع، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي: هم عند الظنِّ بهم والرجاء فيهم كما تقول: صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى/ بالتقى، والمعنى: هم الذين جعلوا بينهم وبين 43 ب عذاب الله وقاية. [سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 179] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ... الآيةَ: كُتِبَ: معناه: فُرِضَ، وأُثْبِتَ، وصورةُ فَرْضِ القصاصِ «3» ، هو أنَّ القاتل فرض عليه، إذا أراد

_ (1) هو: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر. أبو يحيى. الرومي. الربعي. النمري. وهو صحابي مشهور. روى عنه أولاده حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد. وحفيده زياد بن صيفي. وروى عنه أيضا جابر الصحابي. وسعيد بن المسيب. وإنما قيل له الرومي قيل: لأن الروم سبوه صغيرا حين كان أبوه وعمه عاملين لكسرى على «الأبلة» ، وكانت لهم منازل على «دجلة» عند الموصل، وقيل غير ذلك. وروى الستة عنه قال: لم يشهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامه، توفي سنة (38) وقيل (39) ، وقيل في شوال سنة 38، وله (70 سنة) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 36) ، «الإصابة» (3/ 254) ، «الاستيعاب» (2/ 726) ، «الاستبصار» (78، 134) ، «الرياض المستطابة» (130) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 268) ، «عنوان النجابة» (106) ، «أصحاب بدر» (108) ، «الثقات» (3/ 194) ، «الكاشف» (2/ 32) ، «حلية الأولياء» (1/ 372) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 144) ، «تنقيح المقال» (5811) ، «بقي بن مخلد» (95) . (2) أخرجه مسلم (4/ 2295) كتاب «الزهد» ، باب المؤمن أمره كله خير، حديث (64/ 2999) . وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم. وينظر: «تحفة الأشراف» (4/ 200) . [.....] (3) القصاص: أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل. كذا في «المغرب» . وفي «الصحاح» : القصاص: القود، وقد أقصّ الأمير فلانا من فلان إذا اقتصّ له منه فجرحه مثل جرحه أو قتله. -

الوليُّ القتل، الاِستسلامُ لأمر اللَّه، وأن الوليَّ فرض عليه الوقوف عند قتل قاتل وليِّه، وترك التعدِّي على غيره، فإِن وقع الرضَا بدون القصاص من دية أو عفو، فذلك مباحٌ، والآية معلِّمة أن القِصَاصَ هو الغاية عند التّشاحّ «1» ، والْقِصاصُ: مأخوذ من: قَصِّ الأثر فكأن القاتل سلك طريقا من القتل، فقص أثره فيها.

_ ينظر: «الصحاح» (3/ 1052) ، و «القاموس المحيط» (2/ 324) ، و «المصباح المنير» (2/ 778) ، و «المغرب» (2/ 182) . وقد اضطربت القوانين الوضعية في هذا القصاص، واختلفت أنظار المفكرين في جوازه أو عدمه، وأخذ كل يدافع عن فكرته، ويحاجج عن رأيه، حتى رمى بعض الغلاة الإسلام بالقسوة في تقرير هذه العقوبة، وقالوا: إنها غير صالحة لهذا الزمن، وقد نسوا أن الإسلام جاء في ذلك بما يصلح البشر على مر الزمن مهما بلغوا في الرقي، وتقدموا في الحضارة. كانت هذه العقوبة موجودة قبل الإسلام، ولكن للاعتداء فيها يده المثمرة، وللإسراف فيها ضرره البالغ، فحد الإسلام من غلوائها، وقصر من عدوانها، ومنع الإسراف منها. فقال تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً [الإسرا: 33] فلم يبح دم من لم يشترك في القتل قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى. وقال عز من قائل: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ ... [المائدة: 45] الآية، ولكنه أفسح المجال للفصل بين الناس، وترك للجماعة الراقية مع ذلك أن ترى خيرا في العفو عن الجاني فقال: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة: 45] على أن العقلاء الذين خبروا الحوادث، وعركوا الأمور، ودرسوا طبائع النفوس البشرية، ونزعاتها وغرائزها، فهداهم تفكيرهم الصحيح إلى صلاح هذه العقوبة، لإنتاج الغاية المقصودة، وهي إقرار الأمن وطمأنة النفوس، ودرء العدوان والبغي، وإنقاذ كثيرين من الهلاك، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ. ولقد فهم أولو الألباب هذه الحكمة البالغة، وقدروها حق قدرها، وها نحن أولاء نرى اليوم أن الأمم التي ألغت هذه العقوبة عادت إلى تقريرها لما رأته في ذلك من المصلحة. وأمكننا الآن أن نقول: إنه ليس هناك من خلاف كبير بين الإسلام والقوانين الوضعية في هذا الموضوع. أما القصاص في غير القتل مما ورد في الآية الكريمة: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: 45] فهو في غاية الحكمة والعدالة إذ لو لم يكن الأمر كذلك لاعتدى القوي على الضعيف، وشوه خلقته، وفعل به ما أمكنته الفرصة لا يخشى من وراء ذلك ضررا يناله، أو شرا يصيبه، ولو اقتصر الأمر على الديات كما هو الحال في القوانين الوضعية لكان سهلا على الباغي يسيرا على الجاني، ولتنازل الإنسان عن شيء من ماله في سبيل تعجيز عدوه، وتشويهه ما دامت القوة في يده، ولكنه لو عرف أن ما يناله بالسوء من أعضاء عدوه سيصيب أعضاءه مثله كذلك، انكمش وارتدع، وسلموا جميعا من الشر. (1) يقال: هما يتشاحّان على أمر: إذا تنازعاه، لا يريد كل واحد منهما أن يفوته ... ، وتشاحّ الخصمان في الجدل كذلك. ينظر: «لسان العرب» (2205) .

روي عن ابن عَبَّاس أنَّ هذه الآية مُحْكَمة «1» ، وفيها إِجمال فسَّرته آية «المائدة» ، وأن قوله سبحانه: الْحُرُّ بِالْحُرِّ يعمُّ الرجال والنساء، وأجمعتِ الأمة على قتل الرجُلِ بالمرأةِ، والمرأة بالرجل «2» . وقوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ... الآيةَ: فيه تأويلاتٌ: أحدها: أنَّ «مَنْ» يرادُ بها القاتلُ، و «عُفِيَ» : تتضمن عافياً، وهو وليُّ الدم، والأخُ: هو المقتولُ، و «شَيْءٌ» : هو الدمُ الذي يعفى عنه، ويرجع إلى أخذ الدية، هذا قول ابْنِ عَبَّاس، وجماعة من العلماء «3» ، والعَفْوُ على هذا القولِ على بابه. والتأويلُ الثَّاني: وهو قول مالكٍ أنَّ «مَنْ» يراد بها الوليُّ، وعُفِيَ: بمعنى: يُسِّرَ، لا على بابها في العَفْو، والأخُ: يراد به القاتل، و «شَيْءٌ» : هي الديةُ، والأخوَّة على هذا أخوَّة الإِسلام. والتأويل الثالثُ: أنَّ هذه الألفاظ في معنى: الَّذين نزلَتْ فيهم الآيةُ، وهم قومٌ تقاتَلُوا، فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم أن يصلحَ بينهم، ويُقَاصَّهم بعضَهم من بعض بالدِّيَات على استواء الأحرار بالأحرار، والنساء بالنساء، والعبيد بالعبيد، فمعنى الآية: فمن فضِل له من إِحدى الطائفتين على الأخرى شيْءٌ من تلك الدِّيَاتِ، وتكون: «عُفِيَ» بمعنى فَضِلَ. وقوله تعالى: فَاتِّباعٌ: تقديره: فالواجبُ والحُكْمُ: اتباع، وهذا سبيلُ الواجباتِ كقوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: 229] وأما المندوبُ إِلَيْه، فيأتي منصوباً كقوله تعالى: فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: 4] ، وهذه الآية حضٌّ من اللَّه تعالى على حسن الاقتضاءِ من الطالِبِ، وحُسْنِ القضاء من المُؤَدِّي. وقوله سبحانه: ذلِكَ تَخْفِيفٌ إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَطْ، والاعتداء المتوعّد عليه في هذه

_ (1) المحكم: هو ما لا يحتمل شيئا من ذلك، وحكمه بثبوت ما انتظمه على اليقين، ويرادفه المبين عند علماء الشافعية. (2) أخرجه الطبري (2/ 110) برقم (2579) ، والبيهقي في «السنن» (8/ 39- 40) ، وذكره ابن عطية (1/ 245) ، وأورده ابن عباس في «تفسيره» (ص 93/ 52) وابن كثير (1/ 209) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 316) ، وعزاه للنحاس في «ناسخه» . (3) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 245) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 180 إلى 182]

الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم. واختلف في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك: هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه «1» ، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ: المعنى: أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ازدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معاً، وأيضاً: فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما «2» ، وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهاً عليهم لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرهم تبع لهم. وتَتَّقُونَ معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع 44 أالتقوى في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه/ يثيبُ على الطاعة بالطاعة. [سورة البقرة (2) : الآيات 180 الى 182] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... الآية: كُتِبَ: معناه: فُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالى: إِذا حَضَرَ مجازٌ لأن المعنى: إِذا تخوَّف وحضرتْ علاماتُهُ. والخير في هذه الآية: المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن: الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض «3» ، وقال بعضُ العلماء: إِن الناسخ لهذه الآية هي السّنّة المتواترة، وهو

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 246) عن قتادة، وعكرمة، والسدي، وغيرهم. (2) القبيل: الجماعة من الناس يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، كالزنج والروم والعرب، وقد يكونون من نحو واحد، وربما كان القبيل من أب واحد كالقبيلة. وجمع القبيل قبل. ينظر: «لسان العرب» (3519) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 122- 123) عن ابن عباس، والحسن، وقتادة بألفاظ متقاربة، وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» عن قتادة، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 248) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 183 إلى 184]

قوله صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقّه فلا وصيّة لوارث» «1» . وبِالْمَعْرُوفِ: معناه بالقصد الَّذي تعرفه النفوسُ دون إِضرار بالورثة، ولا تنزير «2» للوصية وحَقًّا: مصدر مؤكِّد، وخُصَّ «المتقون» بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبادر النَّاس إِليها. وقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ ... الآية: الضمير في «بَدَّلَهُ» عائدٌ على الإيصاء، وأمر الميت، وكذلك في «سَمِعَهُ» ، ويحتمل أن يعود الذي في «سَمِعَهُ» على أمر اللَّه تعالى في هذه الآية، والأول أسبق للناظر، وسَمِيعٌ عَلِيمٌ: صفتان لا يخفى معهما شيْءٌ من جَنَفِ الموصِينَ، وتبديلِ المتعدينَ، والجَنَفُ: الميل. ومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصِي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمَّد الإِذاءة، فذلك هو الجَنَفُ في إِثم، وإِن لم يتعمَّد، فهو الجنف دون إِثم «3» ، فالمعنى: مَنْ وعظه في ذلك وردَّه عنه، وأصلح ما بينه وبين ورثَتِهِ، وما بين الورثة في ذاتهم، فلا إِثم عليه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بالموصِي، إِذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الإذاءة. وقال ابن عبّاس وغيره: معنى الآية: فَمَنْ خافَ، أي: علِم، ورأى بعد موت الموصِي أن الموصِيَ حَافَ، وجَنَف، وتعمَّد إذاءة بعض ورثته، فَأَصْلَحَ ما بين الورثة، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وإِن كان في فعله تبديلٌ مَّا لأنه تبديلٌ لمصلحة، والتبديلُ الذي فيه الإِثم إنما هو تبديل الهوى «4» . [سورة البقرة (2) : الآيات 183 الى 184] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

_ (1) تقدم. (2) التنزير: تفعيل من النّزر، وهو: القليل التافه من كل شيء. والمقصود ألا يقلل من الوصية ولو شيئا يسيرا. (3) أخرجه الطبري (2/ 129) برقم (2697- 2698) بإسنادين مختلفين، عن مجاهد. وذكره ابن عطية (1/ 249) ، والبغوي في تفسيره (1/ 148) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 321) ، وعزاه لابن جرير، وعبد بن حميد. (4) أخرجه الطبري (2/ 129) برقم (2699) ، وذكره ابن عطية (1/ 249) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 320) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

قوله جلّت قدرته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ... الآية: كُتِبَ: معناه فُرِضَ، والصيام في اللغة: الإِمساك، ومنه قوله سبحانه: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [مريم: 26] وفي الشرع: إِمساكٌ عن الطعام والشراب مقترنةٌ به قرائنُ مِنْ مُراعاة أوقاتٍ، وغير ذلك. وقوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: اختلف في موضع التشبيه: قالتْ فرقة: التشبيهُ: كُتِبَ عليكم كصيامٍ قد تقدَّم في شرع غيركم، ف «الّذين» عامّ في النصارى «1» وغيرهم. ولَعَلَّكُمْ: ترجّ في حقهم. وتَتَّقُونَ: قيل على العموم لأن الصيام كما قال صلّى الله عليه وسلم: «جنّة «2» ووجاء، وسبب

_ (1) هذا قول، والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور، فأما أن يقال: إنه يقتضي الاستواء في كل الأمور فلا. ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها. أحدها: أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود، والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوما من السنة، وزعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضا لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان، فصادفوا فيه الحر الشديد، فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل: نزيد فيه، فزادوا عشرا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم، فنذر سبعا، فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة، فأتمه خمسين يوما، وهذا معنى قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً [التوبة: 31] وهذا مروي عن الحسن. وثانيها: أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا، فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما، ولهذا كره صوم يوم الشك، وهو مروي عن الشعبي، وثالثها: أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم. واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: 187] يفيد نسخ هذا الحكم، فهذا الحكم لا بد فيه من دليل يدل عليه، ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلا على ثبوت هذا المعنى، قال أصحاب القول الأول: قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه، فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصا برمضان، وأن يكون صومهم مقدرا بثلاثين يوما، ثم إن هذه الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك. ينظر: «الفخر الرازي» (5/ 60) . [.....] (2) أخرجه البخاري (4/ 125) ، كتاب «الصوم» ، باب فضل الصوم حديث (1894) ، ومسلم (2/ 806) كتاب «الصيام» ، باب فضل الصيام حديث (162/ 1151) . ومالك (1/ 310) كتاب «الصيام» ، باب.

تقوى لأنه يميت الشهوات» . وأَيَّاماً مَعْدُوداتٍ: قيل: رمضان، وقيل: الثلاثةُ الأيام من كل شهرٍ، ويومُ عاشوراءَ الَّتي نُسخَتْ بشهر رمضان. ص: وأَيَّاماً: منصوبٌ بفعل مقدَّر يدلُّ عليه ما قبله، أي: صوموا أياماً، وقيل: أَيَّاماً: نصب على الظرف «1» انتهى.

_ جامع الصيام حديث (58) . وأبو داود (1/ 72) ، كتاب «الصيام» ، باب الغيبة للصائم حديث (2363) . وأحمد (2/ 465) ، والبيهقي (4/ 269) كتاب «الصيام» ، باب الصائم ينزه صيامه عن اللفظة والمشاتمة، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 453- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «الصيام جنة، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه- فليقل: إني صائم مرتين-، والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» لفظ البخاري. وأخرجه البخاري (4/ 141) كتاب «الصيام» ، باب هل يقول الصائم: إني صائم إذا شتم، حديث (1904) . ومسلم (2/ 806) ، كتاب «الصيام» ، باب فضل الصيام، حديث (163/ 1151) . والنسائي (4/ 1263) ، كتاب «الصوم» ، باب فضل الصوم، وأحمد (2/ 273) ، والبيهقي (4/ 270) . كلهم من طريق ابن جريج، حدثني عطاء عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. وأخرجه البخاري (1/ 381) ، كتاب «اللباس» ، باب ما يذكر في المسك، حديث (5927) . ومسلم (2/ 806) كتاب «الصيام» ، باب فضل الصيام، حديث (161/ 1151) . والترمذي (3/ 163) ، كتاب «الصوم» ، باب ما جاء في فضل الصوم، حديث (764) . والنسائي (4/ 164) ، كتاب «الصوم» ، باب فضل الصوم. وأحمد (2/ 281) ، وعبد الرزاق (4/ 306) رقم (7891) . والبغوي في «شرح السنة» (3/ 451- بتحقيقنا) . كلهم من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه البخاري (13/ 472) كتاب «التوحيد» ، باب قول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ حديث (7492) ، ومسلم (2/ 806) كتاب «الصيام» ، باب فضل الصيام، حديث (164/ 1151) ، وأحمد (2/ 393، 443، 477، 480) . وابن ماجة (1/ 525) ، كتاب «الصيام» ، باب ما جاء في فضل الصيام حديث (1638) ، (2/ 1256) ، كتاب «الأدب» ، باب فضل العمل حديث (3823) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 45- بتحقيقنا) ، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (13/ 521) كتاب «التوحيد» ، باب ذكر النبي صلّى الله عليه وسلم، وروايته عن ربه حديث (7538) ، وأحمد (2/ 457، 467، 504) . والطيالسي (1/ 181- منحة) رقم (863) ، من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (2/ 503) ، والدارمي (2/ 25) كتاب «الصيام» ، باب فضل الصيام، وأبو يعلى (10/ 353) رقم (5947) ، من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. (1) وقيل: منصوب بالصيام، ولم يذكر الزمخشري غيره. ونظّره بقولك: «نويت الخروج يوم الجمعة» ، -

وقوله سبحانه: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ: التقدير: فأفْطَرَ، فَعِدَّةٌ، وهذا يسمونه فَحْوَى «1» الخطابِ، واختلف العلماءُ في حَدِّ المرض الذي يقع به الفطْر، فقال جمهور العلماء: إِذا كان به مرضٌ يؤذيه، ويؤلمه أو يخاف تَمادِيَهُ، أو يخافُ من الصوم تزيُّده، صحَّ له الفطْرُ، وهذا مذْهَبُ حُذَّاقِ أصحاب مالك، وبه يناظرون، وأما لفظ 44 ب مالكٍ: فهو المرضُ الَّذي يَشُقُّ على المرء، ويبلغ به، واختلف في الأفضل/ من الفِطْرِ أو الصَّوْمِ، ومذهبُ مالكٍ استحباب الصومِ لمن قَدَرَ علَيْه، وتقصيرُ الصَّلاة حَسَنٌ لأن الذمَّة تبرأ في رخصة الصلاة، وهي مشغولةٌ في أمر الصيام، والصوابُ: المبادرةُ بالأعمال. والسَّفَرُ: سفَرُ الطاعةِ كالحجِّ، والجهادِ بإجماع، ويتصلُ بهذَيْن سفَرُ صلَةِ الرَّحِمِ، وطلبِ المعاشِ الضروريِّ. وأما سفر التجارة، والمباحاتِ، فمختلَفٌ فيه بالمنع، والجواز، والقولُ بالجواز أرجح.

_ - وهذا ليس بشيء، لأنّه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، وهو قوله: «كما كتب» لأنه ليس معمولا للمصدر على أيّ تقدير قدّرته. فإن قيل: يجعل «كما كتب» صفة للصيام، وذلك على رأي من يجيز وصف المعرّف بأل الجنسية بما يجري مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا. قيل: يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله، وهو ممتنع. وقيل: منصوب بالصيام على أن تقدّر الكاف نعتا لمصدر من الصيام، كما قد قال به بعضهم، وإن كان ضعيفا، فيكون التقدير: «الصيام صوما كما كتب» فجاز أن يعمل في «أياما» «الصيام» لأنه إذ ذاك عامل في «صوما» الذي هو موصوف ب «كما كتب» فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر. وقيل: ينتصب بكتب: إمّا على الظرف وإمّا على المفعول به توسّعا، وإليه نحا الفراء وتبعه أبو البقاء. قال أبو حيان: «وكلا القولين خطأ: أمّا النصب على الظرف فإنه محلّ للفعل، والكتابة ليست واقعة في الأيام، لكن متعلّقها هو الواقع في الأيام. وأمّا النصب على المفعول اتّساعا فإنّ ذلك مبنيّ على كونه ظرفا لكتب، وقد تقدّم أنه خطأ. ينظر: «الدر المصون» (1/ 460) . (1) وهو: مفهوم الموافقة وهو ما كان مدلول اللفظ في محل المسكوت موافقا لمعناه في محل المنطوق، ويسمى «دلالة النص» ، و «فحوى الخطاب» ، و «لحن الخطاب» . وقد اتفق الشّافعية، والحنفية على حجية الفحوى، واشترط الشافعية أولوية المسكوت. وينظر تفصيل ذلك في: «البحر المحيط» للزركشي (4/ 7) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 449) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (3/ 62) ، «نهاية السول» للأسنوي (2/ 202) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (37) ، «المنخول» للغزالي (208) ، «حاشية البناني» (1/ 240) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 367) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (20/ 15) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (1/ 319) ، «التحرير» لابن الهمام (29) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (2/ 172) ، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (1/ 112) .

وأما سفر العصْيَان، فمختلف فيه بالجوازِ، والمنعِ، والقولُ بالمنع أرجحُ. ومسافةُ سفر الفطر عند مالك، حيث تقصر الصلاة ثمانيةٌ وأربعون «1» ميلاً.

_ (1) يباح للمسافر الفطر في رمضان إذا تحققت الشروط الآتية: الأول: أن يكون سفره سفر قصر، أي: أن يكون سفرا طويلا، والسفر الطويل: ما كان مرحلتين فأكثر، وهما: سير يومين من غير ليلة على الاعتبار، أو ليلتين بلا يوم كذلك، أو يوم وليلة مع النزول المعتاد، لنحو استراحة، أو أكل أو صلاة، وأن تكون المرحلتان بسير الأثقال. أي: الحيوانات المثقلة بالأحمال، والبحر كالبر في اشتراط المسافة المذكورة، فلو قطع الأميال فيه في ساعة مثلا لشدة جري السفينة بالهواء، فإنه يبيح له الفطر أيضا لوجود المسافة الصالحة، ولا يضرّ قطعها في زمن يسير. فإن قيل: إذا قطع المسافة في لحظة صار مقيما، فكيف يتصور ترخيصه فيها؟ أجيب بأنّه لا يلزم من وصول المقصد انتهاء الرّخصة. الشرط الثاني: أن يكون سفره في غير معصية بألّا يكون عاصيا بالسفر، وهو الذي أنشأ سفره معصية، ولا عاصيا بالسفر في السفر، وهو الذي أنشأ سفره طاعة ثم قلبه معصية. أمّا العاصي في السفر، وهو من أنشأ سفره طاعة، واستمر كذلك إلّا أنه وقعت منه معصية في أثناء سفره فيجوز له الفطر، ولم يجوّز الشارع الفطر لمن كان سفره في معصية لأن ذلك يكون إعانة له على المعصية ولأن جواز الفطر رخصة والرخصة لا تناط بالمعاصي. وبناء على هذين الشرطين يمكن أن يقال: إنّ المسافر الذي كان سفره في غير معصية، وكان سفره سفر قصر يباح له الفطر بالإجماع لقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ أي: فله الفطر وعليه عدة من أيام أخر، ولما روت السيدة عائشة- رضي الله عنها- أن حمزة بن عمر الأسلمي قال: يا رسول الله أأصوم في السّفر؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» . ثمّ إن كان المسافر ممن لا يجهده الصوم. أي: لا يتضرر به، فالأفضل له الصوم لما روي عن أنس- رضي الله عنه- أنه قال للصّائم في السّفر: «إن أفطرت فرخصة، وإن صمت فأفضل» . وأنّه لو أفطر عرض الصوم للنسيان، وحوادث الأيّام ولأن شهر الصوم له أفضلية ومزيّة على سائر الأيّام. وإن كان المسافر ممن يجهده الصوم، أي: يتضرر به فالأفضل له الفطر لما روى جابر- رضي الله عنه- أنّه قال: مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر برجل تحت شجرة يرشّ عليه الماء، فقال (عليه السّلام) : «ما بال هذا» ؟ قالوا: صائم يا رسول الله. قال (عليه السّلام) : «ليس من البرّ الصّيام في السّفر» . فإن صام المسافر ثمّ أراد أن يفطر فله أن يفطر لأن العذر قائم، كما لو صام المريض وأراد أن يفطر. الشرط الثالث: أن يكو السّفر سابقا على الصوم بأن يكون الشروع فيه سابقا على الشروع في الصوم، كأن يقع السفر بعد الغروب، وقبل الفجر. أمّا إذا كان الشروع في السّفر بعد الشروع في الصوم، فيحرم عليه الفطر، ويجب الصوم. وقال المزني: له أن يفطر، كما لو أصبح الصحيح صائما، ثمّ مرض. والمذهب الأوّل، وهو وجوب الصّوم وعدم جواز الفطر. دليل ذلك: أنّه عبادة أجتمع فيها سفر وحضر، وكل عبادة يجتمع فيها سفر وحضر يغلب جانب الحضر لأنّه الأصل. وعلى الأول: لو جامع فيه لزمه الكفارة لأنّه يوم من رمضان هو صائم فيه صوما لا يجوز فيه الفطر. الشرط الرابع: أن يرجو المسافر إقامة يقضي فيها ما أفطره من أيام سفره، فإن لم يرج إقامة يقضي فيها ما-

وقوله تعالى: فَعِدَّةٌ، أي: فالحكم أو الواجب عدّة، وفي وجوب تتابعها قولان، وأُخَرَ لا ينصرف للعَدْلِ. وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ... الآية: قرأ باقي السبعة «1» غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر: «فِدْيَةٌ» بالتنوين «طَعَامُ مِسْكِينٍ» بالإِفراد، وهي قراءة حَسَنةٌ لأنها بيَّنت الحكم في اليوم. واختلفوا في المراد بالآية، فقال ابن عُمَر وجماعةٌ: كان فرضُ الصيامِ هكذا على

_ - أفطره، بأن كان مديم السّفر، فلا يباح له الفطر، لأنّ إباحة الفطر في هذه الحالة تؤدّي إلى إسقاط الفرض بالكلية، نعم، لو قصد القضاء في أيام أخرى من أيام سفره، جاز له الفطر، ولا فرق في جواز الفطر للمسافر بين أن يكون بأكل أو نحوه، كجماع، وغير ذلك. ومتى أفطر المسافر وجب عليه القضاء دون الفدية، ثم إنّه إذا قدم المسافر، أو برىء المريض، وهما مفطران استحب لهما إمساك بقية النهار لحرمة الوقت، ولا يجب عليهما ذلك لأنهما أفطرا بعذر. ويندب لهما إذا أكلا ألّا يأكلا إلّا عند من يعرف عذرهما لخوف التهمة. وإذا قدم المسافر، وهو صائم، أو برىء المريض وهو صائم، ففي جواز إفطاره وجهان. أحدهما: أنه يجوز لهما الفطر، وبه قال ابن أبي هريرة لأنه أبيح لهما الفطر من أوّل النهار، فجاز لهما الإفطار في بقيّة النّهار، كما لو دام السّفر والمرض. وثانيهما: لا يجوز لهما الإفطار، وهو قول القاضي أبي الطيّب وجمهور الأصحاب لأنه زال سبب الرّخصة قبل الترخص. واعلم أنّه لا يباح الفطر في شهر رمضان بسبب من الأسباب المتقدمة، ألّا إذا نوى المفطر الترخص بفطره، بأن يقصد أن الشارع رخّص له الفطر، وذلك ليحصل الفرق، والتمييز بين الفطر الجائز والفطر الممتنع. فلو أفطر بدون النّيّة المذكورة حرم عليه الفطر، وأثم به. (1) وأما قراءة نافع وابن عامر، فهي «فدية طعام مساكين» ، وحجتهما في الإضافة أولا: أن الفدية غير الطعام، وأن الطعام إنما هو المفدى به الصوم، لا الفدية، فإذا كان كذلك فالصواب في القراءة إضافة الفدية إلى الطعام. وحجة الجمع أيضا: قوله قبلها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، ثم قال: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ قالوا: إنما عرف عباده حكم من أفطر الأيام التي كتب عليهم صومها بقوله: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فإذا كان ذلك كذلك فالواجب أن تكون القراءة في «المساكين» على الجمع لا على التوحيد، ويكون تأويل الآية: وعلى الذين يطيقونه فدية أيام يفطر فيها إطعام مساكين، ثم تحذف «أياما» وتقيم «الطعام» مكانها. ينظر: «حجة القراءات» (124، 125) ، «السبعة» (176) ، و «والكشف» (1/ 282) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 273) ، و «شرح الطيبة» (4/ 91) ، و «معاني القراءات» (1/ 192) ، و «شرح شعلة» (284، 285) ، و «العنوان» (73) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 430) .

الناس مَنْ أراد أن يصوم، صام، ومن أراد أن يفطر أطعم مسكيناً، وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «1» [البقرة: 185] . وقالت فرقة: الآية في الشيوخ الذي يطيقونه بتكلُّف شديدٍ «2» ، والآيةُ عند مالك: إِنما هي فيمَنْ يدركه رمضانٌ ثانٍ، وعليه صومٌ من المتقدِّم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوْمَ، فتركه، والفديةُ عند مالك وجماعةٍ من العلماء: مُدٌّ لكلِّ مسكين. وقوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد مَنْ أطعم مسكينَيْنِ فصاعدًا «3» ، وقال ابن شِهَابٍ «4» : من زاد الإطعام مع

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 139) برقم (2747) ، وقال أحمد شاكر في «عمدة التفاسير» (3/ 421) : «عمر بن المثنى» هكذا في المطبوعة، وأنا أرجح أن يكون صوابه «محمد بن المثنى» ، شيخ الطبري الذي يروي عنه كثيرا. ولم أجد من يسمى «عمر بن المثنى» إلا رجلا واحدا في «التهذيب» ، و «لسان الميزان» ، على أنه من التابعين ثم لم أجترئ على تصحيحه هذا، لاحتمال أن يكون من شيوخ الطبري الذين لم نجد تراجمهم. عبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفي. عبد الله: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عرف بلقب «العمري» وهو ثقة مترجم في «التهذيب» ، وابن أبي حاتم (2/ 2/ 109- 110) ، ومن المحتمل أن يكون في المطبوعة خطأ، وأن يكون صوابه «عبيد الله» بالتصغير، وهو أخو عبد الله أكبر منه، وأوثق عند أئمة الجرح والتعديل، وهو أحد الفقهاء السبعة. مترجم في «التهذيب» ، وابن أبي حاتم (2/ 2/ 326- 327) ، وهو وأخوه يشتركان في كثير من الشيوخ، منهم: «نافع مولى ابن عمر» ، وإنما ظننت هذا الاحتمال لأن الحديث مروي من حديث «عبيد الله» . فرواه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/ 200) ، من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه البخاري مختصرا (4/ 164، 8/ 136) من طريق عبد الأعلى، وهو ابن عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. ورواه البيهقي أيضا من أحد طريقي البخاري. والحديث صحيح بكل حال. اهـ. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 325) ، وعزاه لوكيع، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في «المصنف» ، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «سننه» . وذكره ابن عطية (1/ 252) ، عن ابن عمر، والشعبي، وسلمة بن الأكوع، وابن شهاب، ومعاذ بن جبل، وعلقمة، والنخعي، والحسن البصري. (2) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 252) . (3) أخرجه الطبري (2/ 148) برقم (2802) عن ابن عباس بلفظ: «فزاد طعام مسكين آخر» ، وذكره ابن عطية (1/ 253) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 327) ، عن طاوس بلفظ: «إطعام مساكين» ، وعزاه لعبد بن حميد. اهـ. (4) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي، -

الصوم «1» ، وقال مجاهدٌ: مَنْ زاد في الإِطعام على المدّ «2» ، وخَيْراً الأول قد نُزِّل منزلة مالٍ، أو نفعٍ، وخَيْرٌ الثاني والثالثُ صفةُ تفضيلٍ. وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يقتضي الحضَّ على الصوْمِ، أي: فاعلموا ذلك وصوموا. ت: وجاء في فضل الصومِ أحاديثُ صحيحةٌ مشهورةٌ، وحدث أبو بكر بْنُ الخَطِيبُ بسنده عن سهل بن سعد الساعديّ «3» عن النبي صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْماً تَطوُّعاً، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ بِثَوَابٍ دُونَ الجَنَّةِ» «4» ، قال: وبهذا الإِسناد عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم بمثله. انتهى «5» .

_ - الزهري، أبو بكر المدني، أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام. عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، ومحمود بن الربيع، وابن المسيّب وخلق. وعنه أبان بن صالح، وأيوب، وإبراهيم بن أبي عبلة، وجعفر بن برقان، وابن عيينة، وابن جريج، والليث، ومالك وأمم. قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي شيئا فنسيته. وقال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري، وقال مالك: كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيّا، ما له في الناس نظير. قال إبراهيم بن سعد: مات سنة أربع وعشرين ومائة. ينظر: «تهذيب الكمال» (3/ 1269) ، و «تهذيب التهذيب» (9/ 445) ، و «تقريب التهذيب» (2/ 207) ، و «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 457) ، و «الكاشف» (3/ 96) ، و «تاريخ البخاري الكبير» (1/ 220) ، و «تاريخ البخاري الصغير» (1/ 56، 320) ، و «الجرح والتعديل» (8/ 318) . (1) أخرجه الطبري (2/ 149) برقم (2813) ، وذكره ابن عطية (1/ 253) . [.....] (2) أخرجه الطبري (2/ 149) برقم (2814) ، وذكره ابن عطية (1/ 253) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 150) . (3) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب. أبو العباس. وقيل: أبو يحيى، الأنصاري، الساعدي. قال ابن الأثير في «الأسد» : شهد قضاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المتلاعنين، وأنه فرق بينهما، وكان اسمه حزنا، فسماه رسول الله صلّى الله عليه وسلم سهلا. قال الزهري: رأى سهل بن سعد النبي صلّى الله عليه وسلم وسمع منه، وذكر أنه كان له يوم توفي النبي صلّى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة. توفي سنة (88) وله (96) سنة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 472) ، «الإصابة» (3/ 140) ، «الكاشف» (1/ 407) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 244) ، «الثقات» (3/ 168) ، «الاستيعاب» (2/ 664) ، «تهذيب الكمال» (1/ 555) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 252) ، «تقريب التهذيب» (1/ 336) ، «الجرح والتعديل» (4/ 853) ، «شذرات الذهب» (1/ 63) ، «الرياض المستطابة» (110) ، «الأعلام» (1/ 143) . (4) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (1/ 278) ، عن سهل بن سعد الساعدي. (5) ينظر المصدر السابق.

قال ابن عبد البَرِّ في كتابهِ المسمَّى ب «بهجةِ المَجالِسِ» قال أبو العالية: الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتَبْ. قال الشيخُ الصالحُ أبو عبد اللَّه محمَّد البلاليُّ الشافعيُّ في «اختصاره للإحياء» : وذكر السُّبْكِيُّ «1» في شرحه أن الغِيبَةَ تمنع ثوابَ الصوْمِ إِجماعاً، قال البلاليُّ: وفيه نظر لمشقَّة الاحتراز، نعم، إِن أكثر، توجَّهت المقالة. انتهى، وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هَذَا. وصحَّ عنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ» «2» قال أبو عمر في «التمهيد» «3» : وذلك لأن الصوْمَ جُنَّةٌ يستجنُّ بها العَبْدُ من النار، وتُفْتَحُ لهم أبواب الجنة لأن أعمالهم تزكو فيه، تقبل منهم، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ/ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الملائكة حتّى 45 أيفطروا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ المَئُونَةَ، والأذى، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ، وَتُصَفَّدُ «4» فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلاَ يَخْلُصُونَ إلى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، ويَغْفِرُ لَهُمْ آخِرَ لَيْلَةٍ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القدر؟

_ (1) علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الأنصاري، الخزرجي، الشيخ الإمام الفقيه، المحدث، الحافظ، المفسر، المقرئ، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، الأديب الحكيم، المنطقي، الجدلي، الخلافي، النظار، شيخ الإسلام، قاضي القضاة تقي الدين السبكي، ولد بسبك من أعمال الشرقية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة. قال ابن الرفعة: إمام الفقهاء ومصنفاته تزيد على المائة والخمسين. توفي في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة. ينظر: «ابن قاضي شهبة» (3/ 603) ، و «الدرر الكامنة» (3/ 58) و «شذرات الذهب» (6/ 187) . (2) أخرجه البخاري (4/ 135) كتاب «الصوم» ، باب هل يقال: رمضان، أو شهر رمضان، حديث (1898، 1899) ، ومسلم (2/ 758) ، كتاب «الصيام» ، باب فضل شهر رمضان، حديث (1، 2/ 1079) ، والنسائي (4/ 126- 127) ، كتاب «الصيام» ، باب فضل شهر رمضان، وأحمد (2/ 357، 401) ، والدارمي (2/ 26) ، كتاب «الصوم» ، باب في فضل شهر رمضان، وابن حبان (3434) ، والبيهقي (4/ 202) كتاب «الصيام» ، باب ما روي في كراهية قول القائل: جاء رمضان، وذهب رمضان. والبغوي في «شرح السنة» (3/ 446- بتحقيقنا) ، من حديث أبي هريرة مرفوعا. (3) ينظر: «التمهيد» (16/ 153) . (4) صفده يصفده صفدا وصفودا وصفّده: أوثقه، وشدّه وقيّده في الحديد وغيره، وكذلك التصفيد. ينظر: «لسان العرب» (2457) .

[سورة البقرة (2) : آية 185]

قَالَ: لاَ، ولَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يوفى أَجْرَهُ إِذَا انقضى» «1» ، قال أبو عمر: وفي سنده أبو المِقْدام، فيه ضعف، ولكنَّه محتملٌ فيما يرويه من الفضائل. وأسند أبو عمر عن الزهري، قال: «تسبيحة في رمضان أفضل من ألفِ تسبيحةٍ في غيره» . انتهى. ت: وخرَّجه الترمذيُّ عن الزهري قال: «تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أفضل من ألف تسبيحة في غيره» «2» . انتهى. [سورة البقرة (2) : آية 185] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: الشَّهْرُ: مشتقٌّ من الاشتهار. قال ص: الشهر مصْدَرُ: شَهَر يَشْهر، إِذا ظهر، وهو اسم للمدَّة الزمانيَّة، وقال الزجَّاج: الشَّهْر: الهلالُ، وقيل: سمِّي الشهْرُ باسمِ الهلالِ. انتهى. ورَمَضَانُ: عَلِقَهُ هذا الاسمُ من مُدَّة كان فيها في الرَّمَضِ، وشدَّة الحَرِّ، وكان اسمه قبل ذلك نَاثراً «3» . واختلف في إنزال القرآن فيه، فقال الضَّحَّاك: أنزل في فَرْضِهِ، وتعظيمِهِ، والحضِّ

_ (1) أخرجه أحمد (2/ 292) ، والبزار (1/ 458- كشف) رقم (963) ، من طريق هشام بن زياد، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. وقال البزار: لا نعلمه عن أبي هريرة مرفوعا، إلا بهذا الإسناد، وهشام بصري يقال له: هشام بن زياد أبو المقدام، حدث عنه جماعة من أهل العلم، وليس هو بالقوي في الحديث. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 143) ، وقال: رواه أحمد، والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو ضعيف. اهـ. وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (932) ، وعزاه لأحمد بن منيع في «مسنده» . (2) ذكره السيوطي في «الدر» (1/ 341) ، عن الزهري، وعزاه للأصبهاني. (3) الصواب كما في «اللسان» (4337) «ناتقا» ، قال ابن منظور: «وناتق: شهر رمضان» ، وحكاه عن ابن سيده وغيره.

عليه «1» ، وقيل: بدىء بنُزُوله فيه علَى النبيِّ صلّى الله عليه وسلم وقال ابنُ عبَّاس فيما يؤثر: أنزل إِلى السماء الدنيا جملةً واحدةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ من رمضان، ثم كان جبرئيل ينزله رِسْلاً رِسْلاً في الأوامر، والنواهي، والأسباب «2» ، وروى واثلة بن الأسقع عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالتَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْهُ، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين» «3» . وهُدىً في موضع نصبٍ على الحال من القُرآن، فالمراد أن القرآن بجملته مِنْ مُحْكَمٍ ومتشابِهٍ وناسخٍ ومنسوخٍ- هُدًى ثم شُرِّفَ، بالذِّكْر، والتخصيصِ البيناتُ منه، يعني: الحلالَ والحرامَ والمواعظَ والمُحْكَمَ كلّه، فالألفُ واللامُ في الهدى للعهْدِ، والمراد الأول. قال ص: هُدىً: منصوبٌ على الحال، أي: هادياً، فهو مصدرٌ وضع موضعَ اسم الفاعلِ، وذو الحال القُرآن، والعاملُ «أنزل» . انتهى. والْفُرْقانِ: المفرّق بين الحق والباطل، وشَهِدَ: بمعنى حَضَر، والتقدير: مَنْ حضر المِصْرَ في الشَّهْر، فالشهر نصْبٌ على الظرف. وقوله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. قال مجاهد، والضَّحَّاك: اليُسْر: الفِطْر في السفر، والعسر: الصوم في السفر «4» . ع «5» : والوجْهُ عمومُ اللفظِ في جميع أمورِ الدينِ، وقد فسر ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ» . «6» قلتُ: قال ابْنُ الفاكهانيِّ في «شرح الأربعينَ» للنَّوويِّ: فإِن قلْتَ: قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ... [الشرح: 6] الآيةَ: يدلُّ على وقوع العسر قطعا، وقوله تعالى:

_ (1) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 254) . (2) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 254) . (3) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 343) وعزاه لابن جرير الطبري. [.....] (4) أخرجه أحمد (4/ 107) من حديث واثلة، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 202) ، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، وفيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات. (5) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 255) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 255) .

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يدلُّ على نفي العسرِ قطعاً لأن ما لا يريده تعالى، لا يكون بإجماع أهل السنة، قلْتُ: العسرُ المنفيُّ غير المثبت، فالمنفيُّ: إنما هو العسر في الأحكام، لا غير، فلا تعارض. انتهى. وترجم البخاريُّ في «صحيحه» قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا» ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ. ثم أسند هو ومسلمٌ عن أنس، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «يسروا ولا 45 ب تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تْنَفِّرُوا» «1» وأسند البخاريُّ ومسلم عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ أنه قال لأبِي موسى، ومعاذٍ «2» : «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا» «3» . قال البخاريُّ: حدَّثنا أبو النعمان «4» ، قال:

_ (1) أخرجه البخاري (1/ 196) كتاب «العلم» ، باب ما كان النبي صلّى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، حديث (69) ، (10/ 524) كتاب «الأدب» ، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسّروا» حديث (6125) ، وفي «الأدب المفرد» رقم (469) ، ومسلم (3/ 1359) كتاب «الجهاد والسير» ، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير، حديث (8/ 1834) . وأحمد (3/ 131، 209) ، وأبو يعلى (7/ 187) رقم (4172) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 315- بتحقيقنا) ، من طريق أبي التياح عن أنس مرفوعا. (2) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أديّ بن علي بن أسد بن ساردة ... أبو عبد الرحمن، الخزرجي، الأنصاري. ثم الجشمي. هو من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد روى عنه من الصحابة عمر، وابنه عبد الله، وأبو قتادة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو ليلى الأنصاري، ومن التابعين جنادة بن أبي أمية، وعبد الرحمن بن علم وأبو إدريس وغيرهم. توفي قيل: في طاعون «عمواس» سنة (18 أو 17) وله (38) سنة وقيل: (33) ، وقيل: (34) . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 194) ، «الإصابة» (6/ 106) ، «الثقات» (3/ 368) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 80) ، «بقي بن مخلد» (26) ، «الاستيعاب» (3/ 1402) ، «الاستبصار» (48، 71، 126) ، «شذرات الذهب» (1/ 30، 62، 63) ، «الجرح والتعديل» (8/ 44) ، «غاية النهاية» (2/ 301) ، «العبر» (1/ 78) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 186) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1338) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 443) ، «المصباح المضيء» (1/ 66) ، «الأعلام» (7/ 258) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 184) . (3) أخرجه البخاري (7/ 660) ، كتاب «المغازي» ، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، حديث (4345) ، ومسلم (3/ 1359) ، كتاب «الجهاد والسير» ، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير، وأحمد (4/ 409) . (4) تصحف في المطبوعة إلى «أبو اليمان» ، وأبو النعمان هو: محمد بن الفضل السّدوسي، أبو النّعمان البصري، الحافظ الملقب ب «عارم» . عن الحمّادين، ومهدي بن ميمون، ووهيب بن خالد، وخلق. وعنه البخاري، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن يحيى، وعبد بن حميد وخلق. اختلط عارم. قال أبو حاتم: ثقة، من سمع منه قبل سنة عشرين ومائتين، فسماعه جيد. قال عاصم بن عمر المقدّمي: مات ستة أربع وعشرين ومائتين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 449) ، و «تهذيب التهذيب» (9/ 402) ، و «الكاشف» (3/ 89) ، و «التقريب» (2/ 200) ، و «المغني» (5903) .

حدَّثنا حمَّاد بْنُ زَيْدٍ «1» ، عن الأزرقِ بْن قَيْسٍ «2» . قال: «كُنَّا على شَاطِىءِ نَهْرٍ بِالأَهْوَاز «3» قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ «4» على فَرَسٍ، فصلى وخلى فَرَسَهُ، فانطلق الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ، وَتَبِعَهَا حتى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ، فقضى صَلاَتَهُ، وفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انظروا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مْنْزَاحٌ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ، وذكَر أنّه قد صحب النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فرأى من تَيْسِيرِهِ «5» . انتهى. وقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: معناه: ولْيُكْمِلْ من أَفْطَرَ في سفره، أو في مرضه عدَّةَ الأيام التي أفطر فيها.

_ (1) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل الأزرق، البصري، الحافظ، مولى جرير بن حازم، وأحد الأعلام. عن أنس بن سيرين، وثابت، وعاصم بن بهدلة، وابن واسع، وأيوب وخلق كثير. وعنه إبراهيم بن أبي عبلة، والثوري، وابن مهدي، وأبو الرّبيع الزّهراني وابن المديني وخلائق. قال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ منه، ولا أعلم بالسنة، ولا أفقه ب «البصرة» منه. وقال أحمد: من أئمة المسلمين. قال خالد بن خداش: توفي سنة سبع وتسعين ومائة عن إحدى وثمانين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 251) ، و «تهذيب التهذيب» (3/ 9) ، و «التقريب» (1/ 197) ، و «الكاشف» (1/ 251) ، و «الثقات» (6/ 217) . (2) أزرق بن قيس الحارثي بلحارث بن كعب بصري. عن أبي برزة وعبد الله بن عمرو وأنس. وعنه الحمّادان وشعبة، ووثقه النسائي. قال الذهبي: بقي إلى حدود العشرين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 64) ، و «تهذيب التهذيب» (1/ 200) ، و «التقريب» (1/ 51) ، و «الكاشف» (1/ 102) ، و «الثقات» (4/ 62) . (3) أصله أحواز جمع «حوز» أبدلته الفرس لأنه ليس في كلامهم حاء، وكان اسمها في أيام الفرس «خوزستان» . وقيل: اسمها هرمز شهر، وأهل هذه البلاد بأسرها يقال لهم الحوز. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 135) . (4) أبو برزة الأسلمي. قال ابن الأثير في «الأسد» : اختلف في اسمه واسم أبيه وأصح ما قيل فيه: نضلة بن عبيد قاله أحمد بن حنبل وابن معين، وقال غيرهما: نضلة بن عبد الله ويقال: نضلة بن عابد، وقال الخطيب أبو بكر عن الهيثم بن عدي: اسم أبي برزة خالد بن نضلة. نزل البصرة وله بها دار وسار إلى خراسان فنزل مرو وعاد إلى البصرة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 31) ، «الإصابة» (6/ 237) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 151) ، «بقي بن مخلد» (123) ، «الاستيعاب» (4/ 1610) ، «تقريب التهذيب» (2/ 294) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 20) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1580) ، «المصباح المضيء» (1/ 208) ، «التاريخ الصغير» (1/ 128) ، «الكنى والأسماء» (19) ، «التاريخ لابن معين» (2/ 151) ، «التاريخ الكبير» (9/ 92) ، تبصير المنتبه» (4/ 1472) . (5) أخرجه البخاري (10/ 541) ، كتاب «الأدب» ، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «يسّروا ولا تعسروا» حديث (6127) .

[سورة البقرة (2) : آية 186]

وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حضٌّ على التكبير في آخر رمضان. قال مالكٌ: وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثلاثاً. ومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول: اللَّه أكبر كبيراً، والحمدُ للَّهِ كَثيراً، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلاً، وقيل غير هذا. والجميعُ حسن واسع مع البداءة بالتكبير. وهَداكُمْ: قيل: المرادُ: لِمَا ضَلَّ فيه النصارى من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدى جيدٌ. وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ترجٍّ في حق البَشَر، أي: على نعم اللَّه في الهدى. ص: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك انتهى. [سورة البقرة (2) : آية 186] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) وقوله جلَّ وعلا: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ... الآيةَ. قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوما قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ» ، فنزلتِ الآية «1» . وأُجِيبُ: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ» ، وهو: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بين إحدى ثلاث ... » «2» الحديث.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 165) برقم (2913) ، وقال شاكر في «عمدة التفاسير» (3/ 481) : «وهذا الإسناد صحيح إلى الحسن، ولكن الحديث ضعيف لأنه مرسل لم يسنده الحسن عن أحد من الصحابة» . وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (1/ 73) ، وابن كثير (1/ 218) . (2) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 218) . كتاب «القرآن» ، باب العمل في الدعاء حديث (41) . [.....]

ت: وليس هذا باختلاف قولٍ. قال ابن رُشْدٍ في «البيان» : الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ له، وقال الحاكم: صحيحُ الإِسناد «1» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ: سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيحٌ «2» ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ- رضي اللَّه عنهما- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، / فَيَقُولُ: أما إنّك لم 46 أتدعني بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟! فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يوم كذا وكذا لغم نزل بك، أن أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كذا وكذا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ: فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ» ، رواه الحاكم في «المستدرك» «3» .

_ (1) أخرجه ابن حبان (3/ 152- 153) رقم (871) ، والحاكم (1/ 493- 494) ، من طريق عمر بن محمد الأسلمي، عن ثابت عن أنس مرفوعا. (2) أخرجه الحاكم (1/ 492) ، وابن عدي في «الكامل» (6/ 2181) ، وأبو يعلى (1/ 344) رقم (439) . كلهم من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا. وليس عن أبي هريرة كما ذكره المؤلف. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 150) ، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو متروك. (3) أخرجه الحاكم (1/ 494) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 208) ، من طريق الفضل بن عيسى، عن-

وعن ثَوْبَانَ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ» ، رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد «1» . قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضاً، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد «2» ، عن ثوبان «3» ، قال: قال رسول

_ - محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا. وقال الحاكم: هذا حديث تفرد به الفضل بن عيسى الرقاشي، ومحله محل من لا يتهم بالوضع، ووافقه الذهبي، والفضل بن عيسى، قال الحافظ في «التقريب» : متروك. (1) أخرجه ابن ماجة (2/ 1334) ، كتاب «الفتن» ، باب العقوبات حديث (1022) ، وأحمد (5/ 277، 280، 282) ، والحاكم (1/ 493) ، وابن أبي شيبة (10/ 441- 442) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 169) ، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (2/ 10) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (831) ، من حديث ثوبان مرفوعا. قال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد حسن، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان. (2) عبد الله بن أبي الجعد الأشجعي. عن ثوبان. وعنه عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى. له عند كل منهما فرد حديث. وثقه ابن حبان. ينظر: «الخلاصة» (2/ 46) . (3) هو: ثوبان بن بجدد. مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قال ابن الأثير في «الأسد» : هو من «حمير» من «اليمن» ، وقيل: هو من سعد العشيرة من «مذحج» ، أصابه سباء، فاشتراه رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأعتقه، وقال له: «إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منا أهل البيت» . فثبت على ولاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفي رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فخرج إلى الشام فنزل إلى «الرملة» وابتنى بها دارا، وابتنى ب «مصر» دارا، وب «حمص» دارا، وتوفي بها سنة (54) . روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم أحاديث ذوات عدد. روى عنه شداد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن أبي طلحة، وأبي الأشعث الصنعاني، وأبي أسماء الرحبي، وغيرهم. قال البرقي: روي عنه نحو من خمسين حديثا. توفي ب «حمص» سنة (54) . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 296) ، «الإصابة» (1/ 212) ، «الثقات» (3/ 48) ، «الاستيعاب» (1/ 218) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 7) ، «العبر» (1/ 59) ، «در السحابة» (759) ، «صفة الصفوة» (670) ، «الحلية» (1/ 350) ، «التحفة اللطيفة» (1/ 401) ، «الوافي بالوفيات» (11/ 21) ، «التاريخ الكبير» (2/ 181) ، «الجرح والتعديل» (2/ 469) ، «تنقيح المقال» (1578) ، «الزهد» لوكيع (140) ، «بقي بن مخلد» (34) ، «تهذيب الكمال» (1/ 176، 4/ 413) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 31) ، «تقريب التهذيب» (1/ 120) ، «مشاهير علماء الأمصار» (324) .

الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» «1» . انتهى. وعن عائشةَ- رضي اللَّه عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه الحاكم في «مستدركه» ، وقال: صحيحُ الإِسناد «2» ، وقوله «فَيَعْتَلِجَانِ» ، أي: يتصارعان. وعن سَلْمَانِ» - رضي اللَّه عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» ، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال: صحيحُ الإِسناد «4» ، وعن ابْنِ عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من فتح له في

_ (1) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 29) رقم (86) . (2) أخرجه الحاكم (1/ 492) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (8/ 453) ، وابن الجوزي في «العلل» (2/ 359) ، من طريق زكريا بن منظور، عن عطاف بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وتعقّبه الذهبي فقال: زكريا بن منظور مجمع على ضعفه. وقال ابن الجوزي: لا يصح، قال يحيى: زكريا ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 149) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ، والبزار، وفيه زكريا بن منظور، وثقه أحمد بن صالح المصري، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. (3) هو: سلمان بن الإسلام. وسلمان الخير، وسلمان الفارسي. أبو عبد الله. مولى رسول الله صلّى الله عليه وسلم. كان اسمه قبل الإسلام: مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك، من ولد آب الملك. وأول مشاهده مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم الخندق، ولم يتخلف عن مشهد بعد الخندق، وآخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء. ومما ذكر في مناقبه قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: عليّ وعمار، وسلمان» ، كان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم وذي القرب من رسول الله صلّى الله عليه وسلم. روى عنه ابن عباس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو عثمان النهدي. وغيرهم. توفي سنة (35) آخر خلافة عثمان. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 417) ، «الإصابة» (3/ 113) ، «الاستيعاب» (2/ 634) ، «الاستبصار» (125) ، «الرياض المستطابة» (102) ، «حلية الأولياء» (6/ 367) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 84) ، «صفة الصفوة» (1/ 523) ، «التاريخ الكبير» (4/ 134) ، «التاريخ الصغير» (1/ 71) ، «تاريخ بغداد» (1/ 163) ، «الكاشف» (1/ 382) ، «تاريخ جرجان» (64، 138) ، «التحفة اللطيفة» (167) . (4) أخرجه الحاكم (1/ 544) ، من طريق عبد الله بن صالح، ثنا معاوية بن صالح، عن أبي عامر الألهاني، عن أبي هريرة مرفوعا. -

الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ» «1» ، قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- في كتابِ «الإِحياء» : «فإِن قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاء يردّ القلب إلى الله عز وجلّ بالتضرُّع والاستكانةِ» ، فانظره، فإِني اثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ. ومن «جامع الترمذيِّ» . عن أبي خُزَامَةَ «2» ، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر اللَّهُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ «3» . وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه ... » الحديث هو من هذا المعنى. انتهى، والله الموفق بفضله. 46 ب وقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي/ قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ «4» : معناه: «فَلْيَدْعُونِي» . قال ع «5» : المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «استفعل» ، أي: طلب

_ - وقال الحاكم: صحيح الإسناد، احتج البخاري بابن صالح. وأبو عامر الألهاني أظنه الهوزني، وهو صدوق. ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي (3382) ، من طريق شهر بن حوشب، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: غريب. (1) أخرجه الحاكم (1/ 498) . وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: المليكي ضعيف. (2) أبو خزامة. ذكره المؤلف (رحمنا الله وإياه) بغير نسبة، قال ابن الأثير: كان يسكن «الجناب» ، وهي أرض عذرة. له صحبة، عداده من أهل «الحجاز» . روى عن عطاء بن يسار. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 88) ، و «الإصابة» (7/ 51) ، و «بقي بن مخلد» (319) . [.....] (3) أخرجه الترمذي (4/ 399- 400) ، كتاب «الطب» ، باب ما جاء في الرقى والأدوية، حديث (2065) ، وابن ماجة (2/ 137) ، كتاب «الطب» ، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث (3437) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (4) عبد الله بن واقد بن الحارث، الحنفي، أبو رجاء الهروي. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وأبي هارون العبدي. وعنه إسحاق بن منصور السّلولي. وثقه أحمد وابن معين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 108) . (5) «المحرر الوجيز» (1/ 256) .

الشيء إِلا ما شَذَّ مثل: استغنى اللَّهُ. وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي: بالطاعة، والعملِ «1» . فائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ «2» بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ «3» في «كتاب المُجَالَسَة» ، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ أن رجلاً وقَفَ على قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى: عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ. انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم» ، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده. وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» «4» . انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 166) برقم (2921) بلفظ: قوله: «فليستجيبوا لي» قال: فليطيعوا لي. قال: «الاستجابة» الطاعة، وذكره ابن عطية (1/ 256) . (2) وهو الشيخ تاج الدين علي بن محمد بن الدريهم الموصلي، المتوفى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكتابه هذا ذكره حاجي خليفة بعنوان «غاية المغنم في الاسم الأعظم» ، وذكر عنه أنه أورد فيه من الأحاديث وأقوال العلماء. ينظر: «كشف الظنون» (1194) . (3) «المجالسة» - لأحمد بن مروان الدينوري المالكي، المتوفى سنة 310 عشرة وثلاثمائة، ضمّنه من كتب الأحاديث والأخبار ومحاسن النوادر والآثار، ومنتفى الحكم والأشعار، وانتخب منه بعضهم وسماه «نخبة المؤانسة من كتاب المجالسة» . ينظر: «كشف الظنون» (2/ 1591) . (4) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (2/ 21) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 187 إلى 188]

قال ابن عطاء الله في «لطائف المنن» : وإِذا أراد اللَّه أن يعطِيَ عبداً شيئاً وهبه الاضطرار إِلَيْهِ فيه، فيطلبه بالاِضطرارِ، فيعطى، وإِذا أراد اللَّه أن يمنع عبداً أمراً، منعه الاضطرَار إِلَيْه فيه، ثم منعه إِياه، فلا يُخَافُ علَيْكَ أن تضطرَّ، وتطلب، فلا تعطى، بل يُخَافُ عليك أنْ تُحْرَمَ الاضطرارَ، فتحرم الطَّلَب، أو تَطْلُب بغير اضطرارٍ، فتحرم العطاء. انتهى. وقوله سبحانه: وَلْيُؤْمِنُوا بِي، قال أبو رجاءٍ: في أنَّني أجيبُ دعاءهم، وقال غيره: بل ذلك دعاءٌ إِلى الإِيمان بجملته. [سورة البقرة (2) : الآيات 187 الى 188] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ... الآيةَ: لفظة أُحِلَّ تقتضي أنه كان محرَّماً قبل ذلك «1» ، ولَيْلَةَ: نصب على الظّرف. والرَّفَثُ: كناية عن الجِمَاع لأن اللَّه تعالى كريمٌ يُكَنِّي قاله ابن عَبَّاس «2» وغيره، والرَّفَثُ في غير هذا: ما فَحُشَ من القول، وقال أبو إِسْحَاق «3» : الرَّفَثُ: كلُّ ما يأتيه الرجُلُ، مع المرأة من قُبْلةٍ، ولَمُسٍ «4» . ع «5» : أو كلامٍ في هذا المعنى، وسببُ هذه الآيةِ فيما قال ابن عَبَّاس وغيره: إِن جماعةً من المسلمين اختانوا أنفُسَهُم، وأصابوا النِّسَاء بعد النّوم، أو بعد صلاة العشاء على

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (5/ 88- 89) . (2) أخرجه الطبري (2/ 167- 168) برقم (2928) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (3/ 179) برقم (13230) . وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 256) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 156) . (3) «معاني القرآن» (1/ 255) ، ولفظه: الرّفث: كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة. وينظر: «عمدة الحفاظ» (2/ 114) . (4) ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 257) . (5) «المحرر الوجيز» (1/ 257) .

الخلافِ في ذلك، منْهم عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب: جاء إِلى امرأته، فأرادها/، فقالَتْ له قد نمت، 47 أفظنّ أنها تَعْتَلُّ بذلك، فوقع بها، ثم تحقَّق أنها قد كانت نامَتْ، وكان الوطْءُ بعد نَوْمِ أحدهما ممنوعاً، فذهب عُمَرُ، فاعتذر عنْدَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنَزَلَ صدْرُ الآية «1» ، وروي أن صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ «2» نام قَبْل الأكْلِ، فبقي كذلك دُونَ أكْلٍ، حتى غُشِيَ علَيْهِ في نهارِهِ المُقْبِلِ، فنَزَلَ فيه مَنْ قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا «3» . واللِّبَاسُ: أصله في الثِّيَاب، ثم شبه التباس الرَّجُلٍ بالمرأةِ بذلك. وتَابَ عَلَيْكُمْ، أي: من المعصية التي وقعتم فيها. قال ابنُ عبَّاس وغيره: بَاشِرُوهُنَّ كنايةٌ عن الجماعة، وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ «4» اللَّهُ لَكُمْ. قال ابن عبَّاس وغيره: أي: ابتغوا الوَلَدَ «5» ، قال الفَخْر «6» والمعنى: لا تباشروهن لقضاء الشهوة فقطْ، ولكنْ لابتغاء ما وَضَعَ اللَّه له النِّكاح من التناسُلِ، قال- عليه

_ (1) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 170- 171 رقم (2943، 2948، 2949) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 357) ، وعزاه إلى أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بسند حسن، عن كعب بن مالك. (2) صرمة بن قيس بن مالك، النجاري، الأوسي، أبو قيس: شاعر جاهلي، عمر طويلا، وترهب، وفارق الأوثان في الجاهلية. وكان معظما في قومه. أدرك الإسلام في شيخوخته، وأسلم عام الهجرة. ينظر: «الأعلام» (3/ 203) ، و «الإصابة» ت (4056) ، و «الروض الأنف» (2/ 21) . [.....] (3) أخرجه الطبري (2/ 170- 171- 173) برقم (2945، 2947، 2957) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 358) ، وعزاه إلى وكيع، وعبد بن حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. (4) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 174) رقم (2961) ، (2966) . وذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 359) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي. (5) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 175) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 257) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 359) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم. (6) «التفسير الكبير» (5/ 92) .

السلام-: «تَنَاكَحُوا، تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ» «1» انتهى.

_ (1) أخرجه ابن ماجه (1/ 599) ، كتاب «النكاح» ، باب تزويج الحرائر والولود، حديث (1863) ، من طريق طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «انكحوا فإني مكاثر بكم» . وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 73) : هذا إسناد ضعيف لضعف طلحة بن عمرو المكي الحضرمي اهـ. وطلحة بن عمرو: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال أحمد: لا شيء متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وكذلك ضعفه ابن حبان وغيره. وله لفظ آخر بإسناد آخر: أخرجه أبو داود (2/ 542) ، كتاب «النكاح» ، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث (2050) ، والنسائي (6/ 60- 66) ، كتاب «النكاح» ، باب كراهية تزويج العقيم، والحاكم (2/ 162) ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 62) ، من حديث معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه أيضا ابن حبان (1229- موارد) ، والبيهقي (7/ 81) ، كتاب «النكاح» ، باب استحباب التزويج بالودود الولود. وأخرجه أحمد (3/ 158، 245) ، وسعيد بن منصور (1/ 164) رقم (490) ، وابن حبان (1228- موارد) ، والبيهقي (7/ 81- 82) ، كتاب «النكاح» ، باب استحباب التزوج بالودود الولود، والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (675) ، وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 219) ، من حديث أنس بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء» . وصححه ابن حبان. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 261) ، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» ، وإسناده حسن. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (6/ 2147) ، ومن طريقه البيهقي (7/ 78) ، من حديث أبي أمامة بلفظ: «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى» . وفيه محمد بن ثابت البصري، وهو ضعيف قاله الحافظ في «التقريب» (2/ 148) . وأخرجه ابن ماجة (1/ 592) ، كتاب «النكاح» ، باب ما جاء في فضل النكاح، حديث (1846) ، من طريق عيسى بن ميمون، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «النكاح من سنتي، فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء» . قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 65) : هذا إسناد ضعيف لضعف عيسى بن ميمون اهـ. وضعفه الحافظ ابن حجر في «تلخيصه» (2/ 102) ، وقال: ضعيف. -

وقيل: المعنى: ابتغوا ليلةَ القَدْرِ. وقيل: ابتغوا الرُّخْصَة، والتوسعَةَ قاله قتادة، وهو قول حَسَنٌ» . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ... الآيةُ: نزلت بسبب صرمة بن قيس، وحَتَّى: غايةٌ للتبيُّن، ولا يصحُّ أن يقع التبيُّن لأحد، ويحرم عليه الأكل إِلا وقدْ مَضَى لطُلُوع الفجْرِ قدْرٌ، والخيط استعارةٌ وتشبيه لرقَّة البياضِ أولاً، ورقَّةُ السوادِ إِلحاقٌ به، والمرادُ فيما قال جميع العلماء «2» : بياضُ النهارِ، وسوادُ الليل. ومِنَ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والْفَجْرِ: مأخوذ من تَفَجُّر الماء لأنه ينفجر شيئاً بعد شيْء، وروي عن سَهْل بن سعدٍ وغيره من الصحَابة أن الآية نزلَتْ إِلا قوله: مِنَ الْفَجْرِ، فصنع بعض الناسِ خَيْطَيْنِ، أَبْيَضَ وأسْوَدَ، فنزَلَ قوله تعالى: مِنَ الْفَجْرِ «3» . ع «4» : ورُوِيَ أنَّهُ كَانَ بَيْنَ طرفَيِ المُدَّة عام من رمضان إلى رمضان تأخّر

_ وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (12/ 377) ، من حديث ابن عمر بلفظ: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» . وأخرجه عبد الرزاق (6/ 173) رقم (10391) عن سعيد بن أبي هلال مرسلا. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» برقم (1782) . (1) أخرجه الطبري (2/ 176) برقم (2987) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 157) ، وابن عطية من «المحرر الوجيز» (1/ 257- 258) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 359) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) ينظر: «الطبري» (3/ 509) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 258) ، و «الرازي» (5/ 94) ، و «الوسيط» (1/ 287) ، و «بحر العلوم» (1/ 186) . (3) أخرجه البخاري (4/ 157) كتاب «الصوم» ، باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ. حديث (1917) . ومسلم (2/ 767) كتاب «الصيام» ، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره، حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، حديث (34/ 1091) . والنسائي (6/ 297) (الكبرى) ، كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. حديث (11022/ 2) . والطبري في «التفسير» (2/ 187) رقم (2998) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 158) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 258) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 360) ، وعزاه إلى البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 258) .

البيان «1» إِلى وقت الحاجة، وعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ جعل خيطين على وساده، وأخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلم

_ (1) تأخر البيان إلى وقت الحاجة: بادىء ذي بدء أقول: هناك حالان لكل ما يحتاج إلى تأخير بيان، من عام، ومجمل، ومجاز، ومشترك، وفعل متردد ومطلق: الحال الأول: أن يتأخر عن وقت الحاجة، وهو الوقت الذي إن أخر البيان عنه لم يتمكن المكلّف من المعرفة بما تضمنه الخطاب، وهذا يكون في كل ما كان واجبا على الفور، كالإيمان، ورد الودائع. وقد حكى أبو بكر الباقلاني إجماع أرباب الشرائع على امتناعه. الحال الثاني: أن يؤخر عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل، وذلك في الواجبات التي ليست على الفور، ويكون فيما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة، أو له ظاهر وقد استعمل في خلافه، كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، ونحوه. وقد اختلف العلماء في هذا القسم على مذاهب: الأول: الجواز مطلقا، وعليه عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين، كما قال ابن برهان. ومنهم ابن فورك، والقاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني، ونقلوه عن ابن سريج، والإصطخري، والقفال، وكثير من علماء الشافعية. ونقل عن الشافعي- كما قال الزركشي في «البحر» . وقد اختاره الرازي في «المحصول» ، وابن الحاجب، وقال الباجي: عليه أكثر أصحابنا. وحكاه القاضي عن مالك. واستدلوا بآيات، منها قوله سبحانه: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: 18- 19] . وهناك حوادث كثيرة جدا- كما يقول الشوكاني- وقع البيان لها بعد السّنة. المذهب الثاني: المنع مطلقا، ونقل عن أبي إسحاق المروزي، والصيرفي، وأبي حامد المروزي، والدقاق، ومن المالكية: الأبهري. قال القاضي: وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنفية، وابن داود الظاهري، ونقله القشيري عن داود. وقد استدل هؤلاء بما لا طائل تحته، قالوا: لو جاز ذلك فإما أن يجوز إلى مدة معينة أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى المدة المعينة فلكونه تحكما، ولكونه لم يقل به أحد. وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور، وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم. وأجيب عنهم: باختيار جوازه إلى مدة معينة يعلمها الله، وهو الوقت الذي يعلم أنه يكلف به فيه فلا تحكم. المذهب الثالث: جوازه في المجمل دون غيره، وحكي عن الصيرفي وأبي حامد المروزي. المذهب الرابع: جوازه في العموم، وحكي عن عبد الجبار، وحكاه الروياني والماوردي وجها لأصحاب الشافعي. المذهب الخامس: جوازه في الأوامر والنواهي، لا في الأخبار، وحكي عن الكرخي وبعض المعتزلة. المذهب السادس: عكسه. حكاه الشيخ أبو إسحاق، ولم ينسبه إلى أحد. المذهب السابع: جوازه في النسخ دون غيره، ذكره أبو الحسين البصري، وأبو علي، وأبو هاشم، وعبد الجبار. المذهب الثامن: التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك فلا يجوز، وما له ظاهر كالعام فيجوز. المذهب التاسع: أن بيان المجمل إن لم يكن تبديلا ولا تغييرا، جاز مقارنا وطارئا، وإن كان تغييرا جاز مقارنا، ولا يجوز طارئا. نقله ابن السمعاني عن أبي زيد من الأحناف.

فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» «1» . واختلف في الحدِّ الذي بتبيُّنه يجبُ الإِمساك، فقال الجمهورُ، وبه أخذ الناس، ومضَتْ عليه الأمصار والأعصار، ووردتْ به الأحاديثُ الصِّحَاحُ: إِنه الفَجْر المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فبطلوعِ أوله في الأفق يجبُ الإمساكُ، وروي عن عثمانَ بن عفَّان، وحذيفةَ بن اليَمَانِ، وابن عبَّاس وغيرهم أن الإِمساك يجبُ بتبيُّن الفَجْر في الطُّرُق، وعلى رءوس الجبالِ «2» ، وذكر عن حُذَيفة أنه قال: «تسحّرت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وَهُوَ النَّهارُ إِلاَّ أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» «3» . ومن أكل، وهو يشكُّ في الفجر، فعليه القضاء عند مالك. وقوله سبحانه: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر يقتضي الوجوب، وإِلى: غايةٌ، وإِذا كان ما بعدها من جنْسِ ما قبلها، فهو داخلٌ في حكمه، وإِذا كان من غير جنْسه، لم يدخلْ في المحدودِ، والليلُ: الذي يتم به الصيامُ: مَغِيبُ قرص الشمسِ، فمن أفطر شاكًّا في غروبها، فالمشهورُ من المَذْهَب أنَّ عليه القضاءَ والكفَّارةَ. وروى أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «ثَلاَثةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، والإِمَامُ العَادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ تعالى: وَعِزَّتِي، لأَنْصُرَنَّكِ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» رواه الترمذيُّ/، وابن ماجة، وابن حِبَّان

_ - والمذاهب الثمانية الأخيرة ضعيفة كما أشار إلى ذلك الشوكاني، قال رحمه الله: وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا لا ينكره من له أدنى خبرة بها وممارسة لها. ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (3/ 493) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 166) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (3/ 28) ، «نهاية السول» (2/ 540) ، «زوائد الأصول» للأسنوي (ص 304) ، «منهاج العقول» (2/ 220) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص 86) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 429) ، «المنخول» للغزالي (ص 68) ، «المستصفى» له (1/ 368) ، «حاشية البناني» (2/ 69) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 121) ، «حاشية العطار لجمع الجوامع» (2/ 102) ، «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 314) ، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (1/ 81) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (2/ 164) . وينظر: «كشف الأسرار» (3/ 108) ، «المسودة» (181) ، «شرح العضد» (2/ 164) . (1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه الطبري (2/ 179) برقم (3002) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 258) . [.....] (3) أخرجه الطبري (2/ 181) برقم (3019) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 258) .

في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ: واللفظ له حديثٌ حسنٌ، ولفظ ابن ماجة: «حتى يُفْطِرَ» «1» . انتهى من «السّلاح» . وعنه صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَّا تُرَدُّ» ، رواه ابنُ السُّنِّيِّ «2» . انتهى من «حِلْيَة النوويِّ» «3» . وعنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ» . رواه البخاريُّ ومسلم. انتهى «4» . وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ، عن واصل «5» مولى أبي عيينة، عن لقيط أبِي المُغيرَةِ، عن أبي بُرْدَة «6» : أنَّ أبا موسى الأشعريّ كان في سفينة

_ (1) أخرجه الترمذي (5/ 539) ، كتاب «الدعوات» ، باب «في العفو والعافية» ، حديث (3598) ، وابن ماجة (1/ 557) ، كتاب «الصيام» ، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث (1752) ، والبيهقي (3/ 345) ، كتاب «صلاة الاستسقاء» ، باب استحباب الصيام للاستسقاء لما يرجى من دعاء الصائم، (8/ 162) ، كتاب «قتال أهل البغي» ، باب فضل الإمام العادل، و (10/ 88) ، كتاب «آداب القاضي» ، باب فضل من ابتلي بشيء من الأعمال، فقام فيه بالقسط، وقضى بالحق، وابن حبان كما في «موارد الظمآن» (3/ 198) ، باب دعوة الصائم وغيره، حديث (894) ، والطيالسي (1/ 255) ، حديث (1264) ، وأحمد (2/ 304- 305) ، من حديث أبي هريرة بلفظ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر ... » وقال الترمذي: «هذا حديث حسن» . (2) أخرجه ابن ماجة (1/ 557) ، كتاب «الصيام» ، باب في الصائم لا ترد دعوته، حديث (1753) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (482) ، من طريق عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا. وقال البوصيري في «الزوائد» : إسناده صحيح. (3) «حلية» النووي (ص 224) . (4) تقدم تخريجه. (5) واصل الأسدي مولى أبي عيينة بن المهلّب. عن ابن بريدة، والضّحّاك. وعنه حمّاد بن زيد، وعبّاد بن عبّاد. وثقه ابن معين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 126) . (6) هو: عامر بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب ... أبو بردة. الأشعري. مشهور بكنيته كأخيه. قال ابن حجر في «الإصابة» : قال البغوي: سكن «الكوفة» . وروى حديثه أحمد، والحاكم من طريق عاصم الأول عن كريب بن الحارث بن أبي موسى عن عمه أبي بردة قال: قال رسول الله: «اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون» . وله ذكر في حديث آخر من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى عن جده أبي موسى قال: خرجنا من اليمن في بعض وخمسين رجلا من قومنا ونحن ثلاثة إخوة: أبو موسى، وأبو بردة، وأبو رهم، فأخرجتنا سفينة إلى النجاشي. أخرجه البغوي من هذا الوجه. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 29) ، «الإصابة» (7/ 17) ، «الثقات» (3/ 451) ، «تجريد أسماء-

في البَحْر مرفوعٍ شراعُها، فإِذا رجُلٌ يقول: يأَهْلَ السفينةِ، قِفُوا سبْعَ مرارٍ، فقلْنا: ألا ترى على أيِّ حالٍ نحْنُ، ثم قال في السابعة، قِفُوا أخبرْكُمْ بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّه من عَطَّشَ نَفْسَهُ للَّهِ في يومٍ حارٍّ من أيامِ الدُّنْيَا شديدِ الحَرِّ، كان حقًّا على اللَّه أنْ يرويه يوم القيامة، فكان أبو موسى يبتغي اليَوْمَ الشَّديدَ الحَرِّ، فيصومه. انتهى. قال يوسُفُ بن يَحْيَى التَّادِلِيُّ في «كتاب التشوُّف» ، وخرَّج عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» عن هشامِ بنِ حَسَّان «1» ، عن واصلِ بن لَقِيط، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قَالَ: «غَزَا النَّاسُ بَرًّا وبحراً، فكنْتُ ممَّن غَزَا في البَحْر، فبينما نحْنُ نسيرُ في البَحْر إِذ سمعنا صوتاً يقول: يأهل السفينة، قِفُوا أخبرْكُم، فنظرنا يميناً وشَمالاً، فلم نر شيئاً إِلا لُجَّةَ البحر، ثم نادى الثانيةَ حتى نادى سبْعَ مراتٍ، يقول كذلك، قال أبو موسى: فلما كانَتِ السابعةُ، قُمْتُ، فقُلْتُ: ما تخبرنا؟ قال: أخبركم بقضاءٍ قضاه اللَّه على نَفْسِهِ أنَّ من عَطِشَ للَّه في يوم حَارٍّ، أنْ يرويه اللَّه يوم القيامة» «2» ، وذكره ابن حَبِيب في «الواضحة» بلفظ آخر. انتهى. قال ابن المبارك: وأخبرنا أبو بكر بن أبي مَرْيَم الغَسَّانيّ «3» ، قال: حدَّثني ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ «4» ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ بَاباً، وإِنَّ بابَ العبادة الصيام» «5» . انتهى.

_ - الصحابة» (2/ 151) ، «بقي بن مخلد» (883) ، «الاستيعاب» (4/ 1608) ، «التاريخ الكبير» (1/ 211) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1579) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 18) ، «تقريب التهذيب» (2/ 394) ، «تعجيل المنفعة» (468) ، «الاستبصار» (238) ، «الجرح والتعديل» (9/ 436) ، «الكاشف» (3/ 312) . (1) هشام بن حسّان القردوسي الأزدي، مولاهم، أبو عبد الله البصري. أحد الأعلام. عن حفصة، ومحمد، وأنس بن سيرين، وطائفة. وعنه السفيانان والحمّادان. ضعفه القطان عن عطاء. وقال عباد بن منصور: ما رأيته عند الحسن قط، قال أبو حاتم: صدوق. قال مكي بن إبراهيم: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 113) . (2) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 329) ، وعزاه للبيهقي. (3) أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني، الحمصي، اسمه: بكير، أو عبد السّلام. عن مكحول، وخالد بن معدان. وعنه إسماعيل بن عيّاش، وبقيّة. قال الحافظ أبو عبد الله: ضعيف. توفي سنة ست وخمسين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 203) . (4) ضمرة بن حبيب الزّبيدي، أبو عبيد الحمصي. عن أبي أمامة، وشدّاد بن أوس. وعنه ابنه عتبة، وأرطاة بن المنذر. وثقه ابن معين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 6) . (5) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 500) رقم (1423) ، وهناد بن السري في «الزهد» (2/ 358) رقم (679) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1032) ، عن ضمرة بن حبيب مرسلا.

وروى البخاريُّ ومسلم في «صحيحيهما» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إِنَّمَا يَدَعُ شَهْوتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» «1» . انتهى. وقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قالتْ فرقة: المعنى: ولا تجامعوهُنَّ، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجِمَاعِ، فما دونه ممّا يتلذّذ به من النساء، وعاكِفُونَ، أيْ: مُلاَزِمُون، قال مالكٌ- رحمه اللَّه- وجماعةٌ معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجُمُعَاتِ «2» ، وروي عن مالكٍ أيضاً أنَّ ذلك في كل مسجدٍ، ويخرج إِلى الجُمُعة كما يخرج إِلى ضروريِّ أشغالِهِ، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «3» : وحرم اللَّه سبحانه المباشَرَةَ في المَسْجد وكذلك تحرم خارجَ المَسْجِدِ لأن معنى الآية، ولا تباشرُوهُنَّ وأنتم ملتزمون لِلاعتكاف في المساجد معتقدون له. انتهى. وتِلْكَ إِشارةٌ إِلى هذه الأوامر والنواهِي. والحُدُودُ: الحواجزُ بيْن الإِباحة والحظر ومنه قيل للبوَّاب حَدَّاد لأنه يمنع ومنه الحَادُّ لأنها تُمنع من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق. 48 أوقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... الآية: الخطاب لأمة/ نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم ويدخلُ في هذه الآيةِ القِمَارُ، والخُدَعُ، والغُصُوب، وجَحْد الحُقُوق، وغَيْرُ ذلك. وقوله سبحانه: وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ... الآية: يقال: أَدْلَى الرَّجُلُ بحجّة، أو

_ (1) تقدم تخريجه. [.....] (2) لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد لقوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ووجه الدلالة من الآية: أنه لو صح في غير المسجد لم يختص تحريم المباشرة به لأن الجماع مناف للاعتكاف بالإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن المراد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها فدل على أنه لا يجوز إلا في المسجد، والأفضل أن يعتكف في المسجد الجامع لأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد الجامع ولأن الجماعة في صلواته أكثر ولأنه يخرج من الخلاف، فإن الزهري قال: لا يجوز في غيره. وإن نذر أن يعتكف في مسجد غير الثلاثة، وهي المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد المدينة، جاز أن يعتكف في غيره لأنه لا مزية لبعضها على بعض فلم تتعين ويصح الاعتكاف في كل مسجد، والجامع أفضل، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراط الجامع، والصواب جوازه في كل مسجد، ويصح في رحبته، وسطحه بلا خلاف، لأنهما منه. ينظر: «الاعتكاف» لشيخنا أحمد خليفة جبر. (3) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 96) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 189 إلى 192]

بأمْر يرجُو النَّجاح به، تشبيهاً بالذي يرسل الدَّلْو في البِئْر يرجُو بها الماءَ، قال قومٌ: معنى الآية: تُسَارعون في الأموال إِلى المخاصَمَة، إِذا علمْتم أنَّ الحُجَّة تقوم لكم إِمَّا بأن لا تكون على الجاحِدِ بيِّنة، أو يكون مالَ أمانةٍ كاليتيم ونحوه ممَّا يكون القول فيه قوله، فالباء في «بهاء» باءُ السبب «1» ، وقيل: معنى الآية: تُرْشُوا بهَا على أكْل أكثر منْها، فالباء إِلزاقٌ مجرَّدٌ وهذا القول يترجَّح لأن الحكَّام مَظِنَّةُ الرُّشَا، إِلاَّ من عُصِمَ، وهو الأقل، وأيضاً، فإِن اللفظتين متناسبتَان. تُدْلُوا: من إِرسال الدلْوِ، والرِّشْوَةُ: من الرِّشَاءِ كأنها يمدُّ بها لتقضي الحاجة. والفريق: القطعة، والجزء. وبِالْإِثْمِ أي: بالظلم. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي: أنكم مبطلون. [سورة البقرة (2) : الآيات 189 الى 192] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وقوله تعالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، قال ابنْ عَبَّاس، وغيره: نَزلَتْ على سؤالِ قَوْمٍ من المسلمين النبيّ صلّى الله عليه وسلم عنِ الهِلاَلِ، وما فائدةُ مُحَاقِهِ، وكمالِهِ، ومخالفته لحال الشمس «2» . ومَواقِيتُ أي: لمحَلِّ الدُّيون، وانقضاءِ العِدَدِ والأَكْرِيَةِ، وما أشبه، هذا من مصالحِ العبادِ، ومواقيت للحَجِّ أيضاً: يعرف بها وقته وأشهره. وقوله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ ... الآية: قال البَرَاء بن عَازِبٍ «3» ، والزهريّ،

_ (1) وقيل: إنها للتعدية، أي: لترسلوا بها إلى الحكام. ينظر: «الدر المصون» (1/ 478) . (2) أخرجه الطبراني في «تفسيره» (2/ 189) رقم (380) ، وذكره البغوي (2/ 160) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 261) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 368) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. (3) هو: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس ... أبو عمرو. وقيل: أبو عمارة، وهو الأصح. الأوسي. الأنصاري. قال ابن الأثير في «الأسد» : -

وقتادة: سببها أن الأنصار كانوا إِذا حَجُّوا، أو اعتمروا، يلتزمون تشرُّعاً ألاَّ يحول بينهم وبَيْن السماء حائلٌ، فكانوا يتسنَّمون ظهور بيوتِهِم على الجُدُرَاتِ «1» ، وقيل: كانوا يجعلون في ظهور بيوتهم فُتُوحاً يدخلُون منْها، ولا يدخلون من الأبواب «2» ، وقيل غير هذا ممَّا يشبهه «3» . وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآيةُ هي أول آية نزلَتْ في الأمر بالقتالِ. قال ابن زَيْد، والربيعُ: قوله: وَلا تَعْتَدُوا أي: في قتالِ مَنْ لم يقاتلْكم، وهذه الموادَعَةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «4» [التوبة: 36] ، وقال ابن عبّاس وغيره:

_ - رده رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن «بدر» استصغره. وأول مشاهده «أحد» ، وقيل: «الخندق» . وغزا مع النبي صلّى الله عليه وسلم أربع عشرة غزوة. وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوة في قول أبي عمرو الشيباني. وقال أبو عبيدة: افتتحها حذيفة. نزل «الكوفة» وابتنى بها دارا. توفي في إمارة مصعب بن الزبير، وقيل: في سنة (72) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 205) ، «الإصابة» (1/ 147) ، «الاستيعاب» (1/ 155) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 46) ، «الطبقات الكبرى» (2/ 376) ، «الأعلام» (2/ 46) ، «التاريخ الكبير» (2/ 117) ، «التاريخ الصغير» (1/ 6) ، «الجرح والتعديل» (2/ 399) ، «تهذيب الكمال» (1/ 2139) ، «تهذيب التهذيب» (1/ 425) ، «تقريب التهذيب» (1/ 94) ، «تاريخ بغداد» (1/ 177) ، «تاريخ ابن معين» (2/ 147) ، «بقي بن مخلد» (14) ، «البداية والنهاية» (8/ 328) ، «التحفة اللطيفة» (1/ 364) ، «الوافي بالوفيات» (1/ 104) ، «الكاشف» (1/ 151) ، «الثقات» (3/ 26) ، «عنوان النجابة» (49) . (1) أخرجه الطبري (2/ 194) برقم (3090) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 160) ، وابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 261) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 368) ، وعزاه إلى الطيالسي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي المنذر، وابن أبي حاتم عن البراء. وفي (1/ 369) ، عن الزهري، وعزاه لابن جرير. والجدرة: حظيرة تصنع للغنم من حجارة. والجمع جدر. والجديرة: زرب الغنم. والجديرة: كنيف يتخذ من حجارة يكون للبهم وغيرها. ينظر: «لسان العرب» (566) . (2) أخرجه الطبري (2/ 192) رقم (3082) ، ورقم (3089) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 160) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 261) ، عن البراء بن عازب، والزهري، وقتادة. والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 369) ، عن الزهري. (3) أخرجه الطبري (2/ 192/ 193/ 194) برقم (3082) ، (3083) عن البراء، وبرقم (3089) ، عن الزهري وبرقم (3090) عن قتادة، وذكره البغوي (1/ 160) ، وابن عطية (1/ 261) عن البراء بن عازب، والزهري، وقتادة. كما ذكره السيوطي (1/ 368- 369) ، عن البراء بن عازب، وقتادة. (4) أخرجه الطبري (2/ 195) برقم (3095) ، عن الربيع وبرقم (3096) ، عن زيد. وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 161) ، عن الربيع. وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 262) ، عن ابن زيد، والربيع.

وَلا تَعْتَدُوا في قتْلِ النساءِ، والصبيانِ، والرهبانِ، وشبههم فهي مُحْكَمَةٌ «1» . وقوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ... الآية: قال ابْنُ إِسحاق وغيره: نزَلَتْ هذه الآيةُ في شأنِ عَمْرو بن الحَضْرَمِيِّ، وواقدٍ، وهي سَرِيَّةُ عبد اللَّه بن جَحْش «2» ، وثَقِفْتُمُوهُمْ معناه: أحكمتم غلبتهم، يقال: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إِذا كان محكِماً لما يتناوَلُهُ من الأمور «3» . وأَخْرِجُوهُمْ: خطاب لجميع المؤمنين، والضمير لكفار قريش. والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، أي: الفتنةُ التي حملوكم علَيْها، ورامُوكم بِهَا على الرُّجوع إِلى الكفر- أشدُّ من القتْل، ويحتمل أن يكون المعنى: والفتنةُ، أي: الكفر والضَّلال الذي هم فيه أَشَدُّ في الحَرَمِ، وأعظم جُرْماً من القتل الَّذي عيَّروكم به في شأن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ. وقوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... الآية. قال الجمهورُ «4» : كان هذا ثُمَّ نُسِخَ، وقال مجاهد: الآية محكمةٌ «5» ، ولا يجوز قتال أحد، يعني: عند المسجد الحرام، إِلا بعد أن يقاتل. قلت: وظاهر قوله صلّى الله عليه وسلم: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي» «6» يقوي قول مجاهد، وهذا هو الراجح عند الإمام

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 196) برقم (3100) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 161) من قول ابن عباس، ومجاهد، وذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 262) ، عن ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد. والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 370) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. (2) عبد الله بن جحش الأسدي بن رياب، ابن يعمر الأسدي. حليف بني عبد شمس. أحد السابقين. قال ابن حبّان: له صحبة. وقال ابن إسحاق: هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرا. ودفن هو وحمزة في قبر واحد، وكان له يوم قتل نيف وأربعون سنة ينظر: «الإصابة» (4/ 31، 33) . (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 262) . (4) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 567) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 263) . [.....] (5) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 162) ، عن مجاهد، وجماعة، وابن عطية الأندلسي (1/ 263) عن مجاهد. (6) هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (46، 47) ، كتاب «جزاء الصيد» ، باب لا يحل القتال بمكة، -

الفَخْر «1» ، وأنَّ الآية محكمةٌ، ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم. انتهى. 48 ب قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «2» وقد روى الأئمّة/ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال يَوْمَ فَتْح مكَّة: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تعالى إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهَا لأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» «3» . فقد ثبت النهْيُ عن القتالِ فيها قُرآناً وسُنَّة، فإِن لجأ إِليها كافرٌ، فلا سبيل إِلَيْه، وأما الزانِي والقاتلُ، فلا بُدَّ من إِقامة الحَدِّ عليه إِلا أنْ يبتدىء الكافر بالقتَال فيها، فيقتل بنصِّ القرآن. انتهى. وقرأ حمزة والكسائيّ «4» : «وَلاَ تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حتى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فاقتلوهم» ، أي: فإِن قتلوا منْكم، والانتهاء في هذه الآية هو الدخول في الإسلام.

_ - حديث (1834) ، ومسلم (2/ 986، 987) ، كتاب «الحج» ، باب تحريم مكة، وصيدها، وخلاها، وشجرها، ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، حديث (445/ 1353) . وأبو داود (2/ 6) كتاب «الجهاد» ، باب في الهجرة هل انقطعت، حديث (2480) ، والنسائي (7/ 146) كتاب «الجهاد» ، باب ذكر الاختلاف في انقطاع الهجرة. والترمذي (4/ 126) كتاب «السير» ، باب ما جاء في الهجرة، حديث (159) . والدارمي (2/ 239) ، كتاب «السير» ، باب لا هجرة بعد الفتح. وعبد الرزاق (5/ 309) رقم (9713) . وابن الجارود (1030) . وابن حبان (4845- الإحسان) ، والبيهقي (5/ 195) ، والطبراني في «الكبير» رقم (10944) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 520- بتحقيقنا) ، من طريق منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم فذكره. (1) ينظر: «التفسير الكبير» (5/ 113) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 106- 107) . (3) ينظر الحديث السابق. (4) وحجة جمهور السبعة قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193] . وحجة أخرى، وهي: أن القتال إنما يؤمر به الأحياء، فأما المقتولون، فإنهم لا يقاتلون فيؤمروا به، وعلى قراءة الأخوين ظاهره أمر للمقتول بقتل القاتلين، وذلك محال. وحجتهما: أن وصف المؤمنين بالقتل في سبيل الله أبلغ في الثناء، وأن المقصود: فإن قتلوا بعضكم فاقتلوهم، وحكى الفراء عن العرب أنهم يقولون: قتلنا بني فلان. وإنما قتلوا بعضهم. واحتجا بأثر: «ولا تبدءوهم بالقتل حتى يبدءوكم به» . ينظر: «حجة القراءات» (128) ، و «السبعة» (179) ، و «الكشف» (1/ 285) ، و «الحجة» (2/ 284- 285) ، و «العنوان» (73) ، و «شرح الطيبة» (4/ 94- 96) ، و «شرح شعلة» (286) ، و «إتحاف» (1/ 433) ، و «معاني القراءات» (1/ 195) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 193 إلى 195]

[سورة البقرة (2) : الآيات 193 الى 195] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: الفتنة: هنا الشِّرْك، وما تابعه من أذى المؤمنين. قاله ابن عبّاس وغيره «1» . والدِّينُ هنا: الطاعةُ، والشَّرْعُ، والانتهاءُ في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفار أنْ يكون الدُّخُولَ في الإِسلام ويصحُّ أن يكون أداء الجزية. وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ... الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: نزلَتْ في عمرة القَضِيَّةِ، وعامِ الحديبيَةِ سنَةَ ستٍّ، حين صدَّهم المشركون، أي: الشهرُ الحرام الذي غلّبكم الله فيه، وأدخلكم الحرام عليهم سنَةَ سَبْعٍ- بالشهر الحرامِ الذي صدُّوكم فيه، والحرمات قصاصٌ «2» . وقالتْ فرقةٌ: قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: مقطوعٌ مما قبله «3» ، وهو ابتداء أمر كان في أول الإِسلام أنَّ من انتهك حرمَتَكَ، نِلْتَ منه مثْلَ ما اعتدى عليك. وَاتَّقُوا اللَّهَ: قيل: معناه في أَلاَّ تعتدوا، وقيل: في ألاَّ تزيدُوا على المثل. وقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... الآية: سبيلُ اللَّهِ هنا: الجهادُ، واللفظ يتناوَلُ بَعْدُ جميعَ سُبُلِهِ، وفي الصحيح أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ «4» كان على القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فحمل رجُلٌ على عَسْكَر العدُوِّ، فقال قومٌ: ألقى هذا بيده إِلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إِنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الأنصار، حين أرادوا، لمَّا ظهر الإِسلام أن يتركوا الجهادَ، ويَعْمُروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال الله تعالى

_ (1) أخرجه الطبري (1/ 200) برقم (3124) ، وذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 263) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 371) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي. (2) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 163) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 263) . (3) ذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (1/ 264) . (4) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، الأنصاري، النّجّاري، أبو أيوب المدني، شهد بدرا، والعقبة، وعليه نزل النبي صلّى الله عليه وسلم حين دخل المدينة. له مائة وخمسون حديثا. ينظر: «الخلاصة» (1/ 277) .

فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ «1» [البقرة: 207] . وقال ابن عبَّاس، وحذيفةُ بْنُ اليَمَانِ، وجمهورُ الناس: المعنى: لا تُلْقُوا بأيديكم بأنْ تتركُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّه، وتخافوا العَيْلَةَ «2» . وَأَحْسِنُوا: قيل: معناه: في أعمالكم بامتثال الطَّاعات روي ذلك عن بعض الصحابة «3» ، وقيل: المعنى: وأحسنوا في الإِنفاق في سبيل اللَّهِ، وفي الصَّدَقَات، قاله زَيْدُ بْنُ أَسْلَم «4» ، وقال عِكْرِمَة: المعنى: وأحْسِنُوا الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ «5» . ت: ولا شَكَّ أن لفظ الآية عامٌّ يتناول جميعَ ما ذكر، والمخصَّص يفتقر إِلى دليل. فأما حُسْن الظن باللَّه سبحانه، فقد جاءَتْ فيه أحاديثُ صحيحةٌ، فمنها: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» «6» ، وفي «صحيح مسلم» ، عن جابر، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة 49 أأيّام يَقُولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» «7» انتهى/. وأخرج أبو بكر بن الخطيب، بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «8» . انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 265) . (2) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 207) رقم (3155) . وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 164) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 265) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 374) ، وعزاه إلى الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 265) . [.....] (4) أخرجه الطبري (2/ 212) برقم (3190) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 265) . (5) أخرجه الطبري (2/ 212) ، رقم (3189) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 265) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 375) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، عن عكرمة. (6) تقدم تخريجه. (7) أخرجه مسلم (4/ 2204) كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث (81/ 2877) ، من حديث جابر. وابن ماجه (2/ 1295) ، كتاب «الزهد» ، باب «التوكل واليقين» رقم (4167) ، والبيهقي (3/ 378) كتاب «الجنائز» ، باب المريض يحسن ظنه بالله- عز وجل- ويرجو برحمته» ، وأحمد (3/ 293- 315- 325- 390) ، وابن حبان (2/ 403) ، كتاب «الرقاق» ، باب ذكر الأمر للمسلم بحسن الظن بمعبوده، مع قلة التقصير في الطاعات رقم (636) ، (2/ 404، 405) ، كتاب «الرقاق» ، باب حث المصطفى صلّى الله عليه وسلم على حسن الظن بمعبودهم جل وعلا، رقم (638) . (8) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 377) .

قال عبد الحَقِّ في «العاقبة» : أَمَّا حسْنُ الظنِّ باللَّهِ عزَّ وجلَّ عند الموت، فواجبٌ للحديث. انتهى. ويدخل في عموم الآية أنواعُ المعروف قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» «1» ، قَالَ أبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ «2» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنْ تُفَرِّغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تلقى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ» «3» ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام: «أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ» «4» ، وقال عليه الصلاة والسّلام: «إنّ لله

_ (1) أخرجه البخاري (10/ 462) كتاب «الأدب» ، باب كل معروف صدقة حديث (6021) ، ومسلم (2/ 697) ، كتاب «الزكاة» ، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف حديث (52/ 1005) . (2) هو جابر بن سليم، وقيل: سليم بن جابر، جريّ الهجيمي مشهور بكنيته. ينظر: «أسد الغابة» ت (637) ، «الاستيعاب» ت (305) ، «الثقات» (3/ 254) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 71) ، «تقريب التهذيب» (2/ 39) ، «الطبقات الكبرى» (179) ، «تهذيب الكمال» (1/ 178) ، «الوافي بالوفيات» (11/ 26) ، «التاريخ الصغير» (1/ 117) ، «التاريخ الكبير» (2/ 205) ، «الجرح والتعديل» (2/ 2027) ، «تبصير المنتبه» (3/ 915) ، «الإصابة» (1/ 542) . (3) أخرجه أبو داود (2/ 454) ، كتاب «اللباس» ، باب ما جاء في إسبال الإزار، حديث (4084) ، وأحمد (5/ 63) ، والحاكم (4/ 186) ، وابن حبان (866- موارد) . (4) أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 262- 263) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (301) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (9/ 319) من طريق المسيب بن واضح، ثنا علي بن بكار، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الطبراني: لم يروه عن هشام إلا علي، تفرد به المسيب، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 292) رقم (2380) : سألت أبي عن حديث رواه المسيب بن واضح، عن علي بن بكار، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» . قال أبي: هذا حديث منكر جدا اه. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 266) ، وقال: رواه الطبراني في «الصغير» ، و «الأوسط» بإسنادين في أحدهما يحيى بن خالد بن حيان الرقي، ولم أعرفه، ولا ولده أحمد، وفي الأخير المسيب بن واضح، قال أبو حاتم: يخطىء كثيرا. اه. وفي الباب عن أبي موسى، وابن عمر، وعمر، وعلي، وسلمان، وأبي الدرداء، وابن عباس، وأبي أمامة، وقبيصة بن مرة. حديث أبي موسى: أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (1/ 74) من طريق مؤمل بن إسماعيل، ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعا. وقال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا مؤمل. والحديث أخرجه الدارقطني في «العلل» (7/ 242- 243) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل-

_ - المتناهية» (2/ 508) رقم (838) ، من طريق مؤمل بن إسماعيل به. وقال الدارقطني: هذا حديث يرويه عاصم الأحول، واختلف عنه، فرواه مؤمل عن الثوري، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى. وخالفه هشام بن لاحق، رواه عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان، عن النبي صلّى الله عليه وسلم. وغيرهما يرويه عن عاصم، عن أبي عثمان، عن النبي صلّى الله عليه وسلم مرسلا، وهو الصواب. وقال ابن الجوزي: تفرد به مؤمل عن الثوري، فأسنده عن أبي موسى. حديث ابن عمر: أخرجه البزار (3295- كشف) ، وابن عدي في «الكامل» (5/ 2001) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 506) رقم (835) ، من طريق خازم بن مروان. قال: حدثني ابن السائب عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا. قال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 105) رقم (1808) : قال أبي الحديث الذي روي عن عطاء بن السائب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «أهل المعروف في الدنيا، أهل المعروف في الآخرة» . قال أبي: هذا حديث باطل. اه. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 265) ، وقال: رواه البزار، وفيه خازم أبو محمد قال أبو حاتم: مجهول. حديث عمر: قال الدارقطني في «العلل» (2/ 244- 246) : يرويه عاصم بن سليمان الأحول، واختلف عنه، فرواه مؤمل عن الثوري عن عاصم عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلم، ورواه هشام بن لاحق عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي صلّى الله عليه وسلم. وكلاهما وهم، والصّواب ما رواه حماد بن زيد، وغيره عن عاصم عن أبي عثمان عن عمر من قوله غير مرفوع، ورواه علي بن مسهر، وغيره، عن عاصم عن أبي عثمان قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرسلا، حدثنا أبو علي المالكي، ثنا زيد بن أخرم، ثنا عبد القاهر بن شعيب قال: ثنا هشام، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: سمعت عمر على المنبر يقول: «إن أهل المعروف ... الحديث» . والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/ 266) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه هشام بن لاحق تركه أحمد، وقوّاه النسائي، وبقية رجاله ثقات. اه. حديث أبي الدرداء: أخرجه الخطيب (10/ 420) من طريق هيذام بن قتيبة، قال: نا عبد الملك بن زيد أبو بشر البزار: قال: نا سفيان الثوري، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي الدرداء مرفوعا، ومن طريق الخطيب، أخرجه ابن الجوزي في «العلل» (2/ 508) رقم (840) ، وقال: هيذام مجهول. حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (11/ 71) رقم (11078) من طريق موسى بن أعين، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا. وأخرجه (11/ 190- 191) رقم (11460) ، من طريق عبد الله بن هارون الفروي، ثنا محمد بن منصور، حدثني أبي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا. -

عِبَاداً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» «1» . انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المجالس وأنس المجالس» . وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ

_ - والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (7/ 266) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ، و «الأوسط» ، وفي إسناد الكبير عبد الله بن هارون الفروي وهو ضعيف، وفي الآخر ليث بن أبي سليم. حديث أبي أمامة: أخرجه الطبراني في «الكبير» (8/ 312- 313) رقم (8015) ، وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 266) : وفيه من لم أعرفه. حديث قبيصة بن مرة: أخرجه الطبراني في «الكبير» (18/ 376) رقم (96) ، والبزار (3294- كشف) ، من طريق نصير بن عمرو بن يزيد بن قبيصة بن برمة الأسدي الكوفي قال: سمعت برمة بن ليث يقول: سمعت قبيصة بن برمة به مرفوعا. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 265) : وفيه علي بن أبي هاشم، قال أبو حاتم: هو صدوق إلا أنه ترك حديثه من أجل أن يتوقف في القرآن، وفيه من لم أعرفه. حديث علي: أخرجه الخطيب (2/ 244) ، من طريق محمد بن الحسين البغدادي، عن محمد بن عبد الله بن خليس، عن أبي عثمان بكر بن محمد المازني قال: سمعت سيبويه يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول: سمعت ذرا الهمداني يقول: سمعت الحارث العكلي عن علي بن أبي طالب مرفوعا. وله طريق آخر: أخرجه الخطيب (11/ 326) من طريق أيوب بن محمد، عن أبي عثمان المازني به. ومن طريقي الخطيب أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 507) رقم (836، 837) . وقال: هذا حديث لا يصح. أما حديث علي ففي الطريق الأول محمد بن الحسين البغدادي، وكان يسمي نفسه لاحقا، وقد وضع على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما لا يحصى ذكره الخطيب. وأما الطريق الثاني فإن أيوب بن محمد مجهول الحال. اه. وللحديث طريق آخر عن علي: أخرجه الحاكم (4/ 321) ، من طريق حبان بن علي عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي مرفوعا بلفظ: «يا علي، إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: الأصبغ واه، وحبان ضعفوه. حديث سليمان: أخرجه الطبراني في «الكبير» (6/ 246) رقم (6112) ، والعقيلي في «الضعفاء» (4/ 337) ، من طريق هشام بن لاحق، ثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان مرفوعا. قال ابن الجوزي في «العلل» (2/ 509) : وأما حديث سلمان فقال أحمد بن حنبل: تركت حديث هشام بن لاحق، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. (1) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» رقم (1007، 1008) .

[سورة البقرة (2) : آية 196]

[سورة البقرة (2) : آية 196] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) وقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: قال ابنُ زَيْد وغيره: إِتمامهما ألاَّ تفسخا، وأن تتمهما، إِذا بدأْتَ بهما «1» ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: إِتمامهما أنْ تقضي مناسكهما كاملةً بما كان فيهما من دماء «2» ، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ: إتمامهما أن تخريج قاصداً لهما، لا لتجارةٍ، ولا لغيرِ ذلك «3» ويؤيد هذا قولُهُ: لِلَّهِ. وفروضُ الحجِّ: النيَّة «4» ، والإحرام، والطواف «5» المتصل بالسعي، يعني: طواف

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 214) برقم (3207) ، وذكره ابن عطية (1/ 265) . (2) أخرجه الطبري (2/ 213) برقم (3194) . وذكره البغوي (1/ 165) ، وابن عطية (1/ 266) ، والسيوطي (1/ 376) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. [.....] (3) أخرجه الطبري (2/ 214) برقم (3206) ، وذكره البغوي (1/ 165- 166) ، وابن عطية (1/ 265) . (4) معناه: نية الدخول في الحج وكيفيته: أن يقصد الحج والإحرام به لله تعالى لخبر «إنما الأعمال بالنيات» ... ويشترط في النية أن تكون في أشهر الحج لقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ والمراد به وقت إحرام الحجّ. ويسن اقتران النية بالتلبية بأن ينوي ويلبي بلا فاصل، كما يسنّ في النية- التلفظ باللسان، ليساعد اللسان القلب، بأن يقول الشخص: نويت الحج وأحرمت به لله (تعالى) إذا كان يحج عن نفسه، أو نويت الحج عن فلان، وأحرمت به لله تعالى- إذا كان يحج عن غيره. وصيغة التلبية: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» . وقال أبو حنيفة (رضي الله عنه) : لا ينعقد الإحرام حتى يلبّي، أو يسوق الهدي، واستدل «أوّلا» بقوله (عليه الصلاة والسلام) : «أمرني جبريل أن آمر أصحابي بالتلبية ورفع الصوت. و «ثانيا» بالقياس على الصلاة. وأجيب عن الأول بأن الأمر أمر استحباب، وإلا لزم رفع الصوت، كما أجيب عن الثاني، بأنّ المقصود من الصلاة الذكر بخلاف الحجّ. (5) من أركان الحج الطواف بالبيت لقوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29] ، والمراد به طواف الإفاضة، لانعقاد الإجماع على ذلك، ولهذا الطواف أسماء غير ذلك، منها «طواف الزيارة» ، و «طواف الفرض» ، وقد يسمى «طواف الصّدر» بفتح الدال، والأشهر أن طواف الصدر هو طواف الوداع. ومحل طواف الإفاضة بعد الخروج من عرفة ولهذا سمي طواف الإفاضة، ويدخل وقته بنصف ليلة النحر، لمن وقف قبله قياسا على رمي جمرة العقبة، ولا آخر لوقته إذ الأصل، عدم التأقيت إلا إذا دلّ دليل على ذلك، ولا دليل ثمّة. -

الإِفاضة، والسَّعْيِ بين الصفا والمروة عنْدنا خلافاً لأبي حنيفة، والوقوفُ بعرفة «1» ، وزاد ابن الماجِشُونَ: جَمْرة العَقَبَة. وقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هذه الآية نزلَتْ عام الحديبية عنْد جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهورُ النَّاس على أنَّ المُحْصَرَ بالعَدُوِّ يَحِلُّ حيثُ أُحْصِرَ، وينحر هَدْيه، إِن كان ثَمَّ هَدْيٌ، ويحلق رأسه، وأما المُحْصَرُ بمرضٍ، فقال مالك، وجمهور من العلماء: لا يحله إِلا البيتُ، ويقيم حتى يُفِيقَ، وإِن أقام سنين، فإِذا وصل البيتَ، بعد فوت الحجِّ، قطع التلبيةَ في أوائل الحرم، وحلَّ بعمرة، ثم تكون عليه حجَّة قضاء، وفيها يكون الهَدْي. و «مَا» في موضع رفعٍ «2» ، أي: فالواجبُ، أو: فعليكُمْ ما استيسر، وهو شاةٌ عند الجمهور.

_ - ويسن تأخيره إلى بعد طلوع الشمس للاتباع، ويكره تأخيره عن يوم النحر، وفي تأخيره عن أيام التشريق كراهة شديدة، وعن خروجه من «مكة» كراهة أشد. (1) من أركان الحج: الوقوف بعرفة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «الحجّ عرفة» أي: معظمه، ويبتدىء وقته من زوال اليوم التاسع من ذي الحجة لما صح «أنّه صلّى الله عليه وسلم وقف بعد الزّوال» مع خبر «خذوا عنّي مناسككم» ، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحجّ» ، ففي أي جزء من الزمن المذكور وقف المحرم بأرض عرفة أجزأه، دون ما قبله، ودون ما بعده. نعم لو وقفوا يوم النحر غلطا لظنهم أنه اليوم التاسع بأن غم عليهم هلال ذي الحجّة، فأكملوا ذا القعدة ثلاثين، ثم بان أن الهلال أهلّ ليلة الثلاثين، أجزأهم ذلك الوقوف بدون قضاء، بشرط ألا يكون عددهم أقلّ من المعتاد، فإذا قلّ عددهم عن حسب العادة وجب عليهم القضاء، كما يجب عليهم القضاء إذا وقفوا اليوم الثامن أو الحادي عشر غلطا لندرة الغلط فيهما. والمعتبر في الوقوف بعرفة حضور المحرم بها ولو لحظة ماشيا كان أو راكبا، متيقظا كان أو نائما، وسواء حضر لغرض الوقوف أم لا، كأن كان هاربا أو مارّا في طلب آبق، وسواء علم أنها عرفة، أو لم يعلم أنها هي، وبالجملة فيجزىء الوقوف مع النوم ولو استغرق جميع الوقت، ومع الغفلة، ومع عدم المكث، ومع الجهل بالبقعة واليوم. وفي حكم أرض عرفة ما اتصل بها وكان في هوائها، فيكفي كون المحرم على دابّة أو سيّارة أو شجرة في أرض المذكورة. ولا يكفي كونه على غصن شجرة خارج عن هوائها، وإن كان أصل الغصن المذكور فيها، ولا كونه على غصن في هوائها وأصله ليس فيها، كما لا يكفي الطيران في جوّها، ولا الوقوف على جزء نقل منها إلى مكان آخر. وحدّ عرفة من وادي «عرنة» إلى الجبال المقبلة على عرفة إلى حوائط بستان بني عامر، وإلى طريق الحصن، وليست النّمرة، ولا وادي «عرنة» ، ولا صدر مسجد إبراهيم (عليه السلام) من عرفات. (2) وفيها قولان آخران: أحدهما: أنها في محل نصب، أي: فليهد، أو فلينحر. وهذا مذهب ثعلب.

وقال ابن عمر وعروة «1» : جَملٌ دون جَمَلٍ، وبقرةٌ دون بقرة «2» . وقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ الخطابُ لجميعِ الأمَّة، وقيل: للمحصَرِينَ خاصَّة، ومَحِلُّ الهَدْيِ: حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يُحصَرْ بمنى، والترتيب: أن يرمي الحاجُّ الجَمْرَة، ثم ينحر، ثم يَحْلِق، ثم يَطُوف للإِفاضة. وقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ... الآية: المعنى: فحَلَق لإِزالة الأذى، فَفِدْيَةٌ، وهذا هو فحْوَى الخطاب عند أكثر الأصوليِّين، ونزلَتْ هذه الآية في كَعْب بن عجرة «3» ، حين رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وَرَأْسُهُ يَتَنَاثَرُ قملاً، فَأَمَرَهُ بِالحَلاَّقِ، ونَزَلَتِ الرخْصَةُ. والصيامُ عند مالك، وجميع أصحابه: ثلاثةُ أيامٍ، والصدقة ستّة مساكين لكلّ

_ - والثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: فعليه ما استيسر. ويعزى للأخفش. ينظر: «الدر المصون» (1/ 484) . (1) عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، روى عن أبيه وأمه وكثير من الصحابة. قال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدّلاء. كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن. ولد سنة 29 هـ. ومات وهو صائم سنة 92 هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: «الخلاصة» (2/ 226) (4826) ، ابن سعد (5/ 132- 135) ، و «الحلية» (2/ 176- 183) ، «الوفيات» (3/ 255- 258) . (2) أخرجه الطبري (2/ 225) رقم (3275) ، وذكره ابن عطية (1/ 267) ، والسيوطي (1/ 384) ، وعزاه لوكيع، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طرق عن ابن عمر. (3) هو: كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد بن مري بن إراشة ... أبو محمد البلوي، حليف الأنصار. قال الواقدي: ليس بحليف للأنصار، ولكنه من أنفسهم. قال ابن سعد: طلبت اسمه في نسب الأمصار فلم أجده. وقال ابن الكلبي. وساق نسبه إلى «بلي» ثم قال: انتسب كعب في الأنصار في بني عمرو بن عوف، وتأخر إسلامه ثم أسلم وشهد المشاهد كلها. روى عنه ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عياش، وطارق بن شهاب وغيرهم. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 481) ، «الإصابة» (5/ 304) ، «الثقات» (3/ 351) ، «الاستيعاب» (2/ 1321) ، «الاستبصار» (195) ، «العبر» (1/ 57) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 31) ، «تاريخ جرجان» (296) ، «الأعلام» (5/ 227) ، «عنوان النجابة» (149) ، «الكاشف» (3/ 8) ، «الإكمال» (4/ 391) ، «الجرح والتعديل» (7/ 160) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1147) ، «تهذيب التهذيب» (8/ 435) ، «تقريب التهذيب» (2/ 135) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 52) .

مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وذلك مُدَّانِ بمُدِّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، والنُّسُكُ: شاة بإِجماع، ومَنْ أتى بأفضلَ منها ممَّا يذبح أو ينحر، فهو أفضلُ والمفتدِي مخيَّر في أيِّ هذه الثلاثة شاء، حيثُ شاء من مكَّة وغيرها. قال مالكٌ وغيره: كلَّما أتى في القرآن «أَوْ أَوْ» ، فإِنه على التخْيير. وقوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ، أي: من العدُوِّ المُحْصِرِ/، قاله ابن عبَّاس وغيره» ، 49 ب وهو أشبهُ باللَّفظ، وقيل: معناه: إِذا برأتم من مَرَضِكم «2» . وقوله سُبحانه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ... الآية. قال ابن عبَّاس وجماعةٌ من العلماء: الآيةُ في المحصَرين وغيرهم «3» ، وصورة المتمتِّع «4» أنْ تجتمعَ فيه ستَّةُ شروطٍ، أن يكون معتمراً في أشْهُر الحجِّ، وهو من غير

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 268) ، والسيوطي (1/ 384) ، وعزاه إلى سفيان بن عيينة، والشافعي في «الأم» ، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (2/ 251) ، وذكره البغوي (1/ 170) ، وابن عطية (1/ 268) . (3) أخرجه الطبري (2/ 254) برقم (3431) ، وذكره ابن عطية (1/ 268) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 387) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) وهو عكس الإفراد أن يحرم الشخص بالعمرة أوّلا من الميقات الذي مرّ عليه في طريقه إن كان غير ميقات بلده، ثم يأتي بأعمالها، وبعد الفراغ منها يحرم بالحج من «مكة» أو من الميقات الذي أحرم منه للعمرة، أو من مثل مسافته، أو من ميقات أقرب منه، وسواء كان إحرامه بالعمرة في أشهر الحج أو قبل أشهره، وسواء حج في العام الذي اعتمر فيه، أو أخر الحج إلى عام قابل، فللتمتع أربع صور، وسمّي الآتي به: متمتعا لأنه تمتّع بمحظورات الإحرام بين النّسكين. ولدم التمتع شروط أربعة: أن تقع عمرة المتمتع في أشهر الحج، فإذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج «سواء أتمها قبل دخول أشهر الحج أو أتمها فيها» فلا يجب عليه الدم، لأنه لم يجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، فأشبه المفرد. أن يحج من عامه، فإذا اعتمر في أشهر الحج ثم حج في عام آخر أو لم يحج أصلا، فلا دم عليه، لما روى البيهقي «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا» . ألا ويعود المتمتع بعد فراغه من العمرة إلى الميقات الذي أحرم منه أولا أو إلى ميقات آخر من مواقيت الحج ليحرم منه بالحج، فإن عاد المتمتع إلى الميقات ليحرم منه بالحج، فلا دم عليه لأن المقتضي للدم هو ذبح الميقات، وقد انتفى بعودة المتمتع إليه. ألا يكون المتمتع من حاضري المسجد الحرام، لقوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: 196] ، والمراد بحاضري المسجد الحرام من بين مساكنهم، والحرم أقل من مرحلتين، فإن كان المتمتع من أهل هذه الجهة، فلا يلزمه الدم، لقربه من الحرم، والقريب من الشيء يقال له: «حاضره» ، قال تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف: 163] أي-[.....]

خاضري المَسْجِد الحرام، ويحل وينشىء الحَجَّ من عَامِهِ ذلك، دون رُجُوع إِلى وطنه، أو ما ساواه بُعْداً، هذا قول مالِكٍ، وأصحابه، واختلف، لِمَ سُمِّيَ متمتعاً. فقال ابن القاسِمِ: لأنه تمتع بكلِّ ما لا يجوز للمُحْرِمِ فعْلُه مِنْ وقْت حلِّه في العمرة إِلى وقْت إِنشائه الحجِّ «1» ، وقال غيره: سمي متمتعاً لأنه تمتَّع بإِسقاط أحد السفرين، وذلك أنَّ حق العمرة أنْ تقصد بسَفَرٍ، وحقّ الحج كذلك، فلمَّا تمتع بإِسقاط أحدهما ألزمه اللَّه تعالى هَدْياً كالقَارن الَّذي يجمع الحجَّ والعمرةَ في سَفَر واحدٍ، وجُلُّ الأمة «2» على جواز العُمْرة في أَشْهُر الحجِّ للمكِّيِّ ولا دَمَ عليه «3» . وقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، يعني: من وقتِ يُحْرِمْ إِلى يومِ عرفة، فإِنْ فاته صيامها قبل يوم النحرِ، فليصُمْها في أيام التشريق لأنها من أيام الحج. وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، قال مجاهد وغيره: أي: إِذا رجعتم من منى «4» ، وقال قتادة، والربيع: هذه رخصةٌ من اللَّه سبحانه «5» ، والمعنى: إِذا رجعتم إِلى أوطانكم، ولما جاز أن

_ - قريبة منه. والمعنى في ذلك أنه لم يربح ميقاتا عامّا لأهله ولمن مرّ به. ووقت وجوب الدم على المتمتع هو وقت إحرامه بالحج، لأنه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج، ويجوز له أن يذبح بعد فراغه من العمرة وقبل الإحرام بالحج لتقدم أحد سببيه. والأفضل ذبحه يوم النحر ولا آخر لوقته كسائر دماء الجبر بها. (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 268) . (2) والأصل في ذلك ما روي عن قتادة أنّ أنسا أخبره قال: اعتمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلم أربع عمر، كلّهنّ في ذي القعدة إلّا الّتي كانت مع حجّته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرّانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجّته» . أخرجه البخاري (3/ 801) ، كتاب العمرة: باب كم اعتمر النبي صلّى الله عليه وسلم (1778) ، وأطرافه في (1779- 1780- 3066- 4148) ، ومسلم (2/ 916) ، كتاب «الحج» ، باب بيان عدد عمر النبي صلّى الله عليه وسلم (217- 1253) . وروي عن ابن عمر أنه قال: اعتمر النبي صلّى الله عليه وسلم أربع عمر، إحداهن في رجب، فأخبرت عائشة بذلك، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قطّ. وروي عن مجاهد أن علي بن أبي طالب قال: في كل شهر عمرة، وكان أنس بن مالك بمكة، فكان إذا حمم رأسه، خرج فاعتمر. أخرجه الشافعي، كذا في «ترتيب المسند» (2/ 379) . (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 267- 268) . (4) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 270) . (5) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 270) .

يتوهَّم متوهم التخْيير بين ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ أو سبعة إِذا رجع، أُزِيلَ ذلك بالجليّة من قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ. وكامِلَةٌ «1» قال الحسن بن أبي الحَسَن: المعنى: كاملة الثوابِ «2» ، وقيل: كاملةٌ «3» تأكيدٌ كما تقول: كَتَبْتُ بيَدِي، وقيل: لفظها الإِخبار «4» ، ومعناها الأمر، أي: أكملوها، فذلك فرضها، وقوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ ... الآيةَ: الإِشارة بذلك على قول الجمهورِ هي إِلى الهَدْي، أي: ذلك الاشتداد والإِلزام، وعلى قول من يرى أن المكِّيَّ لا تجوز له العُمْرة في أشهر الحج، تكون الإِشارة إِلى التمتُّع، وحُكْمِه فكأن الكلام ذلك الترخيصُ لمن لَمْ ويتأيَّد هذا بقوله: لِمَنْ لَمْ لأن اللام أبداً إِنما تجيء مع الرخص «5» ، واختلف الناس في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعد الإِجماع على أهل مكة، وما اتصل بها، فقيل: من تَجِبُ عليه الجمعة بمكَّة، فهو حَضَرِيٌّ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو بَدَوِيٌّ، قال ع «6» : فجعل اللفظة من الحضارة، والبداوة. وقيل: من كان بحيثُ لا يَقْصُرُ الصلاة، فهو حاضرٌ، أي: مشاهدٌ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو غائبٌ. وقال ابن عبَّاس، ومجاهد: أهل الحرم «7» كلّه حاضر والمسجد الحرامِ، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذّر من شديد عقابه.

_ (1) قال الشافعي في «رسالته» : احتملت أن تكون زيادة في التبيين، واحتملت أن يكون أعلمهم أنّ ثلاثة إذا جمعت إلى سبع كانت عشرة كاملة. ينظر: «الرسالة» (26) . (2) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 170) وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 270) . (3) أخرجه الطبري (2/ 264) ، وذكره البغوي (1/ 170) ، وابن عطية (1/ 270) . (4) أخرجه الطبري (2/ 264) ، وذكره ابن عطية (1/ 270) ، والبغوي (1/ 171) . (5) وهذا على قول من قال: إن الإشارة ب «ذلك» المقصود بها: ذلك الترخيص، وأما القائلون بجواز اعتمار المكي في أشهر الحج، فيقولون: إن اللام في قوله تعالى: «لمن» بمعنى «على» ، ويصير المعنى: وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة، كقوله عليه السلام: «اشترطي لهم الولاء» . ينظر: «الجامع لأحكام القرآن» ، للإمام القرطبي (2/ 268) . (6) «المحرر الوجيز» (1/ 271) . (7) أخرجه الطبري (2/ 265) برقم (3506) ، وذكره ابن عطية (1/ 271) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 391) عن مجاهد، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس.

[سورة البقرة (2) : آية 197]

[سورة البقرة (2) : آية 197] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) وقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ في الكلام حذفٌ، تقديره «1» : أشهر الحج أشهرٌ أو وقتُ الحجِّ أشهر معلوماتٌ، قال ابن مسعود وغيره: وهي شوَّال، وذُو القَعْدة، وذو الحَجَّة كلُّه «2» . وقال ابن عبَّاس وغيره: هي شَوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة «3» ، والقولان لمالكٍ- رحمه اللَّه- فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي: ألزمه نفْسَهُ، وفرض الحج هو بالنيةِ والدخولِ في الإِحرام، والتلبيةُ تَبَعٌ لذلك، وقوله تعالى: فِيهِنَّ، ولم يجىء الكلام «فيها» ، فقال قوم: هما سواء/ في الاستعمال، وقال أبو عثمانَ المازنيّ «4» : الجمع الكثير

_ (1) وكان هذا التقدير لأن «الحج» فعل من الأفعال، و «أشهر» زمان فهما غيران، فكان لا بد من تأويل. وهناك احتمالان آخران للإعراب، وهما: الأول: الحج حجّ أشهر على الإضافة. والثاني: أن يجعل الحدث نفس الزمان مبالغة ومجازا، فالحج حال فيه، فلما اتسع في الظرف جعل نفس الحدث. ونظيرها: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف: 15] وإذا كان ظرف الزمان نكرة مخبرا به عن حدث جاز فيه الرفع والنصب مطلقا، أي: سواء كان الحدث مستوعبا للظرف أم لا، هذا مذهب البصريين. وأمّا الكوفيون فقالوا: إن كان الحدث مستوبعا فالرفع فقط نحو: «الصوم يوم» وإن لم يكن مستوعبا فهشام يلتزم رفعه أيضا نحو: «ميعادك يوم» والفراء يجيز نصبه مثل البصريين، وقد نقل عنه أنه منع نصب «أشهر» يعني في الآية لأنها نكرة، فيكون له في المسألة قولان، وهذه المسألة بعيدة الأطراف تضمّها كتب النحويين. قال ابن عطية: «ومن قدّر الكلام: الحج في أشهر فيلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ به أحد» قال الشيخ: «ولا يلزم ذلك، لأنّ الرفع على جهة الاتساع، وإن كان أصله الجرّ بفي» . ينظر: «الدر المصون» (1/ 489- 490) . [.....] (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 271) . (3) أخرجه الطبري (2/ 268) برقم (3525) ، وذكره ابن عطية (1/ 271) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 393) ، وعزاه لوكيع، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي. (4) بكر بن محمد بن حبيب بن بقية، أبو عثمان المازني، من مازن شيبان: أحد الأئمة في النحو، من أهل البصرة. ووفاته فيها. له تصانيف، منها كتاب: «ما تلحن فيه العامة» و «الألف واللام» و «التصريف» و «العروض» و «الديباج» . توفي سنة (249) هـ. ينظر: «الأعلام» (2/ 69) .

لما لا يعقل يأتي كالواحدةِ المؤنَّثة، والقليلُ ليس كذلك، تقول: الأجذاعُ انكسرن والجُذُوعُ انكسرت «1» ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: 36] ثم قال: مِنْها [التوبة: 36] . وقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ... الآية، وقرأ ابن كثيرٍ، وأبو عمرٍو: «فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ» ، بالرفع في الاثنين، ونصب الجدال «2» ، و «لا» بمعنى «لَيْسَ» ، في قراءة الرفع، والرَّفَثُ الجماعُ في قول ابن عبَّاس، ومجاهد، ومالك «3» ، والفُسُوقُ قال ابن عبَّاس وغيره: هي المعاصِي كلُّها «4» ، وقال ابن زَيْد، ومالك: الفُسُوقُ: الذبْح للأصنام «5» ، ومنه قوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145] ، والأول أولى. قال الفَخْر «6» : وأكثر المحقِّقين حملوا الفِسْقَ هنا على كل المعاصِي قالوا: لأن

_ (1) وهذا بخلاف قوله: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: 36] ، فهناك «أشهر» جمع كثرة، وهنا «حرم» جمع قلة. (2) وحجة من فتح أنه نفي لجميع جنس الرفث والفسوق، كما قال: لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] وكأن قائلا قال: هل من رفث؟ هل من فسوق؟ وحجة من رفع: أنه يعلم من الفحوى أنه ليس النفي وقتا واحدا، ولكنه بجميع ضروبه، وقد يكون اللفظ واحدا، والمراد جميعا. ينظر: «السبعة» (180) ، و «الكشف» (1/ 285) ، و «حجة القراءات» (128، 129) ، و «الحجة» (2/ 286) ، و «شرح الطيبة» (4/ 96) ، و «شرح شعلة» (287) ، و «العنوان» (73) ، و «إتحاف» (1/ 433) ، و «معاني القراءات» (1/ 196) . (3) أخرجه الطبري (2/ 276- 277) رقم (3599- 3603- 3613) عن ابن عباس، رقم (3609- 3614) عن مجاهد. وذكره البغوي (1/ 172) عن ابن عباس ومجاهد، وابن عطية (1/ 272) عن ابن عباس، ومجاهد، ومالك. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 395) ، وعزاه لوكيع، وسفيان بن عيينة، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. (4) أخرجه الطبري (2/ 279- 280) رقم (3634- 3648، 3652، 3656) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 172) . وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 272) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 395) ، وفي (1/ 396) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وسفيان، ووكيع، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي يعلى، وابن أبي حاتم. (5) أخرجه الطبري (2/ 282) رقم (3671) ، عن ابن زيد. وذكره ابن عطية (1/ 272) ، عن ابن زيد، ومالك. (6) «التفسير الكبير» (5/ 140) .

اللفظ صالِحٌ للكلِّ ومتناولٌ له، والنهي عن الشيء يوجبُ الاِنتهاءَ عن جَميعِ أنواعه، فحمل اللفْظ على بعض أنواع الفسوقِ تحكُّم من غير دليل. انتهى. قال ابن عباس وغيره: الجِدَالُ هنا: أن تماري مسلماً «1» . وقال مالك، وابن زَيْد: الجدالُ هنا أن يَخْتَلفَ الناسُ أيهم صادَفَ موقفَ إِبراهيمَ- عليه السلام- كما كانوا يفعلون في الجاهلية «2» ، قُلْتُ: ومعنى الآية: فلا تَرْفُثُوا، ولا تفسُقُوا، ولا تجادلُوا كقوله صلّى الله عليه وسلم: «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يرفث، ولا يصحب، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امرؤ صَائِمٌ ... » «3» الحديث. انتهى. قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «4» : قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، أراد نفيه مشروعاً، لا موجوداً، فإِنا نجد الرفَثَ فيه، ونشاهده، وخبَرُ اللَّه سبحانه لا يَقَعُ بخلافِ مخبره. انتهى. قال الفَخْر «5» : قال القَفَّال: ويدُخُل في هذا النهْيِ ما وقع من بعضهم من مجادلة النبيّ صلّى الله عليه وسلم حين أمرهم بفَسْخِ الحَجِّ إِلى العمرة، فشَقَّ عليهم ذلك، وقالوا: «أنروحُ إلى منى، ومَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مَنِيًّا ... » الحديث. انتهى. وقوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ: المعنى: فيثيب عليه، وفي هذا تحضيضٌ على فعل الخير. ت: وروى أُسَامَةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صُنِعَ إِليْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رواه الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» بهذا اللفظ «6» . انتهى من «السلاح» ونحو هذا جوابه صلّى الله عليه وسلم للمهاجرين حيث

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 283- 284) ، رقم (3674- 3675- 3681- 3695- 3696) ، وذكره ابن عطية (1/ 273) ، والسيوطي (1/ 395- 396) وعزاه إلى وكيع، وسفيان بن عيينة، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (2/ 286) رقم (3706) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 173) ، وابن عطية (1/ 273) عن مالك، وابن زيد، وذكره السيوطي (1/ 397) ، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد. (3) تقدم تخريجه. (4) ينظر: «الأحكام» (1/ 134) . (5) «التفسير الكبير» (1/ 141) . [.....] (6) أخرجه الترمذي (4/ 380) كتاب «البر والصلة» ، باب ما جاء في المتتبع بما لم يعطه، حديث (2034) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 53) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول لمن صنع إليه معروفا، -

[سورة البقرة (2) : الآيات 198 إلى 199]

قَالُوا: «مَا رَأَيْنَا كَالأَنْصَارِ» ، وأثنوا علَيْهم خيراً. وقوله سبحانه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ... الآية: قال ابن عُمَرَ وغيره: نزلَتِ الآية في طائفةٍ من العرب، كانت تجيء إِلى الحج بلا زادٍ، ويبقون عالة على النَّاس، فأمروا بالتزوُّد «1» ، وقال بعض النَّاس: المعنى: تزوَّدوا الرفيقَ الصالحَ، وهذا تخصيصٌ ضعيفٌ، والأولى في معنى الآية: وتزوَّدوا لمعادِكُمْ من الأعمال الصالحة، قُلْتُ: وهذا التأويلُ هو الذي صَدَّر به الفخْرُ «2» وهو الظاهرُ، وفي قوله: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى حضّ على التقوى. [سورة البقرة (2) : الآيات 198 الى 199] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ... الآية: الجُنَاحُ: أعم من الإثم لأنه فيما

_ - حديث (10008) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (276) ، والطبراني في «الصغير» (2/ 148) ، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (2/ 345) ، كلهم من طريق الأحوص بن جواب، ثنا سعيد بن الخمس، ثنا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عن أبي عثمانَ النهدي، عن أسامة بن زيد مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن جيد غريب، لا نعرفه من حديث أسامة بن زيد، إلا من هذا الوجه. اهـ. وصححه ابن حبان برقم (3413) . وقال الترمذي أيضا: وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم بمثله، وسألت محمدا فلم يعرفه اهـ. قلت: والحديث الذي أشار إليه الترمذي: أخرجه ابن أبي شيبة (9/ 70) ، والبزار (2/ 397- كشف) رقم (1944) ، والطبراني في «الصغير» (2/ 149) ، كلهم من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الرجل لأخيه: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» . قال البزار: ومحمد بن ثابت لا نعلم روى عنه إلا موسى بن عبيدة، ولا روى عن أبي هريرة هذا الحديث غيره. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 153) ، وقال: رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. (1) أخرجه الطبري في (2/ 290) رقم (3732) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 173) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 273) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 398) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر. (2) ينظر: «التفسير الكبير» (5/ 143) .

يقتضي العقابَ، وفي ما يقتضي الزجْرَ والعتاب. 50 ب وتَبْتَغُوا: معناه: تَطْلبوا، أي: لا دَرك «1» في أنْ تتجروا وتطلبوا/ الرحب. وقوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ: أجمع أهْل العْلمِ على تمامِ حجِّ من وقف بعرفاتٍ بعد الزوال، وأفاض نهاراً قبل الليل إِلا مالك بن أنس، فإِنه قال: لا بدَّ أن يأخذ من الليل شيئاً، وأمَّا من وقف بعرفة ليلاً، فلا خلافَ بيْن الأمَّة في تمام حَجِّه. وأفاض القومُ أو الجيشُ، إِذا اندفعوا جملةً، واختلف في تسميتها عرفةَ، والظاهر أنه اسم مرتجلٌ كسائر أسماء البقاع، وعرفةُ هي نَعْمَانُ الأَرَاكِ «2» ، والمَشْعَر الحَرَامُ جمعٌ كله، وهو ما بين جبلَيِ المزدَلِفَةِ من حَدِّ مفضى مَأْزِمَي «3» عرفَةَ إِلى بطن مُحَسِّرٍ «4» ، قاله ابن عبَّاس وغيره «5» ، فهي كلُّها مشعر «6» إِلا بطن مُحَسِّرٍ كما أن عرفة كلُّها موقف إِلا بطن عُرَنَةَ «7» بفتح الراء وضمها، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلاَّ بَطْنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَشْعرٌ، أَلاَ وارتفعوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» «8» ، وذكر هذا عبد اللَّه بن

_ (1) الدّرك: التّبعة، يسكّن ويحرك. يقال: ما لحقك من درك فعليّ خلاصه. ينظر: «لسان العرب» (1364) . (2) هو واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات. ينظر: «لسان العرب» (4484) (نعم) . (3) المأزم: كل طريق ضيق بين جبلين، ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر وعرفة مأزمين. ينظر: «لسان العرب» (74) (أزم) . (4) ومحسّر: بضم الميم، وفتح الحاء، بعدها سين مهملة مشددة مكسورة، بعدها راء، كذا قيده البكري: وهو واد بين «مزدلفة» و «منى» ، وقيل: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسّر فيه، أي: أعيا. وقال البكري: هو واد ب «جمع» . وقال الجوهري: هو موضع ب «منى» . ينظر: «المطلع» (196- 197) . (5) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 298) رقم (3798) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 274) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 401) ، وعزاه إلى وكيع، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. (6) المشعر الحرام، بفتح الميم، قال الجوهري: وكسر الميم لغة، وهو موضع معروف ب «مزدلفة» ، ويقال له: «قزح» . وقد تقدم أن المشعر الحرام و «قزح» ، من أسماء المزدلفة، فتكون «مزدلفة» كلها سميت بالمشعر الحرام، و «قزح» ، تسمية للكل باسم البعض، كما سمي المكان كله: «بدرا» باسم ماء به، ويقال له: «بدر» . ينظر: «المطلع» (197) . (7) بضم العين، وفتح الراء والنون بين عرفة والمزدلفة. وكل طريق بين جبلين فهو مأزم، وموضع الحرب أيضا: مأزم. قال الجوهري: ومنه سمي الموضع الذي بين المشعر الحرام وعرفة: مأزمين. ينظر: «المطلع» (196) . (8) بدون الاستثناء لعرفة ومحسر: أخرجه: مسلم (2/ 886: 892) كتاب «الحج» ، باب حجة النبي صلّى الله عليه وسلم، حديث (147/ 1218) ، وغيره من حديث جابر في حديثه الطويل في صفة حج النبي صلّى الله عليه وسلم، المعروف من رواية محمد بن علي، عن جابر. -

_ - وفي حديث آخر له أيضا من رواية عطاء عنه: أخرجه أبو داود (2/ 478، 479) ، كتاب «المناسك» (الحج) ، باب الصلاة بجمع، حديث (1937) ، وأحمد (3/ 326) ، والدارمي (2/ 56- 57) ، كتاب «المناسك» ، باب عرفة كلّها موقف، والبيهقي (5/ 122) ، كتاب «الحج» ، باب حيث ما وقف من «المزدلفة» أجزأه. ولفظه، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «كل عرفة موقف، وكل مزدلفة موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر» . وورد أيضا من حديث علي: أخرجه أبو داود (2/ 478) ، كتاب «المناسك» (الحج) ، باب الصلاة بجمع (1935) ، والترمذي (3/ 232) ، كتاب «الحج» ، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، حديث (885) ، وابن ماجة (2/ 1001) ، كتاب «المناسك» ، باب الموقف بعرفات، حديث (3010) ، والبيهقي (5/ 122) ، كتاب «الحج» ، باب حيث ما وقف من «المزدلفة» أجزأه، وأحمد (1/ 76) . وقال الترمذي: حسن صحيح. أما بزيادة الاستثناء المذكور، فورد من حديث جبير بن مطعم، وجابر، وابن عباس، وأبي هريرة، وحبيب بن حماشة، وابن عمر. حديث جبير بن مطعم: أخرجه أحمد (4/ 82) ، والبزار (2/ 27) ، كتاب «الحج» ، باب عرفة كلها موقف، حديث (1126) ، والطبراني (2/ 138) ، رقم (1583) ، وابن حبان في «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي» (ص 249) ، كتاب «الحج» ، باب ما جاء في الوقوف بعرفة والمزدلفة، حديث (1008) ، والبيهقي (5/ 239) ، كتاب «الحج» ، باب النحر يوم النحر، وأيام منى كلها، وابن حزم في «المحلى» (7/ 188) عنه، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج منى منحر، وكل أيام التشريق ذبح» . والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 254) ، وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في «الكبير» .... ورجاله موثقون. اهـ. وصححه ابن حبان. وحديث جابر: أخرجه ابن ماجه (2/ 1002) ، كتاب «المناسك» ، باب الموقف بعرفات، حديث (3012) ، من طريق القاسم بن عبد الله العمري، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، وكل المزدلفة موقف، وارتفعوا عن بطن محسر، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة» . قال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (3/ 27) : هذا إسناد ضعيف القاسم بن عبد الله بن عمر قال فيه أحمد بن حنبل: كان كذابا يضع الحديث، ترك الناس حديثه. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي: متروك الحديث اهـ. وذكره مالك في «الموطأ» (1/ 388) كتاب «الحج» ، باب الوقوف بعرفة والمزدلفة (166) بلاغا. وللحديث طريق آخر عن محمد بن المنكدر مرسلا. أخرجه البيهقي (5/ 115) كتاب «الحج» ، باب حيث ما وقف من عرفة أجزأه من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن المنكدر به. -

الزُّبَيْرِ «1» في خطبته، وذِكْرُ اللَّه تعالى عند المشعر

_ - حديث ابن عباس: أخرجه الحاكم (1/ 462) ، كتاب «المناسك» ، والبيهقي (5/ 115) ، كتاب «الحج» ، باب حيث ما وقف من عرفة أجزأه، من طريق سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن محسر، وشعاب منى كلها منحر» . وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وشاهده على شرط الشيخين صحيح، إلا أن فيه تقصيرا في سنده، ثم أخرجه من طريق يحيى القطان، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، عن ابن عباس قال: كان يقال: «ارتفعوا عن محسر، وارتفعوا عن عرفات» . حديث أبي هريرة: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (7/ 2716) ، من جهة يزيد بن عبد الملك النوفلي، عن داود بن فراهج، عنه، والنوفلي ضعيف. قال الذهبي في «المغني» (2/ 751) : مجمع على ضعفه. وله طريق صحيح، ذكره ابن عبد البر كما في «تلخيص الحبير» (2/ 255) ، رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة به. حديث حبيب بن خماشة: أخرجه الحارث بن أبي أسامة (380- بغية) ، في «مسنده» ، قال: حدثنا محمد بن عمر، ثنا صالح بن خوات، عن يزيد بن رومان، عن حبيب بن عمير بن عدي، عن حبيب بن خماشة الجهني، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول بعرفة: «عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر» ، وذكره الحافظ في «التلخيص» (2/ 255) ، وقال: رواه ابن قانع في «معجم الصحابة» ، وفي إسناده الواقدي، وهو كذاب. حديث ابن عمر: أخرجه ابن عدي (4/ 1589، 1590) ، وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري. تركوه، واتهمه بعضهم. وقال الحافظ: متروك. ينظر: «المغني» للذهبى (2/ 382) ، و «التقريب» (1/ 487- 488) . [.....] (1) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ... أبو بكر. وقيل أبو خبيب الأسدي. القرشي. ولد عام الهجرة، وهو أول مولود للمسلمين بعد الهجرة. من مشاهير الصحابة وفضلائهم، وسيرته شهيرة مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان قد حفظ عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وعن أبيه، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وخالته عائشة أم المؤمنين، وغيرهم، وهو أحد الشجعان. توفي في جمادى الأولى سنة (73) هـ. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 242) ، «الإصابة» (4/ 69) ، «الثقات» (3/ 212) ، «الاستيعاب» (3/ 95) ، «الاستبصار» (73) ، «صفة الصفوة» (9/ 117) ، «التاريخ الكبير» (3/ 6) ، «الجرح والتعديل» (5/ 56) ، «التاريخ الصغير» (1/ 159) ، «التاريخ لابن معين» (2/ 49) ، «تهذيب الكمال» (2/ 682) ، «غاية النهاية» (1/ 419) ، «الأعلام» (4/ 87) ، «الرياض المستطابة» (201) ، «رياض النفوس» (1/ 42) ، «حلية الأولياء» (1/ 329) ، «شذرات الذهب» (1/ 42) ، «العبر» (1/ 4، 60) .

الحرام «1» ندْبٌ عند أهل العلْم، قال مالك: ومن مَرَّ به، ولم ينزلْ، فعليه دَمٌ. وقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ تعديد للنعمة، وأمر بشكرها. ص: كَما هَداكُمْ: الكاف للتشبيهِ، وهو في موضع نصْبٍ على النعت لمصدرٍ محذوفٍ، و «مَا» مصدريةٌ، أي: كهدايتِهِ، فتكون «مَا» وما بعدها في موضع جَرٍّ، إِذ يَنْسَبِكُ منْها مع الفعل مصْدَرٌ، ويَحتملُ أن تكون للتعليلِ على مذهب الأخفش، وابن بَرْهَانَ «2» ، وجوَّز ابن عطيَّة وغيره، أنْ تكون «مَا» كافَّة للكاف عن العَمَل، والأول أولى «3» لأن فيه إِقرار الكافِ على عملها الجرّ، وقد منع صاحبُ «المستوفى» «4» أنْ تكون الكافُ مكفوفةً ب «مَا» واحتج من أثبته بقوله: [الوافر] لَعَمْرُكَ إِنَّنِي وَأَبَا حُمَيْدٍ ... كَمَا النِّسْوَانُ وَالرَّجُلُ الْحَلِيمُ أُريدُ هِجَاءَهُ وَأَخَافُ رَبِّي ... وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عبد لئيم «5» انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 274) . (2) عبد الواحد بن عليّ بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم بن برهان أبو القاسم الأزديّ العكبري النّحوي. صاحب العربيّة واللغة والتواريخ وأيّام العرب، قرأ على عبد السلام البصريّ وأبي الحسن وكان أوّل أمره منجما فصار نحويّا، وكان حنبليّا فصار حنفيّا. مات في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وأربعمائة. ينظر: «بغية الوعاة» (2/ 120- 121) . (3) ينظر: «البحر المحيط» (2/ 106) ، و «الدر المصون» (1/ 495) . (4) «المستوفى» في النحو، قال السيوطي في «بغية الوعاة» (355) : «أكثر أبو حيان من النقل عنه» . وهو لأبي سعد كمال الدين علي بن مسعود بن محمود بن الحكم الفرّخان القاضي. وفي «كشف الظنون» أنه علي بن مسعود الفرغاني. لكن قال السيوطي: «كذا، وسماه هكذا ابن مكثوم في «تذكرته» . (5) البيتان لزياد الأعجم في ديوانه (ص 97) و «الجنى الداني» (ص 481) و «شرح شواهد المغني» (ص 501) و «المقاصد النحوية» (3/ 348) وبلا نسبة في «مغني اللبيب» (1/ 178) ، «خزانة الأدب» (10/ 206- 208) ، «العيني» (3/ 48) ، و «شرح أبيات المغني» للبغدادي (4/ 125- 126) ، و «الدر المصون» (1/ 495) . ويروي البيت الثاني هكذا: أريد حباءه ويريد قتلي ... واعلم أنه الرجل اللئيم وبعده: فإن الخمر من شر المطايا ... كما الحفظان شربني تميم والنشوان: السكران. والنشوة: السكر. والحليم: الذي عنده تأن. وتحمّل لما يثقل على النفس. يقول: أنا وأبو حميد كالسّكران والحليم، أتحمّل منه وهو يعبث بي. كالسّكران يسفه على الحليم وهو متحمّل. وهذا تشبيه تمثيلي. شبّه حالته معه بحالة الحليم مع السّكران. ينظر: «خزانة الأدب» (10/ 209) .

ثم ذكّرهم سبحانه بحالِ ضلالهم ليظهر قدر إِنعامه عليهم. وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ، أي: من قبل الهدى. وقوله سبحانه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المخاطب بهذه الآيةِ قريشٌ، ومن وَلَدَتْ، قاله ابن عبَّاس وغيره «1» ، وذلك أنهم كانوا لا يخرجُونَ من الحَرَم، ويَقِفُون بجَمْعٍ، ويفيضون منْه، مع معرفته أنَّ عرفة هي موقفُ إِبراهيم، فقِيلَ لهم: أفيضُوا من حيثُ أفاضَ النَّاس، أي: من عرفة، و «ثُمَّ» ليست في هذه الآية للترتيبِ، إِنما هي لعطف جملة كلامٍ على جملة هي منها منقطعةٌ. وقال الضَّحَّاك: المخاطب بالآيةِ جملةُ الأمَّة، والمرادُ بالناسِ إبراهيم، ويحتملُ أن تكون إِفاضةً أخرى، وهي التي من المزدلفة «2» ، وعلى هذا عوَّل الطَبريُّ «3» ، فتكون «ثُمَّ» على بابها، وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر: «النَّاسِي» «4» ، وتأوَّله آدم- عليه السلام-، وأمر عز وجل بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظَانُّ القبولِ، ومساقطُ الرحْمَةِ، وفي الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم خَطَب عشيَّة عَرَفَةَ، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ فِي مَقَامِكُمْ هَذَا، فَقَبِلَ مِنْ مُحْسِنِكُمْ وَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، إِلاَّ التَّبِعَاتِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، أَفِيضُوا عَلَى اسم اللَّهِ» ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةَ جَمْعٍ، خَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ تَطَاوَلَ عَلَيْكُمْ، فَعَوَّضَ التّبعات من عنده» «5» .

_ (1) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 307) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 175) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 275) . (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 275) . (3) الطبري لم يصرح بموافقته لتأويل الضحاك، وإنما احترز بوجود الإجماع على خلافه، ولولا الإجماع لقال بقوله. ينظر: «جامع البيان» (4/ 190- 191) . (4) واستدل بها أبو الفتح على أن لام التعريف تدخل على الأعلام للذم كما تدخلها للمدح، فمن الأول قولهم: فلان بن الصّعق لأن ذلك داء ناله، فهى بلوى. ومن الثاني: المظفر، والعباس ونحوهما. ينظر: «المحتسب» (1/ 119) ، و «الشواذ» (ص 20) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 276) ، و «البحر المحيط» (2/ 109) ، و «الدر المصون» (1/ 497) . (5) ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 215) أحاديث بهذا المعنى عن أنس، وابن عمر، وعبادة. وقال: ليس في هذه الأحاديث شيء يصح.

[سورة البقرة (2) : الآيات 200 إلى 202]

[سورة البقرة (2) : الآيات 200 الى 202] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) وقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ/ ... الآية. قال مجاهد: المناسكُ: الذبائحُ، وهي إِراقة الدِّماء «1» . ع «2» : والمناسكُ عندي العباداتُ في معالمِ الحجِّ، ومواضع النسك فيه. والمعنى: إِذا فرغتُمْ من حجِّكم الذي هو الوقوفُ بعرفة، فاذكروا اللَّه بمحامده، وأثْنُوا عليه بآلائه عندكم، وكانت عادَةُ العَرَبِ، إِذا قَضَتْ حجَّها، تقفُ عند الجَمْرة تتفاخَرُ بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بَسَالةٍ، وكَرَم، وغير ذلك، فنزلَتِ الآية، أنْ يُلْزِموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيامِ الجاهلية، هذا قول جمهور المفسِّرين «3» . وقال ابن عبَّاس، وعطاء: معنى الآيةِ: واذكروا اللَّه كذكر الأطفال آباءهم، وأمهاتهمْ، أي: فاستغيثوا به، والْجئوا إِليه «4» . قال النوويُّ في «حليته» «5» : والمرادُ من الذِّكْر حضورُ القَلْب، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبَّر ما يذكر، ويتعقَّل معناه، فالتدبُّر في الذكْر مطلوبٌ كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنَى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيحُ المختارُ استحبابَ مَدِّ الذاكرِ قوله: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» ، لما فيه من التدبُّر، وأقوالُ السلفِ، وأئمةِ الخَلَف في هذا مشهورةٌ. انتهى. قال الشيخُ العارفُ أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ الساحليُّ المَالقِيُّ: ومنفعةُ الذكْرِ أبداً إِنما هي تَتْبع معناه بالفكْرِ ليقتبس الذاكِرُ من ذُكْرِهِ أنوار المعرفة، ويحصل على

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 307) رقم (3848) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 276) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 416) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد. (2) «المحرر الوجيز» (1/ 276) . (3) ينظر: «معاني الزجاج» (1/ 262) ، و «الرازي» (5/ 183) ، و «الدر» (1/ 232) ، و «الوسيط» (1/ 306) . [.....] (4) أخرجه الطبري (2/ 309) برقم (3867) ، وذكره البغوي (1/ 176) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 276) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 417) . (5) «حلية النووي» (ص 40) .

اللُّبِّ المراد، ولا خير في ذِكْرٍ مع قَلْبٍ غافلٍ ساهٍ، ولا مع تضْييعِ شيءٍ من رسوم الشرعِ، وقال في موضعٍ آخر من هذا الكتاب الذي ألَّفه في «السُّلوك» : ولا مَطْمع للذَّاكر في دَرْكِ حقائقِ الذِّكْرِ إِلا بإِعمال الفكْر فيما تحْت ألفاظ الذكْر من المعانِي، وليدفع خَطَرات نفْسه عن باطنه راجِعاً إِلى مقتضى ذكْره حتى يغلب معنى الذكْر على قلبه، وقد آن له أنْ يدخل في دائرة أهْل المحاضَرَات. انتهى. وقوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ... الآية: قال أبو وائلٍ وغيره: كانت عادتهم في الجاهلية الدُّعَاءَ في مصالحِ الدنْيا فقطْ إذ كانوا لا يعرفون الآخرةَ، فَنُهُوا عن ذلك الدعاءِ المخصوصِ بأمر الدنيا، وجاء النهْيُ في صيغة الخبر عنه، والخَلاَقُ: الحظُّ، والنصيبُ «1» . قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: حَسَنَةُ الدنيا: العلْمُ والعبَادة «2» . ع «3» : واللفظ أَعمُّ من هذا، وحَسَنةُ الآخِرة الجنَّة بإِجماع، وعن أنس: قال: كان أكثر دعاء النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما «4» ، زاد مسلمٌ: «وكَانَ أَنَسٌ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ» . انتهى. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وعْدٌ على كسْب الأعمال الصالحة، والربُّ سبحانه سريعُ الحسابِ لأنه لا يحتاجُ إِلى عقْد، ولا إِعمال فكْر، قيل لعليٍّ- رضي اللَّه عنه-: كيف يحاسِبُ اللَّه الخلائِقَ في يَوْمٍ، فقال: كما يَرْزُقُهُمْ فِي يومٍ، وقيل: الحسابُ هنا: المجازاتُ. وقيل: معنى الآية: سريعُ مجيءِ يومِ الحسابِ، فيكون المقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة.

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 276) . (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 276) . (3) «المحرر الوجيز» (1/ 277) . (4) أخرجه البخاري (11/ 195) ، كتاب «الدعوات» ، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة» حديث (6389) ، ومسلم (4/ 2070- 2071) كتاب «الذكر والدعاء» ، باب فضل الدعاء بأللهم آتنا في الدنيا حسنة، حديث (26، 27/ 2690) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 203 إلى 205]

[سورة البقرة (2) : الآيات 203 الى 205] وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ. أَمَرَ اللَّه سبحانه بذكْره في الاْيام المعدوداتِ/، وهي الثلاثة الَّتي بعد يَوْم النحر، ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصّلوات. 51 ب قال مالك: يكبِّر من صلاة الظُّهْر يوم النَّحْر إِلى صلاة الصُّبْح من آخر أيام التَّشْريق، وبه قال الشافعيُّ، ومشهور مذهبِ مالكٍ، أنه يكبِّر إِثْر كلِّ صلاةٍ ثلاثَ تكْبيراتٍ. ومن خواصِّ التكبير وبركتِهِ ما رواه ابن السُّنِّيِّ، بسنده، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ، فَكَبِّرُوا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ» «1» انتهى من «حلية النوويِّ» «2» . وقوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ... الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: المعنى: من نَفَر اليوم الثَّاني من الأيام المعدوداتِ، فلا حرج عليه، ومن تأخَّر إِلى الثالث، فلا إِثم عليه، كلُّ ذلك مباحٌ إِذ كان من العربِ مَنْ يذمُّ المتعجِّل وبالعكْس، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ «3» . قُلْتُ: وأهل مكة في التعجيلِ كغيرهم على الأصحِّ. ثم أمر سبحانه بالتقوى، وذكَّر بالحَشْر، والوقوفِ بين يَدَيْهِ. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ... الآية. قال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شريقٍ: أظهر الإِسلام، ثم هَرَب، فمرَّ بقومٍ من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حُمُراً «4» . قال ع «5» : ما ثبت قطُّ أن الأخنس أسلم، قُلْتُ: وفي ما قاله ع: نظر،

_ (1) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» حديث (295) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 296) ، من طريق عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه عن جَدِّه مرفوعا. (2) «حلية النووي» (ص 332) . (3) أخرجه الطبري (2/ 318- 321) برقم (3931- 3957) . وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 278) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 423) . (4) أخرجه الطبري (2/ 324) رقم (3964) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 279) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 427) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي. (5) «المحرر الوجيز» (1/ 279) .

ولا يلزم من عدم ثبوتِهِ عِنْده ألاَّ يثبت عنْد غيره، وقد ذكر أحمدُ بن نصرٍ الدَّاووديُّ في تفسيره أنَّ هذه الآية نزلَتْ في الأخْنَس بْنِ شريق. انتهى، وسيأتي للطبريِّ نحوه. وقال قتادةُ، وجماعة: نزلَتْ هذه الآيةُ في كل مُبْطِن كُفْرٍ، أو نفاقٍ، أو كذبٍ، أو ضرارٍ، وهو يظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة «1» ، ومعنى: وَيُشْهِدُ اللَّهَ، أي: يقول: اللَّه يعلم أنِّي أقول حقًّا، والأَلَدُّ: الشديدُ الخصومةِ الذي يَلْوِي الحجج في كل جانبٍ، فيشبه انحرافُه المَشْيَ في لَدِيديِ «2» الوادي. وعنه صلّى الله عليه وسلم: «أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» . وتَوَلَّى وسَعى: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكونا فِعْلَ قَلْبٍ، فيجيء «تولى» بمعنى: ضَلَّ وغَضِبَ وأنف في نَفْسه، فسعى بِحِيَلِهِ وإِدارته الدوائر علَى الإِسلام نحا هذا المنحى في معنى الآية ابْنُ جُرَيْج، وغيره. والمعنى الثاني: أن يكونا فِعْلَ شخصٍ، فيجيء «تَوَلَّى» بمعنى: أدبر ونَهَض وسعى، أي: بقدميه، فقطع الطريقَ وأفسدها، نحا هذا المنحَى ابن عبَّاس وغيره. وقوله تعالى: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ: قال الطبريُّ «3» : المراد الأخنَسُ في إِحراقه الزرْعَ، وقتلِهِ الحُمُرَ. قال ع «4» : والظاهر أن الآية عبارةٌ عن مبالغته في الإِفساد. ولا يُحِبُّ الْفَسادَ معناه: لا يحبُّه من أهل الصَّلاح، أو لا يحبُّه دِيناً، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه، والفسادُ: واقعٌ، وهذا على ما ذهب إِليه المتكلِّمون من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة. قال ع «5» : والحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ إِذ الحبّ من الله تعالى إنما هو

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 279) . (2) اللّديدان: جانبا الوادي. كل واحد منهما لديد. ينظر: «لسان العرب» (4019) . (3) «جامع البيان» (4/ 238) . [.....] (4) «المحرر الوجيز» (1/ 280) . (5) «المحرر الوجيز» (1/ 281) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 206 إلى 210]

لما حسن من جميع جهاته. [سورة البقرة (2) : الآيات 206 الى 210] وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) وقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ... الآية: هذه صفة الكَافِرِ والمنافقِ الذاهِبِ بنَفْسِهِ زَهْواً، ويحذر المؤمن أن يوقعه الحَرَجُ في نحو هذا، وقد قال بعْضُ العلماءِ: كفى بالمرء إِثماً أنّ يقول له أخُوهُ: اتق اللَّهَ، فيقول له: عَلَيْكَ نَفْسَكَ، مِثْلُكَ يُوصِينِي. قلت: قال أحمد بن نصر الداوديّ: عن ابن مسعودٍ: من أكبر/ الذنبِ أنْ يقال للرجل: اتق 52 أالله، فيقول: عليك نفسك، أنت تأمرني «1» . انتهى. والْعِزَّةُ هنا: المنعة، وشدَّة النفْس، أي: اعتز في نفسه، فأوقعته تلك العزةُ في الإِثم، ويحتمل المعنى: أخذته العزّة مع الإثم. وفَحَسْبُهُ، أي: كافيه، والْمِهادُ: ما مهد الرجلُ لنفسه كأنه الفراشُ. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ... الآية: تتناول كلَّ مجاهدٍ في سبيل اللَّهِ، أو مستشهدٍ في ذاته، أو مغيِّر منْكَرٍ، وقيل: هذه الآية في شهداء غزوة الرَّجِيعِ «2» : عاصمِ بْنِ ثَابِتٍ «3» ، وخُبَيْب «4» ، وأصحابِهِمَا، وقال عكرمةُ وغيره: هي في طائفة من

_ (1) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 180) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 430) ، وعزاه لوكيع، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» عن ابن مسعود. (2) والرّجيع (بفتح الراء وكسر الجيم) هو في الأصل: اسم للروث، سمي بذلك لاستحالته. والمراد هنا اسم موضع من بلاد هذيل، كانت الوقعة بقرب منه، فسميت به. ينظر: «فتح الباري» (8/ 131) . (3) عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. واسم أبي الأقلح قيس بن عصمة بن النّعمان بن مالك بن أميّة بن صبيعة بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف الأنصاريّ. جدّ عاصم بن عمرو بن الخطاب لأمّه، من السّابقين الأولين من الأنصار. ينظر: «الإصابة» (3/ 460) . (4) خبيب بن عدي: بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جحجبى بن عوف بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسيّ. شهد بدرا واستشهد في عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم. ينظر: «الإصابة» (2/ 225) .

المهاجرين، وذكروا حديث صهيب «1» . ويَشْرِي: معناه يبيعُ ومنه وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: 20] ، وحكى قوم أنه يقالُ: شرى بمعنى اشترى، ويحتاجُ إِلى هذا من تأوَّل الآية في صُهَيْبٍ لأنه اشترى نفْسَه بمالِهِ. وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ترجيةٌ تقتضي الحضَّ على امتثال ما وقع به المدْحُ في الآية كما أن قوله سبحانه: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ تخويفٌ يقتضي التحذيرَ ممَّا وقع به الذمُّ في الآية، ثم أمر تعالى المؤمنين بالدخولِ في السِّلْم، وهو الإِسلام، والمُسَالمة، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في أهل الكتابِ، والألف واللام في الشيطانِ للجنْسِ» . وعَدُوٌّ: يقع للواحدِ، والاثنينِ، والجمعِ، وقوله تعالى: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ ... الآية: أصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات، والآراء، وغير ذلك، والمعنى: ضللتم، والْبَيِّناتُ محمّد صلّى الله عليه وسلم وآياته، ومعجزاته، إِذا كان الخطابُ أوَّلاً لجماعةِ المؤمنين، وإِذا كان الخطابُ لأهل الكتاب، فالبيناتُ ما ورد في شرائعهم من الإِعلام بمحمَّد صلّى الله عليه وسلم، والتعريف به. وعَزِيزٌ: صفة مقتضيةٌ أنَّه قادرٌ عليكم لا تعجزونَهُ، ولا تمتنعون منه، وحَكِيمٌ، أي: مُحْكِمٌ فيما يعاقبكم به لِزَلَلِكُمْ. وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أيْ: ينتظرون، والمراد هؤلاء الذين يزلُّون، والظُّلَلُ: جمع ظُلَّة، وهي ما أظَلَّ من فوق، والمعنى: يأتيهم حكم اللَّه، وأمره، ونهيه، وعقابه إِياهم. وذهب ابن جُرَيْج وغيره إِلى أن هذا التوعُّد هو مما يقع في الدنيا «3» ، وقال قومٌ: بل هو توعُّد بيوم القيامة «4» ، وقال قوم: إِلا أن يأتيهم الله وعيد بيوم القيامة «5» .

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 333) برقم (4004) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 281) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 430) وعزاه لابن جرير الطبري. (2) أخرجه الطبري (2/ 337) برقم (4020) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 282) والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 210) وعزاه لابن جرير. من طريق ابن جريج، عن ابن عباس. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 283) . (4) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 283) . (5) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 283) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 211 إلى 212]

وأما الْمَلائِكَةُ، فالوعيد بإِتيانهم عنْدَ المَوْت والغمامُ: أرقُّ السحابِ، وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظُلِّلَ به بنو إِسرائيل. وقال النَّقَّاش: هو ضَبَابٌ أبيض، وقُضِيَ الأمرُ: معناه وقع الجزاء، وعُذِّبَ أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جَبَلٍ «1» : «وقضاء الأمر» . وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ: هي راجعةٌ إِليه سبحانه قَبْل وبَعْد، وإِنما نبه بذكْر ذلك في يَوْم القيامة على زوالِ ما كان منها إلى الملوك في الدنيا. [سورة البقرة (2) : الآيات 211 الى 212] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) وقوله سبحانه: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: معنى الآية: توبيخُهم على عنادهم بعد الآياتِ البيِّناتِ، والمراد بالآيةِ: كم جاءَهُمْ في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم من آية معرّفة به دالّة عليه، ونِعْمَةَ اللَّهِ: لفْظٌ عامٌّ لجميع إِنعامه ولكنْ يقوِّي من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلم معهم أنَّ المشار إِليه هنا هو محمَّد صلّى الله عليه وسلم فالمعنى: ومن يبدِّلْ من بني إِسرائيل صفةَ نعمة اللَّه، ثم جاء اللفظ منسحباً على كلِّ مبدِّل نعمةً للَّه، ويدخل في اللفظ كفّار قريش/، والتوراة أيضا نعمة 52 ب على بني إِسرائيل، فبدَّلوها بالتحريفِ لها، وجَحْدِ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ: خبرٌ يتضمنُ الوعيد. وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ... الآية: الإِشارة إِلى كفار قريشٍ لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا، ويغتبطون بها، ويسخرون من أتْبَاعِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم كبلالٍ «2» ، وصُهَيْبٍ، وابنِ مَسْعودٍ، وغيرهم، فذكر اللَّه قبيح فعلهم، ونبه على خفض

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 284) ، و «الكشاف» (1/ 254) ، وفيه أنها عطف على «الملائكة» ، وينظر: «الشواذ» (ص 20) . (2) بلال بن رباح. هو بلال بن حمامة. أبو عبد الرحمن. الحبشي. مؤذن النبي صلّى الله عليه وسلم قال ابن حجر: اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي وأذن له، وشهد معه جميع المشاهد، وآخى النبي بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، ثم خرج بلال بعد النبي مجاهدا. توفي ب «الشام» . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 243) ، «الإصابة» (1/ 170) ، «الاستيعاب» (1/ 178) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 56) ، «التاريخ الكبير» (2/ 106) ، «الجرح والتعديل» (2/ 395) ، «الثقات» (3/ 28) ، «تهذيب الكمال» (1/ 140) ، «تهذيب التهذيب» (1/ 502) ، «العبر» (1/ 24) ، «تقريب التهذيب» (1/ 110) ، «التحفة اللطيفة» (1/ 382) ، «الحلية» (1/ 147) .

منزلتهم بقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ومعنى الفوقيَّة هنا في الدرجَةِ والقَدْر ويحتمل أن يريد أنَّ نعيم المتَّقِينَ في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن. قلت: وحكى الداوديّ عن قتادة: فوقهم يوم القيامة. قال: فَوْقَهُم في الجنّة «1» . انتهى. ومهما ذكرت الداوديّ في هذا «المختصر» ، فإِنما أريد أحمد بن نَصْرٍ الفقيهَ المَالِكِيَّ، ومن تفسيره أنا أنقل. انتهى. فإِن تشوَّفَتْ نفسُك أيها الأخُ إِلى هذه الفوقيَّة، ونَيْلِ هذه الدرجة العَليَّة، فارفض دنياك الدنيَّة، وازهَدْ فيها بالكليَّة لتسلَمَ من كل آفة وبليَّة، واقتد في ذلك بخَيْر البريَّهْ. قال عِيَاضٌ في «شِفَاهُ» «2» : فانظُرْ- رحمك الله- سيرة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وخُلُقَه في المال، تجده قد أوتي خزائنَ الأرْض [ومفاتيح البلاد، وأُحلّت له الغنائم «3» ، ولم تحلَّ لنبي قبله، وفتح عليه في حياته صلّى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق] «4» ، وجُبِيَتْ إِلَيْه الأخماس، [وصدقاتها ما لا يجبى «5» للملوك إِلاَّ بعضه] «6» ، وهادَتْه جماعةٌ من الملوك، فما استأثر بشيء من ذلك، ولا أمْسَكَ دِرْهَماً منْه، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين، ومات صلّى الله عليه وسلم، ودِرْعُهُ مرهُونَةٌ في نفقةِ عيَالِهِ، واقتصر من نفقته ومَلْبَسِهِ على ما تدْعُوه ضرُورتُهُ إِليه، وزهد فيما سواه، فكان- عليه

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 346) رقم (4050) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 285) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 434) ، وعزاه لعبد الرزاق عن قتادة. [.....] (2) ينظر: «الشفا» (122- 123) . (3) الغنيمة في اللغة: ما ينال الرجل أو الجماعة بسعي، ومن ذلك قول الشاعر: [الوافر] وقد طوّفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب وتطلق الغنيمة على الفوز بالشيء بلا مشقة، ومن قولهم للشيء يحصل عليه الإنسان عفوا بلا مشقة: «غنيمة باردة» . واصطلاحا: عرفها الشافعية بأنها: مال أو مال ألحق به، كخمر محترمة، حصل لنا من كفار أصليين حربيين، مما هو لهم بقتال منا، أو إيجاف خيل ما، أو نحو ذلك. وعرفها الحنفية: بما نيل من أهل الشرك عنوة أي قهرا، أو غلبة والحرب قائمة. وعرفها المالكية: بأنها اسم لما أخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل أو الركاب. وعرفها الحنابلة: بأنها ما أخذ من مال حربي قهرا بقتال وما ألحق به. ينظر: «الإقناع» للخطيب الشربيني (2/ 517) ، «أنيس الفقهاء» (183) ، و «كشاف القناع» (3/ 77) . (4) من «الشفا» (1/ 123) . (5) يجبى: يجمع. (6) من «الشفا» (1/ 123) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 213 إلى 214]

السلام- يلبس مَا وَجَدَ، فيلْبَسُ في الغالِبِ الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ. انتهى. [سورة البقرة (2) : الآيات 213 الى 214] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) وقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... الآية: قال ابن عبَّاس: النَّاسُ: القُرُونُ التي كانَتْ بين آدم ونوح، وهي عشوة كانوا على الحَقِّ حتى اختلفوا، فبعث اللَّه تعالى نوحاً فمن بعده «1» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أي: كفاراً يريد في مدَّة نوحٍ حين بعثه اللَّه «2» . وقال أُبَيُّ بن كعب، وابنُ زَيْد: المرادُ ب النَّاسُ بنو آدم حين أخرجهم اللَّه نسماً من ظهر آدم، أي: كانوا على الفطْرة «3» ، وقيل غير هذا، وكل من قدَّر الناسَ في الآية مؤمنين، قدَّر في الكلام «فاختلفوا» ، وكلُّ من قدَّرهم كفاراً، قدَّر: كانت بعثة النبيِّين إِلَيْهم. والأُمَّة: الجماعة على المَقْصد، ويسمَّى الواحدُ أُمَّةٍ، إِذا كان منفرداً بمَقْصِد، ومُبَشِّرِينَ: معناه بالثواب على الطاعة، ومُنْذِرِينَ: بالعقاب، والْكِتابَ: اسم الجنس، والمعنى: جميع الكتب، ولِيَحْكُمَ: مسند إِلى الكتاب في قول الجمهور، والذين أوتوه أرباب العلْم به، وخصوا بالذكْر تنبيهاً منه سبحانه على عظيم الشّنعة، والقبح، والْبَيِّناتُ: الدَّلالات، والحججُ، والبغي: التعدِّي بالباطل، وهدى: معناه أرشد،

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 347) برقم (4051) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 286) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 435) ، وعزاه إلى البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس. (2) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 186) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 286) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 435) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس. (3) أخرجه الطبري (2/ 348) برقم (4057) ، عن ابن زيد. وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 186) ، عن أبي بن كعب. وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 286) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 435) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب.

والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا من آمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلم فقالتْ طائفةٌ: معنى الآية أن الأمم كَذَّب بعضهم كتابَ بعض، فَهَدَى اللَّه أمَّة محمَّد صلّى الله عليه وسلم للتصديقِ بجمِيعِهَا «1» ، وقالتْ طائفة: إِن اللَّه سبحانه هَدَى المؤمنين للحَقِّ فيما اختلف فيه أهلُ الكتاب من قولهم: إنّ إبراهيم كان 53 أيهوديّا أوْ نَصْرَانِيًّا «2» ، قال زيْدُ بن أسلم: وكاختلافهم في يوم الجمعة فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ قال: «هذا اليومُ الَّذي اختلفوا فيه، فهَدَانا اللَّه له، فلليهود غَدٌ، وللنصارى بَعْدَ غد، وفي صيامهمْ، وجميع ما اختلفوا «3» فيه. قال الفَرَّاء: وفي الكلام قلْبٌ، واختاره الطبريُّ «4» ، قال: وتقديرُهُ: فهدَى اللَّه الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، ودعاه إِلى هذا التقديرِ خوْفُ أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحَقِّ، فهدى اللَّه المؤمنين لبَعْضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاه غير الحق في نَفْسه نحا إِلى هذا الطبريُّ في حكايته عن الفَرَّاء. قال ع «5» : وادعاء القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ، وسُوء نَظَرٍ. وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه لأن قوله: فَهَدَى يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ، وتم المعنى في قوله: فِيهِ، وتبيَّن بقوله: مِنَ الْحَقِّ جنسُ ما وقع الخلاف فيه، وبِإِذْنِهِ قال الزجَّاج «6» : معناه بعِلْمِهِ. ع «7» : والإِذن هو العلم، والتمكين، فإِن اقترن بذلك أمرٌ، صار أقوى من الإِذن بمزية. وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ... الآية: أكثر المفسرين «8»

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 286) . (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 286) . (3) أخرجه الطبري (2/ 351) برقم (4064) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 187) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 287) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 436) ، وعزاه لابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم. (4) «تفسير الطبري» (4/ 286) . (5) «المحرر الوجيز» (1/ 287) . (6) «معاني القرآن» (1/ 285) . [.....] (7) «المحرر الوجيز» (1/ 287) . (8) ينظر: «الطبري» (4/ 288) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 287) ، و «بحر العلوم» (1/ 200) ، و «الرازي» (6/ 17) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 215 إلى 216]

أنها نزلَتْ في قصَّة الأحزاب حين حصروا المدينة، وقالَتْ فرقةٌ: نزلَتْ تسليةً للمهاجرين، حين أصيبَتْ أموالهم بعْدَهم، وفيما نَالَهم من أذاية الكافرين لهم. وخَلَوْا: معناه: انقرضوا، أي: صاروا في خَلاَءٍ من الأرض، والْبَأْساءُ في المال، والضَّرَّاءُ في البدن، ومَثَلُ: معناه شبه، والزَّلْزَلَة: شِدَّة التحريك، تكون في الأشْخَاص والأحوال. وقرأ نافع «1» : «يَقُولُ» بالرفع، وقرأ الباقون بالنَّصْب، وحتى: غايةٌ مجرَّدة تنصبُ الفعل بتقدير «إلى أَنْ» وعلى قراءة نافعٍ، كأنها اقترن بها تسبيبٌ، فهي حرفُ ابتداءٍ ترفَعُ الفعلَ. وأكثر المتأوِّلين على أن الكلام إِلى آخر الآية من قول الرَّسُول والمؤمنين، ويكون ذلك من قول الرسُولِ على طلب استعجال النَّصْر، لا على شَكٍّ ولا ارتياب، والرسولُ اسم الجنْسِ، وقالتْ طائفةٌ: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: حتى يقول الذين آمنوا: متى نَصْرُ اللَّهِ، فيقولَ الرسولُ: ألا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قريبٌ، فقدم الرسولَ في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدِّم في الزمان. قال ع «2» : وهذا تحكُّم، وحمل الكلام على وجهه غيرُ متعذِّر، ويحتملُ أن يكون: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ إِخباراً من اللَّه تعالى مؤتنفاً بعد تمام ذكْرِ القَوْل. [سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى 216] يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ... الآية: السَّائِلُون: هم المؤمنون، والمعنى: يسألونك، ما هي الوجوهُ التي ينفقون فيها؟ و «ما» يصحُّ أنْ تكونَ في موضع رفعٍ على الابتداء، و «ذَا» : خبرها بمعنى «الَّذِي» و «يُنْفِقُونَ» : صلةٌ، و «فِيهِ» عائدٌ على «ذَا» تقديرُه: ينفقونَهُ، ويصحُّ أن تكون «مَاذَا» اسما واحداً مركَّباً في موضع نصب.

_ (1) وحجته أنها بمعنى «قال» ، وليست على الاستقبال، وإنما ينصب من هذا الباب ما كان مستقبلا. وحجة الباقين أنها بمعنى الانتظار. ينظر: «حجة القراءات» (131- 132) ، و «السبعة» (181) ، و «النشر» (2/ 227) ، و «الحجة» للفارسي (2/ 305) ، و «الزجاج» (1/ 277) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 288) .

قال قومٌ: هذه الآية في الزكاة المفروضةِ، وعلى هذا نسخَ منها الوالِدَانِ «1» ، وقال السُّدِّيُّ: نزلَتْ قبل فرض الزكاة، ثم نسختها آية الزكاة المفروضَة «2» ، وقال ابن جُرَيْجٍ وغيره: هي ندْبٌ، والزكاة غيْرُ هذا الإِنفاق، وعلى هذا لا نسخ فيها «3» . وما تَفْعَلُوا جزم بالشرط، والجوابُ في الفاءِ، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمّن الوعد بالمجازات، وكُتِبَ: معناه فُرِضَ واستمر الإِجماع على أن الجهاد على أمة محمّد صلّى الله عليه وسلم فرض كفاية «4» . وقوله تعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ... الآية: قال قومٌ: عسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، والمعنى: عسى أن تكرهوا ما في الجهادِ من المشقَّة، وهو خيرٌ لكم في أنكم تغلبون

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 288) . (2) أخرجه الطبري (2/ 356) برقم (4071) ، وذكره البغوي (1/ 188) . وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 288) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 437) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السّدي. (3) أخرجه الطبري (2/ 356) برقم (4072) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 289) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 437) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج. (4) أجمع العلماء على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاثة أحوال: الأوّل: أن يستنفر الإمام شخصا أو جماعة للقتال، ففي هذه الحالة يتعين الخروج على من طلب للجهاد. والدليل على ذلك قوله (تعالى) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة: 38] . وجه الدلالة: أن الله (تعالى) أنكر تثاقلهم عن الجهاد، ولو لم يكن متعينا لما أنكره عليهم. وما رواه الجماعة إلا ابن ماجة عن ابن عبّاس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا» . وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: من طلب للجهاد وجب عليه أن ينفر، وهو معنى الوجوب العيني. الثاني: أن يدخل العدو بلاد المسلمين، أو يتغلب على قطر من أقطارهم، فيتعين القتال حينئذ، والدليل عليه الإجماع لأنه من قبيل إغاثة الملهوف المجمع عليها. الثّالث: عند التقاء الصفين يجب على من حضر القتال، ويحرم الانصراف إلا إذا كان متحرّفا لقتال أو متحيزا إلى فئة. والدليل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 15- 16] فقد نهى الله المؤمنين عن التّولّي يوم الزحف، وتوعدهم عليه، والنهي والتوعد يدلان على أن الثبات واجب، واستفيدت العينية من أداة العموم في قوله عز وجل: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ ... ثم اختلفوا في غير هذه الأحوال: فذهب جمهور العلماء إلى أنه فرض كفاية، إذا قام به من فيه الكفاية سقط الطلب عن الباقين. وقيل: إنه فرض عين، وحكاه الماوردي عن سعيد بن المسيب. وقيل: إنه مندوب.

[سورة البقرة (2) : الآيات 217 إلى 218]

وتَظْهرون، وتَغْنَمُون، وتؤجَرُون، ومن مات، مَاتَ شهيداً/، وعسى أن تحبّوا الدّعة، وترك 53 ب القتَالِ، وهو شرٌّ لكم في أنَّكم تُغْلَبُونَ، وتذلُّون، ويذْهَب أمركم. قال ص: قوله: وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً عسى هنا للترجِّي، ومجيئها له كثيرٌ في كلام العرب، قالوا: وكل «عسى» في القُرآن للتحقيق، يعْنُون به الوقوعَ إِلاَّ قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم: 5] انتهى. وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ... الآية- قوة أمر. [سورة البقرة (2) : الآيات 217 الى 218] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) وقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ... الآية نزلَتْ في قصَّة عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً علَيْها عبد اللَّه بن جَحْشٍ الأسَدِيُّ مَقْدَمَهُ من بَدْر الأولى، فلقوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ، ومعه عثمانُ بنُ عبد اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأخوه نَوْفَلٌ المخزوميَّان، والحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ في آخر يومٍ من رَجَبٍ على ما قاله ابْنُ إِسْحَاق «1» ، وقالوا: إِن تركْنَاهم اليَوْمَ، دخَلُوا الحَرَم، فأزمعوا قتالَهُم، فرمى واقدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ «2» عمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ بسهْمٍ، فقتله، وأَسَرَ عثمانَ بْنَ عبدِ اللَّهِ، والحَكَمَ، وفَرَّ نوفَلٌ، فأعجزهم، واستسهل المسْلمون هذا في الشَّهْر الحرام خوف فوتهم، فقالَتْ قريشٌ: محمَّد قد استحلَّ الأشهر الحُرُم، وعَيَّروا بذلك، وتوقَّف النبيّ صلّى الله عليه وسلم وقَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ» فنزلت هذه الآية، وقِتالٍ بدلُ اشتمالٍ عند سيبوَيْه. وقال الفَرَّاء: هو مخفوضٌ بتقدير «عَنْ» وقرىء «3» بِهِ، والشهْرُ في الآية اسم الجنس،

_ (1) أخرجه الطبري في «التفسير» (2/ 360) برقم (4085) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 289) . (2) واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تيمم التميميّ الحنظليّ اليربوعي، حليف بني عديّ بن كعب. قال موسى بن عقبة في «المغازي» : واقد، ويقال: وقدان، شهد بدرا، وكذا ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا. ينظر: «الإصابة» (6/ 465) . (3) وهي في مصحف عبد الله بن مسعود، ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 290) ، وزاد أبو حيان في «البحر» (2/ 154) نسبتها إلى ابن عباس، والربيع، والأعمش.

وكانتِ العربُ قد جعل اللَّه لها الشهْرَ الحرامَ قِوَاماً تعتدلُ عنده، فكانت لا تسفكُ دماً، ولا تغيِّر في الأشهر الحرم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم ورَجَبٌ، وروى جابر بن عبد الله، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يَغْزُو فِيهَا إِلاَّ أَنْ يغزى، فذلكَ قولُهُ تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ: مبتدأٌ مقطوعٌ ممَّا قبله، والخبرُ «أَكْبَرُ» ، ومعنى الآيةِ على قول الجمهورِ: إِنكم يَا كُفَّار قُرَيْشٍ تَسْتَعْظِمُون علَيْنا القتالَ في الشَّهْرِ الحَرَام، وما تفْعَلُون أنْتُمْ من الصَّدِّ عن سبيلِ اللَّهِ لِمَنْ أراد الإِسلام، وكُفْرِكم بِاللَّه، وإِخراجِكُم أهْلَ المسْجد عنْه كما فعلتم برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، أَكْبَرُ جُرْماً عند اللَّه. قال الزُّهْرِيُّ ومجاهدٌ وغيرهما: قوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ منسوخ. ص: وسبيل الله: دينه «1» ، والْمَسْجِدِ: قراءة الجمهور بالخَفْض، قال المبرِّد، وتبعه ابن عطية «2» وغيره: هو معطوفٌ على سَبِيلِ اللَّهِ وردَّ بأنه حينئذٍ يكون متعلِّقاً ب «صَدّ» ، أي: وصَدّ عن سبيل اللَّهِ، وعن المسجدِ الحرامِ، فيلزم الفَصْلُ بين المصدر، وهو «صَدّ» وبين معموله، وهو «المسجد» بأجنبيٍّ، وهو: «وكُفْرٌ بِهِ» ، ولا يجوز. وقيل: معطوفٌ على ضمير «بِهِ» ، أي: وكُفْرٌ بِهِ، وَبِالْمَسُجِدِ ورُدَّ بأن فيه عطفاً على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض ولا يجوز عند جمهور البَصْرِيِّين، وأجازه الكوفيُّون، ويونُسُ «3» ، وأبو الحَسَنِ والشَّلَوْبِينُ «4» ، والمختار جوازه لكثرته سماعا ومنه

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 362- 363- 365) برقم (4088) ، عن مجاهد، وبرقم (4089) ، (4101) عن الزهري، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 290) ، عن الزهري، ومجاهد. وذكره أيضا السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 449) وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد. وفي (1/ 450) عزاه لعبد الرزاق، وأبي داود في «ناسخه» ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الزهري. (2) «المحرر الوجيز» (1/ 290) . (3) يونس بن حبيب الضبّي بالولاء، البصريّ، أبو عبد الرحمن. قال السّيرافيّ: بارع في النّحو، من أصحاب أبي عمرو بن العلاء، سمع من العرب، وروى عن سيبويه فأكثر، وله قياس في النّحو، ومذاهب يتفرّد بها. سمع منه الكسائيّ والفرّاء. وكانت له حلقة ب «البصرة» ينتابها أهل العلم وطلاب الأدب وفصحاء الأعراب والبادية. مولده سنة تسعين، ومات سنة ثنتين وثمانين ومائة. ينظر: «البغية» (2/ 365) . [.....] (4) عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله، الأستاذ أبو عليّ الإشبيليّ، الأزديّ، المعروف بالشّلوبين، ومعناه بلغة الأندلس: «الأبيض الأشقر» . -

قراءة حمزة: تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [النساء: 1] أي: وبالأرحام، وتأويلها على غيره بعيدٌ يُخْرِجُ الكلام عن فصاحته. انتهى. وقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ: المعنى عند جمهور المفسِّرين: والفتنةُ التي كُنْتُمْ تفتنون المُسْلمين عن دينهم حتى يهلكوا أشدُّ اجتراما من قَتْلكم في الشَّهْر الحرام، وقيل: المعنى والفِتْنَة أشَدُّ من أن لو قتلوا ذلك المَفْتُون. وقوله تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا هو ابتداءُ خبرٍ من اللَّه تعالى، وتحذيرٌ منه للمؤمنين. وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ، أي: يرجع عن الإِسلام إِلى الكفر عياذاً باللَّه، قالَتْ طائفةٌ من العلماء: يُستَتَابُ المرتدُّ ثلاثةَ أيامٍ، فإِن تاب، وإِلا قتل، وبه قال مالك، وأحمد «1» ، وأصحابُ الرَّأيِ، والشَّافعيُّ في أحد قولَيْه، وفي قولٍ له: يُقْتَلُ دون استتابةٍ، وحبط العمل، إِذا انفسد في آخره، فبطل، وميراث المرتدِّ «2» عند مالك والشافعيّ: في بيت

_ - قال ابن الزّبير: كان إمام عصره في العربية بلا مدافع، آخر أئمة هذا الشأن بالمشرق والمغرب، ذا معرفة بنقد الشّعر وغيره، بارعا في التعليم، ناصحا، أبقى الله به ما بأيدي أهل المغرب من العربيّة. روى عن السّهيليّ، وابن بشكوال، وغيرهما، وأجاز له السّلفيّ وغيره، وأخذ عنه ابن أبي الأحوص، وابن فرتون وجماعة. وصنف تعليقا على كتاب سيبويه، وشرحين على الجزوليّة، وله كتاب في النّحو سمّاه «التوطئة» . مولده سنة ثنتين وستين وخمسمائة، ومات في العشر الأخير من صفر سنة خمس وأربعين وستمائة. ينظر: «البغية» (2/ 224- 225) . (1) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي. ولد سنة 164، أخذ الفقه عن الشافعي، وسلك مسلكه، صنف المسند. قال إبراهيم الحربي: كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين. توفي سنة 241. ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 56) ، و «حلية الأولياء» (9/ 161) ، و «تذكرة الحفاظ» (2/ 431) . (2) إذا قتل المرتد أو مات على ردته، فقد اختلف الفقهاء في إرث ورثته المسلمين لماله على الوجه الآتي: ذهب الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، ومالك، وداود بن علي، وعلقمة، وقتادة إلى عدم إرث ورثته المسلمين من تركته. واختلف هؤلاء فيما بينهم، فذهب الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وابن حنبل إلى أن جميع ماله يكون فيئا لبيت مال المسلمين، ووافقهم مالك على ذلك، إلا في حالة واحدة هي ما إذا قصد المورّث المرتد حرمان ورثته من ماله فيرثوه في تلك الحالة عنده. وذهب داود بن عليّ إلى أن ماله يكون لورثته الذين ارتد إليهم. وذهب علقمة، وقتادة إلى أن ماله ينتقل لأهل الدين الذين ارتد إليهم. وذهب الحنفية، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعمر بن-

مال المسلمين. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية:

_ - عبد العزيز، والحسن، وعطاء، وسفيان الثوري، وزفر إلى إرث ورثته المسلمين من تركته. وهؤلاء فريقان أيضا: ذهب علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن وعطاء، والصاحبان من الحنفية إلى أن جميع ماله الذي كسبه في الإسلام وبعد ردته يكون موروثا لورثته المسلمين. وذهب الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، وزفر إلى أن الذي يورث هو كسب إسلامه دون كسب ردته فإنه يكون فيئا. استدل القائلون بعدم إرث الورثة المسلمين: أولا: بما رواه البراء بن عازب قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه الراية، فقلت: إلى أين تذهب؟ فقال: أرسلني رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله. دلت الرواية على أن مال المرتد فيء وليس لورثته، فإن إرسال الرسول الرجل لمن فعل فعلا يخرجه عن الإسلام، وأمره بقتله- دليل على أنه ارتد بفعله. وثانيا: بما روى معاوية بن قرّة عن أبيه «أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم بعث جدّ معاوية إلى رجل عرّس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه، ويخمّس ماله» وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما بالمحاربة، ولذلك أخذ منه الخمس. ونوقش الحديثان: بأن الرسول صلّى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك لأن كلا من الرجلين، كان محاربا بسبب استحلاله لأمر محظور شرعا، فكان ماله مغنوما. ودليل ذلك: أن الراية إنما تعقد للمحاربة لا لغيرها. وإذا كان مغنوما، فلا حق لورثته والحالة هذه لكونه فيئا. واستدلوا ثانيا: بأن المرتد كافر بردته، والمسلم لا يرث الكافر. ونوقش بالفرق بين المرتد والكافر فإن ملك المرتد فيما كسبه قبل الردة كان صحيحا، فلم تجز غنيمته، إذ لا تغنم أموال المسلمين لصحة ملكهم له. وإن جاز غنيمة ما كسبه بعد الردة لمحاربته الله والرسول، فكان كالمربي في أمواله. وبهذا يتبين أن مال المرتد غير مال الكافر وكيف يكون مثله والمرتد غير مقر على ما انتقل إليه، ولا يحل التزوج بالمرتدة ولا أكل ذبيحتها ولا كذلك الكافر. واستدل القائلون بالإرث، وهم الحنفية: أولا: بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: 75] وجه الدلالة: أن صلة الرحم باقية بين المرتد وورثته، فتكون سببا في بقاء الميراث بينهما. ثانيا: بالآثار: فقد ورد عن كثير من الصحابة توريثهم الورثة المسلمين من المرتد روى زيد بن ثابت قال: بعثني أبو بكر عند رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم المسلمين. وروي مثله عن ابن مسعود، وإليه ذهب أكثر التابعين كسعيد بن المسيب، والحسن. وروي عن علي بن أبي طالب أنه أتي بالمستورد العجلي وقد ارتد، فعرض عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، فضرب عنقه، وجعل ميراثه لورثته المسلمين. وروى ابن حزم من طريق المنهال عن معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي عمرو الشيباني عن علي بن أبي طالب «اجعلوا ميراث المرتد لورثته من المسلمين» . فدلت هذه الآثار على أن ورثة المرتد المسلمين أحق بتركته دون غيرهم إذا كانوا يرثونه في الصدر الأول. -

[سورة البقرة (2) : الآيات 219 إلى 220]

قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: لما عَنَّفَ المسلمون عبْدَ اللَّه بن جَحْشٍ وأصحابه، شَقَّ ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية، ثم هي باقيةٌ في كلِّ من فعل ما ذكره اللَّه عزَّ وجلَّ «1» . وهَاجَرَ الرجُلُ، إِذا انتقل نقلة إِقامة من موضعٍ إِلى موضعٍ، وقصد ترك الأول إِيثاراً للثاني، وهي مُفَاعَلَةٌ من هَجَرَ، وجَاهَدَ مفاعلة من جهد، إذا استخرج الجهد، ويَرْجُونَ: معناه يَطْمَعُون ويستقْربُون، والرجاء تنعُّم، والرجاء أبداً معه خوفٌ ولا بدَّ، كما أن الخوف معه رجاء. ت: والرجاءُ ما قارنه عمَلٌ، وإلا فهو أمنيّة. [سورة البقرة (2) : الآيات 219 الى 220] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر] أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ... فَقَدْ جاوزتما خمر الطّريق «2»

_ - واستدلوا ثالثا: بأن المرتد بردته تنتقل أمواله عنه، فلا بد أن تنقل إلى ورثته المسلمين، كما لو انتقلت بالموت، خصوصا وقد جاء نص المواريث عاما لأن ظاهر قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: 11] يقتضي توريث المسلم من المرتد إذ لم يفرق بين الميت المسلم وبين المرتد. ونوقش: بأن العموم في آية المواريث قد خص بحديث أسامة بن زيد: «لا يرث المسلم من الكافر» كما خص توريث الكافر من المسلم، وهو وإن كان من أخبار الآحاد إلا أن الأمة تلقته بالقبول، واستعملته في منع توريث الكافر من المسلم، فصار في حيز المتواتر لأن آية المواريث خاصة بالاتفاق. وأخبار الآحاد مقبولة في تخصيص مثلها. وأجيب: بأن حديث أسامة المراد به إسقاط التوارث بين أهل الملتين، وليست الردة بملة قائمة لأنه غير مقرّ عليها. وليس محكوما عليه بحكم الملة التي انتقل إليها، فلم يتناول الحديث محل النزاع. ينظر: «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا «بدران أبو العينين» ، «تفسير الجصاص» (2/ 127) ، «مغني» ابن قدامة (7/ 174) ، «المنتقى» على الموطأ (6/ 250) ، «الأم» للشافعي (4/ 3) ، «المحلى» لابن حزم (9/ 308) . (1) أخرجه الطبري (2/ 369) برقم (4106) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 291) . (2) البيت بلا نسبة في «الأزهيّة» (ص 165) و «الدرر» (6/ 168) و «شرح قطر الندى» (ص 210) -

ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ. وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] ثم إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ... الآية إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] ، ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائد: 90] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «حرّمت الخمر» «1» ،

_ - و «شرح المفصل» (1/ 129) و «لسان العرب» (4/ 257) (خمر) و «اللمع» (ص 195) و «همع الهوامع» (2/ 142) ، و «الدر المصون» (1/ 535) . واستشهد بقوله: «يا زيد والضحاك» حيث روي بنصب «الضحاك» ورفعه، فدلّ ذلك على أنّ المعطوف على المنادى المبنيّ، إذا كان مفردا، يجوز فيه وجهان: الرفع على لفظ المنادى، والنصب على محلّه. (1) أخرجه النسائي (8/ 321) ، كتاب «الأشربة» ، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس موقوفا بلفظ: «حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب» . قال النسائي: ابن شبرمة لم يسمعه من عبد الله بن شداد، وأخرجه (8/ 321) كتاب «الأشربة» ، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة قال: حدثني الثقة عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس به. قال: خالفه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي. فرواه عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس بزيادة: «حرمت الخمر بعينها: قليلها، وكثيرها» ... أخرجه النسائي (8/ 321) ثم أخرجه من طريق عباس بن ذريح، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: «حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب» . قال النسائي: وهذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة، وهشيم بن بشير- الراوي عنه- كان يدلس، وليس في حديثه ذكر السماع من ابن شبرمة، ورواية أبي عون أشبه بما رواه الثّقات عن ابن عباس. وقد أخرجه النسائي (8/ 321) ، والدارقطني (4/ 256) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 224) ، من طريق شعبة، عن مسعر، عن أبي عون به، عن ابن عباس موقوفا. وفي الباب عن علي مرفوعا: أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 123- 124) ، من طريق محمد بن الفرات الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: طاف النبي صلّى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة أسبوعا، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة» ؟ فأتي بقعب من نبيذ، فذاقه، فقطب، قال: فرده، قال: فقام إليه رجل من آل حاطب، فقال: يا رسول الله، هذا شراب أهل مكة، قال: فرده. قال: فصب عليه الماء حتى رغا، ثم شرب، ثم قال: «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» . قال العقيلي: لا يتابع عليه. ونقل عن يحيى قوله: ليس بشيء، وعن البخاري قوله: منكر الحديث. -

ولم يحفظ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرّجه مسلم، وأبو داود «1» ، وروي عنه صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً «2» ، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر «3» ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحدّ، وجعله كأخفّ الحدود

_ - وقول العقيلي: لا يتابع عليه، فيه نظر. فقد تابعه عبد الرحمن بن بشر الغطفاني. أخرجه هو في «ضعفائه» (3/ 424) من طريقه، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الأشربة، عام حجة الوداع، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «حرم الله الخمر بعينها، والسكر من كلّ شراب» . قال العقيلي: عبد الرحمن بن بشر مجهول في النسب والرواية حديثه غير محفوظ. ليس له من حديث أبي إسحاق أصل، وهذا يعرف عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس قوله. (1) أخرجه أحمد (3/ 67) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 157) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: جلد على عهد النبي صلّى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جلد بدل كل نعل سوطا. وزيد العمي ضعيف، والمسعودي كان قد اختلط. (2) أخرجه البخاري (12/ 66) كتاب «الحدود» ، باب الضرب بالجريد والنعال، حديث (6778) ، ومسلم (3/ 1332) كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، حديث (39/ 1707) ، وأبو داود (4/ 626) ، كتاب «الحدود» ، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (4486) ، وابن ماجة (2/ 858) ، كتاب «الحدود» ، باب حد السكران، حديث (2569) ، وأحمد (1/ 125) ، وأبو يعلى (1/ 281) برقم (336) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، والبيهقي (8/ 321) ، كتاب «الأشربة والحد فيها» ، باب الشارب يضرب زيادة على الأربعين. كلهم من حديث علي قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد، فيموت، وأجد في نفسي منه شيئا، إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يتبين فيه شيئا. قال البيهقي: وإنما أراد- والله أعلم- أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يسنه زيادة على الأربعين، أو لم يسنه بالسياط، وقد سنه بالنعال، وأطراف الثياب مقدار أربعين. (3) أخرجه أبو داود (4/ 628) ، كتاب «الحدود» ، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (4489) ، والشافعي (2/ 90) كتاب «الحدود» ، باب حد الشرب، حديث (292) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 156) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، والحاكم (4/ 375) ، كتاب «الحدود» ، باب كان الشارب يضرب بالأيدي والنعال، والبيهقي (8/ 320) كتاب «الأشربة» ، باب عدد حد الخمر، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم غداة الفتح، وأنا غلام شاب يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بشارب، فأمرهم، فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعليه، وحثى رسول الله صلّى الله عليه وسلم التراب، فلما كان أبو بكر، فسألهم عن ضرب النبي صلّى الله عليه وسلم الذي ضرب، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. [.....]

ثمانين وبه قال مالك «1» .

_ (1) ذهب الحنفية والمالكية إلى أن حد الخمر ثمانون، وهو مذهب إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم، وإحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، واختاره ابن المنذر. وذهب الشافعي (في أصح مذهبه) إلى أن قدرها أربعون، وهو مذهب الظاهرية، وأبي ثور، وإحدى الروايتين عن أحمد، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة وغير ذلك. واحتج الأولون بما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحّحه عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلم «أتي برجل قد شرب الخمر، فجلد بجريدتين نحو أربعين. وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار النّاس، فقال عبد الرّحمن: أخفّ الحدود ثمانين. فأمر به عمر» . وبما رواه أحمد عن أبي سعيد قال: جلد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا. وجه الدلالة: أن شارب الخمر كان يجلد بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثمانين لأنه كان يضرب بالجريدتين أو بالنعلين مجتمعين أربعين، فتكون الجملة الحاصلة ثمانين لأن كل ضربة ضربتان. وإن كانت الرواية الأولى محتملة لقوله: «فجلد بجريدتين نحو أربعين» إلا أن الثانية جازمة، بأن الضرب بنعلين أربعين، ولذا استشار عمر الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) فرأوا أن الجلد في الخمر ثمانون سوطا بدل الضرب بالنعال ونحوها. وروى الإمام مالك (رضي الله عنه) عن ثور بن زيد الدّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب: «نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين» . وجه الدلالة: أن عمر (رضي الله عنه) استشار الصحابة في عقوبة شرب الخمر، فأشار عليه عليّ بأنها ثمانون، فوافقه عمر عليها، وعمل بها فدل ذلك على أنها ثمانون، ولم يعلم له مخالف. وأما المعقول فقالوا: إن هذا حد في معصيته، فلم يكن أقل من ثمانين، كحد الفرية والزنا. وأما الإجماع، فقالوا: إن الصحابة في عهد عمر أجمعوا على أن حدّ شرب الخمر ثمانون. يدل لذلك ما روى الدارقطني قال: حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدّورقي، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم حنين، وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لمن عنده، فضربوه بما في أيديهم، وقال: وحثا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عليه التراب قال: ثم أتي أبو بكر (رضي الله عنه) بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين. قال الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال: فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير (رضي الله عنهم) . وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك، فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين، وعمر ثمانين.

ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر بإِجماع. قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتّى لعب الصّبيان بالجوز «1» .

_ وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي صلّى الله عليه وسلم بحنين، وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين. قال الباجي: «واستدل أن ذلك حكمه، وإلى ذلك ذهب مالك، وأبو حنيفة أن حد شارب الخمر ثمانون، وقال الشافعي: أربعون. والدليل على ما نقوله ما روي من الأحاديث الدالة على أنه لم يكن من النبي صلّى الله عليه وسلم نص في ذلك على تحديد، وكان الناس على ذلك ثم وقع الاجتهاد في ذلك في زمن عمر بن الخطاب، ولم يوجد عند أحد منهم نص على تحديد، وذلك من أقوى الدليل على عدم النص فيه لأنه لا يصح أن يكون فيه نص باق حكمه، ويذهب على الأمة لأن ذلك كان يكون إجماعا منهم على الخطأ ولا يجوز ذلك على الأمة، ثم أجمعوا واتفقوا على أن الحد ثمانون، وحكم بذلك على ملأ منهم، ولم يعلم لأحد فيه مخالفة فثبت أنه إجماع. واستدل الشافعي ومن معه بالسنة، والأثر، والمعقول. فمن السنة ما روى مسلم عن أنس (رضي الله عنه) أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين. وجه الدلالة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين فدل ذلك على أنها حده. وأمّا الأثر، فما روى مسلم عن حضين بن المنذر قال: شهدت عثمان بن عفان أتي بالوليد قد صلّى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: «ول حارّها من تولى قارّها» فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده، فجلده وعلي يعدّ حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلّ سنّة، وهذا أحب إليّ» . وجه الدلالة: أن عليا (كرم الله وجهه) جزم في إخباره بأن النبي صلّى الله عليه وسلم جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد محدد إلا بعض الروايات السالفة عن أنس، ففيها نحو الأربعين- بطريق التقريب، والجمع بين الأخبار أن عليا جزم بالأربعين، فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب، فعملنا بما جزم به عليّ في إخباره عن الجلد الواقع في عهد الرسول (عليه الصلاة والسلام) وعهد أبي بكر، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولذلك قال لعبد الله بن جعفر لما بلغ الأربعين: أمسك. وأما المعقول فقالوا: إن الشرب سبب يوجب الحد، فوجب أن يختص بعدد لا يشاركه فيه غيره، كالزنا والقذف. ينظر: «الباجي» على الموطأ (3/ 144) ، و «الزرقاني» على الموطأ (4/ 344) ، و «تفسير القرطبي» (12/ 165) ، و «فتح الباري» (12/ 55) . (1) أخرجه الطبري (2/ 370- 371) برقم (4114- 4115) ، عن محمد بن سيرين، وبرقم (4118) ، عن الحسين، وبرقم (4120) عن سعيد بن المسيب، وبرقم (4124) عن ابن عباس. وذكره ابن عطية (1/ 294) .

ت: وعبارة الداوديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه «1» ، قال ابن عبَّاس: كلُّ ذلك قمارٌ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب «2» . انتهى. وقوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ... الآية: قال ابن عبّاس، 54 أوالرّبيع: الإثم فيها بعد التحريم/، والمنفعةُ قبله «3» . وقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها «4» ، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها «5» ، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم. وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس. وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكرته. قال الداوديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائها «6» . انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 371) برقم (4133) . (2) أخرجه الطبري (2/ 371) برقم (4124) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 452) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. والكعاب: فصوص النرد، واحدها كعب وكعبة. ينظر: «لسان العرب» (3889) . (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 294) والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 453) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. (4) أخرجه الطبري (2/ 372) برقم (4137) ، وذكره ابن عطية (1/ 294) . (5) أخرجه الطبري (2/ 373) برقم (4140) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 294) ، والسيوطي (1/ 452) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. (6) أخرجه الطبري (2/ 381) برقم (4181) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 295) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 456) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس.

[سورة البقرة (2) : آية 221]

قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- تَعَالَى: العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ، وإِن سمع صوتاً هائلاً، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأى شيئاً حسَناً، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ من ردٍّ أو قبول، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة، استحقر الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته. انتهى من «الإِحياء» . وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب: سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ... [الأنعام: 152] و [الإسراء: 34] الآية، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] ، تجنبوا اليتامى وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ... الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم «1» . وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ: تحذيرٌ. وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أي: لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ: المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عنوت ومنه: عنت العزبة، وعَزِيزٌ: مقتضاه لا يرد أمره، وحَكِيمٌ: أي: محكم ما ينفذه. [سورة البقرة (2) : آية 221] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 382- 383- 384) برقم (4185- 4186- 4192- 4194- 4196) عن ابن عباس، وبرقم (4187) عن سعيد. وذكره البغوي (1/ 194) عن ابن عباس، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 295- 296) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 456) ، وعزاه لأبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.

وقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ونَكَح: أصله في الجمَاع، ويستعمل في العَقْد تجوُّزاً. قالت طائفة: المشركاتُ هنا: من يُشْرِكُ مع اللَّه «1» إِلهاً آخرْ. وقال قتادة وابْنُ جُبَيْر: الآية عامَّة في كل كَافِرة، وخصَّصتها آية المائدة، ولم يتناوَلِ العمومُ قطُّ الكتابيَّاتِ «2» ، وقال ابنُ عبَّاس، والحسن: تناولهن العمومُ، ثم نَسَخَتْ آيةُ المائدة بَعْضَ العمومِ في الكتابيَّات «3» ، وهو مذهب مالكٍ- رحمه اللَّه- ذكره ابن حَبِيبٍ. وقوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ... الآية. هذا إِخبار من اللَّه سبحانَه 54 ب أن المؤمنة المَمْلُوكة خَيْرٌ من المشركة، وإِن كانت ذاتَ الحَسَب والمَالِ، ولو أعجبتْكم/ في الحُسْن وغير ذلك، هذا قول الطَّبَرِيِّ وغيره. وقوله سبحانه: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ... الآية: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجْهٍ لما في ذلك من الغَضَاضَةِ على دين الإِسلام. قال بعض العلماء: إِن الولايةَ في النكاحِ نصٌّ في هذه الآية، قلت: ويعني ببعض العلماءِ محمَّدَ بْنَ عليِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ «4» . انتهى. ولَعَبْدٌ مُؤمنٌ مملوكٌ خَيْرٌ من مشركٍ حسيبٍ، ولو أعجبكم حُسْنُه ومالُهُ حسبما تقدَّم. قال ع «5» : وتحتمل الآية عنْدي أن يكون ذكْر العَبْدِ والأمةِ عبارةً عن جميع الناسِ حُرِّهم ومملوكِهِم إِذْ هم كلُّهم عبيده سُبْحَانه. وقوله تعالى: أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أي: بصحبتهم، ومعاشرتهم، والاِنحطاطُ في كثيرٍ من أهوائهم، واللَّه عزَّ وجلَّ مُمِنٌّ بالهداية، ويبيِّنُ الآياتِ، ويحضُّ على الطاعات

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 296) . (2) أخرجه الطبري (2/ 389) برقم (4220، 4221، 4222) عن قتادة، وبرقم (4223) عن سعيد بن جبير، وذكره البغوي (1/ 195) . وابن عطية (1/ 296) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 458) ، وعزاه إلى وكيع، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن سعيد بن جبير، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 296) . (4) ينظر: «الأحكام» (1/ 158) . [.....] (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 297) .

[سورة البقرة (2) : آية 222]

التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن: العلْم والتمكينُ، فإِن انضاف إلى ذلك أمْرٌ، فهو أقوى من الإِذن لأنك إِذا قلْتَ: أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، ولَعَلَّهُمْ: ترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حسب التذكّر، فنجا. [سورة البقرة (2) : آية 222] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ: إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ «1» ، وقال قتادةُ وغيره: إِنما سألوه لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد استنوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية «2» . وقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ يريدُ: جماعَهُنَّ بما فسّر من ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها. قال أحمد بن نصر الداوديّ: روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اتقوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ» «3» انتهى. قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، وقرأ حمزة «4» وغيره «يَطَّهَّرْنَ» بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في «أحكامه» «5» : سمعْتُ أبا بكر

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 393) برقم (4237) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 298) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 461) ، وعزاه لابن جرير. وهو ثابت بن الدّحداح بن نعيم بن غنم بن إياس، حليف الأنصار. وكان بلويّا، حالف بني عمرو بن عوف. ويقال: ثابت بن الدحداحة. ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. ينظر: «الإصابة» (1/ 503) (العلمية) . (2) أخرجه الطبري (2/ 393) برقم (4234) ، وذكره ابن عطية (1/ 298) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 462) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة. (3) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 259) ، وعزاه لابن المنذر. (4) ينظر: «السبعة» (182) ، و «الكشف» (1/ 293) ، و «الحجة» (2/ 321) ، و «حجة القراءات» (134، 135) ، و «العنوان» (74) ، و «شرح الطيبة» (4/ 99) ، و «شرح شعلة» (290، 291) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 202) ، و «إتحاف» (1/ 438) . (5) ينظر: «الأحكام» (10/ 164) .

الشَّاشِيَّ «1» يقولُ: إِذا قيل: لا تَقْرَبْ بفتح الراء، كان معناه: لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ، وإِذا كان بضم الراء، كان معناه لا تَدْن منه. انتهى. وجمهورُ العلماء على أنَّ وطأها في الدَّمِ ذنْبٌ عظيمٌ يتاب منْه، ولا كفَّارة فيه بمالٍ «2» ، وجمهُورهم على أن الطُّهْر الذي يُحِلُّ جماعَ الحائِض، هو بالماءِ كطهر الجُنُب، ولا يجزىء من ذلك تَيَمُّمٌ ولا غيره. وقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... الآية: الخلافُ فيها كما تقدَّم، وقال مجاهدٌ وجماعةٌ: تَطَهَّرْنَ، أي: اغتسلن بالماء «3» بقرينةِ الأمر بالإِتيان لأنَّ صيغة الأمر من الله

_ (1) القاسم بن القفال الكبير الشاشي محمد بن علي، مصنف «التقريب» ، كان إماما جليلا حافظا، برع في حياة أبيه، قال العبادي: إن كتابه «التقريب» قد تخرج به فقهاء خراسان، وازدادت طريقة أهل العراق به حسنا، وقد أثنى البيهقي على التقريب، وقال فيه الأسنوي: ولم أر في كتب الأصحاب أجلّ منه. ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 187) ، «هدية العارفين» (1/ 827) ، «طبقات الأسنوي» (ص 108) . (2) اتفق أهل العلم على تحريم غشيان الحائض، ومن فعله عالما عصى، ومن استحلّه كفر لأنه محرّم بنصّ القرآن، ولا يرتفع التّحريم حتى ينقطع الدم وتغتسل عند أكثر أهل العلم، وهو قول سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، وإليه ذهب عامة العلماء، لقوله سبحانه وتعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي: اغتسلن. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز غشيانها بعد ما انقطع دمها لأكثر الحيض قبل الغسل. واختلف أهل العلم في وجوب الكفّارة بوطء الحائض، فذهب أكثرهم إلى أنه يستغفر الله ولا كفّارة عليه، وهو قول سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النّخعي، والقاسم، وعطاء، والشّعبي، وابن سيرين، وبه قال ابن المبارك، والشّافعيّ، وأصحاب الرأي. وذهب جماعة إلى إيجاب الكفّارة بإتيان الحائض، منهم قتادة والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقاله الشافعي في القديم، لما روى عن ابن عبّاس، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض.، قال: «إن كان الدّم عبيطا، فليتصدّق بدينار، وإن كان صفرة، فنصف دينار» . أخرجه الترمذي (1/ 245) ، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الكفارة في ذلك (137) ، وفي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، ضعيف كما في «التقريب» (1/ 516) ، وللحديث طرق أخرى قد بسطها الشيخ شاكر في شرحه للترمذي (1/ 245- 254) ، فانظرها ففيها فوائد. قال أبو عيسى: حديث الكفّارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفا، وروي أنه قال: «إن أصابها في فور الدّم تصدّق بدينار، وإن كان في انقطاع الدم، فنصف دينار» . وقال قتادة: دينار للحائض، ونصف دينار إذا أصابها قبل الغسل. وقال أحمد: يتخيّر بين الدّينار والنصف، وقال الحسن: عليه ما على المجامع في نهار رمضان. ومن لم يوجب الكفارة، ذهب إلى أن حديث ابن عبّاس لا يصحّ متّصلا مرفوعا. ينظر: «شرح السنة» (1/ 409- 410) . (3) أخرجه الطبري (2/ 398- 399) برقم (4273) . -

[سورة البقرة (2) : آية 223]

تعالى لا تقعُ إِلا على الوَجْه الأكمل، وفَأْتُوهُنَّ: أمر بعد الحَظْر يقتضي الإِباحة، والمعنى: من حيثُ أمركم اللَّه باعتزالهن، وهو الفَرْج، أو من السُّرَّة إِلى الرُّكْبة على الخلاف في ذلك، وقال ابن عبَّاس: المعنى: من قِبَلِ الطُّهْرِ، لا من قِبَلِ الحَيض «1» ، وقيل: المعنى مِنْ قِبَلِ حالِ الإِباحة، لا صائماتٍ ولا مُحْرِماتٍ، ولا غيرَ ذلك، والتَّوَّابُون: الرجَّاعون، وعُرْفُهُ من الشَّرِّ إِلى الخير، والمُتَطَهِّرْونَ: قال عطاءٌ وغيره: المعنى: بالماء «2» ، وقال مجاهد وغيره: المعنى: من الذنوب «3» . [سورة البقرة (2) : آية 223] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية مبيحةٌ لهيئات الإتيان كلّها، إذا كان/ 55 أالوطء في موضع الحرثِ، ولفظة «الحَرْث» تعطي أنَّ الإِباحة لم تقعْ إِلا في الفَرْجِ خاصَّة إِذ هو المُزْدَرَعُ. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «4» : وفي سبب نزولِ هذه الآية رواياتٌ: الأولى: عن جابرٍ، قال: كانَتِ اليهودُ تقولُ: من أتَى امرأة فِي قُبُلِهَا منْ دُبُرِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فنزلَتِ الآية، وهذا حديثٌ صحيح خرّجه الأئمّة «5» .

_ - وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 197) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 299) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 465) ، وعزاه لسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق في «المصنف» ، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس عن مجاهد. (1) أخرجه الطبري (2/ 401) برقم (4292) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 99) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 466) ، وعزاه إلى الدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (2/ 403) برقم (4304- 4305- 4306) ، وذكره البغوي (1/ 198) ، وابن عطية (1/ 299) ، والسيوطي (1/ 466) ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عطاء. (3) أخرجه الطبري (2/ 403) برقم (4308) ، وذكره البغوي (1/ 198) ، وابن عطية (1/ 299) . (4) ينظر: «الأحكام» (1/ 173) . [.....] (5) أخرجه البخاري (8/ 37) ، كتاب «التفسير» ، باب نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، حديث (4528) ، ومسلم (2/ 1058- 1059) ، كتاب «النكاح» ، باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها، من غير تعرض للدبر، حديث (117- 119/ 1435) ، وأبو داود (1/ 656) كتاب «النكاح» ، باب في جامع النكاح، حديث (2163) ، والترمذي (5/ 200) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة البقرة، حديث (2982) . وابن ماجة (1/ 620) كتاب «النكاح» ، باب إتيان النساء في أدبارهن، حديث (1925) ، والدارمي (1/ 258) ، كتاب «الوضوء» ، باب إتيان النساء في أدبارهن، وفي (2/ 145- 146) كتاب «النكاح» ، باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن، وأبو يعلى (4/ 21) -

الثانية: قالت أمّ سلمة «1» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم في قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ: قال: «يَأْتِيَها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» خرَّجه مسْلم، وغيره «2» . الثالثة: ما رَوَى الترمذيّ أنّ عمر جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقَالَ لَهُ: هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ البَارِحَةَ رَحْلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم شَيْئاً، حتى نزلَتْ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أَقْبِلْ وأدبر، واتّق الدّبر» «3» انتهى.

_ - برقم (2024) ، وابن حبان (4174) ، والطبري في «تفسيره» (2/ 397) ، والواحدي في «أسباب النزول» (ص- 53) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 40) ، والبيهقي (7/ 193، 194، 195) ، من حديث جابر. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 467) ، وعزاه إلى وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وأبي نعيم، والبيهقي، عن جابر، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (1) هي: هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. أم المؤمنين (رضي الله عنها) أم سلمة. القرشية. المخزومية. قال ابن الأثير: كان أبوها يعرف ب «زاد الركب» .. وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة.. وقيل: إنها أول ظعينة هاجرت إلى «المدينة» ، والله أعلم، وتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة. توفيت سنة (63) على أرجح الأقوال. ينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 340) ، «الإصابة» (8/ 240) ، «الاستيعاب» (4/ 1939) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 322) ، «أعلام النساء» (2/ 235) . (2) أخرجه الترمذي (5/ 200) في التفسير، باب «ومن سورة البقرة» (2979) ، وأحمد (6/ 305، 310، 318، 319) ، والدارمي (1/ 256) في الوضوء: باب إتيان النساء في أدبارهن، وأبو يعلى في «مسنده» (6972) ، والطبري في تفسيره (4341- 4345) ، والطحاوي (3/ 42- 43) ، والبيهقي (7/ 195) عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن سابط، عن حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، قال: صماما واحدا، صماما واحدا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن..... ويروى في سمام واحد. ويشهد له حديث جابر عند مسلم (2/ 159) في النكاح: باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها، من غير تعرض للدبر (119- 1435) . والواحدي في «أسباب النزول» ص (53) . والطحاوي (3/ 41) ، والبيهقي (7/ 195) عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته مجبية كان الولد أحول، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد. (3) أخرجه الترمذي (5/ 200) في التفسير، باب «ومن سورة البقرة» (2980) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 314) ، في «عشرة النساء» (8977/ 4) و (6/ 302) ، في «التفسير» (11040/ 3) ، وأحمد (1/ 267) ، والطبري في التفسير (4347) ، وأبو يعلى (2736) ، والبيهقي (7/ 198) ، والواحدي في «أسباب النزول» ص 53 عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت......» فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. -

قال ع «1» : وأَنَّى شِئْتُمْ: معناه عند جمهور العلماء: من أيِّ وجهٍ شئتم مقبلةً، ومدبرةً، وعلى جَنْب. قال ع «2» : وقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مصنَّف النسائيِّ وفي غيره أنه قَالَ: «إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ» «3» ، وورد عنْه فيه، أنَّه قال: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرَهَا» «4» ، وورد عنه، أنَّه قال: «مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على قَلْبِ مُحَمَّدٍ» «5» ، وهذا هو الحقُّ المتَّبع، ولا ينبغي لمؤمنٍ باللَّه أن يعرج بهذه النازلة على زَلَّة عالِمٍ بعد أنْ تصحَّ عنْه، واللَّه المرشِدُ لا ربَّ غيره.

_ - وينظر: «الدر المنثور» (1/ 469) . (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 299) . (2) ذكره في «المحرر الوجيز» (1/ 300) . (3) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في «السنن الكبرى» (5/ 319) ، كتاب «عشرة النساء» ، باب ذكر الاختلاف على عبد الله بن علي بن السائب، حديث (8995) . (4) أخرجه أبو داود (1/ 655) ، كتاب «النكاح» ، باب في جامع النكاح، حديث (2162) ، وأحمد (2/ 444) ، وأبو يعلى (11/ 349) برقم (6462) ، من حديث أبي هريرة، وليس من حديث خزيمة بن ثابت كما في «المهذب» . (5) أخرجه أبو داود (2/ 408) كتاب «الطب» ، باب في الكهان، حديث (3904) ، والترمذي (1/ 242- 243) كتاب «الطهارة» ، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، حديث (135) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 323) ، كتاب «عشرة النساء» ، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي هريرة في ذلك، حديث (9016، 9017) ، وابن ماجة (1/ 209) كتاب «الطهارة» ، باب النهي عن إتيان الحائض، حديث (639) ، وأحمد (2/ 408، 476) . والدارمي (1/ 259) ، كتاب «النكاح» ، باب من أتى امرأته في دبرها. والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 16) ، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (107) ، والعقيلي في «الضعفاء» (1/ 318) . وابن عدي في «الكامل» (2/ 637) . والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 44- 45) . والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 198) . كلهم من طريق حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الترمذيّ: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة. وقال البخاري: هذا حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة. وقال البزار كما في «التلخيص» (3/ 180) : هذا حديث منكر، وحكيم لا يحتج به، وما انفرد به فليس بشيء. وقال ابن عدي: الأثرم يعرف بهذا الحديث، وليس له غيره إلا اليسير. وقد ضعف هذا الحديث البخاري، والترمذي، وابن سيد الناس، والبغوي، والذهبي فقال: إسناده ليس بالقائم، وينظر «فيض القدير» (6/ 23) . وقد صحيح هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر في «تعليقه على المسند» (18/ 56، 19/ 142) ، وفند العلل التي علّلوا بها الحديث بما لا تراه في مكان، فلينظر.

[سورة البقرة (2) : الآيات 224 إلى 225]

وقوله جلَّت قُدْرته: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ. قال السُّدِّيُّ: معناه: قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وامتثال ما أُمِرْتُمْ به- وَاتَّقُوا اللَّهَ: تحذيرٌ- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي: فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سنن الهدى «1» ، [سورة البقرة (2) : الآيات 224 الى 225] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ... الآية: مقصد الآيةِ: ولا تُعرِّضوا اسم اللَّهِ تعالى، فتكثروا الأيمان به، فإِن الحِنْثَ يقع مع الإِكثار، وفيه قِلَّة رَعْيٍ لحقِّ اللَّه تعالى. وقال الزجَّاج «2» وغيره: معنى الآيةِ: أنْ يكون الإِنسان، إِذا طُلِبَ منه فعْلُ خيرٍ ونحوه، اعتل باللَّه، وقال: عليَّ يمينٌ، وهو لم يحلفْ. وقوله: عُرْضَةً، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «3» : اعلم أنَّ بناء عرض في كلامِ العربِ يتصرَّف على معانٍ مرجعُها إِلى المَنْع لأنَّ كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ عَارِضٌ لأَنَّه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدرين، والكواكب. انتهى. وأَنْ تَبَرُّوا: مفعولٌ من أجله «4» ، والبِرُّ: جميع وجوه البرّ، وهو ضدّ الإثم

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 300) . (2) «معاني القرآن» (1/ 299) . (3) ينظر: «الأحكام» (1/ 174- 175) . [.....] (4) هذا قول الجمهور، ثم اختلفوا في تقديره، فقيل: إرادة أن تبرّوا، وقيل: كراهة أن تبروا، قاله المهدوي، وقيل: لترك أن تبروا، قاله المبرد، وقيل: لئلا تبروا، قاله أبو عبيدة والطبري، وأنشدا: ... فلا والله تهبط تلعة ... ............... ............... .. أي: لا تهبط، فحذف «لا» ومثله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176] أي: لئلا تضلّوا. وتقدير الإرادة هو الوجه، وذلك أنّ التقادير التي ذكرتها بعد تقدير الإرادة لا يظهر معناها، لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر، بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ، ولا ينعقد منهما شرط وجزاء، لو قلت في معنى هذا النهي وعلّته: «إن حلفت بالله بررت» لم يصحّ، بخلاف تقدير الإرادة، فإنه يعلّل امتناع-

- وسَمِيعٌ، أي: لأقوالِ العبادِ- عَلِيمٌ: بنياتهمْ، وهو مُجَازٍ على الجميع، واليمين: الحَلِفُ، وأصله أنَّ العَرَب كانت إِذا تحالَفَت، أو تعاهَدَت، أخذ الرجل يمينَ صاحبه بيمينه، ثم كَثُر ذلك حتى سمي الحلف والعَهْد نفسه يميناً. وقوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ: اللَّغْو: سَقَطُ الكلامِ الَّذي لا حُكْم لَه. قال ابنُ عَبَّاس، وعائشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو صالِحٍ، ومجاهد: لَغْو اليمينِ: قولُ الرجلِ في دَرْجِ كلامِهِ واستعجاله في المحاورة: لا واللَّهِ، وبلى وَاللَّهِ، دون قصدٍ لليمينِ، وقد أسنده البخاريُّ عن عائشة «1» . وقال أبو هريرة، والحَسَن، ومالكٌ، وجماعة: لغو اليمين: ما حلف به الرجُلُ على يقينه، فكشف الغيبُ خلافَ ذلك «2» . ع «3» : وهذا اليقين/ هو غلبة الظّنّ. 55 ب وقال زيدُ بْنُ أسْلَمَ: لغو اليمينِ: هو دعاءُ الرجلِ على نَفْسه «4» . وقال الضَّحَّاك: هي اليمينُ المكفَّرة «5» . وحكى ابنُ عبد البَرِّ قَولاً أن اللغو أيمان «6» ...

_ - الحلف بإرادة وجود البرّ، وينعقد منهما شرط وجزاء، تقول: إن حلفت لم تبرّ وإن لم تحلف بررت. ينظر: «الدر المصون» (1/ 546- 547) . (1) أخرجه الطبري (2/ 416- 417- 418- 419) برقم (4377- 4378) عن عائشة، وبرقم (4387- 4388- 4401) عن الشعبي، وبرقم (4376) عن ابن عباس، وبرقم (4392) عن أبي صالح. وذكره البغوي (1/ 201) عن عائشة، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 301) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 480) ، وعزاه إلى مالك، ووكيع، والشافعي في «الأم» ، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، من طرق عن عائشة. وفي (1/ 481) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (2/ 419- 420- 421) ، رقم (4409- 4410- 4411- 4412- 4423) عن الحسن، (4420- 4429- 4430) عن مالك، وذكره البغوي (1/ 201) عن الحسن، وابن عطية (1/ 301) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 481) ، وعزاه لابن جرير عن أبي هريرة. (3) «المحرر الوجيز» (1/ 301) . (4) أخرجه الطبري (2/ 424) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 201) ، وابن عطية (1/ 301) . (5) أخرجه الطبري (2/ 425) برقم (4467) ، وذكره ابن عطية (1/ 301) . (6) وقد اختلفوا في تفسير «اللغو» : فمنهم من قال: هو ما جرى على لسان الحالف من غير قصد ك «لا-

المُكْرَهِ «1» . قال ع «2» : وطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو، ولفظة الكَسْب، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة، فكَسْب المرء ما قَصَده، ونواه، واللَّغْوُ: ما لم يتعمَّده، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة، ويضعَّف بعضها، وقد رفع اللَّه عز وجَلَّ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو، فحقيقته: ما لا إِثم فيه، ولا كفارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس «3» المَصْبُورة، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة،

_ - والله» ، و «بلى والله» وهم الشافعية ورواية عن أبي حنيفة، وهو مروي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة (رضي الله عنهم) ، والشعبي، وعكرمة، وعطاء، والقاسم وغيرهم. وسواء تعلق عندهم بالماضي أو بالمستقبل لقوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ... الآية. يقال: لغا يلغو. ولغا يلغا إذا تكلّم بما لا حقيقة له، ولا قصد له فيه، قال الأزهري: اللغو في كلام العرب على وجهين: أحدهما: فضول الكلام، وباطله الذي يجري على غير عقد. والثاني: ما كان فيه رفث وفحش ومأثم. وقال قتادة في قوله (تعالى) : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [الغاشية: 11] ما يؤثم. وقالت عائشة (رضي الله عنها) : «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال (يعني في اللّغو في اليمين) «هو كلام الرّجل في بيته: لا والله، وبلى والله» . أخرجه أبو داود، ورواه الزهري، وعبد الملك بن أبي سليمان، ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفا. وقالت المالكية: هو الحلف على شيء يعتقده الحالف. أي: «يغلب على ظنّه فيظهر له خلافه» ، وهو مذهب الحنفية. وقالت الحنابلة: هو ما جرى على اللسان من غير قصد، أو الحلف على شيء يعتقده، فيظهر له خلافه، ودليلهم ما تقدم للشافعية والمالكية والحنفية. وإذا نظرنا إلى دليل كلّ وجدنا أن اللغو الذي ينبغي أن يعتبر هو: ما جرى على اللّسان من غير قصد فقط لأن هذا هو معنى اللغو في اللغة، والألفاظ تحمل على معانيها اللغوية ما لم يرد عن الشرع ما يحملها على خلافه، ولم يرد عنه ما يخالف ذلك، بل ورد ما يعضده، فقد أجابت عائشة (رضي الله عنها) حينما سئلت عن اللّغو في اليمين بأنه هو كلام الرجل في بيته: «لا والله، وبلى والله» . ووافقها على ذلك كثير من الصحابة والتابعين، فإن كان هذا القول قالته عن سماع من رسول الله صلّى الله عليه وسلم فالحجة فيه واضحة، وإن كان قولا منها، فهو تفسير لصحابي يعرف معاني الألفاظ اللغوية والمعاني الشّرعية، وقوله مقبول. وأما حديث الرّماة، فقد قال الحافظ فيه: إنه لا يثبت لأنه من مراسيل الحسن، وهو ممن لا تعتبر مراسيله لأنه كان لا يتحرى الثقة. ينظر: «الكفارات» لشيخنا: حسن علي حسانين. (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 310) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 302) . (3) اليمين الغموس هي: الحلف على فعل أو ترك ماض كاذبا، سميت به لأنها تغمس صاحبها في الإثم. -

[سورة البقرة (2) : الآيات 226 إلى 227]

وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم. ت: والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره. وقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ. قال ابن عبَّاس وغيره: ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ «1» ، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي: ولا تكفّر. ع «2» : وسمِّيت الغَمُوسَ لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثم، وغَفُورٌ حَلِيمٌ: صفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة. [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ... الآية: يُؤْلُونَ: معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ: اليمين. واختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء «3» . فقال مالكٌ: هو الرجل يغاضب امرأته،

_ - واختلفوا في اليمين الغموس هل لها كفارة؟ فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه: لا كفارة لها لأنها أعظم من أن تكفّر، وقال الشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى: تكفّر. ينظر: «أنيس الفقهاء» (172) . (1) أخرجه الطبري (2/ 427) برقم (4472) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 302) . [.....] (2) «المحرر الوجيز» (1/ 302) . (3) الإيلاء لغة: الحلف، وهو: مصدر. يقال: آلى بمدة بعد الهمزة، يؤلي إيلاء، وتألّى وأتلى، والآليّة، بوزن فعيلة: اليمين، وجمعها ألايا: بوزن خطايا، قال الشاعر: [الطويل] قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت فيه الأليّة برّت والألوة (بسكون اللام، وتثليث الهمزة) : اليمين أيضا. ينظر: «الصحاح» (6/ 227) ، «المغرب» (28) ، «لسان العرب» (1/ 117) ، «المصباح المنير» (1/ 35) . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: عبارة عن اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهر أو أكثر. وعرّفه الشافعية بأنه: حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقا أو فوق أربعة أشهر. وعرفه المالكية بأنه: حلف الزوج المسلم المكلف الممكن وطؤه بما يدل على ترك وطء زوجته غير الموضع أكثر من أربعة أشهر أو شهرين للعبد، تصريحا أو احتمالا، قيد أو أطلق وإن تعليقا. -

[سورة البقرة (2) : آية 228]

فيحلفُ بيمينٍ يلحقُ عن الحِنْثِ فيها حُكْمُ ألاَّ يطأها ضرراً منْه، أكْثَرَ من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إِصلاحَ ولَدٍ رضيعٍ ونحوه، وقال به عطاءٌ وغيره «1» . وقوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ يدخل فيه الحرائرُ والإِماء، إِذا تزوَّجن، والتربُّص: التأنِّي والتأخُّر، وأربعَةَ أشْهُرٍ عند مالك، وغيره: للحر، وشهران: للعبد. وقال الشافعيُّ: هو كالحرّ، وفاؤُ: معناه: رجَعُوا ومنه: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: 9] : قال الجُمْهور: وإِذا فاء كَفَّر، والفَيْءُ عند مالكٍ: لا يكون إِلا بالوطْء، أو بالتكْفير في حال العذر. [سورة البقرة (2) : آية 228] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ حكم هذه الآية قصْدُ الاِستبراءِ، لا أنه عبادةٌ ولذلك خرجَتْ منه مَنْ لم يُبْنَ بها بخلاف عِدَّة الوفاةِ الَّتي هي عبادةٌ- والقَرْءُ في اللغةِ: الوقْتُ المعتادُ تردُّده، فالحَيْضُ يسمى على هذا قُرْءاً، وكذلك يسمَّى الطُّهْرُ قرءا.

_ - وعرفه الحنابلة بأنه: حلف الزوج- القادر على الوطء- بالله (تعالى) أو صفة من صفاته على ترك وطء زوجته في قبلها مدة زائدة على أربعة أشهر. وخصت الأربعة الأشهر بالذكر لأن المرأة يعظم ضررها إذا زاد على ذلك لأنها تصبر عن الزوج أربعة أشهر، وبعد ذلك يفنى صبرها أو يقلّ، روى البيهقي عن عمر أنه خرج مرة في الليل في شوارع المدينة فسمع امرأة تقول: [الطويل] تطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني أن لا خليل ألاعبه فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرّك من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يصدّني ... وأخشى لبعلي أن تنال مراتبه فقال عمر لابنته حفصة: كم أكثر ما تصبر المرأة عن الزوج؟ وروي أنه سأل النساء فقلن له: تصبر شهرين، وفي الثالث يقل صبرها، وفي آخر الرابع يفقد صبرها، فكتب إلى أمراء الأجناد: ألا تحبسوا رجلا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر. ينظر: «تبيين الحقائق/ شرح كنز الدقائق» (2/ 261) ، «مغني المحتاج» (3/ 343) ، «الشرح الصغير» (2/ 278، 279) ، «المطلع» (343) ، «تحفة المحتاج» (8/ 188) ، «شرح المحلى على المنهاج» (24) . (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 302) .

واختلف في المراد بالقُرُوء هنا: فقال عُمَرُ وجماعةٌ كثيرةٌ: المراد بالقروء، في الآية: الحَيْضُ، وقالتْ عائشةُ وجماعةٌ من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم: المراد: الأطهار، وهو قولُ مالكٍ. واختلف المتأوِّلون في قوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ. فقال ابن عُمَر، ومجاهدٌ، وغيرهما: هو الحَيْضُ، والحَبَل جميعاً، ومعنى النهْيِ عن الكتمان: النهْيُ عن الإِضرار بالزَّوْجِ في إِلزامه النفقَةَ، وإِذهابِ حقه في الارتجاع، فأُمِرْنَ بالصدْقِ نفياً وإِثباتاً «1» ، وقال قتادة: كانتْ عادتهُنَّ في الجاهليةِ أن يكتمن الحمل/ ليلحقن 56 أالولد بالزوْج الجديدِ، ففي ذلك نزلَتِ الآية «2» . وقال ابن عَبَّاس: إِن المرادَ الحَبَل، والعموم راجحٌ «3» ، وفي قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ ما يقتضي أنهنَّ مؤتمناتٌ على ما ذكر، ولو كَان الاِستقصَاءُ مباحاً، لم يمكن كَتْمٌ. وقوله سبحانه: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ ... الآية: أي: حقَّ الإِيمان، وهذا كما تقولُ: إِن كُنْتَ حُرًّا، فانتصر، وأنتَ تخاطبُ حُرًّا، والبَعْلُ: الزوْجُ، ونصَّ اللَّه تعالى بهذه الآية على أن للزوْجِ أن يرتجعَ امرأته المطلَّقة، ما دامَتْ في العدَّة، والإِشارة بذلك إِلى المدَّة بشرط أنْ يريدَ الإِصْلاَح، دون المُضَارَّة كما تُشُدِّدَ على النساء في كَتْمِ ما في أرحامهن وقوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ... الآية: تعمُّ جميعَ حقوقِ الزوجيَّة. وقوله تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال مجاهدٌ: هو تنبيهٌ على فضْلِ حظِّه على حظِّها في الميراث، وما أشبهه «4» ، وقال زيد بن أسلم: ذلك في الطَّاعة علَيْها أنْ تطيعه، وليس علَيْه أن يطيعَهَا «5» ، وقال ابن عباس: تلك الدرَجَةُ إِشارة إلى حضّ الرجل على حسن

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 461) برقم (4738) ، عن ابن عمر وبأرقام (4739، 4740، 4745) عن مجاهد. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 305) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 492) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عمر وفي (1/ 492) ، وعزاه لعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن مجاهد. (2) أخرجه الطبري (2/ 462) رقم (4754- 4755- 4756) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 305) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 492) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وعبد بن حميد عن قتادة. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 305) . (4) أخرجه الطبري (2/ 467) برقم (4773- 4774) . وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 305) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 493) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد. (5) أخرجه الطبري (2/ 468) رقم (4777) ، وذكره ابن عطية (1/ 305) .

[سورة البقرة (2) : آية 229]

العِشرة، والتوسُّع للنساء في المالِ والخُلُقِ «1» ، أي: أنَّ الأفضل ينبغِي أنْ يتحامَلَ على نفسه، وهو قول حسن بارع. [سورة البقرة (2) : آية 229] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) وقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ ... الآية: قال عروة بن الزُّبَيْر وغيره: نزلَتْ هذه الآية بياناً لِعَدَدِ الطلاقِ الذي للمرء فيه أنْ يرتجعَ دون تجديدِ مَهْرٍ ووليٍّ «2» ، وقال ابن عبَّاس وغيره: المراد بالآية التعريفُ بسُنَّة الطلاقِ، وأنَّ من طلَّق اثنتَيْنِ، فليتَّق اللَّه في الثالثَةِ، فإِما تركَهَا غيْرَ مظلومةٍ شيئاً من حقِّها، وإِما أمسكها محسناً عشْرَتَها «3» . ع «4» : والآية تتضمَّن هذين المعنيين. 56 ب ص: الطلاقُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: عدد الطلاق، ومرَّتانِ: خبره. انتهى. والإِمساكُ بالمعروفِ: هو الاِرتجاعُ بعد الثانية إِلى حسن العِشْرةِ، والتسْريحُ: يحتمل لفظه معنَيَيْنِ: أحدهما: تركها تتمُّ العدة من الثانية، وتكون أملكَ بنَفْسها، وهذا قولُ السُّدِّيِّ، والضَّحَّاك «5» . والمعنَى الآخر: أن يطلقها ثالثةً، فيسرِّحها بذلك، وهذا قولُ مجاهِدٍ، وعطاءٍ، وغيرهما، وإِمْسَاك: مرتفع بالاِبتداءِ والخبر أمثل أو أحسن. وقوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ... الآية: خطاب

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 306) . (2) أخرجه الطبري (2/ 469) رقم (4783) ، وذكره البغوي (1/ 206) ، وابن عطية (1/ 306) ، والسيوطي (1/ 494) ، وعزاه لمالك، والشافعي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عروة. (3) أخرجه الطبري (2/ 470- 471) برقم (4791) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 306) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 306) . (5) أخرجه الطبري (2/ 472- 473) ، برقم (4800- 4807) عن السدي، وأرقام (4801- 4802- 4803- 4808) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 306) . [.....]

للأزواجِ، نهاهم به أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارَّة، وهذا هو الخُلْع «1» الذي لا يصحُّ إِلاّ بأن لا ينفردَ الرجُلُ بالضَّرر، وخصَّ بالذكْر ما آتى الأَزْوَاجُ نساءَهم لأنه عرف الناس عند الشِّقَاق والفَسَاد أنْ يطلبوا ما خَرَجَ من أيديهم، وحرَّم اللَّه تعالى علَى الزَّوْجِ في هذه الآية أنْ يأخذ إِلا بعد الخوف ألاَّ يقيما حدودَ اللَّه، وأكَّد التحريم بالوعيدِ، وحدود اللَّه في هذا الموضعِ هي ما يلزمُ الزوجَيْنِ مِنْ حُسْنِ العشرة، وحقوقِ العِصْمَة. وقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: المخاطبة للحُكَّام والمتوسِّطين لهذا الأمر، وإِن لم يكونوا حُكَّاماً، وتَرْكُ إِقامة حدود اللَّه: هو استخفاف المرأة بحقِّ زوجها، وسوءُ طاعتها إِياه قاله ابن عباس، ومالكٌ، وجمهور العلماء «2» . وقال الشَّعبيُّ: أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: معناه: ألاَّ يطيعَا اللَّه «3» ، وذلك أنَّ المغاضبة تَدْعُو إِلى ترك الطاعة. وقوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ إِباحة للفدْية، وشَرَّكَهَا/ في ارتفاع 57 أالجناح لأنها لا يجوز لها أن تعطيه مالها حيثُ لا يجُوزُ له أخْذه، وهي تَقْدِرُ على المخاصَمَةِ. قال ابن عَبَّاس، وابنُ عمر، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، وغيرهم: مباحٌ للزَّوْج أن يأخذ من المرأةِ في الفدْيَة جميعَ ما تملكه وقضى بذلك عمر بن الخطّاب «4» .

_ (1) الخلع لغة: النّزع، وهو استعارة من خلع اللّباس لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فكأن كل واحد نزع لباسه منه، وخالعت المرأة زوجها مخالعة: إذا افتدت منه، وطلّقها على الفدية. واصطلاحا: عرفه الأحناف بأنه: عبارة عن أخذ المال بإزاء ملك النكاح، بلفظ الخلع. وعرفه الشّافعيّة بأنه: فرقة بين الزّوجين بعوض، بلفظ طلاق أو خلع. وعرفه المالكية بأنه: الطلاق بعوض. وعرفه الحنابلة بأنه: فراق الزوج امرأته، بعوض يأخذه الزوج، بألفاظ مخصوصة. ينظر: «لسان العرب» (2/ 1232) ، و «المصباح المنير» (1/ 243) ، و «المطلع» (331) ، «تبيين الحقائق» (2/ 267) ، «شرح فتح القدير» (4/ 210) ، «حاشية ابن عابدين» (3/ 422) ، «مغني المحتاج» (3/ 262) ، «الشرح الصغير» للدردير (3/ 319) ، «بداية المجتهد» (2/ 98) ، «الكافي» (2/ 597) ، «كشف القناع» (5/ 212) ، «المغني» (7/ 536) . (2) أخرجه الطبري (2/ 479) برقم (4839) ، عن ابن عباس. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 307) . (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 307) . (4) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 307- 308) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 230 إلى 232]

وقال طَاوُسٌ «1» ، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم: لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها «2» ، وقال ابن المُسَيِّب: لا أرى أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا «3» . وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... الآية: أي: هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالى على تجاوُزِ الحَدِّ بقوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وهو كما قال صلّى الله عليه وسلم: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» «4» . [سورة البقرة (2) : الآيات 230 الى 232] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232)

_ (1) طاوس بن كيسان اليماني الجندي- بفتح الجيم والنون- قيل: من الأبناء، وقيل: مولى همدان، الإمام العلم. قيل: اسمه ذكوان. قاله ابن الجوزي. عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم. وعنه: مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب. قال ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة. مات سنة 106. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 15) . (2) أخرجه الطبري (2/ 483- 485) بأرقام (4858) ، (4859) ، (4860) ، (4880) عن الحسن، وبرقم (4862) عن ابن طاوس، وبرقم (4863) عن الزهري. وذكره البغوي (1/ 207) عن الزهري، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 308) . (3) أخرجه الطبري (2/ 483) برقم (4861) ، وذكره البغوي (1/ 207) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 308) . (4) أخرجه البخاري (5/ 120- 121) كتاب «المظالم» ، باب الظلم ظلمات يوم القيامة، حديث (2447) ، وفي «الأدب المفرد» رقم (481) ، ومسلم (4/ 1996) ، كتاب «البر والصلة» ، باب تحريم الظلم، حديث (57/ 2579) . وأحمد (2/ 137، 146) ، والبيهقي (6/ 39) ، كتاب «الغصب» ، باب تحريم الغصب. والبغوي في «شرح السنة» (7/ 364- بتحقيقنا) . كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا، وللحديث شاهد من حديث جابر بلفظ: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» . أخرجه مسلم (4/ 1996) ، كتاب «البر والصلة» ، باب تحريم الظلم، حديث (56/ 2579) ، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (479) . وأحمد (3/ 323) ، من طريق عبيد الله بن مقسم، عن جابر به. وله شاهد أيضا من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه أحمد (2/ 159) عنه مرفوعا، بلفظ: «الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش ... » .

وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: هو ابتداء الطلْقةِ الثالثةِ «1» قال ع «2» : فيجيء التسريحُ المتقدِّم ترك المرأة تتمُّ عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على اتباع الحديثِ الصحيحِ في امرأة رِفَاعَةَ «3» ، حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ «4» ، فقال لها النبيُّ صلّى الله عليه وسلم: «لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إلى رِفَاعَةَ، لاَ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» «5» فرأَى العلماء أنه لا يحلّها إلا الوطء.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 488) برقم (4886) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 308) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 504) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس. (2) «المحرر الوجيز» (1/ 308) . (3) امرأة رفاعة القرظي التي تزوجها عبد الرحمن بن الزّبير اختلف في اسمها فقيل: سهيمة، وقيل: عائشة، وقيل: تميمة، حكى الأقوال الثلاثة ابن الأثير في مواضع من كتابه، وذكرها في حرف «التاء» تميمة بنت وهب بن عبيد القرظية، مطلقة رفاعة القرظي. ينظر: «تهذيب الأسماء» (2/ 370) . (4) عبد الرحمن بن الزّبير بفتح الزاي ابن باطياء القرشي، صحابي له حديث، وعنه ابنه الزّبير. ينظر: «الخلاصة» (2/ 132) . (5) أخرجه مالك (2/ 531) ، كتاب «النكاح» ، باب نكاح المحلل وما أشبهه، حديث (17) ، من طريق المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، أن رفاعة بن سموآل طلق امرأته.....، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في «الأم» (5/ 248) ، باب نكاح المطلقة ثلاثا، وابن حبان (1323- موارد) ، والبيهقي (7/ 375) كتاب «الرجعة» ، باب نكاح المطلقة ثلاثا. قال السيوطي في «تنوير الحوالك» (2/ 6) ، قال ابن عبد البر: كذا لأكثر الرواة مرسل، ووصله ابن وهب عن مالك، فقال: عن أبيه، وابن وهب من أجل من روى عن مالك هذا الشأن، وأثبتهم فيه، وتابعه أيضا ابن القاسم، وعلي بن زياد، وإبراهيم بن طهمان، وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي. كلهم عن مالك، وقالوا فيه: عن أبيه، وهو صاحب القصة. اهـ. ومن طريق ابن وهب: أخرجه ابن الجارود (682) ، والبيهقي، (7/ 375) كتاب «الرجعة» ، باب نكاح المطلقة ثلاثا. وأخرجه البزار (2/ 194- كشف) رقم (1504) ، من طريق عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، ثنا مالك بن أنس، عن المسور بن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 343) : رواه البزار، والطبراني، ورجالهما ثقات، وقد رواه مالك في «الموطأ» مرسلا، وهو هنا متصل. اهـ. -

وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن، قال: لا يحلُّها إلا الإنزال،

_ - وقد ورد هذا الحديث موصولا من حديث عائشة. أخرجه أحمد (6/ 226) ، والبخاري (5/ 249) ، كتاب «الشهادات» ، باب شهادة المختبئ، حديث (2639) ، ومسلم (2/ 1055- 1056) ، كتاب «النكاح» ، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (111/ 1433) . والترمذي (2/ 293) ، كتاب «النكاح» ، باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا، حديث (1118) . والنسائي (6/ 148) كتاب «الطلاق» ، باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجة (1/ 621- 622) كتاب «النكاح» ، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا، حديث (1932) . والدارمي (2/ 161) كتاب «الطّلاق» ، باب ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها.... والشافعي (2/ 34- 35) كتاب الطلاق، حديث (110) ، والحميدي (1/ 111) رقم (226) ، وعبد الرزاق (6/ 346- 347) رقم (11131) ، والطيالسي (1/ 314- 315) رقم (1612، 1613) . وسعيد بن منصور (2/ 73- 74) رقم (1985) . وأبو يعلى (7/ 397) رقم (4423) . وابن حبان (4199- الإحسان) ، والبيهقي (7/ 373- 374) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 169- بتحقيقنا) ، من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» . وقال الترمذي: حسن صحيح. وللحديث طرق أخرى عن عائشة. فأخرجه البخاري (9/ 284) ، كتاب «الطلاق» ، باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام، حديث (5265) ، ومسلم (2/ 1057) ، كتاب «النكاح» ، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، حتى تنكح زوجا غيره، حديث (114/ 1433) ، وأحمد (6/ 229) ، والدارمي (2/ 162) ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، وأخرجه مسلم (2/ 1057) ، كتاب «النكاح» ، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها، حتى تنكح زوجا غيره، حديث (115/ 1433) ، وأحمد (6/ 193) . وأبو يعلى (8/ 373- 374) رقم (4964) ، من طريق القاسم بن محمد عن عائشة. وأخرجه أبو داود (1/ 705) كتاب «الطلاق» ، باب في المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره، حديث (2309) . وأحمد (6/ 42) من طريق الأسود عن عائشة. وأخرجه البخاري (10/ 293) ، من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن عكرمة أنّ رفاعة طلّق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزّبير القرظيّ، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها، وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم- والنساء ينصر بعضهنّ بعضا- قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لجلدها أشدّ خضرة من ثوبها، قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله مالي إليه من ذنب، إلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه- وأخذت هدبة من ثوبها- فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد رفاعة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: فإن كان ذلك لم تحلي له أو تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك، قال: وأبصر معه ابنين له فقال: بنوك هؤلاء؟ قال: نعم. قال: هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب. -[.....]

وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ «1» ، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح. وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ... الآية: المعنى: فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي: المرأة والزوج الأول. قاله ابن عَبَّاس «2» ، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا على بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا.

_ - وفي الباب عن ابن عمر، وعبيد الله بن عباس، وأنس بن مالك، والفضل بن عباس. حديث ابن عمر: أخرجه أحمد (2/ 85) ، والنسائي (6/ 148- 149) ، كتاب «النكاح» ، باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجة (1/ 622) ، كتاب «النكاح» ، باب الرجل يطلق المرأته ثلاثا فتتزوج، فيطلقها (1933) ، من طريق محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن علقمة بن مرثد: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر به. أخرجه أحمد (2/ 62) ، والنسائي (6/ 149) ، والبيهقي (7/ 375) ، من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان، عن ابن عمر، قال النسائي: هذا أولى بالصّواب. وأخرجه أبو يعلى (8/ 374) ، رقم (466) ، من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر. قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 343) ، رواه الطبراني وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. حديث عبيد الله بن عباس: أخرجه أحمد (1/ 214) ، والنسائي (6/ 148) ، كتاب «الطلاق» ، باب إحلال المطلقة ثلاثا عنه أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي صلّى الله عليه وسلم تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال: يا رسول الله، هي كاذبة وهو يصل إليها، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليس ذلك حتى تذوقي عسيلته» ، وأخرجه أبو يعلى (12/ 85- 86) رقم (6718) عن عبيد الله بن عباس، والفضل بن عباس به. وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 343) ، رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح. حديث أنس بن مالك: أخرجه أحمد (3/ 284) ، والبزار (2/ 195- كشف) برقم (1505) ، وأبو يعلى (7/ 207) رقم (4199) عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت زوجا، فمات عنها قبل أن يدخل بها. هل يتزوجها الأول، قال: «لا، حتى يذوق عسيلتها» . قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 343) ، وقال: رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني في «الأوسط» ، ورجاله رجال الصحيح، خلا محمد بن دينار الطاحي، وقد وثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن حبان، وفيه كلام لا يضر. حديث الفضل بن عباس: ينظر حديث عبيد الله بن العباس. (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) . (2) أخرجه الطبري (2/ 491) برقم (4909) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 508) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس.

وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ... الآية: خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة، مضارَّةً لها بأن يرتجع قرب انقضائها، ثم يطلِّق بعد ذلك قاله الضَّحَّاك وغيره «1» ، ولا خلاف فيه. ومعنى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربْنَ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى: أمسكوهنَّ راجِعُوهنَّ- وبِمَعْرُوفٍ: قِيلَ: هو الإِشهاد «2» - وَلا تُمْسِكُوهُنَّ، أي: لا تراجعوهنَّ ضِراراً، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً ... الآية: المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن: نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعباً أو هازئاً، أو راجَعَ كذلك «3» . وقالتْ عائشةُ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ» «4» . ثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه عليهم بالقرآن، والسّنّة، وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه. وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ... الآية: خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ لأنهم المراد في تَعْضُلُوهنَّ، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ لأن المعنى يقتضي ذلكَ. وقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى: إِن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ: الأزواجُ وذلك 58 أبأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة عضْلاً/ عن نكاحِ الغَيْر، فقوله: أَزْواجَهُنَّ على هذا، يعني به: الرجالَ إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ الأولياء، فالأزواج

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 494) برقم (4922) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) . (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 309) ، والبغوي في (1/ 210) . (3) أخرجه الطبري (2/ 496) برقم (4926) ، وذكره ابن عطية (1/ 310) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 231) ، وعزاه لابن أبي شيبة في «المصنف» ، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن. (4) أخرجه أبو داود (2/ 259) ، كتاب «الطلاق» ، باب في الطلاق (2194) ، والترمذي (3/ 490) ، كتاب «الطلاق» ، باب ما جاء في الحد (1184) ، وابن ماجة (1/ 658) ، كتاب «الطلاق» ، باب من طلق أو نكح (2039) ، والدارقطني (4/ 18- 19) ، كتاب «الطلاق» ، والحاكم في «المستدرك» (2/ 197- 198) ، كتاب «الطلاق» ، باب ثلاث جدهن جد.

[سورة البقرة (2) : آية 233]

هم الذين كُنَّ في عصمتهم. «وَالعَضْل» : المَنْع وهو من معنى التضْييقِ والتعسيرِ كما يقال: أعْضَلَتِ الدجاجَةُ، إِذا عَسُر بيضُها، والدَّاء العُضَال: العسيرُ البرءِ، وقيل: نزلَتْ هذه الآيةُ في مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ «1» ، وأخته، لما طلَّقها زوجها، وتمَّتْ عدَّتُها، أراد ارتجاعها، فمنعَهُ وليُّ المرأة «2» ، وقيل: نزلَتْ في جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وأختِهِ «3» . وهذه الآيةُ تقتضي ثبوتَ حَقِّ الولي في إِنكاح وليَّته، وقوله: بِالْمَعْرُوفِ: معناه: المهر، والإِشهاد. وقوله تعالى: ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلم ثم رجُوعٌ إِلى خطابِ الجَمَاعة، والإِشارة في ذلِكُمْ أَزْكى إلى ترك العضل، وأَزْكى ... وَأَطْهَرُ: معناه: أطيبُ للنفْسِ، وأطهر للعِرْضِ والدِّين بسبب العلاقاتِ التي تكونُ بين الأزواجِ، وربَّما لم يعلمها الوليُّ، فيؤدِّي العَضْلُ إِلى الفسادِ، والمخالطةِ على ما لا ينبغِي، واللَّه تعالى يعلَمُ من ذلك ما لا يعلَمُ البَشَر. [سورة البقرة (2) : آية 233] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ

_ (1) معقل بن يسار بن عبد الله بن معبّر بن حراق بن أبي بن كعب بن عبد ثور بن هدمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو المزني. ومزينة هي والدة عثمان بن عمرو، ونسبوا إليها. ومعقل يكنى أبا علي، وقيل: كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار. ومات في آخر خلافة معاوية. وقيل: عاش إلى إمرة يزيد. وذكره البخاري في «الأوسط» في فضل من مات ما بين الستين إلى السبعين. ينظر: «الإصابة» (6/ 146- 147) . (2) أخرجه الطبري (2/ 497- 498- 499) بأرقام (4930- 4931- 4932- 4933- 4934) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 310) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 511) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد. (3) أخرجه الطبري (2/ 499) رقم (4942) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 310) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 511) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن السّدّي.

يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ: خبر معناه الأمرُ على الوجوب لبَعْضِ الوالداتِ، وعلى الندْبِ لبعضهنَّ، فيجب على الأمِّ الإِرضاع، إِن كانَتْ تحت أبيه، أو رجعيَّةً، ولا مانع من عُلُوِّ قدْرٍ بغير أجر، وكذلك إِن كان الأبُ عديماً، أو لم يقبلِ الولَدُ غيرها. وهذه الآياتُ في المطلَّقات جعَلَها اللَّه حدًّا عند اختلاف الزوجَيْن في مدَّة الرَّضَاع، فمَنْ دعا منهما إِلى إِكمالِ الحَوْلَيْنِ، فذلك له. وقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ مبنيٌّ على أن الحولَيْن ليسا بفَرْض، لا يُتَجَاوَزُ، وانتزع مالِكٌ- رحمه اللَّه- وجماعةٌ من العلماء من هذه الآيةِ أنَّ الرضاعةَ المحرِّمة الجاريةَ مَجْرى النَّسَبِ، إِنما هي ما كان في الحولَيْن «1» لأنَّ بانقضاء الحولَيْنِ، تمَّتِ الرَّضَاعة، فلا رضَاعَة. ت: فلو كان رضاعُه بعد الحولَيْن بمدَّة قريبة، وهو مستمرُّ الرضاعِ، أو بعد يومَيْن من فِصَالِهِ- اعتبر، إِذ ما قارب الشيْءَ فله حكمه. انتهى. وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ... الآية: المولود له: اسم جنس،

_ (1) من شروط الرضاع المحرّم: ألا يبلغ الرضيع حولين كاملين يقينا في ابتداء الرضعة الخامسة، فلا أثر لرضاع من بلغها، ولو بيسير من الزمن، فإن شك في بلوغه وعدمه حرم لأن الشك لا أثر له مع اليقين الذي هو الأصل، وهو بقاء المدة، ولو بلغهما في أثناء الرضعة الخامسة حرم لكفاية ما وجد من هذه الرضعة في الحولين، ويعتبر الحولان بالأهلّة فإن انكسر الشهر الأول تمم ثلاثين يوما من الشهر الخامس والعشرين. والسنة الهلالية، وهي القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس، وسدس من اليوم، والسنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، إلا جزءا من ثلاثمائة من اليوم، والفلكيون يعتبرونها ثلاثمائة وخمسة وستين يوما فقط إن كانت بسيطة، وستة وستين إن كانت كبيسة، والسنة العددية ثلاثمائة وستون يوما لا تزيد ولا تنقص. وشرط عدم بلوغ الرضيع حولين كاملين هو مذهب إمامنا الشافعي (رضي الله تعالى عنه) ، وهو قول أبي يوسف، ومحمد (رضي الله تعالى عنهم أجمعين) . وقول الإمام مالك في إحدى روايتيه، وبه قال من الصحابة سيدنا عمر، وابنه، وسيدنا علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وأمهات المؤمنين سوى سيدتنا عائشة (رضي الله تعالى عنهم) ، وقال سيدنا مالك (رضي الله عنه) مدته خمسة وعشرون شهرا، وقال الإمام أبو حنيفة: مدته ثلاثون شهرا، وقال زفر: مدته ثلاثة أحوال، فهي ستة وثلاثون شهرا، فكل هؤلاء يشترطون الصغر في الرضاع غير أنهم قد اختلفوا فيما بينهم في مدته. وذهب بعض الفقهاء (ومنهم الأوزاعي، وداود الظاهري) إلى تحريم رضاع الكبير، ونسب هذا أيضا إلى الإمام الليث بن سعد، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة (رضي الله تعالى عنها) وقال الجصاص: إنه قول شاذ. ينظر: «الرضاع» لشيخنا قاسم محمد العبدي.

وصنْفٌ من الرجال، والرِّزْقُ في هذا الحكم: الطعامُ الكافِي. وقوله: بِالْمَعْرُوفِ يجمع حُسْن القَدْر في الطاعم، وجَوْدَةَ الأداء له، وحُسْنَ الاقتضاء من المرأةِ. ثم بيَّن سبحانه أنَّ الإِنفاق على قدر غِنَى الزوْجِ بقوله: لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، وقرأ «1» أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ، وأبانُ «2» عن عاصمٍ «3» : «لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ» بضم الراء، وهو خبر، معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصلُ: لاَ تُضَارِرُ بكسر الراءِ الأولى، ف «وَالِدَةٌ» فاعلةٌ، ويحتمل بفَتْح الرَّاء الأولى، ف «وَالِدَةٌ» : مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، ويعطف «مولود له» على هذا الحدِّ في الاحتمالين، وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والْكسَائِيُّ، وعاصمٌ: لاَ تُضَارَّ بفتح الراء، وهذا على النهْيِ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كلِّ قراءة: النهْيُ عن الإِضرار، ووجوهُ الضَّرَرِ لا تنحصرُ، وكل ما ذُكِرَ منْها في التفاسير، / 58 ب فهو مثالٌ. ت: وفي الحديثِ: «لاَ ضَرَرَ، وَلاَ ضِرَارَ» ، رواه مالكٌ في «الموطإ» مرسلاً «4» .

_ (1) وحجتهم في ذلك قوله تعالى قبله: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 233] ، فجعلا الرفع نسقا عليه، وجعلاه خبرا بمعنى النهي. ينظر: «الحجة للقراء السبعة» (2/ 333) ، و «العنوان» (74) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 100- 102) ، و «حجة القراءات» (136) ، و «معاني القراءات» (1/ 205) ، و «شرح شعلة» (290) ، و «إتحاف» (1/ 440) (2) أبان بن تغلب الربعي، أبو سعد، ويقال: أبو أميمة الكوفي، النحوي، جليل، قرأ على عاصم، وأبي عمرو الشيباني، وطلحة بن مصرف، والأعمش، وهو أحد الذين ختموا عليه. ويقال: إنه لم يختم القرآن على الأعمش إلا ثلاثة منهم أبان بن تغلب، أخذ القراءة عنه عرضا محمد بن صالح بن زيد الكوفي، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة. وقال القاضي أسد: سنة ثلاث وخمسين ومائة. ينظر: «غاية النهاية» (1/ 4) . (3) عاصم بن أبي النجود بهدلة، الكوفي، الأسدي بالولاء، أبو بكر: أحد القراء السبعة، تابعي من أهل «الكوفة» ، ووفاته فيها سنة 127 هـ، كان ثقة في القراءات، صدوقا في الحديث، قيل: اسم أبيه عبيد، وبهدلة اسم أمه. ينظر: «تهذيب التهذيب» (5/ 38) ، «الأعلام» (3/ 248) ، «الوفيات» (1/ 243) ، «غاية النهاية» (1/ 346) ، «ميزان الاعتدال» (2/ 5) . [.....] (4) ورد هذا الحديث من حديث عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وعمرو بن عوف، وأبي لبابة. حديث عبادة بن الصامت: أخرجه ابن ماجه (2/ 784) ، كتاب «الأحكام» ، باب من بني في حقه ما يضر بجاره، حديث (2340) . -

قال النوويُّ في «الحِلْية» : ورويناه في «سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ» وغيره من طرقٍ متصلاً، وهو حسن انتهى.

_ - وأحمد (5/ 326- 327) . وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 344) ، والبيهقي (10/ 133) ، كتاب «آداب القاضي» ، باب ما لا يحتمل القسمة، كلهم من طريق موسى بن عقبة، ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار. قال الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 384) ، قال ابن عساكر في «أطرافه» : وأظن إسحاق لم يدرك جده. وقال العلائي في «جامع التحصيل» (ص 144) إسحاق بن يحيى بن الوليد بن الصامت، عن جد أبيه عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) . قال الترمذي: لم يدركه. اه. والحديث ذكره البوصيري في «زوائد ابن ماجة» (2/ 221) ، وقال: هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع. اه. قلت: وهذا فيه نظر، فإن إسحاق بن يحيى قد ذكره ابن عدي في «الكامل» (1/ 333) ، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة. وقد حكى البوصيري نفسه تضعيفه في «الزوائد» (2/ 179) ، فقال عن إسناد فيه إسحاق هذا: هذا إسناد ضعيف لضعف إسحاق بن يحيى بن الوليد، وأيضا لم يدرك عبادة بن الصامت قاله البخاري، والترمذي، وابن حبان، وابن عدي. والحديث ذكره الحافظ أيضا في «الدراية» (2/ 282) ، وقال: وفيه انقطاع. حديث ابن عباس: أخرجه أحمد (1/ 313) ، وابن ماجة (2/ 784) ، كتاب «الأحكام» ، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، حديث (2341) ، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» . قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 222) : هذا إسناد فيه جابر، وقد اتهم. اه. لكنه توبع تابعه داود بن الحصين: أخرجه الدارقطني (4/ 228) ، كتاب «الأقضية» ، حديث (84) من طريق إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به. قال الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 385) ، قال عبد الحق في «أحكامه» : وإبراهيم بن إسماعيل هذا هو ابن أبي حبيبة وفيه مقال، فوثقه أحمد، وضعّفه أبو حاتم، وقال: هو منكر الحديث، لا يحتج به. اه. قلت: وضعفه أيضا البخاري، فقال: منكر الحديث «التاريخ الكبير» (1/ 873) . وقال الترمذي في «سننه» (1462) : يضعف في الحديث، وقال النسائي فقال في «الضعفاء» رقم (2) : ضعيف. وقال الدارقطني: متروك، ينظر «سؤالات البرقاني» (22) ، و «الضعفاء» له (32) . وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ينظر «العلل» (1575) ، وقال الحافظ في «التقريب» (1/ 31) رقم (168) ، ضعيف. حديث أبي هريرة: أخرجه الدارقطني (4/ 228) ، كتاب «الأقضية» ، حديث (86) ، من طريق أبي بكر بن عياش قال: أراه عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على حائطه» . قال الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 385) ، وأبو بكر بن عياش مختلف فيه. اه. وللحديث علة أخرى، وهي ابن عطاء، واسمه يعقوب بن عطاء بن أبي رباح. -

وقوله تعالى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ قال مالك، وجميع أصحابه، والشّعبيّ،

_ - قال أحمد: منكر الحديث. وقال مرة أخرى: ضعيف، وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنّسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه، وعنده غرائب. ينظر «التهذيب» (11/ 393) . وقد لخص الحافظ هذه الأقوال فقال في «التقريب» (2/ 376) رقم (386) : ضعيف. حديث عائشة: وله طريقان: الأول: أخرجه الدارقطني (4/ 227) كتاب «الأقضية» ، حديث (83) ، من طريق الواقدي: ثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» . والواقدي محمد بن عمر متروك. الطريق الثاني: أخرجه الطبراني في «الأوسط» ، كما في «نصب الراية» (4/ 386) ، حدثنا أحمد بن رشدين، ثنا روح بن صلاح، ثنا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي سهيل، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا إضرار» . والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 113) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين. قال ابن عدي: كذبوه. اه. وللحديث طريق آخر أيضا: أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «نصب الراية» (4/ 386) ، حدثنا أحمد بن داود المكي، ثنا عمرو بن مالك الراسبي، ثنا محمد بن سليمان بن مسمول، عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن نافع بن مالك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» . قال الطبراني: لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك. قلت: وهذا الطريق لم يذكره الهيثمي في «المجمع» ، مع أنه على شرطه. وأبو بكر بن أبي سبرة: قال البخاري: منكر الحديث ... «التاريخ الصغير» (2/ 184) ، وقال مرة: ضعيف ... «الضعفاء الصغير» (416) . وقال النسائي: متروك الحديث ... «الضعفاء والمتروكين» (697) . وقال الدارقطني: متروك ... «الضعفاء والمتروكين» (612) . وقال البزار: لين الحديث ... «كشف الأستار» (1129) . وذكره أبو زرعة الرازي في «أسامي الضعفاء» (380) . حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه الدارقطني (4/ 228) كتاب «الأقضية» ، حديث (86) ، والحاكم (2/ 57) ، كتاب «البيوع» ، باب النهي عن المحاقلة....، والبيهقي (6/ 69- 70) ، كتاب «الصلح» ، باب لا ضرر ولا ضرار، كلهم من طريق الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» ، قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال البيهقي: تفرد به عثمان بن محمد- عن الدراوردي-. قلت: وفي كلام الثلاثة نظر. -

والزُّهْرِيُّ، وجماعةٌ من العلماء: المرادُ بقوله: مِثْلُ ذلِكَ: أَلاَّ يُضَارَّ، وأمَّا الرزقُ، والكُسْوة، فلا شيء علَيْه منه «1» ، قال ع «2» : فالإِجماع من الأُمَّة في ألاَّ يُضَارَّ الوارثُ، وإِنَّما الخلافُ، هل عليه رزقٌ وكُسْوَة أم لا؟ وقوله تعالى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا ... الآية، أي: فإِن أراد الوالَدانِ، وفِصَالاً: معناه: فِطَاماً عن الرَّضَاع. وتحرير القول في هذا: أن فَصْله قَبْل الحولَيْن لا يصحُّ إلا بتراضيهما وألاَّ يكونَ على المولودِ ضَرَرٌ، وأمَّا بعد تمامهما، فمن دعا إِلى الفَصْل، فذلك له إِلاَّ أن يكون في ذلك على الصبيّ ضرر.

_ - أما صحته على شرط مسلم، فعثمان بن محمد لم يخرج له مسلم شيئا، ومع ذلك فهو ضعيف ضعّفه الدارقطني. ينظر: «لسان الميزان» (4/ 175) . وأما قول البيهقي: «تفرد به عثمان بن محمد» ، ففيه نظر أيضا، فقد تابعه عبد الملك بن معاذ النصيبي عن الدراوردي به كما في «نصب الراية» (4/ 385) . قال ابن القطان في كتابه: وعبد الملك هذا لا يعرف له حال. اه. وأخرجه مالك (2/ 745) ، كتاب «الأقضية» ، باب القضاء في المرفق، حديث (31) ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار» . هكذا مرسلا. حديث جابر: أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «نصب الراية» (4/ 386) ، ثنا محمد بن عبدوس بن كامل، ثنا حبان بن بشر القاضي قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» . وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 113) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه ابن إسحاق، وهو ثقة لكنه مدلس. اه. وهذا الحديث رواه عبد الرحمن بن مغراء، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان مرسلا. أخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص 294) رقم (407) . حديث عمرو بن عوف: ذكره الحافظ في «التهذيب» (8/ 421- 422) ، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه. حديث أبي لبالبة: أخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص 294) رقم (407) . (1) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 213) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 312) . (2) «المحرر الوجيز» (1/ 312) .

وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مخاطبة لجميعِ النَّاسِ، يجمع الآباءَ والأمهاتِ، أي: لهم اتخاذُ الظِّئْر «1» ، مع الاتفاقِ على ذلك، وأما قوله: إِذا سَلَّمْتُمْ، فمخاطبةٌ للرجال خاصَّة إِلا عَلَى أحد التأويلَيْن في قراءة مَنْ «2» قرأ: «أُوتِيتُمْ» ، وقرأ السِّتَّة من السبعةِ: «آتَيْتُمْ» بالمدِّ بمعنى أَعْطَيْتم، وقرأ ابن كثير: «أَتَيْتُمْ» بمعنى: فعلتم «3» كما قال زُهَيْرٌ: [الطويل] وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا ... تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبائِهِمْ قَبْلُ «4» فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثَّاني لقتادَةَ، وهو إِذا سلَّمتم ما آتيتم من إِرادة الاِسترضاع «5» ، أيْ: سلم كلُّ واحدٍ من الأبوين، ورضي، وكان ذلك عَلَى اتفاقٍ منهما، وقَصْدِ خَيْرٍ، وإِرادةِ مَعْروفٍ، وعلى هذا الاِحتمال يدخلُ النساءُ في الخطاب. ت: وفي هذا التأويل تكلُّف. وقال سفيانُ: المعنى: إِذا سلَّمتم إِلى المستَرْضعة، وهي الظِّئْر أَجْرَها بالمَعْروف «6» . وباقي الآية أمْرٌ بالتقْوَى، وتوقيفٌ على أن اللَّه تعالى بصيرٌ بكلِّ عمل، وفي هذا وعيدٌ وتحذيرٌ، أي: فهو مُجازٍ بحسب عملكم.

_ (1) الظّئر: المرضعة غير ولدها. ينظر: «النهاية» (3/ 154) ، و «لسان العرب» (2741) . (2) وهي رواية شيبان عن عاصم، كما في شواذ ابن خالويه ص (22) . (3) وقراءة ابن كثير معناها: إذا سلمتم ما أتيتم به. ينظر: «حجة القراءات» (137) ، و «السبعة» (183) ، و «الحجة» (2/ 335) ، و «معاني القراءات» (1/ 206- 207) ، و «العنوان» (74) ، و «شرح الطيبة» (4/ 103) ، و «شرح شعلة» (291) ، و «إتحاف» (1/ 440) . (4) البيت في ديوان زهير بن أبي سلمى ص (115) ، و «تفسير القرطبي» (3/ 173) ، و «الدر المصون» (1/ 575) . توارثه، يعني: ورثه كابر عن كابر. وقال ابن ميّادة في مثله: إنّ بني العبّاس في مشرف ... يزل عنه الغفر، الأحمر له الفعال، وله الوالد ال ... أكبر، فالأكبر، فالأكبر. (5) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 313) . (6) أخرجه الطبري (2/ 523) برقم (5073) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 313) .

[سورة البقرة (2) : آية 234]

[سورة البقرة (2) : آية 234] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ هذه الآيةُ في عدَّة المتوفى عنها زوجُها، وظاهرها العمومُ، ومعناها الخصوصُ في الحرائرِ غيْرِ الحَوَامِلِ، ولم تعن الآية لما يشذُّ من مرتابةٍ ونحوها، وعدَّة الحَامِلِ: وضْعُ حملها عند الجمهور. ورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عبَّاس: أقصَى الأجلَيْن «1» ، وَيَتَرَبَّصْنَ: خبر يتضمَّن معنى الأمر، والتربُّص: الصبْر والتأنِّي. والأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم متظاهرة أن التربُّص بإِحْدَادٍ، وهو الامتناع عن الزينة، ولبس المصبوع الجميلِ، والطِّيب، ونحوه، والتزامِ المَبِيتِ في مَسْكنها حيث كانَتْ وقت وفَاة الزَّوْج، وهذا قولُ جمهورِ العُلَماء، وهو قولُ مالكٍ، وأصحابه، وجعل اللَّه تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً عبادةً في العِدَّة فيها استبراء للحَمْل إِذ فيها تكمل الأربعون، 58 ب والأربعون، والأربعون حسب الحديثِ الَّذي رواه ابن مَسْعود وغيره، ثم ينفخ الرُّوحُ/، وجعل تعالى العَشْر تكملةً إِذ هي مَظِنَّةٌ لظهورِ الحركةِ بالجنينِ، وذلك لنقْصِ الشهور، أو كمالها، أو لسُرْعة حركةِ الجنين، أو إِبطائها. قاله ابن المُسَيِّب، وغيره «2» . وقال تعالى: وَعَشْراً تغْليباً لحكْم الليالِي، وقرأ «3» ابن عَبَّاس: «وَعَشْرَ لَيَالٍ» ، قال جمهور العلماء: ويدخل في ذلك اليَوْمُ العَاشِر. وقوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: فِيما فَعَلْنَ: يريدُ به التزوُّجَ، فما دونَهُ من زينةٍ، واطراح الإِحداد قاله مجاهد وغيره «4» ، إِذا كان مَعْرُوفاً غيْرَ منكر. قال ع «5» : ووجوه المُنْكَر كثيرةٌ، وقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 314) . (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 914) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 515) ، وعزاه لابن جرير عن قتادة. [.....] (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 314) ، و «البحر المحيط» (2/ 233) . (4) أخرجه الطبري (2/ 530) برقم (5097- 5098) . وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 314- 315) . (5) «المحرر الوجيز» (1/ 315) .

[سورة البقرة (2) : آية 235]

وعيد يتضمّن التحذير، وخَبِيرٌ: اسم فاعلٍ مِن «خَبَرَ» ، إِذا تَقَصَّى علْم الشيء. [سورة البقرة (2) : آية 235] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ ... الآية: تصريحُ خطبةِ المعتدَّة حرامٌ، والتعريضُ جائزٌ، وهو الكلام الذي لا تصريحَ فيه، أَوْ أَكْنَنْتُمْ: معناه: سترتم، وأخفيتم. وقوله تعالى: سَتَذْكُرُونَهُنَّ قال الحَسَن: معناه: ستخطُبُونَهُنَّ «1» ، وقال غيره: معناه: علم اللَّه أنكم ستذكُرونَ النِّسَاء المعتدَّاتِ في نفوسكم وبألسنتكُمْ، فنهى عن أنْ يوصل إِلى التواعُدِ معَهُنَّ «2» . ع «3» : والسرُّ، في اللغة: يقع على الوَطْء حلالِهِ وحرامِهِ، والآية تعطي النهْيَ عن أنْ يواعد الرجُلُ المعتدَّةَ أن يطأها بعد العدَّة بوجْه التزويجِ، وقال ابن جُبَيْر: سِرًّا، أيْ: نكاحاً «4» ، وهذه عبارة مخلصة. وأجمعتِ الأمة على كراهةِ المواعَدَةِ في العدَّةِ. وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروف هو ما أبيح من التعريض كقول الرجُل: إِنَّكم لأَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وما قُدِّرَ كَانَ، ونحو هذا. وقوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: عزمُ العقدةِ: عَقْدها بالإشهاد، والوليّ، وحينئذ: تسمى عقدة.

_ (1) أخرجه الطبري (2/ 535) برقم (5136- 5138) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 315) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 518) ، وعزاه لوكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن الحسن. (2) أخرجه الطبري (2/ 535) رقم (5137) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 316) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 518) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير عن مجاهد. (3) «المحرر الوجيز» (1/ 316) . (4) أخرجه الطبري (2/ 537) رقم (5158) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 316) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 519) ، وعزاه لعبد الرزاق عن سعيد بن جبير.

[سورة البقرة (2) : الآيات 236 إلى 237]

ت: والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ: يريد تمام العدَّة، والكتاب هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ... الآية: تحذيرٌ من الوقوع فيما نهى عْنه، وتوقيف على غفره وحلمه. [سورة البقرة (2) : الآيات 236 الى 237] لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) وقوله تعالى: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْراً أو لم يفرض، ولمّا نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ، وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج، طلباً للعصْمَة، والتماس ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن. وقال قَوْمٌ: لاَّ جُناحَ عَلَيْكُمْ: معناه: لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ: إثباتُه، وتحديدُهُ، 59 أوهذه الآية/ تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه قاله مالك في «المدوّنة» . والفريضة: المصداق. وقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ. أي: أعطوهنَّ شيئاً يكون متاعاً لهنَّ، وحمله ابن عُمَر وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن: يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ «1» ، وكذلك يقول مالك. وقوله تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ: دليلٌ على رفض التحديد، والمُوسِعُ: أي: من اتسع حالُه، والمُقْتِر: المقلُّ القليلُ المالِ، ومَتاعاً:

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 319) .

نصبٌ على المصدر «1» . وقوله تعالى: بِالْمَعْرُوفِ، أي: لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، أي: في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال: هذا تأكيدٌ للوجوب، أي: على المحسنين بالإيمان والإسلام، وحَقًّا: صفةٌ لقوله تعالى: مَتاعاً. ت: وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ لوجوه، منها: صيغةُ الأمر، ومنها: قولُه: حَقًّا، ومنْها: لفظةُ «على» ، ومنها: من جهة المعنى: ما يترتَّب على إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدى ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب. انتهى. وقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ... الآية: اختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ، فيها مالك: إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ إِذ يتناولها. قوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ: وقال قتادةُ: نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها «2» ، وقال ابن القاسِمِ في «المدوَّنة» : كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة بقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 241] ، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة «الأحزاب» ، فاستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ فقَطْ «3» ، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم أنها منسوخة «4» ، حكى ذلك في «المدوَّنة» عن زيد بن أسْلَم زعْماً. وقال ابن القاسِمِ: إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال: إِن قولَه تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ [البقرة: 241] عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه

_ (1) ويجوز أن ينتصب على الحال، والعامل فيه حينئذ ما تضمنه الجار والمجرور «على الموسع» من معنى الفعل، وصاحب الحال ذلك الضمير المستكن في ذلك العامل. والتقدير: قدر الموسع يستقر عليه في حال كونه متاعا. وينظر: «الدر المصون» (1/ 583) . (2) أخرجه الطبري (2/ 555) برقم (5252) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 320) . (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 327) . (4) ينظر المصدر السابق.

منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر «1» : المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عموماً، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي: مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ «2» : «فَنِصْفُ» بالرفع، والمعنى: فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ. وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ: استثناء منقطعٌ، و «يَعْفُونَ» : معناه: يتركْنَ ويصفحْنَ، أي: يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها. واختلف في المرادِ بقوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ. فقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم: هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره «3» ، 59 ب وقالتْ فرْقَة: الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج «4» ، فعلى القول الأول: / الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني: إِما أنْ تعفو هي أيضاً فلا تأخذَ شيئاً، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يحطّ، فيؤدّي جميع

_ (1) أبو عبد الله إبراهيم بن خالد بن أبي يمان، أبو ثور، أخذ عن الشافعي- رضي الله عنه- كما أخذ الفقه عن غيره، قال الخطيب البغدادي: كان أحد الثقات المأمونين، ومن الأئمة الأعلام في الدين، وله كتب مصنفة في الأحكام ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 55) ، و «تهذيب التهذيب» (1/ 118) ، و «طبقات السبكي» (1/ 277) . (2) وقرأ علي وزيد بن ثابت «فنصف» بضم النون في جميع القرآن. قال ابن عطية: وهي لغة، وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء. ينظر: «الشواذ» (ص 22) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 320) . ونسبها أبو حيان في «البحر» (2/ 244) زيادة على ما تقدم إلى السلمي. [.....] (3) أخرجه الطبري (2/ 558- 559) برقم (5286- 5287- 5308) عن مجاهد برقم (5304) عن ابن عباس. وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 219) عن ابن عباس. وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 320) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 521) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس. (4) أخرجه الطبري (2/ 560- 563) بأرقام (5317- 5363) عن علي وشريح. وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 219) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 321) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 521) . وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في «الأوسط» ، والبيهقي بسند حسن، عن ابن عمرو، عن النبي صلّى الله عليه وسلم ... وعزاه لوكيع، وسفيان، والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والبيهقي، عن علي بن أبي طالب. وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي من طرق عن ابن عباس.

[سورة البقرة (2) : الآيات 238 إلى 239]

المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ نادباً بقوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، أي: يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ. وغيره: «وَلاَ تَنَاسَوا الفَضْلَ» ، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنى «1» لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه. وقوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ: ندْبٌ إِلى المجاملة. وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ والحِرْمان لغير المحسن. [سورة البقرة (2) : الآيات 238 الى 239] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ... الآية: الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ «2» عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تعالى وَيَدْعُوهُ، حتى صَارَتْ وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَاراً، فَلَمَّا ارتفع عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ: عَلاَمَ جَلَدتَّنِي؟ قَالَ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ على مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ» «3» . انتهى من «التذْكِرَة» للقرطبيِّ «4» . وفي الحديثِ: «أنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثلث، والسّجود ثلث،

_ (1) ينظر: «المحتسب» (1/ 127) ، و «مختصر الشواذ» (ص 22) . وزاد ابن عطية نسبتها إلى مجاهد وأبي حيوة، وابن أبي عبلة. ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 322) ، و «البحر المحيط» (2/ 247) ، و «الدر المصون» (1/ 588) . (2) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، الطحاوي، أبو جعفر: فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية ب «مصر» ، ولد ونشأ في «طحا» من صعيد مصر 239 هـ، وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحول حنفيا. وتوفي ب «القاهرة» 321 هـ وهو ابن أخت المزني. من تصانيفه: «شرح معاني الآثار» ، و «بيان السنة» ، و «الشفعة» ، و «المحاضر والسجلات» ، و «مشكل الآثار» ، وأحكام القرآن» ، و «المختصر» في الفقه، وشرحه كثيرون. ينظر: «الأعلام» (1/ 206) ، «البداية والنهاية» (11/ 174) ، «لسان الميزان» (1/ 274) ، «اللباب» (2/ 82) . (3) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 231) ، وقال الطحاوي: في هذا الحديث ما يدلّ على أن تارك الصلاة ليس بكافر لأن من صلى صلاة بغير طهور فلم يصل، وقد أجيبت دعوته، ولو كان كافرا ما أجيبت له دعوة لأن الله (تبارك وتعالى) يقول: وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ. (4) ينظر: «التذكرة» (1/ 195) .

فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ» رواه النَّسَائِيّ «1» . انتهى من «الكوكب الدَّرِّيِّ» . وروى مالكٌ في «الموطَّإ» ، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ «2» أنه قال: «بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه، لم ينظر في شيء من عمله» «3» . قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» : وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَداً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ «4» ، قال: قَالَ لِي أبو هُرَيْرة: إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فأخبرهم أنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلاَّ قِيلَ: انظروا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» «5» ،

_ (1) أخرجه البزار (1/ 177- كشف) رقم (349) ، من طريق المغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. وقال البزار: لا نعلمه مرفوعا إلا عن المغيرة، وإنما نحفظه عن أبي صالح عن كعب قوله. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 150) : المغيرة ثقة، وإسناده حسن. (2) يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري، النّجّاري، قاضي المدينة. عن أنس، وابن المسيّب، والقاسم، وعراك بن مالك وخلق. وعنه الزهري، والأوزاعي، ومالك، والسفيانان، والحمّادان، والجريران وأمم. قال ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث. وقال ابن سعد: ثقة، حجة، كثير الحديث، وقال أبو حاتم: يوازي الزهري في الكثرة. وقال أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس. قال القطان: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 149) . (3) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 173) ، كتاب «قصر الصلاة في السفر» ، باب جامع الصلاة، حديث (89) . (4) أنس بن حكيم الضّبّي، البصري. عن أبي هريرة. وعنه الحسن، وعلي بن زيد. ينظر: «الخلاصة» (1/ 104) . (5) أخرجه أبو داود (1/ 290- 291) ، كتاب «الصلاة» ، باب كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث (864) . وأحمد (2/ 425) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 33) ، والحاكم (1/ 262) ، من طريق الحسن، عن أنس بن حكيم الضبي، عن أبي هريرة به. وأخرجه ابن ماجة (1/ 458) ، كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة، حديث (1450) ، من طريق علي بن زيد، عن أنس بن حكيم الضبي، عن أبي هريرة به. وأخرجه أبو داود (1/ 291) ، كتاب «الصلاة» ، باب كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث (865) . والحاكم (1/ 263) ، والبخاري في «التاريخ» (2/ 34) ، من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن رجل من بني سليط عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (2/ 269- 270) ، كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم-

وفي رواية تميم الدّاريّ «1» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذا المعنى. قال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ على حَسَبِ ذَلِكَ» «2» . انتهى. وذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسطى ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله: «الصَّلَوَاتِ» لأنه أراد تشريفَهَا. واختلف النَّاس في تعيينها. فقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة: إِنها صلاةُ الصُّبْح «3» ، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ: هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة: هي صلاة العصر، وفي

_ - القيامة الصلاة، حديث (413) . والنسائي (1/ 232) ، كتاب «الصلاة» ، باب المحاسبة على الصلاة، كلاهما من طريق قتادة، عن الحسن، عن حريث بن قبيصة، عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه، عن أبي هريرة. اه. وقد روى هذا الحديث الحسن عن أبي هريرة. أخرجه أبو داود الطيالسي (1/ 68- منحة) رقم (264) ، وأبو يعلى (11/ 96) رقم (6225) ، من طريق الحسن، عن أبي هريرة. قال البخاري في «التاريخ» (2/ 35) ، ولا يصح سماع الحسن من أبي هريرة في هذا. وقد وصف الحافظ ابن حجر في «التهذيب» (1/ 374) هذا الحديث بالاضطراب. وصححه الألباني بطرقه في «الصحيحة» (1358) . (1) هو: تميم بن أوس بن حارثة أبو رقية. الداري. قال ابن حجر في «الإصابة» : مشهور في الصحابة، وكان نصرانيّا، وقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي قصة الجساسة والدجال، فحدث النبي عنه بذلك على المنبر، وعد ذلك من مناقبه. وقال أبو نعيم. كان راهب أهل عصره، وعابد أهل «فلسطين» ، وهو أول من أسرج السراج في المسجد. وقال ابن إسحاق: قدم «المدينة» وغزا مع النبي صلّى الله عليه وسلم. ينطر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 256) ، «الإصابة» (1/ 191) ، «الثقات» (3/ 39) ، «الجرح والتعديل» (2/ 440) ، «تقريب التهذيب» (1/ 113) ، «سير أعلام النبلاء» (2/ 442) ، «جمهرة أنساب العرب» (422) ، (454) ، «المتفردات والوحدان» (62) ، «مشاهير علماء الأمصار» (52) ، «الجمع بين رجال الصحيحين» (64) ، «تسمية من أخرج لهم البخاري ومسلم» (22) ، «التاريخ لابن معين» (17) . (2) أخرجه أبو داود (1/ 291) ، كتاب «الصلاة» ، باب كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث (866) ، وابن ماجة (1/ 458) كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة، حديث (1426) . وأحمد (4/ 103) . والدارمي (1/ 313) ، كتاب «الصلاة» ، باب أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة، والحاكم (1/ 262) ، والطبراني في «الأوائل» رقم (23) . كلهم من طريق داود بن أبي هند، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري مرفوعا. [.....] (3) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 309) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 220) ، وابن عطية الأندلسي في «تفسيره» (1/ 322) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 534) .

مُصْحَف عائشةَ «1» ، وإِملاء حَفْصَة: «صَلاَةِ العَصْرِ» وعلى هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ. وقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ «2» : هي صلاة المَغْرِب «3» ، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة: الصلاة الوسطى لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة كليلة القَدْر، وقالت فرقة: هي صلاة الجمعة، وقال بعض 60 ب العلماء: هي الخَمْس، وقوله أولاً: عَلَى الصَّلَواتِ يعم النفْلَ/، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر. وقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ معناه في صلاتِكُمْ. واختلف في معنى قانِتِينَ. فقال الشَّعْبِيُّ وغيره: معناه مطيعين «4» ، قال الضَّحَّاك: كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يعنى به الطاعة «5» ، وقاله أبو سعيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره: القُنُوت: السُّكُوت «6» وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد: معنى قانِتِينَ خاشِعِينَ،، فالقنوتُ: طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح «7» ، قال ع «8» : وإِحضارُ الخَشْية، والفكر في الوقوف

_ (1) وفي مختصر ابن خالويه: «وصلاة العصر» بزيادة واو، ونسبها إلى عائشة، وابن عباس، وجماعة. «مختصر الشواذ» (ص 22) . وينظر: «الكشاف» (1/ 287) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 322- 323) ، و «البحر المحيط» (1/ 249) ، وزاد نسبتها إلى أبي، وعبيد بن عمير. (2) قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه الزّهري، ورجاء بن حيوة وغيره. وثقه ابن حبان، قال عمرو بن علي: مات سنة ست وثمانين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 349) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 579) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 542) ، وعزاه لابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس. (4) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 221) . (5) أخرجه الطبري (5/ 229) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 323) . (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 585) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 238) . (7) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 585) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 310) والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 221) ، والسيوطي في «الدر المنثور» ، (1/ 544) . (8) «المحرر الوجيز» (1/ 324) .

بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ: القنوتُ: طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ «1» . وقال قومٌ: القنوتُ: الدعاء، وقانِتِينَ: معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس «2» . وقول تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً ... الآية، أمر اللَّه تعالى بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحيانا، فرخّص لعبيده في الصّلاة فَرِجالًا: متصرّفين على الأقدام، ورُكْباناً: على الخَيْل والإِبل ونحوهما إِيماء، وإِشارة بالرأس حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه على رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية. وأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي، إِن شاء اللَّه، في «سورة النساء» «3» . والرُّكْبَان: جمع رَاكِبٍ «4» ، وهذه الرخْصَة في ضِمنها بإِجماعٍ من العلماء: أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ. ت: وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» ، عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ «5» ، قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 239) . (2) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 310) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 324) . (3) في تفسير الآية (101) ، (102) . (4) ينظر: «لسان العرب» (1712) ، و «عمدة الحفاظ» (2/ 121) . (5) عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام بن خبيب بن مالك بن غنم بن كعب بن تيم، أبو يحيى الجهني. القضاعي. الأنصاري. السّلمي. قال ابن الأثير: كان مهاجرا، أنصاريا، عصبيا، شهد بدرا وأحدا وما بعدهما. روى عنه أولاده: عطية، وعمرو، وضمرة، وعبد الله، وجابر بن عبد الله، وبسر بن سعيد. هو الذي سأل رسول الله عن ليلة القدر وقال: إني شاسع الدار، فمرني بليلة أنزل لها قال: «انزل ليلة ثلاث وعشرين» وهو أحد الذين كانوا يكسرون أصنام بني سلمة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 179) ، «الإصابة» (4/ 37) ، «الثقات» (3/ 234) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 298) ، «الاستيعاب» (3/ 869) ، «الاستبصار» (137) ، «شذرات الذهب» (1/ 60) ، «حلية الأولياء» (2/ 5) ، «عنوان النجابة» (117) ، «تقريب التهذيب» (1/ 402) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 149) ، «تهذيب الكمال» (2/ 666) ، «بقي بن مخلد» (113) ، «الوافي بالوفيات» (17/ 76) ، «الكاشف» (2/ 73) ، «رياض النفوس» (1/ 45) ، «الجرح والتعديل» (5/ 1) ، «التاريخ الكبير» (3/ 14) . [.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 240 إلى 242]

الله صلّى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ: «اذهب فاقتله» ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ وأنا أصلّي أومئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: «مَنْ أَنْتَ» ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حتى بَرَدَ» «1» . انتهى، وقد ترْجَم عليه «بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ» . قال ع «2» : واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات؟ والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ: أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن. واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ... الآية: فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة: اذكروا اللَّه، أي: صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يستقبل من الصّلوات. [سورة البقرة (2) : الآيات 240 الى 242] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ 60 ب غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ/ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: الَّذِينَ: رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود «3» : كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة: كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة: كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنى والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها «4» ، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثّمن

_ (1) أخرجه أبو داود (1/ 401) كتاب «الصلاة» ، باب صلاة الطالب، حديث (1249) . وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى أبي داود. (2) «المحرر الوجيز» (1/ 325) . (3) وهي في «مختصر شواذ ابن خالويه» ص (22) هكذا: كتب عليكم الوصية لأزواجكم. وينظر: «الكشاف» (1/ 289) . وحكاها ابن عطية في «المحرر» (1/ 326) : الوصية لأزواجهم. (4) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 326) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 243 إلى 245]

الَّذِي في «سورة النساءِ» «1» ، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر «2» ، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «3» : ومَتاعاً نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: غَيْرَ إِخْراجٍ: معناه: ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ ... الآية: معناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه. وقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ «4» إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ. وقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 236] ، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. قال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم «5» . [سورة البقرة (2) : الآيات 243 الى 245] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ... الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء،

_ (1) آية (12) . (2) آية (234) من سورة البقرة. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 326) . (4) ذكره الطبري (2/ 598) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 327) . (5) ذكره الطبري في «تفسيره» (2/ 599) .

ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية «1» . وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «2» . قال ع «3» : وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري «4» ، وهو ظاهرُ رَصْف الآية. والجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة «5» ، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون «6» . 61 أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ... الآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 327) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 602) برقم (5608) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 328) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 553) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 328) . (4) ينظر: «جامع البيان» (5/ 278) . (5) هو أحد قسمي جمع التكسير، والآخر هو جمع القلة، فأما جمع القلة فيصدق على الثلاثة إلى العشرة، وأما جمع الكثرة فيدل على أحد عشر فما فوق، ولكل من النوعين صيغ فلجمع القلة أربع صيغ، ولجمع الكثرة ثلاثة وعشرون بناء. ينظر: «معجم المصطلحات النحوية والصرفية» (ص 51) . [.....] (6) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 328) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 553) .

طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر. وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث «1» . وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل «2» ، قال الطبريُّ «3» : ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ... الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ «4» : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح «5» ، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت

_ (1) أخرجه البخاري في العلم (1/ 268) باب من سأل وهو قائم عالما جالسا (123) ، و (6/ 33) في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (2810) (6/ 260) في فرض الخمس (3126) ، و (13/ 450) في التوحيد: باب وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (7458) ، ومسلم (3/ 1512- 1513) في الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (149- 151/ 1904) وأبو داود (1/ 18) في الجهاد باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (2517- 2518) والترمذي (4/ 154) في فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا (1646) ، والنسائي (6/ 23) في الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وابن ماجة (2/ 931) في الجهاد: باب النية في القتال (2783) ، وأحمد (4/ 392، 397، 402، 405، 417) ، والطيالسي (1/ 233) برقم (1135) ، وأبو يعلى (7253) ، والبيهقي (9/ 167، 168) من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلّا أنه كان قائما، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (2) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 329) . (3) ينظر: «جامع البيان» (5/ 281) . (4) أبو الدّحداح الأنصاري: حليف لهم. قال أبو عمر: لم أقف على اسمه ولا نسبه، أكثر من أنه من الأنصار حليف لهم، وقال البغويّ: أبو الدحداح الأنصاري، ولم يزد. ينظر: «الإصابة» (7/ 100) . (5) أمّ الدّحداح، زوج أبي الدحداح. لها ذكر في حديث أبي الدحداح، وصدقته بالحائط الذي فيه النخل. فقال: يا أم الدحداح، اخرجي، يعني: من الحائط، ذكره الأشيري. ينظر: «أسد الغابة» (7/ 316) .

رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ «1» . واستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «2» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» . انتهى، واللفظ لصحيح مسلم «3» ، قال ابنُ العَرَبِيِّ «4» : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطب انتهى.

_ (1) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 97- 98) ، وعنه الطبري (5618) ، عن معمر عن زيد بن أسلم قال: لمَّا نزلَتْ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً، قال: جاء أبو الدحداح ... وقال الشيخ شاكر: هذا حديث مرسل فهو ضعيف الإسناد لأن زيد بن أسلم تابعي، ولم يذكر من حدثه من الصحابة. وأخرجه الطبري في «تفسيره» (5620) ، وأبو يعلى (4986) ، عن خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لمَّا نزلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، قال أبو الدحداح: ... » ، فذكره بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 554- 555) ، وزاد فعزاه لسعيد بن منصور، وابن سعد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» ، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» . ولم يعزه لأبي يعلى. وقال الشيخ شاكر: هذا إسناد ضعيف جدا ... فالبلاء في هذه الرواية من حميد الأعرج. (2) ينظر «أحكام القرآن» (1/ 230) . (3) أخرجه مسلم (4/ 1990) في البر والصلة: باب فضل عيادة المريض (43/ 2569) ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله (عز وجل) يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني.....» فذكره. (4) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 230) .

وقوله: حَسَناً: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته. وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة. ت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك صلّى الله عليه وسلم 61 ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: 261] . قال ع: رُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» «1» ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ» : قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ: «القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ. انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 293) ، كتاب «البيوع» ، باب في التسعير، حديث (3450) ، والبغوي في «شرح السنة» (4/ 331- بتحقيقنا) ، وأحمد (2/ 337) ، من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة «أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل ادعو، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس لأحد عندي مظلمة» . وللحديث شاهد قوي من حديث أنس بن مالك. أخرجه أبو داود (2/ 293- 294) كتاب «البيوع» ، باب في التسعير، حديث (3451) ، والترمذي (3/ 605- 606) كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في التسعير، حديث (1314) ، والدارمي (2/ 249) كتاب «البيوع» ، باب في النهي أن يسعر في المسلمين، وأحمد (3/ 286) ، والبيهقي (6/ 29) كتاب «البيوع» ، باب التسعير، كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد عن أنس قال: غلا السعر في المدينة على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم. فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا، فقال: «إنّ الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة بدم ولا مال» . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو يعلى (5/ 245) رقم (2861) ، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، وثابت، وحميد عن أنس به. وأخرجه أحمد (3/ 156) ، من طريق حماد، عن قتادة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه أبو يعلى (5/ 160) رقم (2774) ، من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس به.

[سورة البقرة (2) : الآيات 246 إلى 248]

في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ» ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ» ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر. انتهى. [سورة البقرة (2) : الآيات 246 الى 248] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ... الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلمّا أمروا، كعّ أكثرهم «1» ، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين ليحذروا المَكْرُوه منْه ويقتدوا بالحسن. والْمَلَإِ: في هذه الآية جميعُ القَوْم لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ» تشبيها، ومِنْ بَعْدِ مُوسى: معناه: مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته. وقوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَهُمُ، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل «2» . وقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ «3» ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حاربها، وروي أنها

_ (1) أي: نكصوا على أعقابهم. ينظر: «لسان العرب» (3891) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 610) برقم (5630) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 330) . (3) أخرجه الطبري (2/ 610) برقم (5630) ، وذكره البغوي في «تفسيره» «معالم التنزيل» (1/ 226) ، وينظر «المحرر الوجيز» لابن عطية (1/ 330) ، و «النكت والعيون» للماوردي (1/ 314) . [.....]

كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم. وقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ» ، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم «1» حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً ... الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور- عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة/ التّقرير، وسبر ما عندهم بقوله: 62 أهَلْ عَسَيْتُمْ، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ. ص: لِنَبِيٍّ متعلِّق ب قالُوا، واللامُ معناها: التبليغُ. انتهى. ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا» «2» . ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر بقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ... الآية: قال وهب بن منبّه «3» :

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 330) . (2) أخرجه البخاري (6/ 120) ، كتاب «الجهاد» ، باب كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل، حديث (2966) . ومسلم (3/ 1362- 1363) ، كتاب «الجهاد» ، باب كراهة تمني لقاء العدو، حديث (20/ 1742) . (3) وهب بن منبّه بن كامل، الأبناوي، الصّنعاني، أبو عبد الله الأخباري، عن ابن عباس، وجابر، وأبي سعيد، وطائفة، وعنه سماك بن الفضل، وهمّام بن نافع، وخلق. وثقه النسائي، قال مسلم بن خالد: لبث وهب أربعين سنة لم يرقد على فراشه، قتله يوسف بن عمر سنة عشر ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 138) .

وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً «1» ، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً «2» ، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ» ، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ. قال ع «3» : وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و «اصطفى» : مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت «4» . ت: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، أي: انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم. انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام. ولما علم نبيُّهم- عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم- عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وواسِعٌ: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قول النبيّ لهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟ وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ. قال ع: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.

_ (1) ذكره البغوي في تفسيره «معالم التنزيل» (1/ 228) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 330) . (2) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 314) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 332) . (3) ينظر «المحرر الوجيز» (1/ 332) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 313) برقم (5652) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 332) .

وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره «1» . واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم/ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلّا لهذا التابوت، 62 ب فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر. وقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت «2» ، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم. وقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة «3» ، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب «4» . وقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها «5» ، وقال قتادة: سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: وقار لكم من ربِّكم «6» . قال ع: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى أن مجيء التابوتِ آية لهم، إن كانوا

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 315) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 332) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 324) برقم (5662، 5663) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 332) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 328) برقم (5678) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 228) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 332) ، والماوردي في «النكت والعيون» (1/ 316) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 328) برقم (5675) ، و «المحرر الوجيز» لابن عطية (1/ 332) ، و «الدر المنثور» (1/ 562) ، وعزاه السيوطي لسفيان بن عيينة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن مجاهد. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 329) ، والبغوي في «تفسيره معالم التنزيل» (1/ 228) ، و «النكت والعيون» (1/ 316) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 332) . (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 329) برقم (5684) ، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 316) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 333) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 249 إلى 252]

ممَّن يؤمن ويُبْصر. ت: وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريّ المتقدّم. [سورة البقرة (2) : الآيات 249 الى 252] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) وقوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ ... الآية، أي: لما اتفق ملأهم على تمليك طالوتَ، وفصل بهم، أيْ: خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة. قال السُّدِّيُّ وغيره: وكانوا ثمانين ألفاً «1» ، قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي: مختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال. ت: ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه. قال ابن عَبَّاس: وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ «2» ، وقال أيضاً: هو نهر فلسطين «3» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 339) برقم (5708) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 563) . [.....] (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 340) برقم (5714) ، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 316) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 341) برقم (5715) ، وذكره البغوي (1/ 231) ، والماوردي في «النكت والعيون» (1/ 317) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 334) ، والسيوطي في «الدر» ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس.

قال ع: وظاهرُ قولِ طالوتَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ «1» الصَّابرين على شَظَف «2» العَيْش الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله: فَلَيْسَ مِنِّي، أي: ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «3» ، و «مَنْ رَمَانَا بالنّبل، ...

_ (1) الحزمة: جمع حازم، ورجل حزيم، وهو من قوم حزماء، وحزّم وحزّام، وأحزام. وهو العاقل المميز ذو الحنكة. ينظر: «لسان العرب» (859) . (2) الشّظف: الشدة والضيق، ويبس العيش وشدته. ينظر: «لسان العرب» (2267) . (3) أخرجه مسلم (1/ 348- الأبي) ، كتاب «الإيمان» ، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» ، حديث (164/ 102) ، وأبو داود (2/ 294) كتاب «البيوع» ، باب في النهي عن الغش، حديث (3452) ، والترمذي (3/ 597) ، كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في كراهية الغش في البيوع، حديث (1315) ، وابن ماجة (2/ 749) كتاب «التجارات» ، باب النهي عن الغش، حديث (2224) ، وأبو عوانة (1/ 57) ، وأحمد (2/ 242) ، والحميدي (2/ 447) رقم (1033) ، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (564) ، وابن حبان (4905- الإحسان) ، وابن منده في «الإيمان» رقم (550، 551، 552) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (2/ 134) ، والحاكم (2/ 8- 9) ، والبيهقي (5/ 320) ، كتاب «البيوع» ، كلهم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قلت: وقد وهم رحمه الله في ذلك فالحديث في «صحيح مسلم» ، كما تقدم في التخريج. وللحديث شواهد من حديث ابن عمر، وأبي بردة بن نيار، وابن مسعود، والحارث بن سويد، وقيس بن أبي غرزة، وأبي الحمراء، وعائشة. حديث ابن عمر: أخرجه أحمد (2/ 50) ، والبزار (2/ 82- كشف) رقم (1255) ، من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من غشّنا فليس منا» . والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 288) . وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في «الأوسط» ، وفيه أبو معشر وهو صدوق، وضعّفه جماعة. وللحديث طريق آخر عن ابن عمر: أخرجه الدارمي (2/ 248) ، كتاب «البيوع» ، باب في النهي عن الغش، والقضاعي في «مسند الشهاب» (351) ، من طريق يحيى بن المتوكل، ثنا القاسم بن عبيد الله، عن عمه سالم بن عبد الله، عن ابن عمر به. ويحيى بن المتوكل قال الحافظ في «التقريب» (2/ 356) : ضعيف. حديث أبي بردد بن نيار: -

فَلَيْسَ مِنَّا» «1» ، و «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ» «2» . وفي قوله: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ سدُّ الذرائعِ لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم،

_ - أخرجه أحمد (3/ 466) ، والبزار (1/ 68- كشف) رقم (68) ، والطبراني في «الكبير» (22/ 198) رقم (521) ، وابن أبي شيبة (7/ 290) . كلهم من طريق جميع بن عمير عن عمه، يعني أبا بردة مرفوعا. وقال الهيثمي في «المجمع» (2/ 31) : رواه البزار، وفيه جميع بن عمير، وثقه أبو حاتم، وضعفه البخاري وغيره. حديث ابن مسعود: أخرجه ابن حبان (567) ، والطبراني في «الكبير» (10234) ، وفي «الصغير» (1/ 261) . وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (4/ 188- 189) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (253) . كلهم من طريق عاصم بن بهدلة، عن زر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» . حديث الحارث بن سويد: أخرجه الحاكم (2/ 9) . حديث قيس بن أبي غرزة: أخرجه أبو يعلى (2/ 233) رقم (933) ، من طريق الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي غرزة مرفوعا بلفظ: «من غش المسلمين فليس منهم» . وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 82) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، ورجاله ثقات، وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (1361) ، وعزاه إلى أبي يعلى. حديث أبي الحمراء: أخرجه ابن ماجة (2/ 749) كتاب «التجارات» ، باب النهي عن الغش، حديث (2225) ، من طريق أبي داود، عن أبي الحمراء به مرفوعا. وأبو داود هو نفيع بن الحارث الأعمى متروك كذبه ابن معين، وغيره. حديث عائشة: أخرجه البزار (2/ 83- كشف) رقم (1256) ، وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا بهذا الإسناد، والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 81) ، وقال: ورجاله ثقات. (1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (11/ 221) رقم (11553) ، من طريق عكرمة عن ابن عباس. (2) أخرجه البخاري (3/ 163) ، كتاب «الجنائز» ، باب ليس منا من شق الجيوب، حديث (1294) ، ومسلم (1/ 99) ، كتاب «الإيمان» ، باب تحريم ضرب الخدود، حديث (165/ 103) . والترمذي (3/ 315) ، كتاب «الجنائز» ، باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود، حديث (999) ، والنسائي (4/ 20) ، كتاب «الجنائز» ، باب ضرب الخدود، وابن ماجة (1/ 504- 505) ، كتاب «الجنائز» ، باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب، حديث (1584) . وأحمد (1/ 432) ، والطيالسي (1/ 157- منحة) رقم (747) . وأبو يعلى (9/ 127) رقم (5201) ، والبيهقي (4/ 64) كتاب «الجنائز» ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 288- بتحقيقنا) ، من حديث عبد الله بن مسعود به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ: ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ. ص: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ: استثناءٌ من الجملة الأولى، وهو قوله: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أيْ: إِلاَّ من اغترف غُرْفة بيَده، دون الكَرْع، / فهو منِّي، 63 أوالاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر، أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل: يعود على الأخيرة، وقيل: إِلى الجميع «1» . وقال أبو البقاء: إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ «مَنِ» الأولى، وإِنْ شئْتَ مِنْ «مَنِ» الثانيةِ، وتُعُقِّبَ بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، لَلَزِمَ أنْ يكون: مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ليس منه لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات على الصحيح، وليس كذلك لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولى، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولى، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه، فليس منه، فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه، فإِنه منه. انتهى. ثم أخبر تعالى أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وانصرف من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين، لم يَشْرَبْ شيئاً، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب، فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله،

_ (1) الصحيح أنه يعود على الجملة الأولى وهي: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه، وأصلها التأخير، وإنّما قدّمت لأنها تدلّ عليها الأولى بطريق المفهوم، فإنّه لمّا قال تعالى: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي فهم منه أنّ من لم يشرب فإنّه منه، فلمّا كانت مدلولا عليها بالمفهوم صار الفصل بها كلا فصل. وقال الزمخشري: «والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلّا أنها قدمت للعناية، كما قدّم «والصابئون» في قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [الحج: 17] . والثاني: أنه مستثنى من الجملة الثانية، وإليه ذهب أبو البقاء. وهذا غير سديد لأنه يؤدّي إلى أن المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلّا من اغترف بيده فإنه ليس مني لأنّ الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، كما هو الصحيح، ولكن هذا فاسد في المعنى لأنهم مفسوح لهم في الاغتراف غرفة واحدة. والاستثناء إذا تعقّب الجمل وصلح عوده على كلّ منها هل يختصّ بالأخيرة أم لا؟ خلاف مشهور، فإن دلّ دليل على اختصاصه بإحدى الجمل عمل به، والآية من هذا القبيل، فإنّ المعنى يعود إلى عوده إلى الجملة الأولى لا الثانية لما ذكرت لك. ينظر: «الدر المصون» (1/ 605) .

وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة «1» . وقوله تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ... الآية: أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً. وقوله تعالى: قالُوا لاَ طاقَةَ. قال ابن عبَّاس: قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر: لاَ «2» طاقَةَ لَنَا على جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالى، وهم عِدَّة أهل بَدْر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ، والظنُّ على هذا القول: اليقينُ والفئةُ: الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم- رضي اللَّه عنهم- كَمْ مِنْ فِئَةٍ ... الآية: تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، واقتداء بمن صَدَق ربَّه، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بنصره وتأييده. وقوله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ... الآية: بَرَزُوا: معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ: أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة، ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيراً يرعى غنَماً لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه: لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه: يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزاً، فكَعَّ الناسُ عَنْه حتى قال طالوتُ: مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال: أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت: فاركب فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ، وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشى قَليلاً، رجَع، فقال الناسُ: جَبُنَ الفتى، فقَالَ داوُد: إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادَتِي، قال: وكان داوُدُ من أرمى النّاس بالمقلاع، 63 ب فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، / فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت: «أنْتَ، يا فتى، تَخْرُجُ إِلَيَّ» . قال: نعم، قال: هكذا كما

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 345) بنحوه، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 335) . (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 336) .

يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال: نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ: لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ فرُوِيَ أنَّها التأمت، فصارَتْ واحداً، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ، ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، واختلط النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له: إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ «1» الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ «2» ، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيروى أنَّ طالُوتَ تخلى له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة. وأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه، فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه- صلَّى اللَّه على نبيِّنا وعلَيْه-. وقوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ... الآية: أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة على مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيراً. ص: وَلكِنَّ استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه على جميع العالمين لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه إِذ لم يبلِّغه مقاصده واحتيج إلى هذا التقديرِ لأن «لَكِنَّ» تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا- انتهى. والإِشارةُ ب تِلْكَ إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحاب نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغير ذلك من وجوه العبر.

_ (1) أي لصوص يستلبون الناس، وينتهبونهم. والجراجمة: قوم من العجم بالجزيرة. ويقال: الجراجمة نبط الشام. ينظر: «لسان العرب» (586) . (2) هو جمع غلاف، والغلاف ما اشتمل على الشيء، والغلاف: غلاف السيف والقارورة، وسيف أغلف، وقوس غلفاء، وكذلك كل شيء في غلاف. ورجل مغلّفّ: عليه غلاف من هذه الآدم ونحوها. ينظر: «لسان العرب» (3282، 3283) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 253 إلى 254]

[سورة البقرة (2) : الآيات 253 الى 254] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) قوله سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ... الآية: «تِلْكَ» : رفْعٌ بِالابتداءِ، والرسُل: خبره، ويجوز أنْ يكُونَ «الرُّسُلُ» عطْفَ بيانٍ، و «فَضَّلْنَا» : الخبَر، و «تِلْكَ» : إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعْض النَّبيِّين على بعضٍ من غير تعْيين. وقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ: قال مجاهد وغيره: هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوَّات «1» إِلى غير ذلك ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وغيره ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسى- عليه السلام- إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ جبريلُ- عليه 64 أالسلام- وقد تقدَّم/ ما قال العلماءُ فيه. وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... الآية: معنى الآيةِ: ولو شاء اللَّه ما اقتتل النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ، فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر بغياً وحَسَداً، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك، لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه. ص: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ، قيل: في الكلام حذْفٌ، أي: فاختلف أممهم، فاقتتلوا، ولو شاء اللَّهُ، فمفعولُ «شَاءَ» محذوفٌ، أي: «أَلاَّ يَقْتَتِلُوا» انتهى. وقوله: مَا اقْتَتَلُوا، أي: بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ على مَرِّ الدهر، وذلك هو

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 3) برقم (5757) بنحوه، وذكره ابن عطية (1/ 338) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 571) ، وعزاه لآدم بن أبي إياس، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» . [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 255]

دفَاعُ اللَّه النَّاسَ بعضَهُم ببعض. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ... الآيةَ، قال ابن جُرَيْج: هذه الآيةُ تجمعُ الزكاةَ والتطوُّع، أي «1» : وجميعَ وجوهِ البرِّ من سبيلٍ وصلةِ رحمٍ، وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن ما تقدَّم من الآيات في ذكْر القتَالِ يرجِّح أنَّ هذه النفقةَ في سَبيل اللَّه، ويقوِّي ذلك قولُه: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، أي: فكافِحُوهم بالقتَالِ بالأنْفُس، وإِنفاقِ الأموال ممَّا رزقْنَاكم، وهذا غاية الإِنعام والتفضُّل منه سبحانه أنْ رَزَق، ثم نَدَب للنفقةِ ممَّا به أنعم، وحذَّر سبحانه من الإِمساك إِلى أنْ يأتي يَوْم لا يمكنُ فيه بيْعٌ، ولا شراءٌ، ولا استدراك نفقةٍ في ذاتِ اللَّه تعالى، إِذ هي مبايعةٌ إِذ البيعُ فديةٌ لأن المرء قد يشتري نفْسَه، ومرادَهُ بماله فكأن معنى الآية أنْ لا فديةَ يوم القيامة، ولا خُلَّةَ نافعة، وأهل التقوى في ذلك اليَوْمِ بينهم خُلَّة، ولكنَّه غير محتاج إِلَيْها. ت: وفي قوله: «غَيْر مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا» قلقٌ، ولا شفاعة يَومَئِذٍ إِلا لِمَنْ أذن له سبحانه، فالمنفيُّ مثل حال الدُّنيا من البَيْع، والخُلَّة، والشَّفاعة بغير إِذْن المَشْفوع عنده، قال عطاءُ بن دِينَار: الحَمْدُ للَّهِ الَّذي قال: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ولم يقل: والظّالمون هم الكافرون» . [سورة البقرة (2) : آية 255] اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) وقوله تعالى: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... الآية: هذه الآيةُ سيِّدة آي القرآن، وورد في الحديثِ «أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن» «3» ، وورد «أنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ لَيْلِهِ، لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ» وكذلك مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ نهاره «4» ، وهي متضمّنة التوحيد والصّفات العلا،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 5) برقم (5762) ، وذكره البغوي في «تفسيره» ، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (1/ 339) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 571) ، وغزاه لابن جرير، وابن المنذر. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 6) برقم (5764) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» ، (1/ 340) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 571) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (3) تقدم تخريجه. (4) أخرجه النسائي في «عمل اليوم والليلة» (961) ، وأبو يعلى كما في «النكت الظراف» (1/ 38) ، وابن حبان (784) . وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (2/ 765) ، والحاكم (1/ 562) . والبيهقي في «الدلائل» (7/ 109) . والطبراني (514) . كلهم من حديث أبي بن كعب أنه كان له جرن فيه تمر، فكان-

وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلم لفاطمةَ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَسْمَعِي، مَا أَوْصَيْتُكِ بِهِ، تَقُولِينَ، إِذَا أَصْبَحْتِ، وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» ، رواه النَّسائيُّ، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» على الصحيحين، وقال: صحيح على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلما «1» . انتهى من «السلاح» . وعن ابن مسعود أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ، قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح الإِسناد «2» ، ورواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ «3» ، والنَّسائيّ من حديثِ رَبِيعَةَ بْنِ عامرٍ «4» ، انتهى من «السِّلاح» . واللَّه: مبتدأ، ولا إِلَهَ: مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوف، تقديره معبود أو موجود، 65 أوقيّوم: بناءُ مبالغةٍ، أي: هو القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ بهذا المعنى/ فسَّره مجاهدٌ، والرَّبيع، والضَّحَّاك «5» ، ثم نفى عزَّ وجلَّ أنْ تأخذه سِنَةٌ أو نَوْم. وفي لفظٍ: الأَخْذُ غلبة

_ - يتعاهده، فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم قال: فسلمت، فرد السلام، فقلت: من أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قلت: ناولني يدك، فناولني، فإذا يداه يد كلب، وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصّدقة، فأحببنا أن نصيب طعامك، فقال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم، قال: هذه الآية آية الكرسي التي في «سورة البقرة» ، من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي، فلما أصبح أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخبره فقال: «صدق الخبيث» . (1) أخرجه الحاكم (1/ 545) ، كتاب «الدعاء» ، من حديث أنس بن مالك. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. (2) أخرجه الحاكم (1/ 509) ، من طريق وضاح بن يحيى النهشلي، ثنا النضر بن إسماعيل البجلي، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، ثنا القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن ابن مسعود به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي. فقال: عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، ومن بعده ليسوا بحجة. (3) أخرجه الترمذي (5/ 539) كتاب «الدعوات» ، باب (92) ، حديث (3524) ، من طريق يزيد الرقاشي عن أنس به. وقال: هذا حديث غريب. (4) ربيعة بن عامر، صحابي له حديث، وعنه يحيى بن حسان، شيخ لابن المبارك. ينظر: «الخلاصة» ت (2041) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 7) برقم (5767، 5770) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 238) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 340) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 579) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع، ولآدم بن أبي أياس، وابن جرير، والبيهقي عن مجاهد.

مَّا، فلذلك حَسُنَتْ في هذا الموضِعِ بالنفْيِ، والسِّنَةُ: بدْء النُّعَاس، وليس يفقد معه كلّ الذِّهْن، والنَّوْمُ هو المستثْقَلُ الذي يزولُ معه الذهْن، والمراد بالآية: التنزيهُ أنه سبحانه لا تدركُه آفة، ولا يلحقه خَلل بحالٍ من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك، وأقيمَ هذا المذكورُ من الآفاتِ مقام الجميعِ، وهذا هو مفهومُ الخطَابِ «1» كما قال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: 23] . ت: وبيانه أنه إِذا حرم التأفيف، فأحرى ما فوقه من الشَّتْمِ، والضَّرْب في حقِّ الأبوَيْن، وروى أبو هريرة، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَحْكِي عَنْ موسى عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: «وَقَعَ فِي نَفْسِ موسى: هَلْ يَنَامُ اللَّهُ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأرَّقَهُ ثَلاَثاً، ثُمَّ أعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةً، وأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ، وتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأخرى حتى نَامَ نَوْمَةً، فاصطفقت يَدَاهُ، فانكسرت القَارُورَتَانِ، قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلاً أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ والأرض» «2» . قوله تعالى: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، أي: بالملك فهو مالكُ الجميع، وربُّه، ثم قرَّر، ووَقَفَ تعالى من يتعاطى أنْ يشفع إِلاَّ بإذنه، أي: بأمره. ص: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ: «مَنْ» : مبتدأ، وهو استفهام معناه النفْيُ ولذا دخلَت «إِلاَّ» في قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ، والخبر «ذَا» ، و «الَّذِي» نعْتٌ ل «ذَا» أو بدل منه، وهذا على أنَّ «ذا» اسمُ إِشارةٍ، وفيه بُعْد لأن الجملة لم تستقلَّ ب «مَنْ» مع «ذَا» ، ولو كان خبراً، لاستقلَّ، ولم يحتجْ إِلى الموصولِ، فالأولى أنَّ «مَنْ» ركّبت مع «ذا» للاستفهام. انتهى.

_ (1) يطلق المفهوم، ويقصد به معنى دلّ عليه اللّفظ لا في محلّ النّطق، أو هو: «دلالة اللّفظ على معنى في غير محلّ النّطق بأن يكون ذلك المعنى حكما لغير المذكور في الكلام، وحالا من أحواله، سواء كان ذلك الحكم موافقا لحكم المذكور، أو مخالفا له. ينظر: «المفهوم» لشيخنا الخضراوي، و «شرح العضد» (2/ 171) ، و «البرهان» (1/ 449) ، و «العدة» (1/ 154) ، و «الإحكام» للآمدي (3/ 62) ، و «جمع الجوامع» (1/ 240) ، و «الآيات البينات» (2/ 15، 23) ، و «شرح الكوكب» (3/ 480، 489) ، و «روضة الناظر» (138، 139) ، و «إرشاد الفحول» (178- 198) ، و «تيسير التحرير» (1/ 91- 98) ، و «فواتح الرحموت» (1/ 413- 414) ، و «شرح التنقيح» (53) ، و «الحدود» للباجي (50) ، و «نشر البنود» (1/ 94- 98) ، و «المدخل» (271) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» رقم (5780) عن أبي هريرة مرفوعا.

قال مجاهدٌ وغيره: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: الدُّنيا، وَما خَلْفَهُمْ: الآخرة «1» ، وهذا صحيحٌ في نفْسه عند موت الإِنسان لأن ما بين اليَدِ هو كلُّ ما تقدَّم الإِنسان، وما خَلْفه: هو كلُّ ما يأتي بعده، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، أي: مِن معلوماته لأن علْم اللَّه تعالى لا يتبعَّض، ومعنى الآية: لاَ مَعْلُومَ لأحدٍ إلا ما شاء اللَّه أنْ يعلمه، قال ابن عبَّاس: كُرْسيُّه: علْمه «2» [قالَ] الطبريُّ «3» : ومنه الكُرَّاسَة. قال ع «4» : والذي تقتضيه الأحاديثُ أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ عظيمٌ بَيْن يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعظمُ منْه وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ» وقال أبو ذَرٍّ: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا الكُرْسيُّ فِي العَرْش إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «5» وهذه الآية مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مخلوقاتِ اللَّه سبحانَهُ، والمستفادُ من ذلك عِظَمُ قدرتِهِ- جل وعلا- إِذ لا يَؤُوده حفْظُ هذه المخلوقاتِ العظيمة، وَلا يَؤُدُهُ: معناه: لا يُثْقِلُهُ، ولا يشقُّ عليه، وهو تفسير ابن عبّاس وغيره، والْعَلِيُّ: يراد به عُلُوُّ القَدْر، والمنزلةِ، لا عُلُوُّ المكانِ لأن اللَّه سبحانه منزَّه عن التَّحَيُّز وكذا الْعَظِيمُ: هو صفةٌ بمعنى عِظَم القَدْر، والخَطَر، لا على معنى عِظَمِ الأجْرَامِ، ومن «سلاح المؤمن» قال: وعن أبي أُمَامَةً، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ» . رواه النَّسَائِيُّ «6» عن الحُسَيْن بن بشر «7»

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 11) برقم (5783) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 239) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 341) ، والسيوطي في «الدر المنثور» ، وعزاه لابن جرير (1/ 580) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 11) برقم (5788) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 342) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 325) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 309) ، والسيوطي في «تفسيره» (1/ 580) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الأسماء والصفات» عنه. [.....] (3) ذكره الطبري (3/ 12) . (4) ذكره ابن عطية (1/ 342) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 10) ، وأبو الشيخ في «العظمة» (2/ 587) ، من طريق عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، عن أبي ذر. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (1/ 13) : أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع. وقال الذهبي: «العلو» (ص 91) : هذا مرسل، وعبد الرحمن ضعيف. (6) أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 30) كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، حديث (9928) . (7) الحسين بن بشر الطّرسوسي، عن محمد بن حمير، وحجّاج بن محمد، وعنه النسائي، ووثقه، قال-

عن محمَّد بن حِمْيَرَ «1» ، عن محمَّد بن زيَادٍ/ الألهانيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، فأما الحُسَيْن، فقال 65 ب فيه النَّسائيُّ: لا بأس به، وقال في موضِعٍ آخر: ثِقَة، وقال أبو حاتِمٍ: شيخ، وأما المُحمَّدان، فاحتج بهما البخاريُّ في «صحيحه» ، وقد أخرج شيخُنا الحافظُ أبو محمَّد الدِّمْيَاطِيُّ «2» - رحمه اللَّه- الْحَدِيثَ في بَعْضِ تصانِيفِهِ مِنْ حديثِ أبِي أمَامَةَ، وعليٍّ، وعبد اللَّه بنِ عُمَر، والمُغِيرَة، وجابرٍ، وأنَس، قال: وإِذَا ضمت هذه الأحاديث بعضُها إلى بعض، أخذت قوة. انتهى من «السلاح» . وقد أخْرج البخاريُّ والنَّسَائِيُّ من حديث أبي هُرَيْرة في قصَّته مع الشَّيْطَان وأخْذِهِ الطَّعام، ما هو مَعْلُومٌ من فَضْل هذه الآية. وفيه: أنه إِذا قرأْتَهَا حِينَ تَأوي إلى فِرَاشِكَ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ حتى تُصْبِحَ، وخرَّجه الترْمِذِيُّ من حدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قصَّته مع الغُول نحْو حديث أبِي هريرة «3» قال الغزَّاليُّ ما معناه: إِنما وصفت بكونها سيِّدة آي القرآن لاشتمالها على اسم اللَّه الأعظم، وهو الحيُّ القيومُ قاله في «الجواهر» ، وأسند صاحب «غاية المغنم

_ - المزّي: لم أقف على روايته عنه. ينظر: «الخلاصة» (1/ 223) . (1) محمد بن حمير القضاعي السّليحي الحمصي، عن محمد بن زياد، وبجير بن سعد، وصفوان بن عمرو، وخلق، وعنه داود بن رشد، ومحمد بن مصفّى، وعمرو بن عثمان، وخلق. قال دحيم: مات سنة مائتين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 396- 397) . (2) عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرق بن الخضر بن موسى، شرف الدين أبو محمد، وأبو أحمد الدمياطي، ولد ب «دمياط» سنة 613، وتفقّه بها وقرأ بالسبع على الكمال الضرير، وسمع الكثير، ورحل، ولازم المنذري سنين، وتخرج به، ودرس لطائفة المحدثين بالمنصورية، وسمع منه أبو الفتح الأبيوردي، وروى عنه من تلامذته: المزي، والبرزالي، والذهبي، وابن سيد الناس والسبكي وغيرهم. نعته الذهبي ببقية نقاد الحديث. وله مصنفات نفيسة منها «السيرة النبوية» ، و «الصلاة الوسطى» وغيرهما. مات سنة 705. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (2/ 220) ، «طبقات السبكي» (6/ 133) ، «الأعلام» (4/ 318) . (3) أخرجه الترمذي (5/ 185) كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (2880) . وأحمد (5/ 423) ، والحاكم (3/ 459) ، والطبراني في «الكبير» (4/ 193) رقم (4011) ، وأبو الشيخ في «العظمة» (1091) . كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 576) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في «مكائد الشيطان» . وأبي نعيم في «الدلائل» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 256 إلى 257]

في اسم اللَّهِ الأعْظَمِ» ، عن غَالِبٍ القَطَّان «1» ، قال: مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني اسمه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطى، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ: يَا غَالِبُ قُلْ: يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِياً بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزاً لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ. انتهى من «غاية المغنم» . [سورة البقرة (2) : الآيات 256 الى 257] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) قوله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ: الدِّينُ، في هذه الآية: هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف «2» ، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة «3» ، وقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ: معناه: بنصب الأدلّة، ووجود الرسول صلّى الله عليه وسلم الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، والرُّشْدُ: مصْدَر من قولك: رَشِدَ بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْداً، ورَشَداً، ورَشَاداً، والغيُّ مصدر من: غَوِيَ يغوى، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال: الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، والطَّاغُوتَ بنَاءُ مبالغةٍ من: طغى يطغى، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره: هو الشَّيْطَان «4» ، وقيل: هو السَّاحِر، وقيل: الكَاهِنُ، وقيل: الأصْنَام، وقال بعضُ العلماء: كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ.

_ (1) غالب بن خطّاف (بضم المعجمة وتشديد الطاء) القطّان، أبو سليمان بن أبي غيلان البصري، عن ابن سيرين، وبكر المزني، وعنه شعبة، وابن عليّة، وبشر بن المفضّل، وثقه أحمد وابن معين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 329) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 18) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 342) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 17، 18) ، برقم (5829) (58230) ، وذكره البغوي في «تفسيره» عن قتادة (1/ 240) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 327) عن قتادة، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 343) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 583) ، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود في «ناسخه» ، وابن جرير عن قتادة. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 20) برقم (5835) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 327) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 344) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 311) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 584) ، وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن عمر.

ع «1» : وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتاً في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد: العروةُ الوثقَى: الإِيمانُ «2» ، وقال السُّدِّيُّ: الإِسلام «3» ، وقال ابن جُبَيْر وغيره: لا إِله إِلا الله «4» . قال ع «5» : وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ. والاِنْفِصَامُ: الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة «6» ، والقَصْم كسر بالبينونة. ت: وفي «الموطّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَاناً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ» «7» . قال أبو عُمَر في «التمهيد» : قوله: «فَيَفْصِمُ عَنِّي» : معناه: ينفرجُ عنِّي، ويذهب كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها/، قال الله عز وجلّ: 65 ب فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب: أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ. انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 344) . [.....] (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 21) برقم (5848) عن محمد بن عمرو، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 328) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 344) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 311) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 584) ، وعزاه لسفيان، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 22) برقم (5850) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 344) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 311) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 22) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 344) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 311) . (5) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 344) . (6) البينونة والبين في كلام العرب جاء على وجهين: يكون بمعنى الفرقة، ويكون الوصل، وهو هنا من الأول، يقال: ضربه فأبان رأسه من جسده وفصله. ينظر: «لسان العرب» (403، 404) . (7) أخرجه مالك (1/ 202- 203) : كتاب «القرآن» ، باب ما جاء في القرآن، حديث (7) ، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كيف يأتيك الوحي؟ فذكره. ومن طريق مالك: أخرجه البخاري (1/ 25- 26) ، كتاب «بدء الوحي» ، حديث (2) . وأخرجه مسلم (4/ 1816) : كتاب «الفضائل» ، باب عرق النبي صلّى الله عليه وسلم في البرد، حديث (87/ 2333) ، من طرق عن هشام بن عروة به.

[سورة البقرة (2) : الآيات 258 إلى 259]

ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ- سَمِيعٌ: من أجل النّطق، وعَلِيمٌ من أجْل المعتقَدِ. قوله سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية: الوليُّ من: وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحداً بنَصْره، وودِّه، واهتباله، فهو وليُّه هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعاً، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسول صلّى الله عليه وسلم فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ الطاغوت في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه اسم جنْسٍ ولذلك قال: أَوْلِياؤُهُمُ بالجمع إذ هي أنواع. [سورة البقرة (2) : الآيات 258 الى 259] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ... الاية: أَلَمْ تَرَ: تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ «1» مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره «2» ، قال قتادة: هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ «3» ، قيل: إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَ نَصَّرَ «4» ، وقيل: إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه

_ (1) وهو نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ملك بابل الجبار، وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية. ينظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 313) ، و «الطبري» (5/ 430) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 25) برقم (5862) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 241) بنحوه، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 345) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 585) ، وعزاه لابن جرير. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 26) برقم (5867) ، وذكره ابن عطية (1/ 344) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 584) ، وعزاه لابن جرير. (4) «بختنصر البابلي» : كان في ابتداء أمره مسكينا صعلوكا مريضا عالجه رجل كان يقرأ الكتب من بني إسرائيل، أرسله ملك الفرس في عسكر إلى الشام، وأمّره عليهم، فساروا وغنموا وعادوا سالمين، فلما كثرت في بني إسرائيل الأحداث والمعاصي دخل بخت نصر وجنوده «بيت المقدس» ، فقتل بني إسرائيل-

المحاجَّة روايتان. إحداهما: ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة «1» ، فكلَّما جاء قومٌ، قال: مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ، فيقولُونَ: أَنْتَ، فيقولُ: مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم- عليه السلام-، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَالَ: لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ على كَثِيبٍ رَمْلٍ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ: لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ حتى أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ امرأته: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَاماً يَجِدُهُ حَاضِراً، إِذَا انتبه، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ: وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ. وقال «2» الربيعُ وغيره في هذا القصص: إِن النُّمروذَ لَمَّا قال: أنَا أُحْيِي وأُمِيتُ، أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ «3» . والروايةُ الأخرى: ذكر السُّدِّيُّ أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له: مَنْ ربُّكَ؟ قَالَ: ربِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ «4» . يقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامت عليه الحجّة.

_ - وخرب «بيت المقدس» ، وعاد إلى «بابل» ، وأقام في سلطانه إلى ما شاء الله. ينظر: «الكامل» لابن الأثير (1/ 261، 266) . وانظر أقوال المفسرين: في «تفسير الثوري» (ص 71) ، و «الدر» (1/ 331- 333) عن علي، وابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وسليمان بن بريدة، والضحاك، والسدي، وعبد الله بن سلام، وكعب، والحسن، ووهب. والطبري (5/ 439) عنهم، و «كنز العمال» (2/ 264) ، وابن كثير (1/ 314) عن علي وغيره، و «فتح القدير» (1/ 279) . (1) الميرة: الطعام يمتاره الإنسان، قال ابن سيده: الميرة جلب الطعام، وفي التهذيب: جلب الطعام للبيع. ينظر: «لسان العرب» (4306) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 27) برقم (5876) وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 345) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 28) برقم (5878) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 346) . [.....] (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 28) برقم (5879) وذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 313) .

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: إخبار لمحمّد صلّى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى: لا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان. قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ... الآية: عطفت «أوْ» في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ. 66 أقال ابن عبَّاس وغيره: الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال «1» / وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره: هو أَرْمِيَا «2» ، قال ابن إِسحاق: أَرْمِيَا هو الخَضِرُ «3» ، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه. واختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ؟ فقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم: قريةُ الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ «4» ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة: هي بَيْت المَقْدِسِ «5» ، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ: سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ: يقول: هي ساقطةٌ على سَقْفِها، أي: سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها «6» ، وقال غيره: معناه: خاوية من الناس، وخاوية: معناه: خاليةٌ يقال: خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال: خويت، قال الطبريُّ «7» : والأول أفصح، قال ص:

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 30) برقم (5891) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 347) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 314) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 587) ، وعزاه لابن جرير، وابن عساكر. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 30) برقم (5893) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 347) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 331) ، وابن كثير (1/ 314) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 589) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 30) برقم (5891) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 331) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 347) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 314) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 32) برقم (5906) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 331) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 347) ، وقد ذكروا هذا الأثر عن ابن زيد. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 31) بأرقام (5900) ، (5901) ، (5903) ، بأسانيد مختلفة، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 243) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 347) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 589) . وعزاه لابن جرير. (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 33) برقم (5910) . وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 348) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 589) ، وعزاه لابن جرير. (7) ذكره الطبري (3/ 32) .

وَهِيَ خاوِيَةٌ في موضع الحالِ من فَاعِلِ «مرّ» أو من «قرية» وعَلى عُرُوشِها: قيل: على بابِهَا، والمعنى: خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ على عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور على هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل: يتعلَّق ب «خَاوِيَة» والمعنى: وقعتْ جُدُرَاتُهَا على سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ. انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحاً في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله. وقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر على مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتى، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ «1» عن بعضهم أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء قال ع «2» : والصواب ألاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ أزمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبراً، فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماته اللَّه تعالى، وكان معه حمارٌ قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة «3» من خَمْر، وقيل: من عصيرٍ، وقيل: قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتاً مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ. وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثَهُ: معناه: أحياه، فسأله اللَّه تعالى بوسَاطَةِ المَلَكِ، كَمْ لَبِثْتَ على جهة التقرير، فقال: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع: أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحداً، فقال: لَبِثْتُ يوماً، ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذباً، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فقيل له: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ «4» . وقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي: لم يتغيّر.

_ (1) ذكره الطبري (3/ 33) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 348) . (3) الرّكوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه. والجمع ركوات، وركاء. ينظر: «لسان العرب» (1722) . (4) أخرجه الطبري عن ابن جريج، قتادة، الربيع (3/ 38) بأرقام (5915) ، (5916) ، (5917) ، (5918) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 348) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 589) ، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة.

ت: قال البخاريُّ في «جامعه» : يَتَسَنَّهْ: يتغيَّر. وأمَّا قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، فقال وهْبُ بن منَبِّه وغيره: المعنى: انظر إِلى اتصال عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءاً جُزْءاً «1» ، ويروى أنه أحياه اللَّهُ كذلك حتى صار عظَاماً ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْماً، حتى كمل حماراً، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ. ورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضاً أنهما قالا: بل قيلَ لَهُ: وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا: وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة «2» ، وكثّر أهل القصص في 66 ب صورة هذه النَّازلة تَكْثيراً اختصرته، / لعدم صحته. وقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، قال ع «3» : وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ- أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر. ت: قال ابن هِشَامٍ: لا يصحُّ انتصاب «مِائَة» ب «أَمَاتَهُ» لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن «أَمَاتَهُ» معنى «أَلْبَثَهُ» ، فكأنه قيلَ: فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف. انتهى من «المُغْنِي» . ومعنى «نُنْشِرُهَا» ، أي: نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره: «نُنْشِزُهَا» «4» ومعناه: نرفعها، أي: ارتفاعا قليلاً قليلاً فكأنه وَقَفَ على نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ: نُنْشِزُهَا: معناه: نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك: نَشَزَ نَابُ البعير.

_ (1) أخرجه الطبري بنحوه (3/ 42) برقم (5939) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 350) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 42) برقم (5939) بنحوه، عن وهب بن منبه، وبرقم (5939) عن الضحاك، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 350) . [.....] (3) ذكره ابن عطية (1/ 350) . (4) وحجتهم أن العظام إنما توصف بتأليفها وجمع بعضها إلى بعض إذ كانت العظام نفسها لا توصف بالحياة، لا يقال: قد حيّ العظم. وإنما يوصف بالإحياء صاحبها. وحجة أخرى، وهي قوله سبحانه: ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً دل على أنها قبل أن يكسوها اللحم غير أحياء، فلما قال: ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها اللحم. ينظر: «السبعة» (189) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 379) ، و «معاني القراءات» (1/ 222) ، و «إعراب القراءات» (1/ 96، 97) ، و «العنوان» (75) ، و «حجة القراءات» (144) ، و «شرح شعلة» (295) ، و «شرح الطيبة» (4/ 118) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 449) .

[سورة البقرة (2) : آية 260]

وقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ: المعنى: قال هو: أَعلَمُ أنَّ اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ، وهذا عنْدي لَيْسَ بإِقرار بما كان قَبْلُ يُنْكِرُهُ كما زعم الطبريُّ «1» ، بل هو قولٌ بَعَثَهُ الاعتبارُ كما يقول الإِنسان المؤمن، إِذا رأى شيئاً غريباً مِنْ قدرةِ اللَّهِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونحْو هذا. وأما قراءة حمزةَ والكسائي «2» : «قال اعلم» . موصولةَ الألفِ، ساكنةَ الميمِ، فتحتمل وجهيْن: أحدهما: قال المَلَكُ له: اعلم، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمشُ «3» : «قِيلَ اعلم» . والوجه الثاني: أنْ يُنَزِّلَ نفسه منزلةَ المُخَاطَبِ الأجنبيِّ المُنْفَصِلِ، أي: قال لنفسه: اعلم، وأمثلة هذا كثيرة. [سورة البقرة (2) : آية 260] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ... الآية: قال جمهور العلماء: إِن إبراهيم- عليه السلام- لم يكُنْ شَاكًّا في إِحياء اللَّه الموتى قطُّ، وإنما طلب المعايَنَة، وأما قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» «4» فمعناه: أنْ لو كانَ شَكَّ، لكنَّا نحْنُ أَحَقُّ به، ونحن لا نشكّ، فإبراهيم- عليه

_ (1) ذكره الطبري (3/ 47) . (2) ينظر: «السبعة» (189) ، و «الحجة» (2/ 383) ، و «حجة القراءات» (144) ، و «معاني القراءات» (1/ 223) ، و «شرح شعلة» (296) ، و «العنوان» (75) ، و «شرح الطيبة» (4/ 118) ، و «إتحاف» (1/ 449) . (3) قراءة ابن مسعود ذكرها ابن زنجلة في «حجة القراءات» (ص 144) وابن خالويه في «مختصر الشواذ» (ص 23) ، والزمخشري في «الكشاف» (1/ 308) ، وقراءتهما معا في «المحرر الوجيز» (1/ 351) ، و «البحر المحيط» (2/ 308) ، وقراءة الأعمش وحده في «الدر المصون» (1/ 628) . (4) أخرجه البخاري (6/ 473) ، كتاب «الأنبياء» ، باب قوله: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ، حديث (3372) ، و (6/ 481) باب قول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ، حديث (3387) ، و (8/ 49) ، كتاب «التفسير» ، باب: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ، حديث (4537) ، وباب تفسير سورة يوسف، حديث (4694) ، و (12/ 397) ، كتاب «التعبير» ، باب رؤيا أهل السجون، حديث (6992) ، ومسلم (1/ 133) ، كتاب «الإيمان» ، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، حديث (238/ 151) ، وابن ماجة (2/ 1335) ، كتاب «الفتن» ، باب الصبر على البلاء، حديث (4026) ، -

السلام- أحرى ألاَّ يشكَّ، فالحديث مبنيٌّ على نفْيِ الشكِّ عن إِبراهيم، والذي روي فيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» «1» إِنما هو في الخواطر الجاريَةِ الَّتي لا تثبتُ، وأما الشَّكُّ، فهو توقّف بيْن أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخرِ، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل صلّى الله عليه وسلم. وإِحياء الموتى إِنما يثبُتُ بالسمْع، وقد كان إِبراهيمُ أُعْلِمَ بذلك يدلُّك على ذلك قولُهُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: 258] ، والشكُّ يبعد على من ثبت قدمه في

_ - والطبري في تفسيره بأرقام (5973) ، (5973) ، (19399) ، (19400) ، وأحمد (2/ 326) ، وابن حبان (6208) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (1/ 134) ، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (507) ، وابن منده في «الإيمان» (369، 370، 371) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 123- بتحقيقنا) . كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعا. قال البغوي في «شرح السنة» (1/ 124) : حكي عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال: لم يشك النبي، ولا إبراهيم (صلوات الله عليهما) في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكّا أن يجيبهما إلى ما سألاه، ومما يؤيد هذا الذي ذكره المزني ما روي عن ابن عباس في قوله عز وجل: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قال: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك. قال أبو سليمان الخطّابي: ليس في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك أنا، ولم أرتب في قدرة الله (عز وجل) على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك ولا يرتاب، وقال ذلك على سبيل التواضع، والهضم من النفس، وفيه الإعلام أن المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة شك، لكن من قبل زيادة العلم فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، وقوله: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي: بيقين النظر. (1) أخرجه مسلم (1/ 119) : كتاب «الإيمان» ، باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها، حديث (211/ 133) ، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» ، كما في «تحفة الإشراف» (7/ 107) ، وأبو عوانة (1/ 79) ، وابن حبان (149- الإحسان) ، وابن منده في «الإيمان» (347) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (2/ 251) والبغوي في «شرح السنة» (1/ 120- بتحقيقنا) . وكلهم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الرجل يجد الشيء، لو خر من السماء فتخطفه الطير كان أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال: ذلك محض، أو صريح الإيمان. اهـ. وقال ابن حبان: إذا وجد المسلم في قلبه، أو خطر بباله من الأشياء التي لا يحل له النطق بها- من كيفية الباري جل وعلا، أو ما يشبه هذه، فرد ذلك على قلبه بالإيمان الصريح، وترك العزم على شيء منها- كان رده إياها من الإيمان، لا أن خطرات مثلها من الإيمان. وقال البغوي: قال أبو سليمان الخطابي: قوله صلّى الله عليه وسلم: «ذلك صريح الإيمان» معناه أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به، وليس معناه أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله، فكيف يكون إيمانا صريحا.

الإِيمان فقَطْ، فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة، والأنبياءُ معصومون من الكبائرِ، ومن الصغائرِ التي فيها رذيلةٌ إِجماعاً، وإِذا تأمَّلت سؤاله- عليه السلام- وسائِرَ ألفاظ الآيةِ، لم تعط شكًّا، وذلك أنَّ الاستفهام ب «كَيْفَ» ، إِنما هو عن حالِ شيء موجودٍ، ومتقرّر الوجودِ عند السائل والمسئول نحو قولكَ: كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ، وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ؟ ف «كَيْفَ» في هذه الآية إِنما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإِحياءُ متقرِّر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجودِ شيْء قد يعبَّر عن إِنكاره بالاستفهام عن حالةٍ لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصحّ، فنيلزم من ذلك أنَّ الشيْءَ في نفْسه لا يصحُّ مثال ذلك: أنْ يقولَ مدَّعٍ: أنا أرفَعُ هذا الجَبَلَ، فيقول المكذِّب: كَيْفَ ترفعه، فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومَعْنَاها: تسليمٌ جدليٌّ كأنه يقول: افرض أنَّك ترفعه، أَرِنِي كيف، فلمّا كان في عبارة الخليل صلّى الله عليه وسلم هذا الاشتراكُ المجازيُّ، خَلَّصَ اللَّه سبحانه ذلك/، وحمَلَهُ على أنْ يبيّن الحقيقةَ، فقال له: 67 ب أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى فكمل الأمر، وتخلَّص من كلِّ شك، ثم علَّل- عليه السلام- سؤاله بالطّمأنينة. ت: قال الداوديّ: وعن ابن جُبَيْر: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بالخُلَّة «1» ، قال مجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي: أزداد إِيماناً إِلى إِيماني «2» ، وعن قتادة: لأزداد يقيناً «3» . انتهى. قال ع «4» : وقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ معناه: إِيماناً مطلقاً دخل فيه فصْل إِحياء الموتى، والواو: واو حالٍ دخَلَتْ عليها ألِفُ التقريرِ، وقال ص: الهمزة في أَوَلَمْ تُؤْمِنْ للتقرير كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1] وكقوله [الوافر] : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا «5» ...

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 50) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 352) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 52) ، برقم (5984) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 334) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 353) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 52) برقم (5979) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 334) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 353) . (4) ذكره ابن عطية (1/ 353) . (5) صدر بيت لجري، وعجزه ............... ... ... وأندى العالمين بطون راح-

أي: قد شَرَحْنا لك صدرك، وأنتم خَيْر. وقولُ ابن عطيَّة «1» : «الواو للحالِ، دخَلَتْ عليها ألفُ التقرير» : متعقَّب، والظاهر أنَّ التقرير منسحبٌ على الجملة المنفيَّة فقطْ، وأن الواو للعطْف. انتهى. ولِيَطْمَئِنَّ: معناه: ليسكُنَ، فطمأنينةُ القَلْب هي أنْ تَسْكُنَ فِكَرُهُ في الشيء المعتَقَدِ، والفِكَرُ في صورة الإِحياء غيْرُ محظورةٍ كما لنا نحن اليوم أنْ نفكِّر فيها، بل هي فِكَرٌ، فيها عِبَرٌ، فأراد الخليلُ أن يعاين، فتذهب فِكَرُهُ في صُورة الإِحياء إِذ حرَّكه إِلى ذلك، إِما الدابَّةُ المأكولةُ في تأويل، وإِمَّا قولُ النُّمْرُوذِ: أنا أُحْيِي وأميتُ في تأويل آخر، ورُوِيَ أن الأربعة التي أَخَذَ إِبراهيم- عليه السلام- هي الدِّيكُ، وَالطَّاوُسُ، والحَمَامُ، وَالغُرَابُ، قاله مجاهد وغيره «2» ، وقال ابن عباس: مكان الغرابِ الكَرْكِيّ، فروي أنه أخذها- عليه السلام- حَسَب ما أمر، وذكَّاها، ثم قَطَعها قِطَعاً قِطَعاً صِغَاراً، وجمع ذلك مع الدم والرِّيش، ثم جعل من ذلك المجْمُوع المختلط جزْءاً على كلِّ جبل، ووقَفَ هو من حيثُ يرى تلك الأجزاء، وأمْسَك رُءُوس الطَّيْر في يده، ثم قال: تَعَالَيْنَ بإِذنِ اللَّه، فتطايَرَتْ تلك الأجزاءُ، وطار الدمُ إِلى الدمِ، والريشُ إِلى الريشِ حتى التأمت كما كانَتْ أولاً، وبقيتْ بلا رءوسٍ، ثم كرر النداء، فجاءته سعياً حتى وضعت أجسادها في رءوسها، وطارتْ بإِذن اللَّه تعالى. وقوله تعالى: فَصُرْهُنَّ، يقال: صُرْتُ الشَّيْءَ، أصُورُهُ، بمعنى: قطعته، ويقال أيضاً: صُرْتُ الشيْءَ، بمعنى: أَمَلْتُهُ، وقد تأوَّل المفسِّرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالَةِ، وقد قال ابن عَبَّاس وغيره في هذه الآية: «صرهنّ» : معناه: قطّعهنّ «3» ، وقال

_ - وهو من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان مطلعها: أتصحو بل فؤادك غير صاح ... عشيّة همّ صحبك بالرّواح وهو في ديوانه (ص 85، 89) ، و «الجنى الداني» (ص 32) و «شرح شواهد المغني» (1/ 42) و «لسان العرب» (7/ 101) (نقص) و «مغني اللبيب» (1/ 17) وبلا نسبة، في «الخصائص» (2/ 463، 3/ 269) ، و «رصف المباني» (ص 46) ، و «شرح المفصل» (8/ 123) ، و «المقتضب» (3/ 292) . واستشهد بمجىء همزة الاستفهام للإيجاب وتحقق الكلام. والمعنى: أنتم خير من ركب المطايا. [.....] (1) ذكره ابن عطية (1/ 353) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 53) برقم (5991) عن مجاهد، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 334) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 248) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 352) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 56) برقم (5996) عن ابن عباس، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 334) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 354) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 261 إلى 264]

قتادة: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهن «1» ، وقال عطاء بن أبي رَبَاح «2» : صُرْهُنَّ: اضممهن «3» ، وقال ابن زيد: معناه: اجمعهن «4» ، وعن ابن عباس أيضاً: أوْثِقْهُن «5» . وقرأ قومٌ: «فَصُرَّهُنَّ» بضم الصاد، وشدِّ الراء كأنه يقول: فشدّهنّ ومنه: صرّة الدّنانير. [سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 264] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة: اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ/ ما فيه مائة حبّة، وأما في 67 ب سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن بأن الحسنة بعَشْر أمثالها واقتضت الآية أنَّ نفقة

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 354) . (2) عطاء بن أبي رباح القرشي. مولاهم، أبو محمد الجندي، اليماني، نزيل «مكة» وأحد الفقهاء والأئمة. عن: عثمان، وعتاب بن أسيد مرسلا، وعن أسامة بن زيد، وعائشة. وعنه: أيوب، وحبيب بن أبي ثابت، وجعفر بن محمد، وجرير بن حازم. قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث. وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. مات سنة 136 هـ. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 230) . (3) ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 334) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 354) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 57) برقم (6012) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 335) عن أبي عبيدة، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 354) . (5) ذكره السيوطي في «تفسيره» (1/ 592) ، وعزاه إلى ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس.

الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، فقيل: هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء: بل هو إِعلام من اللَّه تعالى بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ. ت: وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبّاس، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال: «إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ... » الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ «1» . انتهى. وقال ابن عمر: لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ... [البقرة: 245] الآية، فَقَالَ: «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي» ، فَنَزَلَتْ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ... «2» [الزمر: 10] . وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه طنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعمة على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى: السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم: لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه «3» ، وقالَتْ له امرأةٌ: «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجل يخرج

_ (1) أخرجه البخاري (11/ 331) ، كتاب «الرقاق» ، باب من هم بحسنة أو سيئة، حديث (6491) ، ومسلم (131) ، كتاب «الإيمان» ، باب إذا هم العبد بحسنة، وأحمد (1/ 310) من حديث ابن عباس. (2) أخرجه ابن حبان (1648- موارد) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 313) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في «شعب الإيمان» . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 356) .

في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا فإِنهم إِنما يخرجُون ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً «1» ، فقالَ لَهَا: لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ» . وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ: الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ. ت: وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ» ، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف «2» ، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ/، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهل الجهاد، دعي من باب 68 أالجهاد، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» «3» ، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» «4» : في هذا الحديثِ من الفقْه: [والفضائل] الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي: شيئين من نوعٍ واحدٍ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه: أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه ألا ترى إِلى قوله: «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ» ، يريد: من أكثر

_ (1) الجعبة: كنانة النّشّاب. ينظر: «لسان العرب» (630) . (2) حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزّهري المدني. عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وخاله عثمان، وطائفة. وعنه ابنه عبد الرحمن، وابن أخيه سعد، والزّهري. وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين. ينظر: «الخلاصة» (1/ 259) . (3) أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 469) ، كتاب «الجهاد» ، باب ما جاء في الخيل والمسابقة بينها، حديث (49) . ومن طريق مالك أخرجه البخاري (4/ 133) كتاب «الصيام» ، باب الريان للصائمين، حديث (1897) ، والترمذي (5/ 614) كتاب «المناقب» ، باب في مناقب أبي بكر وعمر، حديث (3674) ، والنسائي (4/ 168- 169) كتاب «الصوم» ، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم، وفي (6/ 47- 48) كتاب «الجهاد» ، باب فضل النفقة في سبيل الله تعالى. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه البخاري (3666) ، ومسلم (2/ 712) كتاب «الزكاة» ، باب من جمع الصدقة وأعمال البر، حديث (85/ 1027) ، والنسائي (5/ 9) كتاب «الزكاة» ، باب وجوب الزكاة. والبيهقي (9/ 171) من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به. [.....] (4) ينظر: «التمهيد» (7/ 184) .

منها، فنُسِبَ إِلَيْها لأن الجميع من أهل الصلاة وكذلك: مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ: فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب: إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه: أنّ للجنّة أبواب، يعني: متعدِّدة بحَسَب الأعمال. انتهى. وروى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ» «1» . هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري» . انتهى. قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً: هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة: السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ: مِمَّنِ الرجُل؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ» . وقال النَّقَّاشُ يقال: معناه: ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم. ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ. وحدَّث [ابن] الجَوْزِيِّ «2» في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النّعمان «3»

_ (1) أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» (2/ 578) من حديث أبي هريرة. (2) عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، القرشي، البغدادي، أبو الفرج، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده في 508 هـ، له ثلاثمائة مصنف، منها: «روح الأرواح» ، «الأذكياء وأخبارهم» ، «الناسخ والمنسوخ» ، «تلبيس إبليس» ، «صيد الخاطر» ، «غريب الحديث» ، وغيرها كثير جدا. توفي في 597 هـ. ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 279) ، «البداية والنهاية» (13/ 28) ، «مفتاح السعادة» (1/ 207) ، «ابن الوردي» (2/ 118) ، «آداب اللغة» (3/ 91) ، «دائرة المعارف الإسلامية» (1/ 125) ، «الأعلام» (3/ 317) ، «البداية والنهاية» (13/ 28- 30) ، و «العبر» (4/ 297- 298) ، و «هدية العارفين» (1/ 520- 523) . (3) حارثة بن النعمان بن نفع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النّجار الأنصاريّ. ذكره موسى بن عقبة وابن سعد فيمن شهد بدرا، وقد ذكره ابن إسحاق إلا أنه سمى جدّه رافعا. وقال ابن سعد: يكنى أبا عبد الله. وكان برّا بأمه، وهو عند أحمد من طريق معمر عن الزهري، عن عروة أو غيره ولفظه: كان أبرّ الناس بأمه. ينظر: «الإصابة» (1/ 707) .

الصحابيِّ- رضي اللَّه عنه- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ: نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ» انتهى «1» . وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ... الآية. العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية: إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل: بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال ع «2» : وهذا حسنٌ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية. ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه/، والرِّيَاءُ: مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية: كأنّ الرياءَ تظاهر، وتفاخر بين من لا 68 ب خير فيه من الناس. قال المَهْدَوِيُّ: والتقدير: كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً. وقوله تعالى: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق إِذْ كلٌّ منهما ينفق ليقال: جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ: الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ: الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة: الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه. وقوله تعالى: لاَّ يَقْدِرُونَ يريد: الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع

_ (1) أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 2/ 52) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 357) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 265 إلى 266]

بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم. وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل: لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكفر. [سورة البقرة (2) : الآيات 265 الى 266] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ... الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ على وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام: ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله كأنه قال: كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ- وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ- وتَثْبِيتاً: مصدر، ومَرْضَاة: مصدر من: رَضِيَ. قال ص: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً كلاهما مفعولٌ من أجله، وقاله مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة «1» بأن ابتغاء: لا يكون مفعولاً من أجله، لعطف: «وَتَثْبِتاً» عليه، ولا يصحُّ في «تثبيت» أنْ يكون مفعولاً من أجله لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت وأجيب: بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي: وتحصيلاً لأنفسهم الثوابَ على تلك النفقة فيصحّ أنْ يكون مفعولاً من أجله، ثم قال أبو حَيَّان «2» ، بعد كلام: والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالى بهذا العمل. انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 358) . (2) ذكره أبو حيان (2/ 323) .

قال قتادة وغيره: وَتَثْبِيتاً: معناه: وتيقُّناً، أي «1» : أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتاً، وقال مجاهد والحَسَن: معنى قوله: وَتَثْبِيتاً، أي: أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ «2» . قال الحَسَن: كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك «3» . والقولُ الأول أصوبُ لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ إِنما عبارته: «وتَثْبِيتاً» ، فإِنَّ قال محتجٌّ: إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ على غير الصَّدْر كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: 8] وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: 17] فالجوابُ: أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر الصدرِ، والإِفصاحِ/ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمّا 69 أإذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ يأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله على فعْلِ كذا وكذا لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ. والرَّبْوَةُ: ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيراً معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ. ولفظ الرَّبْوَة: مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد، وآتَتْ: معناه أعطت، والأُكُل بضم الهمزة: الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له: أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة اختصاص كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، وضِعْفَيْن: معناه اثنين مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها. ثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ: المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره «4» ، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ كتربية الفلوّ «5»

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 69) برقم (6065) عن قتادة. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 358) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 70) برقم (6069) ، (6070) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 340) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 359) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 319) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 359) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 360) . (5) الفلوّ والفلوّ والفلو: الجحش والمهر إذا فطم. ينظر: «لسان العرب» (3469) .

والفصيلِ «1» حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعد ووعيد. وقوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ... الاية: حكى الطبريُّ «2» عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ ... [البقرة: 264] الآية: ثم قال: ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلاً فقال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ... الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ «3» ، وقال ابنُ عَبَّاس: هذا مثَلٌ ضربه اللَّه كأنه قال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، رضي اللَّه عنه «4» ، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ «5» عن عمر نحوه «6» . ع «7» : فهذا نظرٌ يحمل الآية على كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ وغيره «8» ، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال: قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إلى عمله، إِذا انقطعت الدنْيَا عنه. انتهى، وهو حسن جدّا.

_ (1) الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والجمع فصلان، وفصال. ينظر: «لسان العرب» (3423) . [.....] (2) أخرجه الطبري (3/ 77) برقم (6102) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 77) برقم (6102) . (4) أخرجه البخاري (4538) ، وأخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 75) برقم (6093) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 253) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 360) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 602) ، وعزاه لابن المبارك في «الزهد» ، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس. (5) عبد الله بن عبيد الله بن زهير، وهو أبو مليكة بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، التيمي، أبو بكر المكي. عن عائشة، وأم سلمة، وأسماء، وابن عباس. وأدرك ثلاثين من الصحابة (رضي الله عنهم) . وعنه ابنه يحيى، وعطاء، وعمرو بن دينار. وثقه أبو حاتم وأبو زرعة. قال البخاري: مات سنة سبع عشرة ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 76) ، و «تهذيب التهذيب» (5/ 306) ، «تقريب التهذيب» (1/ 431) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 707) ، «الكاشف» (2/ 106) ، «طبقات ابن سعد» (473) . (6) ينظر الأثر السابق، و «المحرر الوجيز» (1/ 360) . (7) ذكره ابن عطية (1/ 360) . (8) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 75) برقم (6092) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 603) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد.

[سورة البقرة (2) : الآيات 267 إلى 269]

وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في «مختصره» لتفسير الطبريِّ: وعن قتادة: هذا مثلٌ «1» ، فاعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم احترقت جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول: أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه. وعن الحَسَنِ نحوه. انتهى. وخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما على سائر الشَّجَر، والواو في قوله: وَأَصابَهُ واو الحالِ وكذلك في قوله: وَلَهُ، وضعفاءُ: جمعُ ضعيفٍ، والأعصار: الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلّ ذلك من فيح جهنّم. ولَعَلَّكُمْ: تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي: إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلاً له، وقال ابنُ عَبَّاس: تتفكَّرونَ في زوالِ الدنْيَا، وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها «2» [سورة البقرة (2) : الآيات 267 الى 269] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ ... الآية: هذا خطاب لجميع أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم/ وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المراد بهذا 69 ب الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ، أو التطوُّع، والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا: معنى مِنْ طَيِّباتِ: من جَيِّد ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد: معناه: من حلالِ ما كسبتمْ «3» ، قال: وقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، أي: الحرام «4» . ع «5» : وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نفسه.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 77) برقم (6098) ، وذكره السيوطي في «تفسيره» (1/ 604) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 80) برقم (6118) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 361) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 361) . (4) ينظر السابق. (5) ذكره ابن عطية (1/ 361) .

وكَسَبْتُمْ: معناه: كانت لكُمْ فيه سعاية، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: النباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضارع ذلك، وتَيَمَّمُوا: معناه: تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم: القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ: قال فريقٌ من الناس: إِن الكلام تَمَّ في قوله: الْخَبِيثَ، ثم ابتدأ خَبَراً آخر، فقال: تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم، أي: ساهَلْتُم، قال ع «1» : كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للنَّفْسِ وتقريعٌ وعلى هذا، فالضميرُ في مِنْهُ عائدٌ على الْخَبِيثَ. قال الجُرْجَانِيُّ: وقال فريقٌ آخر: بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله: فِيهِ وعلى هذا، فالضمير في «مِنْهُ» عائدٌ على: «مَا كَسَبْتُمْ» كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنى في الآية: فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، واعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ. ت: وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، وحَمِيدٌ: معناه محمودٌ. وقوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ... الآية: هذه الآيةُ وما بعدها- وإِن لم تكُنْ أمراً بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة- بيَّن- عزَّ وجلَّ- فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنى عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء وكذلك إِلى آخر المعنى. والوعد في كلامِ العربِ، إِذا أطلق، فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ: كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً «2» مِن ابن آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخرى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ قرأَ صلّى الله عليه وسلم: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ... الآية. قُلْتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 362) . (2) اللّمّة: الهمة والخطرة تقع في القلب. ينظر: «لسان العرب» (4079) . [.....]

فيه: حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ «1» . والمغفرةُ: هي السَّتْر على عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي، أنَّ في التوراة: «عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ على كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ» وفي القُرآن مصداقه، وهو: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ/ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 39] . 70 أت: روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ «2» ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حتى يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ» «3» . انتهى. وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنه- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» أخرجه أبو داود «4» ، مِنْ حديثِ أبي خالد، هو الدّالاني «5» ، عن نبيح «6» ،

_ (1) أخرجه الترمذي (5/ 219- 220) ، كتاب «التفسير» باب سورة البقرة، حديث (2988) ، وأبو يعلى (8/ 417) رقم (4999) ، وابن حبان (40- موارد) ، والطبري (3/ 88) كلهم من طريق عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (2) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم، ولد ب «عكا» سنة 260 هـ. من كبار المحدثين، أصله من «طبرية» الشام، وإليها نسبته، رحل إلى الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، وفارس، والجزيرة، وتوفي سنة 360 هـ ب «أصبهان» . له ثلاثة معاجم في الحديث، منها «المعجم الصغير» وله كتب في «التفسير» ، و «الأوائل» ، و «دلائل النبوة» وغير ذلك. ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 215) ، و «النجوم الزاهرة» (4/ 59) ، و «تهذيب ابن عساكر» (6/ 240) ، و «الأعلام» (3/ 121) . (3) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 133) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» بنحوه إلا أنه قال: من أطعم أخاه خبزا، وفيه رجاء بن أبي عطاء، وهو ضعيف. (4) أخرجه أبو داود (1/ 526) كتاب «الزكاة» ، باب في فضل سقي الماء، حديث (1682) من طريق أبي خالد الدالاني عن نبيح عن أبي سعيد مرفوعا. (5) أبو خالد الدّالاني الكوفي، اسمه يزيد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرّة، والمنهال بن عمرو، وعنه الثوري، وشعبة، وثقه أبو حاتم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: في حديثه لين مات سنة مائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 214) . (6) نبيح بن عبد الله، العنزي الكوفي، عن جابر، وابن عباس، وابن عمر، وعنه الأسود بن قيس وجماعة، وثقه أبو زرعة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 104) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 270 إلى 271]

وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة «1» عن نُبَيْح، فقال: هو كوفيٌّ ثقة. انتهى من «الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ» لابن دقيق العيد «2» . وواسِعٌ: لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ: أَيْ: يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه- عليه السلام- حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى: قال المحقِّقون: العلماءُ ثلاثةٌ: علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامِّ. انتهى. وباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغفلة- والْأَلْبابِ: العقول، واحدها لبّ. [سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

_ (1) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، المخزومي، مولاهم، أبو زرعة الرازي الحافظ، أحد الأعلام والأئمة. عن: أبي نعيم، وقبيصة، وخلائق، وعنه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. قال أحمد: ما جاوز الجسر أحفظ من أبي زرعة، قال إسحاق: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة فليس له أصل. وقال صالح بن محمد عنه: إنه قال: أحفظ عشرة آلاف حديث من القرآن. مات سنة أربع وستين ومائتين. ينظر: «تهذيب الكمال» (2/ 881) ، و «تهذيب التهذيب» (7/ 30) ، وو «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 195) ، و «الكاشف» (2/ 230) ، و «الجرح والتعديل» (1/ 328) ، و «سير الأعلام» (13/ 165) . (2) محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، تقي الدين ابن دقيق العيد، ولد سنة 625 هـ، تفقه على والده، ثم على ابن عبد السلام، وسمع الحديث من جماعة، قال ابن عبد السلام: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن منير بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص. قال السبكي: ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا.. صنف «الإلمام» في الحديث، وله «شرح العمدة» أملاه إملاء، وله «الاقتراح في اختصار علوم ابن الصلاح» وهو مطبوع. مات سنة 702. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (2/ 229) ، و «طبقات الأسنوي» (ص 336) ، و «طبقات السبكي» (6/ 2) .

وقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ... الآية: يقال: نَذَرَ الرَّجُلُ كَذَا، إِذا التزم فعله. وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ. قال مجاهدٌ: معناه: يُحْصِيه، وفي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ، أي: مَنْ كان خالص النيَّة، فهو مثابٌ، ومن أنْفَقَ رياءً أو لمعنًى آخَرَ ممَّا يكْشفه المَنُّ والأذى، ونحو ذلك، فهو ظالمٌ يذهب فعْلُه باطلاً، ولا يجد ناصراً فيه. وقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ... الآية: ذهب جمهورُ المفسِّرين إِلى أنَّ هذه الآيةَ في صدَقَةِ التطوُّع، قال ابن عبَّاس: جعل اللَّه صدَقَةَ السِّرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها، يقال: بسبعين ضِعْفاً، وجعل صدَقَةَ الفريضَةِ علانيتَهَا أفْضَلَ من سرِّها، يقال: بخَمْسَةٍ وعشْرين ضِعْفاً، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياء كلِّها «1» . ع «2» : ويقوِّي ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي المَسْجِدِ إِلاَّ المَكْتُوبَة» «3» ، وذلك أن الفرائضَ لا يدْخُلُها رياءٌ، والنوافل عُرْضَةٌ لذلك، قال الطبريُّ «4» : أجمعَ النَّاس على أن إِظهار الواجِبِ أفضلُ. وقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ: ثناءٌ على إِبداء الصدقةِ، ثم حكم أنَّ الإِخفاء خيْرٌ من ذلك الإِبداءِ، والتقديرُ: نِعْمَ شيءٌ إِبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح/ وخرّج أبو 71 أداود في «سننه» ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «انطلق بِرَجُلٍ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ الوَاحِدُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ لأنَّ صاحب القرضِ لا يأتيك إِلاَّ وهو محتاجٌ، والصدقةُ ربما وُضِعَتْ في غنيٍّ، وخرَّجه ابن ماجة في «سننه» ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن عبد الكريمِ، حدَّثنا هشام بْنُ خالدٍ «5» ، حدَّثنا خالدُ بن يَزِيدَ بْنِ أبي مالكٍ «6» ، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قَالَ رسول

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 93) برقم (6195) ، وذكره الماوردي في «النكت» (1/ 345) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 365) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 323) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 365) . (3) تقدم تخريجه. (4) ذكره الطبري (3/ 93) . (5) هشام بن خالد الأزرق، أبو مروان الدمشقي. عن الوليد بن مسلم وجماعة. وعنه أبو داود وابن ماجه. قال أبو حاتم: صدوق. قال عمرو بن دحيم: مات سنة تسع وأربعين ومائتين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 113) . (6) خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، الهمداني، أبو هاشم الدمشقي، عن أبيه وأبي روق، وعنه-[.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 272 إلى 273]

الله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ» «1» . انتهى من «التذكرة» . وقرأ ابن كثير وغيره: «ونُكَفِّرُ» بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: «وَيُكَفِّرُ» ، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «وَنُكَفِّرْ» ، بالنون، والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو على وجهين: أحدهما: أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره: ونحن نكفِّر، أو: واللَّه يكفر. والثَّاني: القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطاً إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنى، و «مِنْ» في قوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ كما زعم قومٌ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وعدٌ ووعيد. [سورة البقرة (2) : الآيات 272 الى 273] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ... الآية: وَرَدَتْ آثار أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ «2» أن مَقْصِدَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم بمنع

_ - أحمد بن أبي الحواري، وهاه ابن معين، وقال ابن حبان: صدوق، في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، ووثقه أحمد بن صالح، وأبو زرعة الدمشقي، مات سنة خمس وثمانين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 286) . (1) أخرجه ابن ماجه (2/ 812) : كتاب «الصدقات» ، باب القرض، حديث (2431) . قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 252) : هذا إسناد ضعيف خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن مالك، أبو هشام الهمداني الدمشقي، ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائي، وأبو زرعة، وابن الجارود، والساجي، والعقيلي، والدارقطني وغيرهم. ووثقه أحمد بن صالح المصري، وأبو زرعة الدمشقي. وقال ابن حبان: هو من فقهاء الشام، كان صدوقا في الرواية ولكنه كان يخطىء كثيرا. وأبوه فقيه «دمشق» ومفتيهم. (2) ذكره الطبري (3/ 94- 95) .

الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا، ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، قال ع «1» : وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزىء دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ «2» : إِجماعاً فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ: إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ «3» ، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة حتى يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إلى مرتكبيها لدخولِهِمْ في اسم المسلمين. انتهى من «الإِحكام» ، ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نبيّنا صلّى الله عليه وسلم هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاء فهو عليه صلّى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية. ثم أخبرَ سُبْحَانه أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالى أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ. وفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالى للصحابةِ أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، أي: في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، والخير هنا: المالُ/ بقرينة الإِنفاق، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى 71 أالمال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزاً من قول عِكْرِمَةَ: كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ «4» . وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: التقديرُ: الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره: المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ فقراءُ المهاجرين من قريش وغيرهم «5» .

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 367) . (2) محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة أحد الأئمة الأعلام، وممن يقتدى بنقله في الحلال والحرام، صنف كتبا معتبرة عند أئمة الإسلام، منها «الإشراف في معرفة الخلاف» ، و «الأوسط» وهو أصل الإشراف، والإجماع والإقناع والتفسير وغير ذلك وكان مجتهدا لا يقلد أحدا. ينظر: «طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة» (1/ 98) ، «طبقات الشافعية للسبكي» (2/ 126) ، «وفيات الأعيان» (3/ 344) ، «شذرات الذهب» (2/ 280) . (3) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 238) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 368) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 96، 6210) بنحوه، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 368) وابن كثير في «تفسيره» (1/ 324) .

ع «1» : ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والمعنى: حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريّ «2» في هذه الآية أنهم هم حاسبوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به. ع «3» : كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض: هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا- رضي اللَّه عنهم- من الانقباض، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ. ت: واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: «بينما نحن في سفر، مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حقّ لأحد منّا في فضل «4» انتهى. والتَّعَفُّفِ: تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من: عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسره قتادةُ وغيره. ت: مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النّفس» «5» وقد صحّ

_ (1) ينظر: «المحرر» (1/ 368) . (2) ينظر: «الطبري» (3/ 97) . (3) ينظر: «المحرر» (1/ 368) . (4) أخرجه مسلم (3/ 1354) كتاب «اللقطة» ، باب استحباب المواساة بفضول المال، حديث (1728) ، وأبو داود (1/ 522) كتاب «الزكاة» ، باب في حقوق المال، حديث (1663) ، وأحمد (3/ 34) ، وأبو يعلى (2/ 326) رقم (1064) كلهم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري به. (5) أخرجه البخاري (11/ 276) ، كتاب «الرقاق» ، باب الغنى غنى النفس، حديث (6446) ، ومسلم (2/ 726) كتاب «الزكاة» ، باب ليس الغنى عن كثرة العرض، حديث (120/ 1051) ، والترمذي (4/ 506- 507) كتاب «الزهد» ، باب ما جاء أن الغنى غنى النفس، حديث (2373) ، وابن ماجه (2/ 13486) : -

عنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً» أخرجه مسلم، وغيره «1» ، وعنْدِي أن المراد بالآل هنا متّبعوه صلّى الله عليه وسلم. وفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً» «2» ، وروى مسلم والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلم: «يا ابن آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ من اليد السّفلى» «3» ، قال أبو عيسى،

_ - كتاب «الزهد» ، باب القناعة، حديث (4137) ، وأحمد (2/ 243) ، 390) ، وأبو يعلى (11/ 133) رقم (6259) ، وابن حبان (679) ، والبغوي «شرح السنة» (7: 289- بتحقيقنا) كلهم من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حسن صحيح. وللحديث شاهد من حديث أنس: أخرجه أبو يعلى (5/ 404) رقم (3079) من طريق الخليل بن عمر العبدي، حدثني أبي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» . وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 240) : رواه الطبراني في «الأوسط» ، ورجال الطبراني رجال الصحيح. [.....] (1) أخرجه البخاري (11/ 287) كتاب «الرقاق» ، باب كيف كان عيش النبي صلّى الله عليه وسلم، حديث (6460) ، ومسلم (2/ 730) ، كتاب «الزكاة» ، باب في الكفاف والقناعة (126/ 1055) من حديث أبي هريرة مرفوعا. (2) أخرجه ابن ماجة (2/ 1387) كتاب «الزهد» ، باب القناعة، حديث (4140) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (10/ 69) كلاهما من طريق أبي داود نفيع عن أنس بن مالك مرفوعا. ونفيع متروك وكذبه ابن معين، وقد تقدمت ترجمته. (3) أخرجه مسلم (97/ 1036) ، والترمذي (4/ 495) في الزهد، باب (32) برقم (2343) ، وأحمد (5/ 262) ، والبيهقي (4/ 182) عنه مرفوعا: «يا آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن حكيم بن حزام، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عمر. فأما حديث حكيم فرواه البخاري (3/ 345) في الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى (1427) ، ومسلم (2/ 717) في الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد (95/ 1034) ، والنسائي (5/ 69) في الزكاة، باب أي الصدقة أفضل؟ وأحمد (3/ 402- 434) ، والدارمي (2/ 310) . والطبراني في «الكبير» (3/ 212) (3082- 3083- 3091- 3093- 3120) . والبيهقي (4/ 180) ، والقضاعي في مسند الشهاب (1228- 1229) بلفظ «أفضل الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري في المصدر السابق (1426، 1428) و (9/ 410) في النفقات، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال (5355، 5356) والنسائي (5/ 69) ، وأبو داود (1/ 525) في الزكاة، باب الرجل يخرج من ماله (1676) ، والنسائي (5/ 69) ، وأحمد (2/ 288، 394) ، (2/-

واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقوله سبحانه: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ: السِّيَما مقصورة: العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشُّع والتواضُع «1» ، وقال الربيعُ، والسُّدِّيُّ: هي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة «2» ، وقال ابن زَيْد: هي رِثَّة الثياب «3» ، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ: هي أثر السجود «4» ، قال ع «5» : وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً، والإِلحافُ، والإلحاح بمعنى، قال ع «6» : والآية تحتمل 72 أمعنيين/. أحدهما: نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ أنهم لا يسألون البَتَّة. والثاني: نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال. ت: وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله. ت: وينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسير، فهو أسير. انتهى، وذكر

_ - 402، 434، 476، 480، 524، 527) والحميدي (1058) ، وابن خزيمة (4/ 96، 97) برقم (2436، 2439) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (634، 1232) وابن حبان (3352) ، والدارقطني (3/ 297) ، وابن الجارود في «المنتقى» (751) بلفظ: «أفضل الصدقة ما تصدق به عن ظهر تعول ... » . وأما حديث جابر فرواه أحمد (3/ 330) ، وابن حبان (826) مرفوعا عنه: «أفضل الصدقة عن ظهر غنى ... وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليد السفلى» . وأما حديث ابن عمر فرواه أحمد (2/ 93- 94) عنه مرفوعا «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة. فمن شاء فليستبق على وجهه، وأهون المسألة مسألة ذي الرحم تسأله في حاجته. وخير المسألة مسألة عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول» . (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 98) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 346) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 369) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 99) برقم (6223) ، (6224) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 346) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 369) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 98) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 369) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 368) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 369) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 369) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 274 إلى 277]

عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ «1» في «الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء» ، قال: وتكلَّم علي بن أبي طالب- رضي اللَّه عنه- بتسْعِ كلماتٍ، ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب أمَّا المناجاة، فقال: كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحكمة، فقال: قيمة كلّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ: استغن عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ. انتهى. ولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ» ، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة» : كلُّ ما دلَّ على معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتاً، وأشار إليه، ولو كان ساكتاً، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر. انتهى. قال ع «2» : وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً، وقال: ص: وقوله تعالى: لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ، فالمعنى على هذا: ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر. انتهى. وقوله تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: وعدٌ محضٌ، أي: يعلمه، ويحصيه ليجازي عليه، ويثيب. [سورة البقرة (2) : الآيات 274 الى 277] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277)

_ (1) عبد الملك بن قاسم بن الكردبوس التوزري، أبو مروان: مؤرخ، نسبته إلى «توزر» ب «تونس» صنف «الاكتفاء في أخبار الخلفاء» . ينظر: «الأعلام» (4/ 161) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 369) .

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ... الآية: قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآيةُ في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ- رضي اللَّه عنه- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً «1» ، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال ع «2» : والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ- رضي اللَّه عنه- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة. وقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ... الآية: الرِّبا: هو الزيادةُ، مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم: «أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي» ، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: لاَ يَقُومُونَ، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إلّا 72 ب كما/ يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ «3» ، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عقوبةً له وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ» . وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه عند جميع المتأولين: في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ:

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 371) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 642) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به، وذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 347) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 260) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 371) . [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 102) برقم (6238) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 348) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 372) بنحوه.

فَلَهُ مَا سَلَفَ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ «1» : وحرم اللَّه الربَا ليتقارض النَّاسُ. وقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ، أي: من الربا لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أربعُ تأويلات: أحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك. والثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها. والثالث: أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية. والرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر. وقوله تعالى: وَمَنْ عادَ، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة. وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، يَمْحَقُ: معناه: ينقص، ويذهب ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ «2» ، وهو انتقاصه، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم «إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى،

_ (1) جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، الإمام الصادق المدني، أحد الأعلام، عن أبيه وجده أبي أمه، القاسم بن محمد، وعروة، وعنه خلق لا يحصون منهم ابنه موسى، وشعبة، والسّفيانان، ومالك، قال الشافعي وابن معين، وأبو حاتم: ثقة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن ثمان وستين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 168- 169) . (2) المحاق والمحاق: آخر الشهر إذا امّحق الهلال فلم ير. ينظر: «لسان العرب» (4147) .

فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ» «1» . قال ع «2» : وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ «3» أنَّ أبا الخير «4» حدثه أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» أوْ قَالَ: «حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ» ، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلماً «5» . انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد.

_ (1) أخرجه البخاري (13/ 426) ، كتاب «التوحيد» ، باب قول الله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، حديث (7430) ، ومسلم (2/ 702) كتاب «الزكاة» ، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، حديث (63، 64/ 1014) من حديث أبي هريرة. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 373) . (3) يزيد بن أبي حبيب مولى شريك بن الطّفيل الأزدي، أبو رجاء المصري، عالمها. عن عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي الخير اليزني، وعطاء، وطائفة. وعنه يزيد بن أبي أنيسة. قال ابن سعد: ثقة يتشيع، مات سنة ثمان وسبعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 167) ، «التهذيب» (11/ 318) . (4) مرثد بن عبد الله الحميري، اليزني، أبو الخير المصري الفقيه، عن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر وطائفة. وعنه يزيد بن أبي حبيب، وجعفر بن ربيعة، وطائفة، قال سعيد بن عفير: مات سنة تسعين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 17) . (5) أخرجه أحمد (4/ 147- 148) ، وأبو يعلى (3/ 300- 301) رقم (1766) ، وابن خزيمة (4/ 94) رقم (2431) ، وابن حبان (817- موارد) ، والحاكم (1/ 416) ، والبيهقي (4/ 177) كتاب «الزكاة» ، باب التحريض على الصدقة وإن قلت، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 181) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 402- بتحقيقنا) كلهم من طريق ابن المبارك، وهو في «الزهد» له (ص 227) رقم (645) عن حرملة بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس» . وكان أبو الخير لا يأتي عليه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة، ولو بصلة. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الهيثمي في «المجمع» (3/ 113) : رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني. ورجال أحمد ثقات. وصححه السيوطي في «الجامع الصغير» (6282) . وقال المناوي في «الفيض» (5/ 13) : وقال- أي الذهبي- في «المهذب» : إسناده قوي.

قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر. انتهى. قال أبو عمر في «التمهيد» : وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ «1» . انتهى. وروى أبو داود في «سننه» ، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ «2» ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ «3» مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لأمّ سعد» «4» .

_ (1) قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (1/ 225) : أخرجه ابن المبارك في «الزهد» عن ابن شهاب مرسلا بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب فيمن روى عن مالك من حديث ابن عمر، وضعفه. (2) هو: سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة، أبو ثابت، صحابي مشهور، وهو نقيب بني ساعدة، ذكره الواقدي والمدائني، وابن الكلبي فيمن شهد بدرا، وكان سيدا جوادا. وله ولأهله في الجود أخبار حسنة. وكان صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. وكان غيورا شديد الغيرة، وإياه أراد رسول الله بقوله: «إن سعدا لغيور، وإني لأغير من سعد، والله أغير منا، وغيرة الله أن تؤتى محارمه ... » الحديث. روى أبو داود من حديث قيس بن سعد قال: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة» توفي ب «الشام» سنة (11) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 356) ، «الإصابة» (3/ 80) ، «الثقات» (3/ 148) ، «الاستيعاب» (2/ 594) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 79) ، «بقي بن مخلد» (121) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 270) ، «البداية والنهاية» (3/ 389) ، «تقريب التهذيب» (1/ 288) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 475) ، «تهذيب الكمال» (1/ 471) ، «الاستبصار» (7/ 25، 93) ، «التحفة اللطيفة» (130) ، «صفة الصفوة» (1/ 503) ، «الجرح والتعديل» (4/ 382) ، «شذرات الذهب» (1/ 28) ، «أصحاب بدر» (236) ، «التاريخ الكبير» (1/ 25) ، «الوافي بالوفيات» (15/ 203) ، «تاريخ الإسلام» (3/ 90) . (3) عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجاد، والدة سعد بن عبادة. ماتت في حياة النبي صلّى الله عليه وسلم سنة خمس. قال ابن سعد: ماتت والنبي صلّى الله عليه وسلم في غزوة «دومة الجندل» في شهر ربيع الأول، فلمّا جاء النبيّ صلّى الله عليه وسلم المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها. ينظر: «الإصابة» (8/ 246) . (4) أخرجه أبو داود (1/ 526) ، كتاب «الزكاة» ، باب في فضل سقي الماء، حديث (1681) من طريق أبي إسحاق عن رجل عن سعد بن عبادة به. وأخرجه أحمد (5/ 284) ، والنسائي (6/ 255) ، كتاب «الوصايا» ، باب ذكر الاختلاف على سفيان، حديث (3666) من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن عن سعد بن عبادة به نحوه. وأخرجه النسائي (6/ 254) ، كتاب «الوصايا» ، باب ذكر الاختلاف على سفيان، حديث (3665) ، وابن ماجة (2/ 1214) ، كتاب «الأدب» ، باب فضل صدقة الماء، حديث (3684) ، وابن خزيمة، رقم (2497) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» . وأخرجه أبو داود (1/ 526) كتاب «الزكاة» ، باب في فضل سقي الماء، حديث (1680) من طريق شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن عن سعد بن عبادة بنحوه.

[سورة البقرة (2) : الآيات 278 إلى 281]

73 أوروى أبو داود في «سننه» ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ/ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «1» . انتهى. وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» ب «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار» إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ «2» . ولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ... الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ. [سورة البقرة (2) : الآيات 278 الى 281] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ... الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيّ صلّى الله عليه وسلم مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوّل ربا أضعه ربا «3»

_ (1) تقدم تخريجه. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 373) . [.....] (3) قال صاحب «المصباح» : الربا: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأشهر، ويثنّى فيقال: ربوان بالواو على الأصل، وقد يقال: ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ربويّ. قاله أبو عبيد وغيره. وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ. وربا الشيء يربو، إذا زاد ونما، وأربى الرّجل (بالألف) دخل في الرّبا، وأربى على الخمسين، زاد عليها. وفي «اللسان» : ربا الشيء يربو ربوّا ورباء: زاد ونما، وأربيته: نميته. وفي التنزيل العزيز: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ [البقرة: 276] ومنه: آخذ الربا الحرام. وأربى الرّجل في الربا: يربي، وقد تكرر ذكره في الحديث. والأصل فيه الزيادة من: ربا المال، إذا زاد وارتفع، والاسم: الربا مقصور، وأربى الرجل على الخمسين ونحوها: زاد، وفي حديث الأنصار يوم «أحد» : «لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم» . أي: لنزيدنّ ولنضاعفنّ. وفي حديث الصدقة: «وتربو في كف-

العبّاس» «1» فبدأ صلّى الله عليه وسلم بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أسيد «2» ، فلمّا استنزل صلّى الله عليه وسلم أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية كما ردّ

_ - الرّحمن، حتّى تكون أعظم من الجبل» وربا السّويق ونحوه ربوّا: صبّ عليه الماء فانتفخ، وقوله (عز وجل) في صفة الأرض: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: 5] قيل: معناه عظمت وانتفخت. وقرىء: «وربأت» فمن قرأ: «وربت» فهو من ربا يربو، إذا زاد على أيّ الجهات زاد. ومن قرأ: «وربأت» بالهمز فمعناه: ارتفعت، وسابّ فلان فلانا، فأربى عليه في السّباب، إذا زاد عليه. وقوله (عز وجل) : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [الحاقة: 10] أي: أخذه تزيد على الأخذات. قال الجوهري: أي: زائدة، كقولك: «أربيت، إذا أخذت أكثر مما أعطيت» . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: فضل مال خال عن عوض، شرط لأحد العاقدين، في معاوضة مال بمال. وعرفه الشّافعية بأنه: عقد على عوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار حالة العقد، أي: مع تأخير في البدلين، أو أحدهما. وعرفه المالكية بأنه: عقد معاوضة على نقد أو طعام مخصوص بجنسه، مع التفاضل، أو مع التأخير مطلقا. وعرفه الحنابلة بأنه: الزّيادة في أشياء مخصوصة. وقد قسّم الفقهاء الرّبا إلى قسمين، وزاد الشافعية قسما ثالثا: 1- ربا الفضل، وهو: البيع مع زيادة أحد العوضين عن الآخر. 2- ربا النّسا، وهو: البيع لأجل، أو تأخير أحد العوضين عن الآخر. 3- ربا اليد، وهو: البيع مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما. ينظر: «الصحاح» (6/ 2350) ، و «المغرب» (182) ، و «المصباح المنير» (1/ 333) ، و «المطلع» (239) . وينظر: «شرح فتح القدير» (7/ 3) ، «تبيين الحقائق شرح كنز الحقائق» (4/ 85) ، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (2/ 31) ، «مغنى المحتاج» (2/ 21) ، «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب» (1/ 161) ، «المغني» (4/ 122) ، «مجمع الأنهر» (2/ 83) ، «كشاف القناع» (3/ 251) . (1) هو جزء من حديث جابر في صفة حج النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد تقدم تخريج هذا الحديث عند آيات الحج في سورة البقرة. (2) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص الأموي، أبو عبد الرحمن من مسلمة الفتح. ولي للنبي صلّى الله عليه وسلم «مكّة» وله عشرون سنة. وعنه ابن المسيّب، وعطاء مرسلا لأنه مات يوم مات الصّديق. وذكر الطبراني أنه عمل لعمر، وفي صحيح مسلم حديث يدل على ذلك إلى سنة إحدى وعشرين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 208) .

صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ» ، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئاً فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم «1» . فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ. وقوله تعالى: فَأْذَنُوا قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ. ت: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فاعلموا «2» ، وقال ع «3» : هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ «4» . ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيّ ظلم كما قال- عليه الصلاة والسلام «5» - فالمعنى أنه يكون

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 107) برقم (6256) ، (6257) عن ابن جريج والسدي، والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 374) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 646) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السدي، وعزاه لابن جرير عن ابن جرير. (2) ينظر: صحيح البخاري (8/ 52) ، كتاب «التفسير» ، باب (فأذنوا بحرب من الله) ، حديث (4542) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 375) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 8) برقم (6265) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 375) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 647) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. (5) أخرجه مالك (2/ 674) ، كتاب «البيوع» ، باب جامع الدين والحول، حديث (84) ، والبخاري (4/ 464) كتاب «الحوالة» ، باب هل يرجع في الحوالة، حديث (2287) ، ومسلم (3/ 1197) ، كتاب «المساقاة» ، باب تحريم مطل الغني، حديث (33/ 1564) ، وأبو داود (3/ 640) ، كتاب «البيوع» ، باب في المطل، حديث (3345) ، والنسائي (7/ 317) ، كتاب «البيوع» ، باب الحوالة. والترمذي (3/ 600) ، كتاب «البيوع» ، باب مطل الغني ظلم، حديث (1308) ، وابن ماجه (2/ 803) كتاب-

القضاءُ، مع وضْعِ الربا وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح ألا ترى أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كعب: نعم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لِلآخَرِ: «قُمْ، فاقضه» «1» ، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سنّة في المصالحات.

_ - «الصدقات» ، باب الحوالة، حديث (2403) ، والشافعي في «الأم» (3/ 233) ، كتاب «الحوالة» . وأحمد (2/ 245) ، والدارمي (2/ 261) كتاب «البيوع» ، باب في مطل الغني ظلم. والحميدي (2/ 447) رقم (1032) ، وأبو يعلى (11/ 172- 173) رقم (6283) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 8) ، والبيهقي (6/ 70) كتاب «الحوالة» ، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم على ملىء فليتبع» . وأخرجه البخاري (5/ 75) كتاب «الاستقراض» ، باب مطل الغني ظلم، حديث (2400) ، ومسلم (3/ 1197) ، كتاب «المساقاة» ، باب تحريم مطل الغني. وأحمد (2/ 315) ، وعبد الرزاق (8/ 316) رقم (15355) ، والبيهقي (6/ 70) كتاب «الحوالة» ، باب من أحيل على ملىء فليتبع، كلهم من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم» . لفظ البخاري هكذا مختصرا. وأخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 231) من طريق أبي قرة موسى بن طارق عن ابن جريج عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم» . وقال الطبراني: لم يروه عن صالح إلا ابن جريج، تفرد به أبو قرة. قال السهمي في «سؤالاته للدارقطني» (402) : سألت أبا الحسن الدارقطني، قلت: أبو قرة موسى بن طارق لا يقول: «أخبرنا» أبدا، يقول: ذكر فلان. أيش العلة فيه؟ فقال: هو سماع له كله، وقد كان أصاب كتبه آفة فتورع فيه، فكان يقول: ذكر فلان. اهـ. وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 294) من طريق علي بن مسهر عن عاصم الأحول عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم» . وفي الباب عن ابن عمر: أخرجه الترمذي (3/ 600- 601) كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، حديث (1309) ، وابن ماجة (2/ 803) كتاب «الصدقات» ، باب الحوالة، حديث (2404) ، وأحمد (2/ 71) من طريق هشيم: ثنا يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على ملىء فاتبعه، ولا تبع بيعتين في واحدة» . والحديث ذكره الحافظ البوصيري في «الزوائد» (2/ 242) مع أنه ليس على شرطه فقد أخرجه الترمذي أيضا، ولم ينفرد به ابن ماجة. فقال: هذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع، قال أحمد بن حنبل: لم يسمع يونس بن عبيد من نافع شيئا، إنما سمع من ابن نافع عن أبيه. وقال ابن معين وأبو حاتم: لم يسمع من نافع شيئا. (1) أخرجه البخاري (1/ 657) ، كتاب «الصلاة» ، باب التقاضي والملازمة في المسجد، حديث (457) ، (1/ 669) ، كتاب «الصلاة» ، باب رفع الصوت في المسجد، حديث (471) ، ومسلم (3/ 1192) ، كتاب «المساقاة» ، باب استحباب الوضع من الدين، حديث (20، 21/ 1558) .

73 ب وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ/، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ. ت: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» «1» ، وفي «صحيح مسلمٍ» : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» ، وفي روايةٍ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ» ، وفي رواية: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله في ظلّه» «2» . انتهى.

_ (1) أخرجه البخاري (4/ 361) ، كتاب «البيوع» ، باب من أنظر معسرا، حديث (2078) ، ومسلم (3/ 1196) ، كتاب «المساقاة» ، باب فضل إنظار المعسر، حديث (31/ 1562) من حديث أبي هريرة. (2) ورد من حديث أبي اليسر، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وعثمان، وابن عباس، وكعب بن عجرة، وأسعد بن زرارة. حديث أبي اليسر: أخرجه أحمد (3/ 427) ، والدارمي في «السنن» (2/ 261) ، كتاب «البيوع» ، باب فيمن أنظر معسرا، ومسلم في «الصحيح» (4/ 2302) ، كتاب «الزهد» (53) ، باب حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر (18) ، الحديث (74/ 3006) ، وابن ماجة «السنن» (2/ 808) ، كتاب «الصدقات» (15) ، باب إنظار العسر. (14) ، الحديث (2419) ، والحاكم في «المستدرك» (2/ 28- 29) ، كتاب «البيوع» ، باب من أنظر معسرا، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 28) ، كتاب «البيوع» ، باب من عجل له أدنى من حقه، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 19- 20) في ترجمة كعب بن عمرو أبي اليسر، رقم (115) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووهم، لإخراج مسلما إياه. حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي في «السنن» (3/ 599) ، كتاب البيوع (12) ، باب ما جاء في إنظار المعسر والرفق به (67) ، الحديث (1306) . والقضاعي في «مسند الشهاب» (1/ 281) ، الحديث (459) بلفظ: «من أنظر معسرا أو وضع له، أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» . قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. حديث أبي قتادة: أخرجه أحمد (5/ 300، 308) ، والدارمي (2/ 261- 262) ، ومسلم (3/ 1196) كتاب «المساقاة» ، باب فضل إنظار المعسر، الحديث (32/ 1563) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 266) في ترجمة حماد بن زيد، رقم (373) بلفظ: «من نفس عن غريمه أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة» لفظ أحمد والدارمي، وقال مسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينظر معسرا، أو ليضع عنه» وقال أبو نعيم: «من أنظر معسرا أو وهب له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . حديث عثمان: -

والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» ب «كان» التامة الَّتي هي بمعنى: «وُجِدَ، وَحَدَثَ» ، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ» علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ. واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح «1» ، أو هو منسحبٌ على كلِّ دين حلال، وهو قول جمهور

_ - أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (1/ 73) بلفظ: «أظل الله عبدا في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ، أنظر معسرا أو ترك لغارم» وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 136) : وفيه عباس بن الفضل، ونسب إلى الكذب. وحديث ابن عباس: أخرجه أحمد في «المسند» (1/ 327) عنه قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلى الأرض: «من أنظر معسرا، أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم» . وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 136- 137) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن جعوية السلمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح. حديث آخر لابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (11330) عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرا إلى ميسرته، أنظره الله بدينه إلى نوبته» . قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 138) : رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، وفيه الحكم بن الجارود، ضعفه الأزدي. وشيخ الحاكم وشيخ شيخه لم أعرفهما. حديث كعب بن عجرة: أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 209- 210) ، و «الكبير» (19/ رقم 214) «من أنظر معسرا أو يسر عليه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 137) ، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبيدة بن معتب، وهو متروك. حديث أسعد بن زرارة: أخرجه الطبراني في الكبير (899) بلفظ «من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر، أو ليضع عنه» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 137) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» من طريق عاصم بن عبيد الله عن أسعد، وعاصم ضعيف، ولم يدرك أسعد بن زرارة. [.....] (1) شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم بن معاوية الكندي، أبو أميّة الكوفي، مخضرم، ولي لعمر «الكوفة» فقضى بها ستين سنة، وكان من جلة العلماء، وأذكى العالم عن علي وابن مسعود، وعنه الشّعبي، وأبو وائل، وثقه ابن معين، قال الشعبي: كان أعلم الناس بالقضاء. وقال ابن حصين: اختصم إليه رجلان فحكم على أحدهما، فقال: قد علمت من حيث أتيت، فقال شريح: لعن الله الراشي والمرتشي والكاذب، قال محمد بن نمير: مات سنة ثمانين على الأصح، عن مائة وعشر سنين وقيل: عشرين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 447) .

العلماء «1» ؟ ع «2» : وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً. ت: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك. وقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء. وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ «3» . وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا «4» . قال ع «5» : ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ لأن جمهور النَّاس ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ورُوِيَ أَنَّ قوله: وَاتَّقُوا نزلت قبل موت النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موته بثلاث ساعات، وأنّه صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ» ، وحكى مكّيّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ» «6» . وقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ... الآية: وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان. ت: حدَّثني من أثقُ به أنه جَلَسَ عند شيخ من الأفاضل يجوّد عليه القرآن،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 110) برقم (6274) عن ابن عباس، وبرقم (6275) عن ابن سيرين، والأثر ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 352) عن ابن عباس، وابن عطية (1/ 377) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 650) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 377) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 114) (6305) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 353) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 377) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 114) برقم (6307) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 378) . (6) ينظر: «تفسير القرطبي» (3/ 374) .

[سورة البقرة (2) : آية 282]

فقرئَتْ عليه هذه الآيةُ، فبكى عندها، ثم بكى، إلى أَنْ فاضتْ نفْسُه، ومَالَ، فحَرَّكُوه، فإِذا هو مَيِّتٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- ونَفَعَ بِهِ، يَا هَذَا، مَنْ صَحَا عَقْلُه مِنْ سُكْر هواه، وجَهْلِهِ، احترق بنَارِ النَّدَمِ والخَجَلِ مِنْ مهابة نَظَرِ ربِّه، وتنكَّرت صُورةُ حالِهِ في عَيْنِهِ نفوسَ الأغبياءِ الجُهَّال، غَافِلَةً عن العظمة والجَلاَل، ولاَهِيَةً عن أهْوَال المَعَاد والمَآل، مَشْغُولَةً برذائلِ الأفْعَال، وفُضُولِ القِيلِ والقَال، والاِستنباطِ والاِحْتِيَالِ لاِزدياد الأمْوَال، ولا يَعْلَمُون أنَّها فِتْنَةٌ وَوَبَال، وطُولُ حِسَابٍ وبَلاَء وبَلْبَالَ «1» ، اغتنموا، يا ذوِي البَصَائر نعْمَةَ الإِمهال، واطرحوا خَوَادِع الأمانِي، وكَوَاذِب/ الآمال، فكأنْ قد فجأتْكُم هواجمُ الآجال. انتهى من 74 «الكم الفارقيّة، في الحكم الحقيقيّة» . ويَوْماً: نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أنَّ هذا اليوم المحذَّر منه هو يومُ القيامةِ، والحِسَابِ والتوفيةِ، وقال قومٌ: هو يوم المَوْت، والأول أصَحُّ، وهو يومٌ تنفطرُ لذكْره القُلُوب، وفي هذه الآيةِ نصٌّ على أنَّ الثواب والعقابَ متعلِّق بكَسْب الإِنْسَان، وهذا ردّ على الجبريّة. [سورة البقرة (2) : آية 282] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... الآية. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السّلم خاصّة «2» ،

_ (1) البلبال: والبلابل، والبلبلة: شدة الهم والوسواس في الصدور وحديث النفس. ينظر: «لسان العرب» (351) (بلل) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 116) برقم (6315) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» .

قال ع «1» : معناه أنَّ سَلَمَ أهْلِ المدينة كانَ سَبَبَ الآيةِ، ثم هِيَ تتناوَلُ جميعَ المدايَنَات إجماعاً، ووصفُهُ الأَجَلَ ب مُسَمًّى- دليلٌ على أنَّ الجهالة لا تجوزُ، وقال جمهورُ العلماء: الأمر بالكَتب ندْبٌ إِلى حفظ الأموال، وإِزالة الرّيب، وإِذا كان الغريمُ تقيًّا، فما يضرُّه الكَتْب، وإِن كان غير ذلك، فالكتب ثقافٌ في دَيْنِهِ وحَاجَة صاحبِ الحقِّ، قال بعضهم: إِن أشهدتَّ، فحَزْمٌ، وإِن ائتمنت، ففي حِلٍّ وَسَعةٍ. ع «2» : وهذا هو القول الصحيحُ، ثم علم تعالى أنه سيقع الاِئتمانُ، فقال: إِن وقع ذلك، فَلْيُؤَدِّ ... [البقرة: 283] الآية، فهذه وصيَّة للذِينَ علَيْهم الدُّيون. واختلف في قوله تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ. فقال عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: واجبٌ على الكاتِبِ أنْ يكْتُبَ، إِذا لم يوجَدْ سواه «3» ، وقال السُّدِّيُّ: هو واجبٌ مع الفَرَاغ «4» . وقوله: بِالْعَدْلِ: معناه: بالحَقِّ، ثم نهى اللَّه سبحانه الكُتَّابَ عن الإباءَة، وحكى المَهْدَوِيُّ عن الرَّبِيعِ، والضَّحَّاك أنَّ قوله تعالى: وَلا يَأْبَ منسوخٌ بقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، قال «5» ع «6» : أما إذا أمكن الكتاب، فلَيْسَ يجبُ الكَتْب على معيَّن، بل له الاِمتناع، إِلا إِذا استأجره، وأمَّا إِذا عدم الكاتبُ، فيتوجَّه وجوبُ النَّدْب حينئِذٍ على الكَاتِبِ. وقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ... الاية: أَمَرَ اللَّه تعالى الَّذي علَيْه الحقُّ بالإِملال لأنَّ الشهادة، إِنما تكونُ بحَسَب إِقراره، وإِذا كتبت الوثيقة، وأقر بها، فهي

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 378) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 379) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 119) برقم (6339) عن عطاء، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 355) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 379) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 119) برقم (6342) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 379) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 655) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي، وذكره. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 119) برقم (6340، 6341) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 355) عن الضحاك، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (1/ 379) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 655) ، وعزاه لابن جرير عن الضحاك. [.....] (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 379) .

كإمْلاله، والبَخْسُ: النقْصُ بنوعٍ من المخادَعَة، والمُدَافعة، وهؤلاءِ الذين أُمِرُوا بالإِملال هم المالكُون لأنفسهم، إِذا حَضَرُوا. ثم ذكر تعالى ثلاثةَ أنواعٍ تقَعُ نوازلُهُمْ في كلِّ زمانٍ، فقال: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً، والسفيهُ: الهَلْهَل الرأي في المالِ، الذي لا يحسنُ الأخذ لنَفْسِهِ ولا الإِعطاء منْها مشبَّه بالثوْبِ السَّفِيهِ، وهو الخفيفُ النَّسْجِ، والسَّفَهُ: الخِفَّة، وهذه الصفة في الشريعةِ لا تخلُو من حجر أبٍ، أو وصيٍّ وذلك هو وليُّه، ثم قال: أَوْ ضَعِيفاً، والضعيفُ: هو المدخُولُ في عَقْلِهِ، وهذا أيضاً قد يكونُ وليُّه أَباً أو وصيًّا، والذي لا يستطيعُ أن يُمِلَّ هو الصغيرُ، ووليُّه وصيُّه أو أبوه، والغائبُ عن موضعِ الإشهاد لمرضٍ أو لغيرِ ذلك مِنَ الأعذار، ووليُّه وكيلُهُ، وأمَّا الأخْرَسُ، فيسوغُ أنْ يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممَّن لا يستطيعُ. وقوله: بِالْعَدْلِ: معناه: بالحَقِّ، وقَصْدِ الصواب. وقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ... الآية: الاستشهادُ: طلبُ الشهادة/، وعبّر 74 ب ببناءِ مبالغة في «شَهِيدَيْنِ» دلالةً على مَنْ قد شهد، وتكرَّر ذلك منه فكأنه إِشارة إِلى العدالة، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «1» : والصحيحُ أنَّ الأمر بالاستشهادِ محمولٌ على الندب. اهـ. وقوله تعالى: مِنْ رِجالِكُمْ: نصٌّ في رفضِ الكفارِ، والصِّبْيَانِ، والنِّساء، وأما العبيدُ، فاللفظ يتناولهم. واختلف العلماء فيهم، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وجمهورِ العلماءِ: أنَّ شهادتهم لا تجوزُ، وغلبوا نقْضَ الرِّقِّ. واسم كان الضميرُ الذي في قوله: يَكُونا، والمعنى في قول الجمهور: فإِن لم يكن المستشْهَدُ رجلَيْنِ، وقال قومٌ: بلْ المعنى: فإِن لم يوجَدْ رجلانِ. ولا يجوز استشهاد المَرْأَتَيْنِ إِلا مع عَدَم الرجال، قال ع «2» : وهذا قول ضعيفٌ ولفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهرُ منه قولُ الجمهور.

_ (1) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 251) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 381) .

وقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، أي: فليشهدْ أو فليكُنْ رجُلٌ وامرأتان. وقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ: رفعٌ في موضع الصفةِ لقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، وهذا الخطاب لجميع الناس، المتلبِّس بهذه القصَّة هم الحُكَّام، وهذا كثيرٌ في كتاب اللَّه يعمُّ الخطابُ فيما يتلبَّس به البعْض. وفي قوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ: دليلٌ على أنَّ في الشهود من لا يرضى فيجيء من ذلك، أنَّ الناس ليسوا بمحمولِينَ عَلَى العَدَالة حتى تَثْبُتَ لهم. وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ... الآيةَ: «أنْ» مفعولٌ من أجله، والشهادة لم تقع لأَنْ تَضِلَّ إحْدَاهما، وإِنما وقع إِشهاد امرأتين لأنّ تُذَكِّر إِحداهما، إِنْ ضلَّت الأخرى، قال سيبوَيْهِ، وهذا كما تقول: أعْدَدتُّ هذه الخَشَبَةَ أنْ يميلَ الحَائِطُ، فأدعمه. ع «1» : ولما كانتِ النفوسُ مستشرفةً إِلى معرفة أسباب الحوادِثِ، قدم في هذه العبارة ذكْرَ سبب الأمر المقْصُود إلى أنْ يخبر به، وهذا مِنْ أبْرَعِ الفَصَاحَةِ إِذ لو قال لكَ رجل: أعدت هذه الخشبةَ أنْ أدعم بها هذا الحائطَ، لقال السامعُ: ولِمَ تدعم حائطاً قائماً، فيجب ذكر السبب، فيقال: إِذا مَالَ، فجاء في كلامِهِمْ تقديمُ السَّبَبِ أخْصَرَ من هذه المحاورة، قال أبو عبيد: ومعنى: تَضِلَّ تنسى «2» . ع «3» : والضَّلال عن الشهادة: إِنما هو نسيانُ جزءٍ منها، وذكْرُ جزء، ويبقَى المرء بَيْن ذلك حيرانَ ضَالاًّ. وقوله تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا ... الآية: قال قتادة وغيره: معنى الآيةِ: إِذا دُعُوا أنْ يشهدوا «4» ، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآيةُ جمعت أمرَيْن: لا تأب إِذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادةِ، ولا إِذا دُعِيتَ إِلى أدائها «5» وقاله ابن عباس «6» ، وقال

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 382) . (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 383) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 382) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 126) برقم (6366) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 383) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 657) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة. (5) أخرجه الطبري (3/ 127) برقم (6369) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 357) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 383) . (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 127) برقم (6370) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 357) .

مجاهد: معنى الآيةِ لا تأبَ، إِذا دُعِيتَ إِلى أداء شهادة قد حصَلَتْ عندك «1» ، وأسند النّقّاش إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّه فسر الآية بهذا. ت: وهذا هو الحقيقة في الآيةِ، وأما تسمية الشيْءِ بِما يَئُولُ إِليه، فمجازٌ، والشاهد حقيقةً من حصَلَتْ له الشهادة، قال مجاهد: فأما إِذا دُعِيتَ أوَّلاً، فإِن شئْت فاذهب، وإِن شئت، فلا تذهب» «2» ، وقاله جماعة، قال ع «3» : والآية كما قال الحَسَنُ جمعتْ أمرَيْنِ، والمسلمون مندوبون إِلى معونة إِخوانهم، فإِذا كانت الفُسْحَة لكَثْرة الشهودِ والأَمْنِ مِنْ تعطُّل الحق، فالمدعُّو مندوبٌ، وإِن خِيفَ تَلَفُ الحقِّ بتأخُّر الشاهد، وجب عليه القيام بها سِيَمَا إِن كانت محصَّلةً، ودُعِيَ لأدائها، / فهذه آكَدُ لأنها قِلاَدَةٌ في العُنُق وأمانةٌ تقتضي الأداء. م: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ، قال أبو البقاءِ: مفعولُ «يأب» محذوفٌ، أي: ولا يأب الشهداءُ إِقامةَ الشهادةِ أو تحمُّل الشهادةِ، «وإِذا» : ظرفٌ ل «يَأْبَ» ، ويحتمل أنْ يكون ظرفا للمفعول المحذوف. اهـ. وتَسْئَمُوا: معناه تملّوا، وقدّم الصغير اهتماما به، وأَقْسَطُ: معناه أعدل، وأَقْوَمُ، أي: أشدُّ إقامةً، وقيل: أقْوَمُ، من: قَامَ بمعنى: اعتدل، وأَدْنى: معناه: أقرب، وتَرْتابُوا: معناه: تَشُكُّوا. قال ابنُ هِشَامٍ: إِلى أَجَلِهِ: لا يصحُّ تعلُّقه ب «تَكْتُبُوهُ» لاِقتضائه استمرار الكتابة إِلى أجل الدَّيْن، وإِنما هو حالٌ، أي: مستقِرًّا في الذِّمَّة إِلى أجله. اهـ من «المُغْنِي» . وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً ... الآية: لما علمَ اللَّه سبحانه مشَقَّة الكتْب عليهم، نصَّ على ترك ذلك، ورَفْعِ الجُنَاح فيه، في كلِّ مبايعة بنَقْد، وذلك في الأغلَبِ، إِنما هو في قليلٍ كالطَّعام ونحوه، لا في كثير كالأملاك ونحوها، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك: هذا فيما كان يداً بيد، تأخذ وتعطي «4» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 127) برقم (6375) بنحوه، وذكره الماوردي بنحوه في «تفسيره» (1/ 357) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 383) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 128) برقم (6376) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 383) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 657) وعزاه لسفيان، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 383) . (4) أخرجه الطبري (3/ 132) برقم (6397) عن السدي، وبرقم (6398) عن الضحاك، وذكره ابن عطية (1/ 383) .

وقوله تعالى: تُدِيرُونَها: يقتضي التقابُضَ والبينونَةَ في المقبوضِ. وقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ، اختلف، هل ذلك على الوجوب، أو على الندب؟ والوجوبُ في ذلك قَلِقٌ أمَّا في الدقائق، فصعب شاقٌّ، وأما ما كَثُر، فربَّما يقصد التاجر الاِستِئْلافَ بتَرْك الإِشهاد إِلى غير ذلك من المصالِحِ، فلا يُشْهِد، ويدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقَى الأمر في الإِشهاد نَدْباً لما فيه من المصلحة في الأغلب، وحكى المهدويُّ عن قومٍ أنهم قالوا: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ منسوخٌ بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ ... [البقرة: 283] الآية: وذكره مكِّيٌّ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ. واختلف النَّاس في معنى قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، أي: كاختلافهم في قوله تعالى: لاَ تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها [البقرة: 233] ، هل الفعلُ مسند إِلى الفاعل، فأصله: «وَلاَ يضارر كَاتِبٌ ولاَ شَهِيدٌ» بكسر الراء، وقيل: مسندٌ إلى المفعول الذي لم يسمّ فاعله، فأصله: «وَلاَ يُضَارَرُ» بفتحها. ع «1» : ووجوه المضارَّة لا تنحصرُ، وفكُّ الفعْلِ هي لغةُ الحجازِ، والإِدغامُ لغة تَمِيمٍ. وقوله: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أيْ: وإِنْ تفعلوا المضارَّة، وقوله: بِكُمْ، أي: حَالٌّ بِكُمْ. وباقي الآية موعظةٌ وتهديدٌ، واللَّه المستعانُ لا ربَّ غيره، وقيل: معنى الآية الوعْدُ لأنَّ من اتقى عُلِّمَ الخَيْرَ وأُلْهِمَهُ. ت: وفي «العتبية» مِنْ سماع ابن القَاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مالكاً يقولُ: سَمِعْتُ أنَّه يقالُ: ما زَهِدَ عَبْدٌ، واتقى اللَّهَ إِلا أنْطَقَهُ اللَّهُ بالحكْمَة. اهـ. والمراد بهذا العلم العلم النافع الّذي يورث الحشية قال أبو عُمَرَ بنُ عبْدِ البَرِّ: رُوِّينَا عنْ مَسْروقٍ، قال: «كفى بالمَرْءِ عَلْماً أنْ يخشَى اللَّهَ، وكفى بالمَرْءِ جهلاً أنْ يُعْجَب بعلْمه» ، أبو عمر: إِنما أعرفه بعَمَلِهِ. اهـ من كتاب «فضل العلم» .

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 385) . [.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 283 إلى 285]

[سورة البقرة (2) : الآيات 283 الى 285] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ... الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان- عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. / قال ع «1» : رَهَنَ الشَّيْءَ في كلام العرب معناه: دَامَ، واستمر، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ «2» ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 386) . (2) الرهن يطلق لغة على العين المرهونة. قال ابن سيده: الرهن ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه يقال: رهنت فلانا رهنا، وارتهنته إذا أخذه رهنا، والرهينة (واحدة الرهائن) : الرهن. والهاء للمبالغة كالشتيمة والشتم، ثم استعملا في معنى المرهون، فقيل: هو رهن بكذا، أو رهينة بكذا. وفي الحديث: «كل غلام رهينة بعقيقته» . ومعناه: أن العقيقة لازمة له لا بد منها، فشبهه في لزومها، وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن. قال الخطّابي: تكلم الناس في هذا، وأجود ما قيل فيه ما ذهب إليه أحمد بن حنبل، قال: هذا في الشفاعة، يريد أنه إذا لم يعقّ عنه، فمات طفلا لم يشفع في والديه، أي: أن كل غلام محبوس، ومرهون عن الشفاعة بسبب ترك العقيقة عنه. وقيل: معناه أنه مرهون بأذى شعره، واستدلوا بقوله: «فأميطوا عنه الأذى» وهو ما علق به من دم الرّحم. ورهنه الشيء يرهنه رهنا، ورهنه عنده، كلاهما، جعله عنده رهنا، ورهنه عنه جعله رهنا بدلا منه. قال الشاعر: [الكامل] ارهن بنيّك عنهم وأرهن بني أي: أرهن أنا بنيّ كما فعلت أنت. ويطلق على الدوام والحبس. قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزم، يقال: هذا راهن لك، أي: دائم محبوس عليك، وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وكُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أي: محتبس بعمله، ورهينة محبوسة بكسبها. وحديث: «نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه» أي محبوسة عن مقامها الكريم. قال الشاعر: [البسيط] وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا-

المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له. وقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن. وأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن وكذلك على قبض وكيله فيما علمتُ. واختلفوا في قَبْض عدلٍ «1» يوضَعُ الرهْنُ على يديه.

_ - شبه لزوم قلبه لها، واحتباسه عندها لشدة وجده بها، بالرهن الذي يلزمه المرتهن، فيبقيه عنده، ولا يفارقه، وكل شيء ثبت ودام فقد رهن، ورهن لك الشيء أقام ودام، وطعام راهن مقيم. وأنشد الأعشى يصف قوما يشربون خمرا لا تنقطع: [البسيط] لا يستفيقون منها وهي راهنة ... إلّا بهات وإن علّوا وإن نهلوا ورهن الشيء رهنا: دام وثبت، وراهنة في البيت ثابتة، ورهين والرهن اسمان. ينظر: «لسان العرب» (3/ 1757- 1758) ، «المصباح المنير» (1/ 330) ، «الصحاح» (5/ 2128) ، «المغرب» (1/ 356) . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون. وعرفه الشافعية بأنه: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه. وعرفه المالكية بأنه: مال قبضه توثقا به في دين. وعرفه الحنابلة بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم. ينظر: «تكملة فتح القدير» (10/ 135) ، «مجمع الأنهر» (2/ 584) ، «حاشية الشرقاوي على شرح التحرير» (2/ 109) ، «مغني المحتاج» (2/ 121) ، «حاشية الدسوقي» (3/ 231) ، «أسهل المدارك» (2/ 266) ، «الإقناع في فقه الحنابلة» (2/ 150) ، «المغني لابن قدامة» (4/ 361) . (1) القبض في اللغة: الإمساك والتناول، يقال: قبضه بيده يقبضه: تناوله، وقبض عليه بيده أمسكه، والقبض شرعا: يرجع فيه إلى الشرع والعرف، وهو يختلف باختلاف الحال، وتفصيله: أن المال إما أن يرهن من غير اعتبار تقدير فيه، أو يرهن معتبرا فيه تقدير، فالحالة الأولى التي لم يعتبر فيها تقدير، إما لعدم إمكانه، أو مع الإمكان، فينظر إن كان المرهون مما لا ينقل، كالدور، والأرضين، والشجر الثابت، والثمرة على الشجرة قبل أوان الجداد، فقبضه بالتخلية بينه وبين المرتهن، وتمكينه من وضع يده، بأن يفتح الدار أو يسلمه مفتاحها، وإن كان من جملة المنقولات فقيه خلاف نبينه: فرأى «الشافعي» (في رواية راجحة) ، وأحمد، وأبو يوسف: أنه لا يكتفي بالتخلية، بل لا بد من النقل والتحويل. ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي (في رواية مرجوحة) : «الاكتفاء بالتخلية. وقد أجمع الناس على قبض المرتهن، وكذا على قبض وكيله، واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه. وقيل ذكر المذاهب أوضح المراد من العدل هنا. العدل: من رضي الراهن والمرتهن وضع المرهون في يده، سواء أرضيا ببيعه أم لا، أو هو من يقدر على الإيفاء والاستيفاء، مسلما كان أم ذميا أم حربيا مستأمنا ما دام في دارنا أو هو من يجوز توكيله، وهو الجائز التصرف، مسلما كان أم كافرا، عدلا أم فاسفا، ذكرا أم أنثى. -

فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ. وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ «1» ، وغيره: ليس بقَبْض. وقولُ الجمهورِ أصحُّ من جهة المعنى في الرهن. وقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء. قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «2» : قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال: وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ «3» في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكتب، والإشهاد،

_ - وقال ابن المقري: فإن شرطا وضعه عند عدل أو عدلين جاز. قال شارحه: لو عبر بدل عدل بثالث لكان أولى فإن الفاسق كالعدل في ذلك وقد رأى أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعطاء، وعمرو بن دينار، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور: أن قبضه يقوم مقام قبض المرتهن إذا شرطا وضعه عند عدل. وجنح ابن أبي ليلى، وقتادة، والحارث العسكري، والظاهرية إلى أنه لا يقوم مقامه. ينظر: «الرهن» لشيخنا حسن مصطفى، و «الأم» (3/ 123) ، و «المهذب» (1/ 304) ، والقرطبي (3/ 410) ، و «البحر الرائق» (8/ 291) ، و «ابن عابدين» (5/ 334) ، و «تكملة فتح القدير» (8/ 221) ، و «الشرح الكبير» ، لابن قدامة (4/ 414) ، و «المغني» له (4/ 387) . (1) الحكم بن عتيبة الكندي، مولاهم، أو أبو عبد الله الكوفي، أحد الأعلام، عن أبي جحيفة، وعبد الله بن شدّاد، وأبي وائل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وخلق، وعنه منصور، والأعمش، ومسعر، وشعبة، وأبي عوانة، وخلق، قال العجلي: ثقة ثبت من فقهاء أصحاب إبراهيم، صاحب سنة واتباع، قال أبو نعيم: مات سنة خمس عشرة ومائة، عن خمس وستين سنة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 245) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 262) . (3) أخرجه البخاري (4/ 35) في البيوع: باب التجارة في البحر (2063) ، و (4/ 548- 549) في الكفالة: باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها (2291) ، وأحمد (2/ 348) من طريق ليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل ... فذكره.

والرهن. اهـ. وقوله: فَلْيُؤَدِّ: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: أَمانَتَهُ: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة. وقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ... الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه كما قال صلّى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ. وروى البزّار في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ» «1» اهـ من «الكوكب الدري» . قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ. وقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ... الآية: قوله: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز. واختلف في معنى هذه الآية. فقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها «2» ، فلفظ الآية على هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ وكذا نقل الثعلبيُّ. وقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بخواطر نفوسنا، وشقّ ذلك على النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قالت بنو إسرائيل: سمعنا 75 ب وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، / فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ الله بعد ذلك:

_ (1) أخرجه البزار (2/ 119- كشف) رقم (1342) ، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الرحمن بن سليمان، عن أبي سعد، عن معاوية بن إسحاق، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس به. وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 152) : رواه البزار، وفيه جماعة لم أجد من ترجمهم. (2) أخرجه الطبري (3/ 143) برقم (6452) ، وذكره ابن عطية (1/ 389) .

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «1» [البقرة: 286] ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ» هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ. وقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ. وقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجّح الطبريّ «2» أنّ

_ (1) أخرجه مسلم (1/ 115- 116) كتاب «الإيمان» ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث (199/ 125) ، وأحمد (2/ 412) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 661) . كلهم من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله (عز وجل) : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، قال: نعم، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا قال: نعم، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 661) ، وزاد نسبته إلى أبي داود في «ناسخه» ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وورد أيضا بنحو ذلك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أخرجه مسلم (1/ 116) ، كتاب «الإيمان» ، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، حديث (200/ 125) . والترمذي (5/ 206) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة البقرة، حديث (2992) . وأحمد (1/ 233) . والنسائي في «الكبرى» (6/ 307) ، كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ، حديث (11059) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 105) ، والحاكم (2/ 286) ، كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفيه نظر: فقد أخرجه مسلم كما تقدم في التخريج. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 661) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، والبيهقي في «الأسماء والصفات» . (2) ينظر: «الطبري» (3/ 149) .

الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة. ع «1» : وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبيّ صلّى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا» ، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: 65] ، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها. وقوله تعالى: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال ع «2» : وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكرناه من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها. اهـ. وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وأشفق منها النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إلى الله تعالى، لا كما

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 389) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 390) . [.....]

قالتْ بنو إِسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: 93] فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نقمه. وآمَنَ معناه: صدّق، والرسول: محمّد صلّى الله عليه وسلم، وبِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إليه من حملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته: هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه. وقرأ الجمهور: لاَ نُفَرِّقُ بالنون «1» . والمعنى: يقولون: لا نفرِّق. ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض. وقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غابر الدّهر، والطاعة: قبول الأوامر، وغُفْرانَكَ: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ. ت: وزاد أبو حَيَّان «2» ، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا. اهـ. وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إلى آخر السّورة «3» .

_ (1) وروي عن أبي عمرو «يفرق» كما في «الكشاف» (1/ 331) ، ورويت عن سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر، وأبي زرعة بن عمر بن جرير، ويعقوب كما في «المحرر الوجيز» (1/ 392) . وقرأ عبد الله «يفرقون» ، ينظر: «الكشاف» (1/ 331) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 392) ، و «البحر المحيط» (2/ 379- 380) ، و «الدر المصون» (1/ 694) . (2) ينظر: «البحر المحيط» (2/ 380) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6501) ، وابن أبي شيبة (11/ 501) رقم (11824) ، وسعد بن منصور (478) عن حكيم بن جابر به، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 665) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والحديث مرسل.

[سورة البقرة (2) : آية 286]

[سورة البقرة (2) : آية 286] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) وقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... الآية: خبرُ جزمٍ نصَّ على أنَّه لا يكلِّف اللَّه العبادَ مِنْ وقْتِ نزولِ الآيةِ عبادةً مِنْ أَعمالِ القَلْب والجوارحِ إِلاَّ وهِيَ في وُسْعِ المكلَّف، وفي مقتضى إِدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكُرْبَةُ عن المسلِمِينَ في تأوُّلهم أمْر الخواطِرِ، وهذا المعنَى الذي ذكَرْناه في هذه الآية يَجْرِي مع معنى قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] وقوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ، قال العراقيُّ: وُسْعَها، أي: طاقتها. اهـ. قال ع «1» : واختلف النَّاسُ في جوازِ تكليفِ ما لا يُطَاقُ في الأحكامِ الَّتي هي في الدُّنْيا بعد اتفاقهم على أنَّه ليس واقعًا الآنَ في الشَّرْعِ، وأنَّ هذه الآية آذَنَتْ بعدمه، واختلف القائلُونَ بجوازِهِ، هل وَقَعَ في رسالةِ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلم أمْ لاَ؟ فقالَتْ فرقة: وقَعَ في نازلةِ أبِي لَهَبٍ لأنه حَكَم علَيْه بتَبِّ اليدَيْنِ، وصَلْيِ النَّارِ وذلك مُؤْذِنٌ أنه لا يؤْمِنُ، وتكليفُ الشرْعِ له الإِيمان راتب، فكأنه كُلِّف أنْ يؤمِنَ، وأنْ يكون في إيمانه أنَّه لا يؤمن لأنه إِذا آمَن، فلا محالة أنْ يُدَيَّنَ بسورة: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ. وقالتْ فرقةٌ: لم يقَعْ قطُّ، وقوله تعالى: سَيَصْلى نَاراً [المسد: 3] إِنما معناه: إِن وافى على كفره. ع «2» : وما لا يطاقُ على أقسامٍ: منه المُحَالُ عقْلاً كالجمْعِ بين الضِّدَّيْن، ومنْه المُحَالُ عادَةً كرفع إِنسانٍ جبلاً، ومنْه ما لا يطاقُ مِنْ حيث هو مُهْلِكٌ كالاِحتراقِ بالنارِ، ونحوه، ومنه ما لا يطاقُ للاشتغال 76 ب بغَيْره، وهذا/ إِنما يقال فيه مَا لاَ يطاقُ على تجوُّزٍ كثيرٍ. وقوله تعالى: لَها مَا كَسَبَتْ، يريدُ: من الحسناتِ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، يريد:

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 393) . (2) ينظر: المصدر السابق.

من السِّيِّئاتِ قاله جماعة المفسِّرين لا خلاف في ذلك، والخواطُر ونحوها ليس من كَسْب الإنسان، وجاءت العَبَارةُ في الحَسَنَاتِ ب «لَهَا» من حيثُ هي مما يفرح الإِنسان بكسبه، ويسر المرء بها، فتضاف إِلى ملكه، وجاءَتْ في السيئة ب «عَلَيْهَا» من حيث هي أوزارٌ، وأثقال، ومتحَملاَتٌ صعْبَةٌ وهذا كما تقول: لي مالٌ، وعليَّ دَيْنٌ، وكرَّر فعْلَ الكَسْب، فخالف بين التصريفَيْن حسنًا لنمط الكلامِ كما قال: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17] هذا وجه. ع «1» : والذي يظهر لِي في هذا أنَّ الحسناتِ ممَّا يكسب دُونَ تكلُّف إِذ كاسبُها على جادَّة أمر اللَّه، ورسْمِ شرعه، والسيِّئَاتُ تُكْتَسَبُ ببناءِ المبالغة إِذ كاسبها يتكلَّف في أمرها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ اللَّه تعالى، ويتخطَّاه إِلَيْها، فيحسن في الآية مجيءُ التصريفَيْن لهذا المعنى. وقال المهدويُّ وغيره: معنى الآيةِ: لاَ يُؤَاخَذُ أحدٌ بذَنْبِ أحدٍ «2» قال ع «3» : وهذا صحيحٌ في نفسه، لكن من غير هذه الآية. وقوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا: معناه: قُولُوا، واختلف الناسُ في معنى قوله سبحانه: إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، فذهب كثير من العلماء إلى أَنَّ هذا الدعاءَ في النسيانِ الغالبِ، والخَطَإ غَيْر المقصودِ، وهو الصحيحُ عندي، قال قتادةُ في تفسير الآيةِ: بلغَنِي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «إنَّ اللَّهِ تعالى تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ نِسْيَانِهَا وَخَطَئِهَا» ، وقال السُّدِّيُّ: لما نزلَتْ هذه الآية، فقالوها، قال جبريل للنّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «قَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، يَا مُحَمَّدُ» ، قال ع «4» : فظاهر قولَيْهما ما صحَّحته وذلك أن المؤمنين، لما كُشِفَ عنهم ما خافوه في قوله تعالى: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: 284] ، أمروا بالدعاء في ذلك النوْعِ الذي لَيْسَ من طاقة الإِنسان دفْعُهُ، وذلك في النسيانِ، والخطأ، والإِصر الثقيلِ، وما لا يطاقُ على أتمِّ أنواعه، وهذه الآية على هذا القولِ تقضِي بجوازِ تكليفِ ما لا يطاقُ ولذلك أمر المؤمنون بالدعاءِ في ألاَّ يقع هذا الجائزُ الصَّعْبُ. ومذهب أبي الحَسَنِ الأشعريِّ «5» وجماعةٍ من

_ (1) ينظر: المصدر السابق. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 393) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 393) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 394) . (5) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى، الشيخ أبو الحسن الأشعري، والبصري، إمام المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، -

المتكلِّمين أنَّ تكليف ما لا يطاق جائزٌ عقلاً، ولا يخرم ذلك شيئاً من عقائِد الشَّرْع. وذهب الطبريُّ «1» وغيره إِلى أنَّ تكليفَ ما لا يطاقُ غيْر جائزٍ، وأنَّ النسيان في الآية بمعنى التَّرْك أيْ: إِن تركنا شيئاً من طاعتك، والخَطَأ هو المقصودُ من العَصْيَان، والإِصْر هي العباداتُ الثقيلةُ كتكاليف بني إِسرائيل، وما لا طاقة للمرءِ به هو عندهم على تجوُّز كما تقولُ: لا طاقة لي على خصومة فُلاَنٍ، أو: لا طاقَةَ لَنَا به من حيث هو مهلكٌ كعذاب جهنَّم وغيره، ثُمَّ قال تعالى فيما أمر المؤمنين بقوله: وَاعْفُ عَنَّا، أي: فيما واقعناه، وَاغْفِرْ لَنا، أيْ: استر علينا ما عَلِمْتَ منا وَارْحَمْنا، أيْ: تَفضَّلْ مبتدئاً برَحْمَةٍ منك لنا، فهذه مناح من الدعاء متباينة، وأَنْتَ مَوْلانا: مدح في ضمنه تقرّب 77 ب إِلَيْه، وشُكْر على نعمه، ومولى: هو من وَلِيَ، وفي الحديث/: أنَّ جبريلَ- عليه السلام- قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «قُلْ: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا» فقالَهَا، فَقَالَ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ، قَالَ: قُلْ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُهَا فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَدْ فَعَلَ إلى آخِرِ السُّورةِ» «2» . وتظاهرتْ بهذا المعنى أحاديثُ، وروى أبو مسعودٍ عُقْبَةُ بن عمرٍو «3» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «4» يَعْنِي مِنْ قيام الليل، قال

_ - والذاب عن الدين، والمصحح لعقائد المسلمين، مولده سنة ستين ومائتين، وقيل: سنة سبعين. كانت المعتزلة قد رفعوا رءوسهم حتى أظهر الله الأشعري فحجرهم من أقماع السمسم. قال الخطيب البغدادي: أبو الحسن الأشعري، المتكلم، صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة، والرافضة، والجهمية، والخوارج وسائر أصناف المبتدعة. توفي سنة 324 هـ، وقيل: 320 هـ، وقيل: 330 هـ. ينظر: «الأعلام» (5/ 69) ، و «تاريخ بغداد» (1/ 346) ، و «وفيات الأعيان» (2/ 446) ، و «ابن قاضي شهبة» (1/ 113) . (1) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 159) . (2) تقدم تخريجه. (3) هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة أبو مسعود. الأنصاري. البدري. قال ابن الأثير: هو المعروف ب «البدري» لأنه سكن أو نزل ماء بدر، وشهد العقبة ولم يشهد بدرا عند أكثر أهل السير. وقيل: شهد بدرا. ثم أورد له حديثا في الأحق بالإمامة. توفي سنة (41) أو (42) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 286) ، «الإصابة» (7/ 276) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 202) ، «بقي بن مخلد» (37) ، «الاستيعاب» (4/ 1756) ، «الكنى والأسماء» (1/ 54، 90) ، «تقريب التهذيب» (2/ 472) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 234) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1647) ، «أصحاب بدر» (237) ، «التاريخ» لابن معين (2/ 145) ، «تنقيح المقال» (3/ 35) . [.....] (4) تقدم تخريجه.

صاحب «سلاح المؤمن» : هذا الحديثُ رواه الجماعةُ، يعني: الستةَ، ومعنى: «كَفَتَاهُ» أجزتَاهُ عنْ قيامِ الليل، وقيل: كَفَتَاهُ مِنْ كلِّ شيطانٍ، فلا يقربه ليلَتَهُ، وقيل: كفتاه ما يكُونُ مِنَ الآفاتِ تلك الليلةَ، وقيل: معناه حَسْبُهُ بهما فضلاً وأجراً، ويحتمل الجميع، واللَّه أعلم. اهـ من «سلاح المؤمن» . وقال عليٌّ- رضي اللَّه عنه-: «ما أظنُّ أَحَداً عَقَلَ، وأدْرَكَ الإِسْلاَمَ يَنَامُ، حتى يَقْرَأَهُمَا» «1» وفي الحديثِ أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: «أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» «2» . كمل تفسير سورة البقرة، والحمد لله

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 395) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 669) ، وعزاه للدارمي، ومحمد بن نصر، وابن الضريس، وابن مردويه عن علي. (2) تقدم تخريجه.

محتوى الجزء الأول من تفسير الثعالبي

محتوى الجزء الأول من تفسير الثعالبي مقدمة المحقق 5 المبحث الأول: نبذة عن حياة الثعالبي 9- اسمه وكنيته ولقبه 9- رحلاته وشيوخه 9 1- محمد بن خلفه بن عمر التونسي 12 2- ولي الدين العراقي 13 3- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر مرزوق 14 4- أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي 17 5- علي بن عثمان المنجلاتي 19 6- أحمد النقاوسي البجاني 19 7- عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد الغبريني 19 8- سليمان بن الحسن البوزيدي 20 9- محمد بن علي بن جعفر الشمس 21 10- عمر بن محمد القلشاني 22 11- علي بن موسى البجائي 22 12- البساطي 23 13- أبو الحسن علي بن محمد البليليتي 23 14- أبو يوسف يعقوب الزغبي 23- شيوخه الدين لم يذكره في رحلته 23 1- عبد الله بن مسعود التونسيّ 23 2- عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي 24 3- عبد الواحد الغرياني 25

- تلاميذه 25 1- محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب 25 2- محمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي 26 3- أبو العباس أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي 29 4- محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي 30 5- علي بن محمد التالوتي الأنصاري 32 6- علي بن عباد التستري البكري 33 7- أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي القاسي الشهير بزروق 33- مصنفات الثعالبي 36- ثناء العلماء عليه 38 المبحث الثاني: التفسير قبل أبي زيد الثعالبي 40- التفسير لغة 40- التفسير اصطلاحا 41- التأويل لغة 42- التأويل اصطلاحا 43- الفرق بين التفسير والتأويل 44- حاجة الناس إلى التفسير 46- فهم الصحابة للقرآن الكريم 50- أشهر مفسري القرآن من الصحابة 52 1- علي بن أبي طالب 52 2- عبد الله بن مسعود 53 3- أبيّ بن كعب 55 4- عبد الله بن عباس 56- طرق الرواية عن ابن عباس 59- قيمة التفسير المأثور عن الصحابة 60- مدرسة مكة: تلاميذ ابن عباس 62 1- سعيد بن جبير 62 2- مجاهد بن جبر 66

3- عكرمة 67 4- طاووس 70- مدرسة المدينة: تلاميذ أبيّ بن كعب 74 1- أبو العالية 74 2- محمد بن كعب القرظي 75 3- زيد بن أسلم 75- مدرسة العراق: تلاميذ عبد الله بن مسعود 76 1- علقمة بن قيس 76 2- مسروق 77 3- عامر الشعبي 77 4- الحسن البصري 78 5- قتادة 79- قيمة التفسير المأثور عن التابعين 81- سمات التفسير في تلك المرحلة 82- التفسير في عصر التدوين 82- أقسام التفسير 83- الاتجاه الأثري في التفسير 83- ابن جرير الطبري 84- طريقة الطبري في التفسير 85- الاتجاه اللغوي 86- الاتجاه البياني 88 المبحث الثالث: الكلام على تفسير الثعالبي 91 1- مصادر من كتب التفسير 91 2- كتب غريب القرآن والحديث 94 3- المصادر التي اعتمد عليها من كتب السنة 95 4- كتب الترغيب والترهيب 95 5- كتب في الأحكام الفقهية والأصولية 96 6- كتب الخصائص والشمائل 96

7- كتب في التربية وتهذيب النفوس 96 8- في الأسماء والصفات 97 9- ومن كتب التاريخ 97 10- كتب أخرى منثورة 97- منهج الإمام الثعالبي في تفسيره 98 1- جمعه بين التفسير بالمأثور والرأي 99 2- تعرضه لمسائل في أصول الدين 100 3- مسائل أصول الفقه في تفسيره 101 4- تعرضه لآيات الأحكام 102 5- احتجاجه باللغة والمسائل النحوية 103 6- ذكره لأسباب النزول 104 7- ذكره للقراءت الواردة في الآية 105 8- احتجاجه بالشعر 108 9- موقفه من الإسرائيليات 109- وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير الثعالبي 113- نماذج من صور مخطوطات الكتاب 115 الجزء الأول من تفسير الثعالبي- مقدمة المؤلف 117- باب في فضل القرآن 123- باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه 135- فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسرين 138- فصل: أنزل القرآن على سبعة أحرف 145- فصل في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق 148- باب تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية 150- باب في الاستعاذة 154- باب في تفسير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 156

- تفسير فاتحة الكتاب 161- تفسير سورة البقرة 174

الجزء الثاني

[الجزء الثاني] تفسير سورة آل عمران بسم الله الرّحمن الرّحيم هذه السورة مدنيّة، بإجماع في ما علمت. [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 4] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) قولُه جَلَّتْ قدرته: الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الأبْرَعُ في نَظْمِ الآيةِ أنّ يكون: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كلاماً مبتدأً جزماً جملةً رادةً على نصارَى نَجْرَانَ الذين وفَدُوا علَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالوا: إِنَّهُ اللَّهُ على مَا هُوَ معلومٌ في السِّيَرِ، فنزل فيهم صَدْر هذه السورةِ إِلى نيِّفٍ «1» وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم صلّى الله عليه وسلّم إلى الابتهال. وقد تقدَّم تفسيرُ قوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ في آية الكرسيِّ، والآيةُ هناك إِخبارٌ لجميعِ الناسِ، وكُرِّرتْ هنا إخباراً بحجج هؤلاءِ النصارى، ويردُّ عليهم إِذ هذه الصفاتُ لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى- عليه السلام- لأنهم إِذ يقولُون: إِنه صُلِبَ، فذلك مَوْتٌ في معتقَدِهِمْ، وإِذْ من البيِّن أنَّه ليس بقَيُّومٍ. وقراءة الجمهور «القَيُّوم» ، وقرىء خارجَ السَّبْعِ: «القَيَّامُ» و «القَيِّمُ» «2» ، وهذا كلُّه مِنْ: قَامَ بالأَمْرِ يقُومُ به، إِذا اضطلع بحفْظِهِ، وبجميعِ ما يحتاجُ إليه في وجوده، فالله تعالى

_ (1) كل ما زاد على العقد، فهو نيّف- قال أبو العباس: الذي حصلناه من أقاويل حذاق البصريين والكوفيين أن النيف من واحدة إلى ثلاث. ينظر: «لسان العرب» (4580) (نوف) . (2) قرأ «الحيّ القيّام» كل من عمر، وعثمان، وابن مسعود، والنخعي، والأعمش، وأصحاب عبد الله، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وأبي رجاء بخلاف، ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقرأ «الحيّ القيّم» علقمة بن قيس. كما في «مختصر الشواذ» (ص 25) ، و «المحتسب» (1/ 151) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 397) .

القَيَّامُ على كلِّ شيءٍ ممَّا ينبغِي له، أوْ فِيهِ، أوْ عليه. ت: وقد تقدَّم ما نقلْناه في هذا الاِسم الشريفِ أنه اسمُ اللَّهِ الأعظمُ، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب الترمذيِّ عَنْ أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ» ، قَالَ الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد «1» . اهـ. قال صاحب «سلاح المؤمن» : وعنْ عليٍّ- رضي اللَّه عنه-، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَاتَلْتُ شَيْئاً مِنْ قِتَالٍ، ثمَّ جئْتُ إلى رسُولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم أنظر ما صنع فجئت، فإذا هو ب سَاجِدٌ يَقُولُ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ/، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ لاَ يَزِيدُ على ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» رواه النِّسائِيُّ، والحاكمُ في «المستدرك» ، واللفظ للنسائِيِّ «2» . وعن أسماء بنتِ يَزيد «3» - رضي الله عنها- أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ: الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» رواه أبو داود، واللفظُ له، والترمذيُّ، وابن ماجة «4» ، وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.

_ (1) تقدم تخريجه في سورة البقرة. (2) أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 156- 157) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب الاستنصار عند اللقاء، حديث (10447) . والحاكم (1/ 222) ، من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن عمر بن علي عن علي به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي، فقال: ابن موهب اختلف قولهم فيه، وإسماعيل فيه جهالة. (3) هي: أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث.. أم سلمة، الأنصارية، الأوسية، الأشهلية. خطيبة النساء. قال ابن حجر في «الإصابة» : روت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عدة أحاديث، وعند أبي داود بسند حسن عنها قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تقتلوا أولادكم سرا إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه» . ينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 18، 19) ، «الإصابة» (8/ 12) ، «الثقات» (3/ 23) ، «الاستيعاب» (4/ 1787) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 245) ، «أعلام النساء» (1/ 53) ، «حلية الأولياء» (2/ 76) ، «خلاصة تذهيب تهذيب الكمال» (3/ 375) ، «الكاشف» (3/ 64) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1678) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 399) ، «تقريب التهذيب» (2/ 589) ، «بقي بن مخلد» (42) . (4) أخرجه أبو داود (1/ 470) ، كتاب «الصلاة» ، باب الدعاء، حديث (1496) ، والترمذي (5/ 517) ، كتاب «الدعوات» ، حديث (3478) ، وابن ماجة (2/ 1267) ، كتاب «الدعاء» ، باب اسم الله الأعظم، -

وعن أبي أمامة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاَثِ سُوَرٍ: فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وآل عِمْرَانَ، وَطَه» ، قال القاسِمُ: فالتمستها أنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ «1» . انتهى. وقوله: بِالْحَقِّ: يحتملُ معنيَيْنِ: أحدهما: أنْ يكون المعنى: ضُمِّنَ الحقائقَ في خبره، وأمره، ونهيه، ومواعظه. والثانِي: أنْ يكون المعنى: أنه نَزَّلَ الكتابَ باستحقاق أنْ يُنَزَّل لما فيه من المصلحةِ الشاملة، وليس ذلك على أنه واجبٌ على اللَّه تعالى أنْ يفعله. ت: أي: إِذْ لا يجبُ عَلَى اللَّه سبحانه فعْلٌ قال ع «2» : فالباءِ، في هذا المعنى: على حدِّ قوله: سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [المائدة: 116] . وقيل: معنى: بِالْحَقِّ: أيْ: مِمَّا اختلف فيه أهْلُ الكتابِ، واضطرب فيه هؤلاءِ النصارَى الوافِدُونَ. قال ع «3» : وهذا داخلٌ في المعنى الأول. وقوله: مُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة لأنه لا يمكن أنْ يكون غير مصدِّقٍ، لما بين يديه من كتب الله سبحانه، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: هي التوراةُ والإِنجيلُ وسائرُ كُتُبِ اللَّه التي تُلُقِّيَتْ من شرعنا. وقوله تعالى: مِنْ قَبْلُ: يعني: من قبل القرآن. وقوله: هُدىً لِلنَّاسِ: معناه: دُعَاءٌ، والنَّاسُ: بنو إِسرائيل في هذا الموضع، وإن

_ - حديث (3855) . كلهم من طريق عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وشهر بن حوشب صدوق، كثير الإرسال والأوهام. ينظر: «التقريب» (1/ 355) . (1) أخرجه ابن ماجة (2/ 1267) ، كتاب «الدعاء» ، باب اسم الله الأعظم، حديث (3856) . والطبراني في «الكبير» (8/ 214) ، من طريق عيسى بن موسى، عن غيلان بن أنس، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا. قال البوصيري في «الزوائد» (3/ 204) : هذا إسناد فيه مقال غيلان لم أر من جرحه، ولا من وثّقه. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 397) . (3) ينظر: المصدر السابق.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 5 إلى 7]

كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل من شاء حينئذ أن يستبصر، والْفُرْقانَ: القرآن لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وعَزِيزٌ: معناه: غالبٌ، والنقمة والاِنتقام: معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك. [سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى 7] إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ: هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء، على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين، ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ: وعيد، وشرح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره «أنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرْ/ أَمْ أنثى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ... » الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه «1» ، وفي مسندِ ابن «سِنْجَر» حديثٌ «أنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ» ، وَصَوَّرَ: بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة، والكتابُ في هذه الآية: القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ: المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ: هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِي النَّظَرِ: إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» «2» ، أي: يكون الشيء حراما في نفسه،

_ (1) تقدم تخريجه. [.....] (2) ورد ذلك من حديث النعمان بن بشير، وعمار بن ياسر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله. -

فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية: يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام والتشابُهِ في هذه الآية.

_ - فأما حديث النعمان، فأخرجه البخاري (1/ 153) في الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه (52) ، و (4/ 340) في البيوع: باب الحلال بيّن، والحرام بين، وبينهما مشتبهات (2051) ، ومسلم (3/ 1219- 1221) ، في المساقاة: باب أخذ الحلال وترك الشبهات (107، 108/ 1599) ، وأبو داود (1/ 263) في البيوع، باب في اجتناب الشبهات (3329، 3330) . والنسائي (7/ 241) في البيوع: باب اجتناب الشبهات في الكسب. والترمذي (3/ 511) في البيوع: باب ما جاء في ترك الشبهات (1205) . وابن ماجة (2/ 1318) في الفتن، باب الوقوف عند الشبهات (3984) ، وأحمد (4/ 269، 270) ، والدارمي (2/ 245) في البيوع، باب في الحلال بين، والحرام بين. والحميدي (918) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (1/ 324) ، والبيهقي (5/ 264) في البيوع: باب طلب الحلال، واجتناب الشهوات، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 269- 270) ، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص 317) . والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (4/ 207) في البيوع: باب الاتقاء عن الشبهات (2024) ، من طرق عن الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله. إلا وهي القلب» . وأخرجه أحمد (4/ 267) ، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شيبان، عن عاصم، عن خيثمة. والشعبي عن النعمان مرفوعا بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث عمار بن ياسر، فأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (1653) . والطبراني في «الكبير» ، و «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (4/ 76) ، من طريق موسى بن عبيدة، أخبرني سعد بن إبراهيم عمن أخبره، عن عمار بن ياسر رفعه: «إن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما شبهات. من توقاهن كن وقاء لدينه، ومن يوقع فيهن يوشك أن يواقع الكبائر، كالمرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، لكل ملك حمى» . وقال الهيثمي (4/ 76، 10/ 296) : فيه موسى بن عبيدة، وهو متروك. وقال الحافظ في «المطالب» (1254) : إسناده ضعيف. وأما حديث ابن عباس، فأخرجه الطبراني في «الكبير» (10/ 404) برقم (10824) ، من طريق الوليد بن شجاع، حدثني أبي، ثنا سابق الجزري أن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب أخبره عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك شبهات. فمن أوقع بهن فهو قمن أن يأثم، ومن اجتنبهن فهو أوفر لدينه، كمرتع إلى جنب حمى أوشك أن يقع فيه، ولكل ملك حمى، وحمى الله الحرام» . قال الهيثمي في «المجمع» (10/ 297) فيه سابق الجزري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وأما حديث جابر، فأخرجه الخطيب في «التاريخ» (6/ 70) ، من طريق سعيد بن زكريا المدائني، حدثنا الزبير بن-

قال ع «1» : وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ» أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ: لها تصريفٌ وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد «3» ، قال ابن الحاجِبِ في «منتهَى الوُصُولِ» : مسألةٌ في القرآن محكمٌ ومتشابهٌ، قال تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فالمُحُكَمُ: المتَّضِح المعنى، قال الرهوني: يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ: مقابله إمَّا للاشتراك مثل: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228] ، أو للإجمالِ مثلُ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: 237] وما ظاهره التّشبيه مثل: مِنْ رُوحِي [ص: 72] ، وأَيْدِينا [يس: 71] ، وبِيَدَيَّ [ص: 75] وبِيَمِينِهِ [الزمر: 67] ، ويَسْتَهْزِئُ [البقرة: 15] ، ومَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: 54] ونحوه، والظاهرُ: الوقْفُ على: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ. انتهى. قال الرهونيُّ: وسمِّي ما ذكر «مُتَشَابِهاً» لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ: والحقُّ الوقْفُ على: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وهو المرويُّ عن جماعة منهم: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ: «وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ [في العلْمِ] «4» آمنا بِه» «5» . اهـ. وقوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، أي: معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه: إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يعمر «6» : كما يقال

_ - سعيد الهاشمي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رفعه بنحوه. ثم قال: أخبرنا أحمد بن أبي جعفر أخبرنا محمد بن عدي البصري- في كتابه- حدثنا أبو عبيد محمد بن علي الآجري قال: سألت أبا داود عن سعيد بن زكريا المدائني فقال: سألت يحيى عنه فقال: ليس بشيء. (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 401) . (2) محمد بن جعفر بن الزّبير بن العوّام الأسدي، عن عمه عروة، وابن عمه عبّاد بن عبد الله، وعنه عبيد الله بن أبي جعفر، وابن إسحاق، وجماعة، وثقه النسائي. ينظر: «الخلاصة» (2/ 388) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 174) برقم (6584) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 369) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 401) . (4) سقط في: أ. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (1/ 183) برقم (6624) وعبد الرزاق (1/ 116) . (6) يحيى بن يعمر القيسي، الجدلي العدواني البصري، عن أبي ذر وأبي هريرة، وعلي، وعمّار، وعائشة، -

لمكَّة أمُّ القرى. قال ع «1» : وكما يقالُ: أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى أنه نزّل الكتاب/ على نبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم إِفضالاً منه، ونعمةً وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم. م: قال أبو البقاءِ: وَأُخَرُ: معطوف على آياتٌ، ومُتَشابِهاتٌ: نعت ل أُخَرُ. وقوله تعالى: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ: الميل، وابْتِغاءَ: نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه: طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع: الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ: الفتْنَةُ: الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال: وابتغاء تأويلِهِ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ، وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من: آلَ يَئولُ، إذا رجع، فالمعنى: وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل، بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه، ثم قال تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أي: وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه. واختلف في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ (عَزَّ وجلَّ) وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ: آمَنَّا بِهِ، وقالتْ طائفةٌ أخرى: والراسخُونَ: رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره «يَقُولُونَ» ، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده.

_ - وابن عباس، وعنه ابن بريدة، وعكرمة، وقتادة، وسليمان التيمي. قال أبو داود: لم يسمع من عائشة، وثقه أبو حامد، توفي قبل التسعين «بخراسان» . ينظر: «الخلاصة» (3/ 164- 165) . (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 401) .

قال ع «1» : وهذه المسألة إذا تأمّلت، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن، منه: ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه: ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال: إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هو نوعانِ كما ذكرنا، والضمير في تَأْوِيلِهِ عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ كما ذكرنا، والرُّسُوخُ: الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ: «هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ» «2» ، قُلْتُ: ومن «جامعِ العَتَبِيَّةِ» ، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسخين في العلم، فقال: العالمون العالمون بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ: قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سُئِلَ: مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ؟ فقالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، / واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ» قال ابنُ رُشْدٍ: ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ (عز وجل) : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: 28] لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه، فَلَيْسَ بعالمٍ. انتهى. قلت: وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها: ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده، عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم،

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 403) . (2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (8/ 177- 178) رقم (7658) ، من طريق عبد الله بن يزيد بن آدم، حدثني أبو الدرداء، وأبو أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (6/ 327) ، وقال: وفيه عبد الله بن يزيد، وهو ضعيف.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 8 إلى 11]

وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ البَحْرِ وهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وأَنْعَامُهُ لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، وَمَصَابِيحُ الأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بَالعِلْمِ مَنَازِلَ الأَخْيَارَ، وَالدَّرَجَاتِ العلى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الفِكْرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيَامَ، بِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الحَلاَلُ مِنَ الحَرَامِ، هُوَ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ» «1» ، قال أبو عمر: هكذا حدَّثنيه عُبَيْدُ بْنُ محمَّدٍ مرفوعاً بالإِسناد الَّذِي روَيْناه به عنه، وهو حديثٌ حسنٌ جِدًّا، ولكن ليس له إِسناد قويٌّ، وَرَوَيْنَاهُ من طرقٍ شتى موقوفًا على معاذ. انتهى من كتاب «فَضْل العِلْمِ» «2» ، قال الشيخُ العارِفُ أبو القاسِمِ عبْدُ الرحمنِ بْنُ يُوسُفَ اللجائي (رحمه اللَّه) ، ومن علامة نورِ العلْمِ، إذا حلَّ بالقلب: المعرفةُ والمراقبةُ والحياءُ والتوبةُ والوَرَعُ والزُّهْد والتوكُّل والصَّبْر والرضى والأنس والمجاهَدَةُ والصَّمْت والخَوْف والرجاءُ والقَنَاعةُ وذِكْرُ المَوْتِ. اهـ. وقوله تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: فيه ضميرٌ عائدٌ على كتاب اللَّه مُحْكَمِهِ ومتشَابِهِهِ، والتقديرُ: كلُّه من عنْدِ ربِّنا. ثم قال تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ، أي: ما يقول هذا، ويؤمن ويقفُ حيثُ وُقِّفَ، ويدع اتباع المتشابهِ إلاَّ ذُو لُبٍّ، وهو العقْلُ و «أُولُو» : جمع: «ذو» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 8 الى 11] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) وقوله تعالى: رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا ... الآية: لمَّا ذكر اللَّه سبحانه أهلَ الزيْغِ، وذكَرَ نقيضهم، وظهر ما بَيْن الحالَتَيْنِ، عقَّب ذلك بأنْ علَّم عباده الدعاء إلَيْه في ألاَّ يكونوا من الطائفَةِ الذميمَةِ الَّتي ذُكِرَتْ، وهم أهلْ الزيْغِ، ويحتمل أنْ يكون هذا من تمام قول الراسخين، وتُزِغْ: معناه: تمل قلوبنا عن الهدى والحقّ، ومِنْ لَدُنْكَ: معناه: من عِنْدِكَ تَفَضُّلاً، لا عن سَبَبٍ منَّا، ولاَ عَمَلٍ، وفي هذا استسلامٌ وتطارُحٌ، والمرادُ: هَبْ لنا نعيماً صادراً عن الرحمة. وقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ: إِقرار بالبَعْثِ ليومِ القيامة،

_ (1) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» رقم (268) . [.....] (2) ينظر: المصدر السابق.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 12 إلى 13]

والرَّيْبُ: الشكُّ، والمعنى أنه في نفْسِه حقٌّ لا رَيْبَ فيه. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعادَ، يحتمل: أنْ يكون إِخباراً منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، ويحتملُ: أنْ يكون حكايةً مِنْ قول/ الداعين، ففي ذلك إِقرارٌ بصفة ذاتِ اللَّه تعالى، والميعادُ: من الوَعْد. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ... الآية: الإِشارة بالآيةِ إلى معاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا يفْخَرُون بأموالهم وأبنائهم، وهي بَعْدُ متناوِلَةٌ كلَّ كافرٍ، والوَقُود بفتحِ الواوِ: كلُّ ما يحترق في النار من حَطَبٍ ونحوه، والدَّأْبُ، والدَّأَبُ بسكون الهمزة وفتحها: مصدرُ: دَأَبَ يَدْأَبُ، إذا لازم فعل شيءٍ، ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة دَأْبٌ، والمعنى في الآية: تشبيهُ هؤلاء في لزومهم الكُفْر ودوامِهِم عليه بأولئك المتقدِّمين، وآخر الآية يقتضي الوعيدَ بأنْ يصيب هؤلاءِ ما أصَابَ أولئك، والكافُ في قوله: كَدَأْبِ في موضعِ رفعٍ، والتقدير: دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، والضمير في قَبْلِهِمْ عائد على آلِ فِرْعَوْنَ، ويحتمل: على معاصري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكفار. وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا: يحتمل: أنْ يريد المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 13] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ ... الآية: اختلف في تعيين هؤلاء الذين أمر صلّى الله عليه وسلّم بالقَوْل لهم: فقيل: هم جميعُ معاصريه أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم. وتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم من غزوة بَدْرٍ، جمعهم، وقال: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً» ، فقالوا: يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هذه الآية» «1»

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 170) : كتاب «الخراج والفيء والإمارة» ، (3001) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 192) -

والحَشْر: الجمْعُ والإِحضار. وقوله تعالى: وَبِئْسَ الْمِهادُ: يعني: جهنَّم هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ: المعنى: بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم «1» . قال ع «2» : فكان المعنى: وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم. وقوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ... الآيةُ تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون تثبيتاً لنفوسهم، وتشجيعاً لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ احتمال منْها قد قال قومٌ، وقرىء شاذًّا: «تَروْنَهُمْ» بضم التاء «3» فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار إنما كان تخميناً وظَنًّا لا يقيناً، وذلك أنَّ «أرى» بضم الهمزة: تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأرى بفتح الهمزةِ: تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ «4» ، وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ: جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ. قال ع «5» : ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إلى يوم بدر ويُؤَيِّدُ: معناه يقوّي من «الأيد» ، وهو القوّة.

_ - رقم (6663) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 173- 174) . كلهم من طريق محمد بن أبي محمد مولى زيد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس به. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 16) ، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وفاته أن يعزوه إلى أبي داود. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 192) برقم (6668) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 374) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 406) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 406) . (3) وقرأ بها أبان عن عاصم، وأبو عبد الرحمن السلمي، كما في «المحرر الوجيز» (1/ 406) ، و «البحر المحيط» (2/ 411) . وقد نسبها ابن جني في «المحتسب» (1/ 154) إلى ابن عباس، وطلحة بن مصرف، وقال: قراءة حسنة. (4) أبو الفتح عثمان بن يزيد بن جني، من حذاق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف- تلمذ على أبي علي الفارسي، من تصانيفه «الخصائص» ، «سر صناعة الإعراب» ، «المحتسب» ، «اللمع» مات سنة 392 هـ. ينظر: «بغية الوعاة» (2/ 132) . (5) ينظر «المحرر الوجيز» (1/ 407) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 14 إلى 17]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 14 الى 17] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ... الآيةُ: هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مهلكة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» «1» ، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار، قلْتُ: وقد جاءت إحاديثٌ/ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ: البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها كصحيح ابن حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني: «المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّإِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نقل الأحاديث:

_ (1) أخرجه مسلم (4/ 2174) ، كتاب «الجنة» ، باب صفة نعيمها، حديث (1/ 2821) ، والترمذي (4/ 693) ، كتاب «صفة الجنة» ، باب ما جاء: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، حديث (2559) ، وأحمد (3/ 153، 254، 284) ، وأبو يعلى (6/ 33) رقم (3275) ، وابن حبان (716، 718) ، والبيهقي في «الشعب» (7/ 147) رقم (9795) . والخطيب في «تاريخ بغداد» (8/ 184) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 331- بتحقيقنا) ، من حديث أنس بن مالك به مرفوعا. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (11/ 327) كتاب «الرقاق» ، باب حجبت النار بالشهوات، حديث (6487) ، ومسلم (4/ 2174) ، كتاب «الجنة» ، حديث (1/ 2823) ، وأحمد (2/ 260) ، وابن حبان (719) . كلهم من طريق أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. وعند البخاري: «حجبت» بدلا من «حفت» . وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (567) ، من طريق مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة به.

روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قالت: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا، كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حتى تَرْقَعِيهِ» «1» حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» ، خرَّجه أبو داود «2» وقد نقله البغويُّ في «مصابيحه» ، والبَذَاذَةُ: هي رث الهيئة. اهـ والْقَناطِيرِ: جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال واختلف النّاس في تحرير

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 245) ، كتاب «اللباس» ، باب ما جاء في ترقيع الثوب، حديث (1780) . والحاكم (4/ 312) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 157- 158) رقم (6181) ، وابن السني في «القناعة» رقم (54) . كلهم من طريق سعيد بن محمد الوراق، عن صالح بن حسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة به. قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان، وسمعت محمدا يقول: صالح بن حسان منكر الحديث. وقال البيهقي: تفرد به صالح بن حسان، وليس بالقوي، ورواه الحسن بن حماد، عن إبراهيم بن عيينة، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ورواه أبو يحيى الحماني، عن صالح عن عروة، وقيل: عنه، عن صالح، عن هشام بن عروة. أما الحاكم فقال: صحيح الإسناد. وقد تعقبه الذهبي فقال: الوراق عدم. وفي كلامهما نظر، أما تصحيحه فليس بصحيح كما مر، وكما سيأتي. أما تعليله بالوراق فقد توبع كما سيأتي لتنحصر العلة في صالح بن حسان. فأخرجه الترمذي (4/ 245) ، كتاب «اللباس» ، باب ما جاء في ترقيع الثوب حديث (1780) ، وابن السني في «القناعة» برقم (55) ، وابن عدي في «الكامل» (4/ 1370) . وابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 139- 140) ، من طريق أبي يحيى الحماني، عن صالح بن حسان، عن عروة، عن عائشة به. وقال ابن عدي: وقد رواه بعضهم عن أبي يحيى الحماني، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ومن قال: عن صالح عن عروة. أصح. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال يحيى بن معين: صالح بن حسان ليس حديثه بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات والحديث أخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 89) ، من طريق حفص بن غياث، عن صالح، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه ابن السني في «القناعة» رقم (56) ، من طريق إبراهيم بن عيينة، عن صالح بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به. والحديث ذكره الهندي في «الكنز» (3/ 730- 731) رقم (8598) . وزاد نسبته إلى ابن الأعرابي في «الزهد» ، والحديث ضعفه المنذري في «الترغيب» (4/ 64) . (2) أخرجه أبو داود (2/ 474- 475) ، كتاب «الترجل» ، حديث (4161) ، من طريق عبد الله بن أبي أمامة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة به. وقال أبو داود: هو أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري.

حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه: ما رواه أُبَيُّ بن كعب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ» «1» ، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ باختلاف البلادِ في قَدْر الأَوقِيَّةِ. وقوله: الْمُقَنْطَرَةِ، قال الطبريُّ «2» : معناه: المُضَعَّفة، وقال الربيعُ: المالُ الكثيرُ بعْضُه على بعض «3» . ص: الْمُقَنْطَرَةِ: مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة مِن القنطار، ومعناه: المجتمعة. م: أبو البقاء: ومِنَ الذَّهَبِ: في موضعِ الحالِ من الْمُقَنْطَرَةِ اهـ. وقوله: الْمُسَوَّمَةِ: قال مجاهدٌ: معناه المُطَهَّمة الحِسَان «4» ، وقال ابن عبَّاس وغيره: معناه: الراعيَةُ «5» ، وقيل: المُعَدَّة، وَالْأَنْعامِ: الأصنافُ الأربعةُ: الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز. ص: والأنعامُ: واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ: الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، انطلق على الإِبلِ والبقرِ والغنمِ. اهـ. وَالْحَرْثِ: هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ وغيره، والمَتَاعُ: ما يستمتعُ به، وينتفع مدّة ما منحصرة، والْمَآبِ: المَرْجِعُ، فمعنى الآية: تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالى. وقوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ... الآية: في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها ذَكَر تعالى حالَ الدُّنْيا، وكَيْف استقر تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك هَازًّا للنفُوس، وجامعاً لها لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافع لمن عقل، وأنبّىء: معناه: أخبر.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 199) برقم (6698) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 201) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 201) برقم (6722) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 409) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 19) ، وعزاه لابن جرير. [.....] (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 203) برقم (6736) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 377) بنحوه، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 409) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 19) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 202) برقم (6731) ، وذكره ابن عطية (1/ 409) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 19) ، وعزاه لابن أبي حاتم.

وقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ، الرِّضْوَانُ: مصدر مِنْ «رَضِيَ» ، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا استقروا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً» «1» ، هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنى قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر «2» : وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالى راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم- أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور. اهـ. وباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ. وقوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ... الآية: «الَّذِينَ» : بدلٌ من «الَّذِينَ اتقوا» ، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات، والصَّبْرُ في هذه الآية: معناه: على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ: معناه: في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ: الطاعةُ والدعاءُ أيضاً، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ: معناه: في سبِيلِ اللَّه ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ: طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر لما فيه من الفَضْل حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ كحديث النُّزُول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ» » ، إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله. قلت: تنبيهٌ: قال القرطبيُّ في «تذكرته» ، وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّراً مبيَّناً في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يُمْهِلُ حتى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِياً يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يعطى» ، صحّحه أبو محمّد عبد الحقّ «4» . اهـ.

_ (1) تقدم تخريجه. (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (7/ 174) . (3) أخرجه البخاري (3/ 29) ، كتاب «التهجد» ، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، حديث (1145) ومسلم (1/ 522) كتاب «صلاة المسافرين» ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل حديث (168، 169/ 758) وأبو داود (1/ 420) ، كتاب «الصلاة» ، باب أي الليل أفضل؟، حديث (1315) والترمذي (5/ 526) ، كتاب «الدعوات» ، باب (79) حديث (3498) وأحمد (2/ 487) والبيهقي (3/ 2) من حديث أبي هريرة. (4) ينظر الحديث السابق.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 18 إلى 20]

وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عبد الرحمن بن عوف «1» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَالَ: «إِنَّ نُزُولَ اللَّهِ تعالى إِلَى الشَّيْءِ إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نُزُولٍ» «2» . اهـ. والسَّحَر: آخرُ الليل، قال نافِعٌ: «كان ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي الليْلَ صلاةً، ثم يقولُ: يا نَافِعُ، أسْحَرْنَا، فأقول: لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاة، ثم يسأل، فَإِذا قُلْتُ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ» . قال ع «3» : وحقيقةُ السَّحَرِ في هذه الأحكامِ الشرعيَّة من الاستغفار المحمودِ، وسُحُورِ الصَّائِمِ، ومِنْ يَمِين لَوْ وَقَعَتْ، إنما هي مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخر إلى الفجر. [سورة آل عمران (3) : الآيات 18 الى 20] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20)

_ (1) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة.. أبو محمد. القرشي. الزهري. من مشاهير الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى الذين أوصى إليهم عمر بعده، وأحد الثمانية الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وشهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وصلّى خلفه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومناقبه كثيرة لا يتسع المقام لذكرها. توفي سنة (31) ب «المدينة» . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 480) ، «الإصابة» (4/ 176) ، «الاستيعاب» (2/ 844) ، «الاستبصار» (114، 126) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 353) ، «عنوان النجابة» (131) ، «الرياض المستطابة» (176) ، «الأعلام» (3/ 321) ، «التاريخ الكبير» (5/ 239) ، «التاريخ الصغير» (1/ 50) ، «العبر» (1/ 33) ، «الكاشف» (2/ 179) ، «بقي بن مخلد» (53) ، «تاريخ الإسلام» (3/ 221) ، «الرياض النضرة» (2/ 376) ، «البداية والنهاية» (7/ 163) ، «سير أعلام النبلاء» (1/ 68) ، «شذرات الذهب» (1/ 25، 38، 62) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 524) ، «تهذيب الكمال» (2/ 809) ، «تقريب التهذيب» (1/ 494) ، «العقد الثمين» (5/ 396) . (2) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (2/ 246) . وقال الذهبي في «الميزان» (5083) : إسناد مظلم، ومتن مختلق، وقال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (1/ 138) : وفيه عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر البقال، وبحر بن كنيز السقا، وعبد الكريم بن روح. قال الذهبي في «تلخيص الموضوعات» : هم ظلمات متروكون. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 412) .

وقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ ... الآية: معنى: شَهِدَ اللَّهُ: أعلم عباده بهذا الأمْر الحَقِّ، وقال ص: شَهِدَ، بمعنى عَلِمَ أو قضى، أوْ حَكَم، أو بَيَّن، وهي أقوال اهـ. وأسند أبو عُمَرَ بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» عن غالبٍ القَطَّان، قَالَ: كُنْتُ أختلِفُ إِلى الأَعْمَشِ، فرأيته ليلةً قَامَ يتهجَّد من الليل، وقرأ بهذه الآية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال الأعمش: وأنا أشْهَدُ بما شَهِدَ اللَّه به، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هذه الشهادةَ، فقلْتُ للأعمش: إِني سمعتُكَ تقرأُ هذه الآية تردِّدها، فما بَلَغَكَ فيها؟ قال: حدَّثني أبو وَائِلٍ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: عَبْدِي عهدَ إلَيَّ، وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ وفى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي/ الجَنَّةَ» «1» . اهـ. وقرأ جميعُ القرَّاء «أَنَّهُ» بفتح الهمزةِ وبكَسْرها من قوله: إِنَّ الدِّينَ على استئناف الكلامِ، وقرأ الكِسَائيُّ وحْده: «أَنَّ الدِّينَ» بفتح الهمزةِ بَدَلاً من «أَنَّهُ» الأولى، وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ: عطْفٌ على اسم الله، قال الفَخْر «2» : المراد بِأُولِي العِلْمِ هنا: الذينَ عَرَفُوا اللَّه بالدَّلاَلة القطعيَّة لأن الشهادة، إنما تكونُ مقبولةً، إِذا كان الإِخبار مقروناً بالعلْمِ، وهذا يدلُّ أنَّ هذه الدرجةَ الشريفَةَ لَيْسَتْ إِلا للعلماء بالأُصُولِ، وتكرَّرت «لا إِله إِلا اللَّه» هنا، وفائدةُ هذا التكرير الإِعلامُ بأنَّ المسلم يجبُ أنْ يكون أَبداً في تكرير هذه الكلمة، فإِنَّ أشرفَ كلمةٍ يذكرها الإِنسان هي هذه الكلمةُ، وإذا كان في أكثر الأوقات مُشْتَغِلاً بذكْرِها، وبتكريرها، كان مُشْتَغِلاً بأعظمِ أنواعِ العباداتِ، فكان من التكريرِ في هذه الآيةِ حضُّ العبادِ على تكريرها. اهـ. وصحّ في البخاريّ، عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ من قال:

_ (1) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (3/ 325) ، وابن عدي في «الكامل» (5/ 1693- 1694) . والخطيب في «تاريخه» (7/ 193- 194) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (607) . كلهم من طريق عمار بن عمر، عن أبيه، عن غالب القطان به. وقال العقيلي في ترجمة عمار: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به. وقال الذهبي في «الميزان» (3/ 330) : الآفة من عمر فإنه متهم بالوضع. وأقرّه الحافظ في «اللسان» (4/ 273) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (7/ 179) .

لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» «1» ، وروى زيْدُ بن أرْقَم «2» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً دَخَلَ الجَنَّةَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إخْلاَصُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَحْجِزَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» «3» ، خرَّجه الترمذيُّ الحَكِيمُ في «نَوَادِرِ الأصول» اهـ من «التّذكرة» . وقائِماً: حالٌ من اسمِهِ تعالى في قوله: شَهِدَ اللَّهُ، أو من قوله: إِلَّا هُوَ، والقسط: العَدْل، وقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ... الآية: الدِّينُ في هذه الآية: الطاعةُ والمِلَّة، والمعنى: أنَّ الدين المَقْبُول أو النافع هو الإِسلام، والإِسلام في هذه الآية هو الإِيمانُ والطَّاعات، قاله أبو العالية «4» وعليه جمهور المتكلِّمين، وحديثُ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ على خَمْسٍ» «5» ، وحديثُ مجيء جبريل يعلّم النّاس................

_ (1) أخرجه البخاري (1/ 233) كتاب «العلم» ، باب الحرص على الحديث، حديث (99) ، و (11/ 426) : كتاب «الرقاق» ، باب صفة الجنة والنار، حديث (6570) . (2) هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. أبو عمر. وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو سعيد. الأنصاري، الخزرجي. سكن «الكوفة» ، وابتنى بها دارا في «كندة» . روى حديثا كثيرا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، روي عنه من وجوه أنه شهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سبع عشرة غزوة، واستصغر يوم أحد، وكان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، وسار معه إلى مؤتة، ويقال: إن أول مشاهده «المريسيع» . شهد مع علي «صفين» ، وهو معدود في خاصة أصحابه. توفي ب «الكوفة» سنة (66) ، وقيل: (68) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 276) ، «الإصابة» (3/ 21) ، «الثقات» (3/ 139) ، «الاستيعاب» (2/ 535) ، «الاستبصار» (11) ، «الأعلام» (3/ 56) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 196) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 18، 2/ 65) ، «در السحابة» (770) ، «الرياض المستطابة» (87) ، «بقي بن مخلد» (48) . (3) ذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 391) رقم (2253) ، وعزاه للطبراني في «الكبير» ، و «الأوسط» ، وضعفه. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 21) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ، و «الكبير» ، وفي إسناده محمد بن عبد الرّحمن بن عزوان، وهو وضاع. [.....] (4) ذكره ابن عطية في « «تفسيره» » (3/ 413) . (5) أخرجه البخاري (1/ 64) كتاب «الإيمان» ، باب دعاؤكم إيمانكم حديث (8) ، ومسلم (1/ 45) كتاب «الإيمان» ، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث (19/ 16) ، والترمذي (5/ 5) كتاب «الإيمان» ، باب ما جاء في «بني الإسلام على خمس» ، حديث (2609) ، والنسائي (8/ 107- 108) كتاب «الإيمان» ، باب على كم بني الإسلام، وأحمد (2/ 120، 143) ، والحميدي (2/ 308) رقم (703) ، وابن خزيمة (308، 309) ، وأبو يعلى (10/ 164) رقم (5788) ، وابن حبان (158) ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 62) ، والبيهقي (4/ 81) كتاب «الزكاة» ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 64- بتحقيقنا) من طرق عن ابن عمر به. وقال الترمذي: هذ حديث حسن صحيح. -

دينَهُمْ «1» يفسِّر ذلك، ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهْلِ الكتابِ بَعْد علمهم بالحقائقِ، وأنه

_ - وللحديث شاهد من حديث جرير: أخرجه أحمد (4/ 363) ، وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 251) ، والطبراني في «الكبير» (2/ 326) رقم (2363، 2364) من طرق عن الشعبي عن جرير قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» . وقال الهيثمي في «المجمع» (1/ 50) : وإسناد أحمد صحيح. (1) أخرجه أحمد (3/ 330) ، والترمذي (1/ 281- 283) ، كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في مواقيت الصلاة، الحديث (150) ، والنسائي (1/ 255) ، كتاب «الصلاة» ، باب آخر وقت العصر، والدارقطني (1/ 257) ، كتاب «الصلاة» ، باب إمامة جبرائيل، الحديث (3) ، والحاكم (1/ 195) ، كتاب «الصلاة» ، والبيهقي (1/ 368) ، كتاب «الصلاة» ، باب وقت المغرب، من حديث وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاءه جبريل (عليه السلام) فقال له: قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاء الفجر فقال: قم فصله، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال ثلث الليل، فصلى العشاء، ثم جاءه الفجر حين أسفر جدا، فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. حديث جابر في المواقيت: قد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، نحو حديث وهب بن كيسان، عن جابر، وقال محمد- يعني البخاري-: أصح شيء في المواقيت، حديث جابر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح مشهور. ووافقه الذهبي، وقال الزيلعي (1/ 222) وقال ابن القطان: هذا الحديث يجب أن يكون مرسلا لأن جابرا لم يذكر من حدثه بذلك، وجابر لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء لما علم أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة، ولا يلزم ذلك في حديث أبي هريرة، وابن عباس، فإنهما رويا إمامة جبريل من قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وتعقبه ابن دقيق العيد كما في «نصب الراية» (1/ 223) فقال: وهذا المرسل غير ضار، فمن أبعد البعد أن يكون جابر سمعه من تابعي عن صحابي، وقد اشتهر أن مراسيل الصحابة مقبولة، وجهالة عينهم غير ضارة. قلت: وقد صرح جابر بأن هذا من كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كما في «سنن الترمذي» . فقال: عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أمني جبريل» .. فذكر الحديث. وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري وأنس. حديث ابن عباس: -

كان بَغْياً وطلباً للدنيا قاله ابن عُمَر وغيره «1» ، والَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: لفظٌ يعُمُّ اليهودَ والنصارى، لكنَّ الرَّبِيعَ بنَ أنسٍ «2» قال: المرادُ بهذه الآية اليهود اختلفوا بعد موت

_ - أخرجه أبو داود (393) ، والترمذي (149) ، والحاكم (1/ 193) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 87) ، وابن الجارود (78) ، والدارقطني (1/ 258) ، والبيهقي (1/ 364) من طريق عبد الرّحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن حكيم عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس بنحو حديث جابر. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان، وابن خزيمة فقد روياه في صحيحيهما كما في «نصب الراية» (1/ 221) . لكن قال الزيلعي في «نصب الراية» (1/ 221) : وعبد الرّحمن بن الحارث هذا تكلم فيه أحمد، وقال: متروك الحديث، هكذا حكاه ابن الجوزي في «كتاب الضعفاء» ، ولينه النسائي، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، ووثقه ابن سعد، وابن حبان. قال في «الإمام» : ورواه أبو بكر بن خزيمة في «صحيحه» ، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» : وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. وقد أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وابن أبي سبرة، عن عبد الرّحمن بن الحارث بإسناده، وأخرجه أيضا عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه، قال الشيخ: وكأنه اكتفى بشهرة العلم مع عدم الحرج الثابت، وأكد هذه الرواية بمتابعة ابن أبي سبرة، عن عبد الرّحمن، ومتابعة العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وهي متابعة حسنة. اهـ. حديث أبي هريرة: أخرجه النسائي (1/ 288) ، والدارقطني (1/ 258) ، والحاكم (1/ 194) ، والبيهقي (1/ 369) بلفظ: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم» ، فصلى الصبح حين طلع الفجر ... بنحو الحديث الأول. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. حديث أبي مسعود الأنصاري: أخرجه أبو داود (394) ، والدارقطني (1/ 257) ، والحاكم (1/ 194) ، والبيهقي (1/ 363) . وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. حديث عمرو بن حزم: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ، كما في «نصب الراية» (1/ 225) ، وعنه إسحاق بن راهويه في مسنده. حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد (3/ 30) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 88) . حديث أنس: أخرجه الدارقطني (1/ 257) ، من طريق قتادة عنه. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 213) برقم (6764) وذكره ابن عطية (1/ 413) . (2) الرّبيع بن أنس الكندي، أو الحنفي، البصري، عن أنس، والحسن، وأرسل عن أم سلمة. وعنه سليمان-

[سورة آل عمران (3) : الآيات 21 إلى 25]

موسى، وبعد مُضِيِّ ثلاثة قرون «1» ، وقيل: الآيةُ توبيخٌ لنصارى نَجْرَانَ، وسُرْعَةُ الحسَاب: يحتمل أنْ يراد بها: مَجِيءُ القيامةِ والحِسَابِ إذ كل آت قريبٌ، ويحتمل أنْ يراد بسُرْعَةِ الحِسَابِ: أنَّ اللَّه تعالى بإِحاطته بكلِّ شَيْءٍ عِلْماً لا يحتاجُ إلى عَدٍّ ولا فكْرة قاله مجاهد «2» . وقوله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ... الآية: الضميرُ في حَاجُّوكَ لليهودِ، ولنصارى نَجْرَانَ، والمعنى: إنْ جادَلُوك وتعنَّتوا بالأقاويلِ المزوَّرة والمغالطاتِ، فأسند إلى ما كُلِّفْتَ من الإِيمانِ، والتبليغِ، وعلى اللَّه نَصْرُكَ. وقوله: وَجْهِيَ: يحتمل أنْ يراد به المَقْصِدُ، أي: جعلتُ مقصدي للَّه، ويحتمل أنْ يراد به الذاتُ، أي: أَسْلَمْتُ شخْصي وَذاتِي للَّه، وأسلَمْتُ في هذا الموضعِ بمعنى: دَفَعْتُ، وأمضَيْتُ، وليستْ بمعنى دَخَلْتُ في السِّلْم/ لأنَّ تلك لا تتعدى، ومَنِ اتبعني: في موضع رفعٍ عطْفاً على الضميرِ في «أَسْلَمْتُ» ، والَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، في هذا الموضعِ: يجمعُ اليهودَ والنصارى باتفاق، والأميُّونَ: الذين لا يكتبون، وهم العَرَبُ في هذه الآية، وقوله: أَأَسْلَمْتُمْ: تقرير في ضمنه الأمر، وقال الزّجّاج: أَأَسْلَمْتُمْ: تهدّد، وهو حسن، والْبَلاغُ: مَصْدَرُ بَلَغَ بتخفيف عَيْنِ الفعل. وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ وعدٌ للمؤمنين، ووعيد للكافرين. [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 25] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ... الآية: هذه الآية نزلت في اليهود

_ - التّيمي، وسليمان الأعمش، وابن المبارك، قال أبو حاتم: صدوق، قيل: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة، وقيل: سنة أربعين. ينظر: «الخلاصة» (1/ 318) . (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 213) برقم (6765) ، وذكره ابن عطية (1/ 413) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 22) وعزاه لابن جرير. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 214) برقم (6768) بنحوه.

والنصارى، وتعمُّ كلَّ من كان بهذه الحال، وفيها توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، روى أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ «1» ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجتمع مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ، وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعاً، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وذَلِكَ معنى قَوْلِهِ تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ «2» ، وحَبِطَتْ: معناه: بَطَلَتْ. وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ ... الآية: قال ابن عبَّاس: نزَلَتْ هذه الآية بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخَلَ بيْتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ من يَهُود، فدعاهمْ إِلى اللَّه تعالى، فقال له نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: على أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، فقالَ رسولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: أنا على ملّة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَنَزَلَتِ الآيةُ «3» . قال ع «4» : فالكتابُ في قوله: مِنَ الْكِتابِ: اسمُ جنس، والكتابُ في قوله: إِلى كِتابِ اللَّهِ هو التوراةُ، وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ: هو القرآن «5» ، ورجَّح الطبريُّ الأولَ «6» . وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: الإشارة فيه إٍلى التولِّي والإِعراض، أي: إِنما تولَّوْا، وأعرضوا لاغترارهم بأقوالهم، وافترائهم، ثم قال تعالى خطابا لنبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم،

_ (1) هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر.. أبو عبيدة. القرشي. الفهري. أمين الأمة، المشهور ب «أبو عبيدة بن الجراح» . قال ابن الأثير: أحد العشرة المشهور لهم بالجنة، وشهد بدرا وأحدا. وسائر المشاهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. توفي في طاعون «عمواس» سنة (18) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 205) ، «الإصابة» (7/ 128) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 185) ، «بقي بن مخلد» (151) ، «الاستيعاب» (4/ 1710) ، «تقريب التهذيب» (2/ 448) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 159) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1623) ، «العقد الثمين» (8/ 69) ، «مقاتل الطالبين» (57) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 216) برقم (6777) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 23) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 217) برقم (6778) عن ابن عباس. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 24) ، وزاد نسبته إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 416) . [.....] (5) ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 312) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 416) . (6) ينظر الطبري (3/ 219) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 26 إلى 29]

وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب: فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة، واضمحلت تلك الزخارفُ والدعاوى، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة: والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ «1» ، وقال النقَّاش: المراد باليوم الوقت. [سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 29] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ... الآية: هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ: هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك. ومذهب البصريِّين أن الأصل في «اللَّهُمَّ» : يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة. و «مالك» : نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب «التِّرْمذيِّ» وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ- كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ» «2» ، ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه: «وبنى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» قال الحاكمُ: وفي الباب، عن جابر،

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 414) . (2) أخرجه الترمذي (5/ 491) ، كتاب «الدعوات» ، باب ما يقول إذا دخل السوق، حديث (3428) ، (3429) ، وابن ماجة (2/ 752) ، كتاب «التجارات» ، باب الأسواق ودخولها، حديث (2235) ، والحاكم (1/ 539) من حديث عمر بن الخطاب.

وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ. اهـ من «الحلية» «1» . وقال ابن عبَّاس وغيره في معنى قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ... الآية: إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة «2» ، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر. واختلف في معنى قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... الآيةَ: فقال الحسَنُ: معناهُ: يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن «3» ، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ «4» ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ «5» خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ: «مَنْ هَذِهِ» فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» ، وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً «6» ، والمرادُ على هذا: موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن.

_ (1) ينظر: «الأذكار» (ص 337- 338) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 222) برقم (6792) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 384) ونسبه للجمهور، وذكره ابن عطية (1/ 417) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 225) برقم (6814) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 291) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 27) ، وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ عن الحسن. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 225) برقم (6815) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 27) ، وعزاه لابن مردويه. (5) ذكر هذا الحديث الطبري (6821) بلفظ «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة النّعمة، فقال: من هذه؟ قالت إحدى خالاتك! قال: إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب! وأيّ خالاتي هذه؟ قالت: خالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث. قال: سبحانه الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ! وكَانَتِ امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. وقد علق عليه الشيخ أحمد شاكر قائلا: قوله: «حسنة النعمة» ، في المطبوعة: «النغمة» بالغين المعجمة، وهو خطأ، والنعمة (بفتح النون وسكون: العين) المسرة والفرح والترفه، وكأنه يعني ما يبين عليها من أثر الترف والنعمة. بيد أن الذي رواه ابن سعد، وما نقله الحافظ ابن حجر في الإصابة: «حسنة الهيئة» . هذا ما قاله العلامة أحمد شاكر، إلا أن الرواية الواردة في الأصول عندنا «لما سمع نغمة» تشعر بترجيح المعجمة أو لعل الحديث ذكر مع اختلاف في ألفاظه. (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 308- شاكر) ، وعبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 117- 118) عن الزهري مرسلا، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 27) ، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.

وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها. فقال ابن مسعود: هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة «1» . وقال عكرمة: هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية «2» . وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال: هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة «3» . وقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ... الآية: هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب، فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار. واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس: في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف وغيره، قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ «4» ، وقال قومٌ: نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة «5» ، والآيةُ عامَّة في جميع هذا. وقوله تعالى: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: معناه: في شيءٍ مَرْضِيٍّ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «6» ، ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه، فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ. وقوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ ... إلى آخر الآية: وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة.

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 223) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 385) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 291) . (2) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (3/ 224) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 291) ، وابن عطية (1/ 418) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 27) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن عكرمة. (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 418) . (4) ذكره ابن عطية (1/ 419) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 28) . [.....] (5) ذكره ابن عطية (1/ 419) . (6) تقدم تخريجه.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 30 إلى 32]

وقوله: نَفْسَهُ: نائبةٌ عن «إيَّاهُ» ، وهذه مخاطبةٌ على معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ وتنكيلٍ ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن: / ويحذِّركم اللَّه عقابه «1» . وقوله تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ ... الآية: الضميرُ في «تُخْفُوا» هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنى: إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم. [سورة آل عمران (3) : الآيات 30 الى 32] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) وقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْنِي» : «يَوْم» : نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره: اذكُروا أو احذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا ل «يحذِّركم» كما زعم بعضُهم لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة. اهـ. وقوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يحتمل أنْ تكون «مَا» معطوفةً على «مَا» الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون «تَوَدُّ» في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ «2» وغيره، ويحتملُ أنْ تكون «مَا» رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله: «تَوَدُّ» . وما بعده، والأَمَدُ: الغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان. وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ابتداء إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضى ذلك: التأنيسُ لئلا يفرطَ الوعيدُ على نَفْس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده!. وعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار «3» أنه قال: أعقلُ النّاس محسن خائف، وأجهل النّاس مسيء

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 420) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 230) . (3) منصور بن عمّار بن كثير الواعظ، البليغ الصّالح، الرّبّاني، أبو السّريّ السّلمي، الخراساني، وقيل: البصري، كان عديم النظير في الموعظة والتّذكير، روى عن اللّيث، وابن لهيعة، ومعروف الخيّاط، وهقل بن زياد، والمنكدر بن محمد، وبشير بن طلحة وجماعة، ولم يكن بالمتضلّع من الحديث. قال أبو حاتم: صاحب مواعظ، ليس بالقوي. وقال ابن عدي: حديثه منكر. وقال الدّارقطني: يروي عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها. -

آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان «1» منْه هذا الكلامَ بكى حتى بَلَّ ثيابه، ثم قال له: اتل عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ... الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ. اهـ. وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ... الآية: قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ: أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ حتى حُكِيَ عن بعضهم أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني: إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن. انتهى. قال ع «2» : قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جريج: إنّ قوما على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآية، وقيل: أمر صلّى الله عليه وسلّم أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارى نَجْرَان. قال ع «3» : ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم. قال عِيَاضٌ: اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً، آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه، وكان مدَّعياً، فالصادق في حبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، واتباع سنَّته، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ... الآية، قال عياض: روي في الحديث، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنِ استمسك بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جاء مع القرآن، ومن

_ - ينظر: «التاريخ الكبير» (7/ 350) ، و «طبقات الصوفية» (130، 136) ، و «السير» (9/ 93- 94) ، و «النجوم الزاهرة» (2/ 244) . (1) عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، القرشي، أبو الوليد: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، نشأ في «المدينة» فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا، وشهد يوم الدار مع أبيه، نقش خاتمه «آمنت بالله مخلصا» توفي ب «دمشق» سنة 86 هـ. انظر: «ابن الأثير» (4/ 198) ، و «الطبري» (8/ 56) ، و «الأعلام» (4/ 165) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 421- 422) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 422) .

تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، / خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ... » الحديثَ «1» ، وعن أبي هريرةَ (رضي اللَّه عنه) ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» «2» ، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبداً، وما على الأرضِ مِنْ عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسه، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا ... » الحديث. قال عياض: ومن علامات محبّته صلّى الله عليه وسلّم: زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه فيه ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ: «إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ» «3» ، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «4» : «قال رجُلٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ: انظر مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ» ثَلاَثَ مَرَّات قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً» ، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه «5» اهـ من «الشّفا» .

_ (1) ينظر: «تفسير القرطبي» (18/ 17) . (2) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (2/ 739) من طريق الحسن بن قتيبة عن عبد الخالق بن المنذر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا. وذكره الذهبي في «الميزان» (1/ 519) في ترجمة الحسن، وقال: هالك. قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف. (3) أخرجه أحمد (3/ 42) من حديث أبي سعيد الخدري. (4) هو: عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني. قال البخاري: له صحبة، سكن «البصرة» ، وهو أحد البكائين في غزوة «تبوك» ، وشهد بيعة الشجرة، ثبت ذلك في الصحيح، وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقه الناس ب «البصرة» . وهو أول من دخل مدينة «تستر» قال ابن الأثير: روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحاديث. وروى عنه: الحسن البصري، وأبو العالية، ومطرف، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، وعقبة بن صهبان.. وغيرهم. توفي ب «البصرة» سنة (59 هـ) ، وقيل: سنة (60 هـ) . تنظر ترجمته في: «الثقات» (3/ 236) ، «أسد الغابة» (3/ 398) ، «الاستبصار» (225) ، «الجرح والتعديل» (5/ 149) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 23) ، «الإصابة» (4/ 132) ، «تقريب التهذيب» (1/ 453) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 42) ، «بقي بن مخلد» (75) ، «التاريخ الصغير» (1/ 128) ، «التعديل والتجريح» (776) ، «الخلاصة» (2/ 103) ، «الاستيعاب» (3، 4/ 996) . (5) أخرجه الترمذي (4/ 576- 577) كتاب «الزهد» ، باب ما جاء في فضل الفقر، حديث (2350) من طريق أبي الوازع عن عبد الله بن مغفل به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأبو الوازع الراسبي اسمه جابر بن عمرو، وهو بصري. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 33 إلى 35]

قال ع «1» : والمحبَّةُ: إِرادةٌ يقترنُ بها إِقبالٌ من النَّفْس ومَيْلٌ بالمعتَقِدِ، وقد تكونُ الإِرادة المجرَّدة فيما يكره المريدُ، واللَّه تعالى يريدُ وقوع الكُفْر، ولا يحبُّه، ومحبَّة العَبْد للَّه تعالى يلزمُ عَنْها، ولا بدَّ أنْ يطيعه، ومحبَّةُ اللَّه تعالى أمارتُها للمتأمِّلِ أنْ يُرَى العَبْدُ مَهْدِيًّا مسدِّداً ذا قبولٍ في الأرض، فَلُطْفُ اللَّهِ تعالى بالعَبْدِ ورحمته إِيَّاه هي ثمرةُ محبَّته، وبهذا النظَر يفسَّر لفظُ المَحَبَّةِ حيثُ وقعَتْ من كتاب اللَّه عَزَّ وجَلَّ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 35] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ... الآية: لما مضى صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارى نَجْرَانَ، والردُّ عليهم وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه، ومُنْبِئَةً عن حقيقته، كيف كانَتْ، فبدأ تعالى بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسى (عليه السلام) ، وكيف كان، وانصرف «نُوحٌ» ، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ لخفَّة الاِسم كَهُودٍ وَلُوطٍ، قال الفَخْرُ «2» هنا: اعلم أنَّ المخلوقاتِ على قسمَيْنِ: مكلَّفٍ، وغيْرِ مكلَّفٍ، واتفقوا على أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ: الملائكةُ، والإِنْسُ، والْجِنُّ، والشَّيَاطِين. ت: تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيماً للجِنِّ. اهـ. والآلُ في اللغة: الأَهْلُ، والقَرَابَة، ويقال للأَتْبَاعِ، وأهل الطَّاعة: آل، والآلُ في الآيةِ: يحتملُ الوجهَيْنِ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ: القَرَابَةُ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ اصطفى هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ، أو على العَالَمِينَ جميعاً بأن يقدّر نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من آل إِبراهيم، وإِن أُرِيدَ بالآلِ: الأَتْبَاعُ، فيستقيم دخول أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم في الآلِ لأنها على ملَّةِ إِبراهيم. وقوله تعالى: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، أي: متشابهينَ في الدِّين، والحالِ، وعِمْرَانُ/ هو رجلٌ من بني إِسرائيل، وامرأة عِمْرَانَ اسمها حَنَّةُ، ومعنى: نَذَرْتُ: جعلْتُ لكَ ما في بطْنِي محرَّراً، أي: حَبِيساً على خدْمةِ بَيْتِكَ، محرَّراً من كلِّ خدمةً وشُغْلٍ من أشغال الدنيا، والبَيْتُ الذي نَذَرَتْهُ له هو بَيْتُ المَقْدِسِ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي، أي: ارض عنّي

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 422) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 18) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 36 إلى 38]

في ذلِكَ، واجعله فعلاً مقبولاً مُجَازًى به، والسَّمِيعُ: إشارة إلى دعائها، والْعَلِيمُ: إشارة إلى نيّتها. [سورة آل عمران (3) : الآيات 36 الى 38] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) وقوله تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ: الوضْعُ: الولادةُ، وقولها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى: لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وقولها: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، تريد في امتناع نَذْرها إِذ الأنثى تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره» ، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول: وليس الأنثى كالذَّكَر، وفي قولها: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ: سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ ونحوُهُ قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبِي إِبْرَاهِيمَ» «2» ، وباقي الآيةِ إعاذةٌ، قال النووي «3» : ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء «4» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 237) برقم (6874) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 387) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 425) . (2) أخرجه مسلم (4/ 1807) ، كتاب «الفضائل» ، باب رحمته بالصبيان والعيال، حديث (62/ 2315) ، وأبو داود (2/ 210) ، كتاب «الجنائز» ، باب في البكاء على الميت، حديث (3126) ، وأحمد (3/ 194) ، وابن حبان (2902) ، والبيهقي (4/ 69) كلهم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به. (3) ينظر: «حلية الأبرار» (ص 321) . (4) هو: عويمر بن عامر بن مالك بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج.. وقيل: اسمه: عامر بن مالك، و «عويمر» لقب. أبو الدرداء. قال ابن الأثير في «الأسد» : تأخر إسلامه قليلا، كان آخر أهل داره إسلاما، وحسن إسلامه، وكان فقيها عاقلا حكيما. آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بينه وبين سلمان الفارسي، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وعويمر حكيم أمتي» شهد ما بعد «أحد» من المشاهد. قلت: وهو صحابي مشهور بالزهد والورع والحكمة، ولا يتسع المقام للحديث عنه. وفاته قبل مقتل عثمان بسنتين. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (6/ 97) ، «الإصابة» (7/ 58) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 163) ، «الاستيعاب» (4/ 1646) ، «بقي بن مخلد» (21) ، «تقريب التهذيب» (2/ 419) ، «تهذيب التهذيب» -

قَالَ: «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ» «1» . وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ» «2» وفي سنن أبِي دَاوُدَ والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وهب الجشميّ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تعالى عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّة» «3» . اهـ. وفي الحديثِ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مريم ابنة عمران، وابنها فإنّ أمّها

_ - (12/ 79، 89) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1603) ، «الجرح والتعديل» (9/ 368) ، «التاريخ» لابن معين (2/ 146) ، «الكنى والأسماء» (1/ 27) ، «تنقيح المقال» (3/ 16) ، «المصباح المضيء» (1/ 151) . (1) أخرجه أبو داود (2/ 705) ، كتاب «الأدب» ، باب في تغيير الأسماء، حديث (4948) ، وأحمد (5/ 194) ، والدارمي (2/ 294) ، كتاب «الاستئذان» ، باب في حسن الأسماء، وابن حبان (5818) ، والبيهقي (9/ 306) ، كتاب «الضحايا» ، باب ما يستحب أن يسمى به. وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 152) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 382- بتحقيقنا) كلهم من طريق عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي عن أبي الدرداء مرفوعا. وقال البيهقي: هذا مرسل ابن أبي زكريا لم يسمع من أبي الدرداء. قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص 113) رقم (410) : سمعت أبي يقول: عبد الله بن أبي زكريا لم يسمع أبا الدرداء. اهـ. وأشار إلى هذا الانقطاع أيضا الحافظ المنذري في «الترغيب» (2/ 697) . (2) أخرجه مسلم (3/ 1682) ، كتاب «الأدب» ، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، حديث (2/ 2132) ، وأبو داود (2/ 705) ، كتاب «الأدب» باب في تغيير الأسماء، حديث (4949) ، والترمذي (5/ 132) كتاب «الأدب» ، باب ما جاء ما يستحب من الأسماء، حديث (2833) ، وابن ماجة (2/ 1229) ، كتاب «الأدب» ، باب ما يستحب من الأسماء، حديث (3728) ، والبيهقي (9/ 306) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 386، 387- بتحقيقنا) من حديث ابن عمر مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وللحديث شاهد من حديث أنس: أخرجه أبو يعلى (5/ 164) رقم (2778) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرّحمن، والحارث» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (8/ 52) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف اهـ. وذكره أيضا الحافظ في «المطالب العالية» (2802) ، وعزاه لأبي يعلى، وقال: له شاهد من حديث ابن عمر في صحيح مسلم. (3) أخرجه أبو داود (4/ 287- 288) ، كتاب «الأدب» ، باب تغيير الأسماء، حديث (4950) ، والنسائي (6/ 218) ، كتاب «الخيل» ، باب ما يستحب من شية الخيل، من حديث أبي وهب الجشمي.

قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ» «1» ، وَقَدِ اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنى واحد كما ذكرته، قال النوويُّ: بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ «2» : رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة «3» (رضي اللَّه عنها) «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكرسيّ، وإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ ... إلى آخر الآية،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 336- شاكر) رقم (6884) ، (6885) ، (6886) ، والحاكم (2/ 594) كلاهما من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وهذه الرواية ذكرها السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 34) وزاد نسبتها إلى عبد بن حميد. وأخرجه البخاري (8/ 60) كتاب «التفسير» ، باب وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، حديث (4548) و (6/ 541) كتاب «أحاديث الأنبياء» ، باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ ، حديث (3431) ، ومسلم (4/ 1838) كتاب «الفضائل» ، باب فضائل عيسى عليه السلام، حديث (146/ 2366) ، وأحمد (2/ 233، 274- 275) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 339- شاكر) رقم (6891) ، وابن حبان (6235- الإحسان) ، والواحدي في «الوسيط» (1/ 431- بتحقيقنا) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (1/ 295) كلهم من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. وأخرجه الطبري (6/ 343- شاكر) رقم (6899) ، وأبو يعلى (10/ 376) رقم (5971) من طريقين عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (6/ 388- 389) كتاب «بدء الخلق» ، باب صفة إبليس وجنوده، حديث (3286) ، والحميدي (2/ 450) رقم (1042) ، كلاهما من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به. وأخرجه مسلم (4/ 1838) ، كتاب «الفضائل» ، باب فضائل عيسى عليه السلام، حديث (147/ 2366) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 338- شاكر) كلاهما من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا يونس سليمان مولى أبي هريرة حدثه عن أبي هريرة به. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 34) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) ينظر: «حلية الأبرار» (ص 318) . (3) هي: فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الزهراء، سيدة نساء العالمين ما عدا مريم بنت عمران. أمها: خديجة بنت خويلد بن وهب.. كنيتها: أم أبيها. هي أول من غطي نعشها في الإسلام، ثم بعدها زينب بنت جحش، كانت أحب الناس إلى رسول الله، وأول آل بيته لحوقا به بعد موته، وقد كتبت في سيرتها المؤلفات الكثيرة، ولا يتسع المقام لذكر شيء منها. توفيت لثلاث خلون من رمضان سنة (11) هـ وكان عمرها (29) سنة. تنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 220) ، «الإصابة» (8/ 157) ، «الثقات» (3/ 334) ، «بقي بن مخلد» (137) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 294) ، «تقريب التهذيب» (2/ 609) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 440) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1691) ، «أعلام النساء» (4/ 108) ، «السمط الثمين» (171) ، «الدر المنثور» (359) ، «الاستيعاب» (4/ 1893) ، «حلية الأولياء» (2/ 29) .

وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ» «1» . انتهى. وقوله تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ: إخبار منه سبحانه لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد كما نذَرَتْ أُمُّهَا وسنى لها الأمَلَ في ذلك. وقوله سبحانه: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً: عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ/. ص: بِقَبُولٍ مصدر على غير الصَّدْرِ، والجاري على: تَقَبَّلَ تَقَبُّلاً، وعلى قبل قبولا، ونَباتاً: مصدرٌ منصوبٌ ب «أَنْبَتَهَا» على غير الصَّدْر. انتهى. وقوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا معناه: ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ: هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ وغيره: إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها «2» ويعضد هذا القول قوله صلّى الله عليه وسلّم في يحيى وعيسى: «ابنا الخَالَةِ» ، والذي عليه النَّاس: أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ «3» لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر. وقوله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً: المِحْرَابُ: المَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر: أشرف ما فيه ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المصلى وهو موقِفُ الإِمامِ: مِحْرَاب، ومعنى رِزْقاً، أيْ: طعاما يتغذّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره: كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ «4» ، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال: ثِمَار الجَنَّة «5» ، وقوله: أَنَّى: معناه: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وقولها: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دليلٌ على أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج. وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: 91] وقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من الله تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، والله

_ (1) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (625) ، وقال الألباني في تعليقه على «الكلم الطيب» (ص 110) : موضوع. [.....] (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 242) برقم (6899) ، وذكره السيوطي في «تفسيره» ، وعزاه لابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة. (3) استهم الرجلان: تقارعا، والاستهام: المغالبة بالقرعة. ينظر: «لسان العرب» (2135) (سهم) بتصرف. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 244) برقم (6922) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 388) ، وابن عطية (1/ 426) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 36) ، وعزاه لابن جرير. (5) ذكره ابن عطية (1/ 426) .

سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : وقد قال العلماءُ في معنى قوله عزَّ وجلَّ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ: إِنه الفتوحُ، إِذا كان على وجهه. اهـ، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ دُعِيْتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ» . «1» وقوله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ... الآية: هُنَالِكَ في كلامِ العربِ: إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنى هذه الآية: إِنَّ في الوقْتِ الذي رأى زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالى تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه على حالِ سِنٍّ وَوَهْنِ عَظْمٍ، واشتعال شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ: اسم جنسٍ، يقع على واحد فصاعدًا كما أن الوَلَدَ: اسمُ جنسٍ كذلك، وطَيِّبة: معناه: سَلِيمَة في الخَلْق والدِّين، تَقِيَّة، ثم قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران: 39] ، وترك محذوف كثير

_ (1) أخرجه البخاري (9/ 154) ، كتاب «النكاح» ، باب من أجاب إلى كراع، حديث (5178) والبيهقي (6/ 169) ، كتاب «الهبات» ، باب التحريض على الهبة وابن حبان (7/ 349) رقم (5267) والخطيب في «تاريخ بغداد» (12/ 14) والبغوي في «شرح السنة» (3/ 382- بتحقيقنا) من حديث أبي هريرة مرفوعا وفي الباب عن أنس وابن عباس. حديث أنس: أخرجه الترمذي (3/ 623) : كتاب «الأحكام» ، باب ما جاء في قبول الهدية وإجابة الدعوة، حديث (1338) وفي الشمائل رقم (338) ، وأحمد (3/ 209) ، وابن حبان (1065- موارد) وأبو الشيخ في «أخلاق النبيّ» (ص 234) ، والبيهقي (6/ 169) كتاب «الهبات» ، باب التحريض على الهبة والبغوي في «شرح السنة» (7/ 36) كلهم من طريق قتادة عن أنس مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان. وللحديث طريق آخر عن أنس بلفظ: يا معشر الأنصار تهادوا فإن الهدية تحل السخيمة وتورث المودة، فو الله لو أهدي إلى كراع لقبلت ولو دعيت إلى ذراع لأجبت» قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 149) ، رواه الطبراني في «الأوسط» والبزار بنحوه وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف. حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (11/ 120) رقم (11236) من طريق عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا: «لو دعيت إلى كراع لأجبت» . وقال الهيثمي في «المجمع» (3/ 56) : رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد وابن حبان وقال يخطىء وضعفه جماعة.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 39 إلى 41]

دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره: فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة، فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ: بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت: وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديث عنه صلّى الله عليه وسلّم، فيتّبع. [سورة آل عمران (3) : الآيات 39 الى 41] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) وقوله تعالى: فَنادَتْهُ عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع/ به، وينهى إِلى نفس السامعِ ليسرَّ به، فلم يكُنْ هذا من الملائكةِ إِخباراً على عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ. وقوله تعالى: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، يعني: ب «المِحْرَابِ» في هذا الموضعِ: موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، ويَحْيَى: اسم سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، ومُصَدِّقاً نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمةُ هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. قال ع «1» : وسَمَّى اللَّه تعالى عيسى كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالى، وهي «كُنْ» ، لا بسبب إِنسان. وقوله تعالى: وَسَيِّداً: قال قتادة: أيْ: واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ والوَرَعِ «2» . قال ع «3» : مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ والتقى ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيى- عليه السلام- بقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وتحصَّل التقى بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاعتمال في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ: بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهنا

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 429) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 253) برقم (6961) وذكره ابن عطية (1/ 429) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 429) .

هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ، وَاللِّسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحِلْمُ وغيرُهُ مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المسترفد، وانظر قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ» «1» ، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه اعتمال في رِضَا ولد آدم، ثم: قال ع «2» : أما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى- عليه السلام-. وقوله تعالى: وَحَصُوراً أصل هذه اللفظة: الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه: حصر العدو. قال ع «3» : وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين على أنَّ هذه الصفة ليحيى- عليه السلام- إِنما هي الاِمتناعُ من وطْءِ النِّسَاءِ إِلاَّ ما حكى مكِّيٌّ من قول من قَالَ: إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه تُقًى وجَلَداً في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا: وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر «4» : وهذا القولُ هو اختيار المحقِّقين أنه لا يأتِي النِّساء، لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد. قلْتُ: قال عِيَاضٌ: اعلم أنَّ ثناء اللَّه تعالى على يحيى- عليه السلام- بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم: إِنه كان هَيُوباً «5» أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء- عليهم السلام-، وإِنما معناه: معصومٌ من الذُّنُوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها «6» ، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل: ليستْ له شهوةٌ في النساءِ كفَايَةً من اللَّه له لكونها مشغلة في كثير من

_ (1) نقدم تخريجه. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 430) . (3) ينظر: المصدر السابق. (4) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 33) . (5) الهيوب: الجبان الذي يهاب الناس، والمقصود هنا أنه كان يهاب من إتيان النساء، وهذا لا يليق بأنبياء الله سبحانه، كما علق القاضي عياض. ويقال أيضا: الهيوب: المحجم عن الشيء، وهذا أيضا مما لا يليق وصفه الأنبياء به. ينظر «لسان العرب» (هيب) (حصر) . (6) حصر عنها: منع. [.....]

الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ- درجةٌ عُلْيَا، وهي درجة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أيْ: وسائرِ النبيِّين. اهـ من «الشِّفَا» «1» . وباقي الآية بيِّن. ورُوِيَ مِنْ صلاحه/- عليه السلام- أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه حتى اتخذ الدمع في وجهه أخدودا. ص: ومِنَ الصَّالِحِينَ، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحاً من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ. اهـ. قلت: والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله. وقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ... الآية: ذهب الطَّبَرِيُّ «2» وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأى حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون؟ قال ع «3» : وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّا- عليه السلام-. وأَنَّى: معناها: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وحسن في الآية بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ. وقوله: كَذلِكَ، أي: كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ كأنه قال: رَبِّ، على أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا، فقال له: كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويل في قوله: كَذلِكَ. وقوله: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ: جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ. وقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين لم يكن

_ (1) ينظر: «الشفا» (116) . (2) ينظر «تفسير الطبري» (3/ 256- 257) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 431) .

هذا من زكريَّا على جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً على وَقْت الحَمْلِ. وقوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ... الآية: قال الطبريُّ وغيره: لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ على ذكر اللَّه، ثم استثنى الرَّمْز، وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية: إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره: رُمُوز. وأَمَرَهُ تعالى بالذِّكْر لربه كثيراً لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ، قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ: لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء- عليه السلام- حيث قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، لكنه قال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً «1» قال الإِمام الفَخْر «2» : وفي الآية تأويلان: أحدهما: أنَّ اللَّه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ ليكون في تلك المدَّة مشتغلاً بذكْرِ اللَّه وطاعته شُكْراً للَّه على هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه: أحدها: أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات. وثانيها: أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صحّة البنية من المعجزاتِ. وثالثها: أن إِخباره بأنه متى حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج على وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضاً من المعجزات. والتأويل الثَّاني: أن المراد منه الذكْر بالقَلْب وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالى عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا امتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالى/، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب ولذلك قالوا: «مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ» ، فكان زكريَّاء- عليه السلام- أمر بالسُّكُوت باللّسان واستحضار معاني

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 261) برقم (7018) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 432) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 41) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي. (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 36) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 42 إلى 43]

الذكْرِ والمعرفةِ، واستدامتها بالقَلْب. اهـ. وقوله تعالى: وَسَبِّحْ: معناه: قلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وقال قومٌ: معناه صَلِّ، والأول أصوبُ لأنه يناسب الذكْرَ، ويستغربُ مع امتناع الكلام مع النَّاسِ، والعَشِيُّ، في اللغة: من زوالِ الشَّمْسِ إِلى مغيبها، والإِبْكَارُ: مصدرُ أَبْكَرَ الرَّجُلُ، إِذا بادر أمْرَهُ من لَدُنْ طلوع الفجر إِلى طلوع الشمْسِ، وتتمادَى البُكْرَة شَيْئاً بعد طلوع الشمس، يقال: أبكر الرجل وبكّر. [سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 43] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) وقوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: العامل في «إِذْ» : «اذكر» لأن هذه الآياتِ كلَّها إِنما هي إِخبارات بغَيْبٍ تدلُّ على نبوَّة نبيِّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، مَقْصِدُ ذِكْرها هو الأظهر في حِفْظِ رَوْنَقِ الكلام. واصْطَفاكِ: معناه: تخيّرك لطاعته، وطَهَّرَكِ: معناه: من كُلِّ ما يَصِمُ النساء في خَلْقٍ، أو خُلُقٍ، أو دِينٍ قاله مجاهد وغيره «1» ، وقولُ الزَّجَّاجِ: قد جاء في التفْسير أنَّ معناه: طَهَّرك من الحَيْض والنفاسِ- يحتاج إلى سند قويّ، وما أحفظه، والْعالَمِينَ يحتملُ عَالَمَ زَمانها. قال ع «2» : وسائغ أنْ يتأوَّل عموم الاِصطفاء على العَالَمِينَ، وقد قال بعضُ الناس: إِن مريم نَبِيَّةٌ من أَجْلِ مخاطَبَةِ الملائكةِ لها، وجمهورُ النَّاسِ على أنها لم تنبّإ امرأة، واقْنُتِي معناه: اعبدي، وأَطِيعِي قاله الحَسَن وغيره «3» ، ويحتمل أنْ يكون معناه: أطِيلِي القيامَ في الصَّلاة، وهذا هو قولُ الجمهورِ، وهو المناسبُ في المعنى لقوله: وَاسْجُدِي، وروى مجاهدٌ أنها لما خوطِبَتْ بهذا، قامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها، وروى الأوزاعيُّ: حتى سَالَ الدَّمُ والقَيْحُ من قَدَمَيْهَا، وروي أنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ، تنزلُ على رَأْسِهَا تظُنُّها جَمَاداً. واختلف المتأوِّلون، لِمَ قُدِّمَ السُّجودُ على الركوع.

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 433) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 434) . (3) أخرجه الطبري (3/ 265) برقم (7046) ، وذكره ابن عطية (1/ 434) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 44 إلى 48]

فقال قوم: كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك: أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له: أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم. وقال ص: قوله: وَارْكَعِي، الواو: لا ترتّب، فلا يسأل، لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل: كان مقدّما في شرعهم. اهـ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 44 الى 48] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وقوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ... الآية: هذه المخاطبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، والأنباء: الأخبار، والغَيْبُ: ما غَاب عن مدارك الإِنسان، ونُوحِيهِ: معناه: نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ: إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ. وفي هذه الآية بيان لنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إِذ جاءهم بغُيُوب/ لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلّى الله عليه وسلّم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ: من أعلمه الله بها، وهو ذاك صلّى الله عليه وسلّم، ولَدَيْهِمْ: معناه: عندهم ومَعَهُمْ. وقوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ ... الآية: جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا، قُلْتُ: ولفظ ابْنِ العربيّ في «الأحكام» قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا» «1» اهـ، وإِذا ثبت الحديث،

_ (1) ينظر: «تفسير القرطبي» (4/ 86) .

فلا نظر لأحد معه. ويَخْتَصِمُونَ: معناه: يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها. وفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، «وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، إذا سافر، أقرع بين نسائه» «1» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» «2» . واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده أوْ عن جماعةٍ من الملائكة؟ ووَجِيهاً: نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ: له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ: وجيهاً: شَريفاً اهـ. وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: معناه: مِنَ اللَّه تعالى، وكلامه في المَهْدِ: آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس: الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد: الكَهْلُ: الحليمُ قال ع «3» : وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل: الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل: ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل: ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل: ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة. وقولُ مَرْيَمَ: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب للحَمْلِ على بَكَارتها، و «يَمْسَسْ» : معناه: يَطَأ ويُجَامِع. ص: والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع. اهـ.

_ (1) أخرجه البخاري (5/ 218) ، كتاب «الهبة» ، باب هبة المرأة لغير زوجها، الحديث (2593) ، ومسلم (4/ 2130) ، كتاب «التوبة» ، باب في حديث الإفك، الحديث (56/ 2770) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 295- 296) كتاب «عشرة النساء» ، باب قرعة الرجل بين نسائه إذا أراد السفر، حديث (8931) ، وابن الجارود في (723) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج في سفر، أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. (2) تقدم. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 437) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 49 إلى 51]

والكلامُ في قولِهِ: كَذلِكِ كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا: «يَفْعَلُ» ، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ» من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه. وقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول على جهة المخاطبة. وقوله: كُنْ: خطابٌ للمَقْضِيِّ. وقوله: فَيَكُونُ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر. وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ ... الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ قاله جمهور المفسّرين. [سورة آل عمران (3) : الآيات 49 الى 51] وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) وقوله: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، أي: ويجعله رسولاً، وكانت رسالةُ عيسى- عليه السلام- إلى بني إِسرائيل مبيِّناً حُكْمَ التوراة، ونَادِباً إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلاً أشياءَ ممَّا حرم فيها كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر/، ومن أول القول لِمَرْيم إِلى قوله: إِسْرائِيلَ: خطابٌ لمريم، ومن قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِلى قوله: مُسْتَقِيمٌ: يحتملُ أنْ يكون خطاباً لمريم على معنى: يَكُونُ من قوله لِبَنِي إِسرائيل كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره: فجاء عيسى بني إِسرائيل رسولاً، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّراً في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله: إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، فيكون تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّهُ رسولاً إلى بني إِسرائيل بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر. وقوله: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ... الآية: قرأ نافعٌ: «إِنِّي أَخْلُقُ» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله: إِنِّي، كما فسر المَثَلَ في قوله: كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: 59] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ

من «آية» كأنه قال: وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، وأَخْلُقُ: معناه: أقدّر وأهيئ بيَدِي. ص: كَهَيْئَةِ: الهيئةُ: الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر: هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيىءُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب واستقر على حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً [الكهف: 16] اهـ. وقرأ نافعٌ وحْده: «فَيَكُونُ طَائِراً» بالإِفراد أي: يكون طائراً من الطيورِ، وقرأ الباقونَ: «فَيَكُونُ طَيْراً» بالجمع وكذلك في «سورة المائدة» والطير: اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ: أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ: طُيُورٌ. وقوله: فَأَنْفُخُ فِيهِ، ذكَّر الضميرَ لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيّأ، ويحتملُ أنْ يريد: فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في «سورة المائدة» لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ على تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسى يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالى وحده، لا شريك له. ورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عيسى- عليه السلام- كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يحكى؟ فيَقُولُونَ: الخُفَّاشُ لأَنَّهُ طَائِرٌ لاَ رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: «هَذَا سَاحِرٌ» أُبْرِئُ معناه: أزيل المرض، والْأَكْمَهَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعمى مضمومَ العَيْنَيْنِ قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة «1» ، قال ع «2» : والأَكْمَهُ في اللغة: هو الأعمى، وقد كان عيسى- عليه السلام- يبرىءُ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ على كل عاهة، ولكنَّ الاحتجاج على بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلاَّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِىءُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتى أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ فَيَحْيَى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ على صحَّتها، وآياتُ عيسى- عليه السلام- إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك/ الزّمان،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 275) برقم (7086) ، (7087) عن قتادة، وابن عباس. وذكره ابن عطية (1/ 440) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 57) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق الضحاك عن ابن عباس. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 440) . [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 52 إلى 54]

وشُغْلَهُمْ، وحينئذ أُثِيرَتْ فيه العجائبُ، فلما جاء عيسى- عليه السلام- بغرائبَ لا تقتضيها الأمزجةُ وأصولُ الطِّبِّ وذلك إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطبَّاء أن هذه القوَّة من عند اللَّه، وهذا كأمْرِ السَّحَرَةِ مع موسى، والفصحاء مع نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ووقع في التواريخِ المُتَرْجَمَة عن الأطبَّاء أنَّ جَالِينُوسَ كانَ في زمنِ عيسى- عليه السلام-، وأنه رحَل إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ ذلك. وقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ... الآية: قال مجاهدٌ وغيره: كان عيسى- عليه السلام- مِنْ لَدُنْ طفوليَّته، وهو في الكُتَّابِ، يخبرُ الصِّبْيان بما يفعل آباؤهم في منازِلِهِمْ، وبما يُؤْكَلُ من الطعامِ، ويُدَّخَرُ، وكذلك إلى أنْ نُبِّئى، فكان يقول لكلِّ من سأله عن هذا المعنى: أَكَلْتَ البارحةَ كَذَا، وادخرت كذا «1» ، وقال قتادةُ: معنَى الآية: إِنما هو في نزول المائدةِ علَيْهم، وذلك أنَّها لما نزلَتْ، أخذ عليهم عَهْدَ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَخْبَأَ أَحدٌ شيئاً، ولا يدَّخره ولا يَحْمِله إلى بيته، فَخَانُوا، وجعلوا يُخَبِّئُون، فكان عيسى- عليه السلام- يُخْبِرُ كلَّ أحدٍ عمَّا أكل، وعمَّا ادخر في بَيْته من ذلك، وعوقبوا على ذلك «2» . وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: تحذيرٌ، ودعاءٌ إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ. وقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إشارةٌ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، لأن ألفاظه جمعتِ الإِيمان والطَّاعاتِ، والصِّرَاطُ: الطريقُ، والمُسْتَقِيم: الذي لا اعوجاج فيه. [سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 54] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ... الآية: قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ اتساق الآيات، تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل، فَلَمَّا أَحَسَّ، ومعنى: أَحَسَّ: عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقوله: إِلَى اللَّهِ: يحتمل معنيين:

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 278) برقم (7098) بنحوه، وذكره ابن عطية (1/ 440) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 279) برقم (7104) ، وذكره ابن عطية (1/ 440) .

أحدهما: مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه. والثاني: أنْ يكون التقديرُ: مَنْ يضيفُ نُصْرته إلى نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ: «إلى» بمعنى «مع» كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: 6] ، فقال: «إلى» بمعنى «مَعَ» ، وهذه عُجْمَة. والحواريُّون قَوْمٌ مرَّ بهم عيسى صلّى الله عليه وسلّم، فدَعَاهم إلى نصرِهِ واتباع ملَّته، فأجَابوه، وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، واختلف، لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون؟ فقال ابنُ جُبَيْرٍ: لبياضِ ثيابِهِمْ «1» ، وقال أبو أرْطاةَ: لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ: يبيِّضونها «2» ، وقال قتادة: الحواريُّون: أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ «3» ، وقال الضَّحَّاك نحوه «4» ، قال ع «5» : وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلى هذا الحدّ شبه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ابن عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله: «وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» . والأقوال الأَوَلُ هي تفسيرُ اللفظة إذ هي من الحَوَر/، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ: بَيَّضْته ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ: الحَوَارِيَّاتِ لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ ومنه قول أبي جلدة اليشكريّ «6» : [الطويل]

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 285) برقم (7120) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 395) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) . (2) أخرجه الطبري (3/ 285) برقم (7121) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 285) برقم (7122) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 306) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 63) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 442) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 442) . (6) أبو جلدة بن عبيد الله اليشكري، من بني عدي بن جشم، من يشكر، شاعر نعته ابن قتيبة ب «الخبيث» ، كان مولعا بالشراب، من أهل «الكوفة» . خرج مع ابن الأشعث (عبد الرّحمن بن محمد) وقتله الحجاج، وقيل: مات في طريق «مكة» . له شعر وأخبار، وكان يهاجي زيادا الأعجم، وفي حماسة ابن الشجري قصيدة له في تحريض أهل العراق على الثورة بعد قيام ابن الأشعث على الحجاج. ينظر: «الأعلام» (2/ 133) .

فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُ «1» وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ يحتملُ أنْ يكون خطَاباً لعيسى- عليه السلام-، أي: اشهد لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَاباً لله تعالى كقوله صلّى الله عليه وسلّم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اللَّهُمَّ، اشهد» ، وقولهم: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يريدون: الإنجيل، وآياتِ عيسى، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أي: في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسى- عليه السلام-، فقال: وَمَكَرُوا، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ، فجازاهم اللَّه تعالى بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين في قول الجمهور، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْراً في قوله: وَمَكَرَ اللَّهُ، وذلك مَهْيَعٌ «2» أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب. وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: معناه: فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في «تحبيره» ، قال: سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه: ابن مِهْرَانَ «3» عن قولِهِ تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فقال: تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم. اهـ. ونحوه عن الجُنَيْدِ «4» ، قال الفَرَّاء: المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ، قال الله

_ (1) البيت لأبي جلدة اليشكري كما ذكر المصنف وهو من شعراء الدولة الأموية. من قصيدة قالها الشاعر، تحريضا وتحضيضا على قتال أهل «الشام» وهو يرمي أهل الشام وأنصار معاوية بالكفر والتنصّر، ويصف نفسه وجماعته أنهم أهل بداوة وخشونة، ومعنى البيت: قل للنساء الحضريات يبكين غيرنا فلسنا ممن عرف بالحضر على الفراش، بل نحن من أهل البدو والمحاربة، فلا تبكي علينا إلا الكلاب التي تساق معنا في البدو، أو الكلاب التي جرت عادتهن أن يأكلن قتلانا في المحاربة. والبيت في «مجاز القرآن» (1/ 95) ، و «جامع البيان» (6/ 451) ، و «معاني القرآن» للزجاج (1/ 423) ، و «الكشاف» (1/ 432) ، و «الجمهرة» (1/ 230) ، (2/ 146) ، والأساس (حور) ، (ص 146) ، و «اللسان» (ص 1043) ، الطبري (6/ 450) . (2) المهيع: هو الطريق الواسع المنبسط، وهو مفعل من التهيع، وهو الانبساط. ينظر: «لسان العرب» (4738) (هيع) . (3) ميمون بن مهران الرقي، أبو أيوب: فقيه من القضاة، كان مولى لامرأة ب «الكوفة» ، وأعتقته، فنشأ فيها، ثم استوطن الرقة (من بلاد الجزيرة الفراتية) فكان عالم الجزيرة، وسيدها، واستعمله عمر بن عبد العزيز على خراجها وقضائها، وكان على مقدمة الجند الشامي، مع معاوية بن هشام بن عبد الملك، لما عبر البحر غازيا إلى «قبرس» ، سنة 108 هـ، وكان ثقة في الحديث، كثير العبادة. توفي سنة (117) هـ. ينظر «الأعلام» (7/ 342) . (4) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم: صوفي من العلماء بالدين. مولده ومنشؤه ووفاته ببغداد، أصل أبيه من «نهاوند» وعرف بالخزاز لأنه كان يعمل الخز. قال أحد معاصريه: ما رأت-

[سورة آل عمران (3) : الآيات 55 إلى 58]

تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم: 44] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لهم نعمة. اهـ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 55 الى 58] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ... الاية: اختلف في هذا التِّوفِّي. فقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ «1» ، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي: قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ «2» وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ «3» ، ونحوه لمالك في «العَتَبِيَّة» ، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك «4» ، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ «5» ، ولكنَّ المعنى: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير. قال ع «6» : وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر «7» منْ أنَّ عيسى- عليه

_ - عيناي مثله، وهو أول من تكلم في علم التوحيد، وقال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه، له رسائل، منها: «دواء الأرواح» مخطوط، توفي في (297) هـ. ينظر: «وفيات الأعيان» (1/ 117) ، و «حلية» (10/ 255) ، و «صفة الصفوة» (2/ 235) ، و «تاريخ بغداد» (7/ 241) ، و «طبقات السبكي» (2/ 28) ، و «طبقات الحنابلة» (89) ، «الأعلام» (2/ 141) . (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 288) برقم (7129) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 397) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 308) ، وابن عطية (1/ 442) . [.....] (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 288) برقم (7131) بنحوه، وذكره ابن عطية (1/ 444) . (3) ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 396) ، وابن عطية (1/ 444) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 289) برقم (7138) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 308) ، وابن عطية (1/ 444) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 64) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 444) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 444) . (7) والحديث المتواتر هو ما رواه جمع يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة من أمر حسّيّ، أو حصول الكذب منهم اتّفاقا، ويعتبر ذلك في جميع الطّبقات إن تعدّدت. -

السلام- في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ محمّد صلّى الله عليه وسلّم ويحجّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى «1» .

_ - وشروط التّواتر: 1- أن يكون رواته عددا كثيرا. 2- أن يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، أو أن يحصل الكذب منهم اتّفاقا عادة. 3- أن يرووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء في كون العقل يمنع من تواطؤهم على الكذب، أو حصوله منهم اتّفاقا عادة. 4- أن يكون مستند انتهائهم الإدراك الحسّيّ بأن يكون آخر ما يئول إليه الطريق ويتم عنده الإسناد- أمر حسيّ مدرك بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة من الذوق، واللّمس، والشم، والسّمع، والبصر. ثم إنه من المتّفق عليه عند العلماء، وأرباب النّظر أنّ القرآن الكريم لا تجوز الرّواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه، وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشكّ فيه أدنى عاقل، أو صاحب حسّ، وأما سنّة رسول الله، فقد أجازوا روايتها بالمعنى لذلك لم تتّحد ألفاظها، ولا أسلوبها، ولا ترتيبها. فإذن يكون الحديث متواترا تواترا لفظيّا، أو معنويّا، إذا تعددت الرّواية بألفاظ مترادفة، وأساليب مختلفة في التّمام والنقص، والتقديم والتّأخير في الواقعة الواحدة، حتى بلغت مبلغ التّواتر. ومن ناحية أخرى، فإذا تعدّدت الوقائع، واتفقت على معنى واحد، دلّت عليه تارة بالتّضمّن، وتارة بالالتزام حتّى بلغ القدر المشترك في تلك الوقائع المتعددة مبلغ التّواتر فإنه حينئذ يكون متواترا تواترا معنويا، لا خلاف في ذلك. ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (4/ 231) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 566) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (2/ 14) ، «نهاية السول» للأسنوي (3/ 54) ، «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 296) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (95) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 95) ، «المنخول» للغزالي (231) ، «المستصفى» له (1/ 132) ، «حاشية البناني» (2/ 119) ، «الإبهاج» لابن السبكي (2/ 263) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 206) . (1) أخرجه البخاري (4/ 483) في البيوع: باب قتل الخنزير (2222) ، (5/ 144) في المظالم: باب كسر الصليب وقتل الخنزير (2476) و (6/ 566) في أحاديث الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام (3448) ، ومسلم في الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم (242- 155) ، (243- ... ) ، وأبو داود (2/ 520) في الملاحم: باب ذكر خروج الدجال (4324) ، والترمذي (4/ 439) في الفتن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام (2233) ، وابن ماجة (2/ 1363) في الفتن: باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم ... (4078) ، وأحمد (2/ 272، 290، 394، 406، 437، 482، 538) . وعبد الرزاق (20840، 20844، 20845) ، والحميدي (2/ 468) برقم (1097، 1098) ، وأبو يعلى في «مسنده» (5877) من طرق عن أبي هريرة رفعه: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 59 إلى 61]

قال ع «1» : فقول ابن عباس: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما على قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء. وقوله تعالى: وَرافِعُكَ إِلَيَّ عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافه اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ، وَمُطَهِّرُكَ، أي: مِنْ: دعاوى الكَفَرَةِ ومعاشَرَتِهِمْ. وقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ ... الآية: قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ/ في المتّبعين، فتدخل في ذلك أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسى قاله قتادة وغيره «2» وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسى- عليه السلام- أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم فوق الذين كَفَرُوا بالحُجَّة، والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره أنَّ المراد المتبعون لَهُ في وقْتِ استنصاره، وهم الحواريُّون «3» . وقوله تعالى: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ خَطَابٌ لعيسى، والمرادُ: الإخبار بالقيامة، والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه. وقوله تعالى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ ... الآية: «ذَلِكَ» : إشارة إلى ما تقدّم من الأنباء، ونَتْلُوهُ: معناه: نسرده، ومِنَ الْآياتِ: ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ: من المعجزاتِ والمُسْتَغْرَبَاتِ أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قبلنا، وبسبب تلاوتنا، والذِّكْرِ: ما ينزلُ من عند اللَّه. قال ابن عبّاس: الذّكر: القرآن، والْحَكِيمِ: الذي قد كمل في حكمته «4» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 59 الى 61] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)

_ (1) ينظر «المحرر الوجيز» (1/ 444) . (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 445) . (3) ذكره ابن عطية (1/ 445) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 293) برقم (7155) ، وذكره ابن عطية (1/ 446) .

وقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: سبَبُ نزولها مُحَاجَّة نصارى نَجْرَانَ في أمر عيسى، وقولُهم: يا محمَّد، هل رأَيْتَ بَشَراً قَطُّ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَوْ سَمِعْتَ بِهِ «1» ، ومعنى الآية أنَّ المَثَلَ الذي تتصوَّره النفُوسُ والعقولُ من عيسى هو كَالمُتَصَوَّرِ من آدَمَ إذ الناسُ مُجْمِعُونَ على أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَهُ مِنْ ترابٍ من غير فَحْلٍ، وفي هذه الآية صحَّةُ القياس. وقوله تعالى: ثُمَّ قالَ ترتيبٌ للأخبار لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، المعنى: خَلَقَهُ من تُرَابٍ، ثم كان مِنْ أمره في الأزَلِ أنْ قال له: كُنْ وقْتَ كذا. وقوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أي: هذا هو الحقّ، والْمُمْتَرِينَ: هم الشاكّون، ونهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في عبارةٍ اقتضت ذَمَّ الممترين وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالامتراء غَيْرُهُ ونُهِيَ عن الامتراء، مع بُعْده عنه على جهة التثْبِيتِ والدَّوام على حاله. وقوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: في عيسى، ويحتملُ في الحقِّ، والعِلْمُ الذي أشير إلَيْه بالمجيء هو ما تضمَّنته هذه الآياتُ المتقدِّمة. وقوله: فَقُلْ تَعالَوْا: استدعاء للمباهلة «2» ، وتَعالَوْا: تَفَاعَلُوا من العُلُوِّ، وهي كلمةٌ قُصِدَ بها أولاً تحسينُ الأدَب مع المدعوِّ، ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوّه، وللبهيمة، ونَبْتَهِلْ: معناه: نَلْتَعِن، ويقال: عَلَيْهِمْ بهلة اللَّه، والابتهال: الجِدُّ في الدُّعاء بالبهلة، روى محمَّد بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ وغيره: «إن رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، لما دَعَا نصارى نَجْرَانَ إلى المباهلة، قالوا: دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتِكَ بما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلَى العَاقِب، وهو ذُو رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَا ترى، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النصارى، وَاللَّهِ، لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ محمَّداً النَّبيُّ المُرْسَلُ، ولَقَدْ جَاءَكُمْ بِالفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاَعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلاَ نَبَتَ/ صَغِيرُهُمْ، وَأَنَّهُ الاستئصال إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاَّ إلْفَ دِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحبكم، فوادعوا الرّجل،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 293) برقم (7157) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (3/ 446) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 66) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس. (2) المباهلة: الملاعنة، يقال: باهلت فلانا، أي: لاعنته، ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء، فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا. ينظر: «لسان العرب» (375) . [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 62 إلى 64]

وانصرفوا إلى بِلاَدِكُمْ حتى يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلاَّ نُلاَعِنَكَ، وَأَنْ نبقى على دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ على أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ: ابعث مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ اختلفنا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى» «1» . قال ع «2» : وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم شاهد عظيم على صحّة نبوّته صلّى الله عليه وسلّم عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدعى لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 62 الى 64] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) وقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ... الآية: هذا خبرٌ من اللَّه تعالى، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسى- عليه السلام-، والقصص معناه الإخبار. وقال ص: إِنَّ هذا لَهُوَ: هذا، إشارةً إلى القرآن. اهـ. واختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا. فروى قتادة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم يهودُ المدينَة «3» . وقال ابنُ زَيْدٍ وغيره: المرادُ نصارى نجران «4» . قال ع «5» : والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه الآية إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 298) برقم (7177) ، وذكره ابن عطية (1/ 447) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 448) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 300) برقم (7187) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 448) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 71) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 300) برقم (7192) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 448) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 448) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 65 إلى 68]

ينبغي أنْ يدعى بها أهل الكِتَابِ إلى يوم القيامة، «والكلمةُ» هنا عند الجمهور: عبارةٌ عن الألفاظ التي تتضمَّن المعانِيَ المدعوَّ إليها «1» ، وهي ما فسر بعد ذلك، وهذا كما تسمِّي العربُ القصيدةَ «كَلِمَةً» ، وقوله: سَواءٍ نعتٌ للكلمةِ، قال قتادةُ وغيره: معناه: إلى كلمةٍ عَدْلٍ «2» ، وفي مُصْحَف ابنِ مَسْعود: «إلى كلمةٍ عَدْلٍ» «3» كما فسر قتادة، قال ع «4» : والذي أقوله في لفظة سَواءٍ: إنها ينبغي أنْ تفسَّر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضِعِ، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ، جميعُ الناسِ فيها مُسْتَوُونَ. وقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ هو في موضعِ خفضٍ على البَدَلِ مِنْ كَلِمَةٍ، أو في موضعِ رفعٍ بمعنى هِيَ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّه، واتخاذُ بعضهم بعضاً أرباباً هو على مراتبَ، أشدُّها: اعتقادهم الألوهيَّة، وعبادتهم لهم كَعُزَيْرٍ، وعيسى، ومريمَ، وأدنى ذلك: طاعتهم لأساقفتهم في كلِّ ما أَمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْر والمعاصِي، والتزامهم طاعتهم شرعاً. م: فَإِنْ تَوَلَّوْا: أبو البقاءِ: تَوَلَّوْا: فعلٌ ماضٍ، ولا يجوزُ أنْ يكون التقديرُ: «تَتَوَلَّوا» لفساد المعنى لأنَّ قوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا خطابٌ للمؤمنين، وتَوَلَّوْا للمشركينَ. اهـ. وقوله: فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: أمر بالإعلان بمخالفتهم، ومواجهتهم بذلك وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد. [سورة آل عمران (3) : الآيات 65 الى 68] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ ... الآية: قال ابن عبّاس

_ (1) الكلمة، والكلمة، والكلمة، مثل كبد وكبد وكبد. قال أبو منصور: ... تقع على الحرف الواحد من حروف الهجاء، وتقع على لفظة مؤلفة من جماعة حروف ذات معنى، وتقع على قصيدة بكمالها وخطبة بأسرها. ينظر: «لسان العرب» (3922) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 301) برقم (7193) وذكره ابن عطية (1/ 449) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 71) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن قتادة. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 449) ، (4) ينظر المصدر السابق.

وغيره: اجتمعت نصارى نَجْرَانَ، وأحبارُ يَهُودَ عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبارُ: ما كان إبراهيمُ إلاَّ يهوديًّا، وقالتِ النصارى: ما كان إبراهيمُ إلاَّ نصرانيًّا/، فأنزل اللَّه الآية «1» . ومعنى قوله تعالى: فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، أي: على زعمكم، وفسَّر الطبريُّ «2» هذا الموضع بأنه فيما لهم به علْمٌ من جهة كتبهم، وأنبيائِهِمْ ممَّا أيقنوه، وثَبَتَتْ عندهم صحَّته، قال ع «3» : وذهب عنه (رحمه الله) أنَّ ما كان هكذا، فلا يحتاجُ معهم فيه إلى محاجَّة لأنهم يجدونه عند محمَّد صلّى الله عليه وسلّم كما كان هناك على حقيقته. قُلْتُ: وما قاله الطبريُّ أَبْيَنُ، وهو ظاهر الآية، ومن المعلومِ أن أكثر احتجاجاتهم إنَّما كانَتْ تعسُّفاً، وجَحْداً للحَقِّ. وقوله تعالى: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا ... الآية: أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم- عليه السلام-، ونفى عنه اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، والإشراكَ، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً أن أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيم هم القومُ الَّذين اتبعوه، فيدخلُ في ذلك كُلُّ من اتبع الحنيفيةَ في الفترات وهذَا النَّبِيُّ: يعني: محمدا صلّى الله عليه وسلّم لأنه بعث بالحنيفيّة السّمحة، والَّذِينَ آمَنُوا: يعني: بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، وسائرِ الأنبياء على ما يجبُ ثم أخبر سبحانه أنه وليُّ المؤمنين وعداً منْهُ لهم بالنَّصْر في الدنيا والنعيم في الآخرة روى عبد الله بن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي إبْرَاهِيمُ» ، ثِمَّ قَرَأَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ... الآية «4» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 303) برقم (7198) ، وذكره ابن عطية (1/ 450) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 72) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس. (2) ينظر: «الطبري» (3/ 304) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 451) . (4) أخرجه الترمذي (5/ 223) ، كتاب «التفسير» ، باب من سورة آل عمران، حديث (2995) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 498- شاكر) رقم (7216) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (1/ 444) ، والبزار كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 372) كلهم من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود به. وأخرجه الحاكم (2/ 292) من طريق محمد بن عبيد الطنافسي عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه الحاكم (2/ 553) من طريق الواقدي عن سفيان به. وذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 63) رقم (1677) من طريق روح بن عبادة عن سفيان بهذا-

[سورة آل عمران (3) : الآيات 69 إلى 71]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 69 الى 71] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وقوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ، قال مَكِّيٌّ: قِيلَ: إن هذه الآية عُنِيَ بها قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وبَنُو قَيْنُقَاع، ونصارى نَجْرَانَ. ص: قوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ: وَدَّ: بمعنى تمنى، ويستعملُ معها: «أَنْ، ولَوْ» ، ورُبَّمَا جمع بينهما نَحْوُ: «وَدِدتُّ أَنْ لَوْ فَعَلَ» ، ومصدره الوَدَادَةُ، والاسْم منه الوُدُّ، وبمعنى: أَحَبَّ، فيتعدى كتَعَدِّي أَحَبَّ، ومصدره: مَوَدَّة، والاسم منه وُدٌّ، وقد يتداخَلاَنِ في الاسم والمصدر اه. وقوله تعالى: وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ: إعلامٌ بأن سوء فعلهم عائدٌ عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالُّون، ثم أَعْلَمَ تعالى أنهم لا يشعُرُونَ بذلك، أي: لا يتفطَّنون، ثم وقفهم تعالى موبِّخاً لهم على لسان نبيِّه، والمعنى: قُلْ لهم، يا محمَّدُ: لأيِّ سببٍ تكفرون بآياتِ اللَّه التي هي آياتُ القرآن، وأنتم تَشْهَدُونَ أنَّ أمره وَصِفَةَ محمّد في

_ - الإسناد. ومن هذا نعلم أنه اتفق أبو أحمد الزبيري ومحمد بن عبيد وروح بن عبادة والواقدي على رواية هذا الحديث عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود. وقد خالفهم ابن مهدي ويحيى القطان وأبو نعيم ووكيع، فرووه عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن ابن مسعود، فأخرجه أحمد (1/ 429- 430) من طريق عبد الرّحمن بن مهدي عن سفيان به. وأخرجه (1/ 400- 401) من طريق وكيع عن سفيان به. والترمذي (5/ 224) من طريق وكيع أيضا. وأخرجه الترمذي (5/ 223) كتاب «التفسير» ، باب من سورة آل عمران، حديث (2995) ، والطبري في «تفسيره» (6/ 499- شاكر) رقم (7217) ، والحاكم (2/ 553) كلهم من طريق أبي نعيم عن سفيان به. وقال الترمذي: هذا أصح من حديث أبي الضحى عن مسروق، وأبو الضحى اسمه مسلم بن صبيح. وأخرجه الخطيب (4/ 222) من طريق معاوية بن هشام عن سفيان به. وقد رجح الترمذي رواية أبي الضحى عن ابن مسعود، وكذلك رجحه أبو زرعة وأبو حاتم. فقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 63) رقم (1677) : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو أحمد الزبيري وروح بن عبادة عن سفيان الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي منهم وخليلي أبي إبراهيم» ، ثم قرأ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. فقالا جميعا: هذا خطأ رواه المتقنون من أصحاب الثوري عن الثوري عن أبيه عن أبي الضحى عن عبد الله عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلا مسروق. اهـ. وقد رجح الشيخ أحمد شاكر الطريقين في «تعليقه على الطبري» بكلام متين، فلينظر. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 72 إلى 74]

كتابكم قال هذا المعنى قتادةُ وغيره «1» . ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده صلّى الله عليه وسلّم من المعجزات. قُلْتُ: ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوّة والمعجزات التي شاهدوها منه صلّى الله عليه وسلّم. وقال ص: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول «تَشْهَدُونَ» : محذوفٌ، أي: أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء. اهـ. وقوله: لِمَ تَلْبِسُونَ: معناه: تَخْلِطُونَ: تَقُولُ: لَبَسْتُ الأَمْرَ بفتح الباءِ: بمعنى خَلَطْتُهُ ومنه قوله تعالى: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: 9] . وفي قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ. وباقى الآية تقدّم بيانه في «سورة البقرة» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 72 الى 74] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وقوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ ... الآية/ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان «2» بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر «3» : وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوه:

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 307) برقم (7215) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 400) بنحوه، وابن عطية (1/ 452) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 75) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 308) برقم (7220) بنحوه، وذكره الماوردي (1/ 401) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 315) ، وابن عطية (1/ 453) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 373) . (3) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 84) .

الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً. الثاني: أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه. الثالث: أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اهـ. وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ أنهم قالوا: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم «1» . وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن قال ع «2» : والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ: أحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المعرفة بصحّة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهود الّذين هم منكم، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ: صفَةٌ لحالِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمعنى: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم (يعنون العربَ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم. وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: «آنْ يُؤتى» بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ «3» ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلّه من قول الطائفة إلّا

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 311) برقم (7242) عن قتادة قال: هذا قول بعضهم لبعض. وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 454) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 454) . (3) قال الأزهري: ومن قرأ بالمد فهو استفهام معناه الإنكار، وذلك أن أحبار اليهود قالوا لذويهم: أيؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ أي: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. -

الاعتراض الذي هو: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فإنه لا يختلفُ أنَّه من قول الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: «آن يؤتى» على ما قبله مِنَ الفَعْلِ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ «أَنْ» في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره: تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام. قال ع «1» : ويكونُ «يحاجُّوكم» على هذا معطوفاً على: «أنْ يؤتى» . قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع «أنْ» نَصْباً، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 76] ، فعلى كلا الوجهَيْن/ معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم نَبِيٌّ مبعوثٌ. قال ع «2» : ويكون قوله تعالى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ في تأويل نصْب «أنْ» بمعنى: أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم. وقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية: هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله لأمَّته «3» . وحكَى الزَّجَّاج «4» وغيره أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم. ومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجُّونكم على معنى الازدراء باليَهُود كأنه قال: أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله للطائفة.

_ - ينظر: «معاني القراءات» (1/ 260) ، و «السبعة» (207) ، و «الكشف» (1/ 147) ، و «الحجة» (3/ 52) ، و «حجة القراءات» (165) ، و «إعراب القراءات» (1/ 114) ، و «العنوان» (80) ، و «شرح الطيبة» (4/ 160) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 482) . (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 455) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 455) . (3) أخرجه الطبري (3/ 312) برقم (7248) ، وذكره ابن عطية (1/ 456) ، والسيوطي (2/ 76) ، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي. (4) «معاني القرآن» (1/ 430) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 75 إلى 78]

قال ع «1» : ويحتملُ أنْ يكون قوله: أَنْ يُؤْتى بدلاً من قوله: هُدَى اللَّهِ. قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ. وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره. [سورة آل عمران (3) : الآيات 75 الى 78] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) وقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ... الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ. قال الفَخْرَ «2» وفي الآية ثلاثةُ أقوال: الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله. الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ. الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية. اهـ «3» . قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ» «4» : قال الطبريُّ «5» : وفائدةُ هذه الآية النهي عن ائتمانهم

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 456) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 88) . (3) ذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 317) . [.....] (4) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 275) . (5) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 315) بنحوه.

على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ... الآية، والصحيحُ عندي: أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ. قال ابنُ العربيِّ: فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ. قال البخاريُّ: باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ. اهـ. والقِنْطَارُ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ/ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه: ثبت. وقوله: قائِماً: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج «1» : معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك «2» ، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم. وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِماً: على رأسه «3» . وقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ... الآية: الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ. وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عالمون بمواضع الصّدق.

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 433) . (2) أخرجه الطبري (3/ 315) برقم (7258) ، (7259) عن قتادة، وبرقم (7260) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (1/ 458) ، والسيوطي (2/ 77) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. (3) أخرجه الطبري (3/ 316) برقم (7262) ، وذكره ابن عطية (1/ 458) ، والسيوطي (2/ 77) ، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.

قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ. اهـ. ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ «1» المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ. قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» «2» : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذَكَرَ الحديث «3» . اهـ. وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ... الآية: يَلْوُونَ: معناه: يحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب

_ (1) الختر: شبيه بالغدر والخديعة، وقيل: هو الخديعة بعينها، وقيل: هو أسوأ الغدر وأقبحه، وفي التنزيل العزيز: كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [لقمان: 32] . ينظر: لسان العرب» (1099) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 277- 278) . (3) أخرجه البخاري (5/ 280) ، كتاب «الشهادات» ، باب اليمين على المدعى عليه، حديث (2669، 2670) ، ومسلم (1/ 122- 123) كتاب «الإيمان» ، باب من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين فاجرة، حديث (220/ 138) ، وأبو داود (4/ 41) كتاب «الأقضية» ، باب إذا كان المدعى عليه ذميا، حديث (3621) ، والترمذي (5/ 224) كتاب «التفسير» باب (4) حديث (2996) ، وابن ماجة (2/ 778) كتاب «الأحكام» ، باب البينة على المدعي، حديث (2322) . والحميدي (1/ 53) رقم (95) ، والطيالسي (1/ 246) رقم (1216) ، وأبو عوانة (1/ 38- 39) باب بيان الأعمال التي يستوجب فاعلها عذاب الله، وأبو يعلى (9/ 50- 51) رقم (5114) ، والبيهقي (10/ 178) كلهم من طريق أبي وائل عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان» فقال الأشعث بن قيس: فيّ والله كان ذلك.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 79 إلى 80]

التأويلات كقولهم: راعِنا [البقرة: 104] ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء: 46] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها ومنه: لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ في هذا الموضع: التوراةُ، والضميرُ في «تَحْسَبُوهُ» للمسلمين. وقوله: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسّب. [سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وقوله تعالى: مَا كانَ لِبَشَرٍ ... الآية: معناه: النفْيُ التامُّ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوّة للكذبة والمدّعين، والْكِتابَ هنا اسم جنس، والْحُكْمَ: بمعنى الحكمة ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً» «1» وقال الفَخْر «2» : هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12] يعني: العلم والفهم. اهـ. «وثُمَّ» : في قوله: ثُمَّ يَقُولَ: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: عِباداً: جمع «عَبْدٍ» ، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى. قال ع «3» : والذي أستقْرَيْتُ/ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العبيد، فيستعمل في التحقير.

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 721) ، كتاب «الأدب» ، باب ما جاء في الشعر، حديث (5011) ، والترمذي (5/ 126) ، كتاب «الأدب» ، باب ما جاء إن من الشعر حكمة، حديث (2845) وابن ماجة (2/ 1236) ، كتاب «الأدب» ، باب الشعر، حديث (3756) ، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (872) ، وأحمد (1/ 269، 303، 309، 313، 327، 332) ، وأبو يعلى (4/ 220) رقم (2332) ، والبيهقي (10/ 241) ، كتاب «الشهادات» ، باب شهادات الشعراء، كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 98) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 461) .

قال ص: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى» : اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ. اهـ. قلتُ: وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الفرقان: 17] ونحوه يوضِّحه. اهـ. ومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلى عيسى- عليه السلام-، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسّرين: بل الإشارة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَعَاذَ اللَّهِ! مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ» ، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أن تلزم هذا القول محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: 31] وإنَّما معنى الآيةِ: فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر «1» وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى: المَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ابن اللَّه «2» وقيل: إن رجلاً من المسلِمِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟ فَقَالَ- عليه السلام-: «مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ» «3» . قيلَ: وقوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يقوِّي هذا التأويل. اهـ. وقوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ... الآيةَ: المعنى: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضا زائدة

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 96) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 323) برقم (7294) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 320) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 462) ، وابن كثير في «تفسيره» (1/ 377) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 82) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس. (3) أخرجه ابن حبان (1291- موارد) بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (1159) ، والبيهقي (7/ 291) ، مختصرا. [.....]

كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان «1» ، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ. قال ع «2» : فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: بِما كُنْتُمْ: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف «مَا» : مصدريةٌ، وأسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه (عزَّ وجَلَّ) على ابن آدَمَ «3» ، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ» «4» . اهـ.

_ (1) والربّانيّون جمع ربّانيّ، وفيه قولان: أحدهما: أنه منسوب إلى الرّبّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة، كرقباني، وشعراني، ولحياني للغليظ الرقبة، والكثير الشعر، والطويل اللحية، ولا تفرد هذه الزيادة عن النسب، أمّا إذا نسبوا إلى الرقبة، والشعر، واللحية من غير مبالغة قالوا: رقبي وشعري ولحوي، هذا معنى قول سيبويه. والثاني: أنه منسوب إلى ربّان، والربّان هو المعلّم للخير ومن يسوس الناس ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف والنون دالّتان على زيادة الوصف كهي في عطشان، وريّان، وجوعان، ووسنان، وتكون النسبة على هذا في الوصف نحو أحمريّ، قال: أطربا وأنت قنّسريّ ... والدّهر بالإنسان دوّاريّ وقال سيبويه: «زادوا ألفا ونونا في الرّباني أرادوا تخصيصا بعلم الرب دون غيره من العلوم، وهذا كما قالوا: شعراني، ولحياني، ورقباني» وفي التفسير: «كونوا فقهاء علماء» ، ولمّا مات ابن عباس قال محمد ابن الحنفية: «مات اليوم ربّانيّ هذه الأمة» . ينظر: «الكتاب» (2/ 89) و «الدر المصون» (2/ 147- 148) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 462) . (3) أخرجه الدارمي (1/ 102) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (13/ 235) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1150) ، عن الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا. وأخرجه الخطيب (4/ 346) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» رقم (88) . من طريق الحسن عن جابر مرفوعا. وأخرجه ابن الجوزي في «العلل» (89) ، من طريق أبي الصلت الهروي، عن يوسف بن عطية الصفار، عن قتادة، عن الحسن، عن أنس مرفوعا. والحديث ضعيف. (4) ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1162) من حديث ابن وهب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 81 إلى 85]

وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره. وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع «1» قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «2» ، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله: أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره «3» ، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ «4» من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية: بمعنى الآلهة. [سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 85] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما

_ (1) ينظر: «السبعة» (213) ، و «الكشف» (1/ 350) ، و «الحجة» (3/ 57) ، و «معاني القراءات» (1/ 264) ، و «حجة القراءات» (168) ، و «العنوان» (80) ، و «إعراب القراءات» (1/ 116) ، و «شرح طيبة النشر» (4/ 161) ، و «شرح شعلة» (319) ، و «إتحاف» (1/ 483) . (2) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (3/ 327) برقم (7320) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 321) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 463) ، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (2/ 83) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر. (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 463) . (4) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 327) .

أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع «1» ، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد صلّى الله عليه وسلّم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه «2» ، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ «3» . وقرأ حمزةُ: «لِمَا» بكسر اللام «4» ، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و «ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي» ، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و «مِنْ» : لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ ... الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا» بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين: أَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ «5» وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين. والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 330) برقم (7324) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 406) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 322) ، وابن عطية (1/ 464) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 84) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 330) برقم (7326) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» بنحوه (1/ 406) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 322) ، وابن عطية (1/ 464) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 84) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 330) برقم (7329) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 406) ، وابن عطية (1/ 464) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 84) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (4) ينظر: «السبعة» (213) ، و «الكشف» (1/ 351) ، و «الحجة» (3/ 62) ، و «إعراب القراءات» (1/ 116) ، و «شرح الطيبة» (4/ 161) ، و «معاني القراءات» (265) ، و «شرح شعلة» (320) ، و «إتحاف» (1/ 483) ، و «العنوان» (80) . (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 464) .

بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و «جَاءَكُمْ» : معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [الأحزاب: 60] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: 60] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله: «لَتُؤْمِنُنَّ» . وقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ» ، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ» بالتاء «1» ، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم. وقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ... هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ «2» : أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ «3» . وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ: أحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة «4» . والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره «5» .

_ (1) وحجة نافع قوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [الإسراء: 55] ، وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: 117] ، ونحوه. ينظر: «حجة القراءات» (168) ، و «السبعة» (214) ، و «الحجة» (3/ 69) ، و «معاني القراءات» (1/ 265) ، و «إعراب القراءات» (1/ 116) ، و «شرح شعلة» (319) ، و «العنوان» (80) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 484) . [.....] (2) ينظر: «الطبري» (3/ 332) . (3) وأصل الإصر: الثّقل والشّدّ. والإصر- أيضا-: الذنب. والإصر- أيضا-: والأصر ما عطفك على شيء. ينظر: «لسان العرب» (86، 87) . (4) ينظر: «الطبري» (3/ 333) . (5) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 437) .

وقال ع «1» : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره «2» ، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ» بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة «3» ، و «تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل. وتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ. قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور «4» أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى. وروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا «5» . قال النَّوويُّ «6» : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 466) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 333) برقم (7337) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 466) . (3) وهي رواية حفص عن عاصم، وحجتهما أن الخطاب قد انقضى بالفصل بينه وبين ذلك بقوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ ... الآية، ثم إن المعنى حينئذ: اليهود. ينظر: «السبعة» (214) ، و «الكشف» (1/ 253) ، و «العنوان» (80) ، و «الحجة للقراء السبعة» (3/ 69) ، و «حجة القراءات» (170) ، و «شرح شعلة» (320) ، و «شرح الطيبة» (4/ 162) ، و «إتحاف» (1/ 484) ، و «معاني القراءات» (1/ 267) . (4) يونس بن عبيد بن دينار الإمام القدوة، الحجة، أبو عبد الله العبدي، مولاهم البصري، من صغار التابعين وفضلائهم. رأى أنس بن مالك، وحدث عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وعكرمة، قال علي بن المديني: له نحو مائتي حديث، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال أحمد وابن معين والناس: ثقة. ينظر: «السير» (6/ 288) ، «طبقات ابن سعد» (7/ 260) ، «الكامل» (5/ 487) ، «حلية الأولياء» (3/ 15- 27) . (5) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» ، حديث (542) . (6) ينظر: «حلية الأبرار» (ص 257) .

هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ. اهـ. وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور. واختلفوا في معنى قوله: طَوْعاً وَكَرْهاً، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً «1» ، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً «2» . قال ع «3» : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض. وقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار والكفّار. قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ ... الآية، وقد تقدَّم بيانها في «البقرة» ، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ... الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء- عليهم السلام-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ ... الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ «4» ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 334) برقم (7340) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 466) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 85) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (2) ذكره ابن عطية (1/ 466) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 86) . وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 467) . (4) الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري الأوسي، ووقع لابن عبد البر الحارث بن سويد، ويقال: ابن مسلم المخزومي، ارتدّ ولحق بالكفار فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً. ينظر: «الإصابة» (1/ 671- 672) ، «أسد الغابة» ت (899) . [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 86 إلى 89]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 86 الى 89] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) وقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ... الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ «1» ، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ «2» ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا «3» به، ورجَّحه الطبري «4» . وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ «5» . قال ع «6» : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه. وقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن. قال الفَخْر «7» : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل. اهـ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 90 الى 93] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93)

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 338) برقم (7358) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 468) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 87) ، وعزاه للنسائي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» ، من طريق عكرمة. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 468) . (3) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 88) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (4) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 320) . (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 468) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 468) . (7) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 112) .

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ... الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك «1» . قال ع «2» : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت «3» به. قال ع «4» : فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه «5» ، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم «6» . قال ع «7» : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً [آل عمران: 86] ، فأخبر عنهم أنَّه لا

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 341) برقم (7374، 7375) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 408) ، وأسنده لأبي العالية، وذكره أيضا ابن عطية (1/ 469) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 88) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 469) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 470) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 88) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 470) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 342) برقم (7381) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 88) ، وعزاه لابن جرير. (6) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 470) . (7) ينظر: المصدر السابق. [.....]

تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج «1» : المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. قال ع «2» : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/. وقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ... الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم. قال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: «مِنْ» : للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ: «بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ» «3» اهـ. قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له» «4» اهـ من «الإحياء» .

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (1/ 441) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 470) . (3) ينظر: «الكشاف» (1/ 385) ، و «البحر المحيط» (2/ 546) ، و «الدر المصون» (2/ 166) . (4) ذكره الهندي في «الكنز» (43112) ، وعزاه للدار قطني في الأفراد، وأبي الشيخ في «الثواب» . وقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (3/ 257) : أخرجه ابن حبان في «الضعفاء» ، وأبو الشيخ في «الثواب» من حديث ابن عمر بسند ضعيف. اهـ. والحديث أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 138) ، من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن ابن عمر به. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به عمرو بن خالد، قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يروي موضوعات كذبه أحمد، ويحيى. واعلم أن جهلة المتزهدين بنوا على مثل هذا الحديث الواهي، فتركوا كل ما تشتهيه النفس، فعذبوا أنفسهم لمجاهدتها في ترك كل ما يشتهى من المباحات، وذلك غلط لأن للنفس حقّا، ومتى ترك كل ما-

قال ع «1» : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به «2» . قال الفَخْر «3» : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـ. وقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ. وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها. وقال الفَخْر «4» : قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون. اهـ.

_ - تشتهيه أثر في صورتها ومعناها. أما في صورتها، فإن جسدها قد بني على أخلاط وفي باطنها طبيعة مستحثة على ما يصلحها، فإذا قلّت عندها الرطوبة مالت إلى المرطبات، وإذا كثرت فيها طلبت المنشفات، طلبا لإصلاح بدنها، فإذا منعت ما ركبت عليه من طلب الملائم كان ذلك مضادا لحكمة الواضع، ومبالغة في أذى النفس. وأما في معناها ينكمد برد أغراضها إذ نيل أغراضها يقوي حاستها، فلا ينبغي أن يترك من أغراضها، إلا ما خاف من تناوله، إما الملائم أو التثبط عن الطاعة، أو فوات خيرها، وإنما المنع من ترك شهواتها على الإطلاق. وأما إذا اشتهت شيئا من فضول العيش، فآثرت به، فالثواب حاصل، وذلك داخل في قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] . (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 471) . (2) ذكره ابن عطية (1/ 471) . (3) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 118) . (4) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 123) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 94 إلى 97]

قال ع «1» : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه! هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ، نَعَمْ» «2» . قال ع «3» : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ- عليه السلام- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّباً بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله. وقوله عز وجلّ: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ... الآية: قال الزَّجَّاج «4» : وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم. [سورة آل عمران (3) : الآيات 94 الى 97] فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) وقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ. وقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 473) . (2) رواه الطبري (7402) عن ابن عباس، وزاد السيوطي في «الدر» (2/ 92) فعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. وأخرجه الطبري (7400) عن الضحّاك. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 473) . (4) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 444) .

وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ...... الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم- عليه السلام- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟ وقال الفَخْر «1» : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية. اهـ. قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «2» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «3» : والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه. اهـ. قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية» : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «4» ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «5» : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: 24] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ. اهـ. وقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «6» : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 125) . [.....] (2) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 2830) . (3) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 283- 284) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 474) . (5) صاحب «البيان» هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي. وكتاب «البيان» هو كتاب «البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل» ، وهي مستخرجة العتبي المسماة «العتبية» ، وهو كتاب عظيم نيف على عشرين مجلدا. ينظر: «شجرة النور» (1/ 129) ، و «هدية العارفين» (2/ 85) ، و «الديباج المذهب» (2/ 248) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 475) .

في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم. وقوله: كانَ آمِناً قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، فمماذا هو آمنٌ؟ فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «1» : وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «2» ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «3» . قال ذلك كلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.

_ (1) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 285) . (2) أخرجه البخاري (3/ 382) ، كتاب «الحج» ، باب فضل الحج المبرور، حديث (1521) ، (4/ 25) ، كتاب «المحصر» ، باب قوله الله تعالى: فَلا رَفَثَ، حديث (1819) ، وباب قول الله (عز وجل) : وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، حديث (1820) . ومسلم (2/ 983) ، كتاب «الحج» ، باب في فضل الحج والعمرة، حديث (438/ 1350) . والنسائي (5/ 14) ، كتاب «الحج» ، باب فضل الحج. والترمذي (3/ 176) ، كتاب «الحج» ، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة، حديث (81) . وابن ماجة (2/ 964- 965) ، كتاب «المناسك» ، باب فضل الحج والعمرة، حديث (2889) . وأحمد (2/ 248، 410، 484) ، والطيالسي (1/ 202- منحة) رقم (975) . والدارمي (2/ 31) ، كتاب «المناسك» ، باب في فضل الحج والعمرة، وأبو يعلى (11/ 61) رقم (6198) . وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 316) . وابن خزيمة (4/ 131) رقم (2514) ، وابن حبان رقم (3702- الإحسان) . والبيهقي (5/ 67) ، كتاب «الحج» ، باب لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، والخطيب في «تاريخ بغداد» (11/ 222) ، والحميدي (2/ 440) رقم (1004) ، والبغوي في «شرح السنة» (4/ 4- بتحقيقنا) . كلهم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. (3) أخرجه البخاري (3/ 698) في العمرة: باب العمرة، وجوب العمرة وفضلها (1773) ، ومسلم (2/ 983) في الحج: باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (437- 1349) ، والنسائي (5/ 115) في الحج: باب فضل العمرة. والترمذي (3/ 272) في الحج، باب ما ذكر في فضل العمرة (933) . وابن ماجة (1/ 964) في المناسك: باب فضل الحج والعمرة (2888) . وأحمد (2/ 246، 261، 262) ، والدارمي (2/ 31) في المناسك: باب في فضل الحج والعمرة، من طريق سمي مولى أبي بكر بن عبد الرّحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة مرفوعا: «العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «1» ، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «2» : هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ. وقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ» : في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس» ، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله: وَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «3» ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى. هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ. وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره: المعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «4» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تركه، لا

_ (1) ينظر: «السبعة» (214) ، و «الكشف» (1/ 253) ، و «الحجة» (3/ 71) ، و «العنوان» (80) ، و «حجة القراءات» (170) ، و «إعراب القراءات» (1/ 117) ، و «شرح شعلة» (320) ، و «شرح الطيبة» (4/ 162) ، وإتحاف» (1/ 485) ، و «معاني القراءات» (1/ 268) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 366) . (3) أخرجه الدارمي (2/ 29) ، كتاب «الحج» ، باب من مات ولم يحج. وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 251) ، من طريق شريك، عن ليث، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة مرفوعا. ومن هذا الوجه أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 210- بتحقيقنا) ، وقال: لا يصح. وأعله بالمغيرة بن عبد الرّحمن، قال يحيى: ليس بشيء. وفيه ليث، وقد ضعفه ابن عيينة، وتركه يحيى القطان، ويحيى بن معين، وابن مهدي، وأحمد. قلت: ولا وجه لإعلاله بالمغيرة لأنه توبع على هذا الحديث، تابعه الدارمي، ومحمد بن أسلم، عن أبي نعيم في «الحلية» . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 367) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 411) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 330) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 101) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 98 إلى 101]

يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ» «1» ، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم. معْنَى الآيةِ: مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ: مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ «2» ، يعني: كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ: معنى الآيةِ: ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر «3» : والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك: لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ: «إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا» ، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم «4» فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ «5» : وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم. اهـ. ومعنى قوله تعالى: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ: فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربّ سواه. [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 101] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) وقوله عزّ وجلّ: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ. هذه الآياتُ: توبيخٌ لليهود المعاصرين للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والكتابُ: التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 368) رقم (7509) ، عن أبي داود نفيع. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 101) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 480) . [.....] (3) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 135) . (4) أخرجه الطبري (7/ 49- 50) برقم (7516) ، وسعيد بن منصور رقم (515) . كلاهما من طريق جويبر عن الضحاك به. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 101) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. (5) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 135) .

سبحانه: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ وعيدٌ محض، قال الطبريّ «1» : هاتان الآيتان: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وما بعدهما إلى قوله: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 105] ، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق: حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين/، والحَسَدِ لهم على نَفَرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ: قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح! مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ: الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إليها وتحاوز النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجاهليّة، وبلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ «2» ، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات. وقال الحَسَنُ وغيره: نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون: إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا «3» . قال ع «4» : ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى «تَبْغُونَ» أي: تطلبون لها الاعوجاجَ

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 371) . (2) ينظر: «السيرة النبوية» (2/ 197- 198) . والحديث أخرجه الطبري (4/ 16) بسنده. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 375) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 481) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 102 إلى 104]

والانفسادَ، وأنْتُمْ شُهَدَاءُ: يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ على ما في التوراة من صفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وصدقه، وباقي الآية وعيد. وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ... الآية: خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ. قال ص: قوله تعالى: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ، ردَّ: بمعنى صَيَّر، فيتعدى إلى مفعولَيْنِ الأول: الكافُ، والثاني: الكافِرِينَ كقوله: [الوافر] فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا «1» اهـ. ويَعْتَصِمْ: معناه: يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ ومنه: قوله: يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [هود: 43] وباقي الآية بيّن. [سورة آل عمران (3) : الآيات 102 الى 104] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، قال ابن مسعود: «حَقَّ تُقَاتِهِ» : هو أنْ يُطَاع فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَر فلا ينسى، وأنْ يُشْكَر فلا يكفر «2» ، وكذلك عبّر

_ (1) وقبله: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سهرن له سمودا وهو لعبد الله بن الزبير في ملحق ديوانه (ص 143- 144) و «تخليص الشواهد» (ص 443) و «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ص 941) و «المقاصد النحوية» (2/ 417) ولأيمن بن خريم في ديوانه (ص 126) ولفضالة بن شريك في «عيون الأخبار» (3/ 76) و «معجم الشعراء» (ص 309) وللكميت بن معروف في «ذيل الأمالي» (ص 115) وبلا نسبة في «شرح الأشموني» (1/ 159) و «شرح ابن عقيل» (ص 217) و «لسان العرب» (3/ 219) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 375) برقم (7534: 7541) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 332- 333) ، وابن عطية (1/ 483) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 105) ، وعزاه لابن المبارك في «الزهد» ، وعبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «الناسخ» ، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه.

الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم «1» ، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة: نزلَتِ الآيةُ على عمومِ لفظها مِنْ لزومِ غاية التقوى حتى لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ، وبقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286] وقالت جماعة: لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنى: اتقوا اللَّهَ حَقَّ تقاته فِي ما استطعتم، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ على أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟» قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضاً «2» اهـ. وقوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: معناه: دُومُوا على الإسلام حتى يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ: حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ، وروى أنس بن مالك، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ افترقوا على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثنين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ واحدة،

_ (1) الرّبيع بن خيثم، الثوري، أبو يزيد الكوفي، مخضرم، عن ابن مسعود، وأبي أيوب، وعمرو بن ميمون، وعنه الشعبي، وإبراهيم النّخعي، وأبو بردة، قال له ابن مسعود: لو رآك النبي صلّى الله عليه وسلّم لأحبّك، توفي سنة أربع وستين، وكان لا ينام الليل كله، رحمه الله تعالى. ينظر: «الخلاصة» (1/ 318- 319) ، و «تهذيب الكمال» (1/ 403) ، و «تهذيب التهذيب» (3/ 242) ، و «الكاشف» (1/ 304) ، و «طبقات ابن سعد» (6/ 10، 96، 118) ، و «سير الأعلام» (4/ 258) ، و «الثقات» (4/ 224) . (2) أخرجه الترمذي (4/ 706- 707) ، كتاب «صفة جهنم» ، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار، حديث (2585) . وابن ماجة (2/ 1446) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة النار، حديث (4325) ، والنسائي في «التفسير» (1/ 316) ، رقم (90) ، وأحمد (1/ 301، 338) ، والطيالسي (2/ 16- منحة) رقم (195) ، وابن حبان (2611- موارد) ، والحاكم (2/ 294، 451- 452) . والبيهقي في «البعث والنشور» رقم (596) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 68) ، رقم (11068) ، وفي «الصغير» (2/ 51) . كلهم من طريق شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 60) . وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر. وقد جاء هذا الحديث موقوفا على ابن عباس: أخرجه أحمد (1/ 338) ، وابن أبي شيبة (13/ 161) رقم (15991) . والبيهقي في «البعث والنشور» (597) ، من طريق الأعمش، عن أبي يحيى القتات، عن ابن عباس موقوفا، وأبو يحيى القتات، قال الحافظ: ليّن الحديث.

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ؟ قَالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: الجَمَاعَةُ، وقرأ «1» : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» ، وقال قتادةُ وغيره: حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به: هو القُرآن «2» ، ورواه أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «3» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الإسلام «4» ، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض. وقوله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا: يريد: التفرُّقَ الَّذي لا يتأتى معه الائُتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قال فيه صلّى الله عليه وسلّم: «خلاف أمّتي رحمة» «5» ، وقد اختلفت الصّحابة

_ (1) أخرجه ابن ماجة (2/ 1322) ، كتاب «الفتن» ، باب افتراق الأمم، حديث (3993) ، من حديث أنس. وقال البوصيري في «الزوائد» (3/ 239) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 378) ، وذكره الماوردي بنحوه في «تفسيره» (1/ 412) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 333) ، وابن عطية (1/ 483) . (3) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 107) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن جرير. [.....] (4) ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 414) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 483) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 108) . (5) قال السخاوي في «المقاصد» (ص 26- 27) : أخرجه البيهقي في «المدخل» من حديث سليمان ابن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مهما أوتيتم من كتاب الله، فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة» ، ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي في مسنده بلفظه سواء، وجويبر ضعيف جدا، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب «الحجة» لنصر المقدسي مرفوعا من غير بيان لسنده ولا صحابيه، وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب «العلم والحكم» بدون بيان بلفظ: «اختلاف أصحابي رحمة لأمتي» قال: وهو مرسل ضعيف، وبهذا اللفظ ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية بغير إسناد، وفي «المدخل» له من حديث سفيان عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد قال: اختلاف أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم رحمة لعباد الله. ومن حديث قتادة أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما سرني لو أن أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة. ومن حديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا إذا علم هذا. وقد قرأت بخط شيخنا: إنه (يعني هذا الحديث) حديث مشهور على الألسنة، وقد أورده ابن الحاجب في «المختصر» في مباحث القياس بلفظ: «اختلاف أمتي رحمة للناس» ، وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في «غريب الحديث» مستطردا، وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن والآخر ملحد، وهما إسحاق الموصلي وعمرو بن بحر الجاحظ، وقالا جميعا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابا، ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه شفاء في عزو الحديث، ولكنه أشعر بأن له أصلا عنده، ثم ذكر شيخنا شيئا مما تقدم في عزوه.

في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ على كُلِّ كافرٍ. وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ... الآية: هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجاً، فعرض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا على مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا اثني عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكبرى، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ اثنا عَشَرَ نَقِيباً. ووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن: أحدهما: أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال بعضُهم لبعضٍ: هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ. والوجْهُ الآخرُ: الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم/ بها قال الفَخْر «1» : كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه [سبحانه] «2» بالإسلام، صاروا إخواناً في اللَّه متراحِمِينَ. واعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معادياً لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل: إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر. اهـ. وقوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ عبارة عن الاستمرار.

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (8/ 143) . (2) سقط من أ.

قال ص: «أصْبَحَ» : يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى «1» «صَارَ» ، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ: هنا بمعنى صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية «2» مِنْ أنَّ «أَصْبَحَ» لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين. اهـ. قلْتُ: وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ على نَفْيٍ. وكلامٍ. ع «3» : واضحٍ من جهة المعنى، والشَّفَا: حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مهوى كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار، ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلى كقوله: شَفا جُرُفٍ [التوبة: 109] ، وإلى الأسفلِ كقوله: شَفا حُفْرَةٍ فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنّم دأبا، فأنقذهم اللَّه منها بالإسلام. وقوله تعالى: فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، أي: مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسن، قال العراقيّ: أنقذكم، أي: خلَّصكم. اهـ. وقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ: أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ على وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه أنّ الكلّ

_ (1) أصبح من أخوات «كان» ، فإذا كانت ناقصة كانت مثل «كان» في رفع الاسم ونصب الخبر، وإذا كانت تامة رفعت فاعلا واستغنت به، فإن وجد منصوب بعدها فهي حال، وتكون تامة إذا كانت بمعنى دخل في الصباح تقول: «أصبح زيد» أي دخل في الصباح، ومثلها في ذلك «أمسى» ، قال تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: 17] وقوله: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ [الصافات: 137] وفي أمثالهم: «إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنّه مصبح» لأنّ القين- وهو الحدّاد- ربما قلّت صناعته في أحياء العرب فيقول: أنا غدا مسافر، ليأتوه الناس بحوائجهم فيقيم ويترك السفر، فأخرجوه مثلا لمن يقول قولا ويخالفه، فالمعنى أنه مقيم في الصباح، وتكون بمعنى «صار» عملا ومعنى كقوله: 1379- فأصبحوا كأنّهم ورق جف ... ف فألوت به الصّبا والدّبور أي: صاروا. و «إخوانا» خبرها، وجوّزوا فيها هنا أن تكون على بابها من دلالتها على اتّصاف الموصوف بالصفة في وقت الصباح، وأن تكون بمعنى «صار» ، وأن تكون التامة، أي: دخلتم في الصباح، فإذا كانت ناقصة على بابها فالأظهر أن يكون «إخوانا» خبرها. ينظر: «الدر المصون» (2/ 178) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 484) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 485) .

لا يكُونونَ علماء، ف «مِنْ» هنا: للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ «1» وغيره. وذهب الزَّجَّاج «2» وغيرُ واحدٍ إلى أنَّ المعنى: ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و «مِنْ» : لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية على هذا: أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور على منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ «3» ، قال: حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن «4» ، أنَّ وَافِداً النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أنس بن مالك، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ قال: هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ؟! قَالَ: يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى» «5» اهـ من «التذكرة» «6» للقرطبيّ.

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 385) بنحوه. (2) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 452) . (3) ليث بن سعد بن عبد الرّحمن الفهمي، مولاهم، الإمام، عالم «مصر» وفقيهها ورئيسها، عن سعيد المقبري، وعطاء، ونافع، وقتادة، والزهري وصفوان بن سليم، وخلائق. وعنه ابن عجلان، وابن لهيعة، وهشيم، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأمم. قال ابن بكير: هو أفقه من مالك. وقال محمد بن رمح: كان دخل الليث ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة قط. وثقه أحمد وابن معين والناس. قال ابن بكير: ولد سنة أربع وتسعين، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 371) . (4) محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين. عن أنس، وأبي حازم، والأعرج، وعكرمة، وطائفة. وعنه عبد الوهاب بن بخت، ومنصور، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق. وثقه أحمد وابن معين. وذكره البخاري في الضعفاء. حمل به ثلاث سنين. توفي سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له البخاري تعليقا، ومسلم متابعة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 438) ، و «تهذيب الكمال» (3/ 1242) ، و «الكاشف» (3/ 77) ، و «تقريب التهذيب» (2/ 190) ، و «لسان الميزان» (7/ 368) . (5) أخرجه العقيلي (4/ 331) ، وابن عدي في «الكامل» (7/ 92- 93) ، من طريق الليث بن سعد، عن جابر بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال. وأسند العقيلي عن البخاري قوله: واقد بن سلامة النضري لم يصح حديثه. وذكره العقيلي، وابن الجارود في «الضعفاء» ، وقال الحافظ في «اللسان» : ضعفوه. ينظر: «لسان الميزان» (6/ 215) . (6) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (2/ 620) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 105 إلى 109]

قال ع «1» : قال أهْلُ العلْمِ: وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية «2» ، إذا قام به قائمٌ، سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان «3» والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ على مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ/، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولاً، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رأى أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذى ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ: «يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ على مَا أَصَابَهُمْ» «4» ، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ كما هو في قوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [لقمان: 17] . [سورة آل عمران (3) : الآيات 105 الى 109] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 486) . [.....] (2) «الفرض» و «الواجب» عند غير الحنفية لفظان مترادفان اصطلاحا على مفهوم واحد، هو الفعل الذي طلبه الشارع من المكلف طلبا جازما، سواء كان الطلب بدليل قطعي كالكتاب والسنة المتواترة، أو كان بدليل ظني كخبر الآحاد، ومن هنا يمكن أن نقول: ينقسم الواجب باعتبار فاعله إلى فرض عين، وفرض كفاية، وفرض الكفاية: هو الفعل الذي طلب الشارع حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله. ومعناه: أن فرض الكفاية هو الفعل المطلوب حصوله في الجملة، أي من غير نظر بالإصالة إلى الفاعل، وإنما المنظور إليه أولا وبالذات إنما هو الفعل. أما الفاعل، فلا ينظر إليه إلا تبعا للفعل ضرورة توقف حصوله على فاعل. ولذا كان فعل البعض كافيا في تحصيل المقصود منه والخروج عن عهدته، ومن هنا سمي «فرض كفاية» . (3) أخرجه مسلم (1/ 69) في الإيمان: باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، (78- 79) (49) ، وأبو داود (1/ 366) في الصلاة: باب الخطبة يوم العيد (1140) ، و (2/ 526) ، في الملاحم: باب الأمر والنهي (4340) ، والترمذي (4/ 407- 408) في الفتن: باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب (2172) ، والنسائي (8/ 111- 112) في الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان، وابن ماجة (2/ 406) ، في إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة العيدين (1275) ، وأحمد (3/ 20، 49، 52- 53) ، والبيهقي (3/ 296- 297) ، (6/ 94- 95) ، (7/ 266) ، (10/ 90) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا به. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 486) ، و «البحر المحيط» (3/ 24) .

وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا ... الآية: قال ابن عبَّاس: هي إشارة إلى كلِّ مَنِ افترق من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ «1» ، وقال الحسنُ: هي إشارة إلى اليهودِ والنصارى «2» . قلتُ: وروى أبو داوُدَ في سُنَنِهِ، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افترقوا على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ» «3» ، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار «4» اهـ. وقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... الآية: بياضُ الوُجُوهِ: عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ قاله الزَّجَّاج «5» وغيره. وقوله تعالى: أَكَفَرْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره: فيقالُ لهم: أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ «أمَّا» ، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (3/ 386) ، وذكره ابن عطية (1/ 486) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 386) ، وذكره ابن عطية (1/ 486) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 110) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (3) أخرجه أبو داود (2/ 608) ، كتاب «السنة» ، باب شرح السنة، حديث (4597) ، وأحمد (4/ 102) . والطيالسي (2/ 211- منحة) برقم (2754) ، والدارمي (2/ 241) ، كتاب «السير» ، باب في افتراق هذه الأمة، والحاكم (1/ 128) من حديث معاوية. وصححه الحاكم. (4) أخرجه أبو داود (2/ 608) ، كتاب «السنة» ، باب شرح السنة، حديث (4596) ، والترمذي (5/ 25) ، كتاب «الإيمان» ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، حديث (2640) ، وابن ماجة (2/ 1321) ، كتاب «الفتن» ، باب افتراق الأمم (3991) ، والحاكم (1/ 128) ، وابن حبان (1834) ، من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم. ووافقه الذهبي. والحديث صححه ابن حبان. (5) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 453) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 110 إلى 112]

الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه كقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [البقرة: 184] المعنى: فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ. وقوله تعالى: بَعْدَ إِيمانِكُمْ يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ: هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «1» [الأعراف: 172] وقال أكثر المتأوِّلين: المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ: الآية في المنافقين «2» ، وقال قتادة: هي في أهْل الرَّدة «3» ، وقال أبو أُمَامة: هي في الخَوَارج «4» . وقوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الإشارة ب «تِلْكَ» إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك، فلا يوجد ألبتة لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله: بِالْحَقِّ: معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المعنى: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ، ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه وذلك في قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية/. [سورة آل عمران (3) : الآيات 110 الى 112] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112)

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 387) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 410) ، وابن عطية (1/ 487) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 112) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 387) برقم (7603) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 410) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 487) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 386) برقم (7599) ، وابن عطية، في «تفسيره» (1/ 487) ، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (2/ 112) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 387) برقم (7601) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 340) ، وابن عطية (1/ 487) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 112) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.

وقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... الآية: اختلفَ في تأويل هذه الآية. فقيل: نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ: الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس «1» ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس. وأمَّا قوله: «كُنْتُمْ» على صيغة المُضِيِّ فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ كما قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب: 73] وقال قوم: المعنى: كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ» وفي رواية: «السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة» وفي رواية: «نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ القيامة، المقتضي لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ» ، وفي رواية: «المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ» «2» . اهـ. وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يقال: أين الأمّة الأمّيّة ونبيّها، فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ» «3» ، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس: «فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ: كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا» «4» ، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه. اهـ من «التذكرة» «5» . ورَوَى أبو داودَ في سننِه، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبة، عن أبيه، عن أبي

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (3/ 391) ، ولفظه «قال: قد كان ما تسمع من الخير في هذه الأمة» ، والأثر ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 489) . (2) أخرجه مسلم (2/ 585) ، كتاب «الجمعة» ، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث (19/ 885) . [.....] (3) أخرجه ابن ماجة (2/ 1434) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، حديث (4290) . وقال البوصيري في «الزوائد» (3/ 317) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. (4) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 282) . (5) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 377) .

موسى، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل» «1» اهـ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة. اهـ. وقوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وما بعده: أحوالٌ في موضعِ نصبٍ. وفي الحديثِ: «خَيْرُ النَّاسِ أتُقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» «2» ، رواه البغويُّ في «منتخبه» . اهـ من «الكوكب الدري» . وقوله سبحانه: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ: تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ. وقوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، أي: إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجود، فهي من آيات نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ: ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، أي: لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ. وقوله تعالى: ضُرِبَتْ: معناه: أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهذا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، وثُقِفُوا: معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره: فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال إلاَّ بحَبْلٍ، وهو العَهْدُ. وقوله: ذلِكَ إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدّم تفسير نظيره.

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 507) ، كتاب «الفتن» ، باب ما يرجى في القتل، حديث (4278) ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا كثير بن هشام، ثنا المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى مرفوعا. وسقط في السند عند المؤلف كثير، والمسعودي، وسعيد بن أبي بردة. (2) أخرجه أحمد (6/ 431- 432) ، من حديث درة بنت أبي لهب. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 266) : رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 113 إلى 114]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 114] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس (رضي اللَّه عنهما) : لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ/، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ: مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَاراً، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ: لَيْسُوا سَواءً ... الآية «1» ، وقالَ مثلَهُ قتادةُ، وابنُ جُرَيْجٍ «2» ، وهو أصح التأويلات في الآية. واختلفَ في قوله: قائِمَةٌ، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: معناه: قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ «3» ، وقال السُّدِّيُّ: القائمةُ: القانِتَةُ المُطيعةُ «4» ، وهذا كلُّه يرجع إلى معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد ب قائِمَةٌ: وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة أنه معتدلٌ عَلَى أمر الله، وآياتِ اللَّهِ في هذه الآيةِ: هي كُتُبُهُ، والآناءُ: السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص شَخْصٍ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلى نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ: كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في «سُورة المُزَّمِّلِ» ، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغى به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه، قُلْتُ: وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة: ما جاء من التأويل في حديث النّزول،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 398) برقم (7642) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 417) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 343) ، وابن عطية (1/ 492) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 115) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في «الدلائل» ، وابن عساكر. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 399) برقم (7644) ، (7645) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 399) برقم (7651) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 417) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 400) برقم (7652) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 492) ، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (2/ 116) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائد: روى أبو هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» «1» رواه الجماعةُ، أعني: الكتبَ الستَّة البخاريَّ، ومُسْلِماً، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق «2» : «حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ» ، زاد ابْنُ ماجَة: «فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ على أَوَّلِهِ» . وعن عمرو بْنِ عَبَسَة «3» أَنَّهُ سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» «4» . رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك» ، واللفظُ للتِّرمذيِّ، وقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ. اهـ من «السلاح» . وعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ» «5» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى» ، أو نحو هذا. اهـ من «السلاح» .

_ (1) تقدم تخريجه. (2) تقدم تخريجه. (3) عمرو بن عبسة، السّلمي، أبو نجيح، صحابي مشهور. له ثمانية وأربعون حديثا. عنه أبو أمامة، وشر حبيل بن السّمط. قال الواقدي: أسلم ب «مكة» ثم رجع إلى بلاد قومه حتى مضت «بدر» و «أحد» و «الخندق» و «الحديبية» و «خيبر» ، ثم قدم «المدينة» . قال أبو سعيد: يقولون: إنه رابع أو خامس في الإسلام. ينظر: «الخلاصة» (2/ 290) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 1040) ، و «تهذيب التهذيب» (8/ 69) ت (107) ، و «الجرح والتعديل» (6/ 241) ، و «الثقات» (3/ 269) ، (4/ 251) ، و «أسد الغابة» (4/ 251) ، و «الاستيعاب» (3/ 1193) . (4) أخرجه الترمذي (5/ 569- 570) ، كتاب «الدعوات» باب (119) ، حديث (3579) ، والنسائي (1/ 279- 280) كتاب «الصلاة» ، باب النهي عن الصلاة بعد العصر، حديث (572) ، وابن خزيمة (2/ 182) . وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. (5) أخرجه الترمذي (5/ 526- 527) ، كتاب «الدعوات» ، باب (79) ، حديث (3499) من طريق عبد الرّحمن بن سابط عنه به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 115 إلى 116]

ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه: وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اغتنم خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» «1» فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال: دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له: ما تقُولُ (أصْلَحَكَ اللَّه) في الصَّوْمِ في السَّفر؟ فقال لي: إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث: فجاءني، واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء/. قال ص: قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ: «مِنْ» : للتبعيض، ابنُ عطية: ويحسُنُ أيضاً أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنسه. اهـ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 115 الى 116] وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) وقوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، أي: فلَنْ يعطى دونكم، فلا تثابُونَ عليه، وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: وعد ووعيد. [سورة آل عمران (3) : آية 117] مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) وقوله تعالى: ثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ ... الآية: وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهور المفسّرين على أن نْفِقُونَ يراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي: يبطلها كفْرهم كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ: البَرْدُ الشديدُ المُحْرِقُ لكلِّ ما يهبّ عليه، والحرث: شامل للزرع والثمار.

_ (1) أخرجه الحاكم (4/ 306) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 263) رقم (10248) من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» رقم (2) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (4/ 148) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7/ 263) رقم (10250) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 276، 277- بتحقيقنا) عن عمرو بن ميمون الأودي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا. والمرسل ذكره الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (4/ 443) ، وعزاه لأحمد في «الزهد» ، وقال: بإسناد حسن.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 118 إلى 119]

وقوله سبحانه: رْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ... الآية: مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في نْفِقُونَ ، وليس هو للقوم ذوي الحرث. [سورة آل عمران (3) : الآيات 118 الى 119] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً، أي: لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء. وقوله سبحانه: مِنْ دُونِكُمْ، يعني: مِنْ دُونِ المؤمنين. وقوله سبحانه: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا: معناه: لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول: ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ: ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ: الفسادُ، قال ابن عبَّاس: كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك «1» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ: نزلَتْ في المنافقين «2» . قال ع «3» : ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و «ما» في قوله: مَا عَنِتُّمْ: مصدريةٌ، فالمعنى: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي: شاقَّة. قال ص: قال الزجَّاج «4» : عَنَتَكُمْ، أي: مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جرير «5» : ضلالكم،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 407) برقم (7678) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 344) ، وابن عطية (1/ 496) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 118) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 407، 408) برقم (7680- 7684) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 496) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 496) . (4) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 462) . (5) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 408) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 120 إلى 122]

وقال الزُّبَيْدِيُّ: العَنَتُ: الهلاك. اهـ. وقوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، أي: فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ تحْذيراً وتنبيهاً، وقد عَلِمَ سبحانه أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول: إنْ كُنْتَ رَجُلاً، فافعل كذا وكذا. وقوله: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ: الضمير في «تُحِبُّونهم» للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله: بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، قال: ص: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، قال أبو البقاء: الكِتَاب، هنا: جنس، أيْ: بالكتب كلِّها. اهـ. وقوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ: عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه ومنه قولُ أبي طَالِبٍ: [الطويل] ................ ... يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ «1» وقوله سبحانه: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ قال فيه الطبريُّ «2» ، وكثيرٌ من المفسِّرين: هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ: بل أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا فعلَى/ هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ: وعيد وذات الصدور: ما تنطوي عليه. [سورة آل عمران (3) : الآيات 120 الى 122] إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)

_ (1) عجز بيت، وصدره: وقد صالحوا قوما علينا أشحّة ... ............... .. وهو في ديوان أبي طالب (101) ، و «السيرة النبوية» (1/ 272) ، و «الروض الأنف» (2/ 13) ، و «البحر المحيط» (3/ 44) ، و «الدر المصون» (2/ 197) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 412، 413) .

وقوله سبحانه: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ... الآية: الحَسَنَةُ والسيِّئة في هذه الآية: لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ: ويجبُ على المؤمن أن يجتنب هذه الأخلاق الذميمة وَرُوِّينا في «كتاب الترمذيِّ» ، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ» «1» اهـ. والكَيْد: الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى: وَأَكِيدُ كَيْداً [الطارق: 16] من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب. وقوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ هذا ابتداءُ عتْبِ

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 662) ، كتاب «صفة القيامة» ، باب (54) ، حديث (2506) ، وابن حبان في «المجروحين» (2/ 213- 214) ، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (5/ 186) ، والطبراني في «الكبير» (22/ 53- 54) رقم (127) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (917) كلهم من طريق القاسم بن أمية الحذاء: ثنا حفص بن غياث عن برد بن سنان عن مكحول عن واثلة بن الأسقع. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، وأبي هند الداري، ويقال: إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلا من هؤلاء الثلاثة. اهـ. وقال أبو نعيم: غريب من حديث برد ومكحول، لم نكتبه إلا من حديث حفص بن غياث. وقال ابن حبان: هذا لا أصل له من كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وقال في ترجمة القاسم: شيخ، يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. اهـ. وفيما قاله ابن حبان نظر فقد قال الحافظ في «التقريب» (2/ 115) : بصري صدوق، ضعفه ابن حبان بلا مستند. قلت: وقد توبع القاسم على هذا الحديث: فأخرجه الترمذي (4/ 662) كتاب صفة القيامة: باب (54) حديث (2506) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (9/ 95- 96) ، وأبو الشيخ في «الأمثال» (202) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 315) رقم (6777) كلهم من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد عن حفص بن غياث به. ومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 224) . وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعمر بن إسماعيل لا يعد. وقال يحيى: ليس بشيء، كذاب، رجل سوء، خبيث، وقال الدارقطني: متروك. اهـ. وقال الحافظ في «التقريب» (2/ 52) : متروك. وله متابع آخر: أخرجه المخلص في «فوائده» كما في «اللآلئ» (2/ 228) من طريق فهد بن حيان عن حفص بن غياث به. وفهد بن حيان: قال البخاري: سكتوا عنه، وقال أيضا: يتكلمون فيه. وقال العجلي: ضعيف الحديث. وذكره الدارقطني في «الضعفاء والمتروكين» . ينظر: «التاريخ الصغير» (2/ 331، 344) ، و «الثقات» للعجلي (1157) ، و «الضعفاء والمتروكين» للدار قطني (436) .

المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، على رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة يدبِّر وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم النَّاس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرًا تُذْبَح، وثَلْماً في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم: أرى ألاَّ نخرج إلى هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا، مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ وَرَمَاهُمُ النّساء والصّبيان بالحجارة من الآطام «1» ، فو الله، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخرج بِنَا إلى عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعَوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فصلى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا: أَكْرَهْنَا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا خرج عليهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا حتى يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حتى قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، اعتزم النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَى المَسِيرِ إلى مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فانخزل عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا: نَظُنُّ أَنَّكُمْ لا تلقون قتالا، ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فِي سبْعِمِائةٍ/ فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بعضا، ونهضوا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ «2» ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ وراء المسلمين،

_ (1) واحدها: أطم، وهي حصون مبنية بحجارة. ينظر: «لسان العرب» (93) . (2) عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، أخو خوّات بن جبير. -

[سورة آل عمران (3) : الآيات 123 إلى 125]

وَأسْنَدَ هُوَ إلَى الجَبَلِ، فَلَمَّا اضطرمت نَارُ الحَرْبِ، انكشف المُشْرِكُونَ، وانهزموا، وَجَعَلَ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ يَشْدُدْنَ فِي الجَبَلِ، وَيَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِيلُهُنَّ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَدْ قَالَ لَهُمْ: لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هُنَا، وَلَوْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ: اتقوا اللَّهَ واثبتوا كَمَا أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا، وَخَالَفُوا، وانصرفوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْخَيْلِ، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ مِنْ خَلْفِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ كَانَ الرُّمَاةُ، فَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ، وَوَقَعَ التَّخَاذُلُ، وَصِيحَ فِي المُسْلِمِينَ مِنْ مُقَدِّمَتِهِم، وَمِنْ سَاقَتِهِمْ، وَصَرَخَ صَارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخَاذَلَ النَّاسِ، واستشهد مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعُونَ، وَتَحَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فِي أَعْلَى الجَبَلِ، وَتَحَاوَزَ النَّاسُ» . هَذَا مختصرٌ من القصَّة يتركَّب عليه تفسيرُ الآياتِ، وأمْرِ أُحُدٍ مستوعَبٌ في السِّيَرِ، وليس هذا التعليقُ ممّا يقتضي ذكره، وتُبَوِّئُ: معناه: تُعَيِّنُ لهم مقاعدَ يتمكَّنون فيها، ويثْبُتُون، وقوله سبحانه: مَقاعِدَ: جمعُ مَقْعَدٍ، وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة قولك: مَوَاقِف، ولكنَّ لفظة القُعُود أدلُّ على الثبوتِ، ولا سيَّما أنَّ الرماة إنما كانوا قُعُوداً، وكذلك كانَتْ صفوفُ المسلمين أولاً والمُبَارِزَةُ والسَّرعَان «1» يَجُولُون. قوله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ، أي: ما تقولُ: وما يقالُ لك وقت المشاورة وغيره، وهَمَّتْ: معناه: أرادَتْ، ولم تَفْعَلْ، والفَشَل: في هذا الموضع: هو الجُبْن الذي كاد يلحق الطَّائفتين، ففي البُخَاريِّ وغيره، عَنْ جَابِرٍ، قال: نزلَتْ هذه الآيةُ فينا إذ همَّت طائفتان في بَنِي سَلِمَةَ وبَنِي حَارِثَةَ، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما «2» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 123 الى 125] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وقوله سبحانه: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ... لمّا أمر الله سبحانه بالتوكّل

_ - قال البخاريّ: حديثه في أهل «المدينة» ، شهد العقبة وبدرا، واستشهد بأحد، وكان أمير الرماة. ينظر: «الإصابة» (4/ 31) . (1) سرعان الناس وسرعانهم: أوائلهم المستبقون إلى الأمر. ينظر: «لسان العرب» (1995) . (2) أخرجه البخاري رقم (4558) . [.....]

عليه، ذَكَّر بأَمْر بَدْرٍ الذي كان ثَمَرَتُهُ التوكُّلَ عَلَى اللَّه سبحانه، والثِّقَةَ به. وقوله سبحانه: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ: معناه: قليلون، واسم الذُّلِّ في هذا الموضع: مستعارٌ إذ نسبتهم إلى عدوِّهم، وإلى جميعِ الكفَّار في أقطار الأرض تَقْتَضِي عند المتأمِّل ذِلَّتَهُمْ، وأنهم مغلوبُونَ رَوَى ابن عمرو «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ حُفَاةٌ، فاحملهم، اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عُرَاةٌ، فاكسهم، اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ جِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ» ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فانقلبوا حِينَ انقلبوا، وَمَا فِيهِمْ رجُلٌ إلاَّ قَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جمَلَيْنِ، واكتسوا، وَشَبِعُوا» «1» رواه أبو داود، والحاكمُ في «المستدرك على الصَّحيحَيْن» ، واللفظ له، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخَيْن. اهـ من «السلاح» . وقوله سبحانه: إِذْ/ تَقُولُ: العاملُ في «إذ» فعلٌ مضمرٌ، ويحتملُ أنْ يكون العاملُ «نَصَرَكُمْ» ، وعلى هذا قولُ الجمهورِ أَنَّ هذا القولَ من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ ببَدْرٍ، قال ابنُ عبَّاس: لم تقاتِلِ الملائكةُ في يَوْمٍ من الأيامِ إلا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانوا يكونون في سائرِ الأيام عدَداً ومَدداً لا يَضْرِبُون «2» ، قال الشَّعْبِيُّ: وهم يحضرون حروبَ المُسْلمين إلى يَوْمِ القيامة، وقال قتادة: أمد اللَّه المؤمنين يَوْمَ بَدْر بخَمْسَة آلاف «3» ، قال عِكْرِمَةُ: كان الوعْدُ يوْمَ بدرٍ، فلم يصْبروا يَوْمَ أُحُدٍ، ولا اتقوا، فلم يُمَدُّوا، ولَوْ مُدُّوا، لَمْ يهزموا «4» ، وقال الضَّحَّاك، وابنُ زيدٍ: إنما كان هذا الوعدُ والمقالة للمؤمنين يوم أحُدٍ، ففَرَّ الناس، ووَلَّوْا مدبرين، فلم يمدَّهم اللَّه، وإنما مُدَّوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ «5» ، والفَوْرُ: النهوضُ المُسْرِعُ إلى الشيء مأخوذ من فَوْرِ القِدْرِ، والماءِ ونحوِهِ ومنه: الفور في الحجّ والوضوء

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 88) ، كتاب «الجهاد» باب في نفل السرية تخرج من المعسكر، حديث (2747) ، والحاكم (2/ 132- 133) ، والبيهقي (9/ 57) كتاب «السير» ، باب قسم الغنيمة في دار الحرب، من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 422) برقم (7749) ، وذكره ابن عطية (1/ 503) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 423) برقم (7753) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 124) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 424) برقم (7758) ، وذكر ابن عطية في «تفسيره» (1/ 503) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 124) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 503) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 124) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 126 إلى 129]

ومُسَوِّمِينَ: معناه: مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بن العوّام «1» ، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ: «سُوِّمُوا فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قد سوّمت» «2» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 126 الى 129] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: الضميرُ في جَعَلَهُ اللَّهُ: عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه، واللاَّمُ في قوله: لِيَقْطَعَ متعلِّقة بقوله: وَمَا النَّصْرُ، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة ب جَعَلَهُ فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى «3» من قتل بأحد على ما قال السُّدِّيُّ «4» ، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد اثنان وعِشْرُونَ رجُلاً، والطرف الفريق. وقوله سبحانه: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: معناه يُخْزِيَهُمْ والكَبْتُ: الصرع لليَدَيْن. وقال ص: الكَبْت: الهزيمة، وقيل: الصَّرْع لليدين اهـ.

_ (1) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. أبو عبد الله القرشي. الأسدي. حواري الرسول صلّى الله عليه وسلّم وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وهو صحابي مشهور، وفضائله كثيرة لا يتسع المقام للكلام عنها. قتل بعد منصرفه يوم الجمل في جمادى الأولى سنة (36) ، وله ست أو سبع وستون سنة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 249) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 188) ، و «الإصابة» (3/ 5) ، و «الاستيعاب» (2/ 510) ، و «التاريخ الكبير» (3/ 409) ، و «حلية الأولياء» (1/ 809) ، و «الكاشف» (1/ 320) ، و «الرياض المستطابة» (74) ، و «المصباح المضيء» (1/ 114) ، و «الرياض النضرة» (2/ 351) ، و «البداية والنهاية» (7/ 449) ، و «بقي بن مخلد» (84) و «الأنساب» (1/ 216) ، و «صفة الصفوة» (1/ 342) ، و «سير أعلام النبلا» (1/ 41) . (2) أخرجه سعيد بن منصور (2/ 360) رقم (2861) عن عمير بن إسحاق عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا. (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 505) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 430) برقم (7799) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 422) ، وابن عطية في «تفسيره» (1/ 505) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 130 إلى 132]

وقوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... الآية: رُويَ في سبب هذه الآية أنَّه لما هزم أصحابه صلّى الله عليه وسلّم، وشُجَّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، جَعَلَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ» ، وفي بعض طُرُق الحَدِيثِ: «كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه» ، فَنَزَلَتِ الآيةُ، فقيلِ لَهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أي: عواقب الأمور بيد اللَّه، فامض أنْتَ لشأْنِكَ، ودُمْ على الدعاء إلى ربِّك. قلت: وقد فعل ذلك صلّى الله عليه وسلّم ممتثلاً أَمْرَ ربِّه، قال عِيَاض: رُوِيَ أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، شَقَّ ذَلِكَ على أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا: لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِياً، وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهد قَوْمِي، فإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» «1» ، ورُوِيَ عن عُمَر (رضي اللَّه عنه) أنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كلامه: بِأَبِي وَأُمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ دَعَا نُوحٌ على قَوْمِهِ، فَقَالَ: رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ [نوح: 26] الآية وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنَا، لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، فَلَقَدْ وُطِيءَ ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُكَ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلاَّ خَيْراً، فَقُلْتَ: «اللَّهُمَّ، اغفر لِقَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» اهـ. قال الطبريُّ «2» وغيره من المفسِّرين: أَوْ يَتُوبَ عطْفٌ على يَكْبِتَهُمْ والمعنى: أوْ يَتُوبَ عليهم، فَيَسْلَمُونَ/ أو يُعَذِّبَهم، إنْ تَمَادَوْا على كفرهم فإنهم ظالمون، ثم أكَّد سبحانه معنى قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بذكْرِ الحُجَّةِ السَّاطعة في ذلك، وهي ملكه الأشياء، فقال سُبْحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: فله سبحانه أنْ يفعل بحَقِّ ملكه ما يشاء، لا اعتراض علَيْه ولا معقِّب لحُكْمه، وذَكَر سبحانَهُ: أنَّ الغُفْران أو التَّعْذيب، إنما هو بمشيئَتِهِ، وبحَسَب السَّابق في علْمه، ثم رجى سبحانه في آخر ذلك تأنيسا للنّفوس. [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 132] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ... الآية. قال ع «3» : هذا النهْيُ عن أَكْلِ الربا اعترَضَ أثناء قِصَّة أُحُدٍ، ولا أحفظ سببا في ذلك

_ (1) أخرجه مسلم (4/ 2006- 2007) ، كتاب «البر والصلة» ، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها، حديث (87/ 2599) عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله: ادع على المشركين. قال: «إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة» . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 431) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 506) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 133 إلى 134]

مرويًّا، ومعناه: الرِّبَا الذي كانت العربُ تُضعِّف فيه الدَّيْن، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في «سورة البقرة» . وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، أي: أنهم المقصودُ، والمراد الأوَّل، وقد يدخُلُها سواهم من العُصَاة، هذا مذْهَبُ أهل العلْمِ في هذه الآية، وحكَى الماوَرْدِيُّ «1» وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أَكَلَة الرِّبا، إنما توعَّدهم اللَّهُ بنارِ الكَفَرة، لا بنار العُصَاة. وقوله سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، قال محمَّد بْنُ إسحاق: هذه الآية من قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ هي ابتداءُ المعاتبةِ فِي أمر أُحُدٍ، وانهزام مَنْ فَرَّ، وزوال الرماة عن مراكزهم «2» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 133 الى 134] وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وقوله تعالى: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، قرأ نافعٌ، وابنُ عامِرٍ: سارعوا بغَيْر «واوٍ» وكذلك هي في مصاحِفِ أهل المدينة والشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، والمُسَارَعَة: المبادرةُ، وهي مفاعلة إذ الناس كأن كلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قبل غيره، فَبَيْنَهُمْ في ذلك مُفَاعَلَةٌ أَلاَ ترى إلى قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ [البقرة: 148] ، والمعنى: سارعوا بالطَّاعة، والتقوى، والتقرُّب إلى ربِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيها، قلْتُ: وحقٌّ على مَنْ فَهِمَ كلامَ ربِّه أنْ يبادر ويُسَارع إلى ما ندبه إلَيْه ربُّه، وألاَّ يتهاوَنَ بترك الفضائِلِ الواردَةِ في الشّرع، قال النوويّ- رحمه الله-: اعلم أنه ينبغِي لِمَنْ بلغه شيْءٌ في فضائلِ الأعمال أنْ يعمل به، ولو مَرَّةً ليكون مِنْ أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه جملةً، بل يأتي بما تيسَّر منه لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتّفق على صحّته: «وإذا

_ (1) علي بن محمد بن حبيب، القاضي أبو الحسن الماوردي، البصري، أحد أئمة أصحاب الوجوه، تفقه على أبي القاسم الصيمري، وسمع من أبي حامد الأسفراييني، قال الخطيب: كان ثقة، من وجوه الفقهاء الشافعيين. وقال الشيرازي: وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير وأصول الفقه والأدب، وكان حافظا للمذهب. ومن تصانيفه: «الحاوي» . قال الأسنوي: ولم يصنف مثله، والأحكام السلطانية والتفسير المعروف بالنكت والعيون وغيرها. مات سنة 450. انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 230) ، و «تاريخ بغداد» (12/ 102) ، و «طبقات السبكي» (3/ 303) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 435) برقم (7828) . [.....]

أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فافعلوا مِنْهُ مَا استطعتم» «1» . انتهى من «الحلية» . وقوله سبحانه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، أي: كعرض السموات والأرض، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية: تقرن السمواتُ والأرَضُونَ بعضها إلى بعض كما تبسطُ الثيابُ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه «2» وفي الحديث الصحيح عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصاً ظِمَاءً» «3» . وفي الصحيح: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها» «4» فهذا كلّه يقوّي

_ (1) أخرجه البخاري (130/ 264) ، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» ، باب الاقتداء بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حديث (7288) ، ومسلم (4/ 1831) كتاب «الفضائل» ، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم، حديث (131/ 1337) ، وأحمد (2/ 258) ، والحميدي (2/ 477) رقم (1125) ، وأبو يعلى (11/ 195) رقم (6305) كلهم من طريق أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» . ومن طريق أبي الزناد أخرجه البغوي في «شرح السنة» (1/ 177- بتحقيقنا) . وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: فأخرجه مسلم (2/ 975) كتاب «الحج» ، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث (412/ 1337) ، والنسائي (5/ 110) كتاب «الحج» ، باب وجوب الحج، وأحمد (2/ 447- 448، 457، 467، 508) ، وابن خزيمة (4/ 129) رقم (2508) من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق (11/ 220) رقم (20374) ، ومسلم (4/ 1831) كتاب «الفضائل» ، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم، (131/ 1337) ، وأحمد (2/ 313) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 176- بتحقيقنا) من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (2/ 247، 428، 517) ، والحميدي (2/ 477) رقم (1125) ، وابن حبان (2097- الإحسان) من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (4/ 1831) كتاب «الفضائل» ، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم، حديث (131/ 1337) ، والترمذي (5/ 45- 46) كتاب «العلم» ، باب في الانتهاء عما نهى عنه سول الله صلّى الله عليه وسلّم، حديث (2679) من طريق همام بن المنبه عن أبي هريرة. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 436) برقم (7829) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 128) ، وعزاه لابن جرير. (3) تقدم تخريجه. (4) أخرجه البخاري (8/ 495) كتاب «التفسير» ، باب تفسير سورة الواقعة، حديث (4881) ، ومسلم (4/ 2175) كتاب «الجنة وصفة نعيمها» ، باب أن في الجنة شجرة، حديث (7/ 2826) ، وأحمد (2/ 257، 418) ، والحميدي (2/ 479) رقم (1131) ، وابن حبان (7411- الإحسان) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (403) ، والبيهقي في «البعث» (268) ، وابن الجوزي في «مشيخته» (ص 183) كلهم من طريق-

قولَ ابْنِ عَبَّاسِ، وهو قولُ الجُمْهور: «إنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة، وهي ممتدَّة على السَّماء حيْثُ شاء/ اللَّه تعالى، وذلك لا يُنْكَرُ، فإن في حديث النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «1» . قال ع «2» : فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه، قلتُ: قال الفَخْر: «3» وفي الآية وجْه ثانٍ أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكاً له، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا. اهـ. وقُدْرَةُ اللَّه تعالى أوسع، وفَضْلُه أعظم، وفي «صحيح مسلم» ، والترمذيِّ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة «4» (رضي اللَّه عنه) : «في سُؤَال موسى رَبَّهُ عَنْ أدنى أَهْلِ الجنّة

_ - أبي الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه البخاري (6/ 368) كتاب «بدء الخلق» ، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث (3252) ، وأحمد (2/ 482) من طريق فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عبد الرّحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة به. وأخرجه مسلم (4/ 2175) كتاب «الجنة وصفة نعيمها» ، باب أن في الجنة شجرة، حديث (6/ 2826) ، والترمذي (4/ 579) كتاب «صفة الجنة» ، باب ما جاء في صفة شجر الجنة، حديث (2523) ، وأحمد (2/ 452) ، والطبري في «تفسيره» (27/ 183) ، وابن أبي داود في «البعث» (67) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (401) . من طريق الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة به. وأخرجه ابن ماجة (2/ 1448) كتاب «الزهد» ، باب صفة الجنة، حديث (4335) ، وأحمد (2/ 438) ، والدارمي (2/ 338) من طريق محمَّد بنِ عَمْرٍو عن أَبي سَلَمَةَ عن أبي هريرة. وأخرجه الطيالسي (2/ 242- منحة) رقم (2833) ، وأحمد (2/ 455، 462) ، والدارمي (2/ 338) كتاب «الرقاق» ، باب في أشجار الجنة، والطبري (27/ 183) من طريق شعبة عن أبي الضحاك عن أبي هريرة به. (1) تقدم تخريجه. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 508) . (3) ينظر: «الفخر الرازي» (9/ 6) . (4) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس.. أبو عبد الله. معروف ب «مغيرة الرأي» . قال ابن الأثير: أسلم عام الخندق، وشهد «الحديبية» ، وله في صلحها كلام مع عروة بن مسعود.. وكان موصوفا بالدهاء، قال الشعبي: دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد. فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات. وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير. توفي ب «الكوفة» سنة (50 هـ) . -

مَنْزِلَةً، وَأَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: أترضى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ، أيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشتهت نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» «1» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ (رَضِيَ اللَّه عَنه) : «إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّة، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادخل الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ، الجَنَّةُ ملأى، فَيَقُولُ لَهُ: إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ» «2» . اهـ. وفي «جامع التِّرمذيِّ» ، عن ابنِ عُمَرَ (رضي اللَّه عنهما) ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ... » «3» الحديثَ، قال أبو عيسى، وقد روي هذا الحديث من غير وَجْهٍ، مرفوعًا وموقوفًا، وفي الصَّحيحِ ما معناه: «إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تبقى فِيهَا فَضْلَةٌ، فَيُنْشِيءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً» ، أَوْ كما قال. اهـ. قال ع «4» : وخص العرض بالذِّكْر لأنه يدلُّ متى ما ذُكِرَ علَى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذكر لا يدُلُّ على قَدْر العَرْض، بل قد يكونُ الطَّويلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونحوه. ثم وصف تعالى المتَّقِينَ الذين أعدَّتّ لهم الجنَّةُ بقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ

_ - ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 247) ، و «الإصابة» (6/ 131) ، و «الثقات» (3/ 382) ، و «الاستبصار» (97) ، و «الأعلام» (7/ 277) ، و «الاستيعاب» (4/ 1445) ، و «الكاشف» (3/ 168) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 91) ، و «العقد الثمين» (7/ 255) ، و «الجرح والتعديل» (8/ 224) ، و «التاريخ الكبير» (7/ 316) ، و «تاريخ جرجان» (295) . (1) أخرجه مسلم (1/ 581، 582- الأبي) ، كتاب «الإيمان» ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (312/ 189) ، والترمذي (5/ 347) كتاب «تفسير القرآن» ، باب «ومن سورة السجدة» ، حديث (3198) . وقال الترمذي: حسن صحيح. (2) أخرجه البخاري (13/ 482) ، كتاب «التوحيد» ، باب كلام الرب (عز وجل) يوم القيامة مع الأنبياء، حديث (7511) . (3) أخرجه الترمذي (4/ 688) ، كتاب «صفة الجنة» ، باب (17) ، حديث (2553) من حديث ابن عمر. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 509) . [.....]

، وهما اليُسْر والعُسْر، قاله ابن عَبَّاس «1» . إذ الأغلَبُ أنَّ مع اليُسْر النَّشَاطَ، وسرورَ النفْسِ، ومع العُسْر الكراهيَةَ، وضُرَّ النفس، وكَظْمُ الغَيْظ: ردُّه في الجَوْفِ، إذا كاد أنْ يخرج من كثرته، ومنعه: كظْمٌ له، والكِظَامُ: السَّيْر الذي يشدُّ به فَمُّ الزِّقِّ، والغَيْظُ: أصْلُ الغضَبِ، وكثيراً ما يتلازمَانِ ولذلك فسَّر بعض الناس الغَيْظَ بالغَضَب، وليس تحريرُ الأمر كذلك، بل الغيظُ حالٌ للنفس، لا تظهر على الجوارح، والغضبُ حالٌ لها تظهر في الجوارحِ وفِعْلٍ مَّا ولا بدَّ ولهذا جاز إسناد الغَضَب إلى اللَّه سبحانه إذ هو عبارة عن أفعاله في المغْضُوب علَيْهم، ولا يسند إلَيْه تعالى الغَيْظُ. ووردَتْ في كظْمِ الغيظ، ومِلْكِ النفْسِ عند الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العباداتِ، وجهادِ النفسِ، ففي حديثِ أبِي هريرة (رضي الله عنه) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على إنْفَاذِهِ، مَلأَهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً» ، إلى غير ذلك من الأحاديثَ، قُلْتُ: وروى أبو داوُدَ، والترمذيُّ عن معاذِ بْنِ أَنَس «2» (رضي اللَّه عنه) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ على رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» «3» ، قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ. اهـ. وفي روايةٍ أخرى لأبي داود: «مَلأهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جمال،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 437) برقم (7837) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 509) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 128) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) هو: معاذ بن أنس، الجهني، حليف الأنصار. قال أبو سعيد بن يونس: صحابي كان ب «مصر» و «الشام» ، روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحاديث. وله رواية عن أبي الدرداء وكعب الأحبار. روى عنه ابنه سهل بن معاذ وحده. وذكر أبو أحمد العسكري ما يدل على أنه بقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 193) ، والإصابة» (6/ 106) ، و «الثقات» (3/ 370) ، و «الاستيعاب» (3/ 1402) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 80) ، و «بقي بن مخلد» (93) ، و «الكاشف» (3/ 153) ، و «الجرح والتعديل» (8/ 245) ، و «تهذيب الكمال» (3/ 1338) ، و «تهذيب التهذيب» (10/ 186) . (3) أخرجه أبو داود (2/ 662) ، كتاب «الأدب» ، باب من كظم غيظا، حديث (4777) ، والترمذي (4/ 656) كتاب «صفة القيامة» ، باب (48) ، حديث (2493) ، وابن ماجة (2/ 1400) كتاب «الزهد» ، باب الحلم، حديث (4186) ، وأحمد (3/ 440) ، والبيهقي (8/ 161) كتاب قتال أهل البغي. كلهم من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 135 إلى 136]

وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، - قَالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: تَوَاضُعاً-، كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ» «1» ، وحدَّث الحافظُ أَبو الفَضْلِ محمَّد بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيُّ «2» بسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من كفّ غضبه، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ، سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعتذر إلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» «3» . اهـ من «صفوة التَّصوُّف» . والعَفْوُ عَنِ النَّاسِ: من أجلِّ ضروبِ فعْلِ الخَيْرِ، ثم قال سبحانه: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، فعم أنواع البرِّ، وظَاهر الآية أنَّها مدْحٌ بفعل المندوب. [سورة آل عمران (3) : الآيات 135 الى 136] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ... الآية: ذكر سبحانه في هذه الآيةِ صِنْفاً هو دُون الصِّنف الأول، فألحقهم بهم برَحْمته ومَنِّه، وهم التَّوَّابون، وروي في سَبَب نُزُول هاتَيْن الآيتَيْن أن الصحابَةَ (رضي اللَّه عنهم) ، قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا حِينَ كَانَ المُذْنِبُ مِنْهُمْ يُصْبِحْ، وَعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ على بَابِ دَارِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً، وَعِوَضاً مِنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ» «4» . ورُوِيَ أَنَّ إبليسَ بكى، حين نزَلَتْ هذه الآيةُ، والفاحشةُ لفظٌ يعمُّ جميع المعاصِي، وقد كثر استعماله في الزِّنا حتى فسر السُّدِّيُّ الفاحشَةَ هنا بالزِّنَا «5» ، وقال قومٌ: الفاحشة

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 663) ، كتاب «الأدب» ، باب من كظم غيظا، حديث (4778) من طريق سويد بن وهب عن رجل من أبناء أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم به. (2) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي الشيباني، ابن القيسراني، أبو الفضل: رحالة مؤخر، من حفاظ الحديث، كان مولده ب «بيت المقدس» سنة 448 هـ ووفاته ب «بغداد» 507 هـ، له كتب كثيرة، منها: «تاريخ أهل الشام، ومعرفة الأئمة منهم والأعلام» ، و «معجم البلاد» ، و «صفوة التصوف» . ينظر: «الأعلام» (6/ 171) ، و «وفيات الأعيان» (1/ 486) ، و «ميزان الاعتدال» (3/ 75) ، و «لسان الميزان» (5/ 207) . (3) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 73) ، وقال رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه عبد السلام بن هلال، وهو ضعيف. (4) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 137) ، وعزاه لابن المنذر عن ابن مسعود. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 439) برقم (7846) ، وذكره ابن عطية (1/ 510) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 137) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

هنا: إشارةٌ إلى الكبائِرِ، وظُلْمُ النَّفْس: إشارةٌ إلى الصَّغائر، واستغفروا: معناه: طلبوا الغُفْران. قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في سنن ابْنِ ماجة بإسنادٍ جيدٍ، عن عبد اللَّه بْنُ بُسْرٍ «1» (بضم الباء) ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طوبى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ استغفارا كَثِيراً» «2» انتهى من «الحلية» . وذَكَرُوا اللَّهَ: معناه: بالخَوْفِ من عقابِهِ، والحَيَاءِ منه إذ هو المُنْعِمُ المتطَوِّل، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ اعتراضا موقِّفاً للنفْس، داعياً إلى اللَّه مرجِّياً في عفوه، إذا رجع إلَيْه، وجاء اسم «اللَّهِ» مرفوعًا بعد الاستثناء، والكلامُ موجَبٌ حملاً على المعنى إذ هو بمعنى، ومَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّه، وعن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: حدَّثني أبو بكر رضي اللَّه عنه، وصَدَقَ أبو بكر، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْباً، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قرأَ هذه الآيةَ: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ... إلى آخر الآية» رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن

_ (1) عبد الله بن بسر. أبو صفوان. وقيل: أبو بسر. المازني. الحمصي. قال ابن الأثير في «الأسد» : صلى القبلتين. وضع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يده على رأسه ودعا له. صحب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو وأبوه وأمه وأخوه عطية وأخته الصماء. وروى عنه الشاميون، منهم: خالد بن معدان، ويزيد بن خمير، وسليم بن عامر، وراشد بن سعد، وغيرهم. وهو آخر من مات ب «الشام» من الصحابة. توفي سنة (88) وله (94 سنة) ، وقيل: مات ب «حمص» سنة (96) وله (100 سنة) . ينظر: «أسد الغابة» (3/ 186) ، و «الإصابة» (4/ 40) ، و «الثقات» (3/ 232) ، و «الاستيعاب» (3/ 874) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 300) ، و «الأعلام» (4/ 74) ، و «الرياض المستطابة» (205) ، و «التاريخ الكبير» (3/ 14) ، و «الصغير» (2/ 76) ، و «التاريخ» لابن معين (2/ 45) ، و «الطبقات الكبرى» (7/ 463) . (2) أخرجه ابن ماجه (2/ 1256) ، كتاب «الأدب» ، باب الاستغفار، حديث (3818) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 118) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ثواب ذلك، حديث (10289) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 440) رقم (647) من طريق محمد بن عبد الرّحمن عن عبد الله بن بسر مرفوعا. قال البوصيري في «الزوائد» (3/ 196) : هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. اهـ. وللحديث شاهد من حديث عائشة: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (10/ 395) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (9/ 11) ، والبيهقي في «الشعب» (1/ 440) رقم (646) من طريق منصور بن صفية عن أمه عن عائشة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن سب الأموات، وقال: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا» .

ماجه، وابن حبان في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: حديثٌ حَسَن «1» انتهى من «السلاح» . وقوله سبحانه: وَلَمْ يُصِرُّوا: الإصْرَارُ: هو المُقَامُ على الذّنب، واعتقاد العودة

_ (1) أخرجه أبو داود (1/ 476- 477) ، كتاب «الصلاة» ، باب في الاستغفار، حديث (1521) ، والترمذي (5/ 228) كتاب «التفسير» ، باب سورة آل عمران، حديث (3006) ، وابن ماجة (1/ 446) كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، حديث (1395) ، وأحمد (1/ 2، 10) ، والحميدي (1، 4) ، والمروزي في «مسند أبي بكر» رقم (9، 10، 11) ، وأبو يعلى (1/ 11) رقم (1) ، وابن حبان (2/ 389، 390- الإحسان) رقم (623) كلهم من طريق عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب عن أبي بكر الصديق به. وأخرجه أحمد (1/ 8- 9) من طريق شعبة عن عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء أو ابن أسماء به. وقال الترمذي: هذا حديث قد رواه شعبة وغير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه، ورواه مسعر وسفيان عن عثمان بن المغيرة فلم يرفعاه، وقد رواه بعضهم عن مسعر فأوقفه ورفعه بعضهم، ورواه سفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة، فأوقفه، ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثا إلا هذا. اهـ. والحديث صححه ابن حبان. وكذلك الدارقطني فقد تكلم على هذا الحديث في «العلل» (1/ 176- 180) فقال: رواه عثمان بن المغيرة، ويكنى أبا المغيرة، وهو عثمان بن أبي زرعة، وهو عثمان الأعشى. رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب. حدث به عنه كذلك مسعر بن كدان وسفيان الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وشريك، وقيس، وإسرائيل، والحسن بن عمارة، فاتفقوا في إسناده إلا أن شعبة من بينهم شك في أسماء بن الحكم، فقال: عن أسماء أو أبي أسماء أو ابن أسماء، وخالفهم علي بن عابس، فرواه عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد عن علي، ووهم فيه قال ذلك عنه عبد الله بن وهب. وخالفه عبيد الله بن يوسف الجبيري، فرواه عن علي بن عابس عن عثمان عن رجل عن علي. وروى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب بن الضحاك العرضي عن إسماعيل بن عياش عن أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق الهمداني قال: سمعت علي بن أبي طالب عن أبي بكر. وخالفه عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل فقال فيه: عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن أبي بكر. وخالفهم موسى بن محمد بن عطاء، رواه عن إسماعيل بن عياش عن شعبة عن أبي إسحاق عن علي عن أبي بكر، لم يذكر بينهما أحدا، وموسى هذا متروك الحديث، مقدسي يعرف بأبي طاهر المقدسي، ورواه داود بن مهران الدباغ عن عمر بن يزيد قاضي المدائن عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي عن أبي بكر، وخالفه الفرج بن اليمان، رواه عمر بن يزيد عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي عن أبي بكر. وروى هذا الحديث أبو المثنى سليمان بن يزيد، واختلف عنه، فحدث به عبد الله بن حمزة الزبيري عن عبد الله بن نافع الصائغ عن أبي المثنى عن المغيرة بن علي عن علي عن أبي بكر، ووهم فيه-

[سورة آل عمران (3) : الآيات 137 إلى 143]

إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «1» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «2» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ... الآية. قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة. [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 143] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار. قال ع «3» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ. وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «4» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله: فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.

_ - وإنما رواه أبو المثنى عن المقبري، واختلف عن المقبري فيه، فقال مسلم بن عمرو الحذاء: عن ابن نافع عن ابن المثنى سليمان بن يزيد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن علي عن أبي بكر. وأحسنها إسنادا وأصحها ما رواه الثوري ومسعر ومن تابعهما عن عثمان بن المغيرة. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 442) برقم (7863) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 511) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 139) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 443) برقم (7864) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 511) . [.....] (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 511) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 444) برقم (7871) ، وذكره ابن عطية (1/ 512) .

وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «1» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ. وقال الفَخْر «2» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات. انتهى. ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «3» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ. قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال. وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر] وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ... على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ... أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «4» والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «5» . وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 444) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 426) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 139) ، وعزاه لابن جرير. (2) ينظر: «الفخر الرازي» (9/ 11) . (3) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (6/ 272) رقم (8127) من طريق يزيد بن عياض عن صفوان بن سليم عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا. وقال البيهقي: تفرد به يزيد بن عياض، وليس بالقوي، وروي من وجه آخر صحيح مرسلا. ثم أخرجه عن مكحول برقم (8128) مرسلا بلفظ «المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن أنيخ استناخ على صخرة» . (4) ينظر: «ديوان الخنساء» (62) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 448) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 140) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.

الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار. وقوله تعالى «1» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ... الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ: وفي كلام ع «2» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «3» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث

_ (1) في أ: سبحانه. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 515) . (3) أخرجه البخاري (6/ 144) ، كتاب «الجهاد» ، باب الجعائل والحملان في السبيل، حديث (2972) -

[سورة آل عمران (3) : الآيات 144 إلى 146]

أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ (عَزَّ وجَلَّ) خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يرى مِنَ الكَرَامَةِ» . اهـ «1» . فقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ لما فيه من الكرامة. وصَوَابُ كلام ع «2» : أنْ يقول: وإِنما يتمنَّى القتلُ للواحقه من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ. وقوله سبحانه: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، يريد: رأيتم أسبابه، وقوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: تأكيدٌ للرؤية، وإخراجِها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين. [سورة آل عمران (3) : الآيات 144 الى 146] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... الآية: هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المعنى أنَّ محمدًا- عليه السلام- رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك لأنه يَمُوتُ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله: فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً لأن المعنى: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووفّوا لله

_ -، ومسلم (1495- 1496) كتاب «الإمارة» باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، حديث (3- 1/ 1876) ، ومالك في «الموطأ» (2/ 465) كتاب «الجهاد» ، باب الترغيب في الجهاد، حديث (4) . (1) أخرجه البخاري (6/ 18) ، كتاب «الجهاد» ، باب الحور العين وصفتهن، حديث (2795) ، ومسلم (3/ 1498) كتاب «الإمارة» ، باب فضل الشهادة، حديث (109/ 1877) ، والترمذي (4/ 151) ، كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء في ثواب الشهداء، حديث (1643) ، من طريق حميد عن أنس به. وأخرجه البخاري (6/ 39) كتاب «الجهاد» باب تمني الجهاد، حديث (2817) ، ومسلم (3/ 1498) ، كتاب «الإمارة» ، باب فضل الشهادة، حديث (109/ 1877) من طريق قتادة عن أنس به. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 515) .

بعدهم كسعدِ بْنِ الرَّبيع «1» ، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ «2» ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ (رضي اللَّه عنه) في تفسير هذه الآية «3» : الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ/ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم موت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي: فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ. وقوله سبحانه: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ... الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له يبيِّن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: 18] ، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئاً من الآخرة لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها لا تمنع أنْ يؤتى نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة «4» . ثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ... الآية: وفي «كَأَيِّنْ» لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها «5» لأنها كافُ التشبيه دخلت على «أيّ» ، و «كأيّن» في

_ (1) سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك الأغرّ بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأنصاريّ، الخزرجيّ، أحد نقباء الأنصار. ينظر: «الإصابة» (3/ 49) . [.....] (2) أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري، الخزرجي، عمّ أنس بن مالك خادم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. ينظر: «الإصابة» (1/ 281) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 455) برقم (7937) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 516) ، والسيوطي بنحوه في «الدر المنثور» (2/ 145) ، وعزاه لابن جرير. (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 518) . (5) هذه اللفظة قيل: مركبة من كاف التشبيه ومن «أيّ» ، وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من «كم» الخبرية، ومثلها في التركيب وإفهام التكثير: «كذا» في قولهم: «له عندي كذا كذا درهما» والأصل: كاف التشبيه و «ذا» الذي هو اسم إشارة، فلمّا ركّبا حدث فيهما معنى التكثير، وكم الخبرية و «كأيّن» و «كذا» كلّها بمعنى واحد، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر ألا ترى أنّ «لولا» حدث لها معنى جديد. «وكأيّن» من حقّها على هذا أن يوقف عليها بغير نون لأنّ التنوين يحذف وقفا، إلا أنّ-

هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ» ، وبمعناها تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ «1» الباقُونَ «قَاتَلَ» ، فقوله: «قُتِلَ» ، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ «2» : إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ» ، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً ب «قُتِلَ» ، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون» ، وهم المقتولُونَ «3» ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ «4» قطُّ. قال ع «5» : فعلى هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» ب «قُتِلَ» ورجح الطبريّ «6» القول الأوّل بدلالة نازلة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ [آل عمران: 144] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ» : أنها أعمُّ في المدح لأنه يدخل فيها مَنْ قتل، ومن بقي.

_ - الصحابة كتبتها: «كأيّن» بثبوت النون، فمن ثمّ وقف عليها جمهور القراء بالنون اتباعا لرسم المصحف. ووقف أبو عمرو وسورة بن مبارك- عن الكسائي- عليها: «كأي» من غير نون على القياس. واعتلّ الفارسي لوقف النون بأشياء طوّل بها، منها: أنّ الكلمة لمّا ركّبت خرجت عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة. وفيها لغات خمس: أحدها: «كأيّن» وهي الأصل. والثانية: «كائن» بزنة «كاعن» . اللغة الثالثة: «كأين» بياء خفيفة بعد الهمزة على مثال: كعين. اللغة الرابعة: «كيئن» بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة. واللغة الخامسة: «كئن» على مثال كع، ونقلها الداني قراءة عن ابن محيصن. ينظر: «الدر المصون» (2/ 224- 225- 226) . (1) وحجة من قرأ «قتل» : أن ذلك نزل معاتبة لمن أدبر عن القتال يوم أحد، إذ صاح صائحهم: قتل محمد صلّى الله عليه وسلّم، فلما تراجعوا كان اعتذارهم أن قالوا: سمعنا «قتل محمد» ، فنزلت. انظر: «البحر المحيط» (2/ 516) ، و «الدر المصون» (2/ 133) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 460) . (3) ذكره ابن عطية (1/ 520) . (4) ذكره الماوردي في «النكت والعيون» (1/ 428) عن الحسن، وذكره (أيضا) البغوي في «تفسيره» (1/ 360) ، وابن عطية (1/ 520) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 520) . (6) ينظر: «تفسير الطبري» (3/ 461) .

قال ع «1» : ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله: رِبِّيُّونَ، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو الرِّبَّة «2» (بكسر الراء) ، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: إنهم قالوا: ربِّيونَ: معناه: علماء «3» ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رِبِّيُّونَ «4» (بفتح الراء) ، منسوبون إلى الرَّبِّ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع. وقوله سبحانه: وَمَا اسْتَكانُوا، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة «5» إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: «كَانَ، يَكُونُ» ، وأصلُهُ: استكونوا، والمعنى: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا/ قريباً من ذلكَ، قلْتُ: واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفوس لله، وبذل مهجها للقتل

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 520) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 462) برقم (7960) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 360) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 147) ، وعزاه للعوفي. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 462) برقم (7963) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 428) ، وابن عطية (1/ 521) . [.....] (4) ورواها قتادة عن ابن عباس. ينظر: «شواذ ابن خالويه» (ص 29) ، و «المحتسب» (1/ 173) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 520) ، و «البحر المحيط» (3/ 80) ، و «الدر المصون» (2/ 229) ، و «القرطبي» (4/ 148) . (5) فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه استفعل من الكون والكون: الذّلّ، وأصله: استكون، فنقلت حركة الواو على الكاف، ثم قلبت الواو ألفا. وقال الأزهريّ وأبو عليّ: «هو من قول العرب: «بات فلان بكينة سوء» على وزن «جفنة» أي: «بحالة سوء» فألفه على هذا من ياء، والأصل: استكين، ففعل بالياء ما فعل بأختها. الثاني: قال الفراء: «وزنه افتعل من السكون، وإنما أشبعت الفتحة فتولد منها ألف» . وردّ على الفراء بأنّ هذه الألف ثابتة في جميع تصاريف الكلمة نحو: استكان يستكين فهو مستكين ومستكان إليه استكانة، وبأنّ الإشباع لا يكون إلا في ضرورة. وكلاهما لا يلزمه: أمّا الإشباع، فواقع في القراءات السبع كما سيمرّ بك، وأمّا ثبوت الألف في تصاريف الكلمة، فلا يدلّ أيضا لأنّ الزائد قد يلزم ألا ترى أنّ الميم في تمندل وتمدرع زائدة، ومع ذلك هي ثابتة في جميع تصاريف الكلمة قالوا: تمندل يتمندل تمندل تمندلا فهو متمندل ومتمندل به، وكذا تمدرع، وهما من النّدل والدّرع. وعبارة أبي البقاء أحسن في الردّ فإنه قال: «لأنّ الكلمة في جميع تصاريفها ثبتت عينها، والإشباع لا يكون على هذا الحدّ» . ولم يذكر متعلّق الاستكانة والضعف فلم يقل «فما ضعفوا عن كذا، وما استكانوا لكذا» للعلم به أو للاقتصار على الفعلين نحو: كُلُوا وَاشْرَبُوا ليعمّ ما يصلح لهما. ينظر: «الدر المصون» (2/ 229- 230) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 147 إلى 148]

في سَبيلِ اللَّهِ ألا ترى إلى حال الصَّحابة (رضي اللَّه عنهم) ، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو دَاوُدَ في «سننه» عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ» «1» . اهـ، فانظر (رحمك اللَّه) ، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مصاب الإسلام. [سورة آل عمران (3) : الآيات 147 الى 148] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) وقوله تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ... الآية: هذه الآيةُ في ذكْر الرِّبِّيِّين، أي: هذا كان قولَهُم، لا ما قاله بعضُكم، يا أصْحَاب محمَّد: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: 154] ، إلى غير ذلك ممَّا اقتضته تلْكَ الحَالُ مِن الأقوال، قُلْتُ: وهذه المقالَةُ ترجِّح القولَ الثانِيَ في تفْسير الرِّبِّيِّينَ إذ هذه المقالةُ إنما تَصْدُرُ من علماء عارفينَ باللَّه. قال ع «2» : واستغفار هؤلاءِ القَوْمِ الممْدُوحِينَ فِي هذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنهم رَأَوْا أَنَّ ما نزل مِنْ مصائبِ الدُّنْيا إنما هو بِذُنُوبٍ من البَشَرِ كما نزلَتْ قصَّة أُحُدٍ بعصيان من عصى، وقولهم: ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا: عبارتان عن معنًى قريبٍ بعضُهُ من بعضٍ جاء للتأكيد، ولتعمَّ مناحي الذنوبِ وكذلكَ فسَّره ابنُ عبَّاس وغيره «3» ، وقال الضَّحَّاك: الذنوبُ عامُّ، والإسرافُ في الأمر، أريدَ به الكبائرُ خاصَّة، فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 514) ، كتاب «الملاحم» ، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام، حديث (4297) من طريق أبي عبد السلام عن ثوبان به. وأخرجه أحمد (5/ 278) ، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 182) من طريق أبي أسماء الرحبي عن ثوبان به. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 522) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 522) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 149 إلى 152]

بأن أظهرهم على عدُوِّهم، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ: الجَنَّة بلا «1» خلاف. قال الفَخْر «2» : ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومحمل قوله: فَآتاهُمُ أنه سيؤتيهم. وقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة. انتهى. [سورة آل عمران (3) : الآيات 149 الى 152] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم. وقوله سبحانه: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ «3» قد جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم/، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ ترحل حتّى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله، لقد

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 522) . (2) ينظر: «الفخر الرازي» (9/ 24) . (3) معبد بن أبي معبد الخزاعي. ذكره ابن منده، وذكر سيف في «الفتوح» ، والطبري من طريق ابن المثنى بن حارثة لما توجه خالد بن الوليد إلى الشام قاسمه العساكر فكان معبد بن أبي معبد ممن بقي مع المثنى بن حارثة من الصحابة. ينظر: «الإصابة» (6/ 133) .

أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذلك، وو الله، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ «1» : [البسيط] كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ «2» تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ «3» فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ... لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ «4» إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة «5» : لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ قال الفَخْر «6» : لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة. انتهى. وقوله سبحانه: بِما أَشْرَكُوا، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان. قال ص: قوله: وَبِئْسَ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى] .

_ (1) ينظر: «السيرة» لابن هشام (3/ 103) . وبعده: فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لاوخش تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل (2) تهد: تسقط لهول ما رأت من أصوات الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: الجماعات. (3) تردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أولا ترمى معه وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم. (4) العدو: المشي السريع. وسموا: علوا وارتفعوا. (5) صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جدح. أبو وهب، وقيل: أبو أمية القرشي، الجمحي. روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن الحارث، وعامر بن مالك، وطاوس. قتل أبوه يوم بدر كافرا. وهرب هو يوم فتح «مكة» ثم عاد إليها بعد أن أخذ أمانا من النبيّ، وأعار النبيّ سلاحا يوم حنين، وحضرها مشركا، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان من أشراف قريش في الجاهلية وأحد المطعمين. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 23) ، و «الإصابة» (3/ 246) ، و «الثقات» (3/ 191) ، و «نقعة الصديان» (300) ، و «الاستيعاب» (2/ 718) ، و «الاستبصار» (93، 115) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 266) ، و «الطبقات الكبرى» (5/ 449) ، و «سير النبلاء» (2/ 562) ، و «المعرفة والتاريخ» (1/ 309) ، و «التاريخ الكبير» (4/ 304) ، و «الجرح والتعديل» (4/ 1846) ، و «الثقات» (3/ 191) ، و «الكاشف» (2/ 29) ، و «العبر» (1/ 50) ، و «الأعلام» (3/ 205) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 608) ، و «تهذيب التهذيب» (4/ 424) ، و «تقريب التهذيب» (1/ 367) . (6) ينظر: «الفخر الرازي» (9/ 27) . [.....] .

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ «1» ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ «2» ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ. وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، يحتملُ أنْ تكونَ «حتى» غايةً كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ «إذا» على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، وَعَصَيْتُمْ: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ الله عز وجلّ ونبيُّه- عليه السلام- من الدُّنْيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المسند المنتخب» له، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القيامة» «3» . انتهى من «الكوكب الدري» .

_ (1) أبو دجانة الأنصاري: اسمه سماك بن خرشة، وقيل: ابن أوس بن خرشة، متفق على شهوده بدرا. وقال علي: إنه استشهد باليمامة، وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما التحم القتال ذبّ عنه مصعب بن عمير (يعني يوم أحد) ، حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراحة. وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة. ينظر: «الإصابة» (7/ 99- 100) . (2) عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسم أبي الأقلح: قيس بن عصمة بن النّعمان بن مالك بن أميّة بن صبيعة بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف، الأنصاريّ، جدّ عاصم بن عمرو بن الخطاب لأمّه، من السّابقين الأولين من الأنصار. ينظر: «الإصابة» (3/ 460) . (3) أخرجه أحمد (1/ 16) ، والبزار (3609- كشف) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا. وقال المنذري في «الترغيب» (4/ 83) ، رواه أحمد بإسناد حسن، والبزار، وأبو يعلى. وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 236) : رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى في «الكبير» ، وإسناده حسن.

وقال- عليه السلام- للأنْصَارِ لما تعرَّضوا له إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ: «أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم! وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ «1» . انتهى. واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ «2» ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ «3» أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟ قَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» «4» . انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ، يعني: هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر «5» : واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنت عتبة «6» ،

_ (1) تقدم تخريجه. (2) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الغافقي، أبو عبد الرّحمن المصري، قاضيها وعالمها. عن عطاء، والأعرج، وعكرمة، وخلق. وعنه شعبة، وعمرو بن الحارث، والليث، وابن وهب، وخلق. قال أحمد: احترقت كتبه وهو صحيح الكتاب. قال مسلم: تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. قال يحيى بن بكير: مات سنة 174 هـ. ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 92) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 727) ، و «الكاشف» (2/ 122) ، و «ميزان الاعتدال» (2/ 475، 483) ، و «طبقات ابن سعد» (7/ 204) . (3) سعيد بن أبي سعيد المقبري، أبو سعيد المدني، أرسل عن أم سلمة، وعن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس، وخلق. وعنه عمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، وعبيد الله بن عمر، والليث، وهو أثبت الناس فيه، قال ابن خراش: ثقة جليل، قال الواقدي: اختلط قبل موته بثلاث سنين. قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وعشرين، وقال أبو عبيد: سنة خمس وعشرين ومائة. ينظر: «تهذيب الكمال» (1/ 490) ، و «الثقات» (4/ 278) ، و «الخلاصة» (1/ 380) ، و «لسان الميزان» (7/ 229) . (4) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 29) رقم (88) ووقع في «الزهد» : «شعيب بن أبي سعيد» . (5) أخرجه الطبري (3/ 470) برقم (8008) ، وذكره ابن عطية (1/ 525) . (6) هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّة، والدة معاوية بن أبي سفيان، شهدت أحدا، وفعلت ما فعلت بحمزة، ثم كانت تؤلّب على المسلمين إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح وقصّتهما (في قولها عند بيعة النساء: وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ فقالت: وهل تزني الحرّة؟) ينظر: «الإصابة» (8/ 346) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 153 إلى 155]

وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ. وقوله سبحانه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم قاله ابنُ عَبَّاسٍ «1» ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يريدُ الدنيا حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» . وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يضطرب من المؤمنين. [سورة آل عمران (3) : الآيات 153 الى 155] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا» ، وقراءة «3» الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ» : معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح» : دخل في الصّباح.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 472) برقم (8023) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 525) ، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (2/ 152) ، وعزاه لابن جرير. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 472) برقم (8023) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 362) ، وابن عطية (1/ 525) ، والسيوطي في «تفسيره» (2/ 152) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 525) ، و «البحر المحيط» (3/ 89) ، و «الدر المصون» (2/ 233) .

وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «1» : «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء) ، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلّى الله عليه وسلّم: «إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ» ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا «2» : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان صلّى الله عليه وسلّم أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ «3» /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد: الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح «4» . وقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ» ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ» ، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال:

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 526) ، و «البحر المحيط» (3/ 90) ، و «الدر المصون» (1/ 234) . (2) قال السهيلي: «هو الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، جد الزبير بن عبد الرّحمن المذكور في «الموطأ» في كتاب النكاح. واختلف في الزبير بن عبد الرّحمن فقيل: الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، كما سمي جده، وقيل: الزبير» . [.....] (3) سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله. وقيل: اسم أبيه وهب، وقيل غير ذلك. أول مشاهده «الحديبية» ، وكان من الشجعان، ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند الشّجرة على الموت. ينظر: «طبقات ابن سعد» (4/ 305) ، و «الإصابة» (3/ 127) ، و «أسد الغابة» (ت 2179) ، و «طبقات خليفة» (689) ، و «الخلاصة» (126) ، و «تهذيب الأسماء واللغات» (1/ 1/ 229) ، و «تهذيب التهذيب» (4/ 150) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 479) برقم (8059) ، (8061) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 526) .

فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ «1» ، ونحْوه عن الزُّبَيْر «2» ، وابنِ مسْعود «3» ، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن. وقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم يضمحلُّ. قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مسلم» ، وغيره، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ... » «4» الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «5» اهـ. وقوله:

_ (1) أخرجه البخاري (7/ 422) ، كتاب «المغازي» ، باب: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ، حديث (4068) ، (8/ 76) كتاب «التفسير» ، باب أَمَنَةً نُعاساً، حديث (4562) ، والترمذي (5/ 229- 230) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3008) ، وأحمد (4/ 29) ، وابن حبان (7180) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 484) رقم (8075، 8076) ، والطبراني في «الكبير» (5/ 95- 96) رقم (4699، 4700) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» . (3/ 273- 274) كلهم من طريق قتادة عن أنس به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الترمذي (5/ 229) ، كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3007) ، وابن سعد في «الطبقات» (3/ 505) ، وابن أبي شيبة (14/ 406- 407) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 483- 484) رقم (8074) ، والحاكم (2/ 297) ، والبيهقي في «الدلائل» (3/ 272) ، وأبو نعيم في «الدلائل» ص (367) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن سعد (3/ 505) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 483) رقم (8073) من طريق حميد عن أنس. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 155) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وللحديث شاهد من حديث الزبير بن العوام: أخرجه الترمذي (5/ 229) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3007) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير به بنحو حديث أنس. (2) ينظر الحديث السابق. (3) ينظر الحديث السابق. (4) تقدم تخريجه. (5) تقدم تخريجه.

ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: 26] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: 33] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا. وقوله «1» سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ... الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو. وقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ «2» عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن. وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار. وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ «3» . وقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة.

_ (1) ذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 528) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 156) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج. (2) معتّب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، الأنصاريّ، الأوسيّ. ذكروه فيمن شهد العقبة. وقيل: إنه كان منافقا، وإنه الذي قال يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: 154] وقيل: إنه تاب. وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا. ينظر: «الإصابة» (6/ 137) ، و «أسد الغابة» ت (5017) ، و «الاستيعاب» ت (2485) ، و «المؤتلف والمختلف» (219) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 529) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 157) ، وعزاه لابن جرير عن كليب عنه به.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 156 إلى 158]

قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً «1» . وقوله تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ «2» من الكبائر بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده صلّى الله عليه وسلّم في السّبع الموبقات «3» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 156 الى 158] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ... الآية: نَهَى اللَّه المؤمنِينَ أنْ يكونوا مثل الكفَّار المنافقين في هذا المعتقَدِ الفاسِدِ الذي هو أنَّ من سافر في تجارةٍ ونحوها، ومَنْ قَاتَلَ فَقُتِلَ، لو قعد في بَيْته لعاش، ولم يَمُتْ في ذلك الوَقْتِ الذي عَرَّض فيه نَفْسه للسَّفَر أو للقِتَال، وهذا هو مُعْتَقَدُ المعتزلة في القَوْل بالأَجَلَيْنِ، أو نحو منه، وصرّح بهذا المقالة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيٍّ المُنَافِقُ، وأصحابه قاله مجاهد

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 530) . (2) قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 15- 16] في هذه الآية ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال، وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة وخيم العاقبة لأن الفارّ يكون كالحجر يسقط من البناء.، فيتداعى ويختل نظامه لهذا عدّ الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، وقد توعد الله المقاتلين الذين يولون العدوّ ظهورهم، فقال: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... الآية. وفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الأبيّة، قال يزيد بن المهلّب: «والله إني لأكره الحياة بعد الهزيمة» . وقال بعض العلماء: إن هذا النهي خاصّ بوقعة بدر. وبه قال نافع والحسن وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي. وقال الجمهور (وهو المروي عن ابن عبّاس) : إن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باق إلى يوم القيامة في كلّ قتال يلتقي فيه المسلمون والكفار. (3) تقدم تخريجه.

وغيره «1» ، والضَّرْبُ في الأرض: السيرُ في التِّجَارة، وغُزًّى: جمعُ غازٍ. وقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى هذا المعتقد الَّذى جعله اللَّه حَسْرةً لهم لأن الذي يتيقن أنَّ كل قَتْل ومَوْت، إنما هو بأجَلٍ سابقٍ يجدُ برد اليأسِ والتسليمِ للَّه سبحانه على قلبه، والذي يَعْتَقِدُ أنَّ حميمه لو قعد في بَيْته، لم يَمْتُ، يتحسَّر ويتلهَّف وعلى هذا التأويل، مَشَى المتأوِّلونَ، وهو أظهرُ مَا في الآية، والتحسُّرُ: التلهُّفُ على الشيء، والغَمُّ به. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ توكيدٌ للنهيْ في قوله: لاَ تَكُونُوا ووعيدٌ لمن خالفه، ووَعْدٌ لمن امتثله. وقوله سبحانه: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ اللامُ في وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ هي المؤذنةُ بمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قوله: لَمَغْفِرَةٌ هي المتلقِّية للقَسَمِ، والتقديرُ: واللَّهِ، لمغفرةٌ وترتَّب المَوْتُ قبل القَتْل في قوله تعالى: مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا مراعاةً لترتُّب الضَّرْب في الأرض والغَزْو، وقدَّم القَتْل هنا لأنَّه الأشرف الأهمُّ، ثم قدَّم المَوْتَ في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لأنها آية وعظٍ بالآخرةِ والحَشْرِ، وآيةُ تزهيدٍ في الدنْيَا والحَيَاةِ، وفي الآيةِ تحقيرٌ لأمر الدنيا، وحضٌّ على طَلَبِ الشهادةِ، والمعنى: إذا كان الحَشْر لا بُدَّ في كِلاَ الأمْرَيْن، فالمضيُّ إليه في حالِ شهادةٍ أولى وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «2» ، أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ» ، رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ «3» ، وعن أنَسٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 530) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 158) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....] (2) سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة. قيل: أبو الوليد، وأبو ثابت، وأبو سعيد، وقيل: أبو سعد. أو أبو عبد الله. الأوسي. الأنصاري. بدري شهد المشاهد كلها مع رسول الله، وثبت يوم أحد، وكان يرمي بالنبل عن رسول الله. وصحب علي بن أبي طالب، واستخلفه عليّ على «المدينة» حين سار إلى «البصرة» ، وشهد معه «صفين» ، وولاه بلاد فارس. روى عنه ابناه أبو أمامة، وعبد الملك. وروى عنه عبيد بن السياق، وأبو وائل، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى. مات ب «الكوفة» سنة (38 هـ) . وينظر: «أسد الغابة» (2/ 470) ، و «الإصابة» (3/ 139) ، و «الثقات» (3/ 169) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 243) ، و «الاستيعاب» (2/ 662) ، و «بقي بن مخلد» (78، 903) . (3) أخرجه مسلم (3/ 1517) ، كتاب «الإمارة» ، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (157/ 1909) ، وأبو داود (1/ 476) ، كتاب «الصلاة» ، باب في الاستغفار، حديث (1520) ، والترمذي (4/ 183) ، كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، حديث (1653) ، -

[سورة آل عمران (3) : الآيات 159 إلى 160]

«مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً، أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ» «1» ، انفرد به مُسْلم. انتهى من «سلاح المؤمن» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 159 الى 160] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وقوله سبحانه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ: معناه: فبرحمةٍ، قال القُشَيْريُّ في «التحبير» : واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يحبُّ من عباده مَنْ يرحم خَلْقه، ولا يرحم العبد إلاَّ إذا رحمه اللَّه سبحانَهُ، قال اللَّه تعالى لنبيِّه- عليه السلام-: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ. انتهى. قال ع «2» : ومعنى هذه الآيةِ التقريعُ لكلِّ مَنْ أخلَّ يومَ أُحُدٍ بمَرْكزه، أي: كانوا يستحقُّون الملام منْكَ، ولكنْ برحمةٍ منه سُبْحَانه/ لِنْتَ لهم، وجَعَلَكَ على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعَثَكَ لتتميمِ محاسنِ الأخلاق، ولو كُنْتَ فظًّا غليظَ القَلْب، لانفضوا مِنْ حولك، وتفرَّقوا عَنْكَ، والفَظُّ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته صلّى الله عليه وسلّم في الكُتُب المُنزَّلة: «لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ» «3» ، والفَظَاظة: الجَفْوة في المعاشرة قولاً وفعلاً، وغِلَظُ القَلْب: عبارةٌ عن تجهُّمِ الوجْهِ، وقلَّةِ الانفعالِ في الرغَائِبِ، وقلَّةِ الإشفاقِ والرَّحْمةِ، والانفضاضُ: افتراق الجموع. وقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... الآية: أمر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بهذه الأوامر التي هِيَ بتدريجٍ بليغٍ، فأمره أنْ يعفو عَنْهم فيما له عليهم من حقّ، ثمّ

_ - والنسائي (6/ 36- 37) كتاب «الجهاد» ، باب مسألة الشهادة، وابن ماجة (2/ 935) كتاب «الجهاد» ، باب القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى، حديث (2797) ، والدارمي (2/ 205) كتاب «الجهاد» ، باب فيمن سأل الله الشهادة، وابن حبان (3192) ، والبيهقي (9/ 169- 170) كتاب «السير» ، باب تمني الشهادة ومسألتها، والطبراني في «الكبير» (6/ 72) رقم (5550) كلهم من طريق عبد الرّحمن بن شريح عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث عبد الرّحمن بن شريح. (1) أخرجه مسلم (3/ 1517) ، كتاب «الإمارة» ، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (156/ 1908) من حديث أنس بن مالك. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 533) . (3) تقدم.

يستغفر لهم فيما للَّه علَيْهم مِنْ تَبِعَةٍ، فإذا صاروا في هذه الدَّرَجَة، كانوا أهلاً للاستشارة. قال ع «1» : ومَنْ لا يستشيرُ أهل العِلْمِ والدِّين، فعَزْلُه واجبٌ، هذا ممَّا لا خلافَ فيه، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الاستشارة، ومُشَاورته- عليه السلام- إنما هي في أمور الحَرْب والبُعُوث ونحوه من أشخاصِ النَّوَازِلِ، فأما في حلالٍ، أو حرامٍ، أو حَدٍّ، فتلك قوانينُ شَرْعٍ، ما فرَّطنا في الكتابِ مِنْ شيء، والشورى مبنيَّة على اختلافِ «2» الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ ينظر في ذَلِكَ الخلافِ، ويتخيَّر، فإذا أرشده اللَّه إلى ما شاء منْهُ، عزم علَيْه، وأنفذه متوكِّلاً على اللَّه إذ هو غايةُ الاجتهادِ المَطْلُوب منه، وبهذا أمر اللَّه تعالى نبيَّه في هذه الآيةِ، وصِفَةُ المُسْتشارِ في الأحكامِ أنْ يكونَ عالماً ديِّناً، وقلَّما يكونُ ذلك إلاَّ في عاقلٍ، فقَدْ قال الحَسَنُ ابْنُ أبِي الحَسَنِ: ما كَمَلَ دِينُ امرئ لَمْ يَكْمَلْ عَقْلُهُ «3» . قال ع «4» : والتوكُّل على اللَّه سبحانه وتعالى مِنْ فروض الإيمانِ وفصولِهِ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 534) . (2) الشورى: مصدر بمعنى التشاور، يقال: تشاور القوم إذا اجتمعوا على الأمر ليستشير كل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده من رأي، من قولهم: شرت الدابة: إذا عرضتها على مشتريها ليبلوها وينظر ما عندها، وبالعرض يعلم خيرها وشرها، فكذلك بالتشاور يعلم خير الأمور وشرها. والشورى دعامة الحكومة الإسلامية، وعليها مدار انتظامها وحسن سلوكها وسعادتها، فأعدل الحكومات هي الحكومة الشورية، لذلك عنى الله (سبحانه وتعالى) بأمرها حتى قرر أصولها، في كثير من آيات الذكر الحكيم، وأمر بها رسوله المعصوم، قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38] ، فامتدحهم بأن أمرهم شورى بينهم وقرنوه بأصل الإيمان، وهو الاستجابة إلى الله، وبأقوى أركانه وهو الصلاة، وفي هذا تنويه بشأنها، وإعلاء من أمرها، وتنبيه على أنها من أصول الإسلام ودعائمه. وقال تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159] . روي عن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: «قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده» . وقال البيضاوي في تفسيرها: عاملهم معاملة العفو والصفح فيما يختص بك، واطلب المغفرة لهم، واستظهر برأيهم، وشاورهم في أمر الحرب وفي كل ما تصح فيه المشاورة لتطييب نفوسهم ولتمهيد سنة المشاورة لأمتك. ينظر: «الخلافة» لشيخنا عبد الفتاح الجوهري. (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 534) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 534) .

بتوكُّل، وإنما هو كما قال- عليه السلام-: «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» . وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ هذه غايةٌ في الرِّفْعة، وشَرَفِ المنزلةِ، وقد جاءت آثار صحيحةٌ في فَضْل التوكُّلِ وعظيمِ منزلةِ المتوكِّلين، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» عن عمران بن حصين أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا: مَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلاَ يَستَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ، «1» وخَرَّج أبو عيسَى التِّرمذيُّ، عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: سمعتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ، وخرَّجه ابن ماجة أيضاً «2» ، وخرَّج أبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو عَبْدِ اللَّهِ التِّرمذيُّ الحكيمُ، عنْ عبد الرحمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته قَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ سَبْعِينَ أَلْفاً، فقالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته، فَقَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي هَكَذَا، وفَتَحَ أَبُو وَهْبٍ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو وَهْبٍ: قَالَ هِشَامٌ: هَذَا مِنَ اللَّهِ لاَ يدرى، مَا عَدَدُهُ» «3» ، وخرَّج أبو نُعَيْمٍ، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّة/ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، قَالَ: وَهَكَذَا، وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ بحفنة واحدة، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «صدق عمر» «4» . اهـ من

_ (1) أخرجه مسلم (1/ 198) ، كتاب «الإيمان» ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب، حديث (218/ 371) ، وأحمد (4/ 436، 441) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 327- بتحقيقنا) . (2) أخرجه الترمذي (4/ 626) ، كتاب «صفة القيامة» ، باب (12) ، حديث (2437) ، وابن ماجة (2/ 1433) كتاب «الزهد» ، باب صفة أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، حديث (4286) ، وأحمد (5/ 268) . (3) أخرجه البزار كما في «مجمع الزوائد» (10/ 413- 414) ، وقال الهيثمي: رواه أحمد، والبزار، والطبراني بنحوه، وفي أسانيدهم القاسم بن مهران عن موسى بن عبيد، وموسى بن عبيد هذا هو مولى خالد بن عبد الله بن أسيد، ذكره ابن حبان في «الثقات» . والقاسم بن مهران ذكره الذهبي في «الميزان» ، وأنه لم يرو عنه إلا سليم بن عمرو النخعي، وليس كذلك، فقد روى عنه هذا الحديث هشام بن حسان، وباقي رجال إسناده محتج بهم في الصحيح. (4) أخرجه أحمد (3/ 193) ، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 344- 345) من طريق أبي هلال عن قتادة عن أنس مرفوعا. وقال أبو نعيم: غريب من حديث قتادة عن أنس (رضي الله عنه) ، تفرد به أبو هلال، واسمه محمد بن سليم الراسبي، ثقة بصري. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 161 إلى 163]

«التذكرة» «1» ، وما وقَعَ من ذكْرِ الحَثْيَةِ والحَفْنَةِ لَيْسَ هو على ظاهره، فاللَّه سبحانه منزَّه عن صفَاتِ الأجْسَامِ. وقوله تعالى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أيْ: يترككم، والخذل الترك، والضميرُ في: مِنْ بَعْدِهِ يعودُ على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ على الخذل. [سورة آل عمران (3) : الآيات 161 الى 163] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) وقوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، قرأ ابنُ كَثِيرٍ «2» ، وأبو عَمْرٍو، وعاصم: «أَنْ يَغُلَّ» بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ باقي السبعة: «أَنْ يُغَلَّ» بضم الياء، وفتح الغين، واللفظةُ بمعنى الخِيَانة في خَفَاءِ، تقولُ العربُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ يُغِلُّ إغْلاَلاً، إذا خان، واختلفَ عَلَى القراءة الأولى، فقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: نزلَتْ بسبب قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ من المغانمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فقال بعضُ النَّاس: لعلَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أَخَذَهَا «3» ، فقيلَ: كانت هذه المَقَالَةُ مِنْ مؤمِنٍ لم يَظُنَّ في ذلك حَرَجاً. وقيل: كانَتْ من منافِقين، وقد رُوِيَ أن المفقود إنما كَانَ سَيْفاً، قال النَّقَّاش: ويقال: إنما نزلَتْ لأن الرماة قالوا يوم أُحُدٍ: الغنيمةَ الغنيمةَ، فإنا نخشى أن يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَنْ أَخَذ شيئاً، فهو له «4» ، وقال ابْنُ إسحاق: الآية إنما أنزلَتْ، إعلاماً بأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكتم شيئاً مما أُمِرَ بتبليغه «5» . وأمَّا على القراءة الثانيةِ، فمعناها عند الجمهور، أي: ليس لأحدٍ أنْ يغل النبيَّ، أيْ: يخونه في الغنيمة لأنَّ المعاصِيَ تَعْظُمُ بحَضْرته لتعيين توقيره.

_ (1) ينظر: «التذكرة» (2/ 504) . (2) ينظر: «السبعة» (218) ، و «الحجة» (3/ 94) ، و «حجة القراءات» (179، 180) ، و «إعراب القراءات» (1/ 122) ، و «العنوان» (81) ، و «شرح شعلة» (325) ، و «إتحاف» (1/ 493) ، و «معاني القراءات» (1/ 279) . (3) أخرجه الترمذي (5/ 230) كتاب «التفسير» باب ومن سورة آل عمران حديث (3009) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (4) ذكره ابن عطية (1/ 535) . (5) ذكره ابن عطية (1/ 535) .

قال ابن العربي «1» في «أحكامه» : وهذا القول هو الصحيحُ، وذلك أنَّ قوماً غَلُّوا من الغنائمِ، أو هَمُّوا، فأنزل اللَّه تعالَى الآية، فنهاهُمُ اللَّه عن ذلك، رواه الترمذيُّ. انتهى. وقوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... الآية: وعيدٌ لِمَنْ يغل من الغنيمة، أو في زكاته بالفَضِيحَة يَوْمَ القيامة على رءوس الأَشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «2» : قال علماؤنا (رحمهم اللَّه) في قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ: إنّ ذلك على الحقيقة كما بيّنه صلّى الله عليه وسلّم، أي: يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثِقَلِهِ، ومروَّعاً بصوته، وموبَّخاً بإظهار خيانته. انتهى. وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَدُّوا الْخَائِطَ وَالمَخِيطَ فَإنَّ الغُلُولَ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ على أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» «3» رواه مالكٌ في «الموطَّأ» ، قال أبو عُمَرَ في «التمهيد» : الشَّنَار: لَفْظَةٌ جامعةٌ لمعنَى العَارِ وَالنَّارِ، ومعناها الشَّيْن، والنَّار يريد أن الغلول شَيْنٌ وعارٌ ومنْقَصَة في الدُّنْيا، وعذابٌ في الآخرة. انتهى، وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في الغُلُولِ، وفي مَنْعِ الزكاة. وقوله سبحانه: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، أي: الطاعة الكفيلة بِرضْوَان اللَّه. قال ص: «أَفَمَنْ» : استفهام، معناه: النَّفْيُ، أي: ليس مَنِ اتبع مَا يَئُولُ به إلى رِضَا اللَّه تعالى عَنْه فباء برضَاه، كَمَنْ لم يَتَّبِعْ ذلك فباء بسَخَطه. انتهى. وقوله سبحانه: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ قال ابنُ إسحاق وغيره: المراد بذلك الجَمْعَانِ المذكورانِ أهل الرِّضْوان، وأصحاب السَّخَط «4» ، / أيْ: لكلِّ صِنْفٍ منهم تَبَايُنٌ في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النَّار أيضاً، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ ما ظاهره: أن المراد بقوله: «هم» ، إنما هو لمتبعي الرضْوان «5» ، أي: لهم درجاتٌ كريمةٌ عند ربهم، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: هُمْ ذَوْو دَرَجَاتٍ، والدرجاتُ: المنازلُ بعضها أعلى من بعض في المَسَافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآية وعد ووعيد.

_ (1) ينظر: «الأحكام» لابن العربي (1/ 301) . (2) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 399) . (3) أخرجه مالك (2/ 457- 458) ، كتاب «الجهاد» ، باب ما جاء في الغلول، حديث (22) عن عبد الرّحمن بن سعيد عن عمرو بن شعيب مرسلا. وأخرجه أبو داود (2/ 70) (2694) ، والنسائي (6/ 262- 263) ، وأحمد (2/ 184) ، والبيهقي (6/ 336- 337) من طريق عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جَدِّه موصولا. (4) ذكره ابن عطية (1/ 536) . (5) ذكره ابن عطية (1/ 537) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 164 إلى 165]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 164 الى 165] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وقوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... الآية: اللام في «لقد» : لام القسم، و «منّ» في هذه الآية: معناه: تطوَّل وتفضَّل سبحانه، وقد يقال: «مَنَّ» بمعنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بالذِّكْرِ، فهي لفظةٌ مشتركة، وقوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أي: في الجنْسِ، واللسانِ، والمُجَاورةِ، فكونه مِنَ الجنْسِ يوجبُ الأنْسَ به، وكونُه بِلِسانِهِمْ يوجِبُ حُسْنَ التفهيم، وكونُه جَاراً ورَبِيًّا يوجِبُ التصديقَ والطُّمأنينة إذ قد خَبَرُوه وعَرَفُوا صِدْقَه وأمانته، ثم وقَف اللَّه سبْحانه المؤمنين عَلَى الخَطَإ في قَلَقِهِمْ للمُصِيبة الَّتي نزلَتْ بهم، وإعراضهم عمَّا نزل بالكفّار، فقال: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ، أي: يوم أُحُدٍ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها، أيْ: يوم بَدْر إذ قتل من الكُفَّار سبعون، وأسر سَبْعُون، هذا تفْسِيرُ ابنِ عَبَّاس «1» ، والجمهورِ. وقال الزَّجَّاج «2» : وَاحِدُ المِثْلَيْن: هو قتْلُ السبعينَ يَوْمَ بَدْر، والثاني: هو قتل اثنين وعشرين يَوْمَ أحد، ولا مَدْخَل للأسرى لأنهم قد فدوا. وأَنَّى: معناها: كَيْفَ، وَمِنْ أَيْنَ، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، أي: حين خالفتم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الرأْيِ حينَ رأى أنْ يقيمَ بالمَدينة، ويترك الكُفَّار بَشَّر مَحْبِسٍ، فأبيتم إلا الخُرُوجِ، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقالَتْ طائفة: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ: إشارةٌ إلى عصيانِ الرُّمَاة، وتسبيبهم الهَزيمة عَلَى المؤمنين، وقال عليٌّ والحَسَن: بل ذلك لِمَا قَبِلُوا الفِدَاءَ يَوْمَ بدر «3» وذلك أنَّ اللَّه سبحانه أخبرهم على لسانِ نبيِّه بَيْنَ قَتْل الأسرى أو يأخذوا الفِدَاءَ على أنْ يُقْتَلَ منْهم عدَّة الأسرى، فاختاروا أَخْذَ الفدَاءِ، ورَضُوا بالشَّهَادةِ، فقُتِلَ منهم يوْمَ أحدٍ سَبْعُونَ، قلْتُ: وهذا الحديثُ رواه الترمذيُّ عنْ عليٍّ (رضي اللَّه عنه) ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: وعَنِ الضَّحَّاك: أَنَّى هذا، أي: بأيّ ذنب هذا؟

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 508) برقم (8185) ، وذكره ابن عطية (1/ 538) ، والسيوطي (2/ 166) ، وعزاه لابن أبي حاتم. (2) ينظر: «معاني القرآن» (1/ 488) . (3) أخرجه الطبري (3/ 509) برقم (8190) عن علي، وذكره ابن عطية (1/ 538) ، والسيوطي (2/ 166) ، وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن، ولابن أبي شيبة، والترمذي وحسنه، وابن مردويه عن علي.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 166 إلى 167]

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ «1» : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ عقوبةً لمعصيتكم لنبيِّكم- عليه السلام-. انتهى. [سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 167] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) وقوله سبحانه: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، يعني: يوم أُحُد. وقوله سبحانه: وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أيْ: ليعلم اللَّه المؤمن مِنَ المُنَافق، والإشارة بقوله سبحانه: نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ: هي إلى عَبْد اللَّه بن أبَيٍّ وأصحابه، حين انخزل بنَحْو ثُلُث النَّاسِ، فمشى في إثرهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزَامٍ أبُو جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فقَالَ لهم: اتقوا اللَّهَ، ولا تَتْرُكُوا نبيَّكم، وقاتلوا في سَبيلِ اللَّهِ، أو ادفعوا، ونحْوَ هذا من القولِ، فقال له ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أَنْ يكُونَ قِتَالاً، ولو علمْنا أنْ يكُونَ قتَالٌ، لكنا معكم، فلما يَئِسَ منهم عبْدُ اللَّهِ، قال: اذهبوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيْغُنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ، ومضى مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاستشهد. وقوله تعالى: أَوِ ادْفَعُوا، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره: معناه: كَثِّروا السوادَ، وإنْ لم تقاتِلُوا/، فيندفع القَوْم لكثرتِكُمْ «2» ، وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أو ادفعوا» : استدعاء للقتَالِ حميَّةً إذ ليسوا بأهْلٍ للقتال في سبيل اللَّه، والمعنى: قاتلوا في سبيل اللَّه، أو قاتلوا دفاعاً عن الحَوْزَة ألا ترى أنَّ قُزْمَانَ قَالَ في ذلك اليَوْمِ: واللَّهِ، ما قاتلْتُ إلاَّ على أحساب قَوْمِي، وقَوْلِ الأنصاريِّ يومئذ لَمَّا أرسلَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ في الزُّروع: أترعى زُرُوعَ بَنِي قيلة، ولمّا نضارب. [سورة آل عمران (3) : الآيات 168 الى 172] الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)

_ (1) ذكره ابن عطية (1/ 538) ، والسيوطي (2/ 166) ، وعزاه لابن المنذر. [.....] (2) ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 435) ، وابن عطية (1/ 539) .

وقوله تعالى: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا، الَّذِينَ بدل من الَّذِينَ المتقدِّم، لِإِخْوانِهِمْ، أي: لأجْلِ إخوانهم، أوْ في شأنِ إخوانهم المقتولِينَ، ويحتمل أنْ يريد: لإخوانهم الأحياءِ مِنَ المُنَافِقِينَ، ويكون الضميرُ في «أَطَاعُونَا» للمقتولين، وقَعَدُوا: جملةٌ في موضِعِ الحالِ، معترضةٌ أثْنَاءَ الكلامِ، وقولهم: لَوْ أَطاعُونا، يريدون: في ألاَّ يخرُجُوا، وباقِي الآيةِ بَيِّن. ثم أخْبَرَ سبحانه عن الشهداءِ أنهم في الجنَّة أحياءٌ يرزقون، وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فَأَزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، لاَ فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ، لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، فَنُقْتَلُ مَرَّةً أخرى، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّكُمْ لاَ تُرَدُّونَ» «1» ، والأحاديثُ في فَضْل الشُّهَداء كثيرةٌ. قال الفَخْر «2» : والرواياتُ في هذا البابِ كأنَّها بلَغَتْ حدَّ التواتر، ثم قَالَ: قال بعْضُ المفسِّرين: أرواحُ الشُّهَدَاءِ أحياءٌ، وهي تركَعُ وتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ إلى يَوْمِ القِيامةِ. انتهى. والعقيدةُ أنَّ الأرواحَ كلَّها أحياء، لا فرق بَيْن الشهداءِ وغيرهم في ذلك إلاَّ ما خَصَّص اللَّه به الشُّهداءَ مِنْ زيادَةِ المَزِيَّة والحياةِ الَّتِي ليْسَتْ بمكيَّفة، وفي «صحيح مسْلِمٍ» ، عن مَسْرُوقٍ قال، سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عن هذه الآية: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فقال: أَمَّا أَنَا، فَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذلك، فقال، يعني النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنَادِيلِ ... » «3» الحديثَ إلى آخره اهـ. ومن الآثار الصحيحةِ الدالَّة على فَضْلِ الشُّهداءِ ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ» أنه بلَغَهُ أنَّ عمرو بْنَ الجَمُوحِ «4» ، وعبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الأنصارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قد حفر السّيل

_ (1) أخرجه مسلم (3/ 1502) ، كتاب «الإمارة» ، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، حديث (121/ 1887) . (2) ينظر: «الفخر الرازي» (9/ 73) . (3) تقدم تخريجه. (4) عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري، السلمي. من سادات الأنصار، واستشهد بأحد. قال ابن إسحاق في «المغازي» : كان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة، وشريفا من أشرافهم وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يعظّمه، فلما أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ، -

قبرهما، وكان قَبْرُهما ممَّا يَلِي السَّيْلَ، وكانا في قَبْرٍ واحدٍ، وهما مِمَّن استشهد يَوْمَ أُحُدٍ، فحفر عنهما ليغيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لم يُغَيَّرا، كأنما ماتا بالأمْسِ، وكان أحدُهُما قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ على جُرْحِهِ، فَدُفِنَ، وهو كذلك، فَأُمِيطَتْ يده عَنْ جُرْحِهِ، ثم أرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ، كما كانَتْ، وكان بَيْنَ أُحُدٍ، وبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وأربعون سنَةً، قال أبو عمر في «التمهيد» : حديثُ مالكٍ هذا يتَّصلُ من وجوهٍ صحاحٍ بمعنى واحدٍ متقاربٍ، وعبد اللَّه بن عمرو هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ هو ابنُ عَمِّه، ثم أسند أبو عمر، عن جابرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ، قال: لما أراد معاويةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ بأُحُدٍ، نُودِيَ بالمدينةِ: مَنْ كان له/ قتيلٌ، فليأت قتيله، قال جابرٌ: فأتيناهم، فأخرجْنَاهم رطَاباً يَتَثَنَّوْنَ، فأصابَتِ المِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فانفطرت دَماً، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: «لاَ يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرٌ أَبداً» وفي رواية: «فاستخرجهم- يعني: معاويةَ-، بعد سِتٍّ وأربعين سنَةً لَيِّنَةً أجسادُهم، تتثنى أطرافهم» ، قال أبو عمر: الذي أصابَتِ المِسْحَاةُ أصبُعَهُ هو حمزةُ (رضي اللَّه عنه) . ثم أسند عَنْ جابِرٍ قال: رأَيْتُ الشهداءَ يَخْرجُونَ على رِقَابِ الرجَالِ كأنهم رجَالٌ نُوَّمٌ حتى إذا أَصَابَتِ المِسْحَاةُ قَدَمَ حمزةَ (رضي اللَّه عنه) : «فانثعبت دَماً» انتهى. وقوله سبحانه: وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ... الآية: معناه: يُسَرُّونَ، ويَفْرَحُونَ، وذهَبَ قتادة وغيره إلى أنَّ استبشارهم هو أنهم يقولُونَ: إخواننا الذين تركْنَاهم خَلْفَنَا في الدنيا يُقَاتِلُونَ في سَبيل اللَّه مع نبيِّهم، فيستشهدُونَ، فينالُونَ مِنَ الكرامَةِ مِثْلَ ما نِلْنَا نَحْنُ، فيسرُّون لهم بذلك إذْ يحصُلُونَ لا خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ «1» ، وذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أَنَّ الإشارة في قوله: بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا، إلى جميع المؤمنين الَّذِينَ لم يلحقوا بهم في فَضْل الشهادة وذَلك لِمَا عايَنُوا من ثوابِ اللَّهِ، فهم فرحون لأنفسهم بما

_ - ومعاذ بن جبل، كانوا يدخلون على صنم عمرو فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، فيغدو عمرو فيجده منكبّا لوجهه في العذرة، فيأخذه ويغسله ويطيّبه، ويقول: لو أعلم من صنع هذا بك لأخزيّنه، ففعلوا ذلك مرارا، ثم جاء بسيفه فعلّقه عليه، وقال: إن كان فيك خير فامتنع، فلما أمسى أخذوا كلبا ميتا فربطوه في عنقه، وأخذوا السيف، فأصبح فوجده كذلك، فأبصر رشده وأسلم، وقال في ذلك أبياتا منها: تالله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن ينظر: «أسد الغابة» ت (3891) ، و «الاستيعاب» ت (1925) ، و «الإصابة» (4/ 506) ، و «سير أعلام النبلاء» (1/ 25211) . (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 541) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 173 إلى 174]

آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ ثم أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ، ثم بيَّن سبحانه بقوله: وَفَضْلٍ، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال. قُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ «1» صَاحِبُ ابن المبارَكِ في «رقائقه» ، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ... » الحديثَ. انتهى. مختصرًا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطوَّلاً. وقرأ الكِسَائِيُّ: «وَإنَّ اللَّهَ» بكسر «2» الهمزة على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين على قراءة مَنْ كَسَر الألف من «إنَّ» ، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ... الآية، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد في طلب قريش. [سورة آل عمران (3) : الآيات 173 الى 174] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ... الآية: «الذين» : صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ من عبد القيس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

_ (1) الحسين بن الحسن بن حرب السلمي، أبو عبد الله المروزي، ثم المكي. عن ابن المبارك، وهشيم، وابن عيينة، ويزيد بن زريع، وخلق. وعنه الترمذي وابن ماجة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 224) . (2) ينظر: «السبعة» (219) ، و «الحجة» (3/ 98) ، و «حجة القراءات» (182) ، و «إعراب القراءات» (1/ 122) ، و «العنوان» (81) ، و «شرح الطيبة» (4/ 178) ، و «شرح شعلة» (326) ، و «إتحاف» (1/ 494) ، و «معاني القراءات» (1/ 280) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 175 إلى 178]

وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و «النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش هذا قول/ الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر الصّغرى لميعاد أبي سفيان، وإِنَّ النَّاسَ هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ- قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ- عليه السلام-، حين ألقى في النّار، وقالها محمّد صلّى الله عليه وسلّم حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، رواه مسلم. والبخاريّ «1» . انتهى. [سورة آل عمران (3) : الآيات 175 الى 178] إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) وقوله سبحانه: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ... الآية: إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر. وقرأ الجمهورُ «2» : «يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ» ، قالَ قوم: معناه: يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي «3» ، عن ابن عَبَّاس أنه قرأ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ» ، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ» ، وفِي كتاب «القَصْد إلى اللَّه تعالى» للمحاسِبِيِّ «4» ، قال: وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره حياءً منه عزَّ وجلّ أن يخافوا معه سواه. انتهى.

_ (1) أخرجه البخاري (8/ 77) كتاب «التفسير» ، باب الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ، حديث (4563) عن ابن عباس. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 544) ، و «البحر المحيط» (3/ 125) ، و «الدر المصون» (2/ 263) . (3) ينظر: «المحتسب» (1/ 177) . (4) الحارث بن أسد، أبو عبد الله المحاسبي، قال ابن الصلاح: ذكره أبو منصور التميمي في الطبقة الأولى من الشافعية فيمن صحب الشافعي. قال ابن قاضي شهبة: أحد مشايخ الصوفية. توفي سنة 243 هـ. ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 59) ، و «طبقات الفقهاء» للعبادي (ص 27) ، و «ميزان الاعتدال» (1/ 199) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 179 إلى 180]

وقوله سبحانه: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، والمسارعة في الكُفْر: هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله، والجِدُّ في ذلك، وسَلَّى اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- بهذه الآية عنْ حالِ المنافقين والمجاهِرِين إذ كلُّهم مسارعٌ، وقوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً: خبرٌ في ضِمْنِهِ وعيدٌ لهم، أي: وإنما يضرُّون أنفسهم، والحَظُّ: إذا أطلق، فإنما يستعملُ في الخير، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ: نُمْلِي: معناه: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العمر، والمعنى: لا تَحْسَبَنَّ إملاءنا للذين كَفَرُوا خَيْراً لهم، فالآيةُ ردٌّ على الكفَّار في قولهم: إنَّ كوننا مموَّلِينَ أصحّة دليل على رضا الله بحالتنا. [سورة آل عمران (3) : الآيات 179 الى 180] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) وقوله تعالى: مَّا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ، أيْ: ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، مُشْكِلاً أمرَهُم حتى يميز بعْضَهُم مِنْ بعض بما يظهره مِنْ هؤلاء وهؤلاء في «أُحُدٍ» من الأفعال والأقوال، هذا تفسيرُ مجاهد وغيره «1» . وقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، أي: في أمر أُحُدٍ، وما كان من الهزيمة وأيضاً: فما كان اللَّه ليطلعكم على المنافقين تصريحاً وتسميةً لهم، ولكنْ بقرائنِ أفعالهم وأقوالهم. قال الفَخْر «2» : وذلك أنَّ سنة اللَّه جاريةٌ بأنَّه لا يُطْلِعُ عوامَّ الناس على غَيْبِهِ، أي: لا سبيلَ لكم إلى معرفة ذلك الإمتياز إلاَّ بامتحانات كما تقدَّم، فأمَّا معرفةُ ذلك على سبيلِ الإطلاعِ مِنَ الغَيْبِ، فهو من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ. انتهى. وقال الزَّجَّاج «3» وغيره: رُوِيَ أنَّ بعض الكُفَّار قال: لِمَ لا يكون جميعنا أنبياء،

_ (1) ذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 439) بنحوه، وذكره أيضا ابن عطية في «تفسيره» (1/ 546) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 184) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....] (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» لفخر الدين الرازي (9/ 90) . (3) ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (1/ 492) .

فنزلت هذه الآية، ويَجْتَبِي: معناه: يَخْتَارُ ويصْطَفِي، وقوله سبحانه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآية: قال السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المتأوِّلين: الآية نزلَتْ في البُخْل بالمال، والإنفاقِ في سبيل اللَّه، وأداء الزكاة المفْرُوضَة، وَنحْو ذلك، قال: ومعنى: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ هو الذي ورد/ في الحديثِ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فَيَسْأَلَهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ حتى يُطَوَّقَه» «1» ، قُلْتُ: وفي البخاريّ وغيره، عنه صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بلَهْزَمَتَيْهِ، يَعْنِي: شِدْقَيهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآيةَ: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... «2» الأية. قلْتُ: واعلم أنه قد وردَتْ آثار صحيحةٌ بتعذيبِ العُصَاة بنَوْعٍ مَا عَصَوْا به كحديث: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَهُوَ يَجَأُ نَفْسَهُ بِحَدِيدَتِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ في نار جهنّم» «3» ، ونحو ذلك.

_ (1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (2/ 322) رقم (2343) من حديث جرير بن عبد الله. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 157) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» و «الكبير» ، وإسناده جيد. وله شاهد من حديث حجير بن بيان: ذكره الحافظ في «المطالب العالية» (3/ 314) رقم (3568) ، وعزاه لأبي بكر بن أبي شيبة. (2) أخرجه البخاري (3/ 315) ، كتاب «الزكاة» ، باب إثم مانع الزكاة، حديث (1403) من حديث أبي هريرة. (3) أخرجه البخاري (10/ 258) ، كتاب «الطب» ، باب شرب السم والدواء..، حديث (5778) ، ومسلم (1/ 103) كتاب «الإيمان» ، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، حديث (109/ 175) ، وأبو داود (2/ 400) كتاب «الطب» ، باب في الأدوية المكروهة، حديث (3872) ، والترمذي (4/ 386) كتاب «الطب» ، باب ما جاء فيمن قتل نفسه بسم أو غيره، حديث (2043، 2044) ، والنسائي (4/ 66- 67) كتاب «الجنائز» ، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه، وابن ماجة (2/ 1145) ، كتاب «الطب» ، باب النهي عن الدواء الخبيث، حديث (3460) ، وأحمد (2/ 254، 478) ، والدارمي (2/ 192) كتاب «الديات» ، باب التشديد على من قتل نفسه، وابن حبان (5986- الإحسان) ، وابن منده في «الإيمان» (627، 628، 629) ، والبيهقي (8/ 23- 24) كتاب «الجنايات» ، باب التغليظ على من قتل نفسه، كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 291- 292) وقال: رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عبد الله بن جنادة، وهو ثقة. حديث سلمان: -

[سورة آل عمران (3) : الآيات 181 إلى 182]

قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهِرِ» : واعلم أنَّ المعانِيَ في عالم الآخرة تستتبعُ الصُّور، ولا تَتْبَعُها، فيتمثَّل كلُّ شيء بصورة تُوَازِي معناه، فيُحْشَرُ المتكبِّرون في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمْ مَنْ أَقْبَل وأَدْبَر، والمتواضِعُون أعزَّاء. انتهى، وهو كلام صحيحٌ يشهد له صحيحُ الآثارِ ويؤيِّده النظَرُ والإعتبار، اللَّهم، وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه. قال ابنُ العَرَبِيِّ «1» في «أحكامه» : قال عُلَماؤنا: البُخْل: مَنْعُ الواجبِ، والشُّحُّ: منع المستحَبِّ، والصحيحُ المختارُ أنَّ هذه الآيةَ في الزكاة الواجبَة لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعيها، والوعيدُ إذا اقترن بالفعْلِ المأمورِ به، أو المنهيِّ عنه، اقتضى الوجوبَ أو التحريمَ. انتهى. وتعميمها في جميع أنْواع الواجب أحسن. وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خطابٌ على ما يفهمه البشر، دَالٌّ على فناء الجميعِ، وأنه لا يبقى مَالِكٌ إلّا الله سبحانه. [سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 182] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) وقوله سبحانه: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ... الآية: نزلَتْ بسبب فِنْحَاصٍ اليَهُودِيِّ وأشباهه كَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وغيره، لمَّا نزلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الحديد: 11] ، قالوا: يستقرضُنا ربُّنا، إنما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وهذا مِنْ تحريف اليهودِ للتأويل علَى نحو ما صَنَعُوا في تَوْرَاتِهِمْ. وقوله تعالى: قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا: دالٌّ على أنَّهم جماعةٌ. وقوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا ... الآية: وعيدٌ لهم، أي: سنُحْصِي عليهم قولَهُمْ، ويتصلُ ذلك بفعل آبائهم مِنْ قَتْل الأنبياءِ بغَيْر حَقٍّ. وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ أي: وبأنَّ الله ليس بظلّام للعبيد.

_ - أخرجه الحاكم (3/ 604) والطبراني في «الكبير» (6183) كلاهما من طريق سعيد بن محمد الوراق عن موسى الجهني عن زيد بن وهب عن سلمان به وصححه الحاكم. وتعقبه الذهبي فقال: الوراق تركه الدارقطني وغيره. وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 292) : رواه الطبراني وفيه سعيد بن محمد الوراق، وهو متروك. (1) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 303) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 183 إلى 184]

قال ص: قيل: المراد هنا نفْيُ القليلِ والكثيرِ مِنَ الظُّلْم كقول طَرَفَةَ «1» : [الطويل] . وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً ... وَلَكِنْ متى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ «2» ولا يريدُ: أنه قدْ يحلُّ التلاعَ قليلاً. وزاد أبو البقاءِ وجْهاً آخر، وهو أنْ يكون على النَّسَبِ، أي: لا ينسب سبحانه إلى ظُلْمٍ، فيكون من باب بَزَّاز وعَطَّار. انتهى، قلتُ: وهذا القولُ أحْسَنُ ما قيل هنا، فمعنى وما ربُّكَ بظَلاَّم، أي: بذي ظلم. [سورة آل عمران (3) : الآيات 183 الى 184] الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا ... الآية: هذه المقالَةُ قالَتْها أحْبَارُ اليهودِ مدافعةً لأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: إنَّك لم تأْتِنَا بقُرْبان تأكله النار، فنَحْنُ قد عُهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لك.

_ (1) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري، الوائلي، أبو عمرو: شاعر جاهلي من الطبقة الأولى. ولد في بادية «البحرين» ، وتنقل في بقاع «نجد» . واتصل بالملك عمرو بن هند، فجعله في ندمائه، ثم أمر بقتله لأبيات بلغ الملك فيها أن طرفة هجاه بها. وأشهر شعره معلقته. ومطلعها: «لخولة أطلال ببرقة ثهمد» . وقد شرحها كثيرون من العلماء. كان غير فاحش القول في شعره خاصة في الهجاء. توفي سنة 60 قبل الهجرة. انظر: «التبريزي» (4/ 8) ، و «جمهرة أشعار العرب» (32، 83) ، و «الأعلام» (3/ 225) . (2) وهذا البيت من معلقة طرفة. وقد عابه المرزباني في كتاب «الموشح» وقال: المصراع الثاني غير مشاكل للأول. ينظر: «ديوانه» (ص 29) و «خزانة الأدب» (9/ 66، 67، 471) و «الكتاب» (3/ 78) وبلا نسبة في «شرح شذور الذهب» (ص 435) و «مغني اللبيب» (2/ 606) . والحلّال: مبالغة الحالّ، من الحلول، وهو النّزول. والأحسن أن يكون «فعّال» للنّسبة، أي لست بذي حلول. و (التّلاع) : جمع تلعة، وهو مجرى الماء من رءوس الجبال إلى الأودية. قال ابن الأنباريّ: والتّلعة من الأضداد، تكون ما ارتفع، وما انخفض. والمراد هنا الثاني، وهو سيل ماء عظيم. و (أرفد) بكسر الفاء لأنه مضارع رفده رفدا من باب ضرب، أي أعطاه أو أعانه. والرّفد بالكسر اسم منه. وأرفده بالألف مثله. وترافدوا: تعاونوا. واسترفدته: طلبت رفده. قال الزوزني: المعنى: إنّي لست ممّن يستتر في التّلاع مخافة الضّيف أو غدر الأعداء إيّاي، ولكن أظهر وأعين القوم إذا استعانوا بي، إمّا في قرى الضيف، وإمّا في قتال الأعداء.

[سورة آل عمران (3) : آية 185]

وقوله تعالى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ مِنْ أمْر القُرْبان، والمعنى: أنَّ هذا منكم تعلُّل/ وتعنُّت، ولو أتيتُكُمْ بقُرْبَان، لتعلَّلتم بغَيْرِ ذلك، ثم أَنَّسَ سبحانه نبيَّه بالأُسْوة والقُدْوة فيمن تقدَّم من الأنبياء. قال الفَخْر «1» : والمرادُ بِالْبَيِّناتِ المعجزاتُ. انتهى. وَالزُّبُرِ: الكتابُ المكتوبُ، قال الزَّجَّاج «2» : زَبَرْتُ: كَتَبْتُ. [سورة آل عمران (3) : آية 185] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) وقوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ... الآية: وعظ فيه تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولأمته عن أمْرِ الدُّنْيا وأهلِها، ووَعْدٌ بالفلاحِ في الآخرةِ فبالفكْرة في المَوْت يَهُونُ أمر الكُفَّار وتكذيبُهم، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ، أي: على الكمالِ، ولا محَالَة أنَّ يوم القيامةِ تَقَعُ فيه توفية الأجور، وتوفية العقوبات، وزُحْزِحَ: معناه: أبعد، والمَكَانُ الزَّحْزَاحُ: البعيدُ، وفازَ: معناه: نجا من خطره وخوفه، والْغُرُورِ: الخَدْعُ، والتَّرْجِيَةُ بالباطل والحياةِ الدنيا، وكُلُّ ما فيها من الأموالِ هي متاعٌ قليلٌ يخدَعُ المرء، ويمنِّيه الأباطيلَ وعلى هذا فسَّر الآيةَ جمهور المفسّرين، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، ثم تَلاَ هذه الآيةَ، قُلْتُ: وأسند أبو بَكْر بْنُ الخَطِيبِ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ قَطُّ إلاَّ التاط «3» مِنْهَا بِخِصَالٍ ثَلاَثٍ: أَمَلٌ لاَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَفَقْرٌ لاَ يُدْرِكُ غِنَاهُ، وشغل لا ينفكّ عناه» «4» . انتهى. [سورة آل عمران (3) : آية 186] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والمعنى: لتختبرنَّ ولتمتحننَّ في أموالكم بالمَصَائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله،

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» للإمام فخر الدين الرازي (9/ 101) . (2) ينظر: «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (1/ 495) . (3) يعني لصق بقلبه، ويقال للشيء، إذا لم يوافق صاحبه: ما يلتاط، ولا يلتاط هذا الأمر بصفرى، أي: لا يلزق بقلبي، وهو يفتعل من اللوط. ينظر: «لسان العرب» (4099) . (4) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (3/ 336) .

[سورة آل عمران (3) : آية 187]

وفي سَائِرِ تَكَاليفِ الشَّرْع، والابتلاء في الأنفس بالمَوْتِ، والأمراضِ وفَقْدِ الأحبَّة، قال الفَخْر «1» : قال الواحديُّ «2» : اللام في لَتُبْلَوُنَّ: لامُ قسمٍ. انتهى. وقوله: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية: قال عِكْرِمَةُ وغَيْره: السبَبُ في نزولها أقوالُ فِنْحَاص «3» ، وقال الزُّهْريُّ «4» وغيره: نزلَتْ بسبب كَعْب بن الأشْرفِ حتى بعث إلَيْه رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم مَنْ قتله، والأذَى: اسمٌ جامعٌ في معنى الضَّرَر، وهو هنا يشملُ أقوالهم فيما يَخُصُّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه مِنْ سبٍّ، وأقوالهم في جِهَة اللَّه سبحانه، وأنبيائه، وندَبَ سبحانه إلى الصبْرِ والتقوى، وأخبر أنه مِنْ عَزْم الأمور، أي: مِنْ أشدِّها وأحسنها، والعَزْمُ: إمضاءُ الأَمْر المُرَوَّى المُنَقَّح، وليس ركوب الرأي دون رويّة عزما. [سورة آل عمران (3) : آية 187] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... الآية: توبيخ لمعاصري النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ثم هو مع ذلك خَبَرٌ عامٌّ لهم ولغيرهم، قال جمهورٌ من العلماء: الآية عامَّةٌ في كلِّ من علَّمه اللَّه عِلْماً، وعلماءُ هذه الأمَّة داخلُونَ في هذا الميثاقِ، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» «5» ، والضميرُ في: لَتُبَيِّنُنَّهُ، وَلا تَكْتُمُونَهُ: عائدٌ على الْكِتابَ، والنَّبْذُ: الطَّرْح، وأظهر الأقوال في هذه الآيةِ أنَّها نزلَتْ في اليهودِ، وهم المعْنِيُّون، ثم كلِّ كاتمٍ من هذه الأمَّة يأخذ بحظِّه من هذه المَذَمَّةِ.

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (9/ 103) . [.....] (2) علي بن أحمد بن محمد، أبو الحسن الواحدي، كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما، وأما التفسير فهو إمام عصره فيه، أخذ التفسير عن أبي إسحاق الثعلبي، واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري والنحو عن أبي الحسن القهندزي. صنف الوسيط، والبسيط والوجيز، ومنه أخذ الغزالي هذه الأسماء، وله «أسباب النزول» ، وغير ذلك. مات سنة 468. ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 256) ، و «الأعلام» (5/ 59) ، و «وفيات الأعيان» (2/ 464) . (3) أخرجه الطبري (3/ 541) برقم (8316) ، وذكره ابن عطية (1/ 550) . (4) أخرجه الطبري (3/ 542) برقم (8317) ، وعبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 142) ، وذكره ابن عطية (1/ 551) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 189) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (5) تقدم تخريجه.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 188 إلى 190]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 188 الى 190] لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ... الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر «1» : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم «2» ، وقراءةُ سعيدِ «3» بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا» بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن. ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه. قال الفَخْر «4» : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة» . انتهى. [سورة آل عمران (3) : الآيات 191 الى 192] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192)

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 546) برقم (8336) ، وذكره ابن عطية (1/ 552) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 191) ، وعزاه لابن جرير. (2) أخرجه الطبري (3/ 546) برقم (8337) ، وذكره ابن عطية (1/ 552) ، وذكره السيوطي في «الدر» (2/ 192) ، وعزاه لابن جرير. (3) وقرأ بها علي فيما روي عنه. ينظر: «الكشاف» (1/ 451) ، و «مختصر الشواذ» (30) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 552) . (4) ينظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (9/ 109) .

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» . قلت: خرَّجه أبو داود «1» ، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره. وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ. [المتقارب] وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ «2» قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ. انتهى من «الإحياء» . ومَرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ» «3» . قال ع «4» : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

_ (1) تقدم تخريجه. (2) وقبله: ولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد البيت لأبي العتاهية في ديوانه (122) ، و «المحتسب» (1/ 153) . (3) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (1/ 174) ، وأبو الشيخ في «العظمة» (1/ 216) رقم (5) عن ابن عباس مرفوعا. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 110) ، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب «التفكر» ، والأصبهاني في «الترغيب والترهيب» . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 555) .

وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» «1» وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ «2» ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ «3» : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ «4» ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته «5» ، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ «6» قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟ فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر: 71] ،

_ (1) أخرجه الطبراني في «الكبير» (3/ 66- 68) رقم (2688) من طريق أبي رجاء الحبطي محمد بن عبد الله: ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب. وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 283) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو رجاء الحبطي، واسمه محمد بن عبد الله، وهو كذاب. (2) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (1/ 509) ، والبيهقي في «الشعب» (1/ 118) كلاهما عن أبي الدرداء. كما أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» (1/ 297- 298) برقم (42) ، وذكره الديلمي في «مسند الفردوس» (2/ 110) برقم (2216) عن ابن عباس، وفي طريق ابن عباس «ليث بن أبي سليم» وهو ضعيف. والأثر ذكره السيوطي في «الدر» (2/ 195) ، وعزاه لأبي الشيخ في «العظيمة» . [.....] (3) سري بن المغلس السقطي، أبو الحسن: من كبار المتصوفة. بغدادي المولد والوفاة. وهو أول من تكلم في «بغداد» بلسان التوحيد وأحوال الصوفية، وكان إمام البغداديين وشيخهم في وقته. وهو خال الجنيد، وأستاذه. قال الجنيد: ما رأيت أعبد من السريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت. من كلامه: «من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز» توفي سنة 253. ينظر: «الأعلام» (3/ 82) ، و «الوفيات» (1/ 200) ، و «صفة الصفوة» (2/ 209) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 555) . (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 555) . (6) عبد الرّحمن بن سليمان بن أبي الجون العنسيّ الدمشقيّ، محدّث رحّال. روى عن: ليث، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي خالد، والأعمش، وعمرو بن شراحيل الدّاراني. وعنه: إسماعيل بن عيّاش من أقرانه، ومحمد بن عائذ، وأبو توبة الحلبي، وصفوان بن صالح، وهشام بن عمّار، وجماعة. وثّقه دحيم وقال أبو حاتم: لا يحتج به. توفي سنة نيف وتسعين ومائة. ينظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» (5/ 289) .، و «ميزان الاعتدال» (2/ 567) ، و «سير أعلام النبلاء» (10/ 186) ، و «تهذيب التهذيب» (6/ 188- 189) .

فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ. قال ع «1» : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا. قال ع «2» : وحدثني أبي (رحمه اللَّه) ، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: [المنسوح] مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر ... مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض ... كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر ... فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت «3» عنه. قال الفَخْر «4» : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر. انتهى. وفي «العتبية» : قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟ قَالَتْ: كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ. قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (رحمه اللَّه) ، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها. انتهى من «البيان والتحصيل» .

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 555) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 555) . (3) وهذا الفعل غير مشروع لأنه يخالف الكتاب والسنة لأن التفكر الذي يجعل العبد يعبد الله (عز وجل) على غير نهجه، فباطل وغير مأجور عليه العبد. (4) ينظر: «تفسير الرازي» (1/ 122) .

قال ابنُ بَطَّال «1» : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف. انتهى. قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له. قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ. قال ابنُ عَبَّاد «2» : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه. انتهى. وقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء. قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه

_ (1) شارح «صحيح» البخاري، العلامة أبو الحسن عليّ بن خلف بن بطال البكريّ، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف ب «ابن اللّجّام» . أخذ عن: أبي عمر الطّلمنكي، وابن عفيف، وأبي المطرّف القنازعي، ويونس بن مغيث. قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة شرح «الصحيح» في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضي بحصن «لورقة» . توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة. تنظر ترجمته في: «ترتيب المدارك» (4/ 827) ، و «الديباج المذهب» (3/ 105- 106) ، و «شجرة النور الذكية» (1/ 115) ، و «سير أعلام النبلاء» (18/ 47) . (2) محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النفزي، الحميري، الرندي، أبو عبد الله، المعروف ب «ابن عباد» : متصوف باحث. من أهل «رندة» بالأندلس. تنقل بين «فاس» و «تلمسان» و «مراكش» و «سلا» و «طنجة» ، واستقر خطيبا للقرويين ب «فاس» . وتوفي بها. له كتب، منها «الرسائل الكبرى» في التوحيد والتصوف ومتشابه الآيات، و «غيث المواهب العلية بشرح الحكم العطائية» ، و «كفاية المحتاج» و «الرسائل الصغرى» . ينظر: «الأعلام» (5/ 299) .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 193 إلى 194]

من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه «1» . وقوله سبحانه: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ: هو من قول الدّاعين. [سورة آل عمران (3) : الآيات 193 الى 194] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) وقوله سبحانه: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ... الآية: حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء «2» : يرحم اللَّه المؤمنينَ ما زالُوا يقولُونَ: رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى استجيب لهم، قال ابن جريج «3» وغيره: المنادي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المنادِي كتابُ الله «4» ، وليس كلّهم رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وسمعه، وقولهم: مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، معناه: على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ: إشارةٌ إلى قولِه تعالى: يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التحريم: 8] فهذا وعده تعالى، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود. قال ص: قال أبو البقاء: الميعاد مصدر بمعنى الوعد. انتهى. [سورة آل عمران (3) : الآيات 195 الى 198] فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198)

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 552) برقم (8356- 8359) عن أنس، وابن المسيب، والحسن، وابن جريج بألفاظ متقاربة، وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 142) عن ابن المسيب بلفظ: «هذه خاصة لمن لا يخرج منها» ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 386) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 556) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 196) عن أنس، وابن المسيب، وابن جريج، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. (2) ذكره ابن عطية الأندلسي في «تفسيره» «المحرر الوجيز» (1/ 556) . (3) أخرجه الطبري (3/ 53) برقم (8363- 8364) ، عن ابن جريج وابن زيد، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 443) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 386) عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وذكره ابن عطية (1/ 556) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 196) ، عن ابن جريج وابن زيد، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) أخرجه الطبري (3/ 553) برقم (8361) ، (8362) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 442) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 386) ، وابن عطية (1/ 556) .، والسيوطي في «الدر» (2/ 196) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب في «المتفق والمفترق» . [.....]

وقوله سبحانه: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ... الآية: استجاب بمعنى أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ (رضي اللَّه عنها) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ «1» الآيةُ. وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي: هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر «2» : رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ أنه قال: مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ: ربَّنا- أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية قَالَ: لأنَّ اللَّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: رَبَّنَا خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه استجاب لَهُم. انتهى. وقوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، يعني: في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي: أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك على حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر «3» : قوله سبحانه: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنى: أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثى إذا استَوَوْا في الطَاعة وهذا يدُلُّ على أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ لأن كونهم ذكراً أو أنثى، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ أو شريفٍ- لا تأثير له في هذا الباب. انتهى. وبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ على كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلى يوم القيامة. وقوله سبحانه: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ: عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله: لَأُكَفِّرَنَّ: لامُ القَسَمِ، وثَواباً: مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ... الآية: نُزِّلَتْ: لاَ يَغُرَّنَّكَ في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ: «لا تَظُنَّ» أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمَّته، والتقلُّب: التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحروب، وسائر الآمال

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 555) ، وذكره البغوي في «تفسيره» «معالم التنزيل» (1/ 386- 387) . (2) ينظر: «تفسير الرازي» (9/ 12) . (3) ينظر: «تفسير الرازي» (9/ 123) . .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 199 إلى 200]

وقوله: نُزُلًا: معناه تَكْرِمَةً. وقوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدّنيا، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم: «الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ/، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» «1» قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنى أنها سِجْنُ المؤمن لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة. [سورة آل عمران (3) : الآيات 199 الى 200] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد- عليه السلام-، وأصحمة «2» : تفسيره بالعربيّة:

_ (1) أخرجه مسلم (4/ 2272) ، كتاب «الزهد» ، باب (1/ 2956) ، والترمذي (4/ 486) كتاب «الزهد» ، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن، حديث (2324) ، وابن ماجة (2/ 1378) ، كتاب «الزهد» ، باب مثل الدنيا، حديث (4113) ، وأحمد (2/ 323، 389، 485) ، وفي «الزهد» (ص 37) ، وابن حبان (687، 688) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 350) ، وابن أبي عاصم في «الزهد» (142) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 325- بتحقيقنا) كلهم من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن عن أبِيهِ عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وللحديث شواهد من حديث ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسلمان: حديث ابن عمر: أخرجه البزار (3654- كشف) ، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 340) ، وابن أبي عاصم في «الزهد» رقم (143) ، والبيهقي في «الزهد الكبير» (449، 458) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 401) عن ابن عمر: والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 292) وقال: رواه البزار بسندين أحدهما ضعيف، والآخر فيه جماعة لم أعرفهم. حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه أحمد (5/ 68) ، وابن أبي عاصم في «الزهد» رقم (144) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 177، 185) ، وابن المبارك في «الزهد» (598) ، والحاكم (4/ 315) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 326- بتحقيقنا) . (2) أخرجه الطبري (3/ 559) برقم (8376) ، وعبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 144) عن قتادة، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 444) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 388) عن ابن عباس، وجابر، وأنس، وقتادة، وذكره ابن عطية (1/ 559) ، وذكره السيوطي في «الدر» (2/ 200) عن جابر وغيره.

عَطِيَّة قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «1» ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب «2» . وقوله سبحانه: لاَ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء قاله زيدُ بْنُ أسلم «3» ، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «4» ، أي: لا تسأَمُوا وانتظروا الفرج، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ» «5» . قال الفَخْر «6» : والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر. انتهى. وقوله: وَرابِطُوا: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه» ، عن سلمان، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان» «7» ، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 560) برقم (8382) عن ابن جريج، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 388) عن ابن جريج، والماوردي في «تفسيره» (1/ 445) ، وابن عطية (1/ 559) . (2) أخرجه الطبري (3/ 560) برقم (8384) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 388) ، والماوردي (1/ 445) ، وابن عطية (1/ 559) . (3) ذكره ابن عطية (1/ 559) . (4) ينظر المصدر السابق. (5) أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» رقم (44، 45) من حديث ابن عمرو ابن عباس. (6) ينظر: «مفاتيح الغيب» للرازي (9/ 126) . (7) أخرجه مسلم (3/ 1520) كتاب «الإمارة» باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل، حديث (163/ 1913) من حديث سلمان.

صحيحٌ «1» ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ» «2» ، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ» «3» ، وروى مسلم والبخاريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا» «4» . انتهى. وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها. قال صاحبُ «التَّذْكرة» : وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا» ، أراه قال: «من عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ... » «5» الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً. انتهى. والرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام/ مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ: قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن» لأبي حَيَّان: معنى: رابطوا:

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 165) ، كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء في فضل من مات مرابطا، حديث (1621) ، وأبو داود (2/ 12) ، كتاب «الجهاد» ، باب في فضل الرباط، حديث (2500) ، وأحمد (6/ 20، 22) ، وسعيد بن منصور (2/ 194) رقم (2414) ، وابن حبان (1624- موارد) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (3/ 102) ، والحاكم (2/ 72) ، والطبراني في «الكبير» (18/ 311) رقم (802) كلهم من طريق أبي هانىء الخولاني عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد به. وقال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان. (2) ينظر الحديث السابق. [.....] (3) أخرجه ابن ماجة (2/ 924) ، كتاب «الجهاد» ، باب فضل الرباط في سبيل الله، حديث (2767) . وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 391) ، هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. (4) تقدم تخريجه. (5) أخرجه ابن ماجة (2/ 924- 925) كتاب «الجهاد» ، باب فضل الرباط في سبيل الله، حديث (2768) . قال المنذري في «الترغيب» (2/ 203) : وآثار الوضع ظاهرة عليه. ولا عجب فراويه عمر بن صبح الخراساني. وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 392- 393) : هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن يعلى وشيخه عمر بن صبح، ومكحول لم يدرك أبي بن كعب، ومع ذلك فهو مدلس.

دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ. انتهى. وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، أنَّ هذه الآيةَ: اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه «1» . انتهى. وقوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمد لله حقّ حمده.

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 562) برقم (8394) ، والحاكم في مستدركه (2/ 301) وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 389) ، وابن عطية (1/ 560) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 201) ، وعزاه لابن مردويه.

تفسير سورة النساء مدنية

بسم الله الرّحمن الرّحيم تفسير سورة النّساء مدنيّة إلّا آية واحدة نزلت بمكّة عام الفتح، وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... [النساء: 58] الآية: وفي البخاريُّ: عَن عائشَة (رضي الله عنها) أنَّها قالت: ما نزلت سورة النّساء إلّا وأنا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تعني: قد بنى بها «1» . [سورة النساء (4) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ... الآية: في الآية تنبيهٌ على الصانع، وعلى افتتاحِ الوجودِ، وفيها حضٌّ على التواصل لحرمةِ هذا النَّسَب، والمرادُ بالنَّفْس آدم صلّى الله عليه وسلّم، وقال: واحِدَةٍ على تأنيث لفظ النّفس، وزَوْجَها، يعني: حَوَّاء، قال ابن عَبَّاس وغيره: خَلَق اللَّه آدم وَحِشاً في الجنة وحده، ثم نام، فانتزع اللَّهُ إحدى أضلاعه القصيرى مِنْ شِمَاله «2» ، وقيل: مِنْ يمينه، فَخَلَقَ منها حَوَّاء، ويعضد هذا- الحديث الصحيح في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ أَعْوَجَ ... » الحديث «3» ، وَبَثَّ: معناه: نَشَرَ كقوله تعالى: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: 4] أي: المنتشر، وفي تكرير الأمر بالتقوى

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 3) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 205) ، وعزاه للبخاري. (2) ذكره ابن عطية (2/ 4) . (3) أخرجه البخاري (6/ 418) في أحاديث الأنبياء: باب خلق آدم وذريته (3331) ، و (9/ 160) في النكاح: باب المداراة مع النساء (5184) ، وباب الوصاة بالنساء (5186) ، ومسلم (2/ 1090- 1091) في الرضاع، باب الوصية بالنساء (1468) ، والترمذي (3/ 493- 494) في الطلاق: باب ما جاء في مداراة النساء (1188) ، وأحمد (2/ 428، 449، 497) ، والدارمي (2/ 148) في النكاح: باب مداراة الرجل أهله، من طرق عن أبي هريرة رفعه- واللفظ لمسلم-: «أن المرأة خلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها» . وقال الترمذي: حسن صحيح، وإسناده جيد. ويشهد له حديث سمرة رواه أحمد (5/ 8) ، وحديث أبي ذر عند أحمد (5/ 150- 151) ، والدارمي (2/ 147- 148) وحديث عائشة رواه أحمد (6/ 279) .

تأكيد لنفوس المأمورين، وتَسائَلُونَ: معْنَاه: تتعاطَفُون به، فيقول أحدكم: أسألكَ باللَّه، وقوله: وَالْأَرْحامَ، أي: واتقوا الأرحَامَ، وقرأ حمزةُ «والأَرْحَامِ» (بالخفض) عطفًا على الضميرِ كقولهم: أسألك باللَّه وبالرَّحِمِ قاله مجاهد وغيره. قال ع «1» : وهذه القراءةُ عند نحاة البَصْرة لا تَجُوز لأنه لا يجوزُ عندهم أنْ يعطف ظَاهِرٌ على مضمرٍ مخفوضٍ إلا في ضرورة الشِّعْرِ كقوله: [البسيط] ................ ... فاذهب فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ «2» لأن الضميرَ المخفوضَ لا ينفصلُ فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرفٍ، واستسهلَ بعضُ النحاة هذه القراءة. انتهى كلام ع. قال ص: والصحيحُ جوازُ العَطْف على الضميرِ المجرورِ من غير إعادة الجَارِّ كمذهب الكوفيِّين، ولا تُرَدُّ القراءة المتواترةُ بمثل مذهب البصريّين «3» ، قال: وقد أمعنّا

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 4) . (2) عجز بيت، وصدره: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... ............... ........... وهو بلا نسبة في «الإنصاف» (ص 464) و «خزانة الأدب» (5/ 123- 126 128، 129، 131) و «شرح الأشموني» (2/ 430) و «الدرر» (2/ 81) (6/ 151) و «شرح أبيات سيبويه» (2/ 207) و «شرح ابن عقيل» (ص 503) و «شرح عمدة الحافظ» (ص 662) و «شرح المفصّل» (3/ 78، 79) و «الكتاب» (2/ 392) و «اللمع في العربية» (ص 185) و «المقاصد النحوية» (4/ 163) و «المقرب» (1/ 234) و «همع الهوامع» (2/ 139) . (3) اختلف النحاة في العطف على الضمير المجرور على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الجمهور من البصريين-: وجوب إعادة الجار إلا في ضرورة. الثاني: أنه يجوز ذلك في السّعة مطلقا، وهو مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيون. والثالث: التفصيل، وهو إن أكّد الضمير جاز العطف من غير إعادة الخافض نحو: «مررت بك نفسك وزيد» ، وإلا فلا يجوز إلا ضرورة، وهو قول الجرميّ. والذي ينبغي أنه يجوز مطلقا لكثرة السماع الوارد به، وضعف دليل المانعين واعتضاده بالقياس. أما السّماع: ففي النثر كقولهم: «ما فيها غيره وفرسه» بجرّ «فرسه» عطفا على الهاء في «غيره» . وقوله: تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ في قراءة جماعة كثيرة، منهم حمزة. وفي النظم وهو كثير جدا، فمنه قول العباس بن مرداس: [الوافر] أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها وأمّا القياس فلأنه تابع من التوابع الخمسة، فكما يؤكّد الضمير المجرور ويبدل منه فكذلك يعطف عليه. وينظر: «الدر المصون» (1/ 529- 531) ، و «البحر المحيط» (2/ 155) .

[سورة النساء (4) : الآيات 2 إلى 3]

الكلام عليه في قوله تعالى: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: 217] انتهى، وهو حسنٌ، ونحوه للإمام الفَخْر «1» . وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً: ضرْبٌ من الوعيدِ، قال المُحَاسِبِيُّ: سألتُ أبا جَعْفَرٍ محمدَ بْنَ موسى، فقلْتُ: أجمل حالاتِ العارفين ما هِيَ؟ فقال: إن الحال التي تَجْمَعُ لك الحالاتِ المَحْمُودةَ كلَّها في حالةٍ واحدةٍ هي المراقبةُ، فَألْزِمْ نفْسَكَ، وقَلْبَكَ دَوَامَ العِلْمِ بنَظَرِ اللَّه إليك في حركَتِك، وسكونِكِ، وجميعِ أحوالِكِ/ فإنَّك بعَيْنِ اللَّهِ (عزَّ وجلَّ) في جميعِ تقلُّباتك، وإنَّك في قبضته حيث كُنْتَ، وإنَّ عين اللَّه على قلبك، ونَاظِرٌ إلى سِرِّك وعلانيتِكَ، فهذه الصفةُ، يا فتى، بحْرٌ ليس له شطٌّ، بَحْر تجري منْه السواقِي والأنهارُ، وتسيرُ فيه السُّفُن إلى معادِنِ الغنيمةِ. انتهى من كتاب «القصد إلى الله سبحانه» . [سورة النساء (4) : الآيات 2 الى 3] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وقوله سبحانه: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ... الآية: قال ابنُ زَيْدٍ: هذه مخاطبةٌ لِمَنْ كانَتْ عادتُهُ من العَرَب ألاَّ يَرِثَ الصَّغيرُ من الأولاد «2» ، وقالتْ طائفة: هذه مخاطبةٌ للأوصياءِ. قال ابنُ العَرَبِيِّ «3» : وذلك عند الابتلاء والإرشاد. انتهى. وقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، قال ابن المسيِّب وغيره: هو ما كان يفعله بعضهم من إبدال الشاة السَّمينة مِنْ مال اليتيم بالهَزِيلة مِنْ ماله، والدِّرْهَمِ الطَّيِّبِ بالزِّائِفِ، وقيل «4» : المراد: لا تأكلوا أموالهم خبيثًا، وتَدَعُوا أموالكم طيبًا، وقيل غيرُ هذا. والطَّيِّب هنا: الحلالُ، والخبيث: الحرام.

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (9/ 129) . (2) أخرجه الطبري (3/ 571) برقم (8446) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 5) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 208) ، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد. (3) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 308) . (4) أخرجه الطبري (3/ 571) برقم (8441) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 5) والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 208) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....]

وقوله: إِلى أَمْوالِكُمْ: التقدير: ولا تُضِيفُوا أموالهم إلى أموالكم في الأكْل، والضميرُ في «إنَّهُ» : عائدٌ على الأَكْلِ، والحُوبُ: الإثم قاله ابن عباس وغيره «1» وتَحَوَّبَ الرَّجُلُ، إذا ألْقى الحُوبَ عن نَفْسه، وكذلك تَحَنَّثَ وَتَأَثَّمَ وَتَحَرَّجَ فَإن هذه الأربعة بخلافِ «تَفَعَّلَ» كلِّه لأنَّ «تَفَعَّلَ» معناه: الدُّخُول في الشَّيْء ك «تَعَبَّد» ، و «تَكَسَّبَ» ، وما أشبهه ويلحق بهذه الأربعةِ «تَفَكَّهُونَ» في قوله تعالى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: 65] أي: تطرّحون الفاكهة عَنْ أنفسكم. وقوله تعالى: كَبِيراً: نصٌّ على أنَّ أكل مال اليتيم مِنَ الكَبَائر. وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ... الآية: قال أبو عبيدة: خفتم هاهنا بمعنى أيْقَنْتُمْ. قال ع «2» : وما قاله غيرُ صحيحٍ، ولا يكون الخَوْفُ بمعنى اليَقِينِ بوجْهٍ، وإنما هو من أَفْعَالِ التوقُّع، إلاَّ أنه قد يَمِيلُ فيه الظنُّ إلى إحدى الجِهَتَيْنِ قُلْتُ: وكذا رَدَّ الدَّاوُودِيُّ على أبي عْبَيْدة، ولفظه: وعن أبي عُبَيْدة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا: مجازه: أيْقَنْتُمْ «3» ، قال أبو جعفر «4» : بل هو على ظاهر الكلمة. انتهى. وتُقْسِطُوا: معناه: تَعْدِلُوا يقال: أَقْسَطَ الرَّجُلُ إذا عَدَلَ، وقَسَطَ إذا جَار قالتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) : نزَلَتْ هذه الآيةُ في أولياء اليتامَى الَّذِينَ يُعْجِبُهم جمالُ وليَّاتهم، فيريدُونَ أنْ يبخَسُوهُنَّ في المَهْر لمكانِ وَلاَيَتِهِمْ عَلَيْهِنَّ، فقيل لهم: اقسطوا في مهورِهِنَّ، فمَنْ خَافَ ألاَّ يُقْسطَ، فليتزوَّج ما طَابَ له مِنَ الأجنبيَّات اللَّوَاتِي يُكَايِسْنَ «5» في حقوقِهِنَّ، وقاله ربيعة. قال الحسَنُ وغيره: ما طابَ: معناه «6» ما حلّ.

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 6) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 6) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 6) . (4) ينظر: الطبري (3/ 579) . (5) الكيس: الخفّة والتّوقّد، والكيّس: العاقل، ويقال: كايست فلانا فكسته أكيسه كيسا: أي غلبته بالكيس، وكنت أكيس منه. ينظر: «لسان العرب» (3966، 3967) . (6) أخرجه الطبري (3/ 577) برقم (8479) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 7) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 210) ، وعزاه لابن جرير.

وقيلَ: «ما» ظرفيةٌ، أي: ما دُمْتُم تستحسنُون النِّكَاحَ، وضُعِّفَ قُلْتُ: وفي تضعيفه نَظَرٌ، فتأمَّله. قال الإمام الفَخْر: وفي تفسير «1» مَا طابَ بِما حَلَّ- نَظَرٌ وذلك أنَّ قوله تعالى: فَانْكِحُوا: أمْرُ إباحةٍ، فلو كان المرادُ بقوله: مَا طابَ لَكُمْ، أي: ما حَلَّ لكم- لتنزَّلت الآية منزلةَ ما يُقَالُ: أبَحْنَا لكم نِكَاحَ مَنْ يكون نكاحُها مباحاً لكم، وذلك يُخْرِجُ الآيةَ عن الفائدةِ، ويصيِّرها مُجْمَلَةً لا محالةَ، أما إذا حَمَلْنا «طَابَ» على استطابةِ النَّفْسِ، ومَيْلِ القلبِ، كانَتِ الآيةُ عامَّة دخَلَها التخْصيصُ، وقد ثَبَتَ في أصول الفقْهِ أنه إذا وقع التعارُضُ بَيْن الإجمال/ والتَّخْصِيص، كان رَفْع الإجمال أولى لأنَّ العامَّ المخصَّص حُجَّةٌ في غَيْر محلِّ التخصيص «2» ، والمُجْمَلُ لا يكونُ حجّة أصلا. انتهى، وهو حسن، و

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (10/ 141) . (2) اقتضت حكمة الله أن تكون التكاليف المشروعة في كتابه وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم موضوعة على طريقة العموم وكثيرا ما تكون كذلك في البعض، وعلى طريقة الخصوص في البعض الآخر.. غير أن أغلب ما احتواه القرآن من عام وما اشتملت عليه السنة منه قد تطرق إليه التخصيص، فأخرجه عن عمومه وشموله لجميع الأفراد.. وحكم العام قبل التخصيص دال على أفراده قطعا عند البعض، وظنّا عند آخرين ... ودليل التخصيص تارة يكون عقلا، وتارة يكون كلاما، وتارة لا يكون عقلا ولا كلاما، كالحس، والزيادة، والنقصان، فإن كان المخصص هو العقل، كان العام قطعيا في الباقي إذ ليس فيه ما يورث الشبهة لأن ما يقتضي العقل إخراجه فهو مخرج وغيره باق على ما كان إذ هو في حكم الاستثناء لكنه حذف اعتمادا على العقل، فمثلا ليس في قوله الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] ونظائر ذلك- شبهة في دلالته مع خروج الصبي والمجنون بالعقل، وإلا لما أجمعوا على كفر من جحد العمل بمقتضى الخطابات الواردة بالفرائض من مثل ما معنا، وليس لقائل أن يقول: من الجائز أن تكون قطعيتها بواسطة الإجماع لأنا نقول: هذه الخطابات قطعية قبل أن يتحقق الإجماع. هكذا أطلق صدر الشريعة في «توضيحه» ، ولم يفصل بين ما إذا كان المخرج بالعقل معلوما أو مجهولا إذ العقل قد يقتضي إخراج بعض معلوم، وقد يقتضي إخراج بعض مجهول، بأن يكون الحكم مما يمتنع على الكل دون البعض مثل: «الرجال في الدار» . وقد نبه صاحب «التلويح» وغيره على أن المخرج به إن كان مجهولا فهو لا يصلح حجة حتى يتبين المراد منه لأن جهالة المخرج أورثت جهالة في الباقي.. ولا شك أن القول بالقطعية إنما يكون على مذهب من يرى قطعية العام قبل التخصيص، أما من يرى ظنيته فظاهر أنه يكون ظنيا بعده كما كان قبله لأن الاحتمال الذي كان من أجله الحكم بالظنية عندهم باق بعد التخصيص بالعقل، فالحق أن إطلاق القول بالقطعية ليس على ما ينبغي، اللهم إلا إن كان الإطلاق بناء على مذهبه. وإن كان المخصص غير العقل والكلام فالظاهر أنه لا يبقى قطعيا لاختلاف العادات وخفاء الزيادة والنقصان وعدم إطلاع الحس على تفاصيل الأشياء، اللهم إلا أن يعلم القدر المخصوص قطعا. -

مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: موضعها من الإعراب نَصْبٌ على البدل من «مَا طَابَ» ، وهي نكراتٌ لا تنصرف لأنها معدولة وصفة.

_ - وإن كان المخصص كلاما وكان مبهما كما لو قال: «أحسن إلى الناس» ثم يقول عقيب ذلك: «لا تحسن إلى بعضهم» ، وكما لو قال: «اقتلوا المشركين إلا بعضهم» ، فقد نقل الآمدي في «الإحكام» اتفاق الكل على أنه لا يبقى حجة على معنى أن يتوقف في الاحتجاج به حتى يجيء البيان لأنه قد صار مجملا، وقد جرى على هذا النحو من حكاية الاتفاق العضد حيث قال: قد اختلف في العام المخصص بمبين هل هو حجة فيما بقي أم لا، أما المخصص بمجمل نحو هذا العام مخصوص أو لم يرد به كل ما يتناوله، فليس حجة بالاتفاق. وحكى في «إرشاد الفحول» أن ممن نقل الإجماع على هذا جماعة، منهم: القاضي أبو بكر، وابن السمعاني، والأصفهاني.. وفي حكاية الاتفاق في هذا المقام نظر، ففي «المسلّم» وقال الجمهور: العام المخصوص بمبهم ليس حجة خلافا لفخر الإسلام. قال شارحه: «والإمام شمس الأئمة، والقاضي الإمام أبي زيد، وأكثر معتبري مشايخنا في المستقل بل لا مخصص عندهم إلا هو، فإنه عندهم حجة ظنية، وقيل: إذا كان المخصص مستقلا مبهما يسقط المبهم، ويبقى العام كما كان، وإليه مال أبو المعين من الحنفية. وعبارة «كشف الأسرار» على «البزدوي» : والصحيح من المذهب أن العام يبقى حجة بعد الخصوص، معلوما كان المخصص أو مجهولا، إلا أن فيه ضرب شبهة. ثم حكى أن القاضي الإمام أبا زيد ذكر في «التقويم» أن الذي ثبت عنده من مذهب السلف أنه يبقى على عمومه بعد التخصيص. وفي «أصول الجصاص» : «والذي عندي من مذهب أصحابنا في هذا المعنى أن تخصيص العموم لا يمنع الاستدلال به فيما عدا المخصوص، وعليه يدل أصولهم واحتجاجهم للمسائل» . ونقل صاحب «إرشاد الفحول» عن الزركشي في «البحر» أن ما نقلوه من الاتفاق، فليس بصحيح. وقال المحلّي بعد حكاية الخلاف في المعين: وما اقتضاه كلام الآمدي وغيره من الاتفاق على أنه في المبهم غير حجة مدفوع بنقل ابن برهان وغيره الخلاف فيه. والذي تطمئن النفس إليه بصدد حكاية الاتفاق على عدم الحجية إن خص بمبهم وأقوال من نقلنا عنهم الخلاف في الحجية أن حكاية الاتفاق على عدم حجيته فيما كان غير مستقل، يرشح ذلك تمثيل الأسنوي بعد أن ذكر ما قاله الآمدي وغيره من الاتفاق على عدم الحجية بقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: 1] فإن المخصص فيه مبهم غير مستقل، ولذلك قال البدخشي: العام إن خص بغير مستقل من اللفظ مبهم نحو: «اقتلوا المشركين إلا بعضهم» ، فليس بحجة وفاقا، لأن المجموع كلام واحد لكون الغير المستقل بمنزلة وصف قائم بالأول، فتسري جهالته إليه، فيتوقف على البيان. اهـ. فخص موضع الوفاق بالمخصص المبهم غير المستقل.. أما المستقل فمما تقدم نعلم أن للأصوليين فيه أقوالا ثلاثة: الأول: عدم الحجية مطلقا، وإليه ذهب الجمهور ... الثاني: حجية ظنية، وإليه ذهب فخر الإسلام، وشمس الأئمة، والقاضي الإمام أبو زيد. الثالث: سقوط المبهم كأن لم يكن وبقاء العام كما كان من كونه حجة قطعية كما هو عند الحنفية، أو ظنية كما هو عند الشافعية، وإليه مال أبو المعين من الحنفية. -

وقوله: فَواحِدَةً، أي: فانكحوا واحدةً أو ما ملَكَتْ أيْمَانُكُم، يريد به الإماءَ، والمعنى: إنْ خَافَ ألاَّ يَعْدِلَ في عِشْرةٍ واحدةٍ، فما ملكت يمينه، وأسند المِلْكَ إلى اليمين إذ هي صفةُ مَدْحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسِنِ أَلاَ ترى أنّها المنفقة كما قال

_ - ونذكر آراءهم في المخصص المبين وهي كما جاءت في كتبهم من تقدم منهم ومن تأخر ستة أقوال: الأول: فمن ذاهب إلى أنه حجة في الباقي، وهم الجمهور، غير أن الذين يرون قطعية العام قبل التخصيص يرون ظنيته هنا به. الثاني: ومن ذاهب إلى أنه ليس بحجة مطلقا فيما بقي، وإليه ذهب أبو ثور في رواية، وفي أخرى أنه ليس بحجة إلا في أخص الخصوص، وهو رأي الكرخي والجرجاني وعيسى بن أبان، كذا في «التحرير» . وفي «أصول الجصاص» : كان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول في العام إذا ثبت خصوصه: سقط الاستدلال باللفظ، وصار حكمه موقوفا على دلالة أخرى من غيره، فيصير بمنزلة اللفظ المجمل المفتقر إلى البيان. وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ إذا أوجب التخصيص، فيقول: إن الاستثناء غير مانع من بقاء حكم اللفظ فيما عدا المستثنى لأن الاستثناء لا يجعل اللفظ مجازا ولا يزيله عن حقيقته. ودلالة التخصيص من غير جهة اللفظ تجعل اللفظ مجازا وتزيله عن حقيقته لأن الحقيقة هي العموم، وكان يقول: هذا مذهب، ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابي. وكان محمد بن شجاع يذهب هذا المذهب، وقد ذكره في بعض كتبه. اهـ. ثالثا: ومنهم من ذهب إلى أن العام إن كان منبئا عن الباقي ودالا عليه بسرعة، كلفظ «المشركين» في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 5] إذا خص بأهل الذمة، كان حجة لأن المراد من «المشركين» بعد تخصيصه بأهل الذمة ظاهر ينتقل الذهن بسرعة إلى أن المراد منه حينئذ المربيون. وأما إذا كان لا يدل عليه بسرعة لا يكون حجة لتوقفه على البيان، وذلك كلفظ «السارق» في قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] فإنه بعد تخصيصه بذي الشبهة لا يعلم المراد منه لأنه يحتمل سرقة نصاب وغيره، من حرز أم لا، فيحتاج إلى بيان الشارع، فلا ينتقل الذهن إلى سارق نصاب من حرز قبل بيان الشارع. وإلى هذا الرأي ذهب أبو عبد الله البصري تلميذ الكرخي. رابعا: وقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام قبل التخصيص ظاهرا لا يتوقف على البيان ولا يحتاج إليه، فهو حجة كما في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فإنه بين في أفراده قبل إخراج أهل الذمة. وإن كان يتوقف على البيان ويحتاج إليه، فليس بحجة كما في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ [النساء: 77] فإنه لا يدري المراد منه قبل بيان الشارع بقوله وفعله، بل هو مفتقر إلى البيان قبل إخراج الحائض، ولذلك بينه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بفعله فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . وهذا المذهب قريب من سابقه. خامسا: ومن الناس من ذهب إلى أنه حجة في أقل الجمع، وهو اثنان أو ثلاثة- على الخلاف- ولا يكون حجة فيما زاد على ذلك. قال في «إرشاد الفحول» : حكى هذا المذهب القاضي أبو بكر وابن القشيري، وقال: إنه تحكم. وقال الصفي الهندي: لعله قول من لا يجوز تخصيص التثنية، وحكى الغزالي في «المستصفى» أن فريقا من القدرية ذهبوا إلى هذا المذهب. سادسا: وذهب البلخي (وهو ممن يرى أن الدليل المتصل كالشرط والصفة تخصيص) إلى أن العام إن خص بمتصل فهو حجة نحو: «اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة» ، وإن خص بمنفصل لم يكن حجة. وإذا ما علمنا أن البلخي يرى المتصل تخصيصا، وأن الكرخي لا يراه- يظهر لنا الفرق بين ما ذهب إليه-

[سورة النساء (4) : الآيات 4 إلى 5]

- عليه السلام-: «حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» «1» ، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة. قال ابن العَرَبِيِّ «2» : قال علماؤُنَا: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ «3» لأنَّ المعنى: فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فانتفى بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم. انتهى من «الأحكام» . وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا، أدنى: معناه: أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ: ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره «4» ، وقالَتْ فرقة: معناه: أدنى ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ «5» ، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره. [سورة النساء (4) : الآيات 4 الى 5] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الآيةُ خطابٌ للأزواج «6» وقال أبو صَالِحٍ: هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ لأنَّ عادَةَ بَعْض العرب

_ - البلخي وما ذهب إليه الكرخي، ويكون للتفصيل وجه عند البلخي، ولا وجه له عند الكرخي، وعليه فما في «التقرير والتحبير» شرح «التحرير» من أن قول البلخي هو بعينه قول الكرخي غير وجيه، اللهم إلا باعتبار المآل والنتيجة إذ على المذهبين المنفصل يجعل العام غير حجة في الباقي، والمتصل يجعله حجة وإن سماه البلخي تخصيصا دون الثاني. ينظر: «العام» لشيخنا محمد حسن ص 217 وما بعدها. (1) تقدم تخريجه، وهو حديث: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظل إلا ظله» . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 314) . (3) القسم والنشوز: القسم: بفتح القاف مع سكون السين بمعنى العدل بين الزوجات في المبيت، وهو المراد هنا، ومع فتح السين: اليمين، وبكسر القاف مع سكون السين بمعنى: الحظ، والنصيب، ومع فتح السين: جمع قسمة، وقد تطلق على النصيب أيضا. [.....] (4) أخرجه الطبري (3/ 582) برقم (8502) ، (8503) . وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 8) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 211) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في «المصنف» ، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس. (5) أخرجه الطبري (3/ 583) برقم (8507) عن ابن زيد، وذكره البغوي (1/ 392) عن الشافعي. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 8) عن زيد بن أسلم، وابن زيد، والشافعي. وذكره أيضا السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 211) ، وعزاه لابن جرير عن ابن زيد. (6) ذكره ابن عطية الأندلسي في «المحرر الوجيز» (2/ 8) .

كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام «1» ، وقيل: إن الآية في المتشاغِرِينَ «2» الذين يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المهور.

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 583) برقم (8512) ، وذكره البغوي (1/ 392) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 8) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 212) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) الشّغار في اللغة: الرفع، من قولهم: شغر البلد عن السلطان، إذا خلا عنه لخلوه عن الصداق، أو لخلوه عن بعض الشرائط. وقيل: مأخوذ من قولهم: شغر الكلب برجله، إذا رفعها ليبول، كأن كلّا من الوليين يقول للآخر: لا تدفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك. وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله. وأما معناه شرعا، فهو أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته ليس عنهما صداق. وقد قال عياض عن بعض العلماء: كان الشغار من نكاح الجاهلية يقول: شاغرني وليتي بوليتك، أي عاوضني جماعا بجماع. وقسم علماء المالكية الشغار إلى ثلاثة أقسام: الأول: صريح الشغار، وهو أن يقول الرجل لصاحبه: زوجني ابنتك مثلا على أن أزوجك ابنتي مثلا من غير صداق. الثاني: وجه الشغار، وهو أن يقول له زوجني ابنتك بمائة على أن أزوجك ابنتي بمائة. الثالث: المركب منهما، وهو أن يقول له: زوجني ابنتك بلا شيء على أن أزوجك ابنتي بمائة، فالصريح هو الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه هو المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب هو المسمى فيه لواحدة دون الثانية. ويحرم الإقدام عليه بجميع أنواعه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا شغار في الإسلام» . ولما كان المالكية قد قسموا الشغار إلى الأقسام الثلاثة المتقدمة نبين الحكم عندهم في هذه الأقسام: أما صريح الشغار فقالوا: يفسخ مطلقا قبل الدخول وبعده، ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول، ولها بعده صداق المثل، وأما وجه الشغار، فقالوا: يفسخ قبل الدخول، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل. وأما المركب منهما، فيفسخ قبل الدخول في كل، ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت نكاح المسمى لها بعد الدخول بالأكثر من المسمى وصداق المثل، ويفسخ نكاح من لم يسم لها، ولها صداق المثل. وقد اختلف الفقهاء في نكاح الشغار هل هو صحيح أو فاسد وحصر الخلاف في مسألتين: المسألة الأولى: إذا لم يسميا صداقا لواحدة منهما، بل يجعلان بضع كل صداقا للأخرى، وهو المسمى بصريح الشغار. وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا النكاح وفساده. فذهب المالكية والحنابلة والظاهرية والشافعية إلى القول بفساد النكاح في هذه الحالة، إلا أن الشافعية كما يفهم مما جاء في كتبهم يقولون: إن محل فساد النكاح في هذه الحالة إذا جعل بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى. وأما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقا للأخرى، فالأصح عندهم الصحة للنكاحين. وذهب الحنفية إلى القول بصحة النكاح، وأنه يجب لكل واحدة منهما مهر مثلها، وحكي هذا عن عطاء، وعمرو بن دينار، ومكحول، والزهري، والثوري. استدل الحنفية ومن معهم بما يأتي: قالوا: لما جعلا بضع كل منهما صداقا للأخرى، فقد سميا ما لا-

..

_ - يصلح صداقا، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، وإذا كان الأمر كذلك صح النكاح، ووجب مهر المثل، كما لو سميا خمرا أو خنزيرا، فيكون حاصل هذا الدليل أن فساده من جهة المهر، وفساد المهر لا يوجب فساد العقد. ويرد هذا الدليل بأن الفساد هنا ليس من جهة المهر بل فساده من جهة أن أوقفه على شرط فاسد يوجب فساد العقد إذ فيه التشريك في البضع لأن كل واحد منهما جعل بضع موليته موردا للنكاح وصداقا للأخرى، فأشبه تزويجها من رجلين، وهو باطل، فكذلك ما هنا، على أن هذا معقول في مقابلة النص، وهو باطل. واستدل المالكية ومن معهم بالسنة والمعقول: أما السنة، فأولا ما روي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الشغار» ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الشغار، والنهي يدل على فساد المنهي عنه فوجب أن يكون الشغار فاسدا. وهذا الذي روي عن أبي هريرة روي مثله أيضا صحيحا مسندا عن ابن عمر فقد روي عنه أنه قال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الشغار. متفق عليه. وروي أيضا من طريق جابر وأنس. ثانيا: ما روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا شغار في الإسلام» ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا شغار في الإسلام» وهذا يحتمل أمرين نفي وجود الشغار في الإسلام، ونفي صحته، ولا شك أن وجوده في الإسلام دافع فتعين حمل الكلام على نفي الصحة. وأما المعقول، فقد قالوا فيه: إن كان واحد منهما جعل بضع موليته موردا للنكاح وصداقا للأخرى، وذلك يوجب فساد العقد كما لو زوج موليته من رجلين. وقد قيل للمالكية ومن معهم في الأحاديث ما يأتي: أولا: إن النهي عن نكاح الشغار، ونكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض، وما هنا نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارا. وترد هذه المناقشة بأن القول بأن هذا نكاح بعوض وهو من المثل غير مستقيم فإن مهر المثل إنما أوجبتموه أنتم لتصحيح مذهبكم، وذلك أن الواقع في العقد إنما هو جعل بضع كل منهما في مقابلة بضع الأخرى. وثانيا: أن النهي يحمل على الكراهة. ويرد هذا بأن الأصل في النهي أن يكون للتحريم، ولا يحمل على الكراهة إلا لدليل، ولا دليل هنا، لا سيما أن الشغار كان من أنكحة الجاهلية، فرفعه الإسلام، ولذلك قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا شغار في الإسلام» . وأما تفرقة الشافعية بين ما إذا جعل بضع كل منهما صداقا للأخرى وبين ما إذا لم يجعل بضع كل منهما صداقا للأخرى حيث حكموا بالفساد في الصورة الأولى دون الثانية، فتفرقة غير ظاهرة فإن نفي الصداق معناه جعل بضع كل منهما صداقا للأخرى، ولو لم يصرحا بذلك. المسألة الثانية: إذا سميا لكل واحدة منهما صداقا، وهو المسمى ب «وجه الشغار» ، أو سميا لواحدة منهما دون الأخرى، وهو «المركب منهما» . اختلف الفقهاء في صحة النكاح وفساده في هذه الحالة أيضا: فذهب المالكية والظاهرية إلى القول بالفساد في هذه الحالة أيضا، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، قال ابن شهاب الدين الرملي: ولو سميا أو أحدهما مالا مع جعل البضع صداقا كأن قال: وبضع كل وألف صداق الأخرى بطل في الأصح لبقاء معنى التشريك، والثاني: يصح لأنه ليس على صورة تفسير الشغار ولأنه لم يخل عن المهر. -

..

_ - وذهب الحنابلة إلى التفصيل، فقالوا: إذا سميا صداقا لكل واحدة صح النكاح، ولهم في المهر روايتان، فقيل: تفسد التسمية، ويجب مهر المثل لأن كل واحد منهما لم يرض بالمسمى إلا بشرط أن يزوج وليته صاحبه، فينقص المهر لهذا الشرط، وهو باطل، فإذا احتجنا إلى ضمان النقص صار المسمى مجهولا فبطل. وعند بطلان المسمى يرجع إلى مهر المثل. والرواية الثانية: أنه يجب المسمى لأنه ذكر قدرا معلوما يصح أن يكون مهرا، فصح. وأما إن سميا صداقا لواحدة دون الأخرى، فقيل: يفسد النكاح فيهما، وقيل: يفسد في التي لم يسمّ لها صداق، ويصح في التي سمى لها مهر. استدل الحنابلة ومن وافقهم على القول بصحة النكاح إذا سميا لكل واحدة منهما مهرا- بما روي عن ابن عمر- (رضي الله عنهما) أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن الشغار» والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، ليس بينهما صداق. ووجه الدلالة من هذا: أنهم قالوا: إن الشغار المنهي عنه هو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته ليس بينهما صداق. وأما إذا وجد فيه صداق كما هنا، فليس هو من الشغار المنهي عنه، وإذا لم يكن كذلك فيكون صحيحا. ويرد هذا الدليل بأن تفسير الشغار الواقع في الحديث ليس هو من كلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وإنما هو من قول مالك وصل بالمتن المرفوع. وقيل: هو من قول نافع، فقد روى الإسماعيلي من حديث محرز بن عون ومعن بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن الشغار» - قال محرز: قال مالك: والشغار هو أن يزوج الرجل ابنته إلى آخره. وقال في صحيح مسلم من غير طريق مالك أن تفسير الشغار من قول نافع. وإذا ثبت أن تفسير الشغار ليس من قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلا يكون فيه حجة. وأما المالكية ومن وافقهم، فقد استدلوا بما روي عن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أنكح ابنته عبد الرّحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وأنكحه عبد الرّحمن ابنته، وكانا جعلا صداقا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره أن يفرق بينهما، وقال معاوية في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ووجه الدلالة من هذا: أن معاوية أمر بفسخ هذا النكاح مع أنه سمي فيه الصداق لكل واحدة منهما، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يعرف له منهم مخالف فدل ذلك على فساده، وإلا لما أمر معاوية بفسخه، ولما أقر عليه. فإن قال قائل: إن هذا اجتهاد من معاوية، وعدم إنكار من حضر من الصحابة لا يدل على الرضى والموافقة فإن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلا على الرضى. يجاب عن هذا بأن معاوية قال في كتابه: إن هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقد نسبه إلى الرسول لا إلى اجتهاده، وعلى ذلك يحمل سكوت من حضر من الصحابة على موافقتهم له بأن هذا من الشغار الذي نهى عنه الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وأما وجه قول الحنابلة فيما إذا سميا لإحداهما مهرا دون الأخرى على رواية أن النكاح يفسد فيهما. فقد قالوا: إنه فسد في إحداهما، فوجب أن يفسد في الأخرى لأن نكاح كل واحدة منهما متوقف على نكاح الأخرى. وأما على رواية فساد نكاح التي لم يسم لها مهر دون الأخرى، فذلك لأن نكاح التي لم يسم لها خلا من المهر، بخلاف نكاح الأخرى فيفسد. وأما الثانية، فيصح نكاحها لأن فيه تسمية وشرطا، فأشبه ما لو-

قال ع «1» : والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي: عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل: نِحْلَة: معناه: شِرْعَة مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل: التقديرُ: نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة: العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ. انتهى. وقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ... الآية: الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلاف، والمعنى: إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في «مِنهُ» يعود علَى الصَّدَاقِ قاله عكرمةُ وغيره «2» ، «ومَنْ» : تتضمَّن الجنس هاهنا ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه. وقوله تعالى: هَنِيئاً مَرِيئاً: قال اللغويُّون: الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ: وكذلك المريءُ. وقوله سبحانه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره: نَزَلَتْ في كلِّ مَنِ اقتضى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان «3» ، وقولُه: أَمْوالَكُمُ، يريد: أموالَ المخاطَبِينَ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم «4» ، وقال ابنُ جُبَيْر: يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هى كأموالهم، وقِياماً جمع قِيمَة «5» . وقوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها ... الآية: قيل: معناه: فيمن تلزم الرّجل نفقته،

_ - سمى لكل واحدة منهما. ويرد هذا بأن الأولى فساد نكاحهما معا لتوقف نكاح كل على نكاح الأخرى، كما هو القول الأول. والنظر في الأدلة ومناقشاتها يقضي بترجيح مذهب من قال بفساد نكاح الشغار مطلقا، سواء أذكر في كل ذلك صداق لكل واحدة منهما أو لإحداهما دون الأخرى أو لم يذكر في شيء من ذلك صداق. وذلك لأن الجميع يصدق عليه شغار، وقد نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الشغار، خصوصا أن الشغار كان من أنكحة الجاهلية، فجاء الإسلام بهديه. (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 8) . (2) أخرجه الطبري (3/ 584) برقم (8514) بلفظ «المهر» . وذكره ابن عطية (2/ 9) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 212) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (3) وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 9) . (4) أخرجه الطبري (3/ 588- 591) ، برقم (8557) ، (8562) عن ابن عباس، وبرقم (8546) عن أبي موسى الأشعري، وبرقم (8543) عن الحسن. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 9) (5) أخرجه الطبري (3/ 590) برقم (8559) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 9) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 214) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.

[سورة النساء (4) : الآيات 6 إلى 7]

وقيل: في المحجورين من أموالهم، ومَعْرُوفاً: قيل: معناه: ادعوا لهم، وقيل: معناه: عِدُوهُمْ وَعْداً حَسَناً، أي: إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة: كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأنس إليه، ويقتضيه الشّرع. [سورة النساء (4) : الآيات 6 الى 7] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) وقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى ... الآية: الابتلاء: الاختبار، وبَلَغُوا النِّكاحَ: معناه: بَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، / أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه: جَرِّبوا عقولهم، وقرائحهم، وتصرّفهم، وآنَسْتُمْ: معناه: عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ (رحمه اللَّه) يرى الشّرطين البلوغ «1» ...

_ (1) البلوغ طور من أطوار الحياة، به يستعد الشخص لأداء وظيفته النوعية وهي التناسل، وقريب من هذا قول المارزي: هي قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولة إلى غيرها. وللبلوغ علامات يعرف بها، بعضها خاص بالإناث، والبعض الآخر يشترك فيه الإناث والذكور، فالقسم الأول: الحمل، والحيض. والقسم الثاني: ثلاثة أنواع: الأول: خروج المني منهما في اليقظة أو النوم، ويدل لذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاث عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتّى يفيق، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم» وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ: «خذ من كلّ حالم دينارا» ، وقول الله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: 59] الآية. الثاني: نبات شعر العانة على فرج الذكر والأنثى. وخالف في ذلك أبو حنيفة (رضي الله عنه) فلم يره علامة للبلوغ مستندا إلى أن شعر العانة شعر نبت على الجسم كغيره من الشعور، فلا يصلح علامة على البلوغ كغيره. أمّا الجمهور، فإنه استند إلى ما ورد من أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم سعد بأن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم، أمر عليه الصلاة والسلام بأن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، وفي ذلك يقول عطية القرظي: عرضت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم قريظة، فشكوا فيّ، فأمر النبيّ (عليه السلام) أن ينظر هل أنبت بعد، فنظروا إليّ فلم يجدوني أنبت بعد، فألحقوني بالذرية. فأنت ترى أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) جعل الإنبات فارقا بين المقاتلة والذرية، فكان علامة على البلوغ إذ لا يقتل إلّا من بلغ. وكذلك ثبت أن عمر (رضي الله عنه) كتب إلى بعض عمّاله ألّا تأخذ الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي. ويعني بذلك من نبتت عانته فدل ذلك على أن نبات شعر العانة علامة على البلوغ لأن الجزية لا تؤخذ إلّا ممن بلغ. وأيضا فقد ورد أن غلاما من الأنصار شبب بامرأة-[.....]

والرُّشد «1» المختَبَرَ «2» ، وحينئذٍ يدفع المال. قال ع» : والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ على بني آدم أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ على ذلك لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء ب «إذَا» ، والمشروطُ جاء ب «إنْ» التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، «وإذا» ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة «4» الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس: الرُّشْد في العقلِ

_ - في شعره، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فلما كشف عن مؤتزره لم يجده أنبت فقال: «لو أنبت الشعر لحددتك» . فكل ذلك يفيد أن نبات شعر العامة علامة من علامات البلوغ. وأمّا ما قاله أبو حنيفة، فغير ظاهر فإن شعر العانة قد امتاز عن غيره من الشعور بأنه لا ينبت إلا عند البلوغ، أما غيره، فقد يتقدم البلوغ كشعر الجسد، وقد يتأخر عنه كشعر اللحية والشارب. ينظر: «نظام الحجر» لشيخنا: سليمان رمضان عثمان. (1) أمّا الرشد، فقال كثير من العلماء: إنه الصلاح في المال وحسن التصرف فيه وتثميره وتنميته. وذهب الشافعي وجماعة إلى أن المراد به الصلاح في المال والدين. أما طرق معرفته، فتختلف باختلاف أحوال المختبر نفسه، فهي في الذكور الذين يخالطون الناس في الأسواق وغيرها، تختلف عنها في الإناث اللاتي لا يخالطن الناس في الأسواق. والأمر في معرفة الرشد ليس من السهولة بالدرجة التي تظن، فالذين يخالطون الناس في الأسواق يختبرون بدخول الأسواق ومخالطة من فيها حتى يشاهدون ما يجري بين الناس من بيع أو شراء، فينكرون على المغبون، ويغبطون الرابح، وبذلك تحصل لهم الخبرة، ويثبت لهم الرشد. والذين لا يختلطون بالناس في الأسواق ممّن يسمّون بالطبقة العليا يدفع إليهم نفقة قليل من الزمن ليرى كيف ينفقونها ويتصرفون فيها، فإن أحسنوا النظر في تصرفها، فقد استبان رشدهم، وثبت استقامة نظرهم، وإلا فهم على السفه وعدم الرشد. أمّا الإناث فيختبرن بدفع قليل من المال لشراء ما يلزم للبيت من حاجيات الطهي وما إلى ذلك من كل ما يختص به النساء، عادة، فإن تبين من صنيعهن حسن التصرف واستقامة النظر، فقد تحقق رشدهن. ينظر: «نظام الحجر» لشيخنا سليمان رمضان عثمان. (2) لم يختلف العلماء في أن الصبي إذا بلغ رشيدا زال الحجر عنه، ووجب دفع ماله إليه، وإنما اختلفوا في وقت اختباره ومعرفة متى يحسن التصرف. فقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: إن الاختبار قبل البلوغ والمعنى: وبعد التمييز. وذهب مالك إلى أن الاختبار بعد البلوغ. ينظر: «نظام الحجر» لشيخنا سليمان رمضان عثمان. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 10) . (4) ظاهر عبارة بعضهم أنّ «إذا» ليست بشرطية، قال: «وإذا ليست بشرطية لحصول ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازى بها في الشعر، وقال: «فعلوا ذلك مضطرين» ، وإنما جوزي بها لأنها تحتاج إلى جواب، -

وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ «1» وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا. وقال الحَسَنُ، وقَتَادة: الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ «2» وهو روايةٌ أيضًا عن مالك. وقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا: نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامى بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ: الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف: الخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَاراً: معناه: مُبَادَرَةً كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا: نَصْبٌ ب «بِدَار» ، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا. وقوله تعالى: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، يقال: عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، واستعف، إلا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف. واختلف العلماءُ في حَدِّ المعروف، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه «3» ، قُلْتُ: يقال للقَطِرَانِ: الهَنا في لغة العرب كذا رأيته مَنْصُوصاً عليه.

_ - وبأنه يليها الفعل ظاهرا أو مضمرا، واحتجّ الخليل على عدم شرطيّتها بحصول ما بعدها ألا ترى أنك تقول: «أجيئك إذا احمرّ البسر» ، ولا تقول: «إن احمرّ» . قال الشيخ: «وكلامه يدل على أنها تكون ظرفا مجردا ليس فيها معنى الشرط، وهو مخالف للنحويين فإنهم كالمجمعين على أنها ظرف فيها معنى الشرط غالبا، وإن وجد في عبارة بعضهم ما ينفي كونها أداة شرط، فإنما يعني أنها لا يجزم بها لا أنها لا تكون شرطا» . وقدّر بعضهم مضافا قال: «تقديره: بلغوا حدّ النكاح أو وقته، والظاهر أنه لا يحتاج إليه إذ المعنى: صلحوا للنكاح. والفاء في قوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ جواب «إذا» ، وفي قوله: فَادْفَعُوا جواب «إن» . ينظر: «الدر المصون» (2/ 312) . (1) أخرجه الطبري (3/ 594) برقم (8585) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 11) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 214) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي. وذكره في (2/ 215) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (3/ 594) برقم (8583) عن قتادة، وبرقم (8584) عن الحسن. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 11) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 215) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن الحسن. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 11) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 216) ، وعزاه إلى عبد بن حميد، والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. وفي (2/ 11) ، وعزاه لمالك، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس في «ناسخه» عن القاسم بن محمد عن ابن عباس.

[سورة النساء (4) : آية 8]

وقوله تعالى: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ: أمْرٌ من اللَّه تعالى بالتحرُّز والحَزْم، وهذا هو الأَصْل في الإشهاد في المَدْفُوعات كلِّها إذا كان حَبَسَهَا أوَّلاً معروفاً. قال ع «1» : والأظهر أنَّ حَسِيباً هنا: معناه: حَاسِباً أعمالكم، ومجازياً بها، ففِي هذا وعيدٌ لكلِّ جاحدِ حَقٍّ. وقوله سبحانه: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... الآية: قال قتادة وغَيْره: سبَبُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّ العرب كَانَ منْها مَنْ لا يُوَرِّثُ النساءَ، ويقولونَ: لا يَرِثُ إلاَّ مَنْ طَاعَنَ بالرُّمْحِ، وقَاتَلَ بالسَّيْف «2» . [سورة النساء (4) : آية 8] وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) وقوله تعالى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى ... الآية: اختلف فِيمَنْ خُوطِبَ بهذه الآية، فقيل: الخطابُ للوارِثِينَ، وقيل: للمحتَضَرِينَ والمعنى: إذا حضَرَكُم المَوْتُ، أيَّها المؤمنون، وقَسَمْتم أموالكم بالوصيَّة، وحَضَرَكُمْ مَنْ لا يرثُ مِنْ ذوي القرابةِ، واليتامى، فارزقوهم منه قاله ابن عبَّاس وغيره «3» . واختلف، هَلْ هِيَ منسوخةٌ بآية المواريثِ، أو هِيَ مُحْكَمَةٌ؟ وعلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، فهل الأمر على الوُجُوب، فيعطى لهم ما خَفَّ، أو على النَّدْب؟ خلافٌ. والضميرُ في قوله: فَارْزُقُوهُمْ، وفي قوله: لَهُمْ: عائدٌ على الأصنافِ الثلاثةِ، والقولُ المعروفُ: كلُّ ما يتأَنَّس بِهِ مِنْ دعاءٍ، أو عدة، أو غير ذلك. [سورة النساء (4) : آية 9] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) وقوله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ... الآية: اختلف، من المراد

_ (1) ينظر: «المحرر» (2/ 12) . (2) أخرجه الطبري (3/ 604) برقم (8657) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 396) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 12) . (3) أخرجه الطبري (3/ 608) برقم (8689) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 13) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 219) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.

[سورة النساء (4) : آية 10]

في هذه الآيةِ؟ فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: المرادُ: مَنْ حَضَر ميتاً حين يوصِّي، فيقول له: قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك «1» ، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم: كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فاخشوا على ورثة غَيْرِكُمْ/، ولا تَحْمِلُوه على تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ: نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ على ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربى، واليتامى، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصى له «2» فقيل لهم: كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامى والمساكين. قال ع «3» : والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ على أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمراعى إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه. وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً: المرادُ بالآية: ولاة الأيْتَامِ «4» ، فالمعنى: أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم كما تخافُونَ على ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك. وقالَتْ فرقةٌ: بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنى: أمرهم بالتقوى في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ: معناه: المصيب للحقّ. [سورة النساء (4) : آية 10] إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 611) برقم (8709) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 13) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 219) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (3/ 613) برقم (8718) ، (8719) عن مقسم، وبرقم (8720) عن حضرمي. وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 13) عنهما. [.....] (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 13) . (4) أخرجه الطبري (3/ 614) برقم (8721) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 14) .

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ... الآية: أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامى، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ منها: حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريّ، قال: حدّثنا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْماً لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً» «1» . قُلْتُ: تأمَّل (رحمك اللَّه) صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في «الموطأ» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثنين، وَلَجَ الجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» «2» . قَالَ أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» : ومعلوم أنه أراد صلّى الله عليه وسلّم ما بَيْن لَحْيَيْهِ: اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه: الفَرْج، واللَّه أعلم. ولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ على أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) ، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر: مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ «3» ، قال أبو عمر: وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر: وعَنْ أبي هُرَيْرة: إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ: البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سهل بن سعد، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة» «4» ، ومن طريق جابر نحوه. انتهى. والصّلى: هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحرق ليس

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 615) برقم (8725) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 221) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. (2) أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 987- 988) كتاب «الكلام» ، باب ما جاء فيما يخاف من اللسان، حديث (11) من حديث عطاء بن يسار مرسلا. (3) أخرجه مالك المصدر السابق (12) . وأخرجه هناد بن السري في «الزهد» (2/ 531) برقم (1093) ، ووكيع في «الزهد» برقم (287) . (4) أخرجه البخاري (11/ 314) ، كتاب «الرقاق» ، باب حفظ اللسان، حديث (6474) ، والترمذي (4/ 524) كتاب «الزهد» ، باب ما جاء في حفظ اللسان، حديث (2408) ، وأحمد (5/ 333) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 336- بتحقيقنا) .

[سورة النساء (4) : آية 11]

بصَالٍ/ إلاَّ في بدء أمره، وأهْلُ جهنَّم لا تُذْهِبُهم النَّار، فهم فيها صَالُونَ (أعاذنا اللَّه منها بجُودِهِ وكَرَمِهِ) ، والسعير: الجَمْر المُشْتَعِلُ. وهذه آية من آياتِ الوَعيد، والَّذي يعتقدُه أهل السُّنَّة أنَّ ذلك نافذٌ على بعض العُصَاة لَئِلاَّ يقع الخَبَر بخلافِ مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم. [سورة النساء (4) : آية 11] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) وقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... الآية: تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل: نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وقيل: بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه. وقوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ أي: حظ مثل حظ الأنثيين. وقوله: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، معناه: اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس أنه يرى لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختين «1» وبحديث التّرمذيّ «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى للابنتين بالثّلثين» «2» .

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 15) . (2) أخرجه أحمد (3/ 352) ، وأبو داود (3/ 316) كتاب «الفرائض» ، باب ميراث الصلب، حديث (2892) ، والترمذي (4/ 414) كتاب «الفرائض» ، باب ميراث البنات، حديث (2092) ، وابن ماجة (2/ 908) كتاب «الفرائض» ، باب فرائض الصلب، حديث (2720) ، وابن سعد (3/ 2/ 78) ، والحاكم (4/ 333- 334) كتاب «الفرائض» ، باب إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. والبيهقي (6/ 216) كتاب «الفرائض» ، باب توريث ذوي الأرحام، كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله!! هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلا يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. قال: «يقضي الله في ذلك» . فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» . قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. -

وقوله سبحانه: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ: المعنى: ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَراً كان أو أنثى، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، أي: وللأبِ الثُّلُثَانِ. وقوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، أي: كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ على أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه وكذا أجْمَعُوا على أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون «1» الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في

_ - وقال الترمذي: حسن صحيح. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 222) ، وعزاه إلى ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، ومسدد، والطيالسي، وابن أبي عمر، وابن منيع، وابن أبي أسامة، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن جابر. (1) هو لغة: المنع، وشرعا: منع شخص معين عن ميراثه إما كله أو بعضه بوجود شخص آخر. والمراد بقولنا «عن ميراثه» : أن يقوم به سبب الإرث كالقرابة، فيمنع عنه. وقولنا: «إما كله أو بعضه» ، (أو) فيه للتنويع لا للشك. فالأول حجب الحرمات، والثاني حجب النقصان. ولهذا المبحث شأن عظيم في الفرائض، فمن لم يعرف الحجب لا يعد عالما بالفرائض، ويحرم عليه أن يفتي فيها. وهو في حد ذاته قسمان: أ: حجب بالأوصاف، وهي الموانع السابقة التي هي الرق والقتل ... إلخ. ب: حجب بالأشخاص، وهو المراد من عبارة الفرضيين عند إطلاقهم لفظ الحجب. وهذا على نوعين: 1- حجب حرمان 2- حجب نقصان والورثة في الحجب على ثلاثة أصناف: الأول: أن يكون كل من الحاجب والمحجوب عصبة. وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب حرمان كما إذا كانا في جهة واحدة، ولكن أحدهما أقرب درجة من الآخر، فإن الأقرب يحجب الأبعد. وقد يكون حجب نقصان كالعصبتين المتساويتين في القرب كالابنين مثلا فإن كل واحد منهما يحجب عن ميراث الكل إلى البعض بوجود الآخر. الثاني: إذا كانا من أهل السهام، وفي هذه الحالة أيضا يكون حجب حرمان ونقصان، فالأول: كما إذا اجتمع أولاد الأم مع البنات وبنات الابن. والثاني: كالأم مع البنات والأخوات. والأخت لأب مع الشقيقة. الثالث: إذا كان أحدهما عاصيا والآخر ذا فرض: ولا يخلو الحال من أن يكون الحاجب ذا سهم والمحجوب عصبة، فيحجب العصبة حينئذ حجب نقصان بذي السهم، كالبنت مع الابن، والأخت مع الأخ فإنه لو لم تكن الأنثى لصار جميع المال للذكر، وبوجود الأنثى انتقص نصيبه. أو يكون الحاجب عصبة والمحجوب ذا سهم. وفي هذه الحالة قد يكون الحجب حجب نقصان، كما إذا ترك الميت أختين شقيقتين وأختين لأم وأم، فالمسألة في الأصل في سننه، وتعول بسدسها إلى سبعة، ويكون للأختين الثلثان: «أربعة» من سبعة، فلو ترك معهما أخا شقيقا لكان لهما معه ثلاثة من ستة. وقد يكون حجب حرمان كبنت الابن مع الابن أو كأخ شقيق مع الأخت لأب. انظر: «المواريث» لشيخنا وهبة إبراهيم.

[سورة النساء (4) : الآيات 12 إلى 14]

حُكْمِ الواحد «1» . وقدَّم الوصيةَ في اللفظ اهتماما بها، وندباً إليها إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن وأيضاً: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ وأيضاً: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على «2» الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث. وقوله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة. قال ابن زَيْد: لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً، يعني: في الدنيا والآخرة «3» ، قال الفَخْر «4» : وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يميل إليه الطّبع. انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 12 الى 14] وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 17) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 223) ، وعزاه لابن جرير، والحاكم، وصححه، والبيهقي في «سننه» . (2) من الحقوق التي تثبت على العبد الديون المرسلة في الذمة، فتقدم على الوصية، وسميت مرسلة لأنها أرسلت، أي أطلقت عن تعلقها بعين التركة. ويجب تقديم دين الله على دين الآدمي إذا مات ولم يؤدهما ثم ضاقت التركة عنهما لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «دين الله أحق بالقضاء» . أما قبل الموت، فإن كان محجورا عليه قدم دين الآدمي جزما، ولو اجتمع عليه ديون لله (تعالى) قدمت الزكاة إن كان النصاب موجودا، وإلا فتستوي الحقوق. وإنما قدمت الديون المرسلة في الذمة على الوصية، لأن تلك الديون حق واجب على الميت، فقضاؤه مقدم، والوصية تبرع فلذا أخرت. ينظر: «المواريث» لشيخنا وهبة إبراهيم. (3) أخرجه الطبري (3/ 624) برقم (8746) ، وذكره البغوي (1/ 403) ، وابن عطية (2/ 18) . (4) ينظر: «مفاتيح الغيب» (9/ 177) . [.....]

وقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ... الآية: الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها: هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ هذا هو الصحيحُ. وقوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ... الآية: الإجماع على الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة. وقرأ «1» سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص «2» : «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ» ، والأنثى والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع. وقوله سبحانه: غَيْرَ مُضَارٍّ، قال ابن عبَّاس: «الضِّرَارُ في الوصية من الكبائر» ورواه «3» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تعالى في واد في جهنّم» «4» .

_ (1) ينظر: «الكشاف» (1/ 486) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 19) ، و «البحر المحيط» (3/ 198) ، و «الدر المصون» (2/ 326) ، وفيه: «من أم» . (2) هو: سعد بن مالك (واسم مالك: أبي وقاص) بن أهيب (وقيل: وهيب) بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. أبو إسحاق. القرشي. الزهري. أحد العشرة المبشرين بالجنة وآخرهم موتا. وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أول من كوف ب «الكوفة» ، روى عن النبيّ كثيرا، روى عنه بنوه: إبراهيم، وعامر، ومصعب، وعمر، ومحمد، وعائشة. وروى عنه من الصحابة: عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة. وروى عنه من كبار التابعين: سعيد بن المسيب، وأبو سعيد الهندي، وقيس بن أبي حازم، وعلقمة، والأحنف، وغيرهم. وهو صحابي مشهور كتب في سيرته مؤلفات كثيرة. توفي سنة (55) ، وقيل: سنة (58) ، وقيل: (51) ، وقيل: (57) . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 366) ، و «الإصابة» (3/ 83) ، و «بقي بن مخلد» (16) ، و «صيانة مسلم» (240) ، و «التبصرة والتذكرة» (3/ 206) ، و «الزهد الكبير» (113) ، و «التعديل والتجريح» (1300) ، و «الزهد» لوكيع (98) ، و «الأنساب» (1/ 35) ، و «تفسير الطبري» (8/ 8772) ، و «تقريب التهذيب» (1/ 290) ، و «تهذيب التهذيب» (3/ 483) ، و «تاريخ بغداد» (1/ 144) . (3) أخرجه الطبري (3/ 630) برقم (8784) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 227) ، وعزاه للنسائي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة في «المصنف» ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي. (4) لم نقف عليه بهذا اللفظ.

[سورة النساء (4) : الآيات 15 إلى 16]

قال ع «1» : ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ مِنْ ذلك: أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ. قال ص: غَيْرَ مُضَارٍّ: منصوبٌ على الحالِ: أي: غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ. انتهى. قلت: وتقدير أبي «2» حَيَّان: «وَرَثَتَهُ» يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال: «غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم» ، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم/. وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... الآية: «تِلْكَ» : إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريث، وباقي الآية بيّن. [سورة النساء (4) : الآيات 15 الى 16] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) وقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ... الآية: الفَاحِشَةُ في هذا الموضِعِ: الزِّنَا، وقوله: مِنْ نِسائِكُمْ، إضافةٌ في معناها الإسلام، وجعل اللَّه الشهادة علَى الزِّنَا خاصَّة لا تَتِمُّ إلا بأربعةِ شُهَدَاءَ، تَغْلِيظاً على المُدَّعي، وسَتْراً على العبادِ. قلت: ومن هذا المعنى اشتراط رُؤْية كَذَا في كَذَا كَالمِرْوَدِ في المُكْحُلَة. قال ع «3» : وكانَتْ أولُ عقوبة الزُّنَاةِ الإمْسَاكَ في البُيُوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذَى الَّذي بَعْده، ثم نُسِخَ ذلك بآية النُّور وبالرَّجْمِ في الثَّيِّب قاله عبادة بنُ الصَّامت وغيره «4» ، وعن عِمْرَانَ بْنِ حصين أنه قال: كنّا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقَالَ: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» ، خرَّجه مُسْلِم «5» ، وهو خَبَرٌ آحادٌ، ثم ورد في الخَبَر المتواتِرِ أنّ

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 20) . (2) ينظر: «البحر المحيط» (3/ 198) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 21) . (4) وسيأتي حديثه وحديث عمران بن حصين. (5) أخرجه مسلم (3/ 1316) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الزنى، حديث (12/ 1690) ، وأبو داود (4/ 569- 570) كتاب «الحدود» ، باب في الرجم، حديث (4415) ، والترمذي (4/ 41) كتاب «الحدود» ، باب الرجم على الثيب، حديث (1434) ، والدارمي (2/ 181) ، كتاب «الحدود» ، باب في-

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رَجَمَ، وَلَمْ يَجْلِدْ «1» ، فَمَنْ قال: إن السُّنَّة المتواترة تنسخ ...

_ - تفسير قول الله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وأحمد (5/ 313، 317، 318، 320- 321) ، وابن أبي شيبة (10/ 8) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 298- منحة) رقم (1514) ، وابن الجارود في «المنتقى» (810) ، والطبري في «تفسيره» (4/ 198) ، وابن حبان (4408، 4409، 4410، 4426- الإحسان) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 134) ، وفي «مشكل الآثار» (1/ 92) ، والبيهقي (8/ 210) كتاب «الحدود» ، باب جلد الزانيين ورجم الثيب، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1/ 113) من طرق عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت به. والحديث أخرجه الشافعي (2/ 77) كتاب «الحدود» ، باب الزنا، حديث (252) ، والطيالسي (1/ 298- منحة) رقم (1514) ، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (5/ 327) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 457- بتحقيقنا) من طريق الحسن عن عبادة بن الصامت دون ذكر حطان بن عبد الله. قلت: ولعل ذلك من تدليسات الحسن. فأسقط حطان بن عبد الله، ورواه عن عبادة دون واسطة. تنبيه: وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة (2/ 852) كتاب «الحدود» ، باب حد الزنا، حديث (2550) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت. قال الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (4/ 247) : هذا وهم والله أعلم- فإن المحفوظ بهذا الإسناد حديث حطان. اهـ. وقد روى هذا الحديث الفضل بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا....» الحديث. أخرجه أحمد (3/ 476) . قال ابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 456) رقم (1370) : سألت أبي عن حديث رواه الفضل بن دلهم عن الحسن عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا..» الحديث، قال أبي: هذا خطأ، إنما رواه الحسن عن حطان عن عبادة بن الصامت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اهـ. ومن هذا الطريق ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 267) ، وقال: رواه أحمد، وفيه الفضل بن دلهم، وهو ثقة ولكنه أخطأ في هذا الحديث. (1) تواتر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه رجم ماعزا والغامدية، ورجم يهوديين. وإليك تخريج هذه الأحاديث: حديث رجم ماعز: ورد حديث رجم ماعز عن جماعة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهم: ابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، وبريدة، وجابر بن سمرة، وأبو سعيد الخدري، ونعيم بن هزال، وأبو بكر الصديق، وأبو ذر، ورجل من الصحابة، وسهل بن سعد، وأبو برزة، وسعيد بن المسيب مرسلا، والشعبي أيضا مرسلا. 1- حديث عبد الله بن عباس: أخرجه مسلم (3/ 1320) كتاب «الحدود» ، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (19/ 1693) ، وأبو داود (4/ 579) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4425) ، والترمذي (4/ 35) كتاب «الحدود» ، باب التلقين في الحد، حديث (1427) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 279) كتاب «الرجم» ، باب الاعتراف بالزنا أربع مرات، حديث (7171، 7172، 7173) ، وأحمد (1/ 245، -

_ - 314، 328) ، وعبد الرزاق (7/ 324) رقم (13344) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 299- منحة) رقم (1520) ، وأبو يعلى (4/ 453) رقم (2580) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 142) باب الاعتراف بالزنى الذي يجب به الحد ما هو، كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لماعز بن مالك: «أحق ما بلغني عنك» ؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: «بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان» ، قال: نعم. قال: فشهد أربع شهادات، ثم أمر به، فرجم» . وللحديث طريق آخر عن ابن عباس: أخرجه البخاري (12/ 138) كتاب «الحدود» ، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت؟، حديث (3824) ، وأبو داود (4/ 58) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4427) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 278- 279) كتاب «الرجم» ، باب مسألة المعترف بالزنا عن كيفيته، حديث (7169) ، وأحمد (1/ 238، 270) ، والدارقطني (3/ 121) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (131، 132) ، والبيهقي (8/ 226) كتاب «الحدود» ، باب من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات، وابن حزم في «المحلى» (11/ 179) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 467- بتحقيقنا) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 338) رقم (11936) ، كلهم من طريق جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أتى ماعز بن مالك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال له: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» ؟ قال: لا يا رسول الله قال: «أنكتها؟» - لا يكني- قال: فعند ذلك أمر برجمه. وأخرجه أبو داود (4/ 578) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4421) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 279) كتاب «الرجم» ، باب مسألة المعترف بالزنا عن كيفيته، حديث (7170) كلاهما من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن ماعز بن مالك أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: إنه زنى، فأعرض عنه، فأعاد عليه مرارا، فأعرض عنه، فسأل قومه: «أمجنون هو؟» قالوا: ليس به بأس قال: «أفعلت بها» ؟ قال: نعم فأمر به أن يرجم، فانطلق به فرجم ولم يصل عليه. وأخرجه أحمد (1/ 289، 325) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 278) كتاب «الرجم» ، باب مسألة المعترف بالزنا عن كيفيته، حديث (7168) ، والدارقطني (3/ 122) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (133) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن الأسلمي أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاعترف بالزنا فقال: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» . واللفظ للنسائي في «الكبرى» . (2) حديث جابر: أخرجه البخاري (12/ 129) كتاب «الحدود» ، باب الرجم بالمصلى، حديث (6820) ، ومسلم (3/ 1318) كتاب «الحدود» ، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (16/ 1691) ، وأبو داود (4/ 580) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4430) ، والترمذي (4/ 28) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، حديث (1429) ، والنسائي (4/ 62- 63) كتاب «الجنائز» ، باب ترك الصلاة على المرجوم، وأحمد (3/ 323) ، وابن الجارود رقم (813) ، والدارقطني (3/ 127- 128) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (146) كلهم من طريق عبد الرزاق في «المصنف» (7/ 320) ، رقم (13337) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أن رجلا من أسلم جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاعترف عنده بالزنى، ثم اعترف فأعرض عنه، ثم اعترف فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أبك جنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم قال: فأمر-

..

_ - به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: خيرا، ولم يصل عليه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. أما البخاري فقال في روايته: «وصلّى عليه» ، وقد رواه من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق به. قال الحافظ في «الفتح» : (12/ 133) : قوله: «وصلّى عليه» هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، وخالفه محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق، فقالوا في آخره: «ولم يصل عليه» قال المنذري في حاشية السنن: رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق، فلم يذكروا قوله: «وصلّى عليه» قلت: قد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، ومسلم عن إسحاق بن راهويه، وأبو داود عن محمد بن المتوكل العسقلاني، وابن حبان من طريقه: زاد أبو داود والحسن بن علي الخلال والترمذي عن الحسن بن علي المذكور، والنسائي وابن الجارود عن محمد بن يحيى الذهلي، زاد النسائي ومحمد بن رافع ونوح بن حبيب والإسماعيلي، والدارقطني من طريق أحمد بن منصور الرمادي زاد الإسماعيلي: ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدبري ومحمد بن سهل الصغاني، فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودا، منهم من سكت عن هذه الزيادة، ومنهم من صرح بنفيها. اهـ. قلت: وعليه، فزيادة «وصلّى عليه» زيادة شاذة، تفرد بها محمود بن غيلان، وخالف فيها الثقات. وقد رواه ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر، أن رجلا من «أسلم» أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فحدثه أنه زنى، فشهد على نفسه أنه زنى أربعا، فأمر برجمه، وكان قد أحصن. أخرجه الدارمي (2/ 176) كتاب «الحدود» ، باب الاعتراف بالزنا من طريق أبي عاصم عن ابن جريج به. وللحديث طريق آخر عن جابر: أخرجه أبو داود (4/ 577) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4420) من طريق محمد بن إسحاق قال: ذكرت لعاصم بن عمر بن قتادة قصة ماعز بن مالك، فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال: حدثني ذلك من قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فهلّا تركتموه» من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم قال: ولم أعرف هذا الحديث. قال: فجئت جابر بن عبد الله، فقلت: إن رجالا من أسلم يحدثون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: «ألا تركتموه» وما أعرف الحديث، قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث، كنت فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به، فرجمناه، فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخبرناه قال: «فهلا تركتموه وجئتموني به؟» ليستثبت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منه، فأما لترك حدّ، فلا. قال: فعرفت وجه الحديث. 3- حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (12/ 136) كتاب «الحدود» ، باب سؤال الإمام المقر هل أحصنت؟ حديث (6825) ، ومسلم (3/ 1318) كتاب «الحدود» ، باب من اعترف على نفسه بالزنا، حديث (16/ 1691) ، وأحمد (2/ 453) ، والبيهقي (8/ 219) كتاب «الحدود» ، باب من أجاز أن لا يحضر الإمام، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 465، 466- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن-

..

_ - سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، أن أبا هريرة، قال: أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل من الناس وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أبك جنون؟» قال: لا يا رسول الله، فقال: «أحصنت؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «اذهبوا، فارجموه» . وللحديث طريق آخر عن أبي هريرة: أخرجه الترمذي (4/ 27) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، حديث (1428) ، وابن ماجة (2/ 854) كتاب «الحدود» ، باب الرجم، حديث (2554) ، وأحمد (2/ 286- 287، 450) ، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (819) ، وابن حبان (2422- الإحسان) ، والحاكم (4/ 336) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 465- بتحقيقنا) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك الأسلمي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيمن، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه من شقه الأيسر، فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض عنه، ثم جاءه فقال: إني قد زنيت، قال ذلك أربع مرات، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «انطلقوا به، فارجموه» فانطلقوا به، فلما مسته الحجارة أدبر يشتد، فلقيه رجل في يده لحي جمل فضربه به فصرعه، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: «فهلا تركتموه» . وقال الترمذي: حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه ابن حبان. وقال البغوي عقبه: هذا حديث متفق على صحته. وهو وهم، فهو متفق على صحته من حديث أبي هريرة، ولكن ليس من هذا الطريق. وللحديث طريق ثالث عن أبي هريرة: أخرجه أبو داود (4/ 579) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4429) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 276- 277) كتاب «الرجم» ، باب استقصاء الإمام على المعترف عنده بالزنا، حديث (7164) ، وأبو يعلى (10/ 524- 525) رقم (6140) كلهم من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير عن ابن عم لأبي هريرة عن أبي هريرة، أن ماعز بن مالك جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأعرض عنه حتى قالها أربعا، فلما كان في الخامسة قال: «زنيت؟» قال: نعم، قال: «وتدري ما الزنى؟» قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: «ما تريد إلى هذا القول؟» قال: أريد أن تطهرني قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أدخلت ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والعصا في الشيء؟» قال: نعم يا رسول الله. قال: فأمر برجمه، فرجم، فسمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب. فسار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيئا، ثم مر بجيفة حمار فقال: «أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا جيفة هذا الحمار» .. قالا: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟ قال: «فما نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا منه، والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة يتقمص فيها» . -[.....]

..

_ - وهذا إسناد ضعيف لجهالة ابن عم أبي هريرة. لكن أخرجه عبد الرزاق (7/ 322) رقم (13340) عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير عن عبد الرّحمن بن الصامت عن أبي هريرة به. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود (4/ 579) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4428) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 277) كتاب «الرجم» ، باب ذكر استقصاء الإمام علي المعترف عنده بالزنا، حديث (7165) ، وابن الجارود رقم (814) ، وابن حبان (1513- موارد) ، والدارقطني (3/ 196- 197) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (339) ، والبيهقي (8/ 227) كتاب «الحدود» ، باب من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات. وقد أخرجه ابن حبان (1514- موارد) من طريق زيد بن أبي أنيسة عن أبي الزبير به. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 277) كتاب «الرجم» ، حديث (7166) من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير. وصححه ابن حبان. وقال النسائي: عبد الرّحمن بن الهضهاض ليس بمشهور. قلت: ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/ 297) ، والبخاري في «تاريخه الكبير» (5/ 361) ، ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وذكره ابن حبان في «الثقات» . 4- حديث بريدة: أخرجه مسلم (3/ 1321) كتاب «الحدود» ، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (22/ 1695) ، وأبو داود (4/ 581) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، والنسائي في «الكبرى» (4/ 276) كتاب «الرجم» ، باب كيف الاعتراف بالزنا، حديث (7163) ، وأحمد (5/ 347- 348) ، والدارقطني (3/ 91- 92) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (39) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 468، 469- بتحقيقنا) كلهم من طريق غيلان بن جامع عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله! طهرني، فقال: «ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبيّ مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فيم أطهرك؟» فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أبه جنون؟» فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: «أشرب خمرا؟» فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أزنيت؟» فقال: نعم. فأمر به فرجم. فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك. لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم جلوس، فسلم ثم جلس، فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» ، قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» ، قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: «ويحك! ارجعي فاستغفري الله، وتوبي إليه» ، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك. قال: «وما ذاك؟» ، قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال: «آنت» قالت: نعم. فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك» . قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه» -

..

_ - فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها. قال الدارقطني: (حديث صحيح) . وقال النسائي: (هذا صالح الإسناد) . 5- حديث جابر بن سمرة: أخرجه مسلم (3/ 1318- 1319) كتاب «الحدود» ، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث (17/ 1692) ، وأبو داود (4/ 578) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4422) ، والدارمي (2/ 176- 177) كتاب «الحدود» باب الاعتراف بالزنا، وأحمد (5/ 91، 99، 102، 103) ، وعبد الرزاق (7/ 324) رقم (13343) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 299- منحة) رقم (1522) ، وأبو يعلى (13/ 443- 444) رقم (7446) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 142) كتاب «الحدود» ، باب الاعتراف بالزنى، والبيهقي (8/ 226) كتاب «الحدود» ، باب من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات، من طرق عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حاسرا ما عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه قد زنى فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فلعلك؟» قال: لا والله إنه قد زنى الآخر، قال: فرجمه ثم خطب، فقال: «ألا كلما نفروا في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة، أما إن أمكنني الله من أحد منهم لأنكلن عنهن» . وللحديث طريق آخر: أخرجه البزار (2/ 218، 219- كشف) رقم (1556) حدثنا صفوان بن المغلس، ثنا بكر بن خداش، ثنا حرب بن خالد بن جابر بن سمرة عن أبيه عن جده قال: جاء ماعز إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إني قد زنيت، فأعرض بوجهه، ثم جاءه من قبل وجهه، فأعرض عنه، فجاءه الثالثة، فأعرض عنه، ثم جاءه الرابعة، فلما قال له ذلك، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: «قوموا إلى صاحبكم، فإن كان صحيحا فارجموه» فسئل عنه فوجد صحيحا، فرجم، فلما أصابته الحجارة حاضرهم، وتلقاه رجل من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلحي جمل، فضربه به فقتله، فقال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إلى النار. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلا إنه قد تاب توبة لو تابها أمة من الأمم تقبل منهم» . قال الهيثمي في «الكشف» : له حديث في الصحيح بغير هذا السياق. وذكره هو في «المجمع» (6/ 270- 271) ، وقال: قلت: لسمرة حديث في الصحيح بغير سياقه، رواه البزار عن شيخه صفوان بن المغلس ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. 6- حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم (3/ 1320- 1321) كتاب «الحدود» ، باب فيمن اعترف على نفسه بالزنى، حديث (20/ 1694) ، وأبو داود (4/ 581) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4431) ، وأحمد (3/ 2- 3) كلهم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد أن رجلا من «أسلم» يقال له: ماعز بن مالك أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه عليّ، فرده النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرارا، قال: ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد، قال: فرجع إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأمرنا أن نرجمه قال: فانطلقنا به إلى «بقيع الغرقد» قال: فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال: فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف، قال: فاشتد، واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد-

..

_ - الحرة (يعني الحجارة) حتى سكت، ثم قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطيبا من العشي فقال: «أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس، عليّ أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به» قال: فما استغفر له، ولا سبه. 7- حديث نعيم بن هزال: أخرجه ابن أبي شيبة (10/ 71) كتاب «الحدود» ، باب الزاني كم مرة يرد، حديث (8816) ، وأحمد (5/ 216- 217) ، وأبو داود (4/ 573) كتاب «الحدود» ، باب رجم ماعز بن مالك، حديث (4419) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 290- 291) كتاب «الرجم» ، باب إذا اعترف بالزنا ثم رجع، حديث (7205) ، والطبراني في «الكبير» (22/ 201- 202) رقم (530، 531) ، والحاكم (4/ 363) كتاب «الحدود» ، باب الحفر عند الرجم، والبيهقي (8/ 228) كتاب «الحدود» ، باب المعترف بالزنا يرجع عن إقراره، وابن حزم في «المحلى» (11/ 177) كلهم من طريق يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجا، فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله، فأعرض عنه، فعاد فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم عليّ كتاب الله. حتى قالها أربع مرات. قال صلّى الله عليه وسلّم: إنك قد قلتها أربع مرات، فيمن؟ قال: بفلانة، قال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم قال: فأمر به أن يرجم، فأخرج به إلى «الحرة» ، فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع، فخرج يشتد، فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير فرماه به فقتله، ثم أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك، فقال: «هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه» . وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والحديث أعله ابن حزم بالإرسال. قال العلائي في «جامع التحصيل» (ص 292) : نعيم بن هزال الأسلمي مختلف في صحبته، أخرج له أبو داود والنسائي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد روى عنه عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عبد البر: هو أولى بالصواب، ولا صحبة لنعيم، وإنما الصحبة لأبيه. قلت: والحديث فيه اختلاف كثير. اهـ. 8- حديث أبي بكر الصديق: أخرجه أحمد (1/ 8) ، وأبو يعلى (1/ 42، 43) رقم (40، 41) ، والبزار (2/ 217- كشف) رقم (1554) من طريق جابر الجعفي عن عامر الشعبي عن عبد الرّحمن بن أبزى عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأتاه ماعز بن مالك، فاعترف بالزنى، فرده، ثم عاد الثانية، فرده، ثم عاد الثالثة، فرده، فقلت: إن عدت الرابعة رجمك، فعاد الرابعة، فأمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحبسه، ثم أرسل فسأل عنه. قالوا: لا نعلم إلا خيرا، فأمر برجمه. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 269) ، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ولفظه: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رد ماعزا أربع مرات، ثم أمر برجمه. والطبراني في «الأوسط» إلا أنه قال: ثلاث مرات. وفي أسانيدهم كلها جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف. 9- حديث أبي ذر: أخرجه أحمد (5/ 179) ، والبزار (2/ 217، 218- كشف) رقم (1555) كلاهما من طريق-

..

_ - الحجاج بن أرطأة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن المقدم عن نسعة بن شداد عن أبي ذر قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فأتاه رجل فقال: إن الآخر زنى، فأعرض عنه ثلاث مرات، ثم ربّع، فأمرنا فحفرنا له حفيرة ليست بالطويلة، فرجم، فارتحل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كئيبا حزينا، فسرنا حتى نزلنا منزلا، فسري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أبا ذر ألم تر إلى صاحبكم قد غفر له وأدخل الجنة» . قال البزار: لا نعلم أحدا رواه بهذا اللفظ إلا أبو ذر، وعبد الملك معروف، وعبد الله بن المقدام ونسعة لا نعلمهما ذكرا إلا في هذا الحديث. والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (6/ 269) وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه الحجاج بن أرطأة، وهو مدلس. 10- حديث رجل من الصحابة: أخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 289) كتاب «الرجم» ، باب كيف يفعل بالرجل، وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، حديث (7201) من طريق سلمة بن كهيل. قال: حدثني أبو مالك عن رجل من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أربع مرات، كل ذلك يرده، ويقول: «أخبرت أحدا غيري» ، ثم أمر برجمه، فذهبوا به إلى مكان يبلغ صدره إلى حائط، فذهب يثب فرماه رجل............» الحديث. 11- حديث سهل بن سعد: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 271) عنه قال: شهدت ماعزا حين أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم برجمه، فاتبعه الناس يرجمونه، حتى لقيه عمر بالجبانة، فضربه بلحي جمل فقتله. وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو كذاب. 12- حديث أبي برزة الأسلمي: أخرجه ابن أبي شيبة (10/ 78) كتاب «الحدود» ، باب في الزاني كم مرة يرد، حديث (8831) ، وأحمد (4/ 423) ، وأبو يعلى (13/ 426) رقم (7431) من طريق مساور بن عبيد قال: حدثني أبو برزة قال: رجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا منا يقال له ماعز بن مالك. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 268) ، وقال: رواه الطبراني، ورجاله ثقات. 13- مرسل سعيد بن المسيب: أخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 281) كتاب «الرجم» ، باب اختلاف الزهري وسعيد بن المسيب في هذا الحديث، من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن رجلا من «أسلم» جاء إلى أبي بكر الصديق فقال له: إن الآخر قد زنى، فقال له أبو بكر: هل ذكرت ذلك لأحد غيري؟ قال: لا، قال: فاستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فأتى عمر فقال له مثل ما قاله لأبي بكر فقال له عمر ما قال له أبو بكر، فأتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إن الآخر قد زنى، قال سعيد: فأعرض عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاث مرات، كل ذلك يعرض عنه حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله فقال: «أيشتكي؟ أبه جنة؟» فقالوا: والله إنه لصحيح، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أبكر أم ثيب؟» قال: بل ثيب، فأمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرجم. 14- مرسل الشعبي: أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 538) كتاب «الحدود» ، باب في الزاني كم مرة يرد، حديث (2877) من طريق جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: شهد ماعز على نفسه أربع مرات أنه قد زنى، فأمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن-

القُرآن «1» ، جعَلَ رَجْمَ الرسول دُونَ جَلْدٍ ناسخاً لجَلْدِ الثيِّب، وهذا الذي عليه الأَمَّة أنَّ السُّنَّة المتواترة تَنْسَخُ القُرآن إذ هما جميعاً وحْيٌ من اللَّه سبحانَهُ، ويوجِبَانِ جميعاً العِلْم والعَمَل. ويتَّجه عندي في هذه النَّازلة بعَيْنها أنْ يُقَالَ: إن الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْد هو القرآن المتَّفَقُ على رَفْعِ لفظه، وبقاءِ حُكْمه في قوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فارجموهما أَلْبَتَّةَ» ، وهذا نصٌّ في الرجم، وقد قَرَّره عمر على المِنْبر بمَحْضَر الصَّحابة، والحديثُ بكماله في مُسْلم، والسُّنَّةُ هي المبيِّنة، ولفظُ «البخاريِّ» : «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الرَّجْمُ لِلثَّيِّب، وَالجَلْدُ لِلْبِكْرِ» «2» . انتهى. وقوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ... الآية: قال مجاهدٌ وغيره: الآيةُ الأولى في النساء عموماً، وهذه في الرِّجال، فعقوبةُ النِّساء الحَبْسُ، وعقوبةُ الرِّجَالِ الأذى «3» ، وهذا قولٌ يقتضيه اللَّفْظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّنَاة عامَّة ويؤيِّده مِنْ جهة اللفظ قولُه في الأولى: مِنْ نِسائِكُمْ، وقوله في الثانية: مِنْكُمْ، وأجمع العلماءُ على أنَّ هاتين الآيتين منُسْوخَتَانِ كما تقدّم.

_ - يرجم. وقصة ماعز في الزنا ورجمه قد عدها الحافظ السيوطي متواترة، فذكرها في كتابه «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» (ص 59) رقم (82) ، وعزاها إلى الشيخين عن جابر بن عبد الله وابن عباس ومسلم عن بريدة وجابر بن سمرة وأبي سعيد، وأبي داود عن اللجلاج ونعيم بن هزال وأبي هريرة، والنسائي عن رجل من الصحابة ومن مرسل ابن المسيب، وأحمد عن أبي بكر الصديق وأبي ذر، وابن أبي شيبة في «المصنف» عن نصر والد عثمان، ومن مرسل عطاء بن يسار والشعبي، وأبي مرة في سننه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف. (1) ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (4/ 109) ، و «البرهان لإمام الحرمين» (2/ 1307) ، و «سلاسل الذهب» للزركشي (302) ، و «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (3/ 139) ، و «نهاية السول» للأسنوي (2/ 578) ، و «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 252) ، و «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (88) ، و «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 23) ، و «المنخول» للغزالي (292) ، و «والمستصفى له» (1/ 124) ، و «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 139) ، و «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 111) ، و «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 392) ، و «إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (418) ، و «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (4/ 505) ، و «التحرير» لابن الهمام (388) ، و «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود ابن عمر التفتازاني (2/ 36) ، و «ميزان الأصول» للسمرقندي (2/ 1006) ، و «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (3/ 60) . (2) تقدم تخريجه. (3) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 22) .

[سورة النساء (4) : الآيات 17 إلى 18]

[سورة النساء (4) : الآيات 17 الى 18] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) وقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ... الآية. قال ص: التوبةُ: مبتدأٌ على حذفِ مضافٍ، أي: قَبُولُ التوبةِ. انتهى. قال ع «1» : «إنَّمَا» : حاصرةٌ، وهو مَقْصد المتكلِّم بها أبداً، فقد تصادِفُ من المعنى ما يقتضي العَقْلُ فيه الحَصْر كقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ [النساء: 171] ، وقد لا تصادف ذلك كقوله: «إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ» ، وهي في هذه الآية حاصرةٌ إذ ليستِ التوبةُ إلا لهذا الصِّنْف المذكور، وتصحُّ التوبة، وإن نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حَالٍ بمعاودَةِ الذنْبِ، فإنَّ التوبة الأولى طاعةٌ قد انقضت وصحَّت، وهو محتاجٌ بعد مواقعة الذَّنْب إلى توبةٍ أخرى مستأنَفَةٍ، وتصحُّ أيضاً التوبةُ من ذَنْب مع الإقامة على غيره من غير نَوْعِهِ، خلافاً للمُعْتَزِلَة «2» في قولهم: لا يكُونُ تائباً مَنْ أقام على ذَنْب. وقوله تعالى: عَلَى اللَّهِ، أي: على فَضْلِ اللَّه ورحْمتِهِ لعبادِهِ، وهذا نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ» ، إنما معناه: ما حقُّهم على فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، والعقيدةُ أنَّه لا يجبُ على اللَّه/ تعالى شيْءٌ عقلاً، والسُّوءَ في هذه الآية: يعمُّ الكُفْرَ والمعاصِيَ، وقوله تعالى: بِجَهالَةٍ: معناه: بسفاهةٍ، وقلَّةِ تحصيلِ أدى إلى المعصية، وليس المعنى أنْ تكونَ الجَهَالَةُ بِأنَّ ذلِك الفِعْلَ معصيةٌ لأنَّ المتعمِّد للذُّنوبِ كان يخرج من التّوبة، وهذا

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 21) . (2) كان للحسن البصري تلميذ يتلقى عليه، فلما سمعه يقرر أن مرتكب الكبيرة مذنب عاص إن لم يتب، فأمره لربه إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عقابا لا خلود معه في النار، وأن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لله تعالى. عند ذلك خالف أستاذه في هاتين المسألتين، واعتزل مجلس أستاذه إلى مجلس آخر يقرر في المسألة الأولى أنه ليس بمؤمن ولا بكافر، بل هو واسطة بينهما، فلا هو بمؤمن لأن الإيمان عقيدة وعمل، ولا بكافر، ويقرر في الثانية أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بإقدار من الله تعالى، عند ذلك قال الحسن: اعتزلنا واصل، فسموا «معتزلة» لذلك، ثم كثر أتباع واصل، وصار لهم مذهب معروف في مسائل كثيرة، منها: وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي، ومنها نفي الصفات القديمة، ومنها مسألة الحسن والقبح العقليين، ومسألة الصلاح والأصلح. ينظر: «مذكرة الشيخ» ، صالح موسى شرف.

فاسدٌ إجماعاً، وما ذكرتُهُ في الجَهَالة قاله أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَ ذلك عَنْهم أبو العَالِيَةِ «1» ، وقال قتادةُ: اجتمع أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ، فَهِيَ بِجَهَالَةٍ، عَمْداً كانَتْ أو جهلاً «2» وقال به ابنُ عَبَّاس، ومجاهد، والسُّدِّيُّ، وروي عن مجاهدٍ والضَّحَّاك أنهما قالا: الجَهَالَةُ هنا العَمْد «3» ، وقال عِكْرِمَةُ: أمور الدنيا كلُّها جهالة «4» . قال ع «5» : يريد الخاصَّة بها الخارِجَةَ عَنْ طاعة اللَّه سبحانه، وهذا المعنى عندي جَارٍ مع قوله تعالى: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [الحديد: 20] . واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ. فقال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ: معنى ذلك: قَبْلَ المَرَضِ والموتِ «6» ، وقال الجمهورُ: معنى ذلك قَبْلَ المعايَنَةِ للملائِكَةِ والسَّوْق، وأن يُغْلَبَ المَرْءُ على نفسه، وروى أبو قِلاَبَةَ «7» أنَّ اللَّه تعالى لَمَّا خَلَقَ آدم فَرَآهُ إبْلِيسُ أَجْوَفَ، ثُمَّ جرى لَهُ مَا جرى، ولُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ، لاَ بَرِحْتُ مِنْ قَلْبِهِ، مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ، فقَالَ اللَّه تعالى: «وَعِزَّتِي لاَ أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَام فِيهِ الرُّوحُ» «8» . قال ع «9» : فابنُ عبَّاس (رضي اللَّه عنه) ذكَرَ أحسن أوقات التوبة، والجمهور حدّوا

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 640) برقم (8833) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 231) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (2) أخرجه الطبري (3/ 640) برقم (8834) ، وذكره البغوي (1/ 407) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 232) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير. (3) أخرجه الطبري (3/ 641) برقم (8841) ، (8842) عن مجاهد وبرقم (8843) عن الضحاك، وذكره البغوي (1/ 407) عن مجاهد. وابن عطية (2/ 24) عنهما. (4) أخرجه الطبري (3/ 641) برقم (8844) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) . [.....] (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 24) . (6) أخرجه الطبري (3/ 642) برقم (8845) عن السدي، وبرقم (8846) عن ابن عباس. وذكره البغوي (1/ 407) عن السدي، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) عنهما. (7) عبد الله بن زيد بن عمرو بن عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، أحد الأئمة، نزل «الشام» عن عائشة في «مسلم» و «النسائي» . وعن عمر مرسلا، وحذيفة، وابن عباس، وأبي هريرة، ومعاوية وخلق. وعنه مولاه أبو رجاء، وقتادة، وأيّوب، وخالد الحذّاء، وعاصم الأحول وخلق. قال أيوب: أبو قلابة من الفقهاء ذوي الألباب. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث. قال خليفة: مات بالشام سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع. ينظر: «الخلاصة» (2/ 58) . (8) أخرجه الطبري (3/ 643) برقم (8854) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 24) . (9) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 25) .

آخر وقتها «1» ، وروى بَشِيرُ بْنُ كَعْب، والحَسَنُ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، وَيُغْلَبْ على عَقْلِهِ» «2» . قال ع «3» : لأنَّ الرجاءَ فيه باقٍ، ويصحُّ منه النَّدَمِ والعَزْم على التركِ، وقوله تعالى: مِنْ قَرِيبٍ، إنما معناه: مِنْ قريبٍ إلى وقْت الذَّنْبِ، ومُدَّةُ الحياةِ كلِّها قريبٌ، والمبادرةُ في الصِّحَّة أفضلُ، قلت: بل المبادرة واجبَةٌ. وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً، أي: بمَنْ يتوبُ، ويُيَسِّره هو سبحانه للتَّوْبَة حَكِيماً: فيما ينفذه من ذلكَ، وفي تَأْخِيرِ من يُؤَخِّر حتى يَهْلِكَ، ثم نفى بقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ ... الآية: أنْ يدخُلَ في حُكْم التائبين مَنْ حضره موتُهُ، وصار في حَيِّز اليأس كما كان فرعونُ حِينَ صار في غَمْرة المَاءِ، والغَرَقِ، فلم ينفعْهُ ما أظهره من الإيمان وبهذا قال ابنُ عَبَّاس وجماعةُ المفسِّرين «4» . قال ع «5» : والعقيدةُ عندي في هذه الآيات: أن مَنْ تاب مِنْ قريبٍ، فله حُكْمُ التائب، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ عليه أنه ينعَّم ولا يعذَّب هذا مذهبُ أبي المَعَالِي وغيره. وقال غيرهم: بل هو مغفُورٌ له قطعاً لإخبار اللَّه تعالى بذلك، وأبو المَعَالِي يجعل تلْكَ الأخبار ظَوَاهِرَ مشروطةً بالمَشِيئَةِ، ومَنْ لَم يَتُبْ حتى حضره المَوْت، فليس في حُكْم التائبين، فإنْ كان كافراً، فهو يخلَّد، وإن كان مؤمناً، فهو عاصٍ في المشيئة، لكنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عليه، ويَقْوَى الظنُّ في تعذيبه، ويُقْطَعُ من جهة السمْع أنَّ مِنْ هذه الصَّنِيفَةِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّه تعالى لَهُ تفضُّلاً منه لا يعذِّبه. وأَعْلَمَ اللَّه تعالى أيضاً أنَّ الذين يموتُونَ، وهم كفَّار فلا مُستعْتَبَ لهم، ولا توبةَ في الآخِرَةِ. وقوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً: إنْ كانتِ الإشارة إلى الذين يموتُونَ، وهم كفَّار، فقَطْ، فالعذَابُ عذَابُ خلودٍ مؤبَّد، وإنْ كانَتِ الإشارة إليهم وإلى مَنْ ينفذ علَيْه الوعيدُ مِمَّنْ لا يتُوبُ إلاَّ مع حضورِ المَوْت/، فهو في جهة هؤلاء عذاب لا خلود معه،

_ (1) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 25) . (2) تقدم تخريجه. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 25) . (4) أخرجه الطبري (3/ 645) برقم (8863) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 25) .

[سورة النساء (4) : الآيات 19 إلى 21]

وأَعْتَدْنا معناه: يسّرناه وأحضرناه. [سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ... الآية: قال ابن عَبَّاس: كانوا في الجاهليَّة، إذا مات الرجُلُ كانَ أولياؤه أحَقَّ بامرأته من أهلها، إن شاءوا تزوّجها أحدهم، وإن شاءوا زوّجوها من غيرهم، وإن شاءوا مَنَعُوهَا الزَّوَاج، فنزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ «1» . وقال بعضُ المتأوِّلين: معنى الآية: لا يحلُّ لكم عَضْل النساءِ اللواتِي أنْتُم أولياء لهنَّ، وإمساكُهُنَّ دون تزويجٍ حتى يَمُتْنَ، فتورَثُ أموالُهُنَّ. قال ع «2» : فعلى هذا القولِ: فالموروث مالُهَا، لا هِيَ وروي نَحْوَ هذا عن ابْنِ عَبَّاس «3» . وقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ... الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كَانُوا يَرِثُون المرأةَ، لأنهم كانوا يتزوَّجونها إذا كانَتْ جميلةً، ويمسِكُونها حتى تموتَ إذا كانت دميمةً «4» وقال نحوَهُ الحَسَن، وعِكْرِمَة، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: هي في الأزواج في الرَّجُل يُمْسِكُ المرأَةَ، ويسيءُ عِشْرتها حتى تَفْتَدِيَ منه فذلك لا يحلُّ له «5» ، وقَالَ مثلَهُ قتادةَ «6» ، وهو أقوى الأقوال ودليل ذلك: قوله:

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 647) برقم (8870) ، وذكره البغوي (1/ 408) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 26) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 234) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 26) . (3) أخرجه الطبري (3/ 647) برقم (8874) ، وذكره البغوي (1/ 408) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 26) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 234) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (4) أخرجه الطبري (3/ 649) برقم (8883) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 27) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 234) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....] (5) ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 27) . (6) أخرجه الطبري (3/ 650) برقم (8886) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 27) .

إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ، وإذا أتَتْ بفاحشةٍ، فليس للوليِّ حَبْسُهَا حتَّى يذهب بمالِهَا إجماعاً من الأُمَّة، وإنما ذلك للزَّوْج على ما سنبيِّنه الآن (إن شاء اللَّه) ، وكذلك قوله: عاشِرُوهُنَّ ... إلى آخر الآية، يظهر منه تقويةُ ما ذكرته. واختلِفَ في معنى «الفَاحِشَةِ» هنا، فقال الحسَنُ بنُ أبي الحَسَن: هو الزِّنَا «1» ، قال أبو قِلاَبَةَ: إذا زنَتِ امرأة الرجُلِ، فلا بأس أنْ يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تَفْتَدِيَ منْه، وقال السُّدِّيُّ: إذا فعلْنَ ذلك، فَخُذُوا مهورَهُنَّ «2» . قلْتُ: وحديثُ المتلاعنَيْن يضعِّف هذا القول لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَذَاكَ بِمَا استحللت مِنْ فَرْجِهَا ... » الحديث «3» . وقال ابنُ عبَّاس وغيره: الفاحشةُ في هذه الآية: البُغْضُ والنُّشُوز فإذا نَشَزَتْ، حلَّ له أنْ يأخذ مالَهَا «4» . قال ع «5» : وهو مذهبُ مالكٍ. وقال قوم: الفاحشةُ: البَذَاء باللِّسان، وسوءُ العِشْرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنَى النُّشُوز. قال ع «6» : والزنا أصعَبُ علَى الزَّوْج من النُّشُوز والأذى، وكُلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أَخْذَ المالِ. وقوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أمرٌ يعمُّ الأزواجَ والأولياءَ، ولكنَّ المتلبِّس في الأغلب بهذا الأمر الأزواجُ، والعِشْرَةُ: المخالطةُ والممازجة. وقوله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً،

_ (1) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 409) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 28) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 236) ، وعزاه لابن جرير. (2) أخرجه الطبري (3/ 652) برقم (8898) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 28) . (3) سيأتي تخريج أحاديث اللعان في محلها، وهي في سورة «النور» . (4) أخرجه الطبري (3/ 652) برقم (8900) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 28) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 235) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس. (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 28) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 28) .

قال السُّدِّيُّ: الخيرُ الكثيرُ في المرأة الولَدُ «1» ، وقال نحوَهُ ابْنُ عَباس» . قال ع «3» : ومِنْ فصاحة القرآن العمومُ الذي في لفظَةِ «شَيْء» لأنه يطَّرد هذا النَّظَرُ في كلِّ ما يكرهه المرءُ ممَّا يجمُلُ الصبْرُ عليه، ويحسُنُ، إذ عاقبةُ الصَّبْرِ إلى خيرٍ، إذا أريد به وَجْهُ اللَّهِ. وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ... الآية: لما مضى في الآية المتقدِّمة حُكْمُ الفِرَاقِ الذي سبَبَهُ المرأةُ، وأنَّ للزوج أخْذَ المالِ منْها، عَقَّبَ ذلك بِذكْرِ الفِراقِ الذي سبَبَه الزَّوْجُ، والمَنْع من أخْذ مالها مع ذلك. وقال بعضُ النَّاس: يؤخَذُ من الآية جوازُ المُغَالاة بالمُهُور، وقال قوم: لا تُعْطِي الآيةُ ذلك لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغةِ «4» . والبُهْتان: مصدر في موضعِ الحالِ، ومعناه: مُبْهتاً، ثم وعظ تعالى عباده، وأَفْضى: معناه: بَاشَرَ، وقال مجاهدٌ وغيره: الإفْضَاءُ في هذه الآية: الجماعُ «5» ، قال ابنُ عَبَّاس: ولكنَّ اللَّه كريمٌ يَكْنِي «6» . واختلف في المراد بالميثاقِ الغَليظِ. فقال الحسن وغيره: / هو قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «7» [البقرة: 229] وقال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الميثاقُ الغليظُ: عُقْدةُ النِّكاحِ «8» ، وقول الرّجل:

_ (1) أخرجه الطبري (3/ 655) برقم (8911) ، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 409) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 28) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 236) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (3/ 655) برقم (8912) ، وذكره ابن عطية (2/ 28) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 28) . (4) ومن أقبح العادات أن يطلب والد العروس من الزوج ما يعجز عن دفعه، فيضطر إلى بيع ما يملك أو الاستدانة من غيره، فيبتدىء صفحة حياته الجديدة بالهم والشقاء المستمر، وهذا من دواعي إحجام بعض الشباب عن الزواج، وفي الحديث الشريف «أقلهن صداقا أكثرهن بركة» . ينظر: «أحكام الصداق» لشيخنا محمد جوهر. (5) أخرجه الطبري (3/ 656) برقم (8918) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 30) . (6) أخرجه الطبري (3/ 656) برقم (8915) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 30) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 238) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....] (7) أخرجه الطبري (3/ 657) برقم (8927) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 30) . (8) أخرجه الطبري (3/ 658) برقم (8928- 8932) عن مجاهد، وبرقم (8933) عن زيد. وذكره ابن-

[سورة النساء (4) : آية 22]

نَكَحْتُ، ومَلَكْتُ النِّكاحَ، ونحوه، فهذه التي بها تستحلُّ الفرُوج. وقال عكرمة، والرَّبيع: الميثاقُ الغليظُ يفسّره قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «استوصوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً فَإنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» «1» . [سورة النساء (4) : آية 22] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ: سبب الآيةِ ما اعتادته بعضُ قبائلِ العَرَبِ أنْ يَخْلُفَ ابنُ الرَّجُلِ على امرأةِ أَبِيهِ، وقد كان في العَرَب من تَزَوَّجَ ابنته، وهو حَاجِبُ بْنُ زُرارة «2» . واختلف في مقتضى ألفاظ الآية. فقالَتْ فرقةٌ: قوله: مَا نَكَحَ، يريد: النساءَ، أي: لا تنكحوا النساءَ اللواتي نكَحَ آباؤكم، وقوله: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، معناه: ولكنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَدَعُوهُ، وقال بعضهم: المعنى: لكنْ ما قد سَلَفَ، فهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَنْ كان واقَعَهُ، فكأنه قال: ولا تفعلوا، حَاشَا ما قد سَلَفَ، وقالتْ فرقة: معناه: لا تَنْكِحُوا كَمَا نَكَح آباؤكم مِنْ عقودهم الفاسدةِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ منْكم من تلك العقود الفاسدة، فمباح لكم إلا قامة علَيْه في الإسلامِ، إذا كان ممَّا يقرِّر الإسلامُ عَلَيْه، وقيل: إلا ما قد سَلَفَ، فهو معفوٌّ عنكم، وقال ابن زَيْدٍ: معنى الآية: النهي عن أن يطأ الرجُلُ امرأةً وطئها الأبُ، إلاَّ ما سَلَفَ من الآباءِ في الجاهليَّة مِنَ الزِّنا بالنساءِ، لا على وجه المُنَاكَحَةِ، فذلك جائزٌ لكُمْ لأنَّ ذلك الزنَا كَانَ فاحشةً، والمَقْتُ: البُغْض والاحتقار، بسبب رذيلة يفعلها الممقُوتُ، وَساءَ سَبِيلًا: أي: بئْسَ الطريقُ والمنهجُ لِمَنْ يسلكه إذ عاقبته إلى عذاب اللَّه. قال ص: «سَاءَ» للمبالغةِ فِي الذمِّ ك «بِئْسَ» ، وسَبِيلاً: تفسيرُهُ، والمخصوص

_ - عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 30) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 238) ، وعزاه لابن أبي شيبة عن مجاهد. (1) تقدم تخريجه. (2) حاجب بن زرارة بن عدس، الدارمي التميمي، من سادات العرب في الجاهلية. كان رئيس تميم في عدة مواطن. وهو الذي رهن قوسه عند كسرى على مال عظيم ووفى به. وحضر يوم شعب جبلة (من أيام العرب المعروفة) قبل 19 أو 17 سنة من مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأدرك الإسلام وأسلم. وبعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على صدقات بني تميم، فلم يلبث أن مات نحو 3 هـ. تنظر ترجمته في: «الأعلام» (2/ 153) .

[سورة النساء (4) : آية 23]

بالذمِّ محذوفٌ، أي: سبيلُ هذا النكاحِ كقوله تعالى: بِئْسَ الشَّرابُ [الكهف: 29] ، أي: ذلِكَ الماءُ انتهى. [سورة النساء (4) : آية 23] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) وقوله سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ ... الآية: حُكْمٌ حرَّم اللَّه به سبعاً من النَّسَب، وسِتًّا من بَيْنِ رضاعٍ وصهْرٍ، وأَلْحَقَتِ السنةُ المتواترةُ سابِعَةً، وهي الجَمْعُ بَيْنَ المرأةِ وعَمَّتها «1» ، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابْنِ عَبَّاس أنه قال: حرّم من النّسب

_ (1) وقد اختلف العلماء في الجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها: فذهب الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء إلى القول بحرمة الجمع بينهما، وعلى ذلك فمن كان تحته امرأة وعقد على عمتها أو خالتها كان النكاح فاسدا يجب فسخه مطلقا. وذهبت الرافضة، والخوارج، وبعض الشيعة، وعثمان البتي إلى القول بجواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وعليه فمن كان عنده امرأة، ثم عقد على عمتها أو خالتها كان النكاح صحيحا. استدل الخوارج والروافض بقوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: 24] . ووجه الدلالة من الآية الكريمة، أنهم قالوا: إن الله (سبحانه وتعالى) لم يذكر في التحريم بالجمع إلا الجمع بين الأختين، ثم قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ فدخلت المرأة وعمتها أو خالتها فيما أحل الله، وإذا حلت المرأة على عمتها أو خالتها، فيكون نكاحها عليها صحيحا. يقال لهم في هذا الدليل: إن قولكم بأن قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ عام يشمل المرأة على عمتها أو خالتها غير صحيح لأن العموم في الآية مخصص بالأحاديث الصحيحة المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول. وأما الجمهور فقد استدلوا بالسّنّة والمعقول: أما السنة: فأولا ما روي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها» ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها بقوله: «لا يجمع بين المرأة وعمّتها» الحديث، وهو خبر لفظا نهي معنى، فيكون الجمع بينهما حراما، وحيث حرم الجمع، فلو نكحهما معا بطل نكاحهما، وإن نكحهما مرتبا بطل نكاح الثانية لأن الجمع حصل بها. ثانيا: ما روي أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها، ولا على بنت أختها» ، وفي بعض الروايات: «لا الصّغرى على الكبرى، ولا الكبرى على الصّغرى» ، فهذه الأحاديث بلغت حد الشهرة، وتلقتها الأمة بالقبول، وهي من الأخبار الموجبة للعلم والعمل فوجب استعمال حكمها مع الآية فيكون قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ مستعملا فيما عدا الأختين-

سَبْعٌ، ومن الصِّهْرَ سَبْعٌ، وتلا هذه الآية «1» ، وقال عمرو بن سالم مِثْلَ ذلك، وجعل السابعةَ قولَهُ تعالى: وَالْمُحْصَناتُ «2» [النساء: 24] . وقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ، أي: سواءٌ دَخَلَ بالبنْتِ، أو لم يَدْخُلْ، فبالعَقْدِ علَى البنْتِ حُرِّمَتِ الأُمُّ هذا الذي عليه الجمهورُ «3» . وقوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ذَكَرَ الأغلَبَ من هذه الأمور إذ هذه

_ - وعدا من بين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تحريم الجمع بينهن، ولما كانت الأحاديث لا يعلم تاريخ ورودها، وجب أن تحمل على المقارنة، فتكون مخصصة لعموم الآية، ويكون الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها حراما. وأما المعقول، فقد قالوا: إن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها يفضي إلى القطيعة، والقرابة المحرمة للنكاح، إنما كانت محرمة لإفضائها إلى القطيعة، فيكون حراما لأن المفضي إلى الحرام حرام. وحيث بطل دليل المخالفين، وثبتت أدلة الجمهور ترجح لنا مذهبهم، وهو حرمة نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وأنه إذا وقع فالنكاح فاسد واجب الفسخ. (1) أخرجه الطبري (3/ 662) برقم (8945: 8950) ، وذكره ابن عطية (2/ 31) ، وابن كثير (1/ 469) ، والسيوطي (2/ 240- 241) . (2) أخرجه الطبري (3/ 662) برقم (8951) ، وذكره ابن عطية (2/ 31) . (3) ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بعدم اشتراط الدخول بالبنت في تحريم الأم، وهو مذهب جمهور الصحابة، وأكثر أهل العلم عليه، حتى كان من قواعدهم المشهورة قولهم: «العقد على البنات يحرم الأمّهات» وعلى ذلك يحرم على الرجل أن يتزوج بأم من عقد عليها، ولم يدخل بها، وإذا حصل، وتزوج بها كان النكاح باطلا يجب فسخه. وذهب داود الظاهري وبشر المريس والزبير ومجاهد إلى القول بأنه لا يحرم على الرجل أن يتزوج بأم من عقد عليها ولم يدخل بها لأن العقد على البنت عندهم لا يحرم الأم حتى يصحبه دخول. وعلى هذا لو عقد على أم من عقد عليها ولم يدخل بها يكون النكاح صحيحا. استدل داود الظاهري ومن معه بقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: 23] ووجه الدلالة من هذه الآية: أنهم قالوا: إن الله (سبحانه) ذكر أمهات النساء، وعطف عليها الربائب، ثم أعقبهما بذكر الشرط، وهو الدخول فينصرف الشرط إليهما. ومما يؤيد أن الشرط راجع إليهما جميعا أنه روي عن علي بن أبي طالب ذلك، وقالوا أيضا: يصح أن يكون الموصول، وهو قوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ صفة للجملتين، فيتقيدا بالدخول، ويصير معنى الآية هكذا: وأمّهات نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ وربائبكم اللّاتي في حجوركم من نسائكم اللّاتي دخلتم بهنّ، يقال للظاهرية ومن معهم في الآية: إن محل رجوع الشرط المذكور في آخر كلمات الآية معطوف بعضها على بعض للجميع إذا كان مصرحا به، وأما الصفة المذكورة في آخر الكلام فتصرف إلى ما يليها فقط فإنك إذا قلت مثلا: جاءني محمد وخالد العالم، فإن صفة العلم تقتصر على خالد فقط، وقوله تعالى: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وصف بالدخول، فيقتصر على ما يليه فقط، وأما رواية أن علي بن أبي طالب قال ذلك فإنه رواها عنه خلاس بن عمر الهجري، وقد ضعفها العلماء. قال القرطبي: وحديث خلاس عن-

حالةُ الرَّبِيبَةِ في الأكْثَر، وهي محرَّمة، وإن لم تكُنْ في الحِجْرِ، ويقالُ: حِجْرٌ (بكسر الحاء، وفَتْحِها) ، وهو مقدَّم ثَوْبِ الإنسان وما بَيْنَ يديه منه، ثم استعملت اللفظةُ في الحفظ والسّتر. وقوله: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، قال ابن عبَّاس وغيره: الدخُولُ هنا الجماع «1» ،

_ - علي لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة والقول بأن الموصول يصح أن يكون صفة للجملتين باطل لأنه لو كان وصفا لهما للزم أن يكون وصفا لمعمولي عاملين مختلفين لأن العامل في «أمهات نسائكم» الإضافة، وفي «نسائكم» حرف الجر، وهو «من» ، فلو كان الدخول صفة لهما لأدى إلى اختلاف العامل في الصفة، واختلاف العامل على معمول واحد باطل، كالعطف على معمولي عاملين مختلفين، فتعين أنه ليس صفة عائدة إليهما، بل يجب أن يكون صفة لواحد منهما، وما يليه أولا، على أن الاحتياط في الفروج يقضي أن يجعل شرطا في الربيبة فقط. وأما الجمهور فقد استدلوا بالكتابة، والسنة والمعقول: أما الكتاب، فقول الله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ووجه الدلالة من الآية: أنهم قالوا: إن الله (سبحانه وتعالى) ذكر تحريم أمهات النّساء مطلقا من غير قيد بالدخول، فتحرم أمهات النّساء ولو لم يدخل بهن، ومما يؤيد إطلاق الآية الكريمة ما روي عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال في هذه الآية: «المرأة مبهمة، فأبهموا ما أبهم الله» أي أطلقوا ما أطلقه الله، وعمموا حكمها في كل حال، ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها. وأيضا فإن المعقود عليها يصدق عليها أنها من نسائه، فتدخل في قوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ. وأما السنة، فأولا: ما روي عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فله أن يتزوج ابنتها، وليس له أن يتزوج الأم» . وثانيا: ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا نكح الرّجل المرأة، فلا يحلّ له أن يتزوّج أمّها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإن تزوّج الأمّ فلم يدخل بها ثمّ طلّقها، فإن شاء تزوّج البنت» أخرجاه في الصحيحين. فهذه الأحاديث صريحة في عدم حل أم الزوجة مطلقا، دخل بها، أو لم يدخل. وأما المعقول، فإنهم قالوا: إن هذا النكاح يفضي إلى قطيعة الرحم لأنه إذا طلق البنت، وتزوج أمها حملها ذلك على الضغينة التي هي سبب لقطيعة الرحم، وكل ما يفضي إلى قطيعة الرحم تحرمه الشريعة الإسلامية، لذلك نجدها تحرم الجمع بين المرأة وأختها، وبين المرأة وبنتها خوفا من قطيعة الرحم، وهذا المعنى يستوي فيه ما إذا دخل بالبنت، وما إذا لم يدخل بها بخلاف الأم حيث قلنا: لا تحرم بنتها بمجرد العقد عليها لأن إباحة نكاح البنت بعد العقد على أمها لا يفضي إلى القطيعة المحرمة، وذلك لما هو معروف عن الأم من الشفقة على بنتها، فهي تؤثرها على نفسها بخلاف البنت، فإنها لا تؤثر أمها على نفسها. يتبين لنا من بيان الأدلة ومن مناقشة أدلة المخالفين للجمهور رجحان مذهب الجمهور، لقوة أدلتهم، وسلامتها من الطعن، وعدم قوة معارضة غيرها لها. (1) أخرجه الطبري (3/ 664) برقم (8959) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 32) ، وابن كثير (1/ 471) بنحوه، والسيوطي (2/ 243) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.

وجمهورُ العلماءِ يقُولُون: إنَّ جميعَ أنواعِ التلذُّذ بالأُمِّ يُحَرِّمُ الإبنةَ كما يحرِّمها الجماعُ، والحلائلُ: جمع حليلة لأنها تحلّ مع الزَّوْج حيث حَلَّ، فهي فَعِيلَةٌ بمعنى فَاعِلَةٍ، وذهب الزَّجَّاج «1» وقومٌ إلى أنَّها مِنْ لفظة «الحَلاَلِ» ، فهي حليلةٌ بمعنى مُحَلَّلَةٍ. وقوله تعالى: الَّذِينَ/ مِنْ أَصْلابِكُمْ يخرُج مَنْ كانَتِ العربُ تتبنَّاه مِمَّنْ ليس للصُّلْب، وحُرِّمَتْ حليلةُ الابن مِنَ الرَّضَاعِ، وإنْ لم يكُنْ للصُّلْب بالإِجماع المستند إلى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» «2» . وقوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: لفظٌ يعمُّ الجمْعَ بنكاحٍ وبملك يمين، وأجمعتِ الأمَّة على مَنْع جَمْعِهِمَا بنكاحٍ، ولا خلافَ في جواز جمعهما بالملك «3» ،

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (2/ 35) . (2) أخرجه مالك (2/ 601) كتاب «الرضاع» ، باب رضاعة الصغير، حديث (1) ، والبخاري (5/ 300) كتاب «الشهادات» ، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض، حديث (2644) ، ومسلم (2/ 1068) كتاب «الرضاع» ، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، حديث (2/ 1444) ، والنسائي (6/ 102- 103) كتاب «النكاح» ، باب لبن الفحل، والدارمي (2/ 155- 156) كتاب «النكاح» ، باب ما يحرم من الرضاع. وعبد الرزاق (7/ 476) رقم (13952) ، وأحمد (6/ 178) ، وابن الجارود (687) ، وأبو يعلى (7/ 338) رقم (4374) ، والبيهقي (7/ 159) كتاب «النكاح» ، باب ما يرحم من نكاح القرابة والرضاع ... كلهم من طريق عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرّحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» وله لفظ آخر مطولا. وللحديث طريق آخر عن عائشة: أخرجه مالك (2/ 607) كتاب «الرضاع» ، باب جامع ما جاء في الرضاعة، حديث (15) ، والشافعي (2/ 19- 20) كتاب «النكاح» ، باب ما جاء في الرضاع، حديث (59) ، وعبد الرزاق (7/ 477) رقم (13954) ، وأحمد (6/ 44، 51) ، وأبو داود (2/ 545- 546) كتاب «النكاح» ، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، حديث (2055) ، والترمذي (3/ 453) كتاب «الرضاع» ، باب ما جاء يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، حديث (1147) ، وابن ماجة (1/ 623) كتاب «النكاح» ، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، حديث (1937) . والنسائي (6/ 99) ، والدارمي (2/ 156) كتاب «النكاح» ، باب ما يحرم من الرضاع. وسعيد بن منصور (1/ 273) رقم (953) ، وابن حبان (4209- الإحسان) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 86) رقم (304) ، والبيهقي (7/ 159) كتاب «النكاح» ، باب ما يحرم من نكاح القرابة والرضاع. والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 333) من طرق عن عروة عن عائشة مرفوعا بلفظ: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» . وقال الترمذي: حسن صحيح. [.....] (3) أجمع المسلمون على أنه يحرم على الرجل أن يجمع بين الأختين بعقد نكاح، فمن كان عنده امرأة ثم عقد على أختها، فالعقد فاسد باتفاق المسلمين، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وهذا نص واضح لإفادة التحريم حيث إنه معطوف على أُمَّهاتُكُمْ والعطف يقتضي-

ومذْهَبُ مالكٍ أنَّ له أنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، والكَفُّ عن الأخرى موكولٌ إلى أمانَتِهِ، فإن أراد وطْءَ الأخرى، فيلزمه أنْ يحرِّم فَرْجَ الأولى بعتْقٍ، أو كتابةٍ، أو غَيْرِ ذلك وثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنه نهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» «1» ، وأجمعت الأُمَّة على ذلك.

_ - الشركة ولأن الجمع بينهما يفضي إلى قطيعة الرحم، وهي حرام، والمفضي إلى الحرام حرام، كما اتفقوا على أنه لو عقد عليهما معا في عقد واحد كان النكاح فاسدا، وكذلك إذا عقد عليهما، ولم تعلم السابقة منهما بطل نكاحهما إذ ليس تخصيص إحداهما بالبطلان في هذه الحالة بأولى من الأخرى. (1) هذا الحديث تواتر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورواه عنه جماعة من أصحابه رضوان الله عليهم، وهم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء، وسمرة بن جندب، وعتاب بن أسيد، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص. وإليك تخريج أحاديثهم: حديث أبي هريرة: وله طرق كثيرة عنه، وقد رواه عنه جماعة من أصحابه، وهم: عامر الشعبي، والأعرج، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وقبيصة بن ذؤيب، وابن سيرين، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعبد الملك بن يسار، وإبراهيم، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية. طريق الشعبي: علقه البخاري (9/ 160) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (5108) ، ووصله أبو داود (2/ 553) كتاب «النكاح» ، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، حديث (2065) ، والترمذي (3/ 433) كتاب «النكاح» ، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، حديث (1126) ، والنسائي (6/ 98) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها. والدارمي (2/ 136) كتاب «النكاح» ، باب الحال التي يجوز للرجل أن يخطب فيها. وأحمد (2/ 426) ، وعبد الرزاق (6/ 262) رقم (10758) ، وابن أبي شيبة (4/ 246) ، وسعيد بن منصور (1/ 208) رقم (652) ، وابن الجارود رقم (685) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 78- 79) رقم (273) ، وأبو يعلى (11/ 516- 517) رقم (6641) ، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص 392) ، والبيهقي (7/ 166) كتاب «النكاح» ، باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها. كلهم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 225- 226) من طريق ابن بزيع عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي عن أبي هريرة مرفوعا به. طريق الأعرج: أخرجه مالك (2/ 532) كتاب «النكاح» ، باب ما لا يجمع بينه من النساء، حديث (20) ، والبخاري (9/ 160) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (5109) ، ومسلم (2/ 1028) كتاب-

وقوله تعالى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ: استثناء منقطعٌ، معناه: لكنْ ما قد سَلَفَ من ذلك، ووقع وأزالَهُ الإِسلام، فإن اللَّه تعالى يغفره، والإسلام يجبّه.

_ - «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، حديث (33/ 1408) ، والشافعي في «مسنده» (2/ 18) كتاب «النكاح» ، باب الترغيب في التزوج (50) ، والنسائي (6/ 96) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها، والدارمي (2/ 136) كتاب «النكاح» ، باب الحال التي يجوز للرجل أن يخطب فيها. وأحمد (2/ 465) ، وسعيد بن منصور (1/ 209) رقم (654) ، ومحمد بن نصر في «السنة» (ص 78) رقم (270، 271) ، والبيهقي (7/ 165) كتاب «النكاح» ، باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها. طريق أبي سلمة: أخرجه مسلم (2/ 1029) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، حديث (37/ 1408) ، والنسائي (6/ 97) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها، وسعيد بن منصور (1/ 208) رقم (650) ، وأحمد (2/ 229، 423) ، وعبد الرزاق (6/ 261) رقم (10755) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 78) رقم (269) . طريق قبيصة بن ذؤيب: أخرجه البخاري (9/ 160) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها (5110) ، ومسلم (2/ 1028) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، حديث (35/ 1408) ، وأبو داود (2/ 554) كتاب «النكاح» ، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، حديث (2066) ، والنسائي (6/ 96- 97) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها. وأحمد (2/ 401، 452، 518) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 78) برقم (272) ، والبيهقي (7/ 165) كتاب «النكاح» ، باب ما جاء في الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها. طريق ابن سيرين: أخرجه مسلم (2/ 1029) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، حديث (38/ 1408) ، والترمذي (3/ 433) كتاب «النكاح» ، باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها (1125) ، والنسائي (6/ 98) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها. وابن ماجة (1/ 621) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (1929) ، وأحمد (1/ 474) ، وعبد الرزاق (6/ 261) رقم (10753) ، والطبراني في «المعجم الصغير» (1/ 88) ، وابن عدي في «الكامل» (1/ 416) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 307) ، والبيهقي (7/ 165) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. طريق عراك بن مالك: أخرجه مسلم (2/ 1028) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، حديث (34/ 1408) ، والنسائي (6/ 97) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها. والبيهقي (7/ 165) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها. وأخرجه النسائي (6/ 97) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها من طريق عراك بن مالك والأعرج معا عن أبي هريرة مرفوعا به. -

[سورة النساء (4) : الآيات 24 إلى 25]

[سورة النساء (4) : الآيات 24 الى 25] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

_ - طريق عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله: أخرجه ابن نصر في «السنة» (ص 78) رقم (272) من طريق عقيل عن الزهري عنهما عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنه نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها. طريق عبد الملك بن يسار: أخرجه النسائي (6/ 17) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 79) رقم (278) من طريق بكير بن عبد الله الأشج عن سليمان بن يسار عن عبد الملك بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . طريق إبراهيم: أخرجه سعيد بن منصور (1/ 208) رقم (653) ثنا هشيم أنا المغيرة عن إبراهيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما صحفتها وللتزوج فإنما لها ما كتب لها» . طريق سعيد بن المسيب وأبي العالية: ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 419- 420) رقم (1263) قال: سمعت أبي يقول: حدثنا هارون بن محمد بن بكار عن أبيه عن سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب وأبي العالية عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يتزوج الرجل [المرأة] على عمتها أو على خالتها. قال أبي: يروي هذا الحديث ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي العالية وسعيد بن المسيب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا. قالا: بلغنا أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا ينكح» وهو أشبه، وابن أبي عروبة أحفظ. اهـ. وطريق ابن أبي عروبة أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 37) وقال: المراسيل في هذا الحديث أولى. وقد اختلف على قتادة في هذا الحديث: فأخرجه العقيلي (4/ 37) من طريق أبي عاصم ثنا همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها» . قال العقيلي: وقد قيل: عن أبي عاصم عن همام عن قتادة عن سعيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسل اهـ. وقد خالفه محمد بن بلال: أخرجه العقيلي (4/ 37) ، والبزار (2/ 165- كشف) من طريقه: ثنا هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها. قال البزار: لا نعلمه عن سمرة إلا من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن همام إلا محمد بن بلال ويعلى بن-

وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ عطْفاً على المُحَرَّمَاتِ، قيل: والتحصّن التمنّع، ومنه

_ - عباد، ومحمد أثبت من يعلى. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 266) وقال: رواه البزار، والطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، ورجال البزار ثقات. حديث جابر: أخرجه البخاري (9/ 160) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث (5108) ، والنسائي (6/ 98) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، وأحمد (3/ 338) ، والطيالسي (1/ 308- منحة) رقم (1567) ، وعبد الرزاق (6/ 262) رقم (10759) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 79) رقم (273) ، وأبو يعلى في «مسنده» (3/ 408) رقم (1890) ، وابن عدي في «الكامل» (2/ 660) ، والبيهقي (7/ 166) كتاب «النكاح» ، باب الجمع بين المرأة وعمتها. من طريق عاصم بن سليمان عن الشعبي عن جابر قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها. وقد خالفه داود بن أبي هند، فرواه عن الشعبي عن أبي هريرة- وقد مر تخريجه-. قال البيهقي: الحافظ يرون رواية عاصم خطأ. وقد رده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (9/ 60) ، فقال: وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاري لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي هريرة. وللحديث طرق أخرى عن جابر بشرط الصحيح أخرجها النسائي من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، والحديث محفوظ أيضا من أوجه عن أبي هريرة، فلكل من الطريقين ما يعضده. اهـ. وقد تابع أبو الزبير الشعبي على هذا الحديث: أخرجه النسائي (6/ 98) كتاب «النكاح» ، باب تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، وابن جميع في «معجم الشيوخ» (ص 118- 119) رقم (69) و (ص 252- 253) رقم (212) من طريقين عن أبي الزبير عن جابر به. حديث علي بن أبي طالب: أخرجه أحمد (1/ 77- 78) ، وأبو يعلى (1/ 297) رقم (360) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 80) رقم (283) ، والبزار (2/ 164- كشف) رقم (1434) من طريق ابن لهيعة: ثنا عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها. قال البزار: لا نعلمه عن علي إلا بهذا الإسناد. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 266) ، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. حديث عبد الله بن مسعود: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (10/ رقم 9801) ، والبزار (2/ 165- كشف) رقم (1435) من طريق المنهال بن خليفة عن خالد بن سلمة عن عمرو بن الحارث عن زينب امرأة عبد الله عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفىء ما في صحفتها» . قال البزار: لا نعلمه عن عبد الله عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلا بهذا الإسناد. -

الحِصْن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلى ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب

_ - وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 266) : رواه الطبراني في «الكبير» ، وإسناده منقطع بين المنهال بن خليفة وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار، ورجالهما ثقات اهـ. وهذا الكلام فيه نظر فإن المنهال لم يروه هنا عن عمرو بن الحارث، إنما رواه عن خالد بن سلمة عن عمرو بن الحارث. حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه أحمد (2/ 179، 182، 189، 207) عن محمد بن جعفر عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 266) : ورجاله ثقات. وأخرجه محمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 80) رقم (280) من طريق الحسين بن ذكوان، وابن عدي في «الكامل» (5/ 328) من طريق الحكم، كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وللحديث طريق آخر عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استند إلى بيت، فوعظ الناس وذكرهم. قال: «لا يصلي أحد بعد العصر حتى الليل، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي رحم مسيرة ثلاث، ولا يعقد من امرأة على عمتها ولا على خالتها» . قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 266) : رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» ... ورجال الجميع ثقات، إلا أن إسناد الطبراني الأول فيه محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيف. حديث عبد الله بن عمر: أخرجه البزار (2/ 165- كشف) رقم (1436) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 80) رقم (284) من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري هكذا إلا جعفر، ولا عنه إلا كثير. وقال الهيثمي في «المجمع» (40/ 266) : ورواه الطبراني في «الأوسط» ، والبزار ... ، ورجالهما رجال الصحيح. وقد أعل هذا الحديث أبو حاتم فقال ابنه في «العلل» (1/ 402- 403) رقم (1205) : سألت أبي عن حديث رواه كثير بن هشام عن جعفر بن برقان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه نهى أن يجلس الرجل على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن تنكح المرأة على عمتها. قال أبي: هذان الحديثان خطأ يرويه عن جعفر عن رجل عن الزهري هكذا، وليس هذا من صحيح حديث الزهري، أما حديث «نهى أن تنكح المرأة على عمتها وعلى خالتها» فإن عقيلا رواه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وقبيصة بن ذؤيب عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو أشبه. وأما قصة المائدة، فهو مفتعل، ليس من حديث الثقات. وللحديث طريق آخر عن ابن عمر: أخرجه أبو يعلى في «معجم شيوخه» (ص 281) رقم (248) من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها. وموسى بن عبيدة الربذي: قال البخاري: منكر الحديث. (الضعفاء- 345) . وقال النسائي: ضعيف. (الضعفاء والمتروكين- 581) ، وكذلك ضعفه الدارقطني، فذكره في «الضعفاء» -

اللَّهِ عزَّ وجلَّ: فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة

_ - (517) ، وقال: لا يتابع على حديثه. وقال الترمذي في «السنن» (3039) : موسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل. وقال البزار (1823- كشف) : لم يكن حافظا للحديث لتشاغله بالعبادة فيما نرى اهـ. فالحديث بهذا الإسناد ضعيف. حديث ابن عباس: أخرجه أحمد (1/ 372) ، وأبو داود (2/ 544) كتاب «النكاح» ، باب ما يكره أن يجمع من النساء، حديث (2067) ، والترمذي (3/ 432) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها. ومحمد بن نصر المروزي (ص 80) رقم (284) ، وابن حبان (1275- موارد) من طريق عكرمة عن ابن عباس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين الخالتين والعمتين. واللفظ لأبي داود، وزاد ابن حبان قال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» . وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان. حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد (3/ 67) ، وابن ماجة (1/ 621) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، حديث (1930) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 79) رقم (277) من طريق محمد بن إسحاق حدثني يعقوب بن عبد الله بن عتبة عن سليمان بن يسار عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينهى عن نكاحين: أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. قال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (2/ 100) : هذا إسناد ضعيف لتدليس ابن إسحاق، وقد عنعنه. اهـ. قلت: وكلام البوصيري فيه نظر لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث عند المروزي في «السنة» ، فالسند حسن. وللحديث طريق آخر: فأخرجه أبو محمد البخاري في «مسند أبي حنيفة» كما في «جامع المسانيد» للخوارزمي (2/ 103) بسنده عن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا تتزوج المرأة على عمتها ولا على خالتها» . ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (4/ 166) . وقال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه عطية، وهو ضعيف. وقد وثق، وفيه ضعيف آخر لا يذكر. حديث أبي موسى الأشعري: أخرجه ابن ماجة (1/ 621) كتاب «النكاح» ، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها، حديث (1931) : حدثنا جبارة بن المغلس، ثنا أبو بكر النهشلي، حدثني أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 100) هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وهو ضعيف. من طريق جبارة بن المغلس أخرجه أيضا أبو يعلى في «مسنده» (13/ 193) رقم (7225) ، وفي «معجم-

لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك ألا ترى إلى قول هند:

_ - شيوخه» (ص 168) رقم (124) . حديث أبي الدرداء: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 267) عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» . وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه راويان لم يسميا. حديث سمرة بن جندب: تقدم تخريجه أثناء حديث أبي هريرة، فليراجع. حديث عتاب بن أسيد: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (17/ رقم 426) من طريق عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد عن عتاب بن أسيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 263- 264) : رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة الربذي هو ضعيف. واختلف على موسى في هذا الحديث: فأخرجه أبو يعلى في «معجم شيوخه» (ص 281) رقم (248) ، وابن عدي في «الكامل» (6/ 335) من طريق عبد الرّحيم بن سليمان عن موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها. وزاد ابن عدي: ونهى عن الشغار، والشغار أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لهما صداق. حديث عائشة: أخرجه أبو يعلى (8/ 197- 198) رقم (4757) ، ومحمد بن نصر المروزي في «السنة» (ص 80) رقم (282) من طريق عبيد الله بن عبد الرّحمن بن موهب قال: سمعت مالك بن محمد بن عبد الرّحمن قال: سمعت عمرة بنت عبد الرّحمن عن عائشة قالت: وجد في قائم سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كتابان في أحدهما: «ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . ولفظ أبي يعلى مطولا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 295) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير مالك بن أبي الرجال، وقد وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد. وذكره أيضا ابن حجر في «المطالب العالية» (1486) ، وعزاه لأبي يعلى. حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 21) من طريق مؤمل بن إسماعيل: ثنا الثوري عن خالد بن سلمة المخزومي عن سعيد بن المسيب عن سعد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» . قال ابن عدي: كذا قال لنا فيه ابن صاعد: عن سعيد بن المسيب، وقال غيره: عن محمد بن ميمون عن عيسى بن طلحة عن سعد، هكذا رواه عن ابن ميمون إبراهيم بن موسى التوزي. وحدثناه أحمد بن محمد بن سعيد عن عبد الله بن أبي سعد الوراق عن ابن ميمون كذلك، وهذا الحديث عن عيسى بن طلحة عن سعد أشبه من سعيد بن المسيب عن سعد لأنه قد روي عن عيسى بن-

«وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ» ، وتستعمله في الإسلام لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة «1» لأنها إذا ارتبط بها إنسانٌ، وظهرَتْ على شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ. وحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تقوى فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض كما سيأتي بيانُهُ في مكانه (إن شاء اللَّه) . فقوله سبحانه في هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ «2» ، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، فقال: نرى أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك «3» ، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره: قوله سبحانه: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: إشارةٌ إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «4» [النساء: 3] وفي هذا بعد،

_ - طلحة عن سعد موقوفا ومرسلا اهـ. وقد خولف مؤمل في هذا الحديث خالفه عبد الرزاق وأبو عامر، فروياه عن الثوري عن خالد بن سلمة المخزومي عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة. أخرجه عبد الرزاق (6/ 263) رقم (10767) ، وأبو داود في «المراسيل» (ص 182) رقم (208) . (1) قال صاحب «لسان العرب» : العفة: الكف عما لا يحل ويجمل: عف عن المحارم والأطماع الدّنيّة يعف عفة، وعفّا، وعفافا، وعفافة، فهو عفيف. وعفّ أي: كف، وتعفف، واستعفف وأعفه الله، وفي التنزيل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً [النور: 33] فسّره ثعلب فقال: ليضبط نفسه بمثل الصوم، وفي الحديث: «من يستعفف يعفّه الله» أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها. وقيل: الاستعفاف: الصبر، والنزاهة عن الشيء ومنه الحديث: «اللهمّ إنّي أسألك العفّة والغنى إلخ ... » . وعرف علماء الأخلاق فضيلة العفة بتعاريف متعددة مختلفة أهمها ما يأتي: أولا: عرفها حجة الإسلام الغزالي فقال: هي تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشّرع. ثانيا: عرفها محيي الدين بن العربي: بأنها ضبط النّفس عن الشهوات وقسرها على الاكتفاء بما يقيم الجسد، ويحفظ صحته. والّذي ألاحظه على هذين التعريفين قصر العفة على شهوات البدن فقط، مع أنها تتناول ملاذ الروح أيضا. (2) أخرجه الطبري (4/ 3) برقم (8962) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 34- 35) ، والسيوطي (2/ 246- 247) بنحوه. (3) أخرجه الطبري (4/ 8) برقم (9012) ، وذكره ابن عطية (2/ 35) ، والسيوطي (2/ 248) بنحوه، وعزاه لابن جرير عن ابن شهاب. (4) أخرجه الطبري (4/ 11) برقم (9018) ، (9019) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 36) ، وابن كثير-[.....]

والأظْهَرُ أنَّ قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله. قال الفَخْر «1» : وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج: ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوباً على جهة الأَمْرِ، ويكون عَلَيْكُمْ خبراً له، فيكون المعنَى: الزموا كتابَ اللَّهِ. انتهى. وفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: أي: حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم. انتهى. وقوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَراءَ ذلِكُمْ، قال عطاء وغيره: المعنى: وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم «2» ، قلْتُ: أي: على ما علم تفصيله من الشريعة. قال ع «3» : وأَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ: لفظ يجمع/ التزوّج والشراء، ومُحْصِنِينَ: معناه: متعفِّفين، أي: تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، غَيْرَ مُسافِحِينَ، أي: غَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ: الزنا. وقوله سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، قال ابن عَبَّاس وغيره: المعنى: فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر «4» كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً وغيره: إن الآية نزلَتْ في نكاح «5» ...

_ - (1/ 474) بنحوه، والسيوطي (2/ 249) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (1) ينظر: «تفسير الرازي» (10/ 35) . (2) أخرجه الطبري (4/ 12) برقم (9024) ، وذكره ابن عطية (2/ 36) ، وابن كثير (1/ 474) ، والسيوطي (2/ 249) ، وعزاه لابن جرير عن عطاء. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 36) . (4) أخرجه الطبري (4/ 13) برقم (9029) ، وذكره ابن عطية (2/ 36) ، والسيوطي (2/ 250) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. (5) أصل المتعة في اللغة: الانتفاع، يقال: تمتعت بكذا، واستمتعت بمعنى، والاسم المتعة. قال الجوهري: ومنه: متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج لأنه انتفاع، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة من الزمن، سواء أكانت المدة معلومة مثل أن يقول: زوجتك ابنتي مثلا شهرا. أو مجهولة، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد الغائب، فإذا انقضت المدة، فقد بطل حكم النكاح، وإنما سمى النكاح لأجل بذلك لانتفاعها بما يعطيها، وانتفاعه بقضاء شهوته، فكان الغرض منها مجرد التمتع دون التوالد وغيره من أغراض النكاح. -

..

_ - وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة ثم يتركها من غير أن يرى العرب في ذلك غضاضة، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر، ولم نعلم أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة فقد روي عن علي (رضي الله عنه) أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن متعة النّساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة» واستمر الأمر على ذلك، حتى فتح «مكة» حيث ثبت أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أباحها ثلاثة أيام، وفي بعض الروايات أنه أباحها يوم «أوطاس» ، ولكن الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح، ومن قال: يوم «أوطاس» ، فذلك لاتصالها بها، ثم حرمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك إلى يوم القيامة. فيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت في خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حرمت بعد ذلك إلى يوم القيامة، فتكون المتعة مما تناولها التحريم والإباحة مرتين.. وقد نشأ من هذا الاختلاف في المتعة بين الصحابة، فمنهم من يرى أن إباحة المتعة قبل خيبر كانت للضرورة وللحاجة، ثم لما ارتفعت الحاجة في خيبر نهى عنها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم لما تجددت الحاجة عام الفتح أذن فيها، ولما ارتفعت الحاجة نهى عنها، وعليه فتكون المتعة مباحة عند الحاجة، وبهذا كان يقول ابن عباس (رضي الله عنهما) إلا أنه رجع عنه كما سيأتي بيانه. ومنهم من يرى أن نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المتعة يوم خيبر كان نسخا لها، ثم رفع النسخ في يوم الفتح ثلاثة أيام، ثم نسخت بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإلى هذا ذهب جمهور الصحابة. وقد اختلف الفقهاء بعد ذلك في المتعة هل هي محرمة، فتكون من الأنكحة الفاسدة، أو مباحة، فتكون من الأنكحة الصحيحة. فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها، وأنها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقا قبل الدخول وبعده، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وذهب الإمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة، بل منهم من تغالى في ذلك وقال: إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية. ولما لم أجد كتابا من كتب الإمامية أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن أكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني، وهو من علماء الشيعة فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه: «والحديث يدل على تحريم نكاح المتعة للنهي عنه، وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوما، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر، ولا يثبت لها مهر ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه» . هكذا ذكره في بعض كتب الإمامية وإنا أذكر دليل الإمامية والرد عليه: استدل الإمامية على القول بإباحة المتعة بالكتاب، والأثر، والمعقول، والإجماع. أما الكتاب، فقول الله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: 24] فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على المتعة، وقالوا: المراد بقوله تعالى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي وابن عباس: «فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل» ، فهي صريحة في المتعة. وأما الأثر: فأولا: بما روي أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا: لو لم تكن-

..

_ - المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة. وثانيا: بما روي عن جابر (رضي الله عنه) قال: تمتعنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم نهانا عمر. ووجه الدلالة من هذا: أن جابرا (رضي الله عنه) أخبر أنهم استمتعوا في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفي خلافة أبي بكر، وفي صدر من خلافة عمر، وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى عنها عمر من باب السياسة الشرعية. وأما المعقول: فقد قالوا: إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضررا عاجلا، ولا آجلا، وكل ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة. وأما الإجماع: فإنهم قالوا: أجمع أهل البيت على إباحتها. وتناقش هذه الأدلة التي تمسك بها الإمامية بما يأتي: أما الآية، فيقال لهم فيها: إنها بمعزل عن الدلالة لكم إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة من المهر كاملا إذ استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها. وتسمية المهر أجرا لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر أجرا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ [الأحزاب: 50] أي: مهورهن، وكقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن، وأما قراءة أبيّ وابن عباس، فهي شاذة، والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي، وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ مع أن الدليلين إن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس أنه ثبت رجوعه عنه، وقد كان يفتي بها أولا لأنه فهم من نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عنها يوم خيبر، ثم إباحتها يوم الفتح، ثم نهيه عنها بعد ذلك- أن الإباحة كانت للضرورة، والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما روي عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص فيها، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس: نعم فإنه يعلم من هذا أن ابن عباس كان يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه، ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ. ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي، أن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه، حتى نزلت: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون: 6] و [المعارج: 30] فقال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام. وقد روى رجوعه أيضا البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: «اللهمّ إنّي أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف، وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس، وقد رجع عنها» . ويقال لهم في أثر جابر: إن قوله: «تمتعنا إلخ ... » يحمل على أن من تمتع لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، أو يكون جابر (رضي الله عنه) قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم لم يبلغه النسخ، حتى نهى عنها عمر، فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها، وأن ذلك من قبيل السياسة الشرعية غير مسلم فإن عمر إنما قصد الإخبار عن تحريم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونهيه عنها، إذ لا يجوز أن ينهى عما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أباحه وبقي على إباحته. ومما يؤيد أن نهيه-

..

_ - عنها ليس من قبيل السياسة الشرعية، بل إنه نهى عنها لما علم نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر قال: صعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنها، لا أوتى بأحد نكحها إلّا رجمته» . ويقال لهم في المعقول: لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا ضرر فيها في الآجل ولا في العاجل، بل الضرر متحقق فيها فإن فيها امتهان المرأة، وضياع الأنساب فإنه مما لا شك فيه أن المرأة التي تنصب نفسها ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضا فهو معقول في مقابلة النص، وهو باطل. ويقال لهم في الإجماع: أولا: إن إجماع أهل البيت (على فرض إجماعهم) ليس بحجة، فما بالك والإجماع لم يصح عنهم؟! فهذا زيد بن علي، وهو من أعلمهم يوافق الجمهور، ثم إن الإمام عليا (رضي الله عنه) وهو رأس الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي من طريق جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري أن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: إنك رجل تائه- أي: مائل- إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن المتعة. وأما الجمهور، فقد استدلوا على تحريم نكاح المتعة بالكتاب، والسنة، والمعقول، والإجماع: أما الكتاب: فقول الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: 5- 6] و [المعارج: 29- 30] ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أنها أفادت أن الوطء لا يحله إلا في الزوجة والمملوكة وامرأة المتعة لا شك أنها ليست مملوكة ولا زوجة. أما أنها ليست مملوكة، فواضح. وأما أنها ليست زوجة، فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله (تعالى) : وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ [النساء: 12] الآية. وبالاتفاق لا توارث بينهما. وثانيا: لثبت النسب، بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» وبالاتفاق لا يثبت النسب. وثالثا: لوجبت العدة عليها لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة: 234 و 240] الآية. وأما السنة: فأولا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عن أبيهما عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية» ووجه الدلالة من الحديث: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن المتعة، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فيكون نكاح المتعة فاسدا. والحديث يدل على نسخ ما تقدم من إباحتها. ثانيا: ما روي عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشر، فأذن لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج منها حتى حرمها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وفي رواية أنه كان مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلي سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» رواه أحمد ومسلم ووجه الدلالة من الحديث أنه يدل برواياته على تحريم نكاح المتعة، وقد جاء في الرواية الثانية التصريح بتحريمها إلى يوم القيامة، فيكون ذلك نسخا لإباحتها، وإذا ثبت ذلك فهي من الأنكحة الفاسدة. وأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح لم يشرع لقضاء الشهوة، بل شرع لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها. واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي من أجلها شرع النكاح، فلا يكون مشروعا. -

..

_ - وأما الإجماع: فقد قالوا: إن الأمة امتنعت عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة إلى ذلك، وما ذلك إلا لعلمهم بنسخها. وقد نوقشت أدلة الجمهور بما يأتي: أما حديث علي، فقد قيل لهم فيه: إنه وقع فيه كلام، حتى زعم ابن عبد البر أن ذكر النهي بيوم خيبر غلط. وقال السهيلي: ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار. والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري. وقد أشار ابن القيم إلى تقرير هذا التقديم والتأخير فقال: وأما نكاح المتعة، فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنه نهى عنها عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية وإنما قال علي لابن عباس: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى يوم خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجا عليه في المسألتين، فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفعلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفعلين، وقيده بيوم خيبر. وترد هذه المناقشة بأن أصحاب الزهري قد اتفقوا على أن نهي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن المتعة يوم خيبر، وهم حفاظ ثقات، وزيادة الحافظ الثقة تقبل. ولهذا قال عياض تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، والقول بأنه وقع في لفظ الزهري تقديم وتأخير يخالفه ظاهر الحديث فإن ظاهره أن عام خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة. ومما يؤيد هذا الظاهر حديث ابن عمر الذي أخرجه البيهقي بإسناد قوي أن رجلا سأل عبد الله بن عمر عن المتعة، فقال: حرام، قال: فإن فلانا يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حرمها يوم خيبر، وما كنا مسافحين. والذي يظهر أن القائلين بأن النهي يوم خيبر إنما كان عن لحوم الحمر الأهلية يحاولون بذلك استبعاد أن تكون المتعة قد نسخت مرتين لأنه ثبت النهي عنها يوم الفتح، ومعلوم أن يوم الفتح بعد خيبر، إذ أن خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وغزوة الفتح في السنة الثامنة فيلزم من ذلك نسخها مرتين. ونحن نرى أن لا داعي لهذه المحاولة ما دام الحديث ظاهرا في أن يوم خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة، ولا مانع من نسخها مرتين، ولها نظير في الشريعة الإسلامية، وهو مسألة القبلة فقد نسخت مرتين، وذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود، وامتحانا للمسلمين الذين اتبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة ثانيا. وقيل لهم في حديث سبرة الجهني: أن القول بأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حرمها إلى يوم القيامة معارض بما روي عنه أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن المتعة في حجة الوداع كما عند أبي داود. وترد هذه المناقشة بأن هذا اختلف فيه عن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح لأنهم في فتح مكة شكوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم العزوبة، فرخص لهم فيها مدة ثم نسخها، وعلى تسليم صحة النهي عنها في حجة الوداع، فنقول: إن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعاد النهي في حجة الوداع ليسمعه من لم يكن سمعه قبل، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها. ويقال لهم في الإجماع: إنه غير مسلم فقد ثبت الجواز عن ابن عباس كما ثبت عن جماعة من التابعين. -

المُتْعة «1» ، قال ابنُ المُسَيَّب: ثم نُسِختْ «2» . قال ع «3» : وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نهى عنها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ، أي: مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد استقرار الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال: الإشارةُ بهذه إلى أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المتعة، وزيادة في الأجر جائز.

_ - ويجاب عن هذا بأن ابن عباس صح عنه أنه رجع عن القول بحل المتعة، كما قدمنا فانعقد الإجماع على تحريمها. وأما خلاف بعض التابعين فإنه إن صح عنهم لم يضر بعد تقرر التحريم قبل حدوثهم. يتبين لنا من بيان الأدلة ومناقشاتها رجحان مذهب الجمهور من أن المتعة حرام، وهي من الأنكحة الفاسدة لقوة أدلتهم، وأنه لا عبرة بمخالفة الإمامية لما تبين من بطلان ما تمسكوا به من الأدلة. هذا وقد نسب بعض العلماء القول بصحة نكاح المتعة إلى إمام دار الهجرة (رضي الله عنه) قال صاحب «الهداية» من الحنفية: «ونكاح المتعة باطل، وهو أن يقول لامرأة: أتمتع بك كذا مدة بكذا من المال» وقال مالك (رحمه الله) : «هو جائز» . وهذه النسبة باطلة فإن الإمام مالكا (رضي الله عنه) لم يقل بإباحة نكاح المتعة، ولا قال به أحد المالكية فإنهم جميعا اتفقوا على تحريم نكاح المتعة. ولأجل مخالفة هذه النسبة لمذهب المالكية نجد بعض علماء الحنفية أنكرها على صاحب «الهداية» . قال ابن نجيم في «البحر الرائق» : وما في «الهداية» من نسبته إلى مالك، فغلط كما ذكره الشارحون. والموجود في كتب المالكية إنما هو فيمن نكح نكاحا مطلقا، ونيته ألا يمكث معها إلا مدة نواها، فقالوا: إن ذلك جائز، وليس هو بنكاح متعة ولو علمت المرأة بنيته. وهذا لم ينفرد به المالكية بل قال به الجمهور، إلا ما روي عن الأوزاعي فقد قال: هذا نكاح متعة، ولا خير فيه. وقد قال الإمام مالك: ليس هذا من الجميل، ولا من أخلاق الناس. فإن قيل: ما الفرق بين هذا النكاح الذي نوى فيه الرجل الإقامة معها مدة نواها، وبين نكاح المتعة الذي قالت به الإمامية وقلتم ببطلانه؟؟ نقول: الفرق بينهما واضح، وهو أن نكاح المتعة الذي قلنا ببطلانه، والذي قالت به الإمامية دخلا فيه على تحديده بمدة معينة أو غير معينة. وأيضا فهو نكاح لا تترتب عليه أحكام النكاح من التوارث ولحوق النسب ووجوب العدة بخلاف هذا، فإنه وإن نوى الإقامة معها مدة إلا أنهما لم يدخلا على ذلك، وهو نكاح تترتب عليه آثاره، ففرق بينهما، غاية الأمر أنه نوى الإقامة معها مدة نواها، وهذا لا يضر لأن الرجل بيده الطلاق، فله أن يطلق في أي وقت شاء. ينظر: «الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير» (4/ 22) ، و «زاد المعاد» (4/ 8) ، و «الهداية» (2/ 384) . (1) أخرجه الطبري (4/ 14) برقم (9037) بنحوه، وذكره البغوي (1/ 414) ، وابن عطية (2/ 36) ، والسيوطي (2/ 250) بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن عباس. (2) ذكره ابن عطية (2/ 36) ، والسيوطي (2/ 251) بنحوه، وعزاه لأبي داود في «ناسخه» ، وابن المنذر، والنحاس، والبيهقي. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 37) . [.....]

وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الطَّوْل هنا: السَّعَة في المالِ «1» وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة» ، فعلى هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ باجتماع شرطَيْنِ: عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة» . قال مالك في «المُدَوَّنة» : «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ» ، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل. قال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ «2» . وقال أبو حنيفة: وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ وقاله «3» الطَّبَرِيُّ، وتقولُ: طَالَ الرَّجُلُ طَوْلاً (بفتح الطاء) إذا تفضَّل، ووَجَدَ، واتسع، وطُولاً (بضمها) : في ضِدِّ القصر، والْمُحْصَناتُ في هذا الموضع: الحرائرُ- والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفها في الإماء، وفتى كذلك، والْمُؤْمِناتِ في هذا الموضع: صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ «4»

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 17) برقم (9052) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 37) ، والسيوطي (2/ 253) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) ذكره ابن عطية (2/ 37) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 18) . (4) اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب إلى جوازه مع كونه خلاف الأولى الحنفية وأحمد في رواية، وهو المنقول في «العتبية» و «الواضحة» من سماع ابن القاسم عن مالك. وذهب الشافعية والحنابلة في ظاهر مذهبهم، والمالكية في المشهور عندهم إلى القول بعدم جواز التزوج مطلقا. استدل المانعون بالكتاب: أولا: قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221] وجه الدلالة: أن الآية دلت على تحريم المشركات. والكتابية مشركة، فيحرم نكاحها حرة كانت أو أمة لاندراجها تحت العموم، لا أن الله (تعالى) خص الحرائر بالحل بقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [المائدة: 5] إذ المراد بالمحصنات الحرائر، فبقيت الإماء على أصل المنع وعدم الحل كالوثنيات والمجوسيات. ونوقش بأن المستدل منع فيما تقدم أن تكون الكتابية مشركة، ونفى إرادة الكتابية من لفظ «المشركات» في قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ، وكيف يصح هذا وقد خصهن العرف باسم آخر ولم يطلق عليهم اسم الشرك؟! يؤيده خصوصية كل منهما باللفظ، والعطف في أسلوب القرآن، فإن الأخير يقتضي المغايرة. ولو سلمنا اندراجهن تحت عموم المشركات وإرادتهن من اللفظ، فقد خرجن بالاتفاق على تخصيص هذا العموم بحل الحرائر من الكتابيات بآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، فلم تبق الآية على-

عندهم قُلْتُ: والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يئول إليه الحال من استرقاق الولد.

_ - عمومها فلا يحتج بها. ثم ما تقدم على القول بتفسير المحصنات بالحرائر. أما إن فسرت بالعفائف (كما جرى عليه الحنفية استنادا إلى أن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع، وهو يحصل بالحرية والإسلام) . فاسم العفائف متناول للحرائر والإماء، فيكنّ في الحكم سواء. وحيث وقع الاتفاق على حل الحرائر، فالإماء كذلك لعدم الفصل في الدليل المبيح. وثانيا من الكتاب: قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النساء: 25] دلت الآية على أن حل المتزوج بالإماء مشروط بشرطين هما إيمانهن وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة، فإذا انتفى الإيمان منهن (وهو أحد الشرطين) بأن كن كتابيات انتفى الحكم، وهو الحل، فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أو أضيف إلى مسمى بوصف خاص، أوجب نفي الحكم عند عدم الشرط أو الوصف، فكان انتفاء الشرطين أو أحدهما وهو الإيمان مفيدا لتحريم الإماء. ونوقش بأن هذه الآية غاية ما تفيد وجود الحكم عند وجود الشرط، أما نفي الحكم عند نفي الشرط، فلم تتعرض له الآية، فلا دلالة فيها على التحريم إذ اللفظ لا يدل على خلاف الموضوع له. وغاية درجات الوصف إذا كان مؤثرا أن يكون علة، ولا تأثير للعلة في نفي الحكمة لأن عدم العلة لا يصلح أن يكون علة لعدم الحكم لكون العدمي لا يكون علة لحكم عدمي ولا وجودي، وعلى ذلك فالآية أفادت حل الإماء المؤمنات عند الشرط لا تحريم الكتابيات. ولو سلمنا للمستدل حجية المفهوم، فمقتضى مفهوم الآية عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الكراهة أو الحرمة لأنه لا دلالة للأعم على أخص بخصوصه. وعليه يجوز ثبوت الكراهة أو الحرمة على السواء لا ثبوت الحرمة بعينها، لكن لما كانت الكراهة أقل تعينت، وإليها مالت الحنفية. وصرح بذلك صاحب «البدائع» منهم. فإن قال قائل: إن الوصف بالإيمان يدل على الحرمة عند عدمه، فتحرم الأمة الكتابية لعدم تحقق وصف الإيمان فيها. ولهذا نظير معتبر متفق عليه وارد في القرآن الكريم هو قوله تعالى في كفارة القتل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92] فقد وقع الاتفاق على عدم إجراء الرقبة الكافرة في هذه الكفارة لكونها مقيدة بالإيمان، فكأنهم اعتبروا الوصف الوارد في الآية. أجيب بأن تحرير الرقبة في كفارة القتل لم يشرع إلا مقيدة بالإيمان، بخلاف النكاح فقد شرح مطلقا ومقيدا. واستدل المانعون بالمعقول من وجهين: الوجه الأول: أن نكاح الإماء في الأصل ثبت ضرورة وما ثبت بالضرورة يقتصر على قدرها الوارد به النص. وقد ورد النص بحل الحرائر والإماء المؤمنات لكون الضرورة مرتفعة بهما، فلا تحل الإماء الكتابيات لعدم ورود النص بذلك. أما أن نكاح الإماء ثابت ضرورة، فلما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو موت حكما، فكان كالإهلاك حسّا إذ به يخرج الشخص عن أن يكون منتفعا به في حق نفسه ملحقا بالعجماوات في البيع والشراء، وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز. والوجه الثاني: هو أن التزوج بالإماء الكتابيات يؤدي إلى تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر لأن الولد ينشأ رقيقا برق أمه، فإذا كانت الأم مملوكة لكافر وتزوجها حر مسلم نشأ الولد رقيقا برق أمه، -

وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، ومعناه: واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيح، وفي اللفظ

_ - مسلما بإسلام أبيه، مملوكا لكافر هو سيد أمه. ولا شك أن هذا التعريض محظور شرعا، فيحظر ما أفضى إليه، وهو التزوج بالأمة الكتابية إذ أن ما يفضي إلى المحظور يكون محظورا. ونوقش المعقول بوجهيه: بأن على تسليم كون نكاح الإماء فيه تعريض الولد للرق لا يفضي إلى التحريم بل يفيد الكراهة إذ لو كان محرما لما أجاز الشارع للعبد أن يتزوج بأمتين مع وجود العلة المذكورة في نكاحه، كما أن تحصيل الولد رقيقا مسلما أولى من عدم تحصيله أصلا لأن فيه تكثير المقرين بالوحدانية الأمر الذي هو المقصود الأصلي من النكاح. أما كون الولد حرا بعد كونه مسلما، فهو كمال يرجع إلى أمر دنيوي. وفي إمكان المتزوج بالأمة الكتابية عدم تحصيل الولد أصلا بنكاح من لا تلد فلا يتحقق المانع، فلا تحرم. أما كون النكاح فيه تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر، فهذا غير مطرد، ومؤثر في بعض الحالات دون بعض، وغاية ما يفيد الكراهة لا الحرمة. وهناك معقول ثالث: استدل به المانعون هو أن الأمة الكتابية جمعت بين نقصين مؤثرين في منع النكاح هما الكفر والرق، فيحرم نكاحها كالحرة المجوسية، حرمت لاجتماع نقصي الكفر وعدم الكتاب فيها. ونوقش: بأن المانع من نكاح الحرة المجوسية هو تغليظ كفرها بعدم الانتماء إلى نبي أو كتاب منزل، فأشبهت المشركة، ولا كذلك الأمة الكتابية فظهر الفرق بينهما. واستدل المجيزون بالكتاب والمعقول: أولا: الكتاب، وهو قوله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: 3] الآية، وقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5] . وجه الدلالة: أن العمومات التي اشتملت عليها هذه الآيات أفادت حل النكاح بالنساء مطلقا من غير تقييد بحرائر أو إماء بإيمان أو غير إيمان. ذلك لأن الآية أفادت حل النساء المستطابة مطلقا من غير تقيد بحرية أو غيرها. والآية الثانية أفادت حل المملوكات، وهو بإطلاقه شامل للكتابيات وغيرها. والآية الثالثة إنّما يتم الاستدلال بها على المطلوب إذا فسّرت المحصنات بالعفائف لأن العفيفة كما تكون حرة تكون أمة. دل عليه استثناؤها من المحصنات في قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: 24] ، فكان لفظ «المحصنات» متناولا للإماء كما هو متناول للحرائر. ونوقش: بأن هذه العمومات المستدل بها مراد بها الحرائر دون الإماء، شهد بذلك سياق الآيات ففي سياق قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ وقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4] والمملوكة سيدها هو المتولي قبض مهرها، فكان هذا دليلا على خصوصية الحرائر بالآية لأنهن اللائي يقبضن مهورهن. وكذا قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء: 3] سيق لبيان عدم اشتراط العدل في نكاح المملوكات دون الحرائر. أما قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فلا دلالة فيها على حل نكاح الإماء لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معان مختلفة، وليس بعام حتى يجري على مقتضى لفظه، فكان مجملا موقوفا على البيان معناه. ووقوع الاتفاق على أن حل الحرائر من الكتابيات مستفاد من الآية مشعر بورود بيان يفيد ذلك. أما الإماء، فعدم البيان في حقهن مبق لهن على أصل المنع والتحريم. وأجيب: بأن دعوى سوق العمومات في الحرائر دون الإماء لا تمنع دلالة العمومات على حل الإماء-

أيضاً: تنبيهٌ على أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ. وقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، معناه: بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي: مُهُورَهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ: معناه: بالشَّرْع والسُّنَّة، ومُحْصَناتٍ: الظاهرُ أنه بمعنى عفيفاتٍ. قال ص: مُحْصَنَاتٍ: منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ: فانكحوهن مُحْصَنَاتٍ، أي: عفائفَ. انتهى. والمسافِحَاتُ: الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحداً واحداً، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة قاله ابنُ عبَّاس وغيره «1» .

_ - الكتابيات إذ ليس هناك ما يمنع ثبوت حكم بسياق اللفظ وآخر بإشارته. وما استندوا إليه من الاتفاق على حل الحرائر لا ينهض حجة لهم لأن التحريم لا يثبت إلا بنص، فما لم يرد يكون حكم العموم جاريا على أفراده، وهاهنا كذلك، فتكون العمومات متناولة للحرائر والإماء على أن الراجح إرادة العفائف من المحصنات لا غيرها في هذا المقام، كما روي هذا عن جماعة من السلف. وأيده كون العفة من معاني الإحصان، وورود القرآن الكريم بذلك، وما عدا هذا المعنى من معاني الإحصان فغير مراد لعدم قيام الدليل، وحيث كانت العفة هي المرادة وهي صادقة على الحرائر والإماء، وجب اعتبار عموم العفة في تناولها للحرائر والإماء، فوجب القول بحل الإماء الكتابيات لأنها من أفراد العام في الآية. واستدلوا ثانيا بالمعقول، وهو قياس الأمة الكتابية على الأمة المسلمة بجامع جواز وطء كل منهما بملك اليمين، فحيث جاز نكاح الأمة المسلمة اتفاقا، جاز كذلك نكاح الأمة الكتابية. ونوقش: بأن وطء الإماء بملك اليمين أقل شأنا من وطئهن بملك النكاح. وثبوت الحكم في الأدنى غير مستلزم ثبوته في الأعلى، ولذا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين، وعند وجود حرة تحت الزوج يمتنع، ولو كانت حرة لا أمة لجاز النكاح. وأجيب: بأن ما استظهر به من منع نكاح الأمة المسلمة عند وجود حرة، لا يصلح علة في جميع الأحوال، بل هو علة لجواز الأمة منفردة غير مجموعة إلى غيرها، ومن هنا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين، ويجوز نكاحها منفردة، وحين تكون تحت الزوج حرة يمتنع نكاحها من جهة أخرى هي جمعها مع حرة. ينظر: «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا بدران أبو العينين. (1) أخرجه الطبري (4/ 22) برقم (9076) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 39) ، والسيوطي (2/ 254) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.

وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ ... الآية، أي: تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره: فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ» ، فأوْجَبَ/ علَيْها الحدَّ» والفاحشة «1» ، هنا الزّنا.

_ (1) أخرجه البخاري (4/ 369) كتاب «البيوع» ، باب بيع العبد الزاني، حديث (2153) ، ومسلم (3/ 1329) كتاب «الحدود» ، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث (33/ 1704) ، ومالك (2/ 826) كتاب «الحدود» ، باب جامع ما جاء في الزنا، حديث (14) ، وأبو داود (2/ 556) كتاب «الحدود» ، باب في الأمة تزني ولم تحصن، حديث (4469) ، وابن ماجة (2/ 857) كتاب «الحدود» ، باب إقامة الحدود على الإماء، حديث (2565) ، والدارمي (2/ 181) كتاب «الحدود» ، باب في المماليك يقيم عليهم سادتهم الحدود دون السلطان، وأحمد (4/ 116، 117) ، والشافعي في «الأم» (6/ 135) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 300- منحة) رقم (1528) ، والحميدي (2/ 355) رقم (812) ، وعبد الرزاق (7/ 393) رقم (13598) ، وابن أبي شيبة (9/ 513) ، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (821) ، وابن حبان (4427- الإحسان) ، والطبراني في «الكبير» (5/ 238) رقم (5201، 5202، 5203، 5204، 5205، 5206، 5207) ، والدارقطني (3/ 162) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (236) ، والبيهقي (8/ 242) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في حد المماليك، كلهم من طريق عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير» قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي (1/ 300- منحة) رقم (1527) من طريق زمعة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن زيد بن خالد الجهني- وحده- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت فليجلدها، فإن عادت فليبعها ولو بضفير من شعر» . وقد روي هذا الحديث عن أبي هريرة وحده، وسيأتي تخريجه مع ماله من الشواهد: أخرجه البخاري (4/ 432) كتاب «البيوع» ، باب بيع العبد الزاني، حديث (2152) ، ومسلم (3/ 1328) كتاب «الحدود» ، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث (30/ 1703) ، وأحمد (2/ 494) ، وأبو داود (2/ 566) كتاب «الحدود» ، باب في الأمة تزني ولم تحصن، حديث (4470) ، والحميدي (2/ 463) رقم (1082) ، والشافعي (2/ 79) كتاب «الحدود» ، باب الزنا، حديث (256) ، وعبد الرزاق (7/ 392) رقم (13597، 13599) ، وأبو يعلى (11/ 419) رقم (6541) ، والدارقطني (3/ 160- 161) كتاب «الحدود والديات» ، حديث (236) ، والبيهقي (8/ 242) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في حد المماليك، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 471- بتحقيقنا) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري- قال بعضهم: عن أبيه- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا زنت الأمة فتبين زناها، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت، فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر» . قلت: وقع في هذا الإسناد اختلاف فقد رواه الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وقد وافقه على ذلك محمد بن إسحاق. ورواه بعضهم عن سعيد عن أبي هريرة دون ذكر أبيه، كإسماعيل وعبيد الله بن عمر وأيوب بن موسى ومحمد بن عجلان وعبد الرّحمن بن إسحاق، ووقع-

قال ص: وجوابُ: «إذَا» : «فإنْ أتَيْنَ» ، وجوابه. انتهى.

_ - في رواية عبد الرّحمن تصريح سعيد بسماعه عن أبي هريرة فقال: سمعت أبا هريرة قال الحافظ في «الفتح» (12/ 172) : ووافق الليث على زيادة قوله: «عن أبيه» محمد بن إسحاق، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، ووافق إسماعيل [ابن أمية] على حذفه عبيد الله بن عمر العمري عندهم، وأيوب بن موسى عند مسلم والنسائي، ومحمد بن عجلان وعبد الرّحمن بن إسحاق عند النسائي، ووقع في رواية عبد الرّحمن المذكور عن سعيد سمعت أبا هريرة ... اهـ. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: أخرجه الترمذي (4/ 37) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في إقامة الحد على الإماء، حديث (1440) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 299) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثلاثا بكتاب الله، فإن عادت فليبعها ولو بحبل من شعر» . قال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. اهـ. وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي صالح عن أبي هريرة به. أخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 299) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (7242) . وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 358) من طريق سعد بن سعيد عن سفيان عن الأعمش عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، فإن عادت فاجلدوها، فإن عادت فبيعوها ولو بضفير» . قال ابن عدي: ذكر الأعمش غير محفوظ، إنما هو عن الثوري عن حبيب نفسه، وهذه الأحاديث التي ذكرتها لسعد بن سعيد عن الثوري وعن غيره مما ينفرد فيها سعد عنهم، وقد صحب سعد الثوري بجرجان في بلده، روى عنه غرائب، وسأله عن مسائل كثيرة، فتلك المسائل معروفة عنه، ولسعد غير ما ذكرت من الأحاديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنهم، وكان رجلا صالحا، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمّد منه فيها أو ضعف في نفسه ورواياته إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحين، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما، لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به. اهـ. وسعد ذكره الذهبي في «المغني في الضعفاء» (1/ 254) رقم (2343) وقال: سعد بن سعيد الساعدي عن الثوري، وهاه أبو نعيم. اهـ. قلت: وقد خالفه عبد الرّحمن بن مهدي، فرواه عن الثوري عن حبيب عن أبي صالح عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه الأعمش. أخرجه النسائي (4/ 299- الكبرى) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (7241) عن محمد بن بشار- بندار- عن عبد الرّحمن بن مهدي به. وينظر: «تحفة الأشراف» (9/ 342) . وللحديث شواهد عن عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن زيد. 1- حديث عائشة: أخرجه ابن ماجة (2/ 857) كتاب «الحدود» ، باب إقامة الحدود على الإماء، حديث (2566) ، -

والْمُحْصَناتِ في هذه الآية: الحَرَائِرُ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة: المَشَقَّة. قال ابنُ عباسٍ وغيره: والمَقْصِدُ به هنا الزنا «1» .

_ - والنسائي في «الكبرى» (4/ 303) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (7264) كلاهما من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عمار بن أبي فروة أن محمد بن مسلم حدثه أن عروة حدثة أن عمرة بنت عبد الرّحمن حدثته أن عائشة حدثتها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير» . وقد رواه عروة وعمروة عن عائشة: أخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 303) كتاب «الرجم» ، باب إقامة الرجل الحد على وليدته إذا زنت، حديث (7265) ، وابن عدي في «الكامل» (5/ 74) كلاهما من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمار بن أبي فروة أن محمد بن مسلم حدثه أن عروة وعمرة حدثاه أن عائشة حدثتهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:.. فذكره. وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (3/ 324) من طريق الليث عن حبيب عن عمار بن أبي فروة، أن محمد بن مسلم حدثه أن عمرة بنت عبد الرّحمن حدثته أن عائشة حدثتها أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:.. فذكر الحديث. قلت: وهذا كله من ضعف عمار بن أبي فروة فمرة يرويه عن محمد عن عروة عن عمرة عن عائشة ومرة يرويه عن محمد عن عروة وعمرة عن عائشة، ومرة يرويه عن محمد عن عمرة عن عائشة. والحديث ذكره البوصيري في «الزوائد» (2/ 310) ، وقال: هذا إسناد ضعيف عمارة- كذا قال، والصواب عمار- ابن أبي فروة قال البخاري: لا يتابع على حديثه. وذكره العقيلي وابن الجارود في «الضعفاء» ، وذكره ابن حبان في «الثقات» فما أجاد اهـ. 2- حديث ابن عمر: ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 455) رقم (1366) فقال: سألت أبي عن حديث رواه مسلم بن خالد عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا زنت أمة أحدكم فاجلدوها ... » الحديث قال أبي: هذا خطأ إنما هو ما رواه بشر بن المفضل عن إسماعيل بن أمية عن المقبري عن أبي هريرة. اهـ. 3- حديث عبد الله بن زيد: أخرجه النسائي في «الكبرى» (4/ 298) كتاب «الرجم» ، باب حد الزاني البكر، حديث (7238) من طريق أبي أويس عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عمه (وكان شهد بدرا) أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولن بضفير» . قال النسائي: أبو أويس ضعيف، وإسماعيل ابنه أضعف منه. قلت: وعم عباد بن تميم هو عبد الله بن زيد كما في «تحفة الأشراف» (4/ 340) للحافظ المزي. وفي «التحفة» قول النسائي: أبو أويس ليس بالقوي. (1) أخرجه الطبري (4/ 27) برقم (9113) ، (9114) ، وذكره ابن عطية (2/ 39) ، والسيوطي (2/ 255) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.

[سورة النساء (4) : الآيات 26 إلى 28]

وقوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يعني: عَنْ نكاحِ الإماء قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «1» : وهذا نَدْبٌ إلى التَّرْك وعِلَّتُهُ مَا يؤَدِّي إلَيْه نكاحُ الإِماءِ مِن استرقاق الوَلَدِ ومِهْنَتِهنَّ. [سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ... الآية: التقديرُ عندَ سيبَوَيْهِ: يريد اللَّهُ لأنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، ويَهْدِيَكُمْ، بمعنى: يُرْشِدَكُمْ، والسُّنَنُ: الطُّرُقُ، ووجوهُ الأمورِ، وأَنحاؤُها، والَّذِينَ مِنْ قبلنا: هم المؤمِنُونَ مِنْ كُلِّ شريعةٍ. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... الآية: مَقْصِدُ هذه الآيةِ الإخبارُ عن إرَادَة الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، فقُدِّمَتْ إرادةُ اللَّه تعالى تَوْطِئَةً مُظْهِرة لفسَادِ إرادة مُتَّبِعِي الشهواتِ، واختلف المتأوِّلون في تَعْيينِ مُتَّبِعِي الشَّهَوَات، فقال مجاهدٌ: هم الزناةُ «2» ، وقال السُّدِّيُّ: هم اليهودُ والنصارى «3» ، وقالَتْ فرقة: هم اليهودُ خاصَّة لأنَّهم أرادوا أنْ يتبعهم المُسْلِمُونَ في نِكَاحِ الأَخَوَاتِ مِنَ الأب، وقال ابنُ زَيْد: ذلك على العمومِ في هؤلاءِ، وفي كُلِّ متَّبعِ شهوةٍ «4» ورجَّحه الطبريُّ «5» . وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... الآية: أي: لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء، قاله مجاهدٌ وغَيْره «6» ، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده، وجعله الدِّينَ يُسْراً، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنسان عامّا حسبما هو

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 29) برقم (9129) ، وذكره ابن عطية (2/ 39) . (2) أخرجه الطبري (4/ 31) برقم (9130- 9131- 9132- 9133) بنحوه، وذكره البغوي (1/ 417) ، وابن عطية (2/ 40) ، والسيوطي (2/ 257) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. [.....] (3) أخرجه الطبري (4/ 31) برقم (9134) ، وذكره البغوي (1/ 417) ، وابن عطية (2/ 40) ، والسيوطي (2/ 257) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (4) أخرجه الطبري (4/ 31) برقم (9135) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 40) . (5) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 39) . (6) أخرجه الطبري (4/ 32) برقم (9136) ، وذكره ابن عطية (2/ 40) ، وابن كثير (1/ 479) ، والسيوطي (2/ 257) بنحوه، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.

[سورة النساء (4) : الآيات 29 إلى 31]

في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب. [سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 31] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً ... الآية: الاستثناء منقطعٌ، المعنى: لكنْ إنْ كانَتْ تجارةً، فكُلُوها، وأخْرَجَ البخاريُّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إتْلاَفَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّه» «1» . انتهى. وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، أجمع المتأوِّلون على أنَّ المقصودَ بهذه الآية النهْيُ عن أنْ يقتُلَ بعْضُ الناسِ بَعْضاً، ثم لفظها يتناوَلُ أنْ يقتل الرجُلُ نَفْسَهُ بقَصْدٍ منه للقتل، أو بأنْ يحملها على غَرَرٍ، رُبَّمَا ماتَ مِنْهُ، فهذا كلُّه يتناوله النَّهْيُ، وقد احتج عمرو بن العاصي بهذه الآيةِ حين امتنع مِنَ الاغتسال بالمَاءِ الباردِ خَوْفاً على نفسه منه، فقرّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم احتجاجه «2» .

_ (1) أخرجه البخاري (5/ 53، 54) ، كتاب «الاستقراض» ، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها وإتلافها، حديث (2387) ، وابن ماجة (2/ 806) ، كتاب «الصدقات» ، باب التشديد في الدين، حديث (2411) ، وأحمد (2/ 361، 417) ، والبيهقي (5/ 354) ، والبغوي في «شرح السنة» (4/ 351 بتحقيقنا) ، كلهم من حديث أبي هريرة. (2) أخرجه البخاري (1/ 454) ، كتاب «التيمم» ، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض، تعليقا في أول الباب، وأحمد (4/ 203) ، وأبو داود (1/ 338) ، كتاب «الطهارة» ، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، الحديث (334) ، والدارقطني (1/ 178) ، كتاب «الطهارة» ، باب التيمم، الحديث، والحاكم (1/ 177) ، كتاب «الطهارة» ، والبيهقي (1/ 225) ، كتاب «الطهارة» ، باب التيمم في السفر إذا خاف الموت، فأما أحمد فمن طريق ابن لهيعة، وأما الباقون، فمن طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرّحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: «احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا عمرو.. صليت بأصحابك وأنت جنب؟! فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: 29] فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يقل شيئا» . ورواه أبو داود (335) ، والدارقطني (1/ 178) ، كتاب «الطهارة» ، باب التيمم (13) ، الحاكم (1/ 177) ، والبيهقي (1/ 225) من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرّحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص كان على-

وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً ... الآية: اختلف في المُشَارِ إلَيْه ب «ذَلِكَ» . فقال عطاء: «ذَلِكَ» عائدٌ على القَتْل لأنه أقربْ مَذْكُور، وقالتْ فرقةٌ: «ذلك» عائدٌ على أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وقالَتْ فرقةٌ: «ذَلِكَ» : عائدٌ على كُلِّ ما نُهِيَ عَنْه مِنْ أوَّل السورةِ، وقال الطبريُّ «1» : «ذَلِكَ» عائدٌ على ما نُهِيَ عنه مِنْ آخر وعيدٍ، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: 19] لأنَّ كلَّ ما نهي عنه قبله إلى أول السُّورة، قُرِنَ به وعيدٌ. قال ابنُ العَرَبيِّ «2» في «أحكامه» : والقول الأول أصحُّ، وما عداه محتملٌ. انتهى. والعدوانُ: تَجَاوُزُ الحَدِّ. قال ص: عُدْواناً وَظُلْماً: مصدرانِ في مَوْضِعِ الحال، / أي: متعدّين وظالِمِينَ، أبو البقاء: أو مفعولٌ من أجله. انتهى. واختلف العلماءُ في «3» الكبائِرِ. فقال ابنُ عبَّاس وغيره: الكبائرُ: كلُّ ما وَرَدَ علَيْه وعيدٌ بنارٍ، أو عذابٍ، أو لَعْنَةٍ، أو

_ - سرية ... فذكر الحديث. وفيه: «فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلّى بهم» ، وليس فيه ذكر التيمم. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والذي عندي أنهما عللاه بحديث جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب. اهـ. وللحديث شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه الطبراني في «الكبير» (11/ 234) رقم (11593) من طريق يوسف بن خالد السمتي: ثنا زياد بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلّى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذكروا ذلك له، فدعاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن ذلك فقال: يا رسول الله خشيت أن يقتلني البرد، وقد قال الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فسكت عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 267) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ، وفيه يوسف بن خالد السمتي، وهو كذاب. (1) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 39) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 411) . (3) ينظر الكلام على الكبائر في: «البحر المحيط» للزركشي (4/ 279) ، و «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 344) ، و «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (100) ، و «حاشية البناني» (2/ 152) ، و «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 49) ، و «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 175) ، و «أعلام الموقعين» لابن القيم (4/ 305) ، و «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (3/ 45) .

ما أشبه ذلك «1» . وقال ابن عبَّاس أيضاً: كلُّ ما نَهَى اللَّه عنه، فَهُوَ كَبِيرٌ «2» ، وعلَى هذا القول أئمَّة الكلامِ القاضِي، وأبو المَعَالِي، وغَيْرُهما قالوا: وإِنما قيل: صغيرةٌ بالإِضافة إِلَى أكبر منها، وإِلاَّ فهي في نفسها كبيرةٌ منْ حيْثُ المَعْصِيُّ بالجميع واحدٌ، واختلف العلماءُ في هذه المسألة، فجماعةٌ من الفقهاءِ والمحدِّثين يَرَوْنَ أنَّ باجتنابِ الكبَائرِ تُكَفَّر الصغائرُ قطْعاً، وأما الأصوليُّون، فقَالُوا: مَحْمَلُ ذلك علَى غَلَبة الظَّنَّ، وقُوَّةِ الرجاءِ، لا علَى القَطْع، ومَحْمَلُ الكبائرِ عند الأصوليِّين في هذه الآيةِ أجناسُ الكُفْر، والآيةُ التي قَيَّدت الحُكْمَِ، فتردُّ إِلَيْها هذه المُطْلَقات كلُّها: قوله تعالَى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48 و 116] . وكَرِيماً: يقتضي كَرَمَ الفضيلةِ، ونَفْيَ العيوب كما تقول: ثَوْبٌ كريمٌ، وهذه آية رجاء، ورَوى أبو حاتم الْبُسْتِيُّ في «المُسْنَدِ الصَّحِيح» له، عن أبي هريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم جَلَسَ علَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه» ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثم سَكَتَ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي حَزِيناً لِيَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُؤَدِّي الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ السَّبْعَ، إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أَبْوَابِ مِنَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى إِنَّها لَتُصَفِّقُ، ثُمَّ تَلاَ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ... «3» الآية» . انتهى من «التذكرة» للقرطبيِّ، ونحوُهُ ما رواه مُسْلِمٌ، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةَ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ» «4» قال القرطبيُّ «5» : وعلَى هذا جماعةُ أهل التأويل، وجماعةُ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ أنَّ الصغائر تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ قَطْعاً بِوَعْدِ اللَّهِ الصِّدْق، وقولِهِ الحَقِّ سبحانه، وأما الكَبَائِرُ، فلا تكفِّرها إِلا التوبةُ منْهَا. انتهى. قلْتُ: وفي «صحيح مُسْلِمٍ» ، عن أبي هريرة (رضي اللَّه عنه) أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 44) برقم (9213) ، وذكره ابن عطية (2/ 43- 44) ، وابن كثير (1/ 486) ، والسيوطي (2/ 261) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (4/ 43) برقم (9202) ، وذكره ابن عطية (2/ 44) ، وابن كثير (1/ 486) ، والسيوطي (2/ 261) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» . (3) أخرجه النسائي (5/ 8) ، كتاب «الزكاة» ، باب وجوب الزكاة، والبخاري في «التاريخ الكبير» (4/ 316) ، وابن خزيمة (315) ، وابن حبان (1748) ، والبيهقي (10/ 187) كلهم من طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر عن صهيب مولى العتواريين عن أبي هريرة مرفوعا. (4) تقدم تخريجه. [.....] (5) ينظر: «تفسير القرطبي» (5/ 104) .

[سورة النساء (4) : الآيات 32 إلى 33]

قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» . انتهى «1» . [سورة النساء (4) : الآيات 32 الى 33] وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) وقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ... الآية: سَبَبُ الآيةِ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: لَيْتَنَا اسْتَوَيْنَا مَعَ الرِّجالِ في المِيرَاثِ، وشَارَكْنَاهُمْ في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، أو نحوه «2» ، وقال الرِّجَالُ: لَيْتَ لَنَا فِي الآخِرَةِ حَظّاً زَائِداً عَلَى النِّسَاءِ كَمَا لَنَا عَلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا، فنزلَتِ الآية. قال ع «3» : لأنَّ في تَمَنِّيهم هذا تحكُّماً على الشِّريعة وتطرُّقاً إِلى الدَّفْع في صَدْر حَكْم اللَّه تعالَى، فهذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ بخلاف حُكْم شرعيٍّ، وأما التمنِّي في الأعمال الصَّالحة، فذلك هو الحَسَن، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «وَدِدتُّ أنَ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أحياء، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ... » الحديث «4» . وفي غير موضع ولقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 32] . قال القُشَيْرِيُّ: سمعْتُ الشيخ أبا عَلِيٍّ يقولُ: مِنْ علاَمَاتِ المَعْرفة أَلاَّ تسأل حوائجَكَ، قَلَّتْ أَوَ كَثُرَتْ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تعالَى مِثْلُ موسَى اشتاق إِلَى الرُّؤْية، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: 143] ، واحتاج مرَّةً إِلى رغيفٍ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24]

_ (1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (10/ 300) والثوري في «تفسيره» (ص 241- 242) كلاهما من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة به. وأخرجه أحمد (6/ 301) والطبراني في «الكبير» (23/ 298) رقم (665) من طريق عبد الله بن رافع عن أم سلمة وأخرجه أحمد (6/ 305) والنسائي في «الكبرى» (6/ 431) كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ حديث (11405) والطبراني في «الكبير» (23/ 294) رقم (650) من طريق عثمان بن حكيم ثنا عبد الرّحمن بن شيبة عن أم سلمة به والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (5/ 379) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه والفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 44- 45) . (4) تقدم تخريجه.

انتهى من «التحبير» . وقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ... الآية: قالَتْ فرقة: معناه: من الأجْر، والحسناتِ، فكأنه قِيلَ للنَّاس: لا تَتَمَنَّوْا في أمرٍ مخالف لما حكم اللَّه بِهِ لاختيارٍ تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ، فإِن اللَّه تعالَى قَدْ جَعَلَ لكلِّ أحدٍ نصيباً من الأجْر والفَضْلِ بحَسَب اكتسابِهِ فيما شَرَعَ لَهُ، وهذا قولٌ حَسَن، وفي تعليقه سبحانه النَّصِيبَ بالاِكتسابِ حَضٌّ علَى العَمَل، وتنبيهٌ على كَسْب الخير. وقوله سبحانه: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، قال ابنُ جُبَيْر وغيره: هذا في فَضْل العباداتِ، والدِّينِ، لا في فضل الدنيا «1» ، وقال الجُمْهُور: ذلك على العمومِ، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ يقتضي مفْعولاً ثانياً، تقديره: واسألوا اللَّهَ الجَنَّة أو كثيراً من فضله. وقوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ... أي: ولكلِّ أحدٍ، قال ابنُ عَبَّاس وغيرهِ: المَوَالِي هنا العَصَبَةُ والوَرَثَةُ، والمعنَى: ولكلِّ أحدٍ جعلْنا موالِيَ يَرِثُونَ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ رفْعٌ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ. واختُلِفَ من المراد ب «الَّذِينَ» . فقال الحسن وابنُ عبَّاس وابنُ جُبَيْر وغيرهم: هم الأحْلاَفُ، فإِنَّ العرب كانَتْ تتوارَثُ بالحِلْفِ، ثم نُسِخَتْ بآيَات الأنْفَالِ: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «2» [الأنفال: 75] . وقال ابنُ عباس أيضاً: هم الذين كَانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخَى بينهم، كانوا يتوارَثُونَ بهذه الآيةِ حتى نُسِخَ ذلك بما تقدَّم «3» . وقال ابنُ المسيَّب: هم الذين كانوا يتبنّون «4» .

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 51) برقم (9254) ، وذكره البغوي (1/ 421) ، بنحوه، وابن عطية (2/ 45) ، والسيوطي (2/ 267) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. (2) أخرجه الطبري (4/ 54) برقم (9267- 9269- 9268) ، وذكره ابن عطية (2/ 46) ، وابن كثير (1/ 489) ، والسيوطي (2/ 268) بنحوه. (3) أخرجه البخاري (4580) . (4) أخرجه الطبري (4/ 57) برقم (9289) ، وذكره ابن عطية (2/ 46) .

[سورة النساء (4) : آية 34]

قال ع «1» : ولفظةُ المُعَاقَدَةِ والأَيْمَانِ ترجِّح أنَّ المراد الأحلاف. [سورة النساء (4) : آية 34] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) وقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ بناء مبالَغَةٍ، وهو من القِيَامِ على الشيْءِ والاِستبدادِ بالنَّظَر فيه، وحِفْظِهِ، فقيامُ الرِّجَال «2» على النساء هو علَى هذا الحدِّ، وتعليلُ ذلك بالفضيلة والنَّفَقةِ يقتضي أنَّ للرجالِ علَيْهِنَّ استيلاءً، قال ابنُ عَبَّاس: الرِّجَالُ أمراء على النِّسَاءِ. قال ابنُ العَرَبِّيِّ «3» في «أحكامه» : وللرِّجَالِ عليهنَّ درجةٌ لفَضْلِ القَوَّامِيَّة، فعلَيْه أنْ يَبْذُلَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، وَحُسْنَ العِشْرة، وَيَحْجُبَهَا ويأمُرَهَا بطَاعَةِ اللَّه تعالَى، ويُنْهِيَ إِلَيْهَا شَعَائِرَ الإِسلامِ مِنْ صلاةٍ، وصيامٍ وما وَجَب عَلَى المُسْلمين، وعلَيْها الحِفْظُ لمالِهِ، والإِحسانُ إِلَى أهْلِهِ، والاِلتزامُ لأَمْرِهِ في الحجبة وغيرها إِلاَّ بإِذنه، وقَبُولُ قولِهِ في الطَّاعات. انتهى. و «ما» مصدريةٌ في الموضِعَيْنِ، والصَّلاَحُ في قوله: فَالصَّالِحاتُ هو الصلاح في الدّين، وقانِتاتٌ: معناه: مطيعاتٌ لأزواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزواجِهِنَّ، حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ: معناه: لكلِّ ما غاب عَنْ عَلْم زَوْجِها ممَّا اسْتُرْعِيَتْهُ، وروى أبو هريرة، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِكَ وَنَفْسِهَا» ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم هذه الآية «4» . وقوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ: «ما» : مصدريةٌ، تقديره: بِحِفْظِ اللَّه، ويصحُّ أنْ تكون بمعنى «الَّذِي» ويكون العائدُ في «حَفِظَ» ضميرَ نَصْبِ، أي: بالذي حَفِظَهُ اللَّهُ، ويكون المعنَى: إِمَّا حِفْظُ اللَّهِ ورعايَتُه الَّتي لا يَتِمُّ أمْرٌ دونها، وإِما أوامره ونَوَاهيه للنساء، فكأنها حِفْظُهُ، بمعنى أنَّ النساء يَحْفَظْنَ بإِزاء ذلك وبقدره. وقوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ... الآية: النُّشُوزُ: أنْ تتعوَّج المرأة، ويرتفع خلقها/، وتستعلي على زوجها «5» .

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 46) . (2) في أ: الرجل. (3) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 416) . (4) أخرجه أبو داود الطيالسي (2325) من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ. (5) أخرجه الطبري (4/ 60) برقم (9301) ، وذكره ابن عطية (2/ 47) ، وابن كثير (1/ 491) ، والسيوطي (2/ 271) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. عن ابن عباس. [.....]

وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ: قال ابن عبَّاس: يضاجِعُها، ويولِّيها ظَهْرَهُ، ولا يجامِعُهَا «1» ، وقال مجاهدٌ: جنبوا مُضاجَعَتَهُنَّ «2» ، وقال ابنُ جُبَيْر: هي هِجْرة الكلام، أيْ: لا تكلِّموهُنَّ، وأعرضوا عَنْهُنَّ «3» ، فيقدَّر حذفٌ، تقديره: واهجروهُنَّ في سبب المَضَاجِعِ، حتَّى يُرَاجِعْنَهَا. م: قوله: فِي الْمَضاجِعِ، ذكر «4» أبو البقاءِ فيه وجْهَيْن «5» : الأول: أنَّ «في» علَى بابها مِنَ الظرفية، أي: اهجروهنَّ في مواضِعِ الاِضطجاعِ، أي: اتركوا مضاجَعَتَهُنَّ دون تَرْك مكالمتهن. الثاني: أنَّها بمعنى السَّبَب، أي: اهجروهنَّ بِسَبَبِ المَضَاجِعِ كما تقول: في هذه الجنايةِ عُقُوبَةٌ. انتهى، وكونُها للظرفيَّة أظهرُ، واللَّه أعلم. والضَّربُ في هذه الآية: هو ضَرْبُ الأدب غَيْرُ المُبَرِّح، وهو الذي لا يَكْسِرُ عَظْماً، ولا يَشِينُ جارحة، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اضْرِبُوا النِّسَاءَ إِذا عَصَيْنَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ» قال عطاء: قُلْتُ عَبَّاسٍ: مَا الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟ قَالَ: بِالشِّرَاكِ وَنَحْوِه «6» . قال ابن العربي «7» في «أحكامه» : قوله عز وجل: وَاضْرِبُوهُنَّ ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلاَّ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِع، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِن انْتَهَيْنَ، فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ» «8» . وفي هذا دليلٌ علَى أنَّ الناشز لا نَفَقَةَ لها ولا كسوة، وأنّ الفاحشة هي

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 66) برقم (9349) ، (9353) ، وذكره البغوي (1/ 423) بنحوه، وابن عطية (2/ 48) ، وابن كثير (1/ 492) ، والسيوطي (2/ 277) ، وعزاه لابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (4/ 67) برقم (9359) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 48) ، وابن كثير (1/ 492) ، والسيوطي (2/ 277) بنحوه، وعزاه لابن أبي شيبة. (3) ذكره ابن عطية (2/ 48) . (4) في أ: قال. (5) في أ: تقدير. (6) أخرجه الطبري (4/ 71) رقم (9387- 9388) ، وذكره ابن عطية (2/ 48) ، والسيوطي (2/ 278) ، وعزاه لابن جرير عن عطاء قال: قلت لابن عباس. (7) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 420) . (8) أخرجه الترمذي (3/ 67) في الرضاع: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (1163) ، وابن ماجة (1/ 594) في النكاح، باب حق المرأة على الزوج (1851) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 372) في عشرة-

البَذَاءُ ليس الزِّنَا كما قال العلماء، ففسَّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الضرْبَ، وبَيَّن أنه لا يكونُ مُبَرِّحاً، أي: لا يَظْهَر له أثَرٌ على البدن. انتهى. قال ع «1» : وهذه العظةُ والهَجْر والضَّرْب مراتبُ، إِنْ وقعتِ الطاعةُ عنْدَ إِحداها، لم يتعدَّ إلى سائرها، وتَبْغُوا: معناه: تطلبوا، وسَبِيلًا: أي: إِلى الأذَى، وهو التعنيتُ والتعسُّف بقَوْلٍ أو فعلٍ، وهذا نهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ، وحَسُنَ هنا الاِتصافُ بالعلوِّ والكِبْر، أي: قَدْرُهُ سبحانه فَوْقَ كُلِّ قدْرٍ، ويده بالقُدْرة فَوْق كلِّ يدٍ فلا يستعلي أحدٌ بالظُّلْم على امرأتِهِ، فاللَّه تعالَى بالمرصاد، وينظر إِلَى هذا حديثُ أبي مسعودٍ، قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمِي، فَسَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مسعود، فصرفت وجهي، فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عليك منك على هذا العبد ... » الحديث «2» .

_ - النساء، باب كيف الضرب (9169/ 1) من طريق الحسين بن علي عن زائدة عن شبيب بن غرقدة البارقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص حدثني أبي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «استوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. فإن أطعنكم، فلا تبغوا عليهن سبيلا، إلا أن لكم من نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» ، وهذا لفظ النسائي. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ويشهد له حديث حكيم بن معاوية عن أبيه أن رجلا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما حق المرأة على الزوج؟ قال: «يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت» . رواه أبو داود (2/ 244) في النكاح: باب في حق المرأة على زوجها (2142) ، وابن ماجة (1/ 593- 594) في النكاح: باب حق المرأة على الزوج (1850) ، والنسائي في التفسير (1/ 381) (124) ، وأحمد (4/ 446، 447) ، (5/ 3، 5) ، والطبراني في «الكبير» (19/ 999- 1002، 1034، 1038، 1039) ، وابن حبان (1286- موارد) ، والحاكم (2/ 187- 188) ، والبيهقي (7/ 295، 305، 466- 467) والبغوي في «شرح السنة» (5/ 119) برقم (2323) . (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 48) . (2) أخرجه مسلم (3/ 1280- 1281) ، كتاب «الأيمان» ، باب صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده، حديث (34/ 1659) ، وأبو داود (2/ 762) ، كتاب «الأدب» ، باب في حق المملوك، حديث (5159) ، والترمذي (4/ 335) كتاب «البر والصلة» ، باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم، حديث (1948) ، وأحمد (4/ 120، 5/ 273، 274) ، وعبد الرزاق (17959) ، والبيهقي (8/ 10) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 245) رقم (684) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

[سورة النساء (4) : آية 35]

[سورة النساء (4) : آية 35] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا ... الآية: اختلف من المأمور بالبَعْثَةِ. فقيل: الحُكَّام «1» ، وقيل: المُخَاطَب الزَّوْجَانِ، وإِليهما تقديمُ الحَكَمَيْنِ، وهذا في مَذْهب مالك، والأول لربيعةَ وغيره، ولا يُبْعَثُ الحَكَمَانِ إِلاَّ مع شدَّة الخوْفِ والشِّقَاقِ، ومذهبُ مالك وجمهورِ العُلَمَاءِ: أنَّ الحَكَمَيْن يَنْظُران في كلِّ شيء، ويحملان على الظَّالم، ويُمْضِيَان ما رَأَياه مِنْ بقاء أو فراقٍ، وهو قولُ عليَّ بنِ أبي طالب في «المدوَّنة» وغيرها «2» . وقوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً، قال مجاهد وغيره: المرادُ الحَكَمَانِ، أي: إِذا نَصَحَا وقَصَدَا الخَيْرَ، بُورِكَ في وَسَاطتهما «3» ، وقالتْ فرقةٌ: المرادُ الزَّوْجَان، والأول أظهرُ، وكذلك الضميرُ في بَيْنِهِما، يحتمل الأمرين، والأظهر أنه للزّوجين، والاتصاف بعليم خبير: يناسب ما ذكر من إرادة الإصلاح. [سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 37] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وقوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ... العبادة/: التذلُّل بالطَّاعة، وإِحساناً، مصدرٌ، والعاملُ فيه فِعلٌ، تقديره: وأحْسِنُوا بالوالدين إِحساناً، وَبِذِي القُرْبَى: هو القريبُ النَّسَبِ مِنْ قِبَلِ الأبِ والأُمِّ، قال ابنُ عبَّاس وغيره: والجَارُ ذو القربَى: هو القريبُ النَّسَبِ، والجَارُ الجُنُبِ: هو الجَارُ الأجنبيُّ «4» ، وقالَتْ فرقة: الجَارُ ذو

_ (1) في أ: الحاكم. (2) أخرجه الطبري (4/ 74) برقم (9408- 9409) ، وذكره البغوي (1/ 424) بنحوه، وابن عطية (2/ 49) ، والسيوطي (2/ 279) ، وعزاه للشافعي في «الأم» ، وعبد الرزاق في «المصنف» ، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» ، عن عبيدة السلماني. (3) أخرجه الطبري (4/ 79) برقم (9431) ، وذكره ابن عطية (2/ 49) ، والسيوطي (2/ 280) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد. [.....] (4) أخرجه الطبري (4/ 80- 82) برقم (9438: 9449) ، وذكره ابن عطية (2/ 50) ، وابن كثير (1/ 494) ، والسيوطي (2/ 282) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» من طرق، عن ابن عباس.

القربَى: هو الجارِ القريبُ المَسْكنِ منْكَ، والجار الجُنُب هو البعيدُ المَسْكن منْكَ، والمُجَاورة مراتِبُ بعضُها أَلْصَقُ من بعض أدناها الزَّوْجَة. قال ابنُ عباس وغيره: الصَّاحِبُ بالجَنْبِ: هو الرفيقُ في السَّفَر «1» . وقالَ عليُّ بنْ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعود، وابنُ أبي لَيْلَى وغيرهم: هو الزوجَةُ «2» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الرجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك لتنفعه «3» ، وأسند الطبريُّ «أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وهُمَا عَلَى راحلتين، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غَيْضَةً «4» ، فَقَطَعَ قَضِيبَيْنِ، أَحَدُهَمَا مُعْوَجٌّ، وخَرَجَ فَأَعْطَى صَاحِبَهُ القَوِيمَ، وَحَبَسَ هُوَ المُعْوَجَّ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: كُنْتَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَقَّ بِهَذَا، فَقَالَ لَهُ: «يَا فُلاَنُ، إِنَّ كُلَّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ الآخَرَ، فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ، وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهِارٍ» «5» ، قلْتُ: وأسند الحافظ محمَّد بن طاهر المقدسيّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» «6» . انتهى من «صفوة التصوُّف» . وفي الحديثِ الصحيح، عنِ ابن عمر، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ، أخرجه البخاريُّ، وأخرجه أيضاً من طريق عائشة (رضي الله عنها) «7» انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 83) برقم (9458) ، وذكره ابن عطية (2/ 51) ، وابن كثير (1/ 495) ، والسيوطي (2/ 284) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس. (2) ذكره ابن عطية (2/ 51) . (3) أخرجه الطبري (4/ 85) برقم (9482) ، وذكره البغوي (1/ 425) ، وابن عطية (2/ 51) . (4) الغيضة: هي الشجر الملتف. ينظر: «النهاية» (3/ 402) . (5) أخرجه الطبري في تفسيره (4/ 85) برقم (9483) . (6) أخرجه الترمذي (4/ 333) ، كتاب «البر والصلة» ، باب ما جاء في حق الجوار، حديث (1944) ، وابن حبان (2051- موارد) ، وابن خزيمة (2539) ، وأحمد (2/ 167- 168) ، والحاكم (1/ 443) ، والدارمي (2/ 215) من حديث عبد الله بن عمرو. (7) ورد ذلك من حديث عائشة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وحديث جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة، ورجل من الأنصار: فأما حديث عائشة، فأخرجه البخاري (10/ 455) في الأدب: باب الوصاة بالجار (6014) ، وفي «الأدب المفرد» (99) ، ومسلم (4/ 2025) في البر والصلة: باب الوصية بالجار، والإحسان إليه (140- 2624) . وأبو داود (2/ 760) في الأدب: باب في حق الجوار (5151) ، والترمذي (4/ 293) في البر والصلة: باب ما جاء في حق الجوار (1942) ، وابن ماجة (2/ 1211) في الأدب: باب حق الجوار (3673) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 26- 27) ، وأحمد (6/ 52، 238) ، والخرائطي-

وابنُ السَّبِيلِ: المسافرُ، وسُمِّيَ ابْنُهُ للزومه له، وما ملكت أيمانكم: هم العبيد الأرقّاء.

_ - في «مكارم الأخلاق» (ص 36) ، والبيهقي (7/ 27) من طرق عن عمرة عنها به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها. وأخرجه أحمد (6/ 91، 125، 187) ، وأبو يعلى (4590) ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 307) ، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (ص 36) ، والخطيب في «التاريخ» (4/ 187) من طريق زبيد عن مجاهد عنها. وأما حديث ابن عمر، فأخرجه البخاري (6015) ، ومسلم (141/ 2625) ، وأحمد (2/ 85) ، والطبراني في «الكبير» (12/ 360) (13340، 3343) ، والخرائطي (ص 37) ، والبيهقي (7/ 27) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 470) برقم (3381) من طريق عمر بن محمد عن أبيه عنه مرفوعا. وكذا رواه البخاري في «الأدب المفرد» (102) . وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه أبو داود (5152) ، والترمذي (1943) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (103) ، وأحمد (2/ 160) ، والحميدي (2/ 270- 271) برقم (593) ، والخرائطي (ص 37) ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 306) من طريق مجاهد عنه به. وعند الحميدي «عن مجاهد بن جبر عن محرر بن قيس بن السائب أن عبد الله بن عمرو ... » . وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن مجاهد عن عائشة وأبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أيضا. وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه ابن ماجة (3674) ، وأحمد (2/ 305، 445) ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 306) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عنه به. وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 164) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ورواه أحمد: (2/ 259، 514) ، وابن حبان (2052- موارد) ، وابن أبي شيبة (8/ 546- 547) برقم (5472) ، والبزار (2/ 381) برقم (1898) ، وابن عدي (3/ 949) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 470) برقم (3382) من طريق شعبة عن داود بن فراهيج عنه به. وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 159) : رواه البزار، وفيه داود بن فراهيج، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وأما حديث أبي أمامة، فأخرجه أحمد (5/ 267) ، والخرائطي (37) عن بقية بن الوليد حدثنا محمد بن زياد سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. وكذا رواه الطبراني في «الكبير» (8/ 130) برقم (7523) . وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 168) ، رواه الطبراني، وإسناده جيد. وأخرجه الطبراني (7630) من طريق يحيى بن أبي كثير عن شداد أبي عمار عن أبي أمامة به، ولفظه لفظ حديث عائشة. وقال الهيثمي (8/ 167) : رواه أحمد والطبراني بنحوه، وصرح بقية بالتحديث، فهو حديث حسن. وأما حديث أنس فأخرجه الخرائطي مطولا (ص 36) عن الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عنه. -

قال ابنُ العَرَبِيّ «1» في «أحكامه» : وقد أمر اللَّه سبحانه بالرِّفْقِ بهم، والإِحسانِ إِلَيْهم وفي «الصحيح» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إِخْوَانُكُمْ مَلَّكَكُمُ اللَّهُ رِقَابَهُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مِنَ العَمَلِ مَا لاَ يُطِيقُونَ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ، فأعينوهم» » . انتهى.

_ - وأخرجه البزار (1899- كشف الأستار) عن محمد بن ثابت عن أبيه عن أنس. وقال الهيثمي (8/ 168) : فيه محمد بن ثابت بن أسلم، وهو ضعيف. وأما حديث زيد بن ثابت فرواه الطبراني في «الكبير» (5/ 151) (4914) ، وفي «الأوسط» (254- مجمع البحرين) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن زيد بن ثابت به مرفوعا. وقال الهيثمي: فيه المطلب بن عبد الله بن حنطب، وهو ثقة، وفيه ضعف. وبقية رجاله رجال الصحيح. وأما حديث جابر، فأخرجه البزار (1897) عن زياد بن عبد الله: ثنا الفضل بن مبشر عن جابر بنحوه. وقال الهيثمي: فيه الفضل بن مبشر، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات. وأما حديث محمد بن مسلمة: فأخرجه الطبراني في «الكبير» (19/ 234- 235) ، والبيهقي في «الدلائل» (7/ 77) من طريق محمد بن المثنى قال: حدثنا عباد بن موسى، قال: حدثنا يونس عن الحسن عن محمد بن سلمة به مطولا. وقال الهيثمي: فيه عباد بن موسى السعدي. وقد ذكر ابن أبي حاتم عباس بن مؤنس، وروى عنه اثنان، فإن كان هذا ابن مؤنس، فرجاله ثقات، وإلا فلم أعرفه. وأما حديث الأنصاري، فأخرجه أحمد (5/ 32، 365) ، والطحاوي (4/ 27) ، والخرائطي (ص 35- 36) من طريق هشام عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية عنه. (1) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 431) . (2) أخرجه البخاري (1/ 106) في الأيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية (30) ، و (5/ 206) في العتق: باب قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «العبيد إخوانكم، فأطعموهم مما تأكلون» ، (2545) ، و (10/ 480) في الأدب: باب ما ينهى عن السباب واللعن (6050) . ومسلم (3/ 1282- 1283) في الأيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس (38- 40/ 1661) ، وأبو داود (2/ 761) في الأدب: باب في حق المملوك (5158) ، والترمذي (4/ 294- 295) في البر والصلة: باب ما جاء في الإحسان إلى الخدم (1945) ، وابن ماجة (2/ 1216- 1217) في الأدب: باب الإحسان إلى المماليك (3690) ، وأحمد (5/ 158) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (187) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 356) ، والبيهقي (8/ 7) من طريق المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد، وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة. فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلقيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية. قلت: يا رسول الله. من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. -

[سورة النساء (4) : الآيات 38 إلى 39]

ونفَى سبحانه محبَّته عَمَّنْ صفته الخُيَلاءُ والفَخْر، وذلك ضَرْبٌ من التوعُّد، يقال: خَالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلاً، إِذا تكبَّر وأُعْجِبَ بنفسه، وخَصَّ سبحانه هاتين الصفتين هنا إذا مقتضاهما العُجْبُ والزَّهْو، وذلك هو الحَامِلُ عَلَى الإِخلال بالأصْنَافِ الذين تَقدَّم أَمْرُ اللَّه بالإِحسان إِلَيْهم. وقوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ... الآية: قالتْ فرقةٌ: «الذين» في موضعِ نَصْبٍ بدلٍ مِنْ «مَنْ» في قوله: مَنْ كانَ مُخْتالًا، ومعناه على هذا: يبخَلُونَ بأموالهم، ويأمرون الناس، يَعْنِي: إِخوانَهُمْ ومَنْ هو مَظِنَّة طاعتهم بالبُخْل بالأموال أَنْ تُنْفَقَ في شَيْءٍ من وُجُوه الإِحسان إِلى مَنْ ذَكَر، وَيَكْتُمُونَ مَآ آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: مِنَ الرِّزْقِ والمالِ، فالآيةُ، إِذَنْ، في المؤمنين، أي: وأما الكافِرُونَ فأعدَّ لهم عذاباً مُهِيناً، وروي أنَّ الآية نزلَتْ في أحبارِ اليَهُود بالمدينةِ إذ كتموا أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وبخلوا به، والتوعّد بالعذاب المهين لهم، وأَعْتَدْنا: معناه يَسَّرْنَا وأحْضَرْنَا، والعَتِيدُ: الحَاضِرُ، والمُهِينُ: الذي يَقْتَرِنُ به خِزْيٌ وذُلٌّ، وهو أنْكَى وأشدّ على المعذّب. [سورة النساء (4) : الآيات 38 الى 39] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ ... الآية: «الَّذِينَ» في موضعِ رَفْعٍ على القطع، والخبرُ محذوفٌ، وتقديره، بعد «اليوم الآخر» : مُعَذَّبُونَ.

_ - ويشهد له حديث أبي اليسر، رواه مسلم (4/ 2301- 2303) في الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (74- 3006، 3007) ، والبخاري في «الأدب المفرد» (181) ، والطبراني في «الكبير» (19/ 168- 169) برقم (379) ، والطحاوي (4/ 356) ، وابن أبي شيبة (7/ 11) من طريق حاتم بن إسماعيل: ثنا يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عنه. كما يشهد له حديث جابر، رواه البخاري في «الأدب المفرد» (182) ، (192) من طريق مروان بن معاوية: ثنا الفضل بن مبشر قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوصي بالمملوكين خيرا، ويقول: «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم من لبوسكم، ولا تعذبوا خلق الله» . ويشهد له أيضا حديث يزيد بن جارية، رواه أحمد (4/ 35- 36) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 364) عن سفيان عن عاصم (يعني ابن عبيد الله) عن عبد الرّحمن بن يزيد عن أبيه. وقال الهيثمي في المجمع (4/ 237) : رواه أحمد والطبراني عن يزيد بن جارية، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. ويشهد له حديث رجل من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رواه البخاري في «الأدب المفرد» (184) ، وأحمد (5/ 58) .

[سورة النساء (4) : آية 40]

والصحيحُ الذي علَيْهِ الجمهورُ أنَّ هذه الآيةَ في المُنَافِقِينَ/، والقَرِينُ: فَعِيلٌ بمعنى فَاعِلٍ من المُقَارنة، وهي الملاَزَمَةُ والاِصْطحَاب، والإِنسان كلُّه يقارنُه الشَّيْطان لَكِنَّ الموفَّقَ عاصٍ له. وقوله تعالى: وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية: التقديرُ: وأيُّ شيء عَلَيْهم، لو آمنوا، وفي هذا الكلام تفجُّع مَّا عليهم، واستدعاءٌ جميلٌ يقتضي حَيْطَةً وإِشفاقاً، وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً: إِخبارٌ يتضمَّن وعيداً، وينبِّه علَى سُوء تواطُئِهِمْ، أي: لا ينفعهم كَتْمٌ مع عِلْمِ الله بهم. [سورة النساء (4) : آية 40] إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ... الآية: مِثْقَال: مِفْعَال من الثّقل، والذَّرَّة: الصغيرةُ الحَمْرَاءُ مِنَ النَّمْلِ، ورُوِيَ عنِ ابْنِ عبَّاس أنه قال: الذَّرَّة: رأسُ النملةِ «1» ، وقرأ ابنُ عَبَّاس: «مِثْقَالَ نَمْلَةٍ» قال قتادةُ عن نَفْسه «2» ، ورواه عَنْ بعض العلماء: لأَنْ تَفْضُلَ حَسَنَاتِي علَى سَيِّئاتِي بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جميعاً. وقوله سبحانه: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً: التقديرُ: وإِنْ تك زِنَةُ الذَّرَّةِ، وفي «صحيح مُسْلم» وغيره، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّم، وَتَحِلُّ الشّفاعة، ويقولون: اللَّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ» ، وفيه: «فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ، وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمخْدُوشَّ «3» مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ «4» فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلُصَ المُؤْمِنُونَ مَنَ النَّارِ، فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِيفَاءِ الحَقِّ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجَّونَ، فَيُقَالَ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقَاً كَثِيراً، قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خلقا كثيرا، ثمّ

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 91) برقم (9506) ، وذكره ابن عطية (2/ 53) ، والسيوطي (2/ 290) بلفظ «نملة» ، وعزاه لابن المنذر. [.....] (2) أخرجه الطبري (4/ 91) برقم (9504) ، (9505) ، وذكره السيوطي (2/ 290) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (3) خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه. ينظر: «النهاية» (2/ 14) . (4) أي: مدفوع. وتكدّس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط. ينظر: «النهاية» (4/ 155) .

يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدتُّمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَداً مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً» ، وكان أبو سعيدٍ الخدريُّ يَقُولُ: إِن لم تصدِّقوني في هذا الحديث، فاقرءوا إِن شئْتُمْ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً، فيقول اللَّه عزَّ وجلَّ: «شَفَعَتِ المَلاَئِكَةُ، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُّ ... » الحديثَ. انتهى. ولفظُ البخاريِّ: «فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ، إِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجُوا فِي إِخْوَانِهِم ... » «1» الحديثَ. وقرأ نافع وابنُ كَثيرٍ: «حَسَنَةٌ» «2» (بالرفع) على تمام «كَانَ» ، التقدير: وإِنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، ويُضَاعِفْهَا: جوابُ الشرطِ، وقرأ «3» ابن كَثِيرٍ: «يُضَعِّفْهَا» ، وهو بناء تكثيرٍ يقتضِي أكْثَرَ مِنْ مرَّتين إِلَى أقصَى ما تريدُ مِنَ العدد، قال بعضُ المتأوِّلين: هذه الآيةُ خُصَّ بها المهاجِرُون لأن اللَّه تعالَى أعلَمَ في كتابه أنَّ الحَسَنَةَ لكُلِّ مؤُمِنٍ مضاعَفَةً عَشْرَ مرارٍ، وأَعْلَمَ في هذه الآيةِ أنها مُضَاعَفَةٌ مراراً كثيرةً حَسْبما رَوَى أبو هُرَيْرة من أنّها تضاعف ألفي ألف مرّة «4» ، وروى غيره: أَلْفَ أَلْفِ مَرَّةٍ «5» ، وقال بعضُهم: بَلْ وعد بذلك جَمِيعَ المؤمنينَ. قال ع «6» : والآيةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، فأمَّا المؤمنُونَ، فَيُجَازونَ في الآخِرَةِ على مثاقِيلِ الذَّرِّ، فما زاد، وأمَّا الكافِرُونَ، فما يَفْعَلُونه مِن خَيْر، فإِنه تقع عليه المكافأة بنعم

_ (1) تقدم تخريجه. (2) ينظر: «الحجة» (3/ 160) ، و «حجة القراءات» (203) ، و «إعراب القراءات» (133) ، و «العنوان» (84) ، و «شرح الطيبة» (4/ 206) ، و «شرح شعلة» (339) ، و «إتحاف» (1/ 511) ، و «البحر المحيط» (3/ 257) ، و «الدر المصون» (2/ 362) ، و «معاني القراءات» (1/ 308) . (3) ينظر: «السبعة» (233) ، و «حجة القراءات» (203) ، و «الحجة» (3/ 161) ، و «العنوان» (84) ، و «إعراب القراءات» (1/ 134) ، و «إتحاف» (1/ 512) . (4) ذكره ابن عطية (2/ 54) ، وابن كثير (1/ 498) ، والسيوطي (2/ 291) ، وعزاه لابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة.. فذكره. (5) ذكره ابن عطية (2/ 54) . (6) انظر: «المحرر الوجيز» (2/ 54) .

[سورة النساء (4) : الآيات 41 إلى 42]

الدنيا/، ويأتُونَ يَوْمَ القيامةِ، ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، قلْتُ: وقد ذكرنا في هذا المُخْتَصَر من أحاديثِ الرَّجَاء، وأحاديثِ الشَّفَاعَةِ جملةً صالحةً لا تُوجَدُ مجتمعةً في غَيْره على نَحْوِ ما هِيَ فيه، عَسَى اللَّهُ أَنْ ينفَعَ به النّاظر فيه، ومن أعظم أحاديثِ الرَّجَاءِ ما ذَكَره عياضٌ في «الشِّفَا» قال: ومن حديث أنس: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «لأَشْفَعَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ» «1» . انتهى. وهذا الحديثُ أخرجه النِّسائِيُّ، ولفظه: «إِنِّي لأَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ ... » الحديث. انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» . ومِنْ لَدُنْهُ: معناه: مِنْ عنده، والأَجْرُ العظيمُ: الجَنَّة قاله ابنُ مَسْعود «2» وغيره، وإِذا مَنَّ اللَّه سبحانه بتفضُّله علَى عَبْده، بَلَغَ به الغايَةَ، اللهمّ منّ علينا بخير الدّارين بفضلك. [سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 42] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) وقوله جلَّت قدرته: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ... الآيةَ: لما تقدَّم في التي قَبْلَها الإِعلامُ بتَحْقيق الأحكام يوم القيامة، حَسُنَ بعد ذلك التَّنْبِيهُ على الحالَةِ الَّتي يُحْضَرُ ذلك فيها، ويُجَاءُ فيها بالشُّهَدَاءِ على الأُمَمِ، ومعنى الآيةِ: أنَّ اللَّه سبحانه يأتي بالأنبياءِ شُهَدَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ بالتَّصْديق والتَّكْذيب، ومعنى الأُمَّة في هذه الآية: جميعُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْه مَنْ آمَنَ منهم، ومَنْ كَفَر، وكذَلِكَ قال المتأوِّلون: إن الإشارة ب «هؤلاء» إلى كفّار قريش وغيرهم، وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وكذلك ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ- عليه السلام- حِينَ قَرَأَهَا عليه ابْنُ مَسْعُودٍ حَسْبَما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحِيح، وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى المَيِّتِ بَعد ثمان سنين، كالمُوَدِّع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال: إنِّي بَيْنَ أَيْدِيِكُمْ فَرَطٌ، وأَنا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ وإِنَّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذا، وإِنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكُمُ الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. «3»

_ (1) ينظر: «مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا» (35) . (2) أخرجه الطبري (4/ 94) برقم (9514) ، وذكره ابن عطية (2/ 54) ، والسيوطي (2/ 290- 291) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود. (3) حديث عقبة بن عامر: -

[سورة النساء (4) : آية 43]

وقوله تعالى: لَوْ تُسَوَّى قالت فرقة معناه: تنشق الأرض، فيحصلون فيها، ثم تتسوَّى هي في نفسها عليهم وبهم، وقالت فرقة: معناه لو تستوي هي معهم في أن يكونوا ترابا كالبهائم. وقوله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً: معناه، عند طائفة: أن الكفار، لما يرونه من الهول وشِدَّة المخاوف، يودون لو تسوى بهم الأرض، فلا ينالهم ذلك الخوف، ثم استأنف الكلام، فأخبر أنهم لا يكتمون الله حديثا، لنطق جوارحهم بذلك كله، حين يقول بعضهم وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] فيقول الله سبحانه: «كذبتم» ثم تنطق جوارحهم، فلا تكتم حديثا، وهذا قول ابن عباس «1» . وقالت طائفة: الكلام كله متصل وودّهم ألا يكتموا الله حديثا إنما هو ندم على كذبهم حين قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] والرسول في هذه الآية الجنس، شرِّف بالذكر، وهو مفرد دلَّ على الجمع. [سورة النساء (4) : آية 43] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... الآية: نزَلَتْ قبل تحريم الخَمْر، وجمهورُ المفسِّرين على أن المراد سُكْر الخَمْر إلاَّ الضَّحَّاك، فإنه قال: المُرَادُ سُكْر النَّوْمِ، وهذا قولٌ ضعيفٌ، والمرادُ ب «الصَّلاة» هنا/ الصلاةُ المعروفةُ. وقالَتْ طائفةٌ: الصلاة هنا المرادُ بها موضع الصلاة، والصلاة معا.

_ - أخرجه البخاري (3/ 209) ، كتاب «الجنائز» ، باب الصلاة على الشهيد، الحديث (1344) ، ومسلم (4/ 1796) ، كتاب «الفضائل» ، باب إثبات حوض نبينا، الحديث (31) ، وأبو داود (3/ 551) ، كتاب «الجنائز» ، باب الميت يصلى على قبره بعد حين، الحديث (3223) ، والنسائي (4/ 61- 62) ، كتاب «الجنائز» ، باب الصلاة على الشهداء، والدارقطني (2/ 78) ، كتاب «الجنائز» ، باب الصلاة على القبر، في صلاته صلّى الله عليه وسلّم على شهداء أحد بعد ثمان سنين. (1) أخرجه الطبري (4/ 96- 97) برقم (9522: 9524) ، وذكره البغوي (1/ 430) بنحوه، وابن عطية (2/ 55) ، وابن كثير (1/ 499) ، والسيوطي (2/ 292- 293) . [.....]

قال ابنُ العربيِّ في «الأحكام» «1» : ورُوِيَ في سبب نزولِ هذه الآيةِ عن عَلِيٍّ (رضي اللَّه عنه) أنه قَالَ: صَنَعَ لنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَاماً، فَدَعَانَا، وسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ- يَعْنِي: وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا- قَالَ: فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَقَدَّمُونِي، فَقَرَأْتُ: قُلْ يا أيّها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ نَّعْبُدُ ما تعبدون، قال: فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... الآية: خرَّجه الترمذيُّ وصحَّحه. انتهى «2» . وقوله: وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، قال عليُّ بن أبي طالب (رضي اللَّه عنه) وغيره: عَابِرُ السَّبِيلِ: المُسَافِرُ «3» . وقال ابنُ مسعودٍ وغيره: عابر السَّبيل هنا: الخَاطِرُ في المَسْجِد، وعَابِرُ سَبِيلٍ هو مِنَ العبور، أي: الخطور والجَوَازُ «4» ، والمريضُ المذكورُ في الآية هو الحَضَرِيُّ، وأصل الغائِطِ ما انخفض مِنَ الأرض، ثم كَثُر استعماله في قضاء الحَاجَةِ. واللَّمْسُ في اللغةِ لَفْظٌ يقعُ لِلَّمْسِ الَّذي هو الجِمَاعُ، ولِلَّمْسِ الذي هو جَسُّ اليدِ والقُبْلَةُ ونَحْوُهُ، واختلف في موقِعِهَا هنا، فمالكٌ (رحمه اللَّه) يقولُ: اللفظةُ هنا تقتضِي الوَجْهَيْنِ، فالملامِسُ بالجِمَاعِ يتيمَّم، والملامِسُ باليد يتيمَّم، ومعنى قوله سبحانه: فَتَيَمَّمُوا: اقصدوا، والصَّعِيدُ «5» في اللغة: وَجْه الأرضِ قاله الخليل وغيره، واختلف

_ (1) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 433) . (2) أخرجه الطبري (4/ 98) برقم (9527) ، وذكره ابن عطية (2/ 56) ، وابن كثير (1/ 500) ، والسيوطي (2/ 293- 294) ، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، والحاكم وصححه. (3) أخرجه الطبري (4/ 100) برقم (9542) ، وذكره البغوي (1/ 431) ، وابن عطية (2/ 57) ، وابن كثير (1/ 501) ، والسيوطي (2/ 294- 295) وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة في «المصنف» ، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن علي. (4) ذكره البغوي (1/ 431) ، وابن عطية (2/ 57) ، والسيوطي (2/ 295) ، وعزاه لابن جرير عن ابن مسعود. (5) قال في «لسان العرب» : الصعيد المرتفع من الأرض.. وقيل: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة- وقيل: ما لم يخالطه رمل، ولا سبخة- وقيل: وجه الأرض لقوله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً [الكهف: 40] أي: أرضا ملساء لا نبات بها. وقال جرير: إذا تيم ثوت بصعيد أرض ... بكت من حيث لؤمهم الصعيد وقيل: الصعيد الأرض، وقيل: الأرض الطيبة، وقيل: هو كل تراب طيب- «وفي التنزيل: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [المائدة: 6] » وقال «الفرّاء» في قوله: صَعِيداً جُرُزاً [الكهف: 8] : الصعيد التراب-

الفُقَهاءُ فيه من أجْلِ تقييدِ الآيةِ إياه بالطَّيِّبِ. فقالتْ طائفة: يتيمَّم بوَجْه الأرْض، تراباً كان أو رَمْلاً أو حجارةً أو مَعْدِناً أو سَبِخَةً، وجعلَتِ الطِّيب بمعنى الطَّاهر، وهذا هو مذهَبُ مالكٍ «1» ، وقالتْ طائفة منهم: الطِّيب

_ - وقال غيره: هي الأرض المستوية. وقال «الشافعي» : لا يقع اسم الصّعيد إلّا على تراب له غبار- فأما البطحاء الغليظة والرقيقة، والكثيب الغليظ- فلا يقع عليه اسم الصعيد، وإن خالطه تراب، أو صعيد، أو مدر يكون له غبار- كان الذي خالطه الصعيد ولا يتيمم.. بالنورة، ولا بالزّرنيخ، وكل هذا حجارة. وقال «أبو إسحق» : الصعيد: وجه الأرض قال: وعلى الإنسان أن يضرب بيديه وجه الأرض، ولا يبالي أكان في الموضع تراب، أو لم يكن لأن الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو غيره. قال: ولو أن أرضا كانت كلها صخرا، لا تراب عليه، ثم ضرب المتيمم يده على ذلك الصخر لكان ذلك طهورا، إذا مسح به وجهه قال تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيداً [الكهف: 40] لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض. قال «الأزهري» : هذا الذي قاله «أبو إسحق» أحسبه مذهب مالك ... قال «الليث» : يقال للحديقة إذا خربت، وذهب شجرها: قد صارت صعيدا، أي أرضا مستوية لا شجر فيها قال «ابن الأعرابي» : الصعيد الأرض بعينها، والصعيد الطريق سمي بالصعيد من التراب، والجمع من كل ذلك صعدان. قال «حميد بن ثور» : وتيه تشابه صعداته ... ويفنى به الماء إلا السمل وصعد كذلك- وصعدات جمع الجمع. وفي حديث علي ... (رضوان الله عليه) - إياكم والقعود بالصعدات، إلا من أدى حقها، وهي الطرق، وهي جمع صعد وصعد.. جمع صعيد كطريق وطرق وطرقات، مأخوذ من الصعيد، وهو التراب، وقيل: جمع صعدة كظلمة وهي فناء باب الدار، وممر الناس بين يديه، ومنه الحديث: «ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى» ، والصعيد الطريق يكون واسعا وضيقا، والصعيد الموضع العريض الواسع، والصعيد القبر. اهـ. ينظر «التيمم» لشيخنا جاد الرب. (1) أجمع المسلمون على جواز التيمم بتراب الحرث الطيب واختلفوا في جوازه بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولد عنها كالحجارة. فذهب «الشّافعيّ» إلى أنه لا يجوز التيمّم إلّا بالتراب الخالص ... وذهب مالك وأصحابه إلى أنّه يجوز التيمم بكل ما صعد على.. وجه الأرض من أجزائها من الحصباء والرمل والتراب في المشهور عنه، وزاد «أبو حنيفة» فقال: وبكل ما يتولد من الأرض مثل: الحجارة والنّون والزّرنيخ والجص والطّين والرّخام. ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض. وقال «الحنابلة» : لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد، كقول «الشّافعيّ» وبه قال «إسحاق» و «أبو يوسف» و «داود» . وقال أحمد: يتيمم بغبار الثوب واللبد، ونقل عن «مالك» في بعض رواياته جواز التيمم على الحشيش والثلج. وقال ابن حزم من الظاهرية: لا يجوز التيمم إلّا.. بالأرض، -

بمعنى المُنْبِتِ كما قال تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف: 58] ، فالصعيد عندهم هو الترابُ، وهذه الطائفةُ لا تُجِيزُ التيمُّم بغيره، فمكانُ الإجماع أنْ يتيمَّم في تُرَابٍ منبت طاهر غير منقول، ولا مغصوب، وترتيبُ القرآن الوجْهُ قبل اليدَيْنِ، وبه قال الجمهور، وفي «المدوَّنة» أنَّ التيمُّم ضربتانِ «1» ، وجمهورُ العلماء أنَّه ينتهِي في مَسْح اليدَيْن إلى المرافق «2» .

_ - ثم الأرض تنقسم إلى قسمين: تراب، وغير تراب، فأما التراب فالتيمم به جائز كان في موضعه من الأرض أو منزوعا مجهولا في إناء أو ثوب أو على يد إنسان أو حيوان، أو كان في بناء لبن، أو طابية، أو غير ذلك وأما ما عدا التراب من الحصى والحصباء والرخام والرمل والكحل والزرنيخ والجير والجص والذهب والتوتيا والكبريت والملح وغير ذلك، فإن كان شي من هذه المعادن في الأرض غير مزال عنها إلى شيء آخر، فالتيمم بكل ذلك جائز- وإن كان شيء من ذلك مزالا إلى إناء أو ثوب أو نحو ذلك لم يجز التيمم بشيء منه ولا يجوز التيمم بالآجر فإن رض حتى يقع عليه اسم التراب جاز التيمم؟ وكذلك الطين لا يجوز التيمم به، فإن جف حتى يسمى ترابا جاز التيمم به، ولا يجوز التيمم بملح انعقد من الماء كان في موضعه أو لم يكن ولا بثلج ولا بورق ولا يحشيش ولا بخشب ولا بغير ذلك، ممّا يحول بين المتيمم وبين الأرض. ينظر: «التيمم» لشيخنا جاد الرب. (1) والأصح عند الشافعي: وجوب ضربتين، وإن أمكن مسح الوجه واليدين بضربة واحدة بأن يأخذ خرقة كبيرة، ويضرب بها التراب، ثم يمسح ببعضها وجهه، وبباقيها يديه. وإنما كان الأصح وجوب ضربتين لخبر أبي داود، والحاكم: «التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» . ينظر: «التيمم» لجاد الرب. (2) اختلفوا في القدر الواجب مسحه في اليدين على ثلاثة مذاهب: الأول: أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء، وهو أن يمسحهما إلى المرفقين.. وبه قال الشافعي في «الجديد» ، ومنصوصات «القديم» وقال به من الأصحاب: ابن عمر، وجابر، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، ومن الفقهاء الليث بن سعد، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وصاحباه. والثاني: أن الفرض هو مسح الكف فقط، وبه قال أهل الظاهر، وأهل الحديث. وبه قال مالك أيضا مع استحباب المسح إلى المرفقين، وبه قال من الصحابة ابن مسعود، وابن عباس، ومن التابعين عكرمة، ومكحول، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ورواه أبو ثور عن الشافعي في القديم. وحكاه الزعفراني على أن الشافعي في القديم كان يجعله موقوفا على صحة حديث عمار، ومنصوصه في القديم خلاف هذا. الثالث: أن الفرض المسح إلى المناكب، وهو مروي عن الزهري. ولأن الله تعالى أوجب طهارة الأعضاء الأربعة في الوضوء في أول الآية، ثم أسقط منها عضوين في التيمم في آخر الآية، فبقي العضوان في التيمم على ما ذكر في الوضوء، إذ لو اختلفا حدا في التيمم لبينه. ينظر: «التيمم» لشيخنا جاد الرب.

[سورة النساء (4) : الآيات 44 إلى 46]

[سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 46] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) وقوله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ... الآية: أَلَمْ تَرَ: مِنْ رؤية القَلْب، وهي عِلْمٌ بالشيء، والمراد ب «الّذين» : اليهود قاله قتادة وغيره «1» ، ثم اللفظ يتناوَلُ معهم النصارى، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بنِ التَّابُوتِ اليهوديِّ «2» ، والكتابُ: التوراةُ والإنجيلُ، ويَشْتَرُونَ: عبارةٌ عن إيثارهم الكفْرَ، وتركِهِمُ الإيمانَ، وقالتْ فرقة: أراد الَّذِينَ كانوا يُعْطُون أموالهم للأحبارِ على إقامةِ شَرْعِهِمْ، فهو شراءٌ حقيقةً، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ معناه: أنْ تَكْفُروا. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ خبرٌ في ضمنه التحذيرُ منهم، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا، أيْ: اكتفوا باللَّه وليًّا. وقوله سبحانه: مِنَ الَّذِينَ هادُوا، قال بعضُ المتأوِّلين: «مِنْ» راجعةٌ على «الَّذِينَ» الأولى، وقالتْ فرقة: «مِنْ» متعلِّقة ب «نَصِيراً» ، والمعنى: ينصُرُكم من الذين هَادُوا، فعلى هذين التأويلَيْن لا يُوقَفُ في قوله: «نَصِيراً» ، وقالتْ فرقة: هي ابتداء كلامٍ، وفيه إضمارٌ، تقديره: قَوْمٌ يحرِّفون، وهذا مذهبُ أبي عَلِيٍّ، وعلى هذا التأويلِ يُوقَفُ في «نَصِيراً» ، وقول سيبَوَيْهِ أصْوَبُ/ لأنَّ إضمار الموصولِ ثقيلٌ، وإضمار الموصوفِ أسهلُ، وتحريفهم للكلامِ على وجْهَيْنِ، إما بتغييرِ اللفظِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأقَلِّ، وإمَّا بتغيير التَّأْويلِ، وقد فَعَلُوا ذلك في الأكْثَرِ، وإليه ذهب الطَّبَرِيُّ «3» ، وهذا كلُّه في التوراة على قولِ الجُمْهورِ، وقالتْ طائفة: هو كَلِمُ القرآن، وقال مكّيّ: هو كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فالتَّحْرِيفُ على هذا في التأويلِ. وقوله تعالى عنهم: سَمِعْنا وَعَصَيْنا عبارةٌ عَنْ عُتُوِّهم في كفرهم وطغيانهم فيه، وغَيْرَ مُسْمَعٍ: يتخرّج فيه معنيان:

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 119) برقم (9692) ، وذكره ابن عطية (2/ 61) . (2) أخرجه الطبري (4/ 119) برقم (9694) ، وذكره البغوي (1/ 437) ، وابن عطية (2/ 61) ، والسيوطي (2/ 300) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 120) .

[سورة النساء (4) : الآيات 47 إلى 50]

أحدُهُما: غير مأمور وغير صاغر كأنهم قالوا: غَيْرَ أَنْ تُسَمَّعَ مأموراً بذلك. والآخر: على جهة الدعاءِ، أي: لاَ سَمِعْتَ كما تَقُولُ: امض غَيْرَ مُصِيبٍ، ونحو ذلك، فكانَتِ اليهودُ إذا خاطبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ب غَيْرَ مُسْمَعٍ، أَرادَتْ في الباطِنِ الدعاءَ علَيْه، وأَرَتْ ظاهراً أنها تريدُ تعظيمَهُ، قال ابنُ عبَّاس وغيره نحوه «1» ، وكذلكَ كَانُوا يُرِيدُونَ منه في أَنْفُسِهِمْ معنَى الرُّعُونَة، وحكى مَكِّيٌّ معنى رِعَايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ منه مَعْنَى المُرَاعَاةِ، فهذا معنى لَيِّ اللسانِ، وقال الحسنُ ومُجَاهد: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أي: غير مقبول منك «2» ، ولَيًّا: أصله «لويا» ، وطَعْناً فِي الدِّينِ: أيْ: توهيناً له وإظهاراً للإستخفافِ به. قال ع: وهذا اللَّيُّ باللسانِ إلى خلافِ مَا في القَلْبِ موجُودٌ حتَّى الآن فِي بَنِي إسرائيل، ويُحْفِظُ منه في عَصْرنا أمثلة إلاَّ أنه لا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بهذا الكتَابِ. وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ ... الآية: المعنى: ولو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، وأَقْوَمَ: معناه: أعدل وأصوب، وقَلِيلًا: نعْتٌ إما لإِيمانٍ، وإما لِنَفَرٍ، أوْ قَوْمٍ، والمعنى مختلف. [سورة النساء (4) : الآيات 47 الى 50] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ... الآية: هذا خطابٌ لليهودِ والنصارى، ولِما مَعَكُمْ: مِنْ شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لما معهم من مُبَدَّلٍ، ومُغَيَّرٍ، والطامس: الداثر المغيَّر الأعلامِ، قالتْ طائفة: طَمْسُ الوجوهِ هنا هو خُلُوُّ الحَوَاسِّ منها، وزوالُ الخِلْقَةِ، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: طَمْسُ الوجُوه: أن تزال العينان

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 121) برقم (9703) ، وذكره ابن عطية (2/ 62) ، وابن كثير (1/ 507) ، والسيوطي (2/ 300) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن عباس. [.....] (2) ذكره الطبري (4/ 122) برقم (9704، 9705) عن مجاهد، وبرقم (9706) عن الحسن، وابن عطية (2/ 62) ، وابن كثير (1/ 507) ، والسيوطي (2/ 300) عن مجاهد وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.

خاصَّة منها، وتُرَدّ العينان في القفا، فيكون ذلك رَدًّا على الأدْبَارِ، ويَمْشِي القهقرى «1» ، وقال مالكٌ (رحمه اللَّه) : كان أول إسلام كَعْبِ الأَحْبَارِ أنَّه مَرَّ برَجُلٍ من الليل، وهو يقرأ هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا ... الآية، فوضَعَ كَفَّيْهِ على وَجْهه، وَرَجَعَ القهقرى إلى بيته، فأسْلَمَ مكَانَهُ، وقال: «واللَّهِ، لَقَدْ خِفْتُ أَلاَّ أَبْلُغَ بَيْتِي، حتى يُطْمَسَ وجهي» «2» ، وأصْحَابُ السَّبْتِ: هم الذين اعتدوا في السَّبْت في الصَّيْد حَسْبَمَا تقدَّم، قال قتادةُ وغيره: وأمر الله في هذه الآية واحدُ الأمور دالٌّ على جِنْسها لا واحدُ الأوامر، فهي عبارةٌ عن المخْلُوقَاتِ كالعَذَابِ، واللَّعْنَة هنا، أو ما اقتضاه كُلُّ موضِعٍ ممَّا يختصُّ به «3» . وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ... الآية: هذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ ببَيَانِ ما تَعَارَضَ مِنْ آيات الوعْدِ والوعيدِ، وتلخيصُ الكلامِ فيها أنْ يُقَالَ: النَّاسُ أربعةُ أصْنَافٍ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار بإجمَاع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قطُّ، وماتَ على ذلك، فهذا في الجنة مَحْتُومٌ علَيْه حَسَبَ الخَبَرِ من اللَّه تعالى، بإجماع، وتَائِبٌ مَاتَ على توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورِ فُقَهَاء الأُمَّة لاَحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلاَّ أنَّ قانُونَ المتكلِّمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلاَفِ، فقالَت المُرْجِئَةُ: هو في الجنَّة بإيمانه، ولا تَضُرُّه سيئاته، وجعلوا آيات الوعيدِ كلَّها في الكُفَّار، وآياتِ الوَعْد عامَّةً في المؤْمنين تَقِيِّهِمْ وعَاصِيهِمْ، وقالتِ المعتزِلةُ: إذا كان صاحبَ كبيرةٍ، فهو في النَّار، ولا بُدَّ، وقالتِ الخوارجُ «4» : إذا كان صاحِبَ كَبيرة، أو صغيرةٍ، فهو في النَّار مخلَّد، ولا إيمان له لأنهم يَرَوْنَ كل الذنُوبِ كبائرَ، وجعلوا آيات الوَعْدِ كلَّها في المؤمِنِ الذي لم يَعْصِ قَطُّ، والمؤمِنِ التائِبِ، وقال أهْلُ السُّنَّة: هو في المشيئة، وهذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ، وهي النصُّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وذلك

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 124) برقم (9718) ، وذكره ابن عطية (2/ 63) ، والسيوطي (2/ 301) ، وعزاه لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (4/ 127) برقم (9730) ، وذكره البغوي (1/ 439) ، وابن عطية (2/ 63) ، وابن كثير (1/ 508) ، والسيوطي (2/ 301) وعزاه لابن جرير عن عيسى بن المغيرة. (3) ذكره ابن عطية (2/ 63- 64) . (4) الفرقة الثالثة: الخوارج وهم سبع فرق: المحكمية بضم الميم وكسر الكاف المشدّدة، والنهيشية، والأزارمة، والنجدات، والأصفرية بالفاء. والأباضية، وافترق الأباضية فرقا أربعا: الحفصية، اليزيدية، الحارثية، والقائلون بأنّ إتيان المأمور به طاعة وإن لم يقصد به وجه الله. والسابعة من الخوارج العجاردة وهم عشر فرق: الميمونية الحمزية، الشعيبية، الحازمية، الحليفية، الأطرافية، المعلومية، المجهولية، الصلنية، الشعالية. وتفرق الشعالية فرقا أربعا: الأخنسية، المعبدية، الشيبانية، المكرمية. ينظر: «نشر الطوالع» (389- 390) .

أنَّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فصْلٌ مجمعٌ عليه، وقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ فَصْلٌ قاطع للمعتزلة، رادٌّ على قولهم ردًّا لا محيدَ لهم عنه، ولو وقَفْنَا في هذا الموضع مِنَ الكلامِ، لَصَحَّ قولُ «1» المرجئَةِ، فجاء قوله: لِمَنْ يَشاءُ، ردًّا عليهم مبيناً أنَّ غفران مَا دُونَ الشِّرْك إنما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ بخلاف ما زَعَمُوه مِنْ أنه مغفورٌ لكلِّ مؤمنٍ، ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفرُ الشِّرك، ذكر قُبْحَ موقعه، وقَدْرِهِ في الذُّنُوبِ، والفِرْيَةُ: أشدُّ مراتبِ الكَذِبِ قُبْحاً، وهو الإختلاقُ. وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ... الآية: لا خِلاَفَ بين المتأوِّلين أنَّ المراد بالآية اليهودُ، وإنما اختلفوا في المعنَى الَّذي به زَكَّوْا أنفسهم. فقال الحسن، وقتادة: ذلك قولُهُمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: 18] ، وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [البقرة: 111] إلى غير ذلك من غُرُورِهِم «2» . قال ع «3» : فتقتضي هذه الآيةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لنفسه بلِسَانِهِ، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكِيَ المزكى مَنْ حَسُنَتْ أفعاله، وزَكَّاه اللَّه عزَّ وجلَّ، قال ابْنُ عَبَّاس وغيره: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الذي في شَقِّ نواة التَّمْرة «4» ، وذلك راجعٌ إلى الكناية عن تَحْقير الشَّيْء وتصغيرِهِ، وأنَّ اللَّه لا يظلمه، ولاَ شَيْءَ دونه في الصِّغَر، فكيف بما فَوْقَهُ. وقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... الآية: يبيِّن أنَّ تزكيتهم

_ (1) المرجئة: اسم فرقة من كبار الفرق الإسلامية لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي: يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، من أرجأه أي: أخره، ومنه أَرْجِهْ وَأَخاهُ [الأعراف: 111] أي: أمهله وأخره أو لأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يعطون الرجاء، وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة وفرقهم خمس: اليونسية، والعبيدية، والغسّانية، والثوبانية، والثومنية، كذا في شرح المواقف، وتحقيق كل في موضعه. ينظر: «كشاف اصطلاحات الفنون» (3/ 3) . (2) أخرجه الطبري (4/ 129) برقم (9738- 9739) ، وذكره البغوي (1/ 440) ، وابن عطية (2/ 65) ، وابن كثير (1/ 511) ، والسيوطي (2/ 304) عن الحسن، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 65) . (4) أخرجه الطبري (4/ 132) برقم (9757) ، وذكره ابن عطية (2/ 66) ، وابن كثير (1/ 512) ، والسيوطي (2/ 305) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

[سورة النساء (4) : الآيات 51 إلى 52]

أنفسَهُمْ كانَتْ بالباطلِ، والكَذِبِ ويُقَوِّي أنَّ التزكية كانَتْ بقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أنَّ الافتراء أعظم في هذه المقالة، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تكونَ في موضِع رَفْعٍ بالاِبتداءِ، والخبر في قوله يَفْتَرُونَ وكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً خبرٌ في ضِمْنه تعجُّب وتعجيبٌ مِنْ أمْرهم. قال ص: وَكَفى بِهِ عائدٌ على الاِفتراءِ، وقيل: على الكذب. انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 51 الى 52] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ... الآية: أجْمَعَ المتأوِّلون أنَّ المراد بها طائفةٌ من اليهود، والقَصَصُ يبيِّن ذلك، ومجموعُ ما ذكره المفسّرون في تفسيره الجِبْتِ والطَّاغُوتِ يقتضي أنَّهُ كُلُّ مَا عُبِدَ وأُطِيعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى. وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: سببها أنَّ قريشاً قالَتْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، حين وَرَدَ مكَّة: أنْتَ سَيِّدُنَا، وَسيِّدُ قَوْمِكَ، إنَّا قومٌ نَنْحَرُ الكَوْمَاءَ «1» ، وَنَقْرِي الضَّيْفَ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَنَعْبُدُ آلِهَتَنَا الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، وهَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ قَطَعَ الرَّحِمَ، فَمَنْ أهدى نَحْنُ أوْ هُوَ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ أهدى مِنْهُ، وَأَقْوَمُ دِيناً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ، قاله ابنُ عبَّاسٍ «2» ، فالضمير في «يَقُولُونَ» / عائد على كعْبٍ، وعلى الجماعةِ الَّتي معه من اليهودِ المُحَرِّضين على قتال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم و «الّذين كَفَرُوا» في هذه الآيةِ هم كفَّار قريشٍ، والإشارة ب «هؤلاء» إليهم والَّذِين آمنوا هم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمته، وقالتْ فرقة: بل المرادُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأتباعه، وهم المقصودُ من أول الآيات. قال ص: «لِلَّذِينَ» : اللامُ للتبليغِ متعلِّقة ب «يقولون» . انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 53 الى 55] أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55)

_ (1) ناقة كوماء: عظيمة السّنام طويلته. ينظر: «لسان العرب» (3958) . (2) أخرجه الطبري (4/ 136- 137) برقم (9791) ، وذكره ابن عطية (2/ 66- 67) ، وابن كثير (1/ 513) .

وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ... الآية: عُرْفُ «أَمْ» أنْ تُعْطَفَ بعد استفهامٍ متقدِّم كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو؟ فَإذا وردَتْ، ولم يتقدَّمها استفهامٌ كما هي هنا، فمذهب سيبَوَيْهِ أنَّها مضمَّنةٌ معنى الإضراب عن الكلامِ الأوَّلِ، والقَطْع منه، وهي متضمِّنة مع ذلك مَعْنَى الاِستفهام، فهي بمعنى «بَلْ» مع همزةِ استفهامٍ كقول العربِ: «إنها لإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ» ، التقدير عند سيبويه: إنَّهَا لإِبِلٌ بَلْ أَهِيَ شَاءٌ؟ وَكَذَلك هذا الموضعُ: بَلْ أَلهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فإذا عرفْتَ هذا، فالمعنى على الأرجَحِ الذي هو مذْهَبُ سيبَوَيْهِ والحُذَّاقِ: أنَّ هذا استفهامٌ على معنى الإِنكار، أي: ألهم مُلْكٌ فإذن لَوْ كان، لَبَخِلُوا به، والنَّقِيرُ: هي النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّوَاة من التَّمْر هذا قول الجمهور، وهَذَا كنايةٌ عن الغايَةِ في الحَقَارة والقِلَّة، وتُكْتَبُ «إذَنْ» بالنُّون وبالألِفِ، فالنُّونُ هو الأصْلُ ك «عَنْ» ، وَ «مِنْ» ، وجاز كتبها بالألِفِ لصحَّة الوقوفِ عليها، فأشبهَتْ نونَ التَّنْوينِ، ولا يصحُّ الوقوف على عَنْ ومِنْ. وقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ ... الآية: «أمْ» هذه على بابها من العطْفِ بعد الاِستفهام. وقال ص: أَمْ يَحْسُدُونَ: «أَمْ» أيضاً منقطعةٌ تتقدَّر ب «بَلْ» و «الهمزة» . انتهى. قلت: والظاهر ما قاله ع «1» واختلف في المراد ب «الناس» هنا. فقال ابن عبّاس وغيره: هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والفَضْلُ: النبوَّة فقط «2» ، والمعنى: فَلِمَ يخصُّونه بالحَسَد، ولا يَحْسُدُونَ آل إبراهيم في جميعِ مَا آتيناهم مِنْ هذا وغيره مِنَ المُلْك، وقال قتادة: «النَّاسُ» هنا: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسرائيل في أن كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم منْها، والفَضْلُ على هذا التأويل هو محمَّد صلّى الله عليه وسلّم «3» ، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ: وقد ذَمَّ اللَّه قوماً على حَسَدهم، فقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، ثم حدَّث بسنده، عن عمرو بن مَيْمُونٍ، قَالَ: لما رَفَع اللَّه موسى نَجِيًّا، رأى رجُلاً متعلِّقاً بالعَرْش، فقال: يا رَبِّ، مَنْ هَذَا، فقالَ: هذا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي، صَالِحٌ، إن شئت أخبرتك بعمله،

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 68) . (2) ذكره البغوي (1/ 442) ، وابن عطية (2/ 68) . (3) أخرجه الطبري (4/ 141) برقم (9825) ، وذكره البغوي (1/ 442) ، وابن عطية (2/ 68) ، والسيوطي (2/ 309) وعزاه لابن جرير. [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 56 إلى 57]

فقال: يا رَبِّ، أخبِرْنِي، فقال: كَانَ لاَ يَحْسُدُ النَّاسَ على ما آتاهم اللَّه مِنْ فَضْله، ثم حدَّث أبو عمر بسنده، عن أنس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» «1» وذكر عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن إسماعيل بْنِ أُمَّيَةَ «2» ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ثَلاَثٌ لاَ يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، والظَّنُّ، وَالحَسَد! قِيلَ: فَمَا المَخْرَجُ مِنْهُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا تَطَيَّرْتَ فَلاَ تَرْجِعْ، وَإذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإذَا حَسَدتَّ فَلاَ تَبْغِ» «3» انتهى من «التمهيد» . وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ اختلف في الضمير مِنْ «به» . فقال الجمهور: هو عائدٌ علَى القرآن الذي في قوله تعالى: آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً [النساء: 47] فأعلم اللَّه سبحانه أنَّ منهم مَنْ آمَنَ كما أُمِرَ فلذلك/ ارتفَعَ الوعيدُ بالطَّمْسِ، ولم يَقَعْ، وصَدَّ قومٌ ثبَتَ الوعيدُ عليهم في الآخرة بقوله سبحانه: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً. وقيل: هو عائدٌ على إبراهيم- عليه السلام-. وقيل: هو عائدٌ على الفَضْلِ الذي آتاه اللَّه النبيَّ- عليه السلام-، والعربَ على ما تقدَّم. [سورة النساء (4) : الآيات 56 الى 57] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57)

_ (1) أخرجه ابن ماجة (2/ 1408) كتاب «الزهد» ، باب الحسد، حديث (4210) ، وأبو يعلى (6/ 330) رقم (3656) من طريق عيسى بن ميسرة عن أبي الزناد عن أنس به. وقال البوصيري في «الزوائد» (3/ 298) : هذا إسناد فيه عيسى بن أبي عيسى، وهو ضعيف. وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه أبو داود (2/ 693) ، كتاب «الأدب» ، باب في الحسد، حديث (4903) عنه بلفظ: «إياكم والحسد، فإن الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» . (2) إسماعيل بن أميّة بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي: أحد العلماء والأشراف عن أبيه، وأيوب بن خالد، وسعيد المقبري، وعنه معمر، والسّفيانان، وروح بن القاسم. قال ابن المديني: له نحو سبعين حديثا، وثقه أبو حاتم، قال ابن معين: مات سنة أربع وأربعين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 84) (480) . (3) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (6/ 125) .

[سورة النساء (4) : آية 58]

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ... الآية: لما تقدَّم في الآية وصْفُ المَرَدَةِ مِنْ بني إسرائيل وذِكْرُ أفعالهم وذُنُوبِهِمْ، جاءَتْ هذه الآيةُ بالوَعيدِ النَّصِّ لهم بلفظٍ جَلِيٍّ عَامٍّ لهم ولغيرهم مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم من الكفرة، واختلف في معنى تَبْدِيل الجُلُودِ. فقالت فرقةٌ: تُبَدَّلُ عليهم جُلُودٌ أغْيَارٌ إذْ نفوسُهم هي المعذَّبة، والجلودُ لا تَأْلَمُ في ذَاتِها، وقالتْ فرقة: تبديلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذلك الجِلْدِ بعينِهِ الذي كان في الدُّنيا، وإنما سَمَّاه تبديلاً لأنَّ أوصافه تتغيَّر، قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَن: تُبَدَّلُ علَيْهم في اليومِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ (عافَانا اللَّه مِنْ عذابِهِ برَحْمَتِهِ) «1» . ولما ذكر سبحانه وعيدَ الكُفَّار، عَقَّبَ بوَعْد المُؤْمنين بالجَنَّة على الإيمان والأعمال الصّالحة، وظَلِيلًا: معناه عند بعضهم: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويصحُّ أنْ يريدَ أنه ظِلٌّ لا يستحيلُ ولا يتنقَّلُ، وصح وصفه بظَلِيلٍ لامتداده، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادُ المُضَمَّرُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ مَا يَقْطَعُهَا» «2» ، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ وذكر الطبريُّ في كتابه، قال: لما خَلَق اللَّهُ عزَّ وجلَّ الجنَّةَ، قالَ لَهَا: امتدي، فقَالَتْ: يا ربِّ، كم، وإلى كم؟ فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها: امتدي، فقالت: يا رب: كم، وإلى كم؟ فقال لها: امتدي مائة ألف سنة، فامتدت، ثم قال لها: امتدي، فقالت: يا رب: كم، وإلى كَمْ؟ فَقَالَ لَهَا: امتدي مِقْدَار رَحْمَتِي، فامتدت، فَهِيَ تَمْتَدُّ أَبَدَ الآبِدِينَ، فَلَيْسَ لِلجَنَّةِ طَرَفٌ كَمَا أنَّهُ لَيْسَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ طَرَفٌ. انتهى، فهذا لا يُعْلَمُ إلا من جهة السَّمْع، فهو ممَّا اطلع عليه الطبريُّ، وهو إمامٌ حافظٌ محدِّثٌ ثقةٌ قاله الخطيبُ أحمدُ بن عليّ بن ثابت. [سورة النساء (4) : آية 58] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ... الآية: قال ابن

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 145) برقم (9842) ، وذكره البغوي (1/ 443) ، وابن عطية (2/ 69) ، وابن كثير (1/ 514) ، والسيوطي (2/ 311) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه البخاري (6/ 368) ، كتاب «بدء الخلق» ، باب ما جاء في صفة الجنة، حديث (3251) ، ومسلم (4/ 2175) ، كتاب «الجنة» ، باب أن في الجنة شجرة، حديث (8/ 2827) .

جريج وغيره «1» : الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر مِفْتَاحِ الكَعْبَةِ حين أخذه من عُثْمَانَ بْنِ طَلْحة «2» ، ومن ابن عَمِّه شَيْبَة، فطلبه العَبَّاس بْنُ عَبْدِ المطَّلب «3» لِيُضِيفَ السَّدَانَةَ إلى السّقاية، فدخل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الكعبةَ، وكَسَرَ ما كَانَ فيها من الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقَامَ إبراهيمَ، وَنَزَلَ عليه جِبْرِيلُ بهذه الآية، قال عمر بنُ الخَطَّاب: فخرج النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يقرأُ هذه الآيةَ، وما كُنْتُ سَمْعْتُهَا قَبْلُ مِنْهُ، فَدَعَا عُثْمَانَ وشَيْبَةَ، فَقَالَ لَهُمَا: خُذَاهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لاَ يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلاَّ ظَالِمٌ «4» ، ثم الآيةُ بَعْدُ تتناوَلُ الوُلاَةَ فِيمَا لَدَيْهم مِنَ الأماناتِ في قِسْمة الأموال، وَردِّ الظُّلاَمَاتِ، وعَدْلِ الحكوماتِ، وتتناول مَنْ دونهم مِنَ النّاس في حفظ

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 148) برقم (9851) ، وذكره ابن عطية (2/ 70) ، والسيوطي (2/ 312) ، وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج. (2) عثمان بن طلحة بن أبي طلحة: (عبد الله) بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، القرشي، العبدري، حاجب البيت، قال ابن الأثير: قتل أبوه طلحة، وعمه عثمان بن أبي طلحة جميعا يوم أحد كافرين، قتل حمزة عثمان، وقتل علي طلحة مبارزة، وقتل يوم أحد منهم أيضا: مسافع، والجلاس، والحارث، وكلاب بنو طلحة كلهم إخوة عثمان بن طلحة قتلوا كفارا.. وهاجر عثمان بن طلحة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هدنة الحديبية، مع خالد بن الوليد، فلقيا عمرو بن العاص قد أتى من عند النجاشي يريد الهجرة، فاصطحبوه حتى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين رآهم: «ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها» ، وأقام مع النبي بالمدينة، وشهد معه فتح مكة، ودفع إليه مفتاح الكعبة يوم الفتح، وإلى ابن عمه شيبة بن عثمان وقال: «خذوها خالدة تالدة ولا ينزعها منكم إلا ظالم» توفّي بمكة سنة (42) ، وقيل: استشهد ب «أجنادين» . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 578) ، «الإصابة» (4/ 220) ، «الثقات» (3/ 260) ، «الاستيعاب» (3- 4/ 1034) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 373) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 10) ، «التاريخ الكبير» (6/ 211) . (3) العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ، عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أبو الفضل. ولد قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسنتين، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أوّل من كساه ذلك، وكان إليه في الجاهليّة السّقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرا مع المشركين مكرها فأسر فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكّة، فيقال: إنه أسلم، وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حنين وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من آذى العبّاس فقد آذاني فإنّما عمّ الرّجل صنو أبيه» ، أخرجه الترمذيّ في قصّة. وقد حدّث عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأحاديث، روى عنه أولاده، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وغيرهم. ومات بالمدينة في رجب أو رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وكان طويلا جميلا أبيض. ينظر ترجمته في: «الإصابة» (3/ 511، 512) برقم (4525) . (4) أخرجه الطبري (4/ 148) برقم (9851) ، وذكره ابن عطية (2/ 70) ، وابن كثير (1/ 516) ، والسيوطي (2/ 312) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج.

الودائِعِ، والتحرُّز في الشهاداتِ، وغيرِ ذلك كالرجُلِ يُحَكَّمُ في نازلةٍ مَّا ونحوه، والصَّلاةُ والزكاةُ والصِّيامُ وسائرُ العباداتِ أماناتٌ للَّه تعالى، قال ابنُ العَرَبَيِّ/ في «أحكامه» : هذه الآيةُ في أداء الأمَانَةِ، والحكْم بين الناس- عامَّة في الوُلاَة والخَلْق لأنَّ كُلَّ مسلمٍ عَالِمٌ، بل كلّ مسلم حاكم، ووال، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المُقْسِطُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» «1» وقال صلّى الله عليه وسلّم: «كلّكم راع وكلّكم مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وهو مسئول عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالٍ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مسئول عنه، وكلّكم راع، وكلّكم مسئول عَنْ رَعِيَّتِهِ» «2» ، فهذه الأحاديثُ الصحيحةُ تدلُّ على ما قلناه. انتهى.

_ (1) أخرجه مسلم (3/ 1458) في الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل (18/ 1827) ، والنسائي (8/ 221- 222) في آداب القضاة: باب فضل الحاكم العادل في حكمه، وأحمد (2/ 160) ، والحميدي (2/ 268- 269) برقم (588) ، وابن حبان (1538) موارد، والبيهقي (10/ 87- 88) ، والخطيب في «التاريخ» (5/ 367) ، وابن أبي شيبة (13/ 127) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 312) برقم (2464) من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعا. وعند مسلم، والنسائي، وابن حبان، والخطيب، والبغوي: «سفيان بن عيينة» . وأخرجه عبد الرزاق (11/ 325) برقم (20664) ، وأحمد (2/ 159، 203) ، والحاكم (4/ 88- 89) من طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه جميعا، وسكت عنه الذهبي. قلت: لم يخرجه سوى مسلم كما تقدم في التخريج. (2) أخرجه البخاري (5/ 84) كتاب «الاستقراض» ، باب العبد راع في مال سيده، حديث (2409) ، (5/ 211) كتاب «العتق» ، باب كراهية التطاول على الرقيق، حديث (2554) ، (5/ 215) كتاب «العتق» ، باب العبد راع في مال سيده، حديث (2558) ، (5/ 444) كتاب «الوصايا» ، باب تأويل قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ، حديث (2751) ، (9/ 163) كتاب «النكاح» ، باب قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً، حديث (5188) ، (9/ 210) كتاب «النكاح» ، باب المرأة راعية في بيت زوجها، حديث (5200) ، (13/ 119) كتاب «الأحكام» ، باب قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ ... ، حديث (7138) ، ومسلم (3/ 1459) كتاب «الإمارة» ، باب فضيلة الإمام، حديث (20/ 1829) ، وأبو داود (2/ 145) كتاب «الخراج» ، باب ما يلزم الإمام من حق الرعية، حديث (2928) ، والترمذي (1705) ، وأحمد (2/ 5، 54- 55، 111، 121) ، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (1094) ، وأبو عبيد في كتاب «الأموال» (ص 10، 11) رقم (3، 4) ، وعبد الرزاق (11/ 319) برقم (20650) ، وأبو يعلى (10/ 199) برقم (5831) ، وابن حبان (4472، 4474) ، والبيهقي (71/ 291) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 311- بتحقيقنا) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» برقم (209) كلهم من حديث ابن عمر. وللحديث شواهد من حديث أنس، وعائشة، وأبي لبابة بن عبد المنذر. حديث أنس: قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته، فالأمير راع على الناس ومسؤول عن رعيته، والرجل راع-

[سورة النساء (4) : آية 59]

ونِعِمَّا: أصله: «نَعْمَ مَا» سُكِّنت الميمُ الأولى، وأدغمتْ في الثانية، وحُرِّكَتِ العينُ لإلتقاء الساكنَيْنِ، وخُصَّتْ بالكَسْر إتباعاً للنُّون، و «ما» المردوفةُ على «نِعْمَ» إنما هي مهيِّئة لاِتصالِ الفعْلِ بها، ومع أنها موطّئة، فهي بمعنى «الذي» . [سورة النساء (4) : آية 59] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... الآية: لَمَّا تُقُدِّمَ إلى الولاةِ في الآية المتقدِّمة، تُقُدِّمَ في هذه إلى الرعيَّة، فأَمَرَ بطاعتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعةِ رسولِهِ، وطاعَةِ الأمراءِ على قول الجمهور، وهو قولُ ابْنِ عبَّاس وغيره «1» ، فالأَمْرُ على هذا التأويلِ هو ضدُّ النَّهْيِ ومنْهُ لفظة «الأَمِيرِ» ، وقال جابرٌ وجماعةٌ: «أُولُو الأَمْرِ» : أهل القرآن والعِلْمِ. قال عطاءٌ: طاعةُ الرَّسُولِ هي اتباع سُنَّته، يعني: بعد موته «2» ، ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «3» قال: قوله تعالى: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فيها قولان:

_ - على أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية لزوجها ومسؤولة عن بيتها وولدها، والمملوك راع على مولاه ومسؤول عن ماله، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... » ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 210) ، وقال: رواه الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» ، وأحد إسنادي «الأوسط» رجاله رجال الصحيح. حديث عائشة: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 210) ، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه أرطأة بن الأشعث وهو ضعيف جدا. وللحديث طريق آخر. أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 276) من طريق النضر بن شميل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» . حديث أبي لبابة بن عبد المنذر: نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن قتل الحيات التي في البيوت، وقال: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهله ومسؤول عنهم، وامرأة الرجل راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا كلكم راع وكلكم مسؤول ... » . قال الهيثمي في «المجمع» (5/ 210) : لأبي لبابة في الصحيح النهي عن قتل الحيات فقط، رواه الطبراني في «الأوسط» و «الكبير» ، ورجال الكبير رجال الصحيح. (1) ذكره ابن عطية (2/ 70) . (2) أخرجه الطبري (4/ 150) برقم (9857- 9858) ، وذكره ابن عطية (2/ 71) ، والسيوطي (2/ 314) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. [.....] (3) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 451) .

[سورة النساء (4) : الآيات 60 إلى 63]

الأوَّل: قال ميمونُ بْنُ مِهْرَانَ: هم أصحاب السَّرَايَا، وروى في ذلك حديثاً، وهو اختيار البُخَاريِّ، وروي عن ابْنِ عباس أنَّها نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ حُذَافَة «1» ، إذْ بعثه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سرِيَّة «2» . والثاني: هم العلماءُ، وبه قال أكثر التابِعِينَ، واختاره مالكٌ «3» والطبريُّ. والصحيحُ عِنْدِي: أنهم الأمراء والعلماء، أمَّا الأمراء فَلأنَّ الأمْرَ منهم، والحُكْمَ إلَيْهم، وأمَّا العلماء فَلأنَّ سؤالهم متعيِّن على الخَلْق، وجوابهم لازمٌ، وامتثال فَتْوَاهم واجبٌ، ويدخُلُ فيه تَأَمُّر الزَّوْج على الزَّوْجَةِ لأنَّه حاكِمٌ عليها. انتهى. وقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ... الآية: معنى التنَازُعِ أنَّ كلَّ واحدٍ ينتزعُ حُجَّة الآخَرِ ويُذْهِبُهَا، والرَّدُّ إلى اللَّه هو النَّظَرُ في كتابِهِ العزيزِ، والرّدّ إلى الرسول هو سؤاله صلّى الله عليه وسلّم في حياتِهِ، والنَّظَرُ في سُنَّته بعد وفاته، هذا قولُ مجاهد وغيرِهِ «4» ، وهو الصحيحُ. وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... الآية: فيه بعض وعيد، وتَأْوِيلًا: معناه: مآلاً في قول جماعة، وقال قتادةُ وغيره: المعنى: أحْسَنُ عاقبةً «5» ، وقالتْ فرقة: المعنى أن اللَّه ورسولَهُ أحْسَنُ نَظَراً وتأوُّلاً منكم، إذا انفردتم بتأوّلكم. [سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 63] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63)

_ (1) عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي: أبو حذافة أو أبو حذيفة، وأمه تميمة بنت حرثان، من بني الحارث بن عبد مناة من السابقين الأولين. يقال: شهد بدرا، ولم يذكره موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق ولا غيرهما من أصحاب المغازي. وقال ابن يونس: شهد فتح مصر. ينظر: «الإصابة» (4/ 50- 53) ، «أسد الغابة» ت (2891) ، «الاستيعاب» ت (1526) ، «الثقات» (3/ 26) . (2) تقدم. (3) ينظر «تفسير الطبري» (4/ 153) . (4) أخرجه الطبري (4/ 154) برقم (9884- 9885- 9886) ، وذكره ابن عطية (2/ 71) ، وابن كثير (1/ 518) ، والسيوطي (2/ 318) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (5) أخرجه الطبري (4/ 155) برقم (9893) ، وذكره ابن عطية (2/ 71) ، والسيوطي (2/ 318) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... الآية: تقولُ العربُ: زَعَمَ فُلاَنٌ كَذَا في الأَمْرِ الذي يَضْعُفُ فيه التحقيقُ، وغايةُ دَرَجَةِ الزَّعْم إذا قَوِيَ: أنْ يكون مظْنُوناً، وإذا قال سِيبَوَيْه: زَعَمَ الخَلِيلُ، فإنما يستعملُها فيما انفرد الخَلِيلُ به وكَأَنَّ أقوى رُتَبِ «زَعَمَ» أنْ تبقى معها عُهْدة الخَبَر على المُخْبِرِ. قال عامرٌ الشَّعبيُّ: / نزلَتِ الآيةُ في منافِقٍ اسمه بِشْرٌ، خاصَمَ رجلاً من اليهودِ، فدعاه اليهوديُّ إلى المُسْلِمِينَ لعلمه أنهم لاَ يَرْتَشُونَ، وكان المنافِقُ يدعو اليهودِيَّ إلى اليهودِ لعلمه أنَّهم يرتَشُونَ، فاتفقا بَعْدَ ذلك على أنْ أَتَيَا كَاهِناً كَانَ بالمدينةِ، فَرَضِيَاهُ، فنزَلَتْ هذه الآيةُ فيهما، وفي صِنْفَيْهِمَا «1» ، فالذينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنوا بما أنزل على محمَّد- عليه السلام- هم المنافِقُونَ، والذين يَزْعُمُونَ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ من قبله هم اليهودُ، وكلٌّ قد أُمِرَ في كتابه بالكُفْر بالطَّاغوت، والطَّاغُوتُ هُنَا الكَاهِنُ المذْكُور، فهذا تأنيبٌ للصِّنْفَيْنِ. وقال ابنُ عبَّاس: الطَّاغُوتُ هنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الذي تراضَيَا به «2» ، وقيل غير هذا. وقوله: رَأَيْتَ، هي رؤْيَةُ عَيْنٍ لمن صَدَّ من المنافقين مجاهَرَةً وتصريحاً، وهي رؤيةُ قَلْبٍ لِمَنْ صَدَّ منهم مكْراً وتخابُثاً ومُسَارَقَةَ حتى لاَ يُعْلَمَ ذلك مِنْه إلا بالقرائِنِ الصَّادِرَةِ عنه. وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، قالت فرقة: هي في المنافقينَ الَّذين احتكموا حَسْبَمَا تقدَّم، فالمعنى: فكَيْفَ بهم إذا عاقَبَهُمُ اللَّه بهذه الذُّنوب بنِقْمَةٍ منه، ثم حَلَفُوا، إنْ أردْنَا بالإحتكامِ إلى الطَّاغُوتِ إلاَّ توفيقَ الحُكْمِ وتقريبه.

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 155- 156) برقم (9896- 9898) ، وذكره البغوي (1/ 446) ، وابن عطية (2/ 72) ، والسيوطي (2/ 319) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر. (2) أخرجه الطبري (4/ 157) برقم (9902) ، وذكره ابن عطية (2/ 72) ، والسيوطي (2/ 320) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي.

[سورة النساء (4) : آية 64]

وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ: تكذيبٌ لهم وتوعُّد، أي: فهو سبحانَهُ مجازيهم، فأَعْرِضْ عنهم، وعظْهم بالتَّخْوِيفِ مِنْ عذابِ اللَّه وغيره من المَوَاعظ. وقوله سبحانه: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. قال ص: أي: قل لهم خالياً بِهِمْ لأنَّ النُّصْح، إذا كان في السِّرِّ، كان أَنْجَحَ، أو: قُلْ لهم في حال أنفُسِهِمُ النَّجِسَةِ المنطويةِ على النِّفاق قولاً يَبْلُغُ منهم الزَّجْر عن العَوْد إلى ما فَعَلوا. انتهى. واختلف في «القَوْلِ البَلِيغِ» ، فقيل: هو الزجْرُ والردْعُ والكَفُّ بالبَلاَغَةِ من القَوْل، وقيل: هو التوعُّد بالقَتْل، إن استداموا حالة النِّفَاق قاله الحسن «1» ، وهذا أبْلَغُ ما يكون في نُفُوسهم، والبَلاَغَةُ مأخوذةٌ من بلوغ المراد بالقول. [سورة النساء (4) : آية 64] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ: تنبيهٌ على جلالة الرُّسُل، أي: فأنْتَ، يا محمَّد، منهم تَجِبُ طاعَتُكَ، وتتعيّن إجابة الدعوة إليك، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بأمر الله، وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ: أيْ: بالمعصيةِ، والنِّفَاق، وعن العتبيِّ، قال: كنت جالسا عند قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً، وقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَعْفِياً مِنْ ذُنُوبِي، مُسْتَغْفِراً إلى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: [البسيط] يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ وَالأََكَمُ نَفْسي الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ العَفَافُ، وَفِيهِ الجُودُ وَالكَرَمُ قال: ثُمَّ انصرف، فَحَمَلَتْنِي عَيْنَايَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لِي: «يَا عُتْبِيُّ: الحق الأَعْرَابِيَّ، فَبَشِّرْهُ أنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ غَفَرَ لَهُ» . انتهى من «حلية النوويِّ» ، و «سُنَنِ الصَّالحين» للباجيِّ، وفيه: مُسْتَغْفِراً مِنْ ذُنُوبِي، مستشفعاً بك إلى ربّي.

_ (1) ذكره البغوي (1/ 448) ، وابن عطية (2/ 73) .

[سورة النساء (4) : الآيات 65 إلى 68]

[سورة النساء (4) : الآيات 65 الى 68] فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) وقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... الآية: قال الطبريُّ «1» : قوله: «فَلاَ» : رَدٌّ على ما تقدَّم، تقديره: فلَيْسَ الأَمْرُ كما يَزْعُمُونَ/ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إلَيْكِ، ثم استأنف القَسَمَ، وقال غيره: إنما قَدَّم «لا» على القَسَم اهتماما بالنهْي، وإظهاراً لقوته، قال ابنُ عطاءِ اللَّه في «التنوير» : وفي قوله سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ: دلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقيقيَّ لا يحصُلُ إلا لمن حَكَّمَ اللَّهَ ورسولَهُ على نَفْسه، قولاً وفعلاً، وأَخْذاً وتَرْكاً، وحُبًّا وبُغْضاً فتبيَّن لك من هذا أنه لا تَحْصُلُ لك حقيقةُ الإيمان بالله إلّا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره سبحانه. انتهى. وشَجَرَ: معناه اختلط والتف مِنْ أمورهم، وهو مِنَ الشَّجَرِ، شبه بالتفاف الأغصان، والحَرَجُ: الضِّيقُ والتكلُّف والمشقَّة، قال مجاهد: حَرَجاً: شَكًّا «2» . وقوله: تَسْلِيماً. مصدرٌ مؤكِّدٌ مُنْبِىءٌ عن التحقيقِ في التَّسْليمِ لأنَّ العرب إنَّما تردفُ الفعْلَ بالمصَدرِ، إذا أرادَتْ أنَّ الفعْلَ وقَعَ حقيقةً كما قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: 164] قال مجاهد وغيره: المرادُ بهذه الآية مَنْ تقدَّم ذكره ممَّن أراد التحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفيهِمْ نَزَلَتْ «3» ، ورجَّح «4» الطبريُّ هذا لأنه أشبه بنَسَقِ الآية، وقالَتْ طائفة: نزَلَتْ في رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْر بْنَ العَوَّام في السَّقْيِ بماءِ «5» الحَرَّةِ كما هو مذكورٌ في البخاريِّ وغيره، وأنَّ الزُّبَيْر قالَ: فَمَا أَحْسِبُ أنَّ هذه الآيةَ نزلت إلّا في ذلك. وكَتَبْنا: معناه: فَرَضْنَا، أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: معناه: يَقْتُلُ بعضكم بعضا، وقد

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 160) . (2) أخرجه الطبري (4/ 161) برقم (9913- 9914) ، وذكره البغوي (1/ 449) ، وابن عطية (2/ 74) ، والسيوطي (2/ 343) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (3) أخرجه الطبري (4/ 162) برقم (9920) ، وذكره ابن عطية (2/ 75) . (4) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 162) . (5) حديث شراج الحرة، حديث مشهور تقدم تخريجه. [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 69 إلى 70]

تقدَّم نظيره في «البقرة» ، وسببُ الآية، على ما حُكيَ: أنَّ اليهود قالوا لَمَّا لم يرض المنافق بحكم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا رأَيْنَا أَسْخَفَ مِنْ هؤلاءِ يُؤْمنونَ بمحمَّد، ثم لا يرضَوْنَ بحُكْمه، ونحنُ قَدْ أمرنا بقَتْلٍ أَنْفُسِنا، ففَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فينا سَبْعِينَ أَلْفاً، فقَالَ ثابتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذلك علَيْنا، لَفَعَلْنَاه، فنزلَتِ الآية مُعْلِمَةً بحالِ أولئكَ المُنَافِقِينَ، وأنه لو كُتِبَ ذلك علَى الأمَّة، لم يَفْعَلُوهُ، وما كان يَفْعَلُه إلا قليلٌ مؤمنُونَ محقِّقون كَثَابِتٍ، قُلْتُ: وفي «العتبية» ، عن مالكٍ، عن أبي بَكْر (رضي اللَّه عنه) نحْوُ مقالَةِ ثابِتِ بْنِ قيسٍ، قال ابْنُ رُشْدٍ: ولا شَكَّ أنَّ أبا بَكْرٍ مِنَ القليلِ الذي استثنى اللَّهُ تعالى في الآية، فلا أحد أحقُّ بهذه الصِّفَة منه. انتهى. قال ص: إِلَّا قَلِيلٌ: الجمهورُ بالرفْعِ، على البَدَلِ من واو «فَعَلُوهُ» عند البصريِّين «1» . انتهى. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ: لو أنَّ هؤلاءِ المنافِقِينَ اتعظوا وأَنَابُوا، لكان خيرا لهم وتَثْبِيتاً، معناه: يقيناً وتصديقاً، ونحو هذا، أيْ: يثبِّتهم اللَّه. ثُمَّ ذكر تعالى ما كانَ يَمُنِّ به علَيْهم من تفضُّله بالأجر، ووَصْفُهُ إياه بالعَظِيمِ مقتضٍ مَّا لا يُحْصِيه بَشَرٌ من النعيمِ المقيمِ، والصِّرَاطُ المستقيمُ: الإيمانُ المؤدِّي إلى الجنَّة، والمقصودُ تعديدُ ما كان يُنْعِمُ به عليهم سبحانه. [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) وقوله (جَلَّت عَظَمَتُهُ) : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... الآية: لما ذَكَر اللَّه سبحانه الأمر الذي لَوْ فَعَلُوه، لأَنعم علَيْهم، ذَكَر بعد ذلك ثَوَابَ مَنْ يفعله، وهذه الآيةُ تفسِّر قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وقالتْ طائفة: إنما نزلَتْ هذه الآية لَمَّا قال عبد الله بن زيد الأنصاريّ

_ (1) وقرأ ابن عامر وجماعة: «إلا قليلا» نصبا وفيه وجهان: أشهرهما: أنه نصب على الاستثناء، وإن كان الاختيار الرفع لأن المعنى موجود معه كما هو موجود مع النصب، ويزيد عليه بموافقة اللفظ. والثاني: أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: «إلا فعلا قليلا» ، قاله الزمخشري، وفيه نظر إذ الظاهر: أنّ «منهم» صفة ل «قليلا» ، ومتى حمل القليل على غير الأشخاص يقلق هذا التركيب إذ لا فائدة حينئذ في ذكر «منهم» . ينظر: «حجة القراءات» (206، 207) ، «الدر المصون» (2/ 384) .

[سورة النساء (4) : الآيات 71 إلى 73]

- الذي أُرِيَ الأَذَانَ-: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مِتَّ، وَمِتْنَا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ، فَلاَ نَرَاكَ، ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذكَر حُزْنَهُ على ذلك، فنزلَتْ هذه الآية «1» . قال ع «2» : ومعنى أنهم مَعَهُمْ: في دارٍ واحدةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحدٍ، وكلُّ مَنْ فيها قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بحالِهِ، وذهب عنه أنْ يعتقد أنه/ مفضُولٌ، وإن كنا نَحْنُ قد عَلِمْنَا من الشريعةِ أنَّ أهل الجَنَّة تختلفُ مراتبهم على قَدْر أعمالهم، وعلى قَدْر فَضْل اللَّه على مَنْ يشاء، والصِّدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ، وقيل: من الصَّدَقَةِ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصِّدِّيقُونَ المُتَصَدِّقُونَ» . ولفظ الشهداءِ في هذه الآية: يَعُمُّ أنواعَ الشهداءِ. قال ص: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فيه معنى التعجُّب كأنَّه قال: وَمَا أَحْسَنَ أولئِكَ رفيقاً، وقد قدَّمنا في كلام ابْنِ الحَاجِّ ما يدلُّ على أنَّ التعجُّب لازمٌ ل «فَعُلَ» المستعْمَلِ للمدحِ والذمِّ، على كلِّ حالٍ، سواءٌ استعملت استعمال نِعْمَ أو لا. انتهى. وقوله تعالى: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى كون المُطِيعِينَ مع المنعم عليهم. [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... الآية: هذا خطابٌ للمُخْلِصِينَ من أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمْر لهم بجهادِ الكفَّارِ، والخُرُوجِ فِي سَبيلِ الله، وحماية الإسلام، وخُذُوا حِذْرَكُمْ: أي: احزموا واستعدّوا بأنواع الاستعداد، وانْفِرُوا: معناه: اخرجوا، وثُباتٍ: معناه جماعاتٍ متفرِّقات، وهي السَّرَايَا، والثُّبَةُ: حُكِيَ أنها فوق العشرة، وجَمِيعاً: معناه: الجيش الكثير مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هكذا قال ابنُ عبَّاس وغيره «3» . وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ إيجابٌ، والخطابُ لجماعةِ المؤمنين، والمراد ب «من» :

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 166) برقم (9929) ، وذكره ابن عطية (2/ 76) ، وابن كثير (1/ 522) ، والسيوطي (2/ 325) ، وعزاه لابن جرير عن سعيد بن جبير. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 76) . (3) أخرجه الطبري (4/ 168) برقم (9934) ، وذكره ابن عطية (2/ 77) ، وابن كثير (1/ 524) ، والسيوطي (2/ 326) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس.

[سورة النساء (4) : الآيات 74 إلى 76]

المنافقُونَ، وعبَّر عنهم ب مِنْكُمْ إذ في الظاهر في عِدَادِ المُؤْمنين، واللامُ الدَّاخلةُ على «مَنْ» : لامُ التأكيدِ، والداخلةُ على: «يُبَطِّئَنَّ» : لامُ القَسَم عند الجمهور، وتقديره: وإنَّ منكم لَمَنْ، وَاللَّهِ، لَيُبَطِّئَنَّ، ويِبَطِّئَنَّ: معناه: يبطِّىءُ غَيْرَهُ، أيْ: يثبِّطهُ،. ويحمِلُه على التخلُّف عن مغازِي رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ومُصِيبَةٌ يعني: مِنْ قتالٍ، واستشهادٍ، وإنما هي مصيبةٌ بحَسَب اعتقاد المنافقين ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، وإنَّما الشهادةُ في الحقيقَةِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّه سبحانه لحسن مآلها، وشَهِيداً: معناه: مُشَاهِداً. وقوله تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، أي: ظَفِرْتم وغَنِمْتم، نَدِمَ المنافقُ، وقال: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً متمنِّياً شيئاً قد كان عَاهَدَ أنْ يفعله، ثم غَدَرَ في عَهْدِهِ. وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: التفاتةٌ بليغةٌ، واعتراض بَيْنَ القائلِ والمَقُولِ بِلفظ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فعلهم، وقال الزّجّاج «1» : قوله: «كأن لم يكن بينكم وبينه مودة» مؤخَّر، وإنما موضعه: «فإنْ أصابَتْكُمْ مصيبةٌ» . قال ع «2» : وهذا ضعيفٌ لأنه يُفْسِدُ فصاحةَ الكَلاَم. قال ص: وقوله: فَأَفُوزَ بالنصب: هو جواب التمنّي. انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 74 الى 76] فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) وقوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ... الآية: هذا أمر من اللَّه سبحانه للمؤمنين بالجهادِ، ويَشْرُونَ هنا: معناه: يَبِيعُونَ، ثم وصف سبحانه ثوابَ المقاتِلِينَ، والأجْرُ العظيمُ: الجَنَّة. وقوله تعالى: وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: «ما» : استفهامٌ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ: عطْفٌ على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجلّ، أي: وفي سبيل المستضعفين

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» (2/ 76) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 77) .

[سورة النساء (4) : الآيات 77 إلى 78]

لإستنقاذِهِمْ، ويعني ب «المستضْعَفِينَ» : مَنْ كان بمكَّة تحت إذلال كفرة قريش، وفيهم كان صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ» «1» ، وَالْوِلْدانِ: عبارة عن الصبيان، والْقَرْيَةِ هنا: مَكَّةٌ بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ/ المؤمنين والأسرى في حواضِرِ الشِّرْك إلى يوم القيامة. قال ابنُ العربيِّ «2» في «أحكامه» : قال علماؤُنَا (رحمهم اللَّه) : أوجَبَ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ القِتَالَ لإستنقاذ الأسرى مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد روى الأئمّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ» «3» . يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ (رحمه اللَّه) : علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرى بجميعِ أموالِهِمْ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ. انتهى. وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: هذه الآيةُ تقتضِي تقْويَةَ قُلُوبِ المؤمِنِينَ وتَحريضَهُمْ، وقَرِينَةُ ذِكْرِ الشيطانِ بَعْدُ تدُلُّ على أَنَّ المرادَ بالطَّاغُوتِ هنا الشيطانُ، وإعلامُهُ تعالى بضَعْفِ كيدِ الشيطانِ فيه تقويةٌ لقلوب المؤمنِينَ، وتجرِئَةٌ لهم على مُقَارَعَةِ الكيدِ الضعيفِ فإنَّ العزم والحَزْم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهدّه. [سورة النساء (4) : الآيات 77 الى 78] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)

_ (1) أخرجه البخاري (2/ 572) ، كتاب «الاستسقاء» ، باب دعاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ، حديث (1006) ، ومسلم (1/ 446- 447) ، كتاب «المساجد» ، باب استحباب القنوت، حديث (275/ 295) من حديث أبي هريرة. (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 459) . (3) أخرجه البخاري (6/ 193) في الجهاد: باب فكاك الأسير (3046) ، و (9/ 149) في النكاح: باب حق إجابة الوليمة والدعوة (5174) ، و (9/ 427) في الأطعمة: باب قول الله تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (5373) ، (10/ 117) في المرضى: باب وجوب عيادة المريض (5649) ، و (13/ 174) في الأحكام: باب إجابة الحاكم الدعوة (7173) ، وأبو داود (2/ 204) في الجنائز: باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة (3105) ، وأحمد (4/ 394، 406) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 52) برقم (2136) ، والدارمي (2/ 223) ، والبيهقي (3/ 379) ، (10/ 3) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 173) برقم (1401) عن منصور عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري مرفوعا به.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... الآية: اختلف المتأوِّلون، فِيمَن المرادُ بقوله: الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ. فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: كان جماعةٌ من المؤمنين قد أَنِفُوا من الذُّلِّ بمَكَّةَ قَبْلَ الهجرة، وسألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يُبِيحَ لَهُمْ مقاتَلَةَ المُشْركين، فأمرهم عَنِ اللَّهِ تعالى بكَفِّ الأيْدِي، فلَمَّا كتب عليهم القتالُ بالمدينةِ، شَقَّ ذلك على بعضهم، ولَحِقَهُمْ ما يلْحَقُ البَشَر من الخَوَرِ والكَعِّ عَنْ مقَارَعَةِ العدُوِّ، فنزلَتِ الآية فيهم. وقال ابنُ عباس أيضاً ومجاهدٌ: إنما الآيةُ حكايةٌ عنْ حالِ اليَهُود أنهم فعلوا ذلكَ مَعَ نبيِّهم في وَقْتِهِ «1» ، فمعنى الحكايةِ عنهم تقبيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المؤمنين عَنْ فِعْلِ مثله. وقيل: المرادُ المنافقُونَ. و «أَوْ» : تقدَّم شرحُها في «سورة البقرة» في قوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: 74] لأنَّ الموضعَيْنِ سواءٌ. وقولهم: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ: رَدٌّ في صَدْر أوامرِ اللَّهِ سبحانه، وقلَّةُ استسلام له، والأَجَلُ القريبُ: يعنُونَ به موتَهُمْ على فُرُشِهِمْ هكذا قال المفسِّرون. قال ع «2» : وهذا يحسُنُ إذا كانتِ الآيةُ في اليَهُودِ أو في المنافِقِينَ، وأما إذا كانت في طَائِفَةٍ من الصحابةِ، فإنما طَلَبُوا التأخُّر إلى وَقْتِ ظُهُورِ الإسلامِ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، ويُحَسِّنُ القولَ بأنها في المنافِقِينَ اطراد ذِكْرِهِمْ فيما يأتِي بَعْدُ من الآيات. وقوله سبحانه: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ... الآية: المعنى: قل، يا محمَّد، لهؤلاءِ: متاعُ الدنيا، أي: الاِستمتاعُ بالحياةِ فيها الَّذي حَرَصْتُم علَيْهِ قليلٌ، وباقي الآيةِ بيِّن. وهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حمى منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 173) برقم (9957) ، وذكره ابن عطية (2/ 79) ، وابن كثير (1/ 526) ، والسيوطي (2/ 328) ، وعزاه للنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» من طريق عكرمة عن ابن عباس. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 80) .

«إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً، حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ» «1» ، قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعود قال: «نام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتخذنا لَكَ فراشا؟! فقال: مالي وما للدّنيا، وما أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «2» ، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ/ حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وقوله سبحانه: فِي بُرُوجٍ الأكثرُ والأصحُّ الذي علَيْه الجمهورُ: أنه أراد ب «البُرُوج» : الحُصُونَ التي في الأرْضِ المبنيَّة لأنها غايةُ البَشَر في التحصُّن والمَنَعة، فمَثَّل اللَّه لهم بها، قال قتادة: المعنى: في قصورٍ محصَّنة» وقاله ابنُ جُرَيْجٍ «4» والجُمْهُور، وبَرَّجَ: معناه: ظَهَر ومنه تبرُّج المرأة، ومُشَيَّدَةٍ: قال الزَّجَّاج «5» وغيره: معناه: مرفُوعَة مطوَّلة ومنه أَشَادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُل إذا رفَعَهُ، وقالتْ طائفةٌ: مُشَيَّدَةٍ: معناه: محسَّنة بالشِّيدِ، وهو الجَصُّ، وروى النسائيَّ عن أبي هُرَيْرَة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ، يعني: الموتَ، وخرَّجه ابنُ ماجة والترمذيُّ «6» ، وخرَّجه أبو نُعَيْمٍ

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 381) ، كتاب «الطب» ، باب ما جاء في الحمية، حديث (2036) ، والحاكم (4/ 207، 309) ، وابن حبان (2474- موارد) من حديث قتادة بن النعمان مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. (2) أخرجه الترمذي (4/ 588- 589) ، كتاب «الزهد» باب (44) رقم (2377) ، وابن ماجة (2/ 1376) ، كتاب «الزهد» ، باب مثل الدنيا، حديث (4109) ، وأحمد (1/ 441) ، والطيالسي (2/ 120- منحة) رقم (2430) ، والحاكم (1/ 310) ، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 102) كلهم من طريق علقمة عن ابن مسعود به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم. (3) أخرجه الطبري (4/ 175) برقم (9963) ، وذكره البغوي (1/ 454) ، وابن عطية (2/ 80) ، والسيوطي (2/ 329) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة. [.....] (4) أخرجه الطبري (4/ 175) برقم (9965) ، وذكره ابن عطية (2/ 80) . (5) ينظر: «معاني القرآن» (2/ 79) . (6) أخرجه الترمذي (4/ 479) ، كتاب «الزهد» ، باب ما جاء في ذكر الموت، حديث (2307) ، والنسائي (4/ 4) كتاب «الجنائز» ، باب كثرة ذكر الموت، وابن ماجة (2/ 1422) كتاب «الزهد» ، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4258) ، وأحمد (2/ 292- 293) ، وابن أبي شيبة (13/ 226) ، رقم (16174) ، والحاكم (4/ 321) ، وابن حبان (2559- موارد) ، ونعيم بن حماد في «زوائد الزهد» . رقم (146) ، والخطيب (9/ 470) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1/ 391) رقم (669) كلهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. -

الحافظُ بإسناده من حديثِ مالكِ بْنِ أنس، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ، عَنِ ابنِ المُسَيَّب، عن عمر بن الخطّاب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمثله «1» ، وروى ابنُ ماجة بسَنَده، عنِ ابن عُمَرَ أنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ المُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، قَالَ: فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ استعدادا أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» ، وأخرجه مالك أيضاً «2» . انتهى من «التذكرة» «3» . وقوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... الآية: الضميرُ في تُصِبْهُمْ عائدٌ على الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وهذا يدلُّ على أنَّهم المنافقون لأن المؤمنين لا تليقُ بهم هذه المقالةُ ولأنَّ اليهودَ لم يكُونوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تَحْتَ أمْرٍ، فتصيبهم بِسَبَبِهِ أَسْوَاءٌ، والمعنى: إنْ تُصِبْ هؤلاءِ المنافقين حَسَنَةٌ من غنيمةٍ أو غيرِ ذلك، رَأَوْا أنَّ ذلك بالاتفاقِ مِنْ صُنْع اللَّه، لا ببَرَكَةِ اتباعك والإيمانِ بِكَ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: هزيمةٌ، أو شدَّةُ جُوعٍ، أو غيرُ ذلكَ، قالوا: هذه بسَبَبِكَ. وقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: إعلامٌ من اللَّه سبحانه أنَّ الخيْرَ والشرَّ، والحسنَةَ والسيِّئة خَلْقٌ له، ومِنْ عنده، لا رَبَّ غيره، ولا خَالِقَ ولا مُخْتَرِعَ سواه، والمعنى: قل، يا محمّد، لهؤلاء.

_ - وللحديث شاهد من حديث أنس بن مالك. أخرجه البزار (4/ 240) رقم (3623) ، والطبراني في «الأوسط» ، وأبو نعيم (9/ 252) ، والخطيب في تاريخه (12/ 72- 73) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 311) وقال: رواه البزار، والطبراني باختصار عنه، وإسنادهما حسن. اهـ. وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (671) من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (6/ 355) من طريق جعفر بن محمد بن الحسين الزهري، ثنا عبد الملك بن يزيد ثنا مالكِ بْنِ أنس عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ عن عمر مرفوعا، وقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك تفرد به جعفر عن عبد الملك. اهـ. (1) ينظر: الحديث السابق. (2) أخرجه ابن ماجة (2/ 1423) ، كتاب «الزهد» ، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4259) من طريق فروة بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، قال البوصيري في «الزوائد» (3/ 310) : هذا إسناد ضعيف، فروة بن قيس مجهول، وكذا الراوي عنه وخبره باطل، قاله الذهبي في «طبقات التهذيب» . (3) ينظر: «التذكرة» للقرطبي (1/ 20) .

[سورة النساء (4) : الآيات 79 إلى 81]

ثُمَّ وبَّخهم سبحانه بالاستفهامِ عن عِلَّةِ جهلهم، وقلَّةِ فهمهم، وتحصِيلِهِمْ لما يُخْبَرُونَ به من الحقائِقِ، والْفِقْهُ في اللغةِ: الفَهْمُ، وفي الشَّرْعِ: الفهمُ في أمورِ الدِّين، ثم غَلَبَ علَيْهِ الاستعمال في علم المسائل الأحكاميّة «1» . [سورة النساء (4) : الآيات 79 الى 81] ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) وقوله تعالى: مَّا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ... الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وغيرُهُ داخلٌ في المعنى، ومعنى الآية عند ابنِ عَبَّاس وغيره: على القَطْع، واستئناف الأخبارِ مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ بأنَّ الحسَنَةَ منْه، ومن فضله، وبأنّ السيئة من الإنسان بإذنابه، وهي من

_ (1) يطلق الفقه لغة على أقوال ثلاثة: الفهم مطلقا سواء كان المفهوم دقيقا أم غيره، وسواء غرضا لمتكلم أم غيره. والدليل على ذلك على لسان قوم شعيب: ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ [هود: 91] ، وقوله في شأن الكفار: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء: 78] ، وقوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44] . فهذه الآيات تفيد أنّ الفقه هو الفهم مطلقا. ثانيا: قيل: هو الفهم للأشياء الدقيقة فقط، فلا يصح أن نقول: فقهت أن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا. وهذا القول مردود بما سبق من آيات، وبما قاله أئمة اللغة من أن الفقه هو الفهم مطلقا. ثالثا: هو فهم غرض المتكلم من كلامه، فلا يسمى لغة فهم الطير فقها، ورد هذا القول بما رد به الثاني. واصطلاحا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. وقال السيوطي نقلا عن بعض أصحاب الشافعي: الفقه: معرفة النظائر، وقال بعض أصحاب الشافعية أيضا: الفقه: فرق وجمع. وقال الغزالي: الفقه: عبارة عن العلم والفهم في أصل الوضع، ولكن صار بعرف العلماء عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الثابتة لأفعال المكلفين خاصة. وقال محمد نظام الدين محمد اللكنوي في «فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت» : الفقه: حكمة فرعية شرعية، وعرفوه بأنه: العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية. وعرفه الزركشي: بمعرفة الحوادث نصا واستنباطا. وعرفه أبو حنيفة: بمعرفة النفس مالها وما عليها. ينظر: «لسان العرب» (5/ 3450) ، «ترتيب القاموس» (3/ 513) ، «المصباح المنير» (2/ 656) ، «الأشباه والنظائر» (6) ، والقائل الشيخ قطب الدين السنباطي، «المنثور» (1/ 66) ، «المستصفى» (1/ 4) ، «التلويح على التوضيح» (1/ 5) .

اللَّه تعالى بخَلْقِهِ واختراعه، لا خالِقَ سواه سبحانه، لا شريكَ لَهُ، وفي مُصْحَفِ «1» ابنِ مَسْعودٍ: «فَمِنْ نَفْسِكَ، وَأَنَا قَضَيْتُهَا عَلَيْكَ» ، وقرأ بها ابنُ عَبَّاس «2» ، وفي رواية: «وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ» ويعْضُدُ هذا التأويلَ أحاديث عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم معناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ من المصائِبِ، فإنما هو عقوبةُ ذنوبه «3» ، قال أبو جعفر أحمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: قوله تعالى: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ: خطابٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمرادُ غيره. انتهى. وفي قوله سبحانه: / وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا، ثم تلاه بقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً: توعُّدٌ للكُفَّار، وتهديدٌ تقتضيه قُوَّة الكلامِ لأن المعنى: شهيداً على مَنْ كذَّبه. وقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، فالمعنى: أنَّ الرسول- عليه السلام- إنما يأمر وينهى بيانا وتبليغا عن الله، وتَوَلَّى: معناه: أعرض، وحَفِيظاً: يحتملُ معنَيَيْنِ: أي: لِتَحْفَظَهُمْ حتى لا يقَعُوا في الكُفْر والمعاصِي ونحوه، أو لتَحْفَظَ مساوِيَهُمْ وتَحْسِبَها عليهم، وهذه الآيةُ تقتضِي الإعراضَ عَمَّنْ «4» تولى، والتَّرْكَ له، وهي قَبْلَ نزولِ القِتَالِ، وإنما كانت توطئة ورفقا من الله عز وجل حتى يستحكم أمرُ الإسلام. وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ... الآية: نزلَتْ في المنافقينَ باتفاق المفسِّرين، المعنى: يقولُونَ لك، يا محمَّد: أَمْرُنَا طاعةٌ، فإذا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ، اجتمعوا ليلاً، وقالوا غير ما أظهروا لك، وبَيَّتَ: معناه: فَعَلَ لَيْلاً، وهو مأخوذٌ مِنْ بَاتَ أوْ مِنَ البَيْتِ لأنه مُلْتَزَمٌ باللَّيْل. وقوله: تَقُولُ: يحتملُ أنْ يكون معناه: تَقُولُ أنْتَ، ويحتملُ تَقُولُ هِيَ لَكَ، والأمْرُ بالإعراض إنَّما هو عِنْدَ معاقبتهم ومجازاتِهِمْ، وأما استمرار عِظَتِهِمْ ودَعْوتِهِم، فلازمٌ، ثم أمر سبحانه بالتوكُّل عليه، والتمسُّك بعُرْوته الوثقى ثقةً بإنجاز وعده في النّصر،

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 82) ، و «البحر المحيط» (3/ 313) . (2) ورويت عن ابن مسعود، وأبي ينظر السابق. (3) أخرجه البخاري (10/ 103) ، كتاب «المرضى» ، باب ما جاء في كفارة المرض، حديث (5641، 5642) ، ومسلم (4/ 1992) ، كتاب «البر والصلة» ، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، حديث (52/ 2573) عن أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه» . (4) في أ: عمن.

[سورة النساء (4) : الآيات 82 إلى 84]

والوَكِيلُ: القائمُ بالأمورِ المُصْلِحُ لما يُخَافُ مِنْ فسادها. [سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 84] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) وقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ... الآية: المعنى: أَفلا يتدبَّر هؤلاءِ المنافقُونَ كَلاَمَ اللَّه تعالى، فتظهر لهم براهِينُهُ، وتلُوح لهم أدلَّته، قُلْتُ: اعلم (رحمك اللَّه تعالى) أنَّ تدبُّر القرآن كفيلٌ لصاحبه بكُلِّ خير، وأما الهَذْرَمَة «1» والعَجَلَةُ، فتأثيرُها في القَلْب ضعيفٌ قال النوويُّ (رحمه اللَّه) : وقد كَرِهَ جماعةٌ من المتقدِّمين الخَتْمَ فِي يومٍ وليلةٍ ويدلُّ عليه ما رُوِّينَاهُ بالأسانيدِ الصَّحيحة في سُنَن أبي دَاوُد، والتِّرمذيِّ، والنَّسَائِيِّ وغيرها، عن عبد اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنَ العَاصِي، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ» «2» . انتهى. قال ع «3» : والتدبُّر هو النظر في أعقابِ الأُمُور وتأويلاتِ الأشياءِ، هذا كلّه يقتضيه قوله سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، وهذا أمرٌ بالنَّظَرِ والاستدلال، ثم عَرَّف تعالى بِمَوْقِعِ الحُجَّة، أي: لو كان مِنْ كلامِ البَشَر، لَدَخَلَهُ مَا فِي البَشَرَ من القُصُور، وظهر فيه التناقُضُ والتنافِي الَّذي لا يُمْكِنُ جَمْعُه إذ ذلك موجودٌ في كلامِ البَشَرِ، والقرآنُ منزَّه عنه إذ هو كلامُ المحيطِ بِكُلِّ شيء سبحانه. قال ع «4» : فإن عرضَتْ لأحدٍ شبهةٌ، وظنَّ اختلافا في شَيْءٍ مِنْ كتابِ اللَّه، فالواجبُ أنْ يتَّهم نَظَرَهُ ويسأَلَ مَنْ هو أعلَمُ منه. وقوله تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ... الآية: قال جُمْهور المفسِّرين: إن الآيةَ من المنافِقِينَ حَسْبما تقدَّم، والمعنى: أنَّ المنافقين كانوا يتشوَّفون إلى

_ (1) الهذرمة: كثرة الكلام، وهذرم الرجل في كلامه هذرمة إذا خلّط فيه، ويقال للتخليط: الهذرمة، ويقال: هو السرعة في القراءة والكلام والمشي. ينظر: «لسان العرب» (4644) . (2) تقدّم تخريجه. [.....] (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 83) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 83) .

سماع ما يسيء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فإذا طَرَأَتْ لهم شبهةُ أَمْنٍ للمسلمينَ، أو فَتْحٍ عليهم، حَقَّرُوهَا وصَغَّروا شأنَها، وأذاعوا ذلك التحْقيرَ والتَّصْغِيرَ، وإذا طرأت لهم شُبْهَةُ خوفٍ للمسلمين أو مصيبة، عظّموها، وأذاعوا ذلك، وأَذاعُوا بِهِ: معناه: أَفْشَوْهُ، وهو فِعْلٌ يتعدى بحرفِ الجَرِّ وبنفسه أحياناً. وقالت فرقة: الآية نزلَتْ في المنافقين، وفِيمَنْ ضَعُفَ جَلَدُه، وقَلَّتْ تجْرِبَتُهُ مِنَ المؤمنين/ وفي الصحيحِ مِنْ حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) أنه جَاءَ، وَقَوْمٌ فِي المَسْجِدِ، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم نِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: لاَ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْتُ على بَابِ المَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أَلاَ إنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ، فأنزَلَ اللَّه تعالى هذه الآيةَ «1» . وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ... الآية قال: وَأَنَا الَّذِي استنبطته. وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ ... الآية: المعنى: لو أمسكوا عن الخَوْض واستقصوا الأمرِ مِنْ قِبَلِ الرسولِ، وأولِي الأمْر، وهم الأَمَرَاءُ والعُلَمَاءُ، لَعَلِمَهُ طُلاَّبُهُ مِنْ أُولِي الأمْرِ، والبَحَثَةِ عنه، وهم مستنْبِطُوهُ كَمَا يُسْتَنْبَطُ الماءُ، وهو استخراجه مِنَ الأرْضِ. وقوله سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ... الآية: خِطَابٌ لجميعِ المؤمنينَ باتفاقٍ من المتأوِّلين، وقوله: إِلَّا قَلِيلًا هو مستثنى في قول جماعةٍ من قوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا، وقال ابن عَبَّاس، وابن زَيْدٍ: ذلك مستثنًى من قوله: «أَذَاعُوا بِهِ إلاَّ قليلاً» ، ورجَّحه «2» الطبريُّ «3» ، وقال قتادة: هو مستثنًى من قوله: «يستنبطُونَهُ إلا قليلاً» «4» . ت: قال الدَّاوُوديُّ: قال أبو عُبَيْدة: وإنما كَرِهَ العلماءُ أن يجعلوا الاستثناء من

_ (1) أخرجه مسلم (2/ 1105- 1108) ، كتاب «الطلاق» ، باب في الإيلاء، واعتزال النساء، وتخييرهن، حديث (30/ 1479) . وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 333) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (4/ 186) برقم (10017- 10018) ، وذكره ابن عطية (2/ 84) ، والسيوطي (2/ 334) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 186) . (4) أخرجه الطبري (4/ 185- 186) برقم (10014- 10015) ، وذكره ابن عطية (2/ 84) ، والسيوطي (2/ 334) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

[سورة النساء (4) : الآيات 85 إلى 87]

قوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا لأنَّه لا وَجْهَ له فإنَّه لولا فَضْلُ اللَّهِ ورحْمَتُهُ، لاتبعوا الشيْطَانَ كلُّهم. انتهى، وهو حَسَنٌ، وأما قوله: «لا وَجْهَ له» ، ففيه نظَرٌ، فقد وجَّهه العلماءُ بما لا نُطِيلُ بذكْره. وقوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: هذا أمر في ظاهر اللّفظ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَحْده، لكن لم نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ، أنّ القتال فرض على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، دون الأُمَّة مُدَّةً مَّا، والمعنى، واللَّه أعلَمُ أنه خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اللفظِ، وهو مثالُ مَا يُقَالُ لكلِّ واحدٍ في خاصَّة نَفْسه، أي: أنْتَ، يا محمَّد، وكلُّ واحدٍ من أمَّتك القولُ لَهُ: فقاتِلْ في سبيلِ اللَّه، لا تُكَلَّف إلاَّ نَفْسَكَ، ولهذا ينبغي لكلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يستَشْعِرَ أنْ يُجَاهِدَ، ولو وحْدَه ومِنْ ذلك قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّكُمْ حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي «1» » «2» ، وقولُ أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) وَقْتَ الرِّدَّةِ: «وَلَوْ خَالَفَتْنِي يَمِينِي، لَجَاهَدتُّهَا بِشِمَالِي» ، وعسى إذا وردَتْ من اللَّه تعالى، فقال عكرمة وغيره: هي واجِبَةٌ بفَضْلِ اللَّه ووَعْده الجميلِ «3» ، قلْتُ: أيْ: واقعٌ مَّا وعَدَ به سبحانه، والتنكيلُ: الأخْذُ بأنواع العذاب. [سورة النساء (4) : الآيات 85 الى 87] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) وقوله سبحانه: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ... الآية: قال مجاهدٌ وغيره: هي في شَفَاعَاتِ النَّاس بينهم في حوائجهم، فَمَنْ يشفعْ لينفَع، فلَهُ نصيبٌ، ومَنْ يشفعْ ليضُرَّ، فله «4» كِفْلٌ، والكِفْلُ: النَّصيبُ، ويستعمل في الخَيْرِ وفي الشَّرِّ، وفي كتاب اللَّه تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ، وروى أبو داود، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم

_ (1) السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها إلا بالموت. وقيل: أراد حتى يفرّق بين رأسي وجسدي. ينظر: «النهاية» (2/ 390) . (2) أخرجه البخاري (5/ 388- 392) ، كتاب «الشروط» ، باب الشروط في الجهاد، حديث (2731) ، (2732) ، وأحمد (4/ 329) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم. (3) ذكره ابن عطية (2/ 86) . (4) أخرجه الطبري (4/ 188) برقم (10021) ، وذكره البغوي (1/ 457) ، وابن عطية (2/ 86) ، وابن كثير (1/ 531) ، والسيوطي (2/ 335) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.

أنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أتى بَاباً عظيما من أبواب الرّبا» «1» . انتهى. ومُقِيتاً: معناه: قديراً ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر] وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْه ... وَكُنْتُ على إسَاءَتِهِ مُقِيتَا «2» أيْ: قديراً. وقيل: مُقِيتاً: معناه شهيداً، وقيل: حفيظاً. وذهب مقاتلٌ إلى أنه الذي يَقُوتُ كلَّ حيوان، قال الداوديّ: قال الكلبيُّ المَقِيتُ هو المُقْدِرُ بلُغَة قُرَيْشٍ. انتهى. وقوله سبحانه: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ... الآية: قالتْ فرقةٌ: معنى الآية: تخييرُ الرَّادِّ فإذا قال البادئ: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ» ، فللرادِّ أنْ يقولَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ» فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ: «وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ وغيره انتهاء السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إذا حُيِّيتم بتحيةٍ، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، فحَيُّوا بأحْسَنَ منها، وإن انتهى، فردُّوها، كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ: «عَلَيْكَ» كما» في الحديث «4» ، وفي

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 314) ، كتاب «البيوع» ، باب في الهدية لقضاء الحاجة، حديث (3541) من طريق خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة به. (2) البيت من شواهد «البحر المحيط» (3/ 316) ، و «الدر المصون» (2/ 405) ، و «الكشاف» (1/ 543) . والضغن: الحقد. والإقاتة: الاقتدار، وروى الصاغاني: أقيت، وروى بعده: يبيت الليل مرتفقا ثقيلا ... على فرش الفتاة وما أبيت وطن إليّ منه مؤذيات ... كما تؤذي الجذامير البروت (3) أخرجه الطبري (4/ 191) برقم (10040) ، وذكره ابن عطية (2/ 87) ، والسيوطي (2/ 337) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر. (4) قال الخطابي في «معالم السنن» (4/ 154) : هكذا يرويه عامة المحدثين وعليكم «بالواو» ، وكان سفيان بن عيينة يرويه: «عليكم» بحذف الواو، وهو الصواب وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوه لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين. وقال الحافظ: «الفتح» (11/ 48) : قال النووي: الصواب أن حذف الواو وإثباتها ثابتان جائزان وبإثباتها أجود، ولا مفسدة فيه، وعليه أكثر الروايات، وفي معناها وجهان: أحدهما: أنهم قالوا: عليكم الموت، فقال: وعليكم أيضا، أي: نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت. -[.....]

أبي داود، والترمذيّ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ» «1» . انتهى. وأكثرُ أهل العلْمِ على أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه «2» فريضةٌ لأنه حقٌّ من الحقوقِ قاله الحسن وغيره، قال «3» النوويُّ: وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تقدّم منها وما تأخّر» «4» ، وروّينا

_ - والثاني: أن الواو للاستئناف لا للعطف والتشريك، والتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذم. وقال البيضاوي: في العطف شيء مقدر، والتقدير: وأقول عليكم ما تريدون بنا أو ما تستحقون، وليس هو عطفا على «عليكم» في كلامهم، وقال القرطبي: قيل: الواو للاستئناف، وقيل: زائدة، وأولى الأجوبة أنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا. وحكى ابن دقيق العيد عن ابن رشد تفصيلا يجمع الروايتين: إثبات الواو، وحذفها فقال: من تحقق أنه قال: السام أو السلام بكسر السين فليرد عليه بحذف الواو، ومن لم يتحقق منه فليرد بإثبات الواو، فيجتمع من مجموع كلام العلماء في ذلك ستة أقوال. وقال النووي تبعا لعياض: من فسر السام بالموت فلا يبعد ثبوت الواو، ومن فسرها بالسامة فإسقاطها هو الوجه. قلت: بل الرواية بإثبات الواو ثابتة وهي ترجح التفسير بالموت، وهو أولى من تغليط الثقة. (1) أخرجه أبو داود (2/ 772) ، كتاب «الأدب» ، باب في فضل من بدأ بالسلام، حديث (5197) ، والترمذي (5/ 56) ، كتاب «الاستئذان» ، باب ما جاء في فضل الذي يبدأ بالسلام، حديث (2694) ، وأحمد (5/ 245، 261، 264، 269) من حديث أبي أمامة. (2) ابتداء السلام سنة عين من الواحد، ولو صبيا ولو على من ظن أنه لا يرد، ومن الجماعة سنة كفاية ورده فرض عين على الواحد عند إقباله وانصرافه، وكذا لو علمه واحد فقط من الجماعة ولو كان المسلم صبيا مميزا، وفرض كفاية إن كان على جماعة اثنين فأكثر مسلمين مكلفين وسكارى لهم نوع تمييز عالمين به ولو نساء، ولم يتحلل به من صلاة، وإن كرهت صيغته، ولو أسقط المسلم حقه لم يسقط لأن الحق لله تعالى، ولو ردوا كلهم ولو مرتبا أثيبوا ثواب الفرض، كالمصلين على جنازة، وشرطه إسماع واتصال كاتصال الإيجاب بالقبول. واعلم أن ابتداء السلام أفضل من رده، وهذا من المسائل التي استثنيت من كون الفرض أفضل من التطوع، ومنها إبراء المعسر أفضل من انتظاره لكن رد ذلك العلامة ابن حجر في: «التحفة» بأن سبب الفضل في هذين: اشتمال المندوب على مصلحة الواجب، وزيادة إذ بالإبراء زال الانتظار، وبالابتداء حصل أمن أكثر مما في الجواب، أي: ففضله عليه من حيث اشتماله على مصلحة الواجب لا من ذاته، ولا من حيث كونه مندوبا، وقد وقفت للعلامة ابن علان في ذلك على هذين البيتين: الفرض أفضل من نفل وإن كثرا ... فيما عدا صور أخذها حوت دررا بدء السلام أذان والطهارة من ... قبيل وقت مع الإبرار لمن عسرا ينظر: «سبعة كتب مفيدة» ص (141، 144) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 87) ، وابن كثير (1/ 532) ، والسيوطي (2/ 338) ، وعزاه للبخاري في «الأدب المفرد» ، وابن المنذر عن ابن عباس. (4) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» رقم (193) .

[سورة النساء (4) : الآيات 88 إلى 90]

فيه عَنْ أَنسٍ أيضاً، قال: «مَا أَخَذَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بِيَدِ رَجُلٍ، فَفَارَقَهُ حتى قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» «1» وَروِّينَا فيه، عَنِ البَرَاءِ بن عازِبٍ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ المُسْلِمِيْنَ إذَا التقيا، فَتَصَافَحَا، وتَكَاشَرَا بِوُدٍّ وَنَصِيحَةٍ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا بَيْنَهُمَا» ، وفي رواية: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ تعالى، واستغفرا- غفر الله عزّ وجلّ لهما» «2» . انتهى. وحَسِيباً: معناه حَفِيظاً، وهو فَعِيلٌ من الحِسَاب. وقوله سبحانه: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ... الآية: لما تقدَّم الإنذارُ والتحذيرُ الذي تضمَّنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً، تلاه الإعلامُ بصفَةِ الربوبيَّة، وحالِ الوحدانيَّة والإعلامِ بالحَشْرِ والبَعْثِ مِنَ القبور للثَّواب والعقابِ إعلاماً بقَسَمٍ، تقديره: وَحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، والجَمعُ بمعنى الحَشْر. وقوله سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً: المعنى: لا أحَدَ أصْدَقُ من الله تعالى. [سورة النساء (4) : الآيات 88 الى 90] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) وقوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ... الآية: واختلف في هؤُلاَءِ المنافِقِينَ. فقال ابنُ عَبَّاس: هم قومٌ كانوا بمَكَّة أظهروا الإيمانَ لأصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في كُتُبٍ بَعَثُوا بِهَا إلى المدينةِ، ثم خَرَجُوا مسافِرِينَ إلى الشَّام، وأعطَتْهم قريشٌ بِضَاعَاتٍ، وقالوا لهم: أنتم لا تَخَافُونَ أصْحَاب محمَّد لأنّكم تخدعونهم بإظهار الإيمان، فاتّصل خبرهم

_ (1) أخرجه ابن السني رقم (203) . (2) أخرجه أبو داود (2/ 775) ، كتاب «الأدب» ، باب في المصافحة، حديث (5211، 5212) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» ، حديث (192، 194) من حديث البراء.

بالمدينَةِ، فاختلف المؤمنُونَ فيهم «1» ، فقالَتْ فرقةٌ: نَخْرُجُ إلَيْهم فإنهم منافقونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ، لاَ سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ، فنزلَتِ الآية، وعن مجاهدٍ نحوه «2» . قال ع «3» : ويَعْضُدُهُ ما في آخر الآيةِ مِنْ قوله تعالى: حَتَّى يُهاجِرُوا، وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: نزلَتْ في عبد اللَّه بْنِ أُبيٍّ وأصحابِهِ المنافِقِينَ الذين رجعوا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو في «صحيحِ البخاريِّ» مسنداً «4» ، قال ابن العربي في «أحكامه» «5» ، وهذا القول هو اختيار البخاريِّ والترمذيِّ. انتهى. قال ع «6» : وعلى هذا، فقولُه سبحانَهُ: حَتَّى يُهاجِرُوا المرادُ هَجْرُ ما نَهَى اللَّهُ عنه كما قال- عليه السلام-: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه» «7» ، وفِئَتَيْنِ: معناه: فرقتين، / وأَرْكَسَهُمْ: معناه: أرجعَهُمْ في كُفْرِهِمْ وضَلاَلِهِمْ، والرِّكْس: الرَّجيع ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» «8» ، وحكى النضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسَائِيُّ: رَكَسَ وأَرْكَسَ بمعنًى واحدٍ، أي: أرجَعَهم، ومَنْ قال مِنَ المتأوِّلين: أَهْلَكَهم، أو أضلَّهم، فإنَّما هو بالمعنى، وباقي الآية بَيِّنٌ.

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 195) برقم (10060) ، وذكره ابن عطية (2/ 88) ، وابن كثير (1/ 532- 533) ، والسيوطي (2/ 340) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (4/ 194- 195) برقم (10058- 10059) ، وذكره البغوي (1/ 459) ، وابن عطية (2/ 88) ، وابن كثير (1/ 533) ، السيوطي (2/ 340- 341) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 88) . (4) أخرجه البخاري (8/ 104- 105) ، كتاب «التفسير» ، باب فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ، حديث (4589) من حديث زيد بن ثابت. (5) ينظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (1/ 469) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 88) . (7) أخرجه البخاري (1/ 69) ، كتاب «الإيمان» ، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، حديث (10) وفي (11/ 323) كتاب «الرقاق» ، باب الانتهاء عن المعاصي، حديث (6484) ، ومسلم (1/ 65) كتاب «الإيمان» ، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، حديث (64/ 40) من حديث عبد الله بن عمرو. [.....] (8) أخرجه البخاري (1/ 308) ، كتاب «الطهارة» ، باب لا يستنجي بروث، حديث (156) ، والنسائي (1/ 39- 40) كتاب «الطهارة» ، باب الرخصة في الاستطابة بحجر، وابن ماجة (1/ 114) ، كتاب «الطهارة» ، باب الاستنجاء بالحجارة، حديث (314) ، وأحمد (1/ 418) ، وأبو يعلى (9/ 63) برقم (5127) ، وابن المنذر في «الأوسط» (296) ، والبيهقي (2/ 413) من حديث ابن مسعود.

قال ص: أَرْكَسَهُمْ، أي: رَدَّهم في الكُفْر. وقال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» : أَخْبَرَ اللَّه تعالى أنه رَدَّ المنافِقِينَ إلى الكُفْر، وهو الإركَاسُ، وهو عبارةٌ عن الرجُوعِ إلى الحالَةِ المكروهَةِ كما قال في الرَّوْثَةِ: «إنَّهَا رِكْسٌ» ، أيْ: رجَعَتْ إلى حالةٍ مكروهةٍ، فنَهَى اللَّه سبحانَهُ الصحابَةَ أنْ يتعلَّقوا فيهم بظَاهِرِ الإِيمان إذ كان باطنهم الكُفْرَ، وأمرهم بقَتْلهم، حَيْثُ وجَدُوهُم. انتهى. وقولُهُ تعالى: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ... الآية. قال ص: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ: استثناءٌ متَّصِلٌ من مَفْعولِ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ. انتهى. قال ع «1» : هذه الآيةُ مِنْ آياتِ المُوَادَعَةِ في أول الإسلام، ثم نُسِخَتْ بما في سورة «بَرَاءَةَ» فالآيةُ تقتضي أنَّ مَنْ وصَلَ من المشركِينَ الذين لا عهد بينهم، وبين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى هؤلاءِ أهْلِ العهدِ، فدخَلَ في عِدَادِهِمْ، وفَعَلَ فِعْلَهم من المُوَادَعَةِ، فلا سَبِيلَ عليه. وقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ: عطْفٌ على يَصِلُونَ، ويحتملُ أنْ يكون على قوله: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ، والمعنى في العَطْفَينِ مختلفٌ، وهذا أيضاً حُكْمٌ قبل أنْ يستحكم أمْرُ الإسلام، فكان المشرك، إذا اعتزل القتَالَ، وجاء إلى دارِ الإِسلامِ مُسَالماً كارهاً لقتالِ قَوْمِهِ مع المسلِمِينَ، ولقِتَالِ المُسْلمين مع قومه، لا سَبِيلَ عليه، وهذه نُسِخَتْ أيضاً بما في «براءة» ، ومعنى حَصِرَتْ: ضاقَتْ، وحَرِجَتْ ومنه: الحَصَرُ في القَوْل، وهو ضِيقُ الكَلاَم علَى المتكلّم، وحَصِرَتْ: في موضعِ نصبٍ على الحال، واللاَّمُ في قوله: لَسَلَّطَهُمْ جوابٌ «لو» ، والمعنى: ولو شاء اللَّه، لَسَلَّطَ هؤلاءِ الَّذين هُمْ بهذه الصِّفَة من المُسَالَمَة والمُتَارَكَة عليكم، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ، أي: إذا وقَعَ هذا، فلَمْ يقاتِلُوكم، فلا سَبِيلَ لكم عليهم، وهذا كلُّه، والذي في سورة «الممتحنة» : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ ... [الممتحنة: 8] الآية: منسوخ قاله قتادة وغيره «2» . والسَّلَمَ: الصّلح.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 90) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 91) .

[سورة النساء (4) : آية 91]

[سورة النساء (4) : آية 91] سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) وقوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ... الآية: لما وصَفَ اللَّه سبحانه المحقِّقين في المْتَارَكَة وإلقاءِ السَّلَم، نَبَّهَ على طائفةٍ مخادِعَةٍ كانوا يريدُونَ الإقامَةَ في مَوَاضِعِهِمْ مع أهليهم، يقُولُونَ لهم: نَحْنُ معكم وعلى دينَكُمْ، ويقولُونَ أيضاً للمسلمين: نَحْنُ معَكُمْ، وعلى دينكم خَبْثَةً منهم وخَديعَةً، وقوله: إِلَى الْفِتْنَةِ: معناه: إلى الاِختبارِ، حُكِيَ أنهم كانُوا يَرْجِعُون إلى قومهم، فيقالُ لأحدِهِمْ: قل: رَبِّيَ الخُنْفُسَاءُ، رَبِّيَ العودُ، رَبِّيَ العَقْرَبُ، ونحوه، فيقولُهَا، ومعنى: أُرْكِسُوا: أيْ: رَجَعوا رَجْعَ ضلالةٍ، أي: أُهْلِكُوا في الإختبار بما واقَعُوهُ من الكُفْر، وهذه الآيةُ حَضٌّ على قتل هؤلاءِ المخادعين إذا لم يرجعوا عن حالهم، وثَقِفْتُمُوهُمْ: مأخوذٌ من الثِّقَافِ، أي: ظَفرتُمْ بهم، مَغْلوبينَ متمكَّناً منْهم، والسُّلطانُ: الحُجَّة، قال عكرمةُ: حيثما وقع السلطانُ في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فهو الحجّة «1» . [سورة النساء (4) : آية 92] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ... الآية: قال جمهورُ المفسِّرين: معنى الآية: وما كان في إذْنِ اللَّه، وفي أمره للمؤمن أن يَقْتُلَ مؤمناً بوَجْهٍ، ثم استثنَى استثناء/ منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكُونُ فيه «إلاَّ» بمعنى «لَكِنْ» ، والتقديرُ: لَكِنِ الخطأُ قدْ يَقَعُ، ويتَّجِهُ في معنى الآيةِ وَجْهٌ آخر، وهو أنْ تقدَّر «كَانَ» بمعنى «استقر» ، و «وُجِدَ» كأنه قال: وما وُجِدَ، ولا تقرَّر، ولا سَاغَ لمؤْمِنٍ أنْ يقتُلَ مؤمناً إلا خطأً إذ هو مغلوبٌ فيه، فيجيءُ الإستثناءُ على هذا متَّصلاً، وتتضمَّن الآية على هذا إعْظَامَ العَمْد، وبَشَاعَةَ شأنه. وقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ... الآية: حقيقةُ الخَطَإ ألاَّ يقصده بالقَتْلِ، ووجوهُ الخَطَإ كثيرةٌ لا تحصى، يربطها عدم القصد.

_ (1) أخرجه الطبري في تفسيره (4/ 204) (10092) ، وابن عطية (2/ 92) .

قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الرَّقَبَةُ المؤمنةُ: هي الكَبِيرَةُ الَّتي قَدْ صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمان «1» ، وقالَتْ جماعة، منهم مالكُ بْنُ أنَسٍ: يجزىءُ كُلُّ مَنْ يُحْكَم له بحُكْم الإسلام في الصلاة عليه، إنْ مات «2» ، قال مالك: ومَنْ صلى وصَامَ أحَبُّ إلَيَّ، ولا يجزىءُ ذو العَيْب الكثير كأقطع اليَدَيْنِ، أو الرجْلَيْن، أو الأعمى إجماعاً فيما علمت، ومُسَلَّمَةٌ: معناه: مؤَدَّاة مدفوعةٌ، وهي على العاقلةِ فيما جاوز ثلث الدية، وإِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا: يريدُ: أولياءَ القَتِيلِ، وقوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ... الآية: أيْ: وإنْ كان هذا المقتولُ خطأً مؤمناً قَدْ آمَنَ، وبَقِيَ في قَوْمِهِ، وهم كَفَرَةٌ عدُوٌّ لكم، فلا ديةَ فيه، وإنما كفَّارته تحريرُ الرَّقَبة قاله ابنُ عَبَّاس «3» وغيره، وسقَطَتِ الديةُ عندهم لوجهين: أحدهما: أنَّ أولياء المقتولِ كُفَّار، فلا يصحُّ دفع الديةِ إلَيْهم. والآخر: قلَّة حُرْمَة هذا المقتولِ، فلا دِيَةَ فيه. واحتجّوا بقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 72] . وقالت فرقةٌ: بل الوجْهُ في سقوط الدِّية أنَّ الأولياء كُفَّار فقطْ، وسواءٌ قُتِلَ بين أظْهُر المسلمين، أو بَيْن قومه الكُفَّار لأنه لا يصحُّ دفعها إلى الكفَّار. قال ع «4» : وقائِلُ المقالة الأولى يقول: إن قُتِلَ المؤمنُ في بَلَدِ المسلمينَ، وقومُهُ حَرْبٌ، ففيه الديةُ لبَيْتِ المالِ والكَفَّارة. وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ... الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المقتولُ من أهل العَهْدِ خطأً لا نُبَالِي، كانَ مؤْمناً أو كافراً، على عهد قومِهِ فيه الدّية والتّحرير «5» .

_ (1) أخرجه الطبري في تفسيره (4/ 207) (10108) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 518) ، وابن عطية (2/ 93) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 345) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 93) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 209) (10114) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 518) ، وابن عطية (2/ 93) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 347) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 93) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 210) (10122) ، وابن عطية (2/ 94) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 348) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي من طريق عكرمة.

[سورة النساء (4) : آية 93]

وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ... الآية، أي: فَمَنْ لم يَجِدِ الرقَبَةَ ولا اتسع ماله لشرائها، فيجزيه صيامُ شَهُرَيْنِ متتابعةِ الأيَّامِ، لا يتخلّلها «1» فطر، وتَوْبَةً: نصْبٌ على المَصْدر، ومعناه: رجُوعاً بكُمْ إلى التّيسير والتّسهيل. [سورة النساء (4) : آية 93] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93)

_ (1) دلت الآية الكريمة على أن المكفر إذا لم يجد الرقبة المؤمنة، أو وجدها، ولكن عجز عن تحصيلها، فالواجب عليه حينئذ صيام شهرين متتابعين لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ [النساء: 92] ، واشتراط التتابع في الصوم هاهنا، قدر متّفق عليه بين العلماء. ما يقطع التتابع: بعد اتفاقهم على اشتراط التتابع في هذه الكفارة اختلفوا فيما بينهم، فيما يقطع به هذا التتابع، وسنبين ذلك بعد إن شاء الله. لا خلاف بين العلماء في أن من أفطر لغير عذر أثناء الشهرين، فقد انقطع تتابعه للصوم، ووجب عليه أن يستأنف الشهرين، ويلغي ما صامه. ولا خلاف بينهم أيضا في أنّ التتابع لا ينقطع بالحيض متى باشرت المرأة الصوم عقب الطهر، ولم يفصل ذلك بفاصل لأن الحيض لا يمكن التحرز منه في أثناء الشهرين. إلا إذا أخرت الصوم إلى سن اليأس. وفي تأخيره إلى هذا الوقت خطر، وغرر لأنها ربما تموت قبل ذلك. واختلفوا في أمور منها: أولا: إذا تخلل صوم الكفارة شهر رمضان، فهل صوم رمضان يقطع التتابع، أو لا يقطعه، فيبني على ما صامه من الكفارة. فمذهب الشافعية، والحنفية، والظاهرية: أن التتابع ينقطع بذلك، وعليه أن يستأنف لأنه قد ترك التتابع لغير عذر إذ كان في استطاعته أن يصوم شهرين ليس بينهما رمضان خصوصا وأن الكفارة لم تجب على الفور، ولا يصح أن ينوي برمضان الكفارة لأن الزمن متعين لغيرها، والمتعين لا يقبل غيره. ومذهب الحنابلة: أن التتابع لا ينقطع بذلك علم بأن رمضان يتخلل صوم الكفارة، أم لم يعلم بذلك لأنه زمن منع الشرع من صومه عن الكفارة، فلا يقطع التتابع كزمن الحيض، والنفاس. وهذا ما لم ينو برمضان صوم الكفارة، وإلا انقطع التتابع، ولا يجزيه عن رمضان، ولا عن الكفارة. أمّا أنه لا يجزيه عن الكفارة، فلأن الزمن متعين لغيرها، ولا يقبل غير ما عين له. وأما أنه لم يجزه عن رمضان فلأنه لم ينوه، وإنما نوى غيره، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى ... » ومذهب المالكية: إن جهل تخلل رمضان لصوم الكفارة لم ينقطع التتابع بذلك لعذره بالجهل، وإن علم بذلك انقطع تتابعه لأنه كان في وسعه أن يؤخر الصوم إلى زمن لا يعترضه رمضان، والكفارة ليست واجبة على الفور، حتى يعذر بذلك، ولا يجزيه صوم رمضان عن الكفارة سواء نوى الكفارة وحدها، أو أشركها مع رمضان لأن الزمن متعين لغيرها. ينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسانين.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ... ألاية: المتعمِّد في لغة العربِ: القاصِدُ إلى الشيءِ، والجمهورُ أنَّ المتعمِّد كُلُّ مَنْ قَتَلَ، كان القَتْلُ بحديدةٍ أو غيرها، وهذا هو «1» الصحيحُ، ورأْيُ الشافعيِّ وغيره أنَّ القتْلَ بغير الحديدِ المشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْد، ورأَوْا فيه تغليظَ الدِّيَة، ومالكٌ لا يرى شِبْهَ العمدِ، ولا يقُولُ به، وإنما القَتْل عنده ما ذَكَرَه اللَّه تعالى عَمْداً أو خطأً لا غَيْرُ. وقوله تعالى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، تقديره عنْد أهْلِ السُّنَّة: فجزاؤُه، إنْ جَازَاهُ بذلك، أي: هو أهْلٌ لذلك، ومستحِقُّه لعظيم ذنبه. قال ع «2» : ومَنْ أقِيمَ علَيْه الحَدُّ، وقُتِلَ قَوَداً، فهو غَيْرُ مْتَّبَعٍ في الآخرةِ، والوعيدُ غيرُ نافذٍ علَيْه إجماعاً، وللحديثِ الصحيحِ، عن عُبَادة بن الصامت أنَّهُ: «مَنْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» «3» ، ومعنى الخُلُودِ هنا: مدَّةٌ طويلةٌ، إن جازاه اللَّهُ ويدلُّ على ذلك

_ (1) لغة: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (5/ 56) : القاف والتاء واللام أصل صحيح يدل على إذلال وإماتة، والقتل مصدر يقال: قتله يقتله قتلا. وقتله إذا أماته، بضرب أو حجر أو سمّ أو علة. ورجل قتيل: مقتول، والجمع: قتلاء وقتلى وقتالى. العمد في اللغة: القصد يقال: عمدت إلى الشيء قصدته، وتعمدته: قصدت إليه أيضا، والعمد ضدّ الخطأ. عرفه الشّافعية بأنه: ما حصل بقصد الفعل العدوان، وعين الشخص بما يقتل غالبا وعرفه «أبو حنيفة» بأنه: ما تعمد فيه ضرب المقتول بسلاح، أو ما أجرى مجرى السلاح. وعرفه الصّاحبان بأنه: ما تعمّد فيه ضرب المقتول بما لا تطيق النّفس احتماله. وعرفه «ابن عرفة» فقال: العمد ما قصد به إتلاف النفس بآلة تقتل غالبا، ولو بمثقل، أو بإصابة المقتل كعصر الأنثيين، وشدة الضّغط والخنق. وزاد ابن القصار أو يطبق عليه بيتا، أو يمنعه الغذاء حتى يموت جوعا. وعرفه الحنابلة فقالوا: العمد أن يقتل قصدا بما يغلب على الظّن موته به، عالما بكونه آدميا معصوما. ينظر: «مغني المحتاج» (4/ 3) ، «شرح الدر المختار على ابن عابدين» (5/ 351) ، «شرح حدود ابن عرفة» ص (473) ، «كشاف القناع» (3/ 333) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 64) . (3) أخرجه البخاري (1/ 81) ، كتاب «الإيمان» ، باب علامة الإيمان حب الأنصار، حديث (81) ، وفي (7/ 260) كتاب «مناقب الأنصار» ، باب وفود الأنصار، حديث (3892، 3893) ، وفي (7/ 365) ، كتاب «المغازي» ، باب (12) ، حديث (3999) ، وفي (8/ 506) : كتاب «التفسير» باب إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ، حديث (4894) ، وفي (12/ 85) كتاب «الحدود» ، باب الحدود كفارة، حديث (6784) ، وفي (12/ 199) كتاب «الديات» ، باب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها ... ، حديث (6873) ، وفي (13/ 7) كتاب «الفتن» ، باب قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سترون بعدي أمورا» ، حديث (7055) ، وفي (13/ 216) كتاب «الأحكام» ، باب يبايع الإمام الناس، حديث (7199) ، وفي (13/ 216) ، باب-

سقُوطُ لَفْظِ التأبيدِ. قال ع «1» : والجمهورُ على قبولِ توبته، ورُوِيَ عن بعض العلماء أنهم/ كانُوا يَقْصِدُونَ الإغلاظَ، والتَّخْوِيفَ أحياناً، فيُطْلِقُونَ ألاَّ تُقْبَلَ توبته منهم ابن شِهَابٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ «2» ، فكان ابْنُ شِهَابٍ، إذا سأله مَنْ يفهم مِنْهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ، قال له: تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ، وإذا سأله مَنْ لم يفعلْ، قال: لاَ تَوْبَةَ لِلْقَاتِلِ، وعن ابنِ عَبَّاس نحوه، قال الدَّاوُوديُّ وعن أبي هُرَيْرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وَاللَّهِ، لَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ أَعَانَ على قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ مَكْتُوبٌ على جَبْهَتِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» «3» ، وعن معاويةَ، أنَّهُ سَمِعَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاَّ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، أَوْ مَاتَ كَافِراً» «4» ، وعن أبي هريرة أنه سُئِلَ عَنْ قَاتِلِ المُؤْمِنِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، لاَ يَدْخُلُ الجَنَّة حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخيَاطِ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَشْرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ إلاَّ كَبَّهُمُ الله جميعا في النّار» . انتهى.

_ - بيعة النساء، حديث (7213) ، وفي (13/ 455) ، كتاب «التوحيد» ، باب المشيئة والإرادة، حديث (7468) ، ومسلم (3/ 133) كتاب «الحدود» ، باب الحدود كفارة لأهلها، حديث (41/ 1709) ، والترمذي (4/ 45) ، كتاب «الحدود» ، باب ما جاء أن الحدود كفارة لأهلها، حديث (1439) ، والنسائي (7/ 141- 142) كتاب «البيعة» ، باب البيعة على الجهاد، حديث (4161) وفي (8/ 108- 109) كتاب «الإيمان» ، باب البيعة على الإسلام، حديث (5002) ، وأحمد (5/ 314، 320) ، والحميدي (387) ، والدارقطني (3/ 215) كتاب «الحدود والديات» ، والبيهقي (8/ 18) كتاب «الجنايات» ، باب قتل الولدان، كلهم من حديث عبادة بن الصامت. وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. [.....] (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 95) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 220) برقم (10192) ، والماوردي في «تفسيره» (1/ 520) ، والبغوي في «تفسيره» (1/ 464) . (3) أخرجه ابن ماجة (2/ 874) ، كتاب «الديات» ، باب التغليظ في قتل المسلم، حديث (2620) . وقال البوصيري: في إسناده يزيد بن أبي زياد بالغوا في تضعيفه. (4) أخرجه أحمد (4/ 99) ، والنسائي (7/ 81) كتاب «تحريم الدم» ، وأبو نعيم (6/ 99) من حديث معاوية، وله شاهد من حديث أبي الدرداء. أخرجه أبو داود (4270) ، وابن حبان (51- موارد) ، والحاكم (4/ 351) . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

[سورة النساء (4) : آية 94]

[سورة النساء (4) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... الآية: تقُولُ: ضَرَبْتُ في الأرضِ إذا سرْتَ لتجارةٍ أو غَزْوٍ، أو غيره، مقترنةً ب «في» ، وضربْتُ الأرْضَ، دون «فِي» إذا قصَدتَّ قضاء الحاجَةِ. وقال ص: ضربتم، أي: سافرتم. قال ع «1» : وسببُ هذه الآية أنَّ سريَّةً مِنْ سرايا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقيَتْ رجُلاً له جَمَلٌ، ومُتَيَّعٌ «2» ، وقيلَ: غُنَيْمَةٌ، فسلَّم على القَوْمِ، وقال: لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَحَمَلَ علَيْهِ أحدُهُمْ، فَقَتَلَهُ، واختلف في تَعْيين القَاتِلِ والمَقْتُولِ في هذه النازلة، والذي عليه الأكثر، وهو في سِيَر ابْنِ إسحَاقَ، وفي مُصنَّفِ أبي دَاوُد وغيرهما أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ «3» ، والمقتولَ عَامِرُ بن الأَضْبطِ «4» ، ولا خلافَ أنَّ الذي لَفَظَتْهُ الأرْضُ، حِينَ مات، هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَة «5» ، وقرأ جمهورُ السَّبْعة: «فَتََبَيَّنُوا» ، وقرأ «6» حمزة والكسائيُّ: «فَتَثَبَّتُوا» (بالثاء المثلَّثة) في الموضعَيْن هنا، وفي «الحجرات» ، وقرأ «7» نافع

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 96) . (2) التّبعة: اسم لأدنى ما تجب فيه الزكاة من الحيوان، وكأنها الجملة التي للسعادة عليها سبيل، من تاع يتيع: إذا ذهب إليه. ينظر: «النهاية» (1/ 202) . (3) محلّم بن جثّامة الليثي: أخو الصعب بن جثّامة. قال ابن عبد البرّ: يقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إن محلما غير الذي قتل، وإنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه الذي مات في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودفن فلفظته الأرض مرة بعد أخرى. (4) عامر بن الأضبط الأشجعيّ. ذكره ابن شاهين وغيره، وساق قصّة تدلّ على أنه قتل حين أسلم قبل أن يلقى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 224) برقم (10216) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 96) . (6) وقراءة الأخوين مقصودها: أن التثبت خلاف الإقدام، والمراد التأني، فيكون التثبت أشد اختصاصا بهذا الموضع، يعضده قوله تعالى: وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء: 66] ، ومما يقويه قولهم: تثبت في أمرك، ولا يكاد يقال في هذا المعنى: تبين. وحجة الباقين أن التبين ليس وراءه شيء، وقد يكون أشد من التثبت. ينظر: «السبعة» (236) ، و «الحجة» (3/ 173) ، و «حجة القراءات» (209) ، و «العنوان» (85) ، و «إعراب القراءات» (1/ 136) ، و «شرح شعلة» (342) ، و «شرح الطيبة» (4/ 211) ، وإتحاف» (1/ 518) ، و «معاني القراءات» (1/ 315) . (7) وقرأها ابن عامر وحمزة. -

[سورة النساء (4) : الآيات 95 إلى 96]

وغيره: «السَّلَمَ» ، ومعناه: الاِستسلام، أي: ألقى بيده، واستسلَم لكُمْ، وأظهر دعوتكَم، وقرأ باقي السبعة: «السَّلاَمَ» (بالألف) ، يريد: سلاَمَ ذلك المَقْتُولِ على السَّريَّة لأن سلامَهُ بتحيَّة الإسلام مُؤْذِنٌ بطاعَتِهِ، وانقياده، وفي بَعْضِ طرق عاصم: «السِّلْمَ» - بكسر السين المشدَّدة، وسكونِ اللامِ-، وهو الصُّلْح، والمعنَى المرادُ بهذه الثلاثةِ مُتَقَارِبٌ، وقرىء: «لَسْتَ مُؤْمَناً» «1» - بفتح الميم- أي: لَسْنَا نُؤَمِّنُكَ. وقوله تعالى: فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ: عِدَةٌ منه سبحانه بما يأْتِي به مِنْ فَضْله من الحلال دون ارتكاب محْظُورٍ، أي: فلا تتهافَتُوا. واختلف في قوله: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ. فقال ابنُ جُبَيْرٍ: معناه: كذلكَ كُنْتُمْ مستخْفِينَ مِنْ قومكم بإسلامِكُمْ، فَمَنَّ اللَّه عليكم بإعزازِ دينِكم، وإظهارِ شَرِيعتكم، فَهُمُ الآنَ كذلك كلُّ واحدٍ منهم خَائِفٌ مِنْ قومه، متربِّصٌ أَنْ يَصِلَ إلَيْكم، فلم يصْلُحْ إذا وَصَل أنْ تَقْتُلُوه حتى تتبيَّنوا أَمْرَهُ «2» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: المعنى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ كَفَرةً، فَمنَّ اللَّهُ علَيْكُمْ بِأنْ أسلَمْتُمْ، فلا تُنْكِرُوا أَنْ يكُونَ هو كافراً، ثم يسلم لِحِينه «3» ، ثم وَكَّد تبارَكَ وتعالى الوصيَّةَ بالتبيُّن، وأعلم أنَّه خبيرٌ بما يعمَلُه العبادُ، وذلك منه خَبَرٌ يتضمَّن تحذيراً منه سبحانه، أي: فاحفظوا أنْفُسَكم، وجَنِّبوا الزَّلَل المُوبِقَ لكم. [سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96] لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96)

_ - ينظر: «السبعة» (236) ، و «الحجة» (3/ 175، 176) ، و «حجة القراءات» (209) ، و «العنوان» (85) ، و «إعراب القراءات» (1/ 136، 137) ، و «شرح شعلة» (343) ، و «شرح الطيبة» (4/ 213) ، و «إتحاف» (1/ 518) ، و «معاني القراءات» (1/ 315- 316) . (1) وقرأ بها محمد بن علي، وابن مسعود، وابن عباس. ينظر: «الشواذ» ص (34) ، و «الكشاف» (1/ 552) ، ونسبها ابن عطية في المحرر (2/ 96) إلى أبي جعفر بن القعقاع، وأبي حمزة، واليماني، وزاد أبو حيان في «البحر» (3/ 342) نسبتها إلى عكرمة، وأبي العالية، ويحيى بن يعمر. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 228) وابن عطية في «تفسيره» (2/ 97) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 467) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 359) وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة. [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 228) (10235) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 97) .

وقوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ... الآية: في قوله تعالى: لاَ يَسْتَوِي إبهامٌ على السَّامعِ/، وهو أبْلَغُ من تحديدِ المَنْزِلَةِ التي بَيْنَ المجاهد والقاعِدِ، فالمتأمِّل يَمْشِي مع فِكْرته، ولا يَزَالُ يتخيَّل الدرَجَاتِ بينهما، والقاعدُونَ عبارةٌ عن المتخلِّفين. قلْتُ: وخرج أبو بكر بن الخطيب بسنده، عن عليِّ بْنِ أبي طالب (رضي اللَّه عنه) قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ أَعْلاَهَا الحُلَلُ، ومِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ بُلْقٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلْجَمَةٌ بالدُّرِّ واليَاقُوت، لاَ تَرُوثُ، وَلاَ تَبُولُ، ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فتطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، فَيَقُولُ الَّذِينَ أَسْفَلَ مِنْهُمْ: يأهْلَ الجَنَّة، ناصِفُونا، يا ربِّ، ما بَلَّغَ هؤلاءِ هذه الكرامَةَ؟! فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إنهم كانُوا يَصُومُونَ، وكُنْتُمْ تُفْطِرُونَ، وَكَانُوا يقُومُونَ باللَّيْلِ وَكُنْتُمْ تَنَامُونَ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ، وَكُنْتُمْ تَبْخَلُونَ، وَكَانُوا يُجَاهِدُونَ العَدُوَّ وَكُنْتُمْ تَجْبُنُونَ» «1» . انتهى. وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو «2» وحمزة: «غَيْرُ» - بالرفع- صفةً للقاعدين، وقرأ نافعٌ وغيره: «غَيْر» - بالنصب- استثناء من القاعدينَ، ورُوِيَ من غيرِ مَا طَرِيقٍ أنَّ الآية نزلَتْ: «لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ» ، فجاء ابنُ أمِّ مكتومٍ، حين سمعها، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ رُخْصَةٍ، فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ، فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذلك غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «3» ، ...

_ (1) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (1/ 266- 267) من طريق سعد بن طريف عن زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب مرفوعا. ومن طريق الخطيب أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 255) . وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إحداهن: إرساله، فإن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب، والثانية: محمد بن مروان وهو السدي الكبير، قال ابن نمير: وهو كذاب، وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارا. والثالثة: أظهر، وهو سعد بن طريف وهو المتهم به، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث على الفور. (2) ينظر: «السبعة» (237) ، و «الحجة» (3/ 179) ، وفيه ذكر رواية عن ابن كثير أنه قرأ بالنصب. وينظر: «حجة القراءات» (210) ، و «إعراب القراءات» (1/ 137) ، و «العنوان» (85) ، و «معاني القراءات» (1/ 315- 316) . (3) أخرجه البخاري (6/ 53) كتاب «الجهاد» ، باب قول الله عز وجل: لاَّ يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ... ، حديث (2831) ، (8/ 108) كتاب «التفسير» ، باب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، حديث (4593) ، (4594) ، (8/ 638- 639) كتاب «فضائل القرآن» ، باب كاتب-

..

_ - النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حديث (4990) ، ومسلم (3/ 1508) كتاب «الإمارة» ، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، حديث (141/ 1898) ، والترمذي (5/ 225) كتاب «التفسير» ، باب سورة النساء، حديث (3031) ، والنسائي (6/ 10) كتاب «الجهاد» ، باب فضل المجاهدين على القاعدين، وأحمد (4/ 282، 284، 290) ، والطيالسي (2/ 17- منحة) برقم (1943) ، والطبري في «تفسيره» (5/ 229) ، وأبو يعلى (3/ 269) برقم (1725) ، والواحدي في «أسباب النزول» ، (ص 131) ، والبيهقي (9/ 23) ، باب من اعتذر بالضعف والزمانة، كلهم من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والحديث: ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 361) ، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في «المصاحف» ، والبغوي في مجمعه. تنبيه: فات الإمام السيوطي في هذا الحديث أن يعزوه إلى مسلم وهو في صحيحه كما تقدم في أثناء التخريج. وللحديث شواهد من حديث سهل بن سعد، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وزيد بن أرقم، والفلتان بن عاصم. حديث سهل بن سعد: أخرجه البخاري (8/ 108) كتاب «التفسير» ، باب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ، حديث (4592) ، والترمذي (5/ 226) كتاب «التفسير» ، باب سورة النساء، حديث (3033) ، والنسائي (6/ 9) كتاب «الجهاد» ، باب فضل المجاهدين على القاعدين، حديث (3099) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 87- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري عن سهل بن سعد أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا: أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أملى عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله صلّى الله عليه وسلّم وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح هكذا روى غير واحد عن الزهري عن سهل بن سعد نحو هذا، وروى معمر عن الزهري هذا الحديث عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت، وفي هذا الحديث رواية رجل من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن رجل من التابعين، رواه سهل بن سعد عن مروان بن الحكم، ومروان لم يسمع من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. اهـ. حديث زيد بن ثابت: أخرجه أبو داود (2/ 14- 15) كتاب «الجهاد» ، باب في الرخصة في القعود من العذر، حديث (2507) ، وأحمد (5/ 190- 191) ، والحاكم (2/ 81- 82) ، والطبراني في «الكبير» (5/ 132) برقم (4851) كلهم من طريق أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فغشيته السكينة، فوقعت فخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على فخذي، فما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم سري عنه، فقال: اكتب فكتبت في كتف: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين-

قَالَ الفَلَتَانُ بْنُ عَاصِمٍ «1» (رضي اللَّه عنه) : كنّا قعودا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل علَيْه، وكان إذَا أُوحِيَ إلَيْهِ، دَامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْنَاهُ، وفَرَّغَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ لِمَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لِلْكَاتِبِ: اكتب: «لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ ... » إلَى آخر الآية، قال: فقام الأعمى، فقَاَل: يا رسُولَ اللَّهِ، مَا ذَنْبُنَا؟ قَالَ: فأنزلَ اللَّهُ على رسولِهِ، فقلْنا للأعمى: إنه يَنْزِلُ عليه، قال: فَخَافَ أنْ ينزلَ فيه شيْءٌ، فبقيَ قائماً مكانَهُ، يقولُ: أَتُوبُ إلى رسُولِ اللَّهِ، حتّى فرغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال للكاتب:

_ - والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية، فقام ابن أم مكتوم- وكان رجلا أعمى- لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: اقرأ يا زيد، فقرأت: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية كلها. قاله زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتها، والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 361) ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن المنذر، وابن الأنباري. حديث ابن عباس: أخرجه الترمذي (5/ 225) كتاب «التفسير» ، باب سورة النساء، حديث (3032) ، والبيهقي (9/ 47) كتاب «السير» ، باب النفير وما يستدل به على أن الجهاد فرض على الكفاية، كلاهما من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ عن بدر والخارجون إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر، وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة) فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس. حديث زيد بن أرقم: أخرجه الطبراني في «الكبير» (5/ 190) برقم (5053) من طريق أبي إسحاق عن زيد بن أرقم قال: لما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) جاء ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، أما لي رخصة؟ قال: لا، قال ابن أم مكتوم: اللهم إني ضرير فرخص لي فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكتابتها. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 12) : ورجاله ثقات. (1) الفلتان: بفتحتين، ومثناة فوقانية، ابن عاصم الجرمي، خال كليب. يعدّ في الكوفيين. قال البخاريّ: قال عاصم بن كليب: له صحبة، وكذا قال ابن السّكن، وابن أبي حاتم، وابن حبان- له صحبة، وقال البغوي: سكن المدينة. وقال ابن حبان: عداده في الكوفيين. وقال أبو عمر: يقال المنقري، والجرمي أصح. ينظر: «الإصابة» (5/ 288- 289) .

اكتب: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «1» ، وأهْلُ الضررِ: هم أهل الأعذار، إذ قد أضرَّت بهم حتى منعتهم الجهَادَ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «2» . وقوله تعالى: بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، هي الغايةُ في كمالِ الجهَاد، قال ابن جُرَيْجٍ: الفَضْلُ بدرجةٍ هو على القَاعِدِينَ مِنْ أهْل العذر. قال ع «3» : لأنهم مع المؤمنين بنيَّاتهم كما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحيحِ. قال ابنُ جُرَيجٍ: والتفضيلُ بالأجْر العظيمِ والدرجاتِ هُوَ على القَاعِدِينَ مِنْ غير عذر «4» ، والْحُسْنى: الجنةُ التي وَعَدَهَا اللَّهُ المؤمِنِينَ وكذلك قال السُّدِّيُّ وغيره «5» . وقال ابنُ مُحَيْرِيزٍ «6» : الدرجاتُ: هي درجاتٌ في الجنَّةِ سَبْعُونَ ما بَيْنَ الدرجَتَيْنِ حُضْرُ الجَوَادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً «7» ، قُلْتُ: وفي «صحيح البُخاريِّ» ، عن أبي هريرةَ، عن رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «إنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنّة» «8» . انتهى.

_ (1) حديث الفلتان بن عاصم: أخرجه أبو يعلى (3/ 156- 157) برقم (1583) ، وابن حبان (1733- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (18/ 334) برقم (856) ، والبزار (3/ 45- كشف) برقم (2203) كلهم من طريق عبد الواحد بن زياد ثنا عاصم بن كليب حدثني أبي عن الفلتان بن عاصم به. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 231) برقم (10248) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 98) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 362) ، وعزاه لابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 98) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 233) برقم (10260) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 98) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 233) برقم (10259) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 98) . (6) عبد الله بن محيريز بضم أوله وفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة مكسورة ثم تحتانية ثم معجمة، الجمحي أبو محيريز المكي نزيل الشام، عن أبي محذورة، وعبادة بن الصامت، وعنه عبد الملك بن أبي محذورة، ومكحول الزّهري، وثقه العجلي. قال الأوزاعي: من كان مقتديا فليقتد بمثل ابن محيريز، قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال ضمرة: في خلافة الوليد بن عبد الملك. ينظر: «الخلاصة» (2/ 98) ، «تهذيب الكمال» (2/ 739) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 22) ، «الكاشف» (2/ 128) . (7) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 233) برقم (10263) ، وذكره ابن عطية (2/ 98) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 364) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن محيرز بلفظ: قال: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين عدو الجواد المضمر سبعون سنة. [.....] (8) تقدم تخريجه.

[سورة النساء (4) : الآيات 97 إلى 100]

وقال ابن زَيْدٍ: الدرجاتُ في الآيةِ هي السّبع المذكورة في «بَرَاءَةَ» في قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ... [التوبة: 120] الآية «1» . قال ع «2» : ودرجاتُ الجهادِ، لَوْ حُصِرَتْ، أكْثَرُ من هذه، لكنْ يَجْمَعُها بذْلُ النفْسِ، والاعتمال بالبَدَنِ والمالِ في أنْ تكُونَ كَلمةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، ولا شَكَّ أنَّ بحَسَب/ مراتِبِ الأعمال ودرجاتِهَا تكُونُ مراتِبُ الجَنَّة ودرجاتُها، فالأقوالُ كلُّها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس. [سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 100] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ... الآية: المرادُ بهذه الآيةِ إلى قوله: مَصِيراً جماعةٌ من أهل مكَّة كانوا قد أسلموا، فَلَمَّا هاجَرَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أقَامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ منهم جماعةٌ، فافتتنوا، فلما كَانَ أَمْرُ بَدْرٍ، خَرَجَ منهم قومٌ مع الكُفَّار، فقُتِلُوا ببَدْرٍ، فنزلَتِ الآية فيهم. قال ع «3» : والذي يَجْرِي مع الأصولِ أنَّ مَنْ ماتَ مِنْ هؤلاء مرتدًّا، فهو كافرٌ، ومأواه جهنَّم على جهة الخلودِ المؤبدِ، وهذا هو ظاهرُ أمْرِ هؤلاءِ، وإنْ فَرَضْنا فيهم مَنْ مَاتَ مؤمناً، وأُكْرِهَ عَلَى الخُرُوجِ، أوْ ماتَ بمكَّة، فإنما هو عاصٍ في ترك الهِجْرة، مأواه جهنَّم على جهة العِصْيَانِ دُونَ خُلُودٍ. وقوله تعالى: تَوَفَّاهُمُ: يحتملُ أن يكون فعلاً ماضياً، ويحتملُ أنْ يكون مستقْبَلاً على معنى: «تَتَوَفَّاهُمْ» فحذِفَتْ إحدى التاءَيْنَ وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي مِنْ هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية، وظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: نصب على الحال، أي:

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 233) برقم (10262) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 98) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 364) ، وعزاه لابن جرير عن ابن وهب قال: سألت زيد، وذكر الأثر. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 98) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 99) .

ظالميها بترك الهجرة، وتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: معناه: تقبِضُ أرواحَهُمْ، قال الزَّجَّاج «1» ، وحُذِفَتِ النونُ مِنْ ظَالِمِينَ تخفيفاً كقوله: بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: 95] ، وقولُ الملائكة: فِيمَ كُنْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ، وقولُ هؤلاء: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ: اعتذار غيرُ صحيحٍ إذ كانوا يستطيعُونَ الحِيَلَ، ويَهْتَدُونَ السُّبُلَ، ثم وقَفَتْهُم الملائكةُ على ذَنْبهم بقولهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً، والأرْضُ الأولى: هي أرْضُ مكَّة خاصَّة، وأرْضُ اللَّهِ هي الأرضُ بالإطلاق، والمراد: فتهاجِرُوا فيها إلى مواضعِ الأَمْنِ، وهذه المقاوَلَةُ إنما هِيَ بعد توفي الملائكَةِ لأرواحِ هؤلاءِ، وهي دالَّة على أنهم ماتوا مُسْلِمِينَ وإلاَّ فلو ماتوا كافِرِينَ، لم يُقَلْ لهم شيءٌ مِنْ هذا، ثم استثنى سبحانه مَنْ كان استضعافه حقيقةً مِنْ زَمْنَى الرجالِ، وضَعَفَةِ النساءِ، والولدانِ، قال ابنُ عَبَّاس: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» «2» ، والحِيلَةُ: لفظٌ عامٌّ لأنواع أسبَاب التخلُّص، والسَّبِيلُ: سبيلُ المدينةِ فيما قاله مجاهد وغيره «3» ، والصوابُ: أنه عامٌّ في جميع السُّبُل، ثم رَجَّى اللَّه تعالى هؤلاءِ بالعَفْو عنهم، والمُرَاغِمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَب قاله ابن عبَّاس وغيره «4» ، وقال مجاهدٌ: المُرَاغَمُ المتزحْزَحُ عمَّا يُكْرَه «5» ، وقال ابن زيْدٍ: المُرَاغَمُ: المُهَاجَرُ «6» ، وقال السُّدِّيُّ: المُرَاغَمُ: المبتغى للمعيشة «7» . قال ع «8» : وهذا كله تَفْسيرٌ بالمعنى، وأما الخاصُّ بِاللفظة، فإن المُرَاغَمَ هو موضِعُ المراغَمَةِ، فلو هاجر أَحَدٌ من هؤلاءِ المَحْبُوسِين بمكَّةَ، لأرْغَمَ أنُوفَ قريشٍ بحصوله في مَنَعَةٍ منهم، فتلكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المراغَمَةِ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: السّعة هنا هي السّعة في

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» (2/ 94) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 235) برقم (10264) ، وذكره ابن عطية (2/ 100) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 367) ، وعزاه للطبراني. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 239) برقم (10284) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 470) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 368) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد. (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 100) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 242) برقم (10307) ، وذكره ابن عطية (2/ 101) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 368) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 243) برقم (10309) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 101) . (7) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 242) برقم (10308) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 101) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 368) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (8) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 101) .

الرِّزْقِ «1» ، وقال مالك: السَّعة: سَعَةُ البلاد «2» . قال ع «3» : وهذا هو المُشَبِهُ للفصاحة أنْ يريد سعة الأرْضِ وبذلك تكونُ السَّعَةُ في الرِّزْق، واتساع الصَّدْرِ، وغيرُ ذلك من وجوه الفَرَجِ، وهذا المعنى ظاهرٌ من قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً. قال مالكُ بْنُ أَنَسٍ (رحمه اللَّه) : الآية تُعْطِي أنَّ كلَّ مسلمٍ ينبغي لَهُ أنْ يَخْرُجُ من البلادِ الَّتي تُغَيَّرُ فيها/ السُّنَنُ، ويُعْمَلُ فيها بغَيْر الحَقِّ «4» . وقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ... الآية حُكْمُ هذه الآية باقٍ في الجهَادِ، والمَشْيِ إلى الصلاةِ، والحَجِّ، ونحوِهِ، قلْتُ: وفي البابِ حديثٌ عن أبي أُمَامَةَ، وسيأتِي عند قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: 61] . قال ع «5» : والآية نزلَتْ بسبب رَجُلٍ من كِنَانَةَ، وقيلَ: من خُزَاعَةَ، اسمه ضَمْرَةُ في قولِ الأكْثَرِ لما سمع قَوْلَ اللَّه تعالَى: الَّذِينَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قال: إنِّي لَذُو مَالٍ وَعَبِيدٍ، وَكَانَ مَرِيضاً، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إلَى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ فِي سَرِيرٍ، فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ بسببه. قال ع «6» : ومِنْ هذه الآية رأى بعضُ العلماء أنَّ مَنْ مات من المسلمين، وقد خَرَجَ غازياً، فله سَهْمُهُ من الغنيمة، قَاسُوا ذلك علَى الأجْرِ، وَوَقَعَ: عبارةٌ عن الثُّبُوتِ، وكذلك هِيَ «وَجَبَ» لأنَّ الوقوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرَامِ بقوَّة، فشبه لازم المعانِي بذلك، وباقي الآية بيّن.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 243) برقم (10310) وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 522) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 368) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 101) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 368) ، وعزاه لابن القاسم بلفظ: «قال: سئل مالك عن قول الله وَسَعَةً؟! قال: سعة البلاء. [.....] (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 101) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 101) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 101) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 102) .

[سورة النساء (4) : آية 101]

[سورة النساء (4) : آية 101] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ... الآية: ضَرَبْتُمْ: معناه: سافَرْتم، قال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابنُ رَاهَوَيْهِ: تُقْصَرُ الصلاةُ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلاً وحُجَّتهم أحاديثُ رُوِيَتْ في ذلك، عن ابن عمر، وابن عباس «1» . وقال الحسنُ والزُّهْريُّ: تُقْصَرُ في مسيرةِ يَوْمَيْنِ «2» ، وروي هذا أيضاً عن مالكٍ «3» ، وروي عنه: تُقْصَر في مسافة يوم ولَيلة، وهذه الأقوالُ الثلاثةُ تتقارَبُ في المعنى. والجمهورُ على جواز القَصْر في السَّفَر المباحِ. وقال عطاءٌ: لا تُقْصَر إلا في سفر طاعةٍ، وسبيلِ خيرٍ، والجمهور: أنَّه لا قَصْرَ في سفُر معصيةٍ، والجمهور أنه لا يَقْصُر المسافرُ حتى يَخْرُجَ من بُيُوت القرية، وحينئذٍ هو ضاربٌ في الأرْضِ، وهو قولُ مالك وجماعةِ المَذْهَب، وإلى ذلك في الرجوع، وقد ثبت أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثُلُثُ يَوْمٍ، «4» ويظهر مِنْ قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا أنَّ القَصْر مباحٌ أو مخيَّر فيه، وقد رَوَى ابنُ وهْبٍ، عن مالكٍ، أنَّ المسافِرَ مخيَّر فيه «5» وقاله الأَبْهَرِيُّ وعليه حُذَّاق المذْهَب، وقال مالكٌ في «المبسوط» : القَصْرُ سُنَّةٌ «6» وهذا هو الذي عليه

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 103) . (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 103) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 103) . (4) حديث أنس: أخرجه البخاري (3/ 407) كتاب «الحج» ، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، حديث (1546) ، ومسلم (1/ 480) ، كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» ، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (11/ 690) ، مختصرا، من رواية ابن المنكدر، عنه، قال: «صلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهلّ» . وأخرجه أبو داود (2/ 375) ، كتاب «المناسك» (الحج) ، باب في وقت الإحرام، حديث (1773) ، والترمذي (2/ 431) ، كتاب «الصلاة» ، أبواب السفر، باب ما جاء في التقصير في السفر، حديث (546) ، والبيهقي (5/ 38) ، كتاب «الحج» ، باب من قال: يهل إذا انبعثت به راحلته. (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 103) . (6) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 103) .

[سورة النساء (4) : آية 102]

جمهورُ المَذْهب وعليه جوابُ «المدوَّنة» بالإعادة في الوَقْت لِمَنْ أتَمَّ في سفرِه. وقال ابنُ سُحْنُون وغيره: القَصْرُ فَرْضٌ. وقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية، وفي حديثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّة، قال: قُلْتُ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: إنَّ اللَّه تعالى يقُولُ: إِنْ خِفْتُمْ وقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فقالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عجبت منه، فسألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فاقبلوا صَدَقَتَهُ» «1» . ويَفْتِنَكُمْ: معناه يمتحنَكُمْ بالحَمْلِ عليكم، وإشغال نفوسكم، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَّا صلَّى الظُّهْر بأصحابه، قال المُشْرِكُونَ: قد أَمْكَنَكُمْ محمَّد وأصحابه مِنْ ظُهورِهِمْ، هَلاَّ شَددتُّمْ عَلَيْهم، فقال قائلٌ منهم: أنَّ لَهُمْ أخرى فِي أَثَرِهَا، فأنزل اللَّهُ تعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا/ إلى آخر صلاة الخوف. [سورة النساء (4) : آية 102] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) وقوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... الآية: قال جمهورُ الأُمَّة: الآية خطَابٌ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو يتناول الأمراء بعده إلى يوم القيامة، وكذلك جمهورُ العلماء على أنَّ صلاة الخَوْف تصلى في الحَضَر، إذا نزَلَ الخَوْف، قال الطبريُّ «2» : فَأَقَمْتَ لَهُمُ: معناه: حُدُودَهَا وهَيئَتَهَا. وقوله تعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ: أمر بالانقسام، أي: وسائرهم وِجَاه العَدُوِّ، ومعظم الرواياتِ والأحاديثِ على أنَّ صلاةَ الخَوْف إنما نزلَتِ الرخْصَةُ فيها في غَزْوة ذاتِ الرِّقَاعِ، واختلف من المأمورُ بأخْذ الأسلحَةِ هنا؟ فقيل: الطائفة المصلِّية، وقيل: بل الحارسة.

_ (1) أخرجه الطبري عن ابن جريج (4/ 148) برقم (9851) ، وذكره السيوطي في «الدر» (2/ 312) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر. وفيه زيادة: وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يتلو هذه الآية: فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك. (2) ينظر: الطبري (4/ 251) .

قال ع «1» : ولفظ الآية يتناوَلُ الكلَّ، ولكن سِلاَحُ المصلِّين ما خَفَّ، قُلْتُ: ومن المعلوم أنه إذا كانَتِ الطائفةُ المصلِّيةُ هي المأمورَةَ بِأخْذِ السِّلاحِ، فالحارسَةُ من باب أحرى. واختلفت الآثار في هيئة صلاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه صلاةَ الخَوْف وبِحَسَبِ ذلك، اختلف الفقَهَاء، فروى يزيدُ بْنُ رُومَانَ «2» ، عن صالح «3» بنِ خَوَّاتٍ، عن سهلِ بْنِ أبي «4» حَثْمَةَ أنَّهُ صلّى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَلاَةَ الخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعَ، فَصُفَّتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وجَاهَ العَدُوِّ، وجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأخرى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلاَتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً، وأتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ «5» ، وروى القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بن

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 105) . (2) يزيد بن رومان مولى آل الزبير أبو روح المدني. عن ابن الزّبير وعروة وعنه جرير بن حازم وابن إسحاق ونافع القارئ وطائفة. قال ابن سعد: كان عالما ثقة كثير الحديث. توفي سنة ثلاثين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (3/ 169) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1532) ، «تهذيب التهذيب» (11/ 325) (625) ، «الكاشف» (3/ 277) ، «الثقات» (1581) . [.....] (3) صالح بن خوّات بفتح المعجمة: ابن جبير بن النّعمان الأنصاري المدني. عن أبيه وعنه ابنه خوّات والقاسم بن محمد. وثقه النسائي. ينظر: (1/ 459) ، «تهذيب الكمال» (2/ 595) ، «تهذيب التهذيب» (4/ 387) ، «الكاشف» (2/ 19) ، «الثقات» (4/ 372) . (4) هو: سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارث بن الحرث بن عمرو بن مالك بن الأوس اختلف في اسم أبيه فقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله. الأوسي الأنصاري، أمه: أم الربعي بنت سالم بن عدي بن مجدعة، ولد سنة ثلاث من الهجرة، حدث عن النبيّ بأحاديث وحدث عن زيد بن ثابت، ومحمد بن سلمة، روى عنه ابنه محمد، وابن أخيه محمد بن سليمان بن أبي حثمة، وبشر بن يسار، وصالح بن خوّات بن جبير، ونافع بن جبير، وعروة وغيرهم. قال الواقدي: قبض النبيّ وهو ابن ثماني سنين، ولكنه حفظ عنه. توفي أول أيام معاوية. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 468) ، «الإصابة» (3/ 138) ، «الثقات» (3/ 169) ، «الاستيعاب» (1/ 661) ، «الاستبصار» (245) ، «بقي بن مخلد» (108) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 243) ، «الرياض المستطابة» (110) ، «الطبقات الكبرى» (5/ 304) ، «التاريخ الكبير» (4/ 97) ، «التحفة اللطيفة» (200) ، «الوافي بالوفيات» (16/ 8) ، «إسعاف المبطأ» (194) ، «التعديل والتجريح» (1339) . (5) أخرجه البخاري (7/ 421) ، كتاب «المغازي» ، باب غزوة ذات الرقاع، الحديث (4129) ، ومسلم (1/ 575) ، كتاب «صلاة المسافرين» ، باب صلاة الخوف، الحديث (310/ 842) ، ومالك (1/ 183) ، كتاب «الخوف» ، باب صلاة الخوف، الحديث (1) ، وأحمد (3/ 448) ، وأبو داود (2/ 30) ، كتاب «الصلاة» ، باب إذا صلّى ركعة وثبت قائمة، الحديث (1238) ، والنسائي (3/ 171) ، كتاب «الخوف» ، باب صلاة الخوف، وابن الجارود (ص 90) ، كتاب «الصلاة» ، باب في صلاة الخوف، الحديث-

خَوَّاتٍ، عن سَهْلٍ هذا الحديثَ بعينه، إلا أنّه روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ صَلَّى بالطائفةِ الأخيرةِ ركْعَةً، سلَّم، ثم قضَتْ بعد سَلاَمِهِ، وبحديثِ «1» القاسمِ بنِ محمَّد، أخَذَ مالكٌ، وإليه رجَعَ بَعْدَ أنْ كان أولاً يميلُ إلى روايةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وروى عبْدُ الرزَّاق عن مجاهدٍ، قال: لَمْ يصلّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلاَةَ الخَوْفِ إلاَّ مرَّتَيْنِ: مرَّةً بذاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أرض بني سُلَيْمٍ، ومرةً بعُسْفَانَ، والمشركُونَ بِضُجْنَانَ بينهم وبَيْنَ القِبْلَةِ «2» . قال ع «3» : وظاهرُ اختلاف الرّوايات عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقتضي أنَّه صلى صلاةَ الخَوْف في غير هَذيْن الموطِنَيْنِ، وقد ذكر ابنُ عبَّاس أنه كَانَ في غَزْوة ذِي قَرَدٍ صلاةَ خَوْفٍ «4» . وقوله تعالى: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ... الآية: المعنى: فإذا سَجَدوا مَعكَ الركعةَ الأولى، فلْيَنْصَرِفُوا هذا على بعض الهيئات المرويَّة، وقيل: المعنى: فإذا

_ - (235) ، والدارقطني (2/ 60) ، كتاب «العيدين» ، باب صلاة الخوف، الحديث (11) ، والبيهقي (3/ 253) ، كلهم من طريق مالك، عن يزيدُ بْنُ رُومَانَ، عن صالح بنِ خَوَّاتٍ به. والحديث في «الموطأ» (1/ 183) كتاب «صلاة الخوف» ، باب صلاة الخوف، حديث (1) . ومن طريقه أيضا أخرجه البغوي في «شرح السنة» (2/ 592- بتحقيقنا) . (1) أخرجه مالك (1/ 183) كتاب «صلاة الخوف» ، باب صلاة الخوف، الحديث (2) ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسمُ بْنُ محمَّدٍ، عن صالحِ بْنِ خَوَّاتٍ: أن سهل بن أبي حثمة حدثه: أن صلاة الخوف أن يقوم الإمام ومعه طائفة من أصحابه، وطائفة مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه، ثم يقوم. فإذا استوى قائما ثبت وأتموا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلمون وينصرفون والإمام، فيكونون وجاه العدو، ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع بهم الركعة، ويسجد ثم يسلم فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية، ثم يسلمون. وأخرجه مرفوعا: البخاري (7/ 422) ، كتاب «المغازي» ، باب غزوة ذات الرقاع، الحديث (4131) ، ومسلم (1/ 575) ، كتاب «المسافرين» ، باب صلاة الخوف، الحديث (309/ 841) ، وأبو داود (2/ 30) ، كتاب «الصلاة» ، باب يقوم صف مع الإمام، وصف وجاه العدو، الحديث (1237) ، والترمذي (2/ 40) ، كتاب «السفر» ، باب صلاة الخوف، الحديث (562) ، والنسائي (3/ 178) ، كتاب «الخوف» باب صلاة الخوف، وابن ماجة (1/ 400) ، كتاب «إقامة الصلاة» ، باب صلاة الخوف، الحديث (1259) ، وأحمد (3/ 448) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 323) ، كتاب «الصلاة» ، باب صلاة الخوف، والبيهقي (3/ 253) ، كتاب «صلاة الخوف» ، باب كيفية صلاة الخوف، كلهم من طريق عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه، عن صالح بن خوّات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعا. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 105) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 106) . (4) ابن عطية في «تفسيره» (2/ 106) .

[سورة النساء (4) : آية 103]

سَجَدوا ركْعةَ القضاءِ، وهذا على رواية ابنِ أبي حَثْمَةَ، والضميرُ في قوله: فَلْيَكُونُوا، يحتملُ أنْ يكون لِلَّذِينَ سَجَدُوا، ويحتمل أن يكون للطائفةِ القائِمَةِ أولاً بإزاء العَدُوِّ، ويجيء الكلامُ وَصَاةً في حال الحَذَرِ والحَرْب. وقوله تعالى: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ ... الآية: إخبارٌ عن مُعْتَقَدِ القومِ، وتحذيرٌ من الغَفْلةِ لَئِلاَّ ينالَ العَدُوُّ أمَلَهُ، وأسْلِحَةٌ: جمعُ سلاحٍ، وفي قوله تعالى: مَيْلَةً واحِدَةً: مبالغةُ، أي: مستأصِلَةً لا يُحْتَاجُ معها إلى ثانية. وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ... الآية: ترخيصٌ. قال ابنُ عَبَّاس: نزلَتْ بسبب عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، كان مريضاً، فوضع سلاحَهُ، فعنَّفه بعْضُ النَّاس «1» . قال ع «2» : كأنهم تَلَقَّوُا الأمر بأخْذ السِّلاحِ على الوُجُوبِ، فرخَّص اللَّه تعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وينقاسُ عليهما كُلُّ عذرٍ، ثم قوى سبحانه/ نُفُوسَ المؤمنِينَ بقوله: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. [سورة النساء (4) : آية 103] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) وقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً ... الآية: ذهب جمهورُ العلماءِ إلى أنَّ هذا الذِّكْر المأمورَ بِهِ، إنما هو إثْرَ صلاةِ الخَوْفِ على حَدِّ ما أُمِرُوا عند قضاءِ المَنَاسِكِ بذكْرِ اللَّه، فهو ذِكْرٌ باللسانِ، والطُّمَأْنينةُ في الآية: سكونُ النُّفُوسِ من الخَوْف، وقال بعضُ المتأوِّلين: المعنى: فإذا رجعتُمْ مِنْ سفركم إلى الحَضَرِ، فأقيموها تامَّةً أربعاً. وقوله تعالى: كِتاباً مَوْقُوتاً: معناه: منجَّماً في أوقاتٍ، هذا ظاهرُ اللفظ، ورُوِيَ عن ابْنِ عباس أنَّ المعنى: فَرْضاً مفْروضاً «3» ، فهما لفظانِ بمعنى واحد كرّر مبالغة.

_ (1) أخرجه البخاري (8/ 113) كتاب «التفسير» ، باب وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً حديث (4599) والنسائي في «تفسيره» (141) والحاكم (2/ 308) والبيهقي (3/ 255) . وزاد السيوطي نسبته في «الدر» (2/ 214) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 107) . (3) ابن عطية (2/ 108) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 380) ، وعزاه لابن أبي حاتم.

[سورة النساء (4) : آية 104]

[سورة النساء (4) : آية 104] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) وقوله تعالى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ: أي: لا تَلِينُوا وتَضْعُفوا يُقَالُ: حَبْلٌ وَاهِنٌ، أيْ: ضعيفٌ ومنه: «وَهَنَ العَظْمُ» وابتغاءُ القَوْمِ: طَلَبُهم، وهذا تشجيعٌ لنفوسِ المُؤْمنين، وتحقيرٌ لأمْر الكَفَرة، ثم تأَكَّد التشجيعُ بقوله: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ، وهذا برهانٌ بَيِّنٌ، ينبغي بحَسَبِهِ أنْ تقوى نفوسُ المؤمنين، وباقي الآية بيّن. [سورة النساء (4) : آية 105] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ... الآية: في هذه الآية تشريف للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ أيضاً على الجادَّة في الحُكْم، وتأنيبٌ مَّا على قبولِ ما رُفِعَ إلَيْه في أمْر بَنِي أُبيْرِقٍ بِسُرْعَةٍ. وقولُهُ تعالى: بِما أَراكَ اللَّهُ: معناه: على قوانينِ الشَّرْعِ إمَّا بوَحْيٍ ونَصٍّ أو نَظَرٍ جارٍ على سَنَنِ الوحْي، وقد تضمَّنَ اللَّه تعالى لأنبيائه العِصْمَةَ. وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً، قال الهَرَوِيُّ: خَصِيماً: أيْ: مُخَاصِماً، ولا دَافِعاً. انتهى. قال ع «1» : سببها، باتفاق من المتأولين: أمْرُ بني أُبَيْرِقٍ، وكانوا إخْوَةً: بِشْرٌ، وبَشِيرٌ، وَمُبَشِّر، وطُعَيْمَةُ، وكان بَشِيرٌ رجلاً منافقاً يهجو أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وينحل الشِّعْر لغيره، فكان المسلمونَ يَقُولُونَ: واللَّهِ، ما هو إلاَّ شِعْرُ الخَبِيثِ، فقال شعراً يتنصَّل فيه فَمِنْهُ قوله: [الطويل] أَفِي كُلِّ مَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَة ... نُحِلْتُ، وَقَالُوا: ابن الأُبَيْرِقِ قَالَهَا قال قتادةُ بنُ النُّعْمَانِ: وكان بَنُو أُبَيْرِقٍ أهْلَ فَاقَةٍ، فابتاع عَمِّي رِفَاعَةُ بن زيد «2» حملا

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 108) . (2) رفاعة بن زيد: ابن عامر بن سواد بن كعب، وهو ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاريّ الظفريّ، عم قتادة بن النّعمان. روى الترمذي والطّبريّ، من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جدّه قتادة بن النّعمان، قال: كان أهل بيت منّا يقال لهم بنو أبيرق، فابتاع عمّي رفاعة بن زيد جملا من الدرمك، فجعله في مشربة له، فعدا عليه من تحت الليل، فذكر الحديث بطوله في نزول قوله تعالى: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [النساء: 105] وفي آخره قال قتادة: فأتيت عمي بسلاحه، وكان قد عشا في الجاهلية، وكنت أظنّ-

مِنْ دَرْمَكِ الشِّامِ، فجعله في مَشْرُبَةٍ له، وفي المَشْرُبَةِ دِرْعَانِ له، وسَيْفَانِ، فَعُدِيَ على المَشْرُبَةِ من اللَّيْلِ، فلما أصْبَحَ، أتانِي عَمِّي رفاعة، فقال: يا ابن أَخِي، أتعلَمُ أنه قَدْ عُدِيَ علَيْنا في لَيْلَتِنَا هذه، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنَا، وذُهِبَ بطَعَامِنَا، وسِلاَحِنا، قال: فتحسَّسْنا في الدَّار، وسألنا، فَقِيلَ لنا: قد رأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ استوقدوا نَاراً في هذه الليلةِ، ولاَ نُرَاهُ إلاَّ على بعض طعامِكُمْ، قال: وقد كان بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا، ونَحْنُ نَسْأَلُ: وَاللَّهِ، مَا نرى صَاحِبَكُمْ إلاَّ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ «1» ، رَجلٌ مِنَّا لَهُ صَلاَحٌ وإسْلاَمٌ، فَسَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ، فاخترط سَيْفَهُ، ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ، أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، فَقَالُوا: إلَيْكَ عنّا، أيّها الرّجل، فو الله، مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حتى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأخبرته بهذه القصّة، فأتيته صلّى الله عليه وسلّم، فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: انظر فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ، أَتَوْا رَجُلاً مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ «2» ، فكلَّموه في ذلكَ، واجتمع إلَيْهِ ناسٌ مِنْ أَهْلِ الدارِ، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم/ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ رِفَاعَةَ عَمَدَا إلى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إسْلاَمٍ وَصَلاَحٍ يَرْمِيَانِهِمْ بِالسَّرِقَةِ على غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال قَتَادةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: عَمَدتَّ إلى أَهْلِ بَيْتٍ، ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلاَمٌ وَصَلاَحٌ، فَرَمَيْتَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، قال: فَرَجَعْتُ، وَقَدْ وَدِدتُّ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ بَعْضِ مَالِي، وَلَمْ أُكَلِّمْهُ، فَأَتَيْتُ عَمِّي، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: اللَّهُ المُسْتَعَانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ القُرآن: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... الآيات، قال: فالخائنون: بنو أبيرق، والبريء المرميّ

_ - إسلامه مدخولا، قال: فلما أتيته به قال: يا بن أخي، هو في سبيل الله، فعرفت أنّ إسلامه كان صحيحا. قال التّرمذيّ: غريب تفرد محمد بن سلمة بوصله، ورواه غيره مرسلا، ورواه الواقديّ من طرق عن محمود بن لبيد، فذكر القصة مطولة فزاد ونقص. ينظر: «الإصابة» (2/ 407) ، «تبصير المنتبه» (3/ 851) ، «الجرح والتعديل» (3/ 2233) ، «الأعلمي» (18/ 263) ، «أسد الغابة» ت (1688) ، «الاستيعاب» ت (777) . [.....] (1) لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن رزاح بن ظفر الأنصاري. وقال ابن عبد البرّ: لا أدري هو من أنفسهم أو حليف لهم. انتهى. وقد نسبه ابن الكلبيّ إلى القبيلة كما ترى، لكن قال العدوي: إنه وهم من ابن الكلبي وإنما هو أبو لبيد بن سهل- رجل من بني الحارث بن مازن بن سعد العشيرة من حلفاء الأنصار. ينظر: «أسد الغابة» ت (4528) ، «الإصابة» (5/ 504) ، «الاستيعاب» ت (2261) . (2) أسير بن عروة بن سواد بن الهيثم بن ظفر الأنصاري الظّفري. قال ابن القداح: شهد أحدا والمشاهد بعدها، واستشهد بنهاوند. ينظر: «الإصابة» (1/ 237) ، «الثقات» (3/ 15) ، «أسد الغابة» ت (677) ، «الاستيعاب» ت (63) .

[سورة النساء (4) : آية 106]

لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ، والطائفةُ التي هَمَّتْ أُسَيْرٌ وأصحابُهُ «1» . قال ع «2» : قال قتادة وغَيْرُ واحدٍ: هذه القصَّة ونحوها إنما كان صاحبُها طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، ويقال فيه: طُعَيْمَةُ. قال ع «3» : وطُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِق صرَّح بعد ذلك بالاِرتدادِ، وهَرَبَ إلى مكَّة، فرُوِيَ أنه نَقَبَ حائطَ بَيْتٍ ليسرقه، فانهدم الحائطُ عليه، فقَتَلَه، ويروى أنه اتبع قوماً من العرب، فسرقهم، فقتلوه «4» . [سورة النساء (4) : آية 106] وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) وقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، ذهب «5» الطبريُّ إلى أنَّ المعنَى: استغفر مِنْ ذَنْبِكَ في خِصَامِكَ للنَّاس. قال ع «6» : وهذا ليس بذَنْبٍ لأنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنما دَافَعَ عن الظاهرِ، وهو يعتقدُ براءتهم، والمعنى: واستغفر للمؤْمنينَ مِنْ أمَّتك، والمتخاصِمِينَ بالباطل، لا أنْ تكون ذا جدالٍ عنهم، وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُوَم مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: «سُبْحَانَكَ، اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، لاَ إلَهَ إلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إلَيْكَ، إلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» ، رواه أبو داود والتِّرمذيُّ والنسائِيُّ والحاكمُ وابنُ حِبَّانَ في «صحيحيهما» ، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ «7» ، ورواه النسائيُّ والحاكمُ أيضاً مِنْ طُرُق عن عائشة ...

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 265) برقم (10416) ، ذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 477) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 109) ، والسيوطي في «الدر» (2/ 385) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 109) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 109) . (4) ذكره ابن عطية (2/ 109) . (5) ينظر الطبري (2/ 265) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 110) . (7) أخرجه الترمذي (5/ 494) ، كتاب «الدعوات» ، باب ما يقول إذا قام من المجلس، حديث (3433) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 105- 106) كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه، حديث (10230) ، والحاكم (1/ 536- 537) ، وابن حبان (2366- موارد) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 129- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. -

[سورة النساء (4) : آية 107]

وغيرها «1» . انتهى من «السلاح» . [سورة النساء (4) : آية 107] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) وقوله تعالى: وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، لفظ عامٌّ يندرج تحته أصحابُ النازلةِ، ويتقرَّر به توبيخُهُمْ، وفي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً : رفْقٌ وإبقاءٌ فإن الخَوَّان هو الذي تتكرَّر منه الخيانَةُ كَطُعَيْمَةَ بْنِ الأُبَيْرِقِ، والأَثِيمُ هو الذي يَقْصِدُها، فيخرج من هذا التشديدِ السَّاقط مرةً واحدةً، ونحو ذلك، واختيان الأَنْفُسِ هو بما يَعُودُ عليها من الإثْمِ والعقوبةِ في الدنيا والآخرة. [سورة النساء (4) : آية 108] يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) وقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ... الآية: الضميرُ في «يستخفون» للصِّنْفِ المرتكبِ للمعاصِي، ويندرجُ في طَيِّ هذا العموم أهْلُ الخيانةِ في النازلة المذكورةِ، وأهْلُ التعصُّب لهم، والتّدبير في خدع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والتلبيسِ عليه، ويحتملُ أَنْ يكونَ الضميرُ لأَهْلِ هذه النازلةِ، ويدْخُلُ في معنى هذا التوبيخِ كلُّ من يفعل نَحْوَ فعلهم، قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة، والحِكمِ الحقيقيَّة» : النفوسُ المرتكبةُ للمحارِمِ المحتقبَةُ للمآثِمِ، والمَظَالِمِ شبيهةٌ بالأراقم، تملأ أفواهَهَا سُمًّا، وتقصدُ مَنْ تقذفُهُ عَلَيْه عدواناً وظلماً، تجمعُ في ضمائرها سُمُومَ شُرُورِهَا وضَرَرها، وتحتالُ/ لإلقائها على الغافَلَينَ عَنْ مكائدهَا وخُدَعِهَا. انتهى. ومعنى: وَهُوَ مَعَهُمْ ، بالإحَاطَةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، ويُبَيِّتُونَ : يدبِّرون لَيْلاً، ويحتمل أنْ تكون اللفظة مأخوذةً من البَيْت، أي: يستَتِرُونَ في تَدْبِيرِهمْ بالجُدُرَاتِ. [سورة النساء (4) : الآيات 109 الى 111] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111)

_ - وصححه أيضا ابن حبان. وللحديث شاهد من حديث عائشة، أخرجه النسائي في «الكبرى» (6/ 106) كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه، حديث (10231) . (1) ينظر الحديث السابق.

[سورة النساء (4) : الآيات 112 إلى 113]

وقوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ : خطابٌ للقوم الذين يَتَعَصَّبون لأَهْلِ الرَّيْبِ والمعاصِي، ويندرجُ في طَيِّ هذا العمومِ أهْلُ النازلةِ، وهو الأظهرُ عنْدِي بحُكْم التأكيدِ بهؤلاءِ، وهِيَ إشارةٌ إلى حاضِرِينَ، ومِن «مصابيح البَغَوِّي» عن أبي داود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ، حتى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ حتى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» «1» ، ويروى: «مَنْ أَعَانَ على خُصُومَةٍ لاَ يَدْرِي أَحَقٌّ أَمْ بَاطِلٌ، فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حتى يَنْزِعَ» . انتهى. وقوله تعالى: فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... الآية: وعيدٌ محْضٌ، ولمَّا تمكَّن هذا الوعيدُ، وقَضَتِ العقولُ بأنْ لا مجادِلَ للَّهِ سبحانَهُ، ولا وَكِيلَ يقُومُ بأمْر العُصَاة عنده، عَقَّبَ ذلك بهذا الرَّجَاء العظيمِ، والمَهَلِ المنفسحِ، فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ... الآية، وباقي الآية بيّن. [سورة النساء (4) : الآيات 112 الى 113] وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) وقوله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ، ذهب بعضُ النَّاسِ إلى أنهما لفظانِ بمعنًى، كُرِّرَ لإختلافِ اللفْظِ، وقال الطَّبَرِيُّ «2» : إنما فَرَقَ بين الخطيئَةِ والإثْم لأنَّ الخطيئة تكُونُ عَنْ عَمْدٍ، وعن غير عَمْدٍ، والإثمُ لا يكُونُ إلا عَنْ عمد، وهذه الآية لفظها عامٌّ، ويندرجُ تحْتَ ذلك العمومِ أهْلُ النازلةِ المَذْكُورة، وبَرِيءُ النَّازِلَةِ، وهو لَبِيدٌ، كما تقدَّم، أيْ: ويتناولُ عمومُ الآية كلَّ بريءٍ. وقوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً : تشبيهٌ، إذ الذنوبُ ثِقْلٌ ووِزْرٌ، فهي كالمحمولات، وبُهْتاناً : معناه: كَذِباً، ثم وقَفَ اللَّه تعالى نبيَّه على مقدارِ عِصْمَتِهِ له، وأنها بفَضْل منه

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 329) ، كتاب «الأقضية» ، باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها، حديث (3597) ، وأحمد (2/ 70) ، والحاكم (2/ 27) كلهم من طريق عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد عن عبد الله بن عمر مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (2) ينظر الطبري (4/ 274) .

[سورة النساء (4) : آية 114]

سُبْحَانه ورَحْمَتِهِ. وقوله تعالى: لَهَمَّتْ : معناه: لَجَعَلَتْهُ همَّها وشُغُلَها، حتى تنفذه وهذا يدلُّ على أنَّ الألفاظ عامَّة في غير أهْل النَّازلة، وإلاَّ فأهْلُ التعصُّب لبني أُبَيْرِقٍ قد وقَع هَمُّهم وثَبَت، ثم أخبر تعالى أنهم لا يضلُّون إلاَّ أنفسهم، وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء، قُلْتُ: ثم ذكر سبحانه ما أنعم بِهِ على نبيه مِنْ إنزالِ الكتابِ، والحِكْمَةِ، وتعليمِهِ ما لم يكُنْ يعلم، قال ابنُ العربيِّ في رحلته: اعلم أنَّ علومَ القُرآنِ ثلاثةُ أقْسَامٍ: تَوْحِيدٌ، وتَذْكِيرٌ، وأَحْكَامٌ، وعلْم التذكيرِ هو معظم القُرآن، فإنه مشتملٌ علَى الوَعْد والوَعِيدِ، والخَوْف والرجاء، والقُرَبِ وما يرتبط بها، ويدْعو إليها ويكُونُ عنها، وذلك معنًى تَتَّسِعُ أبوابه، وتمتدُّ أطنابه. انتهى، وباقِي الآيةِ وعْدٌ كريمٌ لنبيِّهِ- عليه السلام-، وتقريرٌ نعمه لدَيْه سبحانه، لا إله غيره. [سورة النساء (4) : آية 114] لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) وقوله تعالى: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... الآية: الضَّمِيرُ في نَجْواهُمْ: عائدٌ على النَّاس أجمع، وجاءَتْ هذه الآياتُ عامَّةَ التناولِ، وفي عمومهَا يندرجُ أصحابُ النَّازلة، وهذا من الفَصَاحة والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِي والغابر في عبارةٍ واحدةٍ، قال النوويُّ/ ورُوِّينا في كتابَيِ «الترمذيِّ» و «ابن ماجة» ، عن أمِّ حَبِيبَة «1» (رضي اللَّه عنها) ، عنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «كُلَّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إلاَّ أَمْراً بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْياً عَنْ منكر، أو ذكرا لله تعالى» «2» . انتهى.

_ (1) هي: رملة بنت أبي سفيان (صخر) بن حرب بن أمية بن عبد شمس.. أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها القرشية الأموية. أمها: صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان. ميلادها: ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاما. قال ابن الأثير في «الأسد» : كانت من السابقين إلى الإسلام، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله (بن جحش) فولدت هناك حبيبة فتنصر عبيد الله ومات بالحبشة نصرانيا، وبقيت أم حبيبة مسلمة بأرض الحبشة، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطبها إلى النجاشي.. قال ابن إسحاق: تزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد زينب بنت خزيمة الهلالية. توفيت رحمها الله سنة (44) . تنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 114، 315) ، «الإصابة» (8/ 84، 222) ، «الثقات» (3/ 131) ، «بقي بن مخلد» (52) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 268) ، «تقريب التهذيب» (2/ 620) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 419) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1683) ، «أعلام النساء» (1/ 397) ، «الكاشف» (3/ 471) . [.....] (2) أخرجه الترمذي (4/ 608) ، كتاب «الزهد» ، باب (62) ، حديث (2412) ، وابن ماجه (2/ 1315) ، -

[سورة النساء (4) : الآيات 115 إلى 116]

والنَّجْوَى: المسارَّة، وقد تسمى بها الجماعةُ كما يقال: قَوْمٌ عَدْلٌ، وليستِ النجوى بمَقْصُورةٍ على الهَمْسِ في الأُذُنِ، والمعروفُ لفظ يعمُّ الصدَقَةَ والإصلاحَ وغيرهما، ولكنْ خُصَّا بالذِّكْر اهتماماً إذ هما عظيمَا الغَنَاءِ في مَصَالحِ العبادِ، ثم وعد تعالى بالأجر العظيم على فعل هذه الخيرات بنيّة وقصد لرضا الله تعالى. [سورة النساء (4) : الآيات 115 الى 116] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) وقوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ... الآية: لفْظٌ عامٌّ نزَلَ بسببِ طُعْمَة بْنِ أُبَيْرِقٍ لأنه ارتدَّ وسار إلى مكَّة، فاندرجَ الإنحاءُ علَيْهِ فِي طَيِّ هذا العمومِ المتناوِلِ لمَنِ اتصف بهذه الصفاتِ إلى يوم القيامة. وقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى: وعيدٌ بأنْ يترك مع فاسِدِ اختيارِهِ في تودُّد الطاغوتِ، ثم أوجَبَ تعالى أنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية. [سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 119] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ... الآية: الضميرُ في يَدْعُونَ: عائدٌ على مَنْ ذكر في قوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: 115] ، و «إنْ» : نافيةٌ بمعنى «ما» ، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنى: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ: وفي «البخاريِّ» إِلَّا إِناثاً: يعني المَوَاتَ حَجَراً ومدَراً، وما أشبهه. انتهى، وفي مُصْحَف «1» عائشَةَ: «إلاَّ أوثَاناً» ونحوه عن ابنِ عَبَّاس «2» ، والمرادُ بالشّيطان هنا

_ - كتاب «الفتن» ، باب كف اللسان في الفتنة، حديث (3974) كلاهما من طريق محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سعيد بن حسان المخزومي قال: حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة به. وقال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس. (1) ينظر: «الشواذ» ص (35) ، و «الكشاف» (1/ 566) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 113) ، و «البحر المحيط» (3/ 367) ، و «الدر المصون» (2/ 427) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 279) برقم (10447) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (1/ 481) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 113) .

[سورة النساء (4) : الآيات 120 إلى 122]

إبليسُ قاله الجمهور، وهو الصوابُ لأنَّ سائر المقالة به تليق، ومَرِيداً: معناه: متمرِّداً عاتياً صليباً في غوايته، وأصْلُ اللعْنِ: الإبعادُ، والمفروضُ: معناه: في هذا الموضعِ المُنْحَاز، وهو مأخوذٌ من الفرضِ، وهو الحَزُّ في العود وغيره. قال ع «1» : ويحتملُ أنْ يريد واجباً إن اتَّخَذَهُ، وبَعْثُ النَّارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ. وقوله: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ... الآية: معنى أُضِلَّنَّهُمْ: أصرفُهُمْ عن طريقِ الهدى، وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ لأسوِّلَنَّ لهم، وأَمَانِيُّهُ لا تنحصرُ في نَوْعٍ واحدٍ، والبَتْكَ: القَطْع. وقوله: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ اختلف المتأوِّلون في معنى تَغْيير خَلْق اللَّه، ومِلاَكُ تفسير هذه الآية أنَّ كلَّ تغييرٍ ضَارٍّ، فهو داخلٌ في الآية، وكلّ تغييرٍ نافعٍ فهو مباحٌ، وفي «مختصر الطبريِّ» : فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، قال ابنُ عبَّاس: خَلْقَ اللَّهِ: دِينَ اللَّهِ، وعن إبراهيم، ومجاهدٍ، والحسن، وقتادَةَ، والضَّحَّاك، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ مثله «2» ، وفسَّر ابن زيد: لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: 30] ، أيْ: لِدِينِ اللَّهِ، واختارَ الطبريُّ «3» هذا القوْلَ واستدلِّ له بقوله تعالى: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: 30] وأَجاز أنْ يدخل في الآية كلُّ ما نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ معاصيه، والتَّرْكِ لطاعته. انتهى، وهو حَسَنٌ. قال ع «4» : واللامَاتُ كلُّها للقَسَمِ. قال ص: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ، مفعوله محذوفٌ، أي: عن الهدى وكذا: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ، أي: الباطلَ وكذا وَلَآمُرَنَّهُمْ، أي: بالبَتْكِ، فَلَيُبَتِّكُنَّ وكذا: وَلَآمُرَنَّهُمْ، أي: بالتغيير، فَلَيُغَيِّرُنَّ كُلَّ ما أوجده اللَّه للطَّاعَةِ فيستعينُونَ به في المَعْصِيَةِ. انتهى. ولما ذكر اللَّه سبحانه/ عُتُوَّ الشيطانِ، وما توعَّد بهِ منْ بَثِّ مَكْرِهِ، حَذَّر تبارك وتعالى عبادَهُ بأن شرط لمن يتّخذه وليّا جزاء الخسران. [سورة النساء (4) : الآيات 120 الى 122] يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122)

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 114) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 283) برقم (10468) ، (10470، 10477، 10480، 10481) ، وذكره الماوردي في «تفسيره» (1/ 530) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 114) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 396) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (3) ينظر الطبري (4/ 285) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 114) .

[سورة النساء (4) : آية 123]

وقوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، أي: يعدُهُم بأباطِيلهِ من المالِ، والجاهِ، وأنْ لا بَعْثَ، ولاَ عِقَابَ، ونَحْوِ ذلك لكلِّ أحدٍ مَّا يليقُ بحاله، ويمنِّيهم كذلك، ثم ابتدأ سبحانه الخَبَرَ عن حقيقةِ ذَلِكَ بقوله: وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ثم أخْبَرَ سبحانه بمَصِيرِ المتَّخِذِينَ الشَّيْطَان وَليًّا، وتوعَّدهم بأنَّ مأُوَاهُمْ جهنَّم، لا يدافعونها بحيلة، ولا يتروّغون، ومَحِيصاً: مِنْ حَاصَ إذَا رَاغَ ونَفَرَ ومنه قولُ الشَّاعر: [الطويل] وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنَا مِنَ المَوْتِ حَيْصَة ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمدى مُتَطَاوِلُ «1» ومنْه الحديثُ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ» ، ولما ذكر سبحانه ما تقدَّم من الوعيد، واقتضى ذلك التحذيرَ، عقَّبَ ذلك عزَّ وجلَّ بالترغيبِ في ذِكْره حالةَ المُؤْمنين، وأعْلَمَ بصحَّة وعده، ثم قرَّر ذلك بالتَّوْقِيفِ علَيْه في قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، والقيلُ والقَوْلُ واحد، ونصبه على التمييز. [سورة النساء (4) : آية 123] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) وقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ... الاية: الأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، وهي ما يتشهَّاهُ المَرْءُ، ويُطَمِّعُ نفسه فيه، قال ابنُ عبّاس وغيره: الخطاب لأمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «2» وفي «مختصرِ الطبريِّ» ، عن مسروقٍ وغيره، قال: احتجَّ المسلمونَ وأهْلُ الكتابِ، فقال المسلمون: نَحْنُ أهدى، وقال أهْلُ الكتابِ: نَحْنُ أهدى، فأنزل اللَّه هذه الآية «3» ، وعن مجاهدٍ: قالتِ العربُ: لَنْ نُبْعَثَ، ولَنْ نُعَذَّبَ، وقالتِ اليهودُ والنصارى:

_ (1) البيت لجعفر بن علية الحارثي وقبله: فقلنا لهم تلكم إذا بعد كرّة ... تغادر صرعى نوؤها متخاذل ينظر: «ديوان الحماسة» (1/ 8) ، وينظر: «البحر المحيط» (3/ 364) ، و «الدر المصون» (2/ 428) . وإن حصنا أي: إن عدلنا وانحرفنا عن الموت، يقول: لم ندر إن حدنا عن القتال الذي فيه الموت، وعدلنا عنه، كم يكون بقاؤنا؟! فلم نحيد ونرتكب العار؟! ولعلنا إن تركنا القتال لم نعش إلا قليلا. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 288) برقم (10501) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 116) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 287) برقم (10497) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 116) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 398) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مسروق.

[سورة النساء (4) : الآيات 124 إلى 125]

لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى «1» [البقرة: 111] ، وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80] ، قال الطبريُّ «2» : وقول مجاهدٍ أولى بالصواب، وذلك أنَّ المسلمين لم يَجْرِ لأمانيِّهم ذِكْرٌ فيما مضى من الآيِ، وإنما جرى ذكْرُ أمانيِّ نصيبِ الشَّيْطَانِ. انتهى. وعليه عَوَّل ص: في سبب نزولِ الآية، أعني: على تأويل مجاهد. وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. قال جمهورُ النَّاس: لفظ الآية عَامٌّ، فالكافر والمؤمنُ مُجَازًى، فأما مجازاة الكافر، فالنّار، وأما مجازاة المؤمِنِ، فبِنَكَبَاتِ الدُّنْيَا فَمَنْ بقي له سُوءٌ إلى الآخرة، فهو في المشيئة يغفر اللَّه لمن يشاء، ويجازي من يشاء. [سورة النساء (4) : الآيات 124 الى 125] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، دخلَتْ «من» للتبعيض إذا الصالحاتُ على الكمالِ ممَّا لا يطيقُهُ البَشَر ففِي هذا رفْقٌ بالعبادِ، لكنْ في هذا البَعْضِ الفرائضُ، وما أمْكَنَ من المندوبِ إلَيْهِ، ثم قَيَّد الأمر بالإيمان إذ لا ينفعُ عمَلٌ دونه، والنَّقِيرُ: النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّواة ومنه تَنْبُتُ، وعن ابن عبَّاس: ما تَنْقُرُهُ بأصبعِكَ «3» . ثم أخبر تعالى إخباراً موقفاً على أنه لا أحسن ديناً مِمَّن أسلم وجْهَهُ للَّه، أي: أخلَص مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ، وأحْسَنَ في أعماله، واتبع الحنيفيَّةَ ملَّةَ إبراهيمَ إمامِ العالَمِ، وقُدْوَةِ الأديانِ، ثم ذكَر سبحانه تشريفَهُ لنبيِّه إبراهيم- عليه السلام- باتخاذه خليلاً، وسمَّاه خليلاً إذ كان خُلُوصه، وعبادتُه، واجتهاده على الغايةِ الَّتي يجري إلَيْها المحبُّ المبالغ، وذهب قوم إلى أنهُ سُمِّي خليلاً من «الخَلَّة» - بفتح الخاء-، أي: لأنه أنزل خَلَّته وفاقته باللَّه تعالى، وكذلك شَرَّف اللَّه نبيَّنا محمداً صلّى الله عليه وسلّم/ بالخَلَّة كما هو مصرَّح به في الحديثِ الصحيح. [سورة النساء (4) : آية 126] وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126)

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 289) برقم (10507) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 116) . (2) ينظر الطبري (4/ 290) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» . [.....]

[سورة النساء (4) : آية 127]

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... الآية: ذكر سبحانه سَعَة ملكه وإحاطته بكل شيء، عَقِبَ ذكْر الدِّين، وتبيينِ الجادَّة منه ترغيباً في طاعته والانقطاع إليه سبحانه. [سورة النساء (4) : آية 127] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) وقوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ... الآية: معنى قوله: يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ: أي: يبيِّن لكم حكم ما سألتم عنه. قال «1» ع: تحتملُ «ما» أنْ تكونَ في موضع رفعٍ عطفاً على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجل، أي: ويفتيكم ما يتلى عليكم في الكتابِ، يعني: القُرآن، والإشارة بهذا إلى ما تقدَّم من الآية في أمْر النِّساء، وهو قوله تعالى في صدر السورة: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ... [النساء: 3] الآية، قالت عائشةُ: نزلت هذه الآية أوَّلاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ أَمْر النساءِ، فنزلَتْ، وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... الآية. وقوله تعالى: فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ: معناه: النهْيُ عما كانَتِ العربُ تفْعَلُه من ضَمِّ اليتيمة الجميلةِ بدُونِ ما تستحقُّه من المَهْر، ومِنْ عَضْلِ الدميمةِ الغنيَّة حتى تموتَ، فيرثها العاضلُ، والذي كَتَبَ اللَّه لهنَّ هو توفيةُ ما تستحقُّه مِنْ مَهْرٍ. وقوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أي: إنْ كانت الجاريةُ غنيَّةً جميلةً، فالرغبةُ في نكاحِهَا، وإن كانَتْ بالعَكْس، فالرغبة عَنْ نكاحها. وقوله تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عَطْفٌ على «يتامى النساء» ، والَّذي يتلى في المستَضْعَفِينَ مِنَ الولدان هو قولُهُ تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ... [النساء: 11] الآية وذلك أن العرب كانَتْ لا تورِّثُ الصَّبِيَّةَ، ولا الصبيَّ الصغيرَ، ففرضَ اللَّه تعالى لكلِّ واحدٍ حقَّه. وقوله تعالى: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ: عطْفٌ أيضاً على ما تقدَّم، والذي تُلِيَ في هذا المعنى هو قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ... [النساء: 2] الآية،

_ (1) ينظر «المحرر الوجيز» (2/ 118) .

[سورة النساء (4) : آية 128]

إلى غَيْر ذلك ممَّا ذُكِرَ في مال اليتيم، والقسط: العدل، وباقي الآية بيّن. [سورة النساء (4) : آية 128] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) وقوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... الآية: هذه الآيةُ حُكْمٌ من اللَّه تعالى في أمْرِ المرأةِ الَّتِي تكُونُ ذاتَ سِنٍّ ونَحْو ذلك ممَّا يرغَبُ زوجُها عَنْها، فيعرض عليها الفُرْقَة أو الصَّبْر على الأَثَرة، فتُرِيدُ هي بَقَاءَ العِصْمة، فهذه التي أَبَاحَ اللَّه بينهما الصُّلْحَ ورَفَعَ الجُنَاحَ فيه. واختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: نزلَتْ في النبيِّ- عليه السلام- وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ «1» وفي المصنَّفات: أن سَوْدَةَ لما كَبِرَتْ، وَهَبَتْ يومها لعائشة «2» ، وقال ابنُ المُسَيَّب وغيره: نزلت بسبب رافع بن خديج «3» ...

_ (1) هي: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، أم المؤمنين. القرشية. العامرية رضي الله عنها. قال ابن الأثير: تزوجها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمكة بعد وفاة خديجة قبل عائشة. قاله عقيل عن الزهري.. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: تزوجها بعد عائشة توفيت آخر خلافة عمر سنة (54) . تنظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 157) ، «الإصابة» (8/ 117) ، «الثقات» (3/ 183) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 280) ، «تقريب التهذيب» (2/ 601) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 426) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1686) ، «أعلام النساء» (2/ 267) ، «السمط الثمين» (117) ، «الدر المنثور» (252) ، «الاستيعاب» (4/ 1867) ، «الكاشف» (3/ 473) . (2) أخرجه الترمذي (5/ 249) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة النساء، حديث (3040) ، وأبو داود الطيالسي (1944) ، والطبري في «تفسيره» (10608) ، والبيهقي (7/ 297) كتاب «القسم والنشوز» ، باب ما جاء في قول الله عز وجل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً..، والطبراني في «الكبير» (11/ 284) رقم (11746) ، كلهم من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ... ، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 410) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر. وللحديث شواهد أخرى عن عائشة. (3) هو: رافع بن خديج بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ... أبو عبد الله. أبو خديج. الأنصاري. الأوسي. الحارثي أمه: حليمة بنت مسعود بن سنان. عرض نفسه يوم بدر على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فرده لصغره، ثم أجازه يوم أحد فشهد أحد وأصيب بها، ثم الخندق وأكثر المشاهد، وشهد صفين مع علي، واستوطن المدينة، وكان عريف قومه-

وامرأتِهِ خَوْلَةَ «1» ، وقال مجاهدٌ: نزلَتْ بسبب أبي السَّنَابِلِ «2» وامرأتِهِ «3» ، ولفظُ ابنِ العربيِّ في «أحكامه» «4» : قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ... الآية: قالَتْ عائشةُ (رضي اللَّه تعالى عنها) : هِيَ المرأَةُ تكُونُ عند الرجُلِ ليس بمستكْثِرٍ منها يريدُ أنْ يفارقَهَا، فتقولُ لَهُ: أجعلُكَ مِنْ شأنِي في حِلٍّ، فنزلَتِ الآية، قال الفقيهُ أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فرضوانُ اللَّه علَى الصِّدِّيقة المُطَهَّرة، لَقَدْ وفَّتْ بما حَمَّلها ربُّها من العَهْد في قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34] انتهى. وقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظٌ عامٌّ مطلقٌ يقتضي أنَّ الصُّلّحَ الحقيقيَّ الذي تسكن إلَيْه النفوسُ، ويزولُ به الخلافُ خَيْرٌ على الإطلاق، ويندرج تحْتَ هذا العموم أنَّ صُلْحَ الزوجَيْن/ على ما ذكرنا- خيرٌ من الفُرْقَة. وقوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ معذرةٌ عن عَبِيدِهِ تعالى، أي: لا بُدَّ للإنسان بحُكْم خلقته وجِبِلَّتهِ من أنْ يشحَّ على إرادته حتى يَحْمِلَ صاحبه على بعض ما يكره، وخصَّص المفسِّرون هذه اللفظة هنا.

_ - إلى أن مات بها. وصلّى عليه ابن عمر. توفي سنة (74) وله (86 سنة) . تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 190) ، «الإصابة» (2/ 186) ، «الثقات» (3/ 121) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 173) ، «الاستيعاب» (2/ 479) ، «العبر» (1/ 83) ، «الاستبصار» (240) ، «عنوان النجابة» (80) ، «الكاشف» (1/ 30) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 50) ، «الرياض المستطابة» (69) . (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 307) برقم (10605) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 411) ، وعزاه للشافعي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن سعيد بن المسيب. (2) أبو السنابل بن بعكك: بموحدة ثم مهملة ثم كافين، بوزن جعفر، ابن الحارث بن عميلة، بفتح أوله، ابن السباق، ابن عبد الدار القرشي العبدري، واسمه صبّة، بموحدة، وقيل: بنون. قال البغويّ: سكن الكوفة، وقال البخاري: لا أعلم أنه عاش بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: روى عنه الأسود بن يزيد النخعي، وزفر بن أوس بن الحدثان النصري. وقال ابن سعد وغيره: أقام بمكة حتى مات، وهو من مسلمة الفتح، وأخرج حديثه التّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجة، كلّهم من رواية منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنه في قصة سبيعة. ينظر: «الإصابة» (7/ 161) ، «الكنى والأسماء» (3211) ، «تفسير الطبري» (9/ 10601) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 121) ، «تقريب التهذيب» (2/ 431) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 308) برقم (10606) ، وذكره ابن عطية (2/ 119) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 412) ، وعزاه لابن جرير. (4) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 503) .

[سورة النساء (4) : آية 129]

فقال ابنُ جُبَيْر: هو شُحُّ المرأة بالنفقة مِنْ زوجها، وبقَسْمه لها أيامَها «1» . وقال ابن زَيْد: الشحُّ هنا منه وَمِنْها قال ع «2» : وهذا حسنٌ. والشُّحُّ: الضبط على المعتَقَدَاتِ، وفي الهمم، والأموالِ، ونحو ذلك، فما أفرط منه، ففيه بعض المذمَّة، وهو الذي قال تعالى فيه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: 9] ، وما صار إلى حيِّزِ مَنْعِ الحقوقِ الشرعيَّة، أو الَّتي تقتضِيَها المروءةُ، فهو البُخْل، وهي رذيلةٌ، لكنها قد تكُونُ في المؤمِنِ ومنه الحديثُ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ قَالَ: نَعَمْ» ، وأما الشُّحُّ، ففي كلِّ أحد، وينبغي ألاَّ يفرط إلاَّ على الدِّين ويدلُّك على أنَّ الشُّحَّ في كلِّ أحد قولُهُ تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، وقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [الحشر: 9] ، فقد أثبَتَ أنَّ لكل نفسٍ شُحًّا، وقول النبيِّ- عليه السلام-: «وَأَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ» «3» ، وهذا لم يُرِدْ به واحداً بعينه، وليس يجمُلُ أنْ يقال هنا: أنْ تَصَدَّقَ، وَأَنتَ صحيحٌ بخيلٌ. وقوله تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا: ندْبٌ إلى الإحسان في تحسين العِشْرة، والصَّبْرِ على خُلُقِ الزوجة، وَتَتَّقُوا: معناه: تتقوا اللَّه في وصيَّته بهنَّ إذ هنّ عوان عندكم. [سورة النساء (4) : آية 129] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وقوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ... الآية: معناه: العدل التامّ على

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 310) برقم (10624) ، وذكره ابن عطية (2/ 120) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 120) . (3) أخرجه البخاري (3/ 334) في الزكاة: باب فضل صدقة الشحيح (1419) ، و (5/ 439- 540) في الوصايا: باب الصدقة عند الموت (2748) ، ومسلم (2/ 716) في الزكاة: باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (92- 93/ 1032) ، وأبو داود (2/ 126) في الوصايا: باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (2865) ، والنسائي (5/ 68) في الزكاة: باب أي الصدقة أفضل، و (6/ 237) في الوصايا: باب الكراهية في تأخير الوصية، وابن ماجة (2/ 903) في الوصايا: باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت (2706) ، والبخاري في «الأدب المفرد» برقم (786) ، وأحمد (2/ 231، 415، 447) ، وابن خزيمة (4/ 103) ، برقم (2454) ، والبيهقي (4/ 190) ، والبغوي (3/ 423) برقم (1665) من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ... فذكره.

[سورة النساء (4) : آية 130]

الإطلاق، والمستوِي في الأفعالِ، والأقوالِ، والمحبَّة، والجِمَاعِ، وغير ذلك، «وكان صلّى الله عليه وسلّم يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا تَمْلِكُ، وَلاَ أَمْلِكُ» «1» . فوصف اللَّه سبحانه حالة البَشَر أنهم بحُكْم الخِلْقَةِ لا يملكُونَ مَيْلَ قلوبهم إلى بعضِ الأزواج، دون بعضٍ، ثم نهى سبحانه عن المَيْل كلَّ الميل، وهو أنْ يفعل فعلاً يقصِدُه من التفضيل، وهو يقدر ألاَّ يفعله، فهذا هو كلُّ المَيْل، وإن كان في أمر حقير. وقوله سبحانه: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أي: لا هي أيّم، ولا ذات زوج، وجاء في التي قبل: وَإِنْ تُحْسِنُوا، وفي هذه: وَإِنْ تُصْلِحُوا لأن الأولى في مندوب إليه، وفي هذه في لازم إذ يلزمه العدل فيما يملك. [سورة النساء (4) : آية 130] وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) وقوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ... الآية: إنْ شَحَّ كلُّ واحدٍ من الزوجَيْن، فلم يتصالحا، لكنهما تفرَّقا بطلاقٍ، فإن اللَّه تعالى يغنِي كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بفَضْلِهِ، ولطائِفِ صُنْعه في المالِ، والعِشْرة، والسَّعَة، وجَوْدِ المراداتِ، والتمكُّن منها، والواسعُ: معناه: الذي عنده خزائن كلّ شيء. [سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 133] وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133) وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ: تنبيهٌ على موضع الرجاءِ لهذَيْن المفترقَيْن، ثم جاء بعد ذلك قوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تنبيهاً على استغنائه عن العباد، ومقدّمة للخبر بكونه غنيّا حميد، ثم جاء بعد

_ (1) أخرجه أبو داود (1/ 648) في النكاح: باب في القسم بين النساء (2134) ، والترمذي (3/ 446) في النكاح: باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (1140) ، وابن ماجة (1/ 634) في النكاح: باب القسمة بين النساء (1971) ، والنسائي في «عشرة النساء» (7/ 63- 64) : باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وأحمد (6/ 144) ، وابن أبي شيبة (4/ 386- 387) ، وابن حبان (1305- موارد) ، والحاكم (2/ 187) ، والبيهقي (7/ 298) ، والدارمي (2/ 144) من حديث عائشة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

ذلك قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا مقدِّمة للوعيد، فهذه وجوهُ تَكْرَارِ هذا الخبرِ الواحدِ ثلاثَ مرَّاتٍ متقاربةٍ. ت: وفي تمشيته هذه عندي نَظَرٌ، والأحْسَنُ بقاءُ الكلامِ على نَسَقِهِ فقوله (رحمه اللَّه) : «تَنْبِيه على مَوْضِعِ الرَّجَاءِ لهذين المفترقَيْن» - حَسَنٌ، وإنما الذي فيه قَلَقٌ ما بعده من توجيهه. وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ... الآية: لفظٌ عامٌّ لكل مَنْ أوتيَ كتاباً، فإنَّ وصيَّته سبحانه لعباده لم تَزَلْ منذُ أوجَدَهُمْ. ت: قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ «1» في «سِرَاجِ المُلُوكِ» /: ولما ضَرَبَ ابْنُ مُلْجِمٍ «2» عليًّا (رضي اللَّه عنه) ، أُدْخِلَ منزلَهُ، فاعترته غشيةٌ، ثم أفاقَ، فدعا أولاده

_ (1) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي. الفهري. الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي ولد سنة 451 هـ 1059 م وتوفي سنة 520 هـ 1126 م، ويقال له: ابن أبي رندقة: أديب، من فقهاء المالكية، الحافظ. من أهل طرطوشة بشرقي الأندلس. تفقه ببلاده، ورحل إلى المشرق سنة 476 فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان، وأقام مدة في الشام، وسكن الإسكندرية، فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفي. وكان زاهدا لم يتشبث من الدنيا بشيء. من كتبه: «سراج الملوك- ط» و «التعليقة» في الخلافيات، وكتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، و «بر الوالدين» و «الفتن» و «الحوادث والبدع» و «مختصر تفسير الثعلبي- خ» و «المجالس- خ» في الرباط. ينظر: «الأعلام» (7/ 133- 134) ، و «وفيات الأعيان» (1/ 479) . [.....] (2) هو عبد الرّحمن بن ملجم المرادي التدؤلي الحميري توفي سنة 40 هـ 660 م: فاتك ثائر، من أشداء الفرسان. أدرك الجاهلية، وهاجر في خلافة عمر، وقرأ على معاذ بن جبل فكان من القراء وأهل الفقه والعبادة، ثم شهد فتح مصر وسكنها فكان فيها فارس بني تدؤل، وكان من شيعة علي بن أبي طالب وشهد معه صفين. ثم خرج عليه فاتفق مع «البرك» و «عمرو بن بكر» على قتل عليّ، ومعاوية، وعمرو بن العاص، في ليلة واحدة (17 رمضان) وتعهد البرك بقتل معاوية، وعمرو بن بكر بقتل عمرو بن العاص، وتعهد ابن ملجم بقتل علي، فقصد الكوفة واستعان برجل يدعى شبيبا الأشجعي، فلما كانت ليلة 17 رمضان كمنا خلف الباب الذي يخرج منه عليّ لصلاة الفجر، فلما خرج، ضربه شبيب فأخطأه، فضربه ابن ملجم فأصاب مقدم رأسه، فنهض من في المسجد، فحمل عليهم بسيفه فأفرجوا له، وتلقاه المغيرة بن نوفل بقطيفة رمى بها عليه وحمله وضرب به الأرض وقعد على صدره. وفر شبيب. وتوفي عليّ من أثر الجرح. وفي آخر اليوم الثالث لوفاته أحضر ابن ملجم بين يدي الحسن فقال له: والله لأضربنك ضربة تؤديك إلى النار. فقال ابن ملجم: لو علمت أن هذا في يديك ما اتخذت إلها غيرك! ثم قطعوا يديه ورجليه، وهو لا ينفك عن ذكر الله. فلما عمدوا إلى لسانه شق ذلك عليه، وقال: وددت أن لا يزال في بذكر الله رطبا. فأجهزوا عليه، وذلك في الكوفة. وقيل: أحرق بعد قتله. ينظر: «الأعلام» (3/ 339) .

[سورة النساء (4) : الآيات 134 إلى 135]

الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، ومحمَّداً، فقال: أوصيكُمْ بتقْوَى اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشهادةِ، وكلمةِ الحقِّ في الرضَا والغَضَب، والقَصْدِ في الغنى والفَقْر، والعَدْلِ عَلَى الصديقِ والعَدُوِّ، والعملِ في النشاطِ والكَسَل، والرضا عن اللَّه في الشدَّة والرخَاءِ يا بَنِيَّ، ما شَرٌّ بعْدَهُ الجَنَّةُ بِشَرٍّ، وَلاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ، وكلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ حَقِيرٌ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عافيةٌ، مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نفسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غيره، ومَنْ رَضِيَ بقَسْم اللَّهِ لم يَحْزَنْ على ما فاته، ومَنْ سَلَّ سيْفَ بَغْيٍ قُتِلَ به، ومَنْ حَفَر لأخيهِ بِئْراً وقَعَ فيها، ومَنْ هَتَكَ حجابَ أخِيهِ، كَشَفَ اللَّهُ عوراتِ بَنِيهِ، ومَنْ نَسِيَ خطيئته، استعظم خَطِيئَةَ غَيْره، ومَنِ استغنى بعقله زَلَّ، وَمَنْ تكبَّر على الناس ذَلَّ، ومَنْ أُعْجِبَ برأْيه ضَلَّ. ومَنْ جالَسَ العلماء وُقِّرَ، ومَنْ خَالَطَ الأَنْذَالَ احتقر، ومَنْ دَخَل مَدَاخلَ السُّوء اتهم، ومَنْ مَزَحَ استخف بِهِ، ومَنْ أكْثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِفَ به، ومَنْ كثُر كلامه كَثُرَ خَطَؤُهُ، ومن كثر خَطَؤُهُ قل حياؤه، ومن قَلَّ حياؤه قَلَّ ورعُهُ، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قلبه، ومَنْ مات قلبه دخَلَ النار، يَا بَنِيَّ، الأدَبُ خَيْرُ ميراثٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ، يا بَنِيَّ، العافيةُ عَشَرَةُ أجزاءٍ: تسْعَةٌ منها في الصَّمْتِ إلاَّ عَنْ ذكر اللَّهِ، وواحدٌ في ترك مُجَالَسَةِ السُّفَهاء، يَا بَنِيَّ، زِينَةُ الفَقْر الصَّبْرُ، وزِينَةُ الغِنَى الشُّكْرُ، يا بَنِيَّ، لا شَرَفَ أعَزُّ من الإسلام، وَلاَ كَرَمَ أعَزُّ من التقوى، يا بَنِيَّ، الحِرْصُ مفتاحُ البَغْيِ، ومطيَّةُ النَّصَبِ، طوبى لمن أخْلَصَ للَّه عَمَلَهُ وعِلْمَهُ، وحُبَّهُ وَبُغْضَهُ، وأَخْذَهُ وتَرْكَهُ، وكَلاَمَهُ وَصَمْتَهُ، وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ. انتهى. والوكيلُ: القائمُ بالأمورِ، المُنَفِّذُ فيها ما رآه، وقوله: أَيُّهَا النَّاسُ: مخاطبةٌ للحاضرين مِنَ العَرَب، وتوقيفٌ للسامعين لتَحْضُرَ أذهانهم، وقوله: بِآخَرِينَ يريدُ مِنْ نوعكم، وتحتملُ الآيةُ أنْ تكُونَ وعيداً لجميعِ بَنِي آدم، ويكون الآخرونَ مِنْ غيرِ نَوْعِهِمْ كالملائكَةِ، وقولُ الطبريِّ «1» : «هذا الوعيدُ والتوبيخُ للشافِعِينَ والمُخَاصِمِينَ في قصَّة بَنِي أُبَيْرِقٍ» - بعيدٌ، واللفظ إنما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بعمومه وانسحابه على العَالَمِ جملةٌ، أو العالم الحاضر. [سورة النساء (4) : الآيات 134 الى 135] مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)

_ (1) ينظر الطبري (4/ 318) .

وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ... الآية: أيْ: من كان لا مُرَادَ له إلاَّ في ثوابِ الدنيا، ولا يعتقدُ أنَّ ثَمَّ سواه، فليس كما ظَنَّ، بل عند اللَّه سبحانه ثوابُ الدارَيْنِ، فَمَنْ قَصَدَ الآخرة، أعطاه اللَّه مِنْ ثواب الدنيا، وأعطاه قَصْدَهُ، ومَنْ قَصَدَ الدنيا فقَطْ، أعطاه من الدنيا ما قَدَّرَ له، وكان له في الآخرة العَذَابُ، واللَّه تعالى سميعٌ للأقوال، بصيرٌ بالأعمال والنيَّات، وفي الحديث الصّحيح، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرىء ما نوى ... » «1» الحديث، قال

_ (1) أخرجه البخاري (1/ 9) كتاب «بدء الوحي» ، باب كيف كان بدء الوحي، حديث (1) ، (5/ 190) كتاب «العتق» ، باب الخطأ والنسيان، حديث (2529) ، (7/ 267) كتاب «مناقب الأنصار» ، باب هجرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه إلى المدينة، حديث (3898) ، (9/ 17) كتاب «النكاح» ، باب من هاجر أو عمل خيرا لتزوج امرأة فله ما نوى، حديث (5070) ، (11/ 580) كتاب «الأيمان والنذور» ، باب النية في الأيمان، حديث (6689) ، (12/ 342- 434) كتاب «الحيل» ، باب من ترك الحيل، حديث (6953) ، ومسلم (3/ 1515) كتاب «الإمارة» ، باب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» ، حديث (155/ 1907) ، وأبو داود (2/ 651) ، كتاب «الطلاق» ، باب فيما عنى به الطلاق والنيات، حديث (2201) ، والنسائي (1/ 58- 59) كتاب «الطهارة» ، باب النية في الوضوء، والترمذي (4/ 179) كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء، حديث (1647) ، وابن ماجة (2/ 1413) كتاب «الزهد» ، باب النية، حديث (4227) ، وأحمد (1/ 25، 43) ، والحميدي (1/ 16- 17) برقم (28) ، وأبو داود الطيالسي (2/ 27- منحة) رقم (1997) ، وابن خزيمة (1/ 73- 74) برقم (142) ، وابن حبان (388، 389- الإحسان) ، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (64) ، وابن المبارك في «الزهد» (ص 62، 63) ، وابن أبي عاصم في «الزهد» (ص 101) برقم (206) ، وهناد بن السري في «الزهد» (2/ 440) برقم (871) ، ووكيع في «الزهد» رقم (351) ، وابن المنذر في «الأوسط» (1/ 369) ، وابن أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل» (ص 213) ، والدارقطني (1/ 50- 51) كتاب «الطهارة» ، باب النية، حديث (1) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 96) كتاب «الطلاق» ، باب طلاق المكره، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (8/ 42) ، وفي «تاريخ أصبهان» (2/ 115، 227) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (1/ 403- تهذيب) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1، 2، 1172، 1173) ، وابن حزم في «المحلى» (1/ 73) ، والبيهقي (1/ 41) كتاب «الطهارة» ، باب النية في الطهارة، وفي «معرفة السنن والآثار» (1/ 152) ، و «شعب الإيمان» (5/ 336) رقم (6837) ، و «الاعتقاد» رقم (254) ، وفي «الزهد الكبير» (ص 132) رقم (241) ، وفي «الآداب» رقم (1138) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 224، 6/ 153، 9/ 345- 346) ، والقاضي عياض في «الإلماع» (ص 54- 55) ، باب ما يلزم من إخلاص النية في طلب الحديث وانتقاد ما يؤخذ عنه، وابن جميع في «معجم شيوخه» (ص 117) رقم (66) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 54- بتحقيقنا) ، والرافعي في «تاريخ قزوين» (4/ 77) ، والنووي في «الأذكار» (ص 33) ، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» (2/ 774) ، والحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث المختصر» (2/ 242، 243) . كلهم من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإن لكل-

النوويُّ: بلَغَنَا عنِ ابْنِ عبَّاسٍ أنه قَالَ: «إنَّمَا يُحْفَظُ الرَّجُلُ على قَدْرِ نِيَّتِهِ» ، وقال غيره: إنما يُعْطَى الناسُ على قَدْر نيَّاتهم. انتهى.

_ - امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. وقال أبو نعيم: هذا الحديث من صحاح الأحاديث وعيونها. اهـ. وقال ابن عساكر: هذا حديث صحيح من حديث أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب، وثابت من حديث علقمة بن وقاص الليثي لم يروه عنه غير أبي عبد الله محمد بن إبراهيم التيمي، واشتهر عنه برواية أبي سعد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي، وهو ممن انفرد به كل واحد من هؤلاء عن صاحبه، ورواه عن يحيى العدد الكثير والجم الغفير. اهـ. قال الحافظ في «التلخيص» (1/ 55) : وقال الحافظ أبو سعيد محمد بن علي الخشاب: رواه عن يحيى بن سعيد نحو من مائتين وخمسين إنسانا، وقال الحافظ أبو موسى: سمعت عبد الجليل بن أحمد في المذاكرة يقول: قال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد قلت- أي الحافظ-: تتبّعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء، فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقا، وقال البزار، والخطابي، وأبو علي بن السكن، ومحمد بن عتاب، وابن الجوزي، وغيرهم: إنه لا يصح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلا عن عمر بن الخطاب ... اهـ. قلنا: وقد روى هذا الحديث غير يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، أخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 136) من طريق الربيع بن زياد أبو عمرو الضبي، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر بن الخطاب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . قال ابن عدي: وهذا الأصل فيه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، وقد رواه عن يحيى أئمة الناس، وأما عن محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم لم يروه عنه غير الربيع بن زياد، وقد روى الربيع بن زياد عن غير محمد بن عمرو من أهل المدينة بأحاديث لا يتابع عليها اهـ. وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم: أبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وهزال بن يزيد الأسلمي. 1- حديث أبي سعيد الخدري: أخرجه الخليلي في «الإرشاد» (1/ 233) ، والدارقطني في «غرائب مالك» ، والحاكم في «تاريخ نيسابور» ، كما في «تخريج أحاديث المختصر» لابن حجر (2/ 247- 248) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 342) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1773) ، كلهم من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، ثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» قال الخليلي: وعبد المجيد قد أخطأ في هذا الحديث الذي يرويه عن مالك في الحديث الذي يرويه مالك، والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهو غير محفوظ-

ثم خاطَبَ سبحانه المؤمِنِينَ بقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، وهو العدل، ومعنى شُهَداءَ لِلَّهِ، أيْ: لذاتِهِ، ولوجْهِهِ، ولمرضَاتِهِ سبحانه، وقولُهُ: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ:

_ - من حديث زيد بن أسلم بوجه. اهـ. وقال الدارقطني: تفرد به عبد المجيد عن مالك اهـ. وقال أبو نعيم: غريب من حديث مالك عن زيد تفرد به عبد المجيد، ومشهوره وصحيحه ما في الموطأ مالك، عن يحيى بن سعيد اهـ. وقد حكم ببطلان هذا الطريق أبو حاتم الرازي فقال ولده في «العلل» (1/ 131) رقم (362) ... سئل أبي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات ... » قال أبي: هذا حديث باطل لا أصل له، إنما هو مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اهـ. وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في «تخرج المختصر» (2/ 247) من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز، عن مالك عن زيد ... به. وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال أيضا: وعبد المجيد وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وتكلم فيه أبو حاتم، والدارقطني، وقيل: إن هذا مما أخطأ فيه على مالك، والمحفوظ عن مالك عن يحيى بن سعيد بالسند المعروف المتقدم اهـ. قلت: وقد حاول بعضهم إلصاق الخطأ بنوح بن حبيب الراوي، عن عبد المجيد كالبزار مثلا. فقال الزيلعي في «نصب الراية» (1/ 302) . وقال- يعني البزار-: في مسند الخدري حديث روي عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الأعمال بالنية» أخطأ فيه نوح بن حبيب ولم يتابع عليه وليس له أصل عن أبي سعيد اهـ. قلت: وفي كلام البزار نظر، أما إن الحديث ليس له أصل عن أبي سعيد فهذا صواب، أما إلصاق الخطأ بنوح بن حبيب ودعواه أنه تفرد به ولم يتابع عليه فهنا الخطأ. فقد توبع نوح بن حبيب على هذا الحديث، تابعه اثنان وهما: إبراهيم بن محمد بن مروان بن هشام عند الدارقطني في «غرائب مالك» ، وعلي بن الحسن الذهلي عند الحاكم في «تاريخ نيسابور» . ينظر: «تخريج المختصر» لابن حجر (2/ 247- 248) . ومنه نعلم أن نوحا لم يتفرد به، بل تابعه اثنان، وأن الذي تفرد به هو عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهو الذي أخطأ في الحديث. 2- حديث أنس بن مالك: أخرجه ابن عساكر في أماليه كما في «تخريج المختصر» لابن حجر (2/ 246) . وقال الحافظ: وفي سنده ضعف. وقال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (2/ 4) : رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث غريب جدا، والمحفوظ حديث عمر. 3- حديث أبي هريرة: -

متعلِّق ب شُهَداءَ، هذا هو الظاهرُ الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ هذه الشهادة المذكورةَ هي في الحُقُوق، ويحتملُ أنْ يكُونَ المعنى: شهداء للَّه بالوحْدَانيَّة، ويتعلَّق قوله: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، ب قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ/، والتأويل الأولُ أبْيَنُ، وشهادةُ المَرْءِ على نفسه هو إقراره بالحقائِقِ. قال ص: وقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً: ضميرُ «يَكُنْ» عائدٌ إلى المشهودِ علَيْه، والضميرُ في «بِهِمَا» عائد على جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفقيرِ. انتهى. قال ع «1» : وقوله: أَوْلى بِهِما: أيْ: هو أنظر لهما، وروى الطبريُّ «2» أنَّ هذه الآيةَ هي بِسَبَبِ نازلةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقيامِ مَنْ قَامَ فيها بغَيْر القسْطِ. وقوله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى: نهْيٌ بيِّنٌ، واتباعُ الهوى مُرْدٍ مهلكٌ. وقوله تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يحتملُ أنْ يكون معناه: مَخَافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويكون العَدْلُ هنا بمعنَى العُدُولِ عن الحقِّ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: مَحَبَّة أنْ تعدلوا، ويكون العدل

_ - قال العراقي في «طرح التثريب» (2/ 4) : رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه وهو وهم أيضا. وقال ابن حجر في «تخريج أحاديث المختصر» (2/ 246) : أخرجه الرشيد العطار في فوائده بسند ضعيف. 4- حديث علي بن أبي طالب: قال الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (2/ 4) : رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت إسنادها ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث المختصر» (2/ 246) : أخرجه أبو علي بن الأشعث وهو واه جدا. 5- حديث هزال بن يزيد الأسلمي: أخرجه الحاكم في «تاريخ نيسابور» ، كما في «تخريج أحاديث المختصر» (2/ 248) في ترجمة أبي بكر محمد بن أحمد بن بالويه، من طريق محمد بن يونس، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن ابن هزال عن أبيه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ... فذكره. قال الحاكم: ذكرته لأبي علي الحافظ فأنكره جدا، وقال لي: قل لأبي بكر لا يحدث به بعد هذا. اهـ. قال الحافظ: محمد بن يونس شيخه هو الكديمي وهو معروف بالضعف، والمحفوظ بالسند المذكور قصة ماعز فلعله دخل عليه حديث في حديث، وهزال هو ابن يزيد الأسلمي وهو صحابي معروف، واسم ابنه نعيم وهو مختلف في صحبته اهـ. قلت: مما سبق تبين أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» لم يصح إلا من حديث عمر. (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 123) . (2) ينظر: الطبري (4/ 320) .

[سورة النساء (4) : آية 136]

بمعنى القَسْطِ. وقوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ... الآية: قال ابن عبَّاس: هي في الخَصْمَيْن يجلسَانِ بَيْن يَدَيِ القاضِي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُهُ لأحدهما عَلَى الآخر «1» ، وقال ابنُ زَيْد وغيره: هي في الشُّهُود يَلْوِي الشهادَةَ بلسانِهِ، أو يعرض عن أدائها «2» . قال ع «3» : ولفظ الآية يعمُّ القضاءَ والشَّهادة، والتوسُّطَ بيْنَ النَّاسِ، وكلّ إنسان مأخوذٌ بأنْ يعدل، والخُصُوم مطلُوبُونَ بعَدْلٍ مَّا في القضاة، فتأمَّله، وقد تقدّم تفسير اللّيّ، وباقي الآية وعيد. [سورة النساء (4) : آية 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: اختُلِفَ من المخاطَبِ بهذه الآية: فقيل: الخطابُ للمؤمنين، ومضمَّنُ هذا الأمرِ الثبوتُ والدوامُ، وقالتْ فرقةٌ: الخطابُ لأَهل الكتابَيْن، ورجّحه الطبريّ، وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الَّذين آمنوا في الظَّاهِرِ، لِيكُنْ إيمانكم حقيقةً. وقوله سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ ... إلى آخر الآية: وعيدٌ، وخبر مضمَّنه تحذيرُ المؤمنين مِنْ حالة الكفر. [سورة النساء (4) : آية 137] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ... الآية: قال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الآيةُ في المنافِقِينَ، فَإنَّ مِنْهُمْ مَنْ كان يؤمنُ، ثم يكْفُر، ثم يُؤْمن، ثم يَكْفُر، ثم ازداد كُفْراً بأنْ تَمَّ على نفاقِهِ حتى مات.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 322) ، برقم (10688) ، وذكره ابن عطية (2/ 123) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 413) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد في «الزهد» ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الحلية» . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 323) برقم (10696) ، وذكره ابن عطية (2/ 123) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 123) .

[سورة النساء (4) : الآيات 138 إلى 139]

قال ع «1» : وهذا هو التأويلُ الراجحُ، وتأمَّل قولَهُ تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ فإنها عبارةٌ تقتضي أنَّ هؤلاءِ محتومٌ علَيْهم مِنْ أوَّلِ أمرهم ولذلك تردَّدوا، ولَيْسَتْ هذه العبارةُ مِثْلَ أن يقول: لاَ يَغْفِرُ الله لَهُمْ، بل هي أشَدُّ، فتأمَّل الفَرْقَ بيْنَ العبارَتَيْنِ فإنه من دقيقِ غَرَائِبِ الفَصَاحَةِ الَّتي في كتاب الله سبحانه. [سورة النساء (4) : الآيات 138 الى 139] بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) وقوله تعالى: بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ... الآية: في هذه الآيةِ دليلٌ مَّا على أنَّ التي قبلها إنما هي في المُنَافِقِينَ، ثم نصَّ سبحانه مِنْ صفاتِ المنافِقِينَ على أشدِّها ضرراً، وهي موالاتُهُم الكافِرِينَ، واطراحهم المُؤْمنينَ، ونبَّه على فسادِ ذلكَ ليدعه مَنْ عسى أنْ يَقَعَ في نَوْعٍ منه مِنَ المُؤْمنين غَفْلَةٌ، أوْ جهالةً، أوْ مسامحةً ثم وَقَفَهُمْ سبحانه على جهة التوبيخَ، فقال: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ والإستكثار، أي: ليس الأمرُ كذلك فإن العزَّة للَّه جميعاً يؤتيها مَنْ يشاء، وقد وَعَدَ بها المؤمنينَ، وجعل العاقبة للمتَّقين، والعزَّةُ أصلُها الشِّدَّة والقُوَّة ومنه: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: 23] أي: غلبني بشدّته. [سورة النساء (4) : آية 140] وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) وقوله سبحانه: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ... الآية: مخاطبةٌ لجميعِ مَنْ أظهر الإيمان من محقِّقٍ ومنافقٍ لأنه إذا أظهر الإيمان، فقَدْ لزمه امتثال أوامر كتاب اللَّه تعالى، والإشارةُ بهذه الآية إلى قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: 68] إلى نحوِ/ هذا من الآيات، والكتابُ في هذا الموضعِ القرآنُ، وفي الآيةِ دليلٌ قويٌّ على وجوبِ تجنُّبِ أهْلِ البِدَعِ والمعاصِي، وأَلاَّ يجالَسُوا، وقد قيل: [الطويل] عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ مُقْتَدِ «2» وهذه المماثلةُ لَيْسَتْ في جميع الصفاتِ، ثم توعَّد سبحانه المنافِقِينَ والكافرين بجمعهم في جَهَنَّم، فتأكَّد بذلك النهْيُ عن مجالستهم وخلطتهم.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 124) . (2) ينظر البيت في «العزلة» للخطابي ص (69) وينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 126) .

[سورة النساء (4) : الآيات 141 إلى 143]

[سورة النساء (4) : الآيات 141 الى 143] الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لاَ إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) وقوله تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ... الآية: هذه صفة المنافقين، ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ: معناه: ينتظِرُونَ دَوْرَ الدوائرِ عليكم، فإن كان فَتْحٌ للمؤْمِنِينَ، ادعوا فيه النصيبَ بحُكْمِ ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافِرِينَ نَيْلٌ من المؤمنين، ادعوا فيه النَّصِيبَ بحُكْمِ ما يبطنونه من موالاةِ الكُفَّار، وهذا حالُ المنافقين، ونَسْتَحْوِذْ: معناه: نَغْلِبُ على أمرِكِم ونَحُوطُكُمْ ومنه: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [المجادلة: 19] ، معناه: غَلَبَ على أمرهم، ثم سلى سبحانه المؤمنينَ، وأنَّسهم بما وَعَدَهُم به في قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أيْ: وبينهم، وينصفُكُم من جميعهم، وبقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، أيْ: يوم القيامة قاله عليٌّ (رضي اللَّه عنه) «1» وعليه جميعُ أهْل التَّأوِيلِ، والسَّبيلُ هنا: الحُجَّة والغَلَبَةُ. قلت: إِلاَّ ابنَ العَرَبِيِّ «2» لم يرتَض هذا التأويلَ، قال: وإنما معنى الآية أحَدُ ثلاثةِ وُجُوهٍ: الأول: لن يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المؤمنينَ سَبيلاً يَمْحُو به دَوْلَةَ المؤمنين، ويستبيحُ بَيْضَتَهُمْ. الثاني: لَنْ يجعل اللَّه للكافِرِينَ عَلَى المُؤْمنين سبيلاً إلاَّ أنْ يتواصَوْا بالباطِلِ، ولا يَتَنَاهَوْا عن المُنْكَر، ويتباعدوا عن التَّوْبَةِ، فيكونُ تسليطُ العَدُوِّ مِنْ قِبَلِهِمْ، وهذا نَفِيسٌ جِدًّا. الثالث: لن يجعلَ اللَّه للكافرينَ عَلَى المؤمنينَ سبيلاً بالشَّرْع، فإن وُجِدَ ذلك، فبخلاف الشرْعِ، ونَزَعَ بهذا علماؤُنا بالإحْتجاجِ على أنَّ الكافر لا يَمْلِكُ العَبْدَ المُسْلِمَ. انتهى «3» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 331) برقم (10720) ، وذكره ابن عطية (2/ 126) . [.....] (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 510) . (3) قد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، فذهب الشافعية، والحنابلة، والمالكية في إحدى الروايتين عن أشهب إلى القول بعدم صحة شراء الكافر له ... وذهب الحنفية، وابن القاسم من المالكية إلى القول بصحته. قالت الحنفية: ويجبر المشتري على بيعه وإزالة ملكه عنه. -

ومخادعَةُ المنافقين: هي لأولياءِ اللَّهِ، ففِي الكلامِ حَذْفُ مضَافٍ إذْ لا يقصد أحَدٌ من البشر مخادَعَةَ اللَّهِ سبحانه. وقوله تعالى: وَهُوَ خادِعُهُمْ : عبارةٌ عن عقوبَتِهِمْ، سمَّاها باسم الذَّنْب، وقال ابن

_ - احتج الحنفية: بعمومات الكتاب والسنة الواردة في حل البيع من غير فصل بين مسلم وكافر. وحيث حل الشراء للمسلم يحل للكافر بمقتضى العموم. وأجيب: بأن تلك العمومات مخصصة في حق الكافر بقوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141] ، واحتجوا أيضا بأن شراء الكافر للعبد المسلم عقد صدر من أهله في محله لأن الكافر أهل للتصرف والعبد مال متقوم، ولهذا صح للمسلم بيعه وشراؤه، وإذا كان العقد كذلك كان صحيحا. أما دليل أن الكافر أهل للتصرف فهو ثبوت الملك له على العبد المسلم وميراثه له وبقاء ملكه عليه حينما يسلم، وأما دليل جبر المشتري على البيع بعد صحة الشراء، فهو احتمال أن يفعل الكافر بالمسلم فعلا لا يحل له نظرا للعداوة الدينية التي بينهما. ونوقش هذا الدليل: بأن استدلالكم على صحة البيع بصحة الإرث غير مسلم من وجهين: أحدهما: أن انتقال الملك في الإرث قهري لئلا يبقى الشيء بلا مالك، ولا كذلك البيع، فإنه اختياري، إن لم يصح بقي على ملك صاحبه الأصلي. الثاني: أن الإرث يفيد استدامة ملك والبيع ابتداءه، والاستدامة أخف من الابتداء، حتى صح إرث المسلم للخبر لكونه استدامة لا شراؤه ابتداء، فظهر الفرق بينهما فلا يقاس أحدهما على الآخر. حجة الجمهور: احتجوا أولا: بأن في تصحيح مثل هذا البيع طريقا لإثبات السبيل من الكافر على المسلم إذ به يتمكن من إذلاله بالاستخدام وهو محظور شرعا فيمتنع ما أدى إليه. ونوقش: بكون السبيل غير حاصل بالجبر على بيعه بعد تصحيحه، وأجيب: بنفي تصحيحه مع الجبر لعدم الفائدة فكان المنع ابتداء أولى. واحتجوا ثانيا: بأن المقصود من الشراء هو استدامة الملك من المشتري على العين المشتراة وعدم خروجها من ملكه إلا برضاه، ثم في تصحيح الشراء من الكافر للعبد المسلم، مع جبره بعد ذلك على البيع إخلال بمقاصد النكاح. وعدم ترتب آثاره عليه فكان خليقا بالفساد دون الصحة، ولهذا حظر عقد الزواج من المشركة للمسلم لعدم ترتب آثار النكاح عليه، والبيع مثله. ونوقش: بأن مثل هذا الشراء لم يخل عن الفائدة لو قلنا بتصحيحه مع الجبر إذ قد ظهرت بتمامه سلطة المالك على البيع وجاز له بيعه وانتقال ملكيته إليه، وتصحيح عتقه إن أراد، ومسألة الإذلال ممنوعة مع الجبر على البيع. وأجيب: بأن تلك السلطة الحاصلة من مثل هذا الشراء كعدمها لقيام أمر الجبر مسلطا عليه. ولا شك أن الإذلال متحقق بمجرد انتقال ملكية العبد إلى الكافر لأنه حينئذ متمكن من استخدامه إن كان عبدا، واستفراشها إن كانت أمة. هذه أدلة الفريقين بالنظر فيها نجد: أن مذهب الجمهور هو الراجح في المسألة إذ لا معنى للتصحيح مع الجبر على البيع، فكان المنع ابتداء أولى. ينظر: «أثر الاختلاف في الأحكام» لشيخنا/ بدران أبو العينين، «المغني» لابن قدامة (4/ 41) ، «بدائع الصنائع» (5/ 142) ، «المبسوط» (3/ 120) .

[سورة النساء (4) : الآيات 144 إلى 147]

جْرَيْج، والحَسَن، والسُّدِّيُّ، وغيرهم من المفسِّرين: إنَّ هذا الخَدْعَ هو أنَّ اللَّه تعالى يُعْطِي لهذه الأُمَّة يوم القيامةِ نُوراً لكلِّ إنسانٍ مؤمن، أو منافقٍ، فيفرح المنافِقُونَ، ويظُنُّون أنهم قد نَجَوْا، فإذا جاءوا إلى الصِّراطِ، طُفِىءَ نورُ كلِّ منافقٍ، ونهَضَ المؤمنُونَ «1» ، فَذَلكَ قولُ المنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: 13] ، فذلك هو الخَدْع الذي يَجْرِي عَلَى المنافِقِينَ، ثم ذكر سبحانه كَسَلَهُمْ في الصلاةِ، وتلْكَ حالُ كُلِّ مَنْ يعمل كارهاً غيْرَ معتقِدٍ فيه الصَّواب، بل تقيَّةً أو مصانَعَةً. قال ابنُ العَرَبِيِّ «2» في «أحكامه» : قوله تعالى: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ، روى الأئمَّة مالكٌ وغيره، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حتى إذَا اصفرت الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً» «3» قال ابن «4» العربيِّ: وقد بيَّن تعالى/ صلاةَ المؤمنين بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون: 1، 2] ومن خَشَعَ خَضَعَ، واستمر، ولم ينقُرْ صلاتَهُ، ولم يستعْجِلْ. انتهى. ومُذَبْذَبِينَ: معناه: مُضْطَرِبِينَ لا يَثْبُتُونَ على حالٍ، والتَّذَبْذُب: الاِضطرابُ، فهؤلاءِ المنافقُونَ متردِّدون بَيْنَ الكفَّار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرةِ «5» بَيْنَ الغَنَمَيْنِ» «6» ، والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان. [سورة النساء (4) : الآيات 144 الى 147] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147)

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 332) برقم (10726) ، (10727) ، (10728) ، وذكره ابن عطية (2/ 127) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 417) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن الحسن. (2) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 511) . (3) أخرجه مسلم (1/ 434) ، كتاب «المساجد» ، باب استحباب التكبير بالعصر (195/ 622) ، ومالك (1/ 220) ، كتاب «القرآن» ، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر (46) . (4) ينظر: «أحكام القرآن» (1/ 512) . (5) أي: المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع. ينظر: «النهاية» (3/ 328) . (6) أخرجه مسلم (4/ 2146) كتاب «صفات المنافقين» ، باب (50) ، حديث (17/ 2784) ، والنسائي (8/ 124) كتاب «الإيمان» ، باب مثل المنافق، حديث (5037) ، وأحمد (2/ 32) ، والخطيب (14/ 268) من حديث ابن عمر.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية: خطابه سبْحَانه للمؤُمنينَ يَدْخُلُ فيه بحُكْمِ الظاهرِ المنافقُونَ المظهرُونَ للإيمان، ففِي اللفْظِ رفْقٌ بهم، وهم المرادُ بقوله سبحانه: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً لأنَّ هذا التوقيفَ إنما هو لِمَنْ أَلَمَّ بشيء مِنَ الفعل المؤَدِّي إلى هذه الحالِ، والمؤمنون المُخْلِصُونَ ما أَلَمّوا قَطُّ بَشْيءٍ مِنْ ذلك، ويُقَوِّي هذا المَنْزَعَ قولُهُ تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: والمؤمنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُون غُيَّبٌ عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان، والتزموا لَوَازمه، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة. ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدَّرْك الأسفلِ مِنْ نارِ جهنَّم وذلك لأنهم أسرى غَوَائِلَ من الكُفَّار، وأشَدُّ تَمَكُّناً مِنْ أَذَى المُسْلمين قُلْتُ: وأيضاً لأنهم شاهَدُوا مِنْ معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما جَعَلَ اللَّه على يدَيْه مِنَ الخوارِقِ ما لَمْ يُشَاهِدْ غيرهم من الكفار، فكانَتِ الحجَّةُ علَيْهم أعْظَمَ، وكان كُفْرهم محْضَ عنادٍ، ورُوِيَ عن أبي هريرة، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما أنَّهُمْ قالوا: المنافقُونَ في الدَّرْك الأسفل من النار، في تَوَابِيتَ من النَّارِ تُقْفَلُ «1» عليهم، ثم استثنى عَزَّ وجلَّ التائِبِينَ مِنَ المنافقين، ومِنْ شروط التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، ويعتصمَ باللَّه، أيْ: يجعلَهُ مَنَعَتَهُ، وملْجَأَه، ويُخْلِصَ دينَهُ للَّه تعالى، وإلاَّ فليس بتائِب، وقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أي: في رحمة اللَّه سبحانه، وفي منازلِ الجَنَّة، ثم وَعَدَ سبحانه المُؤْمِنينَ الأجْرَ العظيمَ، وهو التخليدُ في الجَنَّة. وقال ص: فَأُولئِكَ: خبره مُضْمَر، والتقدير: فأولئك مؤمِنُونَ مع المؤمنين قاله أبو البَقَاء. انتهى. ثم قال سبحانه للمنافقين: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ ... الآية: أيْ: أَيُّ منفعةٍ له سبحانه في ذلك أوْ حاجَةٍ؟! قال أبو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: زعم الطبريُّ «2» أنَّ قوله تعالى: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ: خطابٌ للمنافقين، ولا يكادُ يقُومُ له على ذلك دليل يقطع

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 336) برقم (10746، 10747، 10748) وذكره البغوي (1/ 493) . (2) ينظر: الطبري (4/ 338) .

[سورة النساء (4) : الآيات 148 إلى 149]

به، وليس في ذِكْرِ المنافقينَ قَبْلَهُ ما يقتَضِي أنْ يُحْمَلَ عليهم خاصَّةً، مع احتمال الآية للعُمُومِ، فقطْعُهُ بأنَّ الآية في المنافِقِينَ حُكْمٌ لا يقُومُ به دليلٌ. انتهى، وهو حَسَنٌ إذ حمل الآية على العُمُومِ أحْسَنُ. والعَجَب من ع: كيف تَبِعَ الطبريُّ في هذا التَّخْصيصِ، ويظهر- واللَّه أعلم- أنهما عَوَّلا في تخصيص الآية على قوله تعالى: وَآمَنْتُمْ، وهو محتملٌ أن يحمل في حَقِّ المنافقين على ظاهره، وفي حقِّ المؤمنين على معنى: «دُمْتُمْ على إيمانكم» ، واللَّه أعلم. والشُّكْرُ على الحقيقة لا يَكُونُ إلاَّ مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على/ جلالة موقعه، ثم وَعَدَ سبحانه بقوله: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً: أيْ يتقبَّل أقلَّ شيء مِنَ العَمَل، وينَمِّيه فذلك شُكْرٌ منه سبحانه لعباده، والشَّكُورُ من البهائمِ: الَّذي يأكل قليلاً، ويظهر به بَدَنُه، والعَرَبُ تقول في مثل: «أَشْكَرُ مِنْ بَرْوقَةٍ» لأنها يُقَالُ: تخضَرُّ وتتنضَّر بِظِلِّ السَّحاب دُونَ مَطَرٍ، وفي قوله: عَلِيماً: تحذيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخلاص. [سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 149] لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) وقوله تعالى: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ... الآية: قراءة الجمهور «1» بضَمِّ الظاء، وقرىء «2» شاذاً بفتحها، واختلف على قراءة الجمهورِ، فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: لا يحبُّ اللَّه أنْ يَجْهَرَ أحدٌ بالسوء من القَوْل إلا مَنْ ظُلِم، فلا يُكْرَهُ له الجَهْرُ به، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في كيفيَّةِ الجَهْر بالسُّوء، وما هو المباحُ منه، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: لا بأسَ لِمَنْ ظلم أن ينتصر من ظلمه بمثْلِ ظُلْمِهِ، ويَجْهَرَ له بالسُّوء من القَوْل، أي: بما يوازي الظَّلاَمَةَ «3» ، وقال مجاهد وغيره: نزلَتْ في الضَّيْفِ المُحَوَّلِ رَحْلُه، فإنَّه رُخِّصَ له أنْ يجهر بالسُّوءِ من القول للذي لم يُكْرِمْهُ، يريد: بقَدْر الظلمِ، والظُّلاَمةِ «4» ،

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 129) ، و «البحر المحيط» (3/ 398) ، و «الدر المصون» (2/ 451) . (2) وهي قراءة ابن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، والضحاك بن مزاحم، وابن عباس، وابن جبير، وعطاء بن السائب، وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار، ومسلم بن يسار وغيرهم. ينظر: السابق، والمحتسب (1/ 203) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» بتحقيق الشيخ شاكر (9/ 344) برقم (10749) ، وذكره ابن عطية (2/ 129) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 420) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. [.....] (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 341) برقم (10763، 10765) ، وذكره ابن عطية (2/ 129) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 420) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد.

[سورة النساء (4) : الآيات 150 إلى 152]

وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُؤْذِي جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ» «1» . انتهى. «وسميعٌ عليمٌ» : صفتان لائِقَتَان بالجَهْر بالسوء، وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي علَيْه، ولما ذكر سبحانه عَذْر المَظْلُوم في أنْ يجهر بالسوء لظالمه، أَتْبَعَ ذَلك عَرْضَ إبداء الخير، وإخفائه، والعَفْوِ عن السُّوء، ثم وَعَدَ عَلَيْه سبحانه بقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً وعْداً خفيًّا تقتضيه البلاغَةُ، ورغَّب سبحانه في العَفْو إذ ذكر أنها صفتُهُ مع القدرةَ على الإنتقام. قال ع «2» : فَفِي هذه الألفاظِ اليسيرَةِ مَعَانٍ كثيرةً لمن تأمَّلها، قال الدَّاوُوديُّ: وعن ابنِ عُمَر أنه قال: لا يحب اللَّه سبحانه أنْ يدعو أحَدٌ على أحدٍ إلاَّ أنْ يُظْلَمَ، فقد رخَّص له في ذلك. انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 150 الى 152] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152)

_ (1) أخرجه البخاري (10/ 548) ، كتاب «الأدب» ، باب إكرام الضيف وخدمته، حديث (6136) ، ومسلم (1/ 68) كتاب «الإيمان» ، باب الحث على إكرام الضيف، حديث (75/ 74) ، وابن ماجة (2/ 1313) كتاب «الفتن» ، باب كف اللسان في الفتنة، حديث (3971) من طريق أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه البخاري (11/ 314) ، كتاب «الرقاق» ، باب حفظ اللسان، حديث (6475) ، ومسلم (1/ 68) ، كتاب «الإيمان» ، باب الحث على إكرام الجار، حديث (47) ، وأبو داود (2/ 760- 761) كتاب «الأدب» ، باب في حق الجوار، حديث (54: 5) ، والترمذي (4/ 569) ، كتاب «صفة القيامة» ، باب إكرام الضيف، حديث (2500) ، وأحمد (2/ 267) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 336- بتحقيقنا) كلهم من طريق الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه البخاري (9/ 161) ، كتاب «النكاح» ، باب الوصاة بالنساء، حديث (5185) ، ومسلم (2/ 1091) ، كتاب «الرضاع» ، باب الوصية بالنساء، حديث (60/ 1468) ، والبيهقي (7/ 295) ، كتاب «القسم والنشوز» ، باب حق المرأة على الرجل، وأبو يعلى (11/ 85- 86) رقم (6218) من طريق أبي حازم عن أبي هريرة. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 130) .

[سورة النساء (4) : الآيات 153 إلى 154]

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... إلى آخر الآية: نزل في اليهود والنصارى، وقد تقدَّم بيانُ هذه المعاني. وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ... الآية: لما ذَكَر سبحانَهُ أنَّ المفرِّقين بَيْنَ الرسُلِ هم الكافرونَ حقًّا، عَقَّبَ ذلك بذكْرِ المؤمنين باللَّه ورسُلِهِ جميعاً، وهم المؤمنون بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم ليصرِّح بوَعْد هؤلاء كما صرَّح بوعيدٍ أولئِكَ، فبيّن الفرق بين المنزلتين. [سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 154] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) وقوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ ... الآية: قال قتادة سَأَلَتِ اليهودُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يأتيهم بكتابٍ مِنْ عند اللَّه خاصٍّ لليهود، يأمرهم فيه بالايمان بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم «1» ونحوه عن ابْنِ جُرَيْجٍ «2» ، وزاد: «إلى فلان، وإلى فلانٍ أَنَّكَ رسُولُ اللَّهِ» ، ثم قال سبحانه على جهة التسلية لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه المذكورُ، تقديره: فلا تُبَالِ، يا محمد، مِنْ سؤالِهِمْ وتَشَطُّطهم فإنها عادتهم، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ جَهْرَةً معمولٌ ل أَرِنَا، أيْ: حتى نراه جهاراً، أي: عياناً، وأهلُ السُّنَّة معتقدون أنَّ هؤلاءِ لم يسألوا مُحَالاً عَقْلاً، لكنَّه محالٌ من جهة الشَّرْع إذ قد أخبر تعالى على ألسنَةِ/ أنبيائه أنَّهُ لاَ يرى سبحانه في هذه الدنيا، والرؤْيَةُ في الآخِرَةِ ثَابِتَةٌ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالخَبَرِ المُتَواتِرِ، وهي جائزةٌ عقْلاً من غير تحديدٍ، ولا تكييفَ ولا تحيُّز كما هو تعالى معلومٌ لا كالمعلومات كذلك هو مرئيٌّ، لا كالمرئيَّات سبحانه هذه حُجَّة أهل السنة، وقولُهم، وقد تقدَّم قصص القَوْم في «البقرة» ، وظلمهم: هو تعنُّتهم وسؤَالُهم ما لَيْسَ لهم أنْ يسألوه. وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ: «ثُمَّ» : للترتيب في الأخبار، لا في نَفْس الأمرِ، التقديرُ ثم قَدْ كان مِنْ أمْرِهِمْ أَن اتَّخذُوا العِجْلَ، وذلك أنَّ اتخاذَ العِجْلِ كان عند أمر

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 346) برقم (10775) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 422) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 346) برقم (10776) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 131) .

[سورة النساء (4) : الآيات 155 إلى 157]

المُضِيِّ إلى المناجاةِ، ولم يكن الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتخذ العِجْلَ، لكنَّ الذين اتَّخذوه كانوا قَدْ جاءتهم البيِّنَاتُ. وقوله سبحانه: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ، يعني: بما امتحنهم به من القَتْل لأنْفُسِهِمْ، ثم وقع العَفْوُ عن الباقِينَ منهم. [سورة النساء (4) : الآيات 155 الى 157] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) وقوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ: «ما» زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير: فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره: لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه: وَبِكُفْرِهِمْ: أي: بعيسى، وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسى في المهد وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ... الآية: هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالى فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون فاجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خلفهم المعاصرين لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ: إنا قَتَلْنَا المسيحَ- غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ. وقوله تعالى: رَسُولَ اللَّهِ، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى. قال ص: وعِيسَى: بدل أو عطف بيان من الْمَسِيحَ، ورَسُولَ اللَّهِ كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل عِيسَى، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني. قُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى. انتهى. ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسى، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسى- عليه السلام- كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه

الجَعَائِلَ، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسى، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه حتى دلَّ على مكانه، فلما أحَسَّ عيسى وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسى فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسى، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ/، وروي أنَّ عيسى- عليه السلام- لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يلقى عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أنَّ شَبَهَ عيسى أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحداً مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحداً مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عيسى، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، واختلاط الأمْرِ. وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ... الآية: يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، اضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا على صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو. وقولُه تعالى: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، قال ابن عَبَّاس «1» وجماعةٌ: المعنى: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقيناً، فالضميرُ في «قتلوه» عندهم عائدٌ على الظَّنِّ كما تقُولُ: ما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْماً، قلْتُ: وعبارةُ السُّدِّيِّ: «وما قَتَلُوا أمره يقيناً أنَّ الرجُلَ هو عيسَى» «2» . انتهى من «مختصر الطَّبَرِيِّ» ، وقال قومٌ: الضميرُ عائدٌ على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقيناً ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوى، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكاً فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ: الكلامُ تامٌّ في قوله: وَما قَتَلُوهُ، ويَقِيناً: مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله: وَما قَتَلُوهُ، المعنى: نخبرُكُمْ يقيناً، أو نقصُّ عليكم يقيناً، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقيناً. وقال ص: بعد كلام: والظاهرُ أنَّ الضمير في قَتَلُوهُ عائدٌ إلى عيسى لتتّحد الضمائر، ويَقِيناً: منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ قَتَلُوهُ: أي: مستيقنين أنه

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 134) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 134) .

[سورة النساء (4) : آية 158]

عيسى، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقينا. انتهى. [سورة النساء (4) : آية 158] بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ: يعني: إلى سمائِهِ وكرامتِهِ، وعيسى- عليه السلام- في السَّماءِ على ما تضمَّنه حديثُ الإِسراء في ذِكْرِ ابني الخالةِ عيسى ويحيى، ذكره البخاريُّ في حديث «1» المعراج، وذكره غيره، وهو هنالك مُقِيمٌ حتى يُنزله اللَّه تعالى لِقَتْلِ الدَّجَّال، وليملأَ الأرْضَ عَدْلاً وَيَحْيَا فيها أربعين سَنَةً، ثم يموت، كما يموت البشر. [سورة النساء (4) : آية 159] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ: اختُلِفَ في معنى الآيةِ: فقال ابن عباس «2» وغيره: الضميرُ في مَوْتِهِ راجعٌ إلى عيسى، والمعنى: أنه لا يبقى مِنْ أهْل الكتابِ أحَدٌ، إذا نَزَلَ عيسى إلى الأرْضِ، إلاَّ يؤمنُ بعيسى كما يؤمنُ سائرُ البَشَرِ، وترجِعُ الأدْيَانُ كلُّها واحداً، يعني: يرجعون على دين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إذْ عيسى واحدٌ من أمته وعلى شريعته، وأئمَّتنا منَّا كما ورد في الحديثِ الصَّحِيح. وقال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ أيضاً وغيرهما: الضميرُ في بِهِ لعيسى، وفي مَوْتِهِ للكتابيِّ، لَكن عند المعاينة للمَوْتِ فهو إيمانٌ لا ينفعه «3» ، وقال عكرمةُ: الضَّميرُ في بِهِ لنبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم وقَبْلَ مَوْتِهِ للكتابيِّ «4» قال: وليس يخرج يهوديٌّ ولا نصرانيّ من الدنيا حتّى يؤمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولو غَرِقَ أو سَقَطَ علَيْه جِدَارٌ، فإنه يؤمنُ في ذلك الوقْتِ، وفي مُصْحَفِ أبيِّ بْنِ كَعْب: «قَبْلَ مَوْتِهِمْ» ، ففي هذه القراءة تَقْوِيَةٌ لعود الضمير على الكتابيِّ «5» . قال ص: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ... الآية: «إنْ» : هنا نافية، والمخبر عنه

_ (1) سيأتي تخريجه مفصلا في سورة الإسراء. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 356) برقم (10799) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 134) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 159) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 134) . (4) ذكره ابن عطية (2/ 134) . (5) ذكره ابن عطية (2/ 134) .

[سورة النساء (4) : الآيات 160 إلى 162]

محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي: وما أحدٌ من أهل الكتاب كما حذف في قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: 71] ، وقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164] أي: وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ «1» : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ: جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضا إِلَّا لَهُ مَقامٌ وإِلَّا وارِدُها، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج: وحَذْف «أَحَدٍ» مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ نحْوُ: مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ: ما قام أحد إلّا زيد. انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 160 الى 162] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) وقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ... الآية: فَبِظُلْمٍ: معطوفٌ على قوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ [النساء: 155] ، والطيِّباتُ هنا: هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ «2» : «طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ» . وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً: يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أن يريد صدّهم غيرهم، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلى أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرى مَجْراهم. واختلف الناسُ في قوله سبحانه: وَالْمُقِيمِينَ، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر. فقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة: إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ ب «أعْنِي» والرفعُ بعد ذلك ب «هُمْ» وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على «ما» في قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، والمعنى: ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ: بل على الكاف في قوله: مِنْ قَبْلِكَ.

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (3/ 406) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 135) ، و «البحر المحيط» (3/ 411) ، و «الدر المصون» (2/ 461) . [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 163 إلى 164]

وزاد ص: وَالْمُقِيمِينَ منصوبٌ على المَدْحَ، قال: وقرأ جماعة: «والمقيمون» «1» انتهى. [سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 164] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) وقوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... الآية: سبَبُ نزولها قولُ بَعْض أحبار يَهُودَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ... [الأنعام: 91] فأنزل اللَّه سبحانه الآية تَكْذيباً لهم. قال ع «2» : إسماعيلُ هو الذبيح في قول المحقِّقين، والوَحْيُ: إلقاءُ المعنى في خفاءٍ، وعُرْفُهُ في الأنبياء بوَسَاطة جبريلَ- عليه السلام-، وكلَّم اللَّه سبحانه موسى بكلامٍ دون تكْييفٍ، ولا تحديدٍ، ولا حرفٍ، ولا صوتٍ، والذي عليه الراسخُونَ في العِلْمِ أنَّ الكلام هو المعنَى القَائِمُ في النَّفْسِ، ويخلق اللَّه لموسى إدراكاً من جهةِ السَّمْعِ يتحصَّل به الكلامُ، وكما أنَّ اللَّه تعالى موجودٌ لا كالموجودَاتِ، معلومٌ لا كالمعلُومَاتِ فكذلك كلامه لا كالكلام. [سورة النساء (4) : آية 165] رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) وقوله سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ... الآية: رُسُلاً: بدلٌ من الأول، وأراد سبحانه أن يقطع بالرُّسُل احتجاجَ مَنْ يقول: لو بُعِثَ إلَيَّ رسول، لآمَنْتُ، واللَّه سبحانه «عزيزٌ» لا يغالبُهُ شيْء، ولا حُجَّة لأحدٍ عليه، حَكِيمٌ في أفعالِهِ، فقطع الحجّة بالرسل حكمة منه سبحانه.

_ (1) وممن قرأ بها: عبد الله، ومالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي. ينظر: «المحتسب» (1/ 204) ، و «الكشاف» (1/ 590) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 135) ، وزاد نسبتها إلى الأعمش، وسعيد بن جبير، ورواية يونس وهارون عن أبي عمرو، وينظر: «البحر المحيط» (3/ 411) ، و «الدر المصون» (2/ 461) . (2) ينظر: «تفسير ابن عطية» (2/ 136) .

[سورة النساء (4) : الآيات 166 إلى 169]

[سورة النساء (4) : الآيات 166 الى 169] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) وقوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ... الآية: سببُهَا قولُ اليَهُود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 91] . وقال ص: «لكن» : استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [النساء: 163] ، قالوا: ما نشهَدُ لك بهذا فَنَزَلَ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ. انتهى. وقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، هذه الآيةُ مِنْ أقوى متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ خلافاً للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ: عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة: أنزله، وهو يَعْلَمُ/ إنزالَهُ ونُزُولَهُ. وقوله سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ: تقويةٌ لأمر نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وردٌّ على اليهود. وقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، تقديره: وكفَى اللَّهُ شهيداً، لكنه دخلَتِ الباءُ لتدُلَّ على أنَّ المراد اكتفوا باللَّهِ، وباقي الآية بيّن. [سورة النساء (4) : الآيات 170 الى 173] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ: «يا أيها الذين آمنوا» ، والرسول في الآية: نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال سبحانه: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وهذا خبرٌ بالاستغناء، وإنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو

[سورة النساء (4) : آية 174]

نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ. وقوله: فِي دِينِكُمْ: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ (رضي اللَّه عنه) ، عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» «1» رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» . انتهى. وقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسى، ومحمَّد- عليهما السلام-. وقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ: «إنَّمَا» في هذه الآية: حاصرة، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة. قال ع «2» : وقوله سبحانه: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ : زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائكة على الأنبياء. وقوله سبحانه: سَيَحْشُرُهُمْ : عبارةُ وعيدٍ. قال ع «3» : وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مجراه. [سورة النساء (4) : آية 174] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174)

_ (1) أخرجه البخاري (6/ 546) كتاب «أحاديث الأنبياء» ، باب قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، حديث (3435) ، ومسلم (1/ 57) ، كتاب «الإيمان» ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، حديث (46/ 28) ، وأحمد (5/ 313) ، والنسائي في «الكبرى» (6/ 277- 278) ، كتاب «عمل اليوم والليلة» ، باب ما يقول عند الموت، حديث (10969) ، والبغوي في «شرح السنة» .. (1/ 115- بتحقيقنا) كلهم من طريق جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت به. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 140) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 140) .

[سورة النساء (4) : آية 175]

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: إشارة إلى نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والبرهانُ: الحجة النَّيِّرة الواضحةُ الَّتي تُعْطِي اليقينَ التَّامَّ، والنُّورُ المُبِينُ: يعني القُرآن لأنَّ فيه بيانَ كُلِّ شيء، وفي «صحيح مسلم» ، عن زيدٍ بْنِ أرقَمَ، قال: قَامَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَوْماً فِينَا خَطِيباً، فَحَمِدَ اللَّهَ تعالى، وأثنى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي، فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهدى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّه، واستمسكوا» ، فَحَثَّ على كِتَاب اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ ثَلاَثاً فِي أَهْلِ بَيْتِي ... » «1» الحديث، وفي روايةٍ: «كِتَابُ اللَّهِ فيهِ الهدى والنُّورُ مَنِ استمسك بِهِ، وَأَخَذَ بِهِ، كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ، ضَلَّ» ، وفي رواية: «أَلاَ وَإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثِقْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتبعه كَانَ عَلَى الهدى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ على ضَلاَلَةٍ» . انتهى. [سورة النساء (4) : آية 175] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175) وقوله سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ/ وَاعْتَصَمُوا بِهِ: أي: اعتصموا باللَّهِ، ويحتمل: اعتصموا بالقُرآن كما قال- عليه السلام-: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» «2» ، والرحمة والفضل: الجنّة ونعيمها، ويَهْدِيهِمْ: معناه: إلى الفضل، وهذه هدايةُ طريقِ الجِنَانِ كما قال تعالى: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ... [محمد: 5] الآية لأنَّ هداية الإرشادِ قَدْ تقدَّمت، وتحصَّلت حينَ آمنوا باللَّه واعتصموا بكتابِهِ، فيهدِيهِمْ هنا بمعنى: يُعَرِّفهم، وباقي الآية بيّن. [سورة النساء (4) : آية 176] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

_ (1) أخرجه مسلم (4/ 1873) ، كتاب «فضائل الصحابة» ، باب فضل علي بن أبي طالب، حديث (36/ 2408) ، وأحمد (4/ 366- 367) ، والدارمي (2/ 431- 432) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب فضل من قرأ القرآن، والطحاوي في «مشكل الآثار» (4/ 368) ، وابن أبي عاصم في «السنة» رقم (1550، 1551) ، والطبراني في «الكبير» رقم (5026) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 205- بتحقيقنا) . (2) تقدم في أول التفسير.

وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، قد تقدَّم القولُ في تفسير «الكَلاَلَةِ» في صَدْر السورةِ، وكان أمر الكَلاَلَةِ عنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب (رضي اللَّه عنه) مُشْكِلاً، واللَّه أعلم، ما الذي أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَهُ: «تَكْفِيكَ مِنْهَا آيَةُ الصَّيْفِ» «1» الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخرِ سُورة «النساء» بيانٌ فيه كفايةٌ، قال كثيرٌ من الصحابة: هذه الآية هي من آخر ما نَزَلَ. وقوله سبحانه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا: التقدير: لئلاَّ تضِلُّوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، سبحانه، وصلَّى اللَّه على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ، وسلَّم تسليما.

_ (1) أخرجه مسلم (3/ 1236) ، كتاب «الفرائض» ، باب ميراث الكلالة (9/ 1617) ، بلفظ: ألا تكفيك آية الصيف التي في أواخر سورة النساء، وأخرجه أبو داود (3/ 120) ، كتاب «الفرائض» ، باب من كان ليس له ولد وله أخوات (2889) ، بلفظ: تجزيك آية الصيف.

تفسير سورة المائدة

تفسير سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه السّورة مدنيّة بإجماع [سورة المائدة (5) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ... الآية عامَّة في الوفاءِ بالعقودِ، وهي الرّبوط في القول، كان ذلك في تعاهُدٍ على بِرٍّ أوْ في عُقْدَةِ نِكاحٍ، أوْ بَيْعٍ، أو غيره، فمعنى الآيةِ أمْرُ جميعِ المؤمنينَ بالوَفَاءِ على عَقْدٍ جارٍ على رَسْم الشريعةِ، وفَسَّر بعض الناسِ لفْظَ «العقود» بالعُهُودِ، وقال ابنُ شِهَابٍ: قرأْتُ كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «1» حِينَ بَعَثهُ إلى نَجْرَانَ، وفِي صَدْرِهِ: «هَذَا بَيَانٌ مِنَ الله ورسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، فكتب الآياتِ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ «2»

_ (1) هو: عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار. أبو الضحاك. الأنصاري. الخزرجي ثم النجاري. أمه من بني ساعدة. قال ابن حجر في «الإصابة» : شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبيّ على نجران، روى عنه كتابا كتبه له فيه الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، روى عنه ابنه محمد وجماعة، توفي بالمدينة سنة (51) وقيل (54) : أنه توفي بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (4/ 214) ، «الإصابة» (4/ 293) ، «الثقات» (3/ 267) ، «الاستيعاب» (3/ 1172) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 404) ، «بقي بن مخلد» (297) ، «الاستبصار» (73) ، «الجرح والتعديل» (6/ 224) ، «التاريخ الكبير» (6/ 305) ، «تقريب التهذيب» (2/ 68) ، «تهذيب التهذيب» (2/ 68) ، «تهذيب الكمال» (2/ 1029) ، «التحفة اللطيفة» (3/ 295) ، «عنوان النجابة» (138) ، «الكاشف» (326) ، «الأعلام» (5/ 76) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 267) ، «التاريخ لابن معين» (2/ 153) ، «بقي بن مخلد» (297) ، «العبر» (58) ، «معجم الثقات» (314) . (2) أخرجه النسائي (8/ 57) ، كتاب «القسامة» ، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له، حديث (4853) ، والدارمي (1/ 381) - كتاب الزكاة» ، باب في زكاة الغنم، وأبو داود في «المراسيل» رقم (258، 259) ، والحاكم (1/ 395- 397) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 34) ، والبيهقي (4/ 89) كتاب «الزكاة» ، باب كيف فرض الصدقة، وابن عبد البر في «التمهيد» (7/ 339- 341) ، وابن حبان (793- موارد) ، وابن حزم في «المحلى» (10/ 411) كلهم من طريق-

[المائدة: 4] . قال ع «1» : وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنْ تعمَّم ألفاظها بغايةِ مَا تَتَنَاوَلُ، فيعمَّم لفظ المؤمنينَ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكتابِ، وفي كُلِّ مظهر للإيمانِ، وإنْ لم يبطنه، وفي المؤمنين حقيقة، ويعمّم العُقُودِ في كلِّ ربطٍ بقَوْلٍ موافِقٍ للحق والشَّرْع. وقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اختلف في معنى بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ. فقال قتادة وغيره: هي الأنعامُ كلُّها. ع «2» : كأنه قال: أُحِلَّتْ لكم الأنعامُ. وقال الطبريُّ «3» : قال قومٌ: بهيمةُ الأنعامِ: وحْشُهَا، وهذا قولٌ حَسَنٌ وذلك أنَّ الأنعامَ هي الثمانيةُ الأزواجِ، وانضاف إلَيْهَا مِنْ سائر الحَيَوان ما يُقَالُ له: أنعامٌ بمجموعِهِ معها، والبهيمة في كلامِ العربِ: ما أبهم من جهة نقص النّطق والفهم.

_ - سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. وصححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى» (1/ 82) : وهو إسناد صحيح، وأخرجه مالك (2/ 849) كتاب «العقول» ، باب ذكر العقول، حديث (1) ، والشافعي في «الأم» (8/ 571) ، والنسائي (8/ 60) كتاب القسامة، والبيهقي (8/ 73، 82) كلهم من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمرو بن حزم في العقول: «أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعى جدعا مائة من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي الرجل الواحدة خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس» . وأخرجه عبد الرزاق مختصرا (9/ 316) رقم (17358) من طريق معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن جده. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الدارمي (1/ 381) ، وابن خزيمة (4/ 19) رقم (2269) ، والدارقطني (3/ 210) رقم (379) ، وتابع معمرا ابن إسحاق. أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (5/ 413- 415) . وأخرجه النسائي (8/ 59) كتاب «القسامة» ، من طريق ابن وهب، ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري قال: قرأت كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمرو بن حزم، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم. وأخرجه الدارقطني (3/ 209) رقم (377) من طريق محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: كان في كتاب عمرو بن حزم ... فذكره. (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 144) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 144) . (3) ينظر: الطبري (4/ 389) . [.....]

وقوله: إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ: استثناءُ ما تُلِيَ في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... [المائدة: 3] الآية: «وما» في موضعِ نَصْبٍ على أصْل الاستثناءِ. وقوله سبحانه: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ... نُصِبَ «غير» على الحال من الكافِ والميمِ في قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ، وهو استثناءٌ بعد استثناءٍ. قال ص: وهذا هو قولُ الجمهورِ، واعترض بأنَّه يلزم منه تقييدُ الحِلِّيَّةِ بِحَالَةِ كَوْنهم غِيْرَ محلِّين الصَّيْدَ، وهم حُرُمٌ، والْحِلِّيَّةُ ثابتةٌ مطلقاً. قال ص: والجوابُ عندي عَنْ هذا أنَّ المفهوم هنا مَتْرُوكٌ لدليلٍ خَارجيٍّ، وكثيرٌ في القرآن وغيره من المَفْهُومَاتِ المتروكَةِ لِمُعارِضٍ، ثم ذكر ما نقله أبو حَيَّان/ من الوُجُوه التي لم يَرْتَضِهَا. م: وما فيها من التكلُّف، ثم قال: ولا شَكَّ أنَّ ما ذكره الجمهورُ مِنْ أنَّ «غَيْر» : حالٌ، وإنْ لزم عنه الترك بالمفهومِ، فهو أولى من تَخْرِيجٍ تَنْبُو عنه الفُهُوم. انتهى. وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ: تقويةٌ لهذه الأحكامِ الشرعيَّة المخالِفَةِ لِمعهود أحكامِ الجاهليَّة، أي: فأنت أيها السَّامِعُ لِنَسْخِ تلك التي عَهِدتَّ، تَنَبَّهْ، فإنَّ اللَّه الذي هو مَالِكُ الكُلِّ يحكُمُ ما يريدُ لا مُعقِّب لحُكْمه سُبْحانه. قال ع «1» : وهذه الآيةُ مما تَلُوحُ فصاحتها، وكَثْرَةُ معانِيهَا على قلَّة ألفاظها لكلِّ ذِي بَصَر بالكلامِ، ولِمَنْ عنده أدنى إبْصَارٍ، وقد حَكَى النَّقَّاش أنَّ أَصْحَابَ الكِنْدِيِّ «2» قالوا للكنديِّ: أيُّهَا الحكيمُ، اعمل لنا مثْلَ هذا القرآن، فقال: نعم، أعْمَلُ لكم مِثْل بعضِهِ، فاحتجب أياماً كثيرةً، ثم خَرَج، فقال: واللَّهِ، ما أَقْدِرُ عليه، ولا يطيقُ هذا أحدٌ إني فتحْتُ المُصْحَفَ، فخرجَتْ سورةُ المَائِدَةِ، فنَظَرْتُ، فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 145) . (2) يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، أبو يوسف: فيلسوف العرب والإسلام في عصره، وأحد أبناء الملوك من كندة. نشأ في البصرة. وانتقل إلى بغداد، فتعلم واشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك. وألف وترجم وشرح كتبا كثيرة. يزيد عددها على ثلاثمائة. ولقي في حياته ما يلقاه أمثاله من فلاسفة الأمم، فوشي به إلى المتوكل العباسي، فضرب وأخذت كتبه، ثم ردت إليه. وأصاب عند المأمون والمعتصم منزلة عظيمة وإكراما. قال ابن جلجل: «ولم يكن في الإسلام غيره احتذى في تواليفه حذو أرسطاطاليس» . تنظر ترجمته في: «الأعلام» (8/ 195) (1769) ، «طبقات الأطباء» (1/ 206- 214) ، «لسان الميزان» (6/ 305) .

[سورة المائدة (5) : آية 2]

النُّكْثِ، وحلَّل تحليلاً عامًّا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلّا في أجلاد. [سورة المائدة (5) : آية 2] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: خطابٌ للمؤمنين حقًّا ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ: شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهى عنه «1» ، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ: قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنى مَعَالِمِ اللَّهِ. وقوله تعالى: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ: أي: لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ. وقوله سبحانه: وَلَا الْهَدْيَ: أي: لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيداً ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ «2» عبَّاس. وقال الجمهورُ: الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يهدى قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ: ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره أَمَنَةً لهم. وقال ص: وَلَا الْقَلائِدَ: أي: ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل: بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ. انتهى. وقوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: أيْ: قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار المعنى: لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ ب «آية السَّيْف» بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] فكلُّ ما في هذه الآية ممّا يتصوّر في مسلم حاجّ، فهو

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 392) برقم (10941) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 126) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 450) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 395) برقم (10951) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 449) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ. وقوله سبحانه: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً، قال فيه جمهور المفسِّرين: معناه: يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم لِتَنْبسطَ النفوسُ بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) ، ونودِيَ في الناسِ بسورة «بَرَاءَةَ» . وقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا: مجيءُ/ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل. وقوله سبحانه: فَاصْطادُوا: أمرٌ، ومعناه الإباحةُ بإجماع. وقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ: معناه: كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم «1» ، والمعنى: متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ. وقوله تعالى: شَنَآنُ قَوْمٍ: الشَّنَآنُ: هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ- بفتح النون-، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ كأنَّه قَالَ: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا على قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ على صدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان. وقرأ أبو عمرو «2» ، وابن كَثِيرٍ: «إنْ صَدُّوكُمْ» ، ومعناه: إنْ وقع مثل ذلك في

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 402) برقم (10993) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 8) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 148) . (2) وحجتهما: أن الآية نزلت قبل فعلهم وصدهم، قال اليزيدي: معناه: لا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا إن صدوكم. ينظر: «السبعة» (242) ، و «الحجة» (3/ 212) ، و «حجة القراءات» (220) ، والعنوان، «إعراب القراءات» (1/ 142) ، و «شرح شعلة» (347) ، و «شرح الطيبة» (225) ، و «إتحاف» (1/ 529) ، و «معاني القراءات» (1/ 325) .

المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ. ثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوى، قال قوم: هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوى: رعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز. قُلْتُ: قال أحمدُ بْنُ نصر الداوديّ: قال ابنُ عباس: البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوى ما نُهِيتَ عنه «1» . انتهى، وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ أنَّ لفظ التقوى يُطْلَقُ على معانٍ، وقد بيَّناها في آخر «سُورة النُّور» ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» «2» ، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث: وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ: «مَنْ سعى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» «3» ، انتهى مِن «شَرْح الأربعين» حديثاً. ثم نهى تعالى عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوى، وتوعّد توعّدا

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 406) . (2) أخرجه مسلم (4/ 2074) ، كتاب «الذكر والدعاء» ، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث (38/ 2699) ، والترمذي (4/ 26) كتاب «الحدود» ، باب ما جاء في الستر على المسلم، حديث (1425) ، (4/ 287- 288) كتاب البر والصلة» ، باب ما جاء في السترة على المسلم، حديث (1930) ، وأبو داود (2/ 704) كتاب «الأدب» ، باب في المعونة للمسلم، حديث (4946) ، وابن ماجة (1/ 82) المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث (225) ، وأحمد (2/ 202) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 119) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 221- بتحقيقنا) كلهم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. قال النووي في «شرح مسلم» (9/ 28) . ومعنى (نفس الكربة) : أزالها. وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين، وقد سبق تفصيله، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وإن كان هذا شرطا في كل عبادة، لكن عادة العلماء يقيدون هذه المسألة به لكونه قد يتساهل فيه بعض الناس، ويغفل عنه بعض المبتدئين ونحوهم. (3) ذكره ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (2/ 143) ، وعزاه للمنذري في «جزء غفران الذنوب» من حديث ابن عباس وقال: فيه أحمد بن بكار المصيصي، قال الحافظ في «اللسان» : عندي أنه أحمد بن بكر البالسي خبطوا في نسبه، والحديث موضوع.

مجملاً، قال النوويُّ: وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «1» : «أنّه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: استفت قَلْبَكَ البِرُّ: مَا اطمأنت إلَيْهِ النَّفْسُ، واطمأن إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» «2» حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني: ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما، وفي «صحيح مسلم» ، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» «3» . انتهى.

_ (1) وابصة بن معبد بن مالك بن عبيد. وقيل: وابصة بن معبد بن عتبة بن الحارث. أبو سالم. الأسدي. قال ابن الأثير: له صحبة، سكن الكوفة ثم تحول إلى الرقة فأقام بها إلى أن مات بها. روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحاديث. روى عنه ابناه عمرو، وسالم، والشعبي، وزياد بن أبي الجعد وغيرهم ... وتوفي وابصة بالرقّة، وقبره عند منارة المسجد الجامع بالرافقة. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 427) ، «الإصابة» (6/ 309) ، الثقات» (3/ 431) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 125) ، «الاستيعاب» (4/ 1563) ، «بقي بن مخلد» (179) ، «تقريب التهذيب» (2/ 328) ، «تهذيب التهذيب» (11/ 100) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1457) ، «الكاشف» (3/ 232) ، «الجرح والتعديل» (9/ 47) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 2928) ، «التاريخ الكبير» (8/ 187) ، «حلية الأولياء» (2/ 23) ، «البداية والنهاية» (5/ 88) . (2) أخرجه أحمد (4/ 228) ، والدارمي (2/ 245- 246) كتاب «البيوع» ، باب دع ما يربك إلى ما لا يريبك» ، والطبراني في «الكبير» (22/ 147- 148) رقم (402) من حديث وابصة. (3) أخرجه مسلم (4/ 1981) ، كتاب «البر والصلة» ، باب تفسير البر والإثم، حديث (14/ 2553) ، والبخاري في «الأدب المفرد» رقم (295) ، والترمذي (4/ 597) ، كتاب «الزهد» ، باب ما جاء في البر والإثم، حديث (2389) ، وأحمد (4/ 182) ، وابن حبان (2397) ، والبيهقي (10/ 192) ، وفي «شعب الإيمان» ، (5/ 457) رقم (7272) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 474- بتحقيقنا) كلهم من طريق معاوية بن صالح، عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد (4/ 182) ، والدارمي (2/ 322) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 457) رقم (7273) من طريق صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر القاضي، عن النواس بن سمعان به. وللحديث شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني: أخرجه أحمد (4/ 194) ، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 30) ، والطبراني في «الكبير» (22/ 219) عنه مرفوعا بلفظ: «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب» .

[سورة المائدة (5) : آية 3]

[سورة المائدة (5) : آية 3] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) وقوله تعالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... الآية: تعديدٌ لما يتلى على الأمَّة ممَّا استثنَي من بهيمة الأَنْعَامِ، وَالدَّمُ: معناه: المَسْفُوح، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ: مقتض لشخمه بإجماع، وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: قد تقدّم، وَالْمُنْخَنِقَةُ: معناه: التي تموت حنقا، وَالْمَوْقُوذَةُ: التي ترمى أو تُضْرَبُ بِعَصاً، وشبهها، وَالْمُتَرَدِّيَةُ: هي التي تتردى مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، فتموتُ، وَالنَّطِيحَةُ: فَعِيلَةٌ بمعنى مَفْعُولَةٍ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ: يريد كُلَّ ما افترسَهُ ذو نَابٍ، وأظْفَارٍ من الحَيَوان، وكانَتِ العربُ تأكل هذه المذْكُورات، ولم تَعْتَقِدْ ميتةً إلا ما مَاتَ بالوَجَعِ ونحو ذلك. واختلف العلماءُ في قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ، فقال ابنُ عباس، وجمهورُ العلماء: الاستثناءُ من هذه المذْكُوراتِ، فما أُدْرِكَ مِنْهَا يَطْرِفُ بِعَيْنٍ أو يُحَرِّكُ ذَنَباً «1» ، وبالجُمْلة/: ما يتحقَّق أنه لم تَفِضْ نفسه، بل له حياةٌ، فإنه يذكى على سُنَّة الذَّكَاة، ويُؤْكَلُ، وما فَاضَتْ نفسه، فهو الميتَةُ، وقال مالكٌ مرَّةً بهذا القَوْلِ، وقال أيضاً، وهو المشهور عنه، وعن أصحابه مِنْ أهْل المدينة: إنَّ قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ: معناه: مِنْ هذه المذْكُورات في وَقْتٍ تَصِحُّ فيه ذَكاتُها، وهو ما لم تنفذ مقاتِلها، ويتحقَّق أنها لا تَعِيشُ، ومتى صارَتْ في هذا الحَدِّ، فهي في حُكْمِ المَيْتَة، فالاستثناءُ عند مالك مُتَّصِلٌ كقول الجمهور، لكنه يُخَالِفُ في الحَالِ التي يَصِحُّ فيها ذَكاةُ هذه المذكورات واحتج لمالِكٍ بأنَّ هذه المذكوراتِ لو كَانَتْ لا تحرم إلاَّ بموتها، لكان ذكْرُ المَيْتَة أولاً يُغْنِي عنها، ومِنْ حُجَّة المخالِفِ أنْ قَالَ: إنما ذُكِرَتْ بسبب أنَّ العرب كانَتْ تعتقدُ أنَّ هذه الحوادِثَ كالذَّكَاة، فلو لم يُذْكَرْ لها غَيْرُ الميتةِ، لظَنَّتْ أنها ميتةُ الوَجَعِ حَسْبما كانَتْ عليه، والذَّكَاةُ في كلام العرب: الذَّبْح. وقوله سبحانه: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ: عطفٌ على المحرَّمات المذْكُورة، والنُّصُب: حجارةٌ تُنْصَبُ، يذبحون علَيْها، قال ابنُ جُرَيْجٍ: وليسَتِ النُّصُب بأصنامٍ فإن الصَّنَمُ يُصوَّر ويُنْقَشُ، وهذه حجارةٌ تُنْصَبُ، وكَانَتِ العربُ تَعْبُدُها «2» ، قال ابنُ زَيْدٍ: مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: شيْءٌ واحدٌ «3» «4» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 411) برقم (11036) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 151) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 414) برقم (11052) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 152) . [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 415) برقم (11061) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 152) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 153) .

قال ع: ما ذُبِحَ على النصبِ جُزْءٌ مِمَّا أهِلَّ به لغير اللَّه، لكنْ خُصَّ بالذِّكْر بعد جنْسِهِ لشهرة أمْرِه. وقوله سبحانه: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ: حرَّم سبحانه طَلَبَ القِسْمِ، وهو النَّصِيبِ، أوِ القَسْمِ- بفتح القاف-، وهو المصدَرُ بالأزلامِ، وهي سهَامٌ، قال صاحبُ «سلاح المؤمن» : والاستقسامُ: هُوَ الضَّرْب بها لإخراجِ مَا قُسِمَ لهم، وتَمْيِيزِهِ بزَعْمهم. انتهى، وأزْلاَمُ العَرَبِ على أنواعٍ منْها الثلاثةُ الَّتي كان يتَّخِذُها كلُّ إنسانٍ لنفسه على أحدها «افعل» ، وعلى الآخر «لاَ تَفْعَلْ» ، وثالثٌ مهملٌ لا شيْءَ عليه، فيجعلها في خريطَةٍ معه، فإذا أراد فِعْلَ شيءٍ أدخَلَ يده، وهي متشابهَةٌ فأخْرَجَ أحدها، وَأْتَمَرَ له، وانتهى بحسب ما يَخْرُجُ له، وإنْ خرج القِدْحُ الذي لا شَيْءَ فيه، أعاد الضَّرْبَ. وقوله سبحانه: ذلِكُمْ فِسْقٌ: إشارةٌ إلى الاِستقسامِ بالأزلام. وقوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ: معناه عند ابن عباس وغيره: مِنْ أنّ تَرْجِعُوا إلى دينهم «1» ، وظاهر أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمْرِ أصحابِهِ، وظهور الدِّين يقتضي أنَّ يَأْسَ الكُفَّارِ عنِ الرجوعِ إلى دينهم قد كَانَ وَقَعَ مُنْذُ زمانٍ، وإنما هذا اليأسُ عندي من اضمحلال أَمْرِ الإسلام، وفَسَادِ جمعه لأن هذا أمْرٌ كان يترجَّاه مَنْ بَقِيَ من الكفَّار ألا ترى إلى قول أخِي صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ «2» في يَوْمِ هَوَازِنَ حتى انكشف المُسْلمون، وظنَّها هزيمةً: «أَلاَ بَطَلَ السِّحْرُ اليَوْمَ» ، إلى غير هذا مِنَ الأَمثلَة، وهذِهِ الآيةُ في قول الجمهورِ عُمَرَ بْنِ الخطابِ «3» وغيره: نَزَلَتْ في عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ يَوْمَ الجمعةِ، وفي ذلك اليَوْمِ امحى أمْرُ الشِّرْكِ مِنْ مَشَاعِرِ الحَجِّ، ولم يحضُرْ من المشركين المَوْسِمَ بَشَرٌ، فيحتملُ قوله تعالى: الْيَوْمَ: أنْ تكون إشارةً إلى اليومِ بعينه، ويحتملُ أنْ تكون إشارةً إلى الزَّمَنِ والوَقْت، أيْ: هذا الأوانُ يَئِسَ الكفَّار من دينكم. وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا/: يعمُّ سائر الكفَّار من العرب وغيرهم وهذا يقوِّي أنَّ اليأْس إنما هو مِنَ انحلال أمْرِ الإسلام، وأمر سبحانه بخَشْيَته الَّتي هِيَ رأس كلّ عبادة كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «ومفتاح كلّ خير» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 418) برقم (11079) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 454) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 442) . (3) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 442) .

وقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ: تحتملُ الإشارةَ ب «اليَوْم» ما قد ذكرناه، حَكَى الطبريُّ «1» أنَّ النبيَّ- عليه السلام- لَمْ يَعِشْ بعد نزول هذه الآية إلاَّ إحدى وثمانِين ليلة، والظاهر أنه عاش صلّى الله عليه وسلّم أكثر بأيامٍ يسيرةٍ، قُلْتُ: وفي سماعِ ابنِ القاسِمِ، قال مالك: بلَغَنِي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ في اليومِ الذي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَقَفَ على بابه، فقال: «إنِّي لاَ أُحِلُّ إلاَّ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلاَ أُحَرِّمُ إلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ في كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، اعملا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ فَإنِّي لاَ أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» ، قال ابن رُشْدٍ: هذا حديثٌ يدلُّ على صحَّته قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 38] ، وقال تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] ، فالمعنى في ذلك: أنَّ الله عز وجل نَصَّ على بعض الأحكامِ، وأجْمَلَ القَوْلَ في بعضها، وأحَالَ علَى الأدلَّة في سائِرِها بقوله: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] فبيَّن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما أجمله اللَّه في كتابه كما أمره حيثُ يقول: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] ، فما أحلّ صلّى الله عليه وسلّم، أو حرَّم، ولم يوجَدْ في القُرآن نَصًّا، فهو مما بيَّن مِنْ مُجْمَلِ القُرآن، أو علمه بما نُصِبَ من الأدلَّة فيه، فهذا معنى الحديث، والله أعلم، فما ينطق صلّى الله عليه وسلّم عَنِ الهوى إنْ هو إلاَّ وحْيٌ يوحَى. انتهى من «البيان والتحصيل» . وفي «الصحيح» «أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ، قال لَهُ يَهُودِيٌّ: آيَةٌ في كتابكم تقرءونها، لو علَيْنا نزلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عيداً، فقال له عُمَرُ: أيُّ آيَة هِيَ؟ فَقَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فقالَ له عُمَرُ: قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ نَزَلَتْ على رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو واقف بعرفة يوم الجمعة» «2» .

_ (1) ينظر: الطبري (4/ 418) . (2) أخرجه البخاري (1/ 129) كتاب «الإيمان» ، باب زيادة الإيمان ونقصانه، حديث (45) ، وفي (7/ 712) كتاب «المغازي» ، باب حجة الوداع، حديث (4407) ، وفي (8/ 119) كتاب «التفسير» ، باب الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، حديث (4606) ، وفي (13/ 259) كتاب «الاعتصام» : حديث (7268) ، ومسلم (4/ 2312- 2313) كتاب «التفسير» ، حديث (3- 5/ 3017) ، والترمذي (5/ 250) كتاب «التفسير» ، باب سورة المائدة، حديث (3043) ، والنسائي (5/ 251) كتاب «الحج» ، باب ما ذكر في يوم عرفة، و (8/ 114) كتاب «الإيمان» ، باب زيادة الإيمان، وأحمد (1/ 28) ، والحميدي (31) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص- 40) رقم (30) ، والطبري في «تفسيره» (4/ 421) رقم (11098) ، وابن حبان (185) ، والآجري في «الشريعة» (ص 105) ، والبيهقي (5/ 118) كتاب «الحج» ، كلهم من طريق قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. والحديث: ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 456) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

[سورة المائدة (5) : آية 4]

قال ع «1» : فَفِي ذلك اليَوْم عِيدَانِ للإسلامِ، إلى يومِ القِيامةِ، وإتمامُ النعمة هو في ظُهُور الإسلام، ونُورِ العقائدِ، وكمالِ الدِّينِ، وسعةِ الأحوالِ، وغيرِ ذلكَ ممَّا اشتملت عليه هذه المِلَّةُ الحنيفيَّة إلى دخولِ الجَنَّة، والخلودِ في رَحْمَةِ اللَّه سبحانه، جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ شَمِلَتْهُ هذه النعمة. وقوله سبحانه: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً: يحتملُ الرِضَا في هذا الموضعِ أنْ يكون بمعنى الإرادةِ، ويحتملُ أنْ يكونَ صفةَ فِعْلٍ عبارةً عَنْ إظهارِ اللَّهِ إياه لأنَّ الرضَا من الصفاتِ المتردِّدة بَيْنَ صفاتِ الذَّاتِ وصفاتِ الأفعال، واللَّه تعالى قد أراد لنا الإسلامَ، وَرَضِيَهُ لنا، وَثَمَّ أشياء يريدُ اللَّه وقوعها ولا يَرْضَاها. وقوله سبحانه: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ، يعني: مَنْ دَعَتْهُ ضرورةٌ إلى أكل الميتة، وسائر تلك المحرّمات، وسئل صلّى الله عليه وسلّم، متى تَحِلُّ الميتَةُ للنَّاسِ؟ فَقَالَ: «إذَا لَمْ يَصْطَبِحُوا، وَلَمْ يَغْتَبِقُوا «2» ، وَلَمْ يَحْتَفِئُوا «3» بَقْلاً «4» » . والمخمَصَةُ: المجاعَةُ التي تخمص فيها البُطُونُ، أي: تَضْمُرُ. وقوله سبحانه: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ هو بمعنى: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة: 173] وقد تقدَّم تفسيره. قال ص: متجانف: أي: مائلٌ منحرفٌ. انتهى، وقد تقدّم في «البقرة» . [سورة المائدة (5) : آية 4] يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) وقول تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ: سببُ نزولها أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم/ لمّا أمر بقتل

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 154) . (2) تفتعلوا من الغبوق، وهو شرب آخر النهار مقابل الصّبوح. ينظر: «النهاية» (3/ 341) . (3) قال أبو عبيد: هو من الحفأ، مهموز مقصور، وهو أصل البرديّ الأبيض الرطب منه، وقد يؤكل. يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه. ينظر: «النهاية» (1/ 411) . (4) أخرجه أحمد (5/ 218) ، والحاكم (4/ 125) ، والبيهقي (9/ 356) من طريق حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه. وقال الذهبي: فيه انقطاع.

الكلابِ. سأله عاصمُ بنُ عَدِيٍّ وغيره، مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الكِلابِ» «1» . قال ع «2» : وظاهر الآية أنَّ سائلاً سأل عمَّا يحلُّ للنَّاسِ من المَطَاعِمِ لأنَّ قوله تعالى: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ليس بجوابٍ عمَّا يحِلُّ للناسِ اتخاذه من الكلاَبِ إلاَّ أنْ يكون مِنْ باب إجَابَةِ السائلِ بأكثر ممَّا سأَلَ عنه، وهو موجود كثيرا من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والطَّيِّبُ: الحَلاَل. وقوله سبحانه: وَما عَلَّمْتُمْ: أي: وصَيْدُ ما علَّمتم، قال الضَّحَّاك وغيره: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ: هي الكلاَبُ خاصَّةٌ. قال العِرَاقِيُّ في مُكَلِّبِينَ: أصحاب أَكْلُبٍ لها مُعَلِّمين. انتهى، وأعلى مراتِبِ التَّعْلِيمِ، أنْ يُشْلى الحَيَوانُ فَيَنْشَلِي، ويدعى فَيُجِيب، ويُزْجَر بَعْد ظَفَرِهِ بالصَّيْد، فينزجر، وجوارِحُ: جمع جَارِحٍ، أي: كاسب، يقال: جَرَحَ فلانٌ، واجترح إذا اكتسب ومنه قوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام: 60] ، أي: ما كَسَبْتُمْ مِنْ حسنةٍ وسيئةٍ. قال ع «3» : وقرأ «4» جمهورُ النَّاس: وَما عَلَّمْتُمْ- بفتح العين واللام-، وقرأ ابن عبّاس ومحمّد ابن «5» الحنفيَّة: «عُلِّمْتُمْ» - بضم العين وكسر اللام-: أي: من أمرِ الجوارحِ، والصَّيْدِ بِها، وقرأ جمهورُ النَّاس: «مُكَلِّبِينَ» - بفتح الكاف وشَدِّ اللام-، والمُكَلِّبُ: معلّم الكلاب، ومضرّيها، ويقال لِمَنْ يعلِّم غَيْرَ كَلْبٍ: مُكَلِّب لأنه يَرُدُّ ذلك الحيوان كالكَلْبِ. وقوله سبحانه: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ: أيْ: تعلمونَهُنَّ الحِيلَةَ في الاصطياد، والتأتّي لتحصيل الحيوان، وهذا جزء مما علّمه الله الإنسان، ف «مِنْ» : للتبعيض. وقوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ: يحتملُ: ممَّا أمسكْنَ، فلم يأكلْنَ منه شيئاً، ويحتملُ: ممَّا أمسكْن، وإن أكلْنَ منه، وبحَسَبِ هذا الاحتمالِ اختلف العلماءُ في جواز أكْلِ الصيد، إذا أكل منه الجارحُ. وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: أمر بالتسمية عند الإرسال، وذهب مالك

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 248) برقم (11138) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 154) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 458) ، وعزاه لابن جرير عن عكرمة. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 156) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 157) . [.....] (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 157) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 157) ، و «البحر المحيط» (3/ 445) ، و «الدر المصون» (2/ 489) .

[سورة المائدة (5) : آية 5]

وجمهورُ العلماء أنَّ التسمية واجبةٌ، مع الذِّكر، ساقطةٌ مع النِّسْيَان، فمن تركَهَا عامداً، فقد أفْسَدَ الذبيحةَ والصَّيدَ، ومن تَرَكها ناسياً، سمى عند الأكْلِ، وكانَتِ الذبيحةُ جائزةً، وفِقْهُ الصيْدِ والذبْحِ في معنى التسميةِ- واحدٌ. ثم أمر سبحانه بالتقوى على الجُمْلة، والإشارة إلى ما تضمَّنته هذه الآياتُ مِنَ الأوامِرِ والنواهِي، وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: وعيدٌ وتحذيرٌ. [سورة المائدة (5) : آية 5] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5) وقوله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: إشارةٌ إلى الزَّمَنِ والأوانِ، والخِطَابُ للمؤمِنِينَ. وقوله سبحانه: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ: الطعامُ في هذه الآيةِ: الذَّبَائِحُ كذا قال أهل التفسير. واختلفوا في لَفْظَةِ طَعامُ. فقال الجمهورُ: هي الذبيحةُ كلُّها، وقالتْ جماعة: إنما أحل لنا طعامهم من الذبيحةِ، أي: الحلال لهم منها لا ما لا يَحِلُّ لهم كَالطَّرِيفِ، وَالشُّحُومِ المحْضَةِ. واختلف في لَفْظة أُوتُوا الْكِتابَ. فقالتْ طائفة: إنما أحل لنا ذبائح الصُّرَحَاءِ منهم، لا مَنْ كان دخيلاً في هذَيْن الدِّينَيْنِ، وقال جمهورُ الأمَّة ابنُ عَبَّاس، والحسنُ، ومالكٌ، وغيرهم: إنَّ ذبيحةَ كُلِّ نصرانيٍّ حلالٌ، كان مِنْ بني تَغْلِبَ أو غيرهم «1» ، وكذلك اليهودُ، وتأوَّلوا قوْلَ اللَّهِ تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: 51] . وقولُهُ سُبْحَانه: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ: أي: ذبائحكم، فهذه رُخْصَة للمسلمين، لا لأهْلِ الكتابِ، لَمَّا كان الأمْرُ يقتضي أنَّ شيئاً قد تشرَّعنا فيه بالتَّذْكِيَةِ ينبغي لنا أنْ نَحْمِيَهُ منهم، رخَّص اللَّه تعالى لنا في ذلك دفعاً للمشقَّة بحَسَب التجاوُرِ. وقوله سبحانه: وَالْمُحْصَناتُ: عطْفٌ على الطَّعَام المُحَلَّل، ذهب جماعة منهم

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 441) برقم (11231) عن ابن عباس، (11232) عن الحسن، وذكره ابن عطية (2/ 159) ، وابن كثير في «تفسيره» (2/ 18) .

[سورة المائدة (5) : آية 6]

مالكٌ إلى أنَّ المحصنات في هذه الآيةِ الحرائر «1» ، فمنعوا نِكَاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، / وذهب جماعةٌ إلى أنهنَّ العَفَائِفُ، فأجازوا نكاحَ الأَمَةِ الكتابيَّة، والأجورُ في الآية: المُهُورُ، وانتزع بعضُ العلماءِ من لفظ: آتَيْتُمُوهُنَّ أنَّه لا ينبغِي أنْ يدخل زَوْجٌ بزوجته إلاَّ بَعْدَ أنْ يَبْذُلَ من المَهْر ما يستحلّها به، ومُحْصِنِينَ: معناه: متزوِّجين على السُّنَّة. وقوله سبحانه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ: أي: بالأمور التي يَجِبُ الإيمان بها، وباقي الآية بيّن. [سورة المائدة (5) : آية 6] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... الآية: قال ابن العَرَبِيِّ: في «أحكامه» «2» : لا خِلاَفَ بَيْن العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ مَدَنِيَّةٌ كما أنه لا خِلاَفَ أنَّ الوضوء «3» كانَ مَعْقُولاً قَبْلَ نزولها غَيْرَ مَتْلُوٍّ ولذلك قال علماؤُنا: إنَّ الوُضُوءَ كان بمكَّة سُنَّةً، ومعناه: كان مفْعولاً بالسُّنَّة، وقوله: إِذا قُمْتُمْ: معناه: إذا أردتّم القيام

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 159) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 558) . (3) والوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضّأ به، هذا هو المشهور، وحكي الفتح في الفعل، والضّمّ في الماء، وهو في اللغة: عبارة عن النّظافة والحسن والنّقاوة. ينظر: «لسان العرب» (6/ 4854، 4855) ، «تهذيب اللغة» (12/ 99) ، «ترتيب القاموس المحيط» (4/ 622) . واصطلاحا: عرفه الحنفية بأنه: الغسل والمسح في أعضاء مخصوصة. وعرّفه الشّافعيّة: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحا بنيّة. وعرفه المالكية بأنه: إزالة النّجس، أو هو رفع مانع الصلاة. وعرفه الحنابلة بأنه: استعمال الماء الطّهور في الأعضاء المخصوصة، على صفة مفتتحة بالنيّة. ينظر: «الاختيار» (1/ 7) ، «مغني المحتاج» (1/ 47) ، «الخرشي» (1/ 20) ، «المبدع» (1/ 113) . ولمّا كان العبد مكلّفا بالصّلاة التي هي ركن من أركان الدين، والصلاة مناجاة بين العبد وربه، ومن أجل ذلك يكون اللّائق بحال من يخاطب ربّه، ويناجيه أن يكون متطهرا من الأدران والأوزار. وقد ورد في كثير من الأحاديث أن الذّنوب تنزل عن صاحبها مع كل قطرة من قطرات الوضوء، لذلك شرع الوضوء قبل الصلاة. -

إلى الصلاة. انتهى. قال زيدُ بْنُ أَسْلَمَ والسُّدِّيُّ: معنى الآية: إذا قمتُمْ من المضاجِعِ، يعني النَّوْمَ «1» ، والقصْدُ بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداث بالذِّكْر، وفي الآية على هذا التأويلِ تقديمٌ وتأْخيرٌ، تقديره: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النومِ، أو جاء أَحدٌ منكم من الغائِطِ، أو لامَسْتُمُ النِّساء، يعني: الملامسة الصغرى فاغسلوا، وهنا تمَّتْ أحكامُ الحَدَثِ الأَصْغَرِ، ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، فهذا حُكْم نوعٍ آخر، ثم قال للنوعين جميعاً: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ ... فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، وقال بهذا التأويل محمَّد بْنُ مَسْلمة «2» مِنْ أصحاب مالكٍ وغيره «3» . وقال جمهورُ أهْلِ العِلْمِ: معنى الآيةِ: إذا قمتم إلى الصلاةِ مُحْدِثِينَ، وليس في الآيةِ على هذا تقديمٌ ولا تأْخيرٌ، بل ترتَّب في الآية حُكْمُ واجِدِ المَاءِ إلى قوله: فَاطَّهَّرُوا، ودخلَتِ الملامسةُ الصغرى في قولنا: «مُحْدِثِينَ» ، ثم ذكَرَ بعد ذلك بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى ... إلى آخر الآية حُكْمَ عادمِ الماءِ مِنَ النوعَيْنِ جميعاً، وكانت الملامسةُ هي الجماعَ. وقال ص: إِذا قُمْتُمْ أي: إذا أردتُّم، وعبَّر بالقيامِ عن إرادَتِهِ لأنه مُسَبَّبٌ عنها. انتهى. ومِنْ أحسن الأحادِيثِ وأصحِّها في فَضْل الطهارةِ والصَّلاة: ما رواه مالكٌ في «الموطَّإ» ، عن العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن «4» ، عن أبِيهِ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

_ - وقد فرض الوضوء ليلة الإسراء مع الصلاة، قبل الهجرة، وكان الوضوء أوّل الأمر واجبا لكل صلاة، ثم نسخ ذلك يوم غزوة «الخندق» ، وصار واجبا من الحدث. الباجوري (1/ 20) . (1) أخرجه الطبري في تفسيره (4/ 452) برقم (11322) عن زيد بن أسلم، (11324) عن السدي، وذكره ابن عطية (2/ 160) . (2) هو محمد بن مسلمة بن هشام بن إسماعيل أبو هشام، وهشام هذا هو أمير المدينة الذي نسب إليه مد هشام، كان ابن مسلمة من الطبقة الوسطى من أهل المدينة، وكان أفقه فقهاء المدينة من أصحاب مالك فكان ثقة مأمون حجة، جمع العلم والورع، روى عن مالك وتفقه عنده، توفي سنة ست ومائتين هجرية. ينظر: الديباج المذهب ص 227. (3) ينظر: ابن عطية (2/ 161) . (4) العلاء بن عبد الرّحمن بن يعقوب الجهني مولى الحرقة المدني، أحد الأعلام. عن أبيه وأنس وعكرمة. وعنه ابن جريج وابن إسحاق ومالك وخلق. وثقة أحمد. وقال يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح أنكر من حديثه أشياء. قال الواقدي: توفي في خلافة المنصور. ينظر: الخلاصة (2/ 312) .

قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرَكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ: إسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المَسَاجِدِ، وانتظار الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» «1» . قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديثُ مِنْ أَحْسَنِ ما رُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في فضائِلِ الأعمالِ. قال صاحبُ «كتاب العَيْنِ» : الرِّبَاطُ: ملازمةُ الثُّغُور، قال: والرِّبَاطُ مواظبةُ الصلاةِ أَيضاً انتهى. والغُسْلُ، في اللغة «2» : إيجادُ المَاء في المَغْسُول، مع إمرار شَيْء علَيْه كاليَدِ، والوجه

_ (1) أخرجه مسلم (1/ 219) في الطهارة: باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره (41/ 251) ، والترمذي (1/ 72- 73) في أبواب الطهارة: باب ما جاء في إسباغ الوضوء (51) ، والنسائي (1/ 89) في الطهارة: باب الفضل في إسباغ الوضوء، وابن ماجة (1/ 148) في الطهارة: باب ما جاء في إسباغ الوضوء (428) ، وأحمد (2/ 277، 303) ، وأبو عوانة في «المسند» (1/ 231) ، وأبو يعلى (6503) ، وابن خزيمة (1/ 6) برقم (5) ، ومالك (1/ 161) في قصر الصلاة في السفر (55) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 251) برقم (146) من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري رواه ابن ماجة في المصدر السابق (427) ، وفي المساجد: باب المشي إلى الصلاة (776) ، وأحمد (3/ 16) ، والدارمي (1/ 177، 178) في الوضوء: باب ما جاء في إسباغ الوضوء، وابن خزيمة برقم (177، 357) ، وابن حبان (394) ، والحاكم في «المستدرك» (1/ 191- 192) ، وأبو يعلى (1355) ، وعبد بن حميد في مسنده (984) . وقال الهيثمي في «المجمع» (2/ 95- 96) : رواه أحمد بطوله، وأبو يعلى أيضا ... وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وفي الاحتجاج به خلاف، وقد وثقه غير واحد. وفي الباب أيضا عن جابر رواه البزار (1/ 223) برقم (449، 450) ، وابن حبان (161- موارد) . وقال الهيثمي في «المجمع» (2/ 40) : رواه البزار ... وإسناد الأول فيه شرحبيل بن سعد، وهو ضعيف عند الجمهور. وذكره ابن حبان في «الثقات» ، وأخرج له في «صحيحه» هذا الحديث، وإسناد الثاني فيه يوسف بن ميمون الصباغ، ضعفه جماعة، ووثقه ابن حبان، وأبو أحمد بن عدي، وقال البزار: صالح الحديث. (2) قال الجوهريّ: غسلت الشيء غسلا بالفتح، والاسم الغسل بالضم: ويقال: غسل: كعسر وعسر. قال الإمام أبو عبد الله بن مالك في «مثلثه» : والغسل، يعني بالضم: الاغتسال، والماء الذي يغتسل به. وقال القاضي عياض: الغسل بالفتح: الماء. والغسل: الإسالة، والغسالة: ما غسلت به الشيء، والغسول: الماء الذي يغتسل به، وكذلك المغتسل، والمغتسل أيضا: الذي يغتسل فيه. والغسل بالكسر: ما يغسل به الرّأس من خطميّ وغيره، ومنه الغسلين، وهو ما انغسل من لحوم أهل النّار ودمائهم. -

ما وَاجَهَ النَّاظر وقابله، والنَّاس كلُّهم على أنَّ داخل العينَيْنِ لا يلْزَمُ غسله إلا ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عُمَرَ أنه كان يَنْضَحُ «1» الماءَ في عَيْنَيْهِ «2» . واليَدُ لغةً تَقَعُ على العُضْوِ من المَنْكِبِ إلَى أطرافِ الأصابِعِ، وحَدَّ اللَّه سبحانه مَوضِعَ الغُسْلِ منه بقوله: إِلَى الْمَرافِقِ. واختلف العلماءُ، هل تدخُلُ المرافِقُ في الغُسْلِ أم لاَ، وتحريرُ العبارةِ في هذا المعنى: أنْ يقَالُ: إذا كان مَا بَعْد إلى لَيْسَ مما قَبْلَهَا، فالحَدُّ أولُ المذكورِ بعدها، وإذا كان ما بَعْدَها مِنْ جملة ما قَبْلَهَا/، فالاحتياطُ يُعْطِي أنَّ الحدَّ آخر المذكور بَعْدَها ولذلك يترجَّح دخولُ المرفَقَيْنِ في الغُسْل، والروايتان عن مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «3» ، وقد رَوَى الدارقطنيُّ وغيره عن جابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ على مِرْفَقَيْهِ «4» . انتهى.

_ - وفي «المغرب» : غسل الشيء: إزالة الوسخ ونحوه عنه، بإجراء الماء عليه. والغسل بالضّم: اسم من الاغتسال، وهو غسل تمام الجسد، واسم للماء الذي يغتسل به أيضا. ينظر: «الصّحاح» (5/ 1781) ، «تهذيب اللغة» (8/ 35، 36) ، «لسان العرب» (5/ 3256، 3257) . واصطلاحا: عرفه الحنفيّة بأنه: غسل البدن. وعند الشافعية: سيلان الماء على جميع البدن. وعند المالكية: إيصال الماء لجميع الجسد بنيّة استباحة الصّلاة مع الدّلك. وعند الحنابلة: استعمال ماء طهور في جميع بدنه، على وجه مخصوص. ينظر: «الدرر» (1/ 17) ، «الحرشي» (1/ 161) ، «كشاف القناع» (1/ 139) . [.....] (1) أصل النضح: الرّشح، وهو هنا الرش، يعني كان يغسل باطن عينيه بالماء. ينظر: «النهاية» (5/ 70) ، و «لسان العرب» (4450) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 161) . (3) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 567) . (4) أخرجه الدارقطني (1/ 83) كتاب «الطهارة» ، باب وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حديث (15) ، والبيهقي (1/ 56) كتاب «الطهارة» ، كلاهما من طريق عباد بن يعقوب، عن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، عن جده عن جابر به. قال الدارقطني: ابن عقيل ليس بقوي. وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (1/ 383) . وهو حديث ضعيف، فعباد بن يعقوب: هو الرواجني، متكلم فيه، روى عنه البخاري مقرونا بآخر، وقال ابن حبان فيه: رافضي داعية، يروي المناكير عن المشاهير، فاستحق الترك. انتهى. وعبد الله بن محمد بن عقيل أيضا فيه مقال، وكذلك ابن ابنه القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل، قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه قال: كان متروك الحديث، وذكر عن أبي زرعة أنه قال: أحاديثه منكرة، وهو ضعيف الحديث أيضا، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يروي عن-

واختلفَ في رَدِّ اليدَيْنِ في مَسْح الرَّأْسِ، هل هو فرضٌ أوْ سُنَّة، بعد الإجماع على أنَّ المَسْحَةَ الأولى فَرْضٌ، فالجمهورُ على أنَّه سُنَّة. وقيل: هو فرضٌ، والإجماع على استحسَانِ مَسْحِ الرأس باليَدَيْنِ جمِيعاً، وعلى الإجزاء بواحدةٍ، واختُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بأُصْبُعٍ واحدةٍ، والمشهورُ الإجزاءُ ويترجَّح عدم الإجزاءِ لأنه خروجٌ عن سُنَّة المَسْح، وكأنه لَعِبٌ إلاَّ أَنْ يكونَ ذلك عن ضَرَرِ مرضٍ ونحوه، فينبغي ألاَّ يُخْتَلَفَ في الإجزاء. والبَاءُ في قوله تعالى: بِرُؤُسِكُمْ مؤكّدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى، عنده: وامسحوا رءوسكم، وهي للإلصاق المحض عند مَنْ يرى إجزاء بعض الرأْسِ كأنَّ المعنى: أوجدوا مسحا برءوسكم، فمَنْ مَسَح، ولو شعرةً فقد فَعَلَ ذلك. ت: قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «1» : وقد ثبت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في صِفَةِ مَسْحِ الرأسِ «أَنه أَقْبَلَ بِيَدِهِ، وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» «2» ، وفي البخاريِّ: «فَأَدْبَرَ بِهِمَا، وَأَقْبَلَ» ، وهما صحيحان متوافقان،

_ - جده عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. وروى عنه إسحاق بن محمد العزرمي. انتهى. ذكره في أتباع التابعين من كتابه. ورواه البيهقي أيضا من حديث سويد بن سعيد، عن القاسم بن محمد العقيلي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، أما القاسم وجدّه فتقدما، وأما سويد بن سعيد فهو، وإن أخرج له مسلم، فقد قال ابن معين: هو حلال الدم، وقال ابن المديني: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه كثير التدليس، وقيل: إنه عمي في آخر عمره، فربما لقن ما ليس في حديثه، فمن سمع منه وهو بصير فحديثه عنه حسن، وسكت عنه البيهقي هنا، وقال في باب: من قال لا يقرأ: تغير بآخره، فكثر الخطأ في روايته. انتهى. والعجب من البيهقي كيف سكت عن القاسم هنا، وقد قال في باب: لا يطهر بالمستعمل: لم يكن بالحافظ، وأهل العلم مختلفون في الاحتجاج برواياته. (1) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 575) . (2) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 18) ، كتاب «الطهارة» ، باب العمل في الوضوء، الحديث (1) ، وعبد الرزاق في المصنف (1/ 6) ، كتاب «الطهارة» ، باب المسح بالرأس، الحديث (5) ، وأحمد (4/ 38) ، والبخاري (1/ 289) ، كتاب «الوضوء» ، باب مسح الرأس، الحديث (185) ، ومسلم (1/ 210- 211) ، كتاب «الطهارة» ، باب في وضوء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الحديث (18) وأبو داود (1/ 86- 87) ، كتاب «الطهارة» ، باب صفة وضوء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الحديث (18) ، والترمذي (1/ 47) ، كتاب «الطهارة» ، باب ما جاء في مسح الرأس، الحديث (32) ، والنسائي (1/ 72) ، كتاب «الطهارة» ، باب صفة مسح الرأس، وابن ماجة (1/ 149- 150) ، كتاب «الطهارة» ، باب ما جاء في مسح الرأس، الحديث (434) ، وابن الجارود في «المنتقى» (ص 35) ، باب صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والحميدي-

وهي مسألةٌ من «أصول الفقْهِ» في تسمية الفعْلِ بابتدائه أو بغايته. انتهى. وقرأ حمزة «1» وغيره: «وَأَرْجُلِكُمْ» - بالخفض-، وقرأ نافع وغيره بالنَّصْب، والعاملُ: «اغسلوا» ، ومن قرأ بالخفْضِ، جعل العامِلَ أقْرَبَ العامِلَيْنِ، وجمهورُ الأَمَّة من الصحابة والتابعِينَ على أنَّ الفَرْضَ في الرجْلَيْن الغَسْلُ، وأنَّ المَسْح «2» لا يجزىءُ، وفي الصحيح: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ «3» من النّار» إذ «4» رأى صلّى الله عليه وسلّم أعقابَهُمْ تلُوحُ، قال ابن العربِيِّ في «القَبَس» :

_ - (1/ 202) ، وابن خزيمة (1/ 80، 87، 88) ، وابن حبان (2/ 296، 297- الإحسان) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 30) ، والبيهقي (1/ 59) كتاب «الطهارة» ، باب الاختيار في استيعاب الرأس بالمسح والبغوي في «شرح السنة» (1/ 316- بتحقيقنا) عن عبد الله بن زيد. وله شاهد من حديث معاوية، أخرجه أبو داود (1/ 89) ، كتاب «الطهارة» ، باب صفة وضوء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الحديث (124) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 30) ، كتاب «الطهارة» ، باب فرض مسح الرأس في الوضوء. وشاهد آخر عن المقدام أخرجه أبو داود (1/ 88) كتاب «الطهارة» ، باب صفة وضوء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، الحديث (122) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 32) ، باب حكم الأذنين في وضوء الصلاة. (1) ينظر: «السبعة» (242- 243) ، و «الحجة» (3/ 214) ، و «حجة القراءات» (221) ، و «العنوان» (87) ، و «إعراب القراءات» (1/ 143) ، و «شرح شعلة» (348) ، و «شرح الطيبة» (4/ 226) ، و «إتحاف» (1/ 530) ، و «معاني القراءات» (1/ 326) . (2) أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين، ولم يخالف في ذلك من يعتد به في الإجماع- كما صرح بذلك الشيخ أبو حامد وغيره- وعليه الأئمة الأربعة، وجمهور الفقهاء. وتنحصر أقوال المخالفين في ثلاثة أقوال: الأول: أن الواجب مسحهما وبه قالت الإمامية من الشيعة. الثاني: أن المتوضئ يميز بين غسلهما ومسحهما، وعليه الحسن البصري وحكاه الخطابي عن الجبائي المعتزلي. الثالث: أن الواجب غسلهما ومسحهما جميعا، وعليه بعض أهل الظاهر كداود. والصواب هو مذهب الأئمة الأربعة، والجمهور. ينظر: «المسح على الخفين» لشيخنا/ محمد سيد أحمد. (3) الأعقاب: جمع عقب. وهو مؤخر القدم. ينظر: «لسان العرب» (3022) . (4) ورد هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، وهم أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وجابر، وعبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي، ومعيقيب، وأبو ذر، وخالد بن الوليد، وشر حبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وأبو أمامة، وأخوه. 1- حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (1/ 143) كتاب «الوضوء» ، باب غسل الأعقاب، حديث (165) ، ومسلم (1/ 214) كتاب «الطهارة» ، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (28/ 242) وعبد الرزاق (1/ 21) رقم (62) والنسائي (1/ 77) كتاب «الطهارة» ، باب إيجاب غسل الرجلين. والدارمي (1/ 179) كتاب «الطهارة» ، باب ويل للأعقاب من النار. وأحمد (2/ 228، 284، 406، 409، 467، 482) وابن الجارود في «المنتقى» رقم (78، 79) ، وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص 75) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) كتاب «الطهارة» ، وابن المنذر في «الأوسط» (1/ 406) ، وأبو عوانة (1/ 251- 252) -

..

_ - والبيهقي (1/ 69) كتاب «الطهارة» ، باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل كلهم من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم قال: «ويل للأعقاب من النار» . وأخرجه مسلم (1/ 214) كتاب «الطهارة» ، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (30/ 242) ، والترمذي (1/ 58) كتاب «الطهارة» ، باب ما جاء في ويل للأعقاب من النار، حديث (41) وابن ماجة (1/ 154) كتاب «الطهارة» ، باب غسل العراقيب حديث (453) وابن خزيمة (1/ 84) رقم (162) كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به. وللحديث عن أبي هريرة ألفاظ منها: ويل للعقب من النار وويل للعراقيب من النار. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. 2- حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه البخاري (1/ 173) كتاب «العلم» ، باب من رفع صوته بالعلم، حديث (60) ، (1/ 228) كتاب «العلم» ، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم حديث (96) ومسلم (1/ 214) كتاب «الطهارة» ، باب وجوب غسل الرجلين حديث (27/ 241) ، وأبو داود (1/ 72) كتاب «الطهارة» ، باب في إسباغ الوضوء، حديث (97) والنسائي (1/ 78) كتاب «الطهارة» باب إيجاب غسل الرجلين، وابن ماجة (1/ 154) كتاب «الطهارة» باب غسل العراقيب، حديث (450) وأحمد (2/ 193، 205، 211) وابن خزيمة (1/ 83- 84) رقم (161) والبغوي في «شرح السنة» (1/ 313- بتحقيقنا) عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا. لفظ البخاري. 3- حديث عائشة. وله طرق: فأخرجه ابن ماجة (1/ 154) كتاب «الطهارة» ، باب غسل العراقيب حديث (452) ، وأحمد (6/ 191- 192) ، وابن أبي شيبة (1/ 26) وعبد الرزاق (1/ 23) رقم (69) ، والحميدي (1/ 87) رقم (161) وأبو عوانة (1/ 251) والترمذي في «العلل الكبير» (ص 35) رقم (22) وابن المنذر في «الأوسط» (1/ 406) وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص 376) وأبو يعلى (7/ 400) رقم (4426) وابن حبان (1054- الإحسان) والشافعي (1/ 33) كتاب «الطهارة» ، باب في صفة الوضوء، حديث (82) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) كتاب «الطهارة» ، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (1/ 167) رقم (70) كلهم من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أبي سلمة قال: توضأ عبد الرّحمن عند عائشة فقالت: يا عبد الرّحمن أسبغ الوضوء، إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ويل للأعقاب من النار» . ومن هذا الوجه صححه ابن حبان. وقال البيهقي: قال أحمد: رواه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن سالم مولى المهري، عن عائشة، وهو من ذلك الوجه مخرج في كتاب مسلم. وقال الترمذي في «العلل» : سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: حديث أبي سلمة عن عائشة حديث حسن. اهـ. فحديث عائشة من هذا الطريق حسنه البخاري، وصححه ابن حبان. والطريق الذي أشار إليه أحمد. أخرجه مسلم (1/ 213) كتاب «الطهارة» ، باب وجوب غسل الرجلين حديث (25/ 240) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) كتاب «الطهارة» ، وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص 382) ، والبيهقي-

..

_ - (1/ 230) من طريق عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن سالم مولى المهري، عن عائشة بمثل الطريق الأول، وقد خولف عكرمة بن عمار في هذا الحديث. خالفه الأوزاعي، وحرب بن شداد، وأبو معاوية النحوي، وعلي بن المبارك، وحسين المعلم، فرووه عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم مولى المهري عن عائشة دون ذكر أبي سلمة، فانفرد عكرمة بن عمار بزيادة أبي سلمة في الإسناد. وكما هو معروف، فإن رواية عكرمة بن عمار عن يحيى مضطربة قال أحمد: عكرمة مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير. وقال ابن المديني: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير مناكير ليست بذاك كان يحيى بن سعيد يضعفها. وقال البخاري: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير. وقال أبو داود: ثقة وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير فيه اضطراب. وقال النسائي: ليس به بأس إلا في حديث يحيى بن أبي كثير. ينظر: «التهذيب» (7/ 22) . وقال الحافظ في «التقريب» (2/ 30) : صدوق يغلط، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب. اهـ. ومخالفة الأوزاعي عند أبي عبيد في «كتاب الطهور» (ص 377) ، وأبو عوانة (1/ 230) . وابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 57) رقم (148) . ومخالفة حرب بن شداد عن الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) ومخالفة أبي معاوية النحوي عند أبي عبيد في «كتاب الطهور» (ص 382) ، وابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 57- 58) رقم (148) . ومخالفة علي بن المبارك عند أبي عوانة (1/ 230) . ومخالفة حسين المعلم عند ابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 57) رقم (148) . فهؤلاء الخمسة الثقات خالفوا عكرمة بن عمار، فلم يذكروا أبا سلمة في الإسناد. وقد رجح أبو زرعة رواية الأوزاعي، وحسين المعلم، كما في «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 57- 58) رقم (148) . ومما يدل على أن عكرمة بن عمار وهم في هذه الرواية أن جماعة تابعوا يحيى بن أبي كثير، فرووا الحديث عن سالم، عن عائشة، ولم يذكروا أبا سلمة. فأخرجه مسلم (1/ 214) كتاب «الطهارة» ، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (25/ 240) ، وأبو عوانة (1/ 230) والبيهقي (1/ 69) كتاب «الطهارة» ، باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل، من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرّحمن بن أبي بكر، فتوضأ عندها فقالت: يا عبد الرّحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ويل للأعقاب من النار» . وأخرجه مسلم (1/ 214) كتاب «الطهارة» ، باب وجوب غسل الرجلين، حديث (25/ 240) من طريق نعيم بن عبد الله المجمر، عن سالم، عن عائشة وأخرجه مسلم (1/ 214) كتاب «الطهارة» ، باب-[.....]

..

_ - وجوب غسل الرجلين، حديث (25/ 240) من طريق محمد بن عبد الرّحمن، عن سالم، عن عائشة وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) من طريق أبي الأسود يتيم عروة عن سالم عن عائشة. وللحديث طريق آخر عن عائشة. أخرجه ابن ماجة (1/ 154) كتاب «الطهارة» ، باب غسل العراقيب حديث (451) ، وأبو عوانة (1/ 252) ، والدارقطني (1/ 95) كتاب «الطهارة» ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. 4- حديث جابر بن عبد الله: أخرجه ابن ماجه (1/ 155) كتاب «الطهارة» ، باب غسل العراقيب، حديث (454) وابن أبي شيبة (1/ 26) ، وأحمد (3/ 369، 393) ، وأبو داود الطيالسي (1/ 53- منحة) رقم (178) ، وأبو يعلى (4/ 52) رقم (2065) وفي «معجم شيوخه» (ص 70) رقم (15) وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص 382، 383) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 510) وابن المنذر في «الأوسط» (1/ 406) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) من طريق الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ويل للعراقيب من النار» . قال البوصيري في «الزوائد» (1/ 182) ، هذا إسناد رجاله ثقات. اهـ. وللحديث طريق آخر عن جابر. أخرجه الطبراني في «الصغير» (2/ 7) من طريق الوليد بن القاسم، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ويل للعراقيب من النار» . وقال الطبراني: لم يروه عن الأعمش إلا الوليد تفرد به حماد. 5- حديث عبد الله بن الحارث بن جزء. أخرجه أحمد (4/ 191) ، والحاكم (1/ 162) كتاب «الطهارة» وابن خزيمة (1/ 84) رقم (163) ، والدارقطني (1/ 95) كتاب «الطهارة» باب وجوب غسل القدمين والعقبين رقم (1) وأبو عبيد في «كتاب الطهور» (ص 375- 376) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 38) كتاب «الطهارة» ، والبيهقي (1/ 70) كتاب «الطهارة» ، باب الدليل على أن فرض الرجلين الغسل وفي «معرفة السنن والآثار» (1/ 169) رقم (72) كلهم من طريق حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم التجيبي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» وقال الحاكم: صحيح، ولم يخرجا ذكر بطون الأقدام، ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة. وقال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 245) ، رواه أحمد، والطبراني في «الكبير» ... ورجال أحمد والطبراني ثقات. 6- حديث معيقيب: أخرجه أحمد (5/ 425) والطبراني في «الكبير» (20/ 350) رقم (822) من طريق أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ويل للأعقاب من النار» . وعلقه الترمذي في «العلل الكبير» (ص 35) عن أيوب بن عتبة به وقال الترمذي: سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث أبي سلمة عن معيقيب: ليس بشيء كان أيوب لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه، فلا أحدث عنه، وضعف أيوب بن عتبة جدا. اهـ. -

..

_ - والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 245) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه أيوب بن عتبة، والأكثر على تضعيفه اهـ. وأيوب بن عتبة ضعفه أحمد وابن معين، وابن المديني، والجوزجاني، ومسلم، والبخاري، والعجلي، وأبو حاتم وغيرهم، كما في «التهذيب» (1/ 408- 409) . وقال الذهبي في «المغني» (1/ 97) ، ضعفوه، لكثرة مناكيره. وقال الحافظ في «التقريب» (1/ 90) ، ضعيف. 7- حديث أبي ذر الغفاري: أخرجه عبد الرزاق (1/ 22) رقم (64) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن رجل، عن أبي ذر قال: أشرف علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن نتوضأ، فقال: «ويل للأعقاب من النار» فطفقنا نغسلها غسلا، وندلكها دلكا. وزاد نسبته السيوطي في «الأزهار المتناثرة» (ص 26) إلى سعيد بن منصور. 8- حديث خالد بن الوليد وشرحبيل، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان: أخرجه ابن ماجة (1/ 155) «كتاب الطهارة» ، باب غسل العراقيب، حديث (455) من طريق أبي صالح الأشعري، حدثني أبو عبد الله الأشعري، عن خالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص كل هؤلاء سمعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أتموا الوضوء ويل للأعقاب من النار» . والحديث قال البخاري كما في «علل الترمذي الكبير» (ص 35) : وحديث أبي عبد الله الأشعري «ويل للأعقاب من النار» حديث حسن اهـ. وصححه ابن خزيمة (665) . وقال البوصيري في الزوائد (1/ 182) ، هذا إسناد حسن، ما علمت في رجاله ضعفاء اهـ. 9- حديث أبي أمامة وأخيه: أخرجه الطبراني في «الكبير» (8/ 347) رقم (8109) من طريق علي بن مسهر، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة وأخيه قالا: أبصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوما يتوضئون، فقال: «ويل للأعقاب من النار» . وأخرجه الطبراني (8/ 347- 348) رقم (8110، 8111، 8112، 8114، 8115) من طرق عن ليث عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة- وحده- به. وأخرجه الدارقطني (1/ 108) كتاب «الطهارة» ، باب ما روي في فضل الوضوء حديث (4) والطبراني (8/ 348- 349) رقم (8116) من طريق عبد الواحد بن زياد عن ليث، عن عبد الرّحمن بن سابط، عن أبي أمامة، أو عن أخي أبي أمامة ... فذكره. وقال الهيثمي في «المجمع» (1/ 245) ، رواه الطبراني في «الكبير» من طرق ففي بعضها عن أبي أمامة وأخيه، وفي بعضها عن أبي أمامة فقط، وفي بعضها عن أخيه فقط ... ومدار طرقه كلها عن ليث بن أبي سليم وقد اختلط. اهـ. وحديث «ويل للأعقاب من النار» صرح السيوطي بتواتره في «الأزهار المتناثرة» (ص 26) رقم (16) وتبعه الشيخ أبو الفيض الكناني (ص 68، 69) وقال: وممن صرح بأنه متواتر الشيخ عبد الرءوف المناوي في «شرح الجامع الصغير» ، وشارح كتاب «مسلم الثبوت» في الأصول اهـ.

ومَنْ قرأ «وَأَرْجُلِكُمْ» - بالخَفْض-، فإنه أراد المَسْح على الخُفَّيْن «1» وهو أحد التأويلاتِ في الآية. انتهى، وهذا هو الذي صحَّحه في «أحْكَامِهِ» . والكلامُ في قوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ كما تقدَّم في قوله: إِلَى الْمَرافِقِ، وفي «صحيح مسلم» وغيره عن عُقْبَة بْنِ عامر، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يتوضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثِمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلاً عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة» ، فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدُ هذِهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمّدا عبده

_ (1) المسح في اللغة إمرار اليد على الشيء تقول: مسحت الشيء بالماء مسحا إذا أمررت اليد عليه، والمسح على الخفين شرعا إصابة البلة للخف الشرعي على وجه مخصوص، فقولنا: «إصابة» يشمل ما لو كانت بيده بأن أمرّ يده وهي مبتلّة على الخف، أو قطر الماء عليه منها، أو وضعها عليه من غير إمرار، وهي مبتلة، أو غيرها كأن أصاب المطر الخفّ فابتلّ مع نية لابسه المسح بذلك. وقولنا: «للخف الشرعي» يخرج إصابتها لغيره، سواء كان ذلك الغير خفّا غير شرعي، أو لم يكن خفّا. وقولنا: «على وجه مخصوص» إشارة إلى الكيفية والشروط والمدة، وإلى النية، ولو حكما بأن يقصد بمسحه رفع حدث الرجلين بدلا عن غسلهما، فخرج ما لم يكن كذلك. والخف لغة مجمع فرس البعير «والفرس للبعير كالحافر للفرس» وقد يكون للنعام، سوّوا بينهما للتّشابه، وجمعه: أخفاف كقفل وأقفال، والخف أيضا واحد الخفاف التي تلبس، وجمعه: خفاف ككتاب للفرق بينه وبين ما للبعير، وفي «اللسان» أنه يجمع على خفاف وأخفاف أيضا، ويقال: تخفّف الرجل إذا لبس الخفّ في رجليه. وخفّ الإنسان ما أصاب الأرض من باطن قدميه، والخف أيضا القطعة الغليظة من الأرض. وشرعا: السّاتر للقدمين إلى الكعبين من كل رجل من جلد ونحوه، والمستوفي للشروط. هذا وعبر النووي بالخف وعبر شيخ الإسلام بالخفين وقال: هو أولى من تعبيره بالخف، لأنه يوهم جواز المسح على خف رجل، وغسل الأخرى، وليس كذلك، فكان الأولى أن يعبر بالخفين، ويمكن أن يوجه تعبيره بالخف بأن «أل» فيه للجنس، فيشمل ما لو كان له رجل واحدة لفقد الأخرى، وما لو كان له رجلان فأكثر، وكانت كلها أصلية، أو كان بعضها زائدا، أو اشتبه بالأصلي، أو سامت به، فيلبس كلّا منها خفّا، ويمسح على الجميع. وأما إذا لم يشتبه، ولم يسامت، فالعبرة بالأصلي دون الزائد، فيلبس الأول خفّا دون الثاني، إلا أن توقّف لبس الأصلي على الزائد، فيلبسه أيضا. أو أنها للعهد الشرعي، أي الخف المعهود شرعا وهو الاثنان. قال علي الشبراملي: وهذا الجواب أولى من الأول لأنه لا يدفع الإيهام لأن الجنس كما يتحقق في ضمن الكل، كذلك يتحقق في ضمن واحدة منهما. أما تعبير شيخ الإسلام بالخفين فإنه يرد عليه أيضا أنه لا يشمل الخف الواحد فيما لو فقدت إحدى رجليه، إلا أن يقال: إنه نظر للغالب وقال القليوبي: ويطلق الخفّ على الفردتين، وعلى إحداهما. فعلى هذا استوت العبارتان. ينظر: «المغرب» (2/ 266) ، و «لسان العرب» (6/ 4196) ، وينظر: «بدائع الصنائع» (1/ 99) ، و «المدونة» (1/ 41) ، و «الأم» (1/ 29) ، و «المغني» (1/ 268) ، و «المحلى» (1/ 92) .

وَرَسُولُهُ إلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ» ، وأخرجه الترمذيُّ من حديثِ أَبِي إدْرِيسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن عمر، زاد في آخره: «اللَّهُمَّ، اجعلني مِنَ التَّوَّابِينَ، واجعلني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» «1» . انتهى مختصراً. واختلَفَ اللغويُّونَ في الْكَعْبَيْنِ. والجمهورُ على أنهما العَظْمَانِ الناتِئَانِ في جنبتي «2» الرجل.

_ (1) أخرجه مسلم كتاب «الطهارة» ، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، حديث (234) ، وأحمد (1/ 19، 4/ 145- 146، 153) وأبو داود (1/ 29) كتاب «الطهارة» ، باب ما يقول الرجل إذا توضأ حديث (169، 170) ، والنسائي (1/ 92- 93) كتاب «الطهارة» ، باب القول بعد الفراغ من الوضوء، والدارمي (1/ 182) كتاب «الطهارة» ، باب القول بعد الوضوء، وأبو يعلى (1/ 162) رقم (180) . (2) والكعبان هما: العظمان الناتئان، من جانبي القدمين، عند مفصل الساق والقدم. هذا مذهب الشافعية، وبه قال الجمهور من المفسرين، وأهل الحديث، وأهل اللغة، والفقهاء. وقال محمد: الكعب: هو موضع الشّراك على ظهر القدم وحكى هذا عن أبي يوسف، وبه قالت الإمامية من الشيعة، وقيل عنهم: قالوا: في كل رجل كعب واحدة «وهي عظم مستقر في وسط القدم» . وقال الفخر الرازي: إن الكعب عند الشيعة: عبارة عن عظم مستدير، موضوع تحت عظم الساق، حيث يكون مفصل الساق والقدم. ودليلنا عليهم: الكتاب، والسنة، والإجماع، واللغة، والاشتقاق: أما الكتاب: فقوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] وهذا يقتضي أن يكون في كل رجل كعبان، وهو لا يكون إلا على مذهبنا، فلو كان في كل رجل كعب واحدة- كما قالوا- لقال: «إلى الكعاب» كما قال: إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: 6] . وأمّا السّنة: أولا: ما رواه مسلم، عن عثمان- رضي الله تعالى عنه- في صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثمّ اليسرى كذلك» . ثانيا: ما رواه أبو داود، والبيهقي، وغيرهما بأسانيد جيدة، عن النعمان بن بشير- رضي الله عنه- أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقبل علينا بوجهه، وقال: «أقيموا صفوفكم» فلقد رأيت الرّجل منّا يلصق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه» ، وموضع الدلالة منه: قوله: «يلصق كعبه بكعب صاحبه» وهذا لا يكون إلا في الكعب الذي قلنا. ثالثا: ما روي: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لجابر بن سليم رضي الله عنه: «ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين» ، فدل على أن الكعبين أسفل الساق، لا ما قالوا من ظاهر القدم. وأما الإجماع: فما قال الشافعي في «الأم» : «ولم أسمع مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكر الله عز وجل: في الوضوء الكعبان الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم. وأما اللغة: فقال الماورديّ: حكي عن قريش كلهم، ولا يختلف لسانهم- أن الكعب: اسم للناتىء بين الساق والقدم، قال: وهم أولى بأن يعتبر لسانهم في الأحكام من أهل «اليمن» لأن القرآن نزل بلغتهم. وأما الاشتقاق: فهو أن الكعب: اسم لما استدار وعلا، وهو مشتق من التكعب، وهو النتوء مع الاستدارة ولذلك قالوا: كعب ثدي الجارية، إذا استدار وعلا، ويقال: جارية كاعب، إذا أنهد ثديها-

وألفاظُ الآيةِ تقتضِي المُوَالاَةَ بَيْن الأعضاء، قال مالك: هو فرضٌ مع الذِّكْر، ساقِطٌ مع النِّسْيان، وروى الدَّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ على وُضُوئِهِ، كَانَ طُهُوراً لِجَسَدِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَذْكُرِ اسم اللَّهِ على وُضُوئِهِ كَانَ طُهُوراً لأعْضَائِهِ» «1» . انتهى من «الكوكب الدري» . وكذلك تتضمَّن ألفاظ الآيةِ الترتيبَ، وفَاطَّهَّرُوا أمر لواجد الماء عند الجمهور،

_ - (أي: استدار وعلا) ، ومنه سميت الكعبة كعبة لاستدارتها، وهذه صفة الكعب الذي قلناه لا الذي قالوه. فإن قيل: البهائم لها في كل رجل كعب واحد، فكذلك الآدمي، قلنا: خلقة الآدمي خلاف خلقة البهيمة لأن كعب البهيمة فوق ساقها، وكعب الآدمي في أسفله، فلا يلزم اتفاقهما، فليس لهؤلاء المخالفين حجة تذكر. وإذا علم أن الكعبين ما ذكر، نقول: لا خلاف عندنا في أنه يجب إدخال الكعبين مع القدمين في الغسل، فهما من محل الفرض وبه قال الجمهور، وخالف فيه زفر، وأبو بكر ابن داود، وقالا: لا يجب غسل الكعبين. ودليلنا: أولا: قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6] ، تقريره: أن «إلى» إن كانت بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ [البقرة: 14] ، أي: مع شياطينهم، وكقوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: 52] أي: مع الله، فدخول الكعبين في محل الفرض ظاهر، وإن كانت حدّا وغاية، فقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود، دخل في جملته، وإن كان من غير جنسه لم يدخل، ألا تراهم يقولون: بعتك الثوب من الطرف إلى الطرف، فيدخل الطرفان في المبيع لأنهما من جنسه، وما معنا الحد فيه من جنس المحدود، فيكون الكعبان داخلين في محل الفرصة وأيضا الإجماع، والاحتياط، وعدم إمكان بيان فاصل بين الكعبين والقدم- قرائن على دخولهما. وثانيا: ما رواه مسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه توضأ، فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ، فثبت غسله صلّى الله عليه وسلّم للكعبين، وفعله بيان للوضوء المأمور، ولم ينقل تركه ذلك. واحتجوا أولا: بأن «إلى» لانتهاء الغاية، وما يجعل غاية يكون خارجا، ولذلك لم يدخل إمساك الليل في جملة الصيام في قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: 187] فلم يدخل غسل الكعبين في جملة الغسل. قلنا أولا: إنما لم يدخل إمساك الليل في جملة الصيام لأنه ليس من جنس النهار، بخلاف ما معنا، وثانيا: قيام القرينة على خروج الليل، وهي عدم وجوب الوصال في الصوم. واحتجوا ثانيا: بأن خروج الكعبين متيقن، ودخولهما مشكوك فيه، فيقدم اليقين على الشك. قلنا أولا: لا نسلم أن الشك موجود، فإنه قد رفع بالإجماع على وجوب غسل الكعبين، ولو سلم فالاحتياط أولى. ينظر: «المسح على الخفين» لشيخنا/ محمد سيد أحمد. (1) أخرجه الدارقطني (1/ 74) ، كتاب «الطهارة» ، باب التسمية على الوضوء.

وقال عمرُ بْنُ الخطَّاب وغيره: لا يتيمَّمِ الجُنُبُ ألبتَّة، بل يدع/ الصلاةَ حتى يجد الماء «1» . وقوله سبحانه: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ... الآية: الإرادة صفَةُ ذاتٍ، وجاء الفعْلُ مستقبلاً مراعاةً للحوادِثِ التي تَظْهَرُ عن الإرادة، والحَرَجُ: الضِّيق، والحرجة: الشَّجرُ الملْتَفُّ المتضايقُ، ويَجْرِي مع معنى هذه الآية قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ» ، وقوله- عليه السلام-: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» «2» ، وجاء لَفْظُ الآية على العُمُومِ، والشَّيْءُ المذكُورُ بقُرْبٍ هو أمر التيمُّمِ، والرُّخْصَة فيه، وزوالُ الحَرَجِ في تحمُّل الماءِ أبداً ولذلك قال أُسَيْدٌ: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» «3» . وقوله سبحانه: وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ... الآية: إعلامٌ بما لا يوازى بشكر من عظيم تفضّله تبارك وتعالى، ولَعَلَّكُمْ: ترَجٍّ في حقِّ البَشَرِ، وفي الحديثِ الصحيحِ عن أبِي مالك الأشعريِّ «4» ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن، أو تملأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» ، رواه مُسْلِم، والترمذيُّ، وفي روايةٍ له: «التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» ، وزاد في رواية أخرى: «وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ لَيْسَ لَهَا دُونَ اللَّهِ حجاب حتّى تخلص إليه» «5» . انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 165) . (2) تقدم تخريجه. (3) ذكره ابن عطية (2/ 165) . (4) كعب بن مالك، وقيل: كعب بن عاصم قال ابن حجر في الإصابة: قال سعيد البردعي: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: أبو مالك الأشعري اسمه: عمرو. تنظر ترجمته في: «الاستيعاب» (4/ 1445) ، «تلقيح فهوم أهل الأثر» (367) ، «الكاشف» (3/ 373) ، «الإصابة» (7/ 168) ، «تهذيب التهذيب» (12/ 218) ، «الكنى والأسماء» (1/ 52، 188) ، «تقريب التهذيب» (2/ 468) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1643) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 199) ، «أسد الغابة» (6/ 272) . (5) أخرجه مسلم (1/ 203) كتاب «الطهارة» ، باب فضل الوضوء، حديث (1/ 223) ، والنسائي (5/ 5) كتاب «الزكاة» ، باب وجوب الزكاة، وابن ماجة (1/ 102- 103) كتاب «الطهارة» ، باب الوضوء شطر الإيمان، حديث (280) والدارمي (1/ 167) كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في الطهور، وأبو عوانة (1/ 223) ، وابن أبي شيبة (1/ 6) والطبراني في «الكبير» (3/ 322) رقم (3423، 3424) والبيهقي (1/ 42) كتاب «الطهارة» ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 250، 251- بتحقيقنا) عن أبِي مالك الأشعريِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر-

[سورة المائدة (5) : الآيات 7 إلى 10]

[سورة المائدة (5) : الآيات 7 الى 10] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ ... الاية: خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ: اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ: هو ما وقع للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» ، هذا قولُ ابنِ عبَّاس «1» وجماعةٍ من المفسِّرين. وقال مجاهدٌ: المرادُ: الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم- عليه السلام-. والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي «2» الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه «بهجة المجالس» : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» «3» ، وعن ابن عباس مثله. انتهى [سورة المائدة (5) : آية 11] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ... الآية:

_ - يملآن ما بين السماء وَالأرْضِ، وَالصَّلاَةُ نورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، والقرآن حجة لك أو عليك، وكل الناس يغدو فبعتقها أو موبقها» . (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 165) . [.....] (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 165) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 469) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد. (3) أخرجه أبو يعلى (6/ 66) رقم (3316) من حديث أنس، وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 214) وقال: رواه أبو يعلى، والطبراني في «الأوسط» ، وفيه سهيل بن أبي حزم، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. والحديث ذكره المتقي الهندي في «كنز العمال» (10416) ، وعزاه إلى أبي يعلى، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» ، والبيهقي في «البعث» ، وابن عساكر، عن أنس.

[سورة المائدة (5) : الآيات 12 إلى 13]

خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا: نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا: مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حجرا يشدخه، فجاء جبريل، فأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فقام صلّى الله عليه وسلّم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونقضهم المواثيق. [سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 13] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً: هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى- تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في/ أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره: هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى «1» . قال ع «2» : ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في مَعَكُمْ، لبني إسرائيل، أيْ: معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله: لَئِنْ: هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله: لَأُكَفِّرَنَّ والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ: أنَّهَا قد يستغنى عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ: توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا: شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: معناه: وقّرتموهم، وعظّمتموهم،

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 472) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة بنحوه. (2) ينظر ابن عطية في «المحرر الوجيز» (2/ 168) .

[سورة المائدة (5) : آية 14]

ونَصَرْتُموهم، وقرأ عاصمٌ «1» الجَحْدَرِيُّ: «وَعَزَرْتُمُوهُمْ» - خفيفة الزاي- حيثُ وقع، وقرأ في «سورة الفتحِ» : «وتَعْزُرُوهُ» - بفتح التاء، وسكونِ العينِ، وضمِّ الزاي-، وسَواءُ السَّبِيلِ: وَسَطُه، وسائرُ ما في الآية بَيِّن، واللَّه المستعان. وقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ... الاية: أيْ: فبنقضِهِمْ، والقَسْوَةُ: غَلِظ القَلْب، ونُبُوُّهُ عن الرِّقَّة والمَوْعِظَة، وصَلاَبَتُهُ حتى لا ينفعلَ لخَيْرٍ. وقوله تعالى: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ: نصٌّ على سوءِ فِعْلِهِمْ بأنفسهم، أي: قد كان لهم حظٌّ عظيمٌ فيما ذُكِّروا به، فَنَسُوه، وتركُوه، ثم أخبر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنه لا يَزَالُ في مستأْنَفِ الزَّمان يطَّلع على خائِنَةٍ منهم، وغائلةٍ، وأمورٍ فاسدةٍ. قالت فرقة: خَائِنَة: مصدرٌ، والمعنى: على خِيَانَةٍ، وقال آخرون: معناه: على فرْقَةٍ خائِنَةٍ، فهي اسمُ فاعلٍ صفةٌ لمؤنَّث. وقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ: منسوخٌ بما في «براءة» ، وباقي الآية بيِّن. [سورة المائدة (5) : آية 14] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) وقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: «مِنْ» : متعلِّقة ب أَخَذْنا، التقديرُ: وأخذْنَا مِنَ الذين قالُوا: إنَّا نصارى ميثاقَهُمْ، ويحتملُ أنْ تكون معطوفةً على خائِنَةٍ مِنْهُمْ، والأولُ أرجَحُ، وعلَّق قولهم: «نصارى» بقولهم ودعواهم مِنْ حيث هو اسمٌ شرعيٌّ يقتضي نَصْرَ دينِ اللَّه، وسَمَّوْا به أنفُسَهُمْ دُون استحقاق. وقوله سبحانه: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ: أي: أثبتْنَاها بيْنَهم وألْصَقْنَاها، والإغْرَاءُ: مأخوذ من الغِرَاءِ الذي يُلْصَقُ به، وقال البُخَارِيُّ: الإغراءُ: التسليط. انتهى. والضمير في بَيْنَهُمُ يحتملُ أنْ يعود على اليَهُودِ، والنصارى لأنَّ العداوةَ بَيْنهم موجودةٌ مستمرَّةٌ، ويحتملُ أن يعود على النصارى فقطْ لأنها أُمَّة متقاتِلَةٌ بينها الفِتَنُ إلى يَوْم القيامة، ثم توعَّدهم بعذابِ الآخرة إذْ صُنْعهم كُفْرٌ يوجب الخُلُود في النار.

_ (1) ورويت عن عمر بن الخطاب كما في الشواذ (ص 38) ، وينظر: «المحتسب» (1/ 208) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 168) ، و «البحر المحيط» (3/ 460) ، و «الدر المصون» (2/ 500) .

واعلَمْ (رحمك اللَّه) أنه قَدْ جاءَتْ آثارٌ صحيحةٌ في ذَمِّ الشحناءِ والتباغُضِ والهِجْرَانِ لغَيْر موجِبٍ شرعيٍّ، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنَ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيه شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا» ، وفي روايةٍ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ خَمِيسٍ واثنين، فَيَغْفِرُ اللَّهُ فِي ذلك اليوم/ لكلّ امرئ لاَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً ... » الحديث «1» . انتهى. وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، قال: «لاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُهَاجِرَ مُسْلِماً فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَإنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا على صِرَامِهِمَا، فَأَوَّلُهُمَا فَيْئاً يَكُونُ سَبْقُهُ بِالفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ، وَإنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلاَمَهُ، رَدَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ، وَرَدَّتْ عَلَى الآخَرِ الشَّيَاطِينُ، وإذَا مَاتَا على صِرَامِهِمَا، لَمْ يَدْخُلاَ الجَنَّةَ» ، أُرَاهُ قَالَ: أَبَداً «2» . انتهى، وسنده جيِّد، ونصَّه قال ابن المبارك: أخبرنا شعبةُ عَنْ يزيدَ الرِّشْكِ «3» ، عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ «4» ، قَالَتْ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عامر «5» يقول: سمعت

_ (1) أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 908- 909) ، كتاب «حسن الخلق» ، باب ما جاء في المهاجرة، حديث (17) ومسلم (4/ 1986) كتاب «البر والصلة» ، باب النهي عن الشحناء والتهاجر، حديث (35/ 2565) من حديث أبي هريرة. (2) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 271) رقم (784) والبخاري في «الأدب المفرد» (402) ، وأحمد (4/ 20) ، وابن حبان (5664) من طريق يزيد الرشك، عن معاذة العدوية، عن هشام بن عامر به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (8/ 69) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحمد رجال الصحيح. (3) يزيد بن أبي يزيد الضّبعي بضم المعجمة مولاهم أبو الأزهر البصري الذارع القسّام الرّشك بكسر المهملة وإسكان المعجمة. عن: مطرّف بن الشّخّير. وعنه: شعبة، ومعمر. وثقه أبو حاتم. قال ابن منجويه: مات سنة ثلاثين ومائة. له في (البخاري) فرد حديث. ينظر: «الخلاصة» (3/ 179) . (4) معاذة بنت عبد الله العدويّة أم الصّهباء البصرية العابدة، عن علي وعائشة، وعنها أبو قلابة ويزيد الرّشك وأيوب وعاصم الأحول وطائفة، قال ابن معين: ثقة حجة، قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي الليل، وتقول: عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور، قال ابن الجوزي: توفيت سنة ثلاث وثمانين. ينظر: «الخلاصة» (3/ 393) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1698) ، «الكاشف» (3/ 481) ، «أعلام النساء» (5/ 60) ، «سير الأعلام» (4/ 508) . (5) هشام بن عامر بن أمية بن الحسحاس بمهملات ابن مالك. عن عامر بن غنم بن عدي بن النّجّار الأنصاري النّجّاري، صحابي نزل البصرة، له أحاديث، انفرد له مسلم بحديث. وعنه ابنه سعد ومعاذة العدوية. -

[سورة المائدة (5) : الآيات 15 إلى 17]

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذكر الحديثَ. وقوله: «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ» : ليس على ظاهره، أيْ: لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار. [سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 17] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وقوله سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ... الآية: أهْلُ الكتابِ: لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مهاجره، وفي إعلامه صلّى الله عليه وسلّم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ- دليلٌ على صحَّة نبوَّته لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: أي: لم يفْضَحْهم فيه إبقاءً عليهم، والضمير في يَعْفُوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وكِتابٌ مُبِينٌ: هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى- عليه السلام-، والتوراةُ: أي: لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، وسُبُلَ السَّلامِ: أي: طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا اسما من أسماءِ اللَّه عزّ وجلّ، فالمعنى: طرق الله، والظُّلُماتِ: الكفر، والنُّورِ: الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر. وقوله سبحانه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ: أيْ: لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ. وقوله سبحانه: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ: إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير

_ - ينظر: «الخلاصة» (3/ 114) ، «الكاشف» (3/ 222) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1440) ، «تهذيب التهذيب» (11/ 42) .

[سورة المائدة (5) : آية 18]

والد، بل اختراعاً كآدم- عليه السلام-. وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: عُمُومٌ معناه الخُصُوصُ فيما عدا الذَّات، والصفاتِ، والمحالاتِ. [سورة المائدة (5) : آية 18] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) وقوله سبحانه: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... الآية: البُنُوَّة في قولهم هذا: بنوةُ الحَنَانِ والرأفة، لأنهم ذكروا أن اللَّه سبحانه أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلّوا بذلك، وقالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، ولو صح ما رَوَوْا، لكان معناه: بِكْراً في التشريف أو النبوَّة، ونحوه، وكانت هذه المقالة منهم عند ما دعاهم النبيُّ- عليه السلام- إلى الإيمان به، وخوفِهِم العذابَ، فقالوا: نحن لا نخافُ ما تقول لأنا أبناء اللَّه وأحبَّاؤه ذكر ذلك ابن عباس «1» ، وقد كانوا قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في غير ما موطنٍ: نحن نَدْخل النار، فنقيم فيها أربعين يوماً، فردَّ اللَّه عليهم قولهم، فقال لنبيه- عليه السلام-: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ/ بِذُنُوبِكُمْ: أي: لو كانتْ منزلتكم منه فوق منازِلِ البَشَر، لَمَا عذَّبكم، وأنتم قد أقررتم أنه يعذِّبكم، ثم ترك الكلامَ الأوَّل، وأضرب عنه غَيْرَ مفسدٍ له، ودخل في غيره، فقال: بَلْ أنتم بشَرٌ كسائر الناسِ، والخلقُ أكرمُهم عند اللَّه أتقاهم، يهدي من يشاء للإيمان، فيغفرُ له ويُورِّطُ من يشاء في الكُفْر، فيعذِّبه، وله ملك السموات والأرض وما بينهما، فله بحق المُلْك أنْ يفعل ما يشاء، ولا معقِّب لحُكْمه، وإليه مصير العباد بالحشر والمعاد. [سورة المائدة (5) : آية 19] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وقوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ: يعني: اليهودَ والنصارى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا: محمد- عليه السلام-. وقوله: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ: أي: على انقطاعٍ من مجيئهم مدَّةً ما، والفترة:

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 505) (11616) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 172) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 476) ، وعزاه لابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس.

[سورة المائدة (5) : الآيات 20 إلى 22]

سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال- عليه السلام-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ» ، وفي الصحيح أنَّ الفترة التي كانت بين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ قاله ابن عَبَّاس «1» . وقوله: أَنْ تَقُولُوا: معناه: حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وقامتِ الحُجَّة عليكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الهادي والمضلّ لا ربّ غيره. [سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 22] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ... الآية: المعنى: واذكُرْ لهم، يا محمَّد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً، أي: فيكم ملوكاً لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، وَآتاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، قال مجاهد: هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام «2» ، وقال غيره: كثرة الأنبياء وعلى هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم لأنَّ ما أوتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من آيات الله أكثر من ذلك، والْمُقَدَّسَةَ معناه: المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله «3» ، وقال قتادة: هي الشام «4» ، ...

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 507) (11619) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 173) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 476) وعزاه لابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 511) (11642) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 24) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 478) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد. [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 511) (11649) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 174) . (4) . أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 513) (11650) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 478) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.

[سورة المائدة (5) : الآيات 23 إلى 26]

قال «1» الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ. قال ع «2» : وتظاهرت الرواياتُ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل أنهم تعنّتوا ونكصوا، فقالوا: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، والجَبَّار: من الجَبْر كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر حتى اعوجّ أمر بني إسرائيل، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: 24] ، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يوفتّا/، ويقال فيه: «كالوث» (بثاء مثلّثة) . [سورة المائدة (5) : الآيات 23 الى 26] قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قالَ رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26) وقوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ... الآية: عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل: المعنى: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ «3» ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى» ، ولما

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 513) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 174) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 521) (11685) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 25) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 176) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 480) ، وعزاه لأحمد عن طارق بن شهاب.

[سورة المائدة (5) : الآيات 27 إلى 30]

سَمِعَ موسى- عليه السلام- قولهم، ورأى عصيانهم، تبرَّأ إلى اللَّه منهم، وقال داعياً عليهم: رَبِّ إِنِّي لآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، يعني: هارونَ. وقوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا: دعاء حرجٍ، والمعنى: فافرق بيننا وبينهم حتى لا نشقى بفسقهم، قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أي: قال اللَّه، وحرَّم اللَّه تعالى على بني إسرائيل دخولَ تلك المدينة أربعين سنةً يتيهونَ في الأرض، أي: في أرض تلك النازلة، وهو فَحْص التيه وهو على ما يحكى: طولُ ثلاثين ميلاً «1» ، في عَرْضِ ستَّةِ فراسِخَ، ويروى أنه لم يدخلِ المدينةَ أحد من ذلك الجِيلِ إلاَّ يُوشَعَ، وكَالُوث، وروي أنَّ يُوشَعَ نُبِّىءَ بعد كمالِ الأربعين سنَةً، وخرَجَ ببني إسرائيل من التيه، وقاتل الجَبَّارين، وفتح المدينةَ، وفي تلك الحَرْب، وقفَتْ له الشمسُ ساعةً، حتى استمرَّ هزم الجبَّارين، والتيه: الذَّهَاب في الأرض إلى غير مقصِدٍ معلوم. وقوله تعالى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ معناه: فلا تحزَنْ، والخطابُ بهذه الآية لموسى- عليه السلام-، قال ابنُ عباس: ندم موسى على دعائه على قومه، وحزن عليهم، فقال الله له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «2» . [سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 30] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) وقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ... الآية: اتل: معناه: اسرد وأَسْمِعْهم إياه، وهذه مِنْ علوم الكتب الأُوَلِ، فهي مِنْ دلائل نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم إذْ هي من غامِضِ كتب بني إسرائيل. قال الفَخْر «3» : وفي الآية قولان: أحدهما: اتل على الناس. والثاني: اتل على أهْلِ الكتابِ. انتهى.

_ (1) الميل من الأرض: قدر منتهى مد البصر، وهو ثلث الفرسخ. وهو مقياس للطول قدّر قديما بأربعة آلاف ذراع، وحديثا بستين وسبعمائة وألف ياردة. ينظر: «لسان العرب» (4311) ، و «المعجم الوسيط» (901) . (2) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (4/ 526) (11705) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 177) . (3) ينظر: «مفاتيح الغيب» (11/ 160) .

وابْنَيْ آدَمَ: هما لصلبه، وهما هَابِيلُ وقَابِيلُ، روت جماعة من المفسِّرين منهم ابن مسعود أنَّ سبب هذا التقريبِ أنَّ حوَّاء كانت تَلِدُ في كلِّ بطْن ذكراً وأنثى، وكان الذَّكَر يتزوَّج أنثَى البطْن الآخر، ولا تحلُّ له أخته توءمته، فولدَتْ مع قابيلَ أختاً جميلةً، ومع هابيلَ أختاً ليست كذلك، فلمَّا أراد آدم أن يزوِّجها من هَابِيلَ، قال قابيل: أنا أحَقُّ بأختي، فأمره آدم، فلم يأتمر، فاتفقوا على التَّقْريب، فتُقُبِّل قربانُ هابيلَ، ووجب أنْ يأخذ أخت قابيلَ فحينئذٍ: قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ «1» ، وقولُ هابيلَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ: كلامٌ، قبله محذوفٌ، تقديره: ولِمَ تقتلُنِي، وليس لي ذنُبٌ في قبول اللَّه قربانِي، وإنما يتقبَّل اللَّه من المتَّقين؟! وإجماع أهل السُّنَّة في معنى هذه الألفاظ: أنها اتقاء الشِّرْكِ، فمن اتقاه، وهو موحِّد، فأعماله التي تَصْدُقُ فيها نيتُه مقبولةٌ، وأما المتَّقِي للشرْكِ وللمعاصِي، فله الدرجةُ العليا من القَبُول/ والخَتْم بالرحمة، عُلمَ ذلك بإخبار اللَّه تعالى لا أنَّ ذلك يَجِبُ على اللَّه تعالى عقْلاً. قلتُ: قال ع: في معنى هذه الألفاظ (يعني حيث وقعت في الشرع) ، وأما في هذه الآية، فليس باتقاء شرك على ما سيأتي، وقولُ هابيلَ: مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ ... الآية: قال عبد اللَّه بن عمر، وجمهورُ النَّاس: كان هابيلُ أشَدَّ قوةً من قابيلَ، ولكنَّه تحرَّج «2» ، وهذا هو الأظهر. قال ع «3» : ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاصٍ، لا كافر لأنه لو كان كافراً، لم يكن للتحرّج هنا وجه، وتَبُوءَ: معناه: تمضِي متحمِّلاً، وقوله: بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ: قيل: معناه: بإثم قَتْلي وسائرِ آثامك، وقيل: المعنى: بإثمي الذي يختصُّ بي فيما فَرَط لي، وهذا تأويل يعضده قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بِالظَّالِمِ وَالمَظْلُومِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ، فَتُزَادُ فِي حَسَنَاتِ المَظْلُومِ حتى يَنْتَصِفَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أُخِذَ من سيّئات المظلوم، فتطرح عليه» «4» .

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 529) (11718) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 28) ، وابن عطية (2/ 179) والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 481) وعزاه لابن جرير، عن ابن مسعود، عن ناس من الصحابة. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 532) (11730) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 29) ، وابن عطية (2/ 179) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 484) وعزاه لابن جرير. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 179) . (4) تقدم تخريجه.

[سورة المائدة (5) : الآيات 31 إلى 32]

وقوله: وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يحتملُ: أن يكون مِنْ قول هابيلَ لأخيه، ويحتمل: أن يكون إخباراً من اللَّه تعالى لمحمَّد- عليه السلام-، قال الفَخْر: وقوله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ قال المفسرون: معناه: سَهَّلَتْ له نفسه قَتْل أخيه. انتهى. وقوله سبحانه: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ: أصْبَحَ: عبارةٌ عن جميعِ أوقاتِهِ، وهذا مَهْيَعُ كلامِ العرب ومنه: [المنسرح] أَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَح ... البَيْتَ «1» وقول سعد: فَأَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي «2» ، إلى غير ذلك مِن استعمال العرب، ومِنْ خسرانِ قابيلَ ما صحَّ، وثبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «مَا قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْماً إلاَّ كَانَ عَلَى ابن آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا» «3» وذلك لأنه أول من سنّ القتل. [سورة المائدة (5) : الآيات 31 الى 32] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) وقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً ... الآية: قيل: أصبح في ثاني يومٍ قتله يطلب إخفاء أَمْرِ قتله، فلم يَدْرِ ما يصنعُ به، فبعث اللَّه غراباً حيًّا إلى غرابٍ ميتٍ، فجعل يبحث

_ (1) صدر بيت للربيع بن ضبع الفزاري وعجزه: [المنسرح] ............... ... ... أملك رأس البعير إن نفرا ينظر: «المعجم» (1/ 321) ، «النوادر» (159) ، «أمالي المرتضى» (1/ 255) ، و «حماسة البحتري» ص (201) ، و «خزانة الأدب» (7/ 384) و «شرح التصريح» (2/ 36) و «الكتاب» (1/ 89) و «لسان العرب» (13/ 259) (ضمن) و «المقاصد النحوية» (3/ 398) وبلا نسبة في «الدر على النحاة» ص (114) و «شرح المفصل» (7/ 105) و «المحتسب» (2/ 99) ، «الدر المصون» (2/ 178) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 180) . [.....] (3) أخرجه البخاري (6/ 419) ، كتاب «أحاديث الأنبياء» (3335) وفي (12/ 198) كتاب «الديات» ، باب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها ... حديث (6867) ، وفي (13/ 314) كتاب «الاعتصام» ، باب إثم من دعا إلى ضلالة، حديث (7321) ومسلم (3/ 1303- 1304) ، كتاب «القسامة» ، باب بيان إثم من سن القتل، حديث (27/ 1677) من حديث ابن مسعود.

في الأرض، ويُلْقِي الترابَ على الغُرَاب الميِّت، وظاهرُ الآية أنَّ هابيلَ هو أول مَيِّتٍ من بني آدم، ولذلك جَهِلَ سُنَّة المواراةِ وكذلك حكى الطبريُّ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أَهْلِ العِلْمِ بما في الكُتُب الأَوَلِ، والسَّوْءَةُ: العورةُ، ويحتمل أن يراد الحالة التي تَسُوء النَّاظر، ثم إن قابيلَ وارى أخَاه، ونَدِمَ على ما كان منه مِنْ معصية في قَتْله، حيث لا ينفعه الندم. واختلف العلماء في قابيلَ، هل هو مِنَ الكُفَّار أو من العُصَاة، والظاهر أنه من العُصَاة، قال الفَخْر: ولم «1» ينتفعْ قابيلُ بندمه لأن نَدَمَهُ كان لأسبابٍ منها: سَخَط أبويه وإخوته، وعدمُ انتفاعه بقتله، وَنَحْوُ ذلك، ولما كان ندمه لهذه الأسبابِ لا لأجْلِ الخَوْف من اللَّه تعالى، فلا جَرَمَ لم ينفعْهُ هذا الندَمُ. وقوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ هو إِشارة إلى ما تضمَّنته هذه القصَّة من أنواع المفاسِدِ الحاصلة بسبب القَتْل الحرامِ، لا أنه إشارة إلى قصة قابيلَ وهابيلَ. انتهى. وقوله سبحانه: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: جمهورُ النَّاس على أن قوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ: متعلِّق بقوله: كَتَبْنا أي: من أجل هذه النازلة، ومِنْ جَرَّاها كتبنا، وقالَ قومٌ: بل هو متعلِّق بقوله: مِنَ النَّادِمِينَ أي: ندم من أجل ما وقع، والوقْفُ على هذا، على ذلِكَ، والناس على أن الوَقْف مِنَ النَّادِمِينَ، ويقال: فعلْتُ ذلك مِنْ أَجْلِكَ- بفتح الهمزة- ومِنْ إجْلِكَ- بكسرها-. وقوله سبحانه: بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: بغير أن تَقْتُلَ نفْسٌ نفْساً، والفسادُ/ في الأرض: يجمع الزنا، والارتداد، والحِرَابة. وقوله سبحانه: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً روي عن ابن عباس أنه قال: المعنى: مَنْ قتل نفساً واحدةً، وانتهك حرمتها، فهو مِثْلُ مَنْ قتل الناس جميعاٌ، ومَنْ ترك قتْلَ نفسٍ واحدةٍ، وصان حرمتها مخافَتِي، واستحياها، فهو كَمَنْ أحيا الناسَ جميعاً «2» ، قال الحسنُ وابْنُ زيدٍ: وَمَنْ أَحْياها أي: عفا عمَّن وَجَبَ له قتلُهُ بعد القدرة «3» ، وقيل غير هذا. ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسُلُ بالبيِّنات في هذا وفي سواه،

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (11/ 32) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 541) (11775) ، وذكره ابن عطية (2/ 182) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 490) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن ابن عباس. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 544) برقم (11792) عن ابن زيد، (11793) عن الحسن، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 182) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 33 إلى 34]

ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ في كلّ عصر يسرفون، ويتجاوزون الحدود. [سورة المائدة (5) : الآيات 33 الى 34] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) وقوله سبحانه: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية: روى أنس بن مالك وغيره: «أن الآية نزلَتْ في قومٍ مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فَأَسْلَمُوا، ثم إنهم مَرِضُوا، واستوخموا المدينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يَكُونُوا فِي لقَاح الصَّدَقَةِ، وَقَالَ: «اشربوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ، فخرَجُوا فِيهَا، فَلَمَّا صَحُّوا، قتلوا الرّاعي، واستاقوا الإبل، فبلغ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَبَرُهُمْ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُخِذُوا، قَالَ جميع الرّواة: فقطع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ «1» ، - ويروى: وَسَمَلَ «2» - وَتَرَكَهُمْ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ، فَلاَ يُسْقَوْنَ» ، فقيل: إن هذه الآية ناسخةٌ لفعْله صلّى الله عليه وسلّم بالعُرَنِيِّينَ، ووقَف الأمْر على هذه الحدودِ. وقال جماعةٌ: إنها غير ناسخةٍ لذلك الفعْل لأن العرنيين مرتدّون، لا سيّما، وفي

_ (1) أخرجه البخاري (1/ 400) في الوضوء: باب أبوال الإبل (233) و (3/ 428) في الزكاة، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل (1501) ، و (6/ 177) في الجهاد والسير، باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق؟ (3018) ، (7/ 524) في المغازي، باب قصة عكل وعرينة (4192، 4193) ، (8/ 123) في التفسير، باب إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا ... (4610) ، و (10/ 149) في الطب، باب الدواء بأبوال الإبل (5686) ، وباب من خرج من أرض لا تلايمه (5727) ، و (12/ 111) في الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة (6802) ، وباب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا (6804) وباب سحر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعين المحاربين (6805) ، وفي الديات، باب القسامة (6899) ، ومسلم (3/ 1296- 1298) في القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين (1409/ 1671) ، وأبو داود (2/ 534) في الحدود، باب ما جاء في المحاربة (4364- 4368) ، والنسائي (1/ 158) في الطهارة، باب بول ما يؤكل لحمه، و (7/ 93- 100) في تحريم الدم. باب قول الله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ ... ، باب اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس بن مالك فيه. باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح على يحيى بن سعيد في هذا الحديث، وأحمد (3/ 163، 170، 198، 233) . (2) أي: فقأها بحديدة محماة أو غيرها، وقيل: هو فقؤها بالشوك. ينظر: «النهاية» (2/ 403) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 35 إلى 37]

بعض الطُّرُق أنهم سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ، وقالوا: هذه الآيةُ هي في المحارِبِ المُؤْمِنِ. قال مالك: المُحَارِبُ عندنا: مَنْ حَمَلَ على الناس السلاحَ فِي مِصْرٍ أو بَرِّيَّةٍ، فكابرهم عن أنفسهم وأموالهم، دون نَائِرَةٍ «1» ، ولا دَخلٍ، ولا عداوةٍ وبهذا القولِ قال جماعةٌ من أهل العِلْمِ، قالوا: والإمامُ مخيَّرٌ فيه بأن يعاقبه بما رأى مِنْ هذه العقوبات، فأما قَتْلُ المحارِبِ، فبالسَّيْف ضربةً للعنُق، وأما صَلْبه، فبعد القتْلِ عند جماعة، وقال جماعة: بل يُصْلَبُ حيًّا، ويُقْتلُ بالطعن على الخَشَبة، وروي هذا عن مالك، وهو الأظهر من الآيةِ، وهو الأنكى في النكال، وأما القَطْع، فاليد اليمنى من الرُّسْغ والرِّجْل الشِّمال من المَفْصِلِ. وقوله سبحانه: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: الظاهر: أن الأرض في هذه الآية هي أرضُ النازلة، وقد جنب الناس قديماً الأرض التي أصابُوا فيها الذُّنُوب ومنه حديثُ الذي نَاءَ بصَدْره نحو الأرْضِ المقدَّسة، وينبغي للإمام، إنْ كان هذا المحارِبُ المنفيُّ مخُوفَ الجانِبِ، يظنُّ به أن يعود إلى حِرابةٍ وإفسادٍ- أنْ يسجنه في البلد الذي يغرب إلَيْهِ، وإنْ كان غير مخُوفِ الجانبِ، ترك مسرَّحاً، وهذا هو صريحُ مذهب مالك. وقوله تعالى: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا ... الآية: إشارة إلى هذه الحدود التي تُوقَعُ بهم، فيحتمل الخزي لمن عوقب، وعذاب الآخرة لمن سَلِمَ في الدنيا، وبالجملة فهم في المشيئة. وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ... الآية: استثنى عز وجل التائِبَ قبل أنْ يُقْدَرَ عليه، وأخبر سبحانه بِسُقُوطِ حقوقِهِ عنْه بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، والعلماءُ على أن الآية في المؤمنين، ويؤخذ المحارِب بحقوقِ/ الناسِ، وإن تاب هذا هو الصحيح. [سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 37] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ... الآية: هذه الآية

_ (1) النائرة: الحقد والعداوة. والدّخل: ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم. ينظر: «لسان العرب» (1342) ، (4593) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 38 إلى 40]

وعْظٌ من اللَّه تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعْظ لأنه يرد على النفوس، وهي خائفةٌ وجِلَةٌ وَابْتَغُوا: معناه: اطلبوا، والْوَسِيلَةَ: القربة، وأما الوسيلة المطلوبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فهي أيضاً من هذا لأن الدعاء له بالوسيلةِ والفضيلةِ إنما هو أنْ يُؤْتَاهُما في الدنيا، ويتَّصف بهما، ويكونُ ثمرةُ ذلك في الآخرةِ التشفيعَ في المَقَامِ المحمودِ، قلْتُ: وفي كلامه هذا ما لا يخفى، وقد فسر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الوسيلةَ التي كان يَرْجُوها من ربه، «وأَنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ... » «1» الحديث، وخص سبحانه الجهادَ بالذكْر، وإن كان داخلاً في معنى الوسيلة تشريفاً له إذ هو قاعدةُ الإسلام. وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ: إخبار بأنهم يتمنَّوْنَ هذا، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن: إذا فَارَتْ بهم النارُ، قَرُبُوا من حاشيتها، فحينئِذٍ يريدونَ الخُرُوجَ، ويطمعون به «2» ، وتأوَّل هو وغيره الآية على هذا قلْتُ: ويؤيِّده ما خرّجه البخاريّ في رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «حَيْثُ أَتَاهُ آتيَانِ، فَأَخَذَا بِيَدِهِ» ، وفيه: «فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رمى الرجل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ» ، وفيه أيضاً: «فَانْطَلَقْنَا إلى ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإذَا اقترب، ارتفعوا، فَإذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالاَ: انطلق ... » «3» الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاءِ الكفَّار أنهم ليسوا بخارجين من النار، بل عذابهم فيها مقيم مؤبّد. [سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) وقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ... الآيةَ: قلت «4» : المسروق: مال أو غيره.

_ (1) تقدم تخريجه. (2) ذكره ابن عطية (2/ 187) . (3) هو حديث المعراج الطويل، وسيأتي تخريجه في موضعه. (4) السرقة: بفتح السين، وكسر الراء، ويجوز إسكان الرّاء، مع فتح السين، وكسرها يقال: سرق بفتح الراء، يسرق بكسرها سرقا، وسرقة، فهو سارق، والشيء مسروق، وصاحبه مسروق منه، فهي لغة: أخذ الشيء من الغير خفية، أي شيء كان. واصطلاحا:

فشرط المال: أنْ يكون نصاباً، بعد خروجه، مملوكاً لغير السارقِ، ملكاً محترماً، تامًّا، لا شُبهة «1» له فيه، مُحْرَزاً، مُخْرَجاً منه إلى ما ليس ...

_ - عرفها الشافعية: بأنها أخذ المال خفية ظلما، من غير حرز مثله بشروط. وعرفها المالكية: بأنها أخذ مكلّف حرّا لا يعقل لصغره، أو مالا محترما لغيره نصابا، أخرجه من حرزه، بقصد واحد خفية لا شبهة له فيه. وعرفها الحنفية: بأنها أخذ مكلف عاقل بالغ خفية قدر عشرة دراهم. وعرفها الحنابلة: بأنها أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله. ينظر: «الصحاح» (4/ 1496) ، «المغرب» (1/ 393) ، «المصباح» (1/ 419) ، «تهذيب الأسماء» للنووي (2/ 148) ، «درر الحكام» (2/ 77) ، «ابن عابدين» (4/ 82) ، «مغني المحتاج» (4/ 158) ، «المغني» لابن قدامة (9/ 104) ، «كشاف القناع» (6/ 129) ، «الخرشي على المختصر» (8/ 91) . (1) وإلى ذلك ذهب جماهير الفقهاء فلا يقطع الوالد مثلا من سرقته مال ولده. وخالفهم الظاهرية، وأبو ثور، وابن المنذر فقالوا: يقطع السارق مطلقا: كانت له شبهة في مال المسروق منه أو لا. استدل جمهور الفقهاء: أوّلا: بما رواه الترمذي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلّوا سبيله فإنّ الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة» . وثانيا: بما روي من مسند أبي حنيفة للمارتي من طريق مقسم عن ابن عباس: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ادرءوا الحدود بالشّبهات» . وثالثا: بما رواه ابن ماجة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ادفعوا الحدود ما وجدتم مدفعا» فهذه الأحاديث صريحة في وجوب درء الحدود بالشبهات. والقطع حد فلا يجب مع وجودها. واستدل الظاهرية ومن وافقهم: بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . فإنه تعالى أوجب القطع من غير تفريق بين من له شبهة في مال المسروق منه، ومن لا شبهة له فيه. وأجيب عنه بأن عموم الآية مخصوص بالأحاديث التي ذكرناها أدلة لجماهير الفقهاء. هذا، والحق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فإن القطع عقوبة شديدة فيجب ألا تقام حتى يكون السبب تاما، والاعتداء ظاهرا. ومع وجود شبهة للسارق في مال المسروق منه لا يتحقق ما ذكر، فالقطع حينئذ لا يناسب الجريمة. فوجوبه ظلم حاشا أن يوجد في أحكام الشريعة الإسلامية وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46] . لذلك أوجبت الشريعة درء الحدود بالشبهات، ومنعت من إقامتها حتى تتحقق المناسبة بين الجرم، والعقوبة. غير أن جماهير الفقهاء اختلفوا فيما يعتبر شبهة دارئة للحد، وما لا يعتبر كذلك تبعا لاختلافهم في اعتبار قوة الشبه. وعدم اعتبارها، وانبنى على ذلك اختلافهم في فروع كثيرة من هذا الباب فمثلا: المالكية لا يوجبون القطع في سرقة الأصول من الفروع، ويوجبونه في سرقة الفروع من الأصول نظرا لقوة الشبهة في الأولى دون الثانية. -

بحرز «1» له، استسرارا.

_ - والأئمة الثلاثة لا يفرقون بينهما في عدم القطع نظرا لتحقق الشبهة في كل منهما. وإن لم تكن قوية في البعض وأوسع المذاهب في هذا مذهب الحنفية. حتى إنهم لا يقطعون في سرقة ذوي الأرحام بعضهم من بعض مع أن الشبهة هنا ضعيفة. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي. [.....] (1) الحرز في اللغة: الموضع الحصين. ومنه: حديث الدعاء: «اللهمّ اجعلنا في حرز حارز» : وفي اصطلاح الفقهاء: هو الموضع الذي يحفظ فيه المال عادة، بحيث لا يعد صاحبه مضيعا له بوضعه فيه كالدور والحوانيت والخيم. وهو يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، ويتفاوت بتفاوت الأموال، وقوة السلطان وضعفه، وعدله وجوره ولهذا ترك الشارع بيانه، ولم ينص على تحديده كما لم ينص على بيان القبض، والفرقة في البيع، وأشباه ذلك مما يختلف باختلاف العرف، ولو كان له حد معين لما ترك الشارع بيانه. هذا وقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أن أخذ المسروق من حرزه شرط في وجوب القطع، فلا يقطع السارق إلا إذا أخذ المسروق من حرزه. وذهب أهل الظاهر، والخوارج، وجماعة من أهل الحديث إلى عدم اشتراطه، فيجب عندهم قطع السارق مطلقا أخذ المسروق من حرزه أو لا. استدل الجمهور بالمنقول، والمعقول: أما المنقول: فما رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن حسين المكي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا قطع من ثمر معلّق ولا في حريسة الجبل، فإذا آواه المراح أو الجرين، فالقطع فيما بلغ ثمن المجنّ» . ووجه الدلالة: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد أثبت القطع في الثمر إذا سرق من جرينه، وفي الحريسة إذا أخذت من مراحها، ونفاه في سرقتهما قبل ذلك، فعلم أن المراح حرز للحريسة، والجرين حرز للثمر، وأن أخذهما من غير حرزهما لا قطع فيه وذلك يقضي باعتبار الأخذ من الحرز شرطا لوجوب القطع فيهما. وحيث لا فرق بين مال ومال، كان الأخذ من الحرز شرطا لوجوب القطع في سرقة كل مال. وأما المعقول: فإن الله- تعالى- قد جعل الأموال مهيأة للانتفاع بها، فكانت موضع أطماع الناس، وموطن رغباتهم، واقتضت حكمته جل شأنه اختصاص الناس بالملك لأن ترك الأشياء مباحة للكل يجعل النفوس في جشع دائم، وحرص شديد لما جبلت عليه من الأثرة، وحب الذات، فيكون ذلك مثار الفتن، وسبب النزاع المستمر. وإذا كانت رغبة النفوس في المال قوية وشغفها به أمر مطبوعة عليه، ووجد الاختصاص في الملكية، كان لا بد من شيء يحفظ المال على من اختص به. لذلك وجد النهي والزجر عن أخذ مال الغير بدون رضاه ليرتدع بذلك أصحاب المروءة، والديانة كما وجه الأمر للمالك بحفظ ماله حتى لا يكون طعمة لذوي الأطماع الخبيثة، والنفوس الدنيئة، الذين لا تؤثر فيهم الموعظة، ولا تفيدهم النصيحة حتى يروا العذاب رأي العين. فإذا قام المالك بما طلب منه، ولم يفرط في صون المال من ناحيته. ثم اقتحم الغير عليه مأمنه، وهتك ما به الصون، كان من الحكمة أن يعاقب بالقطع لارتكابه تلك الجريمة بعد توجيه النهي إليه، وزجره بالعقاب الأخروي. -

فالنصاب: ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوي ثلاثة «1» دراهم، وقوله:

_ - وإذا لم يقم المالك بما طلب منه، وقصر في الصون انتفى القطع لعدم تمام الجريمة بتفريطه. واستدل الظاهرية ومن وافقهم بعموم قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . فإن الله- تعالى- قد رتب وجوب القطع على السرقة، فكانت هي العلة، فمتى تحققت السرقة وجب القطع مطلقا أخذ المسروق من حرزه أو لا. وأجيب عنه: أن عموم الآية مخصوص بالسنة التي دلت على اعتبار الأخذ من الحرز شرطا في وجوب القطع. هذا والحق ما ذهب إليه الجمهور من القول بأن الأخذ من الحرز شرط في وجوب القطع لقوة دليله، وضعف دليل مخالفه، حتى قال ابن المنذر: إن اعتبار أخذ المسروق من حرزه شرطا لوجوب القطع يكاد يكون أمرا مجمعا عليه. وأحقيته من جهة النظر ظاهرة، فإن الأموال غير المحرزة شبيهة بالأموال الضائعة، فالاعتداء عليها ناقص، فلا يتناسب مع القطع. أما الأموال المحرزة، فالاعتداء عليها كامل بمسارقة عين المالك وهتك الحرز، وإخراجها منه. فالتناسب ظاهر بينهما. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشبهاوي. (1) يرى جمهور الفقهاء أن السارق لا يقطع إلا إذا سرق نصابا. ويرى أهل الظاهر، والخوارج، وطائفة من المتكلمين أنه يقطع في القليل والكثير، وليس هناك نصاب محدود لوجوب القطع في السرقة. وعلم أن جمهور الفقهاء قد اتفقوا على اعتبار النصاب شرطا لوجوب القطع. ومع اتفاقهم على هذا قد اختلفوا اختلافا كثيرا في مقداره الذي لا يقطع السارق من أقل منه، ويقطع فيه وفيما زاد عليه. فيرى الشافعي وأصحابه أنه ربع دينار، أو ما قيمة ربع دينار سواء أكان قيمة ثلاثة دراهم، أم أكثر، أم أقل منها. فلا قطع عندهم في أقل من ربع دينار- ولو كان قيمة ثلاثة دراهم. كما لا قطع في ثلاثة دراهم، إلا إذا كانت قيمتها ربع دينار. ويرى مالك، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته ثلاثة دراهم. فيقطع السارق عندهم في ربع دينار، وإن لم تكن قيمته ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم وإن لم تكن قيمة ربع دينار. ويقطع في غير النقدين من العروض بما قيمته ثلاثة دراهم، وإن لم تكن قيمة ربع دينار. ويرى أحمد، وأصحابه في المشهور عنهم أنه ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمة تساوي أحدهما. فيقطع السارق في ربع دينار، وإن لم يساو ثلاثة دراهم، ويقطع في ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، ويقطع في سرقة غير النقدين بما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم. ويرى أبو حنيفة، وأصحابه في المشهور عنهم أنه عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم. فلا قطع عندهم في أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمة ربع دينار كما لا قطع في غير الفضية من الذهب، أو العروض بما قيمته أقل من عشرة دراهم، ولو كانت قيمته تساوي ربع دينار. استدل الشافعي، وأصحابه أولا: بما رواه أحمد، ومسلم، والنّسائي، وابن ماجة عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقطع يد السّارق إلّا في ربع دينار فصاعدا» . -

..

_ - ووجه الدلالة من الحديث: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أثبت القطع في ربع دينار، ونفاه عما دون ذلك لأن الحديث قضية محصورة بالنفي، وإلا فتنحل إلى قضيتين: إحداهما موجبة، وهي: تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا، سواء أكان قيمة ثلاثة دراهم، أم أقل أم أكثر. وثانيتهما: سالبة، وهي لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، سواء أكان ذلك الأقل قيمته ثلاثة دراهم، أم أقل أم أكثر. فالقضية الأولى تثبت القطع في ربع دينار، وإن لم يكن قيمة عشرة دراهم، وفي ذلك رد على أبي حنيفة وأصحابه. والثانية تقتضي نفي القطع في أقل من ربع دينار، ولو كان قيمة ثلاثة دراهم، وفي ذلك رد على مالك، وأحمد، وأصحابهما. والحديث بجملته يدل على أن الذهب هو الأصل الذي يصار إليه في معرفة قيمة المسروق، فإنه تحديد من الشارع بالقول لا يجوز العدول عنه، وقوم ما عداه به، ولو كان المسروق فضة. وثانيا: بما رواه النسائي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقطع يد السّارق فيما دون ثمن المجنّ» قيل لعائشة: ما ثمن المجنّ؟ قالت: ربع دينار. فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد نفى القطع فيما ثمنه دون ربع دينار وأثبته فيما ثمنه ربع دينار بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن إذ كان ثمن المجن ربع دينار ببيان السيدة عائشة رضي الله عنها. والحديث صريح في أن العروض إنما تقوم بالذهب من غير نظر إلى الفضة أصلا لأن البيان من السيدة عائشة في حكم المرفوع، فهو تحديد من الشارع بالنص لا يجوز العدول عنه. وأجيب عنه من قبل أبي حنيفة، وأصحابه: بأن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمة المجن عند عائشة- رضي الله عنها- ربع دينار، وتكون عند غيرها أكثر، فالاعتماد على قول عائشة يقتضي ثبوت القطع مع وجود شبهة. ورد هذا الجواب: بأن السيدة عائشة- رضي الله عنها- لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه، إلا عن تحقيق لعظم أمر القطع.. واستدل مالك، وأحمد وأصحابهما، بما رواه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قطع في مجنّ قيمته ثلاثة دراهم» ووجه الدلالة: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم، ولم يستفسر عن كون هذه الثلاثة تساوي ربع دينار، أو تقل عنه. وذلك يقضي باعتبار القطع في ثلاثة دراهم، وإن لم تساو ربع دينار، وبذلك يخص مفهوم حديث عائشة- رضي الله عنها- ويكون مفهومه: حينئذ لا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار، إلا إذا ساوى ثلاثة دراهم فتقطع. والحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير نظر إلى الذهب أصلا. وأجب عنه من قبل الشافعي، وأصحابه: بأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنما ترك الاستفسار، لأن طرف الدينار في عهده صلّى الله عليه وسلّم: كان اثني عشر درهما، فمعلوم أن ثلاثة دراهم تساوي ربع دينار، وذلك لا يقتضي أن الدراهم الثلاثة معتبرة في القطع، وفي التقويم حتى ولو تغير صرف الدينار، فإنها قضية عين لا عموم لها. واستدل أبو حنيفة وأصحابه، أولا: بما رواه أحمد، والدارقطني عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا قطع إلّا في عشرة دراهم» . ووجه الدلالة: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نفى القطع في أقل من عشرة دراهم، سواء أكان ذلك الأقل يساوي ربع دينار، أم يزيد أم يقل عنه، وفي ذلك رد على الأئمة الثلاثة، وأصحابهم وأثبته في عشرة دراهم، وذلك-

أَيْدِيَهُما يعني: أَيْمانَ النوعَيْن «1» ، والنَّكَال: العذابُ، والنِّكْل: القيد.

_ - يقتضي أن العشرة الدراهم هي المعتبرة في القطع. وأجيب عنه: بأن الحديث لا يصلح للاستدلال، فإن الحجاج بن أرطاة مدلس، ولم يسمع هذا الحديث من عمرو بن شعيب. وثانيا: بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقطع يد السّارق فيما دون ثمن المجنّ» : قال عبد الله: وكان ثمن المجنّ عشرة دراهم. ووجه الدلالة: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نفى القطع فيما ثمنه دون عشرة دراهم بنفيه القطع فيما دون ثمن المجن وأثبته في عشرة دراهم إذ كان ثمن المجن عشرة دراهم كما قال عبد الله. والحديث صريح في أن العروض تقوم بالدراهم من غير ملاحظة كون الذهب أصلا إذ قوم المجن بها وهو عرض، وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاستدلال لأن في إسناده محمد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا، وبذلك لا يصلح لمعارضة حديث عائشة في تقدير ثمن المجن بربع دينار، وحديث ابن عمر في تقديره بثلاثة دراهم، ولو سلمت صلاحيته للمعارضة تعين طرحه هو، ومعارضة من الروايات الواردة في تقدير ثمن المجن لعدم ما يدفع به التعارض، ووجب العمل بما تفيده رواية عائشة من إثبات القطع في ربع دينار، وهو دون عشرة دراهم. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي، «نيل الأوطار» (7/ 105) ، «المغني» لابن قدامه (10/ 243) . (1) اختلف الفقهاء في محل القطع من السارق: فذهب الحنفية، والحنابلة إلى أنه اليد اليمنى، والرجل اليسرى وذهب المالكية، والشافعية: إلى أنه اليدان والرجلان، وذهب داود، وربيعة: إلى أنه اليدان فقط. وذهب عطاء إلى أنه اليد اليمنى خاصة. استدل الحنفية، والحنابلة بأدلة: منها ما يخص اليد اليمنى، ومنها ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى. أما ما يخص اليد اليمنى: فقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . ووجه الدلالة: أن المراد بأيديهما: أيمانهما لقراءة عبد الله بن مسعود: فاقطعوا أيمانهما، وهي خبر مشهور مقيد لإطلاق الآية، فالذي يقطع من السارق والسارقة بنص الآية اليد اليمنى، فاليد اليسرى خارجة من إطلاق الآية بهذه القراءة، ولم يثبت في السنة من طريق صحيح تعلق القطع بها في السرقة، فعلم من ذلك أنها ليست محلا للقطع. وأما ما يعم اليد اليمنى، والرجل اليسرى: فأولا: ما رواه الدارقطني عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا، إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها، ويستنجي بها، ورجل يمشي عليها. وثانيا: ما رواه ابن أبي شيبة أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن السارق، فكتب إليه بمثل قول علي. وثالثا: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر- رضي الله عنه- قال: «إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وذروه يأكل بها ويستنجي بها» . ورابعا: ما رواه ابن أبي شيبة أن عمر- رضي الله عنه- استشار الصحابة في سارق، فأجمعوا على مثل-

وقوله سبحانه: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ... الآية:

_ - قول علي. فهذه الآثار جميعها صريحة في أن ما يقطع من السارق إنما هو اليد اليمنى، والرجل اليسرى، ثم إن عاد إلى السرقة بعد قطعهما، أودع السجن حتى يظهر صلاح حاله. واستدل المالكية، والشافعية بأدلة: منها ما يخص اليدين، ومنها ما يعم اليدين والرجلين. أما ما يخص اليدين: فأولا: قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] فإن اسم السيد يطلق على اليد اليسرى، كما يطلق على اليد اليمنى ... وقد أمر الله- تعالى- بقطع يدي كل من السارق والسارقة، فظاهر النص قطعهما معا لولا قيام الإجماع على عدم قطعهما معا في سرقة واحدة، وعلى عدم الابتداء باليسرى. وأجيب عنه بأن نص الآية لا يتناول اليد اليسرى لتقييده باليمنى من قراءة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-. وثانيا: ما رواه مالك في «الموطأ» عن عبد الرّحمن بن القاسم، عن أبيه أن رجلا من اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر- رضي الله عنه- وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم غدوا عند أسماء بنت عيمس امرأة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع، أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى. وقال أبو بكر: لدعاؤه على نفسه أشد عليه من سرقته فهذا أشد صريح في أن اليد اليسرى محل للقطع، وإلا لما صح لأبي بكر قطعها. وأجيب عنه: بأن سارق حلي أسماء لم يكن أقطع اليد، والرجل، بل كان أقطع اليد اليمنى فقط، فقد قال محمد بن الحسن في «موطئه» : قال الزهري: ويروى عن عائشة قالت: إنما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى، فقطع أبو بكر رجله اليسرى، قال: وكان ابن شهاب أعلم بهذا الحديث من غيره. وأما ما يعم اليدين، والرجلين: فما رواه الدارقطني من طريق الواقدي، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سرق السّارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله» فهذا الحديث صريح في أن القطع يتعلق بجميع أطراف السارق. وأجيب عنه: بأنه لا يصلح للاحتجاج، فإن في طريقه الواقدي، وفيه مقال، وقد روي هذا المعنى من طرق كثيرة لم تسلم من الطعن. فقد قال الطحاوي: تتبعنا هذه الآثار، فلم نجد بشيء منها أصلا ومما يدل على عدم صلاحيته للحجبة عدم استدلال الصحابة به حينما استشارهم علي- رضي الله عنه- في سارق أقطع اليد والرجل، فلم يقطعه، وجلده جلدا شديدا، ودعوى الجهل به بعيدة، فإن مثل هذا لا يخفى على الصحابة- رضوان الله عليهم- فعدم احتجاجهم به ليس إلا لضعفه، أو نسخه، فإن الحدود كان فيها تغليظ في الابتداء، ألا ترى أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قطع أيدي العرنيين، وسمل أعينهم، ثمّ نسخ ذلك. واستدل داود، ومن وافقه بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . ووجه الدلالة: أن الله- تعالى- قد نص على قطع اليدين، ولم ينص على قطع الرجلين، فلو كان قطع الرجلين مطلوبا لأمر به- تعالى- والسنة لم يرد فيها من طريق صحيح ما يفيد قطعهما في السرقة، والذي ورد في السنة صحيحا جميعه يتعلق بقطع اليد، فقد قال- عليه الصلاة والسلام-: «لو سرقت فاطمة بنت-

[سورة المائدة (5) : الآيات 41 إلى 43]

جمهورُ العلماءِ على أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ: إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع قياساً على توبة المُحَارِبِ. وقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي: فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو. [سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 43] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

_ - محمّد لقطع محمّد يدها» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تقطع اليد إلّا في ربع دينار فصاعدا» وأمثال ذلك كثير كله متعلق بقطع اليد، ولم يرد الرجل فيها ذكر، وفي ذلك دليل صحيح على أن القطع إنما يتعلق باليدين دون الرجلين وأجيب عنه من قبل الحنفية، والحنابلة بأنه لا دلالة في الآية على أن اليد اليسرى محل للقطع، فإن المراد من قوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أيمانهما. لقراءة عبد الله بن مسعود: «فاقطعوا أيمانهما» وقطع الرجل اليسرى قد ثبت بالسنة الصحيحة، وإجماع الصحابة على ذلك مما يقطع بصحة السنة الواردة بقطع الرجل اليسرى بعد قطع اليد اليمنى. واستدل عطاء بقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: 38] . فإن المراد من قوله: «أيديهما» أيمانهما لقراءة عبد الله: «فاقطعوا أيمانهما» ، فإنها مقيدة لإطلاق الآية، فاليد اليسرى ليست مرادة، ولم يثبت في السنة من طريق صحيح قطع غيرها من الأطراف، فوجب الاقتصار عليها. وأجيب عنه: بأن السنة الصحيحة قد أثبتت قطع الرجل اليسرى في السرقة، وقام الإجماع على ذلك. هذا والراجح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، من أن محل القطع إنما هو اليد اليمنى، والرجل اليسرى، لقوة أدلته، أو لأن القطع إنما شرع للزجر لا للإتلاف، وفي استيفاء الأطراف الأربعة بالقطع إتلاف، أو شبهة إتلاف، وشبهة الإتلاف منزل منزلة الإتلاف فيما يدرأ بالشبهات، والزجر يتحقق بالقطع مرتين، فإن إزالة عضوين من الجسم لهما قيمتهما في البطش، والمشي لأبلغ عظة وأقوى زاجرا لمن خبثت نفسه، ومال به هواه. ينظر: «حد السرقة» لشيخنا إبراهيم الشهاوي.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ... الآية: تسليةٌ لنبيِّه- عليه السلام- وتقويةٌ لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، والمعنى: قد وعَدْناك النصْرَ والظهورَ عليهم، فلا يحزنْكَ ما يقعُ منهم، ومعنى المسارعة في الكُفْرِ: البِدَارُ إلى نَصْره، والسعْيُ في كيد الإسلام، وإطفاءِ نوره، قال مجاهدٌ وغيره: قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ يراد به المنافقون «1» /. وقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يراد به اليهودُ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ، بعضَهُم مِنْ بعض، ويقبلونه ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك. وقوله سبحانه: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يحتمل أنْ يريد: يَسْمَعُون منهم، وذكر الطبريُّ «2» عن جابر أن المراد بالقوم الآخرينَ يَهُودُ فَدَكَ «3» ، وقيل: يهود خَيْبَر، ويحتمل أنْ يكون معنى سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ بمعنى: جواسيسَ مُسْتَرِقِينَ الكلامَ لينقلوه لقوم آخرينَ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقُونَ ويهودُ المدينة، قلْتُ: وهذا هو الذي نَصَّ عليه ابنُ إسحاق في السِّيَرِ «4» . قال ع «5» : وقيل لسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هل جرى للجاسُوسِ ذكْرٌ في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ؟ فقال: نعم، وتلا هذه الآية: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. وقوله سبحانه: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ: هذه صفةُ اليهود في معنى ما حرَّفوه من التوراةِ، وفيما يحرِّفونه من الأقوال عند كذبهم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، أي: من بعد أن وضع مواضعه، وقصدت به وجهه القويمة، يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه، روي أنَّ يهود فَدَك قالوا ليهودِ المدينةِ: استفتوا محمَّداً، فإن أفتاكم بما نَحْنُ عليه من الجَلْد والتَّجْبِيَةِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم، فاحذروا الرجْمَ قاله الشعبيُّ وغيره «6» وقيل غير هذا من وقائعهم، فالإشارة ب هذا إلى التحميمِ والجَلْدِ في الزنا، على قولٍ، ثم قال

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 574) برقم (11931) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 191) . (2) ينظر: «الطبري» (4/ 575) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 574) برقم (11933) ، وذكره ابن عطية (2/ 192) . (4) ذكره ابن عطية، (2/ 192) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 192) . (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 577) برقم (11940) . [.....]

تعالى لنبيِّه- عليه السلام- على جهة قَطْع الرجاء منهم: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي: محنَتَهُ بالكفر، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سَبَقَ لهم في علْمه ألاَّ يطهِّر قلوبَهُم، وأنْ يكونوا مُدَنَّسِينَ بالكُفْر، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ بالذِّلَّة والمَسْكَنة الَّتي ضُرِبَتْ عليهم في أقطار الأرْضِ، وفي كلِّ أُمَّة. قال ص: سَمَّاعُونَ، أي: هم سمَّاعون، ومثله أكَّالون. انتهى. وقوله سبحانه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ: فعَّالون بناءُ مبالغة، أي: يتكرَّر أَكْلُهم، ويَكْثُر، والسُّحْت: كل ما لا يَحِلُّ كسبه من المال. وقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ: تخييرٌ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولحكَّامِ أُمَّتِهِ بعده، وقال ابنُ عباس وغيره: هذا التخْييرُ منسوخٌ بقوله سبحانه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «1» [المائدة: 49] ، وقال كثيرٌ من العلماء: هي مُحْكَمَة، وهذا هو الأظهر إن شاء اللَّه، وفِقْهُ هذه الآية أنَّ الأَمَّة مُجْمِعَة فيما علمتُ على أنَّ حاكم المسلمين يحْكُمُ بيْنَ أهْل الذمَّة في تظالمهم، وأمَّا نوازل الأحْكَام التي لا تَظَالُمَ فيها، فالحاكمُ مخيَّر، وإذا رضي به الخَصْمان، فلا بد من رضا أساقِفَتِهِمْ أو أحبارهم قاله ابن القاسِمِ في «العتبية» ، قلت: وعبارة الداوديُّ قال مالك: ولا يَحْكُمُ بينهم، إذا اختار الحكم إلا في المظالم، فيحكم بينهم بما أنزل اللَّه، ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أنْ يعلنوه، فيعاقَبُونَ بسبب إعلانه، ثم يردُّون إلى أساقفتهم، قال مالك: وإنما رجم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اليهودِيَّيْنِ قبل أنْ تكون لهم ذمَّة. انتهى. وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» : إنما أَنْفَذَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحُكْمَ بينهم ليحقِّق تحريفَهُم، وتبديلَهم، وكَذِبَهم، وكَتْمَهم ما في التوراة، / ومنه صفته صلّى الله عليه وسلّم فيها، والرجْمُ على زناتهم، وعنه أخبر اللَّه تعالى بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: 15] فيكون ذلك من آياته الباهرةِ، وحُجَجِهِ البيِّنة، وبراهينِهِ القاطعةِ الدَّامغة للأَمَّة المُخْزية اليهودية. انتهى. وقوله تعالى: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً: أمَّنَ اللَّه سبحانَهُ نبيَّه من ضررهم، إذا أعْرَضَ عنهم، وحقَّر في ذلك شأنهم، وَإِنْ حَكَمْتَ، أي: اخترت الحكْمَ في نازلةٍ مَّا، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، أيْ: بالعدل، ثم قال سبحانه:

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 194) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 503) ، وعزاه لابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» ، والطبراني، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.

[سورة المائدة (5) : آية 44]

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ المعنى: وكيفَ يحكِّمونك بنيَّةٍ صادقةٍ، وهم قد خالفوا حُكْمَ التوراة التي يصدِّقون بها، وتولَّوْا عن حُكْمِ اللَّه فيها فأنْتَ الذي لا يؤمِنُونَ بك- أحرى بأن يخالفوا حُكْمَك، وهذا بيِّن أنهم لا يحكِّمونه- عليه السلام- إلا رغبةً في ميله إلى أهوائهم. وقوله سبحانه: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أي: مِنْ بعد كونِ حكمِ اللَّه في التوراة في الرجْمِ وما أشبهه. وقوله تعالى: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ يعني: بالتوراة وبموسى. [سورة المائدة (5) : آية 44] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) وقوله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً، أي: إرشاد في المعتقَدِ والشرائعِ، والنورُ: ما يستضاء به من أوامرها ونواهيها، والنَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا: هم مَن بُعِثَ من لدنْ موسَى بنِ عمرانَ إلى مدة نبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، وأسلموا: معناه أخْلَصُوا وجوهَهُم ومقاصِدَهم للَّه سبحانه، وقوله: لِلَّذِينَ هادُوا: متعلِّق ب يَحْكُمُ أي: يَحْكُمُونَ بمقتضَى التوراةِ لبني إسرائيل وعليهم، وَالرَّبَّانِيُّونَ: عطف على النبيِّين، أي: ويحكم بها الرَّبَّانِيُّون، وهم العلماءُ، وقد تقدَّم تفسير الرَّبَّانِيِّ، والأحْبَارُ أيضاً: العلماءُ، واحدُهم: حِبْرٌ- بكسر الحاء، وفتحها-، وكثُر استعمال الفَتْح فرقًا بينه وبين «الحِبْرِ» الذي يُكْتَبُ به، وإنما اللفظ عامٌّ في كلِّ حَبْرٍ مستقيمٍ فيما مضى من الزمان قبل مبعَثِ نبيِّنا محمد- عليه السلام-. وقوله سبحانه: بِمَا اسْتُحْفِظُوا، أي: بسبب استحفاظ اللَّه تعالى إياهم أمر التَّوْراة، وأخْذِهِ العهدَ علَيْهم في العملِ والقَوْلِ بها، وعرَّفهم ما فيها، فصَارُوا شُهَداء عليه، وهؤلاء ضيَّعوا لَمَّا استحفظوا حتى تبدَّلتِ التوراةُ، والقُرآنُ بخلافِ هذا لقوله تعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] . وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ: حكايةٌ لما قيل لعلماء بني إسرائيل. وقوله: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا: نَهْيٌ عن جميع المكاسِبِ الخبيثةِ بالعلْمِ والتحيُّلِ للدنيا بالدِّين، وهذا المعنى بعينه يتناوَلُ علماء هذه الأمة وحُكَّامَها، ويحتملُ أنْ يكون قوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ ... إلى آخر الآية- خطاباً لأمَّة نبينا محمد- عليه السلام-.

واختلف العلماء في المراد بقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ. فقالتْ جماعة: المرادُ: اليهودُ بالكافرين والظَّالمين والفاسِقِينَ وروي في هذا حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ طريق البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال الفَخْر «1» : وتمسَّكت الخوارجُ بهذه الآية في التكْفِير بالذَّنْب، وأجيبَ بأنَّ الآية نزلَتْ في اليهود، فتكون مختصَّة بهم، قال الفَخْر: وهَذا «2» ضعيفٌ لأن الاعتبار بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السبَبِ/. قلْتُ: وهذه مسألةُ خلافٍ في العامِّ الوارِدِ على سببٍ، هَلْ يبقى على عمومه، أو يُقْصرُ على سببه «3» ؟ انتهى. وقالتْ جماعة عظيمةٌ من أهل العلمِ: الآيةُ متناولة كلَّ مَنْ لم يحكُمْ بما أنزل اللَّه، ولكنَّها في أمراء هذه الأمَّة- كُفْرُ معصية لا يخرجهم عن الإيمان «4» ، وهذا تأويل حسن،

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 6) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 6) . (3) ينظر: «تفعيل مذاهب علماء الأصول في البحر المحيط» (3/ 212) . (4) قد ورد في القرآن آيات يؤخذ منها حكم ترك العلم بما أنزله الله تعالى من الأحكام. ومن تلك الآيات قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [المائدة: 44] . وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: 45] . وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [المائدة: 47] . وقوله: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: 65] . ففي الآيات الأول وصف الله- تعالى- من لم يحكم بما أنزله بالكفر، والظلم والفسق، وفي الآية الأخيرة أقسم أنه لا يوجد الإيمان إلا إذا حكم الرسول في الشجار، ولم يوجد في النفوس حرج من حكمه، وسلم له كل التسليم. وذلك لأن الرسول لا يحكم إلا بما يشرعه الله له. فمن لم يرض بحكمه، فهو غير راض بشرعه، تعالى، وذلك يقتضي عدم الإيمان. ثم إن الكفر، والظلم والفسق التي وصف الله تعالى بما من لم يحكم بما أنزله واردة في تلك الآيات بمعناها اللغوي. وهي في اللغة تصدق على كل معصية، سواء كانت كفرا أو غيره، فمن فعل معصية دون الكفر صدق عليه لغة أنه كافر، وظالم، وفاسق. وكذلك من كفر بالله تعالى يصدق عليه في اللغة أنه كافر وظالم وفاسق. وعلى هذا فهذه الآيات محتملة لأن يراد منها الكفر الاصطلاحي وهو الخروج من الملة، ولأن يراد منها ما دون ذلك من المعاصي. ولهذا اختلفت أقوال المفسرين فيها فمنهم: من حمل الكفر وغيره فيها على الاصطلاحي وقال: إنها خاصة بأهل الكتاب. ومنهم من قال: المراد من هذه الأوصاف ما دون الكفر الاصطلاحي من المعاصي الكبيرة، ومن هؤلاء ابن عباس، وعلي بن الحسين فقد نقل عنهما أنهما قالا فيها: كفر ليس ككفر الشرك، وظلم ليس كظلم الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك. والمراد: أن عدم الحكم بما أنزل الله، وتركه إلى غيره ليس كفرا بمعنى الخروج من الدين، ولكنه من أكبر الذنوب. -

وقيل لحذيفة بْنِ اليَمَان: أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل، فقال: نِعْمَ الإخْوَةُ لَكُمْ بنو

_ - والمختار في ذلك التفصيل وهو أن من ترك ذلك استقباحا لحكمه تعالى، أو استهزاء به، أو ترجيحا لغيره عليه فهو كافر بمعنى أنه خارج من الدين. ومن تركه لغلبة الهوى عليه، أو لعلة أخرى غير الاستقباح والاستهزاء، والترجيح للغير فقد فعل ذنبا كبيرا لكنه دون الكفر. وكذلك يفصل في مفهوم الآية الأخيرة بأن يحمل النفي الوارد فيها على نفي أصل الإيمان إذا كان ترك تحكيم الرسول استقباحا أو استهزاء بشرعه، وعلى نفي كمال الإيمان إذا كان تركه لعلة أخرى غير ذلك لا توجب الكفر، وهذا التفصيل في مفهوم الآيات إنما أخذه العلماء من قواعد الدين التي تفيد ذلك. ومن هنا يعلم حكم العمل بالقوانين الوضعية، وهو أن من عمل بها مستقبحا لحكمه تعالى أو مستهزئا به فهو كافر بمعنى أنه خارج من الدين، ومن عمل بها لعلة أخرى كغلبة الهوى، أو جهل أن الشريعة الإسلامية يوجد بها من القوانين ما يصلح لأن يتحاكم إليه، فقد ارتكب إثما عظيما، لكنه دون الكفر. وإذا علم هذا فعلى من تقع المسئولية والإثم في ترك حكمه تعالى؟ والجواب: أن الإثم في ذلك يقع على جميع الأمة لأن القيام بتنفيذ أحكامه- تعالى- من فروض الكفايات التي إن لم يقم بها البعض يأثم الجميع، غير أن الإثم في ذلك يتفاوت بالنسبة لأقدار أفراد الأمة. فأصحاب الرأي والنفوذ الذين يمكنهم أن يطالبوا ويسعوا للعمل بحكمه تعالى إثمهم في ترك ذلك أعظم من أثم عامة الأمة الذين ليس لهم من الرأي والنفوذ مثلهم. وليس الإثم خاصا بالقاضي الذي يحكم بهذه القوانين بل الإثم متعلق بكل الأمة كما قلنا. نعم إن القاضي يختص بإثم خاص غير الإثم الذي يشارك فيه الأمة، وهو إثم المساعدة على تنفيذ غير حكمه تعالى، فكان الواجب عليه، حيث لم يستطع الحكم بما أنزل الله تعالى ألّا يحكم بغيره. وقد يكون العمل بهذه القوانين لا إثم فيه لا على الأمة، ولا على القاضي، وذلك إذا غلبت أمة مسلمة على أمرها، ولم يكن لها من الأمر شيء، وأجبرتها الدولة الغالبة على العمل بهذه القوانين الوضعية، بحيث لم تستطع العمل بقانون دينها، ففي هذه الحالة لا إثم على الأمة، ولا على القاضي إذا كان لا يمكن التنحي عن الحكم بهذه القوانين بل قد يثاب على حكمه بها إذا كانت مصلحة أمته في قيامه هو بالحكم دون غيره لأنه في مثل هذه الحالة لا تكون دار هذه الأمة المغلوبة دار إسلام بل دار حرب، ودار الحرب يجوز فيها التعامل بالعقود الفاسدة في المعاملات والحدود، ونحوها لأن أغلبها موكول لاجتهاد الحاكم أما العبادات وما في معناها كالطلاق والنكاح فلا يجوز العمل فيها بغير حكمه تعالى بأي حال من الأحوال. ثم إذا نظرنا للواقع عندنا في ديارنا المصرية نجد أن الدافع للعمل بهذه القوانين لم يكن استقباح حكمه تعالى، أو تفضيل غيره عليه حتى يكون كفرا بمعنى الخروج من الدين وإنما الدافع إليه هو عدم العلم بما في التشريع الإسلامي من المزايا التي تجعله صالحا لمسايرة أحوال المجتمع، وأن يستنبط منه ما يفوق هذه التنظيمات في إقامة العدل، وإصلاح النظام. يدلك على هذا أن الدولة العلية عند ما أدخلت هذه القوانين في محاكمها كانت تقصد من ذلك تحقيق مصلحة الأمة، بدليل ما جاء في مرسوم العمل بهذه التنظيمات الذي أصدره السلطان عبد المجيد من أن الأخذ بها لا ينافي الدين لأنه يحث على الإصلاح والنظام، واستصدر فتوى من شيخ الإسلام حينئذ هناك بأن ذلك لا ينافي الإسلام، ثم تبعتها مصر في العمل بتلك التنظيمات على ذلك القصد، ثم أدخلت فيها قوانين أوربا الحديثة على اعتبار أنها نوع من ذلك الإصلاح. فالدافع الحقيقي هو حب الإصلاح، والميل إلى تقليد أوربا في أنظمة حكمها، لا كراهية أحكام الدين، -

[سورة المائدة (5) : آية 45]

إسْرَائِيلَ، إنْ كَانَتْ لَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ، وَلَهُمْ كلّ مرّة، لتسلكنّ طريقهم قذّ الشّراك «1» . [سورة المائدة (5) : آية 45] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... الآية، أي: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، ومعنى هذه الآية: الخَبَرُ بأن اللَّه تعالى كتَبَ فرضاً على بني إسرائيل أنه مَنْ قَتَل نفساً، فيجب في ذلك أخْذُ نفسه، ثم هذه الأعضاءُ المذكورةُ كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأُمَّة بما علم من شرع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن عباس: «ورخَّص اللَّه لهذه الأُمَّة، ووسَّع لها بالدِّيَة، ولم يجعلْ لبني إسرائيل ديةً فيما نَزَّل على موسى «2» ، والجمهور أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ: عمومٌ يراد به الخصوصُ في المتماثلين كما ورد في الحديث، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» «3» ، وكذلك قوله سبحانه: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ: عموم

_ - ولولا تقاعس العلماء عن الجد في استنباط أنظمة من التشريع الإسلامي تساير هذه الأنظمة في سهولتها وترتيبها ما لجأت الحكومات الإسلامية إلى العمل بهذه القوانين. ويدلك على هذا أن الخديوي إسماعيل باشا كان قد طلب من العلماء أن يستنبطوا له من الشرع الإسلامي قوانين مرتبة كترتيب قوانين أوربا لتكون قانونا للمحاكم المصرية: فاختلفوا وتكاسلوا فما وسعه إلا العمل بهذه القوانين. هكذا رأيت في بعض الكتب. وعلى هذا، فالعمل بهذه القوانين في بلادنا ليس كفرا لما تبين لك من الدافع إليه- اللهم إلا إذا كان بعض الحكام والقضاة يستقبح حكمه تعالى أو يستهزىء به- فإن من يفعل ذلك منهم يكون كافرا- وإنما العمل بها من الذنوب الكبيرة التي هي دون الكفر، وليس العمل بهذه القوانين إجباريا من الدولة الإنجليزية المحتلة لبلادنا لأن الأخذ بهذه التنظيمات كان من أيام تبعيتها للدولة العلية. والإنجليز بما عرف عنهم من عدم التعرض للشؤون الداخلية في البلاد التي يحكمونها لا يعارضون إذا أرادت الأمة العمل بقانون دينها فلا يقال: إنا مرغمون على العمل بها فلا إثم علينا، فإذا أرادوا الخروج من الإثم فما عليهم إلا المبادرة بتأليف لجنة تقتبس من التشريع الإسلامي قانونا منظما كهذه القوانين، وما أيسر ذلك وأقربه، ثم إحلاله عند إتمامه محل هذه القوانين بالمحاكم. إنهم إن بادروا بذلك خرجوا من الإثم وأرضوا عنهم خالقهم وأمتهم، وكفلوا لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة، ونسأله تعالى التوفيق. ينظر: «قضاء الإسلام» لشيخنا علي سيد أحمد. (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 196) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 599) (12072) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 197) . (3) أخرجه أبو داود (4/ 670) ، كتاب «الديات» ، باب إيقاد المسلم بالكافر، حديث (4531) ، والترمذي (4/ 25) كتاب «الديات» ، باب دية الكافر، حديث (1413) وابن ماجة (2/ 887) كتاب «الديات» ، باب لا يقتل مسلم بكافر، حديث (2659) وأحمد (2/ 194) والبيهقي (8/ 29- 30) كتاب «الجنايات» ، باب لا قصاص باختلاف الدينين كلهم من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده به. وقال الترمذي: حديث حسن.

[سورة المائدة (5) : الآيات 46 إلى 50]

يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ. قال ص: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أيْ: ذاتُ قصاصٍ. انتهى. وقوله سبحانه: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجره بذلك، قال ابن عمر وغيره «1» ، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قلت: وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً» ، رواه الترمذيُّ «2» . انتهى. وقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى قاله ابن عبَّاس وغيره «3» . وقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه فذلك الفعل كفّارة لذنبه. [سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 50] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 600) وعزاه لعبد الله بن عمر، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 198) ، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (2/ 511) ، وعزاه للديلمي عن ابن عمر. (2) أخرجه الترمذي (4/ 14- 15) ، كتاب «الديات» ، باب ما جاء في العفو، حديث (1393) ، وابن ماجة (2/ 898) كتاب «الديات» ، باب العفو في القصاص، حديث (2693) كلاهما من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن أبي الدرداء به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، وأبو السفر اسمه: سعيد بن أحمد ويقال: ابن محمد الثوري. (3) أخرجه الطبري (4/ 601، 602) برقم (12091، 12103) ، وذكره ابن عطية (2/ 198) ، والسيوطي (2/ 511) وعزاه للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.

وقوله سبحانه: وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... الآية: الضمير في آثارِهِمْ للنبيِّين. وقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: خُصَّ المتقون بالذِّكْر لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ. وقرأ حمزة «1» وحده: «وَلِيَحْكُمَ» - بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ- على «لام كَيْ» ، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: «وَلْيَحْكُمْ» - بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ-، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم. قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد- عليه السلام- والإيمانُ به كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر «2» : قيل: المرادُ: ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم قيل: والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى. انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ/ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه. وقوله سبحانه: وَمُهَيْمِناً، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى مُهَيْمِناً، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: «مهَيْمِن» : أصله «مؤيمن» بني من «أمين» أبدلت

_ (1) وحجة الباقين في تسكين الميم: أن الله- سبحانه- أمرهم بالعمل بما في الإنجيل، كما أمر نبينا صلّى الله عليه وسلّم في الآية التي بعدها بالعمل بما أنزل الله إليه في الكتاب بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. ينظر: «السبعة» (244) ، و «الحجة» (3/ 227) ، و «حجة القراءات» (227) ، و «العنوان» (87) ، و «شرح شعلة» (351) ، و «شرح الطيبة» (4/ 230) ، و «إتحاف» (1/ 536) ، و «معاني القراءات» (1/ 322) . [.....] (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 10) .

همزتُهُ هاءً كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ واستحسنه الزَّجَّاج. وقوله سبحانه: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: المعنى عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: 42] . ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اتباع أهوائهم. وقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، أي: لكلِّ أمة قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لا سيَّما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: شِرْعَةً وَمِنْهاجاً: سبيلاً وسُنَّة «1» ، ثم أخبر سبحانه أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع كذا قال ابنُ جُرَيْج «2» وغيره. ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ. وقوله سبحانه: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض. وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ... الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه- عليه السلام- من اليهودِ أنْ يفتنوه بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل الله عليه من الأحكام

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 611) (12143) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 43) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 201) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 513) ، وعزاه لعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، من طرق عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 612) برقم (12154) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 51 إلى 53]

لأنهم كانوا يريدون أن يخدعوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا له مراراً: احكم لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ على دينك. وقوله سبحانه: فَإِنْ تَوَلَّوْا، قبله محذوفٌ، تقديره: فإِنْ حكَّموك واستقاموا، فَنِعِمَّا ذلك، وَإِن تَوَلَّوْا، فَاعْلَمْ ... الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ: نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة. وقال الفَخْر «1» : وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض- كافٍ في إهلاكهم وتدميرِهِمْ. انتهى. وقوله سبحانه: فَاعْلَمْ ... الآية: وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ وفَدَك وغيرهم. وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ/ لَفاسِقُونَ: إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ. وقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان «2» ، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً، أي: لا أحد أحسنُ منه حكماً تبارك وتعالى. [سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 53] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ: نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارى أولياءَ في النُّصْرة والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ من أكثر مخالطة هذين الصّنفين، فله

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 14) . (2) حلوان الكاهن: هو ما يعطاه من الأجر والرشوة على كهانته. ينظر: «النهاية» (1/ 435) (حلن) .

حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا انقضت بدْرٌ وشَجَر أمر بني قينقاع، أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ مخاصِماً، وقال: يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي امرؤ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ وهبتُهُمْ لك «1» ، ونزلَتِ الآية في ذلك. وقوله عزَّ وجلَّ: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ: جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ. وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ: إنحاء على عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، وعلى كلِّ من اتصف بهذه الصفة. وقوله سبحانه: فَتَرَى الَّذِينَ: المعنى: فترى يا محمد، الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومَنْ تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قَيْنُقَاعٍ. وقوله تعالى: يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومن تبعه من المنافقين، ودَائِرَةٌ: معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ- عليه السلام-، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك. وقوله سبحانه: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، وهو ظهور نبيه- عليه السلام-، وعلوّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضاً فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ. وقرأ ابن الزُّبَيْر «2» : «فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ على مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادمين» . وقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، قرأ «3» نافعٌ وغيره: «يَقُولُ» - بغير واو-، وقرأ حمزة وغيره: «وَيَقُولُ» ، وقرأ أبو عمرو وحْده: «وَيَقُولَ» - بالواو، ونصبِ اللامِ- فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم الله تعالى، فحينئذ:

_ (1) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (4/ 615) (12162) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 203) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 515) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير عن عطية بن سعد. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 205) ، و «البحر المحيط» (3/ 520) . (3) ينظر: «السبعة» (245) . و «الحجة» (3/ 229) ، و «حجة القراءات» (229) ، و «العنوان» (88) ، و «شرح الطيبة» (4/ 230) ، و «شرح شعلة» (351) ، وإتحاف» (1/ 37) ، و «معاني القراءات» (1/ 333) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 54 إلى 59]

يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ... الآية. وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ: نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ- عليه السلام- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ- عليه السلام- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ. وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى: أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم. وقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم. [سورة المائدة (5) : الآيات 54 الى 59] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ... الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين. قال الفَخْر «1» : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له. انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟ قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 21) .

إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟ قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟ قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى. انتهى. وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم. قال الفَخْر «1» : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم. انتهى. وقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29] وكقوله- عليه السلام-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» ، وفي قراءة «2» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» . وقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «3» . انتهى. وقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 20) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 208) ، و «البحر المحيط» (3/ 524) ، و «الدر المصون» (2/ 549) . (3) أخرجه أحمد (5/ 173) وذكره الهيثمي في «المجمع» (3/ 96) وقال: ورجاله ثقات إلا أن الشعبي لم أجد له سماعا من أبي ذر.

عزّ وجلّ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه. وقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ... الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «1» : «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ» ، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: 26] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «2» . قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «3» . ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14] . ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ... الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم. وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:

_ (1) ينظر: «الشواذ» ص (39) ، و «الكشاف» (1/ 648) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 208) ، و «البحر المحيط» (3/ 525) ، و «الدر المصون» (2/ 551) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 628) (12215) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 208) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 520) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن عساكر عن سلمة بن كهيل. [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 628) (12215) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 208) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 60 إلى 63]

أَكْثَرَكُمْ، من حيث إنَّ فيهم مَنْ آمن كابن سلام وغيره. [سورة المائدة (5) : الآيات 60 الى 63] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63) وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً، يعني: مرجعاً عند اللَّه يوم القيامة ومنه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [البقرة: 125] ، ومشى المفسِّرون في هذه الآية على أنَّ الذين أُمِرَ- عليه السلام- أنْ يقول لهم: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ هم اليهودُ والكُفَّار المتَّخِذُون دينَنَا هُزُواً ولعباً قال ذلك «1» الطبريُّ «2» ، وتُوبِعَ عليه، ولم يُسْنِدْ في ذلك إلى متقدِّم شيئاً، والآيةُ تحتملُ أنْ يكون القول للمؤمنين، أي: قُلْ يا محمَّد، للمؤمنين: هَلْ أنبئكم بِشَرٍّ مِنْ حال هؤُلاء الفاسِقِينَ في وَقْتِ المَرْجِعَ إلى اللَّهِ أولئك أسلافهم الَّذين لعنهم اللَّه، وغَضِبَ عليهم. وقوله سبحانه: وَجَعَلَ، هِيَ بمعنى «صَيَّرَ» ، وقد تقدَّم قصص مَسْخِهِمْ قِرَدَةً في «البقرة» ، وعَبَدَ الطَّاغُوتَ: تقديره: ومَنْ عبَدَ الطاغوتَ، وقرأ حمزةُ وحده «3» «وعَبُدَ الطَّاغُوتِ» - بفتحِ العين، وضمِّ الباءِ، وكسرِ التاء مِنَ الطاغوت- وذلك أنَّ «عَبُدَ» لفظُ مبالغةٍ كقَدُسَ. قال الفَخْر: قيل: الطاغوتُ هنا: العِجْلُ، وقيل: الطاغوتُ أحبارهم، وكلُّ من أطاع أحداً في معصية اللَّهِ فقد عبده. انتهى. ومَكاناً: يحتمل أن يريد في الآخرةِ، فالمكان على وجْهه، أي: المحلّ إذْ محلُّهم جهنَّم، ويحتملُ أنْ يريد في الدنيا، فهي استعارةٌ للمكانةِ، والحالة. وقوله سبحانه: وَإِذا جاؤُكُمْ يعني: اليهودَ، وخاصَّة المنافقين منهم قاله ابن

_ (1) ينظر: «الطبري» (4/ 632) . (2) ذكره الطبري في «تفسيره» ، (4/ 632) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 211) . (3) ينظر: «السبعة» (246) ، و «الحجة» (3/ 236) ، و «إعراب القراءات» (1/ 147) ، و «العنوان» (88) ، و «حجة القراءات» (231) ، و «شرح شعلة» (353) ، و «شرح الطيبة» (4/ 233) ، و «إتحاف» (1/ 539) ، و «معاني القراءات» (1/ 335) .

[سورة المائدة (5) : آية 64]

عباس «1» وغيره. وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ: أي: من الكُفْر، والرؤيةُ هنا تَحْتملُ أن تكون قلبية، وأن تكون بصريّة، وفِي الْإِثْمِ، أي: موجباتِ الإثمِ، واللامُ في: لَبِئْسَ: لام قَسَم. وقوله تعالى: لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ: تحضيضٌ في ضمنه توبيخٌ لهم، قال الفَخْر «2» : والمعنى: هَلاَّ ينهاهم. انتهى. قال الطبريُّ «3» : كان العلماءُ يقُولُون: ما في القرآن آيةٌ هي أشَدُّ توبيخاً للعلماءِ من هذه الآية، ولا أخْوَفُ عليهم منْها. وقال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: ما في القُرآنِ آيةٌ أخْوَفُ عندي منها «4» إنَّا لا ننهى وقال نحو هذا ابنُ عَبَّاس «5» . وقوله سبحانه: عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ: ظاهره أنَّ الإثم هنا يرادُ به الكُفْر، ويحتمل أن يراد سَائِرُ أقوالهم المُنْكَرَة في النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وقرأ «6» ابن عباس: «بِئْسَ مَا كَانُوا يصنعون» بغير لام قسم. [سورة المائدة (5) : آية 64] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) وقوله سبحانه وتعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ ... إلى قوله: لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: هذه الآيةُ تعديدُ كبيرةٍ في أقوالهم وكُفْرهم، أي: فَمَنْ يقول هذه العظيمة، فلا

_ (1) أخرجه الطبري (4/ 637) ، وابن عطية (2/ 214) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 34) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (4/ 637) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 638) (12243) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 214) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 524) ، وعزاه لابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك بن مزاحم. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 638) (12243) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 214) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 524) وعزاه لابن جرير، وأبي الشيخ عن ابن عباس. (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 214) ، و «البحر المحيط» (3/ 532) ، و «الدر المصون» (2/ 565) .

يُسْتنكَرُ نفاقُهُ وسعْيُهُ في رَدِّ أمر اللَّه تعالى. قال ابن عباس وجماعة: معنى قولهم: التبخيلُ وذلك أنهم لحقَتْهم سَنَةٌ وجَهْدٌ، فقالوا هذه المقالة، يعْنُونَ بها أنَّ اللَّه بَخِلَ عليهم بالرِّزْقِ والتوسعَةِ، تعالَى اللَّه عن قَوْلِهِمْ «1» ، وهذا المعنى يشبه ما في قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الإسراء: 29] فإن المراد: لا تَبْخَلْ ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ ... » الحديثَ، وذكر الطبري والنَّقَّاش أن هذه الآية نزلَتْ في فِنْحَاص اليَهُودِيِّ، وأنه قالها «2» . وقوله سبحانه: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ: خبرٌ يحتملُ في الدنيا، ويحتمل في الآخرة، فإن كان خبراً عن الدنيا، فالمعنى: غُلَّت أيديهم عن الخَيْرِ والإنفاقِ في وجوه البِرِّ ونحوه، وإذا كان خبراً عن الآخرة، فالمعنى: غُلَّتْ في النار، قلْتُ: ويَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ معاً. وقوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ: العقيدةُ في هذا المعنى: نَفْيُ التشبيه عن اللَّه سبحانه، وأنه ليس بِجِسْمٍ، ولا له جارِحَةٌ، ولا يُشَبَّهُ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتحيَّز، ولا تَحُلُّهُ الحوادثُ، تعالى عما يقول المبطلون عُلُوًّا كبيراً، قال ابن عبَّاس في هذه الآية: يَداهُ: نعمتاه «3» ، ثم اختلفت عبارة النَّاس في تَعْيِين «4» النعمتَيْن:

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» بنحوه (4/ 640) برقم (12246) ، وابن عطية (2/ 214) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 640) برقم (12251) عن عكرمة. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 640) ، ولم يعزه لأحد وذكره ابن عطية (2/ 215) . (4) أقول وبالله التوفيق: وإنما يجب أن يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] بل الأمر كما قال الأئمة منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فيمن أثبت لله- تعالى- ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى- ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى فالاستواء على العرش صفة لله تعالى يجب الإيمان بها بلا كيف، ويكل العلم فيه إلى الله- عز وجل- وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: 5] كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليا، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، وما أظنك إلا ضالا.، ثم أمر به فأخرج. ينظر: «البغوي» (2/ 165) . [.....]

فقيل: نعمةُ الدنيا، ونعمةُ الآخرةِ، وقيل: النعمة الظاهرة، والنعمة الباطنةُ، والظاهر أن قوله سبحانه: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ عبارةٌ عن إنعامه على الجملة، وعبَّر عنها باليدَيْن جرياً على طريقة العرب في قولهم: فُلاَنٌ يُنْفِقُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ ومنه قول الأعشى: [الطويل] يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَة ... وَكَفٌّ إذَا مَا ضُنَّ بِالمَالِ تُنْفِقُ «1» ويؤيِّد أن اليدَيْن هنا بمعنى الإنعامِ- قرينةُ الإنفاق، ثم قال تعالى لنبيِّه- عليه السلام-: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ، يعني: اليهودَ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً، ثم قال سبحانه: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، العداوة: أخصُّ من البغضاء لأن كلَّ عدوٍّ، فهو يُبْغضُ، وقد يُبْغضُ مَنْ ليس بعدُوٍّ، والبغضاء: قد لا تتجاوَزُ النفوسَ، وقد ألقى اللَّه سبحانه الأمرَيْن على بني إسرائيل. قال الفَخْر «2» : وقد أوقع اللَّه بَيْنَ فِرَقِهِمْ الخصومةَ الشَّديدة، وانتهى أمرهم إلى أنْ يُكَفِّرَ بعضهم بعضاً، وفي قوله: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ ... الآية: قولان: أحدهما: أن المراد ما بَيْن اليهودِ والنصارى من العداوةِ لأنه جرى ذكْرُهُمْ في قوله: لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: 51] ، وهذا/ قول الحسنِ ومُجَاهد «3» . والثاني: ما وقع من العداوة بين فِرَقِ اليهود، فإنَّ بعضهم جبريَّةٌ وبعضهم قَدَرية، وبعضهم مُوَحِّدة، وبعضهم مُشَبِّهة، وكذلك بَيْن فرقِ النصارى كالمَلْكَانِيَّة، والنُّسْطُورِيَّة، واليَعْقُوبيَّة «4» . انتهى.

_ (1) البيت في ديوانه (225) ، و «الدر المصون» (2/ 566) ، و «البحر المحيط» (3/ 535) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 38) . (3) أخرجه الطبري (4/ 642) برقم (12254) عن مجاهد. (4) ونقل عن طوائف النصارى القول بالاتحاد، وعن بعضهم القول بالحلول، وعن بعضهم القول بأن عيسى ابن الله، وعن بعض طوائف اليهود القول بأن عزيرا ابن الله. واختلف النقل عن النصارى في معنى الاتحاد. فقيل: معناه أن الكلمة وهي صفة العلم ظهرت في عيسى وصارت معه هيكلا. وقيل: معناه المخارجة بمعنى أن تكون من الكلمة وعيسى شيء ثالث- وأما القول بالحلول فمعناه على رأي بعض فرقهم: أن الكلمة وهي صفة العلم حلت في المسيح، وعلى رأي البعض الآخر: أن ذات الله حلت في المسيح. ولما كان كلامهم في الحلول والاتحاد مضطربا وغير منضبط على وجه صحيح، فنذكر الصور العقلية التي تتأتى في الاتحاد والحلول فنقول: إما أن يقولوا باتحاد ذات الله بالمسيح، أو حلول ذاته فيه، أو حلول صفته فيه، وكل ذلك إما ببدن عيسى أو بنفسه وإما ألّا يقولوا بشيء من ذلك. وحينئذ فإما أن يقولوا: أعطاه الله قدرة على الخلق والإيجاد أولا. ولكن خصه الله بالمميزات، وسماه ابنا تشريفا كما سمى إبراهيم خليلا، فهذه ثمانية احتمالات كلها باطلة للأدلة التي أحالت حلول الله واتحاده، والسابع-

وقوله سبحانه: كُلَّما أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ: استعارة بليغة، قال

_ - باطل لما ثبت أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله، وبقي احتمال اتحاد الكلمة بذات المسيح، وهو باطل أيضا لأن الكلمة المراد منها عندهم صفة العلم والاتحاد بجميع معانيه وأفراده مستحيل على الله بالأدلة السابقة والشبهة التي أوقعت النصارى في هذه الكلمات هي ما جاء في الإنجيل في عدة مواضع من ذكر الله بلفظ الأب، وذكر عيسى بلفظ الابن، وذكر الاتحاد والحلول تصريحا أو تلويحا، فمن ذلك ما جاء في إنجيل (يوحنا) في الصحاح الرابع عشر (يا فيلسوف من يراني ويعاينني، فقد رأى الأب، فكيف بقول: أنت أرنا الأب، ولا تؤمن أني بأبي وأبي بي واقع واقع، وأن الكلام الذي أتكلم به ليس من قبل نفسي، بل من قبل أبي الحال في، وهو الذي يعمل هذه الأعمال التي أعمل آمن وصدق أني بأبي وأبي بي) هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربية المتداول عندهم، فأخذ بعضهم الاتحاد من قوله: (من يراني ويعاينني فقد رأى الأب) وأخذ بعضهم الحلول من قوله: (أبي الحال في) ، وأخذ النبوة من التصريح بلفظ الأب مرة بعد أخرى، وهذا لا يصلح دليلا لوجهين: الوجه الأول: توافرت الأدلة على حصول التغيير والتبديل في الإنجيل، فاحتمل أن يكون ذلك المذكور في إنجيل يوحنا مما حصل فيه التغيير والتبديل، فلا يصلح حينئذ أن يكون دليلا، فلا يصح به الاستدلال. الثاني: أن نتنزل ونقول: لا تغيير ولا تبديل في ذلك المنقول، لكن دلالته على مدعاهم ليست يقينية لجواز أن يكون المراد من الاتحاد الذي فهمه بعضهم من الجملة الأولى الاتحاد في بيان طريق الحق، وإظهار كلمة الصدق كما يقال: أنا وفلان واحد في هذا القول، ولجواز أن يكون المراد من الحلول المصرح به في بعض الجمل حلول آثار صنع الله من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ولجواز أن يكون المراد من الأب المبدئ، فإن القدماء كانوا يطلقون الأب على المبدئ فمضى قوله: أبي مبدئي وموجدي وسمى عيسى ابنا تشريفا له كما سمى إبراهيم خليلا. وأيضا فمن كان متوجها لشيء ومقيما عليه يقال له: ابنه كما يقال: أبناء الدنيا، وأبناء السبيل، فجاز أن يكون تسمية عيسى بالابن لتوجهه، في أكثر الأحوال إلى الحق، واستغراقه أغلب الأوقات في جناب القدس، ومما يؤكد ذلك أنه جاء في الصحاح السابع عشر من إنجيل يوحنا حيث دعا عيسى للحواريين ما لفظه: «وكما أنت يا أبي بي وأنا بك، فليكونوا هم أيضا نفسا واحدا يؤمن أهل العلم، بأنك أنت أرسلتني، وأنا قد استودعتهم بالمجد الذي مجدتني به، ودفعته إليهم ليكونوا على الإيمان، كما أنا وأنت أيضا واحد، وكما أنت حال فيّ كذلك أنا فيهم ليكون كمالهم واحدا» هذا لفظ الإنجيل، وقد تبين منه معنى الاتحاد والحلول على وجه مغاير لما فهموه، وجاء في الصحاح التاسع عشر ما لفظه: «إني صاعد إلى أبيكم وإلهي وإلهكم» وهذا يدل بواسطة العطف على أن المراد من الأب الإله، وعلى أنه مساو لهم في معنى النبوة والعبودية، فهذه النصوص تدحض حجتهم، وتلزمهم إذا أرادوا الحق بالرجوع إلى ما قضت به الأدلة العقلية المتقدمة من استحالة الاتحاد والحلول والنبوة. أما بعض اليهود الذين قالوا: أن عذيرا ابن الله، فقد أشار الله- تعالى- إليه بقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] نسب الله ذلك القول إلى اليهود، مع أنه قول لطائفة منهم، جريا على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد والسبب الذي دعا هذه الطائفة إلى القول بأن عزيرا ابن الله أن اليهود تركوا العمل بما في التوراة، وعملوا بغير الحق فعاقبهم الله تعالى بأن أنساهم التوراة، ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله، وابتهل إليه، فعاد حفظ التوراة إلى قلبه فأنذر قومه به، فلما جربوه-

[سورة المائدة (5) : الآيات 65 إلى 66]

مجاهد: معنى الآيةِ: كلَّما أوقدوا ناراً لحَرْبِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أطفأها اللَّه «1» ، فالآيةُ بشارةٌ لنبيِّنا محمد- عليه السلام- وللمؤمنين، وباقي الآية بيّن. [سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 66] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66) وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا ... الآية: هذه الآية تحتملُ أنْ يراد بها معاصرو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتحتملُ أنْ يراد بها الأسلافُ، والمعاصِرُونَ. وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ، أي: أظهروا أحْكَامها، فهي كإقامةِ السُّوق، وإقامةِ الصَّلاةِ. وقوله سبحانه: وَالْإِنْجِيلَ: يقتضي دخُولَ النصارى في لفظُ أهْلِ الكتابِ في هذه الآية، قلْتُ: وقال مكِّيٌّ: معنى: أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ: أيْ: عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبنبوَّته. انتهى من «الهداية» . وقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: معناه: مِنْ وحْيٍ وسُنَنٍ على ألْسِنَةِ الأنبياء- عليهم السلام-، واختُلِفَ في معنى: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فقال ابن عباس وغيره: المعنى: لأعطتهم السماءُ مطَرها، والأرض نباتَهَا بفَضْلِ اللَّه تعالى «2» ، وقال الطبريُّ «3» وغيره: إن الكلام استعارة ومبالغةٌ في التوسِعَةِ كما يقالِ: فُلاَنٌ قد عمَّهُ الخَيْرُ مِنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ. وقوله سبحانه: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ: معناه: معتدِلَةٌ، والقَصْد والاقتصاد: الاعتدال والرفْقُ والتوسُّط الحَسَن في الأقوال والأفعال، قال ابنُ زَيْد: وهؤلاءِ هُمْ أهْل طاعَةِ اللَّه من

_ - وجدوه صادقا فيه، فقالوا: ما تيسر لهذا العزير دون سواه إلا لأنه ابن الله، وهذه شبهة واهية لا يصح الاستناد إليها لأن إجابة المطلب مرتبطة بالقبول والقرب من الله، والخضوع لأوامره، واجتناب نواهيه لا بالنبوة كما يزعمون. ينظر: «الدرر السنية في تنزيه الحضرة الإلهية» لشيخنا أحمد المستكاوي. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 644) برقم (12259) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 216) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 645) برقم (12261) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 527) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. (3) ينظر: الطبري (4/ 645) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 67 إلى 68]

أهْل الكتاب «1» . قال ع «2» : وهذا هو الراجِحُ. [سورة المائدة (5) : الآيات 67 الى 68] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... الآية: هذه الآية أمْرٌ مِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه- عليه السلام- بالتبليغِ على الاستيفاء والكمالِ لأنه قد كان بلّغ صلّى الله عليه وسلّم، وإنما أُمِرَ في هذه الآيةِ بِأَلاَّ يتوقَّفَ عن شَيْء مخافةَ أحَدٍ وذلك أنَّ رسالته- عليه السلام- تضمَّنت الطَّعْنَ على أنواع الكَفَرة، وبيان فساد حالهم، فكان يلقى منهم صلّى الله عليه وسلّم عَنَتاً، وربَّما خافهم أحياناً قبل نزول هذه الآية، فقال الله تعالى له: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، أيْ: كاملاً، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، قالتْ عائشةُ أمُّ المؤمنين (رضي اللَّه عنها) : «مَنْ زَعَمَ أنَّ محمداً كَتَمَ شيئاً مِنَ الوَحْيِ، فقد أَعْظَم الفريةَ، والله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... الآية» ، وقال عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقٍ: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتعقبه أصحابُهُ يحْرُسُونه، فلما نزلَتْ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، خرَجَ، فقَالَ: «يَا أَيُّها النَّاسُ، الحقوا بِمَلاَحِقِكُمْ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي» «3» ، قلْتُ: وخرَّج الترمذيُّ هذا الحديثَ أيضاً من طريق عائشة «4» ، وكما وجَبَ عليه التبليغُ- عليه السلام-، وجب على علماءِ أمته، وقد قال- عليه السلام-: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَة» «5» ، وعن زيدِ بنِ ثابتٍ (رضي اللَّه عنه) قَالَ: سَمِعْتُ

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 646) برقم (12271) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 217) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 475) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 647) رقم (12277) عن عبد الله بن شقيق. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 530) ، وزاد نسبته إلى ابن مردويه. (4) أخرجه الترمذي (5/ 251) كتاب «التفسير» ، باب سورة المائدة رقم (3046) ، والحاكم (2/ 313) ، والطبري (4/ 647) رقم (12279) من طريق سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحرس، ولم يذكروا فيه عائشة. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 529) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وأبي نعيم، والبيهقي كلاهما في «الدلائل» . (5) أخرجه البخاري (6/ 572) كتاب «أحاديث الأنبياء» ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث (3461) ، -[.....]

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً، فَحَفِظَهُ حتى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهٍ إلى مَنْ لَيْسَ بِفَقِيةٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» ، رواه أبو داودَ، واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ وابنُ ماجه، وابن حِبَّانَ في «صحيحِهِ» ، وقال التِّرمذيُّ/: هذا حديثٌ حسنٌ، ورواه مِنْ حديث ابن مسعود، وقال: حسن صحيح «1» . انتهى من «السلاح» .

_ - والترمذي (5/ 39) كتاب «العلم» ، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، حديث (2669) وقال: حسن صحيح. (1) ورد من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجبير بن مطعم. فأما حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي (5/ 33) في العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع (2657، 2658) ، وابن ماجة (1/ 85) في المقدمة، باب من بلغ علما (232) والحميدي في «مسنده» (88) ، وأحمد (1/ 437) ، والشافعي في «مسنده» (1/ 16) ، وأبو يعلى (5226، 5296) ، وابن حبان (74، 75، 76) موارد، والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» برقم (6، 7، 8) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (188، 189، 190، 191) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 331) . والخطيب في «الكفاية» ص (173) ، وفي «شرف أصحاب الحديث» ص (18، 19) ، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (1/ 15- 16، 43) ، وفي «الدلائل» (6/ 540) والقضاعي في «مسند الشهاب» (1419، 1420) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 9، 10) وأبو الشيخ في «الأمثال» (204) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (2/ 90) ، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص (322) من طرق عنه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأما حديث زيد بن ثابت أخرجه أبو داود (2/ 346) في العلم، باب فضل نشر العلم (3660) ، والترمذي (2656) وابن ماجة (230) ، وأحمد (5/ 183) وابن حبان (72- 73) موارد، والدارمي (1/ 75) ، والطحاوي في «مشكل الآثار» (2/ 232) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (184، 185، 186، 187) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (94) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 11) ، والرامهرمزي (423) والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» (ص 17، 18) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/ 71) . وقال الترمذي: حديث حسن. وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه ابن ماجة (231) ، وأحمد (4/ 80، 82) والدارمي (1/ 74- 75) والطبراني في «الكبير» (1541) ، وأبو يعلى في مسنده (7413) والقضاعي في «مسند الشهاب» (1421) والطحاوي في «المشكل» (2/ 232) وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (2/ 10) ، وابن حبان في «المجروحين» (1/ 4- 5) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (195) ، والحاكم في «المستدرك» (1/ 87) من طرق عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير عن أبيه. وأخرجه ابن ماجة (231) ، والطبراني في «الكبير» (1542) ، والطحاوي في «المشكل» (2/ 232) من طريق ابن إسحاق، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن الزهري، عن محمد بن جبير به. وقال البوصيري في «الزوائد» (1/ 99) : هذا إسناد ضعيف لضعف عبد السلام.. وأخرجه الطبراني (1543) وابن أبي حاتم (1/ 10) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن أبي عمرو، عن محمد بن جبير، عن أبيه به. -

[سورة المائدة (5) : الآيات 69 إلى 70]

وقال محمد بن كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نزِلَتْ هذه الآيةُ بسبب الأعرابيِّ الذي اخترط سيْفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ليقتُلَهُ به «1» . قال ابنُ العربيِّ: قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ: معناه: يَجْعَلْ بينَكَ وبينهم حجاباً يمنع من وصُولِ مكروههم إلَيْك كَعِصَامِ الْقِرْبَةِ الذي يَمْنَعُ سَيَلاَنَ الماءِ منها، ولعلمائنا في الآية تأويلاتٌ. أصحها: أنَّ العصمة عامَّة في كلِّ مكروهٍ، وأنَّ الآية نزلَتْ بعد أن شجّ وجهه، وكسرت رباعيته صلّى الله عليه وسلّم «2» . وقيل: إنه أراد مِنَ القتل خاصَّة، والأول أصحّ، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم أُوتِيَ بَعْضَ هذه العَصْمَةِ بمكَّة في قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: 95] ثم كمُلَتْ له العصْمَةُ بالمدينةِ، فعُصِمَ من النَّاس كلِّهم. انتهى من كتابه في تفسير أفعال اللَّه الواقعة في القرآن. ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقولَ لأهْل الكتابِ الحاضِرِينَ معه: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، أيْ: على شيءٍ مستقيمٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، وفي إقامتهما الإيمانُ بنبيِّنا محمَّد- عليه السلام-، قلْتُ: وهذه الآية عنْدِي مِنْ أَخْوَفِ آية في القرآنِ كما أشار إلى ذلك سفيانُ، فتأمَّلها حقَّ التأمُّل. وقوله سبحانه: وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... الآية: يعني به القرآن. [سورة المائدة (5) : الآيات 69 الى 70] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70)

_ - وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (7414) ، والحاكم (1/ 87- 88) من طريق ابن إسحاق عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الرّحمن بن الحويرث عن محمد بن جبير به. وتابعه عليه إسماعيل بن جعفر، عن عمرو به، وأخرجه الدارمي في «سننه» (1/ 74) . وأخرجه الطبراني (1544) ، والحاكم (1/ 87) من طريق نعيم بن حماد قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن جبير. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 648) (12281) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 218) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 530) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي. (2) أخرجه مسلم (3/ 1417) ، كتاب «الجهاد والسير» ، باب غزوة أحد (104- 1791) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 71 إلى 75]

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على اختلافها، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في «سورة البقرة» ، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: «وَالصَّابِئُونَ» ، وقرىء خارجَ السبعة «1» : «والصَّابِئِينَ» ، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فاختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارى كذلك. قال ص: ووجه ثانٍ أنَّ خبر «إنَّ» محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجرهم، وخبر «الصّابئين» : مَنْ آمَنَ وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ وهو حَسَنٌ جدًّا إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ «إنَّ» للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ. انتهى. قلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ على كل حال، والجَمْعَ بالواو على كُلِّ حال قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا. [سورة المائدة (5) : الآيات 71 الى 75] وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

_ (1) وهي قراءة عثمان، وأبي بن كعب، وعائشة، وسعيد بن جبير، والجحدري، كما في «المحتسب» (1/ 217) . وينظر: «الكشاف» (1/ 662) ، و «المحرر الوجيز» (1/ 219) ، و «البحر المحيط» (3/ 541) ، و «الدر المصون» (2/ 576) .

وقوله سبحانه: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقّ، وهذا كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» «1» . وقوله سبحانه: ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى: تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: رجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: / استناد هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالى، واستناد العمى وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال إليهم، ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيحِ لهم، فقال: وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ... الآية، فضَلُّوا هم، وكفروا بسَبَب ما رأَوْا على يديه من الآيات.

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 755) كتاب «الأدب» ، باب في الهوى حديث (5130) ، وأحمد (5/ 194، 6/ 450) والبخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 1/ 172) ، والدولابي في «الكنى» (1/ 101) وابن عدي في «الكامل» (2/ 472) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 328) وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص 20) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (219) كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه مرفوعا وهذا إسناد ضعيف لاختلاط ابن أبي مريم. وأخرجه أحمد (5/ 194) عن أبي اليمان، عن أبي مريم به، إلا أنه رواه موقوفا. قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص 181- 182) . وقد بالغ الصغاني فحكم عليه بالوضع، وكذا تعقبه العراقي، وقال: إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، إنما سرق له حلي فأنكر عقله، وقد ضعفه غير واحد، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن انتهى، وفي الباب مما لم يثبت عن معاوية، قال العسكري: أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن من الحب ما يعميك عن طريق الرشد ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمه حبه عن العدل، وأعماه عن الرشد، وكذا قال بعض الشعراء. وعين أخي الرضى عن ذاك تعمى وقال آخر: فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا وعن ثعلب قال: تعمى العين عن النظر إلى مساويه، وتصم الأذن عن استماع العذل فيه وأنشأ يقول: وكذبت طرفي فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع وقيل تعمى وتصم عن الآخرة، وفائدته النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه.

[سورة المائدة (5) : الآيات 76 إلى 77]

وقوله تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ، يحتملُ أن يكون من قول عيسى- عليه السلام- لبني إسرائيل، ويحتمل أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه لنبيِّه محمد- عليه السلام-. وقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ... الآية: إخبارٌ مؤكِّد كالذي قبله، عن هذه الطائفة النَّاطقة بالتثليث، وهم فِرَقٌ، منهم النُّسْطُورِيَّة وغيرهم، ولا معنى لذكْر أقوالهم في كُتُب التَّفْسِير. وقوله سبحانه: ثالِثُ ثَلاثَةٍ: لا يَجوزُ فيه إلاَّ الإضافةُ، وخفض «ثلاثة» لأن المعنى أحدُ ثلاثةٍ، فإنْ قلت: زَيْدٌ ثَالِثُ اثنين، أَوْ رَابِعُ ثَلاَثَةٍ، جاز لك أنْ تضيفَ كما تقدَّم، وجاز ألاَّ تضيفَ، وتَنْصِب «ثَلاَثة» على معنى: زَيْدٌ يربِّع ثلاثةً. وقوله سبحانه: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ... الآية: خَبَرٌ صادِعٌ بالحَقِّ، وهو سبحانه الخالِقُ المُبْدِعُ المتَّصِفُ بالصفات العُلاَ، سبحانه وتعالى عَمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً، ثم توعَّدهم، إنْ لم ينتهوا عما يقولُونَ، ثم رَفَق جلَّ وعلا بهم بتحضيضه إيَّاهم على التوبة، وطَلَبِ المَغْفرة، ثم وصَفَ نفسه سبحانه بالغُفْرَانِ والرَّحْمة استجلابا للتائِبِينَ وتَأْنيساً لهم ليكونوا على ثِقَةٍ من الانتفاعِ بتوبتهم. قال ص: لَيَمَسَّنَّ: اللامُ فيه جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ قبل أداة الشرطِ. انتهى. وقوله تعالى: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ: بناءُ مبالغةٍ مِنَ الصِّدْقِ، ويحتملُ من التَّصْديق وبه سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (رضي اللَّه عنه) وهذه الصفةُ لمريم تدفع قولَ مَنْ قال: إنها نَبِيَّةٌ. وقوله سبحانه: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ: تنبيهٌ على نقص البشريَّة، وعلى حالٍ مِنَ الاحتياجِ إلى الغذاء تنتفي معها الألوهيّة، ويُؤْفَكُونَ: معناه: يصرفون ومنه قوله عز وجل: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: 9] ، والأرْضُ المأْفُوكَةُ الَّتِي صُرِفَتْ عن أن ينالها المَطَرُ، والمَطَرُ في الحقيقةِ هو المَصْرُوفُ، ولكنْ قيل: أرضٌ مأفوكة لما كانت مأفوكا عنها. [سورة المائدة (5) : الآيات 76 الى 77] قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) وقوله تعالى: قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ

[سورة المائدة (5) : الآيات 78 إلى 81]

السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ... الآية: الضَّرُّ- بفتح الضاد-: المصدَرُ، وبضمها الاسم، وهو عدم الخير، والسَّمِيعُ لأقوالهم والْعَلِيمُ بنيَّاتهم، والغُلُوُّ: تجاوُزُ الحدِّ من غَلاَ السَّهْمُ إذا تجاوَزَ الغَرَضَ المقصُودَ، وتلك المسافَةُ هي غَلْوَتُهُ، وهذه المخاطَبَةُ هي للنصارَى الذي غَلَوْا في عيسى، والقوم الذين نُهِيَ النصارى عن اتباع أهوائهم هو بَنُو إسرائيل، ووَصَف تعالى اليهودَ بأنهم ضَلُّوا قديماً، وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكَّد الأمر بتَكْرار قوله تعالى: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. [سورة المائدة (5) : الآيات 78 الى 81] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81) وقوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... الآية: قال ابنُ عباس (رضي اللَّه عنه) : لُعِنُوا بكلِّ لسانٍ لُعِنُوا في التوراةِ، وفي الزَّبُورِ، والإنجيلِ، والفُرْقَانِ «1» . وقوله سبحانه: كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ... الآية: ذَمَّ اللَّه سبحانه هذه الفِرْقَةَ الملْعُونَةَ بأنهم كانوا لا يَتَنَاهَوْن عن منكرٍ فعلوه، أي: أنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي، / وإن نهى منهم ناه، لم يمتنعْ عن مواصلةِ العاصِي، ومؤاكلتِهِ، وخُلْطَتِهِ ورَوَى ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ، إذَا رأى أَخَاهُ على ذَنْبٍ، نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ، لَم يَمْنَعْهُ مَا رأى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ أَوْ خَلِيطَهُ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تعالى ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ على لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وعيسى» ، قال ابنُ مسعود: وكانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، وَقَالَ: «لاَ، وَاللَّهِ حتى تَأْخُذُوا على يَدِ الظَّالِمِ، فَتَأطُرُوهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً» «2» ،

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (4/ 656) (12303) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 223) . (2) أخرجه الترمذي (5/ 252) كتاب «التفسير» ، باب سورة المائدة، حديث (3047) وأبو داود (2/ 524- 525) كتاب «الملاحم» ، باب الأمر والنهي، حديث (4336) وابن ماجة (2/ 1328) كتاب «الفتن» ، باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حديث (4006) من طريق علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبعضهم يقول عن أبي عبيدة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا.

والإجماعُ على أن النهْيَ عن المنْكَرِ- واجبٌ لمن أطاقه، ونهى بمعروفِ، أي: برفْقٍ، وقَوْلٍ معروفٍ، وأمْنِ الضرر عليه، وعلى المؤمنين، فإن تعذَّر على أحَدٍ النَّهْيُ لشيءٍ من هذه الوجوه، ففَرْضٌ عليه الإنكارُ بقلبه، وألاَّ يخالِطَ ذا المُنْكَرِ، وقال حُذَّاق أهْل العِلْم: لَيْسَ مِنْ شروط الناهِي أنْ يكون سليماً من المَعْصية، بل ينهَى العُصَاةُ بعضُهم بعضاً. وقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ: اللامُ لامُ قسَمٍ، وروى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ» ، أو قَالَ: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» «1» . انتهى. وقوله تعالى لنبيِّه محمَّد- عليه السلام-: تَرى كَثِيراً يحتمل أن تكون رؤيةَ عَيْن فلا يريد إلاَّ معاصريه، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَة قَلْب وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصرين له، ويحتمل أن يريد أسلافهم، والَّذِينَ كَفَرُوا: عبدة الأوْثَان. وقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ... الآية، أي: قدَّمته للآخرة، واجترحته، ثم فسَّر ذلك قولُه تعالى: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ف أَنْ سَخِطَ: في موضع رَفْعٍ بدَلٍ من ما، ويحتمل أن يكون التقدير: هو أنْ سَخِطَ اللَّه عليهم. وقوله تعالى: وَالنَّبِيِّ إنْ كان المرادُ الأَسْلاَفَ، فالنبيُّ: داودُ وعيسى، وإنْ كان المرادُ معاصري نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمراد ب «النبيّ» هو صلّى الله عليه وسلّم. وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قوله سبحانه: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ كلامٌ منقطعٌ من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين ونحوه لمجاهد «2» .

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 527- 528) ، كتاب «الملاحم» ، باب الأمر والنهي، حديث (4344) ، وابن ماجة (2/ 1329) كتاب «الفتن» ، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (4011) من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري به. وأخرجه الحميدي (752) ، والحاكم (4/ 505- 506) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري به. وقال الحاكم: تفرد به ابن جدعان، ولم يحتج به الشيخان وقال الذهبي في «التلخيص» : هو صالح الحديث. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 225) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 82 إلى 86]

[سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86) وقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ... الآية: اللامُ في قوله: لَتَجِدَنَّ: لام ابتداءٍ، وقال الزَّجَّاج «1» : هي لامُ قَسَمٍ، وهذا خبر مُطْلَقٌ منسحبٌ على الزمان كلِّه، وهكذا هو الأمر حتَّى الآن، وذلك أن اليهودَ مَرَنُوا على تكذيبِ الأنبياء وقَتْلِهِمْ، ومَرَدُوا على استشعار اللعْنَةِ، وضَرْبِ الذِّلَّة والمَسْكنة، فهم قد لَجَّتْ عداوتهم، وكَثُر حَسَدهم، فهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين وكذلك المشركون عبدةُ الأوثانِ والنِّيران، وأما النصارى، فإنهم يعظمون من أهْلِ الإسلام مَنِ استشعروا مِنه صِحَّة دِينٍ، ويستهينُونَ مَنْ فهموا منه الفِسْقَ، فهم إنْ حاربوا، فإنما حَرْبهم أَنَفَةٌ، لا أنَّ شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فَسِلْمُهم صافٍ، واليهودُ (لعنهم اللَّه) ليسوا على شيء من هذه الخِلالِ، بل شأنهم الخُبْث، واللَّيُّ بالألسنة، والمَكْر، والغَدْر، ولم يصفِ اللَّه تعالَى النصارى بأنهم أهْلُ وُدٍّ، وإنما وصفهم بأنهم أقرَبُ من اليهود والمشركين، وفي قوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: إشارةٌ إلى معاصري نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم/ من النصارى بأنهم ليسوا على حقيقيَّة النصرانيَّة، وإنما هو قولٌ منهم، وزَعْم. وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً ... الآية: معناه: ذلك بأن منهم أهْلَ خشْيَةٍ وانقطاع إلى اللَّه تعالى، وعبادةٍ، وإنْ لم يكونوا على هُدًى، فهم يَميلُونَ إلى أهل العبادةِ والخَشْيَةِ، وليس عند اليهود ولا كان قَطُّ- أهْلُ دياراتٍ وصوامِعَ وانقطاعٍ عن الدنيا، بل هم معظِّمون لها، متطاولُون في البنيان، وأمورِ الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة فلذلك لا يرى فيهم زاهد، قال الفَخْر «2» : القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ: قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ بلغة الرُّوم، وهذا مما وقع الوِفَاقُ فيه بَيْن اللغتَيْنِ. انتهى. ووصف اللَّه سبحانه النصارى، بأنهم لا يستكبرون، وهذا موجودٌ فيهم حتى الآن، واليهوديُّ متى وجد عِزًّا، طغى وتكبَّر، ثم مدحهم سبحانه، فقال: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (2/ 199) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 56) .

إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... الآية: قال النوويُّ: ينبغي للقارىء أن يكون شأنُهُ الخشوعَ والتدبُّر والخضوعَ فهذا هو المقصود المطلوبُ، وبه تنشرح الصدورُ، وتستنيرُ القُلُوب، ودلائلُه أكْثَرُ من أنْ تُحْصَر، وأشهرُ من أنْ تُذْكَر، وقد بات جماعةٌ من السَّلَف يتلو الواحدُ منهم آيةً واحدةً، ليلةً كاملةً، أو معظمَ ليلةٍ يتدَبَّرها، وصُعِقَ جماعاتٌ منهم عند سماع القرآن، وقراءتِهِ، وماتَ جماعاتٌ منهم، ويستحب البكاءُ والتباكِي لِمَنْ لا يقدر على البكاء فإن البكاء عند القراءة صفةُ العارفين، وشعارُ عُبَّادِ اللَّه الصَّالحين، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: 109] وقد وردَتْ آثار كثيرة في ذلك. انتهى من «الحلية» للنوويِّ. وذكر ابن عباس وابن جُبَيْر ومجاهد أنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب وَفْدٍ بعثهم النجاشيّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم القُرآن، فَبَكَوْا وآمَنُوا، ورَجعُوا إلى النجاشيِّ، فآمن، ولم يَزَلْ مؤمناً حتى ماتَ، فصلى عليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «1» ، وروي أنَّ نَعْشَ النجاشيِّ كُشِفَ للنبيِّ- عليه السلام- فكان يراه مِنْ موضعه بالمدينةِ وجاء الخَبَرُ بعد مدة أنَّ النجاشيَّ دُفِنَ في اليوم الذي صلّى فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليه، قال أبو صالح: كانوا سبعةً وستين رجلاً «2» ، وقال ابن جُبَيْرٍ: كانوا سبعين، عليهم ثيابُ الصُّوف، وكُلُّهم صاحبُ صَوْمَعَة اختارهم النجاشيُّ «3» . وصَدْرُ الآية في قُرْب المودَّة عامٌّ فيهم، ولا يتوجَّه أنْ يكون صَدْر الآية خاصًّا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص مِنْ قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا، وجاء الضمير عامّا إذا قد تُحْمَدُ الجماعةُ بفعْلِ واحدٍ منهم، وفي هذا استدعاء للنصارى، ولُطْفٌ من اللَّه بهم ليؤمنوا. قال ص: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ: «مِن» الأولى لابتداءِ الغاية. قال أبو البقاء: ومعناها: مِنْ أجْل الذي عَرَفُوا، و «من» الثانية لبيان «ما» الموصولة. انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 3) برقم (12319) عن مجاهد، (12318) عن سعيد بن جبير، (12320) عن ابن عباس، وذكره ابن عطية (2/ 226) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 537) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، وعزاه أيضا لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن مجاهد. [.....] (2) أخرجه الطبري (5/ 5) برقم (12326) ، وذكره ابن عطية (2/ 226) . (3) أخرجه الطبري (5/ 6) برقم (12328) ، وذكره ابن عطية (2/ 226) ، والسيوطي (2/ 537) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

[سورة المائدة (5) : الآيات 87 إلى 89]

قال العراقيُّ: تَفِيضُ، أي: تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ: «اقرءوا القُرْآنَ، وابكوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا» ، خرَّجه البزِّار «1» . انتهى من «الكوكب الدري» ، وفيه عن البزَّار أيضاً أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حتى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ» . انتهى. وقولهم: مَعَ الشَّاهِدِينَ، يعني: نبيّنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، وأمته قاله ابن عباس «2» وغيره، وقال «3» الطبريُّ: لو قال قائلٌ: معنى ذلك: «مع الشاهِدينَ بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ» ، لكان صواباً، وهو كلامٌ صحيحٌ وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد لقول اللَّه سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ... [البقرة: 143] الآية، وقولهم: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ: توقيفٌ لأنفسهم أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون: محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه قاله ابن زيد وغيره «4» من المفسِّرين، ثم ذكر تعالى ما أثابهم به مِنَ النعيم على إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حال الكافرين المكذّبين، وأنهم قرناء الجحيم. [سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 89] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... الآية: قال ابن عباس وغيره «5» نزلَتْ بسبب جماعة من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالى إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتي

_ (1) تقدم «تفسيره» في أول التفسير. (2) أخرجه الطبري (5/ 7) برقم (12336) ، وذكره ابن عطية (2/ 227) . (3) ينظر: الطبري (5/ 8) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (2/ 8) (12339) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 226) . (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 11) (12351) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 228) ، و «صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس» (ص 186/ 334) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 544) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس.

النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي» ، قال الطبريُّ: كان فيما يتلى: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» ، والطيباتُ في هذه الآية: المستلَذَّات بدليل إضافتها إلى ما أحلَّ اللَّه وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية. وقوله سبحانه: وَلا تَعْتَدُوا، قال عكرمة وغيره: معناه: في تحريم ما أحلَّ اللَّه «1» ، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ: المعنى: ولا تعتدُوا، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه «2» ، فالنهْيَان على هذا تضمَّنا الطرفَيْن كأنه قال: لا تشدِّدوا فتحرِّموا حلالاً، ولا تترخَّصوا فتحلُّوا حراماً، قلتُ: وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن أبي النَّضْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومُرَّ بجَنَازَتِهِ: «ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» «3» . قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديثُ في «الموطإ» مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلاً مُسْنَداً من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر عن عائشةَ، قالَتْ: «لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبكى بُكَاءً طويلاً، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: طوبى لَكَ يَا عُثْمَان! لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا» «4» . قال أبو عمر: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنيا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ على أنفسهما، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... الآية. ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة «5» . انتهى. وقوله سبحانه: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ: معناه: شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل والعهد قال الحطيئة: [البسيط]

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 13) (12356) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 228) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 13) (12358) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 228) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 547) وعزاه لعبد بن حميد، عن الحسن. (3) أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 242) كتاب «الجنائز» ، باب جامع الجنائز، حديث (54) . (4) أخرجه أبو داود (3/ 301) كتاب «الجنائز» ، باب في تقبيل الميت، حديث (3163) والترمذي (3/ 314- 315) كتاب «الجنائز» ، باب ما جاء في تقبيل الميت، حديث (989) من حديث عائشة. وقال الترمذي: حسن صحيح. (5) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 10) (12346) .

قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ ... شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا «1» قال «2» الفَخْر: وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم مِنْ أنَّ قوماً من الصحابة (رضي اللَّه عنهم) حَرَّموا على أنفسهم المطاعِمَ والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم/ اللَّه تعالى عن ذلك، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. انتهى. وقوله سبحانه: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، أي: إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ ألاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة «3» يمينٍ واحدةً. واختلفَ في معنى قوله سبحانه: مِنْ أَوْسَطِ، فرأى مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ «الوسَطِ» القَدْرُ والصِّنْفُ، فرأى مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ ب «المدينة» مدّا بمدّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وذلك رطل

_ (1) البيت للحطيئة ص (15) ، واللسان (عنج) . وعقد الحبل والعهد يعقده عقدا، وأعقدت العسل والدواء أعقدهما إعقادا والعناج: حبل يشدّ أسفل الدلو إذا كانت ثقيلة، ثم يشد إلى العراقيّ، فإذا انقطعت الأوذام، فانقلبت، أمسكها العناج، يقال: قد عنجت الدلو أعنجها، واسم الحبل: العناج. والكرب: عقد الرشاء الذي يشدّ على العراقي، يقال: أكربت الدلو أكربها إكرابا، والعراقي: العودان المصلبان اللذان تشدّ إليهما الأوذام، فأراد أنهم إذا عقدوا لجارهم عقدا أحكموه. (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 61) . [.....] (3) لا نعلم خلافا بين العلماء في أن المكفر بالإطعام يخرج عن عهد الكفارة بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين ما وجب له. كما لا نعلم خلاف بينهم أيضا في أنه لا يخرج عن عهدة الكفارة بدفعه ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة لأن ذلك لا يسمى إطعام عشرة مساكين لا حقيقة ولا حكما. فهو مخالف لظاهر الآية. وليس في السنة ما يؤيده. وإنما الخلاف بينهم في دفع ما وجب عليه من الطعام لمسكين واحد في عشرة أيام، أو في يوم واحد على دفعات متفرقة على سبيل التمليك. فجمهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبه ذهبوا إلى أن ذلك لا يجوز، ولا يخرج به المكفر عن العهدة، ولا بد من إعطاء تسعة مساكين آخرين لكل واحد منهم ما وجب له، فعدد العشرة عندهم معتبر. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك جائز، ومسقط للعهدة، وهو الإمام أبو حنيفة وأصحابه، والإمام أحمد في رواية، غير أن الحنفية يجيزون دفعها لمسكين واحد في أيام متعددة من غير خلاف بينهم، وأمّا دفعها له في يوم واحد على دفعات على سبيل التمليك، فذلك محل خلاف بينهم. ينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.

وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأى من يقول: إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلى، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب «المدونة» أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه: أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالى عباده بالأيسر، فالأيسر، قال الفَخْر «1» : وبدأ سبحانه بالإطعام لأنه أعمُّ وجوداً، والمقصودُ منه التنبيهُ على أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها: أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ: وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ. انتهى، ويجزىء عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزىء في الصّلاة «2» .

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 64- 65) . (2) النوع الثاني من الأنواع المخيّر فيها في كفارة اليمين، هي كسوة عشرة مساكين، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة: 89] . اتفقت كلمة الفقهاء على أن المكفر إذا أعطى لكل مسكين من العشرة ثوبين فأكثر، كفاه ذلك، وسقطت عنه الكفارة. ولكنهم اختلفوا في أقل ما يعطاه المسكين الواحد: فذهب الشافعي- رضي الله عنه-، وجمهور أهل الظاهر: إلى أن أقل ما يعطاه المسكين الواحد هو ما يطلق عليه اسم الكسوة، كالمنديل، أو العمامة، أو الإزار، ولا يشترط أن يكون صالحا للمعطى، بل جائز أن يعطى ما يصلح للكبير للصغير، وما للرجل للمرأة وبالعكس، كما لا يشترط أن يكون جديدا. وذهب الإمام مالك، وأصحابه إلى أن المجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصّلاة، فإن كان المسكين رجلا وجب أن يعطى ثوبا يستر جميع البدن، وإن كان امرأة وجب أن تعطى ثوبا تستر به جميع بدنها، وخمارا تغطي به رأسها، وفي ذلك يقول مالك في الموطأ: «أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوبا ثوبا، وإن كسا النساء كساهم ثوبين ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما يجزىء كلّا في صلاته» وليس بلازم أن يكون الثوب، أو ما معه جديدا، بل يكفي أن يكون صالحا للبس كما أنه ليس بلازم أن يكون المسكين كبيرا، بل الصغير والكبير في الكسوة سواء. وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أن المجزئ من ذلك هو ما يستر البدن، ويسمى به الشخص مكتسيا، وذلك كالقميص، أو الإزار السابخ، أو القباء، أو الكساء أو الملحفة، وخالفهما الإمام محمّد حيث قال: يجزىء من ذلك ثوب تصح فيه الصلاة للرجل والمرأة، فيجوز عنده السراويل للرجل لأنه يسمى لابسا شرعا، ولا يجزىء عندهما لأن لابسه لا يسمى مكتسيا عرفا. وذهب الإمام أحمد إلى أن المجزئ من ذلك ثوب يصح للرجل أن يصلّي فيه، وللمرأة درع وخمار، وقال: لا يجزىء إزار وحده أو سروال. ينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.

وقوله سبحانه: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: مؤمنة قاله مالك «1» وجماعةٌ لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطإ. وقوله سبحانه: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: معناه: لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث

_ (1) ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه، والأوزاعي: إلى أن عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين لا يجزىء، ولا تسقط الكفارة به. وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وعطاء، وأبو ثور إلى أن ذلك مجزىء، ومسقط للكفارة، وهو رواية عن الإمام أحمد. احتج الجمهور بما رواه مسلم، والنّسائيّ عن معاوية بن الحكم قال: «كانت لي جارية فأتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت: عليّ رقبة. أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أين الله؟ فقالت في السّماء فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله. فقال صلّى الله عليه وسلّم: أعتقها، فإنّها مؤمنة» . ووجه الدلالة: أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أخّر الجواب عن السائل، حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإيمان أو الكفر، فلما تأكد له إيمانها، أجابه صلّى الله عليه وسلّم بأن يعتقها، وقال له: «فإنّها مؤمنة» . فلو لم يكن وصف الإيمان له دخل في إجزاء العتق، لما كان لهذا التأخير فائدة، ومثل ذلك يجلّ عنه مقام الرسول صلّى الله عليه وسلّم. وأيضا فإنه عليه الصلاة والسلام علّق عتقها على الإيمان، وتعليق ذلك يدل على أن الإيمان علّة الإجزاء لأن تعلّق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتقاق علة فيه. وقالوا: إن الرقبة في الآية، وإن كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإيمان، إلا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيدا لها، فيكون المقصود من الرقبة فيها: هي الرقبة المؤمنة أو يقال: إن كفارة اليمين قد اتحد الحكم فيها مع كفارة القتل، ففي كل وجب عتق رقبة، واختلف سببهما إذ كفارة اليمين سببها اليمين، وكفارة القتل سببها القتل، والمطلق والمقيد متى اتحد حكمهما حمل المطلق على المقيد، وإن اختلف سببهما متى وجدت علّة جامعة بينهما، فتكون الرقبة في كفارة اليمين محمولة على الرقبة في كفارة القتل، فتقيد بالإيمان، كما قيدت به في كفارة القتل لأن العلة التي تجمعهما: هي حرمة السبب. واحتج الإمام أبو حنيفة، ومن معه بأن الآية غير مقيدة، فهي شاملة للرقبة المؤمنة، وللرقبة الكافرة، والمطلق يجب بقاؤه على إطلاقه، حتى يرد من الشرع ما يقيده، ولم يرد ما يقيد الرقبة بالإيمان هاهنا، فكانت باقية على إطلاقها، فعتق الكافرة مجزىء كعتق المسلمة، وليس حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم مع اختلاف السبب أمرا متفقا عليه، بل نحن لا نقول به، وبالنظر في وجهة كل نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح، لأن الحديث المتقدم مقيد للآية، فلم تبق على إطلاقها ولأن الكفارة عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة، وذبائح النّسك. نعم، إن الإسلام دين الرحمة العامة، والصدقة فيه حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة، ولكن فرقا بين الصدقة المطلقة، وبين العبادات المحددة المقيدة، فتكفير الذنب إنما يرجى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى، حتى من قال بإجزاء الكافرة لا يمكنه أن ينكر أن الاحتياط في إبراء الذمة إنما هو بإعتاق الرقبة المؤمنة، فتقديم المجمع عليه المتيقن إجزاؤه أولى بالاعتبار من المظنون المختلف فيه. ينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسن الكاشف.

المذكورة. واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتى يصحُّ له «1» الصيام فقال الشافعيُّ ومالكٌ وجماعة من العلماء: إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ على ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال «2» الطبريُّ: وقال آخرون: جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ على رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود: «ثلاثة أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» ، وقال بذلك جماعة. وقال مالك وغيره: إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق، أجزأ، وقوله: إِذا حَلَفْتُمْ، معناه: وأردتم الحِنْثَ، أو وقعتم فيه.

_ (1) من خصال كفارة اليمين هي صيام ثلاثة أيّام، والعلماء متفقون على أن تلك الخصلة لا ينتقل إليها المكفر إلا بعد العجز عن الخصال السابقة لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: 89] . ولكنهم مختلفون في شيء آخر وراء هذا، وهو: هل يجب التتابع في صوم تلك الأيام الثلاثة بحيث لا يتخللها فطر أو لا يجب ذلك فيه خلاف. ذهبت الشافعية في الراجح من مذهبهم، والمالكية، والظاهرية، وأحمد في رواية عنه: إلى عدم اشتراط التتابع محتجين بأنه صوم نزل به القرآن غير مقيد بالتتابع، فجاز متفرقا ومتتابعا لأنّه لم يوجد من السنة دليل ثابت يصح أن يقيد به هذا الإطلاق، فالتقييد بالتتابع تقييد بلا دليل. وذهبت الحنفية، وأحمد في مشهور مذهبه، والثّوريّ وأبو عبيد: إلى اشتراط التتابع محتجين بقراءة أبيّ، وابن مسعود «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام متتابعات» قائلين: إن ثبت القرآن بهذا كان حجة ووجب حمل المطلق على المقيد لأن القرآن يفسّر بعضه بعضا، وإن لم تثبت القرآنية بهذا، فلا يخرج ذلك عن أن يكون رواية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سمعها ابن مسعود، وأبي معه، فلها حكم الحديث المرفوع، وهو حجة، فيقيد به مطلق الكتاب، وأيّا ما كان، فالتتابع ثابت بهذا، فلا يصح التفريق في الصّيام ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن القول بالتتابع هو الراجح، لأن القائلين بعدم التتابع قد حملوا المطلق في تحرير الرقبة على المقيد فيها في كفارة القتل، حتى أوجبوا اعتبار وصف الإيمان في الرقبة مع أن السبب فيهما مختلف، وليس لهم مستند في ذلك إلا أن كلّا من الكفارتين تجمعهما علة واحدة هي: حرمة السبب، وهذه العلة بذاتها موجودة في الصوم في كفارة اليمين، وقراءة أبيّ، وابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيّام متتابعات» . فهذه القراءة، وإن لم تثبت قرآنية هذا اللفظ لأن القرآن لا يثبت بالآحاد إلّا أنها رواية عن صحابي سمعها من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلا ينبغي أن يتقوّل عليه ما لم يقله لأنه يعرف حقّ المعرفة معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «من كذب عليّ متعمّدا، فليتبوّأ مقعده من النّار» فتكون مقيدة للآية. فقول من قال: إن الآية مطلقة، ولم يرد ما يقيدها لا يقبل بعد البيان السابق، وخصوصا إذا أمكن حمل المطلق هاهنا على المقيد في كفارة القتل، أو الظهار، ولا مانع منه. ينظر: «الكفارات» لشيخنا حسن علي حسانين الكاشف، «الخطيب على المنهاج» (4/ 328) ، «الشرح الكبير» (2/ 118) ، «المغني» (11/ 273) ، «فتح القدير» (4/ 18) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 30) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 90 إلى 92]

[سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 92] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ... الآية: قال ع «1» : وفي معنى الأزلام: الزَّجْرُ بالطيرِ، وأخْذُ الفألِ في الكتب ونحوه ممَّا يصنعه الناسُ، وأخبر سبحانه أنَّ هذه الأشياء رجْسٌ، قال ابن عباس في هذه الآية: رِجْسٌ: سَخَطَ «2» ، وقال ابن زَيْدٍ: الرجْسُ «3» الشرُّ. قال ع «4» : الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غَيْر، والرِّجْسُ يقال للأمرين. وقوله سبحانه: فَاجْتَنِبُوهُ: أمر باجتنابه، فحرمت الخمر بظاهر القرآن، ونصِّ الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمْرُ الخمر إنما كان بتدريجٍ ونوازلَ كثيرةٍ كقصَّة حمزة، حين جَبَّ الأسْنِمَة، وقولِهِ: وهل أنتم إلا عبيدُ أبِي، ثم أعلم سبحانه عباده أنَّ الشيطان إنَّمَا يريد أنْ تقع العداوةُ بسَبَبِ الخَمْر، وما يعتري عليها بَيْنَ المؤمنينِ، وبسبب المَيْسر إذ كانوا يتقَامَرُونَ عَلَى الأموال حتى رُبَّما بَقِيَ المقمور فقيراً، فَتَحْدُثُ من ذلك ضغائِنُ وعداواتٌ، فإن لم يصلِ الأمر إلى حَدِّ العداوة، كانَتْ بغضاء، ولا تحسُنُ عاقبة قومٍ متباغضين، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَاناً» «5» ، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين، ويجاهَدُ العدوُّ، والبغضاءُ تنقضُ عُرَى الدِّين، وتهدم عمادَ الحمايةِ، وكذلك أيضاً يريدُ الشيطانُ أنْ يصدَّ المؤمنين عَنْ ذكْر اللَّه، وعنِ الصلاة، ويشغلهم عنها باتباع الشهواتِ، والخمرُ والميسرُ والقمَارُ كلُّه مِنْ أعظم الآفات في ذلك، وفي قوله سبحانه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: وعيدٌ زائد على معنى: «انتهوا» .

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 233) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 33) (1254) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 232) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 566) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق علي، عن ابن عباس. (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 33) (12515) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 233) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 233) . (5) تقدم تخريجه.

[سورة المائدة (5) : الآيات 93 إلى 94]

[سورة المائدة (5) : الآيات 93 الى 94] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94) وقوله سبحانه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ... الآية: قال ابن عباس وغيره: لما نزل تحريمُ الخَمْر، قال قومٌ من الصحابة: يا رسول اللَّه، كَيْفَ بِمَنْ مات مِنَّا، وهو يشربها، ويأكل المَيْسِرَ، ونحو هذا من القَوْل، فنزلَتْ هذه الآية «1» ، وهذا نظيرُ سؤالِهِمْ عَمَّن مات على القبلة الأولى، والجُنَاحُ: الإثم والحَرَج، والتَّكرار في قوله سبحانه: «اتَّقوا» يقتضي في كلِّ واحدة زيادةً على التي قبلها، وفي ذلك مبالغةٌ في هذه الصِّفَات لهم، وليسَتِ الآيةُ وقفاً على مَنْ عمل الصالحاتِ كلَّها، واتقى كلَّ التقوى، بل هي لكلِّ مؤمن، وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عَمِلَ من هذه الخصالِ المَمْدُوحة ما استحق به أنْ يوصف بأنه مؤمنٌ عامل للصالحات متَّقٍ في غالبِ أمره، محسنٌ، فليس على هذا الصِّنْف جُنَاحٌ فيما طعم ممَّا لم يُحَرَّم عليه، وطَعِمُوا: معناه: ذَاقُوا فصَاعداً في رُتَب الأكل والشُّرب، وقد يستعار للنوم وغيره، وحقيقتُهُ في حاسَّة الذّوق. وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ، أي: ليختبرنَّكم ليرى طاعتكم مِنْ معصيتكم، وقوله: «بشيءٍ» يقتضي تبعيضاً، و «مِنْ» : يحتمل أنْ تكون للتبعيض، ويحتمل أنْ تكون لبيانِ الجِنْس كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] . وقوله تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ: معناه: ليستمرَّ علمه تعالى عليه، وهو موجودٌ إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل، وبِالْغَيْبِ: قال الطبريُّ «2» : معناه: في الدنيا حيثُ لا يَرَى العبْدُ ربَّه، فهو غائبٌ عنه، والظاهر أنَّ المعنى: بالغَيْب من الناس، أي: في الخَلْوة ممَّن خاف اللَّه. انتهى، قلتُ: وقول الطبريِّ أظهر، ثم توعَّد تعالى من اعتدى بعد النهْيِ بالعذابِ الأليم، وهو عذابُ الآخرة.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 38) (12529) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 234) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 567) ، وعزاه لابن مردويه، من طريق العوفي، عن ابن عباس. (2) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 41) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 95 إلى 98]

[سورة المائدة (5) : الآيات 95 الى 98] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... الآية: الصَّيْد: مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ» «1» ، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كتب الفقه، وحُرُمٌ: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: مُتَعَمِّداً، فقال مجاهد وغيره: معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه «2» ، فهذا يُكَفِّرُ، وأما إنْ كان ذاكراً لإحرامه، فهو أعظم

_ (1) ورد هذا الحديث عن ابن عمر، وعائشة، وحفصة، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي رافع، وأبي هريرة. أما حديث ابن عمر فله طرق. فأخرجه مسلم (2/ 858) كتاب «الحج» ، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (73/ 1200) وأبو داود (2/ 424) كتاب «المناسك» ، باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث (1846) ، والنسائي (5/ 1900) كتاب «الحج» ، باب قتل الغراب، وأحمد (2/ 8) وابن الجارود رقم (440) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 165) والبيهقي (5/ 209) كتاب «الحج» ، باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحلّ والحرم، والحميدي (2/ 279) رقم (619) والخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 292- 293) وأبو يعلى (9/ 311) رقم (5428) من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه مرفوعا. وأخرجه مالك (1/ 356) كتاب «الحج» ، باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (88) والشافعي في «المسند» (1/ 319) كتاب «الحج» ، باب فيما يباح للمحرم ... (735) والبخاري (6/ 355) كتاب «بدء الخلق» ، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ... (3315) ومسلم (2/ 858) كتاب «الحج» ، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (76/ 1199) والنسائي (5/ 187- 188) كتاب «الحج» ، باب ما يقتل المحرم من الدواب. [.....] (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 41) برقم (12551) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 237) .

مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له. وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد: القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه «1» ، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع «2» وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ» ، - بإضافة الجزاء إلى «مثل» -، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» - بالرفع-، «مِثْلُ» - بالرفع أيضاً-، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلى مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأى، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه/، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ «3» وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا اجتمعت هذه الأصنافُ، فإن انفرد كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة على حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلى هذا جمهورُ الناس. قال ابنُ وهْب في «العتبية» : من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد كما خَيَّره اللَّه تعالى في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن اختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة» : إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، واشتري بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ احتاط فيه لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام.

_ (1) ابن عطية في «تفسيره» (2/ 227) . (2) ينظر: «الحجة» (3/ 254) ، و «حجة القراءات» (235) ، و «إعراب القراءات» (1/ 149) ، و «العنوان» (88) ، و «شرح الطيبة» (4/ 235) ، و «شرح شعلة» (354) ، و «إتحاف» (1/ 542) ، و «معاني القراءات» (2/ 338) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 48) .

وقوله تعالى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ذكرت «الكعبة» لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتى يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ. واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة «1» ، والصوم حيث شِئْتَ. وقوله سبحانه: لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذى به بَعْد أكله، وعبَّر ب أَمْرِهِ عن جميع حاله مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ... الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة «2» ، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر. قال ع «3» : ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه) ، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ «4» كما قال اللَّه تعالى. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ: تنبيهٌ على صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ازدجر، ومن هذا المعنى قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من خاف أدلج «5» ، ومن

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 240) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 59) (12640) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 240) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 584) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن عطاء. (3) ذكره ابن عطية (2/ 240) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 61) (12655) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 65) ، وابن عطية (2/ 240) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 584) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، من طريق عكرمة عن ابن عباس. (5) يقال: أدلج- بالتخفيف-: إذا سار من أول الليل. ينظر: «النهاية» (2/ 129) .

أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ» «1» ، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، وروى أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتبع الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، افتتن» «2» . انتهى. وقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ... الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك. ومَتاعاً: نصبٌ على المَصْدر، والمعنى: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعون به، وتأتدمون، ولَكُمْ: يريد حاضري البحر ومدنه، ولِلسَّيَّارَةِ: المسافرينَ، واختلف في مقتضى قوله سبحانه: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يرى بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله «3» ، وقال بمثل قولِ عمر- عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام وهو الصحيح «4» لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حلال، والنبيّ- عليه السلام- محرم «5» .

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 546) كتاب «صفة القيامة» ، باب من خاف أدلج، حديث (2450) والحاكم (4/ 307- 308) من طريق هاشم بن القاسم، عن أبي عقيل الثقفي، عن يزيد بن سنان، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (2) أخرجه أبو داود (2/ 124) كتاب «الصيد» ، باب في اتباع الصيد، حديث (2859) ، والترمذي (4/ 523) ، كتاب «الفتن» ، حديث (2256) والنسائي (7/ 195- 196) كتاب «الفرع والعتيرة» ، باب اتباع الصيد، وأحمد (1/ 357) وابن أبي شيبة (12/ 336) وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 72) والبيهقي (10/ 101) ، والطبراني في «الكبير» (11/ 56- 57) رقم (11030) كلهم من طريق سفيان الثوري عن أبي موسى اليماني، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من حديث الثوري. (3) أخرجه الطبري بنحوه في «تفسيره» (5/ 64) (12671) وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 242) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 242) . (5) أخرجه البخاري (6/ 98) ، كتاب «الجهاد» ، باب ما قيل في الرماح، حديث (2914) ، ومسلم (2/ 852) ، كتاب «الحج» ، باب تحريم الصيد للمحرم، حديث (57/ 1196) ، وأبو داود (2/ 428، -[.....]

ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالى، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من التزامهم أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممّا شرعه وارتضاه، وجَعَلَ، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر» ، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: قِياماً لِلنَّاسِ، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ: معنى قِياماً لِلنَّاسِ، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يؤذى حتى يَصِلَ إلى أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض. انتهى من «الهداية» . والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ/، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره

_ - 429) ، كتاب «المناسك» (الحج) ، باب لحم الصيد للمحرم، حديث (1852) ، والترمذي (3/ 204، 205) ، كتاب «الحج» ، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (847) ، والنسائي (5/ 182) ، كتاب «الحج» ، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، وابن ماجة (2/ 1033) ، كتاب «المناسك» ، باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له، حديث (3093) ، ومالك (1/ 350) ، كتاب «الحج» ، باب ما يجوز للمحرم أكله من الصيد، حديث (76) ، وأحمد (5/ 302) . والدارمي (2/ 38) كتاب «المناسك» ، باب في أكل لحم الصيد للمحرم إذا لم يصد هو، والشافعي (1/ 321) كتاب «الحج» ، باب فيما يباح للمحرم وما يحرم (837) ، والحميدي (1/ 204) رقم (424) وعبد الرزاق (8337، 8338) ، وابن خزيمة (4/ 176) رقم (2635) وابن الجارود (435) والدارقطني (2/ 291) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 173- 174) والبيهقي (5/ 189) والبغوي في «شرح السنة» (4/ 157- بتحقيقنا) من طرق عن أبي قتادة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

[سورة المائدة (5) : الآيات 99 إلى 100]

شيئاً، فكان ذلك أماناً له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله ذلِكَ: إشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قياماً. وقوله سبحانه: بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: عامٌّ عموماً تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحاد في الدّين وكفر. [سورة المائدة (5) : الآيات 99 الى 100] ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) وقوله سبحانه: مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ... الآية: إخبارٌ للمؤمنين مضمَّنه الوعيدِ، إنِ انحرفوا، ولم يمتثلُوا ما بلغ الرسُولُ إليهم، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ، قلت: قال الشيخُ أبو مَدْيَن (رضي اللَّه عنه) : الحَقُّ تعالى مطَّلع على السرائر والظواهرِ في كلِّ نَفَسٍ وحالٍ، فأيُّما قلْبٍ رآه مؤثراً له، حَفِظَهُ من الطوارق والمِحَنِ ومضلاَّت الفِتَن، وقال (رحمه الله) : ما عرف الحَقَّ مَنْ لم يُؤْثره، وما أطاعه مَنْ لم يَشْكُرْه. انتهى. وقوله تعالى: قُلْ لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ... ألاية: لفظ عامٌّ في جميع الأمور، فيتصوَّر في المكاسِب، وعدد النَّاس، والمعارفِ مِنَ العلوم ونحوِهَا، فالخبيثُ مِنْ هذا كلِّه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِبُ، ولا تحسُنُ له عاقبةٌ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ: نافعٌ جميل العاقبة، ويَنْظُرُ إلى هذه الآيةِ قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً [الأعراف: 58] ، والخبث: هو الفساد الباطنُ في الأشياء حتى يظن بها الصَّلاح، وهي بخلافِ ذلك. وقوله سبحانه: فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ: تنبيهٌ على لزوم الطَّيِّب في المعتقَدِ والعملِ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر لأنهم المتقدِّمون في مَيْز هذه الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها مع ألبابهم وإدراكهم. [سورة المائدة (5) : الآيات 101 الى 102] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... الآية: اختلف الرواةُ في سببها، والظاهرُ مِنَ الروايات أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَلَحّت علَيْه الأعراب والجُهَّال بأنواع من السؤالاتِ، حَسْبَما هو معلومٌ في الروايات، فزَجَرهم اللَّه تعالى عَنْ ذلك بهذه الآيةِ، وأشْيَاء: اسمٌ لجَمْعِ شيْءٍ، قال ابنُ عباس: معنى الآية: لا تسأَلُوا عن

أشياء في ضِمْن الأنباء عنْها مساءَةٌ لكم «1» إما بتكليفٍ شرعيٍّ يلزمكم، وإما بخَبَر يسوءُكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربُّكم بأمر، فحينئذٍ إنْ سألتم عن تَفْصيله وبَيَانِهِ بيّن لكم، وأبدي، ويحتمل قوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ أنْ يكون في معنى الوعيدِ كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم، لَقِيتُمْ غِبَّ ذلك وصعوبته، قال النوويُّ: وعن أبي ثعلبة الخشنيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ، لاَ عَنْ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا» ، ورُوِّينَاه في «سنن الدارقطنيِّ» «2» . انتهى، وفي «صحيح البخاريِّ» ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ واختلافهم على أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فاجتنبوه، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فأتوا منه ما استطعتم» «3» . انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 246) . (2) أخرجه الدارقطني (4/ 184) كتاب «الرضاع» ، حديث (42) والحاكم (4/ 115) والبيهقي (10/ 13) كتاب «الضحايا» ، باب ما لم يذكر تحريمه، وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 17) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/ 9) كلهم من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني به. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 174) وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح. وذكره أيضا الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (3/ 72) رقم (2909) ، وعزاه لمسدد، وقال: رجاله ثقات، إلا أنه منقطع. وللحديث شاهد من حديث أبي الدرداء. أخرجه الدارقطني (4/ 298) باب الصيد والذبائح والأطعمة، حديث (104) من طريق نهشل الخراساني عن الضحاك بن مزاحم، عن طاوس، عن أبي الدرداء، وقال أبو الطيب آبادي في «التعليق المغني» (4/ 297) : نهشل الخراساني. قال إسحاق بن راهويه: كان كذابا، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك. وقال يحيى، والدارقطني: ضعيف. ويبدو أن للحديث طريقا آخر، فقد ذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 174) وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» و «الصغير» ، وفيه أصرم بن حوشب، وهو متروك، ونسب إلى الوضع. (3) أخرجه البخاري (130/ 264) كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» ، باب الاقتداء بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديث (7288) ومسلم (4/ 1831) كتاب «الفضائل» ، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم، حديث (131/ 1337) ، وأحمد (2/ 258) والحميدي (2/ 477) رقم (1125) وأبو يعلى (11/ 195) رقم (6305) كلهم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» . ومن طريق أبي الزناد أخرجه البغوي في «شرح السنة» (1/ 177- بتحقيقنا) وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة. فأخرجه مسلم (2/ 975) كتاب «الحج» ، باب فرض الحج مرة في العمر حديث (412/ 1337) -

[سورة المائدة (5) : الآيات 103 إلى 104]

وعَفَا اللَّهُ عَنْها: معناه: تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ... الآية: قال الطبريُّ «1» : كقومِ صالحٍ في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدةَ، أي: وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تف بما كلّفت. [سورة المائدة (5) : الآيات 103 الى 104] مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104) وقوله سبحانه: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ ... الآية: أي: لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنى: ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك/ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بقولهم: هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، وَأَكْثَرُهُمْ، يعني: الأتْبَاعَ لاَ يَعْقِلُونَ، بل يتّبعون هذه الأمور تقليدا، وجَعَلَ في هذه الآية: لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ» ، ولا بمعنى «صَيَّرَ» ، وإنما هي بمعنى: «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ» . قال ص: مَّا جَعَلَ: ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ «2» إلى أنها بمعنى: «شرع» ،

_ - والنسائي (5/ 110) كتاب «الحج» ، باب وجوب الحج، وأحمد (2/ 447- 448، 457، 467، 508) وابن خزيمة رقم (2508) من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق (11/ 220) رقم (20374) ومسلم (4/ 1831) كتاب «الفضائل» ، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم (131/ 1337) وأحمد (2/ 313) والبغوي في «شرح السنة» (1/ 176- بتحقيقنا) من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (2/ 247، 428، 517) ، والحميدي (2/ 477) رقم (1125) وابن حبان (2097- الإحسان) من طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (4/ 1831) كتاب «الفضائل» ، باب توقيره صلّى الله عليه وسلّم حديث (131/ 1337) ، والترمذي (5/ 45- 46) كتاب «العلم» ، باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديث (2679) من طريق همام بن المنبه، عن أبي هريرة به. (1) ينظر: الطبري (5/ 86، 87) . (2) محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي، الزمخشري، جار الله أبو القاسم ولد سنة (467 هـ) في زمخشر (من قرى خوارزم) ، من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، سافر إلى مكة، فجاور بها زمنا، فلقب بجار الله. أشهر كتبه: «الكشاف» و «أساس البلاغة» و «المفصل» ومن كتبه: «المقامات» و «مقدمة الأدب» و «نوابغ الكلم» و «ربيع الأبرار» . توفي بالجرجانية بخوارزم سنة (538 هـ) . ينظر: «وفيات الأعيان» (2/ 81) ، «لسان الميزان» (6/ 4) ، «الجواهر المضيئة» (2/ 160) ، «آداب اللغة» (3/ 46) ، «الأعلام» (7/ 178) .

قال ابن «1» عطيَّة: ولا تكونُ بمعنى «خلق» ، لأن اللَّه تعالى خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى «صيَّر» لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان «2» : ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي: ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حامياً- مشروعاً، وهو أولى من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى. قُلْتُ: وحاصل كلامِ أبي حيَّان أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة على أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ. وبحيرة: فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ: شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعى، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة: هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالى عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ ذكَره «3» السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو انتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ: قال أكثر النَّاس: إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، استحيوها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، استحيوهما، وقالوا: هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين «4» ، وقيل: إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل: إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا: حمى ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر «5» : وقيل: الحامِي: الفَحْلُ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ. انتهى، قلتُ: والذي في «البخاريِّ» : والحامِ: فحلُ الإبلِ يضرب الضّراب المعدود، وإذا قضى

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 247) . (2) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 38) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 91) (12843) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 91) (12844) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 248) . (5) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 91) .

[سورة المائدة (5) : آية 105]

ضِرَابه، وَدَعُوهُ للطَّواغيتِ، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَلْ شيءٌ عليه، وسمَّوْه الحامِيَ. انتهى. وقوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ، يعني: لهؤلاءِ الكفار المستنِّينَ بهذه الأشياء: تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، يعني: القرآن الذي فيه التحريمُ الصحيحُ، قالُوا حَسْبُنا، معناه: كفانا. [سورة المائدة (5) : آية 105] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... الآية: قال أبو ثعلبة الخُشَنِيُّ: سَأَلتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ هذه الآيةِ، فَقَالَ: «ائتمروا بِالمَعْرُوفِ وانهوا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعاً، وإعْجَابَ كُلِّ ذِيَ رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، / وذَرْ عَوَامَّهُمْ فَإنَّ وَرَاءَكِمُ أَيَّاماً أَجْرُ العَامِلِ فِيهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» «1» ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي لاَ نَظَرَ لأحَدٍ مَعهُ لأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاَحِ صادرٌ عن النبيِّ- عليه السلام-، وجملةُ ما عليه أهْلُ العِلْمِ في هذا أنَّ الأمر بالمعروفِ متعيِّن، متى رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ ردُّ الظالم، ولو بعنف ما لم يَخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقه في خاصَّته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المُسْلمين إما بشَقِّ عَصَا، وإما بضَرَرٍ يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا، ف عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: محكَمٌ واجبٌ أنْ يوقَفَ عنده. وقوله سبحانه: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، هذا تذكيرٌ بالحَشْر وما بعده، وذلك مُسَلٍّ عن أمور الدنيا، مكروهِهَا ومحبوبِها، رُوِيَ عن بعض الصالحين أنه قال: ما مِنْ يَوْمٍ إلاَّ ويجيءُ الشيطانُ، فيقول: ما تأكلُ، وما تلبسُ، وأين تَسْكُنُ، فأقول له: آكُلُ المَوْتَ، وألبس الكفن، وأسكن القبر.

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 526) في الملاحم، باب الأمر والنهي (4341) والترمذي (5/ 240) في التفسير: باب «من سورة المائدة» (3058) وابن ماجة (2/ 1330- 1331) في الفتن، باب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (4014) ، وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 30) والطبري (5/ 97) برقم (12866- 12867) ، والحاكم (4/ 322) وابن حبان (1850- موارد) . والبيهقي في السنن (10/ 91- 92) ، والبغوي في «شرح السنة» (7/ 358) (4051) عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني عمرو بن جارية اللخمي، حدثنا أبو أمية الشعباني به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

[سورة المائدة (5) : الآيات 106 إلى 108]

قال ع «1» : فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ: وخرَّج البغويُّ في «المسند المنتخب» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العوازب أن تئوب إلى أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ» «2» . انتهى من «الكوكب الدري» ، والله المستعان. [سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108) وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ... الآيةَ، إلى قوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [المائدة: 109] : قال مكِّيٌّ: هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً. قال ع «3» : وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين. لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنّ تميما الدّاريّ «4» ...

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 250) . [.....] (2) أخرجه الطبراني في «الكبير» (2/ 94) رقم (1416) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عبد الله الشامي، عن عائذ الله أبي إدريس، عن ثوبان مرفوعا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 234) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 250) . (4) هو: تميم بن أوس بن حارثة (خارجة) ابن سود (سواد) ابن جذيمة بن دراع بن عدي بن الدار ... أبو رقية. الداري. قال ابن حجر في الإصابة: مشهور في الصحابة، وكان نصرانيا، وقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي صلّى الله عليه وسلّم قصة الجساسة والدجال، فحدث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عنه بذلك على المنبر، وعد ذلك من مناقبه. قال ابن السكن: أسلم سنة تسع هو وأخوه نعيم ولهما صحبة. وقال ابن إسحاق: قدم المدينة، وغزا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقال أبو نعيم: كان راهب أهل عصره وعابد أهل فلسطين، وهو أول من أسرج السراج في المسجد. -

وعَدِيَّ بْن بَدَّاء «1» ، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر «2» : وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوصى إلى تميمٍ وعديٍّ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم «3» ، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ أنه قال: بَرِىءَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة «4» ، إلا أنه قال: وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلى عَدِيٍّ فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ «5» . قال ع «6» : واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعض المتأخّرين، ولا وجه

_ - رواه الطبراني من حديث أبي هريرة، وأول من قص وذلك في عهد عمر. رواه ابن إسحاق بن راهويه، وانتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان. تنظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 256) ، «الإصابة» (1/ 191) ، «الثقات» (3/ 39) ، «الجرح والتعديل» (2/ 440) ، «تقريب التهذيب» (1/ 113) ، «سير أعلام النبلاء» (2/ 442) ، «جمهرة أنساب العرب» (454) ، (422) ، «المتفردات والوحدان» (62) ، «مشاهير علماء الأمصار» (52) . (1) عدي بن بدّاء: بتشديد الدال قبلها موحدة مفتوحة. قال ابن حبان: له صحبة، وأخرجه ابن منده، فأنكر عليه ذلك أبو نعيم، وقال: لا يعرف له إسلام. قال ابن عطيّة: لا يصح لعدي عندي صحبة، وقد وضعه بعضهم في الصحابة، ولا وجه لذكره عندي فيهم، وقوّى ذلك ابن الأثير بأن السياق عند ابن إسحاق: فأمرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يستحلفوا عديّا بما يعظم على أهل دينه. والذي عندي أن بداء، بفتح الموحدة وتشديد الدال مقصور، وقيل: ممدود. ورأيته بخط الخطيب في سياق القصة عن تفسير مقاتل عديّ بن بندا، بنون بين الموحدة والدال. ينظر ترجمته في: «الإصابة» (4/ 387) ، «الثقات» (3/ 318) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 376) ، «أسد الغابة» ت (3605) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 95) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 115) (12970) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 74) ، وابن عطية في «تفسيره» (2/ 250) . (4) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 250) . (5) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 251) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 251) .

عندي لذكْره في الصَّحابة. وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ: أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ على وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه/ شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ على مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم «1» ، قالوا: ومعنى قوله: مِنْكُمْ، أي: مِنَ المؤمنين، ومعنى: مِنْ غَيْرِكُمْ، أي: من الكافرين. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم أنها منسوخةٌ بقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 2] وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ. قال ع «2» : ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيد لأن الناس خلطوا في تفسيره هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان. فقوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ، هي الشهادةُ «3» التي تُحْفَظُ لتؤدى، ورفعها بالابتداء،

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 251) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 252) . (3) الشهادات: جمع شهادة: وتجمع باعتبار أنواعها. وإن كانت في الأصل مصدرا. تعريف الشهادة: للشهادة في اللغة معان: منها: الإخبار بالشيء خبرا قاطعا. تقول: شهد فلان على كذا، أي أخبر به خبرا قاطعا. ومنها: الحضور. تقول: شهد المجلس أي حضره قال تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] وقال عليه الصلاة والسلام: «الغنيمة لمن شهد الرفعة» أي حضرها. ومنها: الاطلاع على الشيء، ومعاينته، تقول: شهدت كذا. أي اطلعت عليه وعاينته. ومنها: إدراك الشيء. تقول: شهدت الجمعة. أي أدركتها، ومنها: الحلف: تقول أشهد بالله لقد كان كذا. أي: أحلف. -

والخَبَرُ في قوله: اثْنانِ، وقوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة» ، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ» ، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن استغني عن جوابها بما تقدَّم في قوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذ المعنى: إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله: حِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه حَضَرَ، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ «إذا» ، وقوله: ذَوا عَدْلٍ: صفة لقوله: اثْنانِ، ومِنْكُمْ: صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله: مِنْ غَيْرِكُمْ: صفة ل آخَرانِ وقوله: تَحْبِسُونَهُما: صفة ل آخَرانِ أيضاً، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله: إِنْ أَنْتُمْ، إلى الْمَوْتُ، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ» لِمَا تقدَّم من قوله: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقال جمهورٌ مِن العلماء: الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس: إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين «1» ، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله: فَيُقْسِمانِ: عاطفةٌ جملةً على جملةٍ لأن المعنى تَمَّ في قوله: مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ، وقوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن: لاَ نَشْتَرِي بِهِ: عائدٌ على القَسَمِ، أو على اسم اللَّهِ، وقوله: لاَ نَشْتَرِي جوابٌ يقتضيه قوله: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لأن «أقسم» ونحوه يتلقى بما تتلقى به الإيْمَانُ، وقوله: ثَمَناً، أي: ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربى بالذِّكْر لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله: وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره: «شَهَادَةً» - بالتنوين-، «اللَّه» - بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ-، وقال أيضاً:

_ - ومنها: العلم، قال تعالى: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: 6] أي عليم. والفعل من باب علم. وقد تسكن هاؤه فتقول: شهد فلان شهادة، وجمع الشاهد، شهد وشهود وأشهاد، والمشاهدة المعاينة. عرفها الشافعية بأنها: إخبار صادق بلفظ الشهادة لإثبات حق لغيره على غيره، في مجلس القضاء، ولو بلا دعوى. عرفها المالكية بأنها: إخبار حاكم عن علم ليقضي بمقتضاه. عرفها الحنفية بأنها: إخبار بحق للغير على آخر. ينظر: «مغني المحتاج» (4/ 426) ، «أدب القضاء» لابن أبي الدم (1/ 175) ، «نهاية المحتاج» (8/ 277) ، «حاشية الدسوقي» (4/ 164) ، «الدرر» (2/ 270) ، «الفتاوى الهندية» (3/ 450) . [.....] (1) أخرجه الطبري بنحوه (5/ 111) برقم (12958) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 253) .

يقف على الهاء مِن: «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ: / «آللَّهِ» - بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن-، أعني: بسكون الهاء من «شهادة» ، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة» ، ومدُّ ألف الاستفهام بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح: إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها. وقوله سبحانه: فَإِنْ عُثِرَ: استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه، واسْتَحَقَّا إِثْماً: معناه: استوجباه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له لأنهما ظَلَمَا وخَانَا. وقوله تعالى: فَآخَرانِ، أي: إذا عُثِرَ على خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية: آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ «1» وغيره: «استحق» - مضمومةَ التاءِ-، «والأَوْلَيَانِ» على تثنية الأولى، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ: «استحق» - بفتح التاء- وكذلك روى حَفْصٌ عن عاصم. وفي قوله: اسْتَحَقَّ: استعارة لأنه وَجْه لهذا الاستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فاستحق هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ: «هذا قَدِ استحق علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه» ، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه وهكذا هي «استحقَّ» في الآية على كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه. وقرأ حمزة «2» وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «استحق» - بضم التاء-، «الأَوَّلِينَ» : على جَمْعِ أوَّل ومعناها: من القومِ الذين استحق عليهم أمْرُهُمْ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي: في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ، ثم بعد ذلك قال: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، وقوله: فَيُقْسِمانِ، يعني: الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما: لَشَهادَتُنا أي: لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة- أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلاً وحرَّفاه، وَمَا اعْتَدَيْنا في قولنا هذا، وقولهما:

_ (1) ينظر: «السبعة» (248، 249) ، و «الحجة» (3/ 260- 261) ، و «حجة القراآت» (238) ، و «العنوان» (88) ، و «إعراب القراآت» (1/ 149- 150) ، و «شرح شعلة» (355) ، و «شرح الطيبة» (4/ 237) ، و «إتحاف» (1/ 543) ، و «معاني القراآت» (1/ 341) . (2) ينظر السابق.

[سورة المائدة (5) : الآيات 109 إلى 111]

إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ: تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ. وقوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ... الآية: الإشارة ب «ذلك» هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر على جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى اعتدال هذا الصِّنْف فيما عسى أنْ ينزل من النوازلِ لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين هذا قولُ ابنِ عبَّاس «1» ، وجُمِعَ الضميرُ في يَأْتُوا ويَخافُوا إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنى: ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلى أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن. [سورة المائدة (5) : الآيات 109 الى 111] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) وقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في يَوْمَ: ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى: لاَّ يَهْدِي، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفاً، والعاملُ مقدَّر، إما «اذكر» ، أو: «تَذَكَّرُوا» ، أو «احذروا» ، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ اختصاره لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلاً، وماذا أُجِبْتُمْ: معناه: ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم- عليهم السلام-: لاَ عِلْمَ لَنا: قال الطبريُّ «2» : ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع وقاله الحسنُ «3» ، وعن مجاهدٍ أنه قال: يَفْزَعُون، فيقولُون: لا علْمَ لنا، وضعَّف «4» بعضُ النَّاس هذا المنْزَع بقوله تعالى: / لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ

_ (1) أخرجه الطبري بنحوه (5/ 123) (12983) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 256) . (2) ينظر الطبري (5/ 125) . (3) أخرجه الطبري بنحوه (5/ 126) برقم (12991) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 126) برقم (12992) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 256) ، -

[الأنبياء: 103] ، وقال ابنُ عبَّاس: معنى الآية: لاَ عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتنا أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ «1» ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالى، وردِّ الأمر إلَيْه إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ: قال ابنُ عباس: المعنى: لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به «2» منَّا، وهو اختيار «3» الطبريِّ، وقيل: لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر قال مكِّيٌّ: وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال: ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أرسلوا إليه كما قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ [التكوير: 8] ، انتهى من «الهداية» . وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... الآية: قالَ هنا بمعنى يَقُولُ لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة تقدمة لقوله سبحانه: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: 116] . وقوله سبحانه: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى، أي: من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه- عليه السلام- هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلى تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ. وقوله سبحانه: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ، هو مِنْ جملة تعديدِ النّعم على عيسى- عليه السلام-: وأَوْحَيْتُ في هذا الموضع: إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلى نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية: عيسى، وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ: يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسى.

_ - والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 606) وعزاه للفريابي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 126) برقم (12994) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 257) والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 607) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس. (2) ينظر السابق. (3) ينظر: الطبري (5/ 126) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 112 إلى 113]

[سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 113] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) وقوله سبحانه: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ... الآية: اعتراضٌ أثناء وَصْفِ حالِ قول اللَّه لعيسى يوم القيامة، مضمّن الاعتراض إخبار نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمته بنازلةِ الحواريِّين في المائدة، إذ هي مثالٌ نافعٌ لكلِّ أُمَّة مع نبيِّها تقتدِي بمحاسِنِهِ، وتزدجرُ عمَّا ينفُر منه مِنْ طلب الآياتِ ونحوه، وقرأ الجمهورُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ ربُّك» - بالياءِ ورَفْعِ الباءِ- من «رَبُّكَ» ، والمعنى: هلْ يفعلُ ربُّك هذا، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته، وقرأ الكسائيُّ «1» : «هلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ» - بالتاء ونصبِ الباءِ مِنْ «رَبَّكَ» -، والمعنى: هل تَسْتطيعُ سؤَالَ ربِّك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائيَّ، وقال قومٌ: قال الحواريُّون هذه المقالةَ فِي صَدْر الأمر قبل عِلْمهم بأنه يُبْرِىءُ الأكمه والأبْرَصَ، ويُحْيِي الموتى، ويظهر من قوله- عليه السلام-: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: إنكارٌ لقولهم، واقتراحهم الآياتِ، والتعرُّضِ لسَخطِ اللَّه بها، وقلَّةِ طُمَأْنينتهم إلى ما قد ظهر، ولمَّا خاطبهم- عليه السلام- بهذه المخاطَبَة، صرَّحوا بمقاصدهم الَّتي حملَتْهم على طَلَب المائدةِ، فقالوا: نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها فنَشْرُفَ في العالَم، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا، أي: تسكُنَ فِكرُنَا في أمرك بالمعايَنَةِ لأَمْرٍ نازلٍ من السماء بأعيننا، وَنَعْلَمَ علْمَ الضرورةِ والمشاهدةِ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا فلا تَعْرِضُنا الشُّبَهُ التي تَعْرِضُ في عِلْم الاستدلالِ وهذا يؤيِّد أنَّ مقالتهم كانَتْ في مبدأ أَمْرهم، ثم استمروا على إيمانهم، وصَبَرُوا، وهَلَكَ مَنْ كَفَر، وقولهم: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ، أي: من الشاهدينَ بهذه النازلةِ، النَّاقلين لها إلى غيرنا الدَّاعين إلى هذا الشَّرْع/ بسببها، ورُوِيَ أن الذي نَحَا بهم هذا المنحى مِنَ الاقتراح هو أنَّ عيسى قال لهم مرَّةً: «هَلْ لَكُمْ فِي صِيَامِ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ إنْ سَأَلْتُمُوهُ حَاجَةً، قَضَاهَا» ، فَلَمَّا صَامُوهَا، قَالُوا: يا معلِّم الخَيْر، إنَّ حقَّ مَنْ عمل عملاً أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يستطيعُ ربُّكَ، فأرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصّوم.

_ (1) والمعنى على هذه القراءة: هل تقدر يا عيسى أن تسل ربك، فإنهم كانوا مؤمنين، وكانت عائشة تقول: كان القوم أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك، إنما قالوا: هل تستطيع ربك. ينظر: «السبعة» (249) ، و «الحجة» (3/ 273) ، و «حجة القراءات» (240- 241) ، و «العنوان» (88) ، و «إعراب القراءات» (1/ 150) ، و «شرح الطيبة» (4/ 239) ، و «شرح الشعلة» (356) ، و «إتحاف» (1/ 545) ، و «معاني القراءات» (1/ 343) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 114 إلى 115]

[سورة المائدة (5) : الآيات 114 الى 115] قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115) وقوله سبحانه: قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ... الآية، أي: أجابهم عيسى- عليه السلام- إلى ما سألوا، فيروى أنه لَبِسَ جُبَّة شَعْرٍ، ورداءَ شَعْرٍ، وقام يصلِّي، ويبْكِي، والعيدُ: المجتمعُ، وقوله: لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا، رُوِيَ عن ابن «1» عَبَّاس أن المعنى: يكون مجتمعاً لجميعنا أوّلِنا وآخرنا، قال: فأكل من المائدة حِينَ وُضِعَتْ أولُ النَّاس كما أكل آخرهم، وَآيَةً مِنْكَ، أيْ: وعلامةً على صِدْقي، فأجاب اللَّه تعالى دعوةَ عيسى- عليه السلام-، وقال: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ، ثم شَرَطَ عليهم سبحانه شرْطَهُ المتعارَفَ في الأمم أنه مَنْ كَفَر بعد آية الاقتراح، عُذِّب أشدَّ عذابٍ، والجمهور أنَّ المائدة نزلَتْ كما أخبر اللَّه سبحانه، واختلفوا في كيفيَّة ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: نزلَتِ المائدةُ خُبْزاً وسَمَكاً، وقال عطية: المائدةُ سمكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ طعامٍ، وقال ابنُ عبَّاس: نزل خُوَانٌ عليه خْبُزٍ وسَمَكٌ يأكلون منه أينما نَزَلُوا، إذا شاءوا «2» ، وقال عمَّار بن ياسر: سألوا عيسى مائدةً يكون عليها طعامٌ لا ينفَذُ، فقيل لهم: إنها مقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئُوا، أو تخونُوا، فإن فعلتم، عُذِّبتم، قال: فما مضى يومٌ حتى خَبَّئُوا، وخانوا، يعني: بني إسرائيل، فمُسِخُوا قردةً وخنازيرَ «3» ، وقال ميسرة: كانَتِ المائدة، إذا وُضِعت لبني إسرائيل، اختلفت عليهم الأيدِي بكلِّ طعامٍ إلا اللحم «4» ، وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممّا رأيت اختصاره لعدم سنده.

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 261) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 133) برقم (13010) وابن عطية في «تفسيره» (2/ 261) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 613) ، وعزاه لابن جرير، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» من طريق عكرمة، عن ابن عباس. [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 134) برقم (13016) ، وذكره ابن عطية (2/ 261) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 612) ، وعزاه للترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» ، وأبي الشيخ، وابن مردويه عن عمار. (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 135) برقم (13022) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 261) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 116 إلى 118]

[سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 118] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية: اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي وغيره: لما رفَع اللَّه عيسى إلى السماء، قالَتِ النصارى ما قالَتْ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عَنْ قولهم، فقال: سُبْحانَكَ ... «1» الآية، ويجيء على هذا قولُهُ: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، أي: في التوبة مِنَ الكُفْر لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس: هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة يقوله اللَّه له على رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنّ ما كانوا فيه باطل، فقال «2» على هذا التأويلِ بمعنى: «يَقُولُ» ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِراً: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ: معناه: إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت لا اعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك فلأنك أهْلٌ لذلك لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسى هذا على جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: 119] . وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، أي: ما يكون/ لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ لأنك أحطت بكلِّ شيء علماً، وأحصيتَ كلَّ شيء عدداً، فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ، وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، خصَّ النفْسَ بالذكْرِ لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواء على المعلومات. والمعنى: أن اللَّه- سبحانه- يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى ألا يكون في نفسه.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 137) برقم (13031) ، وذكره ابن عطية (2/ 262) ، والسيوطي (2/ 615) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي. (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 262) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 119 إلى 120]

وقوله: وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ: معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحَطْتَ به، وذكْر «النفْس» هنا مقابلةٌ لَفْظِيَّةٌ، وفي اللسان العربي يقتضيها الإيجَازُ وهذا ينظر من طَرْفٍ خَفِيٍّ إلى قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: 54] واللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15] فتسمية العُقُوبَةِ باسم الذَّنْبِ إنما قاد إليها طَلَبُ المُقَابَلَةِ اللفظية، إذ هي من فَصِيحِ الكلام، وبَارِعِ العبارة. ثم أقر عيسى- عليه السلام- للَّه تعالى بأنه- سبحانه- عَلاَّمُ الغيوب، أي: ولا عِلْمَ لي أنا بغيب. وقوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي: أي: قبضتني بالرَّفْعِ، والتصيير في السّماء، والرَّقِيبَ: الحافظ المراعي. وقوله: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ: أي: في قدرتك، الْحَكِيمُ في أفعالك. والمعنى: إن يكن لك في النَّاسِ مُعَذَّبُونَ، فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم، فَعزَّتُكَ وحكمتك تَقْتَضِي هذا كله. [سورة المائدة (5) : الآيات 119 الى 120] قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ فدخل تحت هذه العِبَارَةِ كل مؤمن باللَّه- سبحانه-، وكُلُّ ما كان أتقى، فهو أَدْخَلُ في العبارة، وجاءت هذه العبارة مُشِيرَةً إلى عيسى- عليه السلام- في حاله، وصدْقه فيحصل له بذلك في المَوْقِفِ شَرَفٌ عظيم، وإن كان اللفظ يعمه وسواه. ثم ذكر- تعالى- ما أعدَّهُ لهم برحمته، وطوله، جعلنا اللَّه منهم بمَنِّهِ، وسَعَةِ جُودِهِ، لا رَبّ غيره، ولا مرجو في الدَّارَيْنِ سواه، وباقي الآية بَيِّنٌ. جعل اللَّه ما كتبناه من هذه الأحرف نوراً يسعى بين أيدينا بمَنِّهِ. والحمد للَّه كما هو أهْلُهُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم.

تفسير سورة الأنعام

بسم الله الرّحمن الرّحيم تفسير سورة الأنعام قال ابن عبّاس: نزلت سورة الأنعام، وحولها سبعون ألف ملك، لهم زجل يجأرون بالتسبيح «1» . قلت: وعن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت سورة الأنعام، سبّح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لقد شيّع هذه السّورة من الملائكة ما سدّ الأفق» . رواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» . وقال: صحيحٌ على شرط مسلم «2» . انتهى من «السلاح» . [سورة الأنعام (6) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ. قال علي بن عبد الرحمن اليفرني في شرحه ل «البرهانية» : قال الإمام الفَخْرُ «3» : لفظ الحمد مُعَرَّفاً لا يقال إلا في حقّ الله عز وجل لأنه يدلُّ على التعظيم، ولا يجوز أن يقال: الحمد لِزَيْدٍ. قاله سيبويه. وذكر ابن العَرَبِيِّ في «القانون» عن أنس أن النبيِ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللَّهِ مِنَ الحَمْدَ، وأَبْلَغُ الحَمْدِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كلّ حال» «4» .

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 265) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 3) ، وعزاه لأبي عبيد، وابن الضريس، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس. (2) أخرجه الحاكم (2/ 314- 315) ، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 470) رقم (2431) من طريق جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن عبد الرّحمن، ثنا محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، فإن إسماعيل هذا هو السدي وتعقبه الذهبي فقال: ولم يدرك جعفر السدي، وأظن هذا موضوعا. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 3) ، وزاد نسبته إلى الإسماعيلي في «معجمه» . (3) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 118، 119) . (4) أخرجه أبو يعلى (7/ 247- 248) برقم (4256) عن أنس بن مالك به. -

قال ابن العربي: وفي بعض الآثار: «ما من نِعْمَةٍ عَظْمَتْ إلا والحمد للَّه أعْظَمُ منها» «1» . انتهى. قال ع «2» : وجَعَلَ هاهنا بمعنى: «خلق» ، ولا يجوز غَيْرُ ذلك. قال قتادة، والسُّدِّيُّ وجمهور من المفسرين: الظلمات الليل، والنور النهار. وقالت فرقة: الظُّلمات الكُفْرُ، والنور الإيمان. قال/ ع «3» : وهذا على جهة التَّشْبِيهِ صحيح، وعلى ما يفهمه عُبَّادُ الأوثان غير جيد لأنه إخراج لَفْظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى بَاطِنٍ لغير ضَرُورَةٍ، وهذا هو طريق اللُّغْزِ الذي بَرِىءَ القُرْآنُ منه، والنور أيضاً هنا لِلْجِنْسِ. وقوله تعالى: ثُمَّ دالة على قُبْحِ فعل الذين كَفَرُوا لأن المعنى: أن خلقه السَّمَوَاتِ والأَرْض، وغيرها الموجبة لحمده، وتوحيده قد تقرر، وآياته قد سَطَعَتْ، وإنعامه بِذَلِكَ على العباد قد تَبَيَّنَ، فكان الواجب عليهم إخْلاَصَ التوحيد له، ثم هم بعد هذا كله بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: يُسَوّون، ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله. والَّذِينَ كَفَرُوا في هذا المَوْضِعِ كل من عَبَدَ شَيْئاً سوى اللَّه إلا أن السَّابِقَ من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن الإشَارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المَانَوِيَّةِ العابدين للنور، القائلين: إن الخَيْرَ من فِعْلِ النور، والشر من فِعْلِ الظلام. وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ فالمعنى: خَلَقَ آدم من طِينٍ. وقوله سبحانه: ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ اختلف في هذين الأَجَلَيْنِ، فقال الحسن بن أبي الحَسَنِ وغيره: أَجَلًا أَجَلُ الإنسان من لَدُنْ وِلاَدَتِهِ إلى موته،

_ - وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 22) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (3/ 35) رقم (2812) وعزاه إلى أبي بكر، وأحمد بن منيع، والحارث، وأبي يعلى. (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 143) برقم (13043) عن السدي، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 266) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 6) ، وعزاه لابن جرير. (2) ينظر: «المحرر» (2/ 265) . (3) ينظر: «المحرر» (2/ 266) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 3 إلى 6]

والأجل المسمى عنده من وَقْت موته إلى حَشْره، ووصفه ب مُسَمًّى عِنْدَهُ لأنه استأثر- سبحانه- بعِلْمِ وَقْتِ القيامة. وقال ابن عباس: أَجَلًا الدنيا، وَأَجَلٌ مُسَمًّى الآخرة «1» . وقيل غير هذا. وتَمْتَرُونَ معناه: تشكون. [سورة الأنعام (6) : الآيات 3 الى 6] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) وقوله سبحانه: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ قاعدة الكلام في هذه الآية: أن حُلُولَ اللَّه في الأمَاكِنِ مُسْتَحِيلٌ- تعالى- أن يَحْوِيَهُ مكان، كما تَقَدَّسَ أن يَحُدَّهُ زمان، بل كان قبل أن خَلَقَ المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان. وإذا تَقَرَّرَ هذا، فقالت فرقة من العلماء: تَأْوِيلُ ذلك على تقدير صِفَةٍ محذوفة من اللفظ ثَابِتَةٍ في المعنى، كأنه قال: وهو اللَّه المَعْبُودُ في السموات، وفي الأرض. وعبر بعضهم بأن قدر: وهو اللَّه المدبر للأمر في السموات والأرض. وقال الزَّجَّاجُ: فِي متعلقة بما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللَّه من المعاني، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المَشْرِقِ والمغرب. قال ع «2» : وهذا عِنْدِي أَفْضَلُ الأقوال، وأكثرها إحرازاً لِفَصَاحَةِ اللفظ، وجزالة المعنى. وإيضاحه: أنه أراد أن يَدُلَّ على خلقه، وآثار قدرته، وإحاطته، واستيلائه، ونحو هذه الصفات، فجمع هذه كلها في قَوْلِهِ: وَهُوَ اللَّهُ أي: الذي له هذه كلها في السموات، وفي الأرض، كأنه قال: وهو اللَّه الخَالِقُ، الرازق، المحيي، المحيط في السموات وفي

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 267) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 7) ، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم، وصححه عن ابن عباس. (2) ينظر: «المحرر» (2/ 271) . [.....]

الأرض، كما تقول: زيد السلطان في المَشْرِقِ والمغرب و «الشام» و «العراق» ، فلو قصدت ذَاتَ زَيْد لَقُلْتَ مُحَالاً، وإذا كان مَقْصِدُ قولك الآمِرَ، النَّاهِيَ، الناقض، المُبْرِمَ، الذي يعزل ويُوَلِّي في المشرق والمغرب، فأقمت السلطان مقام هذه، كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لَفْظَةَ اللَّهُ مقام تلك الصِّفَاتِ المذكورة. وقالت فرقة: وَهُوَ اللَّهُ ابتداء وخَبَرٌ، تم الكَلاَمُ عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله: فِي السَّماواتِ بمفعول يَعْلَمُ، كأنه قال: وهو اللَّه يَعْلَم سِرَّكُمْ وجهركم في السموات، وفي الأرض. وقوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ خبر في ضمنه تحذير وزجر، وتَكْسِبُونَ لفظ/ عام لجميع الاعْتِقَادَاتِ، والأقوال، والأفعال. وقوله سبحانه: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تضمنت هذه الآية مَذَمَّةَ هؤلاء الذين يَعْدِلُونَ باللَّه سواه، بأنهم يُعْرِضُونَ عن كل آية، وكذبوا بالحق، وهو محمد- عليه السلام- وما جاء به. قال ص: مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ «من» الأولى زَائِدَةٌ للاستغراق، وما بعدها فاعل بقوله: تَأْتِيهِمْ. و «من» الثانية للتبعيض انتهى. وقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ هذا وَعِيدٌ لهم شديد، وهذه العُقُوبَاتُ التي تُوُعِّدُوا بها تعمُّ عُقُوبَاتِ الدنيا كَبَدْرٍ وغيرها، وعقوبات الآخرة. وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ هذا حَضٌّ على العِبْرَةِ، والرؤية هنا رُؤْيَةُ القلب، والقَرْنُ: الأمة المقترنة في مُدَّةٍ من الزمن. واختلف في مدة القَرْنِ «1» كم هي؟ فالأكثر على أنها مائة سنة. وقيل غير هذا.

_ (1) ينظر هذا الاختلاف في «لسان العرب» (3609) (قرن) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 7 إلى 9]

وقيل: القَرْنُ الزمن نَفْسُهُ، وهو على حَذْفِ مضاف، تقديره: من أَهْلِ قرن. قال عياض في «الإكمال» : واختلف في لَفْظِ القَرْنِ، وذكر الحربي «1» فيه الاخْتِلاَفَ من عَشْرِ سنين إلى مائة وعشرين، ثم قال يعني الحربي: وليس منه شيء وَاضِحٌ، وأرى القرن كُلّ أمة هَلَكَتْ، فلم يَبْقَ منها أحد. انتهى. والضمير في مَكَّنَّاهُمْ عائد على القَرْنِ، والمخاطبة في لَكُمْ هي للمؤمنين، ولجميع المُعَاصِرِينَ لهم من سائر الناس، والسَّماءَ هنا المطر، ومِدْراراً بناء تكثير، ومعناه: يدرُّ عليهم بِحَسَبِ المنفعة. وقوله سبحانه: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ. أَنْشَأْنا: اخترعنا، وخلقنا، ويظهر من الآية أن القَرْنَ إنما هو وَفَاةُ الأَشْيَاخِ، ثم وِلاَدَةُ الأطفال. [سورة الأنعام (6) : الآيات 7 الى 9] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) وقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ الآية. لمْا أَخْبَرَ عنهم- سبحانه- بأنهم كذبوا بكل ما جَاءَهُمْ من آية أَتْبَعَ ذلك بإخْبَارٍ فيه مُبَالغة، والمعنى: ولو نزلنا بِمَرْأًى منهم عليك كتاباً أي: كلاماً مَكْتُوباً في قِرْطَاسٍ، أي: في صحيفة. فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ يريد: أنهم بالغوا في مَيْزِهِ وتقليبه ليرتفع كل ارْتِيَابٍ لعاندوا فيه، وتابعوا كُفْرَهُمْ وقالوا: هذا سحر مبين. وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي: يصدّق محمداً في نبوءته، ثم ردّ

_ (1) إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن عبد الله البغدادي الحربي، أبو إسحاق، من أعلام المحدثين. أصله من مرو، واشتهر وتوفي ببغداد، ونسبته إلى محلة فيها. كان حافظا للحديث عارفا بالفقه بصيرا بالأحكام، قيما بالأدب، زاهدا، أرسل إليه المعتضد ألف دينار فردها. تفقه على الإمام أحمد، وصنف كتبا كثيرة منها «غريب الحديث» و «سجود القرآن» و «الهدايا والسنة فيها» و «الحمام وآدابه» و «دلائل النبوة» وكان عنده اثنا عشر ألف جزء، في اللغة وغريب الحديث، كتبها بخطه. ينظر: «الأعلام» (1/ 32) ، «تذكرة الحفاظ» (2/ 147) ، و «إرشاد الأريب» (1/ 37) ، و «صفوة الصفوة» (2/ 228) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 10 إلى 12]

اللَّه عليهم بقوله: وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ قال ابن عَبَّاسٍ وغيره: في الكلام حَذْفٌ «1» ، تقديره: ولو أنزلنا مَلَكاً، فكذبوه لَقُضِيَ الأمر بعَذَابِهِمْ، ولم يُنْظَرُوا حسبما سَلَفَ في كل أمة اقْتَرَحَتْ بآية، وكذبت بعد أن أُظْهِرَتْ إليها. وقالت فرقة: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لَمَاتُوا من هَوْلِ رؤية المَلَكِ في صورته، ويؤيد هذا التَّأْوِيلَ ما بعده من قوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا فإن أَهْلَ التأويل مُجْمِعُونَ أن ذلك لأنهم لم يكونوا يُطِيقُونَ رؤية المَلَكِ في صورته، فإذ قد تَقَعَّدَ أنهم لا يطيقون رُؤْيَةَ المَلَكِ في صورته، فالأولى في قوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي: لماتوا لِهَوْلِ رؤيته، ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ، أي: لا يُؤَخَّرُونَ. ومما يؤيد هذا المعنى الحَدِيثُ الوَارِدُ عن الرجلين اللذين صَعَدَا على الجَبَلِ يوم بَدْرٍ ليريا ما يَكُونُ في حَرْبِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للمشركين، فَسَمِعَا حِسَّ الملائكة، وقَائِلاً يقول في السحاب: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِ أحدهما، فمات لِهَوْلِ ذلك، فكيف برؤية مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ. وَلَلَبَسْنا أي: لفعلنا لهم/ في ذَلِكَ فِعلاً مُلْبَساً يطرق لهم إلى أن يَلْبَسوا به، وذلك لا يحسن. قلت: وفي البخاري «2» : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ: لشبهنا. [سورة الأنعام (6) : الآيات 10 الى 12] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وقوله سبحانه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ الآية تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالأُسْوَةِ في الرسل، وتقوية لنفسه على مُحَاجَّةِ المشركين، وإخبار يَتَضَمَّنُ وعيد مُكَذِّبِيهِ، والمستهزئين به. وفَحاقَ معناه: نزل، وأحاط، وهي مَخْصُوصَةٌ في الشر يقال: حَاقَ يَحِيقُ حَيْقاً. وقوله سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ حَضٌّ على الاعتبار بآثارَ من مضى ممن

_ (1) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 270) . (2) ينظر: صحيح البخاري (8/ 136) كتاب «التفسير» ، باب سورة الأنعام.

فَعَلَ مِثْلَ فعلهم. وقوله سبحانه: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ. قال بعض أَهْلِ التَّأوِيلِ: تَقْدِيرُ الكلام: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السموات والأرض، فإذا تحيروا فلم يُجِيبُوا قل للَّه. والصحيح من التَّأويل أن اللَّه- عزَّ وَجَلَّ- أمر نبيه- عليه السلام- أن يَقْطَعَهُمْ بهذه الحُجَّةِ، والبرهان القطعي الذي لا مُدَافَعَةَ فيه عندهم، ولا عند أَحَدٍ ليعتقدَ هذا المعتقد الذي بينه وبينهم، ثم يَتَرَكَّب احْتِجَاجُهُ عليه، فكأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: يا أيها الكافرون العَادِلُونَ بربهم لمن ما في السموات والأَرْضِ، ثم سَبَقَهُمْ فقال: للَّه أي لا مُدَافَعَةَ في هذا عندكم، ولا عند أحد. ثم ابتدأ يخبر عن اللَّه تعالى: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ معناه: قضاها وأَنْفَذَهَا. وفي هذا المعنى أحاديث صَحِيحَةٌ ففي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مَائَةً جُزْءٍ، فأمسك عنده تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأنْزَلَ في الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً، فمن ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلاَئِقُ حتى تَرْفَعُ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أن تُصِيبَهُ» «1» . ولمسلم في طَرِيقٍ آخرُ: «كُلُّ رَحْمَةٍ مِنْهَا طبَاقُ مَا بَيْنِ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فإذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بهذه الرَّحْمة» «2» . وخرج مسلم، والبخاري، وغيرهما عنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما خَلَقَ اللَّه الخَلْقَ كَتَبَ في كِتَابٍ، فهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إن رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» «3» . وفي طريق: «سَبَقَتْ غَضَبِي» إلى غير ذلك من الأحاديث. انتهى. قال ع «4» : فما أشقى مَنْ لم تَسَعْهُ هذه الرَّحَمَاتُ. تغمّدنا الله بفضل منه.

_ (1) أخرجه مسلم (4/ 2108) كتاب «التوبة» ، باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه، حديث (17/ 2752) والبخاري (10/ 446) كتاب «الأدب» ، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء، حديث (6000) وفي «الأدب المفرد» (100) ، والدارمي (2/ 321) ، والمروزي في «زوائد الزهد» لابن المبارك (1039) ، وابن حبان (6148) كلهم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به. (2) أخرجه مسلم (4/ 2109) كتاب «التوبة» باب في سعة رحمة الله- تعالى- وأنها سبقت غضبه، حديث (21/ 2753) من حديث سلمان. (3) تقدم تخريجه. (4) ينظر: «المحرر» (2/ 271) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 13 إلى 16]

ويتضمن هذا الإخبار عن اللَّه- سبحانه- بأنه كتب الرَّحْمَةَ لتأنيس الكفار، ونفي يَأْسهم من رَحْمَةِ اللَّه إذا أَنَابُوا. واللام في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ لام قَسَم، والكلام مستأنف، وهذا أظهر الأَقْوَالِ «1» وأصحها. وقوله سبحانه: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ رفع بالابتداء، وخبره: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. [سورة الأنعام (6) : الآيات 13 الى 16] وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية. وَلَهُ عطف على قوله: لِلَّهِ، وسَكَنَ هي من السُّكْنَى، ونحوه أي: ما ثَبَتَ وتَقَرَّرَ. قاله السدي «2» ، وغيره. وقالت فرقَةٌ: هو من السُّكُونِ، وهو ضعيف. وقوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية. قال الطبري «3» وغيره: أُمِرَ- عليه السلام- أن يَقُولَ هذه المَقَالَةَ لِلْكَفَرَةِ الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فَتَجِيءُ الآية على هذا جَوَاباً لكلامهم. قال ع «4» : وهذا يَحْتَاجُ إلى سَنَدٍ، والفصيح أنه لما قَرَّرَ معهم أن اللَّه- تعالى- له ما في السَّمَوَاتِ والأرض، وله ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنهار، أُمِرَ أن يقول لهم على جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتوقيف: أغَيْرَ اللَّه الذي هذه أَفْعالُهُ أتخذ وليًّا، بمعنى: أن هذا خَطَأٌ بَيِّنٌ/ ممن يفعله. والولي لفظ عام لمَعْبُودٍ وغير ذلك.

_ (1) ينظر: «الدر المصون» (3/ 17) . (2) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 272) . (3) ينظر الطبري (5/ 158) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 273) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 17 إلى 19]

ثم أخذ في صفات اللَّه- تعالى- فقال: فاطِرِ بخفض الراء نعت لله عز وجل. قال ص: فاطِرِ الجمهور «1» بالجَرِّ، وَوَجَّهَهُ ابن عَطِيَّةَ «2» ، وغيره على أنه نَعْتٌ لِلَّهِ. وأبو البقاء على أنه بَدَلٌ، وكأنه رأى الفَصْلَ بين البَدَلِ والمبدل أَسْهَلَ لأن البَدَلَ في المشهور على نِيَّةِ تَكْرَارِ العامل. انتهى. و «فطر» معناه: ابتدع، وخلق، وأنشأ، وفطر أيضاً في اللُّغَةِ: شَقَّ، ومنه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك: 3] أي: من شقوق. ويُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ المقصود به: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ. وقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ ... إلى عَظِيمٍ. قال المفسرون: المعنى أول من أَسْلَمَ من هذه الأمة، وبهذه الشَّرِيعَةِ، ولفظة عَصَيْتُ عامة في أنواع المَعَاصِي، ولكنها هاهنا إنما تُشِيرُ إلى الشِّرْكِ المَنْهِيِّ عنه. واليوم العَظِيمُ هو يَوْمُ القيامة. وقرأ نَافِعٌ «3» وغيره «من يُصْرَف عنه» مسنداً إلى المفعول، وهو الضمير العائد على العَذَابِ. وقرأ حمزة وغيره «مَنْ يَصْرِف» بإسناد الفَعْلِ إلى الضمير العائد إلى «ربي» ، ويعمل في ضَمِيرِ العَذَابِ المذكور، ولكنه محذوف. وقوله: وَذلِكَ إشارة إلى صَرْفِ العذاب، وحُصُولِ الرحمة، والْفَوْزُ النّجاة. [سورة الأنعام (6) : الآيات 17 الى 19] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 90) و «الدر المصون» (3/ 20) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 273) . [.....] (3) ينظر: «الدر المصون» (3/ 22) ، و «حجة القراءات» (243) ، و «الكشاف» (2/ 10) ، و «النشر» (2/ 257) ، و «البحر المحيط» (4/ 91) ، و «السبعة» (254) ، و «التبيان» (1/ 484) (485) ، و «الزجاج» (2/ 256) ، و «المشكل» (2/ 247) ، و «معاني القراءات» (1/ 346) ، و «الحجة» (3/ 285) ، و «العنوان» (90) ، و «شرح الطيبة» (4/ 242) ، و «إعراب القراءات» (1/ 152) .

وقوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ. يَمْسَسْكَ: معناه يُصِبْكَ، ويَنَلْكَ، والضُّرُّ بضم الضاد: سوء الحَالِ في الجِسْمِ وغيره، وبفتحها ضِدُّ النَّفْعِ، ومعنى الآية: الإخْبَارُ أن الأَشْيَاءَ كلها بِيَدِ اللَّه إن ضَرَّ فلا كَاشِفَ لضره غَيْرُه، وإن أصَابَ بِخَيْرٍ، فكذلك أيضاً. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: كنت خلف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوماً فقال: «يا غُلاَمُ إنِّي أُعَلِّمَكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهِ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّه، وإذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، واعْلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّه لَكَ، وإن اجْتَمَعُوا عَلَى أن يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رفعت الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» . رويناه في الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح «1» . وفي رواية غير الترمذي زيادة: «احْفَظِ اللَّه تَجِدْهُ أمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أن ما أَخْطَأَكَ لم يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ... » وفي آخره: «واعلم أن النَّصْرَ مع الصَّبْرِ، وأنّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأن مع العُسْرِ يُسْراً» «2» . قال النووي: هذا حديث عَظِيمُ الموقع. انتهى من «الحِلْيَة» . وقرأت فرقة: «وَأَوْحَى إلَيَّ هذا القُرآن» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «القرآن» ، وفي «أوحى» ضمير يَعُودُ على اللَّه تعالى. وقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ معناه على قول الجمهور: بلاغ القرآن، أي: لأنْذِرَكُمْ وأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ، ففي «بلغ» ضمير محذوف لأنه في صلة «من» فحُذِفَ لطول الكلام.

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 667) كتاب «صفة القيامة» ، باب (59) ، حديث (2516) وأحمد (1/ 307) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (2) أخرجه عبد بن حميد في «المنتخب» (ص 214) رقم (636) من طريق المثنى بن الصباح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به. والمثنى بن الصباح ضعيف.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 20 إلى 22]

وقالت فرقة: ومن بلغ الحُلُمَ. وروي في معنى التأويل الأَوَّلِ أَحَادِيثُ. وظاهر الآية أنها في عَبَدَةِ الأصنام. وذكر الطبري «1» أنه قد وَرَدَ من وَجْهٍ لم تثبت صحته أنها في قَوْمٍ من اليهود، قالوا: يا محمد ما تَعْلَمُ مع اللَّه إلهاً غيره، فقال لهم: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ» فنزلت الآية. واللَّه أعلم. وأمر اللَّه- سبحانه- نَبِيَّهُ- عليه السلام- أن يعلن بالتَّبَرِّي من شهادة الكفرة، والإعلان بالتوحيد لله- عز وجل- والتبرِّي من إشراكهم. قال الغزالي في «الإحياء» . وينبغي للتَّالِي أن يقدر أنه المقصود بكل خِطَابٍ في القرآن، فإن سمع أمراً أو نَهْياً قَدَّرَ المَنْهِيُّ، والمأمور، وكذا إن سَمِعَ وَعْداً أو وعيداً، وكذا ما يَقِفُ عليه من القَصَصِ/، فالمقصود به الاعْتِبَارُ. قال تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود: 120] . وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 138] . وقال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. قال محمد بن كَعْبٍ القُرظي: من بلغه القرآن فكأنما كَلَّمَهُ الله عز وجل «2» انتهى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 20 الى 22] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) وقوله سبحانه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ. قال قتادة، وغيره: يعرفون محمداً- عليه السلام- «3» . وقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الآية روي أن كل عَبْدٍ له مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ، ومنزل في النار، فالمؤمنون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الكُفْرِ في الجَنَّةِ، والكافرون يَنْزِلُونَ مَنَازِلَ أهل الجنّة

_ (1) ينظر الطبري (5/ 163) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 162) (13127) بلفظ: «من بلغه القرآن، فقد أبلغه محمد صلّى الله عليه وسلّم» ، وذكره البغوي (2/ 88) بلفظ: «من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وسمع منه» . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 162) برقم (13133) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 276) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 23 إلى 26]

في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين. وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ المعنى: واذكر يوم نحشرهم. [سورة الأنعام (6) : الآيات 23 الى 26] ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (26) وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. الفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ. ومن قال: إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من: فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ: [الطويل] وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ «1» ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: 42] فانظره هناك. قال ع «2» : وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال: معذرتهم «3» . وقال الضَّحَّاك» : كلامهم. وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه. وقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ هذا خِطَابٌ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال: كَذَبُوا في أَمْرِ لم يَقَعْ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشكال في

_ (1) ينظر: «المحرر» (2/ 278) . (2) ينظر: «المحرر» (2/ 279) . (3) أخرجه الطبري (5/ 166) برقم (13141) ، وذكره ابن عطية (2/ 279) والسيوطي (3/ 14) ، وعزاه لعبد بن حميد عن قتادة. (4) أخرجه الطبري (5/ 166) برقم (13140) ، وذكره ابن عطية (2/ 279) .

اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ. وَضَلَّ عَنْهُمْ معناه: ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه. وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية. «أكِنَّة» جمع: كنان، وهو الغِطَاءُ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي: يفهموه، والوَقْرُ الثقل. وقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها. الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه. وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر. وقيل: أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ. وقيل: جمع أسطورة كأعجوبة، وأضحوكة. وقيل: هو اسم جمع، لا واحد له من لفظه كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ «1» ، والمعنى: إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ. وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قال/ قتادة وغيره: المعنى: يَنْهَوْنَ عن القرآن «2» . وقال ابن عباس وغيره: ينهون عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمعنى: ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم «3» ، والنَّأْيُ البعد.

_ (1) العباديد: الخيل المتفرقة في ذهابها ومجيئها، ولا واحد له، ولا يقع إلا في جماعة. ولا يقال للواحد: عبديد. وكذلك الشماطيط. قال الفراء: العباديد والشماطيط لا يفرد له واحد. ينظر: «لسان العرب» (2327، 2780) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 171) برقم (13168) ، وذكره البغوي في «تفسيره» (2/ 91) ، وابن عطية (2/ 280) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 16) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة. (3) أخرجه الطبري (5/ 171) برقم (13163) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 280) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 15) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 27 إلى 28]

قال ص: وَإِنْ يُهْلِكُونَ: إن نافية بمعنى «ما» ، وأَنْفُسَهُمْ مفعول ب يُهْلِكُونَ انتهى. وَما يَشْعُرُونَ معناه: ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حسٍّ، ونَفْيُ الشعور مذمَّةٌ بالغة إذ البهائم تشعر وتحسّ، فإذا قلت: فلان لا يَشْعُرُ، فقد نَفَيْتَ عنه العِلْمَ النفي العام الذي يقتضي أنه لا يَعْلَمُ ولا المحسوسات. [سورة الأنعام (6) : الآيات 27 الى 28] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) وقوله جَلَّتْ عظمته: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ الآية: المخاطبة فيه للنبي صلّى الله عليه وسلّم وجواب «لو» محذوف، تقديره في آخر الآية: لرأيت هولا عظيما ونحوه. ووُقِفُوا معناه: حسُّوا، ويحتمل قوله: وُقِفُوا عَلَى النَّارِ بمعنى «دخلوها» . قاله الطَّبَرِيُّ «1» . ويحتمل أن يكون أشرفوا عليها، وعاينوها. وقولهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ معناه إلى الدنيا. وقوله سبحانه: بَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ الآية: يَتَضَمَّنُ أنهم كانوا يُخْفُونَ أموراً في الدنيا، فظهرت لهم يوم القِيَامَةِ، أو ظهر وَبَالُ ذلك وعاقبته، فحذف المُضَاف، وأقيم المضَافُ إليه مقامه. وقيل: إن الكُفَّارَ كانوا إذَا وعظهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خافوا، وأَخْفَوْا ذلك الخوف لَئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذَلِكَ يوم القيامة. ويصح أن يكون مَقْصِدُ الآية الإخْبَارَ عن هَوْلِ ما لقوه، فعبِّر عن ذلك بأنهم ظَهَرَتْ لهم مَسْتُورَاتهم في الدنيا من مَعَاصٍ وغيرها، فكيف الظَّنُّ بما كانوا يعلنونه من كُفْرٍ ونحوه. وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يوم القيامة: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: 9] . وقوله سبحانه: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا إخبار عن أَمْرٍ لا يكون كَيْفَ كان يُوجَدُ، وهذا النوع مما اسْتَأْثَرَ اللَّه- تعالى- بعِلْمِهِ، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يُتَكَلَّمْ فيه. قال الفخر «2» : قال الوَاحِدِيُّ: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فَسَادِ قول المعتزلة

_ (1) ينظر: الطبري (5/ 173) بلفظ: حبسوا. [.....] (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 160) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 29 إلى 31]

لأن اللَّه- تعالى- حكى عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا للقضاء السابق فيهم. انتهى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 29 الى 31] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31) وقوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و «إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ والعَوْدَة إلى اللَّه. وقوله سبحانه: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به/ في الدنيا، وقولهم: بَلى وَرَبِّنا أَيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ. وقوله: فَذُوقُوا استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة الذائق، وبَغْتَةً معناه: فجأة، تقول: بَغَتَنِي الأمر أي: فجأني، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً ... وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُ «1» ونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال. وقولهم: يا حَسْرَتَنا عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها نداء الحَسَرَةِ على تعظيم الأمر، وتشنيعه. وفَرَّطْنا معناه: قَصَّرْنَا، والضمير في قوله: فِيها عائد على السَّاعَةِ أي: في التَّقْدِمَةِ لها. قاله الحسن «2» . ويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن. قلت: قال عَبد الحق في «العَاقِبَةِ» : لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رجع إلى الدنيا ليزداد

_ (1) البيت ليزيد بن ضبة. اللسان (بغت) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 284) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 32 إلى 33]

من عَمَلِهِ الصالح، ويكثر من تَجْرِهِ الرابح، والمُقَصِّرُ يَوَدُّ أنه لو رُدَّ ليستدرك ما فيه فَرَّطَ، وقد قال عليه السَّلاَمُ: «ما مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إلاَّ نَدِمَ» قَالُوا: وَمَا ندامته يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مُسِيئاً نَدِمَ ألا يَكُونَ نَزَعَ» خرجه الترمذي «1» . انتهى. وقوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ الواو واو الحَالِ، والأَوْزَارُ جمع وِزْر بكسر الواو، وهو الثّقْلُ من الذنوب، والوِزْرُ هنا تَجَوُّز وتَشْبِيهٌ بثقل الأَحْمَالِ. ومن قال: إنه من الوَزَرِ، وهو الجَبَلُ الذي يُلْجَأُ إلَيْهِ، فهو قول غير بَيِّنِ. وقال الطبري «2» وغيره: هذا على جهة الحَقِيقَةِ، وَرَوَوْا في ذلك خَبَراً: أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقَاهُ عمله في أَحْسَنِ صُورَةً وأَفْوَحِهَا فَيُسَلِّمُ عليه وَيَقُولُ طَالَ مَا رَكِبْتُكَ في الدُّنْيَا وَأَجْهَدْتُكَ، فَارْكَبْنِي اليَوْمَ. قال: فَيَحْمِلُهُ تِمْثَالُ العَمَلِ. وإن الكَافِرَ يَلْقَاهُ عَمَلَهُ في أَقْبَحِ صُورَةً وأَنْتَنِهَا فَيَشْتِمُهُ، ويقول: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ طَالَ مَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا بِشَهَوَاتِكَ فَأَنا أرْكَبُك اليَوْمَ، قال: فيحمل تِمْثَالَ عَمَلِهِ الخَبِيثَ وَأَوْزَارَهُ على ظَهْرِهِ. قلت: والأحاديث الصحيحة في معنى ما ذَكَرَهُ الطبري كثيرةٌ كأحاديث مَانِعِي الزكاة، وغيرها. قال مكي: وروى المَقْبُرِيُّ عن أبي هريرة في حديث يرفعه، قال: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ بَعَثَ اللَّه مع كل امرئ مُؤْمِنٍ عَمَلَهُ، وبَعَثَ مع الكافر عَمَلَهُ فلا يرى المُؤْمِنُ شَيْئاً يروعه، ولا شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويخافه إلاَّ قَالَ له عَمَلُهُ: أَبْشِرْ بالَّذِي يَسُرُّكَ فَإنَّكَ لَسْتَ بِالَّذِي يُرَادُ بهذا. ولا يرى الكَافِر شَيْئاً يُفْزِعُهُ ويروعه ويَخَافُهُ إلا قال له عَمَلُهُ: أبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بالذي يسوءك، فو الله إنك لأنت الذي تراد بهذا» . انتهى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 32 الى 33] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 603- 604) كتاب «الزهد» باب (58) ، حديث (2403) وابن المبارك في «الزهد» (ص 11) رقم (33) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 178) والبيهقي في «الزهد» (ص 279) رقم (716) كلهم من طريق يحيى بن عبيد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: فذكر الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله تكلم فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب مدني اهـ. وقال أبو نعيم: غريب من حديث يحيى. (2) ينظر: الطبري (5/ 178) .

وقوله سبحانه: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ الآية. هذا ابتداء خَبَرٍ عن حَالِ الدنيا، والمعنى: أنها إذ كانت فَانِيَةٌ لا طائل لها أشبهت اللَّعِبَ، واللهو الذي لا طَائِلَ له إذا تقضى. وهذه الآية تتضمن الرَّدَّ على قولهم: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام: 29] وهو المقصود بها. قال عبد الحق في «العاقبة» : اعلم- رحمك الله- أن حُبَّ الدُّنْيَا هو سَبَبُ طُولِ الأَمَلِ، والإكْبَابُ عليها يَمْنَعُ من الفِكْرَةِ في الخروج عنها، والجهل بغَوَائِلِهَا يحمل على الإرادة لها، والازدياد منها لأن من أَحَبَّ شَيْئاً أحَبَّ/ الكَوْنَ معه، والازدياد منه، ومن كان مَشْغُوفاً بالدنيا مُحِبًّا لها قد خَدَعَتْهُ بزُخْرُفِهَا وَأَمَالَتْهُ برَوْنَقِهَا كيف يحبُّ مفارقتها، أو يحب مُزَايَلَتَهَا، هذا أمر لم تَجْرِ العادة به، ولا حُدِّثْنَا عنه، بَلْ نجد مَنْ كَانَ على هذه الصفة أَعْمَى عَنْ طريق الخَيْرِ، أصم عن دَاعِي الرشد، أَفِنَ الرأي، سَيِّىءَ النظر، ضَعِيفَ الإيمان، لم تترك له الدُّنْيَا ما يَسْمَعُ به، ولا ما يرى، إنما دِينُهُ وشغله وحديثه دُنْيَاهُ، لها ينظر، ولها يَسْمَعُ، قد ملأت عينه وقلبه، ثم قال: واعلم أن أَهْلَ القُبُورِ إنما يَنْدَمُونَ على ما يتركون، ويفرحون بما يُقَدِّمُونَ، فما عليه أهل القُبُورِ يندمون، أَهْلُ الدنيا عليه يَقْتَتِلُون. انتهى. وقوله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ ... الآية: نَعْلَمُ إذا كانت من اللَّه- تعالى- تَتَضَمَّنُ استمرار العَلْمِ وقِدَمَهُ، فهي تعمُّ الماضي، والحال، والاستقبال. قلت: ونحو هذا لأبي «1» حَيَّانَ قال: وعبر هنا بالمُضَارِعِ لأنَّ المُرَادَ الاتصاف بالعلم، واستمراره، ولم يلحظ فيه الزمان، كقولهم: فلان يعطي ويمنع. انتهى. وقرأ نافع «2» وحده «لَيُحْزِنُكَ» من أَحْزَنَ. وقرأ الباقون: «لَيَحْزُنْكَ» من حَزَنْتُ الرجلَ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة «لا يكذّبونك» «3» - بتشديد

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 115) . (2) ينظر: «حجة القراءات» ص (241) ، «السبعة» ص (257) ، «النشر» (2/ 257) ، «التبيان» (1/ 490) ، «المشكل» (1/ 251) ، «المصاحف» لابن أبي داود ص (45) ، «البحر المحيط» (4/ 114) ، «الدر المصون» (3/ 46) ، و «الحجة» (3/ 304) ، و «العنوان» (90) . (3) ينظر: «الدر المصون» (3/ 48) ، «البحر المحيط» (4/ 116) ، «حجة القراءات» ص (247) ، «الكشاف» (2/ 18) ، «النشر» (2/ 257- 258) ، «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 10) ، و «السبعة» -

[سورة الأنعام (6) : الآيات 34 إلى 36]

الذال، وفتح الكاف- وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ. وقرأ نافع والكسائي- بسكون الكاف، وتخفيف الذال-، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما «1» . وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ: إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً. رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ «2» ، ومن جرى مجراه. وأسْنَدَ الطَّبَريُّ «3» : «أن جِبْريلَ وجد النبي صلّى الله عليه وسلّم حَزِيناً فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقَال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ» وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوقوع بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، ويَجْحَدُونَ: حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار. [سورة الأنعام (6) : الآيات 34 الى 36] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

_ - (257) ، و «الحجة» (3/ 302) ، و «إعراب القراءات» (1/ 155) ، و «العنوان» (90) ، و «شرح الطيبة» (4/ 248) ، و «شرح شعلة» (360) . (1) أخرجه الطبري (5/ 181) رقم (13195، 13196) ، بنحوه، وذكره البغوي (2/ 93، 94) عن السدي، وذكره ابن عطية (2/ 286) ، وذكره ابن كثير (2/ 129، 130) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 18) وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولابن أبي حاتم، عن الحسن بنحوه. (2) عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي: أشد الناس عداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وأحد سادات قريش، وأبطالها ودهاتها في الجاهلية، كان يقال له: أبو الحكم، كان عنيدا عنيفا، حتى كانت وقعة بدر الكبرى، فشهدها مع المشركين فكان من قتلاها سنة 2 هـ. ينظر: «الكامل» (2/ 127) ، و «فتح الباري» (7/ 293- 296) ، «عيون الأخبار» (1/ 230) ، «السيرة الحلبية» (2/ 33) ، «دائرة المعارف الإسلامية» (1/ 322) ، «إمتاع الأسماع» (1/ 18) ، «الأعلام» (5/ 87) . (3) أخرجه الطبري (5/ 182) رقم (13202، 13203) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 287) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 19) ، وعزاه لابن جرير عن الضحاك، ولابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج بنحوه.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا الآية. قال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك: عزى اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ- عليه السلام- «1» ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، أي: لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له. وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ... الآية فيها إلزام الحجة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعمال الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي: ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه. وروى الدّارقطنيّ في «سننه» / عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قال: «إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئاً» «2» انتهى من «الكوكب الدّري» . وفَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي: بعلامة. وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ. قلت وما قاله ع: فيه عندي نَظَرٌ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا- رحمه اللَّه- نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ. وقيل: معنى الخطاب لأمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير. انتهى من «الهِدَايَةِ» . وقوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هذا من النَّمَطِ المتقدّم في التسلية،

_ (1) ينظر: الطبري (5/ 178) . (2) ذكره الهندي في «كنز العمال» (2/ 117) رقم (3410) ، وعزاه للطبراني في «الأوسط» . [.....]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 37 إلى 38]

أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله ب يَسْمَعُونَ إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ- رضي اللَّه عنهم- إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغاً شافياً، قالوا: سمع. ثم قال تعالى: وَالْمَوْتى يُرِيدُ الكفار أي: هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العمى عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة «1» . ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم «2» ، وقراءة الحسن «ثم إليه تُرْجَعُون» بالتاء من فوق «3» ، فَتَنَاسَبَت الآية. وقال مجاهد، وقتادة: وَالْمَوْتى يريد الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، أي: يَحْشرهم يوم القيامة، ثُمَّ إِلَيْهِ، أي: إلى سطوته، وعقابه يُرْجَعُونَ «4» . [سورة الأنعام (6) : الآيات 37 الى 38] وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «لَوْلاَ» تحضيض بمعنى «هلاَ» ، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ- عليه السلام- بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه- عز وجل- قَادِرٌ على ذلك، ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه- سبحانه- إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمّل ليهتدي قوم ويضلّ آخرون.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 185) رقم (13209، 13211، 13212) وذكره ابن عطية (2/ 289) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 19) وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن الحسن، ولعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن مجاهد بنحوه. (2) ذكره ابن عطية (2/ 289) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 289) . (4) ذكره ابن عطية (2/ 289) .

وقوله سبحانه: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ المعنى: في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي أمم أي: جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ. ويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أمماً لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أمماً. قال الطبري «1» ، وغيره: والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ أي: فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء. وروى أبو ذَرٍّ: أنه انتطحت عنزان بحضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟ / قِلْنَا: لا، قال: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» «2» . وقال مَكّي: المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده. وقوله: بِجَناحَيْهِ تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة إذ يقال: طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ. وقال تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ( [الإسراء: 13] ، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى: بِجَناحَيْهِ إخراج للطائر عن هذا كله. وقوله سبحانه: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ التفريط: التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير. قال أبو حيان «3» : أصل فَرَّطْنَا يَتَعَدَّى ب «في» ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون مِنْ شَيْءٍ في موضع المفعول به. انتهى. والْكِتابِ: القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ. وقيل: اللوح المحفوظ، ومِنْ شَيْءٍ على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى

_ (1) ينظر الطبري (5/ 186) . (2) أخرجه أحمد (5/ 172) ، والطيالسي (480) من حديث أبي ذر. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 355) ، وقال: وفيه راو لم يسم. (3) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 126) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 39 إلى 41]

القول بأنه القرآن خاصّ. ويُحْشَرُونَ قالت فرقة من العلماء: حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه- تعالى- يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال: إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرّموز ونحوها. [سورة الأنعام (6) : الآيات 39 الى 41] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41) وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ ... الآية كأنه قال: وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه- تعالى- ولكن الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ. وقال النقاش: نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ. قال ع «1» : ثم تَنْسَحِبُ على سواهم. وقوله: فِي الظُّلُماتِ يَنُوبُ عن عمي، وفي الظلمات أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ. قال أبو حَيَّانَ «2» : فِي الظُّلُماتِ خبر مبتدإ مَحْذُوفٍ، أي: هم في الظلمات، أو صفة ل بُكْمٌ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي: ضالون في الظلمات. انتهى. وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكاً، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي: تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حاله في الشدائد والأزمات.

_ (1) ينظر: «المحرر» (2/ 290) . (2) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 127) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 42 إلى 45]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 42 الى 45] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ في الكلام حَذْفٌ، تقديره: فكذبوا فأخذناهم؟ أي: تابعناهم بالبَأْسَاءِ الآية، والبأساء المَصَائِبُ في الأموال، والضراء في الأَبْدَانِ. هذا قول الأكثر. وقيل: قد يُوضَعُ كل واحد بَدَلَ الآخر، والتضرُّعُ التذلل، والاستكانة، ومعنى الآية توعد الكفار، وضرب المثل لهم، وفَلَوْ لا تحضيض، وهي التي تلي الفِعْلَ بمعنى: «هلا» وهذا على جِهَةِ المعاتبة لِمُذْنِبٍ غائب، وإظهار سوء فعله مع تَحَسُّرِ ما عليه. قلت: أي: مع تَحَسُّرٍ ما، باعتبار حالة البَشَرِ. وقوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... الآية عبر عن الترك بالنّسيان، وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي: من النِّعَمِ الدنيوية بعد الذي أَصَابَهُمْ من البَأْسَاءِ والضراء، وفَرِحُوا معناه: بطروا، / وأعجِبوا، وظنوا أن ذَلِكَ لا يَبيدُ، وأنه دَالٌّ على رضا اللَّه عنهم، وهو اسْتِدْرَاجٌ من اللَّه تعالى. وقد رُوِيَ عن بعض العلماء: رحم اللَّه عبداً تَدَبَّر هذه الآية حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً. وروى عقبة بن عامر أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: إذا رأيت اللَّه- تعالى- يعطي العِبَادَ ما يشاءون على مَعَاصيهم، فذلك اسْتِدْرَاجٌ ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... الآية «1» كلها، وأَخَذْناهُمْ في هذا المَوْضِعِ معناه: استأصلناهم بَغْتَةً أي: فجأة، والمبلس الحَزِينُ الباهت اليَائِسُ من الخَيْرِ الذي لا يَحِيرُ جَوَاباً لشدة ما نَزَلَ به من سوء الحال. وقوله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ ... الآية.

_ (1) أخرجه أحمد (4/ 145) ، والدولابي في «الكنى» (1/ 111) ، والطبري (5/ 194) رقم (13244) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 128) رقم (4540) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 330- 331) رقم (913) ، وابن أبي الدنيا في كتاب «الشكر» (ص 9) من حديث عقبة بن عامر والحديث ذكره العراقي في «تخريج الإحياء» (4/ 115) وقال: رواه أحمد، والطبراني، والبيهقي في «الشعب» بسند حسن.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 46 إلى 49]

الدَّابر: آخر القوم الذي يَأتي من خَلْفِهِم، وهذه كناية عن استئصال شأفتهم، ومَحْوِ آثارهم، كأنهم وَرَدُوا العَذَابَ حتى ورد آخرهم الذي دَبَرَهُمْ، وحَسُنَ الحمد عَقِبَ هذه الآية لِجَمَالِ الأفعال المتقدمة في أن أرسل- سبحانه- الرسل، ولطف في الأَخْذِ بالبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ ليتضرع إليه، فيرحم، وينعم، وقطع في آخر الأمر دابر الظَّلَمَة، وذلك حَسَنٌ في نفسه، ونعمة على المؤمنين، فحسن الحَمْدُ عقب هذه الأفعال، وبحمده سبحانه ينبغي أن يُخْتَمَ كل فعل، وكل مَقَالٍ، إذ هو المحمود على كُلِّ حال لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. [سورة الأنعام (6) : الآيات 46 الى 49] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ ... الآية أَخَذَ معناه أَذْهَبَ، والضمير في بِهِ عائد على المأخوذ، ويَصْدِفُونَ معناه: يعرضون، وينفرون، ومنه قول الشاعر: [البسيط] إذَا ذَكَرْنَ حَدِيثاً قُلْنَ أَحْسَنَهُ ... وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ «1» وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً ... الآية وعيد وتهديد. قال ع «2» : أَرَأَيْتُمْ عند سيبويه: تَتَنَزَّلُ منزلةَ «أخبروني» ولذلك لا تَحْتَاجُ إلى مفعولين. وقوله: بَغْتَةً: معناه: لم يتقدّم عندكم منه علم، وجَهْرَةً، معناه: تبدو لكم مَخَايلُهُ ومَبَاديه، ثم يتوالى حتّى ينزل.

_ (1) البيت لعدي بن الرقاع، وهو في «تفسير الطبري» (11/ 366) ، «البحر» (4/ 117) و «الدر المصون» (3/ 66) . وصدف: جمع: صدوف، كصبر في جمع صبور. وقيل: معنى صدف: مال، مأخوذ من الصدف في البعير، وهو أن يميل خفه من اليد إلى الرجل من الجانب الوحشيّ. والصّدف: جمع صدفة، وهي المحارة التي تكون فيها الدّرّة، قال: [البسيط] وزادها عجبا أن رحت في سمل ... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصّدف والصّدف والصّدف- بفتح الصاد والدال وضمهما، وضم الصاد وسكون الدال- ناحية الجبل المرتفع. (2) ينظر: «المحرر» (2/ 293) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 50 إلى 53]

قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: بَغْتَةً لَيْلاً، وجَهْرَةً» : نهارا. وقال مجاهد: بَغْتَةً فجاءة آمنين. وجَهْرَةً: وهم ينظرون «2» . قال أبو حَيَّان «3» : هَلْ يُهْلَكُ؟ «هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» على ما بعدها. انتهى. وقوله سبحانه: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ: حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار. انتهى. ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخرين. [سورة الأنعام (6) : الآيات 50 الى 53] قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وقوله تعالى: قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ... الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: 37] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل. وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العرض والتّحضيض/.

_ (1) ذكره البغوي (2/ 98) ، وذكره ابن عطية (2/ 293) . (2) أخرجه الطبري (5/ 196) برقم (13253) ، وذكره ابن عطية (2/ 293) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 24) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه. [.....] (3) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 126) .

وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في بِهِ عائدٌ على ما يوحى. وقوله سبحانه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر «1» : قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: قال ابن عَبَّاس: معناه: وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي. انتهى. وقوله سبحانه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: المرادُ ب الَّذِينَ ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا كَبَلاَلٍ. وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ «2» ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، ويَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن «3» : المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «4» ، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه قاله أبو جعفر «5» ، وقيل: العبادة قاله الضّحّاك «6» .

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (12/ 193) . (2) (خبّاب) بن الأرت: - بتشديد المثناة- بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي، ويقال: الخزاعي، أبو عبد الله. سبي في الجاهليّة، فبيع بمكّة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك. ثم حالف بني زهرة، وكان من السّابقين الأوّلين. وقال ابن سعد: بيع بمكّة، ثم حالف بني زهرة. وأسلم قديما وكان من المستضعفين، روى الباوردي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعذّب عذابا شديدا لأجل ذلك. ينظر: «الإصابة» (2/ 221) ، «طبقات ابن سعد» (3/ 164) ، «تهذيب الكمال» (373) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 133) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 295) . (4) أخرجه الطبري (5/ 201) برقم (13269) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 295) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 26) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس بنحوه. (5) ينظر الطبري (5/ 204) . (6) أخرجه الطبري (5/ 203) رقم (13291) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 295) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 54 إلى 57]

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ قلتُ: قال الغَزَّالِيُّ في «الجَوَاهر» : النيةُ والعَمَلُ بهما تمامُ العبادةِ، فالنِّيَّة أحد جُزْأيِ العبَادةِ، لكنها خير الجزأَيْن، ومعنى النيَّة إرادةُ وَجْه اللَّه سبحانه بالعَمَلِ، قال اللَّه تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، ومعنى إخلاصها تصفيةُ الباعِثِ عن الشوائِبِ، ثم قال الغَزَّالِيُّ: وإذا عرفْتَ فَضْل النية، وأنَّها تحلُّ حَدَقَةَ المقْصود، فاجتهد أنْ تستكثر مِنَ النِّيَّة في جميع أعمالِكَ حتى تنوي بعملٍ واحدٍ نيَّاتٍ كثيرة، ولو صَدَقَتْ رغبتُكَ، لَهُدِيتَ لطريقِ رشدك. انتهى. وقوله سبحانه: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، قال الحَسَنُ والجمهورُ: أيْ: مِنْ حسابِ عملهم، والمعنى: أنك لم تُكَلَّفْ شيئاً غيْرَ دعائهم «1» ، وقوله: فَتَطْرُدَهُمْ: هو جوابُ النفْيِ في قوله: مَا عَلَيْكَ، وقوله: فَتَكُونَ: جوابُ النهْيِ في قوله: وَلا تَطْرُدِ. وفَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي: ابتلينا، ولِيَقُولُوا: معناه: ليصيرَ بحُكْم القَدَرِ أمرُهُمْ إلى أن يقولُوا على جهة الاِستخْفَافِ والهُزْء: أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، فاللامُ في لِيَقُولُوا: لامُ الصَّيْرورة. وقوله سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ، أي: يا أيّها المستخفُّون، ليس الأمر أمر استخفاف، فاللَّه أعلَمُ بمن يشكر نعمه. [سورة الأنعام (6) : الآيات 54 الى 57] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ... الآية: قال جمهور المفسِّرين: هؤلاءِ هم الذينَ نَهَى اللَّهُ عَنْ طردهم، وشَفَعَ ذلك بِأنْ أَمَرَ سبحانه أنْ يسلِّم النبيُّ- عليه السلام- عليهم، ويُؤْنِسَهُمْ، قال خَبَّابُ بْنُ الأَرَتَّ: لما نزلَتْ: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ... الآية، فكنّا نأتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيقولُ لنا: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، ونقعُدُ معه، فإذا أراد أنْ يقوم، قَامَ، وتركَنا، فأنزل اللَّه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 296) .

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ... «1» [الكهف: 28] الآية، فكان يَقْعُدُ معنا، فإذا بَلَغَ الوقْتَ الذي يقوم فيه، قمنا وتركناه، حتّى يقوم، وسَلامٌ عَلَيْكُمْ: ابتداءٌ، والتقديرُ: سَلاَمٌ ثابتٌ أو واجبٌ عليكم، والمعنَى: أمَنَةً لكُمْ مِنْ عذاب اللَّه في الدنيا والآخرة، ولفظه لفظُ الخَبَر، وهو في معنى الدُّعَاء، قال الفَخْر «2» قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: النّفس هاهنا: بمعنى الذَّات، والحقيقةِ، لا بمعنى الجِسْمِ، واللَّهُ تعالى مقدَّس عنه. انتهى. قلتُ: قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في كتاب «تفسير الأَفْعَال الواقعة في القُرآن» : قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، قال علماؤنا: كَتَبَ: معناه أَوْجَبَ، وعندي أنه كتب حقيقة، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكتب، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» «3» . انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 296) . (2) ينظر: «مفاتيح الغيب» (13/ 4) . (3) ورد ذلك في حديث عبادة بن الصامت، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. فأما حديث عبادة فرواه أبو داود (2/ 637- 638) في السنة، باب في القدر (4700) ، والترمذي (4/ 398) في القدر، باب (17) (2155) وأحمد (5/ 317) ، والبخاري في «التاريخ» (6/ 92) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (102- 105) ، والبيهقي في «السنن» (10/ 204) ، من طرق عنه به مرفوعا، وكذا رواه الطبري (12/ 177) (34543، 34548) . وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأما حديث ابن عباس فروي مرفوعا أو موقوفا. فأما المرفوع فرواه أبو يعلى (2329) ، والبيهقي في «السنن» (9/ 3) ، وفي «الأسماء والصفات» ص (378) من طريق عبد الله بن المبارك قال: «أخبرنا رباح بن زيد، عن عمرو بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا» . إن أول شيء خلقه الله القلم، وأمره فكتب كل شيء. وكذا رواه الطبري (34544) . وأخرجه الطبراني في «الكبير» (11/ 433) (12227) عن مؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن ابن عباس مرفوعا «إن أول ما خلق الله تعالى القلم والحوت قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كان إلى يوم القيامة» ثم قرأ ن وَالْقَلَمِ [القلم: 1] فالنون: الحوت. والقلم: القلم. وقال الطبراني: لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل. وقال في «المجمع» (7/ 131) ومؤمل ثقة كثير الخطأ، وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري، وبقية رجاله ثقات. وأما الموقوف فرواه الطبري (34528، 34530، 34531) وابن منده في «التوحيد» (1/ 94، 192) برقم (15، 65) ، وأبو الشيخ في «العظمة» (897) ، والحاكم في «المستدرك» (2/ 498) ، والبيهقي في-

وقرأ عاصمٌ «1» ، وابنُ عَامِرٍ أنَّهُ- بفَتْحِ الهَمْزةِ في الأولى- والثانيةِ «فأنَّهُ» : الأولى بدلٌ من الرَّحْمَةَ، و «أنّه» الثانية: خبر ابتداء مضمر، تقديره: فأمره أنّه عفور رحيمٌ، هذا مذْهَبُ سيبَوَيْه، وقرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وحمزة، والكسائي «إنَّهُ» - بكسر الهمزة في الأولى والثانية-، وقرأ نافعٌ بفَتْح الأولى وكَسْر الثانية، والجهالةُ في هذا الموضِعِ: تعمُّ التي تُضَادُّ العِلْمَ، والتي تُشَبَّه بها وذلك أنَّ المتعمِّد لفعْلِ الشيء الذي قَدْ نُهِيَ عنه تسمى معصيته تِلْكَ جِهَالَةً، قال مجاهدٌ: مِنَ الجهالةِ ألاَّ يعلم حَلاَلاً مِنْ حرامٍ «2» ، ومن جهالته أنْ يركِّب الأمر. قُلْتُ: أيْ: يتعمَّده، ومن الجهالة الَّتي لا تُضَادُّ العلم قوله صلّى الله عليه وسلّم في استعاذته: «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» «3» ومنها قولُ الشَّاعر: [الوافر] أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا «4»

_ - «الأسماء والصفات» ص (481) من طرق عن الأعمش، عن أبي ظبيان عنه قال: أول ما خلق الله عز وجل القلم، فقال له: اكتب، فقال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة..... وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وله طرق أخرى عند الطبري (34538) ، والحاكم (2/ 453- 454) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في «الدر» (6/ 387) وزاد نسبته لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، والخطيب في «تاريخه» ، والضياء في «المختارة» . وأما حديث ابن عمر فرواه ابن أبي عاصم (106) ، والآجري في «الشريعة» (ص 175) عن بقية، حدثني أرطاة بن المنذر، عن مجاهد بن جبير عنه مرفوعا به. وأما حديث أبي هريرة فرواه الحكيم الترمذي كما في «الدر المنثور» (6/ 388) . (1) ينظر: «الدر المصون» (3/ 68) ، «البحر المحيط» (4/ 139) ، «حجة القراءات» ص (251) ، «النشر» (2/ 258) ، «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 12- 13) ، و «إعراب القراءات» (1/ 157) ، و «شرح شعلة» (362، 363) ، و «العنوان» (91) ، و «شرح الطيبة» (4/ 253) . (2) أخرجه الطبري (5/ 207) رقم (13297) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 100) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 297) . [.....] (3) تقدم تخريجه. (4) البيت لعمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب من بني تغلب أبو الأسود، وهو من معلقته المشهورة. ومعناه: نهلكه ونعاقبه بما هو أعظم من جهله، فنسب الجهل إلى نفسه، وهو يريد الإهلاك والمعاقبة ليزدوج اللفظتان، فتكون الثانية على مثل لفظة الأولى، وهي تخالفها في المعنى لأن ذلك أخف عن اللسان وأحضر من اختلافهما. ينظر: «شرح القصائد العشر» للتبريزي (288) ، وينظر «البحر المحيط» (1/ 186) ، و «الدر المصون» (1/ 126) .

قال الفخْر «1» : قال الحَسَنُ: كُلُّ مَنْ عَمِلَ معصيةً، فهو جاهلٌ، فقيل: المعنى أنه جاهلٌ بمقدارِ ما فاتَهُ منَ الثَّواب، وما استحقه من العقابِ، قلْتُ: وأيضاً فهو جاهلٌ بقَدْر مَنْ عصاه. انتهى. والإشارةُ بقوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، إلى ما تقدَّم من النهْيِ عن طَرْدِ المؤمنين، وبَيَانِ فَسَادِ مَنْزَعِ العارضين لذلك، وتفضيل الآياتِ: تبيينُها وشَرْحُها وإظهارُها، قلْتُ: ومما يناسِبُ هذا المَحَلَّ ذِكْرُ شيء ممَّا ورد في فَضْلِ المُصَافَحَة، وقد أسند أبُو عُمَر في «التمهيد» ، عن عبد الرحْمَنِ بْنِ الأسود «2» ، عن أَبِيهِ وعلقمة أنهما قَالاَ: «مَنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ المُصَافَحَةُ» ، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَب «3» الشَّحْنَاءُ» ، قال أبو عمر في «التمهيد» : هذا الحديث يتَّصلُ مِنْ وجوه شتى حِسَانٍ كلُّها، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي دَاوُد وغَيْره، عن البَرَاءِ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لهما قبل أن يتفرّقا» «4» ، ثم أسند أبو عُمَرَ عن البَرَاء بنِ عازب، قال: «لقيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ كُنْتُ لأحْسِبُ أَنَّ المُصَافَحَةَ لِلْعَجَمِ فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُصَافَحَةِ مِنْهُمْ مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا بِيَدِ صَاحِبِهِ مَوَدَّةً بَيْنَهُمَا، ونَصِيحَةً، إلاَّ أُلْقِيَتْ ذُنُوبُهُمَا بَيْنَهُمَا» «5» ، وأسند أبو عُمَرَ عن عمر بْنِ الخَطَّابِ، قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا التقى المُسْلِمَانِ، فَتَصَافَحَا، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ تِسْعُونَ مِنْهَا لِلَّذِي بَدَأَ بِالمُصَافَحَةِ، وَعَشَرَةٌ لِلَّذِي صُوفِحَ، وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَى اللَّهِ أحسنهما بشرا بصاحبه» «6» . انتهى.

_ (1) ينظر: «مفاتيح الغيب» (13/ 5) . (2) عبد الرّحمن بن الأسود بن يزيد النّخعي أبو حفص الفقيه. عن أبيه وعائشة. وعنه: الأعمش، وأبو إسحاق الشّيباني. وثقه ابن معين. حج ثمانين حجة، واعتمر ثمانين عمرة. مات سنة ثمان وتسعين. ينظر: «الخلاصة» (2/ 125) . (3) أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 908) كتاب «حسن الخلق» ، باب ما جاء في المهاجرة، حديث (16) عن عطاء مرسلا. (4) تقدم تخريجه. (5) ذكره الهندي في «كنز العمال» (9/ 134- 135) رقم (25368) ، وعزاه للروياني، وابن أبي الدنيا في كتاب «الإخوان» ، والضياء المقدسي في «المختارة» . (6) ذكره الهندي في «كنز العمال» (9/ 114) رقم (25245) ، وعزاه للحكيم الترمذي، وأبي الشيخ عن عمر.

وقد ذكرنا/ طَرَفاً مِنْ آدَابِ المُصَافحة فِي غَيْرِ هذا الموضعِ، فَقِفْ عليه، واعمل به، تَرْشَدْ، فإنَّ العلْم إنما يرادُ للعَمَل، وباللَّه التوفيق. وخُصَّ سبيلُ المُجْرمينَ بالذِّكْر لأنهم الذين آثَرُوا ما تقدَّم من الأقوال، وهو أهَمُّ في هذا الموضِعِ لأنها آياتُ رَدٍّ علَيْهم. وأيضاً: فتَبْيِينُ سَبِيلِهِمْ يتضمَّن بيانَ سَبِيلِ المُؤْمنين، وتَأوَّلَ ابنُ زَيْد أنَّ قوله: الْمُجْرِمِينَ مَعْنِيٌّ به الآمِرُونَ بطَرْد الضَّعَفَةِ «1» . وقوله سبحانه: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ ... الآية: أَمَرَ اللَّهُ سبحانه نَبيَّه- عليه السلام- أنْ يجاهرهم بالتبرّي ممّا هم فيه، وتَدْعُونَ: معناه تعبدون، ويْحْتَمَلُ أنْ يريدَ: تَدْعُونَ في أموركُمْ، وذلك مِنْ معنى العبَادةِ، واعتقادهم الأصنامَ آلهة. وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي: المعنى: قل إني على أمْر بيِّن، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، الضمير في «بِهِ» عائدٌ على «بَيِّن» ، أو علَى الرَّبِّ، وقيل: على القُرآن، وهو جليٌّ، وقال بعضُ المفسِّرين: الضميرُ في «به» الثانِي عائدٌ على «مَا» ، والمُرَادُ بها الآياتُ المقْتَرَحَةُ على ما قال بعض المفسِّرين، وقيل: المرادُ به العذابُ، وهو يترجَّح من وجْهَيْن: أحدهما: مِنْ جهة المعنى وذلك أنَّ قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يتضمَّن أنَّكم واقعتم مَا تَسْتَوْجِبُون به العَذَابَ إلاَّ أنه ليس عنْدِي. والآخَرُ: مِنْ جهة لَفْظِ الاستعجالِ الذي لَمْ يأت في القُرآن إلاَّ للعذابِ. وأما اقتراحهم للآيَاتِ، فَلمْ يكُنْ باستعجال. وقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أي: القضاء والإنفاذ، ويَقُصُّ الْحَقَّ، أيْ: يخبر به والمعنى: يقُصُّ القَصَص الحَقَّ، وقرأ حمزةُ «2» والكِسَائيُّ وغيرهما: «يَقْضِي الحَقَّ» ، أي: ينفذه.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 207) رقم (13302) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 298) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 27) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد بنحوه. (2) ينظر: «الدر المصون» (3/ 77) ، «البحر المحيط» (4/ 145) ، «حجة القراءات» ص (254) ، «النشر» (2/ 258) ، «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 14) ، «الكشاف» (2/ 30) ، و «الحجة» (3/ 318) ، و «السبعة» (259) ، و «إعراب القراءات» (1/ 159) ، و «معاني القراءات» (1/ 359) ، و «شرح الطيبة» (4/ 254) ، و «شرح شعلة» (363) ، و «العنوان» (91) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 58 إلى 59]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 58 الى 59] قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) وقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ: المعنى: لو كان عندي الآياتُ المُقْتَرَحةُ، أو العذابُ علَى التأويل الآخر، لقُضِيَ الأمر، أي: لَوَقَع الانفصال، وتَمَّ النزاعُ لظهور الآية المُقْتَرَحَةِ، أو لِنزولِ العذابِ بحسب التأْويلَيْنِ، وقِيلَ: المعنى: لَقَامَتِ القيامةُ، وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ: يتضمَّن الوعيدَ والتَّهْديدَ. وقوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ: مفَاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ، وهذه استعارة عبارةً عن التوصُّل إلى الغيوب كما يَتوصَّل في الشاهِدِ بالمِفْتَاحِ إلى المُغَيَّب، ولو كان جَمْعَ «مِفْتَاحٍ» ، لقال: مَفَاتِيح، ويظهرُ أيضاً أنَّ «مَفَاتِح» جمْعُ «مَفْتَح» - بفتح الميم-، أي: مواضِعِ تَفْتَحُ عن المغيَّبات ويؤيِّد هذا قَوْلُ السُّدِّيِّ وغيره: مَفاتِحُ الْغَيْبِ: خزائِنُ الغَيْب، فأما مِفْتَح «1» - بالكسر-، فهو بمعنى مِفْتَاح، قال الزَّهْرَاوِيُّ: وَمِفْتَحٌ أفصحُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: الإشارةُ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ هي إلى الخَمْسة في آخر لُقْمَان: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ... «2» [لقمان: 34] الآية، قلت: وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ «3» ، عَنْ أبيه أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 210) برقم (13308) ، وذكره ابن عطية (2/ 299) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 28) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي. (2) أخرجه الطبري (5/ 210، 211) برقم (13310) ، وذكره ابن عطية (2/ 299) . وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 28) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس. (3) سالم بن عبد الله بن عمر العدوي المدني الفقيه أحد السبعة وقيل: السابع أبو سليمان بن عبد الرّحمن. وقيل: أبو بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث، قاله أبو الزناد. عن أبيه، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وعائشة. وعنه: ابنه أبو بكر، وعبيد الله بن عمر، وحنظلة بن أبي سفيان. قال ابن إسحاق: أصح الأسانيد كلها الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال مالك: كان يلبس الثوب بدرهمين. وعن نافع: كان ابن عمر يقبّل سالما، ويقول: شيخ يقبل شيخا. وقال البخاري: لم يسمع من عائشة. مات سنة ست ومائة على الأصح. ينظر: «تهذيب الكمال» (1/ 460) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 436) ، «الكاشف» (3/ 344) ، «الثقات» (4/ 305) ، «سير الأعلام» (4/ 457) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 60 إلى 64]

وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: 34] » انتهى «1» . وقوله سبحانه: مِنْ وَرَقَةٍ، أي: من وَرَقِ النَّبَاتِ، وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ، يريدُ: في أشدِّ حالِ التَّغَيُّبِ، وحكى بعضُ النَّاسِ عن جَعْفَرِ بنِ محمَّد قولاً: / أنَّ الورقَةَ يُرَادُ بها السِّقْطُ مِنْ أولادِ بني آدم، والحَبَّة: يرادُ بها الذي لَيْسَ بِسِقْطٍ، والرَّطْب يرادُ به الحَيُّ، واليابسُ يراد به المَيِّت، وهذا قولٌ جارٍ على طريقةِ الرُّمُوز، ولا يصحُّ عن جعفر بن محمَّد، ولا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلَيْه «2» . وقوله تعالى: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ، قيل: يعني كتاباً على الحقيقةِ، ووجْهُ الفائدة فيه امتحان ما يكتبه الحَفَظَةُ، وذلك أنَّه رُوِيَ أنَّ الحَفَظَةَ يرفَعُونَ مَا كَتَبُوهُ، ويُعَارِضُونَهُ بهذا الكِتَابِ المُشَارِ إلَيْه ليتحقَّقوا صِحَّة ما كتبوه، وقيل: المراد بقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ: عِلْمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المحيطِ بكلِّ شيءٍ. قال الفَخْرُ «3» : وهذا هو الأصْوَبُ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ذَكر تعالى ما ذَكَر مِنَ الوَرَقَةِ وَالحَبَّة تنبيهاً للمكلَّفين على أمر الحساب. انتهى. قال مَكِّيٌّ: قالَ عبْدُ اللَّه بْنُ الحارِثِ: ما في الأرْض شَجَرٌ، ولا مَغْرَزُ إبرةٍ إلاَّ علَيْها مَلَكٌ، موكَّل، يأتي اللَّه بعلْمها بيَبَسِها إذا يَبِسَتْ، ورُطُوبَتِها إذا رَطِبَتْ «4» . وقيل: المعنى في كَتْبِها أنه لتعظيمِ الأمرِ، ومعناه: اعلموا أنَّ هذا الذي لَيْسَ فيه ثوابٌ ولا عقابٌ- مكتوبٌ فكيف ما فِيهِ ثوابٌ أو عقاب. انتهى من «الهداية» . [سورة الأنعام (6) : الآيات 60 الى 64] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)

_ (1) أخرجه البخاري (8/ 141) كتاب «التفسير» ، باب وعنده مفاتيح الغيب، حديث (4627) ، والطيالسي (2/ 22- منحة) رقم (1966) ، وأبو يعلى (9/ 345) رقم (5456) كلهم من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه به. وأخرجه البخاري (2/ 609) كتاب «الاستسقاء» ، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله، حديث (1039) وأحمد (2/ 24، 52، 58) ، من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به. [.....] (2) ذكره ابن عطية (2/ 300) . (3) ينظر: «مفاتيح الغيب» (13/ 10) . (4) أخرجه الطبري (5/ 211) برقم (13311) ، وذكره ابن كثير (2/ 137) .

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ، يعني به: النّوم، ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ، أي: مَا كَسَبْتم بالنَّهار، ويحتمل أنْ يكون جَرَحْتُمْ هنا من الجرح كأن الذنْبَ جرح في الدِّين، والعربُ تقولُ: ............ ... وَجُرْحُ اللّسان كجرح اليد «1» ويَبْعَثُكُمْ: يريد به الإيقاظَ، والضميرُ في فِيهِ عائدٌ على النهار قاله مجاهد وغيره «2» ، ويحتملُ أنْ يعود الضمير على التوفِّي، أي: يوقظُكُم في التوفِّي، أي: في خلالِهِ وتضاعِيفِهِ قاله عبد الله بن «3» كثير. ولِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى: المراد به آجالُ بني آدمَ، ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ يريدُ: بالبَعْثِ والنشورِ، ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ، أي: يُعْلِمُكُمْ إعلامَ توقيفٍ، ومحاسبةٍ، ففي هذه الآية إيضاحُ الآياتِ المنصوبةِ للنَّظَر، وفيها ضَرْبُ مثالٍ للبعْثِ من القبور لأن هذا أيضاً إماتةٌ وبعْثٌ على نَحوٍ مَّا. وقوله سبحانه: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ: القاهرُ إنْ أُخِذَ صِفَةَ فِعْلٍ، أي: مظهر القَهْر بالصواعقِ والرياحِ والعذابِ، فيصحُّ أنْ تجعل فَوْقَ ظرفيةً للجهةِ لأن هذه الأشياء إنما تعاهَدَها العبادُ مِنْ فوقهم، وإنْ أُخِذَ الْقاهِرُ صفَةَ ذَاتٍ، بمعنى القُدْرة والاستيلاء، ف فَوْقَ: لا يجوزُ أنْ تكون للجهةِ، وإنما هي لعلُوِّ القَدْر والشِّأن على حد ما تقولُ: اليَاقُوتُ فَوْقَ الحديد، والأحرار فوق العبيد، ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ: معناه: يبثّهم فيكم، وحَفَظَةً: جمع حَافِظٍ، والمراد بذلكَ الملائكةُ الموكَّلون بكَتْبِ الأعمال، ورُوِيَ أنهم الملائكةُ الَّذين قالَ فيهِمُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة

_ (1) عجز بيت لامرىء القيس وصدره: [المتقارب] ولو عن نثا غيره جاءني ... ............... .............. ينظر: «ديوانه» (185) ، «الخصائص» (1/ 21) ، «الدر المصون» (1/ 265) . (2) أخرجه الطبري (5/ 213) برقم (13318) ، وذكره ابن عطية (2/ 300) ، وذكره ابن كثير (2/ 138) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 30) وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه. (3) ذكره ابن عطية (2/ 300) ، وذكره ابن كثير (2/ 138) بنحوه.

بِالنَّهَارِ» «1» وقال السُّدِّيُّ وقتادة «2» ، وقال بعْض المفسِّرين: حَفَظَةً يَحفظُونَ الإنسانَ مِنْ كلِّ شيءٍ حتى يأتي أجله، والأول أظهر. وقرأ «3» حمزةُ وحْده: «تَوَفَّاهُ» . وقوله تعالى: رُسُلُنا: يريد به على ما ذكر ابنُ عباس، وجميعُ أهل التأويل: ملائكةً مقترنينَ بمَلَكِ المَوْت، يعاونونه ويَأْتَمِرُونَ له «4» ، ثُمَّ رُدُّوا، أي: العبادُ، إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ، وقوله: الْحَقِّ: نعْتٌ ل مَوْلاهُمُ، ومعناه: الذي لَيْسَ/ بباطلٍ، ولا مَجَاز، أَلا لَهُ الْحُكْمُ: كلامٌ مضمَّنه التنبيهُ، وهَزُّ النفوسِ، وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ: قيل لِعَليٍّ (رضي اللَّه عنه) : كَيْفَ يُحَاسِبُ اللَّهُ العِبَادَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟! قَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» «5» . وقوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ... الآية: هذا تَمَادٍ في توبيخِ العادِلِينَ باللَّه الأوثانَ، وتركِهِمْ عبادَةَ الرَّحْمَنِ الذي يُنْجِي من الهَلَكَاتِ، ويُلْجَأُ إليه في الشّدائد، ودفع الملمّات، وظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: يريدُ بها شدائِدَهُما، فهو لفظٌ عامٌّ يستغرقُ ما كان مِنَ الشدائدِ بظلمةٍ حقيقيةٍ، وما كان بغَيْر ظلمةٍ، والعَرَبُ تقول: عَامٌ أَسْوَدُ، ويَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذو كواكِبَ، يريدُونَ به الشِّدَّة، قال قتادة وغيره: المعنى: مِنْ كَرْبِ البَرِّ والبَحْرِ، وتَدْعُونَهُ: في موضعِ الحالِ، والتَّضَرُّعُ: صفَةٌ باديةٌ على الإنسانِ، وخُفْيَة: معناه: الاختفاء «6» ، وقرأ عاصمٌ «7» في رواية أبي بكر: «وخفية»

_ (1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه الطبري (5/ 214) رقم (13326، 13327) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 301) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 30) وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن السدي بنحوه، وكذلك عزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه. (3) ينظر: «السبعة» (259) ، و «الحجة» (3/ 321) ، و «معاني القراءات» (1/ 361) ، و «شرح شعلة» (363) ، و «العنوان» (91) ، و «حجة القراءات» (254) . (4) أخرجه الطبري (5/ 215) برقم (13332، 13333، 13338) ، وذكره ابن عطية (2/ 301) ، وذكره ابن كثير (2/ 138) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 30) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس. (5) ذكره ابن عطية (2/ 301) . (6) أخرجه الطبري (5/ 216) برقم (13346) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 302) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 31) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة. (7) ينظر: «الحجة» (3/ 316) ، و «إعراب القراءات» (1/ 159) ، و «حجة القراءات» (255) ، و «معاني-

[سورة الأنعام (6) : الآيات 65 إلى 67]

- بكسر الخاء-، وقرأ الأعمشُ: «وخِيفَةً» من الخَوْف «1» . وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها ... الآية: سبق في المُجَادَلة إلى الجَوَابِ إذْ لا محيدَ عنْه، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ: لفظٌ عامٌّ أيضاً، ليتَّضِحَ العُمُومُ الذي في «الظلماتِ» ، ثُمَّ أَنْتُمْ، أي: ثم بَعْدَ معرفتكم بهذا كلِّه، وتحقّقكم له، أنتم تشركون. [سورة الأنعام (6) : الآيات 65 الى 67] قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وقوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ... الآية: هذا إخبارٌ يتضمَّن الوعيدَ، والأظهرُ مِنْ نَسَقِ الآياتِ: أنَّ هذا الخطابَ للكفَّار الذين تَقَدَّم ذكرهم، وهو مَذْهَبُ الطبريِّ «2» . وقال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وجماعة: هو للمؤمِنِينَ، وهم «3» المرادُ. وهذا الاختلافُ إنما هو بحَسَبِ ما يَظْهَرُ منْ أنَّ الآية تتناوَلُ معانِيهَا المشركِينَ والمؤمنينَ وفي «البخاريِّ» وغيره مِنْ حَدِيثِ جابر وغيره: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لما نزلَتِ الآيةُ: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فلما نزلَتْ: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ قال: هذه أهونُ أو أيَسر» «4» فاحتج بهذا الحديثِ من قال: إنّها

_ - القراءات» (1/ 362) ، و «العنوان» (91) ، و «شرح الطيبة» (4/ 258) ، و «شرح شعلة» (364) . [.....] (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 302) ، و «البحر المحيط» (4/ 154) ، و «الدر المصون» (3/ 84) . (2) ينظر الطبري (5/ 223) . (3) أخرجه الطبري (5/ 213) برقم (13384) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 302) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 32) وعزاه لابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي نعيم من طريق أبي العالية، عن أبي بن كعب بنحوه. (4) أخرجه البخاري (13/ 309) كتاب «الاعتصام» ، باب قول الله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً، حديث (7313) والترمذي (5/ 261) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة الأنعام، حديث (3067) ، وأحمد (3/ 309) والحميدي (1259) ، وأبو يعلى (3/ 362) رقم (1829) من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه البخاري (8/ 142) كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ، حديث (4628) من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 68 إلى 69]

نَزَلَتْ فِي المؤمنينَ، قال الطَّبريُّ «1» وغيره: مُمْتَنِعٌ أن يكون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تعوَّذ لأمَّته مِنْ هذه الأشياءِ الَّتي توعَّد بها الكُفَّار، وهَوَّنَ الثالثةَ لأنَّها بالمعنى هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديثِ «المُوطَّإ» وغيره، ومِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: لفظٌ عامٌّ للمنطبقِينَ علَىَ الإنسان، وقال السُّدِّيُّ، عن أبي مالِكٍ: مِنْ فَوْقِكُمْ: الرَّجْم، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ : الخَسْف «2» وقاله سعيدُ بن جُبَيْر ومجاهد «3» . وقوله سبحانه: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً: معناه: يخلِّطكم فِرَقاً، والبأْسُ: القَتْل، وما أشبهه من المَكَارِهِ، وفي قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: استرجاعٌ لهم، وإنْ كان لفظها لَفْظَ تعجيب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فمضمَّنها أنَّ هذه الآياتِ والدلائلَ إنما هي لاستصرافهم عن طريقِ غَيِّهم، والفِقْهُ: الفَهْمُ. وقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ، الضمير في بِهِ عائدٌ على القُرآن الذي فيه جاءَ تصريفُ الآياتِ قاله السُّدِّيُّ «4» ، وهذا هو الظاهرُ، ويحتملُ أنْ يعود الضميرُ على الوَعِيدِ الذي تضمَّنَتْه الآيةُ، ونحا إليه الطبريُّ «5» ، وقوله: قُلْ لَسْتُ/ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: معناه: لسْتُ بمدفوعٍ إلى أخْذكم بالإيمان والهدى، وهذا كان قَبْلَ نزول آياتِ الجهادِ والأمْرِ بالقتالِ، ثم نُسِخَ. وقوله سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ: أيْ: غايةٌ يعرف عندها صدقه من كذبه، وسَوْفَ تَعْلَمُونَ: تهديد محض ووعيد. [سورة الأنعام (6) : الآيات 68 الى 69] وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ

_ (1) ينظر الطبري (5/ 223) . (2) أخرجه الطبري (5/ 217) برقم (13347) بنحوه، (13350) بنحوه وذكره ابن عطية (2/ 303) . (3) أخرجه الطبري (5/ 217) برقم (13348) ، (13349) بنحوه وذكره ابن عطية (2/ 303) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 32) وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد بنحوه. (4) أخرجه الطبري (5/ 224) رقم (13385) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 303) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 37) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن السدي بنحوه. (5) ينظر الطبري (5/ 224) .

: هذا خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنون داخلُونَ في الخطاب معه، هذا هو الصحيحُ لأنَّ علَّة النهْي، وهي سماعُ الخَوْض في آياتِ اللَّه، تَشْمَلُهُمْ وإيَّاه، فأُمِرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هو والمؤمنون أنْ ينابذُوا الكُفَّار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدَّبوا بذلك، ويدَعُوا الخَوْضَ والاستهزاءَ، قلْتُ: ويدلُّ على دخولِ المؤمنينَ مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الخطابِ- قولُهُ تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء: 140] . انتهى. والخَوْضُ: أصله في الماءِ، ثم يستعملُ بعدُ في غمرات الأشياء التي هي مجاهلُ تشبيهاً بغَمَرَات الماء. وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ: «إما» : شرط، وتلزمها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقرأ ابن عامر «1» وحده: «يُنَسِّيَنَّكَ» - بتشديدِ السينِ، وفتحِ النونِ-، والمعنى واحدٌ إلا أن التشديد أكثر مبالغةً، والذِّكْرى والذِّكْر واحدٌ في المعنى، ووصْفُهم ب الظَّالِمِينَ متمكِّن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وفَأَعْرِضْ في هذه الآية: بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكملِ وجوهه ويدُلُّ على ذلك: فَلا تَقْعُدْ. وقوله سبحانه: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وروي أنه لما نزلَتْ: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء: 140] قال المؤمنون: إذا كنا لا نقْرَبُ المشركين، ولا نسمع أقوالهم، فلا يمكننا طَوَافٌ ولا قضاءُ عبادةٍ في الحرمِ، فنزلَتْ لذلك: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ... الآية. قال ع «2» : فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يحتاجُ إلَيْه من التصرُّف بَيْن المشركين في عبادةٍ ونحوها، وقيل: إن هذه الآية الأخيرةَ ليْسَتْ إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تَقْعُدوا معهم، ولا تَقْرَبوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأنَّ عليكم شيئاً من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم، ويحتملُ المعنى: ولكنْ ذكرى لعلَّهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساكِ عن الاستهزاءِ، ويحتمل المعنى: ولكن

_ (1) وحجته ما جاء في البخاري: «ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسّي» . ينظر: «حجة القراءات» (256) ، و «السبعة» (260) ، و «الحجة» (3/ 324) ، و «إعراب القراءات» (1/ 160) ، و «معاني القراءات» (1/ 363) ، و «العنوان» (91) ، و «شرح الطيبة» (4/ 259) ، و «شرح شعلة» (364) . (2) ينظر: «المحرر» (2/ 304) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 70 إلى 73]

ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ «1» ، عن أبي جعفر أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «2» اللَّهِ» ، وفي الحديث، عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه» ، خَرَّجه أبو داود «3» . انتهى من «الكوكب الدري» ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا. [سورة الأنعام (6) : الآيات 70 الى 73] وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) وقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ «4» ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «5» [المدثر: 11] ، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله

_ (1) ينظر الطبري (5/ 225) . (2) أخرجه الطبري (5/ 226) برقم (13395) ، وذكره ابن عطية (2/ 305) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 38) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي نعيم في «الحلية» عن أبي جعفر. (3) أخرجه أبو داود (2/ 668) كتاب «الأدب» باب في حسن الخلق، حديث (4800) من حديث أبي أمامة مرفوعا. [.....] (4) أخرجه الطبري (5/ 228) برقم (13407، 13408) بنحوه، ذكره ابن عطية (2/ 305) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 39) ، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس عن قتادة بنحوه. (5) أخرجه الطبري (5/ 228) برقم (13405) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 305) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 39) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه.

وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» «1» . انتهى من «الكوكب الدريِّ» . وقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة «2» وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ «3» ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح «4» ، وقال ابن زيد «5» : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى «6» : [الطويل]

_ (1) أخرجه ابن ماجه (1/ 95) المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، حديث (257) والعقيلي في «الضعفاء» (4/ 309- 310) وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 105) من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود به. وقال أبو نعيم: غريب من حديث الأسود لم يرفعه إلا الضحاك، ولا عنه إلا نهشل. وقال البوصيري: إسناده ضعيف، فيه نهشل بن سعيد قيل: إنه يروي المناكير. وقيل: بل الموضوعات. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر. أخرجه الحاكم (2/ 443) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (2) أخرجه الطبري (5/ 228) برقم (13409، 13410) ، وذكره البغوي (2/ 106) عن عكرمة، وذكره ابن عطية (2/ 305) وذكره ابن كثير (2/ 144) عن الحسن، وعكرمة. (3) أخرجه الطبري (5/ 229) برقم (13415، 13416) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 106) ، وذكره ابن عطية (2/ 305) ، وذكره ابن كثير (2/ 144) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 40) ، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. (4) أخرجه الطبري (5/ 229) رقم (13418) ، وذكره ابن عطية (2/ 305) ، وذكره ابن كثير (2/ 144) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 39) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. (5) أخرجه الطبري (5/ 229) برقم (13417) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 106) ، وذكره ابن عطية (2/ 305) ، وذكره ابن كثير (2/ 144) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 40) ، وعزاه لابن أبي حاتم عن ابن زيد بنحوه. (6) عمرو بن مالك الأزدي، من قحطان شاعر جاهلي، يماني، من فحول الطبقة الثانية. كان من فتاك العرب وعدّائيهم. وهو أحد الخلعاء الذين تبرأت منهم عشائرهم. قتله بنو سلامان. وهو صاحب «لامية العرب» التي مطلعها: [الطويل] «أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل» -

هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ... سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ «1» وباقي الآية بيِّن. وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ «2» تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ «3» بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً. قال ع «4» : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ. قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة. وقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني: الأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ. وقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.

_ - شرحها الزمخشري في «أعجب العجب» . ينظر: «الأعلام» (5/ 85) ، «الأغاني» (21/ 134- 143) ، «المقتطف» (6/ 186) ، «خزانة الأدب» (2/ 16- 18) . (1) البيت في ديوانه (36) ، و «المغتالين» لابن حبيب (873) ، و «الحماسة» (242) ، «العقد الفريد» (1/ 53) ، «محاضرات الراغب» (1287) ، وابن أبي الحديد (2/ 294) ، وفي «الحيوان» (6/ 153) لتأبط شرّا، وفي «المرتضى» (3/ 158) ، (2) ذكره ابن عطية (2/ 306) . (3) ينظر الطبري (5/ 230) . (4) ينظر: «المحرر» (2/ 306) .

وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس «1» ، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي» ، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [التوبة: 40] ، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ... [النور: 22] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ «2» . قال ع «3» : حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ. قال ع «4» : وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن. وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة. وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ «يوم» : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً. وقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 233) برقم (13431) بنحوه عن مجاهد، وذكره ابن عطية (2/ 307) . [.....] (2) مسطح بن أثاثة: بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصيّ المطلبيّ. كان اسمه عوفا، وأما مسطح فهو لقبه وأمه بنت خالة أبي بكر، أسلمت، وأسلم أبوها قديما وكان أبو بكر يمونه لقرابته منه، ومات مسطح سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان ويقال: عاش إلى خلافة عليّ، وشهد معه صفّين، ومات في تلك السّنة سنة سبع وثلاثين. ينظر: «الإصابة» (6/ 74) ، «طبقات ابن سعد» (3/ 1/ 36) ، «أسد الغابة» (ت 4872) ، «الاستيعاب» (ت 2579) ، «حلية الأولياء» (2/ 20) ، «تهذيب الأسماء واللغات» (2/ 89) ، «العبر» (1/ 35) . (3) ينظر: «المحرر» (2/ 307) . (4) ينظر: «المحرر» (2/ 308) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 74 إلى 75]

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ ثُمَّ لِلْبَعْثِ» «1» ، وباقي الآية بيّن. [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 75] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، قال الطبري «2» : نبه الله نبيّنا محمدا صلّى الله عليه وسلّم على الاقتداء بإبراهيم في محاجّته قومه إذا كانوا أهل أصنام، وكان قوم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهل أصنام، وقوله: أَصْناماً آلِهَةً: مفعولانِ، وذُكِرَ أن آزر أبا إبراهيِمَ- عليه السلام- كَانَ نَجَّاراً محسناً، ومهنْدِساً، وكان نُمْرُود يتعلَّق بالهندسةِ والنجُومِ، فحَظِيَ عنده آزر لذلك، وكان على خُطَّةِ عملِ الأَصنامِ تُعْمَلُ بأمره وتَدْبيره، ويَطْبَع هو في الصنمِ بخَتْمٍ معلومٍ عنده وحينئذٍ يُعْبَدُ ذلك الصنمُ، فلما نشأ إبراهيمُ ابنه على الصفة التي تأتي بعْدُ، كان أبوه يكلِّفه ببيعها، فكان إبراهيم ينادِي عليها: مَنْ يَشْتَري ما يضرُّه ولا ينفعه، ويستخفُّ بها، ويجعلها في الماءِ منكوسةً، ويقول لها: اشربي، فلما اشتهر أمْرُه بذلك، وأخذ في الدعاءِ إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، قال لأبيه هذه المقالة، وأَراكَ في هذا الموضعِ: يشترك فيها القلبُ والبصرُ، ومُبِينٍ: بمعنى: ظاهر واضح. وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: الآيةُ المتقدِّمةُ تقْضِي بهدايةِ إبْرَاهيم- عليه السلام-، والإشارةُ ب «ذلك» هي إلى تلك الهداية، أي: وكما هدَيْنَاه إلى الدعاء إلى الله وإنكار الكفر، أريناه ملكوت، ونُرِي: لفظها: الاستقبال، ومعناها: المضيُّ، وهذه الرؤْية قيل: هي رؤية البَصَر، ورُوِيَ في ذلك أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ فرج لإِبراهيم- عليه السلام- السمواتِ والأرْضَ حتى رأَى ببَصَره الملكوتَ الأعلى، والملكوتَ الأسفلَ وهذا هو قولُ مجاهدٍ «3» قال: تفرّجت له السموات والأرضون، فرأى

_ (1) أخرجه البخاري (8/ 116) كتاب «التفسير» ، باب قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ حديث (4604) ، ومسلم (4/ 1843) كتاب «الفضائل» ، باب من فضائل موسى عليه السلام، حديث (159/ 2373) من حديث أبي هريرة. (2) ينظر: الطبري (5/ 238) . (3) أخرجه الطبري (5/ 242) برقم (13454) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 311) وذكره ابن كثير (2/ 150) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 44) وعزاه لآدم بن أبي إياس، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والبيهقي عن مجاهد بنحوه.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 76 إلى 79]

مكانه في الجنَّة، وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسلمانُ الفارسيُّ «1» ، وقيل: هي رؤيةَ بَصرٍ في ظاهر الملكوت، وقع له معها من الاعتبارِ ورؤيةِ القَلْب: ما لم يقعْ لأحد من أهل زمنه الذين بُعِثَ إليهم قاله ابن عباس «2» وغيره، وقيل: هي رؤية قَلْب، رأى بها ملكوتَ السمواتِ والأرضِ بفكرته ونظره، ومَلَكُوتَ: بناءُ مبالغةٍ، وهو بمعنى المُلْك، والعربُ تقول: لفلانٍ مَلَكُوتُ اليَمَنِ، أي: مُلْكُه، واللام في: لِيَكُونَ: متعلِّقة بفعلٍ مؤخَّر، تقديره: وليكونَ من الموقنين، أَرَيْنَاهُ، والمُوقُنِ: العالِمُ بالشيء علماً لا يمكنُ أنْ يطرأ له فيه شك، وروي عن ابنِ عبَّاس في تفسير: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ قال: جلى له الأمورَ سرَّها وعلانيتَها، فلم يَخْفَ عليه شيْءٌ من أعمال الخلائق «3» ، فلما جعل يلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّه له: إنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ هذا، فَرَدَّه لا يرى أعمالهم. [سورة الأنعام (6) : الآيات 76 الى 79] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وقوله سبحانه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ... الآية: جَنَّ اللَّيْلُ: ستَرَ وغطى بظلامه، ذهب ابن عباس/ وناسٌ كثيرون إلى أنَّ هذه القصة وقعَتْ في حال صباه وقبل البلوغ والتكليفِ «4» ، ويحتملُ أنْ تكون وقعتْ له بعد بلوغه وكونه مكلَّفاً، وحكى الطبريُّ هذا عَنْ فرقةٍ، وقالتْ: إنه استفهم قومَهُ على جهة التوقيفِ والتوبيخِ، أي: هذا ربِّي، وحكي أن النمرودَ جَبَّارَ ذلك الزمان رأى له منجِّموه أنَّ مولوداً يُولَدُ في سَنَةِ كذا في عمله يكون خَرَابُ المُلْك على يديه، فجعل يَتَتَبَّعُ الحبالى، ويوكِّل بهن حُرَّاساً، فمن وضَعَتْ أنثى، تُركَتْ، ومَنْ وضعتْ ذكَراً، حمل إلى المَلِك فذَبَحه، وأن أمَّ إبراهيمَ حَمَلَتْ، وكانَتْ شابَّة قويةً، فسَتَرَتْ حملها، فلما قربت ولادتُها، بعثَتْ أبا إبراهيم إلى

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 242) رقم (13455، 13456) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 108) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 311) ، وذكره ابن كثير (2/ 150) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 45) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن سلمان. (2) أخرجه الطبري (5/ 241) رقم (13445) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 108) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 311) ، وذكره ابن كثير (2/ 150) . (3) أخرجه الطبري (5/ 243) رقم (13464) ، وذكره ابن عطية (2/ 312) ، وذكره ابن كثير (2/ 150) . (4) أخرجه الطبري (5/ 245) رقم (13468) بنحوه عن ابن عباس، وذكره ابن كثير (2/ 151) بنحوه.

سَفَر، وتحيَّلت لمضيِّه إليه، ثم خرجَتْ هي إلى غارٍ، فولدَتْ فيه إبراهيم، وتركته في الغار، وكانَتْ تتفقَّده فوجدَتْه يتغذى بأنْ يمصَّ أصابعه، فيخرج له منها عسلٌ وسَمْنٌ ونحو هذا، وحُكِيَ: بل كان يغذِّيه مَلَكٌ، وحُكِيَ: بل كانَتْ أمه تأتيه بألبان النِّساء التي ذُبِحَ أبناؤهن، واللَّه أعلم، أيُّ ذلك كان، فشبَّ إبراهيم أضعافَ ما يشب غيره، والمَلِكُ في خلالِ ذلك يحسُّ بولادته، ويشدِّد في طلبه، فمكَثَ في الغار عَشَرَةَ أعوامٍ، وقيل: خمسَ عَشْرة سنةً، وأنه نظر أول ما عَقَل من الغارِ، فرأى الكواكِبَ، وجرَتْ قصة الآية، واللَّه أعلم «1» . فإن قلنا بأنه وقعَتْ له القصّة في الغار في حال الصّبوة، وعدمِ التكليفِ على ما ذهب إليه بعض المفسّرين، ويحتمله اللفظ، فذلك ينفسم على وجْهين: إما أنْ يجعل قوله: هذا رَبِّي تصميماً واعتقادا، وهذا باطلٌ لأن التصميم على الكُفْر لم يقع من الأنبياء- صلوات اللَّه عليهم-، وإما أنْ نجعله تعريضاً للنظر والاستدلال كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ البهيُّ ربِّي إن عضّدت ذلك الدلائل. وإنا قلنا إن القصَّة وقَعَتْ له في حال كِبَرِهِ، وهو مكلَّف، فلا يجوز أنْ يقولَ هذا مصمِّماً ولا مُعَرِّضاً للنظر لأنها رتبة جهلٍ أو شكٍّ، وهو- عليه السلام- منزَّه معصوم من ذلك كلِّه فلم يبق إلاَّ أنْ يقولها على جهة التَّقْرير لقومه والتوبيخ لهم، وإقامةِ الحُجَّة عليهم في عبادة الأصنام كأنه قال: أَهَذَا المُنِيرُ ربِّي، وهو يريد: على زعمكم كما قال تعالى: أَيْنَ شُرَكائِيَ [النحل: 27] ، أي: على زعمكم، ثم عَرَضَ إبراهيم عليهم مِنْ حَرَكَة الكوكب وأفولِهِ أَمارةَ الحدوث، وأنه لا يصلحُ أن يكون ربًّا، ثم في آخر أعظم منه وأحرى كذلك، ثم في الشَّمْس كذلك فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المُنِيرَاتِ الرفيعةِ أنها لا تصلح للربوبيَّة، فأصنامكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أنْ يبين ذلك فيها ويَعْضُدُ عندي هذا التأويلَ قولُهُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، قلت: وإلى ترجيحِ هذا أشار عِيَاضٌ في «الشفا» قال: وذهب معظمُ الحُذَّاق من العلماء والمفسرين إلى أن إبراهيم إنما قال ذلك مبكِّتاً لقومه، ومستدلاًّ عليهم. قال ع «2» : ومَثَّلَ لهم بهذه الأمور لأنهم كانوا أصْحَابَ علْمِ نجومٍ ونظرٍ في الأفلاك، وهذا الأمر كلُّه إنما وقع في ليلةٍ واحدةٍ، رأى الكوكب، وهو الزّهرة في قول

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 312) . (2) ينظر: «المحرر» (2/ 313) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 80 إلى 82]

قتادة «1» ، وقال السُّدِّيُّ: هو المشتري جانحاً إلى الغروب «2» ، فلما أَفَلَ بزغ القمر، وهو أول طلوعه، فَسَرَى الليل أجْمَعُ، فلما بزغَتِ الشمسُ، زال ضوء القمرِ قبلها لانتشار الصباحِ، وخَفِيَ نوره، ودنا أيضاً مِنْ مغربه، فسمى ذلك أفولاً لقربه من الأُفُولِ التامِّ على تجوُّز في التسمية، وهذا الترتيبُ يستقيمُ في الليلة الخامسةَ عَشَرَ من الشَّهْر إلى ليلة عشْرين، وليس يترتَّب في ليلةٍ واحدة كما/ أجمع أهل التفسير، إلاَّ في هذه الليالي، وبذلك يصحُّ التجوُّز في أفول القمر، «وأَفَلَ» في كلام العرب: معناه: غاب، وقيل: معناه، ذَهَبَ، وهذا خلافٌ في العبارة فقَطْ، والبزوغُ في هذه الأنوارِ: أوَّلُ الطلوع، وما في كَوْنِ هذا الترتيب في ليلةٍ من التجوُّز في أفول القمر لأنَّ أفوله لو قدَّرناه مَغِيبَهُ، لكان ذلك بَعْد بزوغ الشمسِ، وجميع ما قلناه يعطيه الاعتبار، ويَهْدِيَنِي: يرشدْنِي وهذا اللفظ يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حالِ الصِّغَر، والقومُ الضالُّون هنا عبدةُ المخلوقاتِ كالأصنام وغيرها، ولما أفَلَتِ الشمسُ، لم يبقَ شيءٌ يمثِّل لهم به، فظهرَتْ حُجَّته، وقَوِيَ بذلك على منابذتهم والتبرِّي من إشراكهم، وقوله: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: يؤيِّد قول من قال: إن القصة في حال الكبر والتكليف، ووَجَّهْتُ وَجْهِيَ، أي: أقبلْتُ بقَصْدي وعبادتِي وتوحيدِي وإيمانِي للذي فطر السموات والأرض، أي: اخترعها وحَنِيفاً: أي مستقيماً، والحَنَف: المَيْل فكأنه مال عن كلّ جهة إلى القوام. [سورة الأنعام (6) : الآيات 80 الى 82] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وقوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ، أي: أتراجعوني في الحجَّة في توحيد اللَّه، وَقَدْ هَدانِ، أي: قد أرشدني إلى معرفتِهِ وتوحيده، وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، الضميرُ في بِهِ يعودُ على اللَّهِ والمعنى: ولا أخافُ الأصنامُ التي تشركونَهَا باللَّه في الربوبيَّة، ويحتمل أنْ يعود على «ما» ، والتقديرُ: ما تشركون بسَبَبِهِ، وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً: استثناء ليس من الأوّل، وشَيْئاً: منصوب

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 313) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 46) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه. (2) ذكره ابن عطية (2/ 313) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 46) وعزاه لابن أبي حاتم، عن السدي بنحوه. [.....]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 83 إلى 86]

ب يَشاءَ، ولما كانتْ قوة الكلامِ أنه لا يخَافُ ضرراً، استثنى مشيئةَ ربِّه تعالى في أن يريده بضرّ، وعِلْماً: نصبٌ على التمييز، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل كما تقول العرب: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً، المعنى: تصبَّبَ عَرَقُ زَيْدٍ فكذلك المعنى هنا وِسَعِ علْمُ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: توقيفٌ وتنبيه وإظهار لموضعِ التقصيرِ منهم، وقوله: وَكَيْفَ أَخافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ... الآيةَ إلى تَعْلَمُونَ، هي كلُّها من قول إبراهيم- عليه السلام- لقومه، وهي حجته القاطعة لهم، والمعنى: وكيف أخاف أصناماً لا خَطْب لها، إذ نبذتُها، ولا تخافُونَ أنتم اللَّهَ عزَّ وجلَّ، وقد أشركتم به في الربوبيَّة مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً والسلطانُ: الحُجَّة، ثم استفهم على جهة التقرير: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ، مني ومنكم أَحَقُّ بِالْأَمْنِ، قال أبو حَيَّان «1» : وَكَيْفَ: استفهام، معناه التعجّب والإنكار. انتهى. وقوله سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ... الآية، قال ابنُ إسحاق، وابنُ زيدٍ، وغيرهما: هذا قولٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ ابتداء حُكْمٍ فَصْلٍ عامٍّ لِوَقْتِ مُحاجَّة إبراهيم وغيره، ولكلِّ مؤمن «2» تقدَّم أو تأَخَّر. قال ع «3» : هذا هو البيِّن الفصيحُ الذي يرتبطُ به معنى الآية، ويحسُنُ رصْفها، وهو خبرٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ، ويَلْبِسُوا: معناه: يَخْلِطُوا، والظُّلْم في هذا الموضع: الشِّرْك تظاهرت بذلك الأحاديثُ الصحيحةُ، وفي قراءة «4» مجاهدٍ: «وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ» وَهُمْ مُهْتَدُونَ، أي: راشدون. [سورة الأنعام (6) : الآيات 83 الى 86] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) وقوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ: «تلك» : إشارةٌ إلى هذه الحجَّة المتقدِّمة. وقوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ، «الدرجات» : أصلها في الأجسام، ثم

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 175) . (2) أخرجه الطبري (5/ 250) رقم (13477، 13478) بنحوه وذكره ابن عطية (2/ 316) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 316) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 315) ، و «البحر المحيط» (4/ 175- 176) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 87 إلى 90]

تستعملُ في المراتِبِ والمنازل المعنويَّة. وقوله سبحانه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ... الآية: وَوَهَبْنا: عطْفٌ على «آتينا» وإسحاق ابنُهُ من سارَّة، ويعقوبُ هو ابْنُ إسحاقَ، وقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ: المعنى: وهَدَيْنَا من ذرِّيته، والضمير في ذُرِّيَّتِهِ، قال الزَّجَّاج «1» : جائزٌ أنْ يعود على إبراهيم، ويعترض هذا بذكْرِ لوطٍ- عليه السلام- إذ ليس هو مِنْ ذرِّيَّة إبراهيم، بل هو ابْنُ أخيه، وقيلَ: ابنُ أختِهِ، ويتخرَّج ذلك عند مَنْ يرى الخالَ أباً، وقيل: يعود الضميرُ على نوح، وهذا هو الجيّد، ونصب/ داوُدَ: يحتملُ أنْ يكون ب وَهَبْنا، ويحتمل أنْ يكون ب هَدَيْنا، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وعدٌ من اللَّه عزَّ وجلَّ لمن أحْسَنَ في عبادته، وترغيبٌ في الإحسان، وفي هذه الآية أنَّ عيسى- عليه السلام- مِنْ ذرِّية نوحٍ أو إبراهيم بحَسَب الاختلاف في عَوْد الضمير من ذُرِّيَّتِهِ، وهو ابنُ ابنة وبهذا يستدلُّ في الأحباس على أنَّ ولد البنْتِ من الذِّرِّيَّة، ويُونُسُ هو ابن متى، وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ: معناه: عالمي زمانهم. [سورة الأنعام (6) : الآيات 87 الى 90] وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90) وقوله سبحانه: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ: المعنى: وهدَيْنا من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم جماعاتٍ، ف «مِنْ» للتبعيض، والمراد: مَنْ آمن منهم، نبيّا كان أو غير نبيّ، واجْتَبَيْناهُمْ، أي: تخيَّرناهم وهَدَيْنَاهم، أيْ: أرشدْناهم إلى الإيمان، والفوز برضا اللَّه عزَّ وجلَّ، والذرية: الأبناءُ، ويطلَقُ على جميعِ البَشَر ذرِّيَّة لأنهم أبناء. وقوله تعالى: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ ... الآية: ذلِكَ: إشارة إلى النعمة في قوله: وَاجْتَبَيْناهُمْ وأُولئِكَ: إشارة إلى مَنْ تقدَّم ذكره، والكتابُ يراد به الصُّحُفُ والتوراةُ والإنجيل والزَّبُور. وقوله سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ: إشارة إلى كُفَّار قريشٍ، وإلى كلِّ كافر في ذلك العَصْر قاله ابن عباس وغيره «2» ، وقوله: فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ:

_ (1) ينظر: «معاني القرآن» للزجاج (2/ 269) . (2) أخرجه الطبري (5/ 260) رقم (13530) ، وذكره البغوي (2/ 14) ، وذكره ابن عطية (2/ 318) ، -

هم مؤمنو أهْل المدينة قاله ابن عباس وغيره «1» ، والآية على هذا التأويلِ، وإن كان القصْدُ بنزولها هذَيْن الصِّنْفَيْن، فهي تعم الكَفَرة والمؤمنين إلى يوم القيامة، وقال الحسن وغيره: المراد ب «القَوْم» : مَنْ تَقَدَّم ذكْره من الأنبياء والمؤمنين «2» ، وقال أبو رجاء: المرادُ: الملائكةُ «3» . قلتُ: ويحتمل أنْ يكون المراد الجميعَ. وقوله سبحانه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ، والظاهر في الإشارة ب أُولئِكَ إلى المذكورين قبلُ من الأنبياء ومَنْ معهم من المؤمنين المهدِّيين، ومعنى الاقتداء: اتباع الأثر في القول والفعل والسّيرة، وإنما يصحّ اقتداؤه صلّى الله عليه وسلّم بجميعهم في العقودِ، والإيمان، والتوحيدِ الذي ليْسَ بينهم فيه اختلاف، وأما أعمالُ الشرائع فمختلفةٌ، وقد قال عزَّ وجلَّ: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: 48] ، واعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو وغيره مخاطَبٌ بشَرْع مَنْ قبله في العقود والإيمانِ والتوحيدِ «4» لأنا نجد شرعنا ينبىء أنّ الكفار الذين كانوا قبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَأَبَوَيْهِ وغيرهما في النَّار، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ تعالى أحداً النار إلا بتَرْك ما كُلِّفَ، وذلك في قوله سبحانه: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] ، وغير ذلك، وقاعدةُ المتكلِّمين: أن العقل لا يوجِبُ ولا يكلِّف، وإنما يوجب «5» الشرْعُ، فالوجه في هذا أنْ يقال: إنَّ آدم- عليه السلام- فَمَنْ بعده، دعا إلى توحيد اللَّه (عزَّ وجلَّ) دعاءً عامًّا، واستمر ذلك على العالَمِ، فواجبٌ على الآدميّ أن

_ - وذكره ابن كثير (2/ 155) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 52) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس بنحوه. (1) أخرجه الطبري (5/ 206) رقم (13530) ، وذكره البغوي (2/ 114) ، وذكره ابن عطية (2/ 316) ، وذكره ابن كثير (2/ 155) بنحوه وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 52) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس بنحوه. (2) ذكره ابن عطية (2/ 318) . (3) أخرجه الطبري (5/ 260) رقم (13531) ، وذكره البغوي (2/ 114) وذكره ابن عطية (2/ 318) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 52) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، عن أبي رجاء بنحوه. (4) ينظر: «أحكام الآمدي» (4/ 121) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (139) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 442) ، «حاشية البناني» (2/ 352) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (4/ 191) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 393) ، «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 336) ، «التحرير» لابن الهمام» (359) ، «تيسير التحرير» لأمير بادشاه (3/ 129) . (5) تقدم الكلام على الحسن والقبح.

يبحث عن الشرْعِ الآمِرِ بتوحيدِ اللَّهِ تعالى، وينظر في الأَدلَّة المنصوبة على ذلك بحسب إيجاب الشرعِ النَّظَرَ فيها، ويؤمنَ، ولا يَعْبُدَ غير اللَّه، فمَنْ فَرَضْناه لم يجدْ سبيلاً إلى العلْمِ بشرعٍ آمِرٍ بتوحيد اللَّهِ، وهو مع ذلك لم يَكْفُرْ، ولا عَبَدَ صنماً، بل تخلى، فأولئك أَهْلُ الفَتراتِ الذين أَطْلَقَ عليهم أهل العلْمِ أنهم في الجَنَّة، وهم بمنزلةِ الأطفالِ والمجانينِ، ومَنْ قَصَّرَ في النظر والبَحْث، فعبد صنماً أو غيره، وكَفَرَ، فهو تاركٌ للواجب عليه، مستوجِبٌ للعقاب بالنَّار، فالنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قَبْلَ مبعثِهِ ومَنْ كان معه مِنَ النَّاس وقَبْلَه- مخاطَبُونَ على أَلْسِنَةِ الأنبياء قَبْلُ بالتوحيد، وغيرُ مخاطبين بفُرُوعِ «1» شرائعهم إذ هي مختلفةٌ، وإذ لم يدعهم إليها نبيٌّ قال/ الفَخْر «2» : واحتجَّ العلماءُ بهذه الآية على أن محمداً صلّى الله عليه وسلّم أَفْضَلُ من جميع الأنبياءِ- عليهم السلام- وتقريره: أنا بيَّنَّا أنَّ خصال الكمالِ وصفاتِ الشَّرَفِ كانَتْ مفرَّقة فيهم، ثم إنه تعالى، لمَّا ذكر الكل، أمر محمدا صلّى الله عليه وسلّم أنْ يجمع من خصال الطاعة والعبوديَّة والأخلاقِ الحميدة كُلَّ الصفاتِ التي كانَتْ مفرَّقة فيهم بأجمعهم، ولمَّا أمره اللَّه تعالى بذلك، امتنع أنْ يقال: إنه قصَّر في تحصيلها فثبت أنه حَصَّلها، ومتى كان الأمر كذلك، ثبت أنه اجتمع فيه مِنْ خصال الخَيْر ما كان فيهم مفرَّقاً بأسرهم، ومتى كان الأمر كذلك، وجب أنْ يقال: إنه أفضلهم بكلِّيَّتهم واللَّه أعلم. انتهى. وقرأ حمزة «3» والكسائيُّ: «فَبِهُدَاهُمُ اقتد» - بحذف الهاءِ في الوَصْل، وإثباتها في الوَقْف-، وهذا هو القياسُ شبيهة بألفِ الوَصْل في أنها تُقْطَعُ في الابتداء، وتَسْقُط في الوصل. وقوله سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً، أي: قل لهؤلاء الكفرة المعاندين: لا أسألكم على دعائي إياكم بالقُرآن إلى عبادة اللَّه تعالى- أُجْرَةً إن هو إلا موعظة وذكرى

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» للزركشي (3/ 36) ، «التمهيد» للأسنوي ص (364) ، و «نهاية السول» له (1/ 359) ، «زوائد الأصول» (ص 179) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 203) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 321) ، «المنخول للغزالي» ص (31) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 177) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (1/ 285) ، «تخريج الفروع على الأصول» للزنجاني (ص 98) ، «كشف الأسرار» للنفسي (1/ 137) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (1/ 213) ، «نسمات الأسحار» لابن عابدين (ص 60) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (1/ 304) ، «البرهان في أصول الفقه» (1/ 107) ، «أصول الفقه» لمحمد أبي النور زهير (1/ 184) . (2) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 58) . [.....] (3) وحجة الباقين بإثبات الهاء في الوصل أنها مثبتة في المصحف، فكرهوا إسقاط حرف من المصاحف. ينظر: «حجة القراءات» (260) ، و «السبعة» (262) ، و «الحجة» (3/ 350، 351) ، و «إعراب القراءات» (1/ 164) ، و «العنوان» (91) ، و «إتحاف» (2/ 21) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 91 إلى 92]

ودعاء لجميع العالمين. [سورة الأنعام (6) : الآيات 91 الى 92] وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) وقوله سبحانه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... الآية: قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في بني إسرائيل «1» ، قال النَّقَّاش: وهي آية مدنية، وقيل: المراد رجُلٌ مخصوص منهم، يقال له مالك بن الصّيف قاله ابن جُبَيْر «2» ، وقيل: فنْحَاص قاله السُّدِّيُّ «3» ، وقَدَرُوا: هو من توفيَةِ القَدْرِ والمنزلةِ، وتعليلُه بقولهم: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ: يقضي بأنهم جَهِلُوا، ولم يعرفوا الله حقّ معرفته إذا أحالوا عليه بعثةَ الرُّسُل، قال الفَخْر «4» : قال ابن عباس: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، أيْ: ما عظَّموا اللَّه حقَّ تعظيمه «5» ، وقال الأخفشُ: ما عَرَفُوه حقَّ معرفته، وقال أبو العالية: ما وصفوه حقَّ قُدْرته وعَظَمته، وهذه المعانِي كلُّها صحيحةٌ. انتهى، وروي أنَّ مالك بن الصَّيْفِ كان سَمِيناً، فجاء يخاصم النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بزعمه، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَنْشُدُكَ اللَّه، أَلَسْتَ تَقْرَأُ فِيمَا أُنْزِلَ على موسى: إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْحِبْرَ السَّمِينَ» «6» ، فَغَضِبَ، وقال: «واللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» ، قال الفَخْر «7» : وهذه الآية تدلُّ على أن النكرة في سياقِ النفْي «8» تعمُّ، ولو لم تفد العمومَ، لما كان قوله

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 263) رقم (13544) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 114) ، وذكره ابن عطية (2/ 320) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 53) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس بنحوه. (2) أخرجه الطبري (5/ 362) برقم (13539) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 114) ، وذكره ابن عطية (2/ 320) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 54) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. (3) أخرجه الطبري (5/ 363) برقم (13541) ، وذكره البغوي (2/ 114) ، وذكره ابن عطية (2/ 320) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 53، 54) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن السدي. (4) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 60) . (5) أخرجه الطبري (5/ 264) برقم (13545) بنحوه. (6) ذكره الزيلعي في «تخريج أحاديث الكشاف» (1/ 442- 443) رقم (450) ، وعزاه للطبري، والواحدي في «أسباب النزول» . (7) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 63) . (8) «البحر المحيط» (3/ 110- 122) ، «تقريب الوصول إلى علم الأصول» (ص 75) ، «نهاية السول» -

تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً- إبطالاً لقولهم ونقْضاً عليهم. انتهى. وقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ، يعني: التوراة، وقَراطِيسَ: جمع قِرْطَاس، أي: بطائق وأوراقاً، وتوبيخهم بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم وجَميعَ ما عليهم فيه حُجَّة. وقوله سبحانه: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، يحتمل وجهين: أحدهما: أنْ يقصد به الامتنانَ عليهم، وعلى آبائهم. والوجه الثاني: أنْ يكون المقصود ذمَّهم، أي: وعلِّمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه، فما انتفعتم به لإعراضكم وضلالكم. ثم أمره سبحانه بالمبادرة إلى موضع الحُجَّة، أي: قل اللَّه هو الذي أنْزَلَ الكتابَ على موسى، ثم أمره سبحانَهُ بتَرْك مَنْ كَفَر، وأعرض، وهذه آية منسوخةٌ بآية القتالِ إن تُؤُوِّلَتْ موادعةً، ويحتمل ألاَّ يدخلها نسْخٌ إذا جُعِلَتْ تتضمَّن تهديداً ووعيداً مجرَّداً من موادعة. وقوله سبحانه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ: «هذا» : إشارة إلى القرآن، وقوله: مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، يعني: التوراةَ والإنجيل لأن ما تقدّم، فهو بين يدي ما تأخّر، وأُمَّ الْقُرى: مكَّة، ثم ابتدأ تباركَ وتعالى بمَدْحِ قومٍ وصفهم، وأخبر عنهم أنهم يؤمنون بالآخرةِ والبَعْثِ والنشورِ، ويؤمنون بالقُرآن، ويصدِّقون بحقيقتِهِ، ثم قوى عزَّ وجلَّ مدحهم بأنهم يحافظون على صَلاَتهم التي هي قاعدةُ العباداتِ، وأمُّ الطاعاتِ، وإذا انضافت الصلاةُ إلى ضميرٍ، لم تكتب/ إلا بالألِفِ، ولا تكتبُ في المُصْحَف بواوٍ إلا إذا لم تُضَفْ إلى ضمير. وقد جاءت آثار صحيحةٌ في ثواب مَنْ حافظ على صلاته، وفي فَضْل المشْيِ إليها ففي «سنن أبي داود» ، عن بُرَيْدة، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «بشّر المشّائين في الظّلم إلى

_ - (2/ 329) ، «الحاصل من المحصول» (1/ 510) ، «التمهيد» للأسنوي ص (318- 324) ، «البدخشي على المنهاج» (3/ 84) ، «الإبهاج في شرح المنهاج» (2/ 106) ، «الأحكام» (2/ 190) ، «ميزان الأصول» (ص 402) ، «البرهان» (1/ 337- 339) ، «تنقيح الفصول» (ص 181) ، «شرح الكوكب المنير» (3/ 136- 137) «نشر البنود» (1/ 210) ، «شرح المنهاج» للأصفهاني (1/ 354) ، «التحرير» (ص 70) ، «كشف الأسرار» (1/ 185- 186) .

[سورة الأنعام (6) : آية 93]

المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ» «1» ، وروى أبو داود أيضاً بسنده، عن سعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قال: حضر رجلاً من الأنصار المَوْتُ، فقال: إني محدِّثكم حديثاً ما أحدثكموه إلا احتسابا، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاَةِ، لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ اليمنى إلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ اليسرى إلاَّ حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً، فَلْيَقْرُبْ أَوْ لِيُبْعِدْ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدِ، فصلى فِي جَمَاعَةٍ، غُفِرَ لَهُ، فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضاً، وَبَقِيَ بَعْضٌ، صلى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ- كَانَ كَذَلِكَ فَإنْ أَتَى المَسْجِدَ، وَقَدْ صَلَّوْا، فَأَتَمَّ الصَّلاَةَ، كَانَ كَذَلِكَ» «2» ، وأخرج أبو داودَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلاَّهَا أَوْ حَضَرَهَا، لاَ ينقص ذلك من أجورهم» «3» انتهى. [سورة الأنعام (6) : آية 93] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وقوله سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ

_ (1) أخرجه أبو داود (1/ 209) كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم، حديث (561) ، والترمذي (1/ 435) كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في جماعة، حديث (223) والبغوي في «شرح السنة» (2/ 118- بتحقيقنا) والقضاعي في «مسند الشهاب» رقم (752) من حديث بريدة. وأخرجه ابن ماجة (1/ 256) كتاب «المساجد» ، باب المشي إلى الصلاة، حديث (780) والحاكم (1/ 212) وابن خزيمة (1498، 1499) ، والطبراني في «الكبير» (5800) من حديث سهل بن سعد الساعدي. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وأخرجه ابن ماجه (1/ 256- 257) كتاب «المساجد» ، باب المشي إلى الصلاة، حديث (781) والحاكم (1/ 212) والقضاعي في «مسند الشهاب» (751) من حديث أنس. وقال البوصيري في «الزوائد» (1/ 276) : هذا إسناد ضعيف سليمان بن داود قال فيه العقيلي: لا يتابع على حديثه. وأخرجه أبو يعلى (2/ 361) رقم (1113) من حديث أبي سعيد الخدري. وقال الهيثمي في «المجمع» (2/ 33) : رواه أبو يعلى، وفيه عبد الحكم بن عبد الله، وهو ضعيف. (2) أخرجه أبو داود (1/ 209- 210) كتاب «الصلاة» ، باب ما جاء في الهدى في المشي إلى الصلاة، حديث (563) وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتاب الستة سوى أبي داود. (3) أخرجه أبو داود (1/ 210) كتاب «الصلاة» ، باب فيمن خرج يريد الصلاة، فسبق إليها، حديث (564) .

شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، هذه ألفاظٌ عامَّة، فكل مَنْ واقَعَ شيئاً مما يدخُلُ تحت هذه الألفاظ، فهو داخلٌ في الظُّلْم الذي قد عَظَّمه اللَّه تعالى، وقال قتادةُ «1» وغيره: المرادُ بهذه الآياتِ مُسَيْلِمَةُ «2» ، والأسودُ العَنْسِيُّ «3» . قال عكرمة «4» : أوَّلها في مُسَيْلِمَة، والآخر في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ «5» ، وقيل: نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارِثِ، وبالجملة فالآيةُ تتناولُ مَنْ تعرَّض شيئاً من معانيها إلى يوم القيامةِ كَطُلَيْحَةَ الأَسَدِيِّ «6» ، والمُخْتَارِ بن أبي عبيد وسواهما.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 269) رقم (13561، 13562، 13563) بنحوه، وذكره البغوي (2/ 115) ، وذكره ابن عطية (2/ 322) ، وذكره ابن كثير (2/ 157) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 56) ، وعزاه لأبي الشيخ عن قتادة. [.....] (2) أبو ثمامة مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي. متنبىء، من المعمرين، ولد ونشأ ب «اليمامة» بوادي حنيفة، في نجد، تلقب في الجاهلية ب «الرّحمن» ، وعرف ب «رحمان اليمامة» ، وقد أكثر مسيلمة من وضع أسجاع يضاهي بها القرآن، وكان مسيلمة ضئيل الجسم، قالوا في وصفه: «كان رويجلا، أصيغر، أخينس» ، ويقال: كان اسمه: «مسلمة» ، وصغره المسلمون تحقيرا له. قتل سنة (12 هـ) في معركة قادها خالد بن الوليد- في عهد أبي بكر الصديق- للقضاء على فتنته. ينظر: «سيرة ابن هشام» (3/ 74) ، و «الروض الأنف» (2/ 340) ، و «الكامل» لابن الأثير (2/ 137) . (3) عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، ذو الخمار: متنبىء مشعوذ، من أهل اليمن. كان بطاشا جبارا. أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكان أول مرتد في الإسلام. وادعى النبوة، وأرى قومه أعاجيب استهواهم بها، فاتبعته مذحج. وتغلّب على نجران وصنعاء، واتسع سلطانه حتى غلب على ما بين مفازة حضر موت إلى الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن. وجاءت كتب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى من بقي على الإسلام في اليمن، بالتحريض على قتله، فاغتاله أحدهم وكان مقتله قبل وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشهر واحد. وقال البلاذري: سمى نفسه «رحمان اليمن» كما تسمى مسيلمة «رحمان اليمامة» . ينظر: «الأعلام» (5/ 111) ، «جمهرة الأنساب» (381) . (4) أخرجه الطبري (5/ 268) رقم (13559) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 322) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 56) ، وعزاه لأبي الشيخ عن عكرمة. (5) عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري، فاتح إفريقية، أسلم قبل الفتح، وهو من أهل «مكة» ، كان من كتاب الوحي، وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح مصر. وكان واليا على «مصر» . واعتزل الحرب التي دارت بين علي ومعاوية. مات ب «عسقلان» وهو قائم يصلي، وأخباره كثيرة. ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 173) ، و «البداية والنهاية» (7/ 250) ، و «الروض الأنف» (2/ 274) ، و «الأعلام» (4/ 88- 89) . (6) طليحة بن خويلد الأسدي، يقال له: «طليحة الكذاب» لأنه ادعى النبوة، وله صيت في الشجاعة، وقد كان مسلما ثم ارتد في حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. ينظر ترجمته في: «تهذيب ابن عساكر» (7/ 89) ، و «الأعلام» (3/ 230) .

[سورة الأنعام (6) : آية 94]

وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ... الآية: جوابُ «لو» محذوفٌ، تقديره: «لرأيت عجبا أو هولا، ونحو هذا، وحذف هذا الجواب أبلغ في نفس السامع، والظَّالِمُونَ لفظٌ عامٌّ في أنواعِ الظلمِ الذي هو كُفْر، و «الغَمَرَاتُ» : جمع غَمْرةٍ، وهي المُصِيبة المُذْهِلة، وهي مشبَّهة بغمرة الماء، والملائكة، يريد: ملائكة قبض الرّوح، وباسِطُوا أَيْدِيهِمْ: كنايةٌ عن مدِّها بالمكروهِ، وهذا المكروهُ هو لا مَحَالة أوائلُ العذابِ، وأماراته، قال ابنُ عبَّاس: يَضْرِبُون وجوههم وأدبارهم، وقوله: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ: حكايةٌ لما تقولُه الملائكة «1» ، والتقدير: يقولون لهم: أخرجوا أنْفُسَكم، وذلك على جهةِ الإهانة، وإدْخَال الرعْبِ عليهم، ويحتملُ: أخرجوا أنفسكُمْ مِنْ هذه المصائبِ والمحنِ، إنْ كان ما زعمتموه حقًّا في الدنيا، وفي ذلك توبيخٌ وتوقيفٌ على سالف فعلهم القبيحِ، قلت: والتأويل الأولُ هو الصحيحُ، وقد أسند أبو عمر في «التمهيد» ، عن ابن وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بْنُ أبي شَيْبة، ثم ذَكَر سنده، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلاَئِكَةُ، فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالَتِ: اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخرجي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانٍ، قَالَ: فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُون: فُلاَنٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَباً بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادخلي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ.، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَان، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى يَنْتَهِيَ بِهَا إلَى السَّمَاءِ، يَعْنِي: السَّابِعَةَ، وَإذَا كَانَ الرُّجُلُ السُّوءُ، وَحَضَرَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ، قالَتِ/: اخرجي، أيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، اخرجي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ، وآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٍ، فَلاَ تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حتى تخرج ... » وذكر الحديث «2» . انتهى، والْهُونِ: الهَوَان. وقوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ... الآية: لفظ عامٌّ لأنواع الكفر، ولكنه يظهر منه الإنحاءُ على مَنْ قرب ذكره. [سورة الأنعام (6) : آية 94] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

_ (1) ذكر ابن عطية (2/ 323) بنحوه. (2) أخرجه ابن ماجه (2/ 1423- 1424) كتاب «الزهد» ، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (4262) من حديث أبي هريرة. وقال البوصيري في «الزوائد» (3/ 310- 311) : هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... الآية: هذه حكايةٌ عما يقالُ لهم بعد قَبْض أرواحهم، واعلم أيها الأخُ أنَّ هذه الآية الكريمةَ ونَحْوَها من الآيِ، وإن كان مساقها في الكُفَّار، فللمؤمن الموقِنِ فيها مُعْتَبَرٌ ومزدَجَر، وقد قيل: إن القبر بحْرُ النداماتِ، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أحد يموت إلا ندم» ، قالوا: وما ندامته، يا رسول الله؟ قال: «إن كان محسنا، ندم ألا يكون ازداد، وإن كَانَ مُسِيئاً، نَدِمَ أَلاَّ يَكُونَ نَزَعَ» «1» . انتهى. وكَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ: تشبيهاً بالاِنفراد الأول في وقت الخلقة، وخَوَّلْناكُمْ، معناه: أعطيناكم، ووَراءَ ظُهُورِكُمْ: إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجوداً. وقوله سبحانه: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ: توقيفٌ على الخطإ في عبادة الأصنام، واعتقادهم أنها تشفع وتُقَرِّب إلى اللَّه زلفى، قال «2» أبو حَيَّان: وَما نَرى: لفظه لفظُ المستقبلِ، وهو حكاية حال. انتهى. وقرأ نافع «3» والكسائي: «بَيْنَكُمْ» - بالنصب- على أنه ظرْفٌ، والتقدير: لقد تقطَّع الاِتصال والاِرتباطُ بينكم، ونحْوُ هذا، وهذا وجهٌ واضحٌ وعليه فسَّره الناس مجاهد وغيره «4» ، وقرأ باقي السَّبْعة: «بَيْنُكُمْ» - بالرفع-، وقرأ ابن مسعود «5» وغيره: «لقد تقطّع ما بينكم» ، وضَلَّ، معناه: تلف وذهب، وما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، يريد: دعواهم أنها تشفَعُ، وأنها تشاركُ اللَّه في الألوهيَّة، تعالى اللَّه عن قولهم.

_ (1) تقدم تخريجه. (2) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 190) . (3) وهي حفص عن عاصم، واستدلوا بقراءة ابن مسعود الآتية: «لقد تقطع ما بينكم» . ينظر: «السبعة» (263) ، و «الحجة» (3/ 357) ، و «إعراب القراءات» (1/ 164) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 371) ، و «حجة القراءات» (261) ، و «العنوان» (92) ، و «شرح الطيبة» (4/ 264) ، و «إتحاف» (2/ 22) . (4) أخرجه الطبري (5/ 274) رقم (13578، 13579) بنحوه، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 60) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد بنحوه. (5) ينظر: «الشواذ» (ص 44) ، و «الكشاف» (2/ 47) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 325) وزاد نسبتها إلى مجاهد والأعمش، وينظر: «البحر المحيط» (4/ 186) ، و «الدر المصون» (3/ 128) ، و «التخريجات النحوية والصرفية لقراءة الأعمش» (ص 365) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 95 إلى 97]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 97] إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، هذا ابتداءُ تنبيهٍ على العبرة والنظَرِ، ويتصلُ المعنى بما قبله لأن المقصد أنَّ اللَّه فالقُ الحبِّ والنوى لا هذه الأصنامُ، قال قتادة وغيره: هذه إشارة إلى فعل اللَّه سبحانه في أنّ يشُقَّ جميع الحَبِّ عن جميع النباتِ الذي يكُونُ منه، ويشُقُّ النوى عن جميع الأشجار الكائِنَة مِنه «1» . وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... الآية: قال ابن عباس وغيره: الإشارة إلى إخراج الإنسان الحيِّ من النطفة الميِّتة، وإخراج النطفة الميِّتة من الإنسان الحيِّ «2» ، وكذلك سائرُ الحيوان من الطَّير وغيره، وهذا القول أرجح ما قيل هنا. وقوله سبحانه: ذلِكُمُ اللَّهُ ابتداء وخبَرٌ متضمِّن التنبيه، فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، أي: تصرفون وتصدّون، وفالِقُ الْإِصْباحِ، أي: شاقّه ومظهره، والفلق: الصبح، وحُسْباناً: جمع حسابٍ، أي: يجريان بحسَابٍ، هذا قول ابنِ عباس «3» وغيره، وقال مجاهد «4» في «صحيح البخاريِّ» : المرادُ بحُسْبَان كحسبان الرحى، وهو الدَّوْلاَب والعُودُ الذي عليه دَوَرانه. وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... الآية: هذه المخاطبةُ تعمُّ المؤمنين والكافرين، والحُجَّةُ بها على الكافرين قائمةٌ، والعبرة بها للمؤمنين متمكّنة. [سورة الأنعام (6) : الآيات 98 الى 99] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 275) رقم (13586) ، بنحوه، وذكره البغوي (2/ 117) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 325) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 61) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة بنحوه. (2) أخرجه الطبري (5/ 277) برقم (13598) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 325) . [.....] (3) أخرجه الطبري (5/ 279) رقم (13609، 13610) بنحوه وذكره ابن عطية (2/ 326) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 62) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس بنحوه. (4) ذكره ابن عطية (2/ 326) .

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، يريد: آدم- عليه السلام-، فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، اختلف المتأوِّلون في معنى هذا الاستقرارِ والاِستيداعِ. فقال الجمهور: مستقَرٌّ في الرحِمِ، ومستودَعٌ في ظهور الآباءِ حتى يَقْضِيَ/ اللَّه بخروجهم، قال ابنُ عَوْن: مشَيْتُ إلى منزل إبراهيمَ النَّخَعيِّ وهو مريضٌ، فقالوا: قد تُوُفِّيَ، فأخبرني بعضهم أنَّ عبد الرحمن بْنَ الأسود سأله عن: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، فقال: مستقرٌّ في الرحِمِ، ومستودع في الصُّلْبِ «1» ، وقال ابن عباس: المستقرُّ: الأرض، والمستودَعُ: عند الرحمن «2» ، وقال ابن جُبَيْر: المستودَعُ: في الصلب، والمستقَرُّ في الآخرة «3» ، قال الفَخْر: والمنقول عن ابن عباس في أكثر الرواياتِ أن المستقرَّ هو الأرحام، والمستودَعُ الأصلاب «4» ، ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ [الحج: 5] ومما يدلُّ على قوة هذا القولِ أنَّ النطفة لا تبقى في صُلْب الأب زماناً طويلاً، والجنينُ في رَحِمِ الأم يبقى زماناً طويلاً، ولما كان المُكْث في الرحمِ أكثر مما في صُلْب الأب، كان حمل الاستقرارِ على المُكْث في الرحمِ أولَى. انتهى. قال ع «5» : والذي يقتضيه النظر أنَّ ابن آدم هو مستودَعٌ في ظهر أبيه، وليس بمستقِرٍّ فيه استقرارا مطلقاً لأنه يتنقَّل لا محالة، ثم ينتقلُ إلى الرحِمِ، ثم ينتقل إلى الدنيا، ثم ينتقلُ إلى القبر، ثم ينتقلُ إلى المَحْشَر، ثم ينتقلُ إلى الجَنَّة أو النار، فيستقرُّ في أحدهما استقرارا مطلقاً، وليس فيها مستودَعٌ لأنه لا نُقْلَة له بَعْدُ، وهو في كلِّ رتبة متوسِّطة بين هذين الطرفَيْن مُسْتَقِرٌّ بالإضافة إلى التي قبلها، ومستودَعٌ بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعةِ يقتضي فيها نُقْلة، ولا بُدَّ. وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ،

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 285) برقم (13654) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 327) . (2) أخرجه الطبري (5/ 282) برقم (13627) ، وذكره ابن عطية (2/ 327) . (3) أخرجه الطبري (5/ 283) برقم (13630) ، وذكره ابن عطية (2/ 327) . (4) أخرجه الطبري (5/ 283، 284) رقم (13638، 13639) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 66) ، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم عن ابن عباس بنحوه. (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 327) .

السَّماءِ في هذا الموضع: السحابُ، وكلُّ ما أظلَّك فَهُو سماءٌ، وقوله: نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ، قيل: معناه: ممَّا ينبتُ، وقال الطبريُّ «1» : المراد ب كُلِّ شَيْءٍ: كلُّ ما ينمو مِنْ جميع الحيوان والنباتِ والمعادِنِ، وغير ذلك لأن ذلك كله يتعذى وينمو بنزولِ الماء من السماءِ، والضمير في مِنْهُ يعود على النباتِ، وفي الثاني يعود على الخضر، وخَضِراً: بمعنى: أَخْضَر ومنه قوله- عليه السلام-: «الدُّنْيَا خَضِرَةً حُلْوَةٌ» «2» ، بمعنى: خضراء وكأن خَضِراً إنما يأتي أبداً لمعنى النَّضَارة، وليس لِلَّوْن فيه مدخلٌ، وأخضر إنما تمكُّنه في اللون، وهو في النّضارة تجوّز، وحَبًّا مُتَراكِباً: يعم جميع السنابلِ وما شاكَلَها كالصَّنَوْبر، والرُّمَّان، وغيرِ ذلك. وقوله: وَمِنَ النَّخْلِ، تقديره: ونُخْرِجُ مِنَ النخلِ والطَّلْعِ أولَ ما يخرج من النّخل، في أكمامه، وقِنْوانٌ: جمع قِنْو، وهو العِذْق- بكسر العين-، وهي الكِبَاسَةُ، والعُرْجُونُ: عوده الذي فيه ينتظمُ التمر، ودانِيَةٌ: معناه: قريبةٌ من التناول قاله ابن عباس «3» وغيره. وقرأ الجمهور: «وجَنَّاتٍ» - بالنصب- عطفاً على قوله: «نَبَاتَ» ، وروي عن «4» عاصم: «وجَنَّاتٌ» - بالرفع- على تقدير: ولكُمْ جناتٌ أو نحو هذا، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ- بالنصب إجماعاً- عطفاً على قوله: «حبّا» ، ومُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ، قال قتادة: معناه يتشابه في الوَرَقِ ويتبايَنُ في الثَّمَرِ «5» ، وقال الطبريُّ «6» : جائز أن يتشابه في الثَّمَر ويتبايَنُ في الطَّعْم، ويحتمل أن يريد يتشابه في الطَّعْمِ ويتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 287) . (2) تقدم تخريجه. (3) أخرجه الطبري (5/ 288) برقم (13666) ، وذكره ابن عطية (2/ 228) ، وابن كثير (2/ 159) ، والسيوطي (3/ 67) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. (4) ينظر: «حجة القراءات» (264) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 328) ، وزاد نسبتها إلى محمد بن أبي ليلى، والأعمش. وينظر: «البحر المحيط» (4/ 193) ، و «الدر المصون» (2/ 140) ، و «التخريجات النحوية» (ص 200) . (5) أخرجه الطبري (5/ 289) برقم (13674) ، وذكره البغوي (2/ 118) ، وابن عطية (2/ 228) ، وابن كثير (2/ 159) ، والسيوطي (3/ 67) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة. (6) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 289) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 100 إلى 102]

بالاعتبار في أنواع الثمرات. وقوله سبحانه: انْظُرُوا، وهو نظرُ بَصَرٍ تتركَّب عليه فكرةُ قَلْبٍ، «والثمر» في اللغة: جَنَى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر: ثماراً، فبتجوُّز، وقرأ جمهور «1» الناس: وَيَنْعِهِ- بفتح الياء-، وهو مصدر يَنَعَ يَيْنَعُ إذا نَضِجَ، وبالنُّضْج فسره ابن «2» عباس، وقد يستعمل «يَنَعَ» بمعنى استقل واخضر ناضراً، قال الفخر «3» : وقدَّم سبحانه الزَّرع لأنه غذاء، والثِّمار فواكهٌ وإنما قدَّم النخل على الفواكِهِ لأن التمر يجرِي مجرى الغذاءِ/ بالنسبة إلى العرب. انتهى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 100 الى 102] وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى صيّروا، والْجِنَّ: مفعول، وشُرَكاءَ مفعولٌ ثانٍ. قال ص: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ: جَعَلُوا: بمعنى: صَيَّروا، والجمهورُ على نَصْب «الجنِّ» ، فقال ابن عطيَّة «4» وغيره: هو مفعولٌ أول ل جَعَلُوا، وشُرَكاءَ الثاني، وجوَّزوا فيه أن يكون بدلاً من شُرَكاءَ، ولِلَّهِ في موضع المفعول الثاني، وشُرَكاءَ الأول، وردَّه أبو حَيَّان «5» بأن البدل حينئذ لا يَصحُّ أن يحل محلَّ المبدل منه إذ لو قلْتَ: وجعلوا للَّه الجنَّ، لم يصحَّ، وشرط البدل أنْ يكون على نيَّة تكرار العامل على الأشهر، أو معمولاً للعاملِ، في المُبْدَلِ منه على قول، وهذا لا يصحُّ كما ذكرنا، قلْتُ: وفيه نظر. انتهى، قلتُ: وما قاله الشيخُ أبو حَيَّان عندي ظاهرٌ، وفي نظر الصَّفَاقُسِيِّ نَظَرٌ، وهذه الآية مشيرة إلى العادِلِينَ باللَّه تعالى، والقائلين: إن الجنَّ تعلم الغيْبَ، العابدين للجنِّ، وكانت طوائفُ من العرب تفعَلُ ذلك، وتستجير بجِنِّ الوادِي

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 328) ، و «البحر المحيط» (4/ 195) ، و «الدر المصون» (2/ 143) . [.....] (2) أخرجه الطبري (5/ 290) برقم (13677، 13678) ، وذكره ابن عطية (2/ 328) ، وابن كثير (2/ 159) ، والسيوطي (3/ 67) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس. (3) ينظر: «الرازي» (13/ 89) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 329) . (5) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 196) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 103 إلى 107]

في أسفارها ونحوِ هذا، وأما الذين خَرَقُوا البنين، فاليهود في ذكر عزيز، والنصارى في ذكر المسيحِ، وأما ذاكرو البناتِ، فالعربُ الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّه عن قولهم فكأنَّ الضمير في جَعَلُوا وخَرَقُوا لجميع الكفَّار إذ فَعَلَ بعضُهم هذا، وبعضُهم هذا، وبنحو هذا فسَّر السُّدِّيُّ وابن «1» زَيْد، وقرأ الجمهورُ «2» : «وَخلَقَهُمْ» - بفتح اللام- على معنى: وهو خلقهم، وفي مصحف ابنِ «3» مسعود: «وَهُوَ خَلَقَهُمْ» ، والضمير في خَلَقَهُمْ يَحْتَمِلُ العودَةَ على الجاعلين، ويحتملُها على المجْعُولِينَ، وقرأ السبعة «4» سوى نافعٍ: «وَخَرَقُوا» - بتخفيف الراء- بمعنى اختلقوا وافتروا، وقرأ نافع: «وَخَرَّقُوا» - بتشديد الراء- على المبالغة، وقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ نصٌّ على قُبْح تقحُّم المجهلة، وافتراء الباطل على عمى، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزَّه عن وصفهم الفاسدِ المستحيلِ عليه تبارك وتعالى، وبَدِيعُ: بمعنى: مبدع، وأَنَّى: بمعنى: كيف، وأين، فهي استفهام في معنى التوقيفِ والتقريرِ، وهذه الآيةُ ردٌّ على الكفار بقياس الغائِبِ على الشاهد. وقوله سبحانه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لفظٌ عامٌّ لكلِّ ما يجوز أن يدخل تحته، ولا يجوز أن تدخل تحته صفاتُ اللَّهِ تعالى، وكلامُهُ، فليس هو عموماً مخصَّصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصَّص هو أن يتناول العموم شيئاً، ثم يخرجه التخصيصُ، وهذا لم يتناولْ قطُّ هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قَوْلِ الإنسان: قَتَلْتُ كُلَّ فَارِسٍ، وأَفْحَمْتُ كُلَّ خَصْمٍ، فلم يدخلِ القائلُ قطُّ في هذا العمومِ الظاهرِ من لفظه، وأما قوله: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهو عمومٌ على الإطلاق لأنه سبحانه يعلم كلَّ شيء، لا ربَّ غيره، وباقي الآية بيّن. [سورة الأنعام (6) : الآيات 103 الى 107] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 292) برقم (13691) عن السدي، و (13692) عن ابن رشد، وذكره ابن عطية (2/ 329) ، وابن كثير (2/ 160) عن السدي، والسيوطي (3/ 68) ، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 329) . (3) ينظر السابق. (4) ومعنى القراءة بالتشديد أي: مرة بعد مرة، قال الزمخشري: وقرىء: وخرّقوا بالتشديد للتكثير لقوله: بَنِينَ وَبَناتٍ. ينظر: «الكشاف» (2/ 53) ، و «السبعة» (264) ، و «الحجة» (3/ 372) ، و «إعراب القراءات» (1/ 166) ، و «معاني القراءات» (1/ 376) ، و «العنوان» (92) ، و «شرح الطيبة» (4/ 266) ، و «شرح شعلة» (371) ، و «إتحاف» (2/ 25) .

وقوله سبحانه: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، أجمع أهلُ السنَّة على أن اللَّه عزَّ وجلَّ يرى يوم القيامة، يَرَاهُ المؤمنون، والوَجْه أنْ يبيَّن جواز ذلك عقلاً، ثم يستند إلى ورود السمعِ بوقوعِ ذلك الجائِزِ، واختصار تبْيِينِ ذلك: أنْ يعتبر بعلمنا باللَّه- عز وجل- فمن حيثُ جاز أنْ نعلمه لا في مكانٍ، ولا متحيِّزاً، ولا مُقَابَلاً، ولم يتعلَّق علمنا بأكثر من الوجودِ، جاز أن نراه غير مقابلٍ، ولا محاذًى، ولا مكيَّفاً، ولا محدَّداً، وكان الإمام أبو عبد اللَّه النحويُّ يقولُ: مسألةُ العِلْمِ حَلَقَتْ لِحَى المُعْتَزِلة، ثم ورد الشرْعُ بذلك/ كقوله عزَّ وجلَّ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] ، وتعدية النَّظَر ب «إلى» إنما هو في كلام العربِ لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهب إليه المعتزلة ومنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيما صحَّ عنه، وتواتر، وكثر نقله: «إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ» «1» ، ونحوه من الأحاديث الصحيحةِ علَى اختلاف ألفاظها، واستمحل «2» المعتزلةُ الرؤيةَ بآراءٍ مجرَّدةٍ، وتمسَّكوا بقوله تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وانفصال أهل السنَّة عن تمسُّكهم بأن الآية مخصُوصَةٌ في الدنيا «3» ، ورؤية الآخرة ثابتةٌ بأخبارها وأيضاً فإنا نَفْرُقُ بين معنى الإدراك، ومعنى الرؤية، ونقول: إنه عز وجل تراه الأبصار، ولا تدركه وذلك أن الإدراك يتضمَّن الإحاطة بالشيء، والوصولَ إلى أعماقِهِ وحَوْزِهِ من جميع جهاتِهِ، وذلك كلُّه محالٌ في أوصافِ اللَّه عزَّ وجلَّ، والرؤيةُ لا تفتقرُ إلى أنْ يحيطَ الرائي بالمرئيِّ، ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتَّب العَكْس في قوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، ويحسن معناه، ونحو هذا رُوِيَ عن ابن عباسٍ وقتادة وعطيَّة العَوْفِيِّ «4» أنهم فرقوا بين الرؤية والإدراك، واللَّطِيفُ: المتلطّف في خلقه واختراعه،

_ (1) أخرجه البخاري (8/ 462- 463) كتاب «التفسير» ، باب وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، حديث (4851) ، ومسلم (1/ 439- 440) كتاب «المساجد» ، باب فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (211، 212/ 633) من حديث جرير. (2) يعني: استبعد. ينظر: «لسان العرب» (4147، 4148) ، و «المعجم الوسيط» (863) . (3) تقدم الكلام على الرؤية مفصلا. (4) أخرجه الطبري (5/ 294) برقم (13698) عن ابن عباس (13699) عن قتادة (13700) عن عطية العوفي، وذكره البغوي (2/ 120) عن ابن عباس، وابن عطية (2/ 330) ، وابن كثير (2/ 161، 162) ، والسيوطي (3/ 69) ، وعزاه لابن جرير عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي الشيخ عن قتادة، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي، وعطية هذا هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي أبو الحسن-

والبَصَائِرُ: جمع بَصِيرة، فكأنه قال: قد جاءكم في القرآن والآياتِ طرائقُ إبصار الحقِّ، والبصيرةُ للقَلْبِ مستعارةٌ من إبصارِ العَيْن، والبصيرةُ أيضاً هي المعتقد. وقوله سبحانه: فَمَنْ أَبْصَرَ، ومَنْ عَمِيَ: عبارةٌ مستعارةٌ فيمن اهتدى، ومَنْ ضَلَّ، وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ- كان في أول الأمر وقَبْلَ ظهور الإسلام، ثم بعد ذلك كان صلّى الله عليه وسلّم حفيظاً على العَالَمِ، آخذاً لهم بالإسلام أو السيفِ. وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نردِّدها ونوضِّحها، وقرأ الجمهور «1» : «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» - بكسر اللام- على أنها لامُ كَيْ، وهي على هذا لامُ الصيرورة، أي: لَمَّا صار أمرهم إلى ذلك، وقرأ نافع وغيره: «دَرَسْتَ» ، أي: يا محمد دَرَسْتَ في الكتبِ القديمةِ ما تجيئُنا به، وقرأ ابن كثير وغيره: «دَارَسْتَ» ، أي: دارَسْتَ غيرك وناظرته، وقرأ ابن عامر: «دَرَسَتْ» - بإسناد الفعل إلى الآيات- كأنهم أشاروا إلى أنها تردَّدت على أسماعهم حتى بَلِيَتْ في نفوسهم، وامحت، واللام في قوله: لِيَقُولُوا، وفي قوله: وَلِنُبَيِّنَهُ: متعلِّقانِ بفعلِ متأخِّر، وتقديره: «صَرَّفْنَاهَا» ، وذهب بعض الكوفيِّين إلى أنَّ «لا» : مضمرةٌ بعد «أَنِ» المقدَّرةِ في قوله: وَلِيَقُولُوا، فتقدير الكلام عندهم: وَلأنْ لاَ يَقُولُوا دَرَسْتَ كما أضمروها في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: 176] . قال ع «2» : وهذا قَلِقٌ، ولا يجيز البصريُّون إضمار «لا» في موضعٍ من المواضعِ. قلت: ولكنه حسن جدًّا من جهة المعنى إذ لا يعلمون أنه دَرَسَ أو دارس أحدا صلّى الله عليه وسلّم، فتأمَّله. وقوله سبحانه: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ... الآية: هذه الآية فيها موادعة، وهي منسوخة.

_ - الكوفي، عن: أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وعنه: ابناه عمر، والحسن. ينظر: «الخلاصة» (2/ 233) . (1) ينظر: «السبعة» (264) ، و «الحجة للقراء السبعة» (3/ 372) ، و «إعراب القراءات» (1/ 166) ، و «معاني القراءات» (1/ 376) ، و «شرح الطيبة» (4/ 266) ، و «شرح شعلة» (372) ، و «حجة القراءات» (264) ، و «العنوان» (92) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 25) . [.....] (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 331) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 108 إلى 110]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... الآية: مخاطبة للمؤمنين والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس: سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ: إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه «1» ، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة/، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى سبّ الإسلام أو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو اللَّه عزَّ وجلَّ، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك على معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، وعَدْواً: مصدر من الاعتداء، وبِغَيْرِ عِلْمٍ: بيانٌ لمعنى الاعتداءِ. وقوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ... الآية: تتضمَّن وعداً جميلاً للمحسنين، ووعيداً ثقيلاً للمسيئين. وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها: اللام في قوله: لَئِنْ لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله: لَيُؤْمِنُنَّ بِها، وآيَةٌ: يريد: علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: 4] ، أقسموا حينئذٍ أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَباً، وأقسموا على ذلك، فقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له: إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَباً، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتى يتوبَ تائبهم، فقال- عليه الصلاة والسلام-: بل حتّى يتوب تائبهم «2» ، ونزلت الآية.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 304) برقم (13742) ، وذكره البغوي (2/ 121) ، وابن عطية (2/ 332) ، وابن كثير (2/ 164) ، والسيوطي (3/ 71) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (5/ 306) عن محمد بن كعب القرظي به. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 72) ، وعزاه لابن جرير.

قال ابنُ العربيِّ: قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، يعني: غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. انتهى من «الأحكام» . ثم قال تعالى: قل لهم، يا محمَّد على جهة الردِّ والتخطئةِ: إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال: وَما يُشْعِرُكُمْ، قال مجاهدٌ: وابن زيد: المخاطَبُ بهذا الكفَّار «1» ، وقال الفَرَّاء وغيره: المخاطَبُ بهذا المؤمنون، وَما يُشْعِرُكُمْ: معناه: وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير «2» وغيره: «إنَّهَا» - بكسر الألف-، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ «تُؤْمِنُونَ» «3» - بالتاء-، وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبةُ، أولاً وآخراً، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ. وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولاً وآخراً، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره: «أَنَّهَا» - بفتح الألف-، فقيل: إنَّ «لا» زائدةٌ في قوله: لاَ يُؤْمِنُونَ كما زيدَتْ في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: 95] ، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنى، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذراً للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ «لا» ، ومنهم مَنْ جعل أَنَّها بمعنى لَعَلَّها، وحكاه سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، «لا» ، وحكى الكسائيُّ: أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ» ، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون «لا» زائدةً، وبسط شواهده في ذلك. وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فالمعنى على ما قالت فرقة: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم استأنف على هذا: ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة: إنما المراد بالتقْلِيبِ التّحويل عن الحقّ والهدى والتّرك في

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 306) برقم (13748) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (2/ 333) ، والسيوطي (3/ 72) وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد. (2) ينظر: «السبعة» (265) ، و «الحجة» (3/ 375) ، و «إعراب القراءات» (1/ 167) ، و «معاني القراءات» (1/ 378) ، و «حجة القراءات» (265) ، و «شرح الطيبة» (4/ 268) ، و «العنوان» (92) ، و «شرح شعلة» (372) ، و «إتحاف» (2/ 26) . (3) ينظر: «السبعة» (265) ، و «الحجة» (3/ 382) ، و «إعراب القراءات» (1/ 167) ، و «معاني القراءات» (1/ 379) ، و «حجة القراءات» (267) ، و «العنوان» (92) ، و «شرح الطيبة» (4/ 268) ، و «شرح شعلة» (373) ، و «إتحاف» (2/ 26) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 111 إلى 112]

الضلالةِ والكُفْر، ومعنى الآية: أن هؤلاء الذين أقسموا أنَّهم يؤمنُون إنْ جاءت آية- نحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم أنْ لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا أولَ مرَّة بما دُعُوا إلَيْه من عبادة اللَّه تعالى، فأخبر اللَّه عزَّ وجلَّ على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقالتْ فرقة: قوله: كَما في هذه الآية: إنما هي بمعنى المجازاة، أي: لما لم يؤمنوا أولَ مرَّة، نجازيهم، بأنْ نقلِّب أفئدتهم عن الهدى، ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال: ونحْنُ نقلِّب أفئدتهم وأبصارهم، جَزَاءً لِمَا لم يؤمنوا أول مرة بما دُعُوا إلَيْه من الشرع، والضميرُ في بِهِ يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أو على القرآن، أو على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَنَذَرُهُمْ: معناه: نتركُهم، والطغيانُ: التخبُّط في الشرِّ، والإفراط فيما يتناوله المرء، ويَعْمَهُونَ: معناه: يتردّدون في حيرتهم. [سورة الأنعام (6) : الآيات 111 الى 112] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ... الآية: أخبر سبحانه أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه مِنْ إنزال ملائكةٍ وإحياءِ سلفهم حَسْبما اقترحه بعضُهم أنْ يُحْشَرَ قُصَيٌّ وغيره، فيخبر بصدْقِ محمَّد- عليه السلام-، أو يحشر عليهم كلُّ شيء قُبُلاً- ما آمنوا إلا بالمشيئةِ واللُّطْفِ الذي يخلقه ويَخْتَرِعُه سبحانه في نفْسِ مَنْ يشاء، لا ربَّ غيره. وقرأ نافع «1» وغيره: «قبلاً» ، ومعناه مواجهةً ومعاينةً قاله ابن عباس «2» وغيره، ونصبه علَى الحالِ، وقال المبرِّد: معناه: ناحيةً كما تقول: لِي قِبَلَ فلانٍ دَيْنٌ. قال ع «3» : فنصبه على هذا: هو على الظرفِ، وقرأ حمزة «4» وغيره: «قبلا» - بضمّ

_ (1) ينظر: «السبعة» (265- 266) ، و «الحجة» (3/ 383- 387) ، و «إعراب القراءات» (1/ 167) ، و «معاني القراءات» (1/ 380) ، و «حجة القراءات» (267) ، و «شرح الطيبة» (4/ 269) ، و «العنوان» (92) ، و «شرح شعلة» (374) ، و «إتحاف» (2/ 27) . (2) أخرجه الطبري (5/ 312) برقم (13761) ، وذكره ابن عطية (2/ 335) ، وابن كثير (2/ 165) ، والسيوطي (3/ 73) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 335) . (4) ينظر مصادر القراءات السابق.

القافِ والباءِ-، واختلف في معناه، فقال بعضهم: هو بمعنى «قِبَل» بكسر القافِ، أي: مواجهةً كما تقول: قُبُل ودُبُر. وقال الزَّجَّاج والفَرَّاء: هو جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الكفيل، أي وحشرنا عليهم كلّ شيء كفلاء بصدق محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال مجاهد وغيره: هو جمع قَبِيلٍ، أي: صنفاً صنفاً، ونوعاً نوعاً «1» ، والنصب في هذا كلّه على الحالة، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: يجهلون في اعتقادهم أن الآية تقتَضِي إيمانهم، ولا بُدَّ، فيقتضي اللفظ أنَّ الأقلَّ لا يجهل، فكان فيهم من يعتقد أنَّ الآية لو جاءت لم يُؤْمِنْ إلا مَنْ شاء اللَّه منه ذلك، قُلْتُ: وقال مكِّيٌّ: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، أي: في مخالَفَتِكَ، وهم يعلمون أنَّك نبيٌّ صادقٌ فيما جئتهم به، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ يُدَاعِبُ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ الفَتْحِ بِمِخْصَرَةٍ فِي يَدِهِ، وَيَطْعُنُ بِهَا أَبَا سُفْيَانَ، فَإذَا أحرقته، قال: نحّ عنّي مخصرتك، فو الله، لَوْ أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَسْلَمْتَ لَهُ، قِتَالُكَ إيَّايَ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو/ سُفْيَانَ: تَظُنُّ أَنِّي كُنْتُ أُقَاتِلُكَ تَكْذِيباً مِنِّي لَكَ، وَاللَّهِ، مَا شَكَكْتُ فِي صَدْقِكَ قَطُّ، وَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُكَ إلاَّ حَسَداً مِنِّي لَكَ، فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَعَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي، فَكَانَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَشْتَهِي ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَتَبَسَّمُ» . انتهى من «الهداية» . وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... الآيةَ: تتضمَّن تسلية النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعَرْضَ القُدْوة عليه، أي: هذا الذي امتحنت به، يا محمَّد، مِن الأعداء قد امتحن به غَيْرُك من الأنبياء ليبتليَ اللَّه أُولِي العزم منهم، وشَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ: يريد: المتمردين من النوعين، ويُوحِي: معناه: يلقيه في اختفاء، فهو كالمناجاةِ والسِّرَارِ، وزُخْرُفَ الْقَوْلِ: محسَّنه ومُزَيَّنه بالأباطيل قاله عكرمة ومجاهد «2» ، والزخرفة أكثر ما تستعملُ في الشرِّ والباطل، وغُرُوراً: مصدرٌ، ومعناه يغرُّون به المضلَّلين، والضمير في فَعَلُوهُ عائدٌ على اعتقادهم العداوةَ، ويحتملُ على «الوحْيِ» الذي تضمَّنه يُوحِي. وقوله سبحانه: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ: لفظٌ يتضمَّن الأمر بالموادعة، وهو منسوخ

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 312، 313) برقم (13764، 13765) ، وذكره ابن عطية (2/ 335) ، وابن كثير (2/ 165) ، والسيوطي (3/ 73) وعزاه لأبي الشيخ عن مجاهد. (2) أخرجه الطبري (5/ 315، 316) برقم (13778) عن عكرمة، وبرقم (13780، 13781) عن مجاهد، وذكره ابن عطية (2/ 336) ، والسيوطي (3/ 74) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي نصر السجزي في «الإبانة» ، وأبي الشيخ عن مجاهد.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 113 إلى 115]

قال قتادة: كُلُّ «ذَرْ» في كتاب اللَّه- منسوخ بالقتال «1» . [سورة الأنعام (6) : الآيات 113 الى 115] وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وقوله سبحانه: وَلِتَصْغى: معناه: لِتَمِيلَ، قال «2» الفَخْر: والضميرُ في قوله: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ- يعود على زُخْرفِ القولِ، وكذلك في قوله: وَلِيَرْضَوْهُ والاقترافُ: معناه الاكتساب. وقال الزجّاج: ولِيَقْتَرِفُوا، أي: يختلقوا ويَكْذِبوا، والأول أفصحُ. انتهى. والقُرَّاء على كسر اللامِ في الثلاثةِ الأفعالِ على أنها لام كي معطوفة على غرورا وحَكَماً أبلغُ من حاكِمٍ إذ هي صيغةٌ للعَدْلِ من الحكام، والحاكم جَارٍ على الفعل، فقَدْ يقال للجائر، ومُفَصَّلًا: معناه: مزالُ الإشكال، والكتاب أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنسٍ للتوراةِ والإنجيلِ والزبورِ والصُّحُفِ. وقوله تعالى: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: تثبيتٌ ومبالغةٌ وطَعْنٌ على الممترين. قلتُ: وقد تقدَّم التنبيه على أنه صلّى الله عليه وسلّم مَعْصُومٌ، وأنَّ الخطاب له، والمراد غيره ممَّنْ يمكن منه الشّكّ. وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ... الآية: تَمَّتْ في هذا الموضع: بمعنى: استمرت وصحَّتْ في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمامٍ مِنْ نقصٍ، ومثله ما وقَع في كتب «السِّيرة» مِنْ قولهم: وتَمَّ حَمْزَةُ على إسْلاَمِهِ، في الحديثِ مع أبي جهل، والكلمات: ما أنزل على عباده، ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ: معناه: في معانيها. [سورة الأنعام (6) : الآيات 116 الى 118] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 336) . (2) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 129) . [.....]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 119 إلى 121]

وقوله سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى: فامض، يا محمَّد لما أُمِرْتَ به، وبلِّغ ما أُرْسِلْتَ به، فإنك إنْ تطع أكثر من في الأرض يضلُّوك، قال ابنُ عباس «1» : الأرض هنا: الدنيا، وحُكِي أنَّ سبب هذه الآية أنَّ المشركين جادلوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أمر الذبائحِ، وقالوا: أتأكُلُ ما تقتُلُ، وتترُكُ ما قَتَلَ اللَّه، فنزلَتِ الآية، ثم وصفهم تعالى بأنهم إنما يقتدون بظنونهم ويتَّبعون تخرُّصهم، والخَرْصُ: الحَرْز والظنُّ، وهذه الآية/ خبر في ضمْنه وعيدٌ للضالِّين، ووعدٌ للمهتدين، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ ... الآية: القصْد بهذه الآية النهْيُ عما ذبح للنُّصُب وغيرها، وعن الميتة وأنواعها، ولا قصد في الآية إلى ما نَسِيَ المؤمن فيه التسميَة أو تعمّدها بالترك. [سورة الأنعام (6) : الآيات 119 الى 121] وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) وقوله سبحانه: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا ... الآية: «ما» : استفهام يتضمَّن التقريرَ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أي: فصَّل الحرامَ من الحلالِ، وانتزعه بالبيانِ، و «ما» في قوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، يريد بها: مِنْ جميع ما حَرَّم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نَصْب بالاستثناء، والاستثناءُ منقطعٌ. وقوله سبحانه: وَإِنَّ كَثِيراً يريد الكفرة المحادِّين المجادلين، ثم توعَّدهم سبحانه بقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ. وقوله جلَّت عظمته: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ- نهْيٌ عامٌّ، والظاهرُ والباطنُ: يستوفيان جميع المعاصي، وقال قوم: الظاهر: الأعمالُ، والباطنُ: المعتَقَد، وهذا أيضاً حسن لأنه عامٌّ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده، عن أبي أُمَامة، قال: سأل رجل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: مَا الإثْمُ؟ قَالَ: «مَا حَكَّ فِي صَدْرِكَ، فَدَعْهُ» «2» ، وروى ابن المبارك أيضاً بسنده أنَّ رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 338) . (2) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 284) رقم (825) .

فَرَدَّ عَلَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْكُتُ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ» فَقَالَ: أَنَا ذَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ، فَدَعْهُ» «1» . انتهى، وقد ذكرنا معناه مِنْ طرُقٍ في غير هذا الموضعِ، فأغنى عن إعادته. ثم توعَّد تعالى كَسَبَةَ الإثمِ بالمجازاةِ على ما اكتسبوه من ذلك، والاقتراف: الاكتساب. وقوله سبحانه: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ... الآية: مقصد الآية النهْيُ عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين: تَتْرُكُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ، ومع ذلك، فلفظها يعمُّ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه من ذبائِحِ الإسلام «2» ، وبهذا العمومِ تعلَّق ابن عمر وابنُ سيرينَ والشَّعْبِيُّ وغيرهم فقالوا: ما تُرِكَتِ التسميةُ علَيْه، لم يؤكَلْ، عمدا كان أو نسيانا «3» ، وجمهورُ العلماء على أنه يؤكل إن كان تركُها نسياناً بخلاف العَمْدِ، وقيل: يؤكل، سواءٌ تركَتْ عمداً أو نسياناً، إلا أنْ يكون مستخِفًّا. وقوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ ... الآية: قال عكرمة: هم مردة الإنس من مجوس

_ (1) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 283- 284) رقم (824) . (2) أجمع الفقهاء على مشروعية التسمية عند الذبح، وعند الإرسال: والرمي إلى الصيد. ولكنهم اختلفوا في كونها شرطا في حل الأكل: فذهب الشافعي وأصحابه إلى أنها سنة، فلو تركها عمدا أو سهوا، حل الصيد والذبيحة. وهي رواية عن «مالك» ، و «أحمد» . وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، وسعيد بن المسيب والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، وأبي عياض، وأبي رافع، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وقتادة. وذهب أبو حنيفة- رحمه الله تعالى- إلى أن التسمية شرط للإباحة مع الذكر دون النسيان، فإن تركها عمدا، فالذبيحة ميتة. وهو مذهب جماهير العلماء، والصحيح من مذهب مالك- رضي الله عنه-، والمشهور عن أحمد في الذبيحة. وقال أهل الظاهر: إن تركها عمدا، أو سهوا لم يحل. وهو الصحيح عن أحمد في الصيد. وروي عن ابن سيرين، وعبد الله بن عياش، وعبد الله بن عمر، ونافع، وعبد الله بن يزيد الخطمي، والشعبي، وأبي ثور. ينظر: «الزكاة» ، لشيخنا عبد الله حمزة. (3) أخرجه الطبري (5/ 329) عن ابن سيرين برقم (13832) ، وذكره البغوي (2/ 127) ، وابن عطية (2/ 340) ، وابن كثير (2/ 169) والسيوطي (3/ 80) ، وعزاه لعبد بن حميد، عن محمد بن سيرين.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 122 إلى 124]

فَارِس «1» ، وذلك أنهم كانوا يوالُونَ قُرَيْشاً على عداوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من قريش لِيُجادِلُوكُمْ بقولهم: تأكلون ما قَتَلْتُمْ ولا تأكلون ما قَتَلَ اللَّه فذلك من مخاطبتهمْ هو الوحْيُ، والأولياء هم قريشٌ، وقال ابن زَيْد وعبد اللَّه بن كثير: بل الشياطينِ الجِنُّ، واللفظة على وجْهها، وأولياؤهم: كَفَرة قريش، ووحْيُهم بالوسوسة، وعلى ألسنة الكُهَّان. ثم نهى سبحانه عن طاعتهم بلفظ يتضمَّن الوعيدَ وعرض أصعب مثالٍ في أن يشبه المؤمن بالمُشْرك، قال ابن العربيِّ «2» : قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ، سمَّى اللَّه تعالى ما يقع في القلوبِ من الإلهام وحياً/، وهذا مما يطلقه شيوخُ المتصوِّفة، وينكره جُهَّال المتوسِّمين بالعلْمِ، ولم يعلموا أن الوحْيَ على ثمانيةِ أقسامٍ، وأن إطلاقه في جميعها جائزٌ في دِينِ اللَّه. انتهى من «أحكام القرآن» . [سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 124] أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (123) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124) وقوله سبحانه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، لما تقدَّم ذكْر المؤمنين، وذكْر الكافرين، مثَّل سبحانه في الطائفتين بأنْ شَبَّه الذين آمنوا بَعْد كفرهم بأمواتٍ أُحْيُوا، هذا معنى قول ابن عباس «3» ومجاهد وغيرهما، وشَبَّه الكافرين وحَيْرَةَ جهلهم بقَوْمٍ في ظلمات يتردَّدون فيها، ولا يمكنهم الخروجُ منها ليبيِّن عزَّ وجلَّ الفرق بيْنَ الطائفتَيْن، والبَوْن «4» بين المنزلتين، ونُوراً أمكن ما يعني به الإيمان، قيل: ويحتمل أن يراد به النُّور الذي يُؤْتَاهُ المؤمن يوم القيامة، وجَعَلْنا في هذه الآية: بمعنى صيّرنا، فهي تتعدّى إلى

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 340) . (2) ينظر: «أحكام القرآن» (2/ 747) . (3) أخرجه الطبري (5/ 332) برقم (13843، 13844، 13845) عن مجاهد وبرقم (13846، 13847) عن ابن عباس، وبرقم (13849) عن السدي، وبرقم (13850) عن ابن زيد، وذكره ابن عطية (2/ 341) ، والسيوطي (3/ 81) وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن مجاهد. (4) البون والبون: مسافة ما بين الشيئين. ينظر: «لسان العرب» (391) .

مفعولَيْن، الأول: مُجْرِمِيها، والثاني: أَكابِرَ، وفي الكلام على هذا: تقديمٌ وتأخير، وتقديره: وكذلك جعلنا في كلِّ قريةٍ مجرميها أَكَابِرَ، وقدَّم الأهمَّ إذ لعلَّة كِبْرهم أجرموا، ويصح أن يكون المفعولُ الأول: «أكابر» ، و «مجرميها» «1» مضافٌ، والمفعولُ الثاني: في قوله: فِي كُلِّ قَرْيَةٍ، ولِيَمْكُرُوا: نصب بلامِ الصيرورةِ والأكابر: جمع أكْبَر كما الأفاضلُ جمع أفْضَل، قال الفَخْر «2» : وإنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل

_ (1) اختلف في تقديرهما، والصحيح: أن يكون «في كلّ قرية» مفعولا ثانيا قدم على الأول، والأول «أكابر» مضافا ل «مجرميها» . والثاني: أن يكون «في كلّ قرية» مفعولا ثانيا أيضا مقدما، و «أكابر» هو الأول، و «مجرميها» بدل من «أكابر» ذكر ذلك أبو البقاء. الثالث: أن يكون «أكابر» مفعولا ثانيا قدم، و «مجرميها» مفعول أول آخر، والتقدير: جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر- فيتعلق الجار بنفس الفعل قبله، ذكر ذلك ابن عطية. قال الشيخ: «وما أجازاه- يعني أبا البقاء وابن عطية- خطأ وذهول عن قاعدة نحوية، وهو أن «أفعل» التفضيل إذا كان ب «من» ملفوظا بها أو مقدرة، أو مضافة إلى نكرة كانت مفردة مذكرة على كل حال، سواء كانت لمذكر أم مؤنث مفرد أو مثنى أم مجموع. وإذا ثنيت أو جمعت أو أنثت، طابقت ما هي له، ولزمها أحد أمرين: إمّا الألف واللام، وإمّا الإضافة لمعرفة. وإذا تقرر ذلك، فالقول بكون «مجرميها» بدلا، وبكونه مفعولا أول، و «أكابر» مفعول ثان خطأ، لاستلزام أن يبقى «أكابر» مجموعا، وليست فيه ألف ولام، ولا هي مضافة لمعرفة. قال: وقد تنبه الكرماني إلى هذه القاعدة فقال: «أضاف «أكابر» إلى «مجرميها» لأن «أفعل» لا يجمع إلّا مع الألف واللام، أو مع الإضافة» . قال الشيخ: وكان ينبغي أن يقيد بالإضافة إلى معرفة. قلت: أما هذه القاعدة فمسلمة ولكن قد ذكر مكي ما ذكر ابن عطية سواء، وما أظنه أخذ إلّا منه، وكذلك الواحدي أيضا، ومنع أن يجوز إضافة «أكابر» إلى «مجرميها» . قال الواحدي- رحمه الله-: «والآية على التقديم والتأخير، تقديره: جعلنا مجرميها أكابر، ولا يجوز أن يكون «الأكابر» مضافة، لأنه لا يتم المعنى، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل، لأنك إذا قلت: جعلت زيدا، وسكت، لم يفد الكلام حتّى تقول: رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك، ولأنك إذا أضفت «الأكابر» فقد أضفت النعت إلى المنعوت، وذلك لا يجوز عند البصريين» . قلت: هذان الوجهان اللذان ردّ بهما الواحدي ليسا بشيء. أما الأول فلا نسلم أنا نضمر المفعول الثاني، وأنه يصير الكلام غير مفيد، وما أورده من الأمثلة فليس مطابقا، لأنا نقول: إنّ المفعول الثاني هنا مذكور مصرح، وهو الجار والمجرور السابق. وأما الثاني فلا نسلم أنه من باب إضافة الصفة لموصوفها، لأن المجرمين: أكابر، وأصاغر، فأضاف للبيان، لا لقصد الوصف. الرابع: أن المفعول الثاني محذوف. قالوا: وتقديره: جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها فسّاقا ليمكروا. وهذا ليس بشيء لأنه لا يحذف شيء، إلا الدليل، والدليل على ما ذكروه غير واضح. وقال ابن عطية: ويقال: أكابرة، كما يقال: أحمر وأحامرة. ينظر: «الدر المصون» (3/ 171- 172) . (2) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 143) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 125 إلى 129]

رياستهم أقْدَرُ على الغَدْرِ والمَكْرِ ورُكُوبِ الباطلِ من غيرهم ولأن كثرة المال والجاه يَحْمِلاَنِ الإنسان على المبالغةِ في حِفْظهما وذلك الحِفْظُ لا يتمُّ إلا بجميع الأخلاق الذميمةِ كالغَدْر والمَكْر والكَذِب والغِيبة والنَّميمة والأَيْمَان الكاذبة ولو لم يكن للمالِ والجاهِ سوى أنَّ اللَّه تعالى حَكَم بأنه إنما وصفَ بهذه الأوصافِ الذميمةِ مَنْ كان له مالٌ وجاه، لكفى ذلك دليلاً على خَسَاسة المالِ والجَاهِ. انتهى، وما ذكره من المال والجاه هو الأغلَبُ. وَما يَشْعُرُونَ، أي: ما يعلمون. وقوله سبحانه: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ، أي: علامةٌ ودليلٌ على صحَّة الشرع، تشطَّطوا، وقالوا: لَنْ نؤمن حتَّى يُفْلَقَ لنا البَحْرُ، ويحيى لنا الموتى، ونحْوَ ذلك، فردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيمن اصطفاه، وانتخبه، لا فيمن كَفَرَ، وجعل يتشطَّط على اللَّه سبحانه، قال الفَخْر «1» : قال المفسِّرون: قال الوليدُ بْنُ المُغِيرَةِ «2» : لو كانتِ النبوَّة حقًّا، لكنْتُ أولى بها، قال الضَّحَّاك: أراد كلُّ واحد من هؤلاء الكفرة أنْ يُخَصَّ بالوحْيِ والرسالةِ كما أخبر عنهم سبحانه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: 52] انتهى. ثم توعَّد سبحانه بأن هؤلاء المجرمين الأكابر في الدنيا سيصيبهم عند اللَّه صَغَارٌ وذلَّة. [سورة الأنعام (6) : الآيات 125 الى 129] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129)

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 143) . (2) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد شمس: من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، ومن زنادقتها. يقال له «العدل» لأنه كان عدل قريش كلها: كانت قريش تكسو «البيت» جميعها، والوليد يكسوه وحده. وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وضرب ابنه هشاما على شربها. وأدرك الإسلام، وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم دعوته. قال ابن الأثير: وهو الذي جمع قريشا، وقال: «إن الناس يأتونكم أيام الحج، فيسألونكم عن محمد، فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: كاهن: ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون وليس يشبه واحدا مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه: «ساحر» لأنه يفرق بين المرء وأخيه، والزوج وزوجته!» وهلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر، ودفن بالحجون. وهو والد سيف الله خالد بن الوليد. ينظر: «الأعلام» (8/ 122) ، «الكامل» لابن الأثير (2/ 26) ، «اليعقوبي» (1/ 215) .

وقوله سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ... الآية: مَنْ: شرط، ويَشْرَحْ جوابُ الشرط. والآيةُ نصٌّ في أن اللَّه تعالى يريدُ هدى المؤمن، وضلالَ الكافر، وهذا عند جميعِ أهْل السنَّة بالإرادةِ القديمةِ التي هي صفةُ ذاته تبارك وتعالى، والهدى هنا: هو خَلْق الإيمان في القَلْبِ، وشَرْحُ الصدرِ: هو تسهيلُ الإيمان، وتحبيبُه، وإعدادُ القَلْبِ لقبولِهِ وتحصيلِهِ، والصَّدْر: عبارةٌ عن القلب، وفي يَشْرَحْ ضمير يعود على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ/ يَعْضُدُهُ اللفظ والمعنى، ولا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، والقولُ بأنه عائدٌ على «المَهْدِيِّ» - قولٌ يتركَّب عليه مذهب القَدَريَّة في خَلْق الأعمال، ويجبُ أن يُعتقد ضَعْفُهُ، والحَذَرُ منه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «أنه لَمَّا نزلَتْ هذه الآية، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُشْرَحُ الصَّدْرُ؟ قَالَ: إذَا نَزَلَ النُّورُ فِي القَلْبِ، انشرح لَهُ الصَّدْرُ، وانفسح، قَالُوا: وَهَلْ لِذَلِكَ عَلاَمَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمِ، الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ، قَبْلَ المَوْتِ» ، والقول «1» في قوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ كالقول في قوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ، وقرأ حمزة وغيره: «حَرَجاً» - بفتح الراء-، وروي أن عمر بن الخطاب (رضي اللَّه عنه) قرأها يوماً بفتح الراء، فقرأها له بعضُ الصَّحابة بكَسْر الراء، فقال: ابغوني رجُلاً من كِنَانَةَ، وليكنْ رَاعياً، وليكُنْ من بني مدلج، فلما جاء، قال له: يَا فتى، مَا الحَرِجَةُ عنْدَكُمْ؟ قال الشَّجَرَةُ تكُونُ بَيْن الأشجار لا تَصِلُ إليها راعيَةٌ ولا وَحْشِيَّة، قال عمر: كذلِكَ قَلْبُ المنافق لا يَصِلُ إليه شَيْءٌ من الخير «2» . وقوله سبحانه: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ، أي: كأنَّ هذا الضّيّق الصّدر متى حاول

_ (1) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 83) عن ابن مسعود. وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في «الشعب» وعزاه إلى عبد بن حميد، عن الفضيل بنحوه. [.....] (2) أخرجه الطبري (5/ 337) برقم (13865) ، وذكره البغوي (2/ 129) وابن عطية (2/ 343) ، وابن كثير (2/ 175) ، والسيوطي (3/ 84) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن أبي الصلت الثقفي، عن عمر بن الخطاب.

الإيمان أو فكَّر فيه، يجد صعوبته عليه، والعياذُ باللَّه، كصعوبةِ الصُّعود في السماء، قاله ابن جريج وغيره «1» ، وفِي السَّماءِ، يريد: مِنْ سفل إلى علوٍ، وتحتمل الآية أنْ يكون التشبيهُ بالصاعدِ في عَقَبَةٍ كَئُود كأنه يَصْعَدُ بها في الهواء، ويَصْعَدُ: معناه: يعلو، ويَصَّعَّدُ: معناه: يتكلَّف من ذلك ما يشقُّ عليه. وقوله: كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ، أي: وكما كان الهدى كله من اللَّه، والضلال بإرادته تعالى ومشيئته كذلك يجعل اللَّه الرجْسَ، قال أهل اللغة: الرجْسُ يأتي بمعنى العَذَابِ، ويأتي بمعنى النَّجَس. وقوله تعالى: وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ... الآية: هذا إشارة إلى القرآن والشرْعِ الذي جاء به نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم قاله ابن عباس، وفَصَّلْنَا، معناه: بيَّنا وأوضحنا «2» . وقوله سبحانه: لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، أي: للمؤمنين، والضمير في قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عائد عليهم، والسَّلام: يتجه أن يكون اسما من أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ، ويتجه أن يكون مصدراً بمعنى السلامة. وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يريد في الآخرة بعد الحشر، ووليّهم، أي: وليّ الإنعام عليهم، وبِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي: بسَبَبِ ما كانوا يُقَدِّمون من الخير، ويفعلون من الطاعة والبر. وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ، والمعنى: واذكر يَوْمَ، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: نقول: يا معشر الجنِّ، وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ: معناه: أفرطتم، ومِنَ الْإِنْسِ: يريد: في إضلالهم وأغوائهم قاله ابن عباس وغيره «3» ، وقال الكُفَّار من الإنْس، وهم أولياء الجنِّ الموبَّخين على جهة الاعتذار عن الجنِّ: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، أي: انتفع وذلك كاستعاذتهم بالجنِّ إذ كان العربيُّ إذا نزل وادياً، ينادي: يا رَبَّ الوادِي، إنِّي أستجيرُ بك في هذه الليلة، ثم يرى سلامته إنما هي بحفْظِ جَنِّيِّ ذلك الوادِي، ونحو ذلك، وبلوغ الأجل المؤجّل: هو

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 340) برقم (13878، 13879) ، وذكره ابن عطية (2/ 343) ، وابن كثير (2/ 175) ، والسيوطي (3/ 84) ، وعزاه لأبي الشيخ عن ابن جريج. (2) أخرجه الطبري (5/ 442) برقم (13886) ، وذكره ابن عطية (2/ 344) . (3) أخرجه الطبري (5/ 442) برقم (13888) ، وذكره ابن عطية (2/ 345) ، والسيوطي (3/ 85) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس.

الموتُ، وقيل: هو الحشر. وقوله تعالى: قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ ... الآية: إخبارٌ من اللَّه تعالى/ عما يقولُ لهم يوم القيامة إثْرَ كلامهم المتقدّم، ومَثْواكُمْ، أي: موضع ثوائكم كَمُقَامِكُمُ الذي هو مَوْضِعُ الإقامة قاله الزَّجَّاج، والاستثناءُ في قوله: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ قالتْ فرقة: «مَا» بمعنى «مَنْ» ، فالمراد: إلا مَنْ شاء اللَّه مِمَّنْ آمن في الدنيا بعد، إن كان مِنْ هؤلاء الكَفَرة، وقال الطبريُّ «1» : إن المستثنى هي المُدَّة التي بَيْنَ حشرهم إلى دخولهم النار، وقال الطبريُّ «2» ، عن ابن عباس: إنه كان يتأوَّل في هذا الاستثناء أنه مبلغ حالِ هؤلاء في علْمِ اللَّه «3» ، ثم أسند إليه أنه قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحَدٍ أنْ يحكم على اللَّه في خَلْقه لا يُنْزِلُهم جنَّةً ولا ناراً. قال ع «4» : والإجماع على التخليد الأبديِّ في الكُفَّار، ولا يصحُّ هذا عن ابن عباس (رضي اللَّه عنه) . قال ص: إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ: قيل: استثناء منقطعٌ، أي: لكِنْ ما شاء اللَّه مِنَ العذابِ الزائِدِ على النَّار، وقيل: متصلٌ، واختلفوا في تقديره، فقيل: هو استثناء مِنَ الأشخاصِ، وهم مَنْ آمن في الدنيا، ورُدَّ بأنه يختلف زمان المستثنى والمستثنى منه، فيكون منقطعاً لا متصلاً لأنَّ مِنْ شرط المتصل اتحاد زمانَيِ المُخْرَجِ والمُخْرَجِ منه. انتهى، وقيل غير هذا. وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً، قال قتادة «5» : معناه: نجعل بعضهم وليَّ بعض في الكفر والظلم، وقال أيضاً: المعنى نجعلُ بعضهم يَلِي بعضاً في دخول النار، وقال ابن زيد: معناه: نسلِّط بعض الظالمين على بعض، ونجعلهم أولياء النقمة «6» منهم.

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 343) . (2) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 343) . (3) أخرجه الطبري (5/ 343) برقم (13895) ، وذكره البغوي (2/ 131) ، وابن عطية (2/ 345) ، وابن كثير (2/ 176) ، والسيوطي (3/ 85) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن عباس. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 346) . (5) أخرجه الطبري (5/ 344) برقم (13896) ، وذكره البغوي (2/ 131) ، وابن عطية (2/ 346) ، وابن كثير (2/ 176) ، والسيوطي (3/ 85) وعزاه لعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة. (6) أخرجه الطبري (5/ 344) برقم (13898) ، وذكره ابن عطية (2/ 346) ، وابن كثير (2/ 176) ، والسيوطي (3/ 85) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن زيد.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 130 إلى 132]

قال ع «1» : وقد حفظ هذا في استعمال الصحابة والتابعين كقول ابن الزُّبَيْر: أَلاَ إنَّ فم الذّبّان قتل لطيم الشّيطان «2» وكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. [سورة الأنعام (6) : الآيات 130 الى 132] يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ... الآية: هذا الكلامُ داخلٌ في القول يَوْمَ الحشر. قال الفَخْر «3» : قال أهل اللغة: المَعْشَر: كلُّ جماعةٍ أَمْرهم واحدٌ، وتَحْصُلُ بينهم معاشرةٌ ومخالطةٌ، فالمَعْشَر: المُعَاشِر. انتهى، ونْكُمْ : يعني: مِنَ الإنس قاله ابن جُرَيْج «4» وغيره، وقال ابن عباس: من الطائفَتَيْنِ «5» ، ولكنْ رسلُ الجنّ هم رسل رسل الإنس، وهم النّذر، وقُصُّونَ : من القصص، وقولهم: هِدْنا : إقرار منهم بالكفر. وقوله سبحانه: غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا : التفاتة فصيحةٌ تضمَّنت أنَّ كفرهم كان بأذَمِّ الوجوه لهم، وهو الاغترار الذي لا يواقعه عاقل، ويحتمل رَّتْهُمُ أن يكون بمعنى: أشبعتهم وأطعمتهم بحَلْوَائها كما يقال: غَرَّ الطَّائِرُ فَرْخَهُ. وقوله سبحانه: شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ : الجمع بيْنَ هذه الآية وبَيْن الآي التي تقتضي إنكار المشركين الإشْرَاكَ هو إمَّا بأنها طوائفُ، وإما بأنها طائفةٌ واحدةٌ في مواطنَ شتى. وقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، أي: ذلك الأمر، والْقُرى: المدن، والمراد: أهل

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 346) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 346) . (3) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 159) . (4) أخرجه الطبري (5/ 345) برقم (13900) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 346) نحوه، وابن كثير (2/ 177) ، والسيوطي (3/ 86) وعزاه لابن المنذر عن ابن جريج بنحوه، وعزاه أيضا لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد. [.....] (5) أخرجه الطبري (5/ 345) برقم (13900) ، وذكره ابن عطية (2/ 346) ، وابن كثير (2/ 177) بنحوه.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 133 إلى 135]

القرى، وبِظُلْمٍ: يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يكُنْ سبحانه لِيُهْلِكَهم دون نِذَارة، فيكون ظُلْماً لهم، واللَّه تعالى ليس بظلاَّم للعبيد. والآخر: أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُهْلِكْهم بظلمٍ واقعٍ منهم دون أنْ ينذرهم، وهذا هو البيِّن القويُّ، وذكر الطبري (رحمه اللَّه) التأويلين. وقوله سبحانه: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ... الآية: إخبارٌ من اللَّه سبحانه أنَّ المؤمنين في الآخرة على درجاتٍ من التفاضُل بحَسَب أعمالهم، وتفضُّل المولى سبحانه عليهم، ولكنْ كلٌّ راضٍ بما أعطِيَ غايةَ الرضا، / والمشركون أيضاً على دركاتٍ من العذابِ، قلتُ: وظاهر الآية أن الجنَّ يثابون وينالُونَ الدَّرَجَاتِ والدَّرَكَاتِ، وقد ترجم البخاريُّ على ذلك، فقال: ذِكْر الجنِّ وثَوَابِهِم وعقابِهِم لقوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ... الآية، إلى قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، قال الداوديّ: قال الضحاكُ: مِنَ الجنِّ مَنْ يدخل الجنَّة، ويأكل ويشرب «1» . انتهى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 135] وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وقوله سبحانه: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَّا يَشاءُ الآيةُ متضمِّنةٌ وعيداً وتحذيراً من بطْشِ اللَّه عزَّ وجلَّ في التعجيل بذلك، وإمَّا مع المُهْلَة ومرورِ الجَدِيدَيْن فذلك عادته سبحانه في الخَلْق بإذهاب خَلْقِ واستخلاف آخرين. وقوله سبحانه: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ، هو من الوعيدِ بقرينة: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، أي: وما أنتم بناجين هَرَباً فتعجزوا طالبكم، ثم أمرَ سبحانَه نبيَّه- عليه السلام- أنْ يتوعدَّهم بقوله: اعْمَلُوا، أي: فسترون عاقبةَ عملكم الفاسدِ، وصيغةُ «افعل» هنا: هي بمعنى الوعيد والتهديد، وعَلى مَكانَتِكُمْ: معناه: على حالكم وطريقتكم، وعاقِبَةُ الدَّارِ، أي: مآل الآخرة، ويحتمل مآل الدنيا بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب.

_ (1) ذكره السيوطي (3/ 87) ، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ في «العظمة» عن الضحاك.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 136 إلى 138]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 136 الى 138] وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) وقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ، يعني: مشركي العربِ الذين تقدَّم الردُّ عليهم من أول السورة، وذَرَأَ: معناه: خلَق وأنشأَ وبَثَّ، وسبَبُ نزول هذه الآية أنَّ العرب كانَتْ تجعل من غَلاَّتها وزُرُوعها وثمارها وأنعامها جُزْءاً تسميِّه للَّه، وَجْزْءاً تسميه لأصنامها، وكانت عادتها التحفِّي والاهتبال بنَصيبِ الأصنام أكْثَرَ منها بنصيب اللَّهِ إذ كانوا يعتقدون أن الأصنام بها فَقْر، وليس ذلك باللَّه سبحانه، فكانوا إذا جمعوا الزَّرْعَ، فهبَّت الريحُ، فحملَتْ مِنَ الذي للَّه إلى الذي لشركائِهِمْ، أقروه، وإذا حملَتْ من الذي لشركائِهِمْ إلى الذي للَّه، ردُّوه، وإذا لم يُصِيبُوا في نصيبِ شركائهم شيئاً، قالوا: لا بُدَّ للآلهة مِنْ نفقةٍ، فيجعلون نصيب اللَّه تعالى في ذلك قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهدٌ والسديُّ وغيرهم «1» أنهم كانوا يفعلُونَ هذا ونحوه من الفعْلِ وكذلك في الأنعامِ كانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ، أكلوا نصيبَ اللَّه، وتحامَوْا نصيبَ شركائهم. وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ، الكثير هنا يرادُ به مَنْ كان يَئِدُ «2» مِنْ مشركي العرب، والشركاء هاهنا: الشياطين الآمِرُونَ بذلك، المزيِّنون له، والحاملون عليه أيضاً من بني آدم، ومقصد الآية الذمُّ للوأد والإنحاء على فعلته، ولِيُرْدُوهُمْ: معناه: ليهلكوهم من الرّدى، ولِيَلْبِسُوا: معناه: ليخلّطوا. وقوله سبحانه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ يقتضي أن لا شيء إلا بمشيئة اللَّه

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 350) برقم (13902) عن ابن عباس، وبرقم (13905) عن مجاهد، وبرقم (13909) عن السدي، وذكره ابن عطية (2/ 349) ، وابن كثير (2/ 179) عن ابن عباس، والسيوطي (3/ 89) وعزاه لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، وعزاه أيضا لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد. (2) وأد البنات، أي: قتلهن، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، دفنها حين تضعها والدتها حية مخافة العار والحاجة. ينظر: «لسان العرب» (4745) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 139 إلى 140]

عزَّ وجلَّ، وفيها ردٌّ على من قال بأن المرء يَخْلُقُ أفعاله، وقوله: فَذَرْهُمْ: وعيدٌ محضٌ. وقوله سبحانه: وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها الآيةُ تتضمَّن ما شرعوه لأنفسهم والتزموه على جهة القربة كذباً منهم على الله سبحانه، وحِجْرٌ: معناه: التحجيرُ، وهو المنعُ والتحريمُ، وَأَنْعامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا: قال جماعةٌ من المفسِّرين: إنَّهم كانت لهم سُنَّة في أنعامٍ مَّا ألاَّ يُحَجُّ عليها، فكانَتْ تُرْكَبُ في كلِّ وجه إلا في الحَجِّ، وقالت فرقة: بل ذلك في الذبائحِ، جعلوا لآلهتهم نصيباً منها لا يذكرون الله على ذبحها. [سورة الأنعام (6) : الآيات 139 الى 140] وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) وقوله سبحانه: وَقالُوا مَا فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ... الآية: كان/ مِنْ مذاهبهم الفاسدةِ في بَعْض الأنعامِ أنْ يحرِّموا ما وَلَدَتْ على نسائهم، ويخصِّصونه لذُكُورهم، ف أَزْواجِنا: يراد به جماعةُ النساءِ التي هِيَ معدَّة أن تكون أزواجاً قاله مجاهد «1» ، وقوله: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً، يعني: أنه كان من سُنَّتهم أنَّ ما خرج من الأجنَّة ميتاً مِنْ تلك الأنعام الموقوفة، فهو حلالٌ للرجال والنساء جميعاً، وكذلك ما مات مِنَ الأنعامِ الموقوفةِ نَفْسِها، ثم أعقب تعالى بوعيدهم على ما وصفوا أنه من القربات. وقوله سبحانه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ... الآية: تتضمَّن التشنيع بسوء فعلهم، والتَّعْجيبَ مِنْ سوء حالهم فيما ذَكَر، قال عكرمة: وكان الوَأْدُ في رَبِيعَةَ وفِي مُضَرَ «2» . قال ع «3» : وكان جمهورُ العرب لا يفعله، ثم إنَّ فاعليه كان منهم مَنْ يفعله

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 358) برقم (13944) ، وذكره البغوي (2/ 134) ، وابن عطية (2/ 352) ، والسيوطي (3/ 90) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن مجاهد. (2) أخرجه الطبري (5/ 360) برقم (13953) ، وذكره البغوي (2/ 134) ، وابن عطية (2/ 352) ، والسيوطي (3/ 91) ، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ عن عكرمة. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 352) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 141 إلى 142]

خَوْفَ العَيْلَة والافتقار، وكان منهم من يفعله غيرة مخافة السّباء، وقَدْ ضَلُّوا: إخبارٌ عنهم بالحَيْرة، وَما كانُوا: يريد في هذه الفَعْلَةِ، ويحتمل أن يريدَ: وما كانوا قبل ضلالهم بهذه الفَعْلة مهتدين، ولكنَّهم زادوا بهذه الفعلة ضلالا. [سورة الأنعام (6) : الآيات 141 الى 142] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ... الآية: تنبيهٌ على مواضع الاِعتبار، وأَنْشَأَ: معناه: خلق واخترع، ومَعْرُوشاتٍ، قال ابنُ عَبَّاس: ذلك في ثَمَر العِنَبِ، مِنْها: ما عرش وسمك، ومنها: ما لم يعرش «1» ، ومُتَشابِهاً: يريد: في المنظر، وغَيْرَ مُتَشابِهٍ: في الطعم قاله ابن جُرَيْج وغيره «2» ، وقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ: نصٌّ في الإباحة، وقوله سبحانه: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: قال ابن عباس وجماعة: هي في الزكاة المفْرُوضة «3» . قال ع «4» : وهذا القولُ مُعْتَرَضٌ بأن السورة مكِّيَّةٌ وبأنَّه لا زكاة فيما ذُكِرَ من الرُّمَّانِ، وما في معناه، وحكى الزجَّاج أنَّ هذه الآية قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينة، وقال مجاهدٌ وغيره: بل قوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: نَدْبٌ إلى إعطاء حقوقٍ مِنَ المال غَيْر الزكاة «5» ، والسُّنَّة أن يُعْطِيَ الرجُلُ من زرعه عند الحصَادِ، وعِنْدَ الذَّرْوِ، وعنْدَ تكديسه في البَيْدَرِ «6» ، فإذا صفى وكال، أخرج من ذلك الزكاة.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 361) برقم (13961) ، وذكره البغوي (2/ 135) ، وابن عطية (2/ 353) ، وابن كثير (2/ 181) ، والسيوطي (3/ 92) ، وعزاه لأبي الشيخ عن ابن عباس. (2) أخرجه الطبري (5/ 362) برقم (13962) ، وابن عطية (2/ 353) ، وابن كثير (2/ 181) ، والسيوطي (3/ 92) ، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ، عن ابن جريج. (3) أخرجه الطبري (5/ 363) برقم (13974) ، وذكره البغوي (2/ 135) ، وابن عطية (2/ 353) ، وابن كثير (2/ 181) ، والسيوطي (3/ 94) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 353) . (5) أخرجه الطبري (5/ 365) برقم (13996) ، وذكره البغوي (2/ 135) ، وابن عطية (2/ 353) ، وابن كثير (2/ 181) ، والسيوطي (3/ 92) وعزاه لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ والبيهقي عن مجاهد. (6) البيدر: الأندر (شامية) وأندر القمح الكدس منه خاصة. وفي المعجم الوسيط: البيدر: الجرن، والقمح-

[سورة الأنعام (6) : الآيات 143 إلى 145]

وقالتْ طائفة: هذا حكم صدَقَاتِ المسلمين حتى نزلَت الزكاةُ المفروضةُ، فنسخَتْها. قال ع «1» : والنسخ غَيْرُ مترتِّب في هذه الآية، ولا تَعَارُضَ بينها وبيْن آية الزكاة، بل تَنْبَنِي هذه على النَّدْبِ، وتلك على الفرض. وقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ النهْيُ عن الإسراف: إما للناس عن التمنُّع عن أدائها لأن ذلك إسراف من الفعْلِ، وإما للولاة عن التشطُّط على الناسِ والإذاءة لهم، وكلٌّ قد قيلَ به في تأويل الآية. وقوله سبحانه: وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً حَمُولَةً: عطْفٌ على جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ. التقدير: وأنشأنا من الأنعامِ حمولةً، والحَمُولَةُ: ما تحمل الأثقال مِنَ الإبل والبقر عنْدَ مَنْ عادته أنْ يحمل عليها، والفَرْش: ما لا يحمل ثقلاً كالغنم وصِغَار البَقَر والإبل، وهذا هو المرويُّ عن ابْنِ مسعود وابن عباس والحَسَن «2» وغيرهم، ولا مَدْخَل في الآية لغَيْر الأنعام، وقوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ: نصُّ إباحةٍ، وإزالةُ مَا سَنَّه الكفرة من البَحِيرَة والسَّائبة وغير ذلك، ثم تابع النهْيَ عن تلك السُّنَن/ الآفكة بقوله سبحانه: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وهي جمع خُطْوَة، أي: لا تَمْشُوا في طريقه، قُلْتُ: ولفظ البخاريِّ: خُطُواتِ من الخَطْو، والمعنى: آثاره. انتهى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 143 الى 145] ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)

_ - ونحوه بعد دياسه وتقويمه. ينظر: «لسان العرب» (229، 4382) ، و «المعجم الوسيط» (78) . [.....] (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 353) . (2) أخرجه الطبري (5/ 372، 373) برقم (14050، 14055، 14056، 14057) عن ابن مسعود، (14051، 14060، 14061) عن ابن عباس، و (14058، 14059، 14067) عن الحسن، وغيرهم منهم (14052، 14053، 14054) عن مجاهد، و (14063، 14064) عن قتادة، وذكره ابن عطية (2/ 354) ، وابن كثير (2/ 182) ، والسيوطي (3/ 94) وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والطبراني، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود.

وقوله سبحانه: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، واختلف في نَصْبِها فقيل: على البدل من «مَا» في قوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وقيل: على الحال، وقيل: على البدل من قوله: حَمُولَةً وَفَرْشاً، وهذا أصوب الأقوال، وأجراها على «1» معنى الآيةِ، والزَّوْج: الذكر، والزَّوْج الأنثى، فكل واحدٍ منهما زَوْجُ صاحبِهِ، وهي أربعة أنواعٍ فتجيء ثمانية أزواجٍ، والضَّأْن: جمع ضَائِنَة وضَائِن. وقوله سبحانه: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ، هذا تقسيمٌ على الكفَّار حتى يتبيَّن كذبهم على اللَّه، أي: لا بد أن يكون حَرَّم الذكَرَيْن فيلزمكم تحريمُ جميعِ الذُّكور، أو الأنثيين فيلزمكم تحريمُ جميع الإناث، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، فيلزمكم تحريمُ الجميعِ، وأنتم لم تلتزموا شيئاً يوجبه هذا التقسيمُ، وفي هذه السؤالاتِ تقريعٌ وتوبيخٌ، ثم أتْبَعَ تقريعَهُم بقوله: نَبِّئُونِي، أي: أخبروني بِعِلْمٍ، أي: من جهة نبوَّة أو كتابٍ من كتب الله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وإِنْ شرطٌ، وجوابه في نَبِّئُونِي. وقوله سبحانه: وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ ... الآية: القولُ في هذه الآية في المعنى وترتيبِ التقسيمِ كما تقدَّم، فكأنه قال: أنتم الذين تدَّعون أن اللَّه حرم خصائصَ مِنْ هذه الأنعام لا يَخْلُو تحريمه مِنْ أن يكون في الذَّكَرَيْن أو في الأُنْثَيَيْن، أو فيما اشتملت عليه أرحامُ الأنثيين، لكنه لم يُحَرِّم لا هذا ولا هذا ولا هذا فلم يَبْقَ إلا أنه لم يَقَعْ تحريمٌ، قال الفَخْر «2» : والصحيحُ عندي أن هذه الآية لم ترد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم، بل هي استفهام على سبيل الإنكار، وحاصلُ الكلام: أنكم لا تعترفُون بنبوَّة أحد من الأنبياء، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة. انتهى. وقوله سبحانه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا: استفهامٌ على سبيل التوبيخ، وشُهَداءَ: جمعُ شهيدٍ، وباقي الآية بيِّن. وقوله تعالى: قُلْ لآ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ... الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ بمكَّة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقْتِ شيء محرّم

_ (1) في أ: علي. (2) ينظر: «تفسير الرازي» (13/ 178) .

غير هذه الأشياء، ثم نزلَت، سورة المائدة بالمدينة، وزيدَ في المحرَّمات كالخمر، وكأكل كل ذي نابٍ من السباعِ ممَّا وردَتْ به السُّنَّة. قال ع «1» : ولفظة التحريمِ، إذا وردَتْ على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّها صالحةٌ أن تنتهي بالشيء المذكور غَايَةَ المنْعِ والحظرِ، وصالحةٌ بحسب اللغة أنْ تقف دون الغاية في حَيِّز الكراهية ونحوها، فما اقترنت به قرينةُ التسليمِ من الصحابة المتأوِّلينِ، وأجمع عليه الكلُّ منهم، ولم تَضْطَرِبْ فيه ألفاظ الأحاديث، وأمضاه الناسُ- وجب بالشَّرْعِ أنْ يكون تحريمه قَدْ وصَل الغايةَ من الحَظْر والمَنْع، ولحق بالخنزير والميتة، وهذه صفة تحريم الخمر، وما اقترنت به قرينةُ اضطراب ألفاظ الحديثِ، واختلف الأمة فيه، مع علمهم بالأحاديث كقوله- عليه السلام-: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السّباع حرام» «2» ، وقد روي عنه

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 356) . (2) أخرجه البخاري (9/ 657) كتاب «الذبائح والصيد» ، باب أكل كل ذي ناب من السباع. حديث (5530) ، ومسلم (3/ 1533) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (13، 14/ 1932) ومالك (2/ 496) رقم (13) والطيالسي ص (136) ، حديث (1016) ، وأحمد (4/ 193) والدارمي (2/ 84- 85) كتاب «الأضاحي» ، باب ما لا يؤكل من السباع وأبو داود (4/ 159) كتاب «الأطعمة» ، باب النهي عن أكل السباع حديث (3802) ، والترمذي (4/ 73) ، كتاب «الأطعمة» ، باب ما جاء في كراهية كل ناب، حديث (1477) ، والنسائي (7/ 200- 201) وابن ماجة (2/ 1077) كتاب «الصيد» ، باب أكل ذي ناب من السباع، حديث (3232) . وابن الجارود (889) والشافعي (2/ 172- 173) كتاب «الصيد والذبائح» ، رقم (604، 605) والحميدي (2/ 386) رقم (875) ، وابن حبان (5255- الإحسان) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 190) وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 28) والبيهقي (9/ 331) والبغوي في «شرح السنة» (6/ 31- بتحقيقنا) من طريق أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة به. وقال الترمذي: حديث مشهور من حديث أبي ثعلبة حسن صحيح. وأما حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم (3/ 1534) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (16/ 1934) ، ومالك (2/ 496) كتاب «الصيد» ، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (14) والشافعي (2/ 172) كتاب «الصيد والذبائح» ، حديث (603) وأحمد (2/ 236) ، والترمذي (4/ 74) كتاب «الأطعمة» ، باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب، حديث (1479) والنسائي (7/ 200) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب تحريم أكل السباع، وابن ماجة (2/ 1077) كتاب «الصيد» ، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث (3233) والبيهقي (9/ 315) كتاب «الضحايا» باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب. بلفظ أكل كل ذي ناب من السباع حرام، أما حديث جابر بن عبد الله قال: «حرم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم خيبر الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير» . -

«نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ» «1» ، ثم اختلفتِ الصحابة ومَنْ بعدهم في تحريمِ ذلك، فجاز لهذه الوجوه لِمَنْ ينظر أَنْ يحمل لفظ التحريم على المَنْع الذي هو على الكراهية ونحوها، وما اقترنت به/ قرينةُ التأويل كتحريمه- عليه السلام-

_ - أخرجه أحمد (3/ 323) ، والترمذي (4/ 73) كتاب «الأطعمة» باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب. حديث (1478) ، والبزار، والطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع الزوائد» (5/ 47) . وقال الترمذي: حسن غريب. أما حديث خالد بن الوليد قال: «غزوت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيبر، فأتت اليهود، فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» . أخرجه أحمد (4/ 89، 90) وأبو داود (4/ 160- 161) كتاب «الأطعمة» ، باب النهي عن أكل السباع، حديث (3806) والنسائي (7/ 202) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب تحريم أكل لحوم الخيل، والدارقطني (4/ 287) باب الصيد والذبائح والأطعمة، حديث (60، 61، 63) ، والبيهقي (9/ 328) كتاب «الضحايا» ، باب بيان ضعف الحديث الذي روي في النهي عن لحوم الخيل. وقال النسائي في الحديث (يشبه أن يكون صحيحا، ولكنه منسوخ بإباحة الخيل بعد ذلك) . أما حديث المقدام بن معد يكرب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة، من مال معاهد» . أخرجه أحمد (4/ 131) ، وأبو داود (4/ 160) كتاب «الأطعمة» باب النهي عن أكل السباع، حديث (3804) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 209) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب أكل لحوم الحمر الأهلية، والدارقطني (4/ 287) ، باب الصيد والذبائح، حديث (59) والبيهقي (9/ 332) كتاب «الضحايا» ، باب ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية. (1) أخرجه مسلم (3/ 1543) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب تحريم أكل كل ذي ناب، حديث (16/ 1934) وأبو داود (2/ 383) كتاب «الأطعمة» ، باب النهي عن أكل السباع، حديث (3803) والدارمي (2/ 85) كتاب «الأضاحي» ، باب ما لا يؤكل من السباع وأحمد (1/ 244، 289، 302، 373) ، وابن الجارود (892) وابن حبان (5256- الإحسان) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 190) والبيهقي (9/ 315) كتاب «الضحايا» ، باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب، وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 95) والبغوي في «شرح السنة» (6/ 32- بتحقيقنا) . من طريق أبي بشر- والحكم عند بعضهم- عن ميمون بن مهران عن ابن عباس به. وقد رواه ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أخرجه أبو داود (2/ 383) كتاب «الأطعمة» ، باب النهي عن أكل السباع، حديث (3805) والنسائي (7/ 206) كتاب «الصيد والذبائح» ، باب إباحة أكل لحوم الدجاج، وابن ماجة (2/ 1077) كتاب «الصيد» ، باب أكل كل ذي ناب من السباع حديث (3234) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 190) وأحمد (1/ 339) والبيهقي (9/ 315) كتاب «الضحايا» ، باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب، وابن الجارود (893) من طريق علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 146 إلى 150]

لُحُومَ الحُمُرِ الأنْسِيَّةِ «1» ، فتأول بعض الصحابة الحاضِرِينَ ذلك لأنها لم تخمَّس، وتأوَّل بعضهم أن ذلك لئَلاَّ تفنى حمولةُ النَّاس، وتأول بعضهم التحريمَ المَحْضَ، وثبت في الأمة الاختلافُ في لَحْمها، فجائز لِمَنْ ينظر من العلماءِ أنْ يحمل لفظ التحريمِ بحسب اجتهاده وقياسه على كراهية أو نحوها، وباقي الآية بيّن. [سورة الأنعام (6) : الآيات 146 الى 150] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) وقوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ... الآية: هذا خبر مِنَ اللَّهِ سبحانه يتضمَّن تكذيبَ اليَهُودِ في قولهم: «إن اللَّه لم يحرِّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حَرَّمه إسرائيل على نفسه» ، وكُلَّ ذِي ظُفُرٍ: يراد به الإبلُ، والنَّعَام، والإوَزُّ ونحوه من الحيوانِ الذي هو غير مُنْفَرِجِ الأصابع، وله ظُفُر، وأخبرنا سبحانه في هذه الآية بتحريمِ الشحومِ عليهم، وهي الثُّرُوب وشَحْمُ الكلى، ومَا كان شحماً خالصاً خارجاً عن الاستثناء الذي في الآية، واختلف في تحريم ذلك على المسلمين من ذبائحهم، فعن مالكٍ: كراهيةُ شحومهم من غير تحريمٍ. وقوله تعالى: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما، يريد: ما اختلط باللحْمِ في الظَّهْرِ والأجنابِ ونحوه، قال السُّدِّيُّ وأبو صالح: الأَلْيَاتُ ممَّا حملَتْ ظهورهما «2» ، والحَوَايَا: ما تحوى في البَطْن، واستدار، وهي المَصَارِينُ والحُشْوة ونحوها، وقال ابن عباس وغيره: هي المَبَاعِر «3» ، وقوله: أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، يريد: في سائر الشخص.

_ (1) في أ: الأهلية. (2) أخرجه الطبري (5/ 384) برقم (14112) عن السدي، و (14113) عن أبي صالح، وذكره ابن عطية (2/ 358) ، والسيوطي (3/ 101) وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن أبي صالح. (3) أخرجه الطبري (5/ 384) برقم (14114، 14124) عن ابن عباس، وبرقم (14115، 14116، 14117) عن مجاهد، وبرقم (14120، 14121) عن قتادة (14119) ، (14120) عن سعيد بن-

وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ يقتضي أنَّ هذا التحريم إنما كان عقوبةً لهم على بغيهم، واستعصائهم على أنبيائهم. وقوله سبحانه: وَإِنَّا لَصادِقُونَ: إخبار يتضمَّن التعريضَ بكَذِبهم في قولهم: ما حرَّم اللَّهُ علينا شيئاً. وقوله سبحانه: فَإِنْ كَذَّبُوكَ: أي: فيما أخبرْتَ به أنَّ اللَّه حرَّمه عليهم، فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ أي في إمهاله إذ لم يعاجلْكم بالعقوبةِ، مع شدَّة جُرْمِكم، ولكنْ لا تغترُّوا بسعة رحمته فإن له بَأْساً لا يُرَدُّ عن القوم المجْرِمِين، إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذه الآية وما جانَسَها من آياتِ مكَّة مرتفعٌ حكْمُها بآية القتالِ، ثم أخبر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بأن المشركين سيحتجُّون لتصويبِ ما هُمْ عليه من شركهم وتديُّنهم: بتحريمِ تلك الأشياءِ بإمهال اللَّه تعالى لهم، وتقريرِهِ حالهم، وأنه لو شاء غَيْرَ ذلك، لما تَرَكَهم على تلْك الحال، ولا حُجَّة لهم فيما ذكَروه لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم على الاكتساب، ويلزمهم على احتجاجهم أنْ تكون كلُّ طريقةٍ وكلُّ نحلةٍ صواباً، إذْ كلها لو شاء اللَّه لَمْ تكُنْ، وفي الكلامِ حذفٌ يدلُّ عليه تناسُقُ الكلامِ كأنه قال: سيقول المشركون كذا وكذا، وليس في ذلك حُجَّة لهم، ولا شَيْء يقتضي تكذيبَكَ، ولكن، كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بنحو هذه الشبهة مِنْ ظَنِّهم أنَّ ترك اللَّه لهم دليلٌ على رضاه بحالهم، وفي قوله تعالى: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا: وعيدٌ بيِّن. وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ. أي: مِنْ قِبَلِ اللَّه، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، يريد البالغةَ غاية المَقْصِدِ في الأمر الذي يحتجُّ له، ثم أعلم سبحانه أنَّه لو شاء، لهدى العالم بأسره، وهَلُمَّ: معناها: هَاتِ وهي حينئذ متعدِّية، وقد تكون بمعنى: «أَقْبِلْ» فلا تتعدى، وبعضُ العرب يجعلها اسم فعْلٍ ك «رُوَيْدَكَ» ، وبعضهم يجعلها فِعْلاً، ومعنى الآية: قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن اللَّه حرَّم ما زعمتم تحريمَهُ، فَإِنْ شَهِدُوا، أي: فإن افترى لهم أحدٌ أو زَوَّرَ شهادةً أو خبراً عن نبوَّة ونَحوَ ذلك، فجَنِّبْ أنْتَ ذلك، ولا تَشْهد معهم، قلْتُ: وهذه الآية/ والتي بعدها مِنْ نوعَ ما تقدّم من أن الخطاب له صلّى الله عليه وسلّم، والمراد غيره ممَّن يمكن ذلك منه، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أي: يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به، تعالى الله عن قولهم.

_ - جبير، (14125) عن السدي، وذكره ابن عطية (2/ 358) ، والسيوطي (3/ 100) وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.

[سورة الأنعام (6) : الآيات 151 إلى 153]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 153] قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) وقوله سبحانه: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً: هذا أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يدعو جميع الخَلْق إلى سماع تلاوة ما حَرَّم اللَّه بشَرْع الإسلام المبعوثِ به إلى الأسود والأحمر، وما نصبَتْ بقوله: أَتْلُ، وهي بمعنى «الَّذِي» ، و «أنْ» ، في قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا في موضع رفع، التقدير: الأمر أنْ، أو ذَاكَ أنْ، وقال كعب الأحبار: هذه الآية هي مفتتحُ التوراة: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ... » إلى آخر الآيات «1» ، وقال ابن عباس: هذه الآيات هي المحْكَمَات المذْكُورة في آل عمران، اجتمعت عليها شرائعُ الخَلْقِ، ولم تنسخ قطُّ في «2» ملة، وقد قيل: إنها العَشْر الكلمات المنزَّلة على موسى، والإملاق: الفَقْر وعدَمُ المال قاله ابن عباس وغيره، قال القُشَيْريُّ: خوفُ الفقر قرينةُ الكفر، وحُسْنُ الثقةِ بالرَّبِّ سبحانه نتيجةُ الأَيمان. انتهى من «التحبير» . وقوله سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، قال مجاهد: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ : التجارة فيه «3» ، والأَشُدُّ هنا: الحَزْمُ والنظرُ في الأمور وحُسْنُ التصرُّف فيها، وليس هذا بالأَشُدِّ المقرونِ بالأربعين، بل هذا يكون مع صِغَر السِّنِّ في ناسٍ كثيرٍ. وقوله سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ : أمر بالاعتدال. وقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها : يقتضي أن هذه الأوامر إنما هِيَ فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفّظ والتحرّز.

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 361) ، والسيوطي (3/ 103) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن الضريس، وابن المنذر عن كعب. (2) ذكره ابن عطية (2/ 361) . [.....] (3) أخرجه الطبري (5/ 393) برقم (14152) ، وذكره البغوي (2/ 141) ، وابن عطية (2/ 362) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 154 إلى 157]

وقوله تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا : يتضمَّن الشهاداتِ والأحكامَ والتوسُّطَ بيْنَ الناسِ وغيْرَ ذلك، أي: ولو كان ميل الحقِّ على قراباتكم. وقوله سبحانه: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ: الإشارة ب هذا هي إلى الشرعِ الذي جَاءَ به نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال الطبريُّ «1» : الإشارة هي إلى هذه الوصايا التي تقدَّمت مِنْ قوله: قُلْ تَعالَوْا، وقال ابن مسعود: إن اللَّه سبحانه جَعَلَ طريقه صراطا مستقيما طرفه محمّد صلّى الله عليه وسلّم وشرعه، ونهايتُه الجنَّة، وتتشعَّب منه طُرُقٌ، فمن سَلَك الجادَّة نجا، ومن خَرَج إلى تلْكَ الطرُقِ أفْضَتْ به إلى النَّار «2» ، وقال أيضاً: خطّ لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَوْماً خطًّا، فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ثُمَّ خَطَّ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ وَعَنْ شِمَالِهِ خُطُوطاً، فَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ على كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهَا» ، ثم قرأ هذه «3» الآية. قال ع «4» : وهذه الآية تعمُّ أهل الأهواء والبِدَع والشُّذُوذ في الفُرُوع وغير ذلك من أهل التعمُّق في الجَدَلِ، والخَوْضِ في الكلامِ، هذه كلّها عرضة للزّلل، ومظنّة لسوء المعتقد، ولَعَلَّكُمْ ترجٍّ بحسبنا، ومن حيث كانَتِ المحرَّمات الأوَلُ لا يقع فيها عاقلٌ قد نظر بعَقْله، جَاءَتِ العبارةُ: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، والمحرَّمات الأُخَرُ شهواتٌ، وقد يقع فيها من العقلاءِ مَنْ لم يتذكَّر، وركوبُ الجادَّة الكاملة يتضمَّن فعل الفضائلِ، وتلك درجة التقوى. [سورة الأنعام (6) : الآيات 154 الى 157] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157)

_ (1) ينظر الطبري (5/ 396) . (2) أخرجه الطبري (5/ 397) برقم (14175) ، وذكره البغوي (2/ 141) نحوه، وابن عطية (2/ 364) ، وابن كثير (2/ 190) نحوه، والسيوطي (3/ 106) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن مردويه عن ابن مسعود. (3) أخرجه أحمد (1/ 435، 465) ، والنسائي في «التفسير» (1/ 485) رقم (194) ، والطيالسي (244) والطبري (8/ 65) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (17) ، والبزار (2210- كشف) ، والدارمي (1/ 67- 68) ، وابن حبان (1741- موارد) ، والحاكم (2/ 318) ، وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 263) عن ابن مسعود مرفوعا. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 106) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 364) .

وقوله سبحانه: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ، ثُمَّ في هذه الآية: إنما مُهْلَتها في ترتيب القول الذي أمر به نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم كأنه قال: ثم ممَّا قضَيْناه أنَّا آتينا موسَى الكتاب ويدعو إلى ذلك أن موسى- عليه السلام-/ متقدِّم بالزمانِ على نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وتلاوته ما حرّم الله، والْكِتابَ: التوراة، وتَماماً: مصدر، وقوله: عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ: مختلفٌ في معناه، فقالت فرقة: الَّذِي بمعنى الّذين وأَحْسَنَ: فعلٌ ماضٍ صلَةُ «الذين» ، وكأن الكلام: وآتينا موسَى الكتابَ تفضُّلاً على المحسنين من أهْل ملَّته، وإتماماً للنعمة عليهم، وهذا تأويل مجاهد «1» ويؤيِّده ما في مصحف ابْنِ «2» مسعود: «تَمَاماً عَلَى الَّذِينَ أحْسَنُوا» ، وقالت فرقة: المعنى: تماماً على ما أحْسَنَ هو مِنْ عبادة ربِّه، يعني: موسى- عليه السلام- وهذا تأويل الربيع وقتادة «3» ، وقالت فرقة: المعنى: تماماً على الذي أحسن اللَّه فيه إلى عبادة من النبوُّات وسائر النعم وبِلِقاءِ رَبِّهِمْ، أي: بالبعث. وقوله سبحانه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، هذا إشارة إلى القرآن، ومُبارَكٌ: وصف بما فيه من التوسُّعات وأنواعِ الخَيْرات، ومعناه: مُنَمًّى خيره مُكثَّر، والبركةُ: الزيادةُ والنموُّ، فَاتَّبِعُوهُ: دعاء إلى الدِّين، وَاتَّقُوا: أمر بالتقوَى العامَّة في جميع الأشياء بقرينةِ قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، و «أنْ» في قوله: أَنْ تَقُولُوا في موضعِ نصبٍ، والعاملُ فيه: أَنْزَلْناهُ، والتقدير: وهذا كتاب أنزلناه كراهيةَ أنْ تقولوا، والطائفتان: اليهودُ والنصارى بإجماع المتأوِّلين، والدِّرَاسَة: القراءةُ والتعلُّم بها، ومعنى الآية: إزالة الحجة مِنْ أيدي قُرَيْشٍ وسائرِ العربِ، ولما تقرَّر أن البينة قد جاءَتْهم، والحجَّةَ قد قامَتْ عليهم- حَسُنَ بعد ذلك أنْ يقع التقريرُ بقوله سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها، أي: حاد عنها، وزاغ، وأعرض، وسَنَجْزِي الَّذِينَ: وعيد.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 398) برقم (14176، 14177) ، وذكره ابن عطية (2/ 364) ، وابن كثير (2/ 192) ، والسيوطي (3/ 106) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ عن مجاهد. (2) ينظر: «الشواذ» (ص 47) ، و «الكشاف» (2/ 80) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 364) . (3) أخرجه الطبري (5/ 399) برقم (14178) عن الربيع، وبرقم (14179، 14180) ، عن قتادة، وذكره ابن عطية (2/ 364) ، والسيوطي (3/ 106) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن قتادة.

[سورة الأنعام (6) : آية 158]

[سورة الأنعام (6) : آية 158] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ، أي: ينتظرُونَ، يعني: العرب المتقدّم الآن ذكرهم، والْمَلائِكَةُ هنا: هم ملائكة المَوْت الذين يصحبون «1» عزرائيل المخْصُوصَ بقَبْض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابنُ جْرَيْج «2» . وقوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، قال الطبريُّ «3» : لموقف الحساب يَوْمَ القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعةٍ من المتأوِّلين «4» ، وقال الزَّجَّاج «5» : إن المراد: «أو يأتي عذاب ربك» . قال ع «6» : وعلى كلِّ تأويل فإنما هو بحذفِ مضافٍ، تقديره: أمر ربك، أو بَطْش رَبِّك، أو حسابُ ربك، وإلا فالإتيانُ المفهومُ من اللغة مستحيلٌ على اللَّه تعالى ألا ترى أن اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: 2] فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجازِ، وحذفِ المضافِ. قال الفَخْر «7» : والجواب المعتمَدُ عليه هنا أنَّ هذا حكايةُ مذهب الكفَّار، واعتقادِهِم، فلا يفتقر إلى تأويله، وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علاماتُ القيامةِ. انتهى. قلتُ: وما ذكره الفَخْر من أن هذا حكايةُ مذهب الكفار هي دعوى تفتقر إلى دليلٍ. وقوله سبحانه: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ، قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى طلوع

_ (1) ولا يصح تسميته ملك الموت بهذا حيث لم يرد عندنا أثر صحيح بذلك. (2) أخرجه الطبري (5/ 404، 405) برقم (14200) عن مجاهد، وبرقم (14201، 14202) عن قتادة، و (14205) ، عن ابن جريج، وذكره ابن عطية (2/ 366) ، والسيوطي (3/ 108) وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولعبد بن حميد عن مجاهد. (3) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 404) . (4) أخرجه الطبري (5/ 404، 405) برقم (14201، 14202) عن قتادة، و (14200) عن مجاهد، و (14205) عن ابن جريج، وذكره ابن عطية (2/ 366) ، والسيوطي (3/ 108) وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة. (5) ينظر: «معاني القرآن» (2/ 307) . (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 366) . [.....] (7) ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 159) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 159 إلى 161]

الشمْسِ من مغربها بدليلِ الَّتي بعدها. قال ع «1» : ويصحُّ أن يريد سبحانه بقوله: أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ جميعَ ما يُقْطَعُ بوقوعه من أشراط الساعة، ثم خصَّص سبحانه بعد ذلك بقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ الآيةَ التي ترتفع التوبةُ معها، وقد بيَّنت الأحاديثُ الصِّحاح في البخاريِّ ومسلمٍ أنها طلوع الشمس مِنْ مغربها، ومقْصِدُ الآية تهديدُ الكفَّار بأحوالٍ لا يخلُونَ منها، وقوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً يريد: جميعَ أعمال البرِّ، وهذا الفَصْل هو للعُصَاة من المؤمنين كما أن قوله: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ هو للكافرين، / فالآية المشارُ إليها تقطع توبة الصّنفين، قال الداوديّ: قوله تعالى: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً، يريد أن النفس المؤمنة التي ارتكبت الكبائر لا تُقْبَلُ منها التوبة يومئذ، وتكونُ في مشيئة اللَّه تعالى كأن لم تَتُبْ، وعن عائشة (رضي اللَّه عنها) : إذا خرجَتْ أول الآيات، طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجساد على الأعمال. انتهى. وقوله سبحانه: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ: لفظ يتضمّن الوعيد. [سورة الأنعام (6) : الآيات 159 الى 161] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، قال ابن عباس وغيره: المراد ب «الذين» اليهود والنصارى «2» ، أي: فَرَّقوا دين إبراهيم، ووَصَفَهم ب «الشِّيَعِ» إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حضٌّ للمؤمنين على الائتلاف وتركِ الاختلافِ، وقال أبو الأحْوَص وأم سلمة زوجُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: الآية في أهْل البدع والأهواء والفتنِ، ومَنْ جرى مجراهم من أمة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم «3» ، أي: فرّقوا دين

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 367) . (2) أخرجه الطبري (5/ 413، 414) برقم (14266) عن ابن عباس، و (14263، 14264) عن قتادة، (14267) عن الضحاك.، وذكره البغوي (2/ 145) ، وابن عطية (2/ 367) ، وابن كثير (2/ 196) عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والسيوطي (3/ 117) وعزاه للنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. (3) أخرجه الطبري (5/ 415) برقم (14273) عن أبي الأحوص، و (14275) عن أم سلمة، وذكره ابن عطية (2/ 367) ، والسيوطي (3/ 118) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن أبي الأحوص، وعزاه لابن منيع في «مسنده» ، وأبي الشيخ عن أم سلمة.

الإسلام، وقرأ حمزة «1» والكسائيُّ: «فارَقُوا» ، ومعناه: تركوا. وقوله تعالى: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ: أي: لا تشفع لهم، ولا لهم بك تعلُّق، وهذا على الإطلاق في الكفَّار، وعلى جهة المبالغة في العُصَاة. وقوله سبحانه: إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ... الآية: وعيدٌ محضٌ، وقال السدي: هذه آية لم يؤمر فيها بقتالٍ، فهي منسوخة بالقتال «2» . قال ع «3» : الآية خبر لا يدخله نسخٌ، ولكنها تضمَّنت بالمعنى أمراً بموادعةٍ، فيشبه أنْ يقال: إن النسخ وقع في ذلك المعنَى الذي قد تقرَّر نسخه في آيات أخرى. وقوله سبحانه: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ... الآية: قال ابن مسعود وغيره: بِالْحَسَنَةِ هنا: «لا إله إلا الله» ، وبِالسَّيِّئَةِ: الكفر «4» . قال ع «5» : وهذه هي الغاية من الطرفَيْنِ، وقالت فرقة: ذلك لفظٌ عامٌّ في جميع الحسناتِ والسيئاتِ، وهذا هو الظاهر، وتقديرُ الآية: مَنْ جاء بالحسنة، فله ثوابُ عَشْرِ أمثالها، وقرأ «6» يعقوبُ وغيره: «فَلَهُ عَشْرٌ» - بالتنوين- «أَمْثَالُهَا» - بالرفع-. وقوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ ... الآية: في غاية الوضوح والبيان، وقِيَماً: نعت للدّين، ومعناه: مستقيما، ومِلَّةَ: بدل من الدّين.

_ (1) وحجة الباقين قوله بعد: وَكانُوا شِيَعاً أي: صاروا أحزابا وفرقا. ينظر: «السبعة» (274) ، و «الحجة» (3/ 437، 438) ، و «إعراب القراءات» (1/ 73) ، و «معاني القراءات» (1/ 396) ، و «حجة القراءات» (278) ، و «العنوان» (93) ، و «شرح الطيبة» (4/ 288) ، و «شرح شعلة» (385) ، و «إتحاف» (2/ 39) . (2) أخرجه الطبري (5/ 414) برقم (14272) ، وذكره ابن عطية (2/ 368) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 368) . (4) أخرجه الطبري (5/ 416) برقم (14278) ، وذكره ابن عطية (2/ 368) ، وابن كثير (2/ 197) ، والسيوطي (3/ 118) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم في «الحلية» عن ابن مسعود. (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 368) . (6) ينظر: «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 39) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 368) ، وزاد نسبتها إلى الحسن، وسعيد بن جبير، وعيسى بن عمر، والأعمش. وينظر: «البحر المحيط» (4/ 261) ، و «الدر المصون» (3/ 227) ، و «شرح الطيبة» (4/ 288) .

[سورة الأنعام (6) : الآيات 162 إلى 165]

[سورة الأنعام (6) : الآيات 162 الى 165] قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) وقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ... الآية: أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته- إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته «1» بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ على هذا التأويل- راجعاً إلى قوله: لاَ شَرِيكَ لَهُ فقطْ، أو راجعاً إلى القول وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة: النُّسُكُ في هذه الآية: الذبائح. قال ع «2» : ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة: النسك في هذه الآية: جميع أعمال الطاعاتِ مِنْ قولك: نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع: «وَمَحْيَايَ» - بفتح الياء-، وقرأ نافع «3» وحده: «وَمَحْيَايْ» - بسكون/ الياء-، قال أبو حَيَّان «4» : وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة. انتهى، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أي: من هذه الأمة. وقوله سبحانه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ... الآية: حكى

_ (1) في أ: ومونة. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 369) . (3) ينظر: «السبعة» (274) ، و «الحجة» (3/ 440) ، و «إعراب القراءات» (1/ 174) ، و «معاني القراءات» (1/ 398) ، و «العنوان» (94) ، و «شرح الطيبة» (4/ 289) ، و «شرح شعلة» (386) ، و «حجة القراءات» (279) ، و «إتحاف» (2/ 40) . (4) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 262) . [.....]

النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ارجع يا محمَّد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية «1» ، وهي استفهام يقتضي التوبيخَ لهم، وأَبْغِي: معناه أَطْلُبْ فكأنه قال: أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهاً غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها، وَلا تَزِرُ، أي: تحملُ وازِرَةٌ، أي: حاملةٌ حمل أخرى وثقلها، و «الوِزْر» : أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم تجوُّزاً واستعارة، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ: تهديد ووعيد، وقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، أي: في أمري في قول بعضكم: هو سَاحِرٌ، وبعضكم: هو شاعرٌ، إلى غير ذلك قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، وخَلائِفَ: جمع خَلِيفَةِ، أي: يخلف بعضُكم بعضاً لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحسن في أمة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، ويروى: «أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» . وقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد تخويفاً منه وترجيةً، فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب «سريع» لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي (رحمه اللَّه) قَالَ: من أراد ألاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل: ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، ربّ إني ظلمت

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 370) .

نفسي ظُلْماً كثيراً، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين. انتهى، نسأل اللَّه أنْ ينفع به ناظِرَهُ وأنْ يجعله لنا ذخراً ونوراً يسعى بين أيدينا يوم لقائه، والحمدُ للَّه الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسلما/. انتهى هذا الجزء مصحّحا بالمقابلة على خط مؤلفه شكر الله سعيه، وقدّس سرّه ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف ولله الحمد والمنة

الجزء الثالث

[الجزء الثالث] تفسير سورة الأعراف مكّيّة، كلها. قاله الضحاك «1» ، وغيره. وقال مقاتل: هي مكّيّة، إلا قوله سبحانه: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ» إلى قوله: «مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» فإن هذه الآيات مدنية «2» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (3) قوله جَلَّتْ عظمتُهُ: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ: الضيقُ ومنه: الحَرِجَةُ الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكلَ ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في «منه» عائد على الكتاب، أي: بسبب من أسبابه. وقوله سبحانه: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس: إن فيه تَقْدِيماً وتأخيراً. وقوله: وَذِكْرى معناه تَذْكرة وإِرشاد. وقوله سبحانه: اتَّبِعُوا مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ، أي: من دون ربَكُمُ أَوْلِياءَ يريد: كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه، وقَلِيلًا: نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر. وقال مكي: هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و «ما» «3» في قوله: ما تَذَكَّرُونَ مصدرية.

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 372) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 372) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 373) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 4 إلى 5]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 4 الى 5] وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية. وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم العُقُوبَةِ، و «الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: فَجاءَها بَأْسُنا لترتيب القَوْلِ فقط. وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ وبَياتاً، نصب على المصدر في موضع الحال، وقائِلُونَ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ «1» والسكون لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ. قال أبو «2» حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نهارا «3» انتهى. وقوله عز وجل: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى «4» في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين: أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [الأنبياء: 15] . والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار «5» ، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء،

_ (1) الدّعة: الخفض من العيش والراحة، والهاء عوض من الواو. ينظر: «لسان العرب» (4795) (ودع) . (2) ينظر «البحر المحيط» (4/ 269) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 374) بنحوه. (4) هي قول مقبول يقصد به الإنسان إيجاب حق له على غيره، سواء كان ذلك حال المنازعة أو لا، وتقول العرب: ادعى كذا ادعاء: زعم أن له حقّا أو باطلا، والاسم منه الدعوى، والجمع: دعاوى بالفتح، ودعاو بالكسر، وهو الراجح عند سيبويه عند الإضافة إلى الضمير، وغلب الكسر في دعوى النسب، والفتح في المأدبة، واسم المدعي يتناول في العرف من لا حجة له، ولا يتناول من له حجة، ولذا يقال لمسيلمة الكذاب: مدعي النبوة، ولا يقال ذلك بالنسبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم لأن نبوته ثبتت بالمعجزة، فالمطالب بحقه قبل قيام حجته يسمى مدعيا، وبعدها يسمى محقّا. ينظر: «الدعوى» لشيخنا: عبد الحميد سليمان الدسوقي. (5) الإقرار لغة: إفعال، من قرّ- الشيء: إذا ثبت- يقر، من باب ضرب وعلم وثبت وسكن، وأقره في مكانه: أثبته-

[سورة الأعراف (7) : الآيات 6 إلى 7]

والادعاء، واعترافهم. وقولهم: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها. وروى ابن مسعود، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم» «1» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 6 الى 7] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) وقوله سبحانه: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ... الآية وعيد مِنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لجميع العالم أخبر سبحانه أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم، ويسأل النَّبيين عما بَلَّغُوا، وهذا هو سُؤَالُ التقرير، فإن اللَّه سبحانه قد أَحَاطَ علماً بكل ذلك قبل السؤال، فأما الأَنْبِيَاءُ والمؤمنون، فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة،

_ - بعد أن كان مزلزلا، وأقرّ له بحقّه: أذعن واعترف، إذا فالإقرار إثبات لما كان متزلزلا بين الإقرار والجحود. ينظر: «الصحاح» (2/ 788) ، «لسان العرب» (5/ 3582) ، «أنيس الفقهاء» ص: (243) . واصطلاحا: عرفه الشّافعية بأنه: إخبار بحقّ على المقر. وعرفه المالكية بأنه: خبر يوجب حكم صدقه على قائله فقط بلفظه، أو لفظ نائبه. وعرفه الحنفية بأنه: إخبار بحق لآخر، لا إثبات له عليه. وعرفه الحنابلة بأنه: إظهار مكلّف مختار ما عليه بلفظ أو كتابة، أو إشارة أخرس، أو على موكله، أو موليه، أو مورثه بما يمكن صدقه. ينظر: «حاشية الباجوري» (2/ 2) ، «الخرشي» (6/ 86- 87) ، «الدرر» (2/ 357) ، «منتهى الإرادات» (2/ 684) . ومحاسن الإقرار كثيرة منها ما يأتي. (أ) إسقاط واجب النّاس عن ذمّته، وقطع ألسنتهم عن مذمّته. (ب) إيصال الحقّ إلى صاحبه، وتبليغ المكسوب إلى كاسبه، فكان فيه إنفاع صاحب الحقّ، وإرضاء خالق الخلق. (ج) إحماد النّاس المقرّ بصدق القول، ووصفهم إيّاه بوفاء العهد، وإنالة النول. (د) حسن المعاملة بينه وبين غيره. (1) أخرجه الطبري (5/ 429) برقم: (14328) ، وذكره ابن عطية (2/ 374) ، وابن كثير (2/ 201) ط: «دار إحياء الكتب العربية» ، والسيوطي (2/ 126) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 8 إلى 10]

وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً. ت: وروى أبو عمر بن عبد البر «1» في كتاب «فَضْلِ العلمِ» بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال: بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ/ انتهى. وخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها» «2» . وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ. وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ» «3» . انتهى. وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ في ما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله. وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ» قال: يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ؟ فإن كان له تَطَوَّع قال: أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال «4» على ذلك. انتهى. واللفظ لأبي داود. وقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة» » . وقوله سبحانه: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، بِعِلْمٍ أي: بحقيقة ويقين وَما كُنَّا غائِبِينَ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 8 الى 10] وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10)

_ (1) ينظر: «جامع بيان العلم وفضله» (1/ 493) . (2) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (8/ 212) ، عن الأعمش مرسلا. (3) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 349) ، وقال: رواه الطبراني في «الصغير» ، وفيه يوسف بن يونس أخو أبي مسلم الأفطس، وهو ضعيف جدا. [.....] (4) تقدم تخريجه. (5) ينظر: «التذكرة» (1/ 379) .

وقوله عز وجل: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ التقدير: والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة. قال جمهور الأمّة: إنّ الله عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ «المَوَازِين» إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها. قال الفخر «1» : والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزونات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل. انتهى. قال أبو حَيَّان «2» : موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ «3» ، وهذا على مذهب الجمهور في أن الميزَانَ واحد. وقال الحسن: لكل واحدِ ميزَانٌ «4» ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى. والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي. وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ... الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، وقَلِيلًا نصب ب تَشْكُرُونَ ويحتمل أن تكون مَّا مع الفعل بتأويل المصدر، وقَلِيلًا نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره: شكراً قليلاً شكركم، أو شكرا قليلا تشكرون.

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 23) . (2) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 271) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 376) بنحوه. (4) ذكره ابن عطية (2/ 376) بنحوه.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 11 إلى 18]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 11 الى 18] وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ... الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة. واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه. وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ «1» ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ. وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات «2» . وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير «3» ، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها. وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» .

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 437) برقم: (14356) بلفظ: «في صلب آدم» ، وذكره ابن عطية (2/ 378) ، وذكر نحوه البغوي (2/ 150) بلا نسبة. (2) أخرجه الطبري (5/ 436) ، برقم: (1443- 1444) ، وذكره ابن عطية (2/ 378) ، وذكره ابن كثير (2/ 203) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 134) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 378) .

«وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و «لا» في قوله: أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان «1» : إنها زائدة «2» ، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: 29] . قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: 75] في «ص» انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين. وقال الطبري «3» : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس «4» ، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس «5» . وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 273) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 378) ، ولم يعزه لأحد. (3) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 440) . (4) أخرجه الطبري (5/ 441) ، برقم: (14360) ، وبرقم: (14361) ، بلفظ: «قاس إبليس، وهو أول من قاس» ، وذكره ابن عطية (3/ 379) ، والبغوي (2/ 150) ، وذكره ابن كثير (2/ 203) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 134) عن الحسن نحوه. (5) ينظر: الكلام على القياس في: «البرهان» لإمام الحرمين (2/ 743) ، «البحر المحيط» للزركشي (5/ 5) ، «الإحكام في أصول الأحكام للآمدي» (3/ 167) ، «سلاسل الذهب» للزركشي ص: (364) ، «التمهيد» للأسنوي ص: (463) ، «نهاية السول» له (4/ 2) ، «زوائد الأصول» له ص: (374) ، «منهاج العقول» للبدخشي (3/ 3) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري ص: (211) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 155) ، «المنخول» للغزالي ص: (323) ، «المستصفى» له (2/ 228) ، «حاشية البناني» (2/ 202) ، «الإبهاج» لابن السبكي (3/ 3) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (4/ 2) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 239) ، «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 195) ، «إحكام الفصول من أحكام الأصول» للباجي ص: (528) ، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (7/ 368) ، (8/ 487) ، «أعلام الموقعين» لابن القيم (1/ 101) ، «التحرير» لابن الهمام ص: (415) ، «تيسير التحرير» لأمير باد شاه (3/ 263) «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (3/ 117) . [.....]

وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ. وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي. ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي «1» فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله/ أكثر الناس «2» وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع. وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: 82] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل «3» . وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه. ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «4» نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة «5» ... » الحديث. وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا

_ (1) وذكره ابن عطية (2/ 379) ، والبغوي (2/ 151) . (2) أخرجه الطبري (5/ 442) ، برقم: (14365) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 379) ، والبغوي (2/ 151) . (3) أخرجه الطبري (5/ 444) ، برقم: (14368) ، وذكره ابن عطية (2/ 380) . (4) هي جمع طريق على التأنيث لأن الطريق تذكر وتؤنث، فجمعه على التذكير: أطرقة: كرغيف وأرغفة، وعلى التأنيث: أطرق، كيمين وأيمن. ينظر: «النهاية» (3/ 133) . (5) أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 293) ، والنسائي (6/ 21- 22) ، كتاب «الجهاد» ، باب: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد، وابن حبان (1601- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (7/ 138) ، من حديث سبرة بن أبي الفاكه.

تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين. قال الفخر «1» : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ. أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع. انتهى. وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك. قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل «2» . ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ» «3» . ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» «4» وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن. قاله ابن عباس وغيره «5» . وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي: مقصيًّا مبعداً. لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 32) . (2) ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 32) . (3) تقدم تخريجه. (4) تقدم تخريجه. (5) ذكره ابن عطية (2/ 381) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 19 إلى 21]

وقال أبو حيان «1» : الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ «2» ، و «من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و «من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها. انتهى. وقال الفخر «3» : وقيل/: مَذْؤُماً، أي: محقوراً فالمَذْؤومُ المحتقر. قاله الليث. وقال ابن الأنباري «4» : المذءوم المذموم. وقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ. انتهى. وباقي الآية بَيِّنٌ. اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشماتة الأعداء. [سورة الأعراف (7) : الآيات 19 الى 21] وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) وقوله جل وعلا: وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ. وقوله سبحانه لآدم: اسْكُنْ هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في «سورة البقرة» على «الشَّجَرَةِ» وتعيينها، وقوله سبحانه: «هذه» قال (م) : الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى.

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 278) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 382) . (3) ينظر: «تفسير الرازي» (14/ 37) . (4) عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنصاري، كمال الدين الأنباري، ولد في 513 هـ، من علماء اللغة والأدب وتاريخ الرجال، كان زاهدا عفيفا، لا يقبل من أحد شيئا، له مصنفات منها: «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» ، «لمعة الأدلة» ، «الميزان» ، توفي في 577 هـ. ينظر: «الفوات» (1/ 262) ، «بغية الوعاة» (301) ، «الوفيات» (1/ 279) ، «أدب اللغة» (3/ 41) ، «الأعلام» (3/ 327) . [.....]

وقوله عز وجل: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما الوَسْوَسَةُ الحديث في إخفاء همساً وإسْرَاراً من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحُلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمى إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه. هذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ والعاقبة، ويمكن أن تكون لام «كي» على بابها «1» . وما وُورِيَ معناه ما ستر من قولك: وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء. وقالت طائفة: إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في عَلَيْهِما عائد على بدنيهما فيصحّ. وقوله سبحانه: وَقالَ مَا نَهاكُما ... الآية، هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَاراً، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، ووحيا. وإِلَّا أَنْ تقديره عند سيبويه والبصريين: إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين: «2» «إلا أن لا» على إضمار «لا» ، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف. وقرأ جمهور الناس «مَلَكَيْنِ» بفتح اللام. وقرأ ابن عباس: «مَلِكَيْنِ «3» » بكسرها، ويؤيده قوله: وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: 120]

_ (1) في هذه اللام قولان: أظهرهما أنها لام العلة على أصلها، لأن قصد الشيطان ذلك. وقال بعضهم: اللام للصيرورة والعاقبة، وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة، فالمعنى: أن أمرهما آيل إلى ذلك. والجواب أنه يجوز أن يعلم ذلك بطريق من الطرق. ينظر: «الدر المصون» (3/ 247) . (2) وقول البصريين أولى: لأن إضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف. (3) وقرأ بها يحيى بن أبي كثير، والضحاك، والحسن بن علي، والزهري، وابن حكيم. ينظر: «الشواذ» ص: (48) و «البحر المحيط» (4/ 280) ، و «الدر المصون» (3/ 248) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 22 إلى 25]

وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يشاء. وقاسَمَهُما أي: حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 22 الى 25] فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) وقوله عز وجل: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ قال: ع» : يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف. وقوله سبحانه: بَدَتْ قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وتطايرت تبرّيا منهما، ويَخْصِفانِ معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى «2» وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة. قال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض/ انتهى. وهو معنى ما تقدم. وروى أبيٌّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ «3» فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: «أرسليني» فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟ فقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كاذبا، قال:

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 385) . (2) الإشفى: فعلى، وهو أداة للإسكاف، والجمع: أشافي. ينظر: «لسان العرب» (85) (أشف) . (3) أي: الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني. ينظر: «النهاية» (2/ 347) .

[سورة الأعراف (7) : آية 26]

فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا «1» . وقوله: عَنْ تِلْكُمَا بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة، وَأَقُلْ لَكُما: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [طه: 117] وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه، وقولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا اعتراف من آدَمَ وحواء عليهما السلام وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه. قال الضحاك وغيره: هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من ربّه، وقوله عز وجل: قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ المُخَاطَبَةُ بقوله: اهْبِطُوا. قال: أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم: هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية. وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته. قال ع «2» : وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت. ت: وما ضعفه رحمه اللَّه صَحَّحَهُ في «سورة البقرة» ، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة. روى قتادة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ» «3» . [سورة الأعراف (7) : آية 26] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) وقوله سبحانه: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ الآية خطاب لجميع الأمم وقت النبي صلّى الله عليه وسلّم والسَّبَب والمراد: قريش، ومَنْ كان مِنَ العَرَبِ يتعرّى في طوافه بالبيت.

_ (1) تقدم تخريجه في أوائل سورة البقرة. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 387) . (3) ورد هذا الحديث مسندا من حديث أبي هريرة، وابن عباس. حديث أبي هريرة: أخرجه أبو داود (2/ 785) ، كتاب «الأدب» ، باب: في قتل الحيات، حديث (5248) ، وأحمد (2/ 232، 247، 520) ، وابن حبان (1079- موارد) ، وابن ماجه (3224) ، والدارمي (2/ 88- 89) ، والبيهقي (9/ 317) . أما حديث ابن عباس: أخرجه أبو داود (2/ 785) : كتاب «الأدب» ، باب: في قتل الحيات، حديث (5250) ، وعبد الرزاق (10/ 434) برقم: (19617) .

قال مجاهد: ففيهم نَزَلَتْ هذه الأربع آيات «1» . وقوله: أَنْزَلْنا يحتمل التَّدْرِيجَ أَي: لما أنزل المَطَر، فكان عنه جميع ما يلبس، ويحتمل أن يريد ب أَنْزَلْنا خلقنا، كقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: 6] ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: 25] ولِباساً عام في جميع ما يلبس، ويُوارِي: يستر. وقرأ الجمهور: «وريشاً» ، وقرأ عاصم، وأبو عمرو «ورياشاً» وهما عِبَارَتَانِ عن سَعَةِ الرزق، ورفاهة العَيْشِ، وَجَوْدَةِ الملبس والتمتع. وقال البخاري: قال ابن عباس: وريشاً: المال انتهى «2» . وقرأ نافع «3» ، وغيره: «ولباسَ» بالنصب. وقرأ حمزة، وغيره بالرفع. وقوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ إشارة إلى جَمِيعِ ما أنزل اللَّه من اللِّبَاسِ والرِّيشِ. وحكى النَّقَّاشُ: أن الإِشَارَةَ إِلى لِبَاسِ التَّقوى أي: هو في العبد آية أي: علامة وأمارة من اللَّه تعالى أنه قد رَضِيَ عنه، ورحمه. وقال ابن عَبَّاسٍ: لباس التقوى هو السَّمْتُ الحَسَنُ «4» في الوَجْهِ. وقاله عثمان بن عفان على المنبر. وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً: هو العَمَلُ الصالحَ «5» . وقال عُرْوَةُ بن الزبير: هو خَشْيَةُ اللَّه «6» وقيل: هو لباس الصوف، وكل ما فيه تواضع لله عز وجل.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 455) برقم: (14425) ، وذكره ابن عطية (2/ 388) . (2) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم (6/ 416) : كتاب «أحاديث الأنبياء» ، باب: «خلق آدم وذريته» ، وقال ابن حجر: «هو قول ابن عباس، ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه» ، والطبري (5/ 457) برقم: (14433) ، وذكره ابن عطية (2/ 389) ، والبغوي (2/ 154) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 141) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. (3) وقرأ بها ابن عامر والكسائي. عطفوا على الريش، والمعنى: وأنزلنا عليكم لباس التقوى. ينظر: «السبعة» (280) ، و «الحجة» (4/ 12) ، و «حجة القراءات» (280) ، و «إعراب القراءات» (1/ 178) ، و «العنوان» (95) ، «شرح الطيبة» (4/ 293) ، «شرح شعلة» (387) ، «إتحاف» (1/ 46) ، «معاني القراءات» (1/ 403) . (4) أخرجه الطبري (50/ 458) برقم: (14449) ، وذكره ابن عطية (2/ 389) ، والسيوطي (3/ 142) . (5) أخرجه الطبري (5/ 458) برقم: (14449) وذكره ابن عطية (2/ 389) ، والبغوي (2/ 155) . [.....] (6) أخرجه الطبري (5/ 459) برقم: (14452) ، وذكره ابن كثير (2/ 207) .

[سورة الأعراف (7) : آية 27]

وقال الحَسَنُ «1» : هو الوَرَعُ. وقال معبد الجهني: هو «2» الحَيَاءُ. وقال ابن عَبَّاسٍ أيضاً: لِبَاسُ التقوى العفة «3» . قال ع «4» وهذه كلها مثل، وهي من لباس التقوى، ولَعَلَّهُمْ ترجّ بحسبهم، ومبلغهم من المعرفة. [سورة الأعراف (7) : آية 27] يا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وقوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ/ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ الآية: خطاب لجميع العالم، والمقصود بها في ذلك الوَقْتِ مَنْ كان يطوف من العَرَبِ بالبيتِ عُرْيَاناً. قيل: كانت العَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً إِلا الحُمْس «5» ، وهم قريش، ومن وَالاَهَا، وهذا هو الصحيح، ثم نودي ب «مكة» في سنة تسع: لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان «6» والفتنة في هذه الآية الاسْتِهْوَاءُ، والغَلَبَةُ على النفس، وأضاف الإِخْرَاجَ في هذه الآية إلى إبليس تجوُّزاً لما كان هو السَّبَب في ذلك. قال أبو حيان «7» : كَما أَخْرَجَ «كما» في موضع نَصْبٍ، أي: فتنة مثل فتنة إِخْرَاجِ أبويكم انتهى.

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 389) وزاد فيه: «والسمت والحسن في الدنيا» . (2) أخرجه الطبري (5/ 458) برقم: (14446) ، وذكره ابن عطية (2/ 389) ، والسيوطي (3/ 142) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 389) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 389) . (5) الحمس: جمع الأحمس، وهم قريش ومن ولدت قريش، وكنانة وجديلة قيس، سمّوا حمسا لأنهم تحمسوا في دينهم، أي: تشددوا. والحماسة: الشجاعة. ينظر: «النهاية (1/ 440) . (6) أخرجه البخاري (3/ 483) : كتاب «الحج» ، باب: لا يطوف بالبيت عريان، الحديث (1622) ، ومسلم (2/ 982) : كتاب «الحج» ، باب: لا يحج البيت مشرك، الحديث (435/ 1347) واللفظ له، من حديث أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الحجّة التي أمّره عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحجّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يطوف بالبيت عريان» . (7) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 284) .

وقوله سبحانه: إِنَّهُ يَراكُمْ ... الآية زيادة في التحذير، وإعلام بأن الله عز وجل قد مَكَّنَ إبليس من بَني آدَمَ في هذا القدر، وبحسب ذلك يَجِبُ أن يكون التّحرّز بطاعة الله عز وجل وقَبِيلُ الشيطانُ يُرِيدُ نوعه، وصنفه، وذريته، والشيطان مَوْجُودٌ، وهو جسم. قال النووي «1» : وروينا في كتاب ابن السّني عن أَنَسٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ستر ما بين أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ إِذَا أَراد أن يطرح ثِيَابَهُ: بسم اللَّه الذي لا إله إِلاَّ هُوَ» «2» انتهى. وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ستر ما بين الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدَمَ إِذا دَخَلُوا الكُنُفَ أَن يقولوا: بسم اللَّه» . رواه الترمذي، وقال: إسناده ليس بالقَوِيِّ «3» . قال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُسْتَحَبُّ العَمَلُ في الفَضَائِلِ، والترغيب، والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً وأما الأحكام كالحَلاَلِ، والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك فلا يُعْمَلُ فيها إلا بالحديث الصحيح «4» ، أو الحسن «5» إلا أن يكون في احْتِيَاطٍ في شيء من ذلك، كما إذا ورد حديث

_ (1) ينظر: «الأذكار» ص: (51) . (2) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» برقم: (274) من حديث أنس مرفوعا به. (3) أخرجه الترمذي (2/ 503- 504) : كتاب «الصلاة» ، باب: ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء، حديث (606) ، وابن ماجه (1/ 109) : كتاب «الطهارة» ، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، حديث (297) من حديث علي، وقال الترمذي: إسناده ليس بالقوي. (4) الصحيح: في اللغة فعيل بمعنى فاعل من الصحة، وهي ذهاب المرض والبراءة من كل عيب. وفي اصطلاح المحدثين يختلف عند المتقدمين وعند المتأخرين. أما عند المتقدمين فقال الخطابي: الصحيح: ما اتصل سنده وعدلت نقلته. وأما الصحيح لذاته عند المتأخرين، فقال ابن الصلاح: هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا. والصحيح لغيره: هو الحديث الذي لم يكن صحيحا لذاته وارتقى إلى درجة الصحيح بجابر يجبر القصور فيه، وذلك هو الحديث الحسن لذاته إذا جبر بجابر بأن تقوى بمتابع أو شاهد مساو أو راجح أو بأكثر من طريق إن كان أدنى. وعليه فنقول إنه: هو ما اتصل سنده بنقل عدل قلّ ضبطه عن الدرجة العليا للضبط وتوبع بطريق آخر مساو أو راجح أو بأكثر من طريق إن كان أدنى وكان غير شاذ ولا معل. ينظر: «غيث المستغيث» ص: (32، 33، 35) . (5) الحسن: في اللغة الجمال، والحسن الجميل.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 28 إلى 30]

ضعيف بكَرَاهِةِ بعض البيوع، أو الأنكحة، فإن المستحبَّ أن يتنزَّه عنه، ولكن لا يَجِبُ انتهى. ونحوه لأبي عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» : ثم أخبر عز وجل أنه صَيَّرَ الشياطين أولياء، أي: صحابة، ومتداخلين للكفرة الذين لا إيمان لهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 28 الى 30] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) وقوله: وإذا فَعَلُوا وما بعده دَاخِلٌ في صفة الذين لا يؤمنون، والفاحشة في هذه الآية، وإن كان اللفظ عَامّاً هي كَشْفُ العَوْرَةِ عند الطَّوَافِ، فقد روي عن الزهري أنه قال: إن في ذلك نزلت هذه الآية. وقاله ابن عبّاس ومجاهد «1» . وقوله عز وجل: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ تضمن معنى اقسطوا، ولذلك عطف عليه قوله: وَأَقِيمُوا حملاً على المعنى، والقِسْطُ العَدْلُ واختلف في قوله سبحانه: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فقال مجاهد، والسدي: أراد إلى الكعبة «2» ، والمقصد على هذا

_ وفي الاصطلاح: لهم فيه عبارات كثيرة لعدم ضبط الأقدمين له حتى قال البلقيني: الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر كان شيئا ينقدح في نفس الحافظ. وقد تقصر عبارته عنه كما قيل في الاستحسان، فلهذا صعب تعريفه لكن استقر الرأي أخيرا على أنه: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط الذي قصر به حفظه وإتقانه عن درجة رجال الصحيح غير شاذ ولا معل. والحسن لغيره: هو الحديث الذي يكون في أصله غير حسن، ثم يرتقي بالجابر حتى يكون في درجة الحسن، وذلك أن الحديث إذا فقد أحد الشروط الخمسة المعتبرة في الصحيح لذاته والحسن لذاته ينزل إلى درجة الضعيف، لكن الضعيف منه ما يقبل الجبر، ومنه ما لا يقبل الجبر بحال، فتوقفت معرفة الحسن لغيره على معرفة ما يقبل الجبر من الضعيف- ويسمى عندهم ما يعتبر به أي حديث يكتب للاعتبار به في المتابعات والشواهد- ومعرفة ما لا يقبل الجبر منه- ويسمى عندهم ما لا يعتبر به. ينظر: «الغيث المستغيث» ص: (34، 35) . [.....] (1) أخرجه الطبري (5/ 463) برقم: (14467- 14468- 14469- 14473- 14474) ، وابن عطية (2/ 391) ، والبغوي (2/ 155) ، وابن كثير (2/ 208) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 143) . (2) أخرجه الطبري (5/ 464) برقم: (14478) وبرقم: (14479) ، وذكره ابن عطية (2/ 391) ، والبغوي (2/ 156) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 143) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

[سورة الأعراف (7) : آية 31]

شَرْعُ القبلة والتزامها. وقيل: أراد الأمر بإحضار النية لله في كُلِّ صَلاَةٍ، والقصد نحوه، كما تقول: وَجَّهْتُ وَجْهِي لله قاله الربيع «1» . وقيل: المراد إبَاحَةُ الصلاة في كُلِّ موضع من الأرض، أي: حيث ما كنتم فهو مَسْجِدٌ لكم تلزمكم عند الصَّلاَةِ إقامة وجوهكم فيه لله عز وجل. وقوله سبحانه: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ قال ابن عَبِّاسٍ، وقتادة، ومجاهد: المعنى: كما أوجدكم، واخترعكم، كذلك يعيدكم بعد الموتِ «2» والوقف على هذا التأويل تعودون و «فريقاً» نصب ب «هدى» والثاني منصوب بِفِعْلٍ تقديره: وعذب فريقاً. وقال جابر بن عبد اللَّه/ وغيره: وروي معناه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن المُرَادَ الإعلام بأن مَنْ سَبَقَتْ له من اللَّه الحُسْنَى، وكتب سعيداً كان في الآخِرَةِ سَعِيداً، ومن كتب عليه أنه من أَهْلِ الشَّقَاءِ، كان في الآخرة شَقِيًّا، ولا يتبدَّل من الأمور التي أحكمها وَدَبَّرَهَا، وأنفذها شيء، فالوقف في هذا التأويل في قوله: تَعُودُونَ غير حسن وفَرِيقاً على هذا التأويل نصب على الحال، والثاني عطف على الأول. وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ معناه: يظنُّونَ. قال الطبري «3» : وهذه الآية دَلِيلٌ على خَطَإ من زَعَمَ أن اللَّه لا يعذب أحداً على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها على علم منه بموضع الصواب. [سورة الأعراف (7) : آية 31] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) وقوله سبحانه: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الآية: هذا خطاب عَامٌ لجميع العالم كما تقدم، وأمروا بهذه الأَشْيَاءِ بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مُشْرِكِي العَرَبِ فيها، والزينة الثياب الساترة. قاله مجاهد وغيره «4» . وعِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 465) برقم: (14482) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 391) ، وابن كثير (2/ 208) بنحوه. (2) أخرجه الطبري (5/ 967) برقم: (14502) ، وذكره ابن عطية (2/ 392) ، والبغوي (2/ 156) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 469) . (4) أخرجه الطبري (5/ 470) برقم: (14520- 14521) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 392) ، والبغوي (2/ 157) ، وابن كثير (2/ 210) ، والسيوطي (3/ 145) بنحوه.

أي: عند كل مَوْضِعِ سُجُودٍ، فهي إشارة إلى الصلوات، وستر العورة فيها. ت: ومن المستحسن هنا ذكر شيء مما جاء في اللِّبَاسِ، فمن أحسن الأحاديث في ذلك، وأصحها ما رواه مالِكٌ في «الموطأ» عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنَّ أُزْرَةَ المُؤْمِنِ إِلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لا جُنَاحَ عليه فيما بينه وبَيْنَ الكَعْبَيْنِ، ما أَسْفَلَ من ذَلِكَ ففي النَّارِ» قال ذلك ثلاث مرات: «لاَ يَنْظُرُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَراً» «1» . وحَدَّثَ أَبو عمر في «التمهيد» بسنده عن ابن عمر قال: فيما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الإزَارِ فهو في القَمِيصِ يعني ما تَحْتَ الكَعْبَيْنِ من القَمِيصِ في النار «2» ، كما قال في الإزَارِ، وقد روى أبو خيثمة زهير بن مُعَاوِيةَ «3» قال: سمعت أَبا إِسْحَاقَ السبيعي يقول: أدركتهم وقمصهم إلى نِصْفِ الساق أو قريب من ذلك، وكُمُّ أحدهم لا يُجَاوِزُ يَدَهُ انتهى. وروى أبو داود عن أسماء بنت يَزِيدَ قالت: كانت يَدُ كُمِّ قميص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الرّسْغ «4» ، وأما أحبُّ اللِّبَاسِ فما رواه أبو داود عن أم سلمة قالت: كان أحبّ الثياب إلى رسول

_ (1) أخرجه مالك (2/ 914- 915) : كتاب «اللباس» ، باب: ما جاء في إسبال الرجل ثوبه، حديث (12) ، وأبو داود (2/ 457) كتاب «اللباس» ، باب: في قدر موضع الإزار، حديث (4093) ، وابن ماجه (2/ 1183) : كتاب «اللباس» ، باب: موضع الإزار أين هو؟، حديث (3573) من طريق العَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، عن أبِيهِ، عن أبي سعيد الخدري به. (2) روي هذا المعنى أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ: «ما أسفل الكعبين من الإزار فهو في النار» . أخرجه البخاري (10/ 268) ، في كتاب «اللباس» ، باب: «ما أسفل من الكعبين فهو في النار» (5787) ، والنسائي في «المجتبى» (8/ 207) ، في كتاب: «الزينة» ، وابن ماجه (3573) ، وأحمد في «المسند» (2/ 461) ، (5/ 9) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (8/ 204) . (3) زهير بن معاوية بن حديج بضم المهملة الأولى مصغرا، وآخره جيم ابن الرّجيل بجيم مصغرا ابن زهير بن خيثمة الجعفي أبو خيثمة الكوفي أحد الحفاظ والأعلام. عن سماك بن حرب والأسود بن قيس، وزياد بن علاقة، وأبي الزّبير، وخلق، وعنه القطّان، وابن مهدي، وأبو نعيم، والأسود بن عامر، وعمر بن خالد، وخلق. قال شعيب بن حرب: زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة. وقال أحمد: زهير ثبت سمع من أبي إسحاق بآخره. قال الخطيب: حدث عنه ابن جريج، وعبد الغفار الحراني، وبين وفاتيهما بضع وستون سنة، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة، ومولده سنة مائة. ينظر: «الخلاصة» (1/ 340) ، «تهذيب الكمال» (1/ 436) ، «تهذيب التهذيب» (3/ 351) ، «الكاشف» (1/ 327) ، «الثقات» (6/ 337) . (4) أخرجه أبو داود (2/ 441) : كتاب «اللباس» ، باب: ما جاء في القميص، حديث (4027) .

الله صلّى الله عليه وسلّم القميص «1» . انتهى. وجاء في المُسْبِلِ وَعيدٌ شديد وعنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لرجل أَسْبَلَ إزاره: «إن هذا كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزَارَهُ وإِن اللَّه لا يَقْبَلُ صَلاَةَ رَجُلٍ مسبل إزاره» رواه أبو داود «2» . انتهى. وقوله سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا إباحة لما التزموه من تَحْرِيمِ اللحم، والودك «3» في أيام المواسم. قاله ابن زَيْدٍ وغيره، ويدخل في ذلك «4» البَحِيرَةُ والسائبة، ونحو ذلك نصّ على ذلك قَتَادَةُ. وقوله سبحانه: وَلا تُسْرِفُوا معناه: لا تفرطوا. قال أهل التأويل: يريد تُسْرِفُوا بأن تحرموا ما لم يحرّم الله عز وجل واللفظةَ تَقْتَضِي النهي عن السَّرَفِ مُطْلَقاً، ومن تَلَبَّسَ بفعلٍ مباح، فإن مشى فيه على القَصْدِ، وأوسط الأمور، فحسن، وإن أفْرَطَ جعل أيضا من المسرفين.

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 440) كتاب «اللباس» ، باب: ما جاء في القميص، حديث (4025، 4026) ، والترمذي (4/ 237- 238) كتاب «اللباس» ، باب: ما جاء في القميص، حديث (1762) ، وفي «الشمائل» رقم: (55) ، وابن ماجه (2/ 1183) كتاب «اللباس» ، باب: لبس القميص، حديث (3575) ، وأحمد (6/ 317) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» برقم: (1540) ، وأبو يعلى (12/ 445) رقم (7014) ، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» ص: (100) ، والطبراني في «الكبير» (23/ 421) برقم: (1018) ، والحاكم (4/ 192) ، والبيهقي (2/ 239) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 146- بتحقيقنا) . كلهم من طريق عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث عبد المؤمن بن خالد، تفرد به وهو مروزي، وروى بعضهم هذا الحديث عن أبي تميلة عن عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة. (2) أخرجه أبو داود (1/ 228) كتاب «الصلاة» ، باب: الإسبال في الصلاة، حديث (638) ، وفي (2/ 455) كتاب «اللباس» ، باب: ما جاء في إسبال الإزار، حديث (4086) ، والبيهقي (2/ 241) كتاب «الصلاة» ، من حديث أبي هريرة، وهذا الحديث لم يخرجه سوى أبي داود من أصحاب الكتب الستة. (3) الودك: دسم اللحم، ودهنه الذي يستخرج منه. ينظر: «النهاية» (5/ 169) . (4) البحيرة: أنهم كانوا إذا ولدت إبلهم سقيا (يعني ولد الناقة) بحروا أذنه: أي شقوها، وقالوا: اللهم إن عاش ففتيّ وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة، وقيل: البحيرة: هي بنت السائبة، كانوا إذا تابعت الناقة بين عشر إناث لم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو ضيف، وتركوها مسيّبة لسبيلها وسموها السائبة، فما ولدت بعد ذلك من أنثى شقوا أذنها، وخلوا سبيلها، وحرم منها ما حرم من أمها، وسموها البحيرة. ينظر: «النهاية» (1/ 100) . [.....]

[سورة الأعراف (7) : آية 32]

وقال ابن عَبَّاس في هذه الآية: أحلَّ اللَّه الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مخيلة «1» . قال ابن العربي «2» : قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا الإِسْرَافُ تَعَدِّي الحد، فنهاهم سبحانه عن تعدي الحَلاَل إلى الحرام. وقيل: لا يزيد على قَدْرِ الحاجة، وقد اختلف فيه على قولين فقيل/ حرام. وقيل: مكروه، وهو الأصح. فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البُلْدَانِ، والأَزْمَانِ، والإِنسان، والطعمان. انتهى من «أحكام القرآن» . [سورة الأعراف (7) : آية 32] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) وقوله سبحانه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي: قل لهم على جِهَةِ التوبيخ. وَزِينَةُ اللَّه هي ما حَسَّنته الشَّرِيعَةُ، وقررته، وزِينَةُ الدنيا كل ما اقتضته الشَّهْوَةُ، وطلب العلو في الأرض كالمَالِ والبنين. والطَّيِّباتِ قال الجمهور: يريد المُحَلّلات. وقال الشافعي وغيره: هي المُسْتَلَذَّاتُ أي: من الحلال، وإنما قاد الشَّافعي إلى هذا تحريمه المستقذرات كالوَزَغِ «3» ونحوهَا، فإنه يقول: هي من الخَبَائِث. ت: وقال مكي: المعنى قل مَنْ حَرَّمَ زينة اللَّه، أي: اللِّبَاس الذي يزين الإنسان بأَن يستر عَوْرَتهُ، ومن حرم الطيبات من الرزق المُبَاحَةِ. وقيل عنى بذلك ما كَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تحرمه من السوائب والبَحَائِر. انتهى. وقوله سبحانه: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قال ابن

_ (1) أخرجه ابن جرير (5/ 472) برقم: (14535) ، وذكره ابن عطية (2/ 393) ، وابن كثير (2/ 210) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 146) . (2) ينظر: «الأحكام» (2/ 781) . (3) الوزغ: دويبة، وهي سوام أبرص. ينظر: «اللسان» (4826) .

[سورة الأعراف (7) : آية 33]

جُبَيْرٍ: المعنى: قل هي للذين آمَنُوا في الحَيَاةِ الدنيا يَنْتَفِعُونَ بها في الدُّنْيَا، ولا يتبعهم إثمها يوم القِيَامَةِ «1» . وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: المعنى هو أن يخبر صلّى الله عليه وسلّم أن هذه الطَّيبات المَوْجُودَاتِ هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا، وإن كانت أيْضاً لغيرهم معهم، وهي يوم القيامة خالصة لهم، أي: لا يشركهم أحد في استعمالها في الآخرة «2» . وقرأ نافع «3» وحده «خالصةٌ» بالرفع، والباقون بالنَّصْب. وقوله سبحانه: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي: كما فَصَّلنا هذه الأشياء المتقدمة الذِّكر نُفَصِّلُ الْآياتِ أي: نبين الأمَارَاتِ، والعَلاَمَاتِ، والهِدَايَاتِ لقوم لهم علم ينتفعون به. [سورة الأعراف (7) : آية 33] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (33) وقوله عز وجل: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ... الآية: لما تقدم إنكار ما حرمه الكُفَّار بآرائهم أتبعه بذِكْرِ ما حرم الله عز وجل. والفَوَاحِشُ في اللغة ما فَحُشَ وشنع، وأصله من القُبْحِ في النظر، وهي هنا إنما هي إشارة إلى ما نص الشرع على تحريمه، فكل ما حرمه الشَّرْعُ، فهو فاحش، والإثم لفظ عام في جَمِيعِ الأفعال والأقوال التي يَتَعَلَّقُ بمرتكبها إثم. هذا قول الجمهور. وقال بعض الناس: هي الخَمْرُ وهذا قول مردود لأن هذه السورة مَكيّة، وإنما حرمت الخَمْرُ ب «المدينة» بعد أُحد وَالْبَغْيَ التعدي، وتجاوز الحد. وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من أنه حرم البَحِيرَةَ والسائبة ونحوه.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 475) برقم: (14556) ، وابن عطية (2/ 393) . (2) أخرجه الطبري (5/ 473- 474- 475) برقم: (14546- 14555) ، وذكر البغوي (2/ 157) بنحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 150) . (3) والتقدير على قراءة الرفع أي: هي خالصة للذين آمنوا. ينظر: «السبعة» (280) و «الحجة» (4/ 13) ، و «حجة القراءات» (281) ، و «العنوان» (95) و «إعراب القراءات» (1/ 180) ، و «شرح الطيبة» (4/ 294) ، و «شرح شعلة» (388) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 47) و «معاني القراءات» (1/ 404) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 34 إلى 36]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 34 الى 36] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ المعنى: ولكل أمة أجل مُؤَقَّت لمجيء العَذَابِ إذا كفروا، وخالفوا أَمْرَ ربهم، فأنتم أيتها الأمة كذلك. قاله الطبري «1» وغيره. وقوله: ساعَةً لفظ عين به الجزء القليل من الزمان، والمراد جميع أجزائه، والمعنى: لا يستأخرون سَاعَة، ولا أقل منها، ولا أكثر. وقوله عز وجل: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ/ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ الخِطَابُ في هذه الآية لجميع العالم، و «إن» هي الشرطية دخلت عليها «ما» مؤكدة، وكان هذا الخطاب لجميع الأُمم قَدِيمِها وحَدِيثِهَا هو متمكن لهم، ومتحصِّل منه لحاضري نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن هذا حُكْمُ اللَّه في العالم منذ أنشأه، ويَأْتِيَنَّكُمْ مستقبل وُضِعَ موضع ماضٍ ليفهم أن الإتيان بَاقٍ وَقْتَ الخطاب، لِتَقْوَى الإشارة بصحّة النبوءة إلى نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم وهذا على مُرَاعَاةِ وَقْتِ نزول الآية. وأسند الطَّبَري إلى أبي سَيَّارٍ السُّلمي قال: «إن الله سبحانه خاطب آدم وذريته، فقال: يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ... الآية: قال: ثم نظر سبحانه إلى الرّسل، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ... [المؤمنون: 51، 52] » الحديث «2» . قال ع «3» : ولا مَحَالَةَ أن هذه المُخَاطَبَة في الأزل. وقيل: المراد بالرسل نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم ذَكَرَهُ النقاش ويَقُصُّونَ أي: يسردون، ويوردون، «والآيات» لَفْظٌ جامع لآيات الكُتُب المنزلة، وللعلامات التي تقترن بالأنبياء، ونفي الخوف والحزن يعم جَمِيعَ أنواع مكاره النفس وأنكادها.

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 476) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 477) برقم: (14560) من حديث أبي سيار السلمي، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 153) وعزاه لابن جرير. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 396) .

[سورة الأعراف (7) : آية 37]

[سورة الأعراف (7) : آية 37] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قوله سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ ... الآية: هذه الآية وَعِيدٌ واستفهام على جهة التقرير، أي: لا أحد أظلم منه، والكتاب هو اللوح المَحْفُوظُ في قول الحَسَنِ وغيره. وقيل: ما تكتبه الحَفَظَةُ، ونصيبهم من ذلك هو الكُفْرُ وَالمَعَاصي. قاله مجاهد، وغيره. وقيل: هو القرآن، وحَظُّهم فيه سَوَادُ الوجوه يوم القيامة. وقال الربيع بن أنس، وغيره: المعنى بالنصيب مَا سَبَقَ لهم في أُم الكتاب من رِزْق، وعمر، وخير، وشر في الدنيا، ورجحه «1» الطبري. واحتج له بقوله تعالى بعد ذلك: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي: عند انقضاء ذلك، فكان معنى الآية على هذا التأويل: أولئك يتمتعون، ويتصرَّفُونَ في الدنيا بِقَدْرِ ما كتب لهم حتى إِذا جاءتهم رُسُلنا لموتهم وهذا تأويل جَمَاعَةٍ، وعلى هذا يترتّبُ ترجيحُ الطبري. وقالت فرقة: رُسُلُنا يريد بهم مَلاَئِكَةَ العَذَابِ يوم القيامة، ويَتَوَفَّوْنَهُمْ معناه عندهم يستوفونهم عَدَداً في السوق إلى جهنم. وقوله سبحانه حكايةً عن الرسل أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ استفهام تقرير، وتوبيخ، وتوقيف على خِزْيٍ، وتَدْعُونَ معناه: تعبدون، وتؤمِّلُون. وقولهم: ضَلُّوا عَنَّا معناه: هلكوا، وتلفوا، وفقدوا. ثم ابتدأ الخبر عن المشركين بقوله سبحانه: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 38 الى 39] قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (5/ 481) .

قوله سبحانه: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ هذه حكاية ما يَقُولُ اللَّه سبحانه لهم يَوْمَ القيامة، بواسطة ملائكة العَذَابِ، نسأل اللَّه العافية. وعبر عن يقول ب «قال» لتحقُّق وقوع ذلك، وصدق القصة، وهذا كثير، وخَلَتْ حكاية عن حَالِ الدنيا، أي: ادخلوا في النَّار في جملة الأمم السابقة لكم في الدنيا الكافرة. ت: وكذا قدره «1» أبو حَيَّانَ في جملة «أمم» ، قال: وقيل: «في» بمعنى «مع» أي: مع أمم، وتقدم له في «البقرة» أن «في» تجيء للمُصَاحَبَةِ، كقوله تعالى: ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ انتهى. وقدم ذِكْرَ الجن لأنهم أَعْرَقُ/ في الكفر، وإبليس أَصْلُ الضلال والإغواء، وهذه الآية نص في أن كفرة الجنِّ في النار، والذي يقتضيه النظر أن مُؤمنيهم في الجَنَّةِ لأنهم عُقَلاَءُ، مُكَلَّفُونَ، مبعوث إليهم، آمنوا وصدقوا، وقد بَوَّب البخاري رحمه اللَّه باباً في ذِكْرِ الجن، وثوابهم، وعقابهم. وذكر عبد الجليل: أن مؤمني الجن يكونون تُرَاباً كالبهائم، وذكر في ذلك حديثاً مجهولاً، وما أَراه يصحُّ. واللَّه أعلم. والإِخْوَةُ في هذه الآية إِخْوَةُ الملة. قال ص: في «النار» متعلق ب «خَلَتْ» ، أو بمحذوف، وهو صفة ل «أمم» أي: في أمم سابقة، في الزمان كائنة، من الجن والإنس كائنة في النار، ويحتمل أن يتعلق ب «ادخلوا» على أن «في» الأولى بمعنى «مع» ، والثانية للظرفية، وإذا اختلف مَدْلُول الحرفين، جاز تعلقهما بمحلّ واحد. انتهى. وادَّارَكُوا معناه: تلاحقوا، أصله: تداركوا أدغم، فجلبت ألف الوَصْل. وقال البخاري: ادَّارَكُوا اجتمعوا. انتهى. وقوله سبحانه: قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ معناه: قالت الأمم الأخيرة التي وجدت ضلالات متقررة، وسنناً كاذبةً مستعملة للأولى التي شرعت ذلك، وافترت على اللَّه، وسَلَكَتْ سبيل الضَّلال ابتداءً رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا، أي: طرقوا لنا طُرُقَ الضلال، قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أي: عذاب مشدَّد على الأول والآخر وَلكِنْ لاَّ تَعْلَمُونَ أي المقادير، وصور التضعيف.

_ (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 297) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 40 إلى 42]

قوله سبحانه: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ أي: قد اسْتَوَتْ حالنا وحالكم فَذُوقُوا الْعَذابَ باجْتَرَامِكُمْ، وهو من كلام الأمة المتقدمة للمتأخّرة. وقيل: قوله: فَذُوقُوا هو من كلام الله عز وجل لجميعهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 40 الى 42] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الآية، هذه الآية عامة في جميع الكَفَرَةِ قديمهم وحديثهم. قرأ نافع «1» وغيره: «تُفَتَّح» بتشديد التاء الثانية، وقرأ أبو عمرو: «تُفْتَح» بالتاء أيضاً وسكون الفاء، وتخفيف الثانية، وقرأ حمزة «يفتح» بالياء من أسفل، وتخفيف التاء، ومعنى الآية: لا يرتفع لهم عَمَلٌ، ولا روح، ولا دعاء، فهي عامة في نفي ما يوجب للمؤمنين. قاله ابن عباس، وغيره. ثم نفى سبحانه عنهم دُخُولَ الجنة، وعلق كونه بِكَوْنٍ محال، وهو أن يدخل الجمل في ثُقْبِ الإبرة حيث يدخل الخَيْطُ، والجمل كما عهد، والسَّمّ كما عهد، وقرأ جمهور «2» المسلمين «الجمل» واحد الجمال، وقرأ ابن عباس وغيره «3» «الجُمّل» بضم الجيم وتشديد الميم، وهو حَبْلُ السفينة «4» والسّمّ: الثقب من الإبرة وغيرها، وكَذلِكَ أي: وعلى هذه

_ (1) والتشديد أي: مرة بعد مرة. وحجة هؤلاء قوله تعالى: مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [ص: 50] . ينظر: «السبعة» (280) ، و «الحجة» (4/ 18) ، و «حجة القراءات» (282) ، و «إعراب القراءات» (1/ 180) ، و «العنوان» (95) ، و «شرح الطيبة» (4/ 294) ، و «شرح شعلة» (388) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 48) ، و «معاني القراءات» (1/ 405) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 400) ، و «البحر المحيط» (4/ 300) ، و «الدر المصون» (3/ 269) . (3) وقرأ بها سعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وأبي العلاء بن الشّخير، ورويت عن أبي رجاء. ينظر: «الشواذ» (48) ، و «المحتسب» (1/ 249) ، و «الكشاف» (2/ 103) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 400) ، وزاد نسبتها إلى عكرمة، وينظر: «البحر المحيط» (4/ 300) ، وزاد في نسبتها إلى ابن يعمر، وأبي مجلز، وأبي رزين، وابن محيصن، وأبان عن عاصم، وينظر: «الدر المصون» (3/ 270) . [.....] (4) أخرجه الطبري (5/ 487) ، وابن كثير (2/ 214) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 157) .

[سورة الأعراف (7) : آية 43]

الصفة، وبمثل هذا الحتم، وغيره نجزي الكفرة وأهل الجَرَائِمِ على اللَّه. لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ أي: فراش، ومسكن، ومضجع يتمهَّدُونه، وهي لهم غَوَاشٍ جمع غاشية، وهي ما يَغْشَى الإنسان أي: يغطيه، ويستره من جهة فَوْق. وقوله سبحانه: لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هذه آية وعد مخبرةٌ أن جميع المؤمنين هم أصْحَابُ الجنة، ولهم الخُلْدُ فيها، ثم اعترض فيها القَوْل بعقب الصِّفَةِ التي شرطها في المؤمنين باعتراض يُخَفِّفُ الشرط، ويرجى في رحمة اللَّه، ويعلم أن دينه يُسْر، وهذه الآية نصٌّ في أن الشريعة لا يَتَقَرَّرُ من تكاليفها شَيْءٌ لا يُطَاقُ، وقد/ تقدم ذلك في «سورة البقرة» . «والوُسْعُ» معناه: الطاقة، وهو القدر الذي يتّسع له البشر. [سورة الأعراف (7) : آية 43] وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وقوله سبحانه: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ هذا إخبار من الله عز وجل أنه ينقي قُلُوبَ ساكني الجنة من الغِلِّ، والحِقْدِ، وذلك أن صاحب الغل مُعَذَّبٌ به، ولا عذاب في الجَنَّةِ. وورد في الحديث: «الغلُّ على بَابِ الجنة كَمَبَارِكِ الإِبِلِ قد نَزَعَهُ اللَّه من قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ» «1» . والغل: الحِقْدُ والإِحنة الخَفِيَّةُ في النفس. وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا الإِشارة ب «هذا» يتجه أن تكون إلى الإيمان، والأعمال الصالحات المؤدية إلى الجنة، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نَفْسِهَا، أي: أرشدنا إلى طرقها. وقرأ ابن عامر «2» وَحْدَهُ: «ما كنا لنهتدي» بسقوط الواو، وكذلك هي في مَصَاحِف أهل «الشام» ، ووجهها أن الكَلاَمَ مُتَّصِلٌ، مرتبط بما قبله. ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللَّه سبحانه، وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا:

_ (1) ينظر: «تفسير القرطبي» (7/ 208) . (2) ينظر: «شرح طيبة النشر» (4/ 295) ، و «شرح شعلة» (389) ، و «العنوان» (95) ، و «معاني القراءات» (1/ 407) ، و «إتحاف» (2/ 49) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 44 إلى 46]

لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أي: قيل لهم بِصِيَاحٍ، وهذا النداء من قِبَلِ اللَّه، «وأن» مفسرة لمعنى النداء، بمعنى: أي. وقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لا على طَرِيق وجوب ذلك على اللَّه تعالى لكن بقرينة رحمته، وتغمده، والأعمال أمارة من اللَّه سبحانه وطريق إلى قوة الرَّجَاء، ودخولُ الجَنَّة إنما هو بِمُجَرَّدِ رحمته، والقَسْمُ فيها على قدر الأعمال. «وأورثتم» مشيرة إلى الأقسام. [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 46] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا ... الآية. هذا النداء من أهل الجنة لأهل النار تَقْرِيعٌ، وتوبيخ، وزيادة في الكَرْبِ، وهو بأن يشرفوا عليهم، ويخلق الإدراك في الأسماع والإبصار. وقوله سبحانه: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أي: أعلم معلم، والظالمون هنا هم الكافرون. ت: حكي عن غير وَاحِدٍ أن طاوس دخل على هشام بن عبد الملِكِ «1» فقال له: اتّق الله، واحْذَرْ يوم الأذان، فقال: وما يوم الأذان؟ فقال قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذُلُّ الوَصْفِ، فكيف ذل المُعَايَنَةِ انتهى. وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي: يطلبونها، أو يطلبون لها، والضمير في يَبْغُونَها عائد على السَّبيل.

_ (1) هشام بن عبد الملك بن مروان: من ملوك الدولة الأموية في الشام. ولد في دمشق وبويع فيها بعد وفاة أخيه يزيد سنة 105 هـ، خرج عليه زيد بن علي بن الحسين سنة 120 هـ بأربعة عشر ألفا من أهل الكوفة، فوجه إليه من قتله وفلّ جمعه، نشبت في أيامه حرب هائلة مع خاقان الترك في ما وراء النهر، كان حسن السياسة، يقظا في أمره، يباشر الأعمال بنفسه. ولد سنة 71 هـ، وتوفي في سنة 125 هـ. انظر: «ابن الأثير» (5/ 96) «الطبري» (8/ 283) ، «اليعقوبي» (3/ 57) ، «ابن خلدون» (3/ 80) ، «الأعلام» (8/ 86) .

وقوله سبحانه: وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ. وَبَيْنَهُما: أي: بين الجنة والنار، ويحتمل بين الجَمْعَيْنِ، والحِجَابُ هو السور الذي ذكره الله عز وجل في قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الحديد: 13] . قال ابن عباس، وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار «1» . وقال ابن عباس أيضاً: هو تَلٌّ بين الجنة والنار» . وذكر الزّهراويّ حديثا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أُحُداً جَبَلٌ يحبنا ونحبُّه، وإِنَّه يَوْمَ القِيَامَةِ يمثلُ بينَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَحْتَبِسُ عَلَيْهِ أَقْوَامٌ، يعرفون كُلاًّ بِسِيماهُمْ، هُمْ إِن شَاءَ اللَّه من أَهْلِ الجَنَّةِ» «3» . والأعراف جمع عرف، وهو المرتفع من الأرض، ومنه عُرْفُ الفرس، وعرف الديك لعلوِّهُمَا. وقال بعض الناس: سُمِّيَ الأعراف أَعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس. قال ع «4» : وهذه عُجْمَةٌ، وإنما المراد على أعراف ذلك الحِجَاب، أي أعاليه. وقوله: رِجالٌ قال الجمهور: إنهم رِجَالٌ من البَشَرِ، ثم اختلفوا في تعيينهم، فقال شرحبيل بن سَعْدٍ: هم المستشهدون في سَبِيلِ اللَّه الذين خَرَجُوا عُصَاةً لآبائِهِم «5» . وذكر الطَّبَرِيُّ في ذلك/ حَدِيثاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأنه تعادل عُقُوقُهم، واستشهادهم «6» . وقال ابن عباس، وغيره: هم قوم اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وسيئاتهم «7» ، ووقع في «مسند

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 498) برقم: (14687) ، (14688) وبرقم: (14686) ، وذكره ابن عطية (2/ 404) ، وابن كثير (2/ 216) ، وذكره السيوطي (3/ 160) ، (3/ 161) . (2) أخرجه الطبري (5/ 498) برقم: (14685) ، وذكره ابن عطية (2/ 404) ، وابن كثير (2/ 216) ، والسيوطي (3/ 161) . (3) الحديث بهذا اللفظ لم أجده أما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أحد جبل يحبنا ونحبه» فثابت من قول النبي صلّى الله عليه وسلّم. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 404) . (5) أخرجه الطبري (5/ 501) برقم: (14711) ، وابن عطية (2/ 404) ، والبغوي (2/ 162) بنحوه. (6) أخرجه الطبري في «تفسيره» (5/ 501) برقم: (14713) والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 163) ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وأحمد بن منيع، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» ، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» ، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «البعث» . (7) أخرجه الطبري (5/ 500) برقم: (14700- 14705- 14706) ، وذكره ابن عطية (2/ 404) ، والبغوي (2/ 162) ، وابن كثير (2/ 216) ، والسيوطي (3/ 163) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 47 إلى 49]

خيثمة «1» بن سليمان» في آخر الجزء الخامس عشر عن جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: «تُوضَعُ المَوَازِينُ يوم القيامة، فتوزن الحَسَنَاتُ والسَّيِّئَاتُ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ على سيئاته مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل الجَنَّةَ، ومن رَجَحَتْ سيئاته على حَسَنَاتِهِ مِثْقَالَ صُؤَابَةٍ دخل النار. قيل: يا رَسُولَ اللَّه فمن استوت حَسَنَاتُهُ وسيئاته؟ قال: أولئك أصحاب الأَعْرَافِ لم يَدْخُلوها وهم يَطْمَعُون» «2» . وقيل غير هذا من التَّأويلات. قال ع «3» : واللازم من الآية أن على أعراف ذلك السُّور، أو على مواضع مرتفعة عن الفَرِيقَيْنِ حيث شاء اللَّه تعالى رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار. ويَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ، أي: بِعَلاَمَاتِهِمْ من بياض الوجوه، وحُسْنِهَا في أهل الجنة، وسَوَادِهَا وقبحها في أهل النَّارِ إلى غير ذلك في حَيِّزِ هؤلاء، وحيز هؤلاء. وقوله: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ المراد به: أهل الأعراف فقط، وهو تأويل ابن مَسْعُودٍ، والسدي، وقتادة، والحسن «4» وقال: واللَّه ما جعل اللَّه ذلك الطَّمَعَ في قلوبهم إلا لخير أَرَادَهُ بهم. قال ع «5» : وهذا هو الأظهر الأليق مما قيل في هذه الآية، ولا نَظَرَ لأَحَدٍ مع قول النبي صلّى الله عليه وسلّم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 47 الى 49] وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)

_ (1) الإمام الثّقة المعمّر، محدّث الشّام، أبو الحسن، خيثمة بن سليمان بن حيدرة بن سليمان، القرشي، الشّامي، الأطرابلسي، مصنّف «فضائل الصّحابة» . كان رحّالا جوّالا صاحب حديث. وثّقه الخطيب، وقال: ثقة ثقة. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (15/ 412- 413) ، «العبر» (2/ 262) ، «النجوم الزاهرة» (3/ 312) . (2) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 162) ، وعزاه إلى ابن عساكر، وأبي الشيخ، وابن مردويه. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 404) . [.....] (4) ذكره ابن عطية (2/ 405) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 405) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 50 إلى 53]

وقوله سبحانه: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي: أبصار أصحاب الأعراف، فهم يسلمون على أصحاب الجنة، وإذا نظروا إلى النار، وأهلها، قالوا: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قاله ابن عباس «1» ، وجماعة من العلماء. وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يريد من أهل النار. مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ «ما» استفهام بمعنى التَقْرِيرِ، والتوبيخ، و «ما» الثانية مصدرية، و «جمعكم» لفظ يعم المال والأَجْنَادَ والخَوَلَ. وقوله سبحانه: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أهل الأعراف هم القائلون: «أهؤلاء» إشارة إلى أهل الجنة، والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى: أهؤلاء الضُّعَفَاء في الدنيا الذين حَلَفْتُمْ أن اللَّه لا يعبؤبهم، قيل لهم: ادخلوا الجنة. وقال النقاش: اقسم أهْلُ النَّارِ أن أصحاب الأعراف داخلون النَّارَ «2» معهم، فنادتهم المَلاَئِكَةُ: أهؤلاء، ثم نادت أصحاب الأَعْرَافِ: ادخلوا الجنة. وقرأ عكرمة «3» : «دخلوا الجَنَّة» على الإخبار بفعل ماض. [سورة الأعراف (7) : الآيات 50 الى 53] وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) وقوله سبحانه: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ ... الآية: لفظة النداء تتضمن أن أهل النار وَقَعَ لهم علم بأن أهل الجنّة يسمعون نداءهم،

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 505) برقم: (14743) بلفظ: «إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا: رَبَّنا لاَ تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وذكره ابن عطية (2/ 405) بمثله، وابن كثير (2/ 218) بنحوه. (2) ذكره ابن عطية (2/ 406) ، والبغوي (2/ 163) بنحوه، والسيوطي (3/ 166) بنحوه، وعزاه للربيع. (3) ينظر: «الشواذ» (49) ، و «الكشاف» (2/ 107) ، و «المحتسب» (1/ 249) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 406) ، و «البحر المحيط» (4/ 306) ، و «الدر المصون» (3/ 276) .

وجائز أن يكون ذلك، وهم يرونهم بإِدراك يجعله اللَّه لهم عَلَى بُعْدِ السُّفْلِ من العلو، وجائز أن يكون ذلك، وبينهم السُّورُ والحجاب المتقدم الذِّكْر. وروي أن ذلك النداء هو عند اطِّلاَع أهل الجنة عليهم. وقوله سبحانه: أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ إشارة إِلى الطعام. قاله السدي «1» . فيقول لهم أهل الجنة: إن اللَّه حَرَّمَ طعام الجَنَّةِ وشَرَابَهَا على الكافرين، وإجابة أهل الجنة بهذا الحُكْمِ هو عن أَمْرِ اللَّه تعالى. ومعنى قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً أي بالإِعْرَاضِ والاستهزاء. بِمَنْ يدعوهم إلى الإسلام. وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي: خدعتهم بزخرفها، واعتقادهم أنها الغَايَةُ القصوى. وقوله: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ هو من إخبار اللَّه عز وجل عما يَفْعَلُ بهم والنسيان هنا بمعنى التَّرْكِ، أي: نتركهم في العذاب، كما تركوا النَّظَر/ للقاء هذا اليوم. قاله ابن عباس «2» وجماعة. «وما كانوا» عطف على «ما» من قوله: «كما نسوا» ، ويحتمل أن تقدر «ما» الثانية زائدة، ويكون قوله: و «كانوا» عَطْفاً على قوله: «نسوا» . وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ الضمير في جِئْناهُمْ لمن تَقَدَّم ذكره، و «الكتاب» اسم جنس، واللام في «لقد» لام قَسَم. وقال يحيى بن سلام: بل الكلام تَمَّ في يَجْحَدُونَ، وهذا الضمير لمكذبي نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم «3» وهو ابتداء كلام آخر، والمراد بالكتاب القرآن، وعَلى عِلْمٍ معناه: على بَصِيرَةٍ. وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ، أي مآله وعاقبته يوم القيامة. قاله ابن عباس «4» وغيره.

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 509) برقم: (14757) ، وذكره ابن عطية (2/ 406) ، وابن كثير (2/ 219) ، والسيوطي (3/ 166) ، وعزاه للسدي. (2) أخرجه الطبري (5/ 510) برقم: (14766- 14767) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 407) ، وابن كثير (2/ 219) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 407) . (4) أخرجه الطبري (5/ 512) برقم: (14775) ، وذكره ابن عطية (2/ 408) ، وابن كثير (2/ 220) ، والسيوطي (3/ 168) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 54 إلى 55]

وقال السدي: مآله في الدنيا وقعة بَدْرٍ وغيرها، ويوم القيامة «1» أيضاً، ثم أخبر تعالى أن مآل حال هذا الدين يوم يأتي يَقَعُ معه نَدَمُهُمْ، ويقولون تأسُّفاً على ما فاتهم من الإيمان: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ، فالتأويل على هذا من آل يؤول، وَنَسُوهُ يحتمل أن يكون بمعنى الترك، وباقي الآية بَيِّنٌ. ت: وهذا التقرير يرجّح تأويل ابن سلام المتقدم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 54 الى 55] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ... الآية خطاب عام يقتضي التوحيد، والحجة عليه بدلائله، وجاء في التفسير والأحاديث أن اللَّه سبحانه ابتدأ الخَلْقَ يوم الأَحدِ، وكملت المَخْلُوقَاتُ يوم الجمعة، وهذا كله والساعة اليَسِيرَةُ في قُدْرَةِ اللَّه سبحانه سواء. قال م: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «ستة» أصلها سِدْسَة، فأبدلوا من السِّين تاء، ثم أدغموا الدال في التاء، وتصغيره سديس وسديسة. انتهى. وقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ معناه عند أبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين: الملك، والسلطان «2» ، وخصّ العرش بالذِّكْرِ تشريفاً له إذ هو أَعْظَمُ المخلوقات. وقوله سبحانه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «ألا» : استفتاح كلام. وأخذ المفسرون «الخَلْق» بمعنى المخلوقات، أي: هي كلها مِلْكُهُ، واختراعه، وأخذوا الأمر مَصْدَراً من أمر يأمر. قال ع «3» : ويحتمل أن تؤخذ لفظة «الخَلْقِ» على المصدر من: خلق يخلق خَلْقاً، أي: له هذه الصفة إذ هو المُوجِدُ للأشياء بعد العَدَمِ، ويؤخذ الأمر على أنه واحد

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 512) برقم: (14773) ، وذكره ابن عطية (2/ 408) ، والبغوي (2/ 164) بلفظ: «عاقبته» ، والسيوطي (3/ 168) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (2) ذكره ابن عطية (2/ 408) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 409) .

الأمورِ، فيكون بمنزلة قوله: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: 123] وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: 210] . وكيف ما تَأَوَّلَتِ الآية، فالجميع للَّه سبحانه. وتَبارَكَ معناه: عظم، وتعالى، وكثرت بركاته، ولا يوصف بها إلا الله سبحانه. وتَبارَكَ لا يَتَصَرَّفُ في كلام العرب، فلا يقال منه: يتبارك، والْعالَمِينَ جمع عالم. قوله عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ هذا أمر بالدعاء، وتعبد به، ثم قرن سبحانه بالأَمْرِ به صفات تحسن معه. وقوله: تَضَرُّعاً معناه بخشوع، واستكانة، والتضرع لفظة تَقْتَضِي الجَهْرَ، لأن التضرع إنما يكون بإشَارَاتِ جوارح وهيئات أعضاء تقترن بالطلب، وخُفْيَةً يريد في النفس خاصة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على ذلك في قوله سبحانه: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم: 3] ، ونحو هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خَيْرُ الذِّكْرِ الخَفِيُّ» «1» والشريعة مقررة أن السر فيما لم يفرض من أعمال البر أعظم أَجْراً من الجَهْرِ. ت: ونحو هذا لابن العربي لما تكلَّمَ على هذه الآية، قال: الأَصْلُ في الأعمال الفرضية الجَهْرُ، والأصل في الأعمال النَّفْلية السِّرُّ، وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرِّيَاءِ، والتَّظَاهُر بذلك في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وقلوب الخَلْقِ جُبِلَتْ بالمَيْلِ إلى أهل الطاعة. انتهى/ من «الأحكام» . وقوله سبحانه: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ يريد في الدعاء، وإن كان اللفظ عامّاً، والاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجَهْرُ الكثير، والصياح، وفي «الصحيح» عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أيها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لاَ تدعون أصمّ ولا غائبا» «2» .

_ (1) أخرجه أحمد (1/ 187) ، وفي «الزهد» ص: (10) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» ص: (76) برقم: (137) ، وأبو يعلى (2/ 81- 82) برقم: (731) ، وابن حبان (2323- موارد) ، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعد بن أبي وقاص به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 84) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، وقد وثقه ابن حبان، وقال: روى عن سعد بن أبي وقاص. قلت: وضعفه ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح. (2) أخرجه البخاري (7/ 537) كتاب «المغازي» ، باب: غزوة خيبر، حديث (4205) ، وفي (11/ 191) كتاب «الدعوات» ، باب: الدعاء إذا علا عقبه، حديث (6384) ، وفي (11/ 217) كتاب «الدعوات» ، [.....]

ومنها: أن يدعو في مُحَالٍ، ونحو هذا من التشطّط وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قالُّ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعَاءِ، وحَسْبُ المرء أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّب إِلَيْهَا من قَوْلٍ، أو عَمَلٍ، وأَعُوذُ بك من النَّارِ، وما قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلِ، أو عَمَلٍ» «1» . وقال البخاري: إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي: في الدعاء وغيره. انتهى. ت: قال الخطابي: وليس معنى الاعتداء الإكثار، فقد جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدّعاءِ» «2» ، وقال: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَكْثرْ، فإنما هُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ» «3» . انتهى. وروى أبو داودَ في «سُنَنَهِ» عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ قوم يَعْتَدُونَ في الطّهر والدّعاء» «4» انتهى.

_ - باب: قَوْلَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، حديث (6409) ، وفي (13/ 384) كتاب «التوحيد» ، باب: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً، حديث (7386) ، ومسلم (4/ 2076) كتاب «الذكر والدعاء» ، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث (44- 45/ 2704) ، وأبو داود (1/ 478) كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، حديث (1526) ، و (1527) ، و (1528) ، والترمذي (5/ 457) ، كتاب «الدعوات» باب: (3) ، حديث (3374) ، وابن ماجه (2/ 1256) كتاب «الأدب» باب: ما جاء في لا حول ولا قوة إلا بالله، حديث (3824) ، وأحمد (4/ 402، 403، 407، 417، 418، 419) ، وأبو يعلى (13/ 241) برقم: (7252) ، وابن حبان (792) ، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» برقم: (521) كلهم من طريق أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (1) أخرجه أحمد (1/ 172، 182) ، وأبو داود (1/ 466- 467) كتاب «الصلاة» باب: الدعاء، حديث (1480) ، والطبراني في «الدعاء» (55) ، وابن أبي شيبة (10/ 288) ، وأبو يعلى (10/ 71) برقم: (715) من حديث سعد بن أبي وقاص. (2) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 452) من طريق يوسف بن السفر عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعا. وأسند العقيلي عن البخاري قوله في يوسف بن السفر: منكر الحديث، والحديث موضوع آفته يوسف هذا. (3) أخرجه البخاري (11/ 144) كتاب «الدعوات» باب: ليعزم المسألة فإنه لا مكره له، حديث (6338) ومسلم (4/ 2063) كتاب «الذكر والدعاء» باب: العزم، حديث (9/ 2679) ، وأحمد (2/ 486) وأبو داود (1/ 467) كتاب «الصلاة» ، باب: الدعاء، حديث (1483) من حديث أبي هريرة. (4) أخرجه أبو داود (1/ 72) كتاب «الطهارة» باب: الإسراف في الماء، حديث (96) ، وابن ماجه (2/ 1271) كتاب «الدعاء» باب: كراهية الاعتداء في الدعاء، حديث (3864) ، وأحمد (4/ 87) (5/ 55) ، وابن أبي شيبة (10/ 288) ، والحاكم (1/ 162) ، وابن حبان (6764) ، والطبراني في «الدعاء» (59) -

[سورة الأعراف (7) : آية 56]

[سورة الأعراف (7) : آية 56] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وقوله سبحانه: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ... الآية ألفاظها عامة تتضمن كل فَسَادٍ قَلّ أو كثر بعد صَلاَحٍ قل أو كثر، والقَصْدُ بالنهي هو [على] العموم، وتخصيص شيء دون شَيْءٍ، في هذا تحكم إلا أن يُقَالَ على جهة المثال. وقوله سبحانه: وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً أمر بأن يكون الإنسان في حالة تقرب، وتحرز، وتأميل لله عز وجل حتى يَكُونَ الخَوْفُ والرجاء كالجَنَاحَيْنِ للطير يَحْمِلاَنِهِ في طريق استقامة، وإن انفرد أحدهما هَلَكَ الإنسان. وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يَغْلِبَ الخَوْفُ الرَّجَاءَ طُولَ الحياة، فإذا جاء المَوْتُ غلب الرَّجَاءُ. وقد رأى كثير من العلماء أن يكون الخَوْفُ أغلب على المَرْءِ بكثير، وهذا كله طَرِيقُ احتياط، ومنه تَمَنَّى الحسن البصري أَن يَكون الرَّجُل الذي هو آخِرُ مَنْ يدخل «1» الجَنَّةَ، وتمنى سَالِمٌ مولى أبي حذيفة أن يكون من أَصْحَابِ الأَعْرَافِ «2» . ثم آنسَ سبحانه بقوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 57 الى 58] وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا ... الآية: هذه آية اعتبار، واستدلال. وقرأ عاصم «3» «الرياح» بالجمع، «بشرا»

_ - كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي دغامة، عن عبد الله بن مغفل به. وأخرجه أحمد (4/ 86) من طريق حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أبي دغامة، عن ابن المغفل به. (1) ذكره ابن عطية (2/ 411) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 411) . (3) ينظر: «السبعة» (283) ، و «الحجة» (4/ 31، 32) ، و «حجة القراءات» (285) ، و «إعراب القراءات» (1/ 186) ، و «شرح شعلة» (391) ، و «شرح الطيبة» (4/ 299) ، و «العنوان» (96) ، و «إتحاف» (2/ 53) ، و «معانى القراءات» (1/ 408، 409) .

بالباء المضمومة والشين الساكنة، وروي عنه «بُشُراً» بضم الباء والشين، ومن جمع الريح في هذه الآية، فهو أسعد وذلك أن الرِّيَاحَ حيث وَقَعَتْ في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم: 46] وأكثر ذِكْرِ الريح مفردة إنما هو بقرينة عَذَابٍ، كقوله سبحانه: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: 41] وقد تقدم إيضاح هذا في «سورة البقرة» . ومن قرأ في هذه الآية «الريح» بالإفراد، فإنما يريد به اسْمَ الجِنْسِ، وأيضاً فتقييدها ب «بشراً» يزيل الاشتراك. والإِرْسَالُ في الريح هو بمعنى الإجراءِ، والإطلاق، وبُشْرَاً، أي: تَبْشُرُ السحابَ، وأما «بُشُراً» بضم الباء والشين، فجمع بَشِير، كنذير ونذور، والرحمة في هذه الآية المطر، وبَيْنَ يَدَيْ، أي: أمام رحمته وقدامها، وأَقَلَّتْ معناه: رفعته من الأرض، واستقلّت به، وثِقالًا معناه من الماء، والعَرَبُ تَصِفُ السحاب بالثّقَلِ، والرِّيحُ تَسُوقُ السحاب من ورائه فهو سوق حقيقة، والضمير في سُقْناهُ عائد على السحاب، ووصف البلد بالمَوْتِ استعارة بسبب شعثه وجدوبته. والضمير في قوله فَأَنْزَلْنا بِهِ يحتمل أن يَعُودَ على السحاب، أي منه، ويحتمل أن يعود على البلد، ويحتمل أن يعود على الريح. وقوله تبارك وتعالى: كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى يحتمل مقصدين: أحدهما: أن يراد كهذه/ القُدْرَةِ العظيمة هي القدرة على إِحْيَاءِ الموتى، وهذا مثال لها. الثاني: أن يراد أن هكذا نَصْنَعُ بالأموات من نزول المَطَرِ عليهم، حتى يحيوا به، حَسَبَ ما وردت به الآثار، فيكون الكَلاَمُ خبراً لا مثالاً. وقوله سبحانه: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ ... آية مُتَمِّمَةٌ للمعنى الأول في الآية قبلها، معرفة بِعَادَةِ اللَّه سبحانه في إنبات الأرضين، فمن أراد أن يجعلها مِثَالاً لقلب المؤمن، وقلب الكافر، كما هو محكي عن ابن عَبَّاسٍ، ومجاهد، وقتادة، والسدي «1» ، فذلك مترتب، لكن أَلْفَاظَ الآية لا تقتضي أن المَثَل قصد به ذلك، والطيب: هو الجَيِّدُ التُّرَابِ الكريمُ الأَرْضِ وخص بإذن ربه مَدْحاً وتشريفاً، وهذا كما تقول لمن تغضّ منه: أنت

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 519) برقم: (14794) ، وذكره ابن عطية (2/ 414) ، وذكره ابن كثير (2/ 222) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 59 إلى 64]

كما شَاءَ اللَّه، فهي عبارة تعطي مُبَالَغَةً في مَدْحٍ أو ذم. والخبيث هو السّبَاخُ ونحوها من رَدِيء الأرض. والنَّكدُ العَسِيرُ القليل. كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي هكذا نبين الأمور، ويَشْكُرُونَ معناه: يؤمنون ويثنون بآلاء الله سبحانه. [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 64] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) قوله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. قال الطبري «1» : أقسم اللَّه تعالى أنه أرسل «2» نوحاً، وكذا قال أبو حيان «3» : «لقد» اللام جواب قسم محذوف. انتهى. و «غَيْرُهُ» بالرفع بَدَلٌ من قوله: مِنْ إِلهٍ لأنه في موضع رَفْعٍ، ويجوز أن يكون نَعْتاً على الموضع لأن التقدير ما لكم إله غيره، والمَلأُ الجماعة من الأشراف. قيل: إنهم مأخوذون من أنهم يملئون النَّفْسَ والعَيْنَ، ويحتمل من أنه إذا تمالؤوا على أَمْر تمّ. وقولهم: إِنَّا لَنَراكَ يحتمل من رُؤْيَةِ البصر، ويحتمل من رؤية القَلْبِ، وهو أظهر. وفِي ضَلالٍ أي في تَلَفٍ وجهالة بما تسلك. وقوله لهم جواب عن هذا:

_ (1) ينظر: الطبري في «تفسيره» (5/ 520) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 414) . (3) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 323) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 65 إلى 70]

لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ مبالغة في حُسْنِ الأدب، والإعراض عن الجَفَاءِ منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حسب ما تقتضيه خلق النبوة. وقوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ تعرض لمن يريد النظر، والبَحْثَ، والتأمل في المعجزة. وقوله عليه السلام: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لفظ مُضَمَّنُهُ الوَعِيد، لا سيما وهم لم يسمعوا قطّ بأمة عذبت. وقوله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ. الاستفهام هنا على جِهَةِ التقرير والتوبيخ، وقوله: عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ قيل: «على» بمعنى «مع» . وقيل: هو على حَذْفِ مضاف، تقديره: على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه منزَّل على رَجُلٍ منكم إذ كل ما يأتي من اللَّه سبحانه فله حكم النزول، ولَعَلَّكُمْ تَرَجٍّ بحسب حال نوح ومعتقده. وقوله سبحانه: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ... الآية. وفي التفسير: إن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رَجُلاً. وقيل: ثمانون رجلاً وثمانون امرأة وقيل: عشرة وقيل: ثمانية. قاله قتادة. وقيل: سبعة. واللَّه أعلم. وفي كثير من كتب الحديث التِّرْمذِيِّ وغيره أن جَمِيعَ الخَلْقِ الآن من ذُرِّيَّةِ نوح عليه السلام وقوله: عَمِينَ جمع عَمٍ، ويريد عَمِيَّ البَصَائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نُوحاً أَوَّلُ الرسل «1» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 70] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)

_ (1) تقدم تخريجه. [.....]

وقوله سبحانه: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ عاد اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و «أخاهم» نصب ب «أرسلنا» وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام. وقوله: أَفَلا تَتَّقُونَ استعطاف إلى التقوى، والإيمان. وقوله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قوله: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ أي في الخِلْقَةِ، والبَسْطَةُ الكمال في الطول والعَرْضِ. وقيل: زادكم على أهل عصركم. وقال الطبري: زادكم على قَوْمِ نوح. وقاله قتادة «1» . قال ع «2» : واللفظ يقتضي أن الزيادة على جَمِيع العَالم، وهو الذي يقتضيه ما يذكر عنهم. وروي أن طُولَ الرجل منهم كان مائة ذِرَاعٍ، وطول أقصرهم ستّون ونحوها. والآلاء جمع «إلًى» على مثل «معًى» ، وهي النعمة والمنة. قال الطبري: وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إِسْحاقَ من ولد عاد بن إرم بن عوض بن سَام بن نوح، وكانت مَسَاكنهم «الشّحر» من أرض «اليمن» وما وَالى «حَضْرَمَوْتَ» إلى «عمان» «3» .

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 417) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 418) . (3) أخرجه الطبري (5/ 524) برقم: (14809) ، وذكره ابن عطية (2/ 418) .

قال السدي: وكانوا بالأَحْقَافِ، وهي الرمال، وكانت بلادهم أَخْصَبَ بلاد، فردها اللَّه صحارى «1» . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن قبر هُودٍ عليه السلام هنالك في كَثِيبٍ أحمر تُخَالطه مدرة ذات أَراكٍ وسِدْر، وكانوا قد فشوا في جميع الأَرْض، وملكوا كثيراً بِقُوَّتِهِمْ وعَدَدِهِمْ، وظَلَمُوا النَّاسَ وَكَانُوا ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَبِيلَةً، وكانوا أَصْحَابَ أَوثان، فبعث اللَّه إليهم هُوداً من أفضلهم وأوسطهم نَسَباً، فدعاهم إِلى تَوْحِيدِ اللَّه سبحانه وإلى تَرْكِ «2» الظُّلْمِ. قال ابن إسحاق: ولم يأمرهم فيما يذكر بِغَيْرِ «3» ذلك، فكذبوه وعتوا، واستمروا على ذلك إلى أن أراد اللَّه إنفاذ أمره أمْسَكَ عنهم المَطَرَ ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المسجد الحرام ب «مكَّة» فدعوا اللَّه فيه تَعْظِيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل «مكة» يومئذٍ العَمَالِيقُ، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بَكْرٍ، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وَفداً إلى «مكة» يَسْتَسْقُونَ اللَّه لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري في سَبْعِينَ رَجُلاً من قومهم، فلما قدموا «مكة» نَزَلُوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر «مكة» خارج الحَرَمِ، فأنزلهم، وأقاموا عنده شَهْراً يشربون الخَمْرَ، وتغنيهم الجَرَادَتَانِ قَيْنَتَا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عَادٌ لِلْغَوْثِ أشفق على عَادٍ، وكان ابن أختهم أمه: كلهدة ابنة الخيبري أخت جلهمة، وقال: هَلَكَ أخوالي، وشق عليه أن يأمر أَضْيَافَهُ بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قَيْنَتَيْهِ، فقالتا: اصنع شِعْراً نغني به، عسى أَن نُنَبِّهَهُمْ، فقال: [الوافر] أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ... لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَاداً ... قَدَ امسوا لاَ يُبَينُونَ الكَلاَمَا مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلاَ الغُلاَمَا وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْر ... فَقَدْ أَمْسَتْ/ نِسَاؤُهُمُ عيامى

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 524) برقم: (14810) ، وذكره ابن عطية (2/ 418) ، والسيوطي (3/ 178) ، وعزاه لابن أبي حاتم. (2) ذكره ابن عطية (2/ 418) ، وابن كثير (2/ 224) بنحوه. (3) أخرجه الطبري (5/ 524) برقم: (14812) ، وذكره ابن عطية (2/ 418) ، والسيوطي (3/ 178) ، وعزاه لإسحاق بن بشر، وابن عساكر.

وَإِن الوُحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهَاراً ... وَلاَ تخشى لِعَادِيٍّ سِهَامَا وَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُم ... نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمِ ... وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَا «1» فغنت به الجَرَادَتَانِ، فلما سمعه القَوْمُ قال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حَلَّ بهم، فادخلوا هذا الحَرَمَ، وادعوا لَعَلَّ اللَّه يغيثهم فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد: إنكم واللَّه ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذٍ، فَخَالَفَهُ الوَفْدُ، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احْبِسَا عنا مرثداً، ولا يدخل معنا الحَرَم، فإنه قد اتبع هُوداً، ومَضَوْا إلى الحرم، فاستسقى قيل بن عنز، وقال: يا إلاهنا إن كان هود صادقاً، فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ اللَّه تعالى سحائب ثَلاَثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مُنَادٍ من السماء: يَا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شِئْتَ، فقال قيل: قد اخترت السَّوداء فإنها أكثرهن مَاءً، فنودي: قد اخترت رَمَاداً رَمْدداً ... لاَ تُبْقُي مِنْ عَادٍ أَحَدَا لا وَالِداً وَلاَ وَلَداً ... إِلاَّ جَعَلْتُهُمْ هَمَدَا وساق اللَّه السَّحَابَةَ السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من وَادٍ لهم يقال له: المُغِيثُ، فلما رأوها، قالوا هذا عَارِضٌ ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها: مهدر، فصاحت وصعقت، فلما أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: ريحاً فيها كَشُهبِ النار، أمامها رجال يَقُودُونَهَا، فسخرها اللَّه عليهم سَبْعَ ليال، وثمانية أيام حُسْوماً، والحُسُوم: الدائمة، فلم تَدَعْ من عَادٍ أحداً إلا هلك، فاعتزل هود، ومن معه من المُؤْمنين في حَظِيرَةٍ ما يصيبه من رِيحٍ إلا ما يلتد به. قال ع «2» : وهذا قصص وقع في «تفسير الطبري» مطولاً، وفيه اختلاف، فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم: أن الريح كانت تَدْمَغُهُمْ بالحِجَارَةِ، وترفع الظَّعِينَةَ عليها المرأة حتى تلقيها في البحر. وفي خبرهم: أن أقوياءهم كان أحدهم يسدّ بنفسه مَهَبَّ الريح حتى تَغْلبَهُ فتلقيه في البَحْر، فيقوم آخر مكانه حتى هَلَكَ الجَمِيعُ. وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعا ربّت

_ (1) الأبيات في «الكامل» (1/ 86) ، و «تاريخ الطبري» (1/ 220) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 418) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 419) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 71 إلى 72]

أولادها في حِجَاجِ عَيْنِ رَجُلٍ منهم. وفي خبرهم: أن اللَّه سبحانه لما أهلكهم بَعَثَ طيراً، فنقلت جِيفَهُمْ حتى طرحتها في البَحْرِ، فذلك قوله سبحانه: فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [الأحقاف: 25] وفي بعض ما رُويَ من شأنهم أن الريح لم تُبْعَثْ قط إلا بِمِكْيَالٍ إلا يومئذٍ، فإنها عَتَتْ على الخَزَنَةِ، فغلبتهم، فذلك قوله سبحانه: فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ [الحاقة: 6] وروي أن هوداً لما هلكت عاد نزل بمن آمَنَ معه إلى «مكة» فكانوا بها حتى مَاتُوا، فاللَّه أعلم أي ذلك كَانَ. وقولهم: أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ... الآية: ظاهر قولهم وحده أنهم أنكروا أن يتركوا أصنامهم، ويفردون العبادة للَّه مع إقرارهم بالإله الخَالِقِ المُبْدِعِ، وهذا هو الأظهر فيهم، وفي عباد الأوثان كلهم، ولا يجحد ربوبية اللَّه تعالى من الكَفَرَةِ إلا مَنْ أفرطت غباوته. وقولهم: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا: تصميم على التكذيب، واستعجال للعقوبة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 71 الى 72] قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72) وقوله سبحانه: قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ... الآية: أعلمهم بأن القَضَاءَ قد نَفذ، وحَلَّ عليهم الرجس، وهو السخط والعذاب. / وقوله: أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أي: في مسمّيات سميتموها آلهة، وَقَطَعْنا دابِرَ استعارة تُسْتَعْمَلُ فيمن يُسْتأصَل بالهلاك، والدابر: الذي يَدْبُرُ القوم، ويأتي خَلْفَهُمُ، فإذا انتهى القطع والاستئصال إلى ذلك، فلم يبق أحد. وقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا دالّ على المعجزة، وإن لم تتعين. ت: ومن مُعْجِزَاتِهِ قوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [هود: 55] على ما سيأتي إن شاء الله في موضعه.

[سورة الأعراف (7) : آية 73]

[سورة الأعراف (7) : آية 73] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) وقوله سبحانه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قرأ الجمهور: «وإلى ثَمُودَ» بغير صَرْفٍ «1» على إرادة القبيلة، وقرأ يحيى بن وثَّاب «2» والأعمشُ: «وإلى ثَمُودٍ» بالصرف على إرادة الحيِّ والقراءتان فصيحتان، مستعملتان، وقد قال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود: 68] ، وأَخاهُمْ عطْفٌ على «نوح» ، والمعنى: وأرسلنا إِلى ثمود أخاهم، وهي أخوَّة نسب، وهم قومٌ عربٌ، فَهُودٌ وَصَالِحٌ عربيَّان، وكذلك إِسماعيل وشُعَيْب كذا قال الناس، وفي أمر إِسماعيل نَظَرٌ. ت: النظرُ الذي أشار إليه لا يخفى عليك وذلك أن إِسماعيل والدهُ إبراهيم عليه السلام أَعْجميٌّ، وتعلَّم إسماعيل العربيةَ من العرب الَّذين نَزَلُوا عليه بمكَّة حَسَب ما ذكره أهْل السيرة فهذا وجْهُ النظر الذي أشار إليه، وفي نظره رحمه الله نَظَرٌ يمنعني مِنَ البَحْث معه ما أنا له قاصدٌ من الإيجاز والاختصار، دون البَسْط والانتشار، نَعَمْ خَرَّج أبو بكر الآجُرِّيُّ من حديث أَبي ذر رضي اللَّه عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وأَرْبَعَةٌ من العَرَبِ: هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصالحٌ وَنَبيُّكَ، يَا أَبَا ذَرًّ» انتهى، ولم يذكر إِسماعيل، فهذا الحَديثُ قد يَعْضُدُ ما قاله ع: وصالحٌ عليه السلام هو صالحُ بنُ عُبَيْدِ بن عَابِرِ بنْ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ كذا ذكر «3» مكِّيٌّ. قال وهْبٌ «4» : بعثه اللَّه حين راهق الحُلُمَ، ولمَّا هلك قومُهُ، ارتحل بمَنْ معه إِلى مكَّة، فأقاموا بها حتى ماتوا فقُبُورُهُمْ بَيْنَ دار الندوة والحِجْر، أي: كما ارتحلَ هودٌ بمَنْ معه إِلى مكَّة صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.

_ (1) ينظر: «الكشاف» (2/ 120) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 420) ، و «البحر المحيط» (4/ 330) ، و «الدر المصون» (3/ 292) . (2) ينظر: «الشواذ» ص: (50) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 420) ، و «البحر المحيط» (4/ 330) ، و «الدر المصون» (3/ 292) ، و «التخريجات النحويّة» (154) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 421) . (4) ذكره ابن عطية: (2/ 421) ، وابن كثير (2/ 230) بنحوه، والسيوطي (3/ 185) بنحوه، وعزاه لوهب.

وقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: آيةٌ أو حجة أو موعظة بيِّنة من ربكم، قال بعض الناس: إِن صالحاً جاء بالناقة من تلقاء نَفْسه. وقال الجمهور: بل كانَتْ مقْتَرَحَةً، وهذا أليقُ بما ورد في الآثارِ من أمرهم، رُوِيَ أنَّ قومه طَلَبُوا منْهُ آية تضْطَرُّهم إِلى الإِيمان، وقالوا: يا صالح، إن كنْتَ صادقاً، فادع لنا ربَّكَ يُخْرِجْ لنا من هذه الهَضْبَةِ، وفي بعضِ الروايات مِنْ هذه الصَّخْرَةِ- لِصَخَّرةٍ بالحِجْر- نَاقَةً عُشَراءَ، فَدَعَا اللَّهَ، فتمخَّضت تلك الهَضْبةُ، وانشقت عن ناقةٍ عظيمة، وروي أنها كانَتْ حاملاً، فولدَتْ سَقَبَها المشهور. ورُوِيَ أنه خرج معها فَصِيلُها من الصخْرة. وقيل لها: ناقَةُ اللَّهِ تشريفاً لها، وتخصيصاً، وهي إِضافةُ خَلْقٍ إلى خالقِ، وجعل اللَّه لها شِرْباً يوماً، ولهم شِرْب يومٍ، وكانت آية في شُرْبها وحَلْبها. قال المفسِّرون: كانت خلقاً عظيماً تأتي إِلى الماء بين جبلين، فيزحمانها من العَظْم، وقاسَمَتْ ثمود في الماء يوماً بيومٍ، فكانت الناقةُ تَرِدُ يومها، فتستوفي ماءَ بئْرهم شُرْباً، ويحلبونها ما شَاؤوا من لَبَنٍ، ثُم تمكُثُ يوماً، وترد بعد ذلك غِبًّا، فاستمر ذلك ما شاء اللَّه حتى ملَّتها ثمود، وقالوا: مَا نَصْنَعُ باللَّبَنِ الماءُ أَحبُّ إِلينا منه، وكان سببُ المَلَلِ فيما روي: أنها كانَتْ تصيفُ في بطن الوادِي، وادي الحجر/ وَتَشْتُو في ظاهره، فكانت مواشيهم تفرُّ منها، فتمالؤوا على مَلَلِ الناقةِ، وَرُوِيَ أن صالحاً أوحى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّ قومك سَيَعْقُرونَ الناقة، وينزلُ بهم العذابَ عند ذلك، فأخبرهم بذلك، فقالوا: عِيَاذاً بِاللَّهِ أنْ نفعل ذلك، فقال: إِنْ لم تفعلوا أنْتُمْ أوْشَكَ أنْ يولَدَ فيكم مَنْ يفعله، وقال لهم صفةَ عَاقِرِها: أَحْمرُ، أشْقَرُ، أَزْرَقُ، فَوُلِدَ قُدَارٌ على الصفة المذكورة، فكان الذي عَقَرها بالسيف، وقيل: بالسهم في ضَرْعها، وهَرَب فَصِيلها عند ذلك حتَّى صَعِدَ على جبلٍ يقال له القَارة، فَرَغَا ثلاثاً، فقال: يا صَالحُ، هذا ميعادُ ثلاثةِ أيامٍ للعذابِ، وأمرهم قبل رُغَاءِ الفَصِيل أنْ يطلبوه عسى أنْ يصلوا إِلَيْهِ، فيندفع عنهم العذابُ به، فرامُوا الصعودَ إِلَيْهِ في الجبل فارتفع الجبلُ في السماء حتى ما تناله الطيرُ وحينئذٍ رغا الفصيلُ، وروي أنَّ صالحاً عليه السلام قال لهم، حين رغا الفَصيلُ: سَتَصْفَرُّ وجوهُكم في اليوم الأولَ، وتحمرُّ في الثاني، وتسودُّ في الثالث، فلمَّا ظهرت العلامَاتُ التي قال لهم، أيْقَنُوا بالهلاك، واستعدوا، ولَطَّخُوا أبدانهم بالمُرِّ، وحفروا القبورَ، وتحنَّطوا وتكفَّنوا في الأنطاع، فأَخذتْهم الصيحةُ، وخرج صالحٌ ومَنْ آمن معه حتى نَزَلَ رَمْلَةَ فلسطينَ، وقد أكثر الناسُ في هذا القصص، وهذا القَدْر

كافٍ، وَمِنْ أراد استيفاء هذا القصص، فليطالِعِ الطبريَّ «1» . قال ع «2» : وبلادُ ثَمُود هِيَ بَيْنَ الشامِ والمدينة، وهي التي مَرَّ بها رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم مع المسلمين في غَزْوَةِ تَبُوك «3» فقال: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلاَّ أَنَّ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ، ثُمَّ اعتجر «4» بِعمامَةٍ» ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حتى جَازَ الوادي صلّى الله عليه وسلّم. ت: ولفظُ البخاريِّ: ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السّير ... الحديث «5» .

_ (1) ينظر: الطبري في «تفسيره» (5/ 530، 531) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 422) . [.....] (3) «غزوة تبوك» : في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة- لما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حصار الطائف إلى المدينة بلغه أن هرقل ملك الروم ومن عنده من متنصرة العرب قد حشدوا له جمعا كثيرا يريدون غزوة في عقر داره، فأراد أن يلاقيهم على حدود بلادهم قبل أن يغشوه على غرة، فسار بجيشه حتى وصل تبوك، وكانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش وقوته، فآثرت الانسحاب بجيشها، لتتحصن في داخل بلاد الشام، فرأى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من الحكمة ألا يتبعهم داخل بلادهم، فلم يتبعهم. وهناك جاءه يوحنا بن رؤبة، فصالحه على الجزية كما صالحه أهل «جرباء» وأهل «أذرح» من بلاد الشام، وأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب «دومة الجندل» ، فأتى به خالد أسيرا بعد أن قتل أخاه، فحقن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دمه، وصالحه على الجزية وأخلى سبيله. وأقام بضع عشرة ليلة لم يقدم عليه الروم ولا العرب المتنصرة فعاد إلى المدينة. ولما بلغ ملك الروم ما فعله يوحنا أمر بقتله، وصلبه عند قريته. لم يكن من المعقول بعد ذلك أن يتهاون المسلمون فيما أصابهم من قتل رسولهم وأبطالهم ومعاهدهم الذي آمنوه على نفسه وماله بأخذ الجزية، وإعطاء العهد، كما أنه لم يكن معقولا أن الروم بعد أن رأوا حضور المسلمين للقصاص يكفون عن مناجزتهم والإيقاع بهم أينما وجدوا لذلك سبيلا. لهذا عاد النبي صلّى الله عليه وسلّم في آخر حياته إلى تجهيز جيش آخر تحت إمرة أسامة بن زيد، ولكن لم يكد يتم أمره حتى قبض الرسول صلوات الله عليه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وتولى أمر المسلمين بعده صاحبه أبو بكر، فارتأى رضي الله عنه أن الحزم في إنفاذ هذا الجيش حتى لا يطمع في الإسلام أعداؤه، ويتألب عليه خصومه، وتوالت بعد ذلك حروب الروم حتى فتح المسلمون بلادهم في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بعد نضال عنيف، وحروب كثيرة. (4) الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه، ويردّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. ينظر: «النهاية» (3/ 185) . (5) أخرجه البخاري (7/ 731) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي صلّى الله عليه وسلّم الحجر، حديث (4419) ، ومسلم (4/ 2286) كتاب «الزهد والرقائق» باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث (39/ 2980) ، وأبو يعلى (9/ 425) رقم (5575) كلهم من طريق الزهري عن سالم، عن أبيه. وأخرجه البخاري (7/ 731) كتاب «المغازي» باب: نزول النبي صلّى الله عليه وسلّم الحجر، حديث (4420) ، ومسلم (4/ 2285) كتاب «الزهد والرقائق» باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث (38/ 2980) ، -

[سورة الأعراف (7) : الآيات 74 إلى 79]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 74 الى 79] وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ... الآية: بَوَّأَكُمْ: معناه مكَّنكم، وهي مستعملة في المكانِ وظروفِهِ، و «القُصُور» : جمع قَصْر، وهي الديارُ التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصةٍ بخلاف بُيُوت العمود، وقُصِرَتْ على الناس قصراً تامًّا، و «النحْتُ» : النَّجْرُ والقَشْر في الشيء الصُّلْب كالحَجَر والعُودِ، ونَحْوه، وكانوا ينحتون الجبالَ لطولِ أعمارِهِمْ، وَ (تَعْثَوْا) معناه تُفْسِدُوا. قال أبو حيان «1» : ومُفْسِدِينَ: حال موكّدة. انتهى. والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هم الأشرافُ والعظماء الكَفَرة، و «الَّذِينَ استضعفوا» : هم العامة والأَغْفَالُ في الدنيا، وهم أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وقولهم: أَتَعْلَمُونَ: استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصَّرامة في دين اللَّه، فحملت الأنفةُ الأشرافَ عَلى مناقَضَةِ المؤمنين في مَقَالَتهم، واستمروا على كُفْرِهم. وقوله سبحانه: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان على تَمَالُؤٍ منهمْ واتفاقٍ، وكذلك رُوِيَ أنَّ قُدَاراً لم يعقرها حتّى كان يستشير، وعَتَوْا: معناه: خَشُنُوا وصَلُبُوا، ولم يذعنوا للأمر والشرعِ، وصمَّموا على تكذيبه، واستعجلوا النِّقْمة بقولهم: ائْتِنا بِما تَعِدُنا، فحلّ بهم العذاب، والرَّجْفَةُ: ما تؤثِّره الصيحةُ أو الطَّامَّة التي يُرْجَفُ بها الإِنسانُ، وهو أن يتحرَّك ويضْطَرِب/، ويرتَعِدَ ومنه: «فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَرْجُفُ فُؤَادُهُ» وروي أنَّ صيحة ثَمُود كان فيهَا مِنْ كلِّ صوتٍ مهولٍ، وكانت مُفْرَطة شقّت قلوبهم، فجثموا على صدورهم، والجاثم اللّاطئ «2» بالأرض

_ - وأحمد (2/ 9، 58) ، والحميدي (2/ 290) برقم: (653) كلهم من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. (1) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 332) . (2) لطأت بالأرض ولطئت أي: لزقت. ينظر: «اللسان» (4038) (لطا) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 80 إلى 84]

على صَدْره، ف جاثِمِينَ: معناه: باركين قَدْ صُعِقَ بهم، وهو تشبيه بجُثُوم الطير، وجُثُوم الرماد، وقال بعض المفسرين: معناه: حميماً محترقين كالرماد الجاثم، وذهب صاحبُ هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعقُ مُحْرِقَةٌ، وروي أن الصيحةَ أصابَتْ كلَّ مَنْ كان منهم في شَرْق الأرض وغَرْبِهَا إِلاَّ رَجُلاً كان في الحَرَم، فمنعه الحرمُ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ خروجه من الحَرَم ففي «مُصَنَّف أبي داود» ، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ قال: أبو رغال «1» ، وذكره الطبريّ أيضا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا الخبر يردُّ ما في السير من أَنَّ أَبا رُغَالٍ هو دليلُ الفِيل، وقوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ، أي: تولَّى عنهم وقت عَقْر الناقة، وذلك قبل نزول العذاب وكذلك رُوِيَ أنه عليه السلام خَرَجَ مِنْ بين أظهرهم قبل نزول العذاب، وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، ويحتمل أن يكون خطابُهُ لهم وهُمْ موتى على جهة التفجُّع عليهم، وذكر حالهم أو غير ذلك كما خاطب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أهْل قليب بَدْر. قال الطبريُّ وقيل: إنه لم تَهْلِكْ أُمَّة، ونبيُّها «2» معها، ورُوِيَ أنه ارتحلَ بمَنْ معه حتَّى جاء مكَّة، فأقام بها حتى مات، ولفظ التولِّي يقتضي اليأْس مِنْ خَيْرهم، واليقينَ في إِهلاكهم، وقوله: وَلكِنْ لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ: عبارةٌ عن تغليبهم الشهواتَ عَلَى الرأْي السديد إذ كلامُ الناصح صَعْبٌ مُضادٌّ لشهوة الذي يُنصحُ، ولذلك تقول العرب: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وقوله سبحانه: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ. لوطٌ عليه عليه السلام بعثه اللَّه سبحانه إِلى أُمَّة تسّمى «سدوم» وروي أنه ابن أخي

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 198) كتاب «الإمارة» باب: نبش القبور العادية يكون فيها المال، حديث (3088) ، والبيهقي (4/ 156) ، وفي «الدلائل» (7/ 297) من حديث عبد الله بن عمرو. (2) ذكره الطبري (5/ 539) ، وابن عطية (2/ 424) ، وابن كثير (2/ 230) ، والسيوطي بنحوه (3/ 185) .

إِبراهيمَ عليه السلام ونَصْبُه: إما ب «أرسلنا» المتقدِّم في الأنبياء، وإما بفعل محذوف، تقديره: واذكر لوطا، والْفاحِشَةَ: إتيان الذكور في الأَدْبَارِ، ورُوِيَ أنه لم تكُنْ هذه المعصيةُ في أُمَّة قبلهم، وحُكْم هذه الفاحشة عند مالك وغيره: الرجْمُ، أُحْصِنَ أم لم يُحْصن «1» ، وحرَّقُ أبو بكر الصديقُ رضي الله عنه رجلا عمل عَمِلَ قومِ لوط «2» ، وقرأ نافع وغيره: «أَنَّكُمْ» على الخبر كأنه فَسَّر الفاحشة، والإِسرافُ: الزيادةُ الفاسدةُ، ولم تكُنْ مراجعةُ قومه باحتجاج منهم، ولا بمدافعة عقليَّة، وإِنما كانَتْ بكُفْر وخِذْلان، ويَتَطَهَّرُونَ: معناه: يتنزَّهون عن حالنا وعادَتِنا. قال قتادة: عَابُوهم بِغَيْرِ عَيْبٍ، وذمُّوهم بغير ذَمٍّ «3» واستثنى اللَّه سبحانه امرأة لوطٍ عليه السلام من الناجينَ، وأخبر أنها هَلَكَتْ، والغابِرُ: هو الباقي هذا هو المشهور في اللغة، وقد يجيء الغَابِرُ بمعنى الماضِي، وكذلك حَكَى أهل اللغةُ «غَبَرَ» بمعنى بَقِيَ، وبمعنى «مضى» ، وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ... الآية، أي: بحجارةٍ، ورُوِيَ أنَّ اللَّه تعالى بعث جبريل، فاقتلعها بجناحِهِ، وهي ستُّ مدن. / وقيل خمسٌ، وقيل: أربع، فرفعها حتَّى سمع أَهْلُ السماء الدنيا صُرَاخَ الدِّيَكَة، وَنُبَاحَ الكِلاَبِ، ثم عكَسَها، وَرَدَّ أعلاها أَسْفَلَهَا، وأرسلها إِلى الأرض، وتبعتهم الحِجَارَةُ مع هذا، فأهلكَتْ مَنْ كان منهم، مَنْ كان في سَفَر، أو خارجاً من البقع المرفوعةِ، وقالت امرأة لوط، حين سمعت الوجبة: وا قوماه، والتفتت، فأصابتها صخرة فقتلتها.

_ (1) حكم الإمام مالك في اللواطة بالرجم، وهو مذهب الشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، في قول له، وذهب جمع أنه يحرق بالنار منهم: أبو بكر، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الله. وذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن والثوري، والأوزاعي، والإمام يحيى، والشافعي في قول له أنه كالزنا. وذهب أبو حنيفة، والشافعي في قول له، والمرتضى، والمؤيد بالله إلى أنه يعزر اللوطي فقط. ولم يشترط ما اشترطه في الرجم في الزنا من الإحصان والإسلام والحرية، واختلفوا في الفاعل المكره، فقيل: يرجم على المشهور من أن الانتشار اختيار. وقيل: لا يرجم لأن الإكراه شبهة تدرأ الحد، أما المفعول المكره فينبغي ألّا يرجم قولا واحدا إذا كان المرتكب لهذه الجريمة ممن لم يبلغوا الحلم، وقد كان مميزا فعقابه التأديب بما يراه الإمام زاجرا. (2) ذكره ابن عطية (2/ 425) . (3) أخرجه الطبري (5/ 541) برقم: (14849) ، وذكره ابن عطية (2/ 425) ، وابن كثير (2/ 230) ، والسيوطي (3/ 186) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 إلى 93]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93) وقوله سبحانه: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ... الآية: قيل في مَدْيَنَ إِنه اسم بلد وقُطْرٍ، وقيل: اسم قبيلةٍ، وقيل: هم مِنْ ولد مَدْيَنَ بْنِ إِبراهيمَ الخليلِ، وهذا بعيدٌ، ورُوِي أَنَّ لوطاً هو جَدُّ شعيبٍ لأُمِّه. وقال مكِّيّ: كان زوج بنت لوط، وأَخاهُمْ: منصوبٌ ب «أرسلنا» في أول القصص، و «البيِّنة» : إشارة إِلى معجزته، وَلا تَبْخَسُوا معناه ولا تظلموا ومنْه قولهم: تَحْسَبُهَا حَمْقَاءَ، وَهِيَ بَاخِسٌ، أي: ظالمة خادعة، وقال في «سورة هود» : البَخْس: النَّقْصَ. ت: ويحتمل واللَّه أعلم أنَّ البَخْسَ هو ما اعتاده النَّاسُ من ذَمِّ السِّلَع ليتوصَّلوا بذلك إلى رُخَصها، فتأمَّله، واللَّه أعلم بما أراد سبحانه. قال أبو حَيانَ: ولا تَبْخَسُوا: متعدٍّ إلى مفعولين، تقول: بَخَسْتُ زَيْداً حَقَّهُ، أي: نقصته إياه. انتهى. وأَشْياءَهُمْ: يريد أمتعتهم وأموالهم، وَلا تُفْسِدُوا: لفظٌ عامٌّ في دقيق الفساد وجليله وكذلك الإصلاح عامٌّ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، أيْ: عند اللَّه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،

أي: بشرط الإِيمان والتوحيد، وإِلا فلا ينفع عَمَلٌ دون إِيمانٍ، وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ... الآية: قال السديُّ: هذا نهيٌ عن العَشَّارين والمتغلِّبين ونحوه مِنْ أخْذ أموال الناس بالباطِل «1» ، و «الصِّرَاطُ» : الطريقُ، وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل بَخْسهم ونَقْصهم الكيلَ والوزْنَ، وقال أبو هريرة رضي اللَّه عنه: هو نهْيٌ عن السَّلْبِ وقطْع الطرقِ «2» ، وكان ذلك مِنْ فعلهم، وروي في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما تقدَّم من الآية يؤيِّد هذين القولَيْنِ، وقال ابنْ عَبَّاس وغيره: قوله: وَلا تَقْعُدُوا نهيٌّ لهم عمَّا كانوا يفعلونه مِنْ رَدِّ الناس عَنْ شُعَيْب «3» وذلك أنهم كانوا يَقْعُدونَ على الطُّرُقات المفضية إلى شُعَيبٍ، فيتوعَّدون مَنْ أَراد المجيءَ إِلْيه، ويصُدُّونه، وما بعد هذا مِنَ الألفاظ يشبه هذا مِنَ القول، والضميرُ في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه، وأنْ يعود على شُعَيْب في قول مَنْ رأى القعودَ على الطُّرُق للرَّدِّ عن شعيب، قال الداوديّ: وعن مجاهد تَبْغُونَها عِوَجاً: يلتمسون «4» لها الزيْغَ. انتهى. ثم عدَّد عليهم نِعَمَ اللَّه تعالَى، وأنه كَثَّرهم بعد قلَّةِ عددٍ. وقيل: أغناهم بعد فَقْر، ثم حذرهم ومثَّل لهم بمن امتحن من الأممِ، وقوله: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا ... الاية: قوله: فَاصْبِرُوا تهديدٌ للطائفة الكافرة، وقولهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا معناه: أو لتَصِيرُنّ، و «عَادَ» في كلام العرب على/ وجهين: أحدُهُمَا: عَادَ الشَّيْءُ إِلى حالٍ قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذا الوجه لا تتعدى، فإِن عُدِّيَتْ، فبحرف ومنه قول الشاعر: [الطويل] أَلاَ لَيْتَ أَيَّامَ الشَّبَابَ جَدِيدُ ... وعمرا تولّى يا بثين يعود «5»

_ (1) أخرجه الطبري (5/ 544) برقم: (14860) ، وذكره ابن عطية (2/ 426) بمثله، والبغوي (2/ 180) ، وابن كثير (2/ 231) ، والسيوطي (3/ 190) ، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (2) أخرجه الطبري (5/ 544) برقم: (14861) ، وذكره ابن عطية (2/ 426) . (3) أخرجه الطبري (5/ 544) برقم: (14856) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 427) ، وابن كثير (2/ 231) والسيوطي (3/ 190) ، وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. [.....] (4) أخرجه الطبري (5/ 545) برقم: (14862) . (5) روي البيت هكذا: ألا ليت أيّام الصّفاء جديد ... وعهدا تولّى يا بثين يعود وهو لجميل بثينة في «ديوانه» ص: (61) ، و «الأغاني» (2/ 350) ، و «أمالى القالي» (1/ 272، 2/-

ومنْه قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] . والوجه الثاني: أنْ تكون بمعنى «صَارَ» ، وعاملةً عملَهَا، ولا تتضمَّن أن الحال قد كانَتْ متقدِّمة ومنه قول الشاعر: [البسيط] تِلْكَ المَكَارِمُ لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ «1» ومنه قول الآخر: وَعَادَ رَأْسِي كالثَّغامَةِ ... «2» ومنه قوله تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: 39] ، عَلى أن هذه محتملةٌ بقوله في الآية: أَوْ لَتَعُودُنَّ، وشعيبٌ عليه السلام لَمْ يَكُ قطُّ كافراً، فيقتضي أنها بمعنى «صار» ، وأما في جهة المؤمنين به بَعْدَ كُفْرهم، فيترتَّب المعنى الآخر، ويخُرُج عنه شعيبٌ، وقوله: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ توقيفٌ منه لهم على شِنْعَة المعصيةِ، وطَلَبٌ أن يقروا بألسنتهم بإِكراهِ المُؤْمنين على الإِخراج ظُلْماً وغشماً. قال ص: قَدِ افْتَرَيْنا: هو بمعنى المستقبل لأنه سَدَّ مسد جواب الشرط، وهو: إِنْ عُدْنا أو هو جوابه، على قول. انتهى. وقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا يحتملُ أن يريد إلاَّ أنْ يسبق علينا في ذلك مِنَ اللَّه سابقُ سُوء، وينفذ منه قضاءٌ لا يُرَدُّ. قال ع «3» : والمُؤمنون هم المجوزون لذلك، وأما شُعَيْبٌ، فقد عصمته النبوَّة، وهذا أظهر ممَّا يحتملُ القول، ويحتمل أنْ يريد استثناء ما يمكن أن يتعبَّد اللَّهُ به المؤمنين ممَّا يفعله الكُفَّارُ من القربات.

_ 299) و «الحماسة البصرية» (2/ 105) و «خزانة الأدب» (10/ 450) و «شرح عمدة الحافظ» ص: (505) ، و «مجالس ثعلب» ص: (597، 598) . (1) روي البيت هكذا: هذي المفاخر لاَ قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيباً بِمَاءٍ فَعَادَا بعد أبوالا هو لأبي الصلت الثقفي والد أميّة في «الشعر والشعراء» ص: (469) ، و «العقد الفريد» (2/ 23) ولأميّة بن أبي الصلت في «ديوانه» ص: (52) ، وللنابغة الجعدي في «ديوانه» ص: (112) ، وللثقفي في «شرح المفصّل» (8/ 104) . (2) وهو من شواهد «المحرر الوجيز» (2/ 429) . ويروى في «اللسان» : [ثغم] برواية: وصار رأس الشيخ كثغامة وعليه يكون من بحر الرجز، وفي «القاموس» : والرأس صار كالثغامة بياضا. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 428) .

وقيل: إِنَّ هذا الاستثناء إِنما هو تَسَنُّنٌ وَتَأَدُّبٌ، وقوله: وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً: معناه: وَسِعَ عِلْمُ رَبنا كلَّ شيء كما تقول: تَصَبَّبَ زَيْدٌ عَرَقاً أَيْ: تصبَّب عَرَقُ زيدٍ، وَوَسِعَ بمعنى «أحاط» ، وقوله: افْتَحْ معناه: احكم، وقوله: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا: استسلام للَّه سبحانه، وتمسُّكٌ بلطفه وذلك يؤيِّد التأويل الأول في قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا. وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ... الآية: أي: قال الملأ لتباعهم ومقلّديهم، والرَّجْفَةُ: الزلزلةُ الشديدةُ التي يَنَالُ الإِنسانَ معها اهتزاز وارتعاد واضطراب، فيحتملُ أنَّ فرقةً من قومٍ شُعَيْب هلكَتْ بالرجفة، وفرقةً بالظُّلَّة، ويحتمل أن الظُّلَّة والرَّجْفَة كانتا في حِينٍ واحدٍ. ت: والرجفةُ هي الصَّيْحة يَرْجُفُ بسببها الفؤاد وكذلك هو مصرَّح بها في قصَّة قوم شُعَيْب في قوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ... الآية [هود: 94] ، وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الضميرْ في قوله «فيها» عائدٌ على دارِهِمْ، وَيَغْنُوا: معناه: يقيمونَ بنَعْمَة وخَفْضِ عيش، وهذا اللفظ فيه قوَّةُ الإِخبار عن هلاكهم، ونزولِ النقمةِ بهم، والتنبيه عَلَى العبرة والاتعاظ بهم، ونحوُ هذا قولُ الشاعر: [الطويل] كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ «1» قال ع «2» : فَغَنيتُ في المكان، إنما يقالُ في الإِقامة التي هي مقترنة بتنعّم وعيش مرضيّ، وقوله: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ: كلامٌ يقتضي حزناً وإِشفاقاً لَمَّا رأى هلاكَ قومه إِذْ كان أمله فيهم غَيْرَ ذلك، ولمَّا وجد في نفسه ذلك،

_ (1) وهو لعمرو بن الحارث بن مضاض أو للحارث الجرهمي في «لسان العرب» (13/ 109) (جحن) وبلا نسبة في «شرح قطر الندى» ص: (159) . واستشهد بقوله: «كأن لم يكن» حيث خفّف «كأن» فحذف اسمها، وأتى بخبرها جملة فعليّة. وذكر ياقوت في «معجم البلدان» (2/ 260) (الحجون) ، ونسبه إلى مضّاض بن عمرو الجرهمي يتشوّق مكة لما أجلتهم عنها خزاعة: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إِلَى الصَّفَا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر بلى! نحن كنا أهلها، فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر فأخرجنا منها المليك بقدرة، ... كذلك، يا للناس، تجري المقادر فصرنا أحاديثا وكنا بغبطة، ... كذلك عضّتنا السنون الغوابر وبدّلنا كعب بها دار غربة، ... بها الذئب يعوي والعدوّ المكاشر فسحّت دموع العين تجري لبلدة، ... بها حرم أمن وفيها المشاعر ينظر: «المعجم» (1/ 375) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 430) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 94 إلى 96]

طَلَب أنْ يثير في نفسه سَبَبَ التسلِّي عنهم، فجعل يعدِّد معاصيهم وإِعراضهم، ثم قال لنفسه لمّا نظر وفكّر: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ، ونحو هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم لأَهْل قليب بَدْرٍ، وأسى معناه: أحزن. / قال مَكِّيٌّ: وسار شعيبٌ بمن معه حتَّى سكن مكّة إلى أن ماتوا بها «1» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 96] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أخبر سبحانه أنَّه ما بعث نبيًّا في قرية، وهي المدينةُ إِلاَّ أخذ أهلها المكذِّبين له بِالْبَأْساءِ وهي المصائبُ في المال، وعوارضُ الزَّمَن وَالضَّرَّاءِ وهي المصائبُ في البدن كالأمراض ونحوها، لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي: ينقادون إلى الإِيمان، وهكذا قولهم: الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ، وهي البأساءُ والضرَّاءُ الْحَسَنَةَ، وهي السرَّاء والنِّعمة حَتَّى عَفَوْا: معناه: حتى كَثُرُوا، يقال: عَفَا النباتُ والرِّيشُ إِذا كَثُر نباته ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأعْفُوا اللحى» «2» ولما بدَّل اللَّه حالهم بالخَيْر لُطْفاً بهم فَنَمْوا، رأوا أن إِصابة الضَّرَّاء والسَّرَّاء إنما هي بالاتِفاق، وليستْ بقَصْد كما يخبر به النبيُّ، واعتقدوا أنَّ ما أصابهم مِنْ ذلك إِنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم، فجعلوه

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 431) . (2) أخرجه مالك (2/ 947) كتاب «الشعر» باب: السنة في الشعر، حديث (1) ، والبخاري (10/ 351) كتاب «اللباس» باب إعفاء اللحى، حديث (5893) ، ومسلم (1/ 222) كتاب «الطهارة» باب: خصال الفطرة، حديث (52، 53/ 259) ، وأبو داود (2/ 483) كتاب «الترجل» ، باب: في أخذ الشارب، حديث (4198) ، والترمذي (5/ 95) كتاب «الأدب» باب: ما جاء في إعفاء اللحية، حديث (2763، 2764) ، والنسائي (1/ 16) كتاب «الطهارة» باب: إحفاء الشارب وإعفاء اللحى، حديث (15) ، وفي (8/ 181- 182) كتاب «الزينة» باب: إحفاء الشوارب وإعفاء اللحية، حديث (5226) ، وأبو عوانة (1/ 189) ، وابن أبي شيبة (8/ 376) ، وابن المنذر في «الأوسط» (1/ 239) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 230) ، والبيهقي (1/ 151) كتاب «الطهارة» وفي «الآداب» برقم: (830) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (6/ 247) ، وفي «الجامع لأخلاق الراوي» (1/ 375) برقم: (863) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 219 بتحقيقنا) من طرق عن نافع، عن ابن عمر به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 97 إلى 100]

مثالاً، أي: قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا أنْ نُنْكَره، ثم أخبر سبحانه أنه أخذ هذه الطوائفَ الَّتي هذا معتَقَدُها، وقوله: بَغْتَةً أي: فجأَةً وأخْذَةَ أَسَفٍ، وبَطْشاً للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه. وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أي: مِنْ بركاتِ المطرِ والنباتِ، وتسخير الرياحِ والشمْسِ والقمر في مصالح العبادِ وهذا بحَسَب ما يدركُه نَظَر البشر، وللَّه سبحانه خُدَّامٌ غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر. [سورة الأعراف (7) : الآيات 97 الى 100] أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ... الآية تتضمَّن وعيداً للكافرين المعاصرين لنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية، قال: وهل يأْمَنُ هؤلاء أنْ ينزلَ بهم مثلُ ما نَزَلَ بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس: العذاب، ومَكْرَ اللَّهِ هي إضافة مخلوقٍ إلى خالقٍ، والمراد فِعْلٌ يعاقب به مَكَرة الكَفَرةِ، والعربُ تسمِّي العقوبةَ باسْمِ الذنْب. وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها ... الآية: هذه ألِفُ تقريرٍ دَخَلَتْ على واو العطف، و «يَهْدي» : معناه: يبيَّن، فيحتملُ أنْ يكون المبيِّن اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون المبيِّن قولَهُ: أَنْ لَوْ نَشاءُ، أي عِلْمُهُمْ بذلك، وقال ابنُ عباس، ومجاهد، وابن زيد: يهْدِي: معناه: يتبيَّن، وهذه أيضاً آيةُ وعيد، أي: أَلَمْ يظهر لوارثي الأرض بَعْد أولئك الذين تقدَّم ذكرهم، وما حَلَّ بهم- أنا نَقْدِرُ لو شئناً أصبناهم بذنوبهم كما فعلنا بمن تقدَّم، وفي العبارة وعْظٌ بحالِ مَنْ سلف من المهلكين. [سورة الأعراف (7) : الآيات 101 الى 108] تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)

وقوله سبحانه: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ «تلك» ابتداءٌ، و «القرى» قال قوم: هو نعْتٌ، والخبر «نَقْصُّ» ، وعندي: أن «أهل القرَى» هِي خَبَر الابتداءِ، وفي ذلك معنى التعظيمِ لها، ولِمُهْلِكِها وهذا كما قيل في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: 2] وكما قال عليه السلام: «أُولَئِكَ الملأ» وكقول ابن أبي الصلت: [البسيط] تِلْكَ المَكَارِمُ............. ... ............... .... «1» وهذا كثير. ثم ابتدأ سبحانهُ الخبر عن جميعهم بقوله: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ، هذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً من التأويل: أحدها: / أنْ يريد أنَّ الرسول جاء لكلِّ فريقٍ منهم، فكذَّبوه لأول أمره، ثم استبانت حجته، وظهَرتِ الآياتُ الدالَّة على صدقه، مع استمرار دعوته.، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم. والثاني: من الوجوه: أنْ يريد: فما كان آخرهم في الزّمنِ لِيُؤْمِنَ بما كَذَّب به أوَّلهم في الزمَنِ، بل مشى بعضهم على سَنَن بعضٍ في الكُفْرِ أشار إِلى هذا التأويلِ النَّقَّاش «2» . والثالث: أنَّ هؤلاء لَوْ رُدَّوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكُنْ منهم إِيمانٌ قاله مجاهد «3» ، وقرنه بقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] . والرابع: أنه يحتمل: فما كانوا ليُؤْمنوا بما سَبَق في عِلم اللَّه سبحانه أنهم مكذّبون به وذكر هذا التأويل المفسّرون.

_ (1) تقدم قريبا. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 437) ، و «البحر المحيط» (4/ 359) و «الدر المصون» (3/ 317) . (3) أخرجه الطبري (6/ 13) برقم: (14912) ، وذكره ابن عطية (2/ 434) ، والبغوي (2/ 184) ، وابن كثير (2/ 235) ، والسيوطي (3/ 194) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

وقوله سبحانَه: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ... الآية: أخبر سبحانه أنه لم يجدْ لأكثرهم ثبوتاً على العَهْد الذي أخذه سبحانه على ذريِّة آدم وقْتَ استخراجهم من ظهره قاله أبو العالية «1» عن أبيِّ بنْ كَعْب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عَهْدٍ، وقبولَ وصاةٍ ممَّا جاءتهم به الرسُلُ عن اللَّه، ولا شَكَروا نعم اللَّه عزَّ وجلَّ. قال ص: لِأَكْثَرِهِمْ: يحتمل أن يعود على «النَّاس» أو على أَهْلَ الْقُرى أو «الأُمم الماضية» . انتهى. وقوله سبحانه: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها ... الآيات في هذه الآية: عامٌّ في التسْع وغيرِهَا، والضميرُ في «مِنْ بعدهم» عائدٌ على الأنبياءِ المتقدِّم ذكْرُهم، وعلى أممِهِمْ. وقوله سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: فيه وعيدٌ، وتحذيرٌ للكَفَرة المعاصرين لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، قرأ نافعٌ «2» وحده: «عَلَيَّ» بإِضافة «على» إِليه، وقرأ الباقون: «على» بسكون الياء. قال الفارسيُّ: معنى هذه القراءة أنَّ «عَلَى» وضعتْ موضع الباء كأنه قال: حقيقٌ بأن لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ، وقال قوم: «حقيقٌ» صفةٌ ل «رَسُولٌ» ، تم عندها الكلامُ، و «عَليَّ» : خبرٌ مقدّمٌ و «أَلاَّ أقول» : ابتداءٌ، وإِعراب «أَنْ» ، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلى قراءة من فتحها مشدَّدةً: رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه: «حَقيقٌ أَنْ لا أَقُول» ، وهذه المخاطَبَةُ- إِذا تأَمَّلْتَ- غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به عليه السلام، وقوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «البينة» هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى عليه السلام عَرْضُ نبوَّته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى عليه السلام لم تَنْبَنِ شريعته إِلا على بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: 44] .

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 14) برقم: (14915) ، وذكره ابن عطية (2/ 434) ، وابن كثير (2/ 235) ، والسيوطي (3/ 195) ، وعزاه لابن أبي حاتم، ولابن جرير. [.....] (2) ينظر: «الحجة» (4/ 56) ، و «السبعة» (287) ، و «حجة القراآت» (289) و «إعراب القراآت» (1/ 196) ، و «العنوان» (96) ، و «شرح شعلة» (393) ، و «شرح الطيبة» (4/ 303) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 55) ، و «معاني القراآت» (1/ 414) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 109 إلى 116]

وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها. وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «1» ، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «2» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر. والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «3» ، وقال قتادة: صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً «4» ، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك. وقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً «5» ، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ. قال ع «6» : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما. ت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص. [سورة الأعراف (7) : الآيات 109 الى 116] قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 16) برقم: (14919) ، وذكره ابن عطية (2/ 436) ، والبغوي (2/ 185) ، وابن كثير (2/ 236) ، والسيوطي (3/ 197) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (6/ 16) برقم: (14921) ، وذكره ابن عطية (2/ 436) . (3) أخرجه الطبري (6/ 16) برقم: (14925) ، وذكره ابن عطية (2/ 436) ، وابن كثير (2/ 236) . (4) أخرجه الطبري (6/ 15) برقم: (14917) بلفظ: «تحولت حية عظيمة» ، وذكره ابن عطية (2/ 436) ، والسيوطي (3/ 197) نحوه، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (5) أخرجه الطبري (6/ 17) برقم: (14928) بلفظ: «نزع يده من جيبه بيضاء من غير برص» ، وذكره ابن عطية (2/ 436) ، وابن كثير (2/ 236) بنحوه. (6) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 436) .

وقوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «1» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: 35] . و «ما» : استفهامُ، و «ذَا» : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون» : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «2» . وقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ. واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «3» ، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 437) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 438) . (3) انظر كيف كان المؤلف عليه رحمة الله يتحرى الدقة في النقل واهتمامه بالسند انطلاقا منه بأن السند من الدين!!.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 117 إلى 119]

وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب «العَظِيم» ، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرّ «1» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 117 الى 119] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ: وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم/، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل. وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسوله، وتَلْقَفُ معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير «2» : «تَلْقُم» بالميم. وقوله سبحانه: فَوَقَعَ الْحَقُّ ... الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان «3» : فوقع، أي: فظهر، و «الحَقُّ» : يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهور الإعجاز، وما كانُوا يَعْمَلُونَ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: فَغُلِبُوا: عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 120 الى 127] وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127)

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 439) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 439) ، وقال أبو عبيد: ويقال: لفق ولقم ولهم بمعنى واحد. (3) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 364) .

وقوله سبحانه: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، لما رأَى السحرة من عظيم القدرة ما تيقّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ. قال ع «1» : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضمير في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم «2» . وقوله سبحانه: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا.. الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور «3» : «تنْقِمُ» - بكسر القاف-، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ «4» ، قال ابن عباسٍ: لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل «5» ، وقولُ ملإِ فرعونَ:

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 440) . [.....] (2) أخرجه الطبري (6/ 24) برقم: (14963) ، وذكره ابن عطية (2/ 440) ، وابن كثير (2/ 238) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 441) ، و «البحر المحيط» (4/ 366) . (4) أخرجه الطبري (6/ 25) برقم: (14965) ، وذكره ابن كثير (2/ 238) . (5) ذكره ابن عطية (2/ 441) ، والبغوي (2/ 190) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 128 إلى 132]

أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ... الآية: مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: 24] إنما يريدُ: بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات. وقيل: إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره. كأنه/ ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، المعنى: سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ، يريد: في المنزلة، والتمكّن من الدنيا، وقاهِرُونَ: يقتضي تحقير أمرهم، أي: هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم. قلت: وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ [الشعراء: 54، 55، 56] . [سورة الأعراف (7) : الآيات 128 الى 132] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) وقوله سبحانه: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ... الآية: لما قال فرعونُ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، والأرض هنا: أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ. وقيل: المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية: يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ، وقولهم: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا، يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه، وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم. وقال ابنُ عباس «1» والسدّيُّ «2» : إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة، حين اتّبعهم

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 29) برقم: (14984) ، وذكره ابن عطية (2/ 442) . (2) أخرجه الطبري (6/ 29) برقم: (14983) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 442) .

فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر. قال ع «1» : وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوساً نافرةً ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله: فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ. وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، أي: بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ، أي: حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة «2» وفعل اللَّه تعالى بهم هذا لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه. وقوله عزَّ وجلَّ: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ... الآية: كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤماً بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا: هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا: هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ قاله مجاهد «3» وغيره، وقرأ الجمهور «4» «يَطَّيَّرُوا» - بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة-، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ «5» وغيره: «تَطِيرُوا» - بالتاء وتخفيف الطاء-، وقرأ «6» مجاهدٌ: «تَشَاءَمُوا بمُوسَى» - بالتاء من فوق- وبلفظ الشؤم.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 442) . (2) أخرجه الطبري (6/ 29- 30) برقم: (14988) ، وذكره ابن عطية (2/ 443) ، وابن كثير (2/ 239) ، والسيوطي (3/ 202) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (3) أخرجه الطبري (6/ 30) برقم: (14992) ، وذكره ابن عطية (2/ 443) ، والسيوطي (3/ 202) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 443) ، و «البحر المحيط» (4/ 370) ، و «الدر المصون» (3/ 327) . (5) وهي قراءة عيسى بن عمر. ينظر: «الشواذ» (50) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 443) ، و «البحر المحيط» (4/ 370) ، و «الدر المصون» (3/ 327) . (6) قال أبو حيان: فينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد المصحف. ينظر «البحر المحيط» (4/ 370) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 443) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 133 إلى 137]

وقوله سبحانه: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ معناه: حظُّهم ونصيبهم قاله ابن عباس «1» ، وهو مأخوذ من زَجْر الطَّيْرِ فسُمِّيَ ما عند اللَّه من القدر للإِنسان طائراً لما كان الإِنسان يعتقدُ أنَّ كل ما يصيبه إِنما هو بحَسَب ما يراه في الطَّائِرِ، فهي لفظةٌ مستعارةٌ، ومهما أصلها عنْدَ الخليل مَامَا/، فأبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبوَيْهِ: هي «مَهْ مَا» خُلِطَتَا، وهي حَرْفٌ واحدٌ لمعنًى واحدٍ. وقال غيره: معناها: «مَهُ» ، أي: كُفَّ، و «ما» : جزاءٌ، ذكره الزَّجَّاجُ، وهذه الآيةُ تتضمَّن طغيانهم، وعتوهم، وقَطْعَهم على أنفسهم بالكُفْر البحت. [سورة الأعراف (7) : الآيات 133 الى 137] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137) وقوله سبحانه: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ... الآية: الطُّوفانُ: مصْدَر مِنْ قولكّ: طَافَ يَطُوفُ، فهو عامٌ في كلِّ شيء يطُوفُ إِلاَّ أن استعمال العَرَب له كثيرٌ في الماءِ والمَطَر الشديد، قال ابن عبَّاس وغيره: الطُّوفَان في هذه الآية: هو المطر الشديدُ، أصابهم وتوالى عليهم حتَّى هدَّم بيوتَهُمْ وضيَّق عليهم «2» ، وقيل: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عليهم، ورُوي في كيفيَّته قصصٌ كثيرةٌ، وقالتْ عائشة رضي اللَّه عنها، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ الطُّوفان المراد في هذه الآية هو الموت» «3» .

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 31) برقم: (14995) بلفظ: «مصائبهم عند الله» ، برقم: (14996) بلفظ: «الأمر من قبل الله» ، وذكره ابن عطية (2/ 443) ، والبغوي (2/ 190) بنحوه، وابن كثير (2/ 239) بلفظ: «أي من قبل الله» ، والسيوطي (3/ 202) ، وعزاه لابن جرير، عن ابن عباس بلفظ: «مصائبهم» ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر. (2) أخرجه الطبري (6/ 31) برقم: (14998) ، (6/ 36) برقم: (15028) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 444) ، وابن كثير (2/ 240) بنحوه، والسيوطي (3/ 203) بسندين، الأول: لأبي الشيخ، والثاني: لابن أبي حاتم وأبي الشيخ. [.....] (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 32) برقم: (15005) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 203) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.

قُلْتُ: ولو صحَّ هذا النقلُ، لم يبق مجملا وروي أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر، غَرِقَتْ أرضهم، وامتنعوا من الزراعة قالوا: يا موسى ادع لنا ربك في كَشْف هذا الغَرَقِ، ونحن نؤمنُ، فدعا، فكَشَفَه اللَّه عنْهم، فأنبتتِ الأرضُ إنباتاً حسناً، فنكَثُوا، وقالوا: ما نودُّ أنَّا لم نمطر، وما هذا إِلا إِحسانٌ مِنَ اللَّه إِلينا، فبعث اللَّه علَيْهم حينئذٍ الجَرَادَ، فأكل جميعَ ما أنبتَتِ الأرض، فروى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنه أكل حتى أبوابَهم، وأكل الحديدَ والمساميرَ، وضيَّق عليهم غايةَ التضْييق، وترك اللَّهُ مِنْ نباتهم ما يَقُومُ به الرَّمق «1» ، فقالوا لموسى: ادع لنا ربَّك في كشف الجراد، ونحن نؤمن، فدعا اللَّه فكَشَفه «2» ، ورجعوا إِلى كفرهم، فبعث اللَّه عليه القُمَّل، وهي الدبى صغارُ الجَرَادِ، الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس «3» وغيره، وقرأ الحسن: «القَمْل» «4» - بفتح القاف، وسكون الميم- فهي على هذا القَمْلُ المعروفُ، وروي أن موسى مشى بعصاه إِلى كثيب أَهِيلٍ «5» ، فضربَهُ، فانتشر كُلُّه قُمَّلاً في مِصْر، ثم إِنهم قالوا: ادع في كَشْفِ هذا، فدعا فرَجَعُوا إلى طُغْيَانهم، وكُفرهم، فبعَثَ اللَّه عَلَيْهم الضَّفَادَع، فكانَتْ تدخلُ في فَرُشِهِمْ، وبَيْن ثيابهم، وإِذا هَمَّ الرجُلُ أن يتكلَّم، وَثَبَ ضفْدَعٌ في فَمِهِ. قال ابن جُبَيْر: كان الرجُلُ يجلسُ إلى ذقنه في الضفادع «6» . وقال ابنُ عبَّاس: لما أُرْسِلَتِ الضفادِعُ عليهم، وكانَتْ بَرِّيَّةً، سمعتْ وأطاعت، فَجعلتْ تقذفُ أنفسها في القُدُور، وهي تغلي، فأثابها اللَّه بحُسْن طاعتها بَرْدَ «7» الماء، فقالوا: يا موسى، ادع في كَشْف هذا فدعا، فكشفَ، فرجَعُوا إِلى كُفْرهم، فبعث اللَّه عليهم الدَّم، فرجع ماؤهم الذي يستقونه، ويَحْصُلُ عندهم دماً، فرويَ أنه كان يستقي

_ (1) الرّمق: بقية الحياة. وفي «الصحاح» : بقية الروح. وقيل: هو آخر النّفس. ينظر: «لسان العرب» (1732) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 444) . (3) أخرجه الطبري (6/ 37) برقم: (15030) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 444) ، والبغوي (2/ 192) بلفظ: «القمل: السوس الذي يخرج من الحنطة» ، والسيوطي (3/ 206) بلفظ: «القمل: الدبا» . (4) ينظر: «الشواذ» (50) ، و «المحتسب» (1/ 257) ، و «الكشاف» (2/ 148) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 444) ، و «البحر المحيط» (4/ 373) ، و «الدر المصون» (3/ 330) . (5) أي: منهال لا يثبت. ينظر: «لسان العرب» (4739) . (6) أخرجه الطبري (6/ 34- 35) برقم: (15023) ، وذكره ابن عطية (2/ 444) . (7) أخرجه الطبري (6/ 37) برقم: (15031) ، وذكره ابن عطية (2/ 444) ، والبغوي (2/ 192) ، والسيوطي (3/ 206) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

القبْطِيُّ والإسرائيليُّ بإِناء واحدٍ، فإِذا خرج الماء، كان الذي يلي القِبْطِيَّ دماً، والذي يلي الإِسرائيليَّ ماءً إِلى نحو هذا، وشبهه، من العذاب بالدَّمِ المنقلبِ عن الماء، هذا قول جماعة من المتأوِّلين. وقال زيدُ بن أسْلَمَ: إِنما سلط عليهم الرُّعَاف «1» ، فهذا معنى قوله: وَالدَّمَ، وقوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ التفصيل: أصله في الأجرام: إِزالة الاتصال، فهو تفريقُ شيئَيْن، فإِذا استعمل في المعاني، فيراد به أنه فُرِقَ بينها، وأُزِيلَ اشتباكها وإِشكالها، فيجيء من ذلك بيانها. وقالتْ فرقةٌ: مُفَصَّلاتٍ يراد بها: مفرَّقات في الزمَن. قال الفخر: قال المفسِّرون: كان العذابُ يبقى عليهم من السَّبْت إِلى السَّبْت، وبَيْنَ العذابِ والعذابِ شَهْرٌ، وهذا معنى قوله: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، على هذا التأويل، أي: فصلَ بين بعضها وبَعْضٍ بزمانٍ تمتحنُ فيه أحوالهم، ويُنْظَرُ أيقبلون الحُجَّة والدليلَ، أم يستمرُّون على الخلاف والتقليد. انتهى. وقوله عز وجل: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ... الآية: «الرّجز» : العذابُ، والظاهر من الآية أنَّ المراد بالرجْزِ هنا العذابُ المتقدِّم الذكْر من الطُّوفان والجراد وغيره. وقال قوم: [إن] الرجْزَ هنا طاعون أنزله اللَّه بهم، واللَّه أعلم، وهذا يحتاجُ إلى سندٍ، وقولهم: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لفظ يعمُّ جميع الوسائل بَيْنَ اللَّه وبَيْنَ موسى من طاعةٍ من موسى ونعمةٍ من اللَّه تبارك وتعالى، ويحتمل أنْ يكون ذلك منهم على جهَةِ القَسَمِ على موسَى، وقولُهم: لَئِنْ كَشَفْتَ أي: بدعائك، لَنُؤْمِنَنَّ وَلَنُرْسِلَنَّ قسمٌ وجوابُه، وهذا عهدٌ من فرعونَ وَمَلَئِهِ، وروي أنه لما انكشف العذابُ، قال فرعون لموسى: اذهب ببني إسرائيل حيْثُ شِئْتَ، فخالفه بعْضُ مَلَئِهِ، فرجع ونكث، و «إذا» هنا للمفاجأة، والأَجَلُ: يراد به غايةُ كُلِّ واحد منهم بما يخصُّه من الهلاكِ والموتِ كما تقول: أخَّرْتُ كذا إِلى وقْتٍ، وأنْتَ لا تريد وقْتاً بعينه، فاللفظ متضمِّن توعُّداً مَّا، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ أي: غافلين عما تضمَّنته الآيات من النجاة والهدى.

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 444) ، وابن كثير (2/ 242) ، والسيوطي (3/ 206) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 138 إلى 141]

وقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ... الآية: الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ كناية عن بني إسرائيل، ومَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا. قال الحسنُ وغيره: هي الشامُ «1» . وقالتْ فرقة: يريد الأرضَ كلَّها وهذا يتَّجه إِمَّا على المَجازِ لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، وإِما على الحقيقة في أَنَّه ملك ذرِّيَّتهم، وهمْ سليمانُ بنُ دَاوُدٌ، ويترجَّح التأويل الأَول بوَصْف الأرض بأنها التي بَارَكَ فيها سبحانه. وقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى، أي: ما سبق لهم في علمه وكلامِهِ في الأزلِ من النَّجَاة من عدوِّهم، والظهور عليه قاله مجاهد «2» ، ويَعْرِشُونَ قال ابن عباس «3» ومجاهد «4» : معناه: يبنون. قال ع «5» : رأيتُ للحسنِ البصريِّ رحمه اللَّه أنَّه احتجَّ بقوله سبحانه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ... إلى آخر الآية على أنه ينبغي أَلاَّ يخرج عن ملوك السُّوء، وإِنما ينبغي أنْ يُصْبَر عليهم فإِن اللَّه سبحانه «6» يدمِّرهم، ورأَيْتُ لغيره أنه إذا قابل الناس البلاء بمثله، وَكَّلَهُمُ اللَّهُ إلَيْه، وإِذا قابلوه بالصبر، وانتظارِ الفَرَجِ، أتى اللَّه بالفَرَج، ورُوِي هذا أيضا عن الحسن «7» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 138 الى 141] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 43- 44) برقم: (15053) ، وذكره ابن عطية (2/ 446) ، وابن كثير (2/ 242) ، والسيوطي (3/ 208) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن عساكر. (2) أخرجه الطبري (6/ 44) برقم: (15058) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 446) ، وابن كثير (2/ 242) ، والسيوطي (3/ 212) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (3) أخرجه الطبري (6/ 45) برقم: (15060) ، وذكره ابن عطية (2/ 447) ، وابن كثير (2/ 442) ، والسيوطي (3/ 212) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم. (4) أخرجه الطبري (6/ 45) برقم: (15061) ، وذكره ابن عطية (2/ 447) ، والبغوي (2/ 194) ، وابن كثير (2/ 242) ، والسيوطي (3/ 212) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 447) . [.....] (6) ذكره ابن عطية (2/ 447) ، والسيوطي (3/ 212) ، وعزاه لابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (7) ذكره ابن عطية (2/ 447) .

وقوله سبحانه: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ: أي: بَحْرَ القُلْزُم، فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ، قيل: هم الكَنْعَانِيُّونَ. وقيل: هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ فى كلام العرب: هم الرجَالُ خاصَّة يَعْكُفُونَ، العُكُوفُ: الملازمة عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ، قيل كانت بقراً. وقال ابن جُرَيْج: كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة بجهلهم فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى: اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي نصّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذات أنواط «1» ، فأنكره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَر! قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ ... » الحديث «2» ، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً، وقال بعضُ الناسَ كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظةً «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم. قلتُ: وقولهم: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طه: 88] ، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم: الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صدرت من

_ (1) هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلقونه بها، ويعكفون حولها، فسألوه أن يجعل لهم مثلها، فنهاهم عن ذلك. وأنواط: جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط. ينظر: «النهاية» (5/ 128) . (2) أخرجه الترمذي (4/ 475) كتاب «الفتن» باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، حديث (2180) ، وأحمد (5/ 218) ، والنسائي في التفسير (1/ 499- 500) ، والحميدي (848) ، والطيالسي (1346) ، وعبد الرزاق (20763) ، وأبو يعلى (3/ 30) برقم: (1441) ، وابن حبان (1835- موارد) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (76) ، والطبراني (3290، 3294) كلهم من طريق سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 213) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 142 إلى 145]

أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً على صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ. انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنى ما تقدَّم من كلام ع «1» ، وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديء العاقبة، والتّبار: الهلاك، وإناء مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ لأنه كسارة، وقوله: مَّا هُمْ فِيهِ يعمّ جميع أحوالهم وباطِلٌ: معناه: فاسد ذاهب مضحملّ، وأَبْغِيكُمْ معناه: أطلبُ. ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ... الآية، ويَسُومُونَكُمْ معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ... الآية. [سورة الأعراف (7) : الآيات 142 الى 145] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) وقوله سبحانه: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ... الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة، وأن العشر هي عَشْرُ ذي «2» الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنى في قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائم بالذات القديم

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 448) . (2) أخرجه الطبري (6/ 48) برقم: (15076) ، وذكره ابن عطية (2/ 449) ، وابن كثير (2/ 243) ، والسيوطي (3/ 214) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين «1» ، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: قالَ، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربّه الرؤية، ورؤية الله عز وجلّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ... الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و «لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسى أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرى بالحديثِ المتواتر أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] ، فهو نصّ في الرؤية بيّنه صلّى الله عليه وسلّم ففي «الترمذيُّ» عن ابن عُمَرَ، قال: قَالَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيّة» ، ثم

_ (1) لا خلاف لأرباب الملل جميعا في كون الباري تعالى متكلما، وإنما الخلاف في معنى كلامه، وهل هو قديم أو حادث، وقد قام الدليل السمعي على إثبات الكلام لله تعالى، وهو ما نقل تواترا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أنه تعالى أمر بكذا، ونهى عن كذا، وأخبر بكذا. وكل هذا من أقسام الكلام، وليس في إثبات الكلام للواجب تعالى بما نقل تواترا عن الأنبياء دور لأن ظهور المعجزة كاف في الدلالة على صدقهم في دعواهم النبوّة، وليس تصديقه تعالى لهم كلاما حتى يجيء الدور، بل تصديقه لهم بإظهار المعجزة على صدق دعواهم، سواء كانت المعجزة من جنس الكلام من حيث كونه معجزا، كالقرآن أو كانت شيئا آخر. والأشاعرة يقولون: كلام الواجب وصف له، ووصف القديم قديم. ويريدون من «الكلام» المعنى النفسي. فكلامه تعالى صفة أزلية قائمة بذاته تعالى منافية للسكوت والآفة كما في الخرس والطفولية، ليست من جنس الأصوات والحروف، هو بها أمر ناه. وتلك الصفة واحدة في ذاتها وإن اختلفت العبارات الدالة عليها كما إذا ذكر الله تعالى بألسنة مختلفة. وخالفت الفرق جميعها الأشاعرة فيما ذكر، فقد اتفقوا على نفي كونه صفة نفسية. حيث قالوا: هو اللفظ المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة. وافترقت هذه الطوائف إلى ثلاثة فرق، وزعموا أنه لا معنى للكلام إلا المنتظم من الحروف المسموعة الدالة على المعاني المقصودة، وأن الكلام النفسي غير معقول. ينظر: «تحقيق صفة الكلام» لشيخنا حافظ محمد مهدي.

قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: 22، 23] «1» ، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً. انتهى. قال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال له: يا موسى، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوى منك، وأَشَدُّ فإِن استقر وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي «2» . قال ع «3» : فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول ع «4» : ولو بَقِينَا مع هذا النفي بمجرده، لقضينا أنه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفي المؤبّد «5» .

_ (1) أخرجه الترمذي (5/ 431) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة القيامة» ، حديث (3330) ، والطبري في «تفسيره» (12/ 344) برقم: (35666) كلاهما من طريق إسرائيل عن ثوير عن عبد الله بن عمر به. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد رواه غير واحد عن إسرائيل مثل هذا مرفوعا، ورواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر من قوله، ولم يرفعه. اهـ. قلت: بل رواه عبد الملك بن أبجر، عن ثوير، عن ابن عمر مرفوعا. أخرجه الحاكم (2/ 509) من طريق عبد الملك به وقال: تابعه إسرائيل بن يونس، عن ثوير، عن ابن عمر. وقال أيضا: وثوير بن أبي فاختة، وإن لم يخرجاه، فلم ينقم عليه غير التشيع. وتعقبه الذهبي فقال: بل هو واهي الحديث. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (6/ 470) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والآجري في «الشريعة» ، والدارقطني في «الرؤية» ، وابن مردويه، واللالكائي في «السنة» . (2) أخرجه الطبري (6/ 54) برقم: (15100) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 450) ، والسيوطي (3/ 221) ، وعزاه لعبد بن حميد. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 450) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 450) . (5) لن: لا يلزم من نفيها التأبيد، وإن كان بعضهم فهم ذلك، حتّى إن ابن عطية قال: فلو بقينا على هذا النفي بمجرده لتضمن أن موسى لا يراه أبدا، ولا في الآخرة، لكن ورد من جهة أخرى الحديث المتواتر أن أهل الجنة يرونه، قلت: وعلى تقدير أنّ «لن» ليست مقتضية للتأبيد، فكلام ابن عطية وغيره ممن يقول: إنّ نفي المستقبل بعدها يعمّ جميع الأزمنة المستقبلة صحيح، لكن لمدرك آخر، وهو أن الفعل نكرة، والنكرة في سياق النفي تعمّ، وللبحث فيه مجال. والاستدراك في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ واضح. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: وَلكِنِ انْظُرْ؟ قلت: اتصل به على معنى أن النظر إليّ محال فلا تطلبه، ولكن اطلب نظرا آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. وهذا على رأيه من أن الرؤية محال مطلقا في الدنيا والآخرة. ينظر: «الدر المصون» (3/ 338- 339) .

قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ/ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون استقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في «أُنْمُوذجِهِ» أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ على ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ لصحَّةَ ثبوتِ الرؤية عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستدل على عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء استقبال المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بانتهائها، كما في قوله تعالى: قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه: 91] ، وهو واضح. انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه» ، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه» ، وكلاهما دعوى بلا دليلٍ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها ب «اليوْم» في فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: 26] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [البقرة: 95] تَكْراراً، والأصل عدمه. انتهى من «المغني» . وقوله سبحانه: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: جَعَلَهُ دَكًّا، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين. قال ص: وَخَرَّ معناه سقَطَ، وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك كذا فسَّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: تُبْتُ إِلَيْكَ، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها. قال ع «1» : ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، أي: مِنْ قومه قاله ابن عباس «2» وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا قاله أبو العالية «3» . وقوله سبحانه: فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النّعم من عند الله سبحانه بمقدار،

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 452) . (2) أخرجه الطبري (6/ 56) برقم: (15110) ، وبرقم: (15111) وذكره ابن عطية (2/ 452) ، وابن كثير (2/ 245) ، والسيوطي (3/ 222) ، وعزاه لابن جرير، وابن مردويه، والحاكم وصححه. [.....] (3) ذكره ابن عطية (2/ 452) ، وابن كثير (2/ 245) ، والسيوطي (3/ 223) ، وعزاه لعبد بن حميد، وأبي الشيخ.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 146 إلى 147]

وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ، وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أي: مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله: وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ مثُلُه، وقوله: بِقُوَّةٍ، أي: بجدٍّ وصبرٍ عليها قاله ابن عباس «1» ، وقوله: بِأَحْسَنِها يحتملُ معنيين. أحدهما: التفضيلُ كما إِذا عرض مثلاً مباحانِ كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما. والمعنى الثاني: يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها كما تقول: اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة. وقوله سبحانه: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ، الرؤية هنا: رؤيةُ عَيْن هذا هو الأظهر إِلا أن المعنى يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، ودارٌ الفاسقين: قيل: هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل: الشام، والمراد العَمَالِقَةُ وقيل: جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد. [سورة الأعراف (7) : الآيات 146 الى 147] سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147) وقوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ... الآية: المعنى: سأَمْنَعُ وأصُدُّ، قال سفيان بن عُيَيْنَة: الآياتُ هنا كلُّ كتابٍ منزّل «2» . قال ع «3» : والمعنى عن فَهْمِها وتصدِيقها، وقال ابن جُرَيْج: الآياتُ: العلامات المنصوبة الدالَّة على الوحدانية، والمعنى: عن النظر فيها، والتفكُّر والاستدلال بها، واللفظُ يعمُّ الوجْهَيْن «4» /، والمتكبِّرون في الأرض بغير الحَقِّ: هم الكُفَّار، قُلْتُ: ويدخل في هذا

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 58) برقم: (15122) ، وذكره ابن عطية (2/ 452) ، والسيوطي (3/ 233) ، وعزاه لابن جرير. (2) أخرجه الطبري (6/ 60) برقم: (15132) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 454) ، والبغوي (2/ 200) بنحوه، وابن كثير (2/ 247) ، والسيوطي (3/ 234) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 454) . (4) أخرجه الطبري (6/ 61) برقم: (15133) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 454) ، والبغوي (2/ 200) ، والسيوطي (3/ 234) ، وعزاه لابن المنذر، وأبي الشيخ.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 148 إلى 151]

المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: ذلِكَ: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم. وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ... الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديد. [سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 151] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) وقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ: الخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم-، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ... الآية: وقوله: وَكانُوا ظالِمِينَ: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ فأغنى عن إِعادته. قال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر. وقوله سبحانه: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ: قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا. وعبارةُ ص: غَضْبانَ: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غليان القلب بسبب ما يؤلم وأَسِفاً: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ. انتهى. وقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غضبه على

[سورة الأعراف (7) : الآيات 152 إلى 155]

قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ على أخيه في إِهمال أَمرهم «1» . قال ابن عباس: لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ «2» بعد ذلك، قال ابن عبَّاس: كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل: من ياقوتٍ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيل: من خشبٍ، واللَّه أعلم «3» . وقوله: ابْنَ أُمَّ استعطافٌ برحمِ الأمِّ إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله: كادُوا، معناه: قاربوا، ولم يَفْعَلُوا، وقوله: وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، يريد: عَبَدَةَ العجْلِ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 152 الى 155] إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وقد وقع ذلك النَّيْلُ بهم في عَهْدِ موسى عليه السلام، فالغضبُ والذِّلَّة هو أمرهم بقَتْل أنفسهم، وقال بعض المفسِّرين: الذِّلَّة: الجِزْيَة، ووَجْه هذا القول أن الغضب والذِّلَّة بقيتْ في عَقِبِ هؤلاء، وقال ابن جُرَيْج: الإِشارةُ إلى من مات من عَبَدة العجْل قبل التوبة بقَتْل الأنْفُس، وإِلى مَنْ فَرَّ، فلم يكُنْ حاضراً وقت القَتْلِ «4» ، والغَضَبُ من اللَّه عزَّ وجلَّ، إِن أخذ بمعنى الإِرادة، فهو صفةُ ذات، وإِن أُخِذ بمعنى العقوبةِ وإِحلالِ النِّقْمة، فهو صفةُ فِعْلٍ، وقوله: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ، المرادُ أَولاً أولئك الَّذين افتَرْوا عَلَى الله سبحانه

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 65) برقم: (15138) ، وذكره ابن عطية (2/ 457) . (2) أخرجه الطبري (6/ 67) برقم: (15147) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 457) ، والسيوطي (3/ 235) ، وعزاه لأبي الشيخ. (3) أخرجه الطبري (6/ 67) برقم: (15147) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 452) ، والبغوي (2/ 199) ، والسيوطي (3/ 225) ، وعزاه لابن أبي حاتم. (4) أخرجه الطبري (6/ 70- 71) برقم: (15157) ، وذكره ابن عطية (2/ 458) .

في عبَادة العِجْل، وتكونُ قوَّة اللفظ تَعُمُّ كُلَّ مفترٍ إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان «1» بن عُيَيْنَة وأبو قِلاَبة «2» وغيرهما/: كلُّ صاحب بدعة أو فِرْيَة، ذليلٌ واستدلوا بالآية. وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ... الآية تضمَّنت وعداً بأن اللَّه سبحانه يغفرُ للتائبين وقرأ معاوية بنُ قُرَّة «3» «وَلَمَّا سَكَنَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ» . قال أبو حَيَّان «4» : واللام في لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ مُقَوِّية لوصولِ الفعْلِ، وهو يَرْهَبُونَ إلى مفعوله المتقدِّم. وقال الكوفيُّون: زائدةٌ «5» . وقال الأخفشُ: لام المفعول له، أي: لأجْلِ ربِّهم. انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 72) برقم: (15161) ، وذكره ابن عطية (2/ 458) ، والبغوي (2/ 202) ، وابن كثير (2/ 248) ، والسيوطي (3/ 236) . (2) أخرجه الطبري (6/ 71) برقم: (15159) ، وذكره ابن عطية (2/ 458) ، والبغوي (2/ 202) ، وابن كثير (2/ 248) بنحوه، والسيوطي (3/ 236) ، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (3) معاوية بن قرّة بن إياس المزني أبو إياس البصري. عن علي مرسلا، وابن عباس، وابن عمر. وعنه قتادة وشعبة وأبو عوانة وخلق، وثقه ابن معين وأبو حاتم. قال خليفة: مات سنة ثلاثة عشرة ومائة، ومولده يوم الجمل. ينظر: «الخلاصة» (3/ 41- 42) ، «التقريب» : (2/ 261) ، «الثقات» (5/ 412) . (4) ينظر: «البحر المحيط» (4/ 396) . (5) وفي اللام أقوال: أحدها أن اللام مقوية للفعل، لأنه لما تقدم معموله ضعف فقوي باللام، كقوله: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ اللام تكون مقوية حيث كان العامل مؤخرا، أو فرعا، نحو: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، ولا تزاد في غير هذين إلا ضرورة عند بعضهم، كقوله: فلمّا أن توافقنا قليلا ... أنخنا للكلاكل فارتمينا أو في قليل من الكلام عند آخرين، كقوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ. والثاني: أن اللام لام العلة، وعلى هذا فمفعول «يرهبون» محذوف، تقديره: يرهبون عقابه لأجله، وهذا مذهب الأخفش. الثالث: أنها متعلقة بمصدر محذوف، تقديره: الذين هم رهبتهم لربهم، وهو قول المبرد، وهذا غير جار على قواعد البصريين، لأنه يلزم منه حذف المصدر، وإبقاء معموله، وهو ممتنع إلا في شعر. وأيضا فهو تقديره مخرج للكلام عن وجه فصاحته. الرابع: أنها متعلقة بفعل مقدر أيضا، تقديره: يخشعون لربهم، ذكره أبو البقاء، وهو أولى مما قبله. ينظر: «الدر المصون» (3/ 350) . [.....]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 156 إلى 157]

قلْتُ: قال ابنُ هِشَامٍ في «المُغْني» ولام التقْويَةِ هي المَزِيدَةُ لتقويةٍ عاملٍ ضَعُفَ إِما لتأخير نحو: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ، وإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: 43] أو لكَوْنِهِ فرعاً في العمل نحو: مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ [البقرة: 91] فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [البروج: 16] ، وقد اجتمع التأخيرُ والفرعيةُ في: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ [الأنبياء: 78] . انتهى. وقوله: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ ... الآية: قال الفَخْرُ» : قال جماعة النحوِّيين: معناه: واختار موسى مِنْ قومه، فحذف «مِنْ» ، يقال: اخترت مِنَ الرجالِ زيْداً، واخترْتُ الرجالَ زَيْداً. انتهى. قال ع «2» : معنى هذه الآية أَن موسى عليه السلام اختار مِنْ قومه هذه العِدَّة لَيَذْهَبَ بهم إِلى مَوْضِعِ عبادةٍ وابتهالٍ ودعاءٍ، فيكون منه ومنهم اعتذار إِلى اللَّه سبحانه مِنْ خطإِ بني إِسرائيل في عبادةِ العِجْلِ، وقد تقدَّم في «سورة البقرة» [البقرة: 51] قصصهم، قالتْ فرقة من العلماء: إِنَّ موسى عليه السلام لمَّا أعلمه اللَّه سبحانه بعبادة بني إِسرائيل العِجْلَ، وبصفته، قالَ موسى: أيْ ربِّ، ومَنْ اختاره؟ قَالَ: أنا، قال موسى: فأنْتَ، يا ربِّ، أضْلَلْتهُمْ، إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ أيْ: إِنَّ الأمور بيدك تفْعلُ ما تريد. [سورة الأعراف (7) : الآيات 156 الى 157] وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) وقوله سبحانه: وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً ... الآية: اكْتُبْ: معناه: أَثْبتْ واقض، والكَتْب: مستعمل في كلّ ما يخلّد، وحَسَنَةً: لفظ عامٌّ في كل ما يحسن في الدنيا من عاقبة وطاعة للَّه سبحانه، وغَيْرِ ذلك، وحَسَنَةُ الآخرةِ: الجَنَّة، لا حَسَنَةَ دونها، ولا مرمى وراءها، وهُدْنا- بضم الهاء-: معناه: تُبْنَا. وقوله سبحانه: قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ، يحتمل أن يريد ب «العذاب»

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 15) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 459) .

الرجفةَ التي نزلَتْ بالقوم، ثم أخبر سبحانه عن رحمته، ويحتملُ وهو الأظهر: أن الكلام قصد به الخَبَرُ عن عذابه، وعن رحمته، وتصريف ذلك في خليقته كما يشاء سبحانه، ويندرجُ في عمومِ العذابِ أصحابُ الرجفة، وقرأ الحسنُ بنُ أبي الحسن، وطَاوُسٌ، وعَمْرُو «1» بن فائدٍ: «مَنْ أَسَاءَ» «2» من الإِساءة، ولا تعلُّق فيه للمعتزلة، وأطنب القُرَّاء في التحفُّظ من هذه القراءَةِ، وَحَمَلَهُمْ على ذلك شُحُّهم «3» على الدِّين. وقوله سبحانه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، قال بعض العلماء: هو عمومٌ في الرحمة، وخصوصٌ في قوله: كُلَّ شَيْءٍ، والمراد: مَنْ قد سبق في عِلْم اللَّه أن يرحمهم، وقوله سبحانه: فَسَأَكْتُبُها، أي: أقدِّرها وأقضيها. وقال نَوْفٌ البِكَالِيُّ «4» : إِن موسى عليه السلام قال: يا رَبِّ، جعلْتَ وِفَادَتِي لأمَّة محمَّد عليه السلام، وقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ: الظاهر: أنها الزكاةُ المختصَّة بالمالِ، وروي عن ابن عباس أن المعنى: يؤتون الأعمالَ التي يزكُّون بها أنفسهم «5» . وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ... الآية: هذه ألفاظٌ أخرجَت

_ (1) عمرو بن فائد، أبو علي الأسواري التميمي: معتزلي قدري، من القراء القصاص، من أهل البصرة، كان منقطعا إلى أميرها محمد بن سليمان، أخذ عن عمرو بن عبيد، وله معه مناظرات، وكان متروك الحديث، ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، وقيل: له «تفسير» كبير. قال ابن حجر: مات بعد المائتين بيسير. ينظر: ترجمته في «الأعلام» (5/ 83) (540) . (2) وقد حسنها أبو الفتح على مذهبه من الاعتزال. ينظر: «المحتسب» (1/ 261) ، و «الشواذ» (51) ، و «الكشاف» (2/ 165) و «المحرر الوجيز» (2/ 461) ، و «البحر المحيط» (4/ 400) ، وزاد أبو حيان نسبتها إلى زيد بن علي، ثم قال: وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاوس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وقرأ بها سفيان بن عيينة مرة واستحسنها، فقام إليه عبد الرحمن المقرئ وصاح به، وأسمعه، فقال سفيان: لم أدر، ولم أفطن لما يقول أهل البدع. ينظر: «الدر المصون» (3/ 353) . (3) الشّحّ في الأصل هو: البخل، وتشاحوا في الأمر وعليه: شح بعضهم على بعض، وتبادروا إليه حذر فوته، وكان المعنى هنا مأخوذ من الحرص على المحافظة على أساس الدين. ينظر: «لسان العرب» (2205) . (4) نوف بن فضالة الحميري البكالي: إمام أهل دمشق في عصره، من رجال الحديث، ورد ذكره في «الصحيحين» وكان راويا للقصص، وهو ابن زوجة كعب الأحبار، ذكره البخاري في فصل: من مات ما بين التسعين إلى المائة. ينظر: ترجمته في «الأعلام» (8/ 54) (511) . (5) أخرجه الطبري (6/ 82) برقم: (15224) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 461) .

اليهودَ والنصارى مِنَ الاشتراك الذي يظهر في قوله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وخلُصَتْ هذه العِدَةُ لأمة محمّد/ صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن عباس «1» وغيره. قلْتُ: وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسالة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف بحَسَب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال الغَزَّالِيُّ رحمه اللَّه في «الإِحياء» : وإِنما أمّته صلّى الله عليه وسلّم مَنِ اتبعه، وما اتبعه إِلاَّ مَنْ أعرض عن الدنيا، وأَقْبَلَ على الآخرةِ، فإِنه عليه السلام ما دَعَا إِلاَّ إِلى اللَّهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، وما صَرَفَ إِلاَّ عن الدنيا والحظوظِ العاجلةِ، فبقدْرِ ما تُعْرِضُ عن الدنيا، وتُقْبِلُ على الآخرة، تسلك سبيله الذي سلكه صلّى الله عليه وسلّم، وبقَدْرِ ما سَلَكْتَ سبيله، فقد اتبعته، وبقَدْر ما اتبعتَهُ، صِرْتَ من أمته، وبقَدْرِ ما أَقبلْتَ على الدنيا، عَدَلْتَ عن سبيله، ورغبْتَ عَنْ متابعته، والتحقت بالذين قال اللَّه تعالى فيهم: فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات: 37، 38، 39] . انتهى، فإن أردتّ اتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الحقيقة، واقتفاء أثره، فابحث عن سيرته وخُلُقه في كتب الحديث والتفسير. قال ابنُ القَطَّان في تصنيفه الذي صنَّفه في «الآيات والمعجزات» : والقول الوجيز في زُهْدِهِ وعبادتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وسائر حلاه ومعاليه صلّى الله عليه وسلّم: أنه مَلَكَ مِنْ أقْصَى اليمن إلى صحراء عمان إِلى أقصى الحجاز، ثم تُوُفِّيَ عليه السلام، وعليه دَيْنٌ، ودِرْعُهِ مَرْهونةٌ في طَعَام لأهله، ولم يتركْ ديناراً ولا درهماً، ولا شَيَّد قَصْراً، ولا غَرَس نَخْلاً، ولا شَقَّقَ نَهْراً، وكان يأكل على الأرْضِ ويجلسُ على الأرض، ويَلْبَسُ العَبَاءة، ويجالسُ المَساكين، ويَمْشِي في الأسواق، ويتوسَّد يَدُه، ويلعقُ أصابعه، ويُرقِّع ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه، ويُصْلِح خُصَّه، ويمهنُ لأهله، ولا يأكل متْكِئاً، ويقول: «أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْد» ، ويقتصُّ من نفْسه، ولا يرى ضاحكاً مِلْء فِيهِ ولو دُعِيَ إِلى ذراعٍ، لأجاب، ولو أُهْدِيَ إِليه كُرَاعٌ لَقِبل، لا يأكلُ وحده، ولا يَضْرِبُ عبده، ولا يمنعُ رفْده ولا ضَرَبَ قطُّ بيدِهِ إِلاَّ في سَبِيل اللَّه، وقام للَّه حتَّى تَوَرَّمَتْ قدماه، فقيل له: أتَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللَّه لك مَا تَقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ؟ فقال: «أفَلاَ أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً» ، وكان يُسْمَعُ لجوفه أزير كأزيز المِرْجَلِ «2» من البكاءِ إِذا قام بالليل صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وأتباعه صلاةً دائمةً إلى يوم القيامة. انتهى.

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 83) برقم: (15225) ، وبرقم: (15226) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 462) ، والسيوطي (3/ 241) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (2) المرجل: القدر من الحجارة والنّحاس. مذكر. ينظر: «لسان العرب» (1601) .

وقال «1» الفَخْر: قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ... الآية: قال بعضهم: الإِشارة بذلك إِلى مَنْ تقدَّم ذكْرُه من بني إِسرائيل، والمعنى: يتبعونه باعتقاد نبوَّته من حيث وَجَدُوا صفتَهُ في التوراة، وسيجدونه مكتوباً في الإِنجيل. وقال بعضهم: بل المرادُ مَنْ لحق مِنْ بني إِسرائيل أيام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فبيَّن تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا تكتب لهم رحمةُ الآخرة إِلاّ إذا اتبعوا النبيَّ الأُميُّ. قال الفخْر «2» : وهذا القول أقربُ. انتهى. وقوله: يَجِدُونَهُ، أي: يجدون صفة نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم ونعته ففي «البخاريِّ» وغيره، عن عبد اللَّه بن عمرو أنَّ في التوراة مِنْ صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «يا أيّها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً/ وَنَذِيراً وَحِرْزاً لِلأُمِيِّيِّن، أنْتَ عَبْدِي وَرَسُولي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سخَّاب «3» في الأَسْوَاق، وَلاَ يَجْزي بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حتى أُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاء بأنْ يَقُولُوا: لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، فَنُقِيمُ بِهِ قُلُوباً غُلْفاً، وأَذَاناً صُمًّا، وَأَعْيُناً عُمْياً» ، وفي «البخاريِّ» : «فَيَفْتَحُ بِهِ عُيُونَاً عُمْياً، وآذاناً صُمًّا، وقُلُوباً غُلْفاً «4» » ، ونصَّ كعب الأحبار نحو هذه الألفاظ إِلاَّ أنه قال: «قُلُوباً غُلُوفاً، وآذناً صُمُوماً» . وقوله سبحانه: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... الآية: يحتملُ أن يكون ابتداء كلامٍ وُصِفَ به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أن يكون متعلِّقاً ب «يجدونه» في موضع الحال على تجوُّزٍ، أي: يجدونه في التوراةِ آمراً بشرط وجوده، والمعروف: ما عُرِفَ بالشرع، وكلُّ معروف من جهة المروءة، فهو معروف بالشرع، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت لأتمّم محاسن الأخلاق» «5» والْمُنْكَرِ: مقابله، والطَّيِّباتِ عند مالك: هي المحلّلات، والْخَبائِثَ هي المحرَّمات، وكذلك قال ابن عباس، والإِصْرُ الثّقل «6» ، وبه فسّر هنا قتادة «7» وغيره،

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 20) . (2) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 20) . (3) السّخب والصّخب: الصياح. ينظر: «النهاية» (2/ 349) . (4) تقدم تخريجه. (5) تقدم تخريجه. [.....] (6) أخرجه الطبري (6/ 85- 86) برقم: (15241) بلفظ: «عهدهم» ، وبرقم: (15247) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 463) ، والبغوي (2/ 206) ، والسيوطي (3/ 248) . (7) أخرجه الطبري (6/ 86) برقم: (15248) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 4630) ، والبغوي (2/ 206) ، والسيوطي بنحوه (3/ 248) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 158 إلى 160]

والإِصْر أيضاً: العَهْد، وبه فسر ابنُ عباس وغيره «1» ، وقد جَمَعَتْ هذه الآيةُ المعنيين فإِن بني إِسرائيل قد كان أخذ عليهم العَهْدُ بأن يقوموا بأعمال ثقال، فَوَضَعَ عنهم نبيُّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال ابن جُبيْر: الإِصْر: شدَّة العبادة «2» ، وقرأ ابن عامر «3» : «آصارَهُمْ» بالجمع فمَنْ وحَّد «الإصر» فإنما هو اسمُ جنْس عِنده، يراد به الجمعُ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ عبارةٌ مستعارَةٌ أيضاً لتلك الأثقال، كَقَطْعِ الجِلْدِ من أثر البَوْلِ، وأن لا ديةَ، ولا بدَّ من قَتْل القاتل، إلى غير ذلك، هذا قول جمهور المفسِّرين، وقالَ ابن زَيْدٍ: إنما المراد هنا ب الْأَغْلالَ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ في اليهود: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: 64] ، فمنْ آمن بنبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، زالَتْ عنه الدعوةُ، وتغليلها «4» ، ومعنى عَزَّرُوهُ: أي: وقَّروه، فالتعْزيرُ والنصْرُ: مشاهدةٌ خاصَّة للصحابة، واتباع النور: يشترك فيه معهم المؤمنون إلى يوم القيامة، والنُّورُ: كنايةٌ عن جُمْلة الشرع، وشَبَّه الشرعَ والهدى بالنور، إِذ القلوبُ تستضيء به كما يستضيء البصر بالنّور. [سورة الأعراف (7) : الآيات 158 الى 160] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً هذا أمر من الله

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 85) برقم: (15241) ، وذكره ابن عطية (2/ 463) ، والسيوطي (3/ 248) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. (2) ذكره ابن عطية (2/ 463) ، والسيوطي (3/ 248) ، وعزاه لابن أبي حاتم. (3) وحجته أنه لم يختلف في جمع «الأغلال» ، وهي نسق على الإصر، وحجة الباقين قوله تعالى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً [البقرة: 286] ، وقوله سبحانه: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: 81] . ينظر: «السبعة» (295) ، و «الحجة» (4/ 93) ، و «إعراب القراءات» (1/ 210) ، و «حجة القراءات» (298) ، و «إتحاف» (2/ 65) ، و «معاني القراءات» (1/ 425) ، و «شرح شعلة» (397- 398) ، و «شرح الطيبة» (4/ 31) و «العنوان» (98) . (4) ذكره ابن عطية (2/ 464) .

سبحانه لنبيِّه بإشهار الدعوة العامَّة، وهذه من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم من بين سائر الرسل فإنه صلّى الله عليه وسلّم بُعِثَ إِلى الناس كافَّة، وإِلى الجنِّ، وكلُّ نبيٍّ إِنما بعث إِلى فرقة دون العُمُوم. وقوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: حَضٌّ على اتباع نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ، أيْ: يصدق باللَّه وكلماته، والكلماتُ هنا: الآياتُ المنزلة مِنْ عند الله كالتوراة والإنجيل، وقوله: وَاتَّبِعُوهُ لفظ عامٌّ يدخل تحته جميعُ إلزامات الشريعة، جعلنا اللَّه مِنْ متَّبعيه على ما يلزم بمنِّه ورحمته. قُلْتُ: فإِن أردتَّ الفوْزَ أيُّها الأخ، فعليك باتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وتعظيمِ شريعته، وتعظيم جَمِيعِ أسبابه. قال عِيَاضٌ: ومن إعظامه صلّى الله عليه وسلّم وإِكبارهِ إِعظام جميع أَسبابه وإِكْرَامُ مشاهده وأَمْكِنَتِهِ، ومعاهِدِهِ، وما لَمَسَهُ عليه السلام أَوْ عُرِفَ به، حُدِّثْتُ أن أبا الفَضْل الجوهري، لمَّا وَرَدَ المدينةَ زائراً، وقَرُبَ من بيوتها، ترجَّل، ومشى باكياً منشداً: [الطويل] وَلَمَّا رَأَيْنَا رَسْمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ لَنَا ... فُؤَاداً لِعِرْفَانِ/ الرُّسُومَ «1» وَلاَ لُبَّا «2» نَزَلْنَا عَنِ الأَكْوَارِ «3» نَمْشِي كَرَامَةً ... لِمَنْ بَانَ عَنْهُ أَنْ نَلُمَّ بِهِ رَكْبَا وحُكِيَ عن بعض المريدين أنه لما أشْرَفَ على مدينة الرسول عليه السلام، أنشأ يقُولُ: [الكامل] رُفِعَ الحِجَابُ «4» لَنَا فَلاَحَ لِنَاظِرِي ... قَمَرٌ تَقَطَّعُ دُونَهُ الأَوْهَامُ «5» وَإِذَا المَطِيُّ «6» بِنَا بَلَغْنَ محمّدا ... فظهورهنّ «7» على الرّجال حرام

_ (1) الرسم: آثار الديار الدارسة، والمراد آثاره صلّى الله عليه وسلّم في معاهده ومساكنه، والفؤاد: القلب، والعرفان: المعرفة، واللّب: العقل. (2) الأبيات للمتنبي (1/ 56) ، ينظر: الأبيات في «الشفا» ص: (621) . (3) الأكوار: جمع كور، وهو للإبل بمنزلة السرج للفرس، بان: بعد، نلمّ: نأتيه لزيارته، والإلمام: الإتيان قليلا. (4) المراد برفع الحجاب في الشعر: رفع ستائر أبواب الملوك والعظام، وهو هنا، بمعنى انقضاء المسافة، والقرب من المدينة، والقمر: الممدوح، وتقطع: تضمحل. (5) الأبيات لأبي نواس في مدح محمد الأمين. ينظر: «ديوانه» ص: (408) ، وتنظر الأبيات في: «الشفا» (622) . (6) المطيّ: جمع مطية: ناقة تمتطى وتركب، ولاح: بدا وظهر، دونه: قريبا منه. (7) فظهورهن على الرجال حرام، أي: إذا أوصلتهم لمقاصدهم، كانت لها حرمة تقتضي رعايتها وراحتها،

قرّبننا من خير من وطئ الحَصَى «1» ... فَلَهَا عَلَيْنَا حُرْمَةٌ وَذِمَامُ وحُكِيَ عن بعض المشايِخِ أنه حجَّ ماشياً، فقيل له في ذلك، فقال: العَبْدُ الآبِقُ يأتي إلى بيت مولاه راكباً؟ لو قَدْرَتُ أَنْ أَمْشِيَ على رأسِي، ما مَشَيْتُ على قدَمي. قال عياضَ: وجديرٌ لمواطَنَ عُمِرَتْ بالوحْيِ، والتنزيل وتردَّد فيها جبريلُ وميكائيل، وعَرَجَتْ منها الملائكةُ والرُّوح وضجَّتْ عرصاتها «2» بالتقديس والتسبيح، واشتملَتْ تربتها على جَسَد سَيِّد البَشَر وانتشر عنْهَا مِنْ دِينِ اللَّه وسنة رسُوله ما انتشر، مدارسُ وآيات ومَسَاجِدُ وصَلَوَات ومَشَاهِدُ الفَضَائِلِ والخَيْرَات ومعاهدُ البراهين والمُعْجِزَات- أنْ تعظَّم عَرَصَاتها وتُتَنَسَّمَ نفحاتها وتُقَبَّلَ ربُوعُها وجدراتُها: [الكامل] يَا دَارَ خَيْر المُرْسَلِينَ ومَنْ بِه ... هَدْيُ الأَنَامُ» وَخُصَّ بِالآيَاتِ «4» عِنْدِي لأَجْلِكَ لَوْعَةٌ «5» وَصَبَابَةٌ ... وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الجَمَرَاتِ الأبيات. انتهى من «الشفا» . وقوله سبحانه: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ، أي: يرشدُونَ أنفسهم، وهذا الكلامُ يحتملُ أنْ يريد به وصْفَ المؤمنين منهم، على عهد موسى، وما والاَهُ مِنَ الزمَنِ، فأخبر سبحانه، أنه كان في بني إسرائيل على عتوِّهم وخلافِهِمْ مِنَ اهتدى واتقى وعَدَلَ، ويحتمل أنْ يريد الجماعةَ التي آمَنَتْ بنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم، وقوله: أَسْباطاً: بَدلٌ من اثْنَتَيْ، والتمييزُ الذي بَيْنَ العَدَدَ محذوفٌ تقديره: اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أو قِطْعَةً أسباطاً. وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ

_ فلا يركبها بعد ذلك رجل، ولا يوضع على ظهرها شيء، بل تترك سارحة منعمة في مرعاها. [.....] (1) روي البيت في «الشفا» «.... من وطىء الثرى» . وخير من وطىء الثرى: النبي، فهو خير الناس، والحرمة: الحق الذي يلزم احترامه، والذمام: ما يلزم احترامه، أو جمع ذمة، وهي العهد، وما يجب الوفاء به. (2) العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. ينظر: «لسان العرب» (2883) . (3) الأنام: الخلق، خصّ بالآيات: القرآن، أو جميع المعجزات. (4) الشعر للقاضي عياض، ينظر الأبيات في: «الشفا» (623) ، و «نسيم الرياض» (3/ 488) ، وقال القاري: (2/ 102) : قال الحلبي: الذي يظهر أن هنا الشعر من قول عياض رحمه الله. (5) اللوعة: شدة الحب وحرقته، والصبابة: رقة الشوق.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 161 إلى 162]

فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ ... الآية: فَانْبَجَسَتْ: بمعنى انفجرت، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المعاني في «البقرة» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 161 الى 162] وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162) وقوله سبحانه: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ: القَرْيَةُ هي بيْتُ المقدس. وقيل: أريحا، و «بدّل» : معناه غيّر اللّفظ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 163 الى 166] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) وقوله سبحانه: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ... الآية: قال بعضُ المتأوِّلين: إِن اليهود المعاصرين للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: إِنَّ بني إِسرائيل لم يَكُنْ فيهم عصْيانٌ، ولا معاندةٌ لمَا أُمرُوا به، فنزلَتْ هذه الآيةُ موبِّخة لهم، فسؤالهم إِنَّما هو على جهة التوبيخِ، والقريةُ هنا: أَيْلَةُ، قاله «1» ابن عباس وغيره، وقيل: مَدْيَن، و «حاضِرة البَحْر» ، أي: البحر فيها حاضرٌ، ويحتملُ أنْ يريد معنى «الحاضرة» على جهة التعظيم لها، أي: هي الحاضرة في مدن البحر، ويَعْدُونَ: معناه: يخالفون الشرع من عدا يعدو، وشُرَّعاً، أي: مقبلة إِليهم مُصْطَفَّة، كما تقولُ: شُرِعَتِ الرماحُ إِذا مُدَّتْ مصطَفَّة، وعبارةُ البخاري/ شُرَّعاً أيْ: شوارِعَ انتهى. والعامل في قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ قولُهُ: لاَ تَأْتِيهِمْ، وهو ظرفٌ مقدّم،

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 91) برقم: (15263) ، وذكره ابن عطية (2/ 467) ، والبغوي (2/ 208) ، وابن كثير (2/ 257) ، والسيوطي (3/ 251) ، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 167 إلى 168]

ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم. وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً. قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي] : في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و «ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين. وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية. وقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير. [سورة الأعراف (7) : الآيات 167 الى 168] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) وقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه

[سورة الأعراف (7) : الآيات 169 إلى 170]

سبحانه مقترِنٌ بإنفاذٍ وإمِضاء كما تقول في أمر عَزَمْتَ عليه: عَلِمَ اللَّهُ لأَفْعَلَنَّ. وقال الطبريُّ «1» وغيره: تَأَذَّنَ معناهُّ: أعْلَمَ، وقال مجاهد: تَأَذَّنَ معناه: أَمَرَ «2» وقالت فرقة: معنى تَأَذَّنَ: تَأَلَّى، والضمير في عَلَيْهِمْ، لبني إِسرائيل، وقوله: مَنْ يَسُومُهُمْ قال ابن عباس: هي إشارةٌ إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأُمَّتِهِ، يسومُونَ اليهودَ سُوءَ العذاب «3» . قال ع «4» : والصحيح أنَّ هذا حالهم في كل قُطْر، ومع كلّ ملّة، ويَسُومُهُمْ: معناه: يكلّفهم ويحمّلهم، وسُوءَ الْعَذابِ: الظاهر منه: أنه الجِزْيَةُ، والإذلالُ، وقد حتم اللَّه علَيْهم هذا، وحَطَّ مُلْكَهم، فليس في الأرض رايَةٌ ليهوديٍّ، ثم حَسُنَ في آخر الآية التنبيهُ على سرعة العِقَاب، والتخويفُ لجميعِ الناسِ، ثم رجى سبحانه بقوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لطفاً منه بعباده جلَّ وعَلا، وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ، معناه: فرَّقناهم في الأرض. قال الطبريُّ «5» عن جماعة من المفسِّرين: ليس في الأرض بقعةً إِلاَّ وفيها مَعْشَرٌ من اليهودِ، والظاهر في المُشَارَ إِليهم بهذه الآية أنهم الذين بعد سُلَيْمَانَ وَقْتَ زوالِ مُلْكهم، والظاهر أنهم قبل مُدَّة عيسى عليه السلام لأنهم لم يكُنْ فيهم صالحٌ/ بعد كُفْرهم بعيسى صلّى الله عليه وسلّم وبَلَوْناهُمْ، معناه: امتحناهم بِالْحَسَناتِ، أي: بالصِّحَّة والرخاءِ، ونحو هذا ممَّا هو بَحَسَب رأي ابْن آدم ونظره، والسَّيِّئاتِ: مقابلات هذه، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الطاعة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 169 الى 170] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 102) . (2) أخرجه الطبري (6/ 102) برقم: (15308- 15309) ، وذكره ابن عطية (2/ 471) ، والبغوي (2/ 209) ، وابن كثير (2/ 259) ، والسيوطي (3/ 255) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ. (3) أخرجه الطبري (6/ 102) برقم: (15310) ، وذكره ابن عطية (2/ 471) ، وابن كثير (2/ 259) . (4) ينظر: «تفسير المحرر الوجيز» (2/ 471) . (5) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 104) .

وقوله سبحانه: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ ... الآية: خَلَفَ معناه: حَدَثَ خَلْفَهم وبعدهم، وخَلْفٌ- بإِسكان اللام- يستعمل في الأشهر: في الذَّمِّ. وقوله سبحانه: يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى إشارةٌ إلى الرّشا والمكاسب الخبيثة، والعَرَضُ: ما يَعْرِضُ وَيعنُّ، ولا يثبُتُ، والأَدنَى: إِشارةٌ إِلَى عيشِ الدنيا، وقولهم: سَيُغْفَرُ لَنا ذمٌّ لهم باغترارهم، وقولهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا، مع علمهم بما في كتاب اللَّهِ، مِنَ الوعيد على المعاصي، وإِصرارِهِم، وأنَّهم بحالٍ إِذا أمكنَتْهم ثانيةً ارتكبوها، فهؤلاء عَجَزَةٌ كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ» «1» ، فهؤلاءِ قطعوا بالمغفرة وهم مُصِرُّون، وإِنما يقول: سَيُغْفَرُ لَنا مَنْ أقلع ونَدِمَ. وقوله سبحانه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ ... الآية: تشديدٌ في لزوم قول الحقِّ على اللَّه في الشَّرْع والأحكام، وقوله: وَدَرَسُوا مَا فِيهِ معطوفٌ على قوله: أَلَمْ يُؤْخَذْ لأنه بمعنى المُضِيِّ، والتقديرُ: أَلَيْسَ قد أُخِذَ عليهم ميثاقُ الكتابِ، ودَرَسُوا ما فيه، وبهذَيْنِ الفعْلَيْنِ تقومُ الحجَّة عليهم في قولهم الباطَل، وقرأ أبو عبد «2» الرحمن السُّلَمِيُّ: «وادارسوا مَا فِيه» . ثم وعظ وذكَّر تبارَكَ وتعالى بقوله: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ، وقرأ أبو عمرو: «أفلا يعقلون» - بالياء «3» من أسفل-.

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 638) كتاب «صفة القيامة» باب: (25) ، حديث (2459) ، وابن ماجه (2/ 1423) كتاب «الزهد» باب: ذكر الموت والاستعداد له، حديث (7143) ، وأحمد (4/ 124) ، والحاكم (1/ 57) ، وابن المبارك في «الزهد» ص: (56) برقم: (171) ، والبيهقي (3/ 369) كتاب «الجنائز» باب: ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قصر الأمل، وفي «شعب الإيمان» (7/ 350) برقم: (10546) ، والطبراني في «الكبير» (7/ 341) برقم: (7143) ، وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 267) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (12/ 50) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» برقم: (185) ، كلهم من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعا. وقال الترمذي: حديثٌ حَسَن. وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط البخاري ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: لا والله، أبو بكر واه. (2) وهي قراءة علي بن أبي طالب كما في «الشواذ» ص: (52) . وينظر: «المحتسب» (1/ 267) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 473) ، و «البحر المحيط» (4/ 415) ، و «الدر المصون» (3/ 367) . (3) وقرأ بها حمزة والكسائي، وابن كثير. ينظر: «حجة القراءات» (301) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 473) ، و «البحر المحيط» (4/ 415) ، و «الدر المصون» (3/ 367) . [.....]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 171 إلى 174]

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ عطْفٌ على قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقرأ عاصمٌ وحْده في رواية أبي بَكْرٍ «يُمْسِكُونَ» «1» - بسكون الميم، وتخفيف السين-، وقرأ الأعمش «2» : «والّذين استمسكوا» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 171 الى 174] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) وقوله عز وجل: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، نَتَقْنَا: معناه: اقتلعنا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في «البقرة» ، وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبَّروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا. وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ... الآية، قوله: مِنْ ظُهُورِهِمْ قال النُّحاة: هو بدلُ اشتمال من قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ طُرُقٍ: «أن اللَّه عزَّ وجلَّ استخرج مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عليه السلام نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها: كالخَرْدَلِ» . وقال محمد بن كَعْب: إِنها الأرواحُ «3» جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَمَا يؤخذ بالمشط من الرّأس «4» ،

_ (1) وقراءة أبي بكر من الإمساك، أي: يأخذون بما فيه من حلال وحرام. وحجته قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة: 4] ، وقوله: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب: 37] ولم يقل: مسّك. ينظر: «السبعة» (297) ، و «الحجة» (4/ 102- 103) ، و «إعراب القراءات» (1/ 214) ، و «حجة القراءات» (301) ، و «شرح الطيبة» (4/ 314) ، و «العنوان» (98) ، و «معاني القراءات» (1/ 428) ، و «شرح شعلة» (398) . (2) وقرأ بها عبد الله، كما في «الكشاف» (2/ 175) ، وينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 473) ، و «البحر المحيط» (4/ 416) ، و «الدر المصون» (3/ 368) . (3) أخرجه الطبري (6/ 116) برقم: (15387) ، والسيوطي (3/ 259) . (4) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 259) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، واللالكائي في «السنة» .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 175 إلى 177]

وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولاً كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إله غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، والتزموه وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم على بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته» «1» قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: من مات صَغيراً، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ. وقوله/ شَهِدْنا يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله: بَلى، ويحتمل أن يكون قوله: شَهِدْنا من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ على قوله: بَلى. قال السديُّ: المعنى: قال اللَّه وملائكته «2» : شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. وقوله سبحانه: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ... الآية: المعنى: لِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنى في هذه الآية: أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان: إحداهما: أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين. والأخرى: كنا تباعاً لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عليهم، لتنقطع لهم هذه الحجة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 177] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) وقوله سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 111- 112) برقم: (15363) ، وذكره ابن عطية (2/ 475) ، وابن كثير (2/ 262) ، والسيوطي (3/ 261- 262) ، وعزاه لابن جرير. (2) أخرجه الطبري (6/ 116) برقم: (15384) ، وذكره ابن عطية (2/ 476) ، والبغوي (2/ 212) .

قال ابن عباس: هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، اسمه بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء «1» ، وقيل: بَلْعَامُ بْنُ باعِر. وقيل: غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ موسى عليه السلام، فَلَما قَرُبَ منهم موسى، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحاً مستجابَ الدَّعْوة، وقيل: كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها. وقيل: كان يعلم اسم اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس «2» أيضاً، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله: آتَيْناهُ آياتِنا، فقال له قومُه: ادع اللَّه على موسى وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ: وَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتى أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يرى منه عَسْكَرَ موسى، وكان قد قال لِقَوْمِهِ: لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم: قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال: سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو على موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسى، والدعاءِ على قومه، فقالوا له: ما تقولُ؟ فقال: إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه على صدره، فقال لقومه: إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء على عَسْكَرِ موسى عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع امرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فزنى بهِنَّ رجالٌ [مَنْ] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فانتظم بُرمْحه امرأة ورجُلاً من بني إِسرائيل، ورفعهما على الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ [واحدةٍ] سبْعُونَ ألْفاً، ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه: أنَّ موسى عليه السلام قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه. قال المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنه دعا على مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين فأجيب، ودعا عليه موسى أَنْ ينسى اسم اللَّهِ الأعْظَمَ فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةً تحتاجُ إِلى صحّة إسناد، وفَانْسَلَخَ: عبارةٌ عن البراءةِ منها، والإنفصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجلد، وفَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، أيْ: صيَّره تابِعاً كذا قال الطبريُّ: إما لضلالة رسمها له، وإما لنفسه، ومِنَ الْغاوِينَ، أي: مِنَ الضالين، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، قال ابن

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 119) برقم: (15398، 15401) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 476) ، والبغوي (2/ 213) بنحوه، وابن كثير (2/ 264) ، والسيوطي (3/ 266) ، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم. (2) أخرجه الطبري (6/ 121) برقم: (15423) ، وذكره ابن عطية (2/ 477) ، والبغوي (2/ 215) .

عباس وجماعة: معنى «لرفعناه» لشرَّفنا/ ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا بهذه الآيات «1» الَّتي آتيناه، ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ، أي: تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها وذلك أنَّ الأرض وما ارتكن فيها: هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية. ت: قال الهَرَوِيُّ: قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: معناه: سكَنَ إِلى لَذَّاتها، واتبع هواه، يقال: أخلد إِلى كَذَا، أي: رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به. انتهى. قال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ رحمه اللَّه في «العاقبة» : واعلم رحمك اللَّه أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسباباً، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها: الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالى من آياته وأطلعه عليه من بيِّناته وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، واتبع هواه فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه وتَرَكَه مع مَنِ استماله وأغواه. انتهى. وقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، شُبِّه به في أنه كان ضالاًّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضاً ضالاًّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال هذا قول الجمهور. وقال السدِّيُّ وغيره: إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً «2» وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس أنَّ معنى: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ: إنْ تَطْرَدهُ «3» . وقوله: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، أي: هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدى والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ. وقوله: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ، أي: اسرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية ولَسْتَ منهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك فيؤمنوا.

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 125) برقم: (15436) ، وذكره ابن عطية (2/ 478) ، والبغوي (2/ 215- 216) بنحوه، والسيوطي (3/ 267) بنحوه، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (2) أخرجه الطبري (6/ 128) برقم: (15452) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 478) . (3) أخرجه الطبري (6/ 127) برقم: (15449) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 478) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 178 إلى 180]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 178 الى 180] مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180) وقوله سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، القول فيه: أن ذلك كلَّه من عند اللَّه: الهدايةُ منه وبخَلْقه واختراعه وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين. وقوله سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيرا، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، «وذرأ» : معناه: خَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ. وقوله سبحانه: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ... الآيةَ: لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه: الفَهْم، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير. قال الفَخْر «1» : أمَّا قوله تعالى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، فتقريره: أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضاً في منافع الحواسِّ الخَمْسِ الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل الامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشّعراء: [البسيط]

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (16/ 53) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 181 إلى 183]

الرُّوحُ مِنْ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ مَبْدَؤُه ... وَتُرْبَةُ الأَرْضِ أَصْلُ الجِسْمِ والبَدَنِ قَدْ أَلَّفَ المَلِكُ الجَبَّارُ بَيْنَهُمَا ... لِيَصْلُحَا لِقَبُولِ الأَمْرِ والْمِحَنِ فَالرُّوحُ فِي غُرْبةٍ وَالجِسْمُ في وَطَن ... فَلْتَعْرِفَنَّ ذِمَامَ النَّازِحِ الوَطنِ انتهى. وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ... الآية: السببُ في هذه الآية على ما روي، أن أبَا جهلٍ سمع بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ، فيذكُر اللَّه تعالَى في قراءته، وَمَرَّةَ يَذْكُر الرحمن، ونَحْوَ ذلك، فقال: محمَّدٌ يَزعم أنَّ إلإله واحِدٌ، وهو إِنما يعبدُ آلهةً كثيرةً، فنزلَتْ هذه الآية، ومِنْ أسماء اللَّه تعالى ما ورد في القُرآن، ومنها ما ورد في الحديث وتواتَرَ، وهذا هو الذي ينبغي أَنْ يُعْتَمدَ عليه. وقوله سبحانه: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، قال ابن زيد: معناه: اتركوهم «1» ، فالآية على هذا منسوخةٌ، وقيل: معناه: الوعيدُ كقوله سبحانه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر: 11] وذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا [الحجر: 3] يقال: أَلْحَد وَلَحَدَ بمعنى جَارَ، ومَالَ، وانحرف، و «ألْحَدَ» : أشهرُ ومنه لَحْدُ القَبْرِ، ومعنى الإِلحاد في أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ: أنْ يسمُّوا اللاَّتَ نظيرَ اسم اللَّه تعالى قاله ابن عباس «2» ، والعُزَّى نظيرَ العزيزِ قاله مجاهد «3» ، ويسمُّون اللَّه أباً، ويسمُّون أوثانهم أرْباباً. وقوله سبحانه: سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ: وعيد محض. [سورة الأعراف (7) : الآيات 181 الى 183] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) وقوله سبحانه: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، الآية تتضمَّن الإِخبار عن قَوْمٍ أهْلِ إِيمانٍ واستقامةٍ وهدايةٍ، وظاهُرها، يقتضي كُلَّ مُؤْمِنٍ كان مِنْ لَدُنْ آدم عليه السلام إِلى قيام الساعة، ورُوِيَ عن كثيرٍ من المفسِّرين: أنها في أمَّة نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم، وروي في ذلك حديث أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 133) برقم: (15468) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 481) . (2) أخرجه الطبري (6/ 132) برقم: (15464) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 481) ، والبغوي (2/ 218) ، وابن كثير (2/ 269) بنحوه، والسيوطي (3/ 271) ، وعزاه لابن أبي حاتم. [.....] (3) أخرجه الطبري (6/ 132) برقم: (15465) ، وذكره ابن عطية (2/ 481) ، والبغوي (2/ 218) ، وابن كثير (2/ 269) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 184 إلى 186]

قَالَ: «هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ» . وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الآية وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، وسَنَسْتَدْرِجُهُمْ معناه: سنُسوقهم شيئاً بعد شَيْءٍ ودرجةً بعد درجةٍ بالنِّعم عليهم والإِمهال لهم حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله: مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ، أيْ: من حيث لا يَعْلَمُون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملَى لهم ليزدادوا إثماً. وقوله: وَأُمْلِي: معناه: أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي: مدّة ومَتِينٌ: معناه: قويّ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 184 الى 186] أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ/ ... الآية: تقريرٌ يقارنه توبيخ للكفّار، والوقف على قوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال: مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ أي: بمحمَّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ أنْ يكون المعنى: أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أمره صلّى الله عليه وسلّم وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ. وقال الفَخْر «1» : قوله تعالى: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة: حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ «مِنْ» في قوله: مِنْ جِنَّةٍ ينفي أنواع الجنون. انتهى. وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... الاية: النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكراً، ومَلَكُوتِ: بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ. وقوله: وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ: لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ: واقعٌ على الموجودات، وَأَنْ عَسى: عطْفٌ على قوله: فِي مَلَكُوتِ، والمعنى: توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتوا ففات أو ان

_ (1) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 62) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 187 إلى 188]

التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم «بِأَيِّ حديثٍ» أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر: [الطويل] ............... ...... ... وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ «1» والضمير في بَعْدَهُ يراد به القُرْآن. وقيل: المراد به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل: هو عائد على الأجَلِ، أي: بعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت. وقوله سبحانه: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ... الآية: هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعمه: الحيرة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 187 الى 188] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) وقوله سبحانك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ، قال قتادة: السائِلُونَ: هم قريش «2» . وقال ابن عباس: هم أحبار اليهود «3» . ت: وفي «السِّيرَة» لابنِ هشامٍ: أَن السائلين من أحبار اليهود: حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْءلُ بْنُ زَيْدٍ. انتهى. والساعة: القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبعث الجميع، وأَيَّانَ: معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر: [الرجز]

_ (1) البيت من شواهد «المحرر الوجيز» (2/ 483) . (2) أخرجه الطبري (6/ 136) برقم: (15473) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 484) ، والبغوي (2/ 219) بنحوه، والسيوطي (3/ 274) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. (3) أخرجه الطبري (6/ 136) برقم: (15474) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 484) ، والسيوطي (3/ 274) ، وعزاه لابن إسحاق، وابن جرير، وأبي الشيخ.

أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا ... أَمَا ترى لِفعْلِهَا أبانا «1» ومُرْساها معناه: مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها مأخوذٌ من: أرسى يُرْسِي، ف «مُرْسَاهَا» : رَفْعٌ بالابتداء، والخبرُ «أَيَّانَ» ، وعبارة البخاريّ: أَيَّانَ مُرْساها: متى خروجها. انتهى، ويُجَلِّيها: معناه يظهرها. وقوله سبحانه: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قيل: معناه: ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: معناه: ثَقُلَتْ هيئتها والفزعُ عَلَى/ أَهْل السموات «2» والأرض، لاَ تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، أي: فجأةً. وقوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها، قالَ ابن عبَّاس وغيره: المعنى يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ، أي: مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ «3» بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ: يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة. وقال ابن زَيْد وغيره: معناه: كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها «4» . وقرأ ابن عبَّاس «5» فيما ذكر أبو حاتم: «كأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا» . وقوله سبحانه: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الطَّبريُّ: معناه: لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ. وقوله سبحانه: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ ... الآية: هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاء ويسّر، وهذا

_ (1) البيت في «تهذيب الأزهري» (15/ 653) [أي] ، و «الدر المصون» (3/ 379) . (2) أخرجه الطبري (6/ 137- 138) برقم: (15485) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 484) ، والبغوي (2/ 219- 220) . (3) أخرجه الطبري (6/ 139) برقم: (15491) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 484) ، وابن كثير (2/ 271) ، والسيوطي (3/ 275) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. (4) أخرجه الطبري (6/ 140) برقم: (15503) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 484) ، وابن كثير (2/ 271) . (5) وقرأ بها ابن مسعود كما في «الشواذ» ص: (53) . وينظر: «المحتسب» (1/ 269) ، و «الكشاف» (2/ 185) و «المحرر الوجيز» (2/ 484- 485) ، و «البحر المحيط» (4/ 433) ، و «الدر المصون» (3/ 381) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 189 إلى 193]

الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، واستعد لكلِّ شيءٍ استعداد مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء. وقوله: وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل. أحدهما: أن «ما» معطوفةٌ على قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ أي: وَلَمَا مسني السوءُ. والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به. قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ «1» : السُّوءُ الجنون بلغة هُذَيْلٍ. ت: وأما على التأويل الأول، فلا يريد ب «السوء» الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: مَا بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ... [سبأ: 46] الآية، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: يحتملُ معنيين: أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع. والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه. [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 الى 193] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) وقوله: جلّت عظمته: وهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ... الآية. قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها حَوَّاء، وقولُه: مِنْها هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فاستخرجت قصرى أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حوّاء.

_ (1) مؤرج بن عمرو بن الحارث، من بني سدوس بن شيبان، أبو فيد: عالم بالعربية والأنساب، من أعيان أصحاب الخليل بن أحمد، من أهل «البصرة» . كان له اتصال بالمأمون العباسي، ورحل معه إلى خراسان، فسكن مدة، ب «مرو» ، وانتقل إلى «نيسابور» . من كتبه «جماهير القبائل» و «حذف من نسب قريش» ، و «غريب القرآن» وكتاب «الأمثال» و «المعاني» وله شعر جيد. ينظر: ترجمته في «الأعلام» (7/ 318) (2569) .

وقوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة. ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: فَلَمَّا تَغَشَّاها، أي: غَشِيَها، وهي كناية عن الجماع، والحمل الخفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا. وقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي: استمرت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: «فاستمرت بِهِ» ، وقرأ ابن «1» مسعود: «فاستمرت بِحَمْلِهَا» وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن «2» العاص: «فَمَارَتْ بِهِ» ، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، وأَثْقَلَتْ: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله دَعَوَا، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك/ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ «عَبْدَ الحَارث» ، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ. وقال الطبريُّ والسديُّ «3» في قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب «4» . ت: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ على صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «5» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذلك، وكان ذلك من

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 486) ، و «البحر المحيط» (4/ 437) . (2) قال أبو الفتح: والمعنى واحد. ينظر: «المحتسب» (1/ 270) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 486) ، و «البحر المحيط» (4/ 437) ، وزاد نسبتها إلى الجحدري، وينظر: «الدر المصون» (3/ 382) . وقد نسبها ابن خالويه في «مختصره» ص: (53) إلى ابن أبي عمار. (3) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 146) . [.....] (4) أخرجه الطبري (6/ 148) برقم: (15542) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 487) ، والسيوطي (3/ 279) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ. (5) هو: سمرة بن جندب بن هلال بن حريج بن مرة بن حرب بن عمرو بن جابر أبو سليمان الفزاري، سكن «البصرة» ، قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، فتزوجها رجل من الأنصار اسمه: مري بن سنان بن ثعلبة، وكان في حجره إلى أن صار غلاما، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعرض غلمان الأنصار كل سنة، فمرّ به غلام فأجازه في البعث، وعرض عليه سمرة بعده فرده، فقال سمرة: لقد أجزت هذا ورددتني، ولو صارعته لصرعته قال: فدونكه فصارعه، فصرعه سمرة، فأجازه من البعث. قيل: أجازه يوم أحد، والله أعلم ...

وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ «1» غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم «2» ، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ. انتهى. وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعلى كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ اجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ: وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء- وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغرور- فلا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين. انتهى من «الأحكام» . قال «3» ع: وقوله صالِحاً: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً «4» ، وقال ابن عباس وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً «5» سليماً. وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها يريد: آدم وحواء، أي: واستمرّت

_ - توفي قيل: سنة 58 هـ، وقيل: 59 هـ ب «البصرة» . ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (2/ 454) ، «الإصابة» (3/ 130) ، «الثقات» (3/ 174) ، «الاستيعاب» (2/ 653) ، «الإكمال» (2/ 67) ، «الأعلام» (3/ 139) ، «العبر» (1/ 65) ، «الكاشف» (1/ 403) ، «بقي بن مخلد» (35) ، «الرياض المستطابة» (107) ، «التاريخ الكبير» (4/ 176) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 239) ، «التاريخ الصغير» (1/ 106- 107) ، «الوافي بالوفيات» (15/ 611) ، «تاريخ جرجان» (239) ، «التحفة اللطيفة» (193) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 89) ، «سير أعلام النبلاء» (3/ 183) . (1) أخرجه الترمذي (5/ 267- 268) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة الأعراف» ، حديث (3077) ، من طريق عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلّا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه عمر بن إبراهيم شيخ بصري. (2) عمر بن إبراهيم العبدي أبو حفص البصري، صاحب الهروي بفتح الهاء. عن قتادة، وعنه ابنه الخليل وعبّاد بن العوّام، وثقه ابن معين في رواية الدارمي، وقال ابن عدي: حديثه عن قتادة مضطرب. ينظر ترجمته في: «الخلاصة» (2/ 265) (5122) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 486) . (4) أخرجه الطبري (6/ 143) برقم: (15517) ، وذكره ابن عطية (2/ 486) ، وابن كثير (2/ 274) ، والسيوطي (3/ 278) ، وعزاه لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (5) ذكره ابن عطية (2/ 486) ، وابن كثير (2/ 274) .

حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها ... إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟! انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ وباللَّه التوفيق. وقرأ نافعٌ «1» ، وعاصم في رواية أبي بَكْر: «شركاً» - بكسر الشين، وسكون الراء- على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم: «شُرَكَاء» على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن «2» كَعْب: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ» . وقوله: أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً ... الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل/ في المعنى وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا: إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: مَا لاَ يَخْلُقُ، وعبَّر عن الأصنام ب هُمْ كأنها تَعْقِلُ على اعتقاد الكُفَّار فيها وبحسب أسمائها، ويُخْلَقُونَ: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنى، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» «3» بالتاء مِنْ فوقُ «أَتُشْركُونَ» . وقوله سبحانه: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة

_ (1) ينظر: «السبعة» (299) ، و «الحجة» (4/ 111) ، و «إعراب القراءات» (2/ 216) ، و «حجّة القراءات» (304) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 71) ، و «العنوان» (98) و «شرح الطيبة» (4/ 318) ، و «شرح شعلة» (40) ، و «معاني القراءات» (1/ 431) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 487) ، و «البحر المحيط» (4/ 438) . (3) ينظر: «الشواذ» ص: (53) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 488) ، و «البحر المحيط» (4/ 438) ، و «الدر المصون» (3/ 383) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 194 إلى 198]

للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته في أمر الكفّار المعاصرين للنبي صلّى الله عليه وسلّم ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال: إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار على قراءة مَنْ قرأ: «أَيُشْرِكُونَ» - بالياء من تَحت-، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ: هذا حالُ الأصنام معكم إن دعوتموهم، لم يجيبوكم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 194 الى 198] إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ... الآية مخاطبةٌ للكفَّار في تحقير شأْن أصنامهم، وقوله: فَادْعُوهُمْ أي: فاختبروا، فإن لم يستجيبوا، فهم كما وصفنا. وقوله سبحانه: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ... الآية. الغرض من هذه الآية أَلَهُمْ حواس الحَيِّ وأوصافه، فإِذا قالوا: «لا» ، حكموا بأنها جماداتٌ من غير شكٍّ، لا خَيْرَ عندها. قال الزّهْراوِيُّ: المعنى: أنتم أفضلُ منهم بهذه الجوارح النافعة فكيف تعبدونهم، ثُمَّ أمرَ سبحانَه نبيَّه عليه السلام أنْ يعجزهم بقوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، أي: استنجدوهم واستنفروهم إِلى إِضْرَارِي وكَيْدي، ولا تؤخِّروني، المَعْنَى: فإِن كانوا آلهةً، فسيظهر فعلكم، وَلَمَّا أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضَرَره، وأراهم أنَّ اللَّه سبحانه هو القَادِرُ عَلَى كُلِّ شيء لاَ تلك، عقَّب ذلك بالإِستناد إِلى اللَّه سبحانه، والتوكُّلِ عليه، والإِعلام بأنه وليُّه وناصره، فقال: إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ إِنما تكرَّر القولُ في هذا، وترَّددت الآياتُ فيه لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكِّناً من نفوس العرب في ذلك الزَمانِ، ومستولياً علَى عقولها، فأوعب القولَ في ذلك لُطْفاً منه سبحانه بهم. وقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لاَ يَسْمَعُوا ... الآية: قالت فرقة: هذا خطاب

[سورة الأعراف (7) : الآيات 199 إلى 200]

للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته في أمر الكُفَّار، والهاءُ والميمُ في قوله: «تدعوهم» للكفَّار، ووصفهم بأنهم لا يَسْمَعُونَ، ولا يبصرون إِذ لم يتحصَّل لهم عن النَّظَر والاستماع فائدةٌ قاله مجاهدٌ «1» والسدِّي «2» . وقال الطبريُّ «3» : المرادُ بالضمير المذكور: الأصنامُ، ووصْفُهم بالنظر كنايةً عن المحاذاة والمقابلة ولِمَا فيها من تخييلِ النَّظَر كما تقول: دَارُ فُلاَنٍ تَنْظُر إلى دار فلان. [سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 200] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) وقوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ... الآية: وصيَّةٌ من اللَّه سبحانه لنبيِّه عليه السلام تعمُّ جميع أمته، وأَخْذٌ بجميع/ مكَارِم الأخلاقِ. قال الجمهور: معنى: خُذِ الْعَفْوَ اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عَفْواً، دون تكلُّف، فالعَفْوُ هنا: الفَضْل والصفو، قال مكِّيٌّ قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ... الآية. قال بعض أهْل المعاني، في هذه الآية بيان قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلَمِ» «4» فهذه الآية قد جَمَعَتْ معاني كثيرةً، وفوائدَ عظيمةً، وجمعتْ كلَّ خُلُقٍ حَسَن لأَنَّ في أخذ العَفْوِ صلَةُ القاطعينِ، والصفْحَ عن الظالِمينَ، وإِعطاءَ المانعين، وفي الأَمر بالمعروف تَقْوَى اللَّه وطاعته، وصِلة الرحِمِ، وصَوْن الجوارحِ عن المحرِّمات، وسمَّي هذا ونحوه عُرْفاً لأن كلَّ نَفْس تعرفه، وتركَنُ إِليه، وفي الإِعراض عن الجاهلين: الصبرُ، والحِلْم، وتنزيهُ النفْس عن مخاطبةِ السفيه، ومنازعةِ اللَّجوج، وغيرُ ذلك من الأفعال المرضية. انتهى من «الهداية» . وقوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ: معناه: بكلِّ ما عرفَتْه النفوسُ ممَّا لا تردُّه الشريعة ومِنْ ذلك: «أَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنَ ظلمك ... » الحديث «5» ،

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 151) برقم: (15545) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 490) ، وابن كثير (2/ 277) طرفا منه، والسيوطي (3/ 280) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (2) أخرجه الطبري (6/ 151) برقم: (15544) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 490) ، وابن كثير (2/ 277) بنحوه، والسيوطي (3/ 280) ، وعزاه لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (3) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 151) . [.....] (4) تقدم تخريجه. (5) تقدم تخريجه.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 201 إلى 202]

فالعرف بمعنى المعروف. وقوله عز وجل: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، هذه الآية وصِيَّة من الله سبحانه لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم تعمُّ أمته رجُلاً رجلاً، والنَّزْغ: حركةٌ فيها فسادٌ قلَّما تستعملُ إِلا في فَعْلِ الشيطان لأن حركته مسرِعَةٌ مفسدة ومنه قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح لاَ يَنْزَغِ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ» ، فالمعنى في هذه الآية: فإِمَّا تَلُمَّنَّ بك لَمَّةٌ من الشيطان، فاستعذ باللَّه، وعبارة البخاريِّ: يَنْزَغَنَّكَ: يستَخِفَنَّكَ. انتهى. وَنَزْغُ الشيطان عامٌّ في الغَضَبِ، وتحسينِ المعاصِي، واكتساب الغوائل، وغير ذلك وفي «جامع الترمذيِّ» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قالَ: «إِن لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وللشَّيْطَانِ لَمَّةً ... » «1» الحديث. قال ع «2» : عن هاتين اللَّمّتَيْنِ: هي الخواطِرُ من الخير والشر، فالآخِذُ بالواجبِ يلقى لَمَّةَ المَلَك بالامتثال والاستدامة، وَلَمَّةَ الشيطانِ بالرفْضِ والاستعاذة، واستعاذ: معناه: طَلَب أَنْ يُعَاذَ، وعَاذَ: معناه: لاذ، وانضوى، واستجار. قال الفَخْر «3» : قال ابنُ زيد: لما نَزَل قوله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كَيْفَ يَا رَبِّ، والغَضَبُ؟ فَنَزَل قولُه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ» «4» ، وقوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يدلُّ علَى أن الاستعاذة لا تفيدُ إِلاَّ إِذا حضر في القَلْبِ العِلْمُ بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالَى قال: اذكر لَفْظَ الاستعاذة بلسانك فإن سميعٌ، واستحضر معاني الاستعاذة بِعَقْلِكَ وقَلْبِك فإِني عَليمٌ بما في ضَمِيركَ، وفي الحقيقة: القوْلُ اللسانيُّ دون المعارفِ العقليَّة، عديمُ الفائدة والأثر. انتهى. [سورة الأعراف (7) : الآيات 201 الى 202] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ... الآية خرَجَتْ مَخْرَجَ المدح للمتقين، والتقوى هاهنا عامَّة في اتقاء/ الشِّرْك والمعاصِي، وقرأ ابن

_ (1) تقدم تخريجه. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 491) . (3) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 79) . (4) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 155) برقم: (15564) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 203 إلى 204]

كثير «1» وغيره: «طَيْفٌ» . قال أبو عليٍّ الطائفُ كالخاطر، والطّيف كالخطرة، وقوله: تَذَكَّرُوا: إشارة إِلى الاستعاذة المأمور بها، وإِلى ما للَّه عزَّ وجلَّ من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرُّض الشيطانِ فيها، وقرأ ابنُ الزُّبَيْر «2» : «مِن الشَّيْطَان تَأَمَّلُوا فإِذَا هُمْ» ، وفي مُصْحَفِ «3» أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ «إِذَا طَافَ مِنَ الشَّيْطَانِ طَائِفٌ تَأَمَّلُوا» ، وقوله: مُبْصِرُونَ: من البصيرة، أي: فإِذا هم قد تبيَّنوا الحقَّ، ومالوا إليه، والضميرُ في إِخْوانُهُمْ، عائدٌ على الشياطين، وفي يَمُدُّونَهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وهم المرادُ ب «الإِخوان» ، هذا قول الجمهور. قال ع «4» : وقرأ جميعُ السبعة «5» غير نافع: يَمُدُّونَهُمْ من مَدَدتُّ، وقرأ نافعٌ: «يَمِدُّونَهُمْ» ، من أَمْدَدتْ. قال الجمهور: هما بمعنًى واحدٍ، إلا أن المستعمَلَ في المحبوب «أَمَدَّ» ، والمستعملَ في المكروه «مَدَّ» ، فقراءة الجماعةِ جارِيَةٌ على المنهَاج المستعمل، وقراءةُ نافع هي مقيَّدة بقوله: فِي الغَيِّ كما يجوز أَنّ تقيِّد البِشَارَةَ، فتقول: بَشَّرْتُهُ بشرٍّ وَمَدُّ الشياطينِ للكَفَرَةَ، أيْ: ومَنْ نَحا نحوهم: هو بالتزيين لهم، والإِغواءِ المتتابعِ، وقوله: ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ من أَقْصَرَ، والضميرُ عائدٌ على الجميع، أي: هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا يُقْصِرُونَ في الطاعة للشياطين. [سورة الأعراف (7) : الآيات 203 الى 204] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وقوله سبحانه: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها، سببها فيما رُوِيَ أن الوَحْيَ

_ (1) ينظر: «السبعة» (301) ، و «الحجة» (4/ 120) ، و «حجة القراءات» (305) و «إعراب القراءات» (1/ 217) ، و «إتحاف» (2/ 73) ، و «العنوان» (99) ، و «معاني القراءات» (1/ 433) ، و «شرح الطيبة» (4/ 321) ، و «شرح شعلة» (403) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 492) ، و «البحر المحيط» (4/ 446) . (3) ينظر: مصادر القراءة السابقة. (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 493) . (5) ينظر: «السبعة» (301) ، و «الحجة» (4/ 122) ، و «إعراب القراءات» (1/ 219) ، و «حجة القراءات» (306) ، و «إتحاف» (2/ 73) ، و «معاني القراءات» (1/ 434) ، و «شرح الطيبة» (4/ 321) ، و «شرح شعلة» (403) ، و «العنوان» (99) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 205 إلى 206]

كان يتأخَّر أحياناً، فكان الكُفَّار يقولون: هَلاَّ اجتبيتها، أي: اخترتها، فأمره اللَّه عزَّ وجلَّ أنْ يجيب بالتسْلِيمِ للَّه، وأَنَّ الأمر في الوحْي إِليه ينزِّله متى شاء، ثم أشار بقوله: هذا بَصائِرُ إلى القرآن، أي: علاماتُ هُدًى، وأنوارٌ تستضيء القلوبُ به. وقوله سبحانه: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، ذكر الطبريّ وغيره أن أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا بمكَّةَ يتكلَّمون في المكتوبةِ بحوائجهم، فنزلتِ الآية أمْراً لهم بالاستماع والإنصات في الصَّلاة، وأما قولُ من قال: إِنها في الخُطْبة، فضعيفٌ، لأن الآية مكِّيَّة، والخُطْبَة لم تُكنْ إِلا بعد الهِجْرة، وألفاظ الآية على الجملة تتضمَّن تعظيم القُرْآن وتوقيرَهُ، وذلك واجبٌ في كل حالة، والإِنصاتُ: السكوتُ. قال الزجَّاج: ويجوز أن يكون: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، أي: اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه. قالَ ابنُ العربيِّ في «أحكامه» : رَوَى الترمذيُّ، وأبو داود، عن عُبَادَة بْنِ الصَّامِتِ، قال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ القِرَاءَةُ، فَلَمَّا انصرف، قال: «إنّي لأراكم تقرءون وَرَاءَ إمامكم، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ وَاللَّهِ، فَقَالَ: لاَ تَفْعَلُوا إِلاَّ بِأُمِّ القُرْآنِ فإِنَّه لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» «1» وقد رَوَى الناسُ في قراءة المأمومين خَلْفَ الإِمام بفاتحةِ الكِتَاب أحاديثَ كثيرةً، وأعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطنيُّ، وقد جمع البخاريُّ في ذلك جزءًا «2» ، وكان رَأْيُهُ قراءةَ الفَاتحَةِ خلْفَ الإِمامِ في الصلاة الجهريَّة، وهي إِحدى روايات مالكٍ، وهو اختيارُ الشافعيِّ. انتهى، وقد تقدَّم أول الكتاب ما اختاره ابن العربيّ. [سورة الأعراف (7) : الآيات 205 الى 206] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) وقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ... الآية: مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم/، وتعمُّ جميعَ أمته، وهو أمر من اللَّه تعالَى بذكْره وتسبيحِهِ وتقديسِهِ، والثناءِ عليه بمحامدِهِ، والجمهورُ على أن الذِّكْر لا يكون في النفْسِ، ولا يراعَى إِلا بحركه اللسَانِ، ويُدلُّ على ذلك من هذه الآية قوله: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ، وهذه مرتبةُ السرِّ، والمخافتة. وقال الفَخْر «3» : المراد بقوله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ، كونه عارفا بمعاني

_ (1) تقدم. (2) أسماه القراءة خلف الإمام. (3) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 86) . [.....]

الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضراً لصفاتِ الجلالِ والعظمة، وذلك أن الذكْرَ باللِّسَان، إِذَا كان عارياً عن الذكْر بالقلْب، كان عدِيمَ الفائدة، ألاَ تَرَى أن الفقهاء أجمَعُوا على أنَّ الرجُلَ، إِذا قال: بِعْتُ واشتريت مع أنَّه لاَ يَعْرفُ معانِي هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئاً، فإِنه لا ينعقد البَيْعُ والشراءُ، فكذلك هنا، قال المتكلِّمون: وهذه الآية تدُلُّ على إثبات كلامِ النفْس. وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ، يدُلُّ على أن الذكْرَ القلبيَّ يجبُ أن يكون دائماً، وألاَّ يغفُلَ الإنسان لحظةً عن استحضار جلالِ اللَّهِ وكبريائِهِ بقَدْر الطاقةِ البشريَّة، وتحقيقُ القول في هذا أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ والبدنِ عَلاَقةً عجيبةً لأَن كلَّ أثر يحصُلُ في البدَنَ يصْعَدُ منه نتائجُ إِلى الرّوحِ أَلاَ تَرَى أنَّ الإِنسان إِذا تخيَّل الشيء الحامِضَ، ضَرَسَ منه، وإِذا تخيل حالَةً مكروهةً، أو غَضِبَ، سَخِنَ بدنه. انتهى. وتَضَرُّعاً: معناه: تذُّلَلاً وخُضُوعاً، البخاريُّ: وَخِيفَةً، أي: خوفاً انتهى. وقوله: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: معناه: دَأَباً، وفي كلِّ يوم، وفي أطرافِ النهارِ، وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ تنبيهٌ منه عزَّ وجلَّ، ولما قال سبحانه: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: جَعَل بعد ذلك مثالاً من اجتهاد الملائِكَةِ لِيَبْعَثَ على الجِدِّ في طاعة اللَّهِ سبحانه. ت: قال صاحبُ «الكلم الفارقية» : غفلةُ ساعةٍ عَنْ ربِّك مَكْدَرَة لمرآةِ قَلْبِكَ فكَيْفَ بِغَفْلَة جميعِ عُمْرك. انتهى. قال ابن عطاء اللَّهِ رحمه اللَّه: لا تتركُ الذِّكْر، لِعَدَمِ حُضُورك مع اللَّه فيه لأن غفلتك عن وُجودِ ذكْرِهِ أشدَّ مِنْ غفلتك في وجودِ ذكْرِهِ فعسى أن يرفعك مِنْ ذكْرٍ مع وجود غفلة، إِلى ذكْرٍ مع وجودِ يَقَظَةٍ، ومن ذِكْرٍ مع وجود يقظةٍ إِلى ذكْرٍ مع وجودِ حُضُورٍ، ومِنْ ذكْرٍ مع وجود حضور، إِلى ذكْرٍ مع وجود غيبة عمَّا سوى المذْكُور، وما ذلك على اللَّه بعزيز. انتهى، قال ابن العربي في «أحكامه» : قوله تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ: أي: فيما أُمِرْتَ به، وكُلِّفْتَه، وهذا خطابٌ له عليه السلام، والمراد به جميعُ أمته. انتهى. وقوله: الَّذِينَ، يريد به الملائكةَ. وقوله: عِنْدَ، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ» ، وفي الحديث: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ

إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكعٌ، أَوْ سَاجِدٌ» «1» وهذا موضع سجدة. / قال عَبْدُ الرحمن بْنُ محمَّدٍ عفا اللَّه عنه: كَمُلَ ما انتخبناه في تفسير السورة، والحمد لله على ما به أنعم، وصلَّى اللَّه على سيّدنا محمّد وآله وسلّم تسليما كثيرا.

_ (1) أخرجه الترمذي (4/ 556) كتاب «الزهد» باب: في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا» ، حديث (2312) ، وابن ماجه (2/ 1402) كتاب «الزهد» باب: الحسن والبكاء، حديث (4190) ، والحاكم (2/ 510) من طريق مجاهد، عن مورق العجلي عن ابن ذر به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.

تفسير سورة الأنفال

تفسير سورة الأنفال مدنيّة كلّها قال مجاهد: إلّا آية واحدة، وهي قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: ولا خلاف أن هذه السورة نزلت في شأن بدر، وأمر غنائمه. [سورة الأنفال (8) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) قوله عز وجل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... الآية، النَّفَلُ والنَّافلة، في كلام العرب: الزِّيَادَةُ على الواجب، والأكثرُ في هذه الآيةِ أنَّ السؤال إِنما هو عَنْ حُكْمِ الأَنفال، وقالَتْ فرقةٌ: إنما سألوه الأَنْفَالَ نفْسَها محتجِّين بقراءة سعد بن أبي وقَّاص وغيره: «يَسْئَلُونَكَ الأَنْفَالَ» «1» وعن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَال، فَقَالَ: فِينَا- أَهْلَ بَدْر- نَزَلَتْ، حِينَ اختلفنا، وَسَاءَتْ أَخْلاَقُنَا «2» ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِيَنَا، وَجَعَلَهُ إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم وقَسَمَهُ عليه السلام- بَيْنَ المُسْلِمينَ عَلَى بَوَاءٍ- يريد: على سَوَاءٍ- فكان في ذَلِكَ تَقْوَى اللَّه وطَاعَةُ رسوله، وصلاحُ ذات البين. قال ع «3» : ويجيء مِنْ مجموع الآثار المذكُورة هنا أن نفوسَ أهْلَ بدر تنافَرَتْ، ووقع فيها ما يَقَعُ في نفوس البَشَرَ مِنْ إِرادة الأثرة، لا سيَّمَا مَنْ أَبْلَى، فأنزل اللَّه عزَّ وجَلَّ الآيةَ، فَرضِيَ المسلمون، وسَلَّموا، فأصْلَح ذات بينهم، وردّ عليهم غنائمهم.

_ (1) وقرأ بها ابن مسعود، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وطلحة بن مصرف. ينظر: «الشواذ» ص: (54) ، و «المحتسب» (1/ 272) ، و «الكشاف» (2/ 195) و «المحرر الوجيز» (2/ 496) ، وزاد نسبتها إلى عكرمة، والضحاك، وعطاء. وينظر: «البحر المحيط» (4/ 453) ، و «الدر المصون» (3/ 392) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 497) . (3) ينظر «المحرر الوجيز» (2/ 497) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 2 إلى 4]

قال بعضُ أهل التأويل عكرمة، ومجاهد: كان هذا الحُكْمُ من اللَّه سبحانه لِرَفْعِ الشَّغَبِ ثم نُسِخَ بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ... [الأنفال: 41] الآية. وهذا أولَى الأقوال وأصحُّها. وقوله سبحانه: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ: تصريحٌ بأنه شَجَرَ بينهم اخْتِلاَفٌ، ومالت النفوس إلى التّشاحّ، وذاتَ في هذا المَوْضِعِ يُرَادُ بها نَفْسُ الشيء وحقيقته، والذي يُفْهَمُ من بَيْنِكُمْ هو معنى يعم جَمِيعَ الوُصَلِ، والالْتِحَامَات، والمَوَدَّات، وذات ذلك هو المَأْمُور بإِصلاحها، أي: نفسه وعينه، وباقي الآية بيّن. [سورة الأنفال (8) : الآيات 2 الى 4] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... الآية، إِنَّمَا لفظ لا تُفَارِقُهُ المُبَالَغَةُ والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك لِلْحَصْرِ، بحسب القرينة، فقوله هنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ظاهرها أنَّها للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون. قال الشَّيْخُ أبو عَبْدُ اللَّه محمد بن محمد بن أحمد الأَنْصَارِيّ الساحلي المالقي في كتابه الذي ألَّفَهُ في «السلوك» : واعلم أن الإنْسَانَ مطلوب بطَهَارَة نفسه، وتزكيتها، وطُرُقُ التزكية وإن كَثُرَتْ، فطريق الذِّكْرِ أسرع نفعاً، وأقرب مَرَاماً، وعليه دَرَجَ أكثر مشائخ التربية، ثم قال: والذِّكْرُ ضد النسيان، والمطلوب منه عِمَارَةُ الباطن باللَّهِ تعالى في كل زمان، ومع كل حال لأن الذِّكْرَ يَدُلُّ على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المَحَبَّةَ له، والمعرفة به، والذكر وإن اختلف ألفاظه ومعانيه، فلكل معنًى [من] معانيه اختصاص بنوعٍ من التَّحْلِيَةِ والتخلية، والتزكية، ثم قال: والذِّكْرُ على/ قسمين: ذكر العامة، وذِكْرُ الخاصة. أما ذِكْرُ العامة، وهو ذِكْرُ الأجور، فهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بما شاء من ذِكْرِهِ لا يقصد غير الأجور والثواب، وأما ذكر الخَاصَّة، فهو ذِكْرُ الحضور، وهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بأذكار مَعْلُومَةٍ، على صفة مَخْصُوصَةٍ لِينال بذلك المَعْرِفَةَ باللَّهِ سبحانه بطهارة نَفْسِهِ من كل خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وتحليتها بكل خُلُق كريم. انتهى. ووَجِلَتْ: معناه: فَزِعَتْ، وَرَقَّتْ، وخافت، وبهذه المعاني فسرتها العلماء. وتُلِيَتْ معناه: سُرِدَتْ، وقرئت، والآيات هنا: القرآن المَتْلُوُّ. ومن كلام صاحب «الكلم الفارقية» : إن تَيَقَّظْتَ يقظة قلبية، وانْتَبَهْتَ انتباهة حقيقية لم تر في وَقْتِكَ سَعَةً لغير ذِكْرِ ربك، واستشعار عظمته، ومهابته، والإِقبال على طاعته، ما في

[سورة الأنفال (8) : الآيات 5 إلى 6]

وَقْتِ العاقل فَضْلَةٌ في غير ما خُلِقَ له من عبادة خالقه، والاهتمام بمَصَالِحِ آخرته، والاستعداد لمَعَادِهِ، أعرف العبيد بجلالِ مَوْلاَهُ أَخْلاَهُمْ عما سواه، وأكثرهم لَهَجاً بذكره، وتعظيماً لأمره، وأحسنهم تَأَمُّلاً لآثار صنعته، وبدائع حِكْمته، وأشدهم شَوْقاً إلى لقائه، ومشاهدته انتهى. وزيادة الإيمان على وجوه كلها خَارِجٌ، عن نَفْسِ التصديق: منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله عز وجل في القرآن، فنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعه، فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به إذ لكل حُكْم تَصْدِيقٌ خاص، وهذا يَتَرتَّبُ فيمن بَلَغَهُ ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القِيَامَةِ، وترتب زيادة الإِيمان بزيادة الدَّلاَئِلِ، ولهذا قال مالك: الإِيمان يَزِيدُ ولا ينقص، ويترتب بِزِيَادَةِ الأعمال البَرَّةِ على قول من يَرَى أنَّ لَفْظَةَ الإيمان واقعة على التَّصْدِيقِ والطاعات، وهؤلاء يقولون: يزيد وينقص. وقوله سبحانه: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ عبارة جامعة لِمَصَالِحِ الدنيا والآخرة إذا اعتبرت، وعمل بحسبها في أن يَمْتَثِلَ الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما وعد به من نَصْرٍ، أو رزق، أو غيره، وهذه أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ وَصَفَ اللَّه بها فُضَلاَءَ المؤمنين، فجعلها غاية للأُمَّةِ يَسْتَبِقُ إِليها الأَفَاضِلُ، ثم أَتْبَعَ ذلك وَعْدَهُمْ وَوَسْمَهُمْ بإِقامة الصلاة، ومدحهم بها حضّا على ذلك. وقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. قال جَمَاعَةٌ من المفسرين: هي الزَّكَاةُ وإِنما حملهم على ذلك اقْترَانُ الكلام بإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخَيْرِ، وَصِلاَتِ المستحقين، ولفظ ابنَ عَبَّاسٍ في هذا المعنى محتمل. وقوله سبحانه: لَهُمْ دَرَجاتٌ ظَاهِرُهُ، وهو قَوْلُ الجمهور أن المراد مَرَاتِبُ الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قَدْرِ أعمالهم، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يريد مَآكِلَ الجنة، ومشاربها، وكَرِيمٌ صفة تقتضي رَفْعَ المَذَامِّ، كقوله: ثوب كَرِيمٌ. [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 6] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وقوله سبحانه: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ... الآية: اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفَرَّاءَ: التقدير امْضِ لأمرك/ في الغَنَائِمِ، وإن كرهوا كما أخرجك رَبُّكَ. قال ع «1» : وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: هذه الكاف شبّهت هذه القصّة

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 502) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 7 إلى 10]

التي هي إِخْرَاجُهُ من بيته بالقِصَّةِ المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأَنْفَال، كأنهم سألوا عن النَّفَلِ، وتشاجروا، فأَخرج اللَّه ذلك عنهم، فكانت فيه الخِيَرَةُ، كما كَرِهُوا في هذه القصة انبعاث النبي صلّى الله عليه وسلّم فأخرجه اللَّه من بَيْتِهِ، فكانت في ذلك الخِيَرَةُ، وعلى هذا التأويل يُمْكِنُ أن يكون قوله: يُجادِلُونَكَ كلاماً مُسْتَأْنَفاً يراد به الكفار، أي: يجادلونك في شريعة الإسلام من بَعْد ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فيها، كأنما يساقون إلى المَوْتِ في الدُّعَاءِ إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن يُجادِلُونَكَ في الكُفَّار منصوص. وقال مجاهد وغيره: المعنى في الآية: كما أخرجك ربك من بَيْتِكَ على كَرَاهِيَةٍ من فريق منهم، كذلك يُجَادِلُونَكَ في قتال كفار «مكة» ، ويوَدُّونَ غير ذَاتِ الشَّوْكَة من بعد ما تَبَيَّنَ لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يُريدُون «1» هم، وقائل هذه المَقَالَةِ يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المُجَادِلِينَ هم المشركون، وهذان القولان يتم بهما المَعْنَى، ويحسن رَصْفُ اللفظ. وقيل غير هذا. وقوله: مِنْ بَيْتِكَ يريد من «المدينة» «يثرب» قاله الجمهور. [سورة الأنفال (8) : الآيات 7 الى 10] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) وقوله سبحانه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ... الآية: في هذه الآية قَصَصٌ حَسَنٌ، محل استيعابه «كتاب سيرة رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم» لابن هشام، واختصاره: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما بلغه، وقيل: أوحي إليه أن أبا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، قد أَقبل من «الشام» بالعِيرِ التي فيها تجارة قُرَيْشٍ وأموالها قال لأصحابه: إن عِيرَ قريش قد عَنّتْ لكم، فاخرجوا إليها، لعل اللَّه أن يَنْفُلَكُمُوها. قال: فانبعث معه من خَفَّ، وثَقُلَ قوم، وكرهوا الخروج، وأسرع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَ، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 180- 181) برقم: (15714) بنحوه، وذكره ابن عطية (2/ 502) ، وابن كثير (2/ 287) بنحوه، والسيوطي (3/ 300) ، وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

مائة وثلاثة عشر، أو نحو ذلك من أصحابه بين مُهَاجِرِيٍّ وأَنْصَارِيٍّ، وقد ظَنَّ الناس بأجمعهم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يلقى حَرْباً، فلم يكثر اسْتِعْدَادُهُمْ، وكان أبو سُفْيَانَ في خلال ذلك يَسْتَقْصِي، ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث ضَمْضَمَ بْنَ عَمْروٍ الغفاري إلى «مكة» يَسْتَنْفِرُ أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل «مكة» في ألف رَجُل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خروجهم أوحى اللَّه إِليه وَحْياً غير مَتْلُو يعده إحدى الطّائفتين، فعرّف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه بذلك، فَسرُّوا، وَوَدُّوا أن تكون لهم العِيرُ التي لا قِتَالَ معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منه أخذ طَرِيقَ الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل «مكة» ، وأشار بعض الكُفَّارِ على بَعْضِ بالانصراف، وقالوا: هذه عِيرُنَا قد نَجَتْ، فلننصرف/ فحرش «1» أبو جهل وَلَجَّ، حتى كانَ أَمْرُ الواقعة. وقال بعضٍ المؤمنين: نحن لم نخرج لِقِتَالٍ، ولم نَسْتَعِدَّ له، فجمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أَصْحَابَهُ، وهو بِوَادٍ يسمى «دَقران» وقال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فقام أبو بَكْرٍ، فتكلم، وأحسن، وحَرَّضَ الناس على لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاسْتِشَارَةَ، فَقَامَ عمر بِمِثْلِ ذلك، فأعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الاسْتِشَارَةَ، فتكلم المِقْدَادُ بْنُ الأسود الكندي «2» ، فقال: لا نقول لك يَا رَسُولَ اللَّه كما قالت بَنُو إِسرائيل: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نَقُولُ: إِنا معكما مقاتلون، واللَّه لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة «الحبشة» لَقَاتَلْنَا معك من دُونِهَا، فسر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فكلمه سعد بنُ مُعَاذٍ، وقيل: سعد بن عبادة، ويحتمل هما معاً فقال: يا رسول اللَّه، كأنك إيانا تُريدُ معشر الأنصار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: أجل، فقال: إنا قد آمَنَّا بك، واتبعناك،

_ (1) التحريش: الإغراء بين القوم. ينظر: «لسان العرب» (834) . (2) هو: المقداد بن عمرو (الأسود الكندي) بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود بن عمرو بن سعد ... أبو الأسود البهراوي. الشهرة: المقداد بن الأسود الكندي، قال ابن حجر: أسلم قديما وتزوج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وكان فارسا يوم بدر حتى أنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره، وروى المقداد عن النبي أحاديث كثيرة، توفي سنة 33 في خلافة عثمان وله 70 سنة. ينظر: «الثقات» (3/ 371) ، «أسد الغابة» (5/ 251) ، «التاريخ الصغير» (1/ 83) ، «معجم الثقات» (123) ، «الاستبصار» (145، 208) ، «تقريب التهذيب» (2/ 272) ، «المنمق» (453، 513، 514) ، «تراجم الأحبار» (3/ 351، 370) ، «الإصابة» (6/ 133) ، «الأعلام» (7/ 282) ، «أصحاب بدر» (85) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 92) ، «الجرح والتعديل» (8/ 426) ، «الطبقات» (16/ 120) .

وبايعناك، فامض لأمر الله، فو الله لو خُضْتَ بنا هذا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ معك، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «امضوا على بَرَكَةِ اللَّه، فكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القوم» فالتقوا وكانت وقعة بدر. ت: وفي «صحيح البخاري» من حَدِيثِ عائشة، في خروج أبي بكر من «مكة» فلقيه ابن الدّغنة عند برك الغمَادِ «1» الحديث، وليست بمدينة «الحبشة» من غير شَكٍّ. فاللَّه أعلم، ولعلهما موضعان. انتهى. والشَّوْكَةِ عبارة عن السِّلاَحِ والحِدَّةِ. وقوله سبحانه: وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ المعنى: ويريد اللَّه أن يُظْهِرَ الإِسلام، ويعلي دعوة الشَّرْعِ بكلماته التي سَبَقَتْ في الأَزَلِ، والدابر الذي يدبر القَوْمَ، أي يأتي آخرهم، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهَلاَكُ عليه. وقوله سبحانه: لِيُحِقَّ الْحَقَّ أي: ليظهر الحق الذي هو دين الإسلام، ويُبْطِلَ الْباطِلَ، أي: الكفر، وتَسْتَغِيثُونَ معناه: تطلبون الغوث، ومُمِدُّكُمْ أي: مكثركم، ومقويكم من: أمددت، ومُرْدِفِينَ معناه: متبعين. وقرأ سائر السبعة «2» غير نافع: «مردفين» - بكسر الدال-، ونافع بفتحها، وروي عن ابن عَبَّاسٍ: خَلْفَ كل مَلَكٍ مَلَكٌ «3» ، وهذا معنى التتابع، يقال: رَدِفَ وأَرْدَفَ إِذا اتبع، وجاء بعد الشَّيْءِ، ويحتمل أن يُرَادُ مُرْدِفِينَ للمؤمنين، ويحتمل أن يُرَادَ مردفين بعضهم بَعْضَاً، وأنشد الطبري «4» شَاهِداً على أن أرْدَفَ بمعنى جاء تَابِعاً قَوْلَ الشاعر: [الوافر] إِذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا «5» والثرَيَّا تطلع قبل الجوزاء.

_ (1) أخرجه البخاري (4/ 555- 556) كتاب «الكفالة» باب: جوار أبي بكر في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وعقده، حديث (2297) . (2) ورويت عن أبي عمرو كما في «الكشاف» (2/ 1- 2) ، و «المحرر الوجيز» (2/ 504) ، و «البحر المحيط» (4/ 460) ، و «الدر المصون» (3/ 398) . (3) أخرجه الطبري (6/ 189) برقم: (15758) ، وذكره ابن عطية (2/ 504) ، وابن كثير (2/ 290) ، والسيوطي (3/ 310) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وأبي الشيخ. (4) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 190) . (5) البيت لخزيمة بن مالك. ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 190) ، وينظر: «اللسان» (ردف) ، و «الدر المصون» (3/ 400) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 11 إلى 13]

وروي في «الصحيح» : الأشهر أن المَلاَئِكَةَ قاتلت يَوْمَ بَدْرٍ. واختلف في غيره قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي بكر أنه حُدِّثَ عن ابن عباس، أنه قال: حدثني رَجُلٌ من بني غِفَارٍ، قال: أقبلت أنا وابن عَمٍّ لي حتى صَعَدْنَا في جَبَل يُشْرِفُ بنا على بَدْرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوَقْعَةَ على من تكون، فَنَنْتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ. قال: فبينما نحن في الجَبَلِ، إذ دنت منا سَحَابَةٌ، فسمعنا فيها حَمْحَمَةَ الخَيْلِ، / فسمعت قائلاً يقول: أقدمَ حَيْزُوْم، فأما ابن عمي، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِهِ، فمات مكانه، وأما أنا فَكِدْتُ أَهْلَكُ، ثم تَمَاسَكْتُ «1» . قال ابن إسحاق: وحدثني عَبْدُ اللَّه بن أبي بَكْرٍ عن بعض بني سَاعِدَةَ عن أبي سعيد مالك بن رَبِيعَةَ، وكان شهد بَدْراً، قال بعد أن ذهب بَصَرُهُ: لو كنت اليوم ببدر، ومعى بَصَرِي لأريتكم الشِّعْبَ الذي خَرَجَتْ منه المَلاَئِكَةُ لا أَشَكُّ ولا أَتَمَارَى. انتهى من «سيرة ابن هِشَامٍ» . وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ الضمير في «جعله» عائد على الوَعْدِ، وهذا عندي أَمْكَنُ الأقوال من جهة المَعْنَى. وقيل: عائد على المَدَدِ، والإِمداد. وقيل: عائد على الإرداف. وقيل: عائد على الأَلْف، وقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه وأن تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني، إذا لم يساعده القَدَرُ، وإن كان مَطْلُوباً بالجدّ، كما ظاهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين در عين. [سورة الأنفال (8) : الآيات 11 الى 13] إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13) وقوله سبحانه: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ. القصد تعديد نعمه سبحانه على

_ (1) أخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (2/ 296) ومن طريقه الطبري في «تاريخه» (2/ 453) ، وذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (3/ 279- 280) . [.....]

المؤمنين في يوم بَدْرٍ، والتقدير: اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في «إذ» «اذكروا» وقرأ نافع: «يُغْشِيكُم» - بضم «1» الياء، وسكون الغين- وقرأ حمزة وغيره: يُغَشِّيكُمُ- بفتح الغين وَشَدِّ الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره: «يَغْشَاكم» - بفتح الياء وألف بعد الشين- «النُّعَاسُ» بالرفع، ومعنى يُغَشِّيكُمُ: يغطيكم، والنُّعَاسُ أَخَفُّ النوم، وهو الذي يصيب الإِنْسَانَ، وهو واقف أو مَاشٍ، وينص على ذلك قَصَصُ هذه الآية أنهم إنما كان بهم خَفْقٌ بالرُّؤُوس، وقوله: أَمَنَةً مصدر من أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَاً وأَمَنَةً وأَمَاناً، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما هي في المَسَاءَةِ والحَمَاقَةِ والمَشَقَّةِ. وروي عن ابن مَسْعُودٍ أنه قال: النُّعَاسُ عند حضور القِتَالِ عَلاَمَةُ أمن، وهو من اللَّه، وهو في الصَّلاَةِ من الشيطان «2» . قال ع «3» : وهذا إنما طريقه الوَحْيُ، فهو لا مَحَالَةَ يسنده وقوله سبحانه: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ. وذلك أن قَوْماً من المؤمنين لحقتهم جَنَابَاتٌ في سفرهم، وعدموا المَاءَ قَرِيبَ بَدْرٍ، فصلوا كذلك، فَوَسْوَسَ الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العَدُوِّ وقلتهم، وأيضاً فكانت بينهم وبين مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ، من رمل دَهْسٍ «4» تَسُوخُ «5» فيها الأَرْجُلُ، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكُفَّارُ إلى ماء بدر، فأنزل اللَّه تلك المَطَرَةَ فَسَالَتِ الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم اللَّه تعالى فذهب رِجْزُ الشيطان، وَتَدَمَّثَ «6» الطريق، وتَلَبَّدَتْ «7» تلك الرِّمَالُ، فسهل اللَّه عليهم السير، وأمكنهم الإسراع

_ (1) ينظر: «السبعة» (304) ، «الحجة» (4/ 125) ، «إتحاف فضلاء البشر» (2/ 77) ، «حجة القراءات» (308) ، «إعراب القراءات» (1/ 222) ، «النشر» (2/ 276) ، و «شرح الطيبة» (4/ 324) ، و «شرح شعلة» (405) ، و «معاني القراءات» (1/ 437) . (2) أخرجه الطبري (6/ 192) برقم: (15771- 15772- 15773) ، وذكره ابن عطية (2/ 506) ، والبغوي (2/ 234) ، وابن كثير (2/ 291) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 506) . (4) رمل أدهس بيّن الدّهس، والدّهاس من الرمل: ما كان كذلك لا ينبت شجرا، وتغيب فيه القوائم ... وقيل: ما سهل ولان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رملا. ينظر: «لسان العرب» (1441) ، و «النهاية» (2/ 145) . (5) أي: غاصت في الأرض. ينظر: «اللسان» (2141) . (6) الدّمث: السهول من الأرض، الواحدة دمثة، وهو أيضا المكان اللين ذو رمل، ودمّث الشيء: إذا مرسه حتى يلين. ينظر: «لسان العرب» (1418- 1419) . (7) أي: صارت قوية لا تسوخ فيها الأرجل. ينظر: «لسان العرب» (3984) .

حتى سبقوا إلى ماءَ بَدْرٍ، وأصاب المشركين من ذلك المَطَرَ ما صَعَّبَ عليهم طريقهم، فسر المؤمنون، وتبينوا من فِعْلِ اللَّه بهم ذلك قَصْدَ المعونة لهم، فطابت نفوسهم، واجتمعت، وتَشَجَّعَتْ، فذلك الرَّبْطُ على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على الرملة اللَّيِّنَةِ. والضمير في «به» على هذا الاحتمال عَائِدٌ على الماء، ويحتمل عَوْدُهُ على رَبْطِ القلوب، ويكون تثبيت/ الأقدام عِبَارَةً عن النصر والمعونة في مَوْطِنِ الحَرْبِ، ونزول الماء كان في الزمن قبل تَغْشِيَةِ النعاس، ولم يترتب كذلك في الآية، إذ القَصْدُ فيها تَعْدِيدُ النعم فقط. وقوله سبحانه: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وتثبيتهم يكون بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المُؤْنِسَةِ، ويحتمل أن يكون التَّثْبِيتُ بما يلقيه المَلَكُ في القلب بِلَمَّتِهِ من تَوَهُّمِ الظَّفَرِ، واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه. قال ع «1» : ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وعلى هذا التأويل يجيء قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ مخاطبة للملائكة، ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين. وقوله سبحانه: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ قال عكرمة: هي على بابها، وأراد الرؤوس «2» ، وهذا أنبل الأقوال. قال ع» : ويحتمل عندي أن يريد وَصْفَ أبْلَغِ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فَوْقَ عَظْمِ العنق دون عَظْمِ الرأس في المفصل، كما وصف دريد بن الصِّمَّة «4» ، فيجيء على هذا فوق الأَعْنَاقِ متمكناً. والبَنَان: قالت فرقة: هي المَفَاصِلُ حيث كانت من الأعضاء.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 508) . (2) أخرجه الطبري (6/ 197) برقم: (15800) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 508) ، والبغوي (2/ 235) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 313) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 508) . (4) دريد بن الصمة الجشمي البكري، من هوازن: شجاع، من الأبطال، الشعراء، المعمرين في الجاهلية، كان سيد بني جشم وفارسهم وقائدهم، وغزا نحو مائة غزوة لم يهزم في واحدة منها، وعاش حتى سقط حاجباه عن عينيه، وأدرك الإسلام، ولم يسلم، فقتل على دين الجاهلية «يوم حنين» ، وكانت هوازن خرجت لقتال المسلمين فاستصحبته معها تيمنا به، وهو أعمى، فلما انهزمت جموعها أدركه ربيعة بن رفيع السلميّ فقتله، له أخبار كثيرة، والصمة لقب أبيه معاوية بن الحارث. ينظر ترجمته في: «الأعلام» (2/ 339) (4164) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 14 إلى 16]

وقال فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح لأنه إذا قطع البنان لم ينتفع صَاحِبُهُ بشيء من أعضائه واستأسر. واقُّوا : معناه خالفوا ونَابَذُوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من الشَّقِّ، وهو القَطْعُ والفَصْلُ بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله: اقُّوا أي: صاروا في شق غير شقه. قال ع «1» : وهذا وإن كان معناه صَحِيحاً، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، وقوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ جَوَابٌ للشرط، تضمن وَعِيداً وتهديدا. [سورة الأنفال (8) : الآيات 14 الى 16] ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) وقوله سبحانه: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ المُخَاطَبَةُ للكفار، أي ذلكم الضَّرْبُ والقَتْلُ، وما أوقع اللَّه بهم يوم بَدْرٍ، فكأنه قال: الأمر ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون «ذلكم» في موضع نَصْبٍ، كقوله: زيداً فاضربه، وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ... الآية: زَحْفاً يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي: يزحف بعضهم إِلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الأَلْيَةِ، ثم سمي كل مَاشٍ إلى آخر في الحرب رُوَيْداً زاحفاً، إذ في مشيته من التَّمَاهُلِ والتَّبَاطُؤِ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب، ونهى اللَّه سبحانه في هذه الآية عن تَوَلِّي الأَدْبَارِ، وهذا مقيد بالشَّريطَةَ المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار هنالك كَبِيرَةٌ موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة. وقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... الآية. قال جمهور الأمة: الإشارة ب يَوْمَئِذٍ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله: إِذا لَقِيتُمُ وحكم الآية باقٍ إِلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي بَيَّنَهُ اللَّه سبحانه. ت: قال ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عَدَدُ/ المسلمين اثني عشر أَلْفاً، فإِن بلغ حرم الفرار، وإن زاد المشركون على الضعف للحديث «لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ» ، فإن أكثر أهل العِلْمِ خَصَّصُوا بهذا الحديث عموم الآية.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 509) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 17 إلى 19]

وعن مالك مثله. انتهى. وفهم ع «1» : الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة: 25] ، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب. والله أعلم. ومُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ يراد به الذي يَرَى: أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب مُتَحَيِّزاً، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم «من» . والفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة للحرب، هذا قول الجمهور. [سورة الأنفال (8) : الآيات 17 الى 19] فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) وقوله سبحانه: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هذه الألفاظ تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر: «شَاهَتِ الوُجُوهُ» «2» وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم «حنين» بلا خلاف. ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والعزة. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتكم، عَلِيمٌ بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو. وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع ذلِكُمْ من الإعراب رفع.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 510) . (2) أخرجه أحمد (1/ 303، 368) ، والحاكم (3/ 157) ، وابن حبان (6502) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (6/ 240) من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. وصححه الحاكم وابن حبان. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 228) ، وقال: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما: رجال الصحيح. [.....]

[سورة الأنفال (8) : الآيات 20 إلى 23]

قال سيبويه: التقدير: الأمر ذلكم، ومُوهِنُ معناه مضعف مبطل. وقوله سبحانه: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ... الآية: قال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة لكفار «مكة» روي أن قريشاً لما عَزَمُوا على الخروج إلى حِمَايَةِ العِيرِ، تعلقوا بأستار الكعبة، واستفتحوا، وروي أن أبا جَهْلٍ قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أَحَبَّ الفئتين إليك، وأظهر خَيْرَ الدِّينَيْنِ عندك، اللهم أَقْطَعُنَا للرحم فَأَحْنِهِ الغَدَاةَ، ونحو هذا فقال اللَّه لهم: إن تطلبوا الفَتْحَ فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لاَ لَكُمْ، وفي هذا توبيخ لهم، وإن تنتهوا عن كفركم وغيكم فهو خَيْرٌ لكم، وإن تعودوا للاستفتاح نَعُدْ بمثل وَقْعَةِ بدر، وباقي الآية بيّن. [سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 23] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية: قيل: إنها نزلت بسبب اختلافهم في النَّفْل، ومجادلتهم في الحق، وكراهيتهم خروج النبي صلّى الله عليه وسلّم، وتَوَلَّوْا أصله: تتولوا. وقوله: أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ يريد دُعَاءه لكم بالقرآن والمواعظ. وقوله: كَالَّذِينَ قالُوا يريد الكفار إما من قريش لقولهم: سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] ، وأما الكفار على الإطلاق. وقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ مَقْصِدُ الآية بيان أن هذه/ الصنيفة العاتية من الكُفَّارِ هي شَرُّ النَّاسِ عند اللَّه سبحانه وأنها في أخَسِّ المَنَازِلِ لديه، وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وقوله: الصُّمُّ الْبُكْمُ عبارة عما في قلوبهم، وعدم انشراح صدورهم، وإدراك عقولهم. وقوله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ أي سماع هدى، وَتَفَهُّمٍ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ أي: ولو فهمهم لَتَوَلَّوْا بحكم القضاء السابق فيهم، ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى. [سورة الأنفال (8) : الآيات 24 الى 26] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... الآية: اسْتَجِيبُوا بمعنى: أجيبوا وقوله: لِما يُحْيِيكُمْ قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة «1» ، وما يتضمنه القرآن، وهذا إحياء مستعار لأنه من مَوْتِ الكفر والجهل، والطَّاعَةُ تؤدي إلى الحَيَاةِ الدائمة في الآخرة. وقوله سبحانه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يحتمل وجوهاً: منها: أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضَّهم على المبادرة والاستعجال، وأعلمهم أنَّه يحولُ بين المرء وقَلْبه بالموت والقَبْض، أي: فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويلِ قوله: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، أي: فبادروا الطاعات، وتزوَّدوها ليوم الحَشْر. ومنها: أن يقصد إِعلامهم أن قُدْرة اللَّه وعلْمه وإِحاطته حائلةٌ بين المرء وقلبه، فكأن هذا المعنَى يحضُّ على المراقبة والخَوْفِ للَّه المُطلَّع على الضمائر حُكِيَ هذا التأويلُ عن قتادة «2» ويحتملُ أن يريد تخويفهم إِنْ لم يمتثلوا الطَّاعات، ويستجيبوا للَّه وللرَّسول أَنْ يَحُلَّ بهم ما حل بالكفَّار الذين أرادهم بقوله: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23] لأن حَتْمهُ عليهم بأنهم لو سَمِعُوا لم ينتفعوا يقتضِي أنه كان قد حال بينهم وبَيْنَ قلوبهم. ومنها: أنْ يكون المعنَى ترجيةً لهم بأنَّ اللَّه يبدِّل الخوف الذي في قلوبهم مِنْ كثرة الَعدُوِّ، فيجعله جراءةً وقوةً، وبضدِّ ذلك للكفَّار، أي: فإِن اللَّه تعالَى هو مقلِّب القلوب كما كان قسم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقيل غير هذا. قال مكِّيٌّ، وقال الطبريُّ «3» : هذا خبر من الله عز وجلّ أنه أَمْلَكُ بقلوبِ العباد منهم لها، وأنه يحولُ بينهم وبينها إِذا شاء حتى لا يُدْرِك الإِنسان شيئاً من إِيمان ولا كُفْر، ولا يعي شيئاً، ولا يفهم شيئاً إِلا بإذنه ومشيئته سبحانه، وقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كثيرا ما يقول في

_ (1) ذكره ابن عطية (2/ 514) . (2) أخرجه الطبري (6/ 215) برقم: (15916) بنحوه. (3) ينظر: «الطبري» (6/ 215) .

دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ» «1» انتهى من «الهداية» . وروى مالكُ بن أنس والنسائي، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دَعَا أُبَيَّ بْنُ كَعْب وهو في الصَّلاَة، فَلَمْ يُجِبْهُ، وأَسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ، فَلَمَّا فرغ جاء، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألم يقل الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ؟ قال أُبَيٌّ: لاَ جَرَمَ، يا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَدْعُونِي أَبَدَاً إِلاَّ أَجَبْتُكَ ... » «2» الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي «البخاريِّ ومسلم» أن ذلك/ وقع مع أبي سَعِيدِ بن المعلى «3» ، وروي أنه وقع نحوه مع حُذَيْفَة بن اليَمَانِ «4» في غزوة الخَنْدَق. وقوله: عزَّ وجلَّ: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً في الآية تأويلاتٌ، أسبقها إِلى النفْسِ، أن اللَّه سبحانه حذَّر جميع المؤمنين من فتنة إِن أصابَتْ لم تخصَّ الظلمة فقطْ، بل تصيبُ الكُلَّ من ظالمٍ وبريءٍ، وهذا تأويلُ الزُّبَيْر بن العَوَّام، والحسنِ البَصْرِيِّ «5» ، وكذلك تأويل ابن عباس فإنه قال: أمر اللَّه المؤمنين في هذه الآية ألاَّ يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمّهم العذاب «6» وخَاصَّةً: نعت لمصدرٍ محذوف، تقديره إِصابةً خاصةً، فهي نصب على الحال، وقرأ علي «7» بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وغيره: «لتُصِيبَنَّ» - باللام- على جواب قسم، والمعنَى على هذا: وعيدٌ للظلمة فقط. وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ... الآية: هذه الآية تتضمَّنِ تعديد نِعَم اللَّه على المؤمنين، و «إذ» : ظرفٌ لمعمول، «واذكروا» : تقديره: واذكروا حالكم الكائنة، أو

_ (1) تقدم تخريجه. (2) تقدم تخريجه في سورة «الفاتحة» . (3) تقدم تخريجه. (4) تقدم تخريجه في سورة «الفاتحة» . (5) أخرجه الطبري (6/ 216- 217) برقم: (15917) وبرقم: (15918- 15919- 15920) ، وذكره ابن عطية (2/ 515) ، وذكر نحوه البغوي (2/ 241) ، وابن كثير (2/ 299) بنحوه أيضا، والسيوطي (3/ 321) . (6) أخرجه الطبري (6/ 217) برقم: (15923) ، وذكره ابن عطية (2/ 515) ، والبغوي (2/ 241) ، وابن كثير (2/ 299) ، والسيوطي (3/ 322) . (7) وقرأ بها ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو العالية، وأبو جعفر محمد بن علي، والربيع بن أنس، وابن جمّار. ينظر: «الشواذ» ص: (54) ، و «المحتسب» (1/ 277) ، و «الكشاف» (2/ 212) و «المحرر الوجيز» (2/ 516) ، و «البحر المحيط» (4/ 478) ، و «الدر المصون» (3/ 412) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 27 إلى 29]

الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر. وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية. فقَالَتْ فرقَةٌ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما انجر معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطّيّبات: الغنيمة. [سورة الأنفال (8) : الآيات 27 الى 29] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ: التنقُّص للشيءِ باختفاء، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقّص أوامره في سِرٍّ. وقوله: وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ. قال الطبريُّ «1» : يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول فذلك خيانةٌ لأماناتكم. وقوله: فِتْنَةٌ ، يريد: محنةً واختبارا وامتحانا ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك. وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإِن المذخور للآخرة أعظم أجرا. قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ ... الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط

_ (1) ينظر: «الطبري» (6/ 221) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 30 إلى 31]

التقوى والطاعة لله سبحانه، ويَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً: معناه: فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسّرين عن «الفرقان» هاهنا بالنجاةِ «1» ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: معناه: مَخْرَجاً «2» ، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب استعمال «الفرقان» ، كما ذكر المفسِّرون وعلى ذلك شواهد منها قول الشاعر: [الطويل] وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ... وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ «3» ت: قال ابن رُشْد: وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى: يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً أي: فصلا بين الحق والباطل حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إليه. انتهى من «البيان» . [سورة الأنفال (8) : الآيات 30 الى 31] وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وقوله سبحانه: وَإِذْ يَمْكُرُ/ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية: تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ: المخاتلة والتداهي تقول: فلانٌ يَمْكُرُ بفلان إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين: إِشارةٌ إِلى اجتماع قُرَيْش في «دار النَّدْوَةِ» بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في «سِيَرِهِ» الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة: أن أبا جهْلٍ قال: الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْدياً، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفاً، ويأتون محمداً في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه، فقال النَّجْدِيُّ: صدق الفَتَى هذا الرأيُ: لاَ رَأْيَ غيره، فافترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ليلته، وقال لعليّ بن أبي

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 224) برقم: (15963) ، وذكره ابن عطية (2/ 518) ، والبغوي عن عكرمة (2/ 243) ، وابن كثير (2/ 301) ، والسيوطي (3/ 324) . (2) أخرجه الطبري (223) برقم: (1590، 15958) ، وذكره ابن عطية (2/ 518) . (3) ينظر البيت في: «البحر المحيط» (4/ 481) ، و «الدر المصون» (414) ، و «القرطبي» (7/ 396) . [.....]

طالب: «التف في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، واضطجع فِي مَضْجَعِي فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء، فَفَعَل» ، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له: أيْنَ صَاحِبُكَ؟ فقال: لا أدْرِي، وفي «السّير» أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم تراباً، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: محمَّداً، قال: إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائياً من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إلى مضجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى: لِيُثْبِتُوكَ: لِيَسْجُنُوكَ قاله عطاء وغيره «1» وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: ليُوثِقُوكَ «2» . وقوله سبحانه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا، يعني: القرآن، قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا، وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أي: قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ: جمع «أسطورة» ، ويحتمل جمع: «أَسْطَار» ، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارِثِ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما «3» سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، وكان النضْرُ من مردة قريش النائلين من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صَبْراً بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له «الأَثيل» ، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد: أَسِيرِي، يا رَسُولَ الله! فقال/ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ» ، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المقداد مقالته، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ» ، فَقَالَ المِقْدَادُ: هذا الّذي أردت، فضربت عنق النّضر «4» .

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 225) برقم: (15975) ، وذكره ابن عطية (2/ 519) ، والبغوي (2/ 244) ، وابن كثير (2/ 302) نحوه. (2) أخرجه الطبري (6/ 225) برقم: (15971) ، وذكره ابن عطية (2/ 519) ، والبغوي (2/ 244) ، وابن كثير (2/ 203) ، والسيوطي (3/ 326) . (3) أخرجه الطبري (6/ 229) برقم: (15991) ، وذكره ابن عطية (2/ 520) ، والبغوي (2/ 245) ، وابن كثير (2/ 304) ، والسيوطي (3/ 327) . (4) أخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص 248- 249) برقم: (337) عن سعيد بن جبير مرسلا.

[سورة الأنفال (8) : الآيات 32 إلى 34]

[سورة الأنفال (8) : الآيات 32 الى 34] وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وقوله عز وجل: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... الآية: رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية «1» . قال ع «2» : وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم لأن النضر كان فيهم موسُوماً بالنُّبْل والفَهْم، مسكوناً إِلى قوله، فكان إِذا قال قولاً قاله منهم كثيرٌ، واتبعوه عليه حَسَب ما يفعله الناسُ أبداً بعلمائهم وفقهائهم. ت: وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قَالَ أَبو جَهْلٍ: اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلَتْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، إِلى: عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «3» اه، والمشار إِليه ب هذا هو القرآن وشَرْعُ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ: أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب «4» «الحق» على أنه خَبَرَ «كان» ، ويكون «هو» فصلا، فهو حينئذٍ اسم، و «أمْطِرْ» إِنما تستَعْملُ غالباً في المكروه، و «مَطَرَ» في الرحمة قاله أبو عُبَيْدة «5» . وقوله سبحانه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ... الآية: قالَتْ فرقة: نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة: نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ حكاية عما مضى.

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 230- 231) برقم: (15995، 15999) ، وذكره ابن عطية (2/ 520) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 520) . (3) أخرجه البخاري (8/ 160) كتاب «التفسير» باب: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ برقم: (4649) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 521) ، و «البحر المحيط» (4/ 482) ، و «الدر المصون» (3/ 414) . (5) ذكره ابن عطية (2/ 521) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 35 إلى 36]

وقال ابْنُ أَبْزَى «1» : نَزَلَ قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ، وَأَنْتَ فِيهِمْ بمكَّة إِثر قولهم: أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، ونزل قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، عند خروج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ... إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم. ت: وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال: وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ الاستغفار» . انتهى. قال ع «2» : وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي: فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ. وقوله عز وجل: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضمير في قوله: أَوْلِياءَهُ: عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن «3» . وقال الطبريُّ «4» : عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ناسخ لقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. قال ع «5» : وفيه نظر لأنه خبر لا يدخله نسخ. [سورة الأنفال (8) : الآيات 35 الى 36] وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)

_ (1) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث، روى اثني عشر حديثا، وعن أبي بكر، وأبي، وعن عمار. قال البخاري: له صحبة، وقال ابن أبي داود: تابعي. ينظر: «تهذيب الكمال» (2/ 772) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 132) ، «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 123) ، «الكاشف» (2/ 154) ، «الجرح والتعديل» (5/ 2009) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 521) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 522) . (4) ينظر: «الطبري» (6/ 232) . (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 523) . [.....]

وقوله سبحانه: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ/ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المُكَاء: الصَّفير قاله ابن عباس «1» والجمهورُ، والتصدية: عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول: وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده فقطع سبحانه هذا الاعتراض بأنْ قال: وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية. قال ع «2» : والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيّدون فيهما وقت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة. وقوله سبحانه: فَذُوقُوا الْعَذابَ ... الاية: إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف قاله الحسن وغيره «3» فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ. قال ع «4» : والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ حكايةً عما مضَى. وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... الآية: لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، اجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ: إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كان سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ. وقوله سبحانه: فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، الحسرة: التلهّف

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 238) برقم: (16037- 16038) ، وذكره ابن عطية (2/ 523) ، والبغوي (2/ 247) ، وابن كثير (2/ 306) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 332) ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه والضياء. (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 524) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 525) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 525) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 37 إلى 40]

على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنّم، والحشر: الجمع. [سورة الأنفال (8) : الآيات 37 الى 40] لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) وقوله سبحانه: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وقرأ حمزة والكسائيُّ «1» : «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ» - بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء-، قال ابن عباس وغيره: المعنيُّ ب الْخَبِيثَ: الكفَّارُ، وب الطَّيِّبِ المؤمنون «2» ، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج: الْخَبِيثَ: ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، والطَّيِّبِ: هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ «3» . قال ع «4» : روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فيلقى فِي النَّارِ: وعلى التأويلين: فقوله سبحانه: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بالاجتماع، ويَرْكُمُهُ في كلام العرب: يُكَثِّفه ومنه سَحابٌ مَرْكُومٌ [الطور: 44] وعبارة البخاريِّ: فيركمه: فَيَجْمَعه. انتهى. وقوله سبحانه: إِنْ يَنْتَهُوا، يعني: عن الكفر، يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله، وإِنْ يَعُودُوا، يريدُ بِهِ: إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل: وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ لأنهم لم ينفصلوا عنه. وقوله: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ/ الْأَوَّلِينَ: عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام. وقوله سبحانه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ قال ابن عباس، وابن عمر،

_ (1) ينظر: «السبعة» (306) ، و «الحجة» (4/ 152) ، و «إعراب القراءات» (1/ 229) ، و «إتحاف» (2/ 79) . (2) ذكره ابن عطية (2/ 526) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 526) . (4) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 526) .

وغيرهما: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ «1» . قال ع «2» : وهذا هو الظاهر، ويفسّر هذه الآية قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إله إلّا الله ... » «3» الحديث.

_ (1) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 245) برقم: (16090) ، وبرقم: (16092) عن قتادة، وبرقم: (16093) عن السدي، وذكره ابن عطية (2/ 527) عن ابن عباس وغيره، وابن كثير (2/ 309) . (2) ينظر «المحرر الوجيز» (2/ 528) . (3) هذا الحديث متواتر، رواه جماعة من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وهم: أبو هريرة وابن عمر، وجابر، وأنس بن مالك، وأبو بكر، وعمر، وجرير، وسهل بن سعد، وأبو بكرة، وأبو مالك الأشجعي، وعياض الأنصاري، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب، ومعاذ، وأوس بن أوس، ورجل من بلقين، وابن عباس. حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (3/ 262) كتاب «الزكاة» باب: وجوب الزكاة، حديث (1399) ، ومسلم (1/ 52) كتاب «الإيمان» باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا الله، وأبو داود (3/ 101) ، كتاب «الزكاة» باب: على ما يقاتل المشركون، حديث (2640) ، والترمذي (4/ 117) ، كتاب «الإيمان» باب: ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث (2733) ، والنسائي (5/ 14) ، كتاب «الزكاة» باب: مانع الزكاة، وابن ماجه (2/ 1295) كتاب «الفتن» باب: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، حديث (3927) ، والشافعي (1/ 13) باب: الإيمان والإسلام، وعبد الرزاق (6/ 67) كتاب «أهل الكتاب» باب: أقاتلهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، حديث (10022) ، وأحمد (2/ 345) ، وابن الجارود ص: (343) باب: في ما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالدعاء إلى توحيد الله عز وجل والقتال عليها، حديث (1032) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 213) كتاب «السير» باب: ما يكون الرجل به مسلما، وابن سعد في «الطبقات» ، والدارقطني (1/ 231- 232) ، كتاب «الصلاة» باب: تحريم دمائهم وأموالهم إذا شهدوا بالشهادتين، حديث (2) ، والحاكم (1/ 387) كتاب «الزكاة» ، وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 306) ، وابن حبان (174) من طرق عن أبي هريرة. أما حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (1/ 22) كتاب «الإيمان» باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم، حديث (25) . ومسلم (1/ 53) كتاب «الإيمان» باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ... (36/ 22) ، والدارقطني (1/ 232) ، والبيهقي (3/ 92) . حديث جابر: أخرجه مسلم (1/ 53) كتاب «الإيمان» باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ... (35/ 22) ، وابن ماجه (2/ 1295) كتاب «الفتن» باب: الكف عن من قال: لا إله إلا الله (3928) ، والترمذي (5/ 409) كتاب «التفسير» باب: تفسير سورة الغاشية (3338) ، وأحمد (3/ 295) ، وأبو حنيفة في «مسنده» (6) ، وأبو يعلى (4/ 190) برقم: (2282) من طرق عنه. وقال الترمذي: حسن صحيح. - حديث أنس: أخرجه البخاري (1/ 594) كتاب «الصلاة» باب: فضل استقبال القبلة، حديث (392) ، وأحمد (3/ 199، 224) ، وأبو داود (2/ 50- 51) كتاب «الجهاد» باب: على ما يقاتل المشركون، حديث

وقال ابن إِسحاق: معناها: حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكّة بمن أسلم.

_ (2641) والترمذي (5/ 4) كتاب «الإيمان» باب: ما جاء في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: أمرت بقتالهم ... (2608) ، والدارقطني (1/ 232) كتاب «الصلاة» باب: تحريم دمائهم وأموالهم إذا تشهدوا بالشهادتين (2) ، وأحمد (3/ 199) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 173) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 215) ، والبيهقي (3/ 92) ، والخطيب (10/ 464) ، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 96- بتحقيقنا) ، من طريق حميد الطويل، عن أنس. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. حديث أبي بكر وعمر: ويرويه عنهما أنس بن مالك قال: قال عمر لأبي بكر في الردة: ألم يقل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. قال أبو بكر: إنما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ... أخرجه النسائي (7/ 76- 77) ، وأبو يعلى (1/ 69) رقم: (68) ، وابن خزيمة (4/ 7) رقم: (2447) ، والحاكم (1/ 368) من طريق عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس به. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 30) ، وقال: رواه البزار وقال: لا أعلمه يروي عن أنس، عن أبي بكر إلا من هذا الوجه وأحسب أن عمران أخطأ في إسناده. وقال الترمذي بعد الحديث (2610) : وقد روى عمران القطان هذا الحديث عن معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر وهو حديث خطأ. وقد حكم عليه بالخطأ أيضا الإمام أبو زرعة الرازي فقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 159) رقم: (1970) : سئل أبو زرعة عن حديث رواه عمرو بن عاصم، عن عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ... فذكر الحديث. قال أبو زرعة: هذا وهم إنما هو الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة. أما الحاكم فله مع هذا الحديث شأن آخر فقال بعد إخراجه: صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يخرجا عمران القطان وليس لهما حجة في تركه فإنه مستقيم الحديث، ووافقه الذهبي. وعمران روى له البخاري تعليقا والأربعة، وقال الحافظ في «التقريب» (2/ 83) : صدوق يهم. حديث جرير: أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (2/ 347) رقم: (2276) ، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 29) ، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفي إسناده إبراهيم بن عيينة وقد ضعفه الأكثرون، قال ابن معين: كان مسلما صدوقا. اه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: أتى بمناكير. ينظر «المغني» (1/ 21) . حديث سهل بن سعد: أخرجه الطبراني في «الكبير» (6/ 132) رقم: (5746) ، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 30) وقال: رواه الطبراني وفي إسناده مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان والأكثر على تضعيفه اه. ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، وقال الحافظ: لين الحديث.

وقوله: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيره

_ ينظر «المغني» (2/ 660) ، و «التقريب» (2/ 251) . حديث أبي بكرة: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 30) وقال: رواه الطبراني في «الكبير والأوسط» وفيه عبد الله بن عيسى الخزاز وهو ضعيف لا يحتج به اه، وذكره الذهبي في «المغني» (1/ 350) وقال: عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، عن يونس بن عبيد ضعفوه. حديث أبي مالك الأشجعي: أخرجه الطبراني في «الكبير» (8/ 382) رقم: (8191) ، وذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 30) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله موثقون. حديث عياض الأنصاري: أخرجه البزار (1/ 10- كشف) رقم: (4) من طريق عبد الرحمن القرشي عن عياض مرفوعا: بلفظ: إن لا إله إلا الله كلمة على الله كريمة، لها عند الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبا حقنت دمه وأحرزت ماله ولقي الله غدا فحاسبه. قال البزار: ولا نعلم أسند عياض إلا هذا. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 31) وقال: رواه البزار، ورجاله موثقون إن كان تابعه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود. حديث النعمان بن بشير: أخرجه البزار (1/ 15- كشف) رقم: (15) من طريق أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن سماك، عن النعمان بن بشير به. وقال البزار: وهذا أخطأ فيه أسود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 31) : رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. حديث سمرة بن جندب: ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 30) وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه مبارك بن فضالة واختلف في الاحتجاج به. حديث معاذ بن جبل: أخرجه ابن ماجه (1/ 28) : المقدمة: باب في الإيمان، حديث (72) ، والدارقطني (1/ 233) كتاب «الصلاة» : باب تحريم دمائهم وأموالهم ... من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ به. قال الحافظ البوصيري في «الزوائد» (1/ 56) هذا إسناد حسن. اه. وفيه شهر بن حوشب وقد اختلف في الاحتجاج به. حديث أوس بن أوس: أخرجه الدارمي (2/ 218) كتاب «السير» باب: في القتال على قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وابن ماجه (3929) ، وأحمد (4/ 8) ، وعزاه السيوطي في «الأزهار المتناثرة» ص: (20) رقم: (4) إلى ابن أبي شيبة. حديث الرجل من بلقين: أخرجه أبو يعلى (13/ 131- 132) ، والبيهقي (6/ 336) ، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 53- 54) ، وقال: رواه أبو يعلى وإسناده صحيح. وذكره الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية» (2/ 185) رقم: (2010) ، وعزاه إلى أحمد بن منيع، وذكره برقم: (2011) ، وعزاه إلى أبي يعلى. حديث ابن عباس: ذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 30) ، وقال: رواه الطبراني، ورجاله موثقون إلا أن فيه إسحاق بن يزيد الخطابي، ولم أعرفه. وهذا الحديث قد صرح الحافظ السيوطي بتواتره فأورده في «الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة» ص: (19- 20) رقم: (4) وعزاه إلى الشيخين عن ابن عمر وأبي هريرة ومسلم عن جابر وابن أبي شيبة في «المصنف» عن أبي بكر الصديق، وعمر وأوس وجرير

[سورة الأنفال (8) : الآيات 41 إلى 44]

سبحانه، ثم قال تعالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا، عن الكفر، فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه. وقوله سبحانه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ: معادلٌ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فاعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظّفر، والْمَوْلى هاهنا الموالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمّ المؤمنين والمشركين. [سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 44] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) وقوله عزّ وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... الآية: الغنيمةُ في اللغة: ما يناله الرجل بسعي ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصّيام في الشّتاء هي الغنيمة الباردة» «1» ،

_ البجلي، والطبراني، عن أنس وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وابن عباس، وأبي بكرة، وأبي مالك الأشجعي، والبزار عن عياض الأنصاري والنعمان بن بشير. [.....] (1) أخرجه الترمذي (3/ 153) كتاب «الصوم» ، باب: ما جاء في الصوم في الشتاء، حديث (797) ، وأحمد (4/ 335) ، وابن أبي شيبة (3/ 100) ، وأبو الشيخ في «الأمثال» (223) ، والبيهقي (4/ 296- 297) كتاب «الصيام» ، باب ما ورد في صوم الشتاء، والقضاعي في «مسند الشهاب» (231) كلهم من طريق نمير بن عريب، عن عامر بن مسعود مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث مرسل، عامر بن مسعود لم يدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقال البيهقي: هذا مرسل. قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» ص: (160) : قال أبو زرعة: عامر بن مسعود من التابعين. وقال الترمذي في «العلل الكبير» ص (127) رقم: (218) : سألت محمدا عن حديث أبي إسحاق، عن نمير بن عريب، عن عامر بن مسعود، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء» . فقال: هو حديث مرسل، وعامر بن مسعود لا صحبة له، ولا سماع من النبي صلّى الله عليه وسلّم اه.

وقوله: مِنْ شَيْءٍ: ظاهرة العمومُ، ومعناه الخصوصُ، فأَمَّا النَّاضُّ «1» والمتاعُ والأطفال والنساء وما لا يؤكل [لحمه] من الحيوان ويَصِحُّ تملُّكه، فالإِمام يأخذ خُمْسُهُ، ويَقْسِمُ الباقي في الجيش، وأما الأرضُ، فقال فيها مالكٌ: يقسمها الإِمام إِن رأى ذلك صوابا كما فعل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِخَيْبَرَ، أَوْ لاَ يَقْسِمُها، بل يتركها لنوائب المسلمينَ إن أداه اجتهاده إلى ذلك كما فعل عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي اللَّه عنه بِأَرْضِ مِصْرِ وبسَوَادِ الكَوفة، وأمَّا الرجالُ، ومَنْ شارف البُلُوغ من الصِّبْيان، فالإِمام عند مالك وجمهور العلماء، مُخَيَّرٌ فيهم علَى خمسة أوجه «2» :

_ وقال يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (3/ 127) : ليس لعامر صحبة. وقد جزم بعدم صحبته أيضا أبو داود، وابن حبان، والبغوي، وابن السكن. ينظر: «الإصابة» (3/ 489) بتحقيقنا اهـ. لكن لهذا الحديث شاهد من حديث أنس: أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 254) ، وابن عدي في «الكامل» (3/ 1210) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (3/ 416) رقم: (3943) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس مرفوعا. وقال الطبراني: لم يروه عن قتادة إلّا سعيد، تفرد به الوليد. وقال ابن عدي: لا يرويه عن قتادة غير سعيد، وعن سعيد غير الوليد. والحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 203) وقال: رواه الطبراني في «الصغير» ، وفيه سعيد بن بشير، وهو ثقة لكنه اختلط اه. وللحديث شاهد آخر من حديث جابر: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 1075) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (3/ 416) رقم: (3942) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك: نا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن ابن المنكدر، عن جابر مرفوعا. وعبد الوهاب بن الضحاك: قال الحافظ في «التقريب» (1/ 528) : متروك كذبه أبو حاتم. (1) النّاضّ: أهل الحجاز يسمّون الدّراهم والدّنانير: النّاضّ والنّضّ. قال أبو عبيد: إنّما يسمّونها ناضّا: إذا تحوّل عينا بعد أن كان متاعا لأنّه يقال: ما نضّ بيدي منه شيء، وخذ ما نضّ لك من دين، أي: تيسّر وهو يستنضّ حقّه من فلان، أي: يستنجزه، ويأخذ منه الشّيء بعد الشّيء. مأخوذ من نضاضة الماء وهي: بقيّته، وكذلك النّضيضة، وجمعها: نضائض. ذكره الأزهري. ينظر: «النظم» (1/ 154) . (2) الأسرى: إما أن يكونوا من الرجال العقلاء البالغين، أو يكونوا من النساء، والصبيان، ومن في حكمهم، فإذا كانوا من هؤلاء فالمشهور عند عامّة الفقهاء أنهم يصيرون أرقاء بنفس الأسر، ولا يجوز قتلهم اتفاقا، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن قتل النساء والصبيان في حديث متفق عليه. أما إذا كانوا من الرجال البالغين العقلاء، فالإمام مخير فيهم بين خصال بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وهي كما يأتي: «القتل» : ثبت عند فقهاء الأمصار أنه يجوز للإمام قتل المحارب الكافر بعد أسره، والاستيلاء عليه، وحكي عن الحسن البصري وعطاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن عمر كراهته. «المنّ» : ويكون بتخلية سبيل الأسرى من غير عوض، وقال به الشافعية والمالكية في المشهور عنهم والحنابلة، وذهب الحنفية إلى عدم جوازه.

منها: القتل، وهو مستَحْسَنٌ في أهْل الشجاعة والنِّكَاية. ومنها: الفداءُ، وهو مستحسنٌ في ذي المَنْصب الذي ليس بشُجَاع ولا يُخَاف منه رأْي ومَكِيدَة لانتفاع المسلمين بالمَال الذي يؤخَذُ منه. ومنها: المَنُّ، وهو مستحْسَنٌ فيمن يرجى أنْ يحنو على أَسْرَى المسلمين، ونحو ذلك من القرائن. ومنها: الاسترقاق. ومنها: ضَرْبُ الجزية، والتَّرْكُ، في الذِّمَّة. وأما الطعام، والغَنَمْ، ونَحْوَها ممَّا يؤكل، فهو مباحٌ في بلد العدو أكله، وما فَضَل منه كان في المَغْنَم. ومحلُّ استيعاب فُرُوعِ هذا الفَصْل كُتُب الفقه. وقوله سبحانه: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، أي: من النصر والظهور الذي أنزله الله

_ «الفداء» : ذهب جمهور الفقهاء ومعهم أبو يوسف، ومحمد من علماء الحنفية إلى جواز الفداء بالأسرى، وجاء ذلك رواية عن أبي حنيفة، وجاءت عنه رواية أخرى بمنعه. وأمّا الفداء بالمال فالجمهور على جوازه، والمشهور من مذهب الحنفية عدم الجواز، وقد جاء في «السير الكبير» أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة إليه. «الاسترقاق» : اتفق الفقهاء على أن الأسير إذا كان مرتدا لا يجوز ضرب الرق عليه، فلا بد أن يسلم أو يقتل لأنه كفر بربه بعد ما هدي إلى الإسلام. واختلفوا في غيره من الأسرى، فذهب المالكية، والشافعية والحنابلة إلى جواز استرقاقهم لا فرق بين عربي منهم أو عجمي، وذهب الحنفية إلى عدم جواز استرقاق المشركين من العرب. وإذا قلنا: إن الإمام مخير في الأسرى، فليس معناه أن يجعل التصرف فيهم تبعا لعاطفته وميل هواه، وإنما معناه أن يتحرى فيهم ما تقتضيه مصلحة المسلمين ثم ينفذها، فإذا كان الأسير شديد الدهاء، كثير التأليب على المسلمين والكيد لهم، ولا يؤمن مكره، أو تكرر نقضه لعهدهم قتله الإمام كفاية لشره وقطعا لدابره. ويظهر ذلك للإمام من اطّلاع على أحواله أو علمه بأخباره، وإذا ظهر له أن الأسير مأمون الجانب، ويتألف بإطلاقه طائفة عظيمة على الإسلام، أو يتوسم أن تطلق عشيرته ما عندها من أسرى الحرب منّ عليه، وكذلك إذا كان الأسير من ذوي العلل والعاهات، أو الضعفاء والزمنى الذين لا يرجى منهم منفعة للمسلمين، أو كان للأسير قيمة، وترجح عند الإمام الحاجة إلى المال لمصالح المسلمين جعل نظير كل رقبة يطلقها مقدارا من المال يختلف بحسب مكانة الأسير في قومه، وإن رأى أن في استرقاقه عزة ومهابة للمسلمين اختار من بينهم من يضرب الرق عليه، وهكذا.

سبحانه يَوْمَ بَدْر، ويحتمل أن تكون الإِشارة إِلى قرآن/ نزَلَ يوْمَ بدر، أو في قصَّة يوم بَدْر، ويوم الفُرْقَان: معناه: يَوْمُ الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل بإِعزاز الإِسلام وإِذلالِ الشرك، والجَمْعَانِ: يريد: جَمْعَ المسلمين وَجَمْعَ الكُفَّار، وهو يوم بَدْر، ولا خلاف في ذلك. وقوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَعْضُدُ أَنَّ قوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا، يراد به النصْرُ والظَّفْر، أي: الآيات والعظائم مِنْ غلبة القليلِ للكثيرِ، وذلك بقدرة اللَّه عَزَّ وجَلَّ الذي هو عَلَى كلِّ شيء قدير. وقوله سبحانه: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، العُدْوَة: شفيرُ الوادِي، وحَرْفُهُ الذي يتعذَّرُ المَشْيُ فيه بمنزلة رَجَا البئْر لأنها عَدَتْ ما في الوادِي من ماء ونحوه أن يتجاوز الوادِيَ، أي: منعته ومنه قول الشاعر: [الوافر] عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِكِ العَوَادِي ... وَحَالَتْ دُونَهَا حَرْبٌ زَبُون «1» وقرأ ابنُ كَثِير «2» ، وأبو عمرو: بِالْعُدْوَةِ- بِكَسْرِ العين-، وقوله: الدُّنْيا، والْقُصْوى، إِنَّما هو بالإِضافة إِلى المدينة، وبين المدينة ووادِي بَدْر موضعُ الوقعة مَرْحَلتان، والدُّنْيَا: من الدُّنُوِّ، والقصوى: منِ القُصُوِّ، وهو البُعْد، وَالرَّكْبُ، بإِجماعٍ من المفسِّرين: عِيرُ أبي سفيان، وقوله: أَسْفَلَ، في موضع خَفْض، تقديره: في مكان أَسْفَلَ كَذَا. قال سِيبَوَيْهِ: وكان الرَّكْبُ، ومُدَبِّر أمره أبو سفيانَ بْنُ حَرْب، قد نَكَبَ عن بدر حين نذر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأخَذَ سيْفَ البَحْرِ، فهو أَسْفَلُ بالإِضافة إِلى أَعلى الوَادِي. وقوله سبحانه: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، المَقْصدُ من الآية: تَبْيينُ نعمة اللَّه سُبْحانه في شأنِ قِصَّة بَدْر، وتيسيره سُبْحانه ما يَسَّر من ذلك، والمَعنَى: لو تواعدتم، لاختلفتم في الميعادِ بَسَببِ العوارِضِ التي تَعْرضُ للناس، إِلاَّ مع تيسير اللَّه الذي تَممَّ ذلك، وهذا كما تقولُ لصاحبك في أمْر سَنَاهُ اللَّه تعالى دونَ تَعَبٍ كثير: لَوْ بَنَيْنَا عَلَى هَذَا، وسَعَيْنَا فِيهِ، لَمْ يَتِمَّ هَكَذَا، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، أي: لينفِّذَ ويُظْهِر أمراً قد قدَّره في الأزل مفعولاً لكم بشرط وجودكم في وَقْتِ وجودِكُمْ، وهذا كلُّه معلومٌ عنده عزَّ وجلّ

_ (1) ينظر «الدر المنثور» (3/ 421) . (2) ينظر: «السبعة» (306) ، و «الحجة» (4/ 128) ، و «حجة القراءات» ص: (310- 311) ، و «إعراب القراءات» (1/ 224) ، و «إتحاف» (2/ 79) ، و «معاني القراءات» (1/ 440) ، و «شرح الطيبة» (4/ 327) ، و «شرح شعلة» (406) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 45 إلى 47]

لم يتجدَّد له به علْمٌ، وقوله عزَّ وجلَّ: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، قال الطبريُّ «1» : المَعنى: ليُقْتَلَ من قُتِلَ من كفَّار قريش وغيرهم ببيانٍ مِنَ اللَّه وإِعذارٍ بالرسالة، ويَحْيَا أيضاً ويعيشَ مَنْ عاش عن بيانٍ منْه أيضاً وإِعذار لا حجة لأحد عليه سبحانه. ت: قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» في قوله عزَّ وجلَّ: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ... الآية: البيِّنة: ما بان به الحقُّ. انتهى. وقال ابنُ إِسْحَاق وغيره: معنى «لِيَهْلِكَ» ، أيْ: لِيَكْفُرَ، و «يَحْيَا» أي: ليؤمنَ فالحياةُ والهلاكُ على هذا التأويل: مستعارتان. وقوله سبحانه: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ/ قَلِيلًا ... الآية: وتظاهرتِ الرواياتُ أن هذه الآية نزلَتْ في رُؤْيَا رآها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأى فيها عَدَدَ الكُفَّار قليلاً، فأَخبر بذلك أصحابه، فقَوِيَتْ نفوسُهم، وحَرِصُوا على اللقاء قاله مجاهد وغيره، والظاهر أنه رآهم صلّى الله عليه وسلّم في نومه قليلاً قَدْرُهُم وبأْسُهم، ويحتمل أنه رآهم قليلاً عدَدُهم، فكان تأويلُ رؤياه انهزامهم، والفشل: الخور عن الأمر، ولَتَنازَعْتُمْ، أي: لتخالَفْتم في الأمر، يريد: في اللقاءِ والحرب. وسَلَّمَ: لفظ يعمُّ كلَّ متخوَّف. وقوله سبحانه: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ ... الآية، وهذه الرؤية هي في اليقظة بإِجماع، وهي الرؤية التي كانَتْ حين التقوا، ووقعتِ العَيْنُ على العين، والمعنَى: أن اللَّه تعالَى لَمَا أراده من إِنفاذ قضاءه في نُصْرة الإِسلام وإِظهار دِينِهِ، قَلَّلَ كُلَّ طائفةٍ في عُيُونِ الأخرَى، فوقع الخَلَلُ في التخمينِ والحَزْرِ الذي يستعمله الناسُ في هذا لتَجْسُرَ كلُّ طائفة على الأخرَى، وتتسبَّب أسبابُ الحَرْب، والأمر المفعولُ المذكورُ في الآيتين هو القصَّة بأجمعها. وقوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ: تنبيهٌ علَى أن الحَوْلَ بأجمعه للَّه، وأنّ كلّ أمّر، فله وإليه. [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 47] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)

_ (1) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 258) .

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا ... الآية: هذا أَمْرٌ من اللَّه سبحانه بما فيه داعيةُ النَّصْر، وسبَبُ العزِّ، وهي وصيَّة منه سبحانه بِحَسَبِ التقْييد الذي في آية الضَّعْفِ، والفِئَةُ الجماعة، أصلها: «فِئَوَة» ، وهي مِنْ: «فأَوْتُ» ، أي: جمعتُ، ثم أمر سبحانه بإِكثار ذكْره هناك إِذ هو عصمةُ المستنجد، وَوَزَرُ المستعين. قال قتادة: افترض اللَّه ذِكْرَهُ عند اشغل ما يكونُ عنْدَ الضرِّاب والسُّيوف. قال ع «1» : وهذا ذِكْرٌ خفيٌّ لأن رَفْعَ الصَّوْت في موطن القتَال رديءٌ مكروهٌ إِذا كان ألغاطاً، فأما إِن كان من الجميعِ عند الحَمْلة، فَحَسَنٌ فَاتٌّ في عَضُد العَدُوِّ قال قيسُ بْنُ عُبَادٍ «2» : كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكرهُونَ الصَّوْت عند ثلاثٍ عند قراءة القُرآن، وعند الجنازة، وعند القتال «3» ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اطلبوا إِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ القِتَالِ، وإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ» «4» وكان ابن عباس يُكْرَه التلثُّم عنْدَ القتالِ «5» . قال النَّوويُّ: وسُئِلَ الشيخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ «6» ، عن القَدْرِ الذي يصيرُ به المرء

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 536) . (2) قيس بن عباد، القيسي الضّبعي أبو عبد الله البصري مخضرم، عن عمر وعلي وعمّار، وعنه ابنه عبد الله والحسن البصري، وابن سيرين مات بعد الثمانين. ينظر ترجمته في: «الخلاصة» (2/ 357) (5886) . (3) ذكره ابن عطية (2/ 536) . (4) ذكره الهندي في «كنز العمال» (2/ 102) رقم: (3339) ، وعزاه للشافعي، والبيهقي في «المعرفة» عن مكحول مرسلا. (5) ذكره ابن عطية (2/ 535) . (6) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر، الإمام العلامة مفتي الإسلام، تقي الدين، أبو عمرو بن الإمام البارع صلاح الدين أبي القاسم، النصري- بالنون والصاد المهملة، نسبة إلى جده أبي نصر- الكردي، الشهرزوري الأصل، الموصلي المربا، الدمشقي الدار والوفاة، ولد سنة سبع وسبعين- بتقديم السين فيهما- وخمسمائة بشهرزور، وتفقه على والده، ثم نقله إلى الموصل فاشتغل بها مدة وبرع في المذهب. ينظر ترجمته في «الأعلام» (4/ 369) و «طبقات الشافعية» للسبكي (5/ 137) و «وفيات الأعيان» (2/ 408) و «البداية والنهاية» (13/ 168) و «طبقات الشافعية» لابن هداية ص: (84) و «النجوم الزاهرة» (6/ 354) و «شذرات الذهب» (5/ 221) و «مفتاح السعادة» (1/ 397) ، (2/ 214) و «مرآة الزمان» (8/ 502) و «مرآة الجنان» (4/ 108) . [.....]

من الذَّاكرين اللَّهَ كثيراً، فقال: إِذا واظب على الأَذْكَارِ المأثورة المُثْبَتَةِ صباحاً ومساءً، وفي الأوقاتِ والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً- وهي مبيَّنةٌ في كتب «عمل اليوم والليلة» - كان من الذاكرين اللَّه كثيراً واللَّه سبحانه أعلم. انتهى من «الحلية» . ت: وأَحْسَنُ من هذا جوابُهُ صلّى الله عليه وسلّم حَيْثُ قَالَ: «سَبَقَ المُفْرِّدُون! قَالُوا: «وَمَا المُفَرِّدُونَ، يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ» ، رواه مسلمٌ/، والترمذيُّ، وعنده: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ يَضَعُ عَنْهُمُ الذِّكْرُ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يوم القيامة خفافا» «1» ، قال صاحب «سلاح المؤمن» : المستَهْتِرُونَ في ذكْر اللَّهِ، - هو بفتح التاءَيْنِ المثنّاتين- يعني: الذين أُولِعُوا به يقال: استهتر فُلانٌ بكَذَا، أي: أَولِعَ به، واللَّه أعلم. انتهى. فقَد بيَّن صلّى الله عليه وسلّم هنا صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، وقد نقلنا في غير هذا المَحَلِّ بيانَ صفةَ الذاكرين اللَّه كثيراً، بنحو هذا مِنْ طريق ابن المبارك، وإِذا كان العبد مُسْتَهْتِراً بِذِكْرِ مولاه، أَنِسَ به، وأَحبَّه، وأحبَّ لقاءه فلم يبال بلقاءِ العَدُوِّ، وإِن هي إِلا إِحدى الحسنيين: إِما النصْرُ وهو الأغلب لمن هذه صفته، أو الشهادة وذلك مناه، ومطلبه. انتهى. وتُفْلِحُونَ: تنالون بغيتكم، وتنالون آمالكم، والجمهور علَى أن الرِّيحَ هنا مستعارةٌ. قال مجاهد: الرِّيح: النصْرُ والقوة، وذهب ريح أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم حينَ نازعُوه يَوْمَ أحد «2» ، وقوله سبحانه: وَاصْبِرُوا ... إلى آخر الآية: تتميمٌ في الوصية وِعدَةٌ مُؤْنِسَة، وقوله سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ... الآية: الإشارة إِلى كفار قريش، والبَطَر: الأَشَر وغَمْطُ النِّعْمة، ورُوِيَ أن أبا سفيان، لمَّا أحرز عِيَره، بعث إِلى قريش، وقال: إِن اللَّه قد سَلَّم عِيركُمْ، فارجعوا، فأتَى رأْي الجماعةِ علَى ذلك، وخالَفَ أبو جَهْل، وقال: واللَّهِ، لاَ نَفْعَلُ حَتَّى نَأْتيَ بَدْراً- وكانَتْ بَدْرٌ سُوقاً من أسواقِ العَرَبِ لها يومُ موسمٍ- فننحَرُ عليها الإِبلَ، ونَشْرَب الخمر، وتَعْزِفُ علينا القِيَانُ، وتسمع بنا العربُ، ويَهَابُنا النَّاسُ، فهذا معنى قوله تعالى: وَرِئاءَ النَّاسِ.

_ (1) تقدم تخريجه. (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 361) برقم: (16178- 16179) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (2/ 536) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 343) ، وعزاه إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.

[سورة الأنفال (8) : آية 48]

[سورة الأنفال (8) : آية 48] وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) وقوله سبحانه: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لاَ غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، الضمير في لَهُمُ عائد على الكفّار، والشَّيْطانُ: إبليس نفْسُه، والذي عليه الجمهورُ، وتظاهرَتْ به الرواياتُ أن إبْلِيسَ جاء كُفَّار قريشٍ، ففي «السِّيَر» لابن هشامٍ: أنه جاءهم بمكَّة، وفي غيرها: أنَّه جاءهم، وهُمْ في طريقهم إِلى بَدْرٍ، وقد لحقهم خَوْفٌ من بني بَكْر وكِنَانَةَ لحروبٍ كانَتْ بينهم، فجاءهم إِبليس في صورة سُرَاقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُم، وهو سيِّد مِنْ ساداتهم، فقال لهم: إِنِّي جارٌ لَكُمْ، ولن تخافوا من قومي، وهم لكُمْ أعوانٌ على مَقْصِدِكم، ولَنْ يغلبكم أحدٌ، فروي أنه لما التقى الجمعانِ، كانَتُ يده في يدِ الحَارِثِ بن هشام، فلما رأَى الملائكَةَ، نَكَصَ، فقال له الحارثُ: أَتَفِرُّ يا سُرَاقَةُ؟! فلم يَلْو عَليه، ويروى أَنه قال له ما تضمَّنته الآيةُ، وروي أن عُمَيْرَ بْنَ وهبٍ، أو الحارثِ بْنَ هشامٍ قال له: أَيْنَ يا سُرَاقُ؟ فلم يَلْوِ مِثْلَ عَدُوِّ اللَّه، فذهبَ، ووقعتِ/ الهزيمة، فتحدَّثوا أنَّ سُرَاقَةَ فَرَّ بالنَّاسِ، فبلغ ذلك سُرَاقَةَ بْنَ مالك، فأتى مكَّة، فقال لهم: واللَّه، ما عَلِمْتُ بشيء منْ أمركم حتى بَلَغَتْني هزيمَتُكُمْ، ولا رأْيْتُكُم، ولا كُنْتُ معكم. ت: قال ابنُ إسحاق: ذكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ مَنْزِلٍ في صُورَة سُرَاقَة لا يُنْكِرُونه حتَّى إِذا كان يَوْمُ بَدْر، والتقى الجمعان، نكَصَ عدوُّ اللَّه على عَقِبَيْه، فأوردهم ثُمَّ أَسلمهم. انتهى من «السيرة» لابن هشام. وقوله: إِنِّي جارٌ لَكُمْ أي: أنتم في ذمَّتي وحِمَائي، و «تراءت» : تفاعلَتْ من الرؤية، أي: رأى هؤلاءِ هؤلاءِ. قوله: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، أي: رَجَعَ من حيث جاء، وأصْل النُّكُوص في اللغة: الرجوعُ القَهْقَرَى. وقوله: إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ، يريد: الملائكةَ، وهو الخبيثُ، إِنما شرط أَنْ لاَ غَالِبَ لهم من الناس، فلما رأَى الملائكة، وخَرْقَ العادةِ، خَافَ وَفَرَّ. وقوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، قال الزَّجَّاج وغيره: خافَ ممَّا رأَى مِنَ الأمر، وهَوْلِهِ أنَّه يومُهُ الذي أُنْظِرَ إِليه ويقوِّي هذا أَنه رأَى خَرْقَ العادةِ، ونزولَ الملائكةِ للحَرْب.

[سورة الأنفال (8) : الآيات 49 إلى 51]

[سورة الأنفال (8) : الآيات 49 الى 51] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51) وقوله سبحانه: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... الآية: قال المفسرون: إِن هؤلاء الموصوفين بالنِّفاق، إِنما هُمْ من أهْل عَسْكر الكُفَّار ممَّن كان الإِسلام دَاخِلَ قلوبهم، خَرَجُوا مع المُشْركين إِلَى بَدْرٍ، منهم مكرَهٌ وغيرُ مُكْرَهٍ، فلما أشرفوا على المسلمينَ، ورأَوْا قلَّتهم، ارتابوا، وقالُوا مشيرين إِلى المسلمين: غَرَّ هؤلاءِ دينُهُمْ. قال ع «1» : ولم يُذْكَرْ أحدٌ ممَّن شهد بدراً بنفاقٍ إِلا ما ظَهَرَ بعْدَ ذلك من مُعَتِّب ابن قُشَيْرٍ فإِنه القائل يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: 154] وقد يحتمل أنْ يكون منافقو المدينة، لما وَصَلَهم خروجُ قريشٍ في قوَّة عظيمةٍ، قالوا هذه المقالةَ، ثم أخبر اللَّه سبحانه بأنَّ مَنْ توكَّل عليه، وفوَّض أمره إليه، فإِن عزَّته سبحانه وحِكْمته كفيلةٌ بنَصْره، وقوله سبحانه: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ... الآية: هذه الآيةُ تتضمَّن التعجيبَ ممَّا حلَّ بالكُفَّار يوم بَدْر قاله مجاهدٌ وغيره، وفي ذلك وعيدٌ لمن بَقِيَ منهم، وقوله: وأَدْبارَهُمْ، قال جُلُّ المفسِّرين: يريد أَسْتَاهَهْم، ولكنَّ اللَّه كريمٌ كَنَّى «2» ، وقال ابن عبَّاس، والحسن: أراد ظهورَهُمْ وما أَدْبَرَ منهم «3» وباقي الآية بيِّن. [سورة الأنفال (8) : الآيات 52 الى 54] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (54) وقوله سبحانه: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ... الآية: الدَّأْبُ: العادةُ في كلام العربِ، وهو مأخوذٌ من دَأَبَ عَلَى العمل، إِذا لازمه.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 539) . (2) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 267) برقم: (16215- 16216- 16217) برقم: (16218) عن سعيد بن جبير، وذكره ابن عطية (2/ 540) ، وعزاه إلى جمهور المفسرين، والبغوي في «تفسيره» (2/ 256) عن سعيد بن جبير ومجاهد برقم: (50) ، وابن كثير (2/ 319) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 346) ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وأبي الشيخ، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (3) ذكره ابن عطية (2/ 540) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 55 إلى 59]

وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... الآية: معنى هذه الآية إِخبارٌ من اللَّه سبحانه، إِذا أنعم على قومٍ نعمةً، فإِنه بلُطْفه ورحمته لا يبدأُ بتغييرها وتنْكِيدها، حتى يجيءَ ذلك منْهم بأنْ يغيِّروا حالهم الَّتي تُرَادُ، أو تَحْسُنُ منهم، فإِذا فعلوا ذلك، غيَّر اللَّه نعمته عنْدَهم بِنِقْمته منْهم، ومثالُ هذه نِعْمَةُ اللَّه عَلَى قُرَيْشٍ بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فكَفَروا به، فغيَّر اللَّه تلك النعمة، بأنْ نقلها إِلى غيرهم من الأنصار، وأَحَلَّ بهم عقوبَتَهُ. وقوله تعالى: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ/ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، هذا التكريرُ هو لمعنًى ليس للأول إذ الأول دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لما كَفَرُوا، وهذا الثَّاني دأْبٌ في أَنَّهُ لم يغيِّرْ نعمتهم حتَّى غيروا ما بأنْفُسِهِم، والإِشارة بقوله: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، إِلى قومِ شعيبٍ وصالحٍ وهود ونوح وغيرهم. [سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 59] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وقوله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ، أجمع المتأوِّلون أن الآية نزلَتْ في بني قُرَيْظَةَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ كلَّ مَنِ اتصف بهذه الصفة إِلى يوم القيامة، وقوله: فِي كُلِّ مَرَّةٍ: يقتضي أن الغَدْرَ قد تكرَّر منهم. وحديثُ قُرَيْظَةَ هو أنهم عاهدوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ألاَّ يحاربوه، ولا يعينوا عَلَيْه عدوًّا من غيرهم، فلمَّا اجتمعت الأحزاب على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالمدينةِ، غَلَبَ على ظنِّ بني قريظة أَنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مغلوبٌ ومستأصَلٌ، وخَدَعَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ النَّضْرِيُّ كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ القُرَظِيَّ صاحبَ عَقْد بني قريظة، وعهْدِهِم، فغدروا ووالوْا قريشاً، وأمدُّوهم بالسِّلاح والأَدْرَاعِ، فلما انجلت تلك الحالُ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أمره اللَّه تعالَى بالخروج إِليهم وحَرْبِهم، فاستنزلوا، وضُرِبَتْ أعناقهم بحُكْم سَعْدٍ، واستيعاب قصَّتهم في «السِّير» وإِنما اقتضبت منها ما يخُصُّ تفسير الآية. وقوله سبحانه: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ... الآية: معنى تَثْقَفَنَّهُمْ تأسرهم، وتحصِّلهم في ثِقَافِكَ، أو تَلْقَاهم بحالٍ تقدرُ عليهم فيها، وتغلبهم، ومعنى: فَشَرِّدْ أي:

[سورة الأنفال (8) : آية 60]

طَرِّدْ، وأبْعِدْ، وخَوِّف. والشريدُ: المبعد عن وطَنٍ ونحوه، ومعنى الآية: فإِن أَسَرْتَ هؤلاءِ الناقضين في حربك لهم، فافعل بهم من النقمة ما يكُونُ تشريداً لمن يأتي خلْفَهم في مثْلِ طريقتهم، وعبارةُ البخاريِّ: «فَشَرَّدْ» فَرَّقَ. انتهى. والضمير في لَعَلَّهُمْ عائدٌ على الفرقة المشرَّدة، وقال ابن عباس: المعنى: نكِّل بهم مَنْ خلفهم «1» . وقالَتْ فرقة: معناه: سَمِّعْ بهم، والمعنَى متقارب، ومعنى: خَلْفَهُمْ أي: بعدهم، ويَذَّكَّرُونَ، أيْ: يتعظون. وقوله سبحانه: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً ... الآية: قال أكثر المفسِّرين: إِن الآية في بني قُرَيْظة، والذي يظهر من ألفاظ الآية أنَّ أَمْرَ بني قريظة قد انقضى عند قوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، ثم ابتدأ تبارَكَ وتعالَى في هذه الآية بما يَصْنَعُهُ في المستقبل، مع مَنْ يخافُ منه خيانةً إِلى آخر الدهر، وبَنُو قريظة لم يَكُونوا في حَدِّ مَنْ تُخَافُ خيانته، وقوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ، أي: أَلْقِ إِليهم عَهْدهم، وقوله: عَلى سَواءٍ، قيل: معناه: حتى يكونَ الأمْرُ في بيانِهِ والْعِلْمِ به، على سواءٍ منْكَ ومنهم فتكُونُونَ في استشعار الحَرْب سواءً، وذَكَرَ الفَرَّاء أن المعنَى: فانبذ إليهم على اعتدال وسواءٍ من الأمر، أي: بَيِّنْ لهم على قَدْر ما ظهر منهم، لا تُفَرِّطْ، ولا تَفْجَأْ بحربٍ، بل افعل بهم مِثْلَ ما فعلوا بك، يعني: موازنةً ومقايسةً، وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ» - بالتاء- مخاطبةً للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وسَبَقُوا: معناه: فَاتُوا بأنفسهم وأنْجَوْهَا، إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ أي: لا يُفْلِتُونَ، ولا يُعْجِزُونَ طالبهم، ورُوِيَ أن الآية نزلَتْ فيمن أَفْلَتَ من الكفَّار في بَدْرٍ وغيره فالمعنى: لا تظنَّهم نَاجِينَ، بل هم مُدْرَكُون، وقرأ حمزة وغيره: «ولا يحسبنّ» - بالياء من تحت، وبفتح السين «2» . [سورة الأنفال (8) : آية 60] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 271) برقم: (16227- 16228) ، وذكره ابن عطية (2/ 542) ، والبغوي (2/ 257) بنحوه، وابن كثير (2/ 320) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 347) . (2) وقرأ بها ابن عامر وحفص عن عاصم. ينظر: «السبعة» ص: (307) ، «الحجة» (4/ 154- 155) ، «حجة القراءات» (312) ، «إعراب القراءات» (1/ 230) ، و «إتحاف» (2/ 81- 82) ، و «معاني القراءات» (1/ 441) ، و «شرح الطيبة» (4/ 329) ، و «العنوان» (101) .

وقوله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا/ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ... الآية: المخاطبةُ في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي «صحيحِ مُسْلِمْ» : «أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» «1» ولما كانت الخيلُ هي أصْل الحرب، وأَوزَارَهَا، والتي عُقِدَ الخيرُ في نواصيها «2» ، خَصَّها اللَّه تعالى بالذكْرِ، تشريفاً لها، ولما كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى

_ (1) أخرجه مسلم (3/ 1522) كتاب «الإمارة» ، باب: فضل الرمي والحث عليه، حديث (167/ 1917) ، وأبو داود (2/ 17) كتاب «الجهاد» باب: في الرمي، حديث (2514) ، وابن ماجه (2/ 940) ، كتاب «الجهاد» ، باب: الرمي في سبيل الله، حديث (2813) ، وأحمد (4/ 157) ، وأبو يعلى (3/ 283) رقم: (1743) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 44) رقم: (4299) ، كلهم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي، عن عقبة بن عامر به. وأخرجه الدارمي (2/ 204) ، كتاب «الجهاد» ، باب: في فضل الرمي والأمر به، والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 44) رقم: (4298) ، كلاهما من طريق سعيد بن أبي أيوب: ثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة به. وأخرجه الترمذي (5/ 270- 271) كتاب «التفسير» باب: «ومن سورة الأنفال» ، حديث (3083) من طريق صالح بن كيسان، عن رجل لم يسمه، عن عقبة بن عامر. والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 348) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم القراب في كتاب «فضل الرمي» . (2) ورد عن جماعة من الصحابة: منهم: عروة البارقي، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجرير بن عبد الله، وأبو كبشة، وابن مسعود، وجابر: أما حديث عروة البارقي، فأخرجه البخاري (6/ 64) في «الجهاد والسير» باب الخير معقود في نواصيها الخيل (2850) ، و (6/ 66) باب: الجهاد ماض مع البر والفاجر (2852) و (6/ 253) في فرض الخمس (3119) ، (6/ 731) في المناقب (3643) ، ومسلم (3/ 1493) في «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (98، 99، 873) ، والنسائي (6/ 222) في «الجهاد» باب: فتل ناصية الفرس، وابن ماجه (2/ 923) في «الجهاد» باب: ارتباط الخيل في سبيل الله (2786) ، وأحمد (4/ 375- 376) ، وأبو يعلى (6828) ، والحميدي في «مسنده» (2/ 272- 273) برقم: (841- 842) ، والدارمي (2/ 211- 212) في «الجهاد» باب: فضل الخيل في سبيل الله، وسعيد بن منصور في «سننه» (2/ 198) في «الجهاد» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2426) ، والطيالسي في «الجهاد» (1/ 241) برقم: (1184- 1185) والطبراني (17/ 155) برقم (396- 400) ، والبيهقي (6/ 112) في «القراض» : باب المضارب يخالف بما فيه زيادة لصاحبه، و (6/ 329) في قسم «الفيء» باب: الإسهام للفرس دون غيره من الدواب، و (9/ 52) في «السير» باب: تفضيل الخيل و (10/ 15) في كتاب «السبق والرمي» باب: ارتباط الخيل عدة في سبيل الله عز وجل، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 274- 275) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 127) ، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (5/ 530) في «السير والجهاد» باب: اتخاذ الخيل للجهاد (2639) من طرق عنه به. وأما حديث ابن عمر، فأخرجه البخاري (6/ 64) في «الجهاد والسير» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2849) ، و (6/ 731) في «المناقب» (3644) ومسلم (3/ 1492- 1493) في

في الحرب وأَنْكَاه في العدو وأَقْربه تناولاً للأرواح، خصّها صلّى الله عليه وسلّم بالذكر والتنبيه عليها.

_ «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (96/ 1871) ، والنسائي (6/ 221- 222) في الخيل: باب فتل ناصية الفرس، وابن ماجه (2/ 923) ، في «الجهاد» باب: ارتباط الخيل في سبيل الله (2787) ، ومالك (2/ 467) في «الجهاد» باب: ما جاء في الخيل والمسابقة (44) ، وأحمد (1/ 101) و (2/ 49، 57) ، والطيالسي في «الجهاد» (1/ 242) برقم: (1186) ، والطحاوي (3/ 273- 274) ، وأبو يعلى (2642) ، والبيهقي (6/ 329) في «الفيء» باب: الإسهام للفرس دون غيره من الدواب، والخطيب في «التاريخ» (12/ 394) ، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (5/ 530) برقم: (2638) من طريق نافع عن ابن عمر رفعه بنحوه. وأما حديث أنس، فأخرجه البخاري (6/ 64) في «الجهاد» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2851) ، (6/ 731) في «المناقب» (3645) ، ومسلم (3/ 1494) في «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (100/ 1874) ، والنسائي (6/ 221) في «الخيل» باب: بركة الخيل، وأحمد (3/ 127، 771) ، وسعيد بن منصور (2/ 199) في «الجهاد» باب: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (2427) ، وأبو يعلى في «مسنده» (4173، 4177) ، والبغوي في «شرح السنة» (5/ 529) برقم: (2637) بتحقيقنا من طريق شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أنس بن مالك يحدث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «البركة في نواصي الخيل» . وأما حديث أبي هريرة، فأخرجه مسلم (2/ 682) في «الزكاة» ، باب: إثم مانع الزكاة (24- 987) ، والترمذي في «الجهاد» باب: ماء جاء في فضل من ارتبط فرسا في سبيل الله (1636) ، وابن ماجه (2/ 923) في «الجهاد» باب: ارتباط الخيل في سبيل الله (2788) ، وأحمد (2/ 101، 262، 383) ، وابن خزيمة (4/ 10، 31) (2252، 2253، 2291) ، وأبو يعلى (2640- 2641) ، وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 261) ، والخطيب في «التاريخ» (5/ 196) ، والبيهقي (4/ 81) في الزكاة، باب ما ورد في الوعيد فيمن كنز مال زكاة ولم يؤد زكاته، من طرق عن أبي هريرة. وأما حديث جرير، فأخرجه مسلم (3/ 1493) في «الإمارة» باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة (97/ 1972) ، والنسائي (6/ 221) في الخيل، باب: فتل ناصية الفرس، وأحمد (4/ 361) ، والطحاوي (3/ 274) ، والبغوي في «شرح السنة» بتحقيقنا (5/ 530) برقم: (2640) من طريق يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة» . وأما حديث أبي كبشة، فأخرجه الطبراني (22/ 339) برقم: (849) ، وابن حبان (1635) - موارد، والطحاوي (2/ 274) ، والحاكم (2/ 91) من طريق ابن وهب: حدثني معاوية بن صالح، حدثني نعيم بن زيادة، أنه سمع أبا كبشة صاحب النبي صلّى الله عليه وسلّم: يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه الزيادة، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «المجمع» (5/ 262) رجاله ثقات. وأما حديث ابن مسعود فهو عند أبي يعلى (5396) ، قال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن علي بن علي حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود قال: جاءه

ت: وفي «صحيح مسلم» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ، وَتَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَو قَدْ عَصَى» «1» ، وفي «سنن أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ» ، عن عُقْبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخلُ بالسَّهْم الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ أَنُفُسٍ الجَنَّة صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، فارموا واركبوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا، كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ، بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهَ بَقْوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ امرأته» «2» . انتهى. ورباطُ الخيل: مصدَرٌ مِنْ رَبَط، ولا يكثُرُ رَبْطُها إِلاَّ وهي كثيرة، ويجوز أن يكون

_ رجل فقال: أسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول في الخيل شيئا؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الخيل معقود ... » فذكره مطولا. وذكره الهيثمي في «المجمع» (5/ 280) وقال: رواه أبو يعلى. وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس. وبقية رجاله ثقات. وأما حديث جابر، فأخرجه أحمد (3/ 352) من طريق إبراهيم بن إسحاق، وعلي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم، حدثني حصين بن حرملة، عن أبي مصبح، عن جابر به. وأخرجه أبو يعلى في «معجم شيوخه» (195) من طريق يحيى بن سعيد الأموي، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرفوعا. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (7/ 2557) من طريق الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا علي بن ثابت عن الوازع، عن أبي سلمة، عن جابر. وذكره الهيثمي في «المجمع» (5/ 261) وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» باختصار، ورجال أحمد ثقات. وقال الحافظ في «الفتح» (6/ 67) : روى حديث «الخيل معقود في نواصيها الخير» جمع من الصحابة غير من تقدم ذكره، وهم: ابن عمر، وعروة، وأنس، وجرير، وممن لم يتقدم سلمة بن نفيل (6/ 214) ، وأبو هريرة عند النسائي، وعتبة بن عبد عند أبي داود (2542) ، وجابر، وأسماء بنت يزيد (6/ 455) ، وأبو ذر (5/ 181) عند أحمد، وابن مسعود عند أبي يعلى، وأبو كبشة عند أبي عوانة، وابن حبان في «صحيحيهما» ، وحذيفة عند البزار، وأبو أمامة، وعريب: - (وهو بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة) - المليكي، والنعمان بين بشير وسهل بن الحنظلية عند الطبراني. وعن علي، عند ابن أبي عاصم في «الجهاد» ... (1) أخرجه مسلم (3/ 1522- 1523) كتاب «الإمارة» باب: فضل الرمي والحث عليه وذم من علمه ثم نسيه، حديث (169/ 1919) ، وابن ماجه (2/ 940- 941) كتاب «الجهاد» باب: الرمي في سبيل الله، حديث (2814) من حديث عقبة بن عامر. (2) أخرجه أبو داود (2/ 16- 17) كتاب «الجهاد» باب: في الرمي، حديث (2513) ، والترمذي (4/ 174) كتاب «فضائل الجهاد» باب: ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، حديث (1637) ، والنسائي (6/ 222- 223) كتاب «الخيل» باب: تأديب الرجل فرسه، حديث (357) ، والحاكم (2/ 95) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (4/ 44- 45) رقم: (4301) من حديث عقبة بن عامر.

مصدراً من رَابَطَ، وإِذا رَبَطَ كلُّ واحد من المؤمنين فرساً لأجل صاحبه، فقد حَصَلَ بينهم رباطٌ، وذلك الذي حضَّ عليه في الآية، وقد قال عليه السلام: «مَنْ ارتبط فَرَساً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لاَ يَقْبِضُهَا» «1» ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ. ت: وقد ذكرنا بعْضَ ما وردَ في فَضْلِ الرباط في آخر «آل عمران» قال صاحبُ «التذكرة» «2» : وعن عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهِا» «3» ، وعن أبي بن كعب، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وَقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان- أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا- أراه قال: من عِبَادَةِ أَلْفِيْ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا- فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سالِماً، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَلْفَ سَنَةٍ، ويُكْتَبُ لَهُ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَجْرِي لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» «4» ، قال القرطبيُّ» في «تذكرته» : فدلَّ هذا الحديثُ على أن رباط يومٍ في رمضانَ يحصِّل له هذا الثوابَ الدائمَ، وإِنْ لم يَمُتْ مرابطاً. خرَّج هذا الحديث، والذي قبله ابنُ ماجه. انتهى من «التذكرة» . وتُرْهِبُونَ: معناه: تخوّفون وتفزّعون، والرهبة: الخوف: وقوله:

_ (1) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 196) وعزاه لابن سعد. [.....] (2) ينظر: «التذكرة» (1/ 209) . (3) أخرجه ابن ماجه (2/ 924) كتاب «الجهاد» باب: فضل الرباط في سبيل الله، حديث (2766) من طريق عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، عن عثمان بن عفان به. وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 390) : هذا إسناد ضعيف عبد الرحمن بن زيد ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي. وقال الحاكم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه. قال المنذري في «الترغيب» (2/ 203) : وآثار الوضع ظاهرة عليه اه. وقال البوصيري في «الزوائد» (2/ 392- 393) : هذا إسناد ضعيف، لضعف محمد بن يعلى وشيخه عمر بن صبيح، ومكحول لم يدرك أبي بن كعب، ومع ذلك فهو مدلس. (4) أخرجه ابن ماجه (2/ 924- 925) كتاب «الجهاد» باب: فضل الرباط في سبيل الله، حديث (2768) من طريق محمد بن يعلى السلمي، ثنا عمر بن صبيح، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي بن كعب مرفوعا. (5) ينظر: «التذكرة» (1/ 209) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 61 إلى 63]

وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ، فيه أقوال: قيل: هم المنافِقُونَ، وقيل: فَارس، وقيل: غير هذا. قال ع «1» : ويحسُنُ أن يقدَّر قوله: لاَ تَعْلَمُونَهُمُ، بمعنى: لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ. وقال ص: لا تعلمُونَهُمْ بمعنى: لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى اثنين، قدَّره: محاربين، واستُبْعِدَ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيز جدّا عند بعضهم انتهى. [سورة الأنفال (8) : الآيات 61 الى 63] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) وقوله سبحانه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثاً إِذ «السَّلْم» بمعنى المسالمة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ. وقوله سبحانه: وَإِنْ يُرِيدُوا/ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ... الآية: الضمير في قوله: «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم: وَإِنْ جَنَحُوا، أي: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، أي: كافيك ومعطيك نصره، وأَيَّدَكَ: معناه: قوَّاك وَبِالْمُؤْمِنِينَ، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين. وقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ... الآية: إشارة إلى العداوة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ. قال ع «2» : ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود: نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في الله «3» .

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 547) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 548) . (3) أخرجه الطبري في «تفسيره» (6/ 281) برقم: (16275) ، وابن كثير (2/ 323) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 361) ، وزاد نسبته إلى ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في كتاب «الإخوان» ، والنسائي، والبزار، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، والحاكم، وصححه.

وقال مجاهد: إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ «1» : إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له: لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، قال عَبْدَةُ: فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني «2» . قال ع «3» : وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ» «4» . قال ع «5» : والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ. ت: وفي «صحيح البخاريِّ» : «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ائتلف، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اختلف» «6» . انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ» ، عن أبي هريرة قال: قَالَ

_ (1) عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغاضري بمعجمتين مولاهم أبو القاسم البزّاز الكوفي الفقيه نزيل دمشق. عن عمر في مسلم مرسلا وابن عمر وعبد الله بن عمرو وجماعة، وعنه حبيب بن أبي ثابت والأعمش وابن جريج والسفيانان، وثقه أبو حاتم. قال الأوزاعي: لم يقدم علينا أفضل منه. قال ابن عيينة: جالسته سنة ثلاث وعشرين ومائة. ينظر: «الخلاصة» (2/ 189) ، «طبقات خليفة» (160) ، «التاريخ الكبير» (6/ 114) ، و «تهذيب التهذيب» (6/ 461) . (2) أخرجه الطبري (6/ 280) برقم: (16274) ، وذكره ابن عطية (2/ 548) ، وابن كثير (2/ 323) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 548) . (4) أخرجه أحمد (5/ 335) ، والطبراني في «الكبير» (6/ 131) رقم: (5744) ، والخطيب (11/ 376) من طريق مصعب بن ثابت، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي به. وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 90) وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات اه. وذكره أيضا في (10/ 276) وقال: وإسناده جيد. (5) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 549) . (6) أخرجه مسلم (4/ 2031) في البر والصلة، باب: الأرواح جنود مجنّدة، (159/ 2638) ، وأحمد (2/ 295، 527) ، والخطيب في «التاريخ» (3/ 329) (4/ 352) من طريق سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به. وكذا أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (908) . وأخرجه أبو داود (2/ 675) في «الأدب» باب: من يؤمر أن يجالس (4834) ، وأحمد (2/ 539) من طريق جعفر بن يرقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة به. وأخرجه البغوي في «شرح السنة» (6/ 460) برقم: (3365) بتحقيقنا من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ويشهد له حديث عائشة، رواه البخاري في «الأدب المفرد» (906- 907) ، وأبو يعلى (4381) ،

[سورة الأنفال (8) : الآيات 64 إلى 66]

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي» «1» . قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد» : ورُوينا عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قال: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الوِلاَيَةُ في اللَّهِ: الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ» «2» ، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أيضاً «3» ، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، قال: نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه «4» قال أبو عمر: وأما قوله: الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد- واللَّه أعلم- في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ كما قال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات: 41] ، يعني: بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم. انتهى. [سورة الأنفال (8) : الآيات 64 الى 66] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)

_ والقضاعي في «مسند الشهاب» (274) عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة مرفوعا به. وعلقه البخاري (6/ 426) في أحاديث الأنبياء، باب: الأرواح جنود مجنّدة (3336) . بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 91) : رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. ويشهد له حديث علي رواه أبو نعيم في «الحلية» (4/ 110- 111) عن الأعمش، عن أبي وائل عنه وقال: غريب من حديث الأعمش لم نكتبه إلا بهذا الإسناد. وأخرجه العقيلي (1/ 135) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عنه به. وقال العقيلي: هذا الحديث يعرف من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي موقوف، كما يشهد له حديث سلمان. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (1/ 198) ، وينظر: «مجمع الزوائد» (8/ 91) وحديث ابن عباس رواه السهمي في «تاريخ جرجان» ص: (244) ، وحديث ابن مسعود رواه الطبراني في «الكبير» (10/ 283) برقم: (10557) وفيه عن عبد الله بن مسعود أو غيره. [.....] (1) أخرجه مالك (2/ 952) كتاب «الشعر» باب: ما جاء في المتحابين في الله، حديث (13) ، ومسلم (4/ 1988) كتاب «البر والصلة» باب: فضل الحب في الله، حديث (37/ 2566) وأحمد (2/ 237، 535) ، والطيالسي (2335) ، والدارمي (2/ 312) ، وابن حبان (2/ 334) رقم: (574) من حديث أبي هريرة. (2) أخرجه الطيالسي (378) ، والحاكم (2/ 480) من طريق الصعق بن حزن، عن عقيل الجعد، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي فقال: ليس بصحيح، فإن الصعق وإن كان موثقا فإن شيخه منكر الحديث. قاله البخاري. (3) أخرجه أحمد (4/ 286) من حديث البراء بن عازب. (4) تقدم.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قال النَّقَّاش: نزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء «1» في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس: أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج. وقيل: إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ. قاله ابن عمر، وأنس فهي على هذا مكِّيَّة: و «حسبك» في كلام العرب، وشرعك: بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب: الكافي، قالت فرقة: معنى الآية: يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ اتبعك، ف «مَنْ» في موضع رفع. وقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد: معنى الآية: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، ف «مَنْ» في موضع نَصْب عطفاً على موضع الكاف لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى ب «يكفيك» التي سدَّتْ «حَسْبُكَ» مسدَّها. قال ص: ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى. وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ... الآية: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ ... إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط لأن قوله: إِنْ يَكُنْ/ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ، بمنزلة أنْ يقال: إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر: وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقاً بقوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلاً لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يقدرون على إذاءته انتهى، وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضاً على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حطّ الله

_ (1) البيداء: اسم الأرض بين مكة، والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، تعدّ من الشرف أمام ذي الحليفة. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 239) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 67 إلى 69]

الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ «1» ، وقوله: لاَّ يَفْقَهُونَ: معناه: لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدماً لا محالة. وقوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ بأنه يغلب. [سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 69] مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) وقوله سبحانه: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ... الآية: قال ع «2» : هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه عليه السلام والمعنى: ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم ب تُرِيدُونَ والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر باستبقاء الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد صلّى الله عليه وسلّم قَطُّ عَرَضَ الدنيا، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحرب، وجاء ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الآية مشيراً إِلى دخوله عليه السلام في العَتْبِ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ معاذ، ولكنّه صلّى الله عليه وسلّم شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأخذ الفدْيَةِ، حين استشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ: هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا، أي: مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد: ما أُخِذَ من الأسرى من الأموال، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، أيْ: عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره أن رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال للنّاس: «إن

_ (1) اتفق الأصوليون على جواز نسخ الحكم بأخف أو مساو. واختلفوا في جوازه بأثقل. فالجمهور ذهب إلى جوازه عقلا ووقوعه شرعا ومنع ذلك طائفة منهم الإمام الشافعي رضي الله عنه مفترقين إلى فرقتين. فرقة منعت جوازه عقلا ووقوعه شرعا، وفرقة منعت وقوعه شرعا فقط. ينظر: «المعتمد» (1/ 416) «المحصول» (766) (1/ 3/ 480) «المستصفى» (1/ 120) «التبصرة» » (258) ، «شرح الكوكب» (3/ 550) «العدة» (3/ 785) «الإحكام للآمدي» (3/ 126) «ميزان الأصول» (2/ 1000) «كشف الأسرار» (3/ 187) «التلويح» (2/ 36) «فتح الغفار» (2/ 134) «إرشاد الفحول» (188) «الإبهاج» (2/ 238) . (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (2/ 551) .

شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ على عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ، فَقَالُوا: نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا» «1» ، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ «2» بسنده أَنَّ جبريلَ نَزَلَ على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا رضي اللَّه عنهم، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى: لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضاً في هذه الآيات تحليلَ/ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ استبقاء الرِّجَال لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها: إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها، وقوله سبحانه: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ... الآية: قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم: الكِتَابُ: هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره: الكتابُ السابق: مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل: الكتاب السابقُ: هو ألاَّ يعذب اللَّه أحداً بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه «3» الطبريُّ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكام القُرآن» : وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمة في الإسلام حين أرسل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش «4» . انتهى، ورُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب» «5» ، وفي حديث آخر: «وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» وذلك أن رأيهما كان

_ (1) ذكره الطبري في «تفسيره» (6/ 292) . (2) عبد بن حميد بن نصر الكشّي أبو محمد الحافظ مؤلف «المسند والتفسير» عن علي بن عاصم، ومحمد بن بشر العبدي، وعبد الرزاق، والنضر بن شميل، وخلائق، وعنه مسلم، والترمذي وخلق. قال البخاري وقال عبد الحميد: أنبأنا عثمان بن عمر فذكر حديثا، قيل: عبد الحميد هو عبد بن حميد، قلت: روى الحديث مسلم، عن عبد بن حميد. قال ابن حبان: مات سنة تسع وأربعين ومائتين. قاله في «الخلاصة» (2/ 188) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 288- 289- 290) . (4) عبد الله بن جحش الأسدي بن رياب- براء تحتانية وآخره موحدة- ابن يعمر الأسدي: حليف بني عبد شمس، أحد السابقين. قال ابن حبان: له صحبة، وقال ابن إسحاق: هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرا، ودفن هو وحمزة في قبر واحد، وكان له يوم قتل نيف وأربعون سنة. ينظر: «الإصابة» (4/ 31، 33) ، «أسد الغابة» (2858) بتحقيقنا، «الثقات» (3/ 237) ، «صفوة الصفوة» (1/ 385) ، «حلية الأولياء» (1/ 108- 109) . (5) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 203) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.

[سورة الأنفال (8) : الآيات 70 إلى 71]

أنْ تُقْتَلَ الأَسْرَى، وقوله سبحانه: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ... الآية: نصٌّ عَلَى إِباحة المال الذي أُخِذَ من الأسْرَى، وإِلحاقٌ له بالغنيمة التي كان تقدّم تحليها. [سورة الأنفال (8) : الآيات 70 الى 71] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، روي أنّ الأسرى ببدر أعلموا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّ لهم مَيْلاً إِلى الإِسلام، وأنهم إِنْ رجعوا إِلى قومهم، سَعَوْا في جلبهم إِلى الإِسلام، قال ابن عَبَّاس: الأَسْرَى في هذه الآية: عبّاس وأصحابه «1» ، قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: آمنا بما جئْتَ به، ونشهد إِنك لَرَسُولُ اللَّه، ولَنَنْصَحَنَّ لك علَى قومنا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، ومعنى الكلام: إِن كان هذا عَنْ جِدٍّ منكم، وَعَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَنفسكم الخَيْرَ والإِسلام، فإِنه سيجبر عليكم أَفْضَلَ مما أَعطيتم فديةً، ويغفرْ لكم جميعَ ما اجترمتموه، وروي أنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي اللَّه عنه قال: فيَّ وفي أصْحَابِي نَزَلَتْ هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِنْ مالِ البَحْرَيْنِ ما قَدِّرَ أنْ يقول: هذا خَيْرٌ ممَّا أُخِذَ مِنِّي، وأنا بَعْدُ أَرجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهِ «2» لِي، وروي عنه أنه قال: ما أَوَدُّ أَنَّ هذه الآية لَمْ تَنْزِلْ «3» ، ولي الدنيا بأجمعها وذلك أن اللَّه تعالى قد أتاني خَيْراً مما أُخِذَ مني، وأنا أرجو أَنْ يَغْفِرَ لي، وقوله: فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي: بالكُفْر، فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ أي: بأن جعلهم أسْرَى، وَاللَّهُ عَلِيمٌ فيما يبطنونه، حَكِيمٌ فيما يجازيهم به. [سورة الأنفال (8) : آية 72] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 292) برقم: (16340) ، وذكره ابن عطية (2/ 554) ، والبغوي (2/ 263) ولم يعزه لأحد، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 369) ، وزاد نسبته لأبي نعيم في «الدلائل» . (2) أخرجه ابن جرير (6/ 292) برقم: (16338) نحوه، وذكره ابن عطية (2/ 555) ، والبغوي (2/ 263) نحوه، والسيوطي (3/ 370) بنحوه، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في «الدلائل» ، وابن عساكر. [.....] (3) ذكره ابن عطية (2/ 555) .

[سورة الأنفال (8) : الآيات 73 إلى 75]

وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، مَقْصِدُ هذه الآية وما بعدها: تبيينُ منازل المهاجرين والأنصار، والمؤمنين الذين لم يُهَاجِرُوا، وذكر المهاجرين بَعْد الحديبية، فقدَّم أوَّلاً ذِكْرَ المهاجرين، وهُمْ أصل الإِسلام، وتأمَّل تقديمَ عُمَرَ لهم في الاستشارةِ، وَهَاجَرَ: معناه/: هَجَرَ أهله وقرابته، وهَجَرُوهُ، وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا: هم الأنصارُ، فحكَمَ سبحانه على هاتَيْنِ الطائفتين بأن بَعْضَهُم أولياءُ بَعْضٍ، فقال كثيرٌ من المفسِّرين: هذه الموالاةُ: هي المؤازرة، والمعاونة، واتصال الأيدي، وعليه فَسَّر الطبريُّ الآية، وهذا الذي قالوه لازم من دلالة لفظ الآية، وقال ابن عبَّاسٍ وغيره: هذه الموالاةُ هي في المواريث «1» وذلك أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم آخَى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجريُّ إذا ماتَ، ولم يكُنْ له بالمدينةِ وليٌّ مهاجريٌّ، ورثه أخوه الأنْصَارِيُّ، وكان المسلم الذي لم يُهَاجِرْ لا ولايَةَ بينه، وبَيْنَ قريبه المهاجريِّ، ولا يرثه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ ... الآية [الأنفال: 75] وعلى التأويلين، ففي الآية حضٌّ على الهجرة، قال أبو عُبَيْدَة: الوِلاَيَةُ- بالكسر- من وَليتُ الأَمْرَ إِليه، فهي في السلطان، وبالفَتْحِ هي من المَوْلَى يقال: مَوْلَى بَيِّنَ الوَلاَيَةِ- بفتح الواو-. وقوله سبحانه: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ، يعني: إِن استدعى هؤلاء- المؤمنون الذين لم يُهَاجِروا نَصْرَكُمْ- فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فلا تنصروهم عليهم لأنّ ذلك غدر ونقض للميثاق. [سورة الأنفال (8) : الآيات 73 الى 75] وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وذلك يجمع الموارثَةَ والمعاوَنَةَ والنُّصْرة، وهذه العبارةُ تحريضٌ وإِقامةٌ لنفوس المؤمنين كما تقولُ لمن تريدُ تحريضَهُ: عَدُوُّكَ مُجْتَهِدٌ أي: فاجتهد أَنْتَ، وحكى الطبريُّ في تفسير هذه الآية «2» ، عن

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 294) برقم: (16345) ، وابن عطية (2/ 555) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 464) ، وابن كثير (2/ 328) نحوه، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 371) نحوه، وزاد نسبته إلى ابن مردويه. (2) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 297) .

قتادة أنه قال: أبَى اللَّهُ أَن يقبل إِيمانَ مَنْ آمن ولم يُهَاجرْ، وذلك في صدر الإسلام، وفيهم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَقَامَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ لاَ تَتَرَاءَى نَارُهُمَا» » الحديثَ على اختلاف ألفاظه، وقول قتادة، إِنما هو فيمن كان يُقيمُ متربِّصاً يقول: مَنْ غَلَبَ، كُنْتُ معه وكذلِكَ ذُكِرَ في كتاب «2» «الطَّبريِّ» ، وغيره، والضميرُ في قوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ، قيل: هو عائدٌ على المُؤازرة والمعاونة، ويحتملُ على الميثاق المذكور، ويحتملُ على النَّصْر للمسلمين المستَنْصِرِينَ، ويحتمل على الموارثَة والتزامها، ويجوز أَن يعود مجملاً على جميعِ ما ذُكِرَ، والفتْنَةُ: المِحْنَة بالحَرْب وما انجر معها من الغارَاتِ، والجلاءِ، والأسر، والفسادُ الكَبيرُ: ظُهُورُ الشِّرْك. وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، تضمَّنت الآيةُ تخصيصَ المهاجرين والأنصار، وتشريفَهم بهذا الوَصْف العظيمِ. ت: وهي مع ذلك عند التأمُّل يلوح منها تأويل قتادَةَ المتقدِّم، فتأمَّله، والرزْقُ الكريمُ: هو طعام الجنَّة كذا ذكر الطبريُّ وغيره «3» . قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «4» : وإِذا كان الإِيمان في القَلْب حقًّا، ظهر ذلك في

_ (1) أخرجه أبو داود (2/ 52) كتاب «الجهاد» باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، حديث (2645) ، والترمذي (4/ 132- 133) كتاب «السير» باب: ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، حديث (1604) ، والطبراني في «الكبير» (2/ 303) رقم: (2264) ، والبيهقي (8/ 131) كتاب «القسامة» باب: ما جاء في وجوب الكفارة في أنواع قتل الخطأ، من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير به. وقد أعله أبو داود بالإرسال فقال: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريرا. وقد أخرجه مرسلا الترمذي (4/ 133) كتاب «السير» باب: ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين، حديث (1605) ، والنسائي (8/ 36) كتاب «القسامة» باب: القود بغير حديدة، والبيهقي (8/ 130) كتاب «القسامة» ، كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم مرسلا. وقال الترمذي: وهذا أصحّ وأكثر أصحاب إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث سرية ولم يذكروا فيه عن جرير، ورواه حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس عن جرير مثل حديث أبي معاوية. قال: وسمعت محمدا يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم اه. (2) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 298) . (3) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 299) . (4) ينظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (2/ 889) .

استقامة الأعمال بامتثال الأمر واجتناب المَنْهِيِّ عنه، وإِذا كان مجازاً، قَصَّرت الجوارحُ في الأعمال إذ لم تبلغ قوَّتُهُ إليها. انتهى. وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ: قوله: «من بعد» ، يريدُ به مِنْ بَعْدِ الحُدَيْبِيَةِ وذلك أن الهجرة مِنْ بعدِ ذلك كانَتْ أقلَّ رتبةً من الهجرة قبل ذلك، وكان يقال لها الهِجْرَةُ الثانية، وَجاهَدُوا مَعَكُمْ: لفظٌ يقتضي/ أنهم تَبَعٌ لا صَدْرٌ. وقوله سبحانه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، قالَ مَنْ تقدَّم ذكره: هذه في المواريثِ، وهي ناسخةٌ للحُكْم المتقدِّم ذكْرُهُ. وقالتْ فرقة، منها مالك: إن الآية لَيْسَتْ في المواريث، وهذا فَرارٌ من توريثِ الخَالِ والعَمَّة ونحو ذلك. وقالَتْ فرقة: هي في المواريث، إِلا أنها نُسِخَتْ بآية المواريث المبيّنة، وقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ: معناه: القرآن، أي: ذلك مُثْبَتٌ في كتاب اللَّه. وقيل: في اللَّوْحِ المحفوظِ. كَمَلَ تفسيرُ السُّورة، والحَمْدُ للَّهِ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

تفسير سورة التوبة

تفسير سورة التوبة وهي مدنية إلا آيتين قوله سبحانه: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... [التوبة: 128] إلى آخرها وتسمّى «سورة التّوبة» قاله حذيفة وغيره، وتسمّى «الفاضحة» قاله ابن عباس، وقال: ما زال ينزل: ومنهم، ومنهم حتّى ظنّ أنه لا يبقى أحد، وهي من آخر ما أنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم. قال عليّ رضي الله عنه لابن عبّاس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أمان وبشارة، وبراءة نزلت بالسّيف ونبذ العهود فلذلك لم تبدأ بالأمان «1» . [سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 2] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) قوله عز وجل: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، التقدير: هذه الآيات براءَةٌ، ويصحُّ أن يرتفع «براءَةٌ» بالابتداء، والخَبَرُ في قوله: إِلَى الَّذِينَ. وبَراءَةٌ معناه: تَخَلَّصٌ وتَبَرٍّ من العهود التي بَيْنَكم، وبَيْنَ الكفَّار البادئين بالنَّقْض. قال ابن العَرَبِّي في «أحكامه» «2» : تقول: بَرَأْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً، فأنا مِنْه بَرِيءٌ إِذا أنزلْتَهُ عن نَفْسكَ، وقطَعْتَ سبَبَ ما بينك وبَيْنه. انتهى. ومعنى السياحة في الأرض: الذَّهَاب فيها مسرحين آمنين كالسَّيْح من الماء، وهو الجاري المنبسطُ قال الضَّحَّاك، وغيره من العلماء: كان من العرب مَنْ لا عَهْدَ بينه وبَيْن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم جملةً، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ، وتحُسسَ منهم نَقْضٌ، وكان منهم مَنْ بينه وبينهم عهدٌ ولم ينقضوا، فقوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ هو أَجَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهِ

_ (1) ذكره ابن عطية (3/ 3) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 377) ، وزاد نسبته إلى أبي الشيخ، وابن مردويه. (2) ينظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (2/ 893) .

[سورة التوبة (9) : الآيات 3 إلى 4]

لِمَنْ كان بينه وبينهم عهد، وتحسَّس منهم نقْضَهُ، وأول هذا الأجَلِ يومُ الأذان، وَآخره انقضاء العَشْر الأُوَل مِنْ رَبيعٍ الآخِرِ، وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 5] حُكْمٌ مباينٌ للأوَّل، حَكَمَ به في المشركين الذي لا عَهْدَ لهم ألبتة، فجاء أَجَلُ تأمينهم خمسين يوماً، أوَّلها يومُ الأذانِ، وآخرها انقضاء المُحَرَّم. وقوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ، يريد به الذين لَهُمْ عهدٌ، ولم ينقضوا، ولا تُحُسِّسِ منهم نَقْضٌ، وهم فيما روي بَنُو ضَمْرَةَ من كِنَانَة، كان بَقِيَ مِنْ عهدهم يوم الأذان تسعة أشهر. وقوله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ، أي: لا تفلتون الله، ولا تعجزونه هربا. [سورة التوبة (9) : الآيات 3 الى 4] وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية: أي: إعلام، ويَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ قال عمر وغيره: هو يَوْمُ عَرَفَة «1» ، وقال أبو هريرة وجماعة: هو يوم النَّحْر «2» ، وتظاهرتِ الرواياتُ/ أن عليًّا أَذَّنَ بهذه الآياتِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِثْرَ خُطْبة أبي بَكْر، ثم رأَى أَنه لم يعمَّ الناس بالاستماع، فتتبَّعهم بالأذانِ بها يوم النَّحْر «3» ، وفي ذلك اليَوْمِ بَعثَ أبو بَكْرٍ مَنْ يعينه في الأذَانِ بها كَأَبِي هُرَيْرَة «4» وغيره، وتتَّبعوا بها أيضاً أسْوَاقَ العَرَب، كَذِي المَجَازِ وغيره وهذا هو سبب الخلاف، فقالتْ طائفةٌ: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَر: عرفَةُ حيث وقع أَوَّلُ الأذان. وقالتْ أُخْرَى: هو يومُ النَّحْرِ حيث وقع إِكمال الأذَان. وقال سفيان بن عُيَيْنَة: المراد باليَوْمِ أيامُ الحجِّ كلُّها كما تقول: يَوْمُ صفِّينَ، ويوم

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 310) رقم: (16400) ، وذكره ابن عطية (3/ 5) ، والبغوي (2/ 286) رقم: (3) . (2) ذكره ابن عطية (3/ 5) . (3) أخرجه الطبري (6/ 304) رقم: (16376) ، وذكره ابن عطية (3/ 5) . (4) أخرجه الطبري (6/ 305- 306) برقم: (16383- 16384) نحوه، وذكره ابن عطية (3/ 5) .

الجَمَلِ ويتجه أن يوصَفُ ب «الأَكبر» علَى جهة المدحِ، لا بالإِضافة إِلَى أصْغِرَ معيَّنٍ، بل يكون المعنى: الأكبر مِنْ سائر الأيام، فتأمَّله. واختصار ما تحتاجُ إِلَيْهِ هذه الآيةُ على ما ذكَرَ مجاهد وغيره مِنْ صورة تلك الحال: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم افتتح مكَّة سنةَ ثمانٍ، فاستعمل عليها عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وقضى أَمْرَ حُنَيْنٍ والطائِفِ، وانصرف إِلى المدينة، فأقام بها حتَّى خرج إِلى تَبُوكَ، ثم انصرفَ مِنْ تَبُوكَ في رَمَضَانَ سَنَةَ تسْعٍ، فأَراد الحَجَّ، ثم نظر في أَنَّ المشرِكِينِ يَحُجُّون في تلْكَ السَّنَة، ويَطُوفون عُرَاةً، فقال: لا أريدُ أنْ أَرَى ذلك، فأمر أبابكر على الحَجِّ بالناس، وأنفَذَهُ، ثم أَتْبَعَهُ عليَّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه علَى ناقتِهِ العَضْبَاءِ، وأمره أنْ يؤذِّن في النَّاس بأربعين آيةً: صَدْرُ سورةِ «بَرَاءَة» ، وقيل: ثَلاَثِينَ، وقيل: عشرين، وفي بعض الروايات: عَشْر آيات، وفي بعضها: تسع آيات، وأمره أن يُؤْذِنَ الناسَ بأربعةِ أشياء، وهي: أَلاَّ يحجَّ بعد العام مُشْرِكٌ، ولا يدخُلَ الجَنَّة إِلا نَفْسٌ مؤمنةٌ، وفي بعض الروايات: ولا يَدْخُلَ الجَنَّةَ كَافرٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كان له عنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عهْدٌ، فهو إِلى مدَّته، وفي بعض الروايات: ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه عَهْدٌ، فأجله أربعةُ أَشهُرٍ يسيحُ فيها، فإِذا انقضت، فإِن اللَّه بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولَهِ. قال ع «1» : وأقول: إنهم كانوا ينادُونَ بهذا كلِّه، فأربعةُ أشهر للذين لهم عَهْدٌ وتُحُسِّسَ منهم نقضُهُ، والإِبقاء إِلى المدَّة لمن لم يخبر منه نقضٌ، وذكر الطبريُّ أن العرب قالت يومئذٍ: نَحْنُ نَبرأُ مِنْ عهدك، ثم لام بعضُهُمْ بعضاً، وقالوا: ما تَصْنَعُونَ، وقد أسلَمَتْ قريشٌ؟ فأسلموا كلُّهم، ولم يَسِحْ أحد. قال ع «2» : وحينئذٍ دخل الناس في دين اللَّه أفواجاً. وقوله سبحانه: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي: ورسولُهُ بريءٌ منهم. وقوله: فَإِنْ تُبْتُمْ، أي: عن الكُفْر. وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، هذا هو الاستثناءُ الذي تقدَّم ذكْره، وقرأ عكرمة وغيره: «ينقضوكم» «3» - بالضاد المعجمة-، ويُظاهِرُوا: معناه: يعاونوا،

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 6) . [.....] (2) ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 6) . (3) ذكره ابن عطية (3/ 7) .

[سورة التوبة (9) : الآيات 5 إلى 7]

والظَّهيرُ: المُعِينُ. وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: تنبيهٌ على أنَّ الوفاء بالعَهْد من التقوَى. [سورة التوبة (9) : الآيات 5 الى 7] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) وقوله سبحانه: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ: الانسلاخ: خروجُ الشيء عن الشيء المتلبِّس به كانسلاخ الشاة عن الجِلْدِ، فشبه انصرام الأشهر بذلك. وقوله سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... الآية: قال ابن زَيْد: هذه الآية، وقوله سبحانه: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: 4] : هما مُحْكَمَتان أي: ليستْ إِحداهما بناسخةٍ للأخرى. قال ع «1» : هذا هو الصواب. وقوله: وَخُذُوهُمْ معناه: الأسْر. وقوله: كُلَّ مَرْصَدٍ: معناه: مواضع الغرَّة حيث يرصدون ونصب «كُلَّ» على الظرف أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كلّ مرصد. وقوله: فَإِنْ تابُوا، أي: عن الكُفْر. وقوله سبحانه: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ، أي: جَلَبَ منك عهداً وجواراً/ يأمن به، حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، يعني القُرْآن، والمعنى: يفهم أحكامه، قال الحسن: وهذه آية محكمة وذلك سُنَّة إِلى يوم القيامة «2» . وقوله سبحانه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... الآية: قال ابنُ إسحاق: هي قبائلُ بني بَكْر كانوا دخلوا وقْتَ الحديبية في العهد، فأُمِرَ المسلمون بإِتمام العَهْدِ لمن لم يكُنْ نَقَضَ منهم.

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 8) . (2) ذكره ابن عطية (3/ 5) .

[سورة التوبة (9) : الآيات 8 إلى 11]

[سورة التوبة (9) : الآيات 8 الى 11] كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وقوله سبحانه: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ... الآية: في الكلام حذْفٌ، تقديره: كيف يكون لهم عهد ونحوه، وفي «كيف» هنا تأكيدٌ لِلاستبعادِ الذي في الأولى، ولا يَرْقُبُوا معناه: لا يُرَاعُوا، ولا يَحْفَظُوا، وقرأ الجمهور «1» : إِلًّا، وهو اللَّه عزَّ وجلَّ قاله مجاهد، وأبو مِجْلِزٍ، وهو اسمه بالسُّرْيانية «2» ، وعُرِّب، ويجوز أن يراد به العَهْدُ، والعَرَبُ تقول للعهد والحِلْف والجِوَارِ ونحوِ هذه المعاني: «إِلاًّ» ، والذّمة أيضا: بمعنى الحلف والجوار ونحوه. [سورة التوبة (9) : الآيات 12 الى 13] وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) وقوله سبحانه: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ... الآية، ويليق هنا ذكْرُ شيء مِنْ حُكْمٍ طعن الذميِّ في الدِّين، والمشهورُ من مذْهَب مالِكٍ: أنه إِذا فعل شيئاً من ذلك مِثْلُ تكذيبِ الشريعة، وسبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قُتِلَ. وقوله سبحانه: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ، أي: رؤوسهم وأعيانهم الذين يقودُونَ الناس إِليه، وأصوبُ ما يقال في هذه الآية: أنه لا يُعْنَى بها معيَّنٌ وإِنما وَقَعَ الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكَفَرةِ إِلَى يوم القيامة، واقتضت حالُ كفَّار العرب ومحارِبي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أَن تكون الإِشارة إِليهم أَولاً، ثم كُلُّ مَنْ دَفَعَ في صدر الشريعة إِلى يوم القيامة فهو بمنزلتهم. وقرأ الجمهور «3» : «لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ» (جَمْع يمين) ، أي: لا أيمان لهم يُوفَى بها وتُبَرُّ، وهذا المعنَى يشبه الآيةَ، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة: «لا إيمان لهم» ، وهذا يحتمل وجهين:

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 10) . (2) ذكره ابن عطية (3/ 10) . (3) ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 12) ، و «البحر المحيط» (5/ 17) .

[سورة التوبة (9) : الآيات 14 إلى 15]

أحدهما: لا تصديقَ لهم، قال أبو عَليٍّ: وهذا غَيْرُ قويٍّ لأنه تكريرٌ، وذلك أنه وَصَفَ أَئمَّة الكُفْرِ بأنهم لا إِيمان لهم، والوجْه في كَسْر الألفِ أَنَّه مصْدَرٌ من آمَنْتُهُ إِيماناً ومنه قوله تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 4] فالمعنى: أنهم لاَ يُؤَمَّنُونَ كما يُؤَمَّنُ أَهْلُ الذمَّة الكتابيُّون إِذ المشركون ليس لهم إِلا الإِسلام أو السَّيْفَ، قال أبو حاتمْ: فَسَّر الحَسَنُ قراءته: لا إِسلام لهم. قال ع «1» : والتكريرُ الذي فَرَّ أبو عَلِيٍّ منه متَّجِهٌ، لأنه بيانُ المهمِّ الذي يوجبُ قتلهم. وقوله عز وجل: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ... الآية «ألا» : عَرْضٌ وتحضيضٌ، قال الحسن: والمراد بِإِخْراجِ الرَّسُولِ: إخراجُه من المدينة، وهذا مستقيمٌ كغزوة أُحُدٍ والأحزاب «2» . وقال السديُّ: المرادُ مِنْ مَكَّة «3» . وقوله سبحانه: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قيل: يراد أفعالهم بمكَّة بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وبالمؤمنين. وقال مجاهدٌ: يراد به ما بَدَأَتْ به قريشٌ مِنْ معونة بني بَكْر حلفائِهِمْ، على خزاعة حلفاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكان هذا بَدْءَ النقْض «4» . وقال الطبريُّ «5» : يعني فعْلَهم يَوْمَ بدر. قال الفَخْر «6» : قال ابن إِسحاق والسُّدِّيُّ والكَلَبِيُّ: نزلَتْ هذه الآية في كفَّار مَكَّة نكثوا أيمانهم بعد عَهْدِ الحديبية، وأعانوا بني بَكْر عَلَى خُزَاعة «7» . انتهى. وقوله سبحانه: أَتَخْشَوْنَهُمْ: استفهام على معنى التقرير والتوبيخ، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي: كاملي الإيمان. [سورة التوبة (9) : الآيات 14 الى 15] قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

_ (1) ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 12) . (2) ذكره ابن عطية (3/ 13) . (3) ذكره ابن عطية (3/ 13) . (4) ذكره ابن عطية (3/ 13) . (5) ينظر: «تفسير الطبري» (6/ 331) . (6) ينظر: «تفسير الرازي» (15/ 187) . (7) أخرجه الطبري (6/ 331) برقم: (16553) ، وذكره ابن عطية (3/ 13) بنحوه. [.....]

وقوله سبحانه: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، قرّرت الآياتُ قبلها أفعالَ الكَفَرة، ثم حضَّ على القتال مقترناً بذنوبهم لتنبعث الحميَّة مع ذلك، ثم جزم الأمْرَ بقتالِهِمْ في هذه الآيةَ مقترناً بوَعْدٍ وكِيدٍ يتضمَّن النصْرَ عَلَيْهِم، والظَّفَرَ بهم. وقوله سبحانه: يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ، معناه: بالقتل والأسر، ووَ يُخْزِهِمْ، معناه: يذلَّهم علَى ذنوبهم، يقال: خَزِيَ الرجُلُ يَخْزَى خَزْياً، إِذا ذَلَّ من حيثُ وَقَعَ في عَارٍ، وأَخْزَاهُ غيره، وخزي يخزي خزاية/ إذا استحى، وأما قوله تعالى: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، فيحتمل أنْ يريد جماعةَ المؤمنين، لأن كلَّ ما يهدُّ من الكُفْرِ هو شفاءٌ مِنْ هَمِّ صدور المؤمنين، ويحتمل أنْ يريد تخصيصَ قومٍ من المؤمنين، وروي أنهم خُزَاعَةْ قاله مجاهدٌ والسُّدِّيُّ «1» ، ووجْه تخصيصهم أنهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان يومئذٍ في خُزَاعَةَ مؤمنون كثير ويقتضي ذلك قول الخزاعيّ المستنصر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: [الرجز] ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا وفي آخر الرجز: وقتّلونا ركّعا وسجّدا «2»

_ (1) أخرجه الطبري (6/ 332) برقم: (16554- 16557- 16558- 16559) ، وذكره ابن عطية (3/ 13) ، والبغوي (2/ 273) رقم: (14) ، وابن كثير (2/ 339) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 389) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (2) والأبيات: يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا كنت لنا أبا وكنّا ولدا ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر هداك الله نصرا عبدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل الشّمس ينمو صعدا إن سيم خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا وزعموا أن لست تدعو أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالحطيم هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا ذكر السيوطي في هذه الأبيات (3/ 215) نقلا عن ابن إسحاق والبيهقي في «الدلائل» ، وانظر القرطبي (8/ 43) ، و «روح المعاني» (10/ 44) ، و «البحر المحيط» (5/ 7) ، والواحدي في «الوسيط» (2/ 481- 482) ، وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 161) ، وعزاه لأبي يعلى، وينظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (3/ 1175) .

[سورة التوبة (9) : الآيات 16 إلى 18]

وقرأ جمهور الناس: و «يَتُوبُ» «1» - بالرفع-، على القطْع مما قبله، والمعنَى أن الآية استأنفت الخبر بأنه قد يَتُوبُ على بعض هؤلاء الكَفَرة الذين أَمَرَ بقتالهم. وعبارةُ ص: و «يَتُوب» ، الجمهورُ بالرّفْعِ على الاستئناف، وليس بداخلٍ في جوابِ الأمر لأن توبته سبحانه على مَنْ يشاء لَيْسَتْ جزاءً على قتال الكُفَّار. انته