بحر المذهب للروياني

الروياني، عبد الواحد

بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه تأليف الشيخ الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرُّوياني المتوفي سنة 502 هـ تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الأول دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم الحمد لله الذي هدانا لدينه، وأكرمنا بشريعة نبيه محمد المصطفي صلى الله عليه وسلم وجعلنا من المتمسكين، والمتبعين لها، والمتفقهين فيها، ونسأله أن ينفعنا بما علمنا منها، وأن يرزقنا العمل بها، والنصيحة للمسلمين فيها، وأن نصلي أولًا وأخرًا على عبده ورسوله وخيرته من بين خلقه، وعلى آله وأصحابه الراشدين. وبعد: لما كثر تصانيفي في الخلاف والمذهب مطولًا ومختصرًا، وجدت فوائد جمة عن الأئمة -رضي الله عنهم - أحببت أن أجمع كلامي في آخر عمري في كتاب واحد يسهل عليَّ معرفة ما قيد فيها، وأعتمد على الأصح منها وسميته: "بحر المذهب" راجيًا من الله تعالى الذكر الجميل، والثواب الجزيل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

[المقدمة]

[المقدمة] فصل الأصل من فضل العلم والعلماء قوله تعالى: لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَقُل رَّبَ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائمًا بالقسط} [آل عمران: 18]. وروى أبو الدرداء - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سلك طريقًا يطلب به علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، [2 أ/ 1] وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافرِ ". ومعنى قوله: (لتضع أجنحتها) يعني: بالتواضع والخضوع تعظيمًا لحقه وتوقيرًا. وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 15]، وقوله تعالى {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ اَلذَُلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء: 14]، وقيل: وضع الجناح هنا معناه الكف عن الطيران للنزول عنده. وقيل: معناه بسط الجناح وفرشه لطالب العلم لتحمله عليه فيبلغه حيث يقصده من البقاع في طلبه، ومعناه المعرفة وتيسير السعي له في طلب العلم. وأيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء". وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". وقال فضيل بن عياض رحمه الله في معناه: "كل عمل كان عليك فرضًا فطلب علمه عليه فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضًا فليس طلب علمه عليك بواجب". وقال صلى الله عليه وسلم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وأيضًا روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة". وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين عليه فرضه. وأيضًا روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء ورسوله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في حال [2 ب/ 1] الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ إلى فيه، فقال: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق". فإن قيل: روى المطلب بن عبد الله بن حنطب، أن زيد بن ثابت دخل على معاوية فسأله عن حديث، فأخبره، فأمر إنسانًا فكتبه، فقال له زيد بن ثابت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن لا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه. قيل: يحتمل أن يكون النهي متقدمًا وآخر الأمرين الإباحة. وقيل: إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به فيشتبه على القارئ وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بالتبليغ، وقال: "ليبلغ الشاهد الغائب". وروى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله أمر أسمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه ليس بفقيه". فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه بالكتابة يتعذر التبليغ فلا يؤمن من ذهاب العلم، لأن النسيان من طبع أكثر البشر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لرجل شكا إليه سوء الحفظ: "استعن بيمينك" وقوله: (نضر الله): معناه: الدعاء بالنضاره وهي النعمة والبهجة، ويقال: نضر الله بالتخفيف والتثقيل، وأجودهما [3 أ/ 1] التخفيف، وفي هذا الخبر بيان أن الفقه هو الاستنباط، والاستدراك لمعاني الكلام، وفي ضمنه وجوب النفقة والحث على استنباط معاني الحديث. فإذا تقرر هذا، فاعلم أن العلم كبير والعمر قصير، فالأولى لمن طلب العلم بعد التوحيد أن يشتغل بالأحسن منه والأولى، وهو التفقه في الدين، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين". وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد".

ثم اعلم أن أفضل الفقهاء فقهًا وأحسنهم ترتيبًا ونظمًا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رضي الله عنه حكي عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قبل حُلمي، فقال له: "يا غلام" قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: "من أنت"؟ قلت: من رهطك يا رسول الله، فقال: "ادنُ مني"، فدنوت فأخذ شيئًا من ريقه ففتحت فمي، فأمره على لساني وفمي وشفتي، فما أذكر أني لحنت بعد ذلك في حديث ولا شعر". وحكي عن تلميذه أبي إبراهيم المزني أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فسألته عن الشافعي -رحمه الله - فقال: من أراد محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه قال: "الأئمة من قريش". وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا [3 ب/ 1] منها ولا تعلموها". قال المزني: أي لا تفاخروها. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "من رأى رجلًا من قريش أفضل ممن رأى رجلين من غيره". وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا قريشًا، فإن عالمها يملأ طبق الأرض علمًا". وهذا متعين في الشافعي رحمه الله. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم في هذا: "البيان تبع لقريشٍ فمسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم". ولم نجد في الأئمة المشهورين قرشيًا سارت منه الكتب في الأقطار، واستظهرها الكبار وأدوجها إلى الصغار غير الشافعي رضي الله عنه، فلهذا اتبعناه وسلكنا مذهبه، وأيضًا فإنه جمع من العلم ما لم يجمعه غيره من الأئمة، فإن مالكًا والأوزاعي والثوري وغيرهم لهم قدم في الآثار ومعناهم ضعيف. وأبو حنيفة والعراقيون لهم قدم في المعاني وأثرهم ضعيف. والشافعي جمع الآثار والمعاني، فإنه لما قدم العراق سمى ناصر السنة والحديث، ولا يقول بتخصيص العلة لقوة معانيه بخلاف غيره، وصنف في الأصول وبني عليها الفروع فتكون أحوط، وانفرد لمعرفة اللغة وأيام العرب، فإنه عربي الدار واللسان. وحكي عن بعضهم أنه قال: تلقى شيئًا من غرائب كلام الشافعي -رحمه الله - على الرياشي شيء قدر ما كف بصره، فقال: هذا من كلام مَنْ؟ فقلنا: هذا من كلام الشافعي فقال: نعم، سمعت الأصمعي يقول: قرأت ديوان

الهذليين على فتى من قريش، يقال [4 أ/ 1] له: محمد بن إدريس الشافعي. وأيضًا الشافعي -رحمه الله -أكثر احتياطًا في الطهارات، وشرائط العبادات، والأنكحة، والبياعات تمسكًا بالسنة، وذلك معروف في بيان مذهبه فكان أولى من غيره. وقال الربيع: سئل الشافعي -رحمه الله -عن مسألة، فقال: يروى فيها كذا وكذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له السائل: يا أبا عبد الله، تقول به؟ فرأيت الشافعي أرعد وانتفض، فقال: يا هذا أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا فلم يقل به نعم على السمع والبصر، نعم على السمع والبصر. وقال أحمد: كان الشافعي إذا ثبت عنه الخبر قلده. وأيضًا عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فهو يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. والمطلب هو أخو هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وله قربى برسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل جداته، فإن أم [4 ب/ 1] عبد يزيد هي الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف وأم السائب بن عبيد الشفاء بنت أرقم بن نضلة بن هاشم بن عبد مناف، وأمها خليدة بنت أسد بن هاشم، وكان لجده الأعلى وهو المطلب فضيلة بتربية عبد المطلب، وبذلك سمي عبد المطلب، وكان بنو المطلب مع بني هاشم متناصرين، فإن بقية عبد مناف وهم بنو عبد شمس وبنو نوفل انفردوا عنهم وأدخل النبي صلى الله عليه وسلم بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى دون غيرهم. وقال: "نحن وبنو المطلب هكذا -وشبك بين أصابعه -إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام". وكان السائب جد الشافعي -رحمه الله -قد أسر يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم ففدى نفسه ثم أسلم. وكان ابنه شافع لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع رئيل مراهق، وإليه نسب الشافعي -رحمه الله -وكانت أم الشافعي أزدية. واعلم أنه ولد بغزة قرية من قرى الشام قريبة من بيت المقدس، فمكث فيها سنتين ثم حمل إلى مكة فنشأ بها وتعلم العلم، ثم دخل العراق سنة سبع وسبعين ومائة، وأقام بها سنتين، وصنف كتابه القديم وسماء "كتاب الحجة"، ثم عاد فأقام بها مدة، ثم دخل بغداد فأقام هناك أشهرًا، ولم يصنف شيئًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها إلى أن تغمده الله برحمته، وصنف الكتب الجديدة هناك، ودفن بمصر، وكان له ابنان، اسم كل [5 أ/ 1] واحد منهما محمد، مات أحدهما بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات الآخر بالجزيرة وولي القضاء بها وكان مسنًا، يروي عن سفيان بن عينية، وكان مولده سنة خمسين ومائة، ومات ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، وقد صلى المغرب ودفن يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين. قال الربيع: انصرفنا من جنازة الشافعي، فرأينا هلال شعبان، وكان عمره أربعًا

وخمسين سنة، وقيل: مات يوم الجمعة قبل الصلاة، ودفن في ذلك اليوم بعد العصر، والأول أصح. فرواة كتبة القديمة أحمد بن حنبل، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني والحسين الكرابيسي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي. قال الزعفراني: ما ذهبت إلى الشافعي مجلسًا قط إلا وجدت أحمد بن حنبل فيه. ورواة كتبه الجديدة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيي المزني توفي بمصر ودفن يوم الخميس سلخ ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائتين. وأبو محمد الربيع بن سليمان المرادي صاحب الأم. وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي. وأبو حفص حرملة بن يحيى. ويونس بن عبد الأعلى. والربيع بن سليمان الجيزي. وعبد الله بن الزبير الحميدي المكي. ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري، ثم أحتسب المزني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه، بأن اختصر من علمه كتابًا سماه: "الجامع الكبير"، ثم اختصر منه "الجامع المختصر"، الذي [5 ب/ 1] يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه، ولم يترك شيئًا من أصول مسائل الفقه وفروعها إلا وقد أتى عليه بحسن الاختصار والنظم، وربما يأتي في خطين أو ثلاثة ما أتى به الشافعي في أوراق، ومكث في جمع هذا الكتاب نيفًا وعشرين سنة، وما اعترض فيه باعتراض ولا اختار قولًا على غيره إلا بعد ما صلى ركعتين واستخار الله تعالى فيه. وقال الإمام القفال - رحمه الله -: من ضبط هذا المختصر حق ضبطه وتدبره لم يشذ عليه شيء من أصول مذهب الشافعي في الفقه، وقال ابن سريج -رحمه الله -: هذا المختصر. لم يقيض، وأنشد فيه: يضيق فؤادي منذ عشرين حجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي عزيز على مثلي إعارة مثله لما فيه من علم لطيف ومن نظم جميع لأصناف العلوم بأسرها ... فأخلق به أن لا يفارق فصل في وجوه اعتراضات المعترض على أول كلامه فإن قال قائل: لِمَ ترك المزني -رحمه الله تعالى - حمد الله تعالى والثناء عليه في أول هذا الكتاب؟! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر" وروى: "أقطع"، فإن كان ذا بال كان من حقه أن يحمد الله تعالى، وإن لم يكن ذا بال فحقه أن يترك ولا يشتغل به؟ قلنا عنه أجوبة: أحدهما: أنه ندب إلى حمد الله تعالى في ابتدائه بلسانه دون كتبه ببنانه، والظن بالمزني أنه قال ذلك لأنه كان يصلي ركعتين عند تصنيف كل باب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: [6 أ/ 1]

"لا تظنوا بالمؤمن إلا خيرًا". والدليل على صحة هذا أنا نجد هذا الكتاب يتداوله العلماء وقبلوه، ولم يصر أبترًا ولا أقطعًا، يدل على أن المزني كان قد امتثل أمره صلى الله عليه وسلم. الثاني: أن المراد بحمد الله ذكرًا لله تعالى، وقد روي: "لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر". رواه الأوزاعي. وقد ذكرا لله عز وجل بأحسن الذكر، وهو قوله: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فإنها أفضل آيات القرآن. الثالث: القصد بالتحميد ذكر الله تعالى، ويقوم بعض الذكر مقام البعض كما قال صلى الله وعليه وسلم: "يقول الله تعالى: {من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين}. فكذلك هاهنا تقوم التسمية مقامه. الرابع: المزني اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وذلك أنه اكتفي في كتبه إلى الملوك ودعوته إياهم إلى الإسلام بالتسمية، وكذلك كتب الصلح التي كتبها هو ومن بعده من الصحابة لأهل البلاد، ولا التحميد. الخامس: أنه وجد له في بعض النسخ خطبة قال فيها: الحمد لله الذي لا شريك له في ملكه، ولا مثل له، الذي هو كما وصف نفسه، فوق ما يصف خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فحذف ذلك بعض الناقلين. والسادس: أراد بالخبر الخطبة؛ لأن أعرابيًا خطب فترك التحميد، فقال النبي [6 ب/ 1] صلى الله عليه وسلم هذا، والذي يدل على هذا أن أول ما أنزل من كتاب الله تعالى قوله: {اقْرَا بِاَسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]، وقيل: {يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، وليس في ابتدائها حمد الله تعالى. والسابع: أن المزني ناقل ما هو مبتدي، ورواة الحديث لا يؤاخذون بأن لا يذكروا حمدًا وثناء كلما بدأو بالزاوية. فإن قيل: فإذًا هذا السلوك يلزم الشافعي؛ لأنه صنف كتبًا لم يبدأ فيها بحمد الله. قيل: كتبه كلها كتاب واحد، وهو كتاب الفقه، وقد حمد الله تعالى في أول هذا الكتاب بأحسن تحميد، فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الحمد لله الذي مؤدى بشكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدي شكر ما مضى نعمة بأدائه نعمة حادثة يجب عليه شكره بها، ولا يبلغ الواصفون عنه عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، إلى أن قال: وصلى الله على محمد عدد ما ذكر الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون. ورؤى الشافعي -رحمه الله - في المنام

فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بالصلاة التي صليتها على النبي صلى الله عليه وسلم في أول كتاب "الرسالة". وقيل: الخبر موقوف على أبي هريرة ورفعه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف [7 أ/ 1]. فإن قيل: لِمَ قال اختصرت قبل أن يختصر؟ ومن قال فعلت ولم يفعل فهو كاذب. قلنا: يحتمل أنه صنف الكتاب ثم كتب هذا الفصل وصدره بهذا. والثاني: أنه قد يرد اللفظ على صيغة الماضي ويراد به المستقبل، كقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ} [الأعراف: 44]، وقوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} [الكهف: 99] ونحو ذلك، فمعنى قوله: (اختصرت) أي سأختصر. والثالث: يجوز أن يعبر به عن شروعه فيه كما يكتب الرجل في صدر كتابه كتبت، أي: افتتحت الكتاب، أو لعزمه على ذلك، ويجري ذلك مجرى العلم بوجوده، كقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30]. وقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف:36]، ولكونه خبرًا عند وجود ما يختصره بلا خبرًا في حال الكتابة. فإن قيل: لم تمدح بالاختصار والأحسن بسط الكلام وشرحه، والاختصار مذموم؟ قيل: الاختصار محمود عادة وشرعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوتيت جوامع الكلم واختصر العلم اختصارًا" وقد أعجز الله تعالى العرب بقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، فإن أقل لفظًا وأجمع معنى من قولهم: القتل أنفي للقتل. وقال في صفة الجنة: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} [الزخرف: 71] ويجوز ذلك. وقال علي بن أبي طالب، والحسن بن علي - رضي الله عنهما -"خير الكلام ما قل ودلّ [7 ب/ 1]، ولم يطل فيمل"، ويروى هذا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر. وأما العادة فهي أن الكلام إذا طال مل الطالبون والسامعون، وإذا قل كثرة الرغبة وتاقت إليه النفوس. فإن قيل: لم شرط الاختصار ثم الحال في مواضع؟ قلنا: شرط اختصار كلام الشافعي، وإنما الحال كلام نفسه، ثم الحكم للأغلب، والأغلب منه مختصر، ولأن للإطالة موضعًا تحمد فيه، ولذلك لم يكن جميع كتاب الله مختصرًا. وقد قال الخليل بن أحمد: نختصر الكتاب ليحفظ، ونبسطه ليفهم. وأما معنى الاختصار فهو إيجاز اللفظ من غير إخلال بالمعنى، واشتقاقه من الجمع، ولهذا سمى المخصرة لاجتماع المتكئ عليها والحاضر لاجتماع البدن عليها، فكأنه يجمع معنى الكثير في القليل من اللفظ. وقيل: الاختصار هو ما دل قليلة على كثيرة

وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير. وقال المزني: هو إيجاز اللفظ مع إبقاء المعنى. وقيل: هو إيجاز من غير إخلال معنى بالمعنى. وقيل: هو تقليل المباني مع تكثير المعاني. وقيل: هو جمع المعنى الكثير تحت اللفظ القصير. وقيل: هو حذف الفضول مع استبقاء الأصول والأول أولى. فإن [8 أ/ 1] قيل: لما قال هذا وهي كلمة يشار بها إلى حاضر، وهو لم يصنف الكتاب بعد؟ قيل: جوابه ما سبق، وأيضًا يجوز أن يشار إلى حاضر العين كما قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ: 35} [المرسلات: 35]، وقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} [الصافات: 21] الآية. فإن قيل: لِمَ قال: من علم الشافعي وعلم الرجل صفته، ولا يمكن اختصار الصفة كالسمع والبصر وغيره، هذا لو كان الشافعي حيًا فكيف بعد موته؟. قيل: أراد بالعلم المعلوم ومعلومه مسائله والاختصار فيها ممكن، ويجوز أن يسمى المعلوم علمًا، كما يقال: هذا الدرهم ضرب للأمير، أي مضروبة ويقال: هذا قدرة الله، أي مقدوره، وهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ويراد به مقوله: ويقال في الدعاء: اللهم اغفر علمك، أي معلومك والثاني: أنه أراد به من كتبه ومنصوصاته، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالعلم، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام: 148] أي من كتاب. وقال ابن عباس، رضي الله عنه: من يشتري لي علمًا بدرهمين. فإن قيل: لم قال: ومن معنى قوله، والاختصار من المعنى لا يمكن إذ يصير الكلام به غير معقول، وإنما يمكن من الاختصار بالألفاظ مع توفير المعنى؟ قيل: أراد اختصرت من معاني، فقوله: واختصرت من عدة معاني على ذكر معنى واحد، ويجوز أن يراد بالمعنى المعاني، كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1 - 2]، أي الناس بدليل أنه قال: {إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر: 3]. والثاني: أراد اقتصرت [8 ب/ 1] على ذكر معنى تعم مسائل كثيرة، وهذا اختصار المعنى في الحقيقة. والثالث: أنه أراد بالمعنى الدليل كما يقال: ما معناك في هذا وما دليلك عليه؟ وهذا قريب من الأول. والرابع: معناه على معنى قوله، أي خرجت المسائل في كتاب الحوالة والضمان وغيرهما على قياس مذهبه فيما لم أجد فيه نصًا، ويوضع من مكان عالي، قال الله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} [الأنبياء: 77]، أي على القوم الذين كذبوا. وقيل: أراد من قوله: ربما هو في معناه، وسماه معنى قوله لأنه مثله في المعنى. فإن قيل: لم قال: لأقربه على من أراده، وإنما يقال قربته منه وإليه، ومن أراد تقريب شيء إلى فهم يقول: قربت عليه، كما يقال سهلت عليه. ويقال

لمن أراد سفرًا: قرب الله عليك الخطا، أي: سهل، ومعناه غرض في هذا الاختصار للتسهيل على ما أراد هذا الكتاب، ويعبر عن التسهيل بالتقريب؛ لأن كل قريب سهل، ولك بعيد صعب. فإن قيل: قد قال مع إعلامية نهيه عن تقلده وهو كلام يحمل معنيين. أحدهما: مع إعلامي يريد الكتاب نهي الشافعي عن أن يقلدوا ويقلد غيره، فتكون التاء كناية عن اسم المزني، والهاء الأولى راجع إلى مريد الكتاب، والهاء الثانية راجع إلى الشافعي، ولم يبين المزني مراده، فكيف يدعي التقريب والتسهيل قلنا: إذا احتمل الكلام معنيين صحيحين لا يلزم البيان، بل يجوز تركه بحاله [9 أ/ 1] لتكثير الفائدة، كما في ألفاظ القرآن، وكلا المعنيين صحيح هاهنا، وهو منه بسط لعذره في اعتراضات، اعترض بها على الشافعي في تضاعيف هذا الكتاب، فكأنه يقول: إن كنت اعترضت على الشافعي في تصانيف هذا الكتاب ورددت عليه شيئًا، فليس ذلك مني خلافًا له، بل هو الذي أمرني به، والمعنى الأول أصح. فإن قيل: لم قال: لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه، والأولى والاحتياط في التقليد ليسلم المقلد عن مخاطرة الخطأ والصواب فيه؟ قيل: الأولى والاحتياط في الاجتهاد؛ لأن المجتهد يقدم على الأمر على علم، والمقلد يقدم عليه على جهل، قيل: هذا بيان للعلة في النهي عن التقليد، يعني إنما نهى عن التقليد ليستقصى طالب العلم في تعرف وجوه الأحكام ودلائلها، ثم ينظر فيها لدينه ويحتاط. وقوله: (وبالله التوفيق): بيان أن الأمور كلها تجري بمشيئة الله تعالى وقضائه وقدره. وقيل: التوفيق ضد الخذلان، وهو تسهيل طريق الخير وسد طريق الشر، يعن بعون الله بتيسير ما فصلت، ويتم ما نويت. وقيل: هو درك الأسباب مع موافقة الصواب. وقيل: هو الرجوع في الخبر من غير استعداد له. وقيل: توفيق المتعلم أربعة: ذكار القريحة، استواء الطبيعة، وشدة العناية، ومعلم ذو نصيحة. فصل التقليد: قبول قول الغير بلا حجة، واشتقاقه من التلاوة كأنك قلدته عهدة ذلك القول من صواب وخطأ [9 ب/ 1] كالعلاقة في عنقه. والعلوم ضربان. أحدهما: ما لا يسوغ فيه التقليد، وهو الأحكام العقلية، من معرفة الله وتوحيده وتصديق رسله، ويلزم فيه الرجوع إلى الدليل، وقد ذم الله تعالى من قلد في ذلك، فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]، فبين أن من يجوز عليه الخطأ والضلال لا يجوز تقليده. وقال أيضًا حكاية عن الكفار: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] ونحو ذلك. وكان طريق معرفة العقل والناس كلهم في العقل سواء، فلا

يجوز لأحد منهم تقليد غيره كالبصراء في القبلة، ولهذا خاطب الله تعالى جميع المكلفين وقال {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]. وقال عبيد الله بن الحسن العنبري: يجوز فيه التقليد، ونسب هذا إلى أحمد بن حنبل، ولا يصح عنه عندي. وعلى هذا من العلوم ما أنفع فيه التقليد أصلًا، وهو ما ثبت في شرعنا بأخبار التواتر، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، لأنه وقع العلم بها ضرورة بتواتر الأخبار. العلم الثاني: ما يسوغ فيه التقليد، وهو من أحكام الدين من الحلال والحرام، وقدر الزكاة، وأحكام الصلاة والصيام ونحو ذلك. والناس فيه ضربان: عالم، وعامي. فالعامي يجوز له تقليد العالم في كل هذا. وقال بعض المتكلمين: لا يجوز حتى يعرف علة الحكم، وهذا غلط؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ولأنا لو ألزمناه ذلك لشق [10 أ/ 1] واحتاج إلى الانقطاع عن المعيشة بتعلم ذلك، وهذا لا يجوز فأما العالم: فلا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون الوقت واسعًا أو ضيقًا فإن كان واسعًا لا يجوز التقليد بل عليه الاجتهاد. وقال مالك، وأحمد، وإسحاق: يجوز له التقليد. وقال محمد: يُقلد من هو أعلم منه ولا يقلد من هو مثله. وقال أبو حنيفة: يجوز قضاء العامي، ويجوز له أن يقلد غيره عند الحكم، ولذلك لو كان عالمًا ولكنه يتكاسل عن الاجتهاد والنظر، يقلد ويحكم، وهذا غلط؛ لأن معه آلة يتوصل بها إلى حكم الحادثة، فلا يجوز له التقليد كما في العقليات. والدليل على بطلان قول محمد خاصة، أن من لا يقلد من هو مثله لم يقلد من هو فوقه، كما في القبلة، وهذا لأنه يجوز أن يخطئ من يعتقد أنه أعلم في الدليل وهو يصيب ذلك. وإن كان الوقت ضيقًا فعامة أصحابنا على أنه لا يجوز له التقليد أيضًا، وهو ظاهر قول الشافعي فيؤدي تلك العبادة في الحال كلما أمكن، ثم يجتهد ويعيد. وقال ابن سريج: إذا نزلت نازلة وضاق زمنها وخقت فوت الواجب، عليَّ فيها أن أقلد من هو في مثل حالي، وهذا غلط، لأن الاجتهاد شرط في صحة هذه العبادة، كالطهارة شرط في صحة الصلاة، ولا يختلف ذلك بخوف فوتها وعدم الخوف كذلك هذا. فإن قيل: أليس قلد الشافعي زيد بن حارئة - رضي الله عنهما - في الفرائض [10 أب 1]، وقلد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في بيع الحيوان بشرط البراءة وقال: تقليدًا لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - وقلد في قبول خبر الواحد؟ قلنا: وافق رأيه رأي زيد في الفرائض وما قلده، واستأنس بقول عثمان -رضي الله عنه - في مسالة بيع الحيوان بشرط البراءة؛ لأنه ذكر الدليل، يقال: والحيوان يفارق ما سواه لأنه يفتدى بالصحة والسقم، وقلما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر. ومن أصحابنا من قال: قام الدليل على وجوب قبول قول الصحابي فلا يسمى تقليدًا كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا قبلناه لا يسمى تقليدًا؛ لأنه لا يتوهم الشرفيه. وقيل: يسمى تقليدًا، ولكنه تقليد جائز بل واجب، لكونه معصومًا وأما خبر الواحد: فيجوز تقليد المخبر به إذا كان ظاهر الصدق؛ لأنه لا

يقع التسليم لقوله ذلك، فعد الاجتهاد في عدالته، فصار قوله مقبولًا، وهذا اختيار ابن أبي هريرة، وهذا لا يصح؛ لأن عدالة المخبر لا تدل على صحة الخبر، كما لا يكون عدالة العالم دليلًا على صحة فتياه، وإنما الدليل ما اختص بالقول المقول لا ما اختص بالقائل من عدالة وصدق. فإذا تقرر هذا، نعني بالعالم هو الذي لا يجوز له التقليد من بلغ رتبة الاجتهاد، وهو من عرف الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة وآثار السلف وإجماع الأمة [11 أ/ 1] واختلافهم والعربية والاستنباط بالقياس، ونعني به أن يعرف من كل واحد من هذه العلوم معظمه، لا أن يأتي على جميعه؛ لأنه لا يمكن، ومن لم يبلغ هذه الرتبة لا يحل له أن يفتي، بل يحكي الحكاية فيقول: قال فلان كذا، أو يعرف فإنه يفتي على مذهب فلان، فحينئذ يجوز أن يطلق الجواب إطلاقًا. وقيل: من يجوز تقليده أربعة أصناف؛ النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ما أمر به أو نهى عنه لا يسأل عن دليله، وهذه صفة الدليل، ويجب تقليده فيما أمر لقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وهذا أصح من قول من قال: لا يسمى تقليدًا لقياس الدليل على صدقه. الثاني: المخبرون عن الرسول صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا من تقليد أخبار الواحد. الثالث: المجمعون على حكم، فتقليدهم فيما أجمعوا يجب. الرابع: الصحابة، فتقليدهم يختلف على حسب اختلافهم فيما قالوه على ما سنذكر إن شاء الله. فرع اختلف أصحابنا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل يأمر باجتهاد أم لا؟ على وجهين أحدها: يجوز له ذلك، لأن للاجتهاد فضيلة تقتضي الثواب، فجاز له صلى الله عليه وسلم. والثاني: لا يجوز له لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4]. فرع أخر اختلف أصحابنا في أن لأهل الاجتهاد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتهد، أو يلزمه [11 ب/ 1] سؤاله على ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لقول معاذ رضي الله عنه: "أجتهد رأيي"، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني: لا يجوز؛ لأن النص ممكن في عصره بسؤاله. والثالث: يجوز لمن بعد منه دون من قرب للتعذر على البعيد الرجوع إلى النص، ولا يتعذر ذلك على القريب. فرع آخر لو علم العامة حكم الحادثة ودليلها، وأراد أن يفتى به لغير ما فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لأنه وصل إلى العلم به بمثل وصول العالم إليه. والثاني: لا يجوز وهو الأصح؛ لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها هي أقوى منها.

والثالث: إن كان الدليل نصًا من كتاب أو سنة جاز، وإن كان نظرًا أو استنباطًا لم يجز. فرع آخر لا يجوز العمل بخر الواحد إلا بعد ثبوت عدالته، وقال أبو حنيفة إذا علم إسلامه جاز العمل بخبره وقبول شهادته من غير سؤال عن عدالته، وهذا غلط؛ لأنه كما لا يجوز خبر من جهل إسلامه لا يجوز خبر من جهل عدالته. فرع آخر لا يجوز للمخبر أن يروي إلا عن أحد أمرين؛ إما أن يسمع لفظ من أخبره، وإما أن يقرأه عليه فيتعرف به، فأما بالإجازة فلا يجوز أن يروي عنه، ومن أصحاب الحديث من أجاز الرواية بالإجازة، ومنهم من قال: إن كان الإجازة بشيء معين، وإن كانت عامة لا يجوز. وقيل: إن دفع المحدث الكتاب من يده، وقال: أجزت لك هذا، جاز أن يرويه وإلا فلا [12 أ/ 1] يجوز، وكل هذا عند الفقهاء غلط؛ لأن ما في الكتاب مجهول، ويكون فيه الصحيح الفاسد، ولو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، ولا ستغني الناس عن معاناة السماع. فرع آخر إذا سمع على ما ذكرنا من الوجهين وكتبه جاز أن يرويه إذا كان قد وثق به وعرف خطه، إن لم يكن حافظًا لما يرويه ولا ذاكرًا له. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يروي عن خطه وإن عرفه، إلا أن يذكره ويحفظه، كما لا يجوز أن يشهد بمعرفة خطه حتى يذكر ما شهد به، وهذا غلط؛ لأن المسلمين عملوا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها كتابه إلى عمرو بن حزم، ومنها الصحفية التي أخذها أبو بكر الصديق من قراب سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصب الزكوات. وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قيدوا العلم بالكتاب". فلولا أن الرجوع إليه عند النسيان جائز لم يكن لتقيده بالخط فائدة، ولأنه لما جاز أن يروي عن سماع صوت المحدث وإن لم يره لزخمة أو ذهاب بصره بخلاف الشهادة، جاز أن يروي من خطه الموثوق به بخلاف الشهادة. فرع آخر إذا أراد العامي أن يقلد العالم هل عليه الاجتهاد في أعيان أهل العلم؟ قال ابن سريج: عليه ذلك؛ لأنه لا يشق فيطلب الأعلم والأوثق بقول الثقات والسؤال، فإن استويا قلد الاثنين؛ لأنه أقرب إلى الإصابة [12 ب/ 1] لطول الممارسة. وقال غيره من أصحابنا وهو الأصح: لا يلزمه ذلك، ويقلد من شاء من العلماء المشهورين بالعلم،

كما لا يلزمه الاجتهاد في طلب الدليل، ولأن كل واحد منهم هو من أهل الاجتهاد، فكان له إتباعه ولا يلزمه الأخذ بالأحوط، كما لا يلزمه الأخذ بما أجمعوا عليه، مثل أن يمتنع من بيع المكيل متفاضلًا. وقد قال الشافعي في الأعمى، كل من دله من المسلمين على القبلة ويتبعه إتباعه ولم يأمر بالاجتهاد وفي الأوثق، ولأن في خبر العسيف قال والد الزاني: فسألت رجلًا من أهل العلم وهناك رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلم الكل ولم ينكر عليه. فرع آخر استفتى عالمين فأفتياه بجواب متفق عمل عليه بلا إشكال، فإن أفتياه بجوابين مختلفين، فعلى قول ابن سريع يجتهد في الأوثق والأدين، وعلى قول غيره من أصحابنا فيه أوجه: أحدها: يعمل بقول من شاء منهما وهو الأصح؛ لأنه يجوز قبول قول كل واحد منهما على الانفراد. والثاني: يأخذ بأغلظ القولين احتياطًا، وهذا غلط؛ لقوله تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]. والثالث: يأخذ بالاثنين والأخف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالحنفية السمحة السهلة" وهذا أيضًا غلط؛ لأن هذا صفة لجهة الشريعة؛ لأن في أحكامها ما يشق على المحكوم عليه مثل ما يحتسبه المحرم، والغسل في شدة البرد، ومثل ذلك. [13 أ/ 1] والرابع: أن يتبع آمنهم عنده، فإن استويا قلد أيهما شاء، لأن الشافعي قال في القبلة: إن اختلفوا على الأعمى تبع آمنهم وأبصرهم ويفارق قبل السؤال حيث لا يلزمه الاجتهاد، بخلاف ما قاله ابن سريج، لأن في الاجتهاد في أعيانهم مشقة، وليس في الرجوع إلى الأوثق في نفسه مشقة بعد السؤال، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، وقال: هذا يفارق استقبال القبلة؛ لأنه قد يكون له في إتباع أحدهما هاهنا غرض، ولا غرض في استقبال القبلة، ولا شك في القبلة في إتباع الأوثق. والخامس: أنه يأخذ بقول الأول لأنه لزمه حين سأله، وهذا أيضًا ضعيف. فرع آخر إذا قلد مرة في حادثة ثم نزلت مرة أخرى، فإن تيقن أنه أفتاه عن نص لا يحتمل التأويل لا يلزمه السؤال ثانيًا بلا إشكال، وإن لم يعلم هذا ففيه وجهان: أحدها: يلزمه السؤال لجواز تغير اجتهاده وهو الأصح، واختاره القفال. والثاني: لا يلزمه لأنه عرف حكم الحادثة، والظاهر بقاء رأي المفتى عليه، وهو كالوجهين فيمن صلى الظهر إلى جهة باجتهاده ثم حضرته العصر، هل يعمل على

اجتهاده الأول؟ وجهان. وهذا عندي إذا مضت مدة من الفتوى الأولى يجوز تغير الاجتهاد فيها غالبًا، فإن كان الوقت قريبًا لا يلزمه الاستفتاء ثانيًا. فرع آخر إذا أراد العامي أن يقلد مفتيًا كالشافعي وأبي حنيفة ومالك، ففيه وجهان. أحدهما: لا يجوز؛ لأنه [13 أ/ 1] الآن ليس هو من أهل الاجتهاد، كمن تجدد فسقه بعد عدالته لا يبقى حكم عدالته وهو القياس. والثاني: يجوز وهو اختيار كثير من أصحابنا؛ لأن الموثق لا يؤثر فيما قبله من شروط الاجتهاد، فلا يؤثر فيه، كما لو شهد بشهادة ثم مات، فإنه يحكم بشهادته. فرع آخر لو لم يعرف المستفتي لغة المفتي أجزأه ترجمان واحد، لأنه خبر، ولو بعث بمسألته رسولًا إلى فقيه فأفتاه مطلقًا، فنقل الرسول إليه الجواب وهو عدل، جاز له قبوله كما يجوزن فنزل خبر الرسول صلى الله عليه وسلم من واحد، ولو بعث رفعه إليه فأجابه بالخط جاز له أن يعمل عليه أيضًا. فرع آخر لو استفتى العامي فقيهًا فلم تسكن نفسه إلى فتياه ففيه وجهان: أحدها: أنه يلزمه أن يسأل ثانيًا وثالثًا حتى يصير عددًا تسكن نفسه إلى فتياهم. والثاني: لا يلزمه، ويجوز له الاقتصار على قبوله؛ لأنه ليس نفور نفسه شبهة ولا سكونها حجة. فصل في الإجماع إذا قال علماء الصحابة قولًا فهو حجة مقطوع بها، وهكذا لو قال واحد مهم قولًا وانتشر في الباقين فصوبوه، ومن خالفه يكون كمن خالف نص الكتاب والسنة. وقال النظام والإمامية: لا تكون حجة ويجوز مخالفتهم، وهذا غلط لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115] الآية، فأوعد على ترك [14 أ/ 1] إتباع سبيل المؤمنين كما أوعد على مشاققة الرسول، فدل على أن إتباعهم واجب. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تجتمع أمتي على الضلالة". وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "أنتم شهداء الله في الأرض، فما رأيتموه حسنًا فهو عند الله حسن". وهكذا إجماع سائر العلماء: في سائر الأعصار حجة لا تحل مخالفتهم، وإنما يعتبر إجماع من هو من أهل الحل والعقد لا من سمى عالمًا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يعتبر إجماع معظمهم لا كلهم؛ ولأنه يشق وهذا لا يصح؛ لأن

عندنا خلاف الواحد يعد مخالفًان فربما يخالف ذلك الواحد ولا يشق ذلك؛ لأن الإمام يكتب إلى الأقطار وينقل من قولهم فيه. وقال داود: إجماع غير الصحابة لا يكون حجة، وهذا غلط؛ لأنه اتفاق أهل العصر من العلماء على حكم الحادثة، فكان حجة كإجماع الصحابة. فإذا تقرر هذا فلا ينعقد الإجماع إلا عن أصل من كتاب أو سنة، ولو انعقد عن قياس هل يكون حجة مقطوعة؟ قال عامة أصحابنا، وهو المذهب: أنه حجة مقطوعة. وقال داود، وابن جرير الطبري من أصحابنا: لا تكون حجة، وهذا غلط؛ لأن القياس دليل من دلائل الله تعالى منعقد عنه الإجماع، كالكتاب والسنة والإجماع المنعقد عن السنة مثل ما روي أن امرأة أتت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -تطلب ميراثها من دية زوجها فاستشار أصحابه، فقام حمل بن مالك من التابعة، وقال: أشهد أن رسول الله [14 ب/ 1] صلى الله عليه وسلم ورث امرأة أشيم الضبائي في دية زوجها، فأجمعوا على ذلك، والإجماع المنعقد عن القياس مثل قول الصحابة في إمامة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه -رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فنحن نرضاه لدنيانا، يعني الإمامة في الصلاة حين قدمه للصلاة. ثم أعلم أن الإجماع ضربان: أحدهما: ما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة، كوجوب الصلاة والصيام وتحريم الربا ونحو ذلك، فيجب الانقياد له من غير اعتبار الإجماع فيه. والثاني: ما لا يعلم ضرورة، وذلك على ضربين: أحدها: ما استدل الخاصة والعامة في معرفة حكمه، كأعداد الركعات، ومواقيت الصلوات، وستر العورة، وتحريم بنت البنت، فهذا يعتبر فيه إجماع العلماء، وهل يعتبر إجماع العامة معهم فيه، ولولا وفائهم عليه ما بثت إجماعًا؟ فيه وجهان: أحدها: يعتبر، ولولاه ما ثبت إجماعهم لاشتراكهم والعلماء في العلم به. والثاني وهو صحيح: لا يعتبر، لأن الإجماع إنما يصح إذا وقع عن نظر واجتهاد، والعامة ليسوا من أهل الاجتهاد، فلم يكونوا من أهل الإجماع، وأيضًا خلافهم لا يؤثر فلا يعتبر إجماعهم. والضرب الثاني بما اختص العلماء بمعرفة حكمه دون العامة، كنصب الزكوات، وتحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، فيعتبر فيه إجماع العلماء من أهل الاجتهاد ومن العامة، وهل يراعى فيه إجماع غير الفقهاء من المتكلمين؟ وجهان [15 أ/ 1] أحدها: يراعى ويؤثر؛ لأن الفقهاء هم أقوم بمعرفة الأحكام وأكثر حفظًا للفروع، وأكثر ارتباطًا بالفقه. فرع لا يشترط انقراض العصر فيما ذكرنا من الإجماع، بل القصد الإجماع في الحال، فإن رجع أحدهم عنه لا يقبل رجوعه، بل يكون قوله الأول مع قول الآخرين حجة

عليه، كما هو حجة على غيره. ومن أصحابنا من قال: يشترط فيه انقراض العصر، وهذا غلط؛ لأن من كان قوله حجة لم يشترط موته في صحته، كالرسول صلى الله عليه وسلم. فرع آخر إذا قال واحد من الصحابة قولًا وانتشر في الباقين، وهم من بني قائل به وساكت عن الخلاف فيه، فذلك ضربان: أحدها: أن يظهر الرضا من الساكت كما ظهر النطق من القائل، فهذا إجماع لا يجوز خلافه. والثاني: أن لا يظهر من الساكت الرضا ولا الكراهة، فهو حجة مقطوع بها، وهل يكون إجماعًا؟ فيه قولان وقيل وجهان: أحدهما: يكون إجماعًا، وهو قول الأكثرين؛ لأنهم لا يغضون عن المنكر، ولا يسكتون عليه، ولو كان فيهم مخالف لتبعته الدواعي على إظهار خلافه؛ لأنه لا يجوز كتم الشريعة. الثاني: لا يكون إجماعًا؛ لأن الشافعي - رضي الله عنه - قال: "لا ننسب إلى ساكت قول". وهذا اختلاف في الأعم؛ لأنه لا خلاف أنه حجة يجب إتباعه ويحرم مخالفته قطعًا. وقال داود وجماعة من المتكلمين: [15 ب/ 1] لا يكون حجة، وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى خلو العصر عن معرفة الحق في الحادثة بخطأ المتكلم وسكوت غيره، وهذا محال. فرع آخر يشترط في هذا الذي ذكرنا انقراض العصر عليه حتى يحكم بموته حجة قطعًا أو إجماعًا ما فإنه إن رجع أحدهم يصح رجوعه ويعد خلافه خلافًا. ومن أصحابنا من قال: لا يشترط فيه انقراض العصر كما في الإجماع السابق، وهذا لا يصح؛ لأنه لا يجوز أن يكون في التفكير والتروي، ويؤدي اجتهادهم إلى الخلاف، فإذا انقرضوا ولم يخالفوا انقطع هذا الوهم، وإن ظهر هذا القول من الإمام أو الحاكم، لا يفتات عليه ولا يجوز الاعتراض عليه، والأدب في السكوت عنهن وتفارق الفتيات؛ لأن إظهار الخلاف فيه ليس بافتيات، وهذا هو اختيار ابن أبي هريرة. وقال الأكثرون من أصحابنا بالعراق: لا فرق بين الإمام وغيره في ذلك، وقد نقل عنهم إظهار الخلاف على الإمام، فخالفوا أبا بكر - رضي الله عنه - في الخبر، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في المشركة وغير ذلك. وأظهر ابن عباس رضي الله عنهما - الخلاف في القول بعد موت عمر، مع أنا اعتبرنا في هذا انقراض العصر، ومحاباة الإمام أو الحاكم يختص بمجلس حكمه دون غيره، وهذا أصح عندي، فعلى هذا القول يصير بمنزلة قوله وحده، هل يترك به القياس؟ قولان: قال أبو إسحاق بعكس هذا، فقال: إن كان قياس لم يكن إجماعًا، وإن كان حكمًا كان انتشاره [16 أ/ 1] منهم وسكوتهم عن الخلاف فيه دليل الإجماع أن الحكم لا يكون إلا من مشورة قطعًا ومطالعة، وبعد نظر ومباحثة.

فرع آخر إذا قال واحد من الصحابة قولًا لم ينشر في الباقين، أو انتشر في نفر منهم دون الكل، ولم ينقل عن أحد منهم خلافه لا يكون إجماعًا، وهل يكون حجة؟ فيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم"، وهو قول مالك، وأبي حنيفة: أنه يكون حجة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". والثاني: قاله في "الجديد": لا يكون حجة؛ لأنه يجوز عليه الخطأ في اجتهاده كالتابعي إذا قال قولًا ولم ينتشر في التابعين لا يكون حجة بالإجماع. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما جاء عن الله فهو الحق، وما جاء عني فهو السنة، وما جاء عن أصحابي فهو سعة" ولأن القياس حجة شرعية فيترك به قول الصحابة كالسنة. ومن أصحابنا من قال القولان: إذا لم يكن معه قياس أصلًا. فأما إذا كان مع قوله قياس ضعيف فقوله مقدم على القياس القوي، وهذا اختيار القفال وجماعة، وهو ضعيف عندي؛ لأنه لا يجب الرجوع إلى قول الصحابي بانفراده، ويجب الرجوع إلى القياس القوي والضعيف من التباس ساقط إذا خالفه القوي، فلا ينبغي إذا اجتمع ضعيفان أن يتناويا القوي، وهذا كالخبرين الضعيفين لا يعارضان خبر الواحد القوي. وحكي عن [16 ب/ 1] أبي الحسن الكرخي أنه قال: يكون حجة جارية مجرى القول المنتشر، وهو خطأ ظاهر. فإذا قلنا بقوله الجديد كان قوله كقول أحد الفقهاء، مثل الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك فيجوز للشافعي مخالفته، ويترك له القياس، وهل يخص بقوله العموم؟ فيه وجهان: أحدهما: يخص لأنه إذا خص بالقياس فلأن يخص بقوله أولى. والثاني: لا يجوز، لأنه يترك قول نفسه بالعموم فلا يخص به العموم. وقال القفال: هل يخص به العموم؟ قولان بناء على القولين الأولين، والذي تقدم هو الأصح. فرع آخر إذا اختلفت الصحابة على قولين، فإن لم يكن فيهم إمام ينظر، فإن كانوا في العدد سواء فهما سواء، وإن اختلف العدد فهل يرجح العدد؟ فعلى قول الجديد لا يرجح ويعود إلى ما يوجبه الدليل ويقتضيه الاجتهاد. وعلى قوله القديم يرجح به كما في الأخبار يرجح بكثرة الرواة، وإن كان فيهم إمام. فإن كانوا في العدد سواء فالتي فيها الإمام هل تكون أولى؟ قولان: أحدها: يكون

أولى قاله في القديم. وقال في "الجديد": لا يكون أولى فإن اختلف العدد وكان الإمام مع الأقل فعلى كلا القولين هما سواء. فرع آخر لو اتفقت الفرقتان في العدد، وفي إحداهما أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما -وفي الآخرى عثمان وعلي -رضي الله عنهما، فعلى قوله القديم فيه وجهان: أحدهما: يرجح قول أبي بكر وعمر على غيرهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين [17 أ/ 1] من بعدي أبي بكر وعمر". والثاني: سواء لاستواء العدد وعدة الأئمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". وذكر الشافعي في "القديم" أنه يقدم أبي بكر، وعمر، وعثمان ولم يذكر عليًا -رضي الله عنه -فمن أصحابنا من قال فيما ذكر تنبيه عليّ وهو الصحيح. ومنهم من قال: يرجح قول الثلاثة لأنهم كانوا في دار الهجرة والصحابة متوافرون عندهم فينشر القول بينهم، وعلي - رضي الله عنه - انتقل إلى الكوفة وتفرق عنه كثير من الصحابة وهذا ليس بشيء. فرع آخر من عاصر الصحابة من التابعين وهو مجتهد يعتبر وفاته في صحة الإجماع ومن أصحابنا من قال: لا يعتبر، وهذا غلط؛ لأنه من أهل الاجتهاد وعند الحادثة، فيعتبر وفاته فيه كالواحد من الصحابة، ومن عاصر الصحابة وهو حبس عند إجماعهم، ويعقل عقل مثله، إلا أنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ثم بلغ رتبة الاجتهاد فخالفهم هل يعد خلافه خلافًا للمذهب أنه لا يعد، لأن من لم يكن من أهل الاجتهادة فهو كالمعدوم والعامي. وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني يعد خلافًا، لأن ابن عباس - رضي الله عنه -خالف الصحابة في القول، ويوم جرت مسألة القول كان قد بلغ رتبة الاجتهاد، فإنه قيل له: هلا قلت ذلك في زمان عمر؟ فقال: كان رجلًا مهيبًا فهبته. فرع آخر إذا اختلفت [17 ب/ 1] الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحدهما هل يصير إجماعًا وقد يقع حكم الخلاف السابق؟ وجهان. قال أكثر أصحابنا وهو الصحيح: أنه لا يصير إجماعًا؛ لأن الموت لا يبطل القول، والتابعين لو كانوا موجودين في عصر الصحابة، وكانوا أحد القولين لم يضر الآخرين شيئًا، كذلك إذا

ماتوا. وقال ابن خيران، والقفال الشاشي وأكثر أصحاب أبي حيفة: يصير إجماعًا لأنه إجماع علماء أهل عصر، فكان حجة كإجماع الصحابة. فرع آخر إذا أجمعت الصحابة على قولين لم يجز للتابعين إحداث قول ثالث وقال بعض المتكلمين: يجوز، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، وهذا غلط، لأن اختلافهم على القولين إجماع على إبطال كل قول سواهما. فرع آخر إذا قال الصحابة قولًا يخالف القياس لا يُحمل على التوفيق بالشك، ولهذا لا يصير حجة على من هو في زمانه من الصحابة بخلاف ما لو رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصل في الإشارة إلى الأدلة المذكورة في كتاب المزني وجملة ما ذكر فيه من الأدلة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال، واستصحاب الحال، والاجتماع يكون بلفظ الكتاب والسنة وفحواهما نصًا كان ظاهرًا أو عامًا، فالنص كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] الآية. والعموم كقوله [18 أ/ 1] تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] والظاهر كقوله تعالى: {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ} [النور: 33]، ظاهرة الوجوب. وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، ظاهره كتحريم. ولو عارض النص عموم أو ظاهر قدم النص، ولذلك إن عارضه فقياس، وإن عارضه مثله كان المتأخر ناسخًا للمتقدم، فإن لم يعلم المتأخر طلب بينهما الترجيح، فيقدم الأرجح، والعموم والظاهر إذا عارضهما القياس خُص العموم وصرف الظاهر إلى المحتمل عند أكثر أصحابنا. وأما الفحوى فهو التنبيه ودليل الخطابن فالتنبيه كقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] نبه على نهيه عن الضرب، ودليل الخطاب كقوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم زكاة". فدل على انه لا زكاة في المعلوفة. وأما القياس فيشتمل على أصل، وفرع، وعلة، وحكم، وذلك مثل قولنا في الرمان، إنه مطعوم جنس، فلا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا كالبر، والعلة قولنا: معلوم جنس، وهي ذات وصفين، وقد يكون أوصافها أكثر من ذلك أو أقل، والأصل البر؛ لأنه ثبت حكمه بنص النبي صلى الله عليه وسلم، والفرع الرمان، وهو المحكوم فيه، والحكم تحريم البيع متفاضلًا، والاستدلال يكون بوجوه كثيرة، منها أن يتبين فساد قول المخالفين،

فيستدل بذلك على صحة قوله، أو يكون مذهبه أشبه من مذهب خصمه من إلحاق العبد بالبهيمة في أحكام؛ لأنه بها أشبه. واستصحاب الحال [18 ب/ 1] يكون بأن الأصل بدله الذمة، ويكون باستصحاب حال الإجماع في قول بعض أصحابنا، مثل أن يحتج بأن المتيمم إذا رأى الماء في صلاته لم يخرج منها، ولا تبطل صلاته؛ لأن الإجماع حاصل قبل رؤية الماء أنها صحيحة، فمن ادعى بطلانها يحتاج إلى دليل ومنهم من أبى ذلك وقال: الإجماع قد زال برؤية الماء، فلا يستدل ببقاء حكمه.

كتاب الطهارة

كتاب الطهارة فإن قيل: لم بدأ بهذا الكتاب دون سائر الكتب؟ قلنا: هذا السؤال محال؛ لأنه ما من كتاب يبدأ به إلا ويتوجه عليه هذا السؤال. ثم أنه إنما بدأ به لأنه تأمل أحكام الشرع فوجدها قسمين، عبادات ومعاملات، فقدم العبادات لوجوبها على العباد من غيرها، ثم رتب العبادات على ما رتبها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا". فكان أول الشرائع ذكرًا في هذا الخبر بعد ذكر الشهادتين هو الصلاة، غير أن الصلاة تفتقر إلى الطهارة لا تصح إلا بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور". فلهذا افتتح بها بالطهارة وعقبها بالصلاة وغيرها من العبادات كما في [19 أ/ 1] الخبر. فإن قيل: لم قال باب الطهارة ولم يأت فيه بأحكام الطهارة، وهي الوضوء والغسل؟ قيل: إنه بين فيه الماء الذي يتطهر به، والماء الذي لا يتطهر به وهو من حكم الطهارة أيضًا، أو نقول: مراده كتاب الطهارة أو أبوب الطهارة، ويجوز أن يعبر عن الكتاب بالباب، لأن الفقه كله كالكتاب الواحد، وكل نوع منه كتاب وباب منه، ولأن الشافعي ذكر في تصنيفه كتاب الطهارة ثم ذكر باب ما تجزئ به الطهارة، ثم افتتح بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية ثم قال: والغسل إنما يكون في العادة بالماء هو ما خلقه الله ثم ذكر قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48]، وهذا أحسن، ولكن قال المزني: اختصر على ما ذكر أخيرًا. فإن قيل: لم قال: قال الشافعي: قال الله تعالى والقولين لا يستدلان طريق صحبة التواتر والإجماع؟ قلنا: أراد أن الشافعي أحتج به، ولو لم يذكر الشافعي لظن أن المزني هو المحتج به. فإذا تقرر هذا، وذكر قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] قوله عليه الصلاة والسلام في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" والأصل في طهارة الماء

وتطهيره هذه الآية. وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] وأراد بالسماء السحاب، وسمي سماء لسموه وارتفاعه. والطهور يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: الطاهر لقوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] [19 ب/ 1] يعني طاهرًا. والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم متعدٍ، وهو المراد به هاهنا لقوله تعالى في آية أخرى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]. والثالث: ماء يتطهر به كالفطور ما يفطر به، والسحور ما يتسحر به. وقال أبو حنيفة، والأصم، وأبو بكر بن أبي داود: المراد به الطاهر، وهو اسم لازم غير معتد، وفائدة الخلاف أنه لا يجوز التطهير بغير الماء لرفع الحدث ولرفع الخبث عندنا، وعند أبي حنيفة يجوز رفع الخبث بغير الماء، وهذا غلط؛ لأنه لم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التوضأ بماء البحر، قال: "هو الطهور ماؤه" فنقلوا منه أنه يتطهر به لأنه طاهر، ولأن أهل اللغة يطلقون اسم الطهور على ما يوجد فيه التطهير، يقولون: ماء طهور، وتراب طهور، ولا يقولون خل طهور، ولا زيت طهور. فدل على ما قلناه. وقال مالك وأصحاب الظاهر: الطهور هو ما يتكرر منه الطهر، حتى لا يحكم لكما بالاستعمال، كما يقال: صبور شكور أي يتكرر منه الصبر والشكر. وأما الخبر الذي ذكره هو مختصر مما رواه الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء لشفاهنا، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي [20 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم "هو الطهور ماؤه الحل مييته" والأرماث: هي خشب يضم بعضها إلى بعض ويركب عليها في البحر. وفي رواية: "إن العركي قال: يا رسول الله، إنا نركب" والعركي: هو الصياد. وقال الشافعي: "هذا الحديث هو نصف علم الطهارة". فإن قيل: لو قال نعم كفاه، فما الفائدة في تطويل الكلام؟ قيل: لأنهم سألوه عن حال الضرورة، فلو قال: نعم لم يستفيدوا من ذلك حكمه في حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور بكل حالٍ. فإن قيل: وكيف أجاب عن الميتة ولم يسئل عنها؟ قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ناصب الشرع، فله أن يبتدئ البيان من غير سؤال، غير أنه لما رآهم يجهلون أمر الماء مع الآية الظاهرة عرف أنهم ... بطهارة ميتة وحلها مع قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، أجهل، فأجاب عما سألوا، وعما عرف أنهم يجهلونه، وهذا كما روي أن أعرابيًا أساء الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "توضأ كما أمرك الله"؟ ثم علمه

الصلاة، لأنه لما رآه بجهل أمر الصلاة مع أنها تقام ظاهرة يرى بعضهم صلاة بعض، عرف أنه الوضوء مع أن الناس يفعلونه في بيوتهم وخلواتهم أجهل. مسألة: قال "فَكُلُّ ماءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أّوْ مَالِحٍ". الفصل وهذا كما قال، نقل المزني ثلاثة أقسام من المياه: الأول: ما يجوز التطهر به من غير كراهية. والثاني: ما يكره التطهر به من حيث الطب، وهو ماء الشمس، والثالث: ما لا يجوز التطهر [20 ب/ 1] به وهو إذا خالطه ماء يغلبه، وبدأ في القسم الأول بماء البحر، فيجوز التوضأ به عند جمهور العلماء، وروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنهما منعا الوضوء به، وقالا: التيمم أحب إلينا منه. وروي أن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال لما سئل عنه: بحر ثم نار ثم بحر ثم نار، فذكر سبعة ماء بحر وسبعة أنوار. وقال سعيد بن المسيب: إن كان واجدًا لماء آخر لم يجز التوضأ به، وإن كان عادمًا جاز، وهذا غلط للآية التي ذكرناها. وماء البحر هو ما نزل من السماء أيام نوح صلى الله عليه وسلم، والخبر الذي ذكرناه. وروى أبو هريرة -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يطهره البحر فلا طهره الله". وروى: "من لم يطهره ماء البحر". وأما ما ذكره ابن عمر وعبد الله بن عمرو فلا معنى تحته، وقد قال القفال: أجمعت الأمة على جواز التوضأ. فتأويلي ما روي عنهما أن المسافر المحوجة إلى التيمم هي أحب إلينا من ركوب البحر، ولم يصح عنهما المنع من التوضأ به وقيل: إنهما قالا: يكره ذلك، وعندنا لا يكره ذلك. وأما اللفظ الآخر: أراد من ركب البحر أعان على نفسه، وأراد به بحور جهنم، وأن بحور الدنيا تصير يوم القيامة نيرانًا، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] أي ستسجر وتجعل نيرانًا. فإذا تقرر هذا، قال: "عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ" وهذا صحيح يجوز التوضأ بهما لقوله تعالى: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] [21 أ/ 1] وقال ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسيره: هما بحران يتوضأ بأيهما شئت. يعني بالعذب أو المالح، ولأنهما صفتان خلقت الماء عليهما فلا يضر التطهر. فإن قيل: قوله: "مالح" خطأ؛ لأنه يقال: ماء مالح ولا يقال مالح إلا لما خرج الملح فيه، ولذلك لا يجوز التوضيء به، وقيل: قوله: "مالح" جائز في اللغة، قال عمر بن أبي ربيعة:

وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ مَالحٌ ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقَهَا عَذْبَا ثم قال: "أو بئر" وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من بئر بضاعة"، ثم قال: "أو سماء" وأراد به ماء المطر، وسمي سماء لأنه يمطر من السماء وهو السحاب ثم قال: "أَوْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ" قيل: فيه خلل؛ لأن الشافعي قال: "أَوْ ثَلْجِ أُذِيب"، ونقل المزني ذلك، وهذا لا يصح؛ لأن هذا معطوف على قوله: "فَكُلَّ مَاءٍ مِنْ بَرَدٍ أَوْ ثَلْجٍ". فإذا تقرر هذا، فلا شك في جواز التوضئ بالماء الذائب منها، لأنه ماء منعقد في الحقيقة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللهم اغسلني بالثلج والبرد". فرع لو أخذ الثلج أو البرد وأمره على وجهه على هيئته، فإن كان الهواء حرًا يذوب ويسيل عليه جاز، وأن لا يجري عليه لا يجوز. وقال الأوزاعي: يجوز، وهذا غلط؛ لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، ولو مسح به رأسه جاز لأنه يذوب منه شيء بحرارة الرأس وإن قل، يكفي ذلك. فرع آخر لو كان الثلج في إمراره على الأعضاء يذوب [21 ب/ 1] عليها، ثم يجري ماؤه عليها، ففيه وجهان: أحدها: يجوز والثاني: لا يجوز؛ لأنه بعد ملاقاة الأعضاء يصير جاريًا، والأول أظهر عندي. فرع آخر الماء الذي ينعقد منه الملح لجوهر في الماء دون التربة، كأعين الملح الذي ينبع ماء مائعًا ويصير لجوهره ملحًا جامدًا. قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب: يجوز التوضئ به؛ لأنه ماء حقيقة، ولا يضر جموده كما يقول في الجليد والبرد. وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار الإمام أبي سهل الصعلوكي: لا يجوز التوضأ به؛ لأنه جنس آخر غير الماء كالنفط والقير، ولأنه يخالف طبعه طبع الماء، فإن الماء يتجمد في الشتاء ويذوب في الصيف، وهذا الماء يتجمد في الصيف. ثم قال: "مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ". وهذا صحيح عندنا لا يكره التوضئ بالماء المسخن. وحكي عن مجاهد أنه قال: يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم. وروي عن شريك بن عبد الله أنه قال: أجنبت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعت حجارة وسخنت ماء وتغسلت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلم ينكر علَّي.

وقال أنس رضي الله عنه: كان يسخن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الماء في القمقم ثم يتوضأ به للصلاة. وروي عن عمر- رضي الله عنه- أنه كان يغتسل بالماء الحميم. وروي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كنا نسخن لعمر بن الخطاب [22 أ/ 1]- رضي الله عنه - الماء في قمقم، وكان يغتسل منه ويتوضأ. وحكي عن أحمد أنه كان يكره الماء المسخن بالنجاسة؛ لأنه لا يؤمن حصول نجاسة فيه، وهذا غلط؛ لأن وجود النجاسة لا يوجب الكراهة كالماء في الصلاة. مسألة: قال: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّسَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ". الفصل وهذا كما قال ما أخذ المزني بالنقل، لأن لفظ الشافعي: "وَلَا أَكْرَهُ المَاَء المُشَمَّس" وقد كرهه كاره من جهة الطب، فميز بين الفقه والطب، ولفظ المزني: "إِلَّا مِنْ جِهَةِ الطّبّ" يخلط أحدهما بالآخر، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء المشمس هو على ضربين: أحدها: ما قصد بالشمس، فإن لم يقصد كماء المصانع والغدران والأنهار والبحور لا يكدره التوضئ به، لأنه لا يمكن الإحتراز منه، ولا يؤثر فيه الشمس أيضًا لكثرته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة توضئوا من ماء الحياض بين مكة والمدينة وكان ماؤها مشمسًا وإن قصد بتشميسه في إناء أو نحوه فإنه يكره التوضئ به شرعًا خلافًا لأبي حنيفة وأحمد، فإنهما قالا: لا يكره ذلك، وهذا غلط؛ لما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: دخل علَّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت له ماءًا في الشمس فقال: "لا تفعلي هذا يا حميراء فإنه يورث البرص". وروى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل بماء مشمس فأصابه [22 ب/ 1] وضح فلا يلومن إلا نفسه". وروى جابر أن عمر بن الخطاب كره ذلك، وقال: إنه يورث البرص. ومن أصحابنا من قال: لا يكره كما قال أبو حنيفة؛ لأن الشافعي قال: "لَا أَكْرَهُ" ثم

ذكر الطب على وجه الحكاية، والطب المذكور فيه غير صحيح، ومدار الخبر على وهب القرشي وهو ضعيف، وهذا الوجه ضعيف عند أصحابنا. فإن قيل: كيف يصح هذا الخبر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى"؟ قلنا: أراد العدوى من إنسان إلى إنسان، بأن يجالسه أو يخالطه، فأما الضرر المتولد من مأكول أو مشروب، أو استعمال شيء في يده، فليس هو من العدوى. فرع تأثير الشمس في مياه الأواني تارة يكون بالحر وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء، وإن لم تؤثر الشمس فيه فإنه لا يكره. فرع آخر لا فرق في الآنيتين أن يقصد بشمسيه أولًا. قال بعض أصحابنا: المكروه هو ما قصد بشمسيه، وهذا غلط؛ لأنه معنى النهي وهو أنه يورث البرص لا يختص بالقصد وعدمه. فرع آخر لا فرق فيه بين بلاد تهامة والحجاز وبين سائر البلاد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في البلاد الحارة إذا شمس في آنية الصفر فيعلوه شيء مثل الهب فذاك يضر، وفي غيره لا يكره، وهذا غلط لعموم الخبر. فرع آخر لو حمي بالشمس ثم برد ففيه وجهان: أحدها: أنه يكره لثبوت الحكم فيه قبل البرد [23 أ/ 1]. والثاني: لا يكره؛ لأن معنى الكراهة هو الإبل الحما وقد زال. وفيه وجه ثالث أنه يدفع فيه إلى عدول الأطباء، فإن قالوا بعد برده أنه يورث البرص يكره كره، وإلا فلا يكره، وهذا لا وجه له؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بغير أهل الاجتهاد في الشرعية، ولأن من الأطباء من ينكر أنه يورث البرص، فلا يرجع إلى قولهم فيه. فرع آخر استعمال الماء المشمس فيما لا يلاقى الجسد من غسل ثوب أو إزالة نجاسة عن أرض لا يكره، ولو استعمله في طعام فإن كان يبقى مائعًا فيه كالمرق يكره، وإن كان لا يبقى مائعًا فيه كالدقيق المعجون به أو الأرز المطبوخ فيه لم يكره. فرع آخر لو توضأ به جاز مع الكراهة؛ لأن المنع ليس لمعنى في الماء، فهو كما لو توضأ من ماء في إناء ذهب يجوز. فرع آخر لا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم، وقال أحمد في رواية: إنه يكره، واحتج بما روي ... قال: سمعت العباس بن عبد المطلب- رضي الله عنه- قائمًا عند زمزم يقول:

لا أحله لمغتسل ولكنه لشارب حل وبل. وهذا غلط لظاهر الآية، ولأن الناس كلهم يتوضؤون به في الأعصار، ولكونه نابعًا من عين شريفة لا يمنع الوضوء به كعين سُلْوَان. وأما قول العباس: يحتمل أنه قال لضيق الماء في وقته لعينه وكثرة الشاربين. فرع آخر قال بعض أصحابنا: يكره التوضؤ بالماء الحار الشديد والبارد المفرد؛ لأنه لا يمكنه إسباغ الوضوء به. مسألة: قال: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ مَاِء وَرْدٍ أَوْ شَجَرٍ". الفصل [23 ب/ 1] وهذا كما قال: هذا هو القسم الثالث من مسائل الباب وقوله: "وَمَا عَدَا ذَلِكَ" أي وما جاوز ما ذكرنا من القسمين، ثم فسره بقوله: "مِنْ مَاِء وَرْدٍ" يريد به الماء المعتصر من الورد. وقوله: "أَوْ شَجَرٍ" أراد المعتصر من الشجر، أو ما ينزل عنها إذا قطعت رطبة. وقوله: "أَوْ عَرَقٍ" قرئ بثلاث قراءات، بفتح العين والراء وبكسر العين وتسكين الراء، وبفتح العين وتسكين الراء. فأما الأولى: فهو الرشح من الآدمي وغيره من الحيوانات لا يجوز التوضئ به، وقد يحصل من العرق ما يمكن التوضئ به بمكة في البيت الحرام عند اجتماع الناس في الموسم، بحيث لو كان هناك ميزاب يسيل منه، وهذا بعيد عندي. وأما القراءة الثانية: فهو الماء الذي يسيل من أصل الشجر إذا قطع، وهو في شجر الكرم والجوز، والخلاف في وقت الربيع. وقيل: هو عرق يكون على جنب البعير، وذلك أن العرب يعطشون البعير ثم يرونه بالماء عند الأسفار الشاسعة التي يخشى فيها إعواز الماء، فإذا ألحقهم العطش يقطعون ذلك العرق فيسيل منه الماء. وقال بعض أصحابنا: هذا لا يصح؛ لأن الشافعي لم يتعرض للماء النجس في هذا الباب وهذا ماء نجس. وأما القراءة الثالثة: فهو ماء الكروش، وذلك أن العرب كانت إذا أرادت قطع المفاوز عطشوا الإبل ثم أوردوها الماء، فتحمل الماء في كروشها فإذا عدموا الماء نحروها واعتصروا كروشها وشربوا وهذا أظهر، لأنها [24 أ/ 1] الشجر تقدم ذكره. والشافعي قال في "الأم": "ولو اكتظ كرشًا فعصره لم يجز التوضئ به". والاقتظاظ: هو مشتق من غلظ الماء؛ لأن ماء الكرش يكون غليظًا، وذكر المحاملي- رحمه الله- في تصنيفه: أنه لا يجوز التوضئ به وإن كان طاهرًا، وهذا سهو منه؛ لأنه لا شك في نجاسته.

فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: كل رشح الحيوان مثل الماء أو غيره من المائعات إذا أغليت فارتفع من غليانها بخارًا وتولد منها رشح، فظاهر لفظ الشافعي يقتضي أنه لا يجوز التطهر به، لأنه يسمى عرقًا، وهذا غير صحيح عندي في الماء؛ لأن الماء إذا غلى فرشحه يكون ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، فهو ماء مطلق يجوز التطهر به. مسألة: قال: "أَوْ مَاِء زَعْفَرَاٍن، أَوْ عُصْفُرٍ، أَوْ نَبِيٍذ، أَوْ مَاِء بُلَّ فِيِه خُبْزٌ". الفصل إلى آخره، وهذا كما قال، قد تقدم الكلام في النبيذ، والمراد به الماء الذي ينبذ فيه التمر أو الزبيب حتى يتحرى فيه، فإن كان حلوًا غير مسكر فهو طاهر لا يجوز التطهر به. وقيل: إن تحرى فيه يجوز التطهر به، وإن كان مسكرًا فهو نجس لا يجوز شربه ولا التطهر به أصلًا، ويجب الحد بشربه وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة إلا في النجاسة والحد وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أنه يتوضأ به ويتيمم معه، وبه قال محمد. وروي عنه رواية ثالثة وهي الأشهر، أنه [24 ب/ 1] يجوز التوضأ به إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر، واحتج بخبر عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال له: يا عبد الله أمعك ماء؟ فقلت: لا، ولكن معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه وتوضأ به، وقال: "تمرة طيبة وماء طهور". قلنا: رواية مظعون، فإن صح نحمله على الماء الذي نبذ فيه التميرات لسلب ملوحة الماء على عادة العرب، ولم يتغير بعد بدليل أنه قال: "شجرة طيبة وماء طهور". فأفردهما بالذكر. فأما الماء الذي بل فيه خبز فإنه أراد به إذا تفتت فيه وتهرى. فإن قيل: ذلك لا بأس به وإن تغير به أدنى شيء. وقوله: "حَتَّى يُضَاَف إلى مَا خَالَطَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَجُوُز التَّطَهُّرُ بِهِ" وعلى هذا عامة النسخ. وفي بعضها: "أَوْ خَرَجَ مِنْهُ" بالألف، ومقتضى الكلام عند حذف الألف أن ماء الورد يجوز الوضوء به ما لم يخالطه زعفران أو غيره، وهذا من مواضع الإشكال، فمعناه حتى يضاف إلى ما خالطه إن كانت الإضافة إلى المخالطة، وحتى يضاف إلى ما خرج منه إن كان الإضافة إلى الأصل الذي يعتصر الماء منه، فتقدير الكلام إثبات الألف وإن لم تكن في عامة النسخ. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الماء ضربان؛ مطلق ومضاف. فالمطلق هو ما استجمع أوصافه الثلاثة اللون، والطعم، والرائحة، يجوز التطهر به.

والمضاف على سبعة أضرب [25 أ/ 1]: مضاف إلى صفة تزايله كالماء السخن ونحوه وقد ذكرناه. ومضاف إلى صفة لا تزايله كالماء المستعمل فهو طاهر غير طهور. ومضاف إلى وعائه كالكوز والجرة. ومضاف إلى قراره كماء البئر والنهر يجوز التطهر به. ومضاف إلى ما خرج منه كماء الورد لا يجوز التطهر به. ومضاف إلى ما جاوره من غير مخالطة كماء العود اليابس والعنبر، نص في "الأم" على جواز التوضئ به. وروى البويطي: وإن ظهرت رائحته، لأنه تغير مجاورة لا مخالطة، فصار كما لو تروح الماء بجيفة على شط نهر فإنه يجوز التوضئ به. وروى البويطي في مختصره: أنه لا يجوز التوضئ به، فقال: وإذا وقع في الماء الطاهر زعفران ومسك أو عنبر، أو عصفر، أو دهن فغلب لونها أو طعمها أو ريحها لا يتوضأ به. فقيل: في المسألة قولان، وقيل: المسألة على قول واحد. وتأويل ما ذكره البويطي إذا اختلط به ومضاف إلى ما خالطه، مثل الزعفران والعصفر والدقيق، فينظر فإن لم يغير له وصفًا فالتطهر به جائز، وإن غير له وصفًا من لون أو طعم أو ريح لا يجوز التطهر به كما في تغير النجاسة، وهو اختيار ابن سريج، وبه قال مالك وأحمد، وإسحاق. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما لا يجوز التوضئ به لو أصاب الماء بحال تضاف إليه، فإن تهرى فيه وامتزج، فأما إذا ظهر لونه أو طعمه أو ريحه، ولا يضاف إليه الماء، فإنه يجوز التوضئ [25 ب/ 1] به في المذهب المشهور، وهذا أصح. وحكي عن الشافعي أنه قال: "يعتبر ذهاب الأوصاف الثلاثة جميعًا، لأن القليل من ماء الورد يغير الرائحة، والقليل من الخل يغير طعم ولا يزيل إطلاق الاسم. وقيل: أصل المسألة أن الثوب إذا غسل من الخمر فبقي رائحتها هل يبقى حكم؟ قولان. وقال أبو حنيفة: يجوز التوضئ به بكل حال ما لم يسلب وقته، ووافقنا في ماء الباقلا المغلي أنه لا يجوز التوضئ به فيقيس عليه وحكي عن الزهري أنه قال: الماء الذي بل فيه خبز يجوز التوضئ به سواء غيره أم لم يغيره. وكان أبو بكر الرازي يقول: إذا وقع فيه زعفران أو عصفر وصار بحيث يصنع به الثوب لا يجوز التوضأ به. فرع لو طبخ الأرز أو الحمص بالماء، فإن انخَّل في الماء لا يجوز التطهر به، وإن لم ينحل ولا تغير به بالماء، فإنه يجوز التطهر به. وإن تغير به الماء من غير انحلال أجزائه فيه وجهان: أحدهما: يجوز التطهر به كما لو تغير بلا انحلال من غير طبخ. والثاني: لا يجوز؛ لأنه بالطبخ صار مرقًا ذكره في "الحاوي".

فرع لو تغير الماء بالشمع يجوز استعماله كما لو تغير بدهن، ولو تغير بشحم أذيب فيه بالنار، فيه وجهان: أحدها: يجوز استعماله، لأن الشحم دهن. والثاني: لا يجوز؛ لأن مخالطة الشحم للماء يحوله مرقًا. قال في "الحاوي": وعلى هذا المني إذا وقع في الماء كان طاهرًا، فلو غير الماء فيه وجهان: أحدها: لا يجوز استعماله [26 أ/ 1] كما لو تغير بمائع غير المني. والثاني: يجوز استعماله لأنه لا يكاد ينماع في الماء كالدهن، وهذا تفريع بعيد. فرع آخر إذا وقع الكافور في الماء فتغير به، وهذا لأن الكثير يخالط الماء والقليل لا يخالط بالرائحة رائحة مجاورة. وقال أبو حامد: هذا لا يصح، والمذهب أنه لا يجوز التطهر به لأن الشافعي قال في "الأم": "ولو صب فيه مسكًا أو ذريرة أو شيئًا ينماع فيه فظهر فيه ريحه لا يتوضأ به" والكافور ينماع فيه، وهو في معنى المسك. وقيل: الكافور نوعان: نوع فيه دسومة فيتفتت فيه ولا ينماع ويرسب فتاته في الماء، فهذا لا يضر، ونوع ينماع فيه فإن كثر بحيث لو كان له نوع نظم عليه حتى يضاف إليه الماء لا يجوز التوضأ به. وهو اختيار القفال، والصحيح عندي الأول؛ لأن له رائحة زكية فالقليل تغير الماء الكثير مجاورة، ولهذا قال الشافعي في غسل الميت: "ويجعل في كل ماء قراح كافورًا" فدل أنه لا يضره. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان بناء على ما لو بقي رائحة الخمر في الأرض بعد غسلها، هل تطهر؟ قولان فإن قلنا: لا حكم للرائحة هناك فلا يضر هنا. فرع آخر إذا وقع في الماء قطرات أو بان، فتغيرت رائحته، قال في "الأم": "لا يمنع التوضأ به" وقال بعده بقليل: "لا يجوز التوضأ به، لأن يخالطه". قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، والقطران على ضربين؛ ضرب لا يختلط [26 ب/ 1] بالماء ويقف عليه، وهو نوع منه كالدهن يعلو الماء فلا يمنع التوضأ به؛ لأن به تغير المجاورة. وضرب يختلط بالماء فيمنع التوضأ به إذا غلبه. وقال القاضي الطبري: ننحى فيه قول البويطي فيكون فيه قولان. فرع آخر إذا وقع فيه أوراق الشجر فتغير بها قال الشافعي: "يجوز استعمال به" قال أبو إسحاق: لأنه

تغير بالمجاورة فلا يضره. وقال غيره: لا، لأنه يمكن حفظ الماء منها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا يضر الماء وهو الأصح. والثاني: يضره. والثالث: إن كان خريفيًا لا يضره، وإن كان ربيعيًا فإنه يزيل طهوريته. والفرق من وجهين: أحدهما: أنه يخرج من الربيعي رطوبة تختلط بالماء بخلاف الخريفي، فإنها يابسة كالخشب. والثاني: أن الربيعي قلما يتأثر من الشجر فيمكن صون الماء عنه بخلاف الخريفي، ولو تغير بالثمار فإنه يزيلها لطهورته بلا خلاف. فرع آخر لو كان ورق الشجر مرقوقًا ناعمًا بغير الماء لم يجز استعماله؛ لأنه تغير مخالطة، وقال أبو حامد: يجوز استعماله كما لو كان صحيحًا، وهذا غلط؛ لأن تغيره مجاورة بخلاف هذا. ذكره صاحب "الحاوي". فرع آخر إذا تغير الماء بالملح وغلب عليه، لا يجوز التوضأ به؛ لأنه معدن وهذا هو المذهب، وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا. والثاني: لا يزيل الطهورية بحاٍل، وهو اختيار القفال؛ لأن الملح هو [27 أ/ 1] ما في الأصل. والثالث: وهو اختيار أبي حامد: إن كان ملح حجر يزيل الطهورية، وإن كان ملح جمد مثل أن يرسل الماء في أرض محالة فتصير ملحًا لا يزيل الطهورية، لأن به ماء يتغير بمجاورة الأرض. فرع آخر لو قال: وقع في الماء ما لا يغيره كماء الورد المنقطع الرائحة، وماء الشجر، وعرق الآدمين، وهذا يبعد لأنه لابد من أن يتفرد عنه بطعم، فإن اتفق ذلك فمن أصحابنا من قال: يعتبر الغالب منها بالكثرة كما في الماء المستعمل، فإن كان الغالب الماء فإنه يجوز التطهر به، وإن كان الماء مغلوبًا فلا يجوز التطهر به. ومن أصحابنا من قال- وهو اختيار القفال- لا يراعى هذا، بل ينظر فإن خالطه قذر لو كان له رائحة أو لون غلب عليه وصيره مثل نفسه، فإنه يزيل طهوريته وإلا فلا يزيل، وهذا حسن. فإن قيل: الأشياء تختلف في ذلك فبأيها تعتبر؟ قيل: يعتبر بما هو للأشبه. فرع آخر لو خالطه التراب أو غيره، فإن صار نجسًا بطبعه فلا يجوز التطهر به وإن كان جاريًا بطبعه ولكن تغير طعمه ولونه يجوز التطهر به؛ لأنه قرار الماء والماء لا ينفك عنه غالبًا. وقيل: لأنه طهور في نفسه فلا يزيل الطهور به. والعلة الأولى هي أصح؛ لأنه

لو تغير بالأوراق والطحلب فإنه يجوز التطهر به. وإن لم يتغير فطهور. وقال في الحاوي. فيه قولان: أحدها: لا يجوز، لأنه [27 ب/ 1] مذرور. وهذا بعيد عندي. وقال في حرملة: لو كان الماء يجري على حجر الكحل والنورة فتغير صفته منه يجوز التوضئ به؛ لأنه قراره. ولو أخذ حجر النورة فسحقه وطرحه فيه لا يجوز التوضئ به؛ لأن تغيره بصنعة آدم ويمكن الاحتراز منه وعلى قياس هذا لو جفف أوراق الشجر وسحقه وطرحه في الماء فغيره لا يجوز التوضئ به وقال: لو أخذ ترابًا فطرحه في الماء فكوره لا يمنع التوضئ به؛ لأن هذا لم يغير عن أصل خلقته، وهو يوافق الماء في الطهورية حتى لو غيره عن أصل خلقته. فإن طبخ الطين ودقه فطرحه في الماء لا يجوز التوضئ به. وقال شيخنا الإمام ناصر- رحمه الله-: فيه وجهان؛ المنصوص ما ذكرنا، والوجهان غلط، ولو تغير الماء بطول المكث في المكان أو تغير لحيائه يجوز التوطئ به، نص عليه في البويطي و"الأم". فرع آخر لو كان معه من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فكمله بمائع استهلك فيه كماء الورد والعرق، قال صاحب "الإفصاح": لا يجوز التوضئ به؛ لأنه يقطع أنه غسل بعض الأعضاء بغير ماء، وقال الشيخ أبو حامد: غلط فيه؛ لأنه استهلك فيه فسقط حكمه، إلا أنه لو كان معه من الماء وفق الكفاية مرة مرة فصب عليه رطلًا من ماء ورد فاستهلك فيه، فإنه يجوز التوضئ بكله، وإن كنا نقطع بأنه غسل بعض أعضاء الطهارة بغير الماء، ولأن صاحب "الإفصاح" قال: لو خالطه ولم [28 أ/ 1] يغيره فتوضأ به ونفي منه بقدر المائع جاز؛ لأنه لم يتوضأ بغير الماء، وهذا لا يصح؛ لأن الذي استعمله بعضه ماء وبعضه مائع، والذي نفي كذلك. ولا يجوز أن يكون الذي نفي هو المائع خاصة. فرع آخر إذا أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه بالأرض، قال في "القديم" إذا لم يبق إلا الأثر الذي لا يخرجه إلا الماء صار معفوًا عنه، ويجوز له أن يصلي معه. وقال في "الجديد": لا يجزيه إلا أن يغسله، ولا شك أنه لا يطهر بذلك. وجه الأول وهو قول أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض" وروى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إذا وطئ الرجل بخفه أو نعله نجاسة يطهره بالتراب". وجه القول الثاني: وهو الصحيح أنه لباس

باب الآنية

نجس فلا يزول حكم نجاسته بالدلك كالثوب. فرع آخر لو أكلت الهرة فارة ثم ولغت في الماء القليل تنجس الماء؛ لأّنا تحققنا نجاسة فمها. ومن أصحابنا من قال: لا ينجس؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات". ولأن الاحتراز منه لا يمكن، وهذا خلاف النص، وإن غابت ثم عادت فشربت؟ فيه وجهان: أحدها: ينجس؛ لأن الأصل نجاسة فمها. والثاني: لا ينجس؛ لجواز أنها وافت في ماء كثبر، فطهر فمها، والأصل طهارة الماء، وهذا إن احتمل ذلك، وقد قال في مختصر البويطي: [28 ب/ 1] لا بأس بفضل الهرة والسباع والدجاج والطيور، إلا أن يكون في مناقير الطيور وأفواه السباع نجاسة، ويكون الماء أقل من خمس قرب فلا يجوز الوضوء به، وهذا يدل على أن سؤرها لا يكره، وعند أبي حنيفة يكره سؤر الهرة وإن لم ينجس، وهذا غلط؛ لما روى داود بن صالح التمار عن أمه، قالت: أرسلتني مولاتي بهريسة إلى عائشة -رضي الله عنها - فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضيعها، وعندها نسوة، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت عائشة قالت النساء: كلن وابقين موضع فم الهرة، ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة، ثم قالت: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم". وقد رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة. فرع آخر كل ما يدفع الحدث لا يجوز إزالة النجاسة به على ما ذكرنا خلافاً لأبي حنيفة. وبقولنا قال محمد، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن كانت النجاسة على البدن لا تجوز إلا بالماء، وإن كانت على غيره فإنها تجوز بغير الماء، وهذا غلط، لأنه لا فرق في القياس بينهما. واعلم أن الشافعي عبر في هذا الباب بعبارة التطهر به حولها، ومنعا لأنها عبادة جامعة للوضوء وإزالة النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما. باب الآنية [29 أ/ 1] مسألة: قال: (ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت). وهذا كما قال: وروى في ترجمة هذا الباب: باب في الآنية، وروى باب الآنية وهو الأشهر. والقصد من هذا الباب بعد ذكر المياه التي يجوز التطهر بها والتي لا يجوز، ذكر الأواني الطاهرة التي يجوز منها التطهر، والتي لا يجوز؛ لأن الغالب من

المياه التي يتطهر بها أنها تكون في الأواني. وجملته: أن الأواني الطاهرة يجوز التطهر من الماء الذي فيها، ولا يجوز التطهر من الماء الذي في الأواني النجسة، ومن الأواني الطاهرة ما ينهى عن استعمالها مع جواز التطهر من مائها. فإذا تقرر هذا، فقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة إذ دبغت" أراد به ميتة كانت طاهرة في حال الحياة، فنجست بالموت؛ لأن الحوت لا ينجس بالموت ولا يحتاج في جلده إلى الدباغ، والكلب نجس في حال الحياة فلا يؤثر في تطهير جلده الدباغ. وفيما نقله المزني خلل؛ لأن هذا لفظ عام وعطف عليه الخبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وهو عام، يدخل تحته السباع وغيرها. ثم عطف عليه فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ". وهذا لا يحسن، ألا ترى أنه لو قال قائل: جميع الجلود تطهر بالدباغ، وكذلك جلود السباع كان لغوأً، وإنما ذكر الشافعي في أول الباب خبر شاة ميمونة وهو أنه صلي الله عليه وسلم [29 ب/ 1] مر بشاة ميتة لميمونة، وروي لمولاة ميمونة، فقال: "هلا انتفعتم يإهابها؟ " فقيل: إنها ميتة، فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". وروي أنه قال: "أليس في الشب والقرظ ما يطهره". وروي أنه قال: "إنما حرم عن الميتة أكلها". ثم عطف عليه، فقال: " وَكَذَلِكَ جُلُودُ مَا لاَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنَ السَّبَاعِ " ويحسن عطف العام على الخاص كما فعل الشافعي ولا يحسن عطف الخاص على العام كما فعل المزني. وقوله: "ويتوضأ في جلود الميتة" ومعناه بالماء الذي في جلود الميتة. واعلم أن الميتات كلها نجسة إلا خمسة؛ الحوت، والجراد، والصيد إذا مات في يد المعلم من غير عقر في قول، والآدمي في قول، والجنين إذا خرج ميتاً بعد ذكاة أمه. واختلف الناس في جلود الميتات على سبعة مذاهب: فذهب الشافعي إلى أن جلود الميتات تنجس بالموت كما ينجس لحمها، إلا أنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان كان طاهراً في حياته ظاهراً وباطناً، ويجوز الصلاة معه وعليه، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة واليابسة، وكل حيوان نجس في حال حياته كالكلب والخنزير وما توالد منهما،

أو من أحدهما لا يطهر جلده بالدباغ أصلاً وبه قال علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - وذكر ابن القطان وجهان، الجلد لا ينجس بالموت، وإنما الزهومة فيه تصير نجسة فيؤمر بالدباغ لزوالها كما يغسل من النجاسة، وهذا [30 أ/ 1] ليس بشيء؛ لأن كل جزء تحله الحياة تنجس بالموت. وأما جلد الآدمي هل ليطهر بالدباغ؟ فيه وجهان. إذا قلنا إنه ينجس بالموت في أضعف القولين، وقيل: إنه لا يتأتى فيه الدباغ، وقال أبو حنيفة: يظهر جلد الكل بالدباغ إلا جلد الخنزير والإنسان. ثم منهم من قال: عين الخنزير نجس في حال الحياة كمذهبنا. ومنهم من قال: عينيه طاهرة كعين الكلب، إلا أن جلده لا يقبل الدباغ؛ لأنه نبت الشعر في جلده من لحمه. وقال أبو يوسف: يطهر جلد الخنزير أيضاً، وبه قال داود. وروى هذا عن أبى حنيفة. وقال مالك: يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيجوز الصلاة عليه ولا يجوز الصلاة فيه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة دون الرطبة، إلا الماء فإنه عنده لا ينجس الماء إلا بالتغير. وقال الأوزاعي، وأبو ثور، وإسحاق: يطهر جلد ما يؤكل لحمه بالدباغ دون ما لا يؤكل. وقال أحمد: لا يطهر جلد الميتة بحالٍ في رواية، وبه قال عمر وابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهم-، وروى هذا عن مالك أيضاً. وقال ابن المنذر: كان الزهري ينكر الدباغ، وقال: ينتفع بجلود الميتة على كل حال ما وسع الناس فيه قولا الزهري، ثم داود، ثم أبو حنيفة، ثم مالك، ثم الأوزاعي، ثم أحمد، والدليل على بطلان قول أبي حنيفة أن الكلب حيوان نجس العين فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير. وقول الشافعي [30 ب/ 1]: لأنهما نجسان وهما حيان إشارة إلى الدليل. وهو أن الدباغ معالجة فتزيل النجاسة العارضة دون الأصلية، ونجاسة الكلب هي أصلية فلا ترتفع بالدباغ كما لا ترتفع بالحياة. والدليل على بطلان قول أبي يوسف أن الحياة هي أقوى من الدباغ، والحياة لا تطهر جلد الخنزير فالدباغ أولى أن لا يطهره. والدليل على بطلان قول مالك ظاهر ما ذكرنا من الخبر. وروى عن سودة بنت زمعة - رضي الله عنها - أنها قالت: ماتت شاة لنا، فأخذنا إهابها ودبغنا. وجعلنا منه قربة ننبذ فيها إلى أن صارت شناً. ومعنى ننبذ فيها: أي نطرح التميرات في الماء الذي فيها حتى نسكب ملوحته وتصير حلوى. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: توضأ رسول الله صلي الله عليه وسلم من قربة قيل له: إنها ميتة، فقال: "إن دباغها

يذهب رجسها أو نجسها وخبثها". ولأنه جلد يجوز الصلاة على قلبه ووجهيه، فيجوز الصلاة معه أصله جلد المزكي المأكول واحتج مالك أنه جامد نجس فلا ينقلب طاهراً. قلنا: يبطل بظاهر، ثم تأثير الدباغ في باطنه كهو في ظاهر فيستوي حكمها. والدليل على بطلان قول الأوزاعي عموم الخبر، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأنه حيوان طاهر العين فأشبه المأكول، واحتج بان الزكاة أقوى من الدباغ ولا تؤثر الزكاة إلا فيما يؤكل بالدباغ أولى، ولأنه حيوان لا يطهر [31 أ/ 1] جلده بالزكاة فلا يطهر بالدباغ كالكلب. قلنا: الدباغ أقوى؛ لأنه يرفع النجاسة المحققة والزكاة ترفع النجاسة، وإنما افترقا لأنه يقصد بالزكاة اللحم، فإذا لم ينج اللحم لا يطهر الجلد بالدباغ، يقصد الجلد لا غير فيرده إلى حالة الحياة من الطهارة. والدليل على بطلان قول أحمد الخبر الذي ذكرناه، واحتج بما روي عن عبد الله بن عكيم أنه قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهران: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب". وروي: "لا تنتفعوا من الميتة بشيء". ولأنه جزء من الميتة فلا يظهر بالدباغ كاللحم، لأنه تنجس بالموت فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب. قلنا: أما الخبر فمضطرب مرسل، وخبرنا مسند أخرجه مسلم في الصحيح، ثم أراد به قبل الدباغ؛ لأنه يسمى إهاباً قبل الدباغ وبعده يسمى أديماً أو صوفاً. فإن قيل: خبرنا ورد قبل موته بشهر فهو متأخر؟ وأما اللحم فلا يؤثر فيه الدباغ ولا يغيره عن حالته، بل يفسده بخلاف الجلد. وأما الكلب فجلده لمنجس بالموت. بل كان نجساً قبله بخلاف هذا. والدليل على بطلان قول الزهري الخبر الذي ذكرنا؛ لأنه جعل الدباغ شرح في طهارة الجلد. وروت عائشة - رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يستمتع [31 ب/ 1] بجلود الميتة إذا دبغت". واحتج بخبر شاه ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه الدباغ، وقال: "إنما حرم من الميتة أكلها". قيل: روينا لفظ الدباغ، وروي: "فدبغوه وانتفعوا به"والناس أولى، وقوله: "إنما

حرم أكلها": تحريماً لا يرتفع وتحريم الجلد يرتفع. قالوا: لو كان نجساً لم يطهر بالدباغ؟ قيل: يجوز أن يكون الشيء نجس العين وينقلب طاهراً كالخمر يصير خلاً. فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في ثلاثة فصول: أحدها: فيما يدبغ به الجلد. والثاني: في جواز بيعه. والثالث: في جواز أكله. فأما ما يدبغ به الجلد: فيجوز أن يدبغ بما كانت العرب يدبغون به من القرظ والشب هكذا في الخبر. قال أصحابنا: والشب أفصح، وروي ذلك وهو شيء يشبه الزاج وقيل: الشت بثلاث نقط، هو شجر من الطعم لا يعلم هل يدبغ به أم لا؟ والقرظ: ورق شجرة تنبت بتهامة يدبغ به الجلد. ويجوز أيضاً بكل ما يقوم مقامها من العفص وقشور الرمان، وما أشبه ذلك مما ينشف الفضول ويزيل الرطوبة حتى لا يفسد بورود الماء عليه. وفي خبر ميمونة -رضي الله عنها - ذكر القرظ والشب، وقال قي خبر آخر: "ويطهرها الماء والقرظ". فصار تنبيها على ما يقوم مقامها. ومن أصحابنا من قال: يعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ أن ينشف فضوله الظاهرة، ورطوبته الباطنة، وأن يطيب الرائحة [32 أ/ 1]، وأن يبقي على حالته بعد الاستعمال. فلا يفسد بورود الماء عليه مدة. ومن أصحابنا عن زاد وصفاً رابعاً، فقال: وأن ينقل اسمه من الإهاب إلي الأديم والشت. وقال الشافعي: "ولا يجوز بالتراب ولا بالملح" وهذا صحيح؛ لأنه لا يصلحه على ما ذكرنا، وكذلك الشمس لا تطهره. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يطهرها التتريب والشمس؛ لأنها تجففه وتنشف فضوله، وهذا غلط؛ لأنه لا يأمن الفساد، ومتى لحقه بالماء عاد إلي حاله. وذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه إنما يطهره ذلك إذا عملت فيه عمل الدباغ على ما ذكرنا. وقد قال أصحابنا: إن كان الرماد ونحوه يصلحه يجوز به الدباغ أيضاً، ثم إذا دبغ الجلد وأحكمه، قال أبو إسحاق: لا يطهر حتى يغسل بالماء القراح ليطهر ما جاوره من النجاسة؛ لأن ما لاقاه نجس به. وقال بعض أصحابنا: يطهر بالدباغ ولا يحتاج إلي الماء، وهو ظاهر السنة، ولأن العين انقلبت فصارت طاهرة كالخمر يصير خلاً. وبه قال صاحب "التلخيص" كل نجاسة لا يجزئ في تطهيرها إلا الماء إلا الاستنجاء والدباغ، والأول أصح وأقيس. فرع ما يتناثر من الجلد من أجزاء والدباغ هل يكون نجساً؟ فإن قلنا: يجب غسل الجلد وهو المذهب، فهو نجس، وإن قلنا: لا يجب غسل الجلد فتلك الأجزاء طاهرة؛ لأن نجاستها لنجاسة الجلد، فإذا زالت نجاسة الجلد حكم بطهارتها كما يحكم بطهارة المزر إذا انقلب خلاً.

فرع آخر [32 ب/ 1] قال في "الأم": "لو دبغ وترك عليه شعر فيما بين الماء الشعرة نجس الماء، وإن كان الماء في باطنه والشعر على ظاهره لم ينجس الماء. قال صاحب "الإفصاح": وهذا يدل على أن جلد الميتة إذا دبغ بماء نجس طهر. وقال القاضي الطبري: هذا لا يجيء على مذهب الشافعي، وتأويله: أنه غسل باطنه بالماء القراح، ثم جعل فيه الماء، وإذا دبغ بشيء نجس يحتاج إلى الماء القراح بلا خلاف. وقال بعض أصحابنا: بخراسان: هل يطهر به؟ وجهان. وهذا لا وجه له؛ لأنه يؤدي إلى أن لا سبيل إلى تطهيره؛ لأنه لا يمكن رده غير مدبوغ، والصحيح أنه يطهر ويغسل بالماء بعده. فرع آخر جلد ميتة الغير ودبغة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ملكاً لربه. والثاني: يكون ملكاً لدابغه. والثالث: إن كان رب الجلد رفع يده، فإن ألقاه فأخذه الدابغ كان ملكاً للدابغ، وإن لم يكن قد رفع يده كان لربه. وأما الفصل الثاني: وهو الكلام في جواز بيعه: فلا خلاف أنه لا يجوز بيعه قبل الدباغ. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال يجوز بيعه؛ لأنه يمكن تطهيره ولا يصح عنه، بل هو قول بعض السلف وهو ربيعة، وهو غلط؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه". وهذا الجلد محرم قبل الدباغ. وقال: أصحابنا: يجوز استعماله في اليابسات ويجوز هبته على سبيل نقل اليد والوصية به أيضاً على سبيل [33 أ/ 1] التمليك. وأما بيعه بعد الدباغ، قال في "القديم": لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به". فخص الانتفاع فلا يحل ثمنه. وقال في "الجديد" وهو الصحيح، وبه قال كافة العلماء: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر منتفع به ليس في بيعه إبطال حقه، فجاز بيعه كالزكاة، فأما ما ذكر فلا يصح؛ لأن بيعه من جملة الانتفاع به، وعلى هذا أصل هل يجوز إجارته؟ وجهان كالكلب. وقيل يجوز إجارته وهبته والوصية به قولاً واحداً، وإنما القولان في بيعه ورهنه. وأما الفصل الثالث وهو الكلام في جواز أكله: قال أصحابنا بالعراق: وإن كان جلد حيوان لا يؤكل لا يجوز أكله قولاً واحداً؟ لأنه لا يحل بالزكاة مع أنها أقوى، فلأن لا يحل بالدباغ أولى، وإن كان جلد حيوان يؤكل فيه قولان. قال في "القديم": لا يحل أكله وهو الصحيح؛ لأنه جلد طاهر من حيران مأكول، فأشبه المزكي وأما الخبر فقد روى: "إنما حرم من الميتة لحمها".

وقيل: إنما بني قوله في "القديم" على أن باطن الجلد لا يطهر بالدباغ، وهذا ليس بشيء. وقال بعض أصحابنا بالعراق: قوله القديم أصح؛ لأن الدباغ لو أفاد الإباحة لم تصح فيما يوكل لحمه كالمزكاة. وقال القفال [33 ب/ 1]: القولان في جميع الجلود ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه طاهر لا حرمة له ولا يتضرر بأكله، وهذا أقيس. وذكره ابن كج رحمه الله تعالى. مسألة: قال: "وَلاَ يَطْهَرُ بالدِّبَاغِ إِلاَّ الإِهَابُ وَحْدَه". وهذا كما قال، أراد به: ولا يطهر من الميتة بالدباغ إلا الجلد والمشبعة التي فيها الولد إذا انفصلت من الحيوان يكون نجساً ولا يطهر بحال، فأما الصوف والشعر والريش والقرن والعظم قلا يطهر بحالٍ، وهو ظاهر المذهب. ذكره القاضي أبو حامد في جامعه، وقال الشيخ أبو حامد، وأبو إسحاق: فيها قولان: أحدها: أنها طاهرة كالخشب وهذا ليس بصحيح. وأما الصوف والشعر والريش، فالنص هاهنا، وهو رواية الربيع وحرملة والبويطي أن فيها حياة وتنجس بالموت ولا تطهر بحالٍ وهو ظاهر المذهب. وروى ربيع بن سليمان الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، فإذا دبغ الجلد طهر تبع الشعر وهذا لا يصح؛ لأن الدباغ لا يؤثر في الشعر ولا يصلحه، بل يمزقه فلم يقر طهارته بللحم بخلاف الجلد. وروى إبراهيم البليدي عن المزني عن الشافعي أنه رجع من تنجيس شعر بني آدم فمن أصحابنا من قال: هذا لكرامة الآدميين، وحكمه مقصور على شعورهم، وهذا [34 أ/ 1] هو الصحيح. ومنهم من قال: هذا لأنه اعتقد أنه لا وقع في الشعر، فهو قول في جميع الشعور. فعلى هذا حصل أربعة أقوال: أحدها: الكل طاهر إلا شعر الكلب والخنزير، ولا روح فيها وبه قال أبو حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والمزني. وقال أبو حنيفة في شعر الكلب مثله، وفي شعر الخنزير روايتان عنه، وقال مثل هذا في العظم والسن والقرن وخالفه فيها مالك، وأحمد، وإسحاق والمزني ووجه هذا القول أنه لا يحسن ولا يألم. والقول الثاني: فيه روح والكل نجس إلا ما يؤخذ من الحيوان المأكول ني حياته أو بعد ذكاته لا جزء من حيوان ينمو بحياته فينجس بنجاسة موته كسائر الأجزاء. وبه قال عطاء والحسن، والأوزاعي والليث بن سعد. وحكي عن حماد أن فيه روحاً وينجس لموته، ولكنه يطهر بالغسل. وروي نحوه عن الحسن، والأوزاعي، ومالك، والليث، ووافقونا في العظم أنه لا يطهر بحالٍ. والثالث: الجلد على ماذكرنا، وبه قال مالك. والرابع: أنه شعر بني آدم هو مخصوص بالطهارة للكرامة وما عداه نجس إلا ما ذكرناه. ومن أصحابنا من قال: تنجس بالموت ولا رفع فيه كاليد الشلاء لا روح فيها،

وتنجس بموت الحيوان لاتصالها به وهو ضعيف. فإذا تقرر هذا، فعلى المذهب المشهور الحيوان على ثلاثة أضرب، نجس، وطاهر يؤكل لحمه، وطاهر لا يؤكل لحمه، فالنجس ما كان [34 ب/ 1] نجساً في حال حياته، فلا سبيل إلى طهارة شعره. وأما ما يؤكل لحمه فشعره طاهر إذا جز وحلق، وإذا زكى، فلو نتف أو قطع بضعة لحم منه وعليها صوف أو شعر لا نص فيه. واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إنه نجس لأنه غير مأذون فيه. ومنهم من قال: إنه طاهر وهو كالذبح بسكين، قال: يفيد الإباحة مع الكراهة والتحريم وتنجس شعره في موضع واحد، وهو إذا مات حتف أنفه. وأما ما لا يؤكل لحمه من الطاهر كالبغل والحمار ونحوها فشعره طاهر في موضع واحد، وهو ما دام قائماً عليه في حياته، فإن جز منه أو حلق أو مات حتف أنفه أو قتل أو ذبح نجس، فإن دبغ الجلد فهو يطهر الشعر تبعاً، فهو على ما ذكرنا من القولين. وأما شعر بني آدم قال بعض أصحابنا: الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، والصحيح أنه لا ينجس؛ لأنه يؤمر بغسله تعباً فإن قلنا: لا ينجس بالموت فشعره وشعر ما لا يؤكل لحمه واحد. وقيل في شعره قول واحد إنه طاهر، لأنه صح رجوعه فيه. وأما شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قلنا شعر غيره من الآدميين طاهر فشعره أولى. وإن قلنا: ذاك نجس ففي شعره وجهان. قال أبو جعفر الترمذي وجماعة: هو طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه فرق شعره على أصحابه، ولو كان نجساً [35 أ/ 1] منه كالدم والبول. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في بوله ودمه وجهان أيضاً؛ لأن ابن الزبير حسا دمه تبركاً ولم ينكر عليه. وروي أن أبا طيبة شرب دمه. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع محاجمه إلى علي - رضي الله عنه -، فقال: "واره حيث لا يراه أحد" فشرب دمه وقال: واريته حيث لا يراه أحد، فقال: "لعلك شربتها". فقال: نعم. فلم ينكر عليه. وروي أنه أم أيمن شربت بوله فقال: عليه الصلاة والسلام: "لا ينجع بطنك" وهذا بعيد. وقد روي أنه نهى أبا طيبة عن مثله وقال: "حرم الله جسمك على النار". وروي عن سالم بن أبي سالم الحجام، قال: حجمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وليث المحجمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم شربته، فقلت: يارسول الله شربته، فقال: "ويحك يا سالم، أما علمت أن الدم كله حرام، لا تعد".

فرع الوسخ الذي ينفصل عن الآدمي في الحمام حكمه حكم ميتة الآدمي نجس يعفي عن قليله؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه كدم البراغيث، وفسر بعض أصحابنا القليل بالشعرة والشعرتين، وقال: إذا وقع في الماء القليل فإنه يعفي عنه، ذكره أهل العراق. وفيه نظر؛ لأن العفو عن يسير النجاسة لا يكون في الماء؛ لأنه يتعدى وينتشر بخلاف الثوب. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وَلَوْ كَانَ الصَّوفُ وَالْشَّعْرُ وَالْرَّيشُ [35 ب/ 1] لاَ يَمُوتِ بِمَوْتِ ذَوَاتِ الرُّوحِ، أَوْ كَانَ يَطْهُرُ بِالدَّبَاغِ لَكَانَ ذَلِكَ في قَرْنِ الْمَيْتَةِ وَسَبيِّهَا، وَجَازَ في عَظْمِهَا، لأَنَّه قَبْلَ الدِّباغِ وبَعْدَهُ سَوَاءُ". وقصد به الرد على مالك لا على أبي حنيفة، وكان الشافعي شك في مذهبه فلم يتيقن أنه يقول: لا ينجس الأشياء البادية بالموت أصلاً، أو يقول: تنجس ولكنها تطهر بالدباغ فألزمه الدليل على .... فقال: إن زعمت أنها لا تنجس بالموت فهلا قلت ذلك في السن والعظم والقرن، وإن زعمت أنها تنجس ثم تطهر بالدباغ، فهلا قلت ذلك في هذه الثلاثة أيضاً؛ لأن هذه الأشياء الستة قبل الدباغ وبعده سواء، لا تأثير للدباغ فيها كتأثيره في الجلد. ومن أصحابنا من قال: إنه قصد به الرد على أبي حنيفة ومالك، وتقديره: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، كما قال أبو حنيفة، أو كان يطهر بالدباغ كما قال مالك، كان س في قرن الميتة وسيما دليل على أبي حنيفة، إلا أنه لا يسلم ذلك، فننقل الكلام إليه، واحتج بقوله تعالى: {قَالَ مَن يُحْيِي اَلَعِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78]. وقوله: وكان في عظمها دليل على مالك والأول أصح. وعلى هذا قوله: "وجاز في عظمها".لم يقتصر فيه على مجرد العطف كما اقتصر في السن تحسيناً للعبادة، ولا معنى له غيره، فتقديره: لكان ذلك قي قرن الميتة وسنها وعظمها. فرع إذا ماتت شاة وفي ضرعها [36 أ/ 1] لبن كان نجساً لا يحل شربه. وقال أبو حنيفة، وداود: يحل شربه؛ لأن السحابة لما فتحوا المدائن أكلوا الجبن، وهو يعمل بالأنفحة، وهي تؤخذ من صغار المعز فهي بمنزلة اللبن، وذبح المجوس بمنزلة موت الحيوان، وهذا غلط؛ لأنه مائع غير الماء، وفي وعاء نجس فكان نجساً، كما لو حلب في إناء نجس ولا علم لنا بما ذكروه عن الصحابة. فرع آخر إذا ماتت دجاجة وفي جوفها بيضة، فإن كانت رخوة ضعيفة فهي كاللبن، وإن كانت

قوية وصلبة قشرها فهي طاهرة، كما لو وقعت البيضة في ماء نجس. وقال بعض أصحابنا: فيها ثلاثة أوجه: أحدها: طاهرة لأن فيها جمودة والثاني: أنها نجسة وإن تصلبت، وحكام ابن المنذر عن علي -رضي الله عنه - وعلل بأنها ميتة. وروي ذلك عن ابن مسعود أيضاً. وقيل: اختاره الشافعي مرة، والثالث: التفصيل على ما ذكرناه، وهو المذهب؛ لأن البيضة مودعة في الحيوان لا تحلها الحياة والموت، ولو تفرخت هذه البيضة كان الفرخ طاهراً بلا خلاف. فرع البيضة لذا صارت مذرة واختلطت الصفرة بالبياض طاهرة وحكمها حكم اللحم إذا نتن. فرع آخر إذا انفصلت البيضة من الدجاجة ففي بللها وجهان أحدهما: أنه ظاهر كالمنى، والثاني: أنه نجس وهو الظاهر وهكذا الوجهان في البلل الخارج تبع الحمل. فرع آخر إذا ماتت الظبية وفيها فارة مسك تنجس الفارة [36 ب / 1] وجهاً واحداً بخلان البيض لأن للبيض نماء بعد موت الدجاجة وليس لفارة المسك نما. فرع آخر المرة العفرة نجسة لأنها غذاء يغير إلى النساء. فرع آخر أنفحة السخلة المذبوحة إذا لم تكن شربت إلا اللبن طاهرة؛ لأنها وإن كانت غذاء متغير فما تغير إلى الفساد، فإن ماتت فهي نجسة. فرع آخر البلغم عند الشافعي طاهر. وحكي عن المزني أنه قال: هو نجس. وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنه -: "ما نحامنك ودموع عينيك إلا سواء". ولأنه يخرج من الرأس أو من الحلق والصدر فكان طاهراً كالمخاط. فرع آخر الماء الذي يسيل في النوم طاهر وإن كان متغير الرائحة كاللعاب، وإن علم أنه خرج من المعدة لمرض أو علة، ويعرف ذلك بالنتن فهو نجس. فرع آخر لو رأى شعراً فلم يعلم أنه من شعر مأكول أو غير مأكول، فيه وجهان بناء على أن أصول الأشياء هل هي على الخطر أو على الإباحة؟ ولو علم أنه شعر مأكول ولا يدرى هل أخذ في حياته أو بعد موته؟ فهو طاهر ذكره بعض أصحابنا ويحتمل وجهاً آخر.

فرع آخر لو باع جلد الميتة بعد الدباغ وعليه شعر، وقلنا شعره نجس، فإن باع الجلد وحده دون شعره يجوز، وإن باع مع شعره ففي الشعر لا يجوز، وفي الجلد قولان بناء على جواز تفريق الصفقة، وإن باعه مطلقاً فيه [37 أ/ 1] وجهان: أحدهما: أنه لا يدخل الشعار في البقع لأنه غير مقصود، ولا يصح فيه البيع فيصح بقع الجلد. والثاني: يدخل في البيع لاتصاله بالمبيع، فيكون كما لو قال: يقبل مع الشعر. فرع آخر إذا عمل من الجلد المنجوس حوض فطرح فيه ماء، فإن كان دون قلتين صار نجساً، وإن بلغ قلتين فأكثر فالماء طاهر والإناء نجس، ويجوز التوضاء منه إذا كان الوضوء لا ينقصه عن القلتين. مسألة: قال: "وَلاَ بِدُهْن في عَظْمِ فيلٍ" وهذا كما قال. قرئ هذا بثلاث قراءات بتشديد الدال والهاء، وبتشديد الدال وتخفيف الهاء، وبتخفيف الدال وتشديد الهاء والمعنى واحد، وأراد به أنه لا يستعمل دهن في عظم فيل لنجاسته؛ لأن الفيل لا يؤكل لحمه. وقال مالك: إذا ذكيِّ الفيل فعظمه طاهر؛ لأن الفيل عنده مأكول. وإن مات فعظمه نجس؛ لأن العظم يحله الموت. قال النخعي: طهارة العاج خرطه، فإذا خرطا صار طاهراً. وقال الليث: إذا طبخ حتى خرج دهنه كان طاهراً. وقال أبو حنيفة: لا ينجس كما قال في سائر العظام. واحتج الشافعي - رحمه الله - بكراهته من عمر - رضي الله عنه- لذلك، وهذه كراهة تحريم؛ لأن العاج هو ألطف من أن تعافه النفس حتى تكرهه كراهه تنزيه، إلا أنهم كانوا يعدلون عن لفظة التحريم إلى لفظة الكرامة احتراماً للشريعة؛ لأن الله تعالى قال: {ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116] [37 ب/ 1] ويجوز أن يعبر عن التحريم بالكراهة، قال الله تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38] أي محرماً. فإن قيل: روي أن في جهاز فاطمة -رضي الله عنها سوار من عاج؟ قيل: إنه كان من عظم بعير، وقيل: من زبل، وهو عظم سمكة في البحر وسمي عاجاً لبياضه. فإذا نقرر هذا فلو اتخذ مشطاً لا يجوز أن يمشط به إذا كان أحدهما رطباً، فإن كان المشط والشعر مايتتين، قال في "البويطي": يكره الانتفاع في شيء تمسه يده، وإن كانت تمسه يابسة فلا تنجسه. وإن أراد أن يجعل فيه الدهن للاستصباح أو الاستعمال في غير أبدان المتعبدين، فالصحيح من المذهب أنه جائز.

مسألة: قال: (فَأَمَّا جِلْدُ كُلُ مُذَكِيِّ يُؤْكَل لَحْمَهُ فَلاَ بَاسَ بِالْوضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ". وهذا كما قال، الحيوان على ضربين: أحدها: يحل أكله، فإذا ذبح فلحمه وجلده طاهر، ويجوز استعمال جلده وحوله حوضاً للماء قبل دباغه ما لم يصبه دم أو ورث، فإن أصابه ذلك غسله. والثاني: ما لا يحل أكله فذبحه وموته سواء، نص عليه في "الأم" ولم ينقله المزني. وقال مالك وأبو حنيفة: يطهر كله بالذبح إلا الخنزير والإنسان وهذا غلط؛ لأن المقصود بالذكاة إباحة اللحم عرفاً وشرعاً، وهذه الذكاة لا تفيد المقصود، فلا يفيد البائع. مسألة: قال: "وَلاَ أكْرَهُ مَنَ الآنيَةِ إِلاَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَّ". وهذا كما قال. أراد به ولا أكرم من الآنية الطاهرة شيئاً [38 أ/ 1] إلا الذهب والفضة، فإني أكرههما من حيث الاستعمال لا من حيث التطهير خاصة فإذا تقرر هذا فالأواني على ضربين: متحدة من جنس الأثمان، ومتحدة من غير جنس الأثمان. فأما المتحدة من جنس الأثمان: وهي آنية الذهب والفضة لا يحل استعمالها بحالٍ في شيء من الأشياء. وقال في كتاب الزعفراني من القديم لا يحل ذلك كراهة وتنزيها لا تحريماً؛ لأن الغرض بذلك تركه التشبه بالأعاجم والخيلاء وإغاظة الفقراء، وذلك لا يقتضي التحريم، وهذا غلط لما روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم". وروي "نار جهنم" بالرفع، فمعنى الرفع كأنه قال: إنما يصون نار جهنم، والجرجرة هي الصوت، ومعناه تلقى في جوفه نار جهنم حتى يسمع صوته يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا تجرعه جرعاً متتابعاً يسمع له صوت، والجرجرة في حكاية ذلك الصوت، وهذا وعيد يقتضي التحريم، ومعنى النصب كأنه يقول: إنما يجرجر نار جهنم، فيكون جرجر على هذا المعنى مضاعف جر، وهو أن هذا الفعل يكون سبباً لعذابه في نار جهنم، وهذا كما قال تعالى: {إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] وقال داود: يحرم الشرب منها فقط؛ لأن الخبر ورد في الشرب وهذا غلط، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة، ولا تلبسوا الحرير [38 ب/ 1] والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". آخر هذا الخبر يدل على أن التحريم عام في الشرب وغيره وروى حذيفة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل والشرب تنبيهاً على غيرهما، فإن خالف وأكل فالأكل محرم والمأكول حلال. ومن أراد أن

يتوقى المعصية فيها فليخرج الطعام منها ثم يأكله إن شاء. كما حكي أن فرقد السيخي والحسن البصري - رحمهما الله - حضرا وليمة فقدم إليهما طعام في إناء فضة، فقبض فرقد يده عن الأكل منه، فأخذ الحسن الإناء وكبه على الخوان، وقال: كُل الآن إن شئت. وهكذا لو توضأ منها فالوضوء صحيح، وإن كان الفعل محرماً: لأن المنع لم يكن في الماء خلافاً لداود. وأما اتخاذها هل يحل؟ قيل: فيه قولان، وقبل وجهان والأصح أنه لا يحل كالملاهي، وعلى هذا لا يضمن بالكسر ولا يستحق الأجرة باتخاذها وأما المتخذة من غير جنس الأثمان فضربان: ثمين وغير ثمين. فإن لم يكن ثميناً كآنية النحاس والرصاص والفخار والزجاج، فكلها مباح. وقالت عائشة: "كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من تور من شبة". وإن كان ثميناً كان لصنعه فيها كالمخروط عن الزجاج فهو مباح كلبس الثوب الكتان النفيس، وإن كان لنفاسة جوهره مثل البلور والياقوت والعقيق فيه قولان. في حرملة: حرام لأن فيه سرفاً وخيلاء. وقال في "الأم" ونقله المزني: أنه مباح [39 أ/ 1] وهو المشهور. آنية من غير جنس الأثمان فأشبه المخروط من الزجاج؛ لأن السرف فيه غير ظاهر؛ لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس، فلا يخاف افتتان العوام. وقال القفال: هذا مبني على أن تحريم آنية الذهب والفضة لأعيانها، أو لمعنى فيهما. قال في الحديث: تحرم لأعيانهما كأحكام كثيرة اختصت بالذهب والفضة دون غيرهما. وقال في القديم: يحرم لمعنى الخيلاء والفتنة فعلى القول الأول لا تحرم آنية التور نحوه، وعلى القول الثاني تحرم. قال: وعلى هذا لو اتخذها من ذهب وغشاها بالرصاص. فإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا عين الذهب فهو حرام، وإن اعتبرنا المغني فهو حلال. قال: ولو اتخذها من رصاص وموهها بالذهب، فإن اعتبرنا المعنى فلا تحل، وإن اعتبرنا العين حل. فرع في الأواني المتخذة من الطيب الرفيع كالعود المرتفع والكافور المصاعد والمعجون من المسك والعنبر وجهان مخرجان، وفي غير المرتفع من المسك والصندل وجه واحد يجوز استعماله. مسألة: قال: "وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَّ بِالْفِضَّةِ لَئِلاَّ يَكُونَ شَارِباً عَلَى فِضَّةِ". وهذا كما قال المضبب أن يكون جزءاً من أجزاء الإناء فضة، واختلف أصحابنا في هذه المسالة. قال القفال: التضبيب على شفة الإناء لم يحبز استعماله في الشرب، وأن

كان في غيرها يجوز؛ لأنه لا يكون شارباً على فضة، ويروى هذا عن مالك. وقال غيره: لا فرق بين أن يكون في شفته [39 ب/ 1] أو في غيرها. وقول الشافعي: "لئلا يكون شاربا على فضة" يريد من إناء فيه فضة. ثم من أصحابنا من قال: هذه كراهة تنزيه بخلاف آنية الذهب والفضة؛ لأنه قال: "ولا أكره من الأواني إلا الذهب والفضة". وأراد بتلك الكراهة التحريم فخرج منها المضبب. والصحيح أنه على التحريم. وقوله: " وَلاَ أَكْرَهُ مِنَ الأَوَانِيِ إِلاَّ الْذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" قصد به بيان جنس الأواني المحرمة والمباحة، فلا يدل على ما قاله القائل الأول. ثم المضيب على أربعة أضرب: يسير للحاجة كحلقة القصعة وشعيرة السكينة، وضبة القصف فهذا مباح. وروى أنه كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قصعة فيها سلسلة من فضة. ومعنى قولنا: "للحاجة": أنها في موضع الحاجة، وإن قام غير الضبة مقامها ني ذلك وقيل: لغير حاجة فلا يحرم لعلته، ويكره لعدم الحاجة إليه وهو مراد الشافعي هنا، وكثير الحاجة مثل أن يتشقق الإناء فتكثر فيه الضبات، فيكسره لكثرته ولا يحرم للحاجة، وكثير لغير حاجة فهر حرام. وقال أبو حنيفة: لا يحرم وإن كان جميع الإناء مضبب. واحتج بأنه إناء جاوره فضة فلا يحرم استعماله، كما لو أخذ الإناء بكفه وفيها خاتم، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمر -رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب من إناء الذهب والفضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر ني جوفه نار جهنم". ولأن [40 أ/ 1] سرفاً وخيلاء كما في إناء الذهب، ومن أصحابنا من ذكر قولاً آخر في الكثير لحاجة، وفي القليل لغير حاجا إنها حرام. فرع لو ضبب في الإناء دراهم أو دنانير وشرب منه لم يكره، فإن أثبتها عليه بالمسامير فهي كالضبات سواء. ولو شرب بكفه ماء وفي إصبعه خاتم فضة فلا بأس. مسألة: قال: "وَلاَ بَاسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ مُشْرِكِ". الفصل وهذا كما قال. أراد به أنه لا يكرم للحدث أن يتوضأ من ماء مالكه مشرك. وكذلك لا يكره التوضاء بما فضل عن وضوء المشرك ما لم يعلم النجاسة فيه. وجملته أن أواني المشركين وثيابهم هي على ثلاثة أضرب يتحقق طهارتها، مثل إن اشتراه ولم يستعمله فلا يحرم استعماله وضرب يتحقق نجاسته فهذا يحرم استعماله. وضرب يحتمل أمرين ولا يعلم حاله. فالأصل الطهارة سواء كانوا يتدينون النجاسة كالمجوس يدينون الغسل

ببول البقر، والبراهمة من الهند يتدينون استعمال الأبوال كلها. أو لا يتدينون ذلك كاليهود والنصارى فيجوز استعمالها، نص عليه في الإملاء، وحرملة، لما روى الشافعي -رحمه الله- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- توضأ من ماء قي جرة نصرانية. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل؛ لقوله تعالى: {إنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]، وهذا غلط لما ذكرنا، [40 ب/ 1] والمراد بالآية نجاسة قلوبهم ومعتقداتهم لا نجاسة أبدانهم. فإذا تقرر هذا. قال في "القديم": "لا أكره استعمال آنية الماء وأكره سائر الأوان" لأن الماء يرد على آنية الماء مرة بعد مرة ويطهرها، والثياب المستعملة كلها مكروهه، والسرويلات أشد كراهة؛ لأنها أقرب إلى محل النجاسة من الثوب. وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي قال: "وأحب أن لا تستعمل أوانيهم إلا بعد الغسل، إلا أن أواني الماء هي أخف حالاً" وهذا يدل على أن في آنية الماء نوع كراهة، والصحيح ما ذكرنا. وقال أبو إسحاق: إن كانوا لا يدينون استعمال النجاسة فإن الأصل النجاسة فلا يجوز استعمال ثيابهم وأوانيهم إلا بعد الغسل، إلا آنية الماء فإنها على الطهارة لورود الماء عليها. ومن أصحابنا من قال: إن كانوا يدينون لا يلزم اجتنابهم، ولكن لا يعتقدون العبادة في استعمالها كالدهرية والزنادقة يجوز استعمال ثيابهم لأن الأصل الطهارة، ويكره لخوف النجاسة. وإن كانوا يعتقدون العبادة في استعمالها يجوز استعمال مياههم ويكره. وأما ثيابهم: فإن لم يلبسوا كثيراً يجوز استعمالها. وإن كثر لباسهم لها فيه وجهان. قال أبو إسحاق: لا يجوز؛ لأن الظاهر نجاستها [41 أ/ 1]. وقال ابن أبي هريرة: يجوز مع الكراهة؛ لأن الأصل الطهارة. وقال القفال: فيه قولان مخرجان قياساً على ما قال الشافعي في تراب المقرة المنبوشة إذا صلى عليه ولم يشاهد فيه نجاسة فيه قولان: أحدها: يجوز بناء على أصل الطهارة. والثاني: لا يجوز بناء على الغالب. وكذلك القولان في وحل الطريق إذا أصاب الثوب والغالب نجاسته. وروى أو ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: إنا نأتي دار قوم من المشركين يشربون الخمر ويأكلون الخنازير، فنطبخ قي قدورهم ونأكل في أوانيهم. فقال: " واستغنوا عنها ما استطعتم، فإن لم تجدوا غيرها فأرخصوها بالماء فإن الماء طهور" وهذا يدل على تغليب الطاهر على الأصل. فرع قال بعض أصحابنا: الماء الذي يتقاطر من المزاريب، هل يباح استعماله إذا لم

باب السواك

يعلم يقين الطهارة؟ وجهان. لأن الغالب على السطوح النجاسة والأصل طهارة الماء فيقابل الأصلان. فرع أخر لا باس أن توقد عظام الميتة تحت القدور ويطبخ بها، ويؤكل ما فيها. ولو سجر التنور بالسرقين هل ينجس التنور بالدخان؟ فيه وجهان: أحدهما: ينجس. والثاني: لا ينجس، كبخار المعدة لا ينجس الفم. فإذا قلنا: إنه ينجس، فينبغي أن يكسح بمكسحة جافة، ثم يلزق به الخبز لو استصبح بزيت نجس، ففي دخانه وجهان. فإذا قلنا: إنه نجس هل يعفي عنه؟ وجهان: أحدهما [41 ب/ 1]: يعض للمشقة. والثاني: لا يعفي؛ لأن نجاستها نادرة والتحرر ممكن، والأصح الأول، وعندي أنه طاهر والله أعلم. باب السواك مسألة: قال:"وَأُحِبُّ السِّوَاكَ للصَّلوَاتِ". الفصل وهذا كما قال. لما فرع ش ذكر المياه والأواني، بدأ بذكر أحكام الوضوء، وقدمها على أحكام الغسل؛ لأنه أكثر فروعاً، ثم بدأ في أمر الوضوء بباب السواك لأنه يندب إليه في الوضوء وفي غيره. وجملته: أن السواك سنة مستحبة. وقال: أراد أهل الظاهر هو واجب عند كل صلاة، لكن تركه لا يقدح في الصلاة وقال إسحاق: السواك واجب، فإن تركه عامداً يبطل الصلاة. وهذا غلط لما احتج به الشافعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، قال: ولو كان واجباً لأمرهم به شق أو لم يشق. وفي بعض النسخ: "أو لم يشقق" والأصل في استحبابه أخبار كثيرة منها هذا، وأيضاً فقد روت عائشة - رضي الله عنها - قالت: و"كان السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل القلم من لدن الكاتب" وروى أبو أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من سنن المرسلين؛ الحناء، والسواك، والتعطر والنكاح" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "طهروا أفواهكم لقراءة القرآن" يعني بالسواك.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة [42 أ/ 1] للرب، مثراة للمال، مطردة للشيطان". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك" وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: "أوصاني جبريل عليه السلام بالسواك حض خفت أن يدرني". وروى أنه قال: "استاكوا ولا تأتوني قلحا" والقلم صفرة الأسنان وروي أنه صلى الله عليه وسلم "كان إذا قام من الليل شوص فاه بالسواك" قال أبو عبيد: الشوص هو الغسل والمص مثله. وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال" في السواك عشر خصال: مطهرة للفم، مرضاة للرب، مسخطة للشيطان، مفرحة للملائكة، مذهب الجفر، ويجلو البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، ويقطع البلغم، ويزيد في الحسنات". وهو من السنة ويستحب في خمسة أحوال عند القيام من النوم، وعند الوضوء للصلاة، وعند القيام للصلاة، وعند قراءة القرآن، وعند تغير الفم. والفم يتغير في أربعة أحوال عند كثرة الكلام، وعند طول السكوت، وعند شدة الجوع، وعند أكل الأشياء المريحة كالبصل والثوم. وقول الشافعي: "والأزم" قيل: أراد طول السكوت. وقيل: فرط الجوع، وهذا أصح، لأن عمر - رضي الله عنه - قال للحارث بن كلدة وكان طبيب العرب ما الداء؟ قال: الأكل. قال: فما الدواء؟ قال: الأزم - يعني به الجوع من الحمية، وفيما نقل المزني خلل عن ثلاثة أوجه: أحدها: نقل [42 ب/ 1] واجب السواك للصلاة عند كل حال تغير فيها الفم، وهو خلاف المذهب، فكان من حقه أن يزيد واو فيقول: وعند كل حال. والثاني: نقل "وكل ما يغير الفم" وفي نسخة: "كل ما يغير الفم"، ولفظ الشافعي: "وأكل ما يغير الفم"، فصحف الأكل بالكل، وهذا توهم أنه إذا تغير فمه عند الصوم بالخلود يستاك، وهذا ليس بمذهب، وفيما قاله الشافعي احتراز عن هذا. والثالث: أنه نقل الخبر وعطف عليه: "ولو كان واجباً"، والشافعي قال: "وليس

بواجب" ولو كان واجباً بذكر المذهب ثم اشتغل بالاستهلال، وحذف المزني المذهب، والأحسن ما ذكره الشافعي. فإذا تقرر هذا، فهو مستحب في كل الأوقات إلا للصائم، ثم بعد الزوال خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يكره له ذلك يعد الزوال أيضاً وهو في ثلاثة أحوال أشد استحباباً للصلوات والاستيقاظ من النوم. قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رقد ليلاً أو نهاراً ثم استيقظ استاك". والحالة الثالثة عند تغير الفم. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: "وأحب أن لا يستاك بخشبة يابسة لجرح الفم ولا بخشبة رطبة لا تنفي، ولكن يستاك بخشبة يابسة قد لينت بالماء حتى تزيل الصفرة ولا تجرح". قال: "وبأي شيء استاك مما يقلع الصفرة [43 أ/ 1] ويزيل الوسخ جائز". ولا فرق بين العود والخرقة والخشب، فإن اقتصر على إصبعه لم يجزه، لأنه لا ينفي؛ وعندي أنه إذا كان إصبعه خشناً كما يكون للعمال يقوم مقام السواك. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" "الأصابع تجزئ عن السواك" ويمرر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ليجلو جميعاً من الصفرة، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً ليزيل الخلوف عنه، ويستاك على عرض الفم، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يستاك عرضاً. وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً"، وإنما قال: "وادهنوا غباً" لما فيه من دون الثوب، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الأرقاء، وقال أبو عبيد: هو كثرة التدهين. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ادهنوا يذهب البؤس عنكم والبسوا تظهر نعمة الله عليكم، وأحسنوا إلى مواليكم فإنه أكبت لعدوكم". فرع يستحب من يبدأ في السواك بجانبه الأيمن، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء حتى في سواكه وظهور وانتقاله. فرع آخر يستحب أن يستاك بالأراك لما روى أبو خيرة "أن النبي صلى اله عليه وسلم كان يستاك بالأراك" فإن تعذر استاك بعراجين النخل، فإن لم يكن استاك بما يجده. فرع لا يعد السواك من [43 ب/ 1] سنن الوضوء، بل هو سنة بنفسه. وقيل: فيه وجه آخر أنه من سنن الوضوء وليس بشيء.

باب نية للوضوء

فرع جلاء أسنانه بالحديد أو يردها بالبرد مكروه؛ لأنه يذيب الأسنان، ويقضي إلى تكسيرها، ولأنها تخشن فتتراكب الصفرة والخلوف قيها، ولذلك "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشرة والمتوشرة". وهي التي تبرد أسنانها بالمبرد. فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يقلم الأظفار، ويغسل البراجم، ويقص الشارب، وينتف الإبط، ويحلق العانة؛ لما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتفاص الماء" يعني الاستنجاء: قال الراوي: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة والاستنشاق، ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان. وقال: والانتضاح بدل الانتفاص. وقوله: من الفطرة: أي من السنة. يعني من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم في قوله تعالي: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] وأول من أمر بها إبراهيم صلى الله عليه وسلم وذلك قوله تعالى: {وإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، وكان من زي الكثيرين قص اللحى وتوفير الشارب، فندب صلى الله عليه وسلم إلى مخالفتهم في الزي والهيئة [43 أ/ 1] وغسل البراجم بتنظيف المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ. وأصل البراجم العقد التي تكون في ظهور الأصابع. وانتقاص الماء للاستنجاء به، وكذلك الانتضاح وأصله من النضج وهو الماء القليل. فرع آخر قال بعض أصحابنا: يستحب أن يقول: عند ابتداء السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثتي، وأثبت بها لهاتي، وباراك لي فيه يا أرحم الراحمين. باب نية للوضوء مسألة: قال: "وَلاَ يُجْزِئُ طَهَارَةُ مِنْ غُسْلِ، وَلاَ وُضُوءِ وَلاَ تَيَمُّمِ إِلاَّ بِنَّيِة". وهذا كما قال. اعلم أن أول فرائض الوضوء النية، فبدأ المزني بباب النية، ثم عقبه باب الأفعال، ومعنى النية عزيمة القلب، وهو أن يقصد بقلبه أن يكون فعله الذي يباشره لله تعالى فرضاً أو تطوعاً. فإذا تقرر هذا، فكل طهارة من حدث تفتقر إلى النية سواء في ذلك الكبرى، كالغسل، والصغرى كالوضوء. وسواء كان بالمائع أو الجامد كالتيمم. وبه قال ربيعة، ومالك والليث، وأحمد وإسحاق. وروي ذلك عن على - رضي الله عنه - وقال

الحسن بن صالح بن حي والأوزاعي في رواية، وزفر: أنه لا يفتقر شيء منها إلى النية. وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز الوضوء والغسل بغير نية، ولا يجوز التيمم إلا بنية، وهي رواية [44 ب/ 1] عن الأوزاعي واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقولة: وهما طهارتان - يعني الوضوء والتيمم -وأراد عن حدث، فكيف يفترقان في وجوب النية في إحداها دون الأخرى. والدليل على الخاص قول الحسن بن صالح قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وقوله صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان". وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر". وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه". وروي أن عثمان -رضي الله عنه - كان قاعداً يتطهر فمسح ماء من فيه ثم ضحك، فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقالوا: مما ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد في مقعدي هذا يتطهر، فقال: "ما من عبد يتطهر إلا كانت خطاياه أسرع انحداراً من طهوره". فهذه الأخبار كلها تدل على أن الوضوء عبادة، والعبادة تفتقر إلى النية. وقيل في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر الإيمان" أي شطر الصلاة، لقوله تعالى: {ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]، أي صلاتكم، والصلاة لا تستغني عن النية، فكذلك الوضوء. واحتجوا بقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] [45 أ/ 1] الآية، ولم يذكر النية، بينا هذه الآن هي حجتنا؛ لأنها تقتضى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} للصلاة، كقولك: إذا سافرت فتزود، معناه للسفر. حكي عن ابن سريج أنه قال: إزالة النجاسة تفتقر إلى النية، ... بخلاف قول الشافعي: وهما طهارتان. وقيل: إنه اختيار الإمام سهل الصعلوكي، وعندي أنه لا تصح هذه الحكاية عنهما، وعلى ما ذكرنا لو توضأ الكافر أو اغتسل ناوياً، ثم أسلم لا يجوز له أن يؤدي به قرضاً خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه ليس من أهل النية عندنا. وقال في "الحاوي": فيه وجه آخر يجوز له أن يؤدي به فرضاً؛ لأنه أصح قصداً من الصبي، وذكر المزني في "المنثور" أن طهارة الصبي ناقصة إذا بلغ إعادة الوضوء والغسل.

فرع المرتد إذا اغتسل في ردته، ظاهر المذهب أنه لا يجوز. وقال في "الحاوي": هل يجوز؟ فيه وجهان. فرع آخر لو كانت الذمية حائضاً فانقطع دمها فاغتسلت ثم أسلمت، المذهب أنها لا تصلي بهذا الغسل أيضاً؛ وقال أبو بكر الفارسي من أصحابنا: لها أن تصلي؛ لأنه صح غسلها في حق الوطء حتى يحل للزوج وطئها، فصح غسلها في حق الصلاة أيضاً، وهذا غلط؛ لأنها مأمورة بالغسل بحق الزوج، وصح غسلها في حق الوطء لا بحق الله تعالي، وإنما صح لأجل الوطء للضرورة. فرع آخر لو أن الذمية اغتسلت ولم تنو أنه للحيض. قال بعض أصحابنا: لا يحل وطئها كالمسلمة إذا لم تنو، فصح غسلها بنيتها لموضع الحاجة [45 ب/ 1] وهذا كما يصح من الذمي العتق عن الكفارة بنية، ولو لم يبق لا يجوز عن الكفارة. قال هذا القائل: ولا يصح ما قال أصحابنا يصح غسلها في حق الآدمي دون حق الله تعالى؛ لأن الآدمي لا حق له في الغسل، بل حقه في الوطء، والوطن من شرط إباحته حصول الغسل بحق الله تعالى. وقال بعض أصحابنا: يجوز وطئها إذا اغتسلت بغير نية للضرورة، كما يقول في المجنونة المسلمة. وهذا أقيس عندي. فرع آخر لو أسلمت بعد الغسل هل يجوز وطئها؟ الظاهر أنه لا يحل، لأن الضرورة زالت. وقيل: فيه وجهان. وقيل: هل يجوز لها أن تصلي؟ وجهان بناء على هذين الوجهين. فرع آخر لو ارتدت بعد الدخول ثم اغتسلت من الحيض لا يصح غسلها أصلاً؛ لأنه لا يباح وطئها أصلاً، ويحتمل وجهين على ما ذكرنا عن صاحب "الحاوي". فرع آخر المجنونة المسلمة إذا اغتسلت من الحيض دل وطئها به للضرورة، ولا يصح غسلها في حق الصلاة. وقيل: هل لها أن تصلي بذلك الغسل؟ وجهان ما قلتا في الذمية إذا أسلمت. فرع آخر لو غسل الزوج امرأته المجنونة لا يفتقر الزوج إلى النية، لأن غسلها ني حق نفسه ولو لم يرد إصابتها لها وجب غسلها. ويفارق الميت في أحد الوجهين يفتقر إلى نية

الغاسل؛ لأنه يستحق تعبد الله تعالى. ومن أصحابنا من قال: يغسلها زوجها وينوي استباحة [46 أ/ 1] الاستمتاع. ثم إذا عقلت هل تصلي به؟ وجهان، وفيه نظر. فرع آخر المسلمة إذا اغتسلت من الحيض بنية إباحة الاستمتاع، هل يباح وطئها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بخلاف الذمية؛ لأنها تقدر على الغسل للأمرين فلا تحتاج حاجة إلى التبعيض. وعندي انه يحل وطئها ويحل لها أن تصلي به أيضاً تنوي استباحته ما لا يستباح إلا بالغسل، فصارت كالجنب تغتسل بنية الله في المسجد يجوز لها أن تصلي به. ولعل القائل الأول أراد به إذا نوت استباحة الاستمتاع فقط وتفت استباحة غيره. فإذا تقرر هذا فالكلام في النية في ثلاث فصول: في محلها، وموضعها، وصفتها. فأما محلها فهو القلب، لقوله تعالى {ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] والإخلاص بالقلب، فإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه فهو الكمال. وإن نوفي بقلبه ولم يتلفظ بلسانه جاز. وإن تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه لم يجز؛ لأنه لم يأت بها في محلها، فصار كما لو نوى بقلبه قراءة الفاتحة ونفكرها ولم يتلفظ بها لا يجوز. وإن نوى بقلبه وتلفظ بلسانه غير ما نواه فإنه يجوز ويلغي ما تلفظ به. وقال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: النية هي اعتقاد بالقلب وذكر باللسان ليظهر بلسانه ما اعتقده بقلبه، فيكون على كمال من نبتا وثقة من اعتقاده، فلا يجوز حتى ينوي ويتلفظ. وأما موضعها: فلها موضعان: استحباب، ووجوب: [46 ب/ 1] فأما الاستحباب: فهو أن ينوي مع ابتداء طهارته عند غسل اليدين ويستديم ذكرها إلى آخرها حتى تشمل نيته الفرائض والسنن. وقال أبو حامد يستدعها إلى أن يغسل شيئاً من محل الفرض، والأول أصح. وقال القفال: النية أن ينوي مرتين؛ مرة عند غسل البدن، ومرة عند غسل الوجه وهذا أحسن. وأما الوجوب: فهو أن ينوي مع غسل جزء من محل الفرض وهو الوجه. فرع لو نوى في الابتداء واستدام إلى غسل الوجه، فقد أتى بالسنة، ولو عرّبت نيته قبل البدأة بغسل الوجه. فإن عزيت قبل المضمضة والاستنشاق لا يجوز؛ لأن غسل اليدين ليس من أفعال الوضوء الراتبة، وإنما أمر بهما لخوف النجاسة على ما ورد في الخبر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، والأظهر أنه يجوز؛ لأن الصحيح أنه يحتسب ابتداء الوضوء من غسل اليدين، وهذا غير صحيح عندي. وقال هذا القائل: لو نوى مع الاستنجاء أو السواك ثم غربت نيته قبل غسل اليدين، فيه وجهان بناء على أنه من جملة الوضوء أم لا؟ وهذا ليس بشيء.

فرع آخر لو كان ناوياً عند المضمضة ثم عزيت نيته، فإن غسل شيئاً من ظاهر الوجه عند المضمضة أجزأه؛ لأن نيته قارنت الواجب. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه لم يقصد غسل الوجه. ويلزمه غسل ذلك القدر مرة أخرى، وهذا ليس بشيء وإن لم يكن غسل ... الوجه ففيه وجهان [47 أ/ 1] أحدها: لا يجوز وهو الصحيح؛ لأنه لم يقارن النية بعد الواجب. والثاني: يجوز لأنها قارنت ما هو من وظائف الوضوء وروايته، وهذا اختيار القفال. فرع آخر لو نوى عند غسل الوجه، هل يكون فاعلاً سنة المضمضة والاستنشاق؟ من أصحابنا من قال: لا يكون فاعلاً للسنة ولا يجوز فصلها؛ لأنها غربت عن النية. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني يكون فاعلاً للنية؛ لأنها من جملة طهارته وقد أتى بالنية لها في محلها. وأما في غسل الجناية إذا نوى في أول جزء منه فغسله يجوز؛ لأن كل ما سرى منه يكون فرضاً. وأما صفتها: فإن نوى رفع الحدث أو الطهارة من الحدث جاز. ولو نوى استباحة فعل من الأفعال، فالأفعال هي على ثلاثة أضرب: عنها ما تجب له الطهارة. ومنها ما لا تجب له الطهارة ولا تستحب. ومنها ما يستحب له الطهارة ولا يجب. فما يجب له الطهارة كصلاة الفرض، والنافلة، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة والشكر وحمل المصحف. فإذا نوى بها فعل شيء من هذه الأشياء ارتفع حدثه وجاز له إذ جمع الصلوات بها؛ لأنه يتضمن ذلك رفع الحدث. وأما ما لا يجب له الطهارة ولا يستحب كالأكل والشرب، واللباس والطيب، ولقاء السلطان وزيارة الوالدين. فإذا نوى واحد منها لم يرتفع حدثه. وأما ما يستحب له الطهارة ولا تجب كقراءة القرآن، والقعود [47 ب/ 1] في المسجد. وسماع الفقه والحديث، والأذان، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة وزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا نوى واحده منها هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الأكثرين-:لا يرتفع حدثه، لأنه أمر يباح من غير طهارة. والثاني: يرتفع حدثه؛ لأن الأفضل أن يكون على الطهارة. فإذا قصد فقد نوى رفع الحدث، وهذا اختيار بعض مشايخ خراسان. والأول أصح عندي. وقول الشافعي: " أَوْ لِقِرَاءَةِ مُصْحَفِ" أراد مماساً للمصحف، وقيل: أراد حمل المصحف، فعبر عنه بالقراءة؛ لأن أكثر ما يحمل المصحف لقراءته.

وأما الغسل للجنابة فينقسم أيضاً هذه الأقسام الثلاثة، إلا أنه مما يستحب له الوضوء يجب له غسل الجنابة، مثل قراءة القرآن، والليث في المسجد، فإذا نواه بالغسل ضح وجهاً واحداً، وإن نوى غسل الجنابة أو رفع الحدث عن جميع بدنه أجزأه (0) ولو نوى في غسله الاحتباس في المسجد، أو نوى به الحدث في الوضوء هل يرتفع حدثه؟ وجهان؛ لأن الغسل والوضوء لهذا هو مستحب غير واجب. فرع لو كان جنباً فاغتسل ينوي بنية الجمعة. قال أكثر أصحابنا: لا يجزيه عن الوضوء؛ لأن قصد التنظف به لا ينافي حصول الطهارة به لصلاة الجمعة؛ لأن من لا يريده [48 أ/ 1] للصلاة فلا يستحب له. وقد قال صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: "من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". فدل أن الغسل ينوب مناب الوضوء. فرع لو نوى بوضوئه، طهارة مطلقة. قال في "البويطي" يجوز، وهو اختيار القاضي الإمام أبى الحسن صاحب "الحاوي"، لأن الطهارة ترفع الحدث. وقال سائر أصحابنا: لا يجوز، ومعناه نوى طهارة من الحدث، وقصده أن يبين أنه يجزيه وإن لم ينو به فعل الصلاة. فرع أخر لو توضأ المحدث ينوي تجديد الطهارة، هل يرتفع حدثه؟ فيه وجهان: أحدها: يرتفع لأن نيته تضمنته. والثاني: لا يرتفع، لأنه قصد به التطوع ولا يتضمن رفع الحدث، وهو المذهب. فرع آخر لو نسي الجناية فاغتسل بنية رفع الحدث الأصغر أجزأه في أعضاء وضوئه، وهو الوجه، واليدين، والرجلان؛ لأن غسل هذه الأعضاء واجب فيهما. وفيه وجه آخر لا يجزئه أصلاً؛ لأنه لم ينو الجناية. فرع أخر لو نسي الجناية فنرى رفع الحدث مطلقاً، فالجواب ما ذكرنا وفيه وجه آخر يجوز غسله تاماً؛ لأن الجناية حدث. وقال في "الحاوي": لو أصابته الجناية وحدها فنوى رفع الحدث ولم يقل الأكبر يجوز؛ لأن نيته تنصرف إلى حدثه الذي هو فيه. ولو كان به حدثان أصغر وأكبر فاغتسل ونوى ذلك، فلو قلنا: يسقط الأصغر بالأكبر فيجزيه عن حدثه [48 ب/ 1] الأكبر. وإن قلنا: لا يسقط لا يجزيه عن واحد منهما لامتيازها وإن إطلاق النية يقتضي التشريك بينهما. ولو قيل: يجزيه عن الحدث الأصغر لأنه أخفهما كان مذهباً.

فرع آخر لو نوى المحدث رفع الحدث الأكبر يجوز؛ لأنه يجوز أن يرتفع الأدنى بالأعلى، وإن كان لا يرفع الأعلى بالأدنى. وكذلك نوى رفع الجنابة وقيل: فيه هنا وجه آخر لا يجوز؛ لأنه نوى غير ما عليه وهو ضعيف. فرع أخر لو نوى رفع حدث الغائط فكان حدثه بولاً يجوز. ومن أصحابنا من قال: إن غلط فيه يجوز، وإن تعمد ذلك ففيه وجهان: أحدها: يصح كما لو كان غالطاً. والثاني: لا يصح، لأنه نوى ما لبس عليه وهو غير معذور. فرع آخر لو أحدث أحداثاً ونوى رفع واحد منها ولم ينو رفع الباقي، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يرتفع جميعها وهو الأظهر؛ لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحداً ارتفع الكل. والثاني: لا يرتفع؛ لأنه لا ينو رفع جميع الأحداث. والثالث: على وجه آخر، وهو أنه إن نوى آخر الأحداث ارتفع جميعها؛ لأنها تداخلت فيها بعدها. وإن كان أولها لم يرتفع ما بعده وهذا غريب. [49 أ/ 1] فرع آخر لو نفي الباقي وقال: لا أرفع الأحداث الباقية يجئ فيه الأوجه الثلاثة، وعندي أنه لا يجوز وضوءه لأنه ناقص في النية، فصار كما لو قال: أرفع الحدث ولا أرفع. فرع آخر لو نوى أن يستبح به صلاة الظهر دون غيرها، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو المذهب يصلي ما شاء من الصلوات؛ لأن الصلاة إلى عينها لا يستبحها إلا بعد رفع الحدث، فإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي ما شاء، ولأن هذا إبطال للطهارة بعد صحتها من غير حدث، وهذا لا يجوز. والثاني: لا يصح وضوءه ونتيه باطلة؛ لأنه إذا لم يرتفع حدثه لغيرها لم يرتفع لها. والثالث: يرتفع حدثه للظهر وحدها؛ لأن الطهارة قد تصح لصلاة واحدة، وهي طهارة المستحاضة. ذكره ابن سريج، وهو أضعف الوجوه. فرع آخر قال في "الأم" لو وضأه غيره وهو ناو يجوز؛ لأن الفعل لا يعتبر فيه، ولهذا لو جرى عليه المطر وهو ناوٍ فإنه يجوز. وقال داود: لا يجوز، وهو غلط لما ذكرناه.

فرع آخر إذا فرق النية على أعضائه، مثل إن نوى رفع الحدث عند يديه ونحو ذلك، فيه وجهان: أحدها: لا يجوز لأنها جنابة واحدة فأشبهت الصلاة. والثاني: يجوز لأن تغيير النية في أثنائها لا يبطل حكم ما فعل منها، ويكون فيه تبعيض النية. فرع آخر لو نوى قطع الطهارة بعد الفراغ منها لم ينقطع؛ لأن الحدث قد ارتفع فلا تعود إلا بوجوب سبب [49 أ/ 1] وإن نوى قطعها في أثنائها ففيه وجهان: أحدهما: تبطل طهارته كما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها. والثاني: لا تبطل ما مضى، وهو الأصح. كما لو نسي النية ونوى التبرد تنقطع النية ولا تبطل ما مضى، وتفارق الصلاة؛ لأنه متى انقطعت نيتها بطلت، فعلى هذا إذا عاد ونوى فإن لم يتطاول الفصل بنى على طهارته وأتمها، وإن تطاول الفصل كان على القولين في الموالاة هل تجب أم لا؟ فرع آخر لو توضأ رجل من حدث فأغفل مسح رأسه، ثم توضأ ثانياً وعنده أنه على طهر ونوى به نجز ذلك الوضوء، فلما فرغ منه ذكر أنه نسي من الوضوء الأول مسح الرأس، قال: من اتخذ أولًا يجزيه الوضوء الثاني، وعليه أن يعيد مسح رأسه وغسل رجليه وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري؛ لأن تجديد الوضوء يستحب مع زوال الحدث فهو لا يتضمن رفع الحدث، فإذا نواه لا يرتفع به الحدث، كما لو كان جنبًا فنسى الجنابة واغتسل للجمعة لم يجزه عن الجنابة. ومن أصحابنا من قال: يجزيه مسح الرأس من الوضوء الثاني، ونية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث؛ لأن معنى التجديد أنه مثل الأول، فإذا لم يرفع الحدث لا يكون تجديدًا، وهذا اختيار جماعة من أصحابنا. قال هذا القائل: ولا يشبه هذا إذا نسي سجدة من الصلاة ثم سجد للقرآن لم يجزه عن سجدة [50 أ/ 1] في الصلاة في أصح الوجهين؛ لأنه واقع في موضعه هو التلاوة وبقاء سجود الصلاة لم يمنع من صحته بخلاف هذا. فرع آخر لو أن جنبًا اغتسل فأغفل لمعة من جسده، ثم اغتسل بعده للجمعة، ثم تذكر أنه كان نسي لمعة في غسل الجنابة يلزمه إعادتها؛ لأن الغسل للجمعة لا يجوز عن غسل الجنابة. فرع آخر لو ترك لمعة من وجهه في المرة الأولى من وضوء المفروض ولم يعلم، ثم غسلها بنية المرة الثانية أو الثالثة. قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن النفل لا يغني عن. الفرض. والثاني: يجوز؛ لأن نيته اشتملت في الابتداء على أن ما يغسله أول

مرة فهو فرض، وما يغسله مرة ثانية فهو سنة، وغسله للموضع المتروك هو أول غسل يجزي عن الفرض بخلاف نية التجديد، فإنه لم يوجد نية الفرض أصلًا وهذا أصح. فرع آخر لو شك هل احتلم أم أحدث؟ وكان من قبل على يقين الطهارة، فالأصل الطهارة، إلا أنه يؤمر بالتطهير، احتياطًا، فلو تطهر ثم بان أنه كان محدثًا هل يجزيه أم يجب الإعادة؟ وجهان. ذكره القفال. فرع آخر قال ابن الحداد: لو توضأ وترك لمعة بوجهة، ثم نسى أن يكون قد تطهر يتوضأ، وعنده أنه محدث، فصارت تلك اللمعة مغسولة في المرة الثانية صحت صلاته بلا خلاف. وكذلك لو كان هذا في غسل الجنابة؛ لأنه نوى في الوضوء الثاني رفع الحدث، وهذا [51 أ/ 1] عندي إذا كان ذاكراً للنية وقت غسل تلك اللمعة. فرع آخر قال ابن الحداد: لو غسل الجنب جميع بدنه بنية رفع الجنابة إلا قدميه، ثم غسل قدميه بنية رفع الحدث يصلح؛ لأن غسل القدمين في الحدث لا يجوز؛ لأن في غسل الحدث مسح، والمسح لا يجوز مع الجنابة. فرع آخر لو نوى في ابتداء الوضوء رفع الحدث والتبرد والتنظف أجزأه، نص عليه في "البويطي". ومن أصحابنا من قال: لا يجزيه؛ لأنه شرك بين الفرض وغيره، وهذا غلط؛ لأن كل معنى يقتضيه الفعل فنيته فيه لا تضره. كما لو جمع بين الفرض وتحية المسجد لا يضره؛ لأنه يحصل بالفرض تحية المسجد وإن لم ينوها، وبمثله لو نوى في ركعتي الصبح ركعة سنة الصبح لم يجز؛ لأنه لو لم ينو ذلك لم يحصل له، ولذلك لو أدرك الإمام في الركوع فكبر ينوي به الافتتاح وتكبير الركوع لا يجوز. فرع آخر قاله الإمام جدي: لو أجنبت امرأة من بنات تسع، فنوت في غسلها رفع حدث الحيض هل يجوز؟ وجهان، والأصح جوازه. فرع آخر ذكره والدي الإمام - رحمه الله - لو توضأ ونوى أن يؤدي به صلاة لا يدركها بهذا الوضوء أصلًا، مثل إن توضأ في رجب لصلاة العيد هل يجوز أن يؤدي به سائر الصلوات؟ قياس المذهب أنه يجوز؛ [51 أ/ ا] لأنه نوى أداء ما لا يستباح إلا بالوضوء.

فرع آخر لو نوى رفع حدث يوجد بعد وضوء لا يجوز؛ لأن الوضوء يرفع الحدث السابق دون المتأخر. وقال جدي الإمام - رحمه الله-: يجوز، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: "لو توضأ مع ريح ثم علم أن حدثه بول يجوز وضوءه" وهذا لا يصح عندي؛ لأن في هذا النص نوى رفع الحدث في الحال بخلاف ذاك. فرع آخر لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث؛ لأنه لا يرفع الحدث بل ينوي استباحة الصلاة. وقال ابن سريج: يجوز أن ينوي به رفع الحدث؛ لأنه يرفع الحدث في حق هذه الصلاة. فرع آخر المستحاضة لا تنوي رفع الحدث في طهارتها، بل تنوي استباحة الصلاة. قال القفال: ويستحب أن تجمع فتنوي استباحة رفع الحدث. وقال الإمام أبو عبد الله الخضري من أصحابنا: يجب أن تجمع بين نية رفع الحدث وبين استباحة الصلاة، فتكون رافعة للحدث السابق ومستبيحة للحدث اللاحق. فر ع آخر قال الإصطخري: "لو أجنب الكافر ثم أسلم سقط حكم الجنابة بإسلامه، لأن الإسلام يجب ما قبله". والمرتد لو أجنب ثم أسلم لا يسقط كالصلاة لا تسقط عنه بالردة، ولم يوافقه سائر أصحابنا على هذا. مسألة: قال: "وَإِنْ نُوَى يَتَوَضَّأَ ثُمْ عَزَبَتْ نِيَتُه" الفصل وهذا كما قال: قوله: يتوضأ: أي توضأ بعض الوضوء؛ لأن الغروب بعد الكمال لا يضر، وأراد به أن [51 ب/ 1] استصحاب النية إلى آخر الطهارة لا يجب لأن فيه مشتقة، ولكن تجب استدامة حكمها، فلا يجوز له أن يغير نيته إلى شيء آخر، فإن غير نيته إلى التبرد أو التنظف عند غسل الرجلين مثلًا، فإن كان ذاكرًا للنية الأولى يحتسب غسل الرجلين، ويلزمه أن يعيد ذلك بنية رفع الحدث، فإن لم يطل الفصل من علته، وإن طال فيه قولان بناء على تفريق الوضوء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدها: هذا والثاني: لا يضره. كما لو كان ذاكرًا للنية الأولى؛ لأن النية العازبة كالمذكورة، وهذا لا يصح؛ لأن العقل من الفاعل لا يقع إلا لغرض، فإذا عزبت نيته لا يمكن إضافته إلا إلى الغرض

باب سنة الوضوء

الأول فجوزنا. وإذا نوى به التبرد واستقل بعرضه فلا يضاف إلى الأول. فرع لو كان يتوضأ على طرف نهر فنوى وغسل بعض الأعضاء، ثم زلق رجله ووصل الماء إلى جميع الأعضاء هل يتم وضوءه؟ وجهان كما لو غسل الباقي بنية التبرد دون رفع أصل النية لأن الماء وصل إلى أعضاء الطهارة بعد إيصال النية بأولها ولا يقصد النية. باب سنة الوضوء قال: أخُبَرنَا سُفْيَانُ عن الزهري وذَكَرَ الْخَبر. ثُم قَالَ: "فإذا قَامَ الرَّجُلُ إلى الصَّلاَةِ مِنْ نَوٍْم أَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضَّيءٍ فَأٌحبّ أَنْ يُسَمَّيَ [52 أ/ 1] الله". وهذا كما قال. القصد بيان أفعال الوضوء والسنة والطريقة في الحقيقة، فكأنه عبر عن كيفية الوضوء سنته، والخبر ورد على عادة العرب أنهم كانوا يستنجون بالأحجار لعزة الماء، ثم ينام أحدهم في إزار فيعرق فتصيب يده موضع الاستنجاء ربما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه فال يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن لا يدري أين باتت يده". وجملته أن الوضوء يشتمل على ثلاثة أفعال: واجبات، ومسنونات، وهيئات فالواجبات: ما كان شرطًا لا يتم الضوء إلا به. والمسنونات: هو ما كان راتبًا في الوضوء وليس بشرط. والهيات: ما هو دون ذلك. فأول الأفعال التسمية في ابتدائه، وهو أن يقول: بسم الله. وهي مستحبة غير واجبة، فإن سها عنها سماها متى ذكرها قبل أن يكمل الوضوء، نص عليه في "الأم". وإن ذكرها بعد إتمام الوضوء فقد فات محلها فلا نأتي بها. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان نأتي بها. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: التسمية هي هيئة لا سنة؛ لأن السنة ما كان في أفعالها الراتبة، والهيئة ما تهيأ بها لعقل العبادة. وهكذا يقول في غسل اليد من قبل الوجه، وهذه ممانعة في العبادة مع تسليم المعنى. وقال إسحاق وأحمد في رواية: التسمية واجبة، فإن تركها عمدًا بطل وضوءه. واحتج بقوله [52 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". وهذا غلط لقوله تعالى:"إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ" [المائدة:6] الآية، ولم يذكر التسمية.

وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوءه". ومعنى هذا الطهارة من الذنوب؛ لأن رفع الحدث لا يتبعض، فدل أن التسمية موضوع الفضيلة، ولأنها عبادة لا يشترط الذكر في أثنائها فلا يشترط في أولها كالصوم. وأما خبرهم فنحمله على نفي الفضيلة والكمال، أو أراد بالذكر النية؛ لأن محل الذكر القلب، وحكي عن داود أنه قال: هي واجبة ولا يجوز وضوءه وإن تركها ناسيًا، وهو غلط أيضًا لما ذكرنا. مسألة: قال:" ثُمَّ يُفْرغٌ مِن إِنَائِهِ على يَدَيْهِ وَيَغْسِلهُمَا ثَلاَثًا". وهذا كما قال إذا سمى الله تعالى يستحب له أن يغسل يديه ثلاثًا؛ لأن عثمان وعليًا وعبد الله بن زيد - رضي الله عنهم - وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلهم غسل كفيه ثلاثًا، وهذا ليس بواجب، سواء قام من النوم أو لم يقم. وقيل: يستحب أن يقول إذا قام من النوم: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور". لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك. وقال [53 أ/ 1] الحسن البصري: هو واجب لأجل النجاسة، فإن غمس يده في الإناء قبل غسلها أراق الماء؛ لأن النبي صلى الله عليه أمر به لأجل النجاسة، فصار حكمًا بحصول النجاسة. وقال داود: هو واجب تعبدًا، فإن لم يفعل وأخل يده في الإناء صار الماء مهجورًا ولا ينجس؛ لأن الماء عنده لا ينجس ما لم يتغير. وحكي أصحاب داود عنه أنه قال: إن من قام الليل لا يجوز له غسل اليد في الإناء حتى يغسلها، ولا أقول إن غسل اليد واجب؛ لأنه لو صب الماء في يده وتوضأ به ولم يغسل يده جاز، فإن غمس يده في الماء لا يغسل الماء. وقال أحمد في رواية: إن قام من نوم الليل وجب عليه أن يغسل يديه ثلاثًا، فإن غمسها في الإناء قبل ذلك أراق الماء، وإن قام من نوم النهار أو لم يقم من النوم لا يجب، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم "فإنه لا يدري أين باتت يده"، والبيوتة بالليل دون النهار، وهذا غلط لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} [المائدة:6] الآية، ولم يذكر غسل الكفين ثلاثًا. وقال زيد بن أسلم: معناه: إذا قمتم إلى الصلاة من نوم، ولأن غسل اليد إن كان لخوف النجاسة فبالشك لا تجب؛ لأن الأصل الطهارة وإن كان للتعبد فقد وجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين، فلا يجب تكراره كغسل سائر الأعضاء، والخبر هو محمول على الاستحباب بدليل أنه قال: "فإن لا يدري أين [ب 53/ 1] باتت يده"، وهذا أمر موهوم فكان الاحتياط.

إذا تقرر هذا، فإن لم يكن قام من النوم وتيقن طهارة اليدين فله أن يغسلهما في الإناء، وإن قام من النوم أو كان شاكًا في طهارته فالمستحب أن يفرغ من الإناء على يديه، ولا يدخلهما في الإناء خوفًا من النجاسة، وإن لم يكن مستنجيًا بالأحجار، فلا يخلو البدن من نثره، فربما يحكها ويسيل منها شيء ينجس يده، فإن غمسها في الإناء لا ينجس الماء؛ لأن الأصل الطهارة. وإن تيقن نجاسة اليد فغمسها في الإناء، فإن كان أقل من قلتين تنجس، وإن كان قلتين لا ينجس ما لم يتغير. وقال في "الحاوي": هكذا ذكره الشيخ أبو حامد، والصحيح من المذهب وبه قال جماعة أصحابنا: أن القائم من النوم وغيره سواء في هذا، فلا يغمسان إلا بعد غسلهما، لأنهما لما استويا في سنة الغسل، وإن ورد النص في القائم من النوم استويا في تقديم الغسل على الغمس، وهذا لأن حكم السنة يثبت مع زوال السبب كما يثبت سنة الرمل في الطواف مع زوال السبب وهو مراءاة المشركين، وهذا غريب ثم إن كان يتوضأ من إناء فإن كان نقلته على يده تركه على يساره وقلبه عن يمينه، وإن كان يعرف منه وغرف الماء بيمينه لأنه أمكن. واعلم بأن أبا هريرة - رضي الله عنه - لما روى هذا الخبر قال له أعرابي من أشجع من أصحاب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - إذا جئنا مهراسكم كيف نصنع؟ فقال: أعوذ [54 أ/ 1] بالله من شرَّك. والمهراس حجر كانوا يتوضؤون منه بالمدينة لا يمكن أن يقع على اليد إلا بإدخال اليد، وكانت الصحابة يتوضؤون منه. قال أصحابنا في مثل هذا الموضع: يرفع الماء بفيه ويغسل يديه، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه النظيف ويغسل يديه بما ينال منه أو يستعين بغيره. مسألة: قال: "ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ اليُمْنَى في الإِنَاءِ فَيَغْرِفُ غَرْفَةً لِفِيهِ وَأَنْفِهِ". وهذا كما قال: استجب الشافعي إدخال يده اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في كل شيء، ثم قال: فَيَغْرٍفُ غَرْفَةً" وهي بفتح الغين مصدر غرف يغرف، وبضم الغين اسم للماء الذي يكون في كفه. والكلام الآن في فصلين أحدهما: في حكمهما. فأما حكمهما يفيد أن المضمضة والاستنشاق في الوضوء وغسل الجنابة. وبقه قال مالك، وربيعة، والزهري، والأوزاعي. وقال عطاء، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد في رواية: هما واجبتان. وقال أبو ثور، وداود، وأحمد في رواية: الاستنشاق فيهما دون المضمضة. وقال أبو حنيفة، والثوري: هما واجبتان في الجنابة دون الوضوء. واحتجوا بما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المضمضمة والاستنشاق للجنب ثلاثًا فريضة". واحتج أبو ثور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". وهذا غلط

لقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة"، وعد منها المضمضة والاستنشاق. وقال [ب 54/ 1] صلى الله عليه وسلم لأم سلمة - رضي الله عنها: "يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من الماء، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهرت" وبإفاضة الماء على رأسها لا تحصل المضمضة والاستنشاق. وروى ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المضمضة والاستنشاق سنة، والأذنان من الرأس". وروى أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت بالوضوء فوضأني جبريل صلى الله عليه وسلم فرض الوضوء، وسننت أنا فيه الاستنجاء والمضمضة والاستنشاق، وغسل الأذنين، وتخليل اللحية، ومسح القفا" وهو إسباغ الوضوء. وأما خبره الأول قال الدارقطني - رحمه الله -: وهم فيه من وصله وهو مرسل يرويه سليمان بن موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو محمول على تأكيد استجابة. وأما الخبر الثاني: فرواه بركة الحلبي وهو كذاب ومتروك. والظاهر لأنها لا تجب ثلاثًا أن الفرض محمول على التقدير. وأما الخبر الآخر: فمحمول على الاستحباب. وأما كيفيتها: فالكلام فيهما على فصلين: أحدهما في الجائز والثاني: في الأفضل. فأما الجائز: فهو أن يوصل الماء إلى الفم والأنف ثلاثًا بغرفة أو غرفتين، أو أكثر. فأما الأفضل: ظاهر ما نقل هاهنا وهو المنصوص في "الأم" أنه، يجمع بينهما بغرفة واحدة. وقال في "البويطي": "ومن تمضمض واستنشق من غرفة واحدة أجزأه، وتفرقهما أحب إلى" فالمسألة على قولين: أحدهما: الجمع بينهما أفضل، ووجهه ما روي [55 أ/ 1] عبد خير، عن علي - رضي الله عنه- أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، ولأنه أقل لإضاعة الماء وأبعد عن الإسراف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الوضوء سرفًا ولو كنت على شاطئ". والثاني: تفريقهما أفضل وهو الأصح، ووجه ما روى عن عثمان - رضي الله عنه - أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا هو، وروى طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره،

فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. ولأن الفصل بينهما أشبه بأعمال الوضوء في سائر الأعضاء، وأقرب إلى النظافة وأمكن، ويحمل رواية علي - رضي الله عنه - على الجواز. فإذا قلنا بالأول، قال القفال وساعده بعض أصحابنا: الجمع أن يغرف غرفة واحدة فيتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا بالبقية، قال: وهو ظاهر كلام الشافعي. وقال أبو حامد، وهو اختيار أبي يعقوب الأبيوردي: الجمع أن يغرف ثلاثا غرفات يجمع بكل واحدة بين المضمضة والاستنشاق ويقدم المضمضة، وهذا أصح، [55 ب/ 1] لأنه أمكن. وقيل: الجمع أن يأتي بهما في حالة واحدة ولا يقدم المضمضة على الاستنشاق، وهذا ضعيف. وإذا قلنا بالقول الثاني، قال أبو حامد: التفريق أن يغرف غرفة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يغرف غرفة أخرى يستنشق منها ثلاثًا. وقال القاضي أبو حامد: يغرف ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق، والأول هو ظاهر كلام الشافعي. وقيل. الاستنشاق على هذا القول وليس بشيء. فرع المستحب في المضمضة أن يأخذ الماء بفيه ويديره في فيه ثم يمجه، وفي الاستنشاق أن يأخذ بأنفه ويمده بنفسه إلى خياشيمه ثم ينثره، لما روى عمرو بن عبسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد يغرف وضوءه ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وأنفه وخياشيمه مع الماء". قال الشافعي: "وَيُبْلِغُ خَيَاشِيمَهُ الْمَاءَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا". وأراد بالخياشيم أصول الأنف وهي العظام التي في الأنف، ويبلغ الماء إليه أو إلى ما دونه ويسمي إلا في حالة الصوم، فإنه يرفق فيها ولا يبالغ لئلا يسبق الماء إلى دماغه فيوجب الفطر؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا". فرع قال الشافعي في "الأم": استحب إدخال الماء في العينين ولا أبلغ به تأكيد [56 أ/ 1] المضمضة والاستنشاق. قال أصحابنا: هو من هيئات الوضوء؛ لأنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يفعله، وهو دون المضمضة والاستنشاق. لأنه

روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرو عنه إدخال الماء في العينين؛ لأن الفم والأنف يتغيران فيزيل الماء تغيرهما، والعين لا تتغير، وظاهر النص أنه يستحب ولكنه دون استحباب المضمضة، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ولا يغسله، لأنه لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا ولا فعلًا وهو يؤدي إلى الضرر، وهذا هو اختيار أكثر أصحابنا. وقال صاحب "الحاوي": "لا يجب ولا يبين". وهل يستحب؟ قال أبو حامد: يستحب للنص في "الأم". وقال غيره: لا يستحب وهذا أصح؛ لأنه ما لا يبين لا يستحب، وفعل ابن عمر لا يدل عليه إذ لم يفعله رضي الله عنه. مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْرِفُ المَاءَ بِيَدَيْهِ فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ثَلاَثًا". الفصل وهذا كما قال. الماء بيديه لأنه ربما يتعذر غسل الوجه كله بغرفة ويغترفها بيد واحدة، وليس شرط؛ لأنه إن أمكن ذلك جاز. وغسل الوجه هو أول أركان الطهارة من الأفعال، لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، وحد الوجه ما بين منابت شعر الرأس إلى الذقن وهو مجمع اللحيين طولًا، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضًا. والاعتبار في منبت شعر الرأس بغالب خلقة الإنسان، ولابد على الأقرع - وهو الذي نزل شعر رأسه إلى [56 ب/ 1] جبهته - ولا أصلع - وهو الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - ولا يجوز للأقرع الاقتصار على ما دون منابت شعر الرأس إلى أصول الأذنين ومنتهى اللحيين والذقن، وفميا نقل المزني خلل من ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه قال: من منابت شعر رأسه، والشافعي قال: من دون منابت. والثاني: قال: إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، وأراد بالإقبال ما لم يتعطف من ظاهر لحيته وذقنه لحد الوجه بالوجه، والشيء لا يحد بنفسه. والثالث: أنه قال: ومنتهى اللحية، وهذا يفيد أنه يغسل إلى منتهاها، ومنتهاها الحلق ولا يجب ذلك. فإذا تقرر هذا فالجبهة موضع السجود، والجبينان هما العظمتان الناتئان في جانبي الجبهة وهما من الوجه. والصدغان هو الشعر المحازي لرأس الأذن، وما نزل منه إلى ابتداء العذار وهما من الرأس. وقال في "الحاوي": فيه ثلاثة أوجه: أحدها وهو قياس قول ابن سريج: هما من الوجه بحصول المواجهة بهما. والثاني وهو قياس أبي إسحاق: هما من الرأس لاتصال شعرهما بشعر الرأس.

والثالث: وهو قول الجمهور: ما استعلى من الصدغين عن الأذنين من الرأس، وما انحدر عن الأذنين من الوجه؛ لأن الوجه محدود بالأذنين، وهذا أصح عندي. وقال في "البويطي": لو كان أمرد غسل صدغيه، وإن كان ملتحيًا أمر الماء على الصدغ إلى الأذن. قال [57 أ/ 1] أصحابنا: أراد بالصدغ ها هنا العذار، وهو الخط الممتد من الصدغ على العظم الذي يحاذي وتد الأذن بينه وبين وتد الأذن بياض، فيلزمه إفاضة الماء على العذارين وغسل ما تحتهما، وكذلك على الذقن، وعلى العنفقة وهو الشعر الذي على الشفة لاستواء المقفلة والمنشلة". فالمقفلة هي العنفقة، والمنشلة ما تحت الخاتم، والنوعيان ويستحب غسلهما مع الوجه لأنهما في سمت الناصية، والناصية من الرأس. وتسمى أيضًا الحالجة، يقال: رجل أحلج على هذا المعنى، وأما موضع التحذيف وهو الشعر النابت في أعالي الجبهة، وهو ما بين سبيط الرأس ومنحدر الوجه يؤخذ بالحفاف والتحذيف. وقد يعبر عنه بأنه الشعر الداخل إلى الجبينين من جانبي الوجه ما بين العذار والنزعة وفيه وجهان. قال أبو إسحاق: من الرأس؛ لأنه يتصل نباته بشعر الرأس، والله تعالى فرق بين الرأس والوجه بنبات الشعر. ومن قال بهذا قال: حد الوجه من منابت شعر الرأس ليخرج منه موضع التحذيف. وقال ابن سريج، وابن أبي هريرة: هو من الوجه لحصول المواجهة به في منحدر الوجه، وأن العادة فيه التحذيف، وقد جعله الناس بالعرف وجهًا وأنه شعر من بياض الوجه [57 ب/ 1] كالحاجب. ومن قال: هذا حد الوجه، يقال: من قصاص الشعر إلى الذقن ليدخل فيه موضع الحذيف، وهذا اختيار صاحب: "الحاوي"، والمشهور عند عامة أصحابنا الوجه الأول، والاعتبار في التسمية بأهل اللغة، وأهل اللغة لم يجعلوه من الوجه. وقال أبو إسحاق في شرح نص الشافعي في "الإملاء" إنه من الرأس، وحكاه الإمام القاضي طاهر الطبري - رحمه الله - وحكى عن مالك أنه قال: لا يجب غسل العذار ولا البياض الذي بين الأذن والوجه، وهذا غلط؛ لأنه ينطلق عليه اسم الوجه. وقال أبو يوسف: يجب على الأمرد غسله دون اللحى؛ لأن الشعر حصل حائلًا بينه وبين الوجه، وهذا غلط؛ لأن أحدًا من أهل اللغة لم يذكره مع الوجه في حده ولا تقع المواجهة به، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أذنيه ولم يغسلها مع الوجه، واحتج الزهري بقوله صلى الله عليه وسلم: "سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره" فأضاف السمع إليه كما أضاف

البصر. قلنا: عبر بالوجه عن الجملة لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ} [القصص: 88]، أو ذكره مجازًا على معنى أنه يجاوره، والعرب تسمي النتوء باسم ما جاوره مجازًا. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: [58 أ/ 1] لو نبت الشعر على جبهته غسل من منجرف الرأس، ولو نبت على بعض جبهته دون بعض كالأغم ففيه وجهان: أحدهما: يغسل من المنبت وهو الأصح. والثاني: من منحرف الرأس، وهذا لا يصح عندي، والمذهب في حد ما يجب غسله ما ذكرنا في كل حال. فرع آخر روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان لا يسن الماء على وجهه ولا يشنه. والسن بغير إعجام هو صب الماء. والشن بالإعجام هو تفريق الماء قال أصحابنا: يستحب أن لا يفعل ذلك. مسألة: قال: "فَإِنْ كَانَ أَمْرَدَ غَسْلَ بَشَرَةِ وَجْهِهِ كُلُّهَا". وهذا كما قال. ذكر الشافعي في "الأم" أربع مسائل نقل المزني الأولى والرابعة، وترك الثانية والثالثة. فالأولى: إذا لم يكن على وجهه شعر، بأن يكون أمرد أو أثط يلزمه غسل بشرة وجهه كلها، والغسل هو إمرار الماء على المحل المغسول زائدًا على إمرار البلل فإن ذلك مسح. والثانية: أن يكون له لحية حقيقة لا تستر ما تحتها من البشرة يغسلها وما تحتها. والثالثة: أن يكون بعضها كثيفًا وبعضها خفيفًا، والكثيف هو الذي لا يمكن رؤية البشرة تحتها. وقيل: الكثيف وغسل ما تحت الخفيف وتخليله، ويستحب تخليل الكثيف أيضًا. والرابعة: وهي التي نقلها المزني مع الأولى، وهي أن تكون اللحية كلها كثيفة يجب إفاضة الماء على ما قابل حد [58 ب/ 1] الوجه قولًا واحدًا. ويستحب تخليل اللحية ولا يجب لما روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد خلل لحيتك بالماء عند الطهور" وروي: "خلل لحيتك إذا توضأت للصلاة". وقال المزني، وأبو حامد، وابن جريج: يجب إيصال الماء إلى ما تحت بشرته كما

في الجنابة وكما في شعر الحاجبين، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس - رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه". وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى بشرة وجهه، فإنه كان كثير اللحية. قال على بن أبي طالب - رضي الله عنه - في وصفه: "كان عظيم الهامة عظيم اللحية" ويفارق الجنابة لأنها لا تتعلق بجميع البدن، ولا يتكرر فلا يشق إيصال الماء إلى ما تحته بخلاف هذا، وأما شعر الحاجبين، فإنه لا يكثر غالبًا. وقال أبو حنيفة في الشعر المحاذي لمحل الغرض يجب مسحه. وفي رواية أخرى: يجب مسح ربعه، وبه قال أبو يوسف في رواية: وروي عن أبي يوسف: يسقط عن البشرة ولا يتعلق بالشعر، وهذه رواية شاذة عن أبي حنيفة أيضًا. احتج أبو حنيفة بأن الغرض إذا تعلق بالشعر كان مسحًا كما في الرأس، وهذا غلط لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] واللحية من الوجه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا غطى لحيته في الصلاة، فقال: "اكشف وجهك فإن اللحية من الوجه". [59 أ/ 1] ويفارق شعر الرأس، لأن فرض البشرة تحت المسح، فانتقل إلى الشعر على صفته، فينبغي أن ينتقل من البشرة في الوجه إلى الشعر على صفته. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يخلل لحيته ويدلك عارضه بعد الدلك". وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي". وقال إسحاق: لو تركه عامدًا أعاد الصلاة. وحكي ذلك عن أبي ثور. وقال أصحابنا: يستحب له أن يمسح مآقيه بسبابتيه؛ لأنه قد يجتمع فيمها كحل أو رمض فيزول بذلك ويصل الماء إليهما، لما روى أبو أمامة "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ومسح مرة واحدة، وكان يمسح المآفين". فرع لو أفاض الماء على شعر لحيته ثم حلقه أو نتفه لا يبطل وضوءه. وقال ابن جرير: يبطل، كما لو نزع الخفين بعد المسح، وهذا غلط؛ لأن الشعر من جملة الخلقة، فزواله لا يوجب غسل ما تحت الجلد، ويفارق الخف لأنه كان بدلًا ولم يكن أصلًا، فبطل حكم المسح عليه بظهور الأصل.

فرع آخر ذكر الشافعي الشعور التي يجب إيصال الماء إلى ما تحتها في الوجه، وهي خمسة: العنفقة، والحاجبان، والشاربان، والعذاران، وأهداب العينين؛ لأن الشعر فيهما خفيف لا مشقة في إيصال الماء إلى ما تحتها، وفي الشارب أمر الشرع بتخفيفه. قال القفال في العنفقة: إن كانت [59 ب/ 1] منفصلة عن اللحية فهي كالحاجب والشارب، وإن كانت متصلة بها كثيفة ففيه وجهان؛ أصحهما أن حكمها حكم اللحية الكثيفة يغسل ظاهرها. والثاني: يلزمه غسل ما تحتها. قال: وبناء الوجهين على اختلاف المعنى في الحاجب والشارب. فإن قلنا: العلة هناك أن المغسول من الوجه محيط به، وإليه أشار في "الأم" لا يوجد هاهنا. وإن قلنا: العلة هناك أن الغالب أنه لا يكثر يوجد هاهنا، وما تقدم أصح. فرع قال في "حرملة": لو نبتت للمرأة لحية وجب عليها إيصال الماء إلى البشرة التي تحتها وإن كانت كثيفة؛ لأنها نادرة فأشبه شعر الذراعين إذا كان كثيفًا. مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ ذِرَاعَهُ اليُمْنَى إلى المِرْفَقِ". وهذا كما قال. أراد بالذراع اليد من رؤوس الأصابع إلى المرفق، وهو مفصل الساعد والعضد، وغسل اليدين فرض على هذا الوجه، ويدخل المرفقين في فرض الغسل، ويستحب أن يزيد حتى يغسل العضد. وقال زفر، وأبو بكر بن داود: لا يجب غسل المرفقين؛ لأن الحد لا يدخل في المحدود، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، وهذا غلط؛ لأن اسم اليد إذا أطلق يقتضي اليد إلى الإبط؛ لأن الله تعالى لما أطلق اليد في التيمم مسحت الصحابة أيديهم إلى الإباط لكن الله تعالى استثنى ما عدا المرفقين: " إلَى المَرَافِقِ " [المائدة:6] أي مع المرافق، كقوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] أي مع الله [160 أ/ 1]، وقوله تعالى: {ولا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ} [النساء:2]، أي: مع أموالكم. وقوله تعالى: {ويَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52]، أي: مع قوتكم. وحكي أبو إسحاق المروزي عن المبرد أنه قال: إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه، كما قال: يغسل هذا الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف. وقد روى جابر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وهذا من فعله خرج مخرج البيان لمجمل الأمر. وإذا بدأ باليمنى وقدمها على اليسرى استحبابًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأتم

فابدءوا بميامنكم". وقوله: "ثلاثًا ثلاثًا" يرجع إلى اليدين لا إلى المرفقين خاصة. وفي المرفق لغتان؛ مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، ومرفق بفتح الميم وكسر الفاء. مسألة: قال: فإن كَانَ أقْطَعَ الْيَدَيْنِ غسل مَا بَقِيَ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيِنِ". وهذا كما قال. به ذكرنا الواجب إذا كان سليم اليدين، وأما الأقطع ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون أقطع اليدين من الكوعين، وهو المراد بع غسل ما بقي، وقد يعبر عن الكفين باليدين. قال الله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، وأراد الكشف إلى الكوع، وكذلك لذا كان أقطع من نصف الذراع غسل ما بقي. والثانية: أن يكون أقطع اليدين من فوق المرفقين، فلا فرض عليه، ويستحب أن يغسل ما بقي من العضد إلى المنكب لأنه موضع التحجيل وإسباغ [60 ب/ 1] الوضوء، وظاهر من ذكرها هنا أنه استحبه الأقطع خاصة، وأصحابنا قالوا: يستحب للصحيح أيضًا، لأنه من جملة إسباغ الوضوء وقد روي أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يغسل العضدين مع الذراعين والساقين مع القدمين، ويقول: أحب أن أطيل غرتي. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه استحب غسله. وأنكر ابن داود على الشافعي هذا الاستحباب وهو غلط؛ لما ذكرنا. وقيل: تطويل الغرة هو أن يغسل بعض مقدمة الرأس مع الوجه، وتطويل التحجيل هو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم. والثالثة: أن يكون أقطع اليدين مع المرفقين. فقال المزني: إنه لا فرض عليه. فمن أصحابنا من قال: غلط المزني في النقل. وقد قال الشافعي في رواية الربيع: "وإن كان أقطع اليدين من فوق المرفقين فلا فرض عليه". وهذا هو المذهب. ومن أصحابنا من قال: معنى رواية المزني من المرفقين أي مع المرفقين فهي موافقة لرواية الربيع. وقال الإمام أبو محمد الجويني - رحمه الله -: قد وجدت هذه اللفظة للشافعي في "القديم" فلا يجوز تغليط المزني. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بتاء على القولين في مائية المرفقين. أحدهما: أن المرفق هو طرف عظم الزند الذي على طرف عظم الذراع، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط الغرض، وهو رواية المزني. [61 أ/ 1] والثاني: المرفق اسم لمجموع طرفي العظمين، فعلى هذا قد بقي أحد الطرفين فيلزمه غسله، وهي بداية الربيع.

ومنهم من قال: المرفق هو مجموع طرفي العظمين قولًا واحدًا، والقولان في أن المرفق هل يجب غسله تبعًا للذراعين، أو قصد أحدهما يجب غسله تبعًا للذراع ليقع به استيعاب غسل الذراع، وهذا كغسل الوجه لا يمكن إلا بغسل شيء من الرأس، فعلى هذا إذا قطع من هذا المفصل سقط فرض الغسل ليسقط المتبوع. والثاني: يلزمه غسل المرفق قصدًا كالذراع، فعلى هذا لا يسقط غسل ذلك. فرع قال في "البويطي": لو توضأ ثم قطعت يده لم يجب غسل ما ظهر غسله، فإن أحث بعد ذلك وجب غسل ما ظهر من يده بالقطع؛ لأنه صار ظاهرًا وكذلك إذا توضأ ثم قلم أظفاره لم يجب عليه غسل الموضع الذي قلمه، ولو كان مثقوب الكف يرى الضوء من الجانب الآخر يلزمه إيصال الماء إليه. ولو كان إصبع زائدة يلزمه غسلها في الوضوء. فرع لو خلق له كفان في ذراع يلزمه غسلهما في الوضوء وتقطع في السرقة إحداهما؛ لأن الطهارة مبنية على الاحتياط والحد يسقط بالشبهات، ولو خرجت في وجهه أو ذراعه سلعة فإنه يلزمه غسلها. فرع آخر لو خلق [61 ب/ 1] له يدان ينظر، إن كانت في الطول سواء غسلهما، وإن كانت إحداهما ناقصة غسل الكاملة إلى المرفقين، ثم ينظر في الناقصة، فإن كانت على محل الفرض كالكوع والساعد فإنه يلزم غسل كلها، وإن كانت على غير محل الفرض، مثل أن خُلعت على العضد والمنكب نُظر، فإن قصرت عن مجاراة الفرض فلا فرض عليه، وإن حاذى شيء منها محل الفرض فعليه غسل ما حاذى محل الفرض منها؛ لأنها قد تحاذي محل الفرض. وهذا اختيار أبي حامد. وقال بعض أصحابنا: لا يجب غسلها؛ لأن أصلها في غير محل الفرض، واسم اليد يقع على ما لو كانت قصيرة ولم تبلغ محل الفرض ولا يجب غسلها وهذا هو أقرب عندي. فرع آخر لو سقطت جلدة من ذراعه وتدلت يلزمه غسلها، وإن سقطت من ذراعه والتحمت بذراعه يلزمه غسلها أيضًا وإن كان بعضها يلزمه إدخال الماء تحتها لأن سقطت من عضه والتحمت بذراعه يلزمه غسل ما التحم بذراعه دون ما على عضده، ولا يجب غسل ما تحتها وتكشيطها بلا إشكال. وإن نابت من الذراع لم يجب غسلها وإن سقطت من الذراع وانعطفت على العضد والتحمت، ولم تبن من الذراع، فإنه يلزم غسلها، وما كان على محل الفرض من الذراع ولا يجب غسل ما جاوزه؛ لأنه لما التحمت بالعضد

صار حكمها حكمه. وإن كانت يد نابت لا يجب غسلها. وإن قطع من الذراع جلدة بالقطع [62 أ/ 1] إلى العضد فتركها متدلية لم يجب غسلها؛ لأنها من العضد فإن قطعت من العضد إلى الذراع وتركها متدلية من الذراع وجب غسلها جميعًا، والفرق بينه وبين اليد حيث قلنا: إذا حاذى محل الفرض غسله بخلاف هذا؛ لأن اسم اليد يطلق عليه بخلاف هذا. فرع آخر إذا لم يجد الأقطع من يوضئه إلَّا بإجرة مثله فإنه يلزمه أن يتأجر كما يلزمه شراء الماء فإن لم يجد من لم يجد ماًء ولا ترابًا. ذكره القاضي أبو حامد. فرع آخر إذا طالبت أظافره حتى خرجت عن حد يده، فهل يجب غسل ما خرج عن محل الفرض؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان كاللحية المسترسلة ومن أصحابنا من قال: يجب غسلها قولًا واحدًا وهو الصحيح؛ لأنه نادر لا يشق غسلها. مسألة: قال: "ثْمَّ يَمْسَحُ رأُسَهُ ثَلاَثًا". الفصل وهذا كما قال: مسح الرأس هو الثالث من أعمال فرائض الوضوء واختلف العلماء في قدر الواجب منه، فعندنا الواجب هو ما يقع عليه اسم المسح ولا يتقدر بشيء. وبه قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - وهو قول الأوزاعي، والثوري، وداود. وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: أحدها الربع. والثانية قدر الناصية. والثالثة قد ثلاث أصابع، وقيل [62 ب/ 1]: كل هذا يرجع إلى الربع، وعليه يقولون. وحكي عن أبي يوسف نصف الرأس. وقال مالك: يجب مسح جميع الرأس، فإن ترك أكثر من ثلاث شعرات عامدًا لا يجوز، فإن وقال غيره من أصحابه: إن ترك شيئًا بغير قصد جاز. وقال المزني: يجب مسح كله من غير تفصيل، وبه قال أحمد في رواية، وعنه رواية أخرى يجب مسح أكثره. فإن ترك الثلث فما دونه أجزأه واحتجوا بقوله تعالى: {وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6]، وهذا يقتضي مسح جميعه وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: {بِرُءُوسِكُمْ}، والياء للتبعيض فيما يستقل الكلام بدونه، كما يقال: مسحت يدي برأس اليتيم أو بالمنديل، ويراد به البعض، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته، وعلى عمامته، والناصية دون الربع، فإنها ما بين النزعتين. واحتجوا بأنه عضو يجب استيعابه كالوجه في التيمم قلنا:

الفرق أن التيمم بدل من الغسل في محل الغسل، فحذى به حذوه، وهذا ليس ببدل شيء يجب تقديره به، فجاز فيه ما يقع عليه الاسم. وأما المسنون فهو أن يستوعب جميع الرأس بالمسح بلا خلاف. وكيفيته أن يأخذ الماء بيديه ويرسلها لينزل الماء عنها، ثم يضع يديه على مقدم رأسه ويضع طرف سبابته على طرف [163 أ/ 1] سبابته الأخرى، ويجعل إبهاميه على الصدغين، ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه؛ لأن بعض شعر الرأس مقبل وبعضه مدبر على القفا، فإذا اذهب بهما إلى قفاه مسح الوجه الأعلى من الشعور على القفا دون الباطن منه، فإذا ردهما إلى المكان الذي بدأت انقلبت الشعور ظهرًا لبطن، وحصل به مسح الكل، وإذا فعل هكذا حصلت مسحة واحدة. ولو بدأ بالمسح من جانب آخر جاز، وهذا لما روى عبد الله بن زيد الأنصاري في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مسج رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى فقاه ثم درهما إلى المكان الذي بدأ منه". وقد قال الشافعي: "فَيَمْسَحَ جَمِيعَ رَاسِهِ وَصَدْغَيْهِ". فمن قال من أصحابنا: إن الصدغان من الرأس، قال: إنما أمر به لاستيعاب مسح كل الرأس. ومن قال هما من الوجه، قال: أمر بمسحهما وإن لم يكونا منه ليصير بالمجاوزة إليهما مستوفيًا لجميع الرأس. وقال بعض أصحابنا: قوله: "وصَدْغَيْهِ" فهو من المشكلات؛ لأن الصدغين من حد الوجه يجب غسلهما من الوجه وأدخلهما هنا في مسح الرأس، وهذا الإشكال قد ارتفع بما ذكرنا. وقال القفال: هذا الذي ذكره الشافعي هو إذا كان في شعره أدنى طول، فأما المحلوق أو صاحب الذؤابة [63 ب/ 1] فلا فائدة في رد اليد إلى الوضع الذي بدأ منه، ولو رد لا يحصل به مسحة ثانية، بل يحتاج الثانية إلى ماء جديد فلا يحصل بهذا الرد تعميم ولا تثليث والمستحب أن يكرر هذا. قلنا: كل مرة بماء جديد وبه قال أنس - رضي الله عنه - والأوزعي، والثوري. وقال أبو حنيفة: يمسح مرة واحدة ولا سنة في الزيادة. وبه قال مالك، وأحمد، وأبو ثور. وربما يقوله إنه بدعة. وقال ابن سيرين: يمسح مرتين. وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وغسل أعضاءه ثلاثًا ومسح برأسه ثلاثًا" وعن عثمان، وعلي - رضي الله عنهما - وروايتنا أولى لأنها زائدة. وقال بعض أصحابنا: في الرأس فرض وسنتان وهيئة، فالفرض ما ذكرنا، والسنتان

هما الاستيعاب والتكرار، والهيئة هي أن يبدأ بمقدم الرأس ويجعل إبهاميه على صدغيه، ويلصق رأس إحدى سبابتيه بالأخرى ثم يقبل يديه على ما ذكرنا. فرع لو غسل رأسه بدل المسح جاز وقام ذلك الغسل مقام المسح؛ لأنه مسح وزيادة، وقيل: فيه وجهان وليس بشيء. فرع آخر لو مسح أقل من ثلاث شعرات يجوز؛ لأنه أقل ما يقع عليه الاسم. وقال ابن أبي أحمد: لا يجوز أقل من ثلاث شعرات كما في الحلق والحج، وهذا غير صحيح. فرع آخر لو مسح شعرة واحدة، فالمعروف عندنا أنه إن وقع عليه الاسم جاز. وقال في "الحاوي" فيه وجهان: أحدهما: [162 أ/ 1] يجوز وبه قال سفيان. والثاني قاله البصريون من أصحابنا: لا يجوز لتعذر ذلك في الإمكان إلا بمشقة. قال صاحب "الحاوي": والذي هو أولى بالحق عندي أنه لا يتقدر أقله إلا بثلاث شعرات ولا بما دونها، وأنه يعتبر مسح أقله بأن يمسح أقل شيء من أصبعه على أقل شيء من رأسه، فيكون هو الأقل الذي يجوز دونه، لأنه أقل من يقتصر عليه في العرف وما دونه خارج عن الرأس ولم يمسح، فإن وضع ورفع، أو قطر على رأسه قطرة من الماء ووقفت في المحل ولم تسل ولم تنشتر، قال أهل العراق: يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: يجوز وهو الأقيس. والثاني: لا يجوز وهو اختيار القفال؛ لأن هذا يسمى مسًا لا مسحًا. وعلى هذا قال: إذا مسحت المرأة فوق خمارها فنشف البلل إلى رأسها أو شعرها، الذي تحت الخمار، فإن لم تحرك خمارها حتى ينتقل البلل من موضع آخر لا يجوز. ولو أمرت الخمار المبلول على الرأس جاز ولو أمرت اليد على الوقاية لم يجز، لأن المسح لم يحصل. فرع آخر لو كان أصلع أو محلوق الرأس مسح أي موضع شاء من بشرة رأسه. وإن كان على رأسه شعر مسح أي موضع شاء من شعره. فإن أوصل الماء إلى بشرة رأسه، ولم يمسح على شعره لم يجز؛ لأن الفرض انتقل إلى الشعر الساتر؛ لأن الرأس هو اسم لما ترأس وعلا، وهكذا ذكره جمهور أصحابنا، وهو اختيار أبي حامد. وقال بعض أصحابنا: إنما يتصور هذا أن يمسح أصول الشعر دون أعلاه، فإن كان تحت الشعر بشرة لا شعر عليها كان المسح عليها كا لو كانت مكشوفة. وأطلق بعض

أصحابنا بخراسان أنه يجوز؛ لأن البشرة أصل، وإن كان بعض رأسه محلوقًا وبعضه غير محلوق، إن شاء مسح المحلوق، وإن شاء مسح الشعر. وإن مسح على الصدغين أو النزعتين جاز على ما ذكرنا. ولو مسح على شعره ثم حلقه لم يبطل حكمه خلافًا لابن جرير. فرع آخر لو كان له جمة فمسح على ما سقط عن منابت شعر رأسه لم يجز. وهكذا لو رد المسترسل فعقده على رأسه ثم مسح على المعقود لم يجز. ولو مسح على الشعر الذي على منابت الرأس ولكنه أزيل عن منبته لم يجز؛ لأنه حينئذ شعر على غير منبته فهو كالعمامة، نص عليه في "الأم". واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من أخذ بظاهره وقال: إذا مسح على أصل النبات جاز. وإن مسح على ما انحط من منبته لا يجوز، وإن كان تحته بشرة الرأس. وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال أبو حامد: المذهب أنه يجوز؛ لأنه مسح على ما لم ينزل عن الرأس وإن زال عن منبته. وأراد الشافعي بما ذكر في "الأم" إذا كانت له طرة فردها [65 أ/ 1] فوضعها على رأسه ثم مسح عليها لا يجوز، والدليل على هذا أنه قال في "الأم": وقد أزيل عن منبته بل زال بنفسه، هذا أقيس وأصح عندي. فرع آخر قال الشافعي رحمه الله: "لو كان على رأسه عمامة أحب أن يمسح على العمامة مع الرأس، فإن تركه لم يضر"، وهذا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته، فإن اقتصر على مسح العمامة دون الرأس لم يجز. وقال الأوزاعي، وأحمد، والثوري، وداود، وابن جرير، ومحمد بن نصر المروزي: يجوز، إلا أن أحمد، والأوزاعي قالا: يحتاج أن يلبسهما على الطهارة كالخفين. وحكي عن أحمد أنه قال: يجوز إلا أن يكون تحت الحنك. واحتجوا بما روى أبو عبيد بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحسين بالمسح على المشاوز والنساخين" والمشاوز هي العمائم. والنساخين: هي الخفاف. ولأنه عضٌو فدخل له في التيمم فيجوز المسح على سائره كالرجل وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: {وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] والعمائم لا تسمى رأسًا، ولأنه عضو لا يلحق السنة في إيصال الماء إليه غالبًا فلا يجوز الاقتصار فيه على حائله كاليدين، ولا يجوز أن يمسح على القفازين. وأما خبرهم: قلنا: أراد أن يمسحوا وعليهم المشاوز أو أمر بالمسح على العمامة

بعد أداء فرض المسح على الناصية تشبهًا بمن يعم الرأس بالمسح ليعلم [65 ب/ 1] أن التعميم سنة. وقيل: في أنه مسح على عمامته أراد والعمامة على رأسه فمسح على ناصيته ليعلم أن الاستيعاب لا يجب، إذ لا يمكن الاستيعاب في الغالب من دون رفع العمامة. وقيل: دخل البلل منها إلى الرأس وليس كالمسح على الخفين؛ لأنه رخصة لا يعدى بها موضعها، ولا مجال فيه للقياس إذ الحاجة ماسة إلى لبس واستدامتها،، وفي نزعه مشقة ولا مشقة في تنحية العمامة عن مقدم الرأس. مسألة: قال: "ويمسح أُذُنَيْهِ ظَاهِرهُمَا وَبَاطِنَهُمَا بمَاٍء جَدِيٍد ثَلاَثًا" وهذا كما قال. حكم الأذنين منفرد عن الرأس وعن الوجه، فيأخذ لهما ماًء جديدًا يمسح به ظاهرهما وباطنهما ولا يجب مسحهما؛ لأن الله تعالى لم يذكره، وروي ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنه - وهما من الرأس، ويستحب أن يأخذ لهما ماًء جديدًا، وبه قال أحمد فوافقنا في الحكم دون الاسم. وروي عن أحمد: هما من الرأس ويجب مسحهما على الرواية التي توجب استيعاب الرأس، ويجزيه إن مسحهما بماء الرأس. وروي القفال عن مالك أنهما من الوجه يمسحان بالماء الذي يغسل به الوجه. وقال أبو حنيفة: هما من الرأس يمسحان بماء الرأس، وبه قال الأوزاعي. وروي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، والحسن البصري، وقال الشعبي، والحسن بن صالح: يغسل ما قبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر منهما على الرأس. وروي هذا [66 أ/ 1] عن علي رضي الله عنه، وبه قال إسحاق في رواية، وعنه رواية أخرى: مسح الأذنين واجب. واحتجوا بما روي أبو أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأذنان من الرأس". وروي ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأذنيه مسحة واحدة". وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه وأخذ ماًء جديدًا. وروي: "وأمسك مسبحتيه لأذنيه" وأراد بقوله: "الأذنان من الرأس" أنهما لا يغسلان مع الوجه، بل يمسحان كما يمسح الرأس. فإذا تقرر هذا فلا يعتبر عندنا أن يكون الأخذ لهما جديدًا، فإنه لو أخذ الماء لمسح رأسه ومسح رأسه ببعض يده، وأمسك بعضها لمسح الأذنين، فمسح سبابتيه باطنهما وإبهاميه ظاهرهما. وروي هذا عن ابن عمر، والحسن، وعطاء - رضي الله عنهم-: أن السنة أن يدخل إصبعيه في صماخي أذنيه لتحصل المبالغة، وهل يأخذ لهما ماًء جديدًا. حكي البويطي عن الشافعي أنه سن ذلك، فيكون إدخال الإصبعين في الصماخين بماء جديد سنة مؤكدة على مسح الأذنين. ذكره في "الأم" أيضًا، وهو اختيار القاضي

الطبري. وهذا لأن الصماخ في الأذن كالفم والأنف في الوجه وهما يفردان بالماء كذلك هذا. وذكر بعض أصحابنا في كيفية أن يضع إبهامه على ظاهر الأذن ويمرها نحو العلو، ويمسح باطن الأذن بالمسبحة ويدخل [66 أ/ 1] خنصره في صماخي الأذن وهذا حسن يتحقق به هذا القول. وقال البغداديون من أصحابنا: يدخل إصبعيه في الصماخين بماء أذنيه، ويكون ذلك من جملة مسح الأذنين ولا يكون سنه زائدة، فإن ترك مسح الأذنين لم يعد بعد القراع من الوضوء وإن قدم مسح الأذنين على مسح الرأس جاز على سنة مسح الأذن، وإن ترك المستحب من تقديم مسح الرأس عليه كما لو قدم الاستنشاق على المضمضة جاز. وقال في "الحاوي" هي يجب الترتيب في المسنونات؟ وجهان: أحدهما: يجب، فإن نكس فلا يعتد بالسنة ما قدمه، فإذا قدم المضمضة على غسل الكفين أو الاستنشاق على المضمضة لا يحتسب، وكذلك لو قدم مسح الأذنين على مسح الرأس. والثاني: لا يجب ويحتسب لأنها لما كانت مسنونة فالترتيب مسنون أيضًا. ويستحب أن يمسحهما ثلاثًا هكذا خلافًا لأبي حنيفة. وحكي عن ابن سريج أنه كان يغسلهما ثلاثًا مع الوجه ويمسحهما ثلاثًا مع الرأس، ويمسحهما بماء جديد ثلاثًا احتياطًا. فرع هل يستحب البدء باليمين فيهما؟ قال جدي الإمام - رحمه الله -: فيه وجهان، والظاهر أنه لا يستحب ذلك لإمكان الجمع بينهما، حتى لو كان أقطع اليد يستحب ذلك. وقيل: السنة أن يطهر الأذنان في حالة واحدة وليس في أعضاء الوضوء عضوان السنة فيهما هذا إلا هذا. مسألة: قال: "ثُمَّ يَغْسِلُ [67 أ/ 1] رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا". الفصل وهذا كما قال. غسل الرجلين فرض، وهو الفرض الرابع من الأفعال، وبه قال جمهور العلماء. وقال الشيعة من الإمامين: يجب مسحهما إلى الكعبين، ولا يجوز الغسل، وربما لا يحدون بالكعبين. وقال داود، وأهل الظاهر: يجمع بينهما. وقال ابن جرير: هو مخير بين الغسل والمسح، واحتجوا بقوله تعالى: {وأَرْجُلَكُمْ إلَى الكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] بعطف الأرجل على الرؤوس كما عطف الأيدي على الأوجه. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "عضوان مغسولان وعضوان ممسوحان". ولأنه عضو لا مدخل له في التيمم فجاز مسحه كالرأس، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم. توضأ مرة

مرة، وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وفيه غسل الرجلين. وروي أن عثمان وعليًا، وعبد الله بن زيد، والربيع بنت معوذ - رضي الله عنهم - وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوا أرجلهم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه". وروي أن قومًا توضئوا فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعقابهم تلوح جفافًا، فقال "ويل للأعقاب من النار". وروي أنه قال "خللوها قبل أن تخللها". يعني في أصابع الرجل. ومن جوز المسح [67 ب/ 1] لم ير التخليل، ولأنه، عضو محدود في كتاب الله تعالى كاليد، ويعني به أنه قال: {إلَى المَرَافِقِ} [المائدة:6] كما قال: {إلَى الكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، وأما الآية فإنها قرئت بالنصب فيكون معطوفًا على الأيدي. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قرأ بالنصب، وقال: هو من القديم والمؤخر. وقرأ ابن عباس بالنصب، وقال: رجع إلى الغسل، وكذلك مجاهد، وعروة. وأما القراءة الأخرى، فقد قال سيبويه، والأخفش وغيرهما: إن جرَّهما بالجوار لا بحكم العطف، كما تقول العرب: حجر ضب خرب، أو قد يذكر الاسمان والفعل الموصل بهما يصلح لأحدهما، كقول الشاعر: ويزججن الحواجب والعيونا أي وكحلن العيون، يدل عليه أن المسح لو كان في كتاب الله تعالى لكان الاتفاق فيه والاختلاف في الغسل، واتفقنا على جواز الغسل. وقال أبو علي الفارسي: قراءة الجر وإن كانت عطفًا على الرؤوس فالمراد بها الغسل؛ لأن العرب تسمي خفيف الغسل مسحًا، ولهذا فإنهم يقولون: تمسحت للصلاة يريدون به الغسل، فلما حد ذلك بالكعبين دل أنه أراد به الغسل، أو يقول: أراد به

مسح الرجل في حالة مخصوصة وهي حالة لبس الخف. وأما قول علي - رضي الله عنه - أراد به إذا لبس الخف، لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه مسح على الخف وقال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول اله [68 أ/ 1] صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهر خفيه خطوطًا بالأصابع". ومن رأي المسح على الخفين لا يرى مسح الرجلين. وروي الحارث عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمركم". فإذا تقرر هذا يجب غسل الرجلين مع الكعبين خلافًا لزفر كما قال في المرفق وقد مضى الكلام عليه. مسألة: قال: "وَالْكَعْبَانِ وَهُمَا الْعَظْمَتَانِ النَّاتِئَانِ". الفصل وهذا كما قال: عندنا الكعبان وهما العظمان النائتان من جانبي القدمين، وهما مجمع مفصل الساق والقدم. وقال محمد: الكعب هو موضع الشراك على ظهر القدم، وبه قالت الإمامية، ويحكى هذا عن أبي يوسف وقيل عنهم أنهم قالوا: في كل رجل كعب واحدة وهي عظم مستقر في وسط القدم، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: {إلَى الكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، فلو كان في كل رجل كعب واحدة لقال إلى الكعاب كما قال: {إلَى المَرَافِقِ} [المائدة:6]، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تراصوا بينكم في الصلاة لا يتخللكم الشيطان". قال الراوي: ففعلنا حتى أن كعب أحدنا، تمس كعب صاحبه، وهذا إنما يكون إذا كان الكعب ما ذكرنا. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن سليم - رضي الله عنه -: "ارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين". فدل أن الكعبين أسفل الساق لا ما قالوا من ظاهر القدم. وقال الزبيري من أصحابنا [68 ب/ 1]: الكعب في لغة العرب ما قاله محمد، ولكن الشافعي عدل عنه بالشرع، ولقد أخطأ؛ لأن الكعب ما وصفه الشافعي في اللغة، حكي عن قريش كلهم، ولا يختلف لسانهم أن الكعب اسم للناتئ بين الساق والقدم، ولسانهم أولى من لسان أهل اليمن، لأن القرآن نزل بلسانهم وذلك لغة أهل اليمن،

ولأن الاشتقاق يدل عليه. وذاك أنه لما اسم استدار وعلا، وكذكل قالوا: كعب ثدي الجارية إذا استدار وعلا، ويقال: جارية كاعب إذا نهد ثديها. وسميت الكعبة كعبة لا ستدارتها، وهذا فيما ذكره الشافعي. فإن قيل في البهائم في كل رجل كعب واحد فكذلك في الآدمي. قلنا: خلقة الآدمي هي خلاف خلقه البهيمة؛ لأن كعب البهيمة فوق ساقها وكعب الآدمي هو دون الساق. مسألة: قال: "وَيُخَلَّلُ بَيْنَ أَصَابِعْهُمَا". وهذا كما قال. إذا علم وصول الماء إلى أصابع الرجلين يستحب له التخليل، ولو كانت أصابعه متناضة متلاصقة يجب إيصال الماء إلى ما بينها، فإن التصق بعضها ببعض لا يجب الجرح والخرق. وقال الشافعي: "ليس عليه أن يفتق ما كان مرتوقًا" ولا يسن هذا بحال والأصل فيه خبر لقيط بن صبرة. قال أصحابنا: ويبدأ في تخليل أصابعه باليمني من خنصره إلى إبهامه [69 أ/ 1] ثم اليسرى من إبهماه إلى خنصره ليكون تخليلها نسقًا على الولاء. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يخلل بخنصره اليسرى من أسفل الرجل". ثم قال الشافعي: "وَذَلِكَ أَكْمَلُ الْوُضُوءِ إِنْ شَاءَ الله". وإنما استثني لأن الكمال إنما يكون بالإتيان بجميع ما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل بعض السنة غربت عنه فلم يستحب قطع القول. وقيل: إنما استثني لأنه لم يذكر إدخال الماء في العينين في الجديد، وذكره في القديم على ما ذكرناه، فخشي ذاك. وقيل: هذا يعود إلى ما ندب إلى فعله في المستقبل، وتقديره: فتوضأ كذلك إن شاء الله. فإذا تقرر هذا ذكر الشافعي بعد مسح الأذنين غسل الرجلين ولم يذكر مسح العنق، وهذا يدل على أن مسح العنق غير ثابت عنه. وقال أصحابنا بخراسان: هو سنة بماء جديد وإن لم يرد فيه خبره. وذكره ابن أبي أحمد في "المفتاح". وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يمسحه مع الرأس". قلت: رأيته في تصنيف الشيخ أبى الحسن أحمد بن فارس بن زكريا "بإسناده عن فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ ومسح يديه على عنقه وقي الغل يوم القيامة". وهذا صحيح إن شاء الله، وقيل: إنما لم يذكر [69 ب/ 1] الشافعي مسح العنق لأنه غير مقصود بالمسح، بل هو تابع للقفا في المسح، والقفا تابع للرأس لتطويل الغرة. مسألة: قال: "وَأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه".

الفصل وهذا كمان قال. قال أصحابنا: لم يقل الشافعي: وأحب بل قال ويمر؛ لأنه إذا لم يجز على أحد القولين أن لا يغسله لا يحسن أن يقول واجب, والحكم في الشعر الساقط عن حد الوجه طولًا, والخارج عنه عرضًا نحو الأذنين أنه يستحب أن يقبض الماء عليه, وهل يجب؟ نص في "الأم" على قولين: أحدهما: يجب وهو التصحيح؛ لأنه شعر نابت على بشرة الوجه فيجب إيصال الماء إليه كالشعر الذي يقابل حد الوجه. والثاني: لا يجب, وبه قال أبو حنيفة, ومالك, وهو اختيار المزني؛ لأنه شعر ليس تحته بشرة الوجه كالصدغ, ولا خلاف أنه يستحب تخليله ولا يجب غسله. وذكر الزبيري في كتابه فيه قولان: أحدهما: يجب غسله. والثاني يجب إفاضة الماء عليه وهذا غلط. واحتج المزني على اختياره بأن الشافعي لم يجعل ما سقط عن منابت شعر الرأس من الرأس في حكم الغسل. قلنا: الرواية من الرأس؛ لأنه لو حضر المحرم من طرف ذؤابته أجزأه عن الحلق, والفرق هاهنا في الطهارة هو أن الرأس [70 أ/ 1] اسم لا ترأس وعلا, وما سقط من الشعر ليس بعال فلا يجوز المسح عليه, والوجه اسم لما يواجه واللحية مما تواجه [70 أ/ 1] بها فوجب غسلها مع البشرة, ولأن الاحتياط معناه في موضعين فلا يجوز المسح هناك احتياطًا, ونوجب إمرار الماء عليه هاهنا احتياطًا. فرع قال أصحابنا: المستحب لمن فرغ من الوضوء لأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله, لما روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبه فُتح له ثمانية أبواب الجنة, فدخل من أي باب شاء" وقيل: يرفع بصره إلى السماء ثم يقول هذا, ويصلي ركعتين مقبلًا عليها بقلبه ثم يستغفر الله تعالى عند فراغه, فقد روي في الخبر ذلك. ويستحب أيضًا أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك, لما روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من توضأ- وقال هذا- كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة". ويستحب أن يقول أيضًا: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين.

فرع آخر قال أبو علي في الإفصاح: يستحب أن لا ينفض يديه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم [70 ب/ 14] أنه قال: "إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم". وقال: ولا يكره ذلك لما روت ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتسل وجعل ينفض يديه". فرع أخر إذا فرغ من وضوءه فالمستحب أن لا ينشف آثار الوضوء من الماء, وكذلك في الغسل, ولا خلاف أنه يجوز ذلك, وهل يكره ذلك؟ اختلفت الصحابة فيه على ثلاثة أقوال: فروي عن أنس- رضي الله عنه- أنه قال: لا بأس به في الطهارتين. وبه قال مالك, والثوري, ووجهه ما روي عن قيس بن سعد - رضي الله عنه- قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له غسلًا فاغتسل, فأتينه بملحفة ورسية فالتحف بها, فكأني أرى أثر الورس على عكنه، وروى أصحابنا بخراسان: "على كتفيه" وهو مُصًحَّف عندي. وروى أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف أعضاء وضوءه بها وروي أنس أنه كان يتمسح بها. وروى أبو هريرة, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ فتمسح بثوب نظيف فلا بأس, ومن لم يفعل فهو أفضل" لأن الوضوء يوزن مع سائر الأعمال يوم القيامة. وروي عن علي - رضي الله عنه- أنه قال: يكره ذلك فيهما, وبه قال ابن أبي ليلي, ووجهه ما روي عن ميمونة - رضي الله عنها- قالت دخل عليَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم, فوضعت له الوضوء فتوضأ, فأتيته بمنديل يده ورده. وروى ابن المنذر [71 أ/ 1] بإسناده عن ابن عباس عن ميمونة هذا الخبر في الغسل فلم يأخذه وجعل ينفض يديه. وقيل: إن الماء يسبح على الأعضاء ما دام عليها. وروي عن أبي عباس - رضي الله عنهما- أنه قال: لا بأس به في الغسل ويكره في الوضوء جمعًا بين الخبرين. وروي عن جابر أنه قال: "إذا توضأت فلا تتمرك". قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي, والذي يقتضيه المذهب أنه يستحب له أن لا ينشف, وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بأصحابه ثم تركهم ومضى, فاغتسل وعاد ورأسه

يقطر من الماء. ولكنه لا يكره لما روي أن عثمان, وأنس, والحسين بن علي, وبشر بن أبي مسعود - رضي الله عنهم- كانوا يأخذون المناديل, ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ لاستغنائه عنه فنشف أصحابه. وقال بعض أصحبنا بخراسان: هل يستحب التمسح بالخرقة؟ فيه وجهان وهذا ليس بشيء. فرع آخر قال أصحابنا: ويستحب إذا كان في يديه خاتم أن يحركه مع علمه بوصول الماء إلى ما تحته إلا أن يكون الخاتم واسعًا فلا يحتاج إلى التحريك, لما روى أبو رافع - رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه في إصبعه". فرع آخر قال الشافعي: "وأحب أن لا يستعين في وضوءه بأحد ويتولاه بنفسه". لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ, فأراد بعض أصحابه أن يصب عليه الماء, فقال "أنا [71 ت/ 1] لا أستعين على وضوئي بأحد". فإن استعان بمن يصب الماء على يديه جاز, ولا بأس به, ويقيمه على يساره لأنه أمكن له من الماء وأحسن في الأدب لما روى عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه- أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته فتبعته بالماء, فلما فرغ سكبت الماء على يديه, فغسل وجهه ويديه, ومسح برأسه وعلى خفيه. وروي أن أسامة, والربيع بنت معوذ صبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يكره الاستعانة بالغير إلا لعذر, وإنما استعان بالمغيرة لثقل ثيابه عليه, أو لأنه كان في السفر فأراد أن لا يتأخر عن الرفقة تعليمًا للحزم والاحتياط. فرع إذا شك بعد الفراغ من طهارته هل مسح رأسه أم لا؟ قال أبو حامد: هي كالصلاة لا يؤثر فيها الشك بعد الفراغ منها. فقيل له: فهذا يؤدي إلى الدخول في الصلاة بطهارة مشكوك فيها؟ فقال: يجوز ذلك كما لا شك هل أحدث أم لا؟ ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له الدخول في الصلاة, وشكه بعد الفراغ منها

كشكه قبل الفراغ منها؛ لأن جواز الشروع في الصلاة يفتقر إلى تقديم الطهارة عليه, فما لم يتيقن وجوبه لا يجوز له فعلها, كمسافر إذا أراد الجمع فصلى صلاة الظهر في وقته ثم شك هل ترك منها فرضًا لم يجز له أداء العصر بعده جمعًا؛ لأن جواز العصر في الوقت [72 أ/ 1] الظهر يقتضي إلى تقديم صلاة الظهر عليها بنية الجمع, فما لم يتيقن ذلك لا يجوز الجمع, ويفارق ما ذكره في الصلاة لأنها مقصورة بنفسها؛ لا أنها شرط لجواز غيرها بها, ولهذا وجود الماء بعد الفراغ من التيمم كوجوده قبل الفراغ منه. وعلى هذا لو خطب يوم الجمعة, ثم شك هل ترى منها فرضًا لا يجوز له أداء الجمعة ما لم يتيقن إتمامها, ولأن الفراغ من الطهارة شروع فيها في الحقيقة؛ لأنه ينفي حكمها ويبطل بالحدث, فصار كالشك في أثناء الصلاة, وهذا أصح عندي. ومن أصحابنا من قال: إن كان الوقت قريبًا أعاد الصلاة وأتممها, وكلاهما ليس بشيء. ورأيت بعض أصحابنا قالوا: إذا سلم ثم شك هل ترك بعض الركعات فيه قولان: أحدها: قال في "القديم": لا يضر؛ لأن الأصل أنه يقضي في الصلاة على السلامة. والثاني: قاله في "الجديد": يلزمه الإتمام, فإن كان قريبًا بني, وإن كان بعيدًا استأنف؛ لأن الأصل اشتغال ذمته بالصلاة فلا يسقط الفرض إلا بيقين, وهذا غريب. وإن عرض الشك في الوضوء وهو الصلاة, سمعت الإمام جدي يقول: يتمها ولا يصلي صلاة ثانية إلا بعد إزالة الشك قياسًا على المتيمم يرى الماء في صلاته فيمضي فيها. ويحتمل على قياس ما ذكرنا أنه يلزمه الخروج منها وإزالة [72 ب/ 1] الشك واستئناف الصلاة. فرع وروى أبو هريرة - رضي الله عنه- قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغطية الوضوء, وإبكاء السقاء , وهذا مستحب لأنه أحوط له, وإذا توضأ من إناء جعله عن يمينه وأخذ منه الماء؛ لأن ذلك أمكن له. فرع آخر إذا توضأ وعلى يده حناء؛ فإن كان عين الحناء باقيًا لم يزل لم يجز الوضوء, بل عليه أن يزيله, فإن لم يبق إلا اللون لم يضر, وإن قطر على بعض أعضائه شيء له جسد مثل شحم ذائب جمد عليه أو شمع أو دهن سندروس, لم يجز وإن كان دهنًا مانعًا فزال وزاب الدسم فمسَّ الماء بشرته ولكن لم يثبت عليه جاز الوضوء؛ لأن ثبوت الماء على العضو ليس بشرط, وقيل غير هذا وليس بشيء. فرع آخر تجديد الوضوء مستحب لقوله صلى الله عليه وسلم: "من جدد وضوءًا على وضوء جدد الله له نورًا

يوم القيامة". قال أصحابنا: إنما يستحب ذلك إذا أدى به فرضًا لا يستحب, وإن كان قد أدى به نقلًا إلا أن يكون قد غسل أعضاءه في الوضوء مرة أراد فضيلة التكرار فيستحب ذلك, وهذا لأن المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجديده للفرائض دون النفل. قلت: ويحتمل أنه إذا أدى به نفلًا يسحب أيضًا؛ لأنه ظهر تأثير الوضوء السابق في [73 أ/ 1] أداء فعل لا يجوز إلا بالوضوء. ثم رأيت عن بعض أصحابنا أنه قال: إذا صلى به نافلة فيه وجهان, هل يستحب تجديده لصلاة أخرى له؟ لا. ولو سجد للتلاوة أو الشكر لا يستحب التجديد وجهًا واحدًا، ولا يكره لو فعل؛ لأنه أدى ماله تحليل وتحريم, ولو لم يفعل شيئًا يكره التجديد. وهكذا لو توضأ وقرأ القرآن عن المصحف, أو اغتسل الجنب وقرأ القرآن عن ظهر القلب ثم أراد التجديد يكره؛ لأنه لم يؤد به ماله تحليل وتحريم. فرع آخر لو خُلق لرجل قد مات في رجل واحدة, فإن كانت دون الكعب فإن يلزم غسلهما بكل حال, وإن كانت إحداهما فوق كعب الأخرى, فالقدر الذي حاذي الكعب إذا سفل منها غسله والباقي لا يجب, كما ذكرنا في اليدين على عضد واحد. مسألة: قال: "وَإِنْ غَسَل وَجْهًهُ مَرَّةً". الفصل وهذا كما قال. القصد به بيان أول الوضوء, وهو أن يغسل وجهه مرة, وذراعيه مرة, ويمسح ببعض رأسه مرة قدر ما يسمى مسحًا. قال القفال: ولو كان بعض شعرة, ويغسل رجليه. وذكر في تضاعيف هذا الفصل أن المسح على الشعر المجاوز عن حد الرأس لا يجوز, وأن النوعين من الرأس. وقال: "وَعَمَ بِكُلِّ مَرَّةٍ مَا غَسَل". أي استوعب محل غسله المحل المغسول من هذه الأعضاء, ليعلم وجوب التعميم [73 ب/ 1]. ثم رجع إلى غسل الرجلين, ولا يضر اعتراض هذا الكلام في الوسط. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: جملة فرائض الوضوء على قوله الجديد سنة؛ النية, وغسل الوجه واليدين, ومسح بعض الرأس, وغسل الرجلين, والترتيب. وعلى قوله القديم سبع, فزاد فيها الموالاة, ومن أصحابنا من قال ثمانية, والثامن هو الماء الطاهر. والسنة عشر, خمس قبل الوجه: التسمية, وغسل الكفين, والمضمضة, والاستنشاق, والمبالغة فيهما. وخمس بعد الوجه وهي البدأة باليمين, واستيعاب

الرأس بالمسح, ومسح الأذنين, وإدخال السبابتين في صماخي الأذنين بماء جديد, والتخليل في اللحية وأصابع الرجلين. ومن أصحابنا من ذكر السواك قبل الوجه, وهو اختبار ابن سريج فجعله سننًا, وزاد ابن أبي أحمد مسح العنق فجعله سننًا, وقيل بدل مسح العنق يطول الغرة, وذكر بعض أصحابنا التكرار في جملة السنة. وقيل: الوضوء مشتمل على الواجبات, والسنن, والفضيلة [74 أ/ 1]، والهيئات. فهي أربع، وهي: إدخال الماء في العينين، وتطويل الغرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء, فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل". والختم بالشهادتين والدعاء في كل عضو يغسله, وهو ما روي في الأخبار فيقول في ابتدائه: بسم الله, والحمد لله الذي جعل الماء طهورًا. وفي غسل الكفين: اللهم أحفظ يدي من معاصيك جلها. وفي المضمضة: اللهم أجر على لساني الصدق, والصواب أن يقول: اللهم اسقني من حوض نبيك كأسًا لا أظمأ بعده, وفي الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة جناتك ونعمك. وفي الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. وفي اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني, وحاسبني حسابًا يسيرًا. وفي اليد اليسر: الله لا تعطني كتابي بشمالي ومن رواء ظهري. وفي مسح الرأس: اللهم أحفظ رأسي وما حوي, وبطني وما وعى, أو يقول: اللهم أظلني تحت عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. أو يقول: اللهم حرم شعري وبشرتي على النار. وفي مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وفي مسح العنق: اللهم أعتق رقبتي من النار والمظالم. وفي الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام, أو يقول: اللهم أجزني على الصراط, ولا تجعلني [74 ب/ 1] ممن يتردى في النار. وقيل: الهيئات الخمس, والخامسة البدأة بالوجه بأعلاه, وفي اليدين بالكفين, وفي الرأس بمقدمه، وفي الرجلين بأطراف أصابعه: وقيل: إن صب عليه غيره الماء فإنه يبتدأ بالكعبين إلى الأطراف هيئة. وقيل: غسل الكفين والتسمة من الهيئات أيضًا وما تقدم أصح. فإذا تقرر هذا احتج الشافعي رحمه الله بعد هذا على الاختصار على بمرة مرة جائز؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة, وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به, ثم توضأ مرتين مرتين, وقال: " من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين" ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي, ووضوء خليلي إبراهيم".

وأن التثنية والتثليث مستحب؛ لأنه قال: "من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين" أي يضعف أجره. وأن التثليث سنة, وعادته دعاؤه للأنبياء قبله. والشافعي قال: "والمرتان فضيلة, والثلاث سنة" وإنما قدم الفضيلة علة السنة؛ لأنه لة أخر الفضيلة لظن ظان أن كلما زاد على الثلاث كان أفضل, فأخر السنة ليعلم أنه لا يجوز مجاوزة السنة. وقال الشافعي في " الأم": " لا أحب أن يزيد على ذلك" فإن زاد لم يضره. حكاه القاضي الطبري. وقيل (75 أ/ 1): قال في "الأم": تكره الزيادة. فإن فعل لم يأثم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن زاد هذا فقد أساء". رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأراد بقوله: أساء أي خالف السنة. وقوله: ظلم يعني جاوز الحد؛ لأن الظلم مجاوزة الحد ووضع الشيء في غير موضعه, ولم يرد به أنه يأثم. وروي: "ممن زاد أو نقص" الخبر. واختار أبو حامد أنه لا يكره, لأنه زيادة عمل وبر, والأصح أنه يكره, وقيل: يحرم وليس بشيء. وحكي عن مالك أنه قال: لا معنى للتكرار, والمرة الواحدة هي الأفضل, وهذا غير صحيح عنه عندي. وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: التكرار واجب, وهو غلط ظاهر, بدليل ما روينا من الخبر .. ثم أعلم أن هذا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعالاً مختلفة في أحوال شتى, وهذا هو الأقرب, ويحتمل أنه كان منه في حالة واحدة على طريق التعليم؛ لأن مثل هذا بدعة إذا لم يكن على وجه التعليم, فإن من توضأ يكره له أن يتوضأ ثانيًا قبل أن يصلي بوضوئه صلاة, وقبل أن يحدث. ثم قال الشافعي: وفي أتركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة", ولم يرد به الزجر حتى يسمى تارك السنة, ولكن أراد به أن هذه الأشياء مسنونة لا مرفوضة, ثم قال: "وليس الأذنان من الوجه فيغسلان ولا من الرأسي (76 ب/ 1) فيجزي مسحه عليهما فهما سنة على حيالهما" وقصد به الرد على مالك حيث قال: هما من الوجه يمسحان بالبلل الذي غسل به الوجه. والرد على أبي حنيفة حيث قال: هما في الرأس, فقال الشافعي: لو كانتا من الوجه لغسلنا مع الوجه, ولو كانتا من الرأس لأجزأ المسح عليهما من الرأس. وأخل المزني في عبارته من وجهين: أحدهما: أن اللفظ الشافعي محتمل مشتمل على بيان المذهب وبيان الدليل, ولفظ المزني يعطي بيان المذهب ولا يعطي بيان الدليل. والثاني: أنه قال: فيغتسلان, وجواب التفي بالفاء يكون منصوبًا, وعلامة النصب في التثنية سقوط النون, فكان من حقه أن يقول: وليست الأذنان من الوجه فيغتسلا, بإسقاط النون ومن أصحابنا من يعتذر له بأنه يجوز إثبات النون في هذا الموضع, كما

قال الله تعالى: {ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} (المرسلات:36) ثم احتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما, يريد به البياض المتصل بهما فوقهما من الرأس ولا على ما وراءها مما يلي منابت شعر الرأس إلى الأذنين, ولا على ما يليهما إلى العنق يريد به البياض الذي هو تحت الأذنين مما يلي العنق مسح, يعني مع الرأس (76 أ/ 1) مع كون هذه أقرب إلى الرأس, فلأن لا يكون على الأذنين مسح مع كونهما أبعد من الرأس خلقة واسمًا أولى, فإن منعوا وقالوا: ذلك البياض الذي فوق الأذنين من الرأس, قلنا: هو محال, لأنا نعرف حد الرأس من غيره بنبات الشعر في العرف والعادة, وهذا الموضع لا ينبت عليه الشعر كالجبهة والقفا, فلا يكون من الرأس. ثم احتج المزني, لو كانتا من الرأس أجزأ من حج حلقهما عن تقصير الرأس- يعني أن من فرغ من أعمال العمرة, وأراد أن يتحلل عليه أن يحلق رأسه أو يقصر. فلو كان على أذنيه شعر فحلقه عن تقصير الرأس لم يجزئه بالإجماع. وإن أكمل به رفع الرأس عندهم, فإن المشروع عندهم الربع أو تقصيره وهذا احتجاج صحيح. وربما يمنع بعض المتأخرين منهم فيعتمد على ما اعتمد عليه الشافعي أولاً, وهو أنه لا يجزئ مسحه عن مسح الرأس, وهذا لا شك فيه. ثم قال: "وَالْفَرقُ بَيْنَ مَا يُجْزِئُ مِنْ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأَسِ, وَلاَ يُجْزِئُ إلاَّ مَسْحُ كُلَّ الْوَجْه فَي الْتَّيِمُّمِ". الفصل وقصد به الرد على مالك على ما تقدم بيانه, وقد ذكرنا الفرق بين مسح الوجه في التيمم, ومسح الرأس في الوضوء لا يدخل على الفرق الذي ذكرنا, المسح على الخفين لا يلزم استيعابه لأنه ليس ببدل غسل الرجل, بل هو رخصة وتخفيف, فاستيعابه مخرجه عن موضوعه ليس هو ببدل في محل أصله, بل هو سائر الأصل بخلاف مسح (76 ب/ 1) الوجه في التيمم. مسألة: قال: "وَإِنْ فَرَّقَ وُضُوءَهُ وَغُسْلَهُ أَجْزَأَهُ". الفصل وهذا كما قال: تفريق الطهارة وهو يسير وكثير, فاليسير لا يؤثر فيها, وفي الكثير قولان قال في "القديم": يبطلها ويجب استئنافها كما في الصلاة. وبه قال قتادة, ومالك, والليث, والأوزاعي, وأحمد. وروي عن أحمد أنه قال في الغسل: لا يبطله. ووجه هذا ما روي عن عمرو- رضي الله عنه- أنه رأى رجلاً توضأ وترك في قدمه موضع

ظفر, فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. وروي عن بعض أصحابنا بخراسان أن رجلاً صلى وعلى ظهر قدمه لمعة قدر درهم لم تصبها الماء, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الوضوء والصلاة. وقال في "الجديد": لا يبطلها وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة, والثوري, والحسن, والنخعي, وعطاء, وطاووس, وسعيد بن المسيب -رضي الله عنهم-. وهذا لأن كل عبارة جاز تفريق النية على أبغاضها جاز تفريق أبغاضها كالزكاة. واحتج الشافعي- رحمة الله- على هذا بابن عمر- رضي الله عنهما- وذلك أنه توضأ فدعي إلى جنازة, فقام بعد مسح رأسه وهو لابس خفيه حتى أتى المصلى, ثم دعا بماء فمسح على خفيه, ثم صلى على الجنازة قال الشافعي: وما بين سوق المدينة والمصلي مسفة يجف أعضاء الطهارة في أدنى منها. ولم ينكر عليه (77 أ/ 1) أحد. فإذا تقرر هذا فحد التفريق الكثير أن يجف العضو الذي غسله مع اعتدال الهواء والحال, كان اشتد الجر والريح فسارع الجفاف. وإن كثر البرد والمطر تباطأ الجفاف فلا يعتبر ذلك, والاعتبار في ذلك بين كل عضو لا بأول الطهارة وآخرها. فإذا غسل وجهه ويديه, ثم مسح برأسه قبل أن يجف الماء على يديه جاز, وإن جف الماء على وجهه. وقيل: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يعتبر فيه عرف, فإذا حصل زمانًا طويلاً خرج عن العرف في طاهرات الناس صار مفرطًا. واختلف أسحابنا في محل القولين, فمنهم من قال: القولان إذا لم يكن عذر, فإن كان عذرًا مثل نفاذ الماء وطلبه ثانيًا أو انكسار الكوز, أو انقلاب الماء, أو الهرب من ظالم لا تبطل طهارته قولاً واحدًا, وهذا هو اختيار القفال, وبه قال مالك, والليث. وقيل: إنه نص في "الأم" على هذا الفرق, وأومئ في "الأم" إليه. وهذا لأنه جوز في الصلاة التفريق بعذر سبق الحدث في قوله القديم, فالطهارة أولى. ومن أصحابنا من قال: لا فرق بينهما. فرع إذا جوزنا التفريق هل يلزمه تجديد النية؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه, لأن النية الأولى انقطعت وبطل حكمها, ولأن النية تراد لتمييز العادة من العبادة, وإذا طال الفصل لا يتميز إلا بالنية. وهذا اختيار أبي حامد. والثاني: لا يلزمه ذلك, وهو الأظهر, واختاره (77 ب/ 1) القاضي الطبري, لأنه لم يقطع حكم النية الأولى, ولأن التفريق إذا كان لم يقطع حجك النية كنا في الحج. فرع آخر التفريق في التيمم كحكمه في الوضوء. وقال صاحب "الحاوي": قال جمهور أصحابنا: التفريق الكبير يبطل التيمم قولاً واحدًا والفرق بينه وبين الوضوء, أن تعجيل التيمم للصلاة هو مستحق, فإنه لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة وتعجيل الوضوء غير

مستحق, وكذلك التفريق في الغسل كحكمه في الوضوء. وقال صاحب" التلخيص": يجوز تفريق الغسل قولاً واحدًا. وهذا ليس بشيء, وذكرناه عن أحمد. مسألة: قال: "وَإِنْ بَدَأَ بِذِراعَيْه قَبْلَ وَجْهِهِ رَجَعَ إَلَى ذِرَاعَيْهِ". الفصل وهذا كما قال: الترتيب شرط في الوضوء والتيمم هو أن يبدأ فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه, وبه قال ابن عباس, وقتادة, وأحمد, وإسحاق, وأبو عبيد, وأبو ثور, وروي هذا عن علي - رضي الله عنه- في رواية, وقال أبو حنيفة: لا يلزم الترتيب فيهما, وبه قال ابن مسعود, وسعيد بن المسيب, والحسن وعطاء, والزهري, والنخعي, ومكحول, والاوزاعي, ومالك, وهو رواية عن علي- رضي الله عنه- واحتج الشافعي عليهم بالآية وهي قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ} (المائدة:6) الآية وأشار إلى أن الواو في العطف توجب الترتيب, واحتج بأن الله تعالى قال: {إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ "78 أ/ 1"اللهِ} (البقرة:158) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله به"، والبداية بالصفا ثم بالمروة واجبة حتى لو بدأ بالمروة لم يحتسب مشيه إلى الصفا فكذلك ها هنا البداية بغسل الوجه واجبة. فإذا تقرر هذا فلو غسل ذراعيه أولاً ثم غسل وجهه ينظر فإن كان ذاكرًا للنية عند غسل وجهه ويغسل ذراعيه وهو مراد الشافعي بقوله" رجع إلى ذراعيه فغسلهما حتى يكونا بعد وجهه" وإن لم يكن ذاكرًا للنية الأولى عند غسل الوجه استأنف غسله مع النية, وقوله: فإن صلى فالوضوء على غير ولا رجع فبني على الوضوء وأعاد الصلاة دليل على جواز تفريق الوضوء فإذا لم يجز يلزم الاستنشاق ها هنا لأنه طال الفصل بالصلاة. فرع لو نسي في الوضوء لا يجوز وضوءه قولاً واحدًا, وحكي ابن أبى أحمد قولاً أخر عن"القديم" أنه يجوز وليس بمشهور. وقيل: القولان فيه بناء على القولين فمن نسى قراءة الفاتحة في الصلاة, هل يجوز؟ قولان, وهذا بيس بشيء. فرع آخر لو غسل أعضاء أعضاؤه أربعة اثنين دفعة واحدة معًا لم يجز, لأن الترتيب لم يحصل. ولو اغتسل المحدث بدل الوضوء فيه وجهان ذكرهما ابن سريج. أحدهما: يجوز لأنه يجوز عن الحدث الأعلى فلأن يجوز عن الحدث الأصغر (78 ب/ 1) أولى. والثاني: لا يجوز وهو الأصح, لأن الغسل غير الواجب فلا يسقط ترتيبًا واجبًا

ويفارق الجنب المحدث, لأن حكم الحدث سقط بالجنابة فقط ولا ترتيب فيه. فرع آخر لو انغمس المحدث في ماء ونوى الوضوء فمكث ساعة يترتب الماء على أعضائه جاز, وإن لم يمكث ساعة لا يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان والأصح أنه لا يشترط المكث لأنه لما انغمس في الماء ترتب في ألطف الأزمنة وما تقدم أصح في هذا. فرع آخر لو أحدث ثم أجنب, قال أبو إسحاق: يغتسل ويسقط الوضوء والترتيب نص عليه الشافعي في "الأم". وقال ابن أبي هريرة: فيه ثلاثة أوجه إحداهما: هذا, والثاني: يدخل الوضوء في الغسل دون الترتيب, فيلزمه أن يرتب أعضاء وضوءه, ثم يغسل الباقي وهذا لأنه يفرد الوضوء بالترتيب وفي غسل الأعضاء يشتركان فيه فتدخلا فيه دون الترتيب. والثالث: يلزمه الوضوء والغسل ولا يدخل أحدهما في الآخر لأنهما عبادتان مختلفتان فعلاً وحكمًا, والأول أصح, وترتيب الوضوء يسقط بالغسل كترتيب العمرة تسقط بالحج, والعمرة تخالف الحج وتدخل في ألج, وقيل فيه وجه رابع أنه يدخل الوضوء في الغسل ولكنه يحتاج أن ينو بهما كما ينوي الحج والعمرة, وأما إذا أجنب (79 أ/ 1) ولم يحدث ويتصور ذلك إذا لف على فرجه خرقة وأولج من غير أن يمس جزءًا من بدنها يلزمه الغسل وحده من غير ترتيب وجهًا واحدًا, ولو أجنب أولاً ولم يحدث على ما ذكرنا ثم أحدث. قال ابن سريج: الحكم فيه كما لو أحدث ثم أجنب, ومن أصحابنا من قال: لا حكم للحدث ها هنا وجهًا واحدًا, والفرق أن الحدث متقدم لما طرأ على أعضاء طاهرة ثبت حكمه, وهذا المتأخر طرأ على أعضاء غير طاهرة فسقط حكمه, وأيضًا الصغرى لا تدخل على الكبرى كما لا يصح إدخال العمرة على الحج في أحد القولين, ويصح أو قال: الحج على العمرة قولاً واحدًا. فرع آخر لو أجنب الرجل فغسل بعض بدنه ولم يغسل من أعضاء وضوءه شيئًا ما بقي من بدنه عن الجنابة ويجزيه من غير ترتيب على المذهب المنصوص, ولو غسل أعضاء وضوءه ثم أحدث قبل أن يغسل الباقي من بدنه قال أكثر أصحابها: يغسل الباقي من بدنه عن الجنابة ويتوضأ للحدث مرتبًا لا يجزيه أحدهما دون الآخر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يغسل الباقي من بدنه لأن الحدث لا حكم له ما

دامت الجنابة باقية كما لو أجنب, ثم أحدث قبل غسل شيء من بدنه, ولو غسل بدنه إلا رجليه, ثم أحدث فعلي قول من يقول: لا حكم للحدث مع بقاء الجنابة يغسل رجليه وبكفيه, وعلى قول سائر (79 ب/ 1) أصحابهما: يغسل أعضاء الوضوء غير الرجلين من الحدث على الترتيب, ولا تأثير للحدث في الرجلين, فلو قدم غسلهما على الأعضاء الثلاثة جاز, وهذا في الحقيقة هو وضوء ليس فيه غسل الرجلين كما ذكرنا. مسألة: قال: "وإن قدم يسرى يديه قبل اليمنى أجزأه". وهذا هو كما قال: الترتيب بين اليمنى واليسرى هو مستحب غير واجب خلافًا للشيعة, وروي ذلك عن أحمد, والدليل عليه قوله تعالى: (وأيديكم) (المائدة:6) يذكرهما دفعة واحدة ولأنهما كالعضو الواحد لا ترتيب فيه, وقال علي- رضي الله عنه- "ما أبالي بدأت بيميني أو بشمالي إذا أكملت الوضوء". مسألة: قال: " ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا". وهذا كما قال: وأراد بالمصحف ما كتب فيه كلام تعالى وهو القرآن. ولا يجوز للمحدث والجنب والحائض والنفساء مسه ولا حمله, وبه قال جماعة العلماء, وقال الحكم, وداود: يجوز لهم مسه وحمله, وهذا غلط لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] فإن قيل: أراد به اللوح المحفوظ لا يمسه إلا الملائكة, قيل: لا يحتمل هذا لأنه قال بعده: {تنزيل من رب العالمين} (الواقعة:8) , ولأن الملائكة لا يكونون إلا مطهرين, فدل أنه أراد به المطهرين من الآدميين الذين يتكلفون الطهارة بعد الحدث. وروي أنا النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتاب عمرو بن حزم- رضي الله عنه-: " لا تمس القرآن (80 أ/ 1) إلا وأنت على طهر" , وقال عبد الله بن أبي بكر كان في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبت له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى نجران: "أن لا يمس القرآن إلا الطهر " وروي: " لا يمس القرآن إلا طاهر". وروي عن معاذ- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في عهده حين بعثه: "إلى اليمن أن لا يمس القرآن إلا طاهر". فرع لا يجوز حمله بعلاقة ولا خريطة, وقال أبو حنيفة: يجوز, وحكاه ابن المنذر عن الحكم, وحماد, والحسن, وعطاء, وأحمد, كما يجوز حمله في جملة الرحل والأمتعة وهذا غلط, لأنه مكلف قاصد إلى حمله من غير ضرورة فلم يجز له كما لو

حمله بغير علاقة, ولأن الحمل أكثر من المس فكان أولي بالمنع, وأما حمله في جملة الأمتعة بغير مقصود, وإنما يمنع منه إذا كان قصدًا, وكما أنه لا يجوز حمل ورقه من جملته, ويجوز حمل كتاب الفقه, وإن كان فيه آيات من القرآن, لأنه لم يقصد الكتاب للقرآن. وروى ابن عمر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ثم كتب إليهم في كتابه: " بسم الله الرحمن الرحيم {قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} " (آل عمران:64) الآية. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه لا يجوز حمله أصلاً, وإن كان في جملة المتاع (80 ب/ 1) لأنه حامل للمصحف وهو الأقيس. فرع آخر لا فرق في المس عندنا بين مس المكتوب منه, وبين ما هو منسوب إليه من قبله وظرفه وحواشيه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: وصندوقه المتخذ له. وهذا عندي أنه يريد به عند الحمل, فإن مش الصندوق دون المصحف لا يجوز. وقال أبو حنيفة: له أن يمس ما عدا كوضع الكتابة. وهذا غلط لأنه جزء من المصحف كالمكتوب. فرع آخر الدراهم التي عليها القرآن, قال أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لهم حملها في الرق إذا كتب فيه شيء من القرآن. والثاني: يجوز لأنهم لا يقصدون بحملها ومسها من القرآن حمل المال ولا فرق بين أن يكون فيها {قل هو الله أحد} (الصمد:1) أو غير ذلك. وقال صاحب "الحاوي": إن كان لا يتداولها الناس كثيرًا ولا هم يتعاملون بها غالبًا كالتي عليها سورة الإخلاص لا يجوز حملها لأن الحرمة للمكتوب من القرآن, وإن كان يتداولها الناس كثيرًا ويتعاملون بها غالبًا, هل يجوز لهم حملها فيه وجهان, أحدهما: يجوز للمشقة الغالبة. والثاني: لا يجوز وهو اختيار من أبي هريرة, وهذا أحوط عندي والأول أقيس. فرع لو كان القرآن مكتوبًا على طعام مأكول هل يحرم مسه فيه وجهان.

فرع آخر هل يجوز مس كتاب المزني ونحوه الذي (81 أ/ 1) فيه آيات من القرآن؟ قيل: وجهان وجه واحد أنه يجوز وهو الأصح. فرع آخر الثياب التي كتب على ظهرها- أي من القرآن- قال أصحابنا فيه وجهان, وقيل: فيه وجه واحد أنه يجوز, لأن المقصود غيره وهو كالبيت الذي نقش عليه القرآن يجوز مسه. وقال صاحب "الحاوي":لا يجوز لهم لبسها وجهًا واحدًا لأن الكتابة كلها قرآن والمقصود بلبسها التبرك بما عليها من القرآن. فرع آخر لو تصفح أوراقه بخشبة فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه غير مباشر له ولا الحامل له والخشبة بائنة منه وهو الأصح. والثاني: لا يجوز, لأن الخشبة منسوبة إليه وهو الأظهر عند أصحابنا بخراسان. وقال بعض أصحابنا: يجوز وجهًا واحدًا لما ذكرنا من العلة, ولو تصفح بكمه الملفوف على يده لم يجزه وجهًا واحدًا لأنه لا يمس لكمه واضع ليده عليه. فرع لو كتب وهو محدث غير حامل له كان وضع اللوح على الأرض ولا يمسه إلا رأس قلمه, فإنه يجوز لكن كتابته بأكثر من تلاوته وللمحدث لأن يتلو القرآن وإن كان جنبًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كالتلاوة. والثاني: يجوز لأن التلاوة أغلط من الكتابة, لأن المصلي لو كتب الفاتحة لا يجوز عن تلاوتها فجاز للجنب أن يكتب القرآن, وإن لم يتناوله, هكذا ذكره صاحب (الحاوي) وسائر أصحابنا لم يفرقوا (81 ب/ 1) بين المحدث والجنب, وقالوا: فيها وجهان. فرع آخر هل يجوز للصبيان مس المصحف من غير طهارة؟ فيه وجهان. أحدهما: يجوز لموضع الحاجة والضرورة, وإنه لا تكليف عليهم ولا يمكن حفظ طهارتهم. والثاني: لا يجوز, ويمنعون منه كالبالغ, وهذا أحوط والأول أصح, وأما الطفل الذي لا يميز له يمنع منه مسه لأنه لا يؤمن تكربته. فرع قال بعض أصحابنا: لا يمنع الصبي من مس اللوح في المكتب؛ لأن فيه مشقة

[وهل] يمنع البالغ من مس اللوح الذي كتب عليه القرآن في حال حدثه؟ وجهان: أحدهما: لا يمنع لأنه كتب لغرض وهو التعليم ولهذا المجيء كل الوقت. والثاني: أنه يمنع وهو الأصح عندي ولا شك أنه يكره ذلك. فرع آخر هو يجوز له مس تفسير القرآن؟ قال أصحابنا: إن كان القرآن المتلو منه أكثر من تفسيره لا يجوز, وإن كان التفسير أكثر من القرآن المتلو ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز تغليبًا لحرمة القرآن. والثاني: يجوز اعتبارًا بالأغلب, ومن أصحابنا من قال: إن كان القرآن مكتوبًا بخط غليظ والتفسير بخط أدق منه فحكمه حكم المصحف, وإن كان مكتوبًا بخط واحد فإنه يكره ولا يحرم؛ لأنه ليس القصد منه كتب القرآن ككتب الفقه التي فيها آيات القرآن, وكذلك يكره له مس (82 أ/ 1) كتب أخبار رسول الله ولا يحرم. فرع لو كان على بدنه نجاسة فأراد أن يحمل المصحف بعضوه الذي لا نجاسة عليه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ممنوع من الصلاة وهو اختيار الصميري من أصحابنا. والثاني: وهو الأصح أنه يجوز لأن النجاسة لا تتعدى إلى غير ما هي عليه بخلاف الحدث, ولو أراد أن يمسه بيده النجسة فلا إشكال أنه لا يجوز. فرع آخر لو أراد حفل التوراة والإنجيل أو سهمًا. قال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك للحرمة. وقال جمهور أصحابنا: يجوز لأنها منسوخة فقصرت حرمتها عن حرمة القرآن ولأنها مبدلة, قال الله تعالى: (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) (البقرة:75) والمبدل لا حرمة له. فرع آخر لو استباح واحد منهم فعل الصلاة إما بالطهارة بالماء عند وجوده أو بالتيمم عن عدمه ارتفع هذا المنع كما في الصلاة, ولو لم يجد ماءً ولا ترابًا, حكي في أحد القولين: ولا يمسه, ولا يحمله لأنه لا ضرورة إليه. مسألة: قال: " ولا يمنع من قراءة القرآن إلا جنبًا". وهذا كما قال في نسخة: إلا الجنب. فالمنصوب نصبه على الحال, أي لا يمتنع إلا في حال الجنابة, وأراد المرفوع لا يمتنع عن قراءة القرآن إلا شخص جنب, وأراد قراءة القرآن عن ظهر القلب من غير المس لا يحرم إلا على الجنب, وظاهره يقتضي أن

لا تمتنع (82 ب/ 1) الحائض ولا النفساء, وحكي هذا القول عن الشافعي رواه أبو ثور, وقال ابن المنذر قال الشافعي في (القديم) هذا, واختلف أصحابنا فيه على وجهين, فمنهم من قال: فيه قولان, ومنهم من قال: قول واحد أنها لا تقرأ كالجنب, زهو قوله الجديد لما روى ابن عمر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن " وما ذكره ابن المنذر عن القديم لا نعرفه, وأبو ثور قال: جوز أبو عبد الله للحائض والنفساء قراءة القرآن وأراد به مالك لأن كنيته أبو عبد الله فهذا هو الصحيح لأن الجنابة هي أخف من الحيض, فإن امتنع منه الجنب فالحائض أولى واحتج مالك بأن الحيض والنفساء يمتد ويطول فيؤدي إلى نسيان القراءة بخلاف الحدث, وربما تكون معلمة فيتعطل كسبها بذلك, قيل: يمكنها أن تتفكر فيه بقلبها ولا تحرك لسانها لئلا تنسى وتنظر في المصحف, ويقلب غيرها أوراقه. وقال داود: يقرءون ما شاءوا به, قال ابن المنذر: روي أنه سئل سعيد بن المسيب: أيقرأ الجنب؟ فقال: نعم, أليس هو في جوفه, وقال ابن عباس: يقرأ ورده, وهو جنب, وروى نحو قولنا عن عمرو وعلي، والحسن, والنخاعي والزهري, وقتادة- رضي الله عنهم- وقال أبو حنيفة, وأحمد يقرأ دون الآية, وقال مالك (81 أ/ 1) في الجنب: يقرأ آيات يسيرة, وقال الأوزعي: لا يقرأ الجنب إلا آية الركوب والنزول (سبحان الذي سخر لنا هذا) (الزخرف:13) الآية, وقال تعالى: " ربي أنزلني منزلاً مباركًا " (المؤمنون: 29) الآية. واحتج داود بأن وجوب الطهارة لا تمنع القراءة أصل وجوبها عن الحدث الأصغر. قلنا: حكم الحدث اخف ويتكرر فيشق عليه المنع بخلاف الجنابة, وهذا غلط لما روى عن علي- رضي الله عنه- أنه قال: أن النبي صلي الله عليه وسلم (لم يكن يحجبه عن قراءة القرآن شيء سوى الجنابة). ذكره أبو داود وروى لم يكن بحجزه. وقال علي- رضي الله عنه- أيضًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن بكل حال, فإذا كانت الجنابة فلا ولا حرف, وقال عمرو بن حزم: كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقرأ القرآن إلا طاهرًا) وأراد طاهرًا من الجنابة. فرع هل يجوز قراءة القرآن وفمه نجس, قال والدي- رحمه الله- يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز للحرمة كما لا يجوز مس المصحف ويده نجسة. والثاني: يجوز ويكره كما يجوز قراءته محدثاً.

باب الاستطابة

فرع آخر لو قال: بسم الله أو الحمد لله. فإن قصدت به قراءة القرآن لا يجوز ويأثم, وإن كان قصده التبرك, أو افتتاح الأمر عند العطاس أو الأكل, أو ابتداء الغسل يجوز ومن أصحابنا من قال: لا يسن للجنب التسمية في ابتداء الغسل, وان كان يقصد به التبرك (83 ب/ 1) لأنه نظمه نظم القرآن, ويحرم عليه القرآن, ولهم أن يذكروا الله تعالى وتسبيحًا وتهليلاً وتحميدًا. قالت عائشة-رضي الله عنها- لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك ذكر الله تعالى على كل أحيانه , والمراد به ما ذكرناه. فرع آخر العادم لماء والتراب وهو جنب يؤمر بالصلاة تشبهًا في أحد القولين ولا يزيد على قراءة الفاتحة من القرآن لأنه لا يحتاج إلى قراءة الزيادة. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان. أحدهما: هذا, والثاني: لا يقرأ يل يأتي بالأذكار بدل القرآن كما لو كان عاجزًا بأنه لا يحسن القرآن؛ لأنه عاجزًا أيضًا لعقد الطهارة. فرع أخر الكافر لا يمنع من سماع القرآن لقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فآجره حتى يسمع كلام الل} (التوبة:6) وهل يمنع من التعلم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يمنع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب آيات القرآن إلى الكفار. والثاني: يمنع لأنه لا يؤمن منهم إلا استهزاء في الخلوة, بخلاف السماعة. باب الاستطابة قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وذكر الخبر. وهذا كما قال أعلم أن الاستطابة والإستجمار والاستنجاء معناها واحد, وهو إزالة عين الغائط والبول من مخرجهما المعتاد إلا أن الاستجمار عبارة عن إزالته بالأحجار دون الماء لأنه مستو من الجمار وهي الحجارة. وقد قال (84 أ/ 1) صلي الله عليه وسلم "من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" أي من استعمل الحجر فيه فليجهله وترًا فإنه جعله شفعًا فلا حرج.

وأما الإستطابةً والاستنجاء بعير فكل واحد منهما عن تنقية مخرج البول والغائط بالماء والأحجار معًا، لأن الإستطابةً مشتقةً من الطيب؛ فكأنه بهذا القول يطيب ذلك الموضع، والاستنجاء مشتق من النجو هو القطع، يقال: نجوت الشجرةَ واستنجيتها إذًا كأنه قطع الأذى عن نفسه بالماء أو الحجارة، وقال القتييي: هو مأخوذ من النجوةً وهي ما ارتفع من! لأرض؛ لأن من أراد قضاء الحاجة استتر بها والأول أصح. فإذا تقرر هكذا. فالأصل في الاستنجاء الخبر الذي ذكره الشافعي، وهو ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها لغائط ولا بول وليستنجِ بثلاثةَ أحجار" ونهى عن الروث والرمةً وإنما قال: أنا لكم مثل الوالد أرقع الحشمةً بينهم ربينه حين أراد ذكر ما يحتشم منه، وقيل: إنما قال ذلك تثبيتها على أن كل والد أن يعلم ولده ما يحتاج إليه من أمر دينه كما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمته أمر دينهم. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "علموا أولادكم الطهارة [84 ب/ 1] والصلاةً وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أأبناء عشر؛ وقوله: فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط: أراد به الموضع المطمئن من الأرض وكان أهل المدينةَ إذ ذاك يقضون حوائجهم في الصحاري فيأتون الموضح المطمئن فيها؛ يستترون به عن الأبصار فأمرهم أن لا يستقبلوا القبلةً لقضاء حوائجهم من الغائط، وهو ي يخرج من الإنسان، سمي باسم ذلك الموضع الذي يقضي حاجته فيه. فإذا تقرر هذا لا يجوز عند استقبال القبلةً ولا استدبارها لغائط ولا بول في الصحراء ولا في فضاء من الأرض، ويجوز في البيوت والبنيان أن يجلسوا كيف شاءوا، وبه. قال العباس ابن عبد المطلب، وعبد الله بن عمر، وعائشة - رضي الله عنها - ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية. وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في البنيان أيضًا، وبه قال أبو أيوب الأنصاري؛ والنخعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد في رواية، وروي عن أبي حنيفةً روايةً أخرى يجوز فيها الاستدبار. وقال عروةً بن الزبير، وربيعةً: يجوز كل ذلك فيهما، وبه قال داود، واحتج الشافعي على جواز ذلك في البنيان لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ظهرت على إجار لحفصة - رضي الله عنها فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا في بيت من بيوت حفصةً على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس، ومن اشمل [85 أ/] بيت المقدس في المدينةً بعد استدبار الكعبةً يدل على جواز ذلك في البنيان. والإجار سطح أحيط به حائط من جوانبه والأولى من هذا ما روي عن عائشةً -

رضي الله عنها - قالت؛ ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قومًا يكرهون استقبال القبلةً بفروجهم فقال: "أوقد فعلوها استقبلوا بمقعدتي في القبلةً". ولأن في الصحارى معنيين: أحدها: احترام القبلةً. والثاني: أنه قال ما يخلو عن مصل من جني آو ملك أو إنس فيقع المصلي على عورته ولا يوجد كلا المعنيين معًا في البنيان. وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان على بعير" في صحراء فزل وأبرك بعيره بين يديه وأرسل ذيله من ورائه وقعد يبول مستقبلًا القبلةً فقيل له: أليس قد نهي عن ذلك فقال ذلك إذا لم يكن بينك وبين القبلة ساتر. واحتجوا بما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تتقبلوا القبلةً لغائط ولا بول ولكن شرقوا أر غربوا" فقدمنا الشام فوجدنا مرا حيض قد بنيت قبل القبلةً فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله - عز وجل - قلنا: نحمل الخبر على الصحراء. وقول أبي أيوب يعارضه قول ابن عمر - رضي الله عنهما - فإن قيل فما تأويل ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن استقبال القبلتين [58 ب/] قلنا: له تأويلان أحدها: أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلتهم ثم نهى عن استقبال الكعبةً لما صارت قبلةً فجمع الراوي ما فرقه النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقتين. والثاني: أراد بالمدينةً نهى عن استقبال الكعبةً واستقبال بيت المقدس؛ لأنه يصير مستدبر الكعبةً ولا يجوز استقبالها ولا استدبارها وسمى بيت المقدس قبلةً؛ لأنها كانت قبلةً على عادةَ العرب في استصحاب الاسم بعد زوال المعنى، ولهذا فإنهم يسمون البالغ يتيمًا. فرع قال أصحابنا: استقبال ست المقدس واستدباره للغائط يكره لأنه كان قبلة ولا يحرم النسخ. فرع أخر قال أصحابنا إذا جلس في الصحراء للغائط إلي ما يستره من جبل أو دابةً أو دار هل يغلب حكم الصحراء في المنع أو يغلب حكم السترةً في الجواز؟ وجهان: احدهم: يغلب الستر لوجود الاستتار. وقد قال ابن عمر - رضي الله عنه - والثاني: يغلب حكم المكان؛ لأن القضاء فيه أغلب، وعلى هذا لو كان من مصرين خراب قد صار قضاء كالصحراء وجهان: أحدها: يعتبر صفة المكان. والثاني: بقيةَ حكم المكان.

فرع آخر قال أصحابنا: يجب أن لا يكون البناء أقل من مؤخرةَ الرجل وهو قريب من ذراع عندي، ويشترط قرب البناء منه، فإن كان حوله جدران متباعدةً لا يجوز، ولو كان في الصحراء وهذه أو شيء [86 ا/ 1] يستره جرى ذلك مجرى البنيان. مسالة: قال: "وإن جاء من الغائط أو خرج من ذكرهِ أو دبرهِ شيء" الفصل وهذا كما قال. عبر الشافعي بلفظ القرآن؛ لأن الله تعالى قال: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ} [النساء: (43)] وجملته أي الاستنجاء واجب عنده. إما بالماء أو بالأحجار، فإن لم يستنج وصلى لم تجز صلاتهِ. وبهِ قال أحمد، وإسحاق، وداود، ومالك في رواية. وقال أبو حنيفة: الاستنجاء مستحب وليس بواجب، وهو رواية عن مالك، وبه قال المزني، وعلى هذا قاس أبو حنيفةَ النجاسةً في الثوب والبدن فجوز الصلاةً معها إذا كان قدر درهم يغلي، يريد بذلك الواسع، ولم يجوز إذا كان أكثر وقال: لو جازت النجاسةً في محل الاستنجاء قدر الدرهم لا يجوز في إزالته إلا المائع. واحتج الشافعي عليه بالخبر الذي ذكرنا، وأيضًا فقد روي أن بعض المشركين قالوا لسلمان الفارسي - رضي الله عنه - إن صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءةَ قال: أجل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلةً أو ندبرها لغائط أو بول وأن نستنجي بأيماننا، وأن نستخم بدون ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجح "ولا عظيم. وروى بأن أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[86 ب/ 1] قال: "لا يكفي أحدكم دون ثلاثةً أحجار يستنجي بها". فإذا تقرر هذا الكلام في فصلين: أحدها: في الجواز. والثاني: في الأفضل فأما الأفضل. هو أن لجمع بين الماء والأحجار، فيستعمل أولًا الأحجار، ثم الماء، لأن الله تعالى: أثنى على أهل قباء فقال تعالى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} {التوبة:08} فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما هذه الطهارة التي أثنى الله عليكم بها؟ فقالوا: نحن نستنجي بالأحجار ثم نتبعها الماء فقادت عليكم به" ولأنه إذا فعل كذا يكون ألطف وأنقى وأحوط، وهذا هو معنى انتفاص الماء الذي في الخبر، وقيل: وضع الماء من الليل وتغطيته مسنون. وأما الواجب فهو آن يقتصر على الماء أو الأحجار، والأفضل أن يقتصر على الماء، فإنه يزيل العين والأثر

بخلاف الأحجار، فإن اقتصر على الأحجار مع وجود الماء جان للخبر الذي ذكرناه خلافًا للزيديةً والهاشميةً. وروى أبو أمامه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يطهر المؤمن ثلاثةَ أحجار، والماء أطهر". وروي عن خزيمةً بن ثابت قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإستطابةً فقال: "ثلاثةَ أحجار ليس فيها رجيع". وروي عن عائشةً - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد لحاجتهِ فجاء عمر بماء فوقف وراءه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[87 أ/ ا] ما معك يا عمر؟ فقال: ماء نتوضأ به قال: إ لم أومر, بالماء كلما توضأت، ولو فعلت ذلك صار سنة". ومن الناس من كره الاستنجاء بالماء لأنه طعام وهذا لا يستوي بالحكايةً. فإذا تقرر هذا فالاقتصار على الأحجار إنما يجوز بشرطين أحدها: أن يأتي بثلاثةً أحجار. والثاني: أن يحصل الإنقاء فإن أنقاه بحجرين يلزمه استعمال الثالث, وإن لم ينق بثلاثةً أحجار يلزمه أن يزيد حتى ينقى، وإذا جاوز الثلاث فالمستحب أن يقطع على الوتر كما ذكرنا من الخبر. وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقال مالك وداود: الواجب هو الإنقاء فقط ولا يشترط فيه العدد. وعند أبي حنيفةَ. يستحب الاستنجاء. وفي الاستحباب لا بد عن العدد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر. وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصبيحةَ ليلةً الجن وقال: ائتني بثلاثةَ أحجار فأتيته بحجرين وروثه فرس، فألقى الروثةَ وقال: لا هذا ركس أبغني ثالثا، أي أعني على طلبه - وقوله ركس أي رجيع، رد من الطهارةً إلى حال النجاسةً يقال: ركست الرجل إذا نكسته في الشر. واحتج مالك إن المقصود هو الإنقاء؛ لأنه لو لم يحصل بثلاثةَ أحجار تلزمه الزبالةً، قيل عليه: أقضي الأمرين من العدد أو الإنقاء، ويوجد نظيره في مواضع كثيرة. واحتجوا بأن العدد في الاستنجاء بالماء لا يعتبر كذلك [87 ب/ ا] في الاستنجاء بالأحجار. قيل: الفرق أنه يحصل بالماء حقيقةً الطهارةً فلا يعتبر فيه العدد، وبالأحجار يحصل التخفيف، والطهارة، فيعتبر فيها العدد احتياطًا، وهذا كانقضاء العدةَ إن كان بوضع الحمل لا يراعى العدد، وإن كان بالإقراء يعتبر بالعدد، فإذا تقرر هذا فالخارج من الآدمي ضربان:

أحدهما: يوجب الغسل وهو المني والحيض والولد فلا يعتبر منه الاستنجاء لأن عليه غسل جميع البدن. والثاني: يوجب الوضوء وهو علي ضربين معتاد ونادر، فإن كان معتادًا فعز ضربين ريح وغير ريح، فإن كان ريحًا فلا استنجاء عليه به، وإن كان عينًا كالغائط والبول فيجب الاستنجاء منه ويجوز فيه الأحجار على ما ذكرنا، وإن كان نادرًا فعلى ضربين رطب ويابس، فالرطب هو الدم والقيح والصديد يحب الاستنجاء منه قولًا واحدًا، وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟ قولان: أحدها: لا يجوز إلا الماء نص عليه في "الأم" وقوله ها هنا: أو خرج من ذكره أو دبره شيء أي ما هو معتاد، وهذا لأنه نادر لا يتكرر فلا يبق عليه استعمال الماء فيه. والثاني: يجوز فيه الاقتصار على الأحجار نص عليه في حرملةً؛ لأنه نجس خارج من محل الحدث فأشبه المعتاد والأول أظهر. وإن كان يابسًا كالحصاةً والنواةً والدود نظر فإن كان عليه رطوبةً [88 أ/] يلزمه الاستنجاء قولًا واحدًا. لم تكن رطوبةً فهل يجب الاستنجاء؟ قولان: أحدها: لا يجب، وهو اختيار المزني لأنه كالريح. والثاني: يجب؛ لأنه لا يعري عن الرطوبة، وإن لم يشاهد كالبعرةً اليابسةً، وقيل في البعرةً اليابسةً التي لا بلل فيها حكمها حكم الحصاةً أيضًا، فإذا أوجبنا الاستنجاء هل تجزئ الأحجار؟ على ما ذكرنا من القولين. وقال القفال: إذا أوجبنا الاستنجاء ها هنا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا؛ لأن النجاسة التي يتوهمها معتادةً وهذا عندي على ما قال - رحمه الله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان بناء على أن الاعتبار بالخارج أو المخرج. فإن اعتبرنا الخارج لا تجزئ الأحجار، وإن اعتبرنا المخرج تجزئ الأحجار، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا خرج المعتاد متلوثًا بغير المعتاد. فآما إذا خرج غير المعتاد خالصًا فلا تجزئ الأحجار قولًا واحدًا، والصحيح أن لا فرق. فإذا تقرر هذا يحرز الاستنجاء بالأحجار وبما في معنى الأحجار من الآجر والخشب والخرقة، وإن ورد النص الظاهر بالأحجار. وقال داود: لا يجوز الاستنجاء بغير الأحجار. وحكي ذلك عن زفر وهو رواية عن أحمد، وهذا غلط لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الروث والرمةً؛ لأن تخصيصها [88 ب/] بالنهي تنبيه على جوازه بغير ما - وروى الدارقطني بإسناده عن طاووس عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثةً أحجار، أو ثلاثةَ أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب"، أو يقول: غير الأحجار في معناها فقسنا عليها. وإنما ذكر الأحجار في الخبر المشهور؛ لأنها أكثر وجودًا.

فإن قيل: أليس في رمي الجمار لا يقوم غير الأحجار مقام الأحجار فكذلك هنا؟ قلنا: ذاك غير معقول المعنى وهو الإنقاء أو تخفيف النجاسةً وهذا يوجد في غير الأحجار. فإذا تقرر هذا فخذ ما يجوز به الاستنجاء. قال بعض أصحابنا: هو أن يكون طاهرًا منقيًا لا حرمةً له، ولا متصلًا; بحيوان، ومعنى التقى أنه يزيل العين حتى لا يبقى إلا. أثرًا لاصقًا لا يخرجه إلا الماء. وقال: أهل خراسان: هو أن يكون طاهرًا منشفًا لا حرمةً له. وقيل: يدل المنشف أن يكون قالعًا. وقيل: أن يكون جامدًا طاهرًا منقيًا غير مطعوم، وهذا أصح بالجامد لا بد منه؛ لأنه لو استنجى بغير الماء من المائعات كماء الورد ونحوه لا يجوز، ولو غسل الحجر النجس والماء عليه فأتم لا يجوز به الاستنجاء؛ لأنه يزيد تنجيسًا ولا يزيل شيئًا وإن كان نديًا زال عنه رطوبة الماء. ولم يجف بعده فهل يجوز استعماله؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لبقاء النداوةً. والثاني: يجوز لذهاب [89 أ/] الرطوبة وقيل: يختلف بقلة النداوةً وكثرتها فأن كانت النداوةً قليلةً فإنه يجوز، والطاهر لابد منه؛ لأنه لو استنجى بروث، أو عظم ميتة، أو حجر نجس لا يجوز فإن خالف وفعل لم يقع مرع الاستنجاء. وقال أبو حنيفة: يقع موقعه من حيث الاستحباب، وهذا غلط للخير الذي ذكرناه، نم إذا نجس هذا المحل بنجاسةً أخرى. هل يجوز أم يقتصر فيها على الحجر؟ فال بعض أصحابنا: يجوز؛ لأن هذه النجاسةً صارت تبعًا للنجاسةً الأولى وحصلت من حكمها، والصحيح أنة لا يجوز؛ لأن المحل نجس بغير الخارج منه، فهو كما لو استنجى بالماء ثم نجس ذلك المجل بنجس. غير الذي خرج منه لا يجوز الاستنجاء فيه بالحجر، كذلك ها هنا. وأما المنقي فلا بد منه، أو هو أن يكون؛ خشنًا، فإن كان أملس كالقارورة، والجحر الصماء، والسيف الصقيل، والزجاج والصفر، والرصاص لا يجوز الاستنجاء به لأنه لا ينقي العين بل يزيد المكان تلوثًا، وكذلك كل ما لا ينقي لنعومته كالخز والحرير، وللينه كالطين والشمع، أو لضعفه ورخاوته كالفحم لا يجوز الاستنجاء به، وعلى هذا الكاغد أن كان على صقالته لم يجز الاستنجاء به وإن كان برنكس جاز، وكذلك أوراق الشجر، فإن خالف واستنجي به ينظر، فإن لم يبل النجاسةً إلى محل آخر جاز وإلا فلا يجوز وهذا معنى المنشف، لأن الأملس والشيء [89 أ/] المبل لا ينشف. وأما كونه غير مطعوم لا يدمنه ويريد بالمطعوم ما كان طعامًا لنا كالخبر والتمر ونحوه، وما كان طعامًا لإخواننا من الجن كالعظم، فلا يجوز الاستنجاء به بحال طاهرًا كان أو غير طاهر، قالعًا فإن تكون رمةً وهو العظم أو غير قالع، لأن غير الطاهر نجس والطاهر أملس أو مأكول وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال لرويفع بن ثابت الأنصاري: يا رويفع

لعل الحياةَ ستطل بك فأخبر الناس أن من استنجى بعظم أو رجيع فهو بريء من محمد". وقال أبو حنيفة: يجوز الاستنجاء بالعظم طاهرًا كله أو نجسًا من حيث الاستحباب. وقال مالك: يجوز بالطاهر منه فقط. وقيل في معنى الرجيع السرقين سمي به لرجوعه عن الطهارةً إلى النجاسةً. وقيل للرجيع: الحجر الذي قد استنجى به مرةً فإنه إذا أراد أن يستنجي به ثانيًا رجع إليه. وروي أن الجن قالت: يا رسول الله مر أمتك أن لا يستنجوا بالعظم والروث، فإن العظم زادنا والروث علف دوابنا. وقال أبو حنيفة: يجوز بالمأكول أيضًا كالماء المروب, وبه قال مالك، وهذا غلط لأنه نجاسةً سببها المأكول فلا تزال المأكول، وتفارق الماء؛ لأنه تدفع النجاسةً عن نفسه بخلاف هذا. وقيل: حد مما يجوز به الاستنجاء أن يكون جامدًا طاهرًا قالعًا للنجاسةً عن محترم ولا [90 أ/ 1] مخلف، وفيه احتراز عن التراب إذا لم يجوز به الاستنجاء في أحد القولين؛ لأنه يخلف على المحل جزءًا منه. لو استنجي بيده، أو بعقبه، أو بذنب حيوان، أو عضو من أعضائه أو صوف على ظهره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه جامد طاهر منقي غير مطعوم، وهذا هو اختيار أبي حامد وجماعةً. وقال بعضهم: لا يجوز وهو اختيار القاضي الطبري وجماعةً؛ لأنه إذا لم يجز بالطعام والعظم للنهي، وإن كان يحصل يهما الإنقاء، فلأن لا يجوز بما له حرمةً أولى، ولأن الرخصةً لا تتعلق بالمنهي. وقيل: إن استنجي بيد نفسه لا يجوز، وإن استنجي بيد غيره يجوز، كالسجود على يد نفسه لا يجوز، وعلى يد غيره يجوز، وهذا يحكى عن أبي حامد، ولا معنى لهذا الفرق، ولا لهذا القياس. فرع أخر لو استنجى بالذهب، أو الفضةَ، أو حجارةً الحرم من أصحابنا من قال لا يجوز كالمأكول للحرمةً. والثاني: يجوز لأن لماء زمزم حرمةٌ تمنع من الاستنجاء، ولو استنجى به فإنه يجوز بالإجماع. فرع الاستنجاء باللحم لا يجوز لأنه يؤكل بعد عمد، ولو استنجى بحيوان فيه وجهان، والصحيح جوازه لأنه غير مأكول، ويحرم أكله حيًا. بخلاف اللحم الني، وهذا إذا لم يكن فيه من النعومةً واللين ما يمنع الإزالة.

فرع آخر اليقطين يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا فلا يجوز الاستنجاء به رطبًا ويجوز [90 ب/ ا] يابسًا، ويجوز الاستنجاء بنوى الثمار المأكولةً، ويجوز بقشر الرمان، وهكذا لو استنجى برمانةً حبها فيها جاز؛ لأن المباشرةً في الاستنجاء. كانت بقشرها وهو غير مأكول. فرع لو كان قشره قد يؤكل رطبًا ويابسًا كالبطيخ لا يجوز بحال، وإن كان قشره يؤكل رطبًا ولا يؤكل يابسًا كاللوز والباقلاء يجوز يابسًا ولا يجوز رطبًا. فرع آخر كلما تأكله البهائم والآدميون. فإن كان أكل الآدميين له أكثر فلا يجوز الاستنجاء به. وإن استويا فيه مخرجان من اختلاف أصحابنا في ثبوت الدنيا فيه. فرع آخر لو استنجى بالمصحف أو بكتاب الفقه والأخبار هل تقع الموقع؟ فيه وجهان بناء على ما ذكرنا من الخبرين، ولا شك أنه يعصي به إن كان عالمًا بل ويكفر للاستهزاء به. أو قيل في الاستنجاء بالخبز مع العصيان وجهان وليس بشيء. فرع لو جعل الثلاثةً من ثلاثةً أصناف أجناس خشب وخرق وحجر فاستنجى به أجزأه، ولو استنجي بالخرقة مرة لا يجوز أن يستنجي بالوجه الآخر منها؛ لأنه يصل هذا النحو إلى الوجه الأخر مصير الكل نجسًا، ولو لف بعض الخرقةً على بعض حتى صارت النجاةَ الأولى من دون عليها من الخرقةَ أجزأه. فرع أخر نص الشافعي على جواز الاستنجاء بالآجر قال أصحابنا [91 ب/ ا] هذا: على عادةً الناس في عصره بمصر والحجاز، فإنهم كانوا لا يخلطون السرقين بترابه بل كانوا يخلطوا به البن والرماد، وكذا أهل العراق في الأول لم يكونوا يخلطون الروث، والآن يخلطون الروث فعلى هذا لا يجوز الاستنجاء به إليهم. ومن أصحابنا من قال: علم الشافعي بطرح الرقين فيه ولكنه أجازه؛ لأن النار تحرق الرقين فلا تبقي منه شيء، فإذا غسل الآجر بعده طهر ظاهره ويجوز الاستنجاء به حينئذ. وإن كسره لا يجوز الاستنجاء بظاهر موضع الكسر حتى يغسله أيضًا؛ لأن النار تأتي على الرقين الباطن فتخرقه أيضًا. وقال أبو حامد: لا يجوز بموضع الكسر أصلًا، وأراد واش أعلم إذا لم يحترق الرقين الذي على ظاهر موضح الكسر. فرع آخر لو استنجى بالتراب. قال في "البويطي": لا أكره الاستنجاء باللبان، ولا بورق

الشجر، ولا بالتراب. قال أصحابنا: أراد به المدر الصلب الذي تتهيأ إزالة النجاسةُ به، فإن كان متناثرًا لا يجوز؛ لأنه لا يقني النجاسةً بل يلتصق بعض التراب بالنجاسةً. ومن أصحابنا من قال: يجوز بكل تراب والأول أصح. فرع آخر قال من رواية الربيع: يجوز الاستنجاء بالفحم وروي، يجوز الاستنجاء بالمقاييس. وقال في روايةَ "البويطي": لا يجوز بالحممةُ فقيل قولان والصحيح أنه على [91 ب/ ا] حالين: فإن كان صلبًا بحيث لا يلتصق بشرته من السواد إلا قدر ما يلتصق من المدر يجوز. وإن كان رخوًا لا يجوز. وروى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الاستنجاء بالحممة. فرع لو بقي ما لا يزول بالحج، ولكن يزول بالخرقةً وصفات الخرق ظاهر مذهب الشافعي. وبه قال عامةُ أصحابنا يلزمه إزالته لأنه يمكن أزالته بعين الماء، وفيه وجه آخر لا يلزمه إزالته؛ لأنه لما كان فرصةً سقط بالأحجار لؤمه آنفًا ما يزول بالأحجار. هكذا ذكره صاحب الحاوي وعندي الصحيح الوجه الثاني وهو المذهب؛ لأن الأحجار هي الأصل في الاستنجاء على ما ورد به الشرع وجرت به العادةً. مسألة: قال: "ولا تستنجي بحجر قد مسح به مرةً إلا أن يكون قد ظهر بالماء" وهذا كما قال معناه طهر بالماء وجف بعد بطهارته؛ لأنه قيد بالماء ونص في الإملاء على أنه إذا زال الأثر بالشمس يطهر من غير غسل. وبه قال أبو حنيفةَ، والأصح الأول فإذا قلنا بقول الإملاء. فلو جف بالظل حتى زال. الأثر قولان أيضًا، وكذلك القولان في أرض نجسة جنت بالشمس أو بالظل، وقيل: إنه مرتب. فإن قلنا بالشمس لا تطهر فبالظل أولى. [92 أ/] وإن قلنا بالنص يطهر يفي الظل قولان. فإن قيل: أليس كره الشافعي أن يرمي بحجر قد رمي به مرة، فلم لا يكره ها هنا؟ قيل: لأنه قد قيل: إن ما يقبل منه يرفع، وها لم يقبل منه يترك هناك، فكره الرمي كغير المقبول، وها هنا القصد إزالةُ النجاسةَ يحجر طاهر، وقد وجد ذلك. فإن قيل: أليس لو شهد بحق ثم أعاد الشهادة فإنما لا. تقبل فكذلك لا يجوز إعادة الاستنجاء الحجر الأول. قيل: الفرق. هو أن القصد من الشهادة أن يغلب على الظن صدق الشهود في شهادتهم وبالتكرار لا يحصل عليه الظن، وها هنا القصد ما ذكرنا فافترقا. فإن قيل: أليس بالماء المستعمل لا يجوز التطهر فكيف جاز بالحجر المستعمل؟ قلنا: لأن الماء قد؛ أزال مانعًا من الصلاةً بخلاف الحجر.

فرع لو شك هل استنجي به مرة أم لا. قال في "الأم": كرهت له أن يستنجي بهَ، فإن استنجى أجزأه لأن الأصل الطهارة. فرع إذا استنجى بحجر ولم يتلوث بالنجاسةً ثم أراد أن يستنجى به ثانيًا ففيه وجهان: أحدها: لا يجوز كالتراب المستعمل في التيمم. والثاني: يجوز كالدواء المستعمل في دفع الجلد يستعمل في غيره، وليس كالماء المستعمل؛ لأنه أزال الحدث عن البدن والتراب في التيمم أزال حكمه في الحال، أو الحجر لا يزيل النجاسةً تحقيقًا، فإذا [92 أ/] كان حكم النجاسةً ثابت للمحل لم ينتقل الحكم إلى الحجر. مسألةً: قال: "والاستنجاء من البول هو كالاستنجاء من الخلاء"). وهذا كما قال أراد به أن يجب من البول ويقيم ساعةُ تم ينشر ذكره ثلاثًا قبل الاستنجاء بيده اليسرى، وهو أن يضع إصبعه على ابتداء مجرى بوله، وهو من عند حلقة الدبر ثم يسلت المجرى بتلك الأصبع إلى رأس الذكر. وهذا لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات" والنتر هو الدلك الشديد - وقيل: يمسك الذكر بيده اليسرى ويضع أصبع يده اليمنى على ابتداء المجرى، فإذا انتهى إلى الذكر نشر الذكر باليسرى، وهذا أمكن حكاه الساجي. والأصل في هذا ما روي آن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تنزهوا من البول، فإن عامةُ عذاب القبر منه، وروي أبو هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قال "عذاب القبر من البول والنميمة فإياكم وذلك". روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمةَ، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول" وروى: "لا يتنزه" فإن استنجى بعد انقطاعه ولم ينشر جاز، لأن الظاهر أن بوله قد انقطع. وحكي بن الحسن بن صالح أن البول يخرج [92 أ/] ما لم يغسل بالماء، فإذا غسل انقطع ويكون الماء كالجسم له. وقال الأوزاعي: من أشفق أن يكون في إحليله شيء من

البول فليمش خطوة أو خطوتين فإنه ستنزل ما أشفق منه، وهذا عندي حسن مستحب. فرع قال أصحابنا: يكره أن يحشو الإحليل بقطنةٍ؛ لأنه لم يعقل بين الصحابة وفيه تشديد. مسألة: قال: "ويستنجي بشماله" وهذا كما قال: يكره الاستنجاء باليمين للخبر الذي ذكرنا ين سلمان الفارس. رضي الله عنه - وقالت عائشةٌ وحفصةٌ - رضي الله عنها: كان يمين رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لطعامه وشرابه وثيابه، ويساره للاستنجاء وغيره من الأذى وروى أنه قال: "إن الشيطان يأكل بيساره ويستنجي بيمينه فكلوا باليمين واستنجوا باليسار " وروي أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وإذا خلا فلا يستنجى بيمينه" قال أصحابنا: ويستحب أن يستعين بيمينه في شيء من الاستنجاء، فإن كان يستنجي من الغائط أخذ الحجر بشماله واستنجى به، وإن كان يستنجي من البول فإن كان الحجر كبيرًا أو جدارًا أخذ الذكر بشمالهِ وآمر عليه في ثلاثةُ مواضع، ولا يمر مرتين على موضع واحد، فإن فعل فإنه لا يجزي إلا الماء. وإن كان الحجر صغيرًا فإن أمكن أن يجعله بين [93 أ/] عقبيهِ وأمر ذكره عليه فعل، وإن لم يمكنه أخذ الحجر بيمينه والقضيب بيساره ثم يمره على الحجر، ولا يمر الحجر على الغضون ولا يحرك اليمين لئلا يكون مستنجيًا باليمين، وهذا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهىَ عن مس الذكر بيمينه" ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يأخذ بيساره الحجر لأنها المقصود بالاستنجاء، ويكون ذكره بيمناه. فعلى هذا الوجه ينبغي أن يمسح الحجر على ذكره هكذا ذكره صاحب "الحاوي" والأول أصح وأظهر وان كان يستنجي بالماء صب الماء بيمينه ومسحه بيساره، وإن كان أقطع اليسرى أو كان بها عِلةً استنجى بيمينه للضرورة. فرع لو بال وجف لا يستنجى بالحجر، ولو تغوط وجف ثم استنجى بالحجر. قال أصحابنا: لا يجوز لأن الحجر لا يزيل النجاسةً الجامدةُ، والأصح أن يقال:

إن كان يقلعها الحجر جاز وإلا فلا يجوز إلا الماء. فرع إذا استنجى من الغائط بالماء ما يقع له العلم بزوال النجاسةُ عينًا وأثرًا، فإن شم من أصبعه اليسرى الوسطى رائحةُ النجاسةُ هل يكون دليلًا على بقاء النجاسةً في محل الاستنجاء؟ وجهان: أحدها: يدل على بقائها، ولا يسقط فرص الاستنجاء؛ لأن ذلك يكون لتعديها من محل الاستنجاء فعلى هذا يكون المستنجي مندوبًا إلى ثم أصبعه. والثاني [94/ 1]: أنه لا يدل على بقاء النجاسةَ هناك؛ لأن بقاء النجاسةَ في عضو لا يدل على بقائها في غيره. فعلى هذا لا يكون المستنجي لأجل الاستنجاء مندوبًا إلى شم أصبعه. ذكره ني الحاوي. فرع آخر قال أصحابنا: شرط من يستنجى بالحجر أنه لا يقوم عن موضع الغائط؛ لأن بالقيام تنطبق الآليتان فتنقل النجاسةً من مكان إلى مكان. مسألة: قال: "وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة" الفصل إلى قوله: "مًا لَم يَعُدُ الْمُجرج، وهذا كما قال: ذكرنا ما يجوز به الاستنجاء والكلام الآن في الموضع الذي يجوز استعمال الأحجار فيه، والذي لا يجوز بالذي نقل المزني أن الحجارة تجوز ما لم يعد المخرج - أي ما لم تجاوز. فإن عدد المخرج لا يجوز إلا الماء. ونقل عن القديم أنه يجوز إذا لم ينتشر فرق العادةَ في ذلك الموضع وحوله. ونقل الريح وذكره في "لأم" وحرملةُ يجوز ما لم يخرج إلى ظاهر الآليتين. وفيه ثلاث مسائل: إحداها: إذا لم يعد المخرج بحالٍ أو عداه ولكن انتشر حول حلقة الدبر على المادةُ ولم يرد أجزأه الحجارةً قولًا واحدًا، نص عليه في جميع كتبه، وغلط المزني فيما نقله، ولا يعرف الشافعي ذلك، ولعله سقط عن المزني قوله وحوله، وأراد وحوله فتركه اختصارًا, وذكر في "البويطي": يجوز الاستنجاء بالأحجار ما لم يعد الشرح، وهو أيضًا غلط، وأراد وحوله أيضًا وهذا لأن [(94) ب/] وصول النجاسةً إلى هذا الموضع يكثر ويتكرر، ولا يتصور أن لا يتعدى المخرج فيشق فيه استعمال الماء، وعلى هذا لو تقاطر إليه بعد الانفصال عنه لا يجوز فيه إلا الماء، وإن كان قريبًا من المخرج بحيث يشير إليه في العادةً ثم إن أمكنه غسل ذلك المتقاطر والاستنجاء بالأحجار في موضع

(الخروج) فعل، وإن لم يمكنه ذلك لتقاربها واتصال أحدهما بالآخر لا يجوز في كله إلا الماء. والثانيةُ: أن يزيد على ذلك إلى ما بين الآليتين ولم يظهر على الآليتين هل تجزيه الحجارة؟ قولان: أحدها: يجزيه لأن قوت المهاجرين كان النمر وهو يلين الطبع فتصل النجاسةً غالبًا إلى هذا الموضع، وكانوا يستنجون بالأحجار. والثاني: لا يجوز لأنه نادر وأراد بما ذكر في "الأم" وحرملة ما فسره في القديم وهذا أقيس. والأول ظاهر المذهب. والثالثةُ: أن يظهر على الآليتين فلا يجوز فما ظهر على الآليتين إلا الماء قولًا واحدًا، وفيما يظن على القولين اللذين ذكرناهما هكذا أطلق أصحابنا، وهذا عندي إن أمكن الفصل بين ما. يغسل وبين ما يستعمل فيه الحجر ويبعد ذلك أومن أصحابنا من قال: في المسألةً ثلاث أقوال تجعل رواية. المزني قولًا وما قل في "القديم" قولا ثانيًا .. وما قال في "الأم" قولًا ثالثًا، وهذا ليس بشيء وأما البول قال أبو إسحاق في "الشرح"، إذا جاوز البول مخرجه حتى رجع على الذكر أو [5 أ/] أسفله لم يطهره إلا الماء، وليس الذكر كالدبر، لأن ما يخرج من الدبر لا بد من أن ينتشر، وما يخرج من الذكر لا ينتشر. وهكذا ذكر "البويطي" فقيل قول واحد في هذه المسألةً. وقال القاضي الطبري: رأيت في "الأم" قال:.إذا انتشر البول إلى ما أقبل على الثقب أجزأه الاستنجاء، فإن جاوز ذلك الموضع لم يجز فيما جاوز إلا الماء. وهذا قول آخر. وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاث مسائل: إن انتشر قدر العادةً جاز فيه استعمال الأحجار، وإن جاوز موضع القطع إلى باطن الذكر أو ظاهره أو جنبيه لم يجز فيه استعمال الأحجار. وإن جاوز المعتاد ولكن لم يخرج عن موضع القطع فيه قولان أو هذا غير صحيح لما ذكرنا من النص. فصل في كيفية الاستنجاء اعلم أن الواجب أن يستنجي بثلاثةَ أحجار يعم بكل حجر منها المحل. فإن بقي شيء زاد حتى ينقي. وقد روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يفي أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثةَ أحجار حجران للصفحتين وحجر للمسربةَ". وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "يقبل بحجر ويدبر بحجر ويطلق الثالث" واختلف أصحابنا

في هذا على وجهين. قال أبو إسحاق: صورته أن يأخذ حجرًا ويضعف على مقدم صفحته المنى ثم يذهب به إلى آخرها، ثم يضع الثاني على مؤخر صفحته اليسرى، ثم يمره إلى آخرها، [95 ب/ ا] ثم يضع الثالث على الصفحتين فيمسحهما معًا به. وقال ابن أبي مريرةُ: يضع الأول على مقدم صفحته اليمنى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يضع الثاني على مقدم صفحته اليسرى ثم يذهب به إلى آخرها، ويديره إلى مؤخر اليمنى، ثم يمره إلى آخرها حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يطلق بالثالث على الصفحتين معًا، وهذا أصح؛ لأن العدد المعتبر في إزالة النجاسةً من شرطه أن يعم المكان بكل مرةً كما قلنا في عدد غسل الإناء، ولوغ الكلب، وعلى ما قال أبو إسحاق لا يوجد هذا، وعلى هذا ينبغي آن يدير الدم الذي يستنجي به في يده قليلًا حتى لا تصيب النجاسة موضعا أخر بل كما يصبب متجافي عن البدن. فرع قال الشافعي والبكر والثيب في الاستنجاء سواء. قال أصحابنا: أما في الغائط فالرجل والمرأة سواء فلا إشكال. وأما في البول إن كانت بكرًا ففرجها سدود وفيه ثقبتان، ثقبه للبول في أعلا فرجها كالإحليل، وثقبه في أسفل الفرج وهر مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد. فإذا اقتضت انشقت الثقبةُ التي يخرج منها الحيض وتصير ثيبًا، فالبول يخرج من البكر في أعلا فرجها ولا يدخل في فرجها شيء منه، فالحجارةً تجزيها. وأما الثيب [96 ب/ ا] فربما ينزل البول إلى فرجها - يعني موضع الحيض - فإن علمت أنه لم يزل فهي كالبكر، وإن علمت أنه ينزل في فرجها فلابد من غسل ما أصابه البول من فرجها. وأطلق أصحابنا أنه لا يجوز لها الاستنجاء بالأحجار، لأن الغالب أن البرد ينزل في مدخل الذكر ويتاحشَ. وقيل نص الشافعي في "الأم" أن لها أن تستنجي بالأحجار لأن منفذ البول لم يتغير بزوال البكارة فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع قال الشافعي: فإذا أرادت أن تغسل هذا الموضع من دم الحيض أو البول لا يجزيها إذا لم تكن عذراء إلا إدخال الماء في فرجها وشبهه الشافعي بما بين الأصابع، وظاهره أنه لا يبطل صومها به ويجزيها إذا كانت عذراء ما دون العذرةً. قال أصحابنا: وإنما يجب إيصال الماء إلى الموضع الذي يظهر عند جلوسها وقيامها فأما ما عدا ذلك فهو في حكم الباطن ويبطل الصوم بوصول الواصل إليه فلا يكلفا إيصال الماء إليه. فرع آخر لا يحوز للخُنثىَ أن يستنجى بالحجر إلا من الغائط. فأما في المبالين فلا يجوز الماء ما دام مشكلًا لأن القبل أحدهما والآخر العضو الزائد ففي حال الإشكال يقع الاستنجاء في العضو الزائد فلا يجوز.

مسألةُ: قال: "والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزئ وبالعظم فلا يجزئ" وهذا كما قال الاستنجاء باليمين يكره ولكن لو فعل جاز. وقال [96 ب/ ا] داود: لا يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى بينه وبين الاستنجاء بالعظم في النهي، وهذا غلط، والفرق ما ذكره الشافعي؛ وهو أن النهى هناك لا لمعنى يعود إلى الآلة لأن الآلة صالحة للاستنجاء وهو الحجر الذي في يده اليمنى وإنما النهي لمعنى الأدب فجاز، وفي العظم النهي لمعنى في الآلة فلا يجوز، وهذا كالوضوء لا يجوز بالماء النجس ولكنه يجوز بالماء في الإناء المغصوب وكذلك لا يجوز الذي بسن أو ظفر ويجوز بسكين مغصوب، وإن أثم بغصبه. فإن قيل: أليس لو توضأ بالماء المغصوب يجوز فلم يجوز بالعظم إذا أنقى؟ قيل: لأن الاستنجاء بالجامد رخصةً للمشقةً فإذا كان محرمًا لم تحصل الرخصة، كسفر المعصية لا يترخص به بخلاف ذلك. وقول المزني والعظم ليس بطاهر غلط، وإنما قال الشافعي: والعظم ليس بنظيف. ومعناه أنه لا يخلو عن دسومةً وزهومةً فلا ينظف؛ لأن من العظم ما هو طاهر بمظهر. وقيل: إنه تعلل من المزني للعظم النجس. مسألة: قال: "وَلَا بَأسَ بِالْجِلِد الْمَدْبُوغِ أنْ يُسْتَطَابَ بِهِ" وهذا كما قال: الجلد على ضربين جلد طاهر وجلد نجس فأما النجس فلا يجوز الاستنجاء بلا إشكال. وأما الطاهر فعلى ضربين أحدها: أن يكون مدبوغًا والثاني: [97 أ/ 1] أن يكون غير مدبوغ، فإن كان مدبوغًا ففيه قولان: أحدها: يجوز الاستنجاء به سواء كان جلدها يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل، وهو الأصح نص عليه في "الأم" كأنه إن كان لينًا فهو كالخرقةً، وإن كان خشنًا فهو كالحجر. والثاني: لا يجوز نص عليه في حرملةٍ لأنه كالعظم وقد الشاة فتؤكل بجلدها، وهذا لا يصح، لأنه لا يقعد الأكل في العادة فلا يعد مأكولًا، وهذا في جلد الميتةً بعد الدباغ: إن قلنا: يجوز بيعه يجوز الاستنجاء به قولًا واحدًا، وإن قلنا: لا يجوز بيعه فهل يجوز الاستنجاء به؟ ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأنه لما جعل في حكم الميتةً في تحريم البيع كذلك في تحريم الاستنجاء. والثاني: يجوز وهذا لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هلا أخذوا أهابها قد بغوه فانتفعوا به" وهذا هو من جملةً الانتفاع به بخلاف البيع. ومن أصحابنا من قال هذا على اختلاف حالين بالذي قال يجوز إذا كان قديمًا يابسًا والذي قال لا يجوز هو إذا كان طريًا لينًا وقيل: الذي قال يجوز أراد به ظاهر الجلد وخارجه؛ لأنه خارج عن حال

اللحم لخشونتهِ وغلظهِ. والذي قال: لا يجوز أراد به باطن الجلد وداخله لأنه باللحم أشبه، وهذا ليس بالشيء، وإن لم يكن مدبوغًا ولكنه جلد مذكاةً فيه قولان قال في "الأم" وحرملةً لا يجوز الاستنجاء به [97 ب/ 1] وهو أشبه الأشياء بالعظم، ولأنه طبعه طبع اللحم وهذا هو الصحيح. وقال في "البويطي": يجوز. ومن أصحابنا: من قال: لا يجوز قولًا واحدًا، وأراد بما قال في "البويطي" بعد الدباغ؛ لأنه أطلق وبعد الدباغ يجوز قولًا واحدًا. وآما الجانب الذي يلي الصوف أو الشعر فلا إشكال أنه يجوز؛ لأنه يبقى وليس بطعام. فرع لو احترق العظم بالنار حتى ذهبت سهركته ولزوجته وخرج عن حاله، كان ميتًا لا يجوز لأنه نجس، وإن كان مذكى ففيه وجهان: أحدهما: يجوز الاستنجاء به لأن النار قد أحالته عن حاله فصارت كالدباغةً قيل الجلد المزكي كما كان عليه إلى حال يجوز الاستنجاء به. والثاني: لا يجوز لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الرمةً - والرمةً هي اسم البالي - فلا فرق بين أن يصير باليًا بالنار، والفرق بين النار في العظم وبين الدباغةً في الجلد، أن الدباغةً تنقل الجلد إلى حالةً زائدةً، فأفادت حمًا زائدًا، والنار تنقل العظم إلى حالةً ناقصةً فكان, أولى أن يصير حكمه ناقصًا ذكره في "الحاوي". مسالة: قال "وَإنْ اسْتَطَابَ بِحَجَرٍ لهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ كَانَ كَثلَاثةِ أَحْجَارٍ". وهذا كما قال إذا استنجي بحجر له ثلاثة أحرف ومسح بكل حرف مسحة جاز، والعدد المشروط في الاستنجاء ليس [98 أ/ 1] عدد الأحجار؛ بل عدد المسحات بالمواضع الطاهرة. وقوله: إذا بقي أراد أن لا تصل النجاسةً من حرف إلى حرف آخر. وقال داود، وأهد الظاهر: لا يجوز ولا بد من عدد الثلاث، فقال الشافعي: أرأيت لو استنجى بثلاثةً مواضع من جبل أما يجزيه؟ وقد روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قضى أحدكم حاجته فليمسح بثلاث مسحات" ولأن القصد قلع النجاسةَ مع العدد. وقد وجد ذلك فإذا تقرر هذا فالمستحب آن يمح بثلاثةً أحجار متفرقةً نص عليه. مسألةً: قال: "وَلَا يُجزِي أن يَسْتَطيبَ بِعَظْمٍ وَلا نَجِس". وهذا كما قال: روى نجِس بكسر الجيم- وروى: نجَس بالفتح ومن روى بالفتح جعله صفة للعظم، فمعناه لا يجزي أن يستطيب بعظم وليس بنجس ومن روى الفتح جعله ابتداء نهى عن الاستنجاء بالنجاسةَ. وقد ذكرنا ما قيل فيه.

فرع لو تغوط آو بال ثم توضأ قبل الاستنجاء جاز وضوءه، وكان الاستنجاء باقيًا عليه. فإن أحب اقتصر إلى الماء أو على الحجارةَ، ويتوقى أن لا تمس يده قبله أو دبره، فإنه يلف على يده خرقةً، فإنه إن مسه بطل وضوءه نص عليه في "البويطي" وغيره ولو تيمم قال الاستنجاء في "الأم" "والبويطي": لا يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر أنه يجوز. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال- فيه قولان: أحدها: لا يحوز وهو المشهور؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبح [98 ب/ 1] الصلاة، فإذا فعله على وجه لا يستبيح به الصلاة لم يجز كما لو تيمم قبل دخول وقت الصلاةً بخلاف الوضوء، وأيضًا إذا تيمم يلزمه طلب ما يستنجى به، ولا يتعين له الحجر بل الماء والحجر، فإذا قد وجب عليه طلب الماء فبطل التيمم بوجوب طلب الماء، وهذا لا يوجد في الوضوء. والثاني: يجوز قياسًا على الوضوء، وهذا اختيار القاضي الطبري قال: وهذا أقيس، وليس على القول الآخر دليل يصح عندي. وقال صاحب "الإفصاح": في الوضوء والتيمم قولان. وحكي المزني في المشهور عن الشافعي أن الوضوء قبل الاستنجاء لا يجوز، ووجهه أن خروج الحدث هو الوجب فلا يصح فعله مع بقاء موجبه، ألا ترى أنه لا يصح الغسل من الحيضةً مع اتصاله. ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره المزني لا يعرف للشافعي والمسألة على قول واحد في الوضوء أنه يجوز وهو الصحيح، وقيل: في التيمم قول واحد ولا يجوز، وما ذكره الربيع فمن كتبه وتخريجه. فرع آخر لو كانت النجاسةً على بدنه سوى موضع الاستنجاء. قال بعض أصحابنا قول واحد هاهنا يجوز الضوء والتيمم قبل غسله، والفرق أن التيمم لا يستباح به الصلاة من هذه النجاسةً فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسةُ النجو، أو يقول خروج النجاسةً من محل [99 أ/ 1] الاستنجاء ينتقض الطير فبقاء النجاسةَ عليه يمنع صحة التيمم بخلاف خروج النجاسةَ من غير موضعها وهذا هو اختيار صاحب الإفصاح. وقال غيره: فيه وجهان: أحدها: لا يجوز تيممه وهو الأقيس. وقيل: نص عليه في "الأم" والفرق ضعيف. والثاني: يجوز على ما ذكرنا. فرع آخر لو تيمم ثم حدث على بدنه نجاسةً قال بعض أصحابنا: هل يبطل تيممه فيه وجهان كما لو تيمم ثم ارتد لأن النجاسةَ تمنع الصلاةً كالردةُ.

فصل في آداب الخلاء أعلم أنها أحد وعشرون أدبًا أحد عشر منها يختص بمكان الاستنجاء وغيره يختص بالمستنجي في نفسه، أما في مكان الاستنجاء فالأبعاد عن أبصار الناس إلى حيث لا يراه أحد، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد قضاء حاجته أبعد المذهب. وروي أنه كان يذهب بحاجته إلى المعمس وهي على ميل من المدينة. وثاني: أن يستتر بستره لئلا يراه مارا ما بربوة أو شجرة أو في وهذه فإن لم يجد جمع رملا وجلس خلفه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحدثوا في القزع فإنه مأوى الخافين" والفزع الموضع الذي لا بنيان فيه، وهو مأخوذ من فزع الناس الذي لا شعر فيه، وقوله: مأوي الخافين: مأوى الجن سموا خافين لاستخفائهم [99 ب/ 1]، وفي البنيان لا يحتاج إلى هذا؛ لأن موضع الخلاء مهيأ مستور. الثالث: أن يتوفي مهاب الريح لأنها ترده عليه. والرابع: أن يرتاد لبوله أرضًا لينة رمالًا أو ترابًا فإن لم يجد دق الأرض بشيء حتى يلين فلا يترشش عليه لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله". وروي لأنه كان يرتاد لبوله كما يرتاد أحدكم منزله. وقال أبو موسي الأشعري: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار وبال ثم قال هذا والدمث: المكان السهل الذي يتخذ فيه البول فلا يرتد على البائل وقوله: فليرتد: أي ليطلب وليتحرك والأشبه أن ذلك الجدار غير مملوك لأحد لأنه لا يجوز ذلك في ملك أحد. والخامس أن يتوقى البول في ثقب أو سرب أو شقاق لما روى عبد الله بن سرخس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في حجر. ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان يلسع ذكره. وحكى أن سعد بن عبادة بال في حجر بالشام فاستلقى ميتًا فسمع الجن تنوح عليه بالمدينة: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... رميناه بسهمين فلم تُخط فؤاده والسادس: أن يتوفي الجدار وقوارع الطرق والمواضع [100/ أ] التي يجلس فيها الناس أو تنولها السيارة لئلا يتأذوا بها، وهذا لما روى معاذ بن جبل أن البني صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد، وهي طرق الماء وقارعة الطريق، والظل". وروى أبو هريرة أن النبي قال:"اتقوا اللعانين" قيل: وما

اللعانان يا رسول الله قال:" (الذي) يتخلى في طريق الناس أو ظلهم". وأراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقبلًا. والسابع: أن لا يبول في مساقط البحار تحت الأشجار المثمرة فتنجس ويكره ذلك. والثامن: أن يتوفي في القبور أو قريبًا منها لحرمة أهلها. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط عليه فكأنما جلس على جمرة". والتاسع: أن لا يبول في الماء القليل الجاري لا يغتسل به طهورًا ومشروبًا، ولا يبول في الماء الراكد. والعاشر: يستحب أن لا يستقبل فرجه الشمس والقمر. فإن خالف لا يأثم. والحادي عشر: يكره له أن يبول في موضع ويتوضأ فيه لما روى عبد الله بن معقل أن النبي قال:" لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فإن غلبة الوسواس منه. وأما الآداب التي في نفسه فعشرة: أحدها: أن ينزع الخاتم قبل دخوله ويضعه إذا كان عليه أسم الله تعالى روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم [100 ب/ 1] اتخذ خاتمًا فكان إذا دخل الخلاء وضعه. وإنما وضعه لأنه كان عليه أسم الله تعالى محمد سطر ورسول سطر والله سطر. قال أصحابنا: ويستحب أن يفارق الدينار والدرهم لأن فيه أسم الله تعالى كالخاتم. وروت عائشة-رضي الله عتها- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه أو يحوله من يساره إلى يمينه. وبه قال بعض أصحابنا وروى: أنه كان يلبس خاتمه في يساره فإذا أراد أن يستنجس حوله من يساره إلى يمينه. والثاني: أن يقدم رجله اليسرى عند دخوله ويؤخر اليمنى ويقدم اليمنى عند خروجه منه، فإن الموضع الشريف يقدم اليمنى وهذا موضع خسيس. والثالث: أن يقول عند دخوله بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث لقوله صلى الله عليه وسلم:" إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وأراد أن تحضرها الشياطين وتترصدها بالأذى والفساد؛

لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى. قال أبو عبيد: الخبث: الشر والخبائث: هم الشياطين. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ستر ما بين عورات أمتي وأعين الجن إن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله". وروي أنه كان يقول إذا دخل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث [101/ أ] والخبائث والرجس والنجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. وعن بعض السلف أنه قال: عند الاستنجاء: اللهم أجعلني من الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، وهذا يحمل في غير الكنيف أن لا يكون مكروهًا، ويقول عند خروجه: غفرانك الحمد لله الذي أفنى طعمه وأبقى في جسدي منفعته، وأخرج عن ي فقالت عائشة -رضي الله عنها- كان رسوب الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: غفرانك. والغفران مصدر كالمغفرة، وفيه إضمار الطلب والمسألة كأنه يقول: اللهم إني أسألك غفرانك. وروى طاوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا خرج أحدكم من الخلاء فليقل الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأميك عليَّ ما ينفعني". والرابع: أن لا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض لما روى عن رسول الله صلى الله عليه السلام قال:" إذا قضى أحدكم حاجته فلا يكشف ثوبه حتى يدنو من الأرض". والخامس: أن يعتد على رجله اليسرى وينصب اليمنى عند قعوده عن الخلاء ويضم أحد فخذيه إلى الآخر. روى في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل هكذا وقال سراقة بن مالك: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى. والسادس: يستجب له أن [101 ب/ 1] لا يبول قائمًا ويجلس لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه"نهى عن البول في الهواء". وروى عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم. وروى مسلم عن ابن مسعود-رضي الله عنه- وقال عمر-رضي الله عنه- ما بلت قائمًا منذ أسلمت. فإن قيل: فما تأويل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال

قائمًا. ورواه حذيفة قلنا: البساطة: هي ملقى التراب، والقمام ونحوه ولعلع لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام. وقيل: أنه كان برجله جرح فلم يتمكن من القعود معه. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائمًا من جرح كان بمأبضه. المأبض: هو ما تحت الركبة من كل حيوان. وروي عن الشافعي-رضي الله عنه أنه قال: كان العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا. فلعله كان به إذ ذاك وجع القلب والله أعلم. وهذا الآن المعتاد من فعله أنه كان يبول قائمًا وهو المستحسن في العادات لئلا يترشش عليه، فإن قيل: فما تأويل ما روى عن عمر-رضي الله عنه- أنه بال قائمًا. وقال: البول قائمًا أحسن للدبر؟ قلنا: أرد إذا تفاج قاعدًا استرخت مقعدته، وإذا كان قائمًا كان أحسن لها. ولعل هذا كان منه لعذر بدليل ما ذكرنا. والسابع: أن ينثر ذكره ثلاثًا بعد أن يتنحنح لتخرج بقايا بوله من ذكره على ما ذكرنا [102/ أ] وأن لا يمس ذكره بيمينه. والثامن: أن يغض بصره وطرفه ولا يكلم أحد لقوله صلى الله عليه وسلم في رواية أبي سعيد الخدري: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك. يقال: ضربت الأرض إذا أبيت الخلاء وضربت في الأرض إذا سافرت. والتاسع: يكره له أن يرد السلام لما روى عن المهاجر بن قنفد أنه سلم وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ رد عليه. ويكره له أن يشمت عاطسًا، أو يحمد الله إذا عطس، أو يذكر الله عز وجل أو يقول: مثل ما يقول المؤذن، لما روى في حديث الهاجر بن قنفذٍ أنه قال: "إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر" ويجوز أن يذكر الله تعالى في نفسه لما روى أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب متى أذكرك فقال الله تعالى: اذكروني على كل حال قال يا رب ربما أكوم في موضع استحى فيه من ذكرك فقال: أذكرني في نفسك. والعاشر: يستحب له أن لا يطيل الجلوس على الخلاء. قال لقمان، عليه السلام: طول القعود على الحاجة ينجع منه الكبد، ويأخذ منه الناسور، فاقعد هوينًا وأخرج وقبل. والحادي عشر: يغطى رأسه عند الخلاء لما روي"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء

باب الحدث

غطى رأسه". وقال أبو بكر [102 ب/ 1] الصديق-رضي الله عنه- إني لأدخل الكنيف أغطي رأسي حياء من ربي عز وجل. فرع قال بعض أصحابنا: يكره أن يقولك أهرقت الماء لقوله صلى الله عليه وسلم"لا يقولن أحدكم أهرقت الماء ولمن ليقل أبول" فرع آخر قال بعض أصحابنا: يدلك يده بالأرض عند غسل موضع الاستنجاء من الدير لما روى أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ويأخذ حفنة من ماء فينصح بما فرجه وداخل إزاره بعد ذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي-رضي الله عنه-:" انصح فرجك" وفعله هو وقال:" أمرني به جبريل- عليه السلام. فرع قال أصحابنا: لا بأس أن يبول في الإناء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان يبول فيه بالليل يوضع تحت سريره. وروي أنه كان له فخارة يبول فيها بالليل تحت سريره. باب الحدث مسألة: قال:"وّالَّذِي يُجِبُ الوُضُوءَ الْغَائِط وَالْبِوْلُ". الفصل وهذا كما قال: موجبات الوضوء أربعة أشياء لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في هذا العدد، إلا إنه في اثنين. فأما المتفق فالخارج من إحدى مخرجي الحدث القبل والدبر. والثاني: الغلبة على العقل. وأما اللذان يختلف فيهما: فعندنا ملامسة النساء ومس الذكر، عندهم [103/ أ] الخارج النجس من غير السبيلين والقهقهة في الصلاة، وسيأتي شرحهما إن شاء الله. فإذا تقرر هذا فالخارج من السبيلين أو أحدهما ببعض الوضوء نادرًا كان أو معتادًا، ريحًا كان أو غنيًا من قبل كان الربح أو دبر، عامدًا كان أو ساهيًا وعلى أي حال. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يلزم الوضوء بالريح الخارج من قبل المرأة إلا أن

تكون موضأة، وهذا غلط قياسًا على الخارج من الدبر. وقال مالك: أو وضوء في غير المعتاد من القيح والدم والصديد والمذي إذا استدام، ووافقنا في الاستحاضة أنه ينقص الوضوء. وقال ربيعة: لا وضوء في دم الاستحاضة أيضًا. وروى هذا غير مالك وهذا أغلط؛ لأنه خارج من المخرج المعتاد للحدث فأشبه البول. وروى عن على-رضي الله عنه- أنه قال: كنت رجلًا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني فأنفذت إليه المقداد بن الأسود فقال: مره فلينضح فرجه بالماء ثم يتوضأ فإن كان فحل مذاء. وروى عن علي-رضي الله عنه- أنه قال: كنت أكثر الغسل من المذي حتى تشقق ظهري فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:" إنما يكفيك أن تنضح على فرجك وتتوضأ وضوءك للصلاة" فإن قيل: كون الخارج غير معتاد لكون المحل غير معتاد، بأن خرج من ينفك أو فرج أو فم وذلك [103 ب/ 1] لا يوجب الوضوء كذل هذا. قلنا: النادر إذا خرج لا ينفك عن شيء يسير من المعتاد، وإن كان أدنى بلل، وذلك القدر كاف لبطلان الوضوء. وقال داوود: لا يجب بالدود والدم خاصة وهو غلط أيضًا لما ذكرناه. والمذي: ماء رقيق يخرج عند الشهوة يكون على رأس الذكر ريحًا. والودي: ماء ثخين يخرج بعد البول متقطعًا كدرًا وهما نجسات، ولو أدخل قطنة أو سمسمة في إحليله أو سارًا وهو الميل ثم أخرجه انتقضت الطهارة بخروجه على كل حال سواء اختلط بغيره أو لا. فرع لو أطلعت دودة رأسها من أحد ولم ينفصل حتى رجعت، هل يجب الوضوء؟ وجهان: أحدهما: يجب لأن ما طلع صار خارجًا وهو الأظهر عندي. والثاني: لا يجب لأن الخارج لم ينفصل. فرع آخر لو انسد المخرج المعتاد وانفتح للبول أو النجو موضع آخر. قال الشافعي في حرملة: إن كان دون المعتدة انتقض الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوقها لم ينتقض. وقال في موضع: ينتقض الوضوء وأطلق. قال أصحابنا: الحكم فيه أنه إن كان دون المعدة ينتقض الوضوء قولًا واحدًا؛ لأن الله تعالى قال: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] ولم يفصل، ولأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا بد لكل أحد من موضع يخرج منه البول والغائط، فإذا انسد الأصل وانفتح موضع آخر [104/ أ] صار الثاني هو المعتاد، فانتقص الوضوء بالخارج منه، وإن كان فوق المعدة فيه قولان. أحدهما: ينتقض الوضوء لما ذكرناه. والثاني: لا ينتقض نص عليه في حرملة.

وهو اختيار المزني، لأن الغائط هو الذي أحالته المعدة، وهذا بمنزلة القيء، ولو لم ينسد المعتاد ولكن انفتح موضع آخر والأصلي بحاله، فالمذهب المشهور أنه ينتقض بخروج الخارج منه؛ لأن الشافعي شرط انسداد المخرج ومن أصحابنا من قال: إن كان دون المعدة فيه قولان مخرجان. أحدهما: لا ينتقض لأن المعتاد باق، وهذا الجائفة لا ينتقض الوضوء بما يخرج منها. والثاني: ينتقض لتكرار خروج المعتاد منه فيصير كالمحل المعتاد. وإن كان فوق المعدة فهو مبني على القولين إذا كان الأصلي منسدًا، فإن قلنا هناك لا ينتقض فههنا أولى. وإن قلنا هناك: ينتقض فههنا وجهان. فرع آخر إذا قلنا: ينتقض الوضوء بخروج الخارج منه، هل ينتقض الوضوء بمسه؟ فيه وجهان: أحدهما: ينتقض لأنه مخرج معتاد للحدث الأصلي. والثاني: لا ينتقض لأنه لا يسمى فرجًا ولا ذكرًا، والخبر ورد بذلك وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار عند الاستنجاء؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه مخرج للحدث. والثاني: لا يجوز لأنه نادر والاستنجاء بالحجر في الموضع المعتاد [104 ب/ 1] للخبر. قال أصحابنا: وهل يجب الغسل بالإيلاج؟ فيه وجهان أيضًا: أحدهما: لا يجب لأنه ليس بفرج حقيقة. والثاني: يجب في حكم الفرج. فرع آخر لو نام عليه ملصقًا بالأرض هل يكون كالنائم قاعدًا في سقوط الوضوء عنه؟ وجهان إذا قلنا: ينتقض الوضوء بالخارج منه. فرع الرطوبة التي تخرج من المعدة نجسة وحكي عنه أبي حنيفة ومحمد: أنها طاهرة لأنها من جنس البلغم وهذا غلط. لأن المعدة نجسة فما يخرج منها نجس كالقيء والبلغم يخرج من الصدر لا من المعدة. مسألة: قال:" وّالْنَّوْم مُضْطَجِعًا وقَائِمًا ورَاكِعًا وسَاجِدًا" الفصل وهذا كما قال: النوم على ثلاثة أضرب. أحدهما: أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في غير الصلاة إما مضطجعًا، أو متكئًا، أو مكبوبًا، أو مستلقيًا فكل ذلك يوجب الوضوء سواء تحقق أنه خرج منه أو لم يتحقق. وروى عن أبي موسى الأشعري، وأبس مجلز وحميد الأعرج، وعمرو بن دينار-رضي الله عنهم- أنهم قالوا: لا ينتقض الوضوء به حتى يتحقق خروج الخارج منه، وبه قالت الإمامية. واحتجوا بأن النوم ليس بحدث فلا ينتقض الوضوء بالشك. وهذا غلط

لما روى علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فمن نام فليتوضأ" وأراد [105/ 1] باستطلاق الوكاء: خروج الحدث والنائم في الغالب، ولأن الظاهر من النائم خروج الحدث، ويجوز النفل عن الأصل، فالظاهر كما أن الأصل براءة الذمة ويجوز سلفها بقول الشاهدين وخبر الواحد، ولو نام قائمًا قال في"الأم" يجب الوضوء وقال في"البويطي": إذا نام قائمًا فزالت قدماء عن موضع قيامه فعليه الوضوء بظاهرة أنه إذا لم تول قدماء لا يجب الوضوء، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، وقيل: قول واحد: ينتقض، وما قاله في"البويطي": أراد أنه يمكن منه النوم حتى زالت قدماء، ولم برد به مفهومه، وهذا هو الصحيح. والنوم الثاني أن ينام زائلًا عن مستوى الجلوس في الصلاة إما راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا. اختلف قول الشافعي فيه قال في"القديم": لا ينتقض الوضوء؛ لأنه يشق على المتهجدين، وبه قال في مالك، وابن المبارك والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا نام العبد في سجوده باهى الله الملائكة فيقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده بيدي" فدل على أنه لا يبطل سجوده به. وقال في "الجديد": ينتقض الوضوء وهو الصحيح للخير الذي ذكرناه، والقصد بإخبارهم مدحه على الاجتهاد ومكابدة النوم، بدليل أن النائم لا يمدح على الفعل ولا يذم. وقال أبو حنيفة: ولا وضوء على من نام على حالة من أحوال الصلاة في حال الاختبار [105 ب/ 1]، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة. واحتج بما روى ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا وضوء على من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" قلنا هذا لا يصح، لأن رواية أبو خالد الدلاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن العباس، ولم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، وليس هذا منها، وأبوا العالية ضعف، أو تحمله على النعاس بدليل العلو وهي أنه قال:"فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله" والساجد تسترخي مفاصله. وحكى عن أحمد أنه قال: إن كان يسيرًا لا ينتقض وضوءه، وإن كثر ينتقض وضوءه". وكذلك قال في نوم القاعد. ووافقنا في المضطجع أنه ينتقض قليلًا كان أو كثيرًا فيقيس عليه. والثالث: أن ينام جالسًا معتدًا على الأرض بإليتيه فلا ينتقض الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا، متربعًا كان أو غير متربع قولًا واحدًا.

وقال أبو إسحاق: فيه قولان، ولا يعرف للشافعي هذا القول الآخر، إلا أنه قال: لا يبين لي أن أوجب الوضوء عليه فقد مرض القول. وقال: لو صرنا إلى النظر كان إذا غلب عليه النوم توضأ أي حالاته كان، وهذا ليس بقول آخر؛ لأنه لم برجع إلى النظر، بل رجع إلى الخبر. وقيل في"البويطي": ومن نام جالسًا أو قائمًا حتى رأى [106 أ/ 1] رؤيا وجب عليه الوضوء، وهذا يصدق ما قاله أبو إسحاق: لا يمكن أن يجمل على ما لو لم يكن معتمدًا على الأرض بإليتيه، ولا فرق عندنا بين أن يكون مستندًا أو غير مستند. وقال أبو حنيفة: إن كان مستندًا ينظر، فإن كان يسقط لو رفع المسند انتقض وضوءه. وإلا فلا، وهذا غلط؛ لأن الاعتبار بتمكنه على محل الجدث، وقد وجد. وقال مالك: إن كان يسيرًا لا ينقص، وإن كان كثيرًا ينقص. وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال المزني: النوم يوجب الوضوء بكل حال. وبه قال أبو عبيد وحكي هذا عن إسحاق. وهذا غلط لما روي عمرو بن شعيب، عن أبيه، وعن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من نام جالسًا وضوء حتى يضع جنبه". وروى أيضًا أنه: قال"من نام قاعدًا فلا وضوء عليه، ومن نام على جنبه فعلية الوضوء" وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوضع يده على حذيفة وكان نائمًا فانتبه فقال: يا رسول الله أفي هذا وضوء؟ فقال:"لا، أن تضع جنبيك على الأرض" ولأنه ليس هو يحدث في نفسه وإنما ينتقض الوضوء بتوهم خروج الخارج غالبًا، فإذا كان محفوظًا عنه بالتمكن على محل الحدث لا ينقص الوضوء كالقليل منه. فرع قال في"الأم": "والنوم الذي يوجب الوضوء الغلبة على العقل كائنا ذلك ما كان قليلًا [106 ب/ 1] أو كثيرًا، فأما ما لا يغلب على عقل مثل النعاس أو حدث من النفس بحيث لا يخفي عليه كلام من يتكلم بحضرته لا يجب به الوضوء. وقال فيه: لو شك هل نام أم لا، وخطر بباله شيء لا يدري أنه رؤيا أو حديث نفس فهو غير نائم حتى يستيقن النوم، ولو استيقن الرؤيا ولم يستيقن النوم فهو نائم، وعليه الوضوء؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في النوم. فرع آخر لو نام قاعدًا متمكنًا ثم زال عن مستوى جلوسه انتقص وضوءه إن انتبه بعدما سقط، وإن انتبه عند زواله عنه مستوى جلوسه لا ينتقص وكذلك إن كان زواله عن مستوى جلوسه بيديه وانتباهه معًا لا ينتقص.

فرع لو جلس على إليتيه رافعًا لركبتيه مجتبيًا عليهما فيه وجهان. أحدهما: لا ينتقص كالمتربع. والثاني: ينتقص وضوءه لأنها جلسه لا تحفظ الأرض سبيله من خروج الخارج. وقال بعض لأصحابنا: ينظر، فإن كان النائم على هذه الحالة نحيف البدن بعروق الإلية انتقص وضوءه؛ لأن السبيل لا يكون محفوظًا، وإ، كان لحم البدن يتطبق إليتاه، على الأرض في هذه الحالة لا ينقض وضوءه؛ لأن السبيل يكون محفوظًا. وعلى هذا قال أصحابنا: لو كان الرجل مهزولا فنام قاعدًا على العظم ولم يتمكن مقعده من الأرض ينتقص وضوءه لهذا المعنى. فرع قال بعض أصحابنا: [107 أ/ 1] إذا قلنا: إذا نام في الصلاة لا ينتقص وضوءه لحرمة الصلاة، أو نام مضطجعًا وكان يصلي في فرضه مضطجعًا، أو قعد للتشهد الأول مفترشًا فنام، فهل يبطل وضوءه؟ قولان. وهذا غريب مسألة: قال:"وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِحُنُونٍ أِوْ مَرَضٍ" الفصل وهذا كما قال: الغلبة على العقل بجنون أو مرض أو إغماء أو سكر ينتقص الوضوء بكل حال؛ لأنه أبلغ حالًا من النائم، فإن النائم إذا نبه ينتبه، وإذا حرك تحرك، وإذا ضرب تألم لخلاف هذا. قال الشافعي في"حرملة": قد قيل: قل ما يغمى على الإنسان إلا وينزل، فإن صح هذا اغتسل، وإن لم يصح توضأ. وقال في"الأم": قد قيل ماجُن الإنسان إلا أَنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال. وإن شك فيه أحببت له أن يغتسل احتياطًا. قال أصحابنا: أراد به إن كان زوال العقل ينزل غالبًا اغتسل أنزل أو لم ينزل، وتعلق الغسل بزوال العقل كما يقول في النائم إذا نام زائلًا عن مستوى الجلوس تعلق بعض الطهر بعين النوم، وإن قيل: قد ينزل وقد لا ينزل كان زوال عقله في باب الغسل بمنزلة النون قاعدًا في باب الوضوء، إن أنزل يلزمه الغسل، وإن لم ينزل فلا غسل عليه وجوبًا، ويستحب كما يستحب الوضوء في نوم القعود. ذكره أبو حامد وجماعة. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء [107 ب/ 1] على المغمى عليه، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء، وأجمعوا أنه لا يجب الغسل به. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه إذا زال عقله بالسكر لم ينتقص وضوءه؛ لأنه كالصاحي في الأحكام وعلى هذا هل ينعزل وكيله؟ وجهان. وهذا ليس بشيء.

مسألة: قال:"وَملاَمَسَةُ الرَّجلِ الْمَرأَةَ". الفصل وهذا كما قال: اختلف العلماء في الملامسة فقال الشافعي:"إذا لمس الرجل امرأة وأفضى شيء من جسده إلى شيء من جسدها من غير حائل انتقض وضوءه، سواء مسهما بيده أو برجله، أو بشهوة أو بغير شهوة، عامدًا كان أو ناسيًا". وبه قال ابن عمرو، وابن مسعود، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، ومحكول، والأوزاعي، وحكي عن الأوزاعي أنه إن مسها بيده أو بأحد أعضاء وضوءه انتقص، وإن مسها بغيرها لا ينتقص. وقال مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، والنخعي، والشعبي، والحكم، وحماد والثوري في رواية إن مسها بشهوة انتقص وضوءه، وإن كان بغير شهوة لم ينتقص. وقال مالك والليث: إن لمسها بشهوة من وراء حائل رقيق انتقص أيضًا، واراه عن الشافعي بقوله:"والملامسة أن يفضي بشيء منه إلى جسدها لا حائل بينهما". وقال ربيعة: ينتقص الوضوء بالملامسة بكل حال سواء كان الحائل صفيقًا أو رقيقًا. [108 أ/ 1] وقال عطاء: إن لمس امرأة تحرم عليه انتقص وضوءه، وأن لمس من تحل له لم ينتقص وضوءه. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا ينتقص الوضوء بلمس النسا أصلًا إلا أن يتجردا أو يتعانقا، ويضع فرجه على فرجها، وينقش لما أي يجد هزة للشهوة في نفسه. وبه قال ابن عباس، وطاوس، والحسن، وهو رواية عن الثوري، وعطاء إلا أنهم لم يذكروا التجرد والتعانق. وقال محمد: لا وضوء في التجرد والتعانق أيضًا ما لم يرد بللًا، وهذا أقيس من قول أبي حنيفة. وقال داود: إن قصد لمسها انتقص، وإن لم يقصد لم ينتقص. وبه قال الثوري في رواية، وبعض أصحابنا جعلوا هذا قولًا مخرجًا للشافعي من قوله:" لا وضوء في لمس ذوات المحارم" لأنه لا شهوة في هذا اللمس، وهذا لا يصح عندي. والدليل على بطلان قول الكل وقوله تعالي: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] وهذا الاسم يقع على كل لمس يحصل به التقاء السرتين، ولم يفصل بين أن يكون بشهوة أو بغير شهوة، أو بقصد أو بغير قصد، أو بأحد أعضاء وضوءه أو بغيره. فأن قبل: أليس في الإحرام يفرق بين اللمس بشهوة أو غير شهوة في وجوب الفدية، فكذلك ههنا وجب أن يفرق؟ قلنا هناك نهى عن الاستمتاع والترفه، وذلك يفترق بالشهوة وعدمها، ونقض الطهارة لا يتعلق بالاستمتاع، فلا تفرق فيه بين أن يكون بشهوة أو غير شهوة. واحتج [108 ب/ 1] أبو حنيفة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل عائشة-رضي الله عنها- صلى ولم يتوضأ. قلنا: يجوز أن يكون مع الحائل، أو كان مخصوصًا بذلك.

ونحتج على مالك في اللمس مع الحائل بشهوة فنقول: لا يسمى مسًا مع الحائل، أو كان مخصوصًا بدليل أنه لو حلف لا يلمس امرأة فهي مع الحائل لا يحنث، أو يقيس على الحائل الصفيق. فرع لو لمس امرأة لا يحل له الاستمتاع بها بحال لذوات المحارم مثل الأم والأخت، نص في"حرملة" على قولين: أحدهما: ينتقص وضوءه، وهو ظاهر قوله في"الجديد" و"القديم؛ لأنها من جنس من يقصد بالشهوة، والظاهر قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] ولم يفصل. والثاني: لا ينتقض وهو الأصح؛ لأنها ليس لمحل الشهوة شرعًا فأشبهت الرجل، ولا فرق بين الأم والأخت من الرضاع أو من النسب، ذكره القاضي أبو علي البندنيجي نصًا. ومن أصحابنا من فرق فقال: إذا كان محرمًا له بالسبب ينتقص وضوءه قولًا واحدًا، ولا وجه لهذا عندي. فرع لو لمس صغيرة أجنبية لا تشتهي، أو عجوزًا كبيرة أجنبية لا تشتهي لا نص فيه للشافعي. وقال أصحابنا: فيه قولان مخرجان بناء على ذوات المحارم. ومن أصحابنا من قال قول واحد في العجوز: أنه ينتقض الوضوء لأنها محل الوطء ولكل ساقطة لاقطة. فرع إذا لمس صغائر [109 أ/ 1] المحارم والعجائز منهم اللاتي لا يشتهين في العادة، فإن قلنا في الكبائر: لا ينتقص الوضوء فها هنا أولى، وإن قلنا هناك ينتقص فها هنا قولان مخرجان. فرع لو لمس امرأة ميتة، أو لمست المرأة رجلًا ميتًا ينتقض الوضوء؛ لأن كل لمس لو كان بين حيين نقض الطهر، فكذلك إذا كان بين حي وميت كالتقاء الختانين. ومن أصحابنا من قال: ينبغي أن يجري ذلك مجري الكبائر والصغائر اللاتي لا يشتهين فلا ينتقص الوضوء بلمسها في قول مخرج، وهذا صحيح لأن الميتة ليست محل الشهوة ولا تشتهي غالبًا. فرع آخر إذا لمس يدًا مقطوعة أو عضوًا منها لم ينتقص وضوءه؛ لأنه لا يدخل في قوله تعالى: {َوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] ولا يسمى لامس امرأة، وخرج عن أن سكون محلًا للشهوة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان كالوجهين فيمن مس ذكرًا مقطوعًا، وهذا لا يصح. والفرق أن أسم الذكر يقع على المقطوع، والنبي صلى الله عليه وسلم علق الوضوء بمس

الذكر، وههنا أسم النساء لا يقع على اليد المقطوعة وعلى هذا قالوا: هل يجوز النظر إلى الذكر المقطوع أو يد المرأة المقطوعة أو شعرها المقطوع؟ فيه وجهان. فرع إذا لمس امرأة ينتقض طهر اللامس وهل ينتقص طهر الملموس؟ فيه قولان. أحدهما: ينتقص وهو المنصوص في عامة كتبه؛ لأنه لمس يشتركان في [109 ب/ 1] الالتذاذ به، فينتقص طهرها كالتقاء الختانين. والثاني: لا ينتقص. قاله في حرملة؛ لأنه لمس ينقص الطهارة الصغرى فينتقص طهر دون الملموس، كمس لا ينتقص الوضوء في حق الممسوس قولًا واحدًا. ومن قال بالأول فرق بأن الملامسة مفاعلة، فإذا اجري بين اثنين فكل واحد ملامس، وههنا لا يسمى الممسوس ملسًا والفتوى عندي أنه لا ينتقص طهر الممسوس؛ لأنه لا يسمى لامسًا. وقد روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفراش فقمت اطلبه فوقعت يدي على أخمص قدمه في السجود، فلما فرغ من صلاته قال لها"أتاك شيطانك" فلو انتقص طهره لقطع صلاته. فرع لو لمس شعرها نص في"الأم" أنه لا ينتقص وضوءه سواء كان بشهوة أو غير شهوة، ولو احتاط فتوضأ كان أحل إليَّ. قال أصحابنا: وكذلك لو لمس بشرتها بشعره، وكذلك لو لمس سنها أو ظفرها أو لمسها بسنه أو بظفره، هذا لأنه لا لذة في لمسها غالبًا، ولا ينبغي بلمسها للشهوة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولا معنى له مع النص، وقيل: فيه قولان وهذا أيضًا غير صحيح. وقال ربيعة، ومالك: لا ينتقص الوضوء بلمسها إن كان بشهوة [110 أ/ 1]. فرع لو لم يدر أمس بشرتها أو شعرها ينتقص الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الطهارة. فرع لو كان صغيرًا أو مستحسنًا أمرد فلمسه رجل. قال الأصطخري: ينتقص وضوءه؛ لأنه تميل إليه الشهوات وخالفه سائر أصحابنا. مسألة: قال:"وَمَسُّ الْفَرْجِ بِبَطْنِ الْكَفَّ"

الفصل وهذا كما قال. اختلف العلماء في مس الفرج عل ينتقص الوضوء؟ فعند الشافعي إذا مس ذكره ببطن كفه، أو لمست المرأة فرجها ببطن كفها انتقص الوضوء. وبه قال عمرو بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وأبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسليمان بن سيار، والزهري، والليث، ومجاهد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعي- رضوان الله عليهم أجمعين- وعن مالك رواية أخرى يعتبر في مسه الشهوة. قال أبو حنيفة: لا ينتقص الوضوء يمسه، وبه قال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو الدرداء، والحسن، وقتادة، والثوري، وربيعة. وهو راوية عن سعد بن أبي وقاص، وراية عن ابن عباس-رضي الله عنهم أجمعين, واحتجوا بما روى عن طلق بن علي إنه قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال:" ها هو إلا مضغة منه أو بضعة منه" [110 ب/ 1] وهذا غلط لما روي عن عروة بن الزبير قال: "دخلت على مروان فتذاكرنا نواقض الوضوء فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". قال عروة: فلقيت بسرة بعد ذلك فصدقته. وروى هذا الخبر بضعة عشر نفسًا من الصحابة وعمل بها أصحاب الحديث. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ويل للذين يمسون فروجهم ويصلون ولا يتوضوؤن" فقالت عائشة: هذا الرجال أفرأيت النساء. فقال: إذا مست المرأة فرجه توضأت. وأما خبر طلق بن علي، قال أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان: رواية قيس بن طلق وهو ضعيف، ثم إن خبرنا متأخر وناقل عن العادة، وفيه احتياط فكان أولى. فرع بطن الكف ما بين الأظفار والزند، فإن مسه برؤوس البنان يبطل وضوءه على الصحيح من المذهب. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان وهو ضعيف. فرع آخر لو مسه بخلال الأصابع لا يبطل وضوءه نص عليه في"الأم" وقيل: فيه وجهان،

ولا معنى له، وكذلك لو مس بحرف يده لا وضوء نص عليه في"البويطي". وقال أبو العياض من أصحابنا: إن مسه بما بين أصبعيه مستقبلًا لعانته بطن كفه ينتقص وضوءه، وإن كان مستقبلًا فطاهر كفه لا ينتقص مراعاة للأغلب في مقاربة الباطن، وهذا لا وجه له لاستواء المعنى في [111 أ/ 1] الحالين. فرع لو مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه لا ينتقص وضوءه، وبه قال جماعة العلماء. وقال الأوزاعي: إن مسه بأحد أعضاءه وضوءه ينتقص. وقال عطاء والأوزاعي، وأحمد في رواية: ينتقص وضوءه إذا مسه بظاهر الكف أو ظاهر أصابعه، وكذلك إن مسه بساعده؛ لأن ذلك من جملة يده. وحكة هذا عن مالك، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أفض أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه حائل فليتوضأ" والإفضاء لا يكون إلا ببطن الكف، تقول العرب: أفضيت بيدي إلى الأرض ساجدًا على هذا المعنى. فرع آخر لو مس أنثييه أو إليتيه فلا وضوء عليه، وكذلك أو مس ما بين الدبر والذكر. وروى عن عروة أنه يجب بمس الأنثيين والعانة، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم"ومن أمضى بيده على ذكره فليتوضأ" فخص الذكر، ولأنه ليس لمخرج الحدث فأشبه فخده. واحتج بما روي قال:" من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه فليتوضأ" قلنا: قال أصحاب الحديث: هذا ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول عروة أدرجه بعض الرواة. وقال هشام بن عروة: قال عروة: إذا مس رفغه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ. فرع آخر لو مس ذكر غيره يلزمه الوضوء كما لو مس ذكره نفسه. وقال داود: لا يلزم غلا مش ذكر نفسه [111 ب/ 1]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص ذلك، وهذا غلط؛ لأن هتك الحرمة هناك أكثر لولا حاجة به إليه. وقد روت بسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الوضوء من مس الذكر ومس الفرج". فرع آخر لو مس ذكر الصغير انتقض وضوءه. وروي عن الزهري، والأوزاعي، ومالك: لا وضوء فيه، وروي عن أحمد أيضًا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مس زبيبة الحسن ولم

يتوضأ. ولأنه يجوز مسه والنظر إليه فلا ينتقض الوضوء بمسه، وهذا غلط لعموم الخبر الذي ذكرناه"، ولأنه ذكر آدمي فأشبه ذكر الكبير، والخبر الذي ذكروه يحتمل أنه كان من وراء حائل، مع أنه لم يصح الخبر على الوجه الذي ذكروا. فرع آخر لو مس ذكر الميت انتقض وضوءه نص عليه. وحكي عن إسحاق أنه لا ينتقض، وهذا غلط للخبر، ولأنه ينتقض في الحي فينتقض في الميت كالجماع واللمس. فرع آخر لو مس الذكر بباطن أصبعه الزائدة انتقض وضوءه. وقال صاحب الإفصاح: يحتمل أن لا ينتقض وضوءه لأنه الخبر ينصرف إلى اليد المعهودة فلا طلاق، وهذا غلط لأنه من جملة اليد بدليل وجوب غسله في الوضوء. فرع آخر لو مس بيد شلاء ففيه وجهان، وكذلك لو مس ذكرًا أشل بيد صحيحه أو مسدودًا لا يخرج منه شيء، ففيه وجهان بناء على الوجهين [112 أ/ 1] فيمن مس ذكرًا مقطوعًا؛ أحدهما: أن ينتقض وضوءه اعتبارًا بالاسم. والثاني: لا ينتقض وضوءه لفقد المعنى وهو وجود اللذة غالبًا. وقال بعض أصحابنا: ليس ذكر الحي الأشل بأخف من ذكر الميت، ففي ذكر الميت وجه مخرج أنه لا ينتقض وضوءه. وبه قال مالك. فرع آخر لو كان له أصبع زائدة لا على سنن البنان. قيل: فيه وجهان، والصحيح أنه لا ينتقض وضوءه بالمس به أصلًا. لو مس ذكرًا زائدًا إن كانا عاملين ينتقض الوضوء بمس كل واحد منهما، وإن كان أحدهما عاملًا دون الآخر فإنه ينتقض لمس العامل دون غيره. ذكره أصحابنا بخراسان. فرع آخر لوجب ذكره من أصله فمس موضع القطع. قال أصحابنا: ينتقض وضوءه، ويحتمل عندي وجهًا آخر أنه لا ينتقض وهو القياس. فرع آخر لو مسه من غير قصد انتقض وضوءه. وحكي عن مالك: أنه لا ينتقض وهو غلط للخبر.

فرع آخر لو مست المرأة فرجها انتقض وضوءها، وكذلك إن مسه الرجل وذلك في المحارم. وقال مالك: لا ينتقص. وهذا غلط لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سمت إحداكن فرجها فلتتوضأ". فرع آخر لو مس الدبر وهي الحلقة نفسها دون ما حولها انتقض الوضوء. وقال ابن أبي أحمد: لم يوجب [112 ب/ 1] الشافعي في"القديم" من مس الدبر. فمن أصحابنا من رد هذه الرواية، ومنهم من قبلها وقال: فيه قولان. وقال مالك داود: لا ينتقض وضوءه وهذا غلط؛ لأنه مخرج معتاد للحدث فأشبه القيد. وقد روى أن النبي صلى الله عليه سلم قال:"أيما رجل مس فرجه فليتوضأ" وظاهره أنه أراد به دبره، قالوا: لا يقصد مسه ولا يفضى مسه إلى خروج خارج، فأشبه سائر الأعضاء. قلنا: باطل بذكر الميت والأشل. واعلم أن المزني نقل: "وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْدُبُرًا أَوْ مَسُّ الْحَلْقَةِ نَفْسِهَا مِنْ الدُّبُرِ". وفيه أشكال وذلك انه لا ينتقض الوضوء إلا بمس الحافة، وهذا العطف يوهم خلاف هذا المذهب، فيتناول قوله" سواء كان الفرح قبلًا أو دبرًا أو مس الحلقة على الجمع، ومعناه لو جمع في المس بين مس مس الحلقة وما حواليها، أو اقتصر على مس الحلقة نفسها انتقص الطهر. وفائدة العطف يشبه الاستدلال؛ لأن الدبر اسم شامل للإليتين وغيرهما، وقد ذكر في نسخة: وسواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، إذ ليس الحلقة نفسها وهذا اللفظ يزيل الإشكال. فرع لو مس بذكره دبر غبره. قال بعض أصحابنا بالعراق: قياس المذهب أنه ينتقض وضوءه؛ لأنه مسه بآلة مسه، وهذا لا يصح عندي؛ لأن الاعتماد فيه على الخبر ولم يرد في هذا [113 أ/ 1] الموضع. فرع لو مس ذكر بهيمة لا ينتقض وضوءه. وروى ابن عبد الحكم، عن الشافعي أنه ينتقض وضوءه، ورد عامة أصحابنا هذه الرواية، فقيل: قولان: أحدها: ينتقض

وضوءه كما يجب الغسل بالإيلاج في فرجها. والثاني: لا ينتقض وضوءه وهو الأصح؛ لأنه لا حزمة لها ولا يعيد عليها في الستر والكفين والذقن. وقيل: قول واحد أنه لا ينتقض وضوءه. فرع آخر إذا قلنا لا ينتقض وضوءه. بلمس فرج البهيمة. قال بعض أصحابنا: لو أدخل يده في باطن فرجها هل ينتقض وضوءه؟ وجهان أحدها: ينتقض لأن للباطن من الحرمة ما ليس للظاهر. والثاني: لا ينتقص وضوءه وهو الأصح، ذكر بعض أصحابنا بخراسان: لا وجه للوجه الأول في الحقيقة. قال عطاء: إن مس فرج البهيمة المأكولة انتقض الوضوء وإلا فلا. وقال الليث: ينتقض الوضوء بمس فرجها على الإطلاق لقوله (صلي الله عليه وسلم) "الوضوء من مس الفرج" ولم يفصل قلنا: هذا اللفظ غير معروف، أو مطلق هذا الاسم لا ينصرف إلى البهيمة في العادة. وقال أبو إسحاق: لما لم ينتقض الوضوء بلمس الأنثى من البهائم لا ينتقض بمس فرجها. فصل في الخناثى الخنثى الذي له ذكر الرجال وفرج النساء. أحدهما أصلي [113 ب/] والثاني: خلقة زائدة، فإن كان ذكرَا فالذكر أصل والفرج خلقة زائدة، وإن كان أنثى فالفرج أصل، والذكر خلقة زائدة، فإذا مس ذكره أو فرجه أو مس ذلك غيره فالأصل في الطهارة البناء على الأصل. فمتى تيقن الطهارة لم تزل بالشك. وإن مس الخنثى ذكر نفسه لا ينتقض وضوءه بجواز أن يكون أنثى مس من نفسه خلقة زائدة، وإن مس فرج نفسه لم ينتقض أيضًا لجواز أن يكون ذكرًا وهو ثقبة زائدة، وإن مسها معًا من نفسه انتقض وضوءه؛ لأنه لا ينفك عن مس ذكرًا وحلقة زائدة من امرأة. فإن مس فرجه لم ينتقض وضوءه بجواز أن يكون قد مس من رجل خلقة زائدة. وإن مسته امرأة نُظر، فإن مست فرجه انتقض وضوءها لأنه لا يخلو عن مس فرج امرأة، أو مس حلقة زائدة من رجل، وإن مست ذكره لم ينتقض لجواز أن يكون مست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس خنثى من خنثى نُظر، فإن مس ذكره لم ينتقض لجواز أن يكونا أنثيين فمست من امرأة خلقة زائدة، وإن مس فرجه لا ينتقض أيضًا لجواز أن يكون مس رجل من رجل خلقة زائدة، وإن مسهما معًا انتقص وضوءه؛ لأنه لا ينفك من مس ذكر أو فرج، وإن مس أحدهما ذكر الآخر، ومس الآخر فرج الآخر انتقض طهر [114 أ/ 1] أحدهما قطعًا لا يعنيه، لأنه إن كانا ذكرين فقد مس ذكرًا، وإن كانا أنثيين فقد مس فرجاً، وإن كانا ذكراً وأنثى فقد مس رجل امرأة، فلا بد من أن ينتفض طهر أحدهما، قطعًا لا بعينه ولكن لا يحكم ينقض طهر واحد منهما، ولكل واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يصلي وحده، لأن الأصل الطهارة وهو يشك أنه هل انتقض طهره أم لا، وهذا كما لو شاهد نفسان طائرًا. فقال أحدها:

إن كان غرابًا فامرأتي طالق. وقال الآخر: إن لم يكن غرابًا فعبدي حر، فطار ولم يُعلم، فكل واحد منهما على أصل ملكه. فصل قال بعض أصحابنا بخراسان: لو مس أحدهما قبليه وصلى ثم توضأ ومس قبله الآخر وصلى فقد صلى إحدى صلاتين يغير طهارة، فهل يلزمه إعادة الصلاتين؟ وجهان. والأصح أنه لا يلزمه لأنهما حادثتان ولم يتعين الخطأ، فهي كمسألة الحالفين في الطير. وهذا عندي خطأ والمسألة على وجه واحد أنه يلزمه إعادتهما، كمن تيقن أنه نسى سجدة من إحدى الصلاتين فإنه يلزمه إعادتهما في مسألة الحلف الخطأ في شخصين وهاهنا الخطأ وقع لشخص واحد. مسألة: قال: " وَكُلٌّ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ" الفصل وأراد به الرد على مالك على ما ذكرنا، ثم قال:" وَلَا اسْتنجَاءَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ" وهذا إشارة [114 ب/ 1] إلى أن الاستنجاء لا يجب إلا بخروج عين يتوهم منها تلويث للمخرج خلافًا للشيعة، ثم قصد المزني بعد هذا أن يتكلم في المسألة الخلافية، وينقل ما اعتمد عليه الشافعي من الحجج، فبدأ بمسألة النوم قاعدًا. ونقل في حجة الشافعي عن أنس- رضي الله عنه- أما أصحاب رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كانوا ينتظرون العشاء فينامون. قال الشافعي: أحسبه أنه قال: فعودًا ينامون، وهذا هو الأليق بهم في انتظارهم خروج رسول الله (صلي الله عليه وسلم). في المسجد، وروى من غير شك،" فينامون قعودًا حتى تخفق رؤوسهم" والظاهر أن مثل هذا لا يخفي على رسول الله (صلي الله عليه وسلم). وروي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان ينام قاعدًا ويصل ولا يتوضأ، ولم ينكر عليه أحد. ثم تكلم المزني فقال: قال الشافعي:" لَوْ صِرْنَا إِلَي النَّظَرِ كَانَ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ تَوَضَّأَ بِأَّيَّ حَالاَتِهِ كَانَ" كأن أراد أن النوم في القياس هو كالإغماء يوجب الوضوء في أي حال كان، ثم عارض خبر الشافعي بالخبر وأثر الشافعي بالأثر، حتى يجب الرجوع، إلي النظر الذي ذكره الشافعي فأورد خبر صفوان بن عسال المرادي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " كان يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفري لا مع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن عن بول أو غائط أو نوم". وروى: لا من جنابة ومعناهما متقارب [115 أ/ 1] قوله: مسافرين أو سفري شك في الملفوظ به من هذين اللفظين وقوله: سفري جمع مسافر. فاحتج منه بأنه قرن النوم بالبول والغائط، وينتقض الوضوء بالبول والغائط على كل حال، فكذلك بالنوم على كل حال. ثم أيد ذلك، فقال:" ولو

اختلف حدث النوم لاختلف حدث الغائط، وإنه لو كان فيه تفصيل لأبانه (صلي الله عليه وسلم) كما أبان في أكل الناسي أنه لا يفطر الصائم. ثم ذكر خبر آخر وهو قوله (صلي الله عليه السلام) "العينان وكاء السه"، الخبر، ثم قال في معارضة الأثر أثر عائشة وأبي هريرة أنهما قائلا:" من استجمع نومًا فعليه الوضوء مضطجعًا كان أو قاعدًا". ثم أيدهما بما روي عن الخن ثم رجع إلى النظر. وقال هو في معنى من أغمي عليه فلزمه الوضوء على كل حال، فكذلك هذا. والجواب عنه أن يقول: أما خبر صفوان فالقصد به بيان جواز المسح على الخفين في الوضوء دون الغسيل لا غير، فلا يعارض به خبر أنس- رضي الله عنه- الذي قصد أن نوم القاعد لا يوجب الوضوء. وأما الخبر الآخر فهو حجة عليه؛ لأنه أشار إلى أن النوم حدث لأنه مس خروج الحدث من مخرجه، وهذا لا يوجد في القاعد، إذ لو خرج به غالبًا. وأما الأثر عن عائشة وأبي هريرة نحمله على القاعد غير المتمكن، بدليل أثرنا فيكون جمعا بينهما [115 ب/ 1]. وأما الإغماء فقد بينا الفرق بينه وبين النوم فيما تقدم. وأما الحدث فلأن عينه ناقض بظاهر الكتاب والأخبار بخلاف النوم، ثم عقب الكلام في النوم بالكلام بالملامسة. وقد ذكرنا الخلاف فيها. واحتج الشافعي بالآية فإنه تعالى قرن الملامسة بالنوم والغائط، ثم أيد بقول ابن عمر- رضي الله عنه- قُبلة الرجل لامرأته ومسها بيده من الملامسة، وهذا التعريف بالألف واللام إشارة إلى الملامسة في الآية، خلاف ما روى أبو حنيفة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن المراد به الجامعة، ثم قال: وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قريب من معنى قول ابن عمر- رضي الله عنه- وإنما ترك ذكر لفظه لشياعه فيه وهو أنه روى عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: أيهز أحدكم امرأته هز البكر ثم لا يتوضأ، عليه الوضوء، ثم ذكر الكلام في مس الذكر. واحتج بخبر بسرة ينت صفوان وقد ذكرنا، ثم قال: وقاس الدبر بالفرج مع ما روى عن عائشة- رضي الله عنها- إذا مست المرأة فرجها توضأت، وأنكر أصحابنا على المزني هذه العبارة. وقالوا: اسم الفرج فيقع على الدبر فلا يصح قوله: وقاس الدبر بالفرج. وإنما يصح أن لو قال: وقاس الدبر بالذكر والقبل. وأيضاً ذكر حديثه عائشة في الفرج ولا يجوز أن يؤيد الأصل بالأثر؛ لأن الأصل يكون متفقا عليه [116 أ/ 1]، وإنما يؤيد الفرع المقيس بالأثر، وإنما يصح هذا بما روي عن عائشة: إذا مست المرأة دبرها توضأت. ولم ينقل ذلك. ومن أصحابنا من قال: يمكن تصحيح عبارته بأنه أراد وقاس الدبر بعلة الفرج فكأنه قال: أحد الفرجين كالذكر ثم بين تعليق الحكم بصفة الفن وبحديث عائشة- رضي الله عنها- ثم أن أصحاب الظاهر ينكرون قياس المسكوت عنه في الشرع على المنصوص عليه ههنا وسلموا في تقويم نصيب الشريك الذي لم يعتق على الشريك المؤسر قياس الأمة على العبد. وإن ورد الخبر في العبد فاحتج عليه الشافعي قاله هناك.

مسألة: قال:" وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ قَيئٍ أَوْ رُعَافٍ" الفصل وهذا كما قال: عندنا جميع ما يخرج من غير السبيلين من القيء والرعاف ودم الفصد والحجامة لا ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا. وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أوفي، وعائشة، وجابر، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومكحول، وربيعة، ومالك. وقال أبو حنيفة: إن كان طاهرًا فلا وضوء، وإن كان نجسًا ينقض الوضوء، إلا أنه فصل في القيء فقال: إن كان ملأ الفم فإنه ينقض الوضوء، وإن كان أقل لا ينقص الوضوء. وقال في الرعاف: إن سأل ينقص [116 ب/ 1] الوضوء، وإن لم يسل لا ينقص. رقال فيمن بصق دمًا ت إن كان الغالب الدم نقض الوضوء وإلا فلا ينقض. وبه قال الثوري: والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، إلا أن أحمد قال: إن كان الدم قطرة أو قطرتين فلا وضوء. وروى عنه أنه قال:" إن خرج قدر ما يعفي عن غسله وهو قدر الشبر لا ينقص الوضوء". وقال ابن أبي ليلى: ينقص الوضوء قليلًا كان أو كثيرًا. وروى ذلك عن عمر، وعلي وابن سيرين، وعطاء، وزفر- رضي الله عنهم- واحتجوا بما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من قاء أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم واحتج الشافعي عليهم بالأثر والنظر. أما الأثر فما روى أن ابن عمر- رضي الله عنه- عصر بترة بوجهه فخرج منها دم فدلكه بين إصبعيه، ثم قام إلي الصلاة ولم يغسل يده. وروى عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه قال اغسل عنك أثر المحاجم وحسبك. وروى عن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بصوفه ثم صلى، عن القاسم ليس على المحتجم وضوء. وهذا الذى ذكر ابن المسيب والقاسم استئناس وإلا فلا حجة لأنهما من التابعين. وإنما الحجة في أقوال الصحابة وأفعالهم. وقد روى الشيخ القفال، عن الشيخ أبي زيد بإسناده، عن ابن عباس- رضي الله عنه [117 أ/ 1]- إيجاب الوضوء من الحجامة والرعاف وذهب بعض أصحابه إلى وجوب الغسل من

الحجامة فأنكره وقال: اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك فلا دليل فيه للشافعي. وروي في هذا الباب ما هو أولى من كل هذا، وهو ما روى الدارقطني بإسناده عن أنس- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) " احتجم ولم يزد على غسل محاجمه وصلي ولم يتوضأ". وأما النظر فقوله: كما وضوء في الحبشاء المتغير بخلاف مخرج الحدث فإنه سوى فيه بين النجو والريح. وقيل: أراد بالحبشاء المتغير القيء دون ملء الفم، وأما خبرهم قلنا: القلس هو الريق الحامض يخرج من الحلق فلا وضوء فيه عندهم. وقيل: إنه مرسل يرويه ابن أبي مليكة مرسلًا، أو يحمل على الاستحباب، أو على غسل ما أصابه بدليل ما ذكرنا. مسألة: قال: "وَلَيْسَ فِي قَهْقَّهَةِ المُصْلَّي وَلَا فِيمَا مَسَّتِ النَّارُ وُضُوءٌ" وهذا كما قال: القهقهة لا توجب الوضوء يحال عندنا. وبه قال جابر، وأبو موسي الأشعري، وعطاء، والزهري، وعروة، والقام، ومحكول، ومالك، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: يجب الوضوء بالقهقهة في الصلاة. ويه قال الشعبي، والنخعي، والثوري، والحسن، والأوزاعي، في رواية. واحتجوا بما روى أبو العالية أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كان يصلي فتردي [117 ب/ 1] أعمى في بئر، فضحك طوائف من القوم فأمر رسول الله (صلي الله عليه وسلم). الذين ضحكوا بإعادة الوضوء والصلاة. وهذا غلط لما روى جابر- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: "تعاد الصلاة من القهقهة ولا يعاد الوضوء" وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم):" الضاحك في الصلاة والمتكلم سواء" وأما الخبر الذي ذكره فهو مرسل ضعيف؛ لأن الله تعالى وصف الصحابة بقوله {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح:29 [فكيف يضحكون. وفي موضع تردى الأعمى في البئر وهو موضح الرحمة، أو نحمله على الاستحباب. وقال بعض أصحابنا: يستحب ذلك لرقع الخلاف والجناية الصادرة منه. وأما الكلاف فلا ينقص الوضوء بحال حسنة وقبيحة مثل القذف والكبائر من المعاصي تنقص الوضوء. واحتجوا بقوله (صلي الله عليه وسلم): "خمس يفطرن الصائم وتنقض الوضوء وهي الغيبة، والنميمة، والكذب، والنظر بشهوة، واليمين الفاجرة". قلنا: أراد به نفي الثواب والأجر، بدليل قوله (صلي الله عليه وسلم): "لا وضوء إلا

من حدث". وقال بعض أصحابنا: يستجب الوضوء منها، لما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب. وقالت عائشة:] 118 أ/ أ]- رضي الله عنها- يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء. وقال (صلي الله عليه وسلم) " من غضب فليتوضأ". وقال أيضًا:" من حلف باللات والعزى فعليه الوضوء. وقال ابن عبا س- رضي الله عنه- والحدث حدثان حدث اللسان، وحدث الفرج، وأشدهما حدث اللسان: وقيل: الأشبه من كلام هؤلاء أنهم أرادوا غسل الفم وجده، ولا وضوء في المأكول والمشروب سواء مسته النار أم لم تمسه، وسواء كان لحم الإبل أو غيره. وبه قال جماعة الصحابة والعلماء، وقال أبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأنس، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو طلحة، وعائشة، وعمر بن عبد العزيز، وأبو قلابة، وأبو مجلز، والزهري، والحسن- رضي الله عنه- يجب الوضوء بأكل ما مست النار. وحكى هذا عن داود أيضًا، واحتجوا بما روى عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) أنه قال:" توضؤا مما مست النار ومما غيرته النار" وهذا غلط لما روى جابر- رضي الله عنه-. قال: كان آخر الآمرين من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) " ترك الوضوء مما مست النار ". وهذا يدل على نسخ مأ رووه. وروي عن سعيد بن غفلة قال: كنا عند عمر- رضي الله عنه- وعنده علي- رضي الله عنه- نأتي بحفات مشبعة بلحم جزور [118 ب/ 1 [فأكلا وآكلنا، ثم قاما إلى الصلاة فصليا ولم يتوضيا، فلما قضيا الصلاة أتيتهما فقلت: لقد أكلتما طعامًا كنتما إذا أصبتما منه توضأتما، فقالا: سمعنا رسول الله يقول:" لا ينقص وضوء المسلم طعام قد أحل الله آكله". ولأنه مها يغتذي به فأشبه الفاكهة. وقال أحمد، وإسحاق: يجب الوضوء من أكل لحم الجزور خاصة. وحكاه ابن أبي أحمد، عن الشافعي أنه قال في القديم. واحتج بما روى أن النبي. سئل: أيتوضأ من لحوم الغنم؟ فقالت: لا فقيل: أيتوضأ من لحم الإبل؟ فقال: نعم. وهذا غلط لما روى ابن

عباس- رضي الله عنه- أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" وأما خبرهم: قلنا نحمله على غسل اليد وهو ظاهر لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد لما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) "كان يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده". وروى أنه قال (صلي الله عليه وسلم) " الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر ويعده ينفي اللحم". وإنما فرق بين لحم الغنم، ولحم الإبل؛ لأنه يندب إلى غسل اليد من لحم الجزور أكثر مما يندب إليه من لحم الغنم لثقل رائحته وزهومته. وقال أصحابنا: المأكول على ثلاثة أضرب: طاهر لا ريح له كالخبر والتمر واللبن، إن شاء غسل اليد منه وإن شاء [199 أ/ 1] لم يغسل، وطاهر له رائحة كالبصل والثوم واللحم يستحب أن يغسل يده منه كالمسكر والميتة إذا أكلها عند الضرورة فيجب غسل اليد منه، وكل موضع أصابه من جده فإن صلى قبله غسله أعاد الصلاة. مسألة: قال:" وَكُلَ مَا أأَوْجَبَ الْوُضًوءَ فَهُوَ بالْعَمْدِ وَالْسَّهْوِ سَوَاءٌ". وهذا كما قال: كل ماء ينقض الوضوء فعمده وسهوه سواء، قصد به الرد على مالك في اللمس والمس من غير قصد، والأصل في ذلك ما روى أن النبي (صلي الله عليه والسلام) أوجب الوضوء من المدّى، وهو بخرج من غير قصد، ولأنه لو احتلم يلزمه الغسل وهو بغير قصد واختيار، فدل على أنه لا يعتبر فيه الفصل. مسألة: قال:" وَمَنْ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ شَكَّ في الْحَدَثِ". الفصل وهكذا كما قال: إذا تيقن الطهر ثم شك في الحدث، أو تيقن الحدث ثم شك في الطهر بنى على اليقين، سواء لحقه الشك بعد الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها، وأصله ما روى أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فينفخ بين إليتيه ويقول: أحدثت، فلا تنصرني حتى تسمع صوتًا أو تشم ريحًا". وقال مالك: يلزمه الوضوء بكل حال. وقال الحسن: إن كان الشك في الصلاة مضي في صلاته، وإن كان الشك قبل صلاته فإنه يلزمه الوضوء. قيل: هو قول مالك ولا يصح، وهذا غلط؛ لأنه يبقى حالة [199 ب/ 1] فلا يزيلها الشك إلى ضدها، كما لو تيقن الحدث ثم شك في الطهر، ونفيس على ما لو كان الشك في بناء الصلاة. واحتج بأن هذا الشك يرجع إلى جواز صلاته، فكأنه شك أن إحرام صلاته هل صح أم لا؟ قيل: اليقين السابق أولي من هذا الشك، كما لو شك في طهارة الماء فإنه ببني على أصل الطهارة.

فرع قال صاحب" التلخيص" لا يزول اليقين بالشك في الطهارة إلا في مسألة، وهي أن يقول: توضأت وأحدثت ولا أدري أيهما قد مت؟ فقال له: قدم وهمك على الأمرين، فإن كنت محدثًا قبل هذين الأمرين فأنت الآن متطهر، وإن كنت متطهر فأنت الآن محدث. وهذا في الخشفة بناء على اليقين أيضًا لا على الشك، ووجهه أنه إذا كان قبل هذين الأمرين محدثًا بعد عرف أن طهره رفع أن طهره رفع ذلك الحدث، ثم شك هل وجد حدثًا؟ رفع ذلك الطهر أم لا والأصل عدمه. وفي عكسه إذا كان قبل هذين الأمرين متطهر فقد عرف إن حدثه رفع طهره، ثم شك هل وجد طهر رفع ذلك الحدث أم لا؟ والأصل عدمه، وهذا كما لو أقام رجل البينة أن فلانا استوفي منه جميع حقه وأبرأه، ثم أقام المشهود عليه بالقبض. بينة أن المشهود له أقر له بألف، لم يثبت عليه لجواز أن يكون ذلك قبل الاستيفاء. ومن أصحابنا من قال: يتعارض هذان العارضان ويرجع إلى الأصل المتقدم [120/ 1]، فإن] كان] قبل هذين الأمرين طاهرًا فهو الآن طاهر، وإن كان محدثًا فهو الآن محدث. ومن أصحابنا من قال: عليه الوضوء هاهنا احتياطًا للصلاة. وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، وهذا لأنه لم يتيقنهما وشك في السابق منهما استوت حالتهما، فصار الوضوء مشكوكًا فيه، ولا يجوز أن يصلي بطهارة مشكوكًا فيها، وما ذكره القائل الأول لا يقوى ظن الطهارة؛ لأنه قد تيقن حصول حدث بعد ذلك الحدث الأول، وشك في أن الطهارة تأخرت عنه بإزالته أم لا، فصارت الطهارة مشكوكًا فيها، فإن قال: عرفت قبل هاتين الحالين حدثًا وطهارة، ولا أدري أيهما كان أولًا؟ اعتبرنا ما كان مستقبل هاتين الحالتين الأوليتين، فإن عرق الطهارة من نفسه قبلهما جاز له أن يصلي الآن، وإن عرف الحدث قبلهما لم يكن له أن يصلي الآن ما لم يتطهر، فجواب هذه المسألة هو بعكس ما ذكرنا، وهما سواء في المعنى إذا تأملت. وهذا هو على قول ابن أبي أحمد، فإن قيل: ترك الشافعي الأصل المتيقن في مسائل منها: ما قال: لو كان له عبد غائب لا يعرف حياته فأعتقه عن الكفارة لم يجز، والأمل بقاؤه وجواز عتقه عنها. ونال في الجمعة: إذا شك هل خرج الوقت أم لا لم تجز الجمعة، والأصل بقاء الوقت. وقال: لو شك في انضاء مدة المسح لا يجوز المسح، والأصل بقاء المدة [120 ب/ 1]. وقال: لو رأى أن ظبيًا بال في غدير، ثم عاد إلى ذلك الغدير فوجد ماء متغيرًا، ولا يدري أبنفسه تغير أم ببوله لا يجوز التوضيء به، والأصل الطهارة. قلنا: أما الأول فقد تقابل هناك أصلان حساب العبد واشتغال ذمته بالكفارة، فلا تبرأ ذمته إلا باليقين. وأما الثاني: فالأصل في الفرض الظهر والجمعة عارض يجوز بشرائط، فإذا شككنا في شرطه بنينا على أصل الفرض وهو الطهر. وعلى هذا قال يعض أصحابنا: إذا رفع الشك في ذهاب وقت الجمعة في أثناء الصلاة لا يتمها جمعة على قياس المذهب. وأما الثالث: فالأصل وجوب غسل الرجلين والمسح جوز رخصة شرط فلا بد من

باب ما يوجب الغسل

وجود شرطه باليقين. وأما الرابع بعد تيقن النجاسة فيه، والظاهر أن التغير منها، فلهذا لا يجوز به الطهر. باب ما يوجب الغسل قال: أَخْيَرَنَا الْثَّقَةُ وَذَكَرَ الْخَبر. وهذا كما قال: الغُسل بضم الغين هو الاغتسال، وهو غسل جميع البدن. والأشياء التي توجبا الغسل هي أربعة. شيئان منهما تختص بهما النساء: الطهر من الحيض، والطهر من النفاس، وشيئان تشترك فيهما الرجال والنساء وهو الموت يوجب غسل بدن الميت. والمخاطب به [121 أ/ 1] من علم من الأحياء والثاني: الجنابة. وقيل ما يوجب الغسل خمسة: التقاء الختانين، وخروج المني، ودم الحيض، والنفاس، وخروج الولد. وقيل: أربعة: دم الحيض والنفاس واحد، وخروج المني والولد واحد، لأن المرأة يلزمها الغسل بخروج الولد، لأنه مخلوق من مائها ومائه فيكون بخروجه خروج مائها، وهذا أشبه مما تقدم. وقيل: ستة، والسادس: الموت. والأول أحسن لأن في قولنا: والجنابة يدخل التقاء الختانين، وخروج المني، وخروج الولد، فإذا تقرر هذا فالتقاء الختانين هو عبارة عن تغييب الحشفة في الفرج سواء كان الفرج قبلًا أو دبرًا، وإذا لم يتصور التقاء الختانين إلا في القبلة. وختان الرجل: هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلقة، وختان المرأة يقطع نواتها والتقاء الختانين أن يتحاذيا وأن يتضاما، وإنما يتحاذيان إذا غلب حشفته في فرجها لأن شفرتها محيطات بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهو مخرج البول لا غير. والثالثة فوق ثقبة البول موضع ختانها، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك، فقطع هذه الجلدة هو ختانها. فإذا [121 ب/1] قطعت شوهد موضع قطع تلك الجلدة كالنوا ة، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها وهو مراد الشافعي بما ذكر. وزاد المزني لهذا بيانا في آخر الباب، وفي بعض النسخ لم يكتب ذلك أصلًا، لأن في بيان الشافعي. ما يغني عنه فلا فائدة فيه؟ فإذا تقرر هذا، فمتى حصل ذلك يجب الغسل أنزل أو لم ينزل، صغيرة كانت أو كبيرة حية كانت أو ميتة، متلذذًا كان أو غير متلذذ, وكذلك إن كانت هي التي أدخلت ذلك منه في فرجها باختياره أو بغير اختياره، قائمًا كان أو غير قائم. وفرج البهيمة ودبرها في ذلك كفرج الآدمية ودبرها، وفيما عدا هذا من المباشرة لا يجب الغسل، مثل إن. ألصق ختانه بختانها إذا أولج في فيها، أو بين فخذيها، أو غيب تصف الحشفة، أو استمنى ولم ينزل. قال في (الأم) لأن الكف ليس بفرج. وبهذا قال جمهور الصحابة والفقهاء.

وروى عن زيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن أرقم أنهم قالوا: لا يجب الغسل به حتى ينزل، وقيل إنهم رجعوا عن ذلك حين روى عن عمر - رض الله عنه - أنه قال: من خالف في ذلك جعلته نكالًا. وقال داود: لا يجب الغسل به. واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم ((الماء من الماء)). أي صب الماء] 122 ب/1] على البدن لا يجب إلا بإنزال الماء. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ومن جامع ولم يمن فلا غسل عليه" روا أبو سعيد الخدري، وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا جامعنا ولم ننزل أن نجدد الوضوء وروى عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبباب رجل من الأنصار. فدعاه فخرج بعد ساعة ورأسه تقطر ماء فقال له: لعلنا أعجلناك قال: نعم، فقال: إذا جامعت فأقحطت - يعني لم تنزل- فعليك تجديد الوضوء. وهذا مأخوذ من القحط وهو انقطاع المطر؛ ولأنها. مباشرة خلت عن الإنزال فأشبهت المباشرة فيما دون الفرج، وهذا غلط لما روي الشافعي عن عائشة - رضي الله عنها - من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلًا وقولًا أما الفعل فتمام الخبر ما روى عن أبي موس الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: اشتد على اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسالة فأتيت باب عائشة فاستأذنت عليها فأذنت لي فقلت؛ يا أم المؤمنين لقد اشتد على اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة استحي أن أسئلك عنها فقالت: ما لا تستحي من أمك غسلا تستحي [ب 122/ 1] مني فإني أمكم فقلت: بم يجب الغسل فقالت: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل فعلته أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا)). وأما القول فما روى القاسم بن محمد بإسناده عن عائشة آن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قعد بين شعبها الأربع وألصق الختان بالختان فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل)). قال الأزهري: أراد شعبتا شفريها، ولأن الله تعالى قال (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)] النساء:43]. قال الشافعي: والجنابة عند العرب هي الجماع وإن لم يكن معها الماء الدافق، ولأنه حكم يتعلق بالجماع فلا يقف على الإنزال لوجوب الحد وكمال المهر. وأما خبرهم قال ابن عباس - رضي الله عنه - وإنما قال صلى الله عليه وسلم ((الماء من الماء)) في

الاحتلام. وقيل: كان هذا في ابتداء الإسلام. ثم فسخ بدليل ما روى عن سهل بن سعيد أنه قال: حدثني أبي بن كعب أن ذلك رخصة رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدها، أو يقول: منطوقه لم ينسخ ومفهومه نسخ؛ لأنه وجوب الغسل فإنزال الماء باقي. وأما قياسه على ما دون الفرج لا يصح؛ لأنه لا يتعلق به شيء من الأحكام [123 أ/1]، وها هنا يتعلق أبه الحد والكفارة، والتحليل الرفع; الأول والإحصان، رفاد العبادات. إ وقال أبو حنيفة: إذا أتى بهيمة أو ميتة فلا غسل مالم ينزل، وهذا غلط؛ لأنه إيلاج فرج في فرج فأشبه فرج الأدمية الحية، وعلى هذا قال أصحابنا في بحر البصرة سمكة لها فرج كفرج النساء يولج فيها سفهاء الملاحين، فإن كان هكذا فيلزم الغسل بالإيلاج فيها فرع إذا وطئ ميتة قد ذكرنا أنه يلزمه الغسل، وتفسد به العبادات، وتجب به الكفارة، ولا يلزم به المهر إن كان شبهه م ولا حد إن كانت زوجته للشبهة، وإن كانت أجنبيه هل يلزمه الحد لأنه بمحض تحريمه وهل يعاد غسلها؟ قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان والصحيج عندي أنه يعاد. فرع آخر إذا جامع المجبوب امرأة أن تغيب مقدار الحشفة يلزمه المغسل إلا بلا غسل عليه. فرع لو أولج في دبر. خنثى مشكل يلزمه الغسل، وإن أولج. في فرجه فلا غسل، ولا وضوء عليه، لجواز أن يكون خلقة زائدة من الرجل، وإن. أولج خنثى في دبر خنثى فلا غسل على: واحد منهما؛ لأنا لا نعلم أن الواطئ رجل، وعلى المولج فيه الوضوء بخروج الخارج منه. فرع لو لف على ذكره خرقة وأولج فيه ففيه وجهان: أحدها: يلزمه الغسل كما لو كان الذكر [123 ب/1] مستورا بالجلدة. والثان: وهو الصحيح واختاره الإمام الحناطي لا يلزمه الغسل؛ لأنه يصير مولجًا في خرقة، ولأن ذلك. مانع من وصول اللذة. وقال أبو الفياض من أصحابنا: وهو اختيار القاضي الإمام الحسن - رحمه الله - إن كانت الخرقة رقيقة لينة لا تمنع اللذة، فإنه يلزمه الغسل، وعنى هذا الخلاف هل يفسد به الحج أم لا؟ فرع آخر لو استدخلت ذكرا مقطوعًا هل يلزمها الغسل؟ وجهان بناء على الوجهين في مس الذكر المقطوع، ويجب عليها الغسل باستدخال ذكر الميت والبهيمة بلا خلاف بين أصحابنا

مسألة [قال]: ((وإن أنزل الماء الدافق معتمدًا أو نائمًا)) الفصل وهذا كما قال: الغسل يجب على الرجل بخروج المني منه سواء كان في حال نومه، أو في حال يقظته، عامدًا أو غير عامد؛ بشهوة أو بغير شهوة للخبر الذي ذكرنا، وكذلك يجب الغسل على المرأة به، لما روي أن أم سليم أم أنس بن مالك - رضي الله عنهما قالت: يا رسول الله هل على إحدانا غسل إذا هي احتلمت؟ فقالت أم سلمة: فضحك رسول الله، فضحكت النساء أو تحتلم المرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((تربت يمينك فيم يشبه الرجل أخواله إذا ثم قالت: إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه للأعمام، وإذا غلب ماء المرأة ماء الرجل كان الشبه للأخوال. ثم قال لأم سليم: ((نعم إذا رأت الماء)) [124 أ/1 [. وقال أبو حنيفة: إذا خرج من غير شهوة لمرضى أو برد لا يلزمه الغسل وبه قال مالك، وأحمد، وهذا غلط لظاهر الخبر، ولأنه مني خرج من مخرجه المعتاد فاشبه إذا خرج شهوة. فإذا تقرر هذا فإن صفة ماء الرجل ثخين أبيض له رائحة كرائحة الطلع، أو عجين الدقيق، رطبا ورائحة الييض يابسًا، وقد يتغير لعلة فيخرج رقيقًا أصفر، أو يجهد نفه قي الجماع فيتلون إلى حمرة كماء اللحم، نعرف بالرائحة أبدًا، وبأنه يورث اللذة عند خروجه، نعقبه فترة الأول، وهذا أظهر دلائله. وماء المرأة أصفر رقيق ورائحته مثل رائحة مني الرجل، وقيل: الماء يشبه رائحته رائحة الطلع، لأن النخلة خلقت من طينة فضلت من التربة التي خلق منها آدم عليه السلام ولهذا قال: ((أكرموا عماتكم)) وهي النخيل. والمني مشدد لا غير، وإنما سمى منيًا لأنه يمني - أي يراق، وسمى منيًا بهذا الاسم لما يراق بها من الدماء. يقال: مني الرجل وأمنى، والمذي يشدد يخفف والتخفيف أكثر، يقال: مذي وأمذى. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((في السوعاء الوضوء)) قال الإمام أبو سليمان الخطابي في غريب الحديث أراد به المذى، والودي مخفف يقال: ودى الرجل ولا يقال: أودى. فرع لو أنزلت المرأة المنى إلى فرجها، فإن كانت بكرًا فلا غسل، وإن كانت ثيبًا. يلزمها الغسل [(124) ب/]؛ لأنه يلزمها تطهير داخله في الاستنجاء فجرى مجرى عضو الظاهر

ذكره في ((الحاوي)). الفرع لو انكسر صلب رجل فخرج منه المني دون الذكر، ففيه وجهان، وهذا إذا: كان منيًا مستحكمًا. فرع لو استدخلت مني الرجل ثم ألقته من فرجها فإنه لا يلزمها الغسل. وقال الحسن البصري: يلزمها الغسل كما لو أنزلت ماء نفسها. قال القفال: وهو وجه لأصحابنا، وهذا غلط؛ لأنه ليس من مائها فأشبه إذا استدخلت دواء فألقته. فرع إذا جامعها فاغتسلت ثم خرج مني الرجل من فرجها. قال أصحابنا: يلزمها الوضوء ولا غسل، وصورته أن تكون صغيرة. لا ماء لها، أو علمت المرأة أنها لم تنزل، فإن أنزلت عقيب الإيلاج وفارقها، فإن كان, الزمان امتد فالغالب أن منيها اختلط بمني الرجل فيلزمه الغسل ثانيًا. فرع آخر إذا انتقل المني عن ظهره وثم يطهر لا يلزمه الغسل. وقال أحمد: يلزمه الغسل؛ لان الشهوة قد حصلت، وهذا غلط لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي- رضي الله عنه ((إذا أفضحت الماء فاغتسل))، والفضح: ظهوره. ولا ما تتعلق به الطهارة يعتبر طهوره كالبول ونحوه، وما ذكره من الشهوة لا نسلم اعتبارها، ثم الشهوة لا تعلم إلا بخروجه. فرع آخر إذا أمذى لا يجب عليه الوضوء [125 أ/1] وغسل موضع المذي. وقال أحمد: يلزمه غسل الذكر والأنثيين، وحكى عن مالك أنه يلزمه غسل الذكر لما روى في خبر علي - رضي الله عنه - حين سأل المقداد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال: ((يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ)). وهذا غلط لما روينا أنه قال: ينضح على فرجه ويتوضأ، ولأن هذا خارج لا يوجب غسل جمع البدن فلا يوجب غسل مالم يصبه من الذكر كالبول. وأما خبرهم فإنه تفرد بروايته هشام بن عروة نحمله على الاستحباب. فرع آخر لو رأى في النوم أنه يحتلم ولم ير في ثوبه آثره فلا غسل عليه، نص عليه في

((الأم)) فقال فيه: فإن وجد في ثوبه منيًا ولا يعلم أنه منه أو من غيره فلا غسل عليه. قال أصحابنا: وهذا مثل أن ينام في الثوب هو وغيره ممن يمني أو ينام إلى جنبه من يمني، وإن كان الثوب لا ينام فيه غيره فوجد فهو منه يقينًا فعليه الغسل، ويقضي الصلاة لأقرب نومة نامها، والاحتياط أن يقضي الصلوات من الوقت، الذي لا يشك أن الاحتلام كان بعده. وقال الشافعي في المسألة الأولى، يستحب له أن يغتسل، وهذا حكم من رأى بثوبه نجاسة ولا يدري متى أصابته. فرع آخر لو شك مما خرج منه فلا يدري انه مني أو مذي، فإن كان توضأ وصلى في ثوب آخر ولم يغتسل [125 ب/1] جازت صلاته، وإن اغتسل وصلى في هذا الثوب ولم يغسل ثوبه جاز أيضًا لاحتمال أنه مني، فإن غسل الثوب وتوضأ وصلى فيه يجوز أيضًا لاحتمال أنه كان مذيًا. قال القفال: وهل يجب الترتيب في هذا الوضوء؟ وجهان. وكان يقول: لو أدخل خنثى ذكره في دبر رجل فعلى المفعول به أحد أمرين، إما وضوء مرتب أو غسل، فلا يجب الترتيب في هذا الوضوء؛ لأنه مشكوك فيه، ثم رجع عن هذا فالذهب وجوب الترتيب، فإن لم يغتسل وصلى في هذا الثوب قبل غسله بعدما توضا لا تجوز صلاته؛ لأنه ترك يقين الطهارة من غسل أو غسل ذلك الثوب هكذا ذكر عامة أصحابنا. وهذا لأنه مخير بين أن يجعله منيًا فيجب الغسل منه فقط، أو يجعله مذيًا فيجب الوضوء منه وغسل الثوب منه لاحتمال الأمرين احتمالًا واحدا- وقال بعض أصحابنا: يلزمه الوضوء فقط فلا غسل للشك، ولا يلزمه غسل الثوب بجواز, أن يكون منيًا، ففيه شك أيضا ذكره في ((الحاوي)) وقطع بهذا. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، رحمه الله-: عندي أنه يجب أن يتوضأ مرتبًا ويغسل سائر بدنه ويغسل الثوب منه؛ لأنا إن جعلناه منيا أو جنبًا غسل ما زاد على أعضاء الوضوء بالشك والأصل عدمه، وإن جعلناه مذيًا أو جنيًا غسل الثوب والترتيب] 126 أ/1] في الوضوء بالشك، والأصل أعدمه وليس أحد الأصلين أولى من الأخر، ولا سبيل إلى إسقاط حكمها؛ لأن الذمة قد اشتغلت بغرض الطهارة والصلاة والتخيير لا يجوز؛ لأنه إذا جعله مذيًا لم يأمن، أو يكون منيًا فلم يغتسل له، فإن حوله منيًا لم يأمن أن يكون مذيًا ولم يغسل الثوب منه ولم يرتب الوضوء منه، فوجب أن يجمع بينهما لسقط الفرض بيقين وهذا أحسن، ولكن الأصح عندي الأول، وذلك أنه إذا اختار أحد الأمرين وفعل فقد صار الثاني مشكوكًا في وجوبه، والأصل أن لا وجوب فلا يكلف ذلك اعتبارًا لليقين لا يزال بالشك.

فرع أخر قال في ((البويطي)): يكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ لما روى أن عمر - رضي الله عنه- قال: يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: ((نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد) وروى: ((اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم)) وقال صاحب الإفصاح: إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يطأ يتوضأ أيضًا لانه يستحب هذا للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة لأنه تحققه إيزيله عن أعضاء الوضوء وهو نظر ما. روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لرد السلام)) مع وجود الماء. فرع أخر ذات الجفاف هل يلزمها الغسل؟ وهي أن تلد ولا ترى الدم فد ذكرنا أنه يجب، وبه قال مالك، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: لا يجب الغسل وهو قول [(126) ب/ [أبي حنيفة؛ لأنه جامد كالحصاة. والثاني: يجب وهو الصحيح، فإن خرج منها ولد فاغتسلت ثم ولدت آخر أعادت الغسل للولد الثاني، فعلى هذا هل تغتسل حال وضعها أو بعد مضي ساعة وجهان بناء على أن أول النفاس محدود بساعة أم لا؟ وعلى هذا لو كانت الولادة في رمضان هل يبطل صومها؟ فإن قلنا: لا غسل عليها فهي على صومها، وإن قلنا: يلزمها الغسل بطل صومها، ذكره صاحب ((الحاوي)) وعندي أنه لا يبطل صومها بكل حال قال: لأنها مغلوب عليها كالأخت لأم. وقيل: يجب الغسل على الرجل بشيئين وعلى المرأة بخمسة أشياء التقاء الختاتين وإنزال الماء وخروج دم الحيض والنفاس والولد. قال: ((وقبل البول وبعده سواء)) وهذا كما قال قصد به الرد على مالك، لأنه قال: إذا اغتسل الرجل عند خروج المني مرة ثم خرج منه المني مرة أخرى، فإن كان ذلك قبل البول فهو من بقية المني الأول في قضيبه فلا غسل عليه ثانيًا، فإن كان بعد البول فهو مني جديد يلزمه الغسل ثانيًا. وقال صاحب ((الحاوي)) هذا مذهب الأوزاعي وعند مالك والثوري لا يلزمه إعادة الغسل بعد الإنزال الثانى قبل البول وبعده؛ لأنه بقية المنى الأول الذي اغتسل له وسببهما واحد. وبه قال أبو يوسف وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة: إن كان [127 أ/1] قبل البول يلزمه الغسل؛ لأنه بقية ما خرج بشهوة وبعد البول إذا خرج فلا غسل عليه؛ لأنه خرج بغير شهوة. وحكى هذا عن الأوزاعي، وعندنا يلزمه الغسل بكل

حال؛ لأن موجب الغسل الإنزال وهو ظهور المني وقد وجد ذلك. فرع قال في ((الأم)): ((وإذا أسلم الكافر أحببت له أن يغتسل ويحلق شعره، فإن لم يفعل ولم يكن جنبًا أجزأه أن يتوضأ ويصلي)) وإن كان قد أجنب واغتسل ثم أسلم فعليه أن يغتسل، وغسله في حال شركه لا يجزيه؛ لأن من شرطه النية، والكافر لا نية له، ومن أصحابنا من قال: يصح غسله في حال كفره ولا تجب عليه الإعادة؛ لأن الشافعي - رحمه الله - نص على أن الذمية إذا اغتسلت من الحيض يحل للزوج وطئها. وقد تقدم الكلام فيه. وقال مالك وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر،: يلزم الغسل بإسلامه وأن لم يكن جنبا. واحتجوا بما روى: أن كافرا اسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الق عنك شعر الكفر واغتسل". وروى أن قيس بن عاصم، وثمامه بن اثال: اسلما فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل وهذا غلط لان العدد الكثير من الكفار اسلموا ولم يأمرهم بالغسل ولو أمر لنقل نقلا ظاهرا، ويحمل الأمر لجماعه معدودين على الاستحباب؛ ولأن الإسلام عباده ليس من شرطها الغسل، فلا يجب لها [127/ ب [الغسل كالجمعة. فرع أخر لو توضأ أو تيمم ثم ارتد عن الإسلام ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: ببطلان وبه قال أحمد؛ لان الردة إذا صادفت عباده أبطلتها وكل عباده تبطل بالحدث تبطل بالردة الصلاة. والثاني: لا يبطلان؛ لأن الطهارة لا تبطل بالحدث، والردة ليست بحدث، ولأن غسلها من الحيض لا يبطل بردتها، بدليل أن لو أسلمت لا يحرو وطئها حتى يغتسل فكذلك هذا، وجب أن لا يبطل، وهذا أقيس، وتفارق الصلاة لأنها لا تبطل بعد الفراغ منها بالردة، وتبطل بالردة فيها لبطلان النية. فان قيل: أليس الوضوء يبطل بعد الفراغ منه بالحدث فينبغي أن يبطل بالردة في هذه الحالة. وقلنا: لا نقول الوضوء بطل ويفسد بما يحدث، بل يقول: صار محدثا فيحتاج إلى طهارة لهذا الحدث، بدليل أن الجنب إذا تيمم ثم احدث وجب عليه التيمم فلا يحرم عليه قراءه القران، فلو بطل تيممه السابق تحرم عليه القراءة. والوجه الثالث: وهو ظاهر المذهب أنه يبطل التيمم دون الوضوء؛ لأن الوضوء يرفع الحدث فلا يبطل إلا بالحدث، وبالتيمم تستباح الصلاة والردة تمنع استباحتها فبطل بها.

باب غسل الجنابة

مسألة [قال]: "وتغتسل الحائض إذا طهرت والنفساء إذا ارتفع دمها ". وهذا كما قال قد قيل لا معنى لتغييره العادة في الحائض والنفساء، إلا النجسين وقيل هو [128 أ / 1 [إشارة إلى أن دم النفاس لا يتقدر أوله بمنى ارتفع بعد الولادة، وأن قيل يلزمها الغسل، وفي الحائض إذا ارتفع قبل تمام يوم لا يكون حيضا ولا يلزمها به الغسل حتى تطهر بعد تمام أقل المدة، ومع هذا لو قال: تغتسل الحائض والنفساء إذا طهرتا صح أيضًا، فإذا تقرر هذا فالغسل من الحيض يجب بخروجه، وفعل الغسل يجب بانقطاعه كظهور البول، فإنه موجب الوضوء وانقطاعه موجب فعله. وقيل: فيه وجهان: أحدهما: يجب بخروجه وهو المذهب. والثاني: يجب بانقطاعه وهو اختيار كثير من مشايخ خراسان والصحيح ما ذكرنا. فرع لو أصابتها جناية ثم حاضت قبل الاغتسال فلا غسل عليها وهي حائض، فإذا انقطع أجزأها غسل واحد لهما، وكذلك لو احتلمت وهى حائض. ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن للحائض قراءة القرآن تغتسل هي للقراءة وهذا ليس شيء. باب غسل الجنابة مسألة: قال الشافعي: ((يبدأ الجنب فيغسل يديه ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء)) الفصل وهذا كما قال الكلام في غسل الجناية في شيئين، أحدها: في الأفضل. والثاني: في الواجب. فأما الأفضل فالمستحب أنه يبدأ فيسمى الله تعالى وينوي، ولم يذكر الشافعي هذا ها هنا اكتفاء بما ذكر في الوضوء، ثم يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، ثم يصب الماء بيمينه] 128 ب/1] على شماله فيغسل أسافله من الأذى في موضع الاستنجاء وغيره، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا ثلاثًا، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل أصابعه العشر في الإناء ويأخذ الماء بها فيشرب أصول شعره من رأسه ولحيته، ثم يحثو على رأسه ثلاث حثيات من ماء، وهو أن يأخذ الماء بكفيه ويحثيه على رأسه مرة ثم مرة ثم مرة، حتى ينحدر كل مرة إلى جسده، ثم أفاض الماء على جسده وأمر يده على جسده حتى يصل الماء إلى شعره وبشره. قال أصحابنا: ويفيض الماء على شقه الأيمن أولًا، ثم على شقه الأيسر وهذا أحسن، وقيل كماله في عشرة أشياء: النية واستدامتها إلى إفاضة الماء على جسده,

والثاني: التسمية, والثالث: غسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء, والرابع: غسل ما به من النجاسة فالأذى. أراد بالنجاسة. المذي وبالأذى: المني, والخامس: يتوضأ كامًلا. والسادس: يخلل بيد أصابعه أصول شعر رأسه ولحيته, والسابع: بحثي على رأسه ثلاث حثيات من ماء, والثامن: يبدأ بإفاضة الماء على شقه الأيمن ثم الأيسر والتاسع: الدلك, والعاشر: إيصال الماء إلى جميع شعره وبشره. فظاهر ما قال في " الجديد": أنه يقدم غسل الرجلين على إفاضة لماء على رأسه وهو رواية عائشة, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل هكذا, وهذا هو المذهب. وقال في "البويطي" [129 أ/ 1]: يؤخر غسل الرجلين وينجي عن المكان ثم يغسل رجليه في الآخر. وبه قال أبو حنيفة وهو رواية ابن عباس عن خالته ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتسل في بيتها هكذا, قالت: ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه وكلاهما جائز بلا أشكال. وأما الواجب: فشيئان: النية, وإيصال الماء إلى جميع البشرة والشعر. قال في "الأم": "وعليه أن يغسل أذنيه ظاهرهما وباطنهما ويدخل الماء فيما ظهر من الصماخ وليس عليه أن يدخل الماء فيما بطن منه" وليس عليه إدخال الماء في العينين لأنهما باطنان بالجفون, فأعلم أن ههنا شيئان آخران يختلفان باختلاف الحال: أحدهما: غسل النجاسة, فإن كانت يجب غسلها وإلا لا يجب. والثاني: وضوءه للصلاة, فإن لم يكن أحدث, مثل أن ابتدأ الإنزال بالنظر أو الاستنجاء فلا يلزمه الوضوء, وكان مسنونًا في غسله لا فرضًا, وإن كان أحدث قبل الجنابة فيه ثلاثة أوجه معروفة. فإذا قلنا بين الوضوء والغسل فالأولى أن يقدم الوضوء على الغسل, ولو ترك شعرة لم يصبها الماء لا يجوز غسله. وحكى عن أبي حنيفة أنه يجوز غسله. ذكره صاحب"الحاوي" وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم:"تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة" والسنة في الغسل: سنة التسمية وغسل الكفين وتخليل الشعر [129 ب/ 1] وإفاضة الماء على الرأس ثلاثًا والبداية الميامن في الدلك. مسألة: قال: "فإن ترك إمرار يديه على جسده فلا يضره". وهذا كما قال: قصد به الرد على مالك فإنه يقول: يجب إسرار اليد إلى حيث ينال, وبه قال المزني, واحتج بأنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وهذا غلط لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة. وقد سألت عن غسل الجناية: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذًا أنت قد طهرت"

ولم يأمر بالدلك. وقال الشافعي:"وفي إفاضة النبي صلى الله عليه وسلمعلى جلده دليل أنه إن لم يدلكه أجزأه". وهذا إشارة إلى الخبر الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم سئل ن الاغتسال من الجنابة. فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات, من ماء, فإذا أنا قد طهرت" ولميذكر الدلك. واحتج الشافعي أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم للمتيمم:"إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ولم يأمر بالدلك. وتمام الخبر ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأسفار فصلى جماعة, ثم رأى رجلاً معزولاً عن القوم لم يصل معهم, فقال له: ما لك لم تصل معنا؟ فقال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم [130 أ/ 1] " التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج, فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" ثم بعد ذلك وجد الماء فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: "خذ الماء فاغتسل" ولم يأمره بالوضوء ولا بالدلك وأما قوله: أنه لا يقال: اغتسل إلا لمن دلك, فلنا: لا نسلم ويقال: غسل الإناء من ولوغ الكلب, وغسل يده وإن لم تمر يده فكذلك هذا. وفي هذا الخبر الذي ذكرنا دليل على أن الوضوء فيه لا يجب خلافًا لأبي ثور وداود, وهو معنى قوله: وفي أمره الجنب المتيممم إذا وجد الماء اغتسل ولم يأمره بوضوء دليل على أن الوضوء ليس بفرض. مسألة: قال: "فإن ترك الوضوء للجنابة والمضمضة والاستنشاق" فقد أساء ويجزيه ويستأنف المضمضة والاستنشاق. وهذا كما قال. وقصد به الرد على أبي حنيفة وأبي ثور, وقد ذكرنا مذهبهما, ثم أنه قال: ويستأنف المضمضة والاستنشاق" ولم يقل ويستأنف الوضوء لأمرين: أحدهما: أن الشافعي عرف الخلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق, فندب إليهما الاحتياط في الخروج من الخلاف, ولم يعرف مثل ذلك في الوضوء؛ لأن أبا ثور إنما ظهر مذهبه بعد الشافعي. والثاني: أن سائر الأعضاء سوى الفم والأنف صارت مغسولة في جملة الاغتسال, فلا معنى لاستئناف غسلها بعد الفراغ بخلاف الفم والأنف, ولأنهما عضوان يتغيران عند طول العهد بالماء فأمر باستئنافها لهذا المعنى, ثم احتج على أبي حنيفة خاصة فقال: "وقد فرض الله غسل الوجه من الحدث كما فرض غسله مع سائر البدن من الجنابة" فإذا لم تجب [130 ب/ 1] المضمضة والاستنشاق في

الوضوء كذلك في الجنابة, وهذا قياس الغسل على الوجه بعلة أنه طهارة فرض فيها غسل الوجه من الحدث. مسألة: قال: "والمرأة في غسلها كالرجل". وهذا كما قال. ذكر الشافعي بعد غسل الرجل غسل المرأة وذكر في غسلها زيادة, وهب أنها تحتاج من غمر ضفائرها أكثر ما يحتاج الرجل. أعني الرجل الذي لا ضفائر له. فأما إذا كان له ضفائر أو لحية طويلة كثيفة فحكمه حكمها, ولابد من اتصال الماء في الجنابة إلى أصول شعرهما. والضفائر والدواب واحد, وهو أن تضفر شعر رأسها- والصفر: هو الفتل-ثم فيه ثلاثة مسائل:- إحداهما: أن يكون الشعر خفيفًا والضفر سهلاً لا يمنع وصول الماء إلى كل الشعر والبشرة التي تحنه, فلا يحتاج إلى نقض ضفائرها ويجزيها أن تغمرها بقدر ما ترى أن قد وصل الماء إليها. وحكى عن النخعي أنه قال: يلزم نقضها على كل حال. وهذا غلط لما روى عن أم سلمة- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنفضه للغسل من الجنابة فقال: "لا يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات" الخبر. والثانية: أن يكون كثيفًا والضفائر قوية ملبدة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بنقضها, فإنه يلزمها نقضها وغسلها. وحكى عن مالك أنه قال: "لا يلزمها ذلك [131 أ/ 1] ويجوز غسلها, وإن لم يصل الماء إلى داخل الضفائر. واحتج بما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يضر المرأة الجنب ولا الحائض أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شؤون الرأس" وروى شؤن الرأس الشك من الراوي وشؤن الرأس أعلاه وأيضًا خبر أم سلمة الذي ذكرنا قلنا: إنما ذكر ذلك على غالب الحال أنه يصل الماء إليها دون النقص بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "تحت كل شعرة جنابة" الخبر والثالثة: أن يكون الشعر محشوًا فتكون كالضفائر, فإن كان ثخينًا يمنع وصول الماء فعليه إزالته وتسريحه حتى يزول الحائل ثم يصل الماء إليها, وإن كان الحشو رقيقًا مثل الدهن ونحوه, فإن ذلك لا يمنع وصول الماء إليه فلا يلزمه نقضه وتسريحه, وإن كان الشعر طويلاً فعليه لطوله نص عليه في"الأم". وحكي عن أحمد أنه قال: "الحائض تنفض شعرها بخلاف الجنب لما روى أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال للحائض: "خذي ماءك وسدرك وأمشطي" وقال لأم سلمة: "أفيضي الماء" وهذا غلط لأنه موضع من البدن فاستوي فيه غسل الحائض والجنب كسائر الأعضاء, وليس بين الخبرين اختلاف؛ لأن ذلك على الاستحباب بدليل أن السدر والمشط لا يجب, وأم سلمة سألته عن الجواز [131 ب/]. فرع لو كان في شعرها عقد كان جدي- رحمه الله - يفتي أنه لا يجوز الغسل حتى تقطع تلك العقد وتغسل. وإن كان قد صلى يلزمه إعادة الصلاة ورأيت في تصنيف الإمام أن أبي محمد الحويني أنه لا يلزمه قطعها ويجوز الغسل, وهو الأصح عندي؛ لأن تلك العقدة لا يتوهم انحلالها, فهي كالتصاق الأصبع بالأصبع والتحامه, ولأن الماء يتخلل الشعر عند إصابة الماء. فرع آخر إذا كان مقطوع الأذن والشفتين هل يجب غسل ما ظهر بالقطع في الجنابة والوضوء؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأن إيصال الماء إلى بعض الموضع كان ممكنًا قبل القطع, ولم يوجب لكونه باطنًا بأصل الخلقة فلم يجب بعد القطع أيضًا. والثاني: يجب, لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا, وعندي هذا هو المذهب والوجه الأول خطأ. فرع آخر إذا لم يكن مجنونًا هل يلزم إيصال الماء في الجنابة إلى ما تحت القلفة وجهان: أحدهما: يجب لأن تلك الجلدة هي مستحقة الإزالة. والثاني: لا يجب لأن الجلدة هي في حكم الغسل لم يجعلها كالمعدوم, ولهذا لو غسل الباطن وترك الظاهر لا يجزيه, فإذا تعلق الغسل بظاهرها فما تحتها باطن بأصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليه. والأول أصح عندي. فرع آخر قال بعض أصحابنا: يجب على الثيب غسل الباطن [132 أ/ 1] الفرج في غسل الحيض, لأن الدم نجاسة أجنبية يمكن إزالتها, وأما في غسل الجنابة إن قلنا رطوبة الفرج نجسة فلا يجب, لأن الغسل لا يفيد فائدة. وإن قلنا: الرطوبة طاهرة ففيه وجهان: أحدهما: لا يجب لأن الموضع باطن بأصل الخلقة. والثاني: يجب لأن الموضع تغير عما كان وصار ظاهرًا, وعلى هذا يلزمها أن تغسل

القذر الذي يظهر من باطن فرجها إذا قعدت على رجليها, مثل ما تقعد لقضاء الحاجة, وما زاد لا يجب لأنه بقي باطنًا كما كان. فرع آخر هل يجب على السيد أن يشتري الماء للوضوء والغسل من الحيض والجنابة؟ وجهان أحدهما: تجب لزكاة الفطر, والثاني: لا يجب لأن له بدلاً وهو التيمم, وفي الزوجة قيل حكمها حكم المملوك وقيل: لا تلزمه لغسل الحيض والنفاس, لأنه من مؤنة التسليم, أو لا يمكنها التسليم إلا بذلك. والتسليم واجب عليها فيلزمها مؤنته [132 ب/ 1]. مسألة: قال: ولما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل من الحيض قال:"خذي فرصة من مسكٍ. الفصل وهذا كما قال تمام الخبر [أن] امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغسل من الحيض فعلمها ثم قال في الآخر: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر بها فاستحيي منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها وقال: "سبحان الله, تطهري بها". وروى: "ويلك تطهري بها" قالت عائشة: فاجتذبتها وعرفتها الذي أراد فقلت: تتبعي بها أثر الدم. قال الشافعي: هذا زيادة في غسلها من الحيض على الغسل من الجنابة, وهو مستحب لإزالة الرائحة الكريهة, وإنما توصل هذا إلى الموضع الذي يجب عليها إيصال الماء إليه من باطن فرجها ولا يجب ذلك. وروى: "فرصة ممسكة": يريد قطنة ملطخة بالمسك مطيبة بها. وروي: "جدي فرصة فتمسكي بما" يعني تطيبي بها من المسك. والفرصة هي القطعة من كل شيء. وقيل: هو التمسك باليد. وقال أبو عمرو: فرصة أبو عمرو: فرصة من مسك: هي المسك المعجون بالمسك يكون عند نساء المدينة, فإذا كان فيها مسك سميت فرصة بالفاء مكسورة, وإن لم يكن فيها مسك سميت سكيكة. وقال أبو عبيدة: إنما هو فرصة من مسك بالقاف مضمومة [133 أ/ 1] وفتح الميم: أي قطعة من جلد لتنقي آثار الدم والرواية المشهورة ما ذكرنا. فإن كانت رواية أبي عبيدة صحيحة لم يمتنع أن يجمع بين الأمرين, فيكون الجلد لتتبع الدم وإبقاء آثاره, والمقصود من المسك أن به رائحة الدم فتعمل لذة الدفع, وقيل: المقصود أنه يسرع إلى علوق الولد, فإن عدمت المسك فمن قال بالأول قال: يستعمل خلقة في طيب الرائحة, ومن قال بالثاني قال: يستعمل ما يقوم في إسراع العلوق من القسط والأظفار, وهل هو قبل الغسل أو بعده, من

قال بالأول قال بعده, ومن قال بالثاني أمر فبله, ثم قال في"المختصر" قال الشافعي: فإن لم يجد مسكًا وطيبًا أي غيره من الطيب. وقيل: قرئ فطينًا- يعني أن لم يكن مسك ولا غيره من الطيب فيستعمل الطين فإن لم يجد فالماء كاف أي يكفي في التطهير ولا حاجة إلى غيره. قال أصحابنا: ونظيره الصائم يفطر بالتمر استحبابًا, فإن لم يجد فبحلاوة سوى التمر, فإن لم يجد فالماء كافٍ. وقيل: الطين بالنون لا يصح؛ لأن الشافعي بينه في "الأم" فقال: " فإن لم يكن مسك فطيب ما كان إتباعًا للسنة ولم يذكر الطين ولو لم يفعل ما ذكرنا وانغمست في ماء برأ وأتى الماء على شعرها وبشرتها أجزأها. فرع قال في "البويطي": وأكره للجنب أن يغتسل [133 ب/ 1] في البئر معينة كانت أو دائمة, وفي الماء الراكد قليلاً أو كثيرًا والبول فيه, لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" ولو وقف تحت مطر حتى أتى الماء على شعره وبشره أجزأه, وإن كان ذا غضون في رأسه أو جسده فعليه أن يغلغل الماء في غضونه حتى يدخلها. مسألة: قال: "وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما". وهذا كما قال: أراد به أنه لا ترتيب في الغسل بخلاف الوضوء لأنه جملة واحدة بخلاف الوضوء. وقال بعض أصحابنا: إنما يستحق أن يبدأ برأسه. وقال إسحاق: تجب البدأة في الغسل بأعلاه البدن. مسألة: قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء ولا نجاسة فيهما لم يضره". وهذا كما قال أعضاء المحدث والجنب والحائض هي طاهرة, لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة- رضي الله عنها- "أنا وليني الخمرة من المسجد" فقالت: أنا حائض فقال: "ليست حيضتك في يدك". وروى أنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى عليه وسلم وهي حائض. وروي عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جنب فسلم علي

وأراد أن يصافحني فقبضت عنه يدي وذهبت فاغتسلت [134 أ/ 1] ثم أتيته فقلت: يا رسول الله ما منعني من مصافحتك إلا إني كنت جنبًا. فقال: "ليست الجنابة في اليد أما علمت أن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر". وهذا إذا أدخل يده ليعرف حرارة الماء وبرودته, فإن أدخلها فيه بنية الغسل الواجب وأخرج, فإنه يصير الماء مستعملاً لا يصلح الطهور. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن أدخل رجله في ماء قليل نجس الماء, وكذلك في ماء ثان, فإن أدخلهما في ثالث لم ينجس, ولو أدخل يده لم ينجس لأنه يحتاج إلى إدخال يده دون رجله. وحكي هذا عن أبي يوسف وهو الأصح, وهو غلط؛ لأنه لا فرق بين اليد والرجل في حكم النجاسة. فرع لو نجس بدون الجنب كله فاغتسل غسلاً واحدًا طهر من نجاسته, وهل يطهر من جنابته؟ وجهان: أحدهما: طهر لأن الماء لاقاهما في حالة واحدة, وليس ارتفاع أحدهما أولى من الآخر. والثاني: لا يطهر حتى يغتسل ثانيًا لأن ماء الغسل الأول صار بملاقاة النجاسة مستعملاً فيها, وما استعمل في النجاسة لم يرتفع بع حدث الجنابة. فرع لو قلب الجنب الماء على رأسه وظهره نجاسة فأزالها. فإن قلنا: إن الماء المستعمل في الحدث يصلح لإزالة النجاسة نحكم بطهارة المحل, ولكن لابد [134 ب/ 1] من غسل ذلك الموضع كرة أخرى للجنابة في أحد الوجهين؛ لأنهما فرضان مختلفان. وإن قلنا: الماء المستعمل في الحدث لا يصلح لإزالة النجاسة فهل نحكم بطهارة الموضع؟ وجهان: أحدهما: نحكم به لأن الماء قائم على المحل, وإنما يثبت له صفة الاستعمال بعد الانفصال. والثاني: لا نحكم به, لأنا لا نجعل الماء مستعملاً في حكم الجنابة للحاجة, فإنا لو قلنا بخلافه لاحتاج كل جزء من بدنه إلى ماء جديد, وهذه طهارة أخرى, فيكون الماء مستعملاً في حكمها, فعلى هذا لابد وأن يغسل الموضع عن النجاسة ثم يغسلها مرة أخرى عن الجنابة؛ لأن بقاء النجاسة على الموضع يمنع ارتفاع الجنابة عنه بالماء الأول. فرع آخر لو أدخل يده في إناء بنية الغسل من الجنابة ليقلب الماء على رأسه, فالمذهب أن الجنابة ترتفع عن يده ويصير الماء في الإناء مستعملاً, والذي على اليد

باب فضل الجنب وغيره

غير مستعمل, فإن قلب على رأسه لم ترتفع الجنابة؛ لأنه انفصل عن اليد فصار مستعملاً, وفيه وجه آخر أنه لا يصير الماء مستعملاً لأنه لا يقصد بإدخال اليد فيه غسل اليد من طريق العادة, بل يجعل يده آلة لنقل الماء على رأسه فيصير كمن أدخل يمينه في الإناء قاصدًا أن يكون يمينه آلة يقلب الماء بها على رأسه, لا يصير الماء مستعملاً فعلى هذا لا تصير اليد [135 أ/ 1] مغسولة إلا أن بمفردها أو يمر عليها الذي قلب منه على رأسه, وهكذا الحكم في الحدث إذا أدخل يده في الإناء بعد غسل الوجه. باب فضل الجنب وغيره قال: أخبرنا مالك وذكر الخبر. وهذا كما قال: اعلم أن هذا الباب يشتمل على مسألتين: إحداها: جواز التوضئ بفضل وضوء الغير, وهو على ضربين؛ مستعمل, وغير مستعمل فالمستعمل له باب يأتي, وأما ما فضل في الإناء فهو طاهر يجوز التوضئ به, سواء فضل عن الرجل أو عن المرأة, ويجوز لكل واحد منهما أن يتوضأ بفضل صاحبه, ولا فرق بين فضل الوضوء وبين فضل الغسل. وروي عن أحمد أنه قال: "لا يجوز أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت به" وبه قال إسحاق, وعنه رواية أخرى أنه يكره ذلك, وذكر أصحابنا بخراسان عنه أنه قال: يجوز لكل واحد منهما استعمال ما فضل في الحالة التي تستعمله, حتى لو أن جنبيين يغتسلان من إناء واحد جاز. فأما إذا استعملت وبقي البعض لا يجوز للرجل استعماله بعد ذلك, وروى الكراهة عن الحسن, وسعيد بن المسيب, وروى عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: لا يكره فضل وضوءهما إلا أن تكون جنبًا أو حائضًا, فإنها إذا [135 ب/ 1] خلت به قال: لا تقر به. وحكي عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: لا يجوز استعماله بحال, واحتج أحمد بما روى الحكم بن عمرو, أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. وهذا غلط لما روى ابن عباس عن ميمونة قالت: أجنبت فاغتسلت في جفنة, ففضلت فيها فضلة, فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه, فقلت: إني اغتسلت منه, فقال: "الماء ليس عليه جنابة" واغتسل منه. وروي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد. وأراد ما روى أنه كان إذ على ذاك على رأس المنبر حجر محفور مثل المهراس يجعل فيه الماء ويتطهر منه الرجال والنساء قبل نزول آية الحجاب. وروي من الجنابة كان يقول: "ابقي لي وأنا أقول:

أبقي لي" وكان صورة الحال أنه كان بينهما سترة وتصل يد كل واحد منهما إلى الإناء. واحتج الشافعي في أول هذا الباب بحديث أنس بن مالك وتمامة أنه قال أذن بلال يومًا, فرجع رجال إلى دورهم وبقي رجال في المسجد لا يأوون إلى أهل, فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء يعني [136 أ/ 1] إناء فجعلوا يشربون إليه فقال: "ما لهم" فقيل: لا ماء معهم, فوضع يده في الإناء حتى رأيته يثني أصابعه من ضيق الإناء, وقال لهم: "هلموا إلى الوضوء المبارك" فرأيت الماء ينبع من تحت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضأ الناس من عند آخرهم فقيل له: كم كانوا؟ فقالوا: ما بين السبعين إلى ثمانين. ومعلوم أنهم توضئوا واحدًا بعد واحد, فحصل وضوء بعضهم من فضل بعض. وأما الخبر الذي احتج به, قال محمد بن إسماعيل البخاري: هذا الخبر لا يصح وهو موقوف, ومن رفعه فقد أخطأ, ثم يحتمل أنه كان فسخ بخبرنا بدليل أن ميمونة قالت: فقلت: "إني قد اغتسلت منه" وهذا يدل على مقدم النهي, أو يحمل على ما استعملته, وسأل عن أعضائها, ثم ذكر الشافعي الأخبار الدالة على أن بدن الحائض طاهر, فلا يجوز أن يصير الماء الفاضل عنها مهجورًا. والمسألة الثانية: أنه لا حد لأقل ما يجوز التوضئ به والغسل من الماء. وقال في"الأم": أقل ما يكفي فيما أمر بغسله أن يأخذ الماء ثم يجزيه عليه والمستحب أن لا ينقص في غسله عن صاع, وفي وضوئه عن مد, فإن أمكن بدون ذلك جاز فقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالقليل فلا يكفي ويختلف ذلك باختلاف الأبدان".وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع. وروي عن [136 ب/ 1] جابر- رضي الله عنه- أنه سئل عن الغسل فقال: يكفيك صاع. فقال رجل: ما يكفيني, فقال جابر: قد كان يكفي من كان خيرًا منك وأوفر منك شعرًا. وروي البخاري عن عائشة رضي الله عنها- أنها قالت: "كنت اغتسل أنا ورسوله الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال له الفرق". قال الشافعي في "الأم" والفرق ثلاثة آصع [يكون ستة عشر رطلاً، وحكي عن محمد أنه قال: لا يمكن المغتسل أن يعم

باب التيمم

جميع بدنه بما] قل عن صاع, ولا المتوضئ أن يسبغ أعضاء وضوءه بأقل من مد. ويحكى هذا عن أبي حنيفة. وهذا غلط لما روى عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد وقالت أم عمار: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ثلثا مد فتوضأ به. وروى أنه كان يتوضأ بما لا يبل الثري من تحته، وهذا إشارة إلى رفقه واستغلاله. وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بنصف مد. وروى عن عبد الرحمن بن أبي لبيئة سمع سعيد بن المسيب, ورجل من أهل العراق يسأله عما يكفي الإنسان من غسل الجنابة, فقال سعيد: إن لي نورًا يسع مدين من ماء أو نحو ذلك, فأغتسل به فيكفيني مني فضل, فقال الرجل: إني لأستنثر أتمضمض بمدين من الماء, فقال له سعيد: فما تأمرني إن [137 أ/ 1] كان الشيطان يلعب بك؟ فقال الرجل: فكم يكفيني؟ فإني رجل كما ترى عظيم, فقال له سعيد: ثلاثة أمداد. فقال: إن ثلاثة أمداد قليل, فقال له سعيد: فصاع, فقل سعيد: إن لي لركوة وقدحًا ما يسع إلا نصف مد أو نحوه, ثم أبول فأتوضأ منه وأفضل فضلاً, فقال عبد الرحمن: فذكرت هذا الحديث الذي سمعته من سعيد بن المسيب لسليمان بن يسار فقال لي سليمان: وأنا مثل ذلك, فذكرت ذلك لأبي عبيدة بن عمار وياسر فقالوا: هكذا سمعنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعض أصحابنا: صاع الجنابة ثمانية أرطال وثلث, والمد رطل وثلث. باب التيمم قال: قال الله تعالى: {وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] الآية. وهذا كما قال, وجملة ذلك أن التيمم في اللغة: هو القصد فقال: تيممت ثلاثًا: أي قصدته, وكان ابن مسعود- رضي الله عنه- يقرأ فأتوا صعيدًا طيبًا. وقال الشافعي: في "الأم": ولا ينفع اسم الصعيد إلا على تراب ذي غبار. وقال بعض المفسرين: يقع على التراب وعلى وجه الأرض, وعلى الطريق, والأول أشبه؛ لأن أهل التفسير قالوا في قوله تعالى: {فتصبح صعيدًا [137 ب/ 1] زلقًا} [الكهف: 40] أي ترابًا أملس وقوله: {طيبًا} أي طاهرًا, وقال سفيان: أراد حلالاً, والأول أشبه, والأصل في التيمم ما روى عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فافتقدت عقدًا لي من جزع ظفار, فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتبس على ليلته لأطلب عقدي, فاحتبس فأصبح الناس على غير ماء وليس معهم ماء, فأتوا أبا بكر يشكونني فدخل علي ابو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم ورأسه في حجر فقال: يا لكاع حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم

فأوحى إليه فلما سرى عنه الوحي تلا هذه الآية قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43] الآية فخرج يقرأ على الناس: فتيمموا وصلوا. وجعلوا يهنون أبا بكر, ويقولون: ما أعظم بركتكم يا آل أبي بكر ما نزلت بكم نازلة إلا كان للمسلمين فيها فسحة. واعلم أن التيمم في الشرع: هو عبارة عما جعل بدلاً عن الوضوء, والغسل وهو مسح الوجه واليدين بالتراب, وسمي تيممًا لأن القصد فيه إلى التراب شرط، ولا خلاف بين الأمة في جواز التيمم في الجملة, وأنه [138 أ/ 1] يستوي فيه الجنب والمحدث, وأنه على الوجه واليدين وحدهما, إلا أنهم اختلفوا في مقدار ما يلزمه من مسح اليدين, فقال مالك: تمسح اليدين إلى الكوعين. وبه قال ابن مسعود, وابن عباس, وعكرمة, ومكحول, والأوزاعي, وأحمد, وإسحاق, وداود, وابن جرير الطبري. ورواه أصحابنا عن علي- رضي الله عنه- وقالوا: لا يصح عن مالك هذا المذهب. وحكي عن الشافعي أنه قال في "القديم" رواه أبو ثور, وقال أصابنا: منصوصة في:"القديم كله" خلاف هذا, ولا يصح هذا غير الشافعي فالمسألة على قول واحد, وقيل فيه قولان وليس بشيء. وقال الزعفراني: جعله الشافعي في "القديم" موقوفًا على صحة حديث عمار, وهو أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض فتمسح بهما وجهك وكفيك". وقد روى عنه خلافه ويديه إلى المرفقين والزيادة أولى. وقال الزهري: يمسح يديه إلى الإبطين والمنكبين وقال ابن سيرين: يضرب ثلاثة ضربات ضربة لوجهه, وضربة لكفيه, وضربة لذراعيه. وروى عن الأوزاعي, وسعيد بن المسيب, وأحمد، وإسحاق: يضرب ضربة واحدة لوجهه, وكفيه. وعندنا يضرب ضربة لوجهه, وضربة لليدين إلى المرفقين وبه قال عمرو ابن عمر, وجابر, وعلي في رواية- رضي الله عنهم- والحسن [138 ب/ 1] ولبشعبي, والليث, والثوري, وأبو حنيفة, وأصحابه. والدليل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التيمم ضربتان للوجه, وضربة لليدين إلى المرفقين". وروي أنه صلى الله عليه وسلم تيمم فمسح وجهه وذراعيه. ولأنه طهارة عن حدث فيتقدر فرض اليدين فيها إلى المرفقين, كالوضوء, أو عضو له مدخل في التيمم

فيؤتى به على ما يؤتى في الوضوء ظاهرًا كالوجه. وقال الشافعي: ومعقول إذا كان بدًلا من الوضوء على الوجه واليدين, أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه, أي: هو بدل على محل الفرص من الوجه واليدين, بخلاف المسح على الخفين فإنه على سائر المحل, لا على نفس المحل. واحتجوا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم "تيمم فمسح وجهه وكفيه" ولأن مطلق اليد منصرف إلى الكوع, بدليل قوله تعالي: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة:38] وقوله صلى الله عليه وسلم: "في اليدين الدية" فأراد إلى الكوع. قلنا: أراد به اليدين إلى المرفقين, والعرب تسمى الشيء باسم بعضه. وأما القياس فلا يصح لأن ها هنا, تقدم ذكر المرفقين في الوضوء, وأطلق في التيمم, فيحمل المطلق على المقيد, أو بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مقداره هنا وفي السرقة قدر بالكوع, وفي الدية الحكم للأصابع والكف تابع بخلاف هذا, [139 أ/ 1] ثم قياس العبادة على العبادة, والطهارة على الطهارة أولى لأنها أقرب وأحوط. واحتج الزهري بما روى عن عمار بن ياسر أنه لما نزلت آية التيمم ضربوا أيديهم في أرض ومسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب. وهذا لا يصح لأن هذا فعلهم وخبرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم, فكان أولي أو صار ذلك منسوخًا بخبرنا. مسألة: قال: "والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد". الفصل وهذا كما قال. والكلام الآية في الممسوح به وما يجوز به التيمم, واختلف الناس فيه على ستة مذاهب, فقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بالتراب. فأما بغيره من النورة والزرنيخ والكحل والرمل الذي هو دقاق الحجر لا يجوز. وبه قال أحمد, وداود. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض من التراب والكحل والزرنيخ والصعيد وجه الأرض, ولا يجوز بسحالة الذهب والفضة والنحاس. قال: وليس من شرط التيمم أن تعلق باليد شيء حتى لو ضرب يده على صخرة صماء فإنه يجوز, وبه قال مالك, وخالفه في ذلك أبو يوسف, ومحمد, وعندنا لابد وأن تعلق باليد منه غبار, وقال مالك: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما يتصل بها سواء كان من جنسها أو من غير جنسها, حتى أنه يجوز بالذريرة ونحو ذلك, هكذا روى عنه أبو حامد, وروي عنه مثل قول أبي حنيفة [139 أ/ 1] إلا أنه زاد فقال: يجوز بالثلج, وقال الثوري, والأوزاعي: يجوز التيمم بالأرض وبكل ما عليها سواء كان متصلاً بها أو غير متصل كالبلح ونحوه. وقال أبو يوسف: يجوز بالتراب والرمل خاصة. وقال ابن عباس- رضي الله عنه- "لا يجوز إلا بالتراب العذب تراب الحرث" وبه قال إسحاق ابن راهوية وهذا كله غلط لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا " فخص

التراب, ولأنه ليس بأصل خلقة البشر فأشبه سحالة الذهب, والدليل على إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم: "تيمم من أرض المدينة وهي أرض سبخة". واحتجوا بما روي أبو هريرة- رضي الله عنه- أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نكون بأرض الرمل, فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس, ولا نجد أربعة أشهر أو خمسة أشهر, فقال النبي صلى الله عليه وسلم"عليكم بالأرض" قلنا: رواه المثنى من صباح وهو ضعيف ثم يحمله على رمل يخالطه تراب؛ لأن العرب لا يقيمون في أرض لا نبات فيها, والرمل لا ينب إلا ومعه التراب. فإذا تقرر هذا, فقد ذكر الشافعي أنواع التراب التي يجوز التيمم بها. فقال: " من كل أرض سبخها ومدرها وبطحائها" والسبخ أرض ملح لا تنبت. والمدر: هو ما جف من طين التراب طيب منبت, والبطحاء: السهل [140 أ/ 1] من الأرض من مجاري وسيول. وهذا إذا كان هناك تراب تعلق باليد غباره, فإنه لم يكن دق ذلك المكان بشيء حتى يصير ترابًا تعلق باليد غباره. وقال في "الأم": "والبطحاء الغليظة والدقيقة لا يجوز التيمم" بها وأراد به الصلبة التي لا تراب فيها. وأما الدليل: قال في"الأم": "والكثيب الغليظ لا يقع عليه اسم الصعيد فإن تيمم به جاز" فمن أصحابنا من قال في جواز التيمم بالرمل قولان. قال ابن أحمد, ومنهم من قال وهو الصحيح: لا يجوز التيمم به قةلاً واحدًا كما قال في "الأم". وأراد بما قال في "القديم": إذا خالطه تراب ولم يكن دقاق الحجر خالصًا, ويجوز بتراب الحمأة, والحمأة: المتغيرة الرائحة, وهي طين خلق منتنًا, فإذا جفت وسحقت فإنه يصير ترابًا, ولا يجوز بالطين الرطب لعدم غباره. وحكي ابن وهب عن مالك أنه يجوز بناء على أن استعمال التراب في العضو لا يشترط عنده, وربنا يوافقه أبو حنيفة. قال الشافعي في "الأم": ولا يتيمم بالسبخة الثرية وهي الندية بالماء, وهي بالثاء المثلثة, تقول العرب: التقى الثريان إذا التقاء ماء السماء, وماء الأرض. وقال الشيخ أبو حامد في المدرس التربة أو الندية, وهو مصحف وهذا لأنها كالطين لا غبار لها, فإن لم يجد غيره استجفه على بعض أداته وجسده, فإذا جف حثه ثم تيمم به, فإن خاف فوت الوقت. قال الشافعي: صلى, ثم [140 ب/ 1] إذا جف الطين تيمم وأعاد الصلاة, ولا يعتد بصلاة صلاها بلا وضوء ولا تيمم وروى عكرمة, عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه سئل عن رجل في طين لا يستطيع أن يخرج منه فقال: يأخذ من الطين فيطلى به بعض جسده فإذا جف تيمم به.

فرع قال في "الأم": وإذا أحال التراب لصنعه فقلبه عن أن يقع عليه اسم صعيد فتيمم به لم يجز, مثل الفضة يريد بها النورة, أو يجعل أجرًا أو فخارًا فيدق ونحو هذا, ولو خرط المرمر حتى يكون غبارًا لم يجز التيمم به, وكذلك القوارير تسحق واللؤلؤ وغيره, والمسك والكافور كذلك, فإن دق الكذان فتيمم به لم يجز, وهو حجر رجو يصير بالدق كالتراب. فرع آخر الجص إن كان محرقًا لم يجز التيمم بترابه؛ لأن النار غيرته, وإن لم يكن محرقًا فإنه يجوز, وكذلك الاسفيداج إذا كان له غبار, إلا أن يكون معدنًا في الأرض وليس منها, فلا يجوز, ولا يجوز بالرخام والملح بحال ذكره في "الحاوي". فرع آخر الطين الأرمني الصلب الذي يؤكل للدواء يتيمم بترابه جاز. قال بعض أصحابنا: أراد به إذا لم يطبخ, فإن كان مطبوخًا لا يجوز, وكذلك الطين الذي يحمل من خراسان ويؤكل تسفهًا إن لم يكن مطبوخًا يجوز التيمم بترابه, وإن كان مطبوخًا, قال بعض أصحابنا: لا يجوز التيمم [141 أ/ 1] بترابه؛ لأنه دخلته الصنعة فهو كالأجر. وقال المحققون من أصحابنا: يجوز التيمم بترابه وإن كان مطبوخًا, لأن اسم الطين والتراب لم يزل عنه, وهذا هو الصحيح. وقطع القاضي الطبري به, ويجوز التيمم من الأرض الأحمر, والأسود والأصفر, والأبيض. فرع آخر لو ضرب يده على بعض ثيابه فعلق منه غبار جاز تيممه, ولا فرق بين الأرض والثوب في ذلك. وقال أبو يوسف: لا يجوز. وحكى هذا عن مالك, وهو وجه بعض أصحابنا. وهذا غلط لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بيده على حائط من حيطان المدينة وتيمم. فدل أنه لا يشترط ضربه على الأرض, ولأن المقصود: هو التراب الذي تعلق بيده, وقد حصل. فرع آخر لو وضع وجهه على التراب ومعكه فيه ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز, لأنه مأمور بالمسح. والمسح يكون باليد. والثاني: يجوز, لأن القصد وجد والآلة لا يعتبر, وهذا أصح عندي ونص عليه فيه الآية.

فرع آخر لو أخذ الغبار من مهب الريح ومسح به وجهه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن القصد وجد, والتعبد في الأخذ والاستعمال لا في المحل الذي يؤخذ منه التراب. والثاني: لا يجوز لأنه لو جاز بالتراب الذي يأخذه من الهواء لكان إذا وصل إليه بالوقوف مع النية من مهب الريح يكفي, والأول أصح عندي. فرع لو ضرب بيده على ظهر حيوان [141 ب/ 1] فإن كان طاهر العين يجوز, وإن كان كلبَا فإن علم أنه أصابه وهو يابس يجوز, وإن كان علم أنه كان رطبًا لا يجوز, وإن لم يعلم الحال, وفيه وجهان: أحدهما: يجوز, لأن الأصل طهارة التراب. والثاني: لا يجوز, لأن الظاهر إن ما صحبه نجس, والأول أصح عندي. فرع آخر لو ضرب على بشرة امرأة، فإن كان التراب كثيرًا يمنع وصول يده إلى بشرتها جاز, وإن كان قليلاً فأخذ التراب لوجهه صح, ثم أخذ التراب ليديه بطل مسح الوجه؛ لأن لمسها حدث, وإن حصل في الأول اصطكاك البشرتين لا يجوز التيمم أصلاً؛ لأن الحدث طرئ بعد القصد إلى التراب فلا يصح التيمم به. فرع لا يجوز التيمم بتراب نجس, ولا فرق بين أن يكون النجس كثيرًا والتراب يسيرًا, أو النجس يسيرًا والتراب كثيرًا, وليس كالماء الكثير, لأن للماء قوة في دفع النجاسة. وحكي عن داود أنه قال: إن غير رائحة الماء لم يجز, وإن لم يغير جاز, واعتبره بالماء وهذا غلط لقوله تعالى: {فتيمموا صعيدًا طيبًا} [النساء: 43] ولم يرد به ما يستطاب لأنه لا يستطاب, فثبت أنه أراد الطاهر الحلال. فرع آخر قال في "الأم": "ولا يتيمم بتراب المقابر لاختلاطه بصديد الموتى ولحومهم" وجملة هذا أن المقبرة, إن كانت منبوشة قد يكرر نبشها فلا يجوز التيمم بترابها لما ذكر من العلة, وإن لم [142 أ/ 1] يكن تكرر نبشها فإنه يجوز التيمم بترابها, إن شك فيها ففيه وجهان بناء على القولين في الصلاة فيها إذا كانت مشكوكًا فيها: أحدها: لا يجوز لأن الظاهر نبشها, والثاني: يجوز, لأن الأصل الطهارة.

فرع آخر قال في "الأم": لو أصابته نجاسة ذائبة فطهارته بأن يصب عليه الماء حتى يغمره وظاهر هذا أنه لا يطهر بالشمس ومرور الزمان, وقد ذكرنا فيما تقدم قوًلا آخر, فمن أصحابنا من قال فيه قولان, ومنهم من قال: إنه لا يطهر قولاً واحدًا, وتأويل ما قال في "الإملاء" أنه إذا مضت السنون وجاءت الأمطار عليها, وهذا لأن قوله لا يختلف في النار أنها لا تطهر, فكيف الشمس وهذا التأويل لا يساعد لفظ الإملاء. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: فتطهر فيصلي عليها ولا يتيمم بترابها وهذه مناقضة. فرع لو اختلط بالتراب دقيق أو رماد أو غير ذلك من الطاهرات, فإن كان كثيرًا غلب على التراب وغير لونه أو طعمه أو ريحه فلا يجوز التيمم به, وإن كان مغلوبًا ولم تغير من التراب شيئًا. قال عامة أصحابنا: لا يجوز التيمم به, وهو ظاهر نصه. وقال أبو إسحاق: يجوز التيمم به كالماء إذا خالطه طاهر ولم يغيره, وهذا لا يصح, والفرق أن الدقيق إذا أصاب موضعًا يمنع وصول التراب إليه, والمانع غير الماء إذا أصاب موضعًا لا يمنع [142 ب/ 1] وصول الماء إليه فافترقا, ولهذا لا ينجس الماء الكثير بوقوع النجاسة فيه بخلاف التراب. فرع آخر لو اختلط التراب بماء الورد فتغيرت رائحته به ثم جف يجوز التيمم به, لأن بالجفاف عدم ماء الورد ونفي رائحة المجاورة. ذكره القاضي الطبري وهو على ما قاله صحيح. فرع آخر التيمم بتراب مستعمل, هل يجوز, قال أصحابنا: ينظر فيه, فإن تيمم من بقعة واحدة هو وغيره يجوز بلا إشكال, لأن ما أبقى لم يزل يتيمم به فهو كبقية الماء في الإناء. وأما ما يسقط فهو من أعضاؤه ويتناثر منه, فالمنصوص في "الأم" أنه مستعمل وهو اختيار القفال وجماعة. وقال بعض أصحابنا: هذا غير مستعمل فيجوز التيمم به, لأن المستعمل هو الباقي على العضو. وأما الساقط فإنه لم يلاق العضو, وإنما لاقى ما لاقى العضو, وقيل: فيه وجهان ولا معنى له مع النص الذي ذكرنا, ولفظه في "الأم", وإن علق بيديه شيء كثير فمسح به وجهه لم يجز أن يأخذ ما على وجهه فيمسح به ذراعيه. وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز استعمال المستعمل من التراب؛ لأنه لا يرفع الحدث. بخلاف الماء. وهذا غلط, لأنه ارتفع به المنع من الصلاة, فأدى به فرض الطهارة, فلا يجوز أداء الفرض به ثانيًا.

فرع آخر قال في "الأم": "ولو أخذ التراب من رأسه أو غير ذلك من بدنه فأمره على وجهه جاز؛ لأنه غير [143 أ/ 1] مستعمل كما لو أخذ من ثوبه. مسألة: قال: " وينوي بالتيمم الفريضة". وهذا كما قال النية هي شرط صحة التيمم, وينوي استباحة الصلاة على ذكرنا, ثم إن نوى استباحة النوافل يصلي ما شاء منهما بخلاف الفرائض؛ لأن الفرائض محصورة, فالأمر بالتيمم لكل واحدة منها لا يؤدي إلى المشقة, والنوافل غير محصورة بالأمر التيمم لكل واحدة منها يؤدي إلى المشقة, وإلى أن يترك الناس النوافل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه لا يصح التيمم لاستباحة النفل أصلاً؛ لأنه لا ضرورة إليه, وقال الشافعي: "وينوي بالتيمم الفريضة" ومعناه فريضة الصلاة, وهذا هو نظير المغصوب إذا استأجر رجلاً لحجة التطوع, هل يجوز؟ فيه قولان, ولا يجوز له أداء شيء من الفرائص به؛ لأن النوافل لا تستبيح الفريضة قولاً واحدًا. وقال أصحابنا بخراسان: فيه قولان أحدهما: هذا, والثاني: نص عليه في الإملاء يجوز له أداء الفريضة به, ذكره أبو يعقوب الأبيوردي, ولم يذكر أصحابنا بالعراق هذا النص أصلاً. فرع لو نوى به أداء صلاة فريضة وعينها يجوز له أن يؤديها, وما شاء من النوافل، وفيه وجه أنه لا يجوز أداء النوافل بها وليس بشيء. فرع آخر هل له أن ينتفل قبل أداء الفريضة. قال في " الأم" له ذلك وقال في "البويطي" [143 ب/ 1]: لا يتنفل قبلها ويتنفل بعدها, وبه قال مالك وأحمد, لأن التابع لا يسبق المتبوع, كالعصر لا تسبق الظهر عند الجميع في وقت الظهر, وهذا غلط, لأنها تتبعها في الاستبحة لا في الفعل, ولو كانت تتبع في الفعل لوجب أن يكون عقيب الفريضة خاصة, ولأن ركعتي الفجر تسبق صلاة الصبح وهي تابعة؛ فانتفض ما قاله: ولو نوى به أداء الفريضة والنافلة يجوز له أن يتنفل قبل الفريضة وبعدها قولاً واحدًا. فرع آخر لو نوى به رفع الحدث أو الطهارة عن الحدث فيه وجهان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه يرفع الحدث وهو الأظهر. والثاني: يصح, لأن نية رفع الحدث تتضمن استباحة والتيمم مبيح الصلاة, وإن لم يرفع الحدث.

وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: التيمم يرفع الحدث كالوضوء فتجوز هذه النية. فرع آخر لو نوى به استباحة الصلاة مطلقًا فإنه يستبيح النوافل، ويستبيح به أيضًا المصحف، وقراءة القرآن، ووطء الحائض؛ لأن النافلة هي أكد من كلها. وبه قال مالك، وأحمد، ومن أصحابنا من قال هذا إذا قلنا يصح التيمم لصلاة النفل، فإن قلنا لا يصح التيمم لها، فيه وجهان بناء على ما لو نذر أن يصلي كم يلزمه من الصلاة؟ فيه قولان: أحدها: يلزمه ركعتان لأنه أقل من الفرض. والثاني: [144 أ/ 1] يلزمه ركعة، لأنه أقل ما يتقرب به، فإن حملنا على ركعتين يصح تيممه، وإن حملنا على ركعة لا يصح تيممه، لأنا حملناه على التطوع وذلك لا يصح ههنا، ولو نوى مس المصحف، أو نوى به الجنب قراءة القرآن يصلي به فرضًا، لأنه لم يقصره، وهل يجوز له أن يصلي به النفل؟ فيه وجهان: أحدها: يجزيه، لأن النفل لا يفتقر إلى تعيين النية له. الثاني: لا يجزيه، لأن نفل الصلاة هو أوكد بما يتيمم له، فلا يستبحه بالتيمم لما هو أخف منه ويستبيح به ما نوى. ومن أصحابنا من قال: التيمم لمس المصحف وحمله يجوز إن كان محتاجًا إليه، فإن لم يكن معه في السفر من يحمله، وإن لم يكن محتاجًا إليه، هل يجوز؟ فيه وجهان والمشهور جوازه. وعند أبي حنيفة: إذا تيمم بنية الصلاة مطلقًا أو مس المصحف يجوز له أن يصلي به الفرض أيضًا، وهو قول مخرج لنا. فرع آخر لو نوى به أداء صلاة فريضة ولم يعينها، نص الشافعي أنه يجوز، لأنه قال: "وينوي بالتيمم الفريضة "ولم يشترط التعيين. وقال في "البويطي ": لو تيمم ونوى لمكتوبتين لم تجز إلا الصلاة واحدة، فلو كان التعيين شرطًا لم يجزه لواحدة منهما لأنها لا تتعين. وقال في "الأم " [144 ب/ 1]: لو تيمم لصلاتي فرضي وصلاهما صحت الأولى دون الثانية. ومن أصحابنا من قال: يلزمه التعيين وهو اختيار أبي إسحاق؛ لأنه لما وجب نية الفرض وجب التعيين كالصلاة، وهذا غلط لأن الأحداث الموجبة للطهارة لا تحتاج إلى تعيينها، لأن الجنب لو نسى الجنابة فتيمم للحدث يجوز، فلم يفتقر إلى تعيين المستباح أيضًا، ويخالف الصلاة لأنها تحتاج إلى تعيين الفرض من النزر، فاحتاجت إلى تعيين الفعل، فعلى هذا إذا نوى صلاة. بعينها له أن يصلي غيرها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تيمم لمكتوبتين لا يجوز التيمم أصلًا لشيء منها وجهًا واحدًا، وهو خلاف النص الذي ذكرنا وليس بشيء. فرع آخر لو نوى تيممه تيممًا فرضًا هل يصح تيممه؟ قال القفال: فيه وجهان:

أحدهما: يجوز لظاهر قوله: وينوي بالتيمم الفريضة. والثاني: لا يجوز وتأويل اللفظ: وينوي بالتيمم الصلاة المفروضة. وقيل: لم يقل الشافعي ذه اللفظة، وإنما قالها المزني. فإذا قلنا: يجوز فكأنه لم يزد على استباحة أقل الأمرين، وهو النفل، وهل يصلي به الفرض على ما ذكرنا. فرع آخر قال ابن الحداد: لو تيمم للفائتة فلم يصلها حتى دخل وقت الفريضة له أن يصلي صلاة الوقت به، وهذا إذا قلنا: لا يجب تعيين النية. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى [145 أ/ 1] التيمم للفريضة قبل دخول وقتها، وعندنا لا يجوز ذلك، ويمكن أن يجاب، فإنه تيمم للفريضة قبل دخول وقتها فقد تيمم وهو مستغن عن التيمم لها فلا يجوز، وههنا كان محتاجًا إلى التيمم للفريضة الفائتة، فجاز أداء فريضة أخرى به. فرع آخر قال ابن الحداد: ولو تيمم لصلاة الفريضة بعد دخول وقتها ثم تذكرنا فائتة، فأراد أن يؤديها به فإنه يجوز أيضًا. قال القفال: هذا صحيح والصحيح في الفرع الذي تقدمه ما قال ابن الحداد أيضًا، ولا معنى للوجه الآخر، ولا يصح الفرق بين المسألتين؛ لأن الفائتة قبل التذكر كصلاة الوقت قبل دخول الوقت، بدليل أنه لا يجوز التيمم للفائتة قبل التذكر، كما لا يجوز التيمم مثل دخول الوقت لصلاة الوقت، فكما جاز أداء الفائتة إذا تذكرها بتيمم نوى به فريضة الوقت، جاز أداء صلاة الوقت بتيمم نوى به صلاة الفائتة قبل وقت الحاضرة ولا فرق. فرع آخر لو تيمم للفريضة بعد دخول وقتها ثم نذر الصلاة ففي جواز أدائها بذلك التيمم بدلًا من المنوية وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه سبق وقت النذر. والثاني: يجوز وأصله ما ذكر أصحابنا فيمن تيمم لصلاة الفائتة فقبل أن يصليها دخل وقت الحاضرة، هل له أداؤها بذلك التيمم؟ وجهان. فرع آخر لو ضرب يده على التراب ليمسح به [145 ب/ 1] وجهه، فقبل أن يصلي إلى وجهه أحدث، ثم مسح وجهه بذلك التراب لا يصح، لأن القصد إلى التراب هو كالنية، فلا يجوز أن يتقدمه بخلاف ما لو أخذها من الماء ليغسل به وجهه، ثم أحدث، ثم غسل به وجهه جاز، لأن القصد إلى الماء لا يجب، ذكره الإمام الحسين رحمه الله. فرع آخر لو كانت يده ملطخة بالدم وجف ذلك على يده، فضرب يده على التراب ومسح به

وجهه جاز، لأن التراب (طاهر) لم يخلطه بنجاسة. فرع آخر نية الجنب، والمحدث، والحائض، والنفساء في التيمم سواء، ولو تيمم قبل البلوغ ينوي به صلاة الفريضة، ثم بلغ هل يصلي به الفريضة؟ قال أهل العراق: لا يجوز له أن يصلي به الفريضة؛ لأنه غير ملتزم الفرض قبل بلوغه، وقال القفال: فيه وجهان. مسألة: قال: "وَالتَّيمُّم أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ ". الفصل وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية التيمم، وفيه فصلان: أحدهما: في الجائز. والثاني: في الأفضل. فأما الجائز فهو أن يمر التراب على موضع الغسل من وجهه ويديه إلى المرفقين إلا البشرة التي هي تحت الشعر، فإنه لا يجب إمرار التراب عليها، ويجزيه إمرار التراب على ذلك الشعر بخلاف الوضوء، لأن ذلك يشق، والمامور في المسح لا الغسل، ولا فرق في بين الضربة والضربتين والثلاث، ولا بين أن يضرب [146 أ/ 1] بإحدى يديه أو بإحدى رجليه مثلًا، أو بغير ذلك من بدنه أو يدني وجهه من الأرض، لأن الواجب هو إيصال الطهور إلى مواضعه نص عليه في "الأم ". قال أصحابنا: وعلى هذا لو أخذ التراب بخشبة وأمرها على العضوين يجوز ولو يممه غيره نص في "الأم "أنه يجوز. وقال ابن أبي أحمد في. "التخليص": لا يجوز تحريجًا، وهذا غلط لأنه يجوز أن يوضئه غيره فكذلك التيمم. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان وهو غلط، ولو كان أقطع اليدين فلم يجد من ييممه، فإن قدر على أن يلوث خديه بالتراب، أو يأخذ برجله ويمسح به وجهه فعل وأجزأه، فإن لم يقدر عليه لوث منه ما قدر وصلى، وأعاد متى قدر على وضوء أو تيمم؛ لأنه عذر نادر. وأما لأفضل فالمستحب بعد النية والتسمية أن يضرب ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين، ويستحب أن لا يزيد على ضربتين، ووصف الشافعي كيف يمكن مسح الوجه واليدين بضربتين في "الأم "وفيما نقله المزني، فالذي قال في "الأم "هو أن يضرب ضربة ويمسح بها وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى ويضع ظهر كفه اليمنى في بطن كفه اليسرى فيمرها على ظهور أصابع يده اليمنى والإبهام معرض، فإذا انتهى إلى الكوع قبض بأصابعه وبطن كفه على ظهر الذراع، وبإبهامه على بطن الذراع فيمرها على هيئتها على أن يدخل المرفق في المسح، فإن [146 ب/ 1] بقي شيء من يده لم يمر عليه لغلظ ساعد أو غير ذلك أمر يده عليه قبل أن ينفصل إحدى اليدين عن

الأخرى، ليكون استعماله واحدًا، ثم يصنع بالأخرى مثل ما صنع باليمنى ويجزيه، والذي نقله المزني وهو الصحيح أن يضرب على التراب ضربة للوجه، ثم يضرب ضربة ويمسح ذراعه اليمنى واليسرى، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى وأصابعها، وإنا قال: يضع كفه اليسرى ولم يقل يضع كفه اليمنى؛ لأن اليسرى هي العاملة في اليمنى، وأصحابنا يقولون: يضع ظهور أصابعه اليمنى على بطون أصابعه اليسرى والإبهام، وهو مراد الشافعي، وإنما يضع بطون أصابع كفه اليسرى على ظهور أصابع كفه اليمنى، لأنه يحتاج إلى التراب الذي على باطن راحته اليسرى لبطن ذراعه اليمنى، ثم يمرها على ظهر ذراعه اليمنى إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى باطن الذراع، ثم يقبل بها إلى كوعه وبطن غبهامه اليسرى بحاله، ثم يمره على شيء فيمره على ظاهر إبهامه، فإن بقي موضع لم يمر التراب عليه أمر يده عليه قبل أن يفصل عن يده اليمنى، فإذا فعل ذلك فقط سقط فرض يده اليمنى وفرض بطن كفه اليسرى، ثم يصنع بيده اليسرى ما صنعه باليمنى ويسمح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل أصابعهما حتى إن بقي موضع لم يصل إليه التراب أو وصل [147 أ/ 1] إليه. الكوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الإبهام. والكرسوع: هو العظم الناتئ الذي يلي الجانب الآخر الذي فيه الخنصر. ومن أصحابنا من قال: يبدأ في التيمم بأسفل وجهه ثم يستعلى لأن الماء في الوضوء إذا استعلى به تحدر بطبعه، فعم جميع وجهه، والتراب لا يجري على الوجه إلا بإمراره باليد، فيبدأ بأسفل وجهه ليقل ما يحصل في أعلاه من الغبار ليكون أحمد وأسلم لعينه، وعامة الأصحاب لم يفرقوا هكذا، وإنما لم يؤمر بمسح الرأس والرجلين فيه؛ لأن في مسح الرأس بالتراب مضاهاة لأرباب المصائب، والرجلان لا تخلوا التراب منما في السفر غالبًا. فرع مسح إحدى الراحتين بالأخرى هل يجب أو يستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يستحب ولا يجب؛ لأنه حين ضرب يديه على الأرض في المرة الثانية وصل الطهور إلى محله بقصده، والنية موجودة، والوقت وقت أداء فرضه لفراغه عما قبله، فلا وجه لأن لا يسقط فرضه، إلا أنا أبحنا أن نمسح بذلك التراب ذراعه الأخرى للحاجة، ولم يجعله مستعملًا أو لا يمكنه أن يمسح الذراع من يد بكف اليد بخلاف الماء، فإنه يمكنه أن يقلب من كفه على ذراع تلك اليد، فقلنا: لا يجوز أن يستعمل ما رفع الحدث عن كفه في اليد الأخرى، ومنهم من قال: يجب لأنه حين ضرب يده [147 ب/ 1] على الأرض لم يؤد به فرض الكف، إذ لو أدى لصار التراب مستعملًا، فلا يصلح لاستعماله في يده الأخرى، لأنه لابد من انفصال الغبار عن اليد، والطهور إذا وصل إلى العضو وسقط به الفرض والفضل كان مستعملًا لا محالة، فحكمنا ببقاء فرض الكف حتى لا يكون التراب مستعملًا حين يمسح به ذراعه، وبمسح الذارع لا يسقط الفرض في الكف؛ لأنه آلة في العمل فيمسح إحدى الراحتين في الأخرى بعد الفراغ

من مسح (الذراعين) ببقية الغبرة الباقية عليها وسقط الفرض. وعلل القفال مهنا فقال: يجب لأنه مسح بهما غيرهما. فأما مسحهما فإنه لم يقصده، فالآن يمسح كل واحد منهما بصاحبه ليحصل القصد، وقيل في تعليله: الماء الحار بطبعه فيصل إذا جرى إلى جميع العضو، والتراب جامد لا يكاد يصل إلى تكاسير العضو إلا بإمراره، والأول أصح، وعلى هذا إذا وصل التراب إلى ما بين الأصابع هل يستحب التخليل أو يجب على هذين الوجهين. فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا وضع يده على الأرض سقط عنهما بذلك الفرض، فصار ما في يديه من التراب مستعملًا، فكيف بمسح بإحداهما الأخرى وعندكم نقل الماء من إحدى اليدين إلى الأخرة لا يجوز؟ قلنا: كما ذكرنا من الضرورة فصار النقل ها هنا من إحدى اليدين إلى الأخرى بمنزلة [148 أ/ 1] نقل الماء في العضو الواحد من بعضه إلى بعض، أو يقول عندنا: إن اليدان تجريان مجرى العضو الواحد، وإنما لم يجز نقل الماء في الوضوء لأجل انفصاله، وها هنا لا يوجد الإنفصال، والعلة الأولى هي أصح. فرع آخر قال في "الأم ": وإذا كان التراب دفعًا فعلق بيده شيء كثير فلا بأس أن ينفض يده. قال أصحابنا: والأصل في ذلك ما روى أسلع- رضي الله عنه- قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا جنب، فنزلت آية التيمم فقال: "يكفيك هذا "فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه، ثم أمر على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما. فرع آخر لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والعذارين والشارب ومن أصحابنا من قال: يجب ذلك، وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على ضربة للوجه، وبذلك لا يمكن إيصال التراب إلى باطن هذه الشعور. فرع آخر قال الشافعي ها هنا: يضرب يديه على الأرض. وقال في موضع آخر: يضع يده، وليست المسألة على قولين، فالذي قال: يضرب إذا كان التراب خشنا لا يعلق باليد بالوضع، والذي قال: يضع وإذا علق التراب به. فرع آخر لو وقف في مهب الريح وأحضر النية وعمد الريح فسفت عليه [148 ب/ 1] التراب.

اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز تيممه لأن الشافعي قال في "الأم ": ولو سفت الريح عليه ترابًا فعمه فأمرها على وجهه لم يجزه لأنه لم يأخذه لوجهه، وإن أخذ من رأسه فمسح به وجهه جاز لأنه أخذ التراب لوجهه. وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك إذا أمر يده على وجهه. قاله القاضي أبو حامد وما ذكر الشافعي إذ لم يقصد الريح ولم ينو فحصل للتراب عليه ثم أمر يده، فأما إذا قصد الوقوف أو نوى وأمر يده فقد حصل المقصود فيجوز، وعامة الأصحاب على أنه لا يجوز، وهو اختيار صاحب الإفصاح، وابن أبي أحمد، وحملوا كلام الشافعي على ظاهره، ولو لم تمر يده عليه ولكنه نوى وتحقق أنه عمه، ظاهر المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدها: يجوز وهو اختيار الإمام الحليمي، والقاضي الطبري؛ لأنه أوصل غيره الراب إلى وجهه مع حضور نيته، فجاز كما لو يممه غيره، وكما نقول في الضوء: إذا وقف تحت المطر حتى جرى الماء على أعضائه يجوز، وهذا هو الصحيح عندي. ورأيت بعض أصحابنا حكى هذا عن الشافعي أنه قال في "القديم ": ومن قال بالقول علل بأنه يتقرر إيصال التراب إلى تمامه من غير مسح بخلاف الماء؛ لأنه يجري. وعلل أيضًا بأنه إذا لم تمر اليد لا يسمى مسحًا، والأمر ورد بالمسح، وهذا [149 أ/ 1] لا يصح؛ لأن جوابنا هذا إذا تيقن وصول التراب إلى كل محل الفرص، وقد يعلم الإنسان من نفسه ضرورة واسم المسح لا يراعى، ألا ترى أن الله تعالى قال: {وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] ولو قطر عليه من المطر يجوز، ولم يوجد اسم المسح فدل على أن المعتبر وصول الطهور إلى محل الفرض، وقد وجد ذلك فيجوز. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو أخذ التراب من الوجه ثم أعاده إلى الوجه ومسحه به مع النية وجهان، وكذلك لو نقل التراب من يده إلى وجهه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه نقل من محل الفرض. والثاني: يجوز لأنه حصل القصد والنية، وهذا أصح. والوجه الأول ليس بشيء. فإذا تقرر، هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا التدقيق والترتيب الذي ذكره المزني عن الشافعي في وصف التيمم لا يجب ولا يبين، فإنه لو أخذ بكفه ترابًا فمسح يده به أو بعضها، ثم أخذ كفًا آخر فمسح الباقي جاز، ولكن ذكره جوابًا لما قال مالك أنه ورد الخبر ضربة للوجه وضربة لليدين، وبالضربة الواحدة لا يمكن المسح إلى المرفقين، فدل أنه لليدين إلى الكوعين، فأراد الشافعي أن يبين كيف يمكنه بضربة واحدة مسح اليدين إلى المرفقين. وقال أيضًا: إنما أمر يوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى ولم يأمر بوضع كفه اليمنى على بطن كفه اليسرى [149 ب/ 1]؛ لأنه يحتاج في التيمم إلى نقل التراب إلى المحل الممسوح، ولا يجوز

على ظاهر المذهب نقل الموضع الممسوح إلى التراب، بخلاف الوضوء فإنه يجري فيه كل واحد منهما؛ لأنه لم يؤمر فيه مع النية بالقصد بخلاف التيمم، والقصد نقل التراب إلى المحل الممسوح، وهذا خلاف ما ذكرنا في النص، وهو غير صحيح؛ لأن القصد يوجد في كلا الموضعين من غير إشكال فلا يتعين بهذا الفرق. وقد بينا لماذا أمر بوضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمنى. وقال القفال: نقل المزني في الضربة الأولى: ويفرق أصابعه وصوبه على ذلك جميع أصحابنا، وعندي أنه غلط في النقل، ولم يذكر الشافعي ذلك في المرة الأولى بل ذكره في المرة الثانية؛ لأنه بها يخلل بين أصابعه ولا يحتاج إليه في الضربة الأولى. قال: ولو فرقه في الضربة الأولى لم يجز تيممه؛ لأن الغبار الأول تعلق بما بين الأصابع، ويمنع وصول الثاني إلى ما بين الأصابع في المرة الثانية، فإذا خلل أصابعه يصير ما بينهما ممسوحًا بغبار أخذه في الضربة الأولى، ومن شرط الغبار الذي تمسح به اليد أن يقصد أخذه بعد الفراغ من مسح الوجه. وقال غيره من أصحابنا: لو فرق أصابعه في الضربة الأولى لم يضره؛ لأنه إذا مسح وجهه بالضربة الأولى تبقى بين أصابعه تراب غير مستعمل، فإذا مسح [150 أ/ 1] به جاز، وهذا هو القياس. وقيل: فيه وجهان، ولا يجوز هذا الإطلاق عندي. مسألة: قال: "وَإنْ أَبْقَى شَيْئََا مَمَّاَ كَانَّ يَمُرُّ عَلَيهِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى ضَلَّى أعاد ". وهذا كما قال: إذا تيمم وصلى، ثم علم أنه ترك موضعًا من ظاهر وجهه أو يديه لم يمر عليه التراب، فصلاته باطلة قليلًا كان أو كثيرًا، فإن كان المتروك من الوجه، فإن مسح اليدين لا يعتد به، فإن كان الوقت قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك من الوجه ومسح اليدين وأعاد الصلاة، وإن تطاول هل يستأنف التيمم أو يبنى؟ على ما ذكرنا من القولين، وإن كان من اليدين فإن كان قريبًا أمر التراب على الموضع المتروك وإن تطاول فعلى ما ذكرنا. وهذا لأن الترتيب فيه شرط، ولو بدأ فمسح يديه، ثم مسح وجهه لم يجز مسح اليدين، ومسح الوجه يجوز إن لم يكن عرفت نيته عند مسح الوجه. وروى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة أنه قال: إذا مسح أكثر الوجه لأنه يشق استيعاب الوجه بضربة واحدةن وربما يقولون: إن كان قدر الربع جاز، وربما يقدرون بقدر درهم، وهذا غلط؛ لأن أكثر اوضوء لا يقوم مقام الكل كما في الوضوء، وإن قدم يسرى يديه على اليمنى أجزأه كما ذكرنا في الوضوء، وإن كان أقطع اليدين ففيه المسائل التي ذكرناها في الوضوء. ويستحب أن يمر [150 ب/ 1] التراب على المنكبين إذا كان أقطع من المنكبيين، وعلى العضدين إذا كان أقطع من فوق المرفقين كما قلنا في الوضوء.

فرع تجديد التيمم لا يستحب ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: أن يتيمم ويصلي فريضة ولم يبرح عن موضعه وقلنا: لا يجب الطلب في التيمم الثاني، فأراد أن يحدد كصلاة النقل فلا يستحب؛ لأن في تشويه للخلقة. فأما إذا قلنا: إن الطلب واجب للتيمم الثاني بطل تيممه الأول، ثم أراد تجديد التيمم لصلاة النقل لا يستحب ذلك. فرع آخر تطويل الغرة فيه والتحجيل لم يرد به الخبر. وقد قال أصحابنا: يستحب فيه تطويل التحجيل لأن عند الزهري يجب مسح اليد إلى الإبط فيخرج به عن الخلاف. مسألة: قال: "فَلَوْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ فَتَيَّمَم للْحَدَثِ أَجْزَأَهُ". وهذا كما قال: يجوز للجنب إذا عدم الماء أن يتيمم. وبه قال جماعة من الصحابة والفقهاء، وقال عمر، وابن مسعود- رضي الله عنهما-: لا يجوز التيمم وتؤخر الصلاة حتى يغتسل ويقضي. وبه قال النخعي. وقد روى رجوعهما عنه، وهو الصحيح، والدليل على هذا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ". وروى عن عمار- رضي الله عنه- أنه قال: أجنبت أنا وعمر بن الخطابن فتمعكت [151 أ/ 1] أنا في التراب وصليت، وعمر- رضي الله عنه- لم يصل، فرجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما يكفيك هكذا" وعلم التيمم ولو كان جنبًا من الجماع، فظاهر المذهب أن ذكره نجس ويلزمه أن يغسل ذكره بالماء، فإن لم يكن معه هذا القدر من الماء تيمم وصلى وأعاد الصلاة. وقد قال الشافعي في "الأم "والرجل المسافر الذي لا ماء معه والمعزب في الإبل أن يجامع أهله ويجزيه التيمم إذا غسل ما أصاب ذكره، وغسلت المرأة ما أصاب فرجها، وهذا نص فيما ذكرنا. والمعزب: هو المنفرد برعيها. ومن أصحابنا من قال: ذكره طاهر ورطوبة فرج المرأة طاهرة. وذكر في الحاوي أن الشافعي قال في بعض كتبه: أنها طاهرة كالمنى ورأيت بعض أصحابنا احتج على طهارتها لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة " ومنيه كان من الجماع في الغالب؛ لأنه لا يجوز عليه الاحتلام وهذا حسن، والمشهور ما تقدم. ومن أصحابنا من قال: "إن الرطوبة وإن كانت طاهرة كالعادة أن يخرج منه المذي أو

لا إذا ابتدأ بالوطئ فتنجس به وهذا عندي ضعيف. فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة فنقول: إنه [151 ب/ 1] إذا نسي الجنابة وتيمم للفريضة معتقدًا أنه محدث ثم تذكر الجنابة صح تيممه؛ لأن التيمم من الحدث ومن الجنابة واحد، وهو على الوجه واليدين، وكل شيئين طهارتهما واحدة، فالخطأ من أحدهما إلى الآخر لا يمنع صحة الطهارة، كما لو توضأ وهو يعتقد أن حدثه بولًا فكان ريحًا، أو اغتسلت من جنابة وكانت فساء يجوز بالإجماع، ويخالف هذا إذا أعتق رقبة عن الظهار وكان عليه رقبة عن الجماع في صوم رمضان لا يجوز، وعليه أن يعتق رقبة أخرى عن الجماع في صوم رمضان؛ لأنهما مقصودان بأنفسهما فلا يعذر في بالخطأ. وقيل: ما ذكره المزني من العلة لم يقلها الشافعي؛ لأنه لو صحت هذه العلة لوجب أن يقال: إذا قضى العصى ثم بان أن فاتته الظهر فإنه يجوز؛ لأنه لو تذكر الظهر لم يكن عليه أكثر من أربع ركعات، ولا يجوز أن يقال ذلك، وكذلك في مسألة العتق وجب أن يجوز، والعلة عند الشافعي هي أن التيمم لا يرفع الحدث فلا معنى لنية الحدث الذي يتيمم عنه فيه، وإنما يحتاج أن ينوي استباحة الصلاة، فإذا نواها صح ولا يضره الغلط فيما يتيمم عنه؛ لأن أكثر ما فيه أن يجعل ما غلط فيه، كأنه لم ينوه، فتبقى معه نية استباحة الصلاة وهي كافية له، وبهذا فارق ما لم نوى المقتدي [152 أ/ 1] بالإمام الإقتداء بزيد، ثم بان أن إمامه عمر، ولم يجز لأن عليه نية الإقتداء جملة، فإذا غلط جعل كأنه لم ينو الإقتداء بهذا الإمام، وكذلك لو غلط في نية الصلاة على الجنازة، فنوى أن الميت رجل فإذا هو امرأة أو امرأة فإذا هو رجل لا يجوز؛ لأن عليه نية الصلاة على الميت جملة، فإذا أخطأ صار كأنه لم ينو، وههنا ليس عليه فيه الحدث الذي يتيمم عنه أصلًا فلا يضره الغلط فيه، كما لا يضر الغلط في النوم في الصلاة. وأما الوضوء والغسل يرفعان الحدث فيجوز فيهما نية رفع الحدث دون استباحة الصلاة، وفيه استباحة الصلاة، وقد رفع الحدث وإحدى النيتين تتضمن الأخرى فيصير بنية إحداهما ناويًا للأخرى لا محالة، فلا يضر الغلط فيما نواه من الحدث. فإذا تقرر هذا ذكر المزني فصلين مشكلين، ونحن نفصل أحدهما عن الآخر، فالأول قوله: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث. قصد به الرد على ربيعة أستاذ مالك، حيث قال: لو أخطأ في الجنس الواحد من نوع إلى نوع جاز، كالحائض تنوي غسل الجنابة، والبائل ينوي حدث الغائط؛ لأن الغسل هو الواجب في الموضعين، أو الوضوء. فقال المزني: كما لا يضر الخطأ من النوع [152 ب/ 1] إلى النوع وجب أن لا يضرب الخطأ من الجنس إلى الجنس، ونهاية هذا الفصل إلى قوله: ولا يقول بهذا أحد نعلمه. ثم ابتدأ الفصل الثاني فقال: ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية كما يتوضأ له قصد به الرد على مالك حيث قال: تعيين الحدث شرط في صحة الوضوء من غير غلط يقع فيه، حتى لو نوى الوضوء عن البول وحدثه ريح لم يجز.

قال المزني: لو توضأ لصلاة الجنازة أو الناقلة جاز أداء الفريضة بها, وإن لم يعينها فكذلك التعيين في الطرف الثاني لا يلزم فاعتبر, ما يتوضأ عنه ما يتوضأ له. هكذا حكى أصحابنا بخراسان عن مالك. وقيل: مذهب اختيار الربيع والبويطي. وقال أصحابنا بالعراق: مذهب مالك وأحمد مثل ما ذكرنا عن ربيعة. وذكر بعض أصحابه أنه لو وافقنا عند النسيان وإنما الخلاف إذا ذكر الجنابة والحدث فنوى استباحة لأجل الحدث ففيه عن مالك روايتان, وقيل قول المزني في أثناء الكلام وإنما عليه أن يتطهر للحدث يحتمل أنه أراد أن التيمم يرفع الحدث وهذا يخالف قول الشافعي, وإن لم يكن هذا مراده لا يكون مخالفًا وقوله: إنما عليه أن يتطهر من الحدث أن أراد في الوضوء فهو مصيب في الجواب فخطئ في الاستدلال, وإن أراد في التيمم [135 أ/1] فهو مخطئ في الجواب والاستدلال؛ لأنه لا يجوز في التيمم أن ينوي رفع الحدث, وإن جاز ذلك في الوضوء. مسألة: قال: "وإذا وجد الماء بعد التيمم اغتسل". الفصل وهذا كما قال: إذا تيمم ثم وجد الماء يلزمه استعماله, ويجوز له أن يصلي بذلك التيمم. وروى هذا عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه, واحتجوا بأنه وجد المبدل بعد الفراغ من البدل فلا يؤثر, كما لو وجد العتق بعد الصوم في الكفارة, وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم للجنب المتيمم"إذا وجدت الماء فأمسه جلدك" ولأن التيمم لا يراد لنفسه, بل يراد للصلاة, وهو بدل فإذا قدر على الأصل قبل الشروع في المقصود لزمه العود إلى الأصل, وبهذا فارق ما قاس عليه, ولو وجد الماء بعد الشروع في تكبيرة الافتتاح قبل فراغه منها بطل تيممه أيضًا, ويلزمه العود إلى الماء, ولو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلومه إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في الوقت, وفي غير الوقت. وقال طاووس وحده: يلزمه الإعادة. وروى عنه أنه قال: لا يعيب في الوقت, وهذا غلط لما روى أن رجلين كانا في سفر, فعندما الماء وتيممًا وصليًا, ثم وجدوا أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر, ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرا له [153 ب/1] , فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة أجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد لك أجران". وروى عن ابن عمر-رضي الله عنه- أنه تيمم بالمربد وصلى العصر, ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة بعد ولم يعد الصلاة. ولأنه فرغ من المقصود بالبدل ثم وجد الأصل فلا إعادة. كالمرأة تفرغ من العدة بالشهور ثم ترك الأقراء, أو يقيس على ما بعد خروج الوقت. قال أصحابنا: ولا يستحب له الإعادة في هذه المسألة أيضًا,

كما لا يجب, ولو وجد الماء بعد الشروع في الصلاة قبل الخروج منها بنى على صلاته, ولا يلزمه الخروج, وبه قال مالك, وأحمد في رواية, وأبو ثور وداود, وقال أبو حنيفة والثوري, وهي رواية عن أحمد: تبطل صلاته, وهو اختيار المزني وابن سريج, إلا أن أبا حنيفة يقول: لو كان في صلاة الجنازة أو العيدين, أو كان سؤر الحمار لا تبطل صلاته, ولم يوافقه غيره من الأئمة في هذا. وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته وتكون نافلة, ثم يتوضأ ويعيدها. واحتج المزني بما جملته يرجع إلى فعلين: أحدهما: أنه قاس وجود الماء للتيمم على الحدث. والثاني: قاس على وجود الحيض في المعتدة بالشهور قبل تمام العدة بالشهور. وأشار في أثناء كلامه إلى القياس على ما لو وجد الماء قبل الشروع في الصلاة, [154 أ/1] وأشار في آخر كلامه إلى أن هذا المذهب تخريج مستقيم على قول الشافعي, ويساعده ابن سريج فخرج قولاً على مذهب الشافعي مثل أبي حنيفة, وأصل تخريجه أن الشافعي قال في المستحاضة ينقطع دمها في خلال صلاتها: أنها تخرج وتتطهر ولا تبنى فجعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجًا, والجواب أن يقول: أما الحدث فالفرق أنه ينقض الطهر بكل حال. وأما وجود الماء فليس هو تناقض لتطهر بكل حال, ألا ترى أنه يجد ماء مودعًا عنده ولم يؤذن له باستعماله ولا يبطل تيممه, ولذلك إذا احتاج العطش فكذلك هاهنا لا يبطل لئلا يبطل عليه ما مضى من الصلاة, فإنه يلزم مراعاة حرمة الصلاة, وبهذا فارق قبل الشروع في الصلاة. وأما العدة قلنا: هناك لا نقول تبطل بل يحتسب بما مضى قرأ, ثم تؤمر بإتمام العدة, ولأن وزان العدة أن ترى الدم بعد الفراغ من الشهور قبل أن تنكح, ووزان العدة من مسألتنا أن لو زالت الماء قبل الشروع في الصلاة. وأما مسألة المستحاضة فالفرق على الصحيح من المذهب أنها أحدثت أحداثًا, غير أنها مقدرة لاتصال دمها, فإذا انقطع الدم قدرت على إزالة حدثها فلا تجوز صلاتها, وهذا التيمم لم يحدث [154 ب/1] في صلاته حدثًا جديدًا, وليس فيه أكثر من أنه وجد الماء فيجعل كأنه لم يجد الماء لمانع الصلاة كما قلنا في سائر الموانع. فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأفضل أن يخرج منها ويتوضأ للخروج من الخلاف. ولأن الشافعي نص على أنه إذا وجد الرقبة في الكفارة في أثناء الصوم والأفضل له أن يعتق فكذلك هاهنا الأفضل أن يرجع إلى الأصل, ومن أصحابنا من قال: يلزمه المضي فيها ولا يجوز له قطعها أي يكره, وهذا اختيار القفال, وتعلق هذا القائل بما قال في "البويطي": إذا رأى الماء في صلاته فليمض على صلاته ولا إعادة عليه. وهذا لا يصح لأن الشافعي استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلي مع الجماعة, استحب لمن دخل في الصلاة منفردًا ثم رأى جماعة أن يخرج منها ويصلى مع الجماعة, فالخروج هاهنا للطهارة أولى, وما قال في "البويطي": أراد يجوز ذلك, وقد نص في "الأم" فقال: كان له أن يتمها وليس عليه أن يقطع الصلاة فلم يوجب ذلك عليه. وقال القاضي الحسين- رحمه الله:- لا يجوز له إبطال الصلاة وجهًا واحدًا, وهل

يستحب له أن يجعل صلاته فعلاً فيسلم عن ركعتين؟ وجهان: أحدهما: أنه يستحب ذلك: كرجل افتتح الصلاة منفردًا ثم أدرك جماعة, فإنه يسلم عن ركعتين ويكون نفلاً. والثاني: لا يستحب لأنها انعقدت [155 أ/1] فرضًا فلا يجوز له ترك صفة الفرضية, ويخالف هذا مسألة الجماعة؛ لأن هناك لو فرغ منفردًا ثم أدرك الجماعة يستحب له الإعادة ولو فرغ من الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لا يستحب له الإعادة. فرع إذا رأى الماء في المكتوبة ومضى في صلاته وسلم لا يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؛ لأن وجود الماء في الصلاة منع حكم التيمم فيما عدا الصلاة التي هو فيها, فإذا خرج منها لم يكن ليتممه حكم, فإن كان الماء باقيًا استعمله, وإن كان قد تلف إلى أن فرغ من الصلاة أعاد التيمم, ولا يجوز له افتتاح بعد رؤية الماء, هكذا ذكر جماعة أهل العلم من العراق, وهو اختيار القاضي الطبري. وفرع والدي الإمام على هذا, وقال: إذا أراد أن يسلم لا يسلم تسليمتين بل يقتصر على تسليمة واحدة؛ لأنه عاد إلى حكم الحدث بعد الخروج منها, ولو أحدث بعد التسليمة الأولى لا يأتي بالتسليمة الثانية, وليس على أصلنا مسألة يقتصر فيها على تسليمة واحدة غير هذه, ولو كان عليه سجود السهو فنسي لا يسجد, وإن كان الوقت قريبًا. وهذا عندي حسن, ولكن يمكن أن يقال: وإن سلم تسليمة ثانية فلا يأس؛ لأنها من تتمة الصلاة, وإنما يخاطب بهذا في الافتتاح. والله أعلم. وقال القفال وجماعة [155 ب/1] إن علم بتلف الماء قبل فراغه من الصلاة فهو كما لم يجد أصلاً, فله أن يصلي النوافل, وإن لم يعلم بتبلغه حتى خرج من الصلاة, ثم علم فإنه لا يصلي بذلك التيمم صلاة النفل, كما لو تلف الماء بعد الفراغ من الصلاة. وهذا أقيس وأصح, وهذا لأن هذا الماء لم يلزمه استعماله لهذه الصلاة, ولا قدر على استعماله لغيرها, فينبغي أن لا يبطل تيممه, ولهذا لو مر به ركب في الصلاة, ففرغ منها وقد ذهب الركب, فإنه يجوز له أن يصلي النافلة, وإن كان توجه الطلب يمنع ابتداء الصلاة بالتيمم, وإن منع القائل الأول منع بعيد والله علم. فرع آخر لو رأى الماء في صلاة النافلة, فإن كان نوى أن يصلي عددًا معلومًا كان له إتمامها, وإن كان أحرم مطلقًا. قال الشافعي في "الأم": كان عليه أن يصلي ركعتين ولا يزيد عليها لأن إحرامه المطلق يضمن ركعتين. قال أصحابنا: وعلى قوله القديم: فيمن نذر صلاة مطلقًا يكفيه ركعة لا يزيدها على ركعة.

فرع آخر قال أصحابنا: لو تيمم في الحضر لعدم الماء ثم رأى الماء بطل سهمه وصلاته؛ لأنه يلزمه الإعادة بوجود الماء, وقد وجد الماء فيلزمه الاشتغال بالإعادة. وكذلك لو تيمم وعليه نجاسة, ثم رأى الماء في الصلاة بطلت صلاته؛ لأنه لا يعتد بها, وتلزمه الإعادة, وفيه [156 أ/1] وجه آخر: لا إعادة ولا يلزمه الخروج منها برؤية الماء. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو وجد الماء في خلال الطواف إن قلنا: لا يجوز تفريقه, وإن قلنا: يجوز تفريقه توضأ, وبن وقل ما يتصور هذا؛ لأن الطواف يكون في الحضر, وقل ما يعدم فيه الماء, وهذا ليس بشيء, ويلزمه العود إلى الماء والاستئناف؛ لأنه لا يحتسب ما مضى بالتيمم وتلزمه الإعادة بكل حال. فرع آخر لو كان في سفر معصية فعدم الماء فلزمه أن يقيم ويصلي, فإذا صلى هل تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدهما: تلزمه الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم هي رخصة تتعلق بالسفر, والسفر معصية فلا يجوز أن يتعلق به رخصة. والثاني: لا تلزمه الإعادة, لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلا إعادة عليه والأول أصح, وعلى هذا لو رأى في صلاته يلزمه الخروج منها لا يعتد بها. فرع آخر إذا دخل في صلاة النقل بنية مطلقة, وقد صلى ركعتين, وقام إلى الثالثة ثم رأى الماء. قال القاضي الطبري: عندي يتمم هذه الركعة ويسلم؛ لأن الركعة الواحدة لا تتبعض وهو على ما قال. فرع آخر قال في "التلخيص": لو وجد الماء في صلاته المقصورة, ثم نوى الإتمام أو المقام بطلت صلاته وتيممه؛ لأن تيممه صح لركعتين من غير زيادة, والآن زادت [156 ب/1] بهذه النية. وقال بعض أصحابنا: تتم صلاته ولا تبطل, لأن تيممه صحيح لأدائها تامة ومقصورة ذكره في"الحاوي". ولو نوى المقام فيها أو الإتمام ثم وجد الماء مضى في صلاته وأتمها بلا خلاف. ومن أصحابنا من قال: إذا افتتحها بالتيمم ثم نوى الإقامة يمضي في صلاته ويعيد؛ لأن الإقامة لو قاربت ابتداء الصلاة منعت للاحتساب بها في حق المتيمم, فكذلك إذا طرأت؛ لأن الصلاة لم يتبعض حكمها.

فرع لو رعف في صلاته بطلت صلاته بالرعاف , ويلزمه أن يطلب الماء, ويغسل الدم, فإن طلب ولم يجده أو وجد قدر ما يغسله فقط. قال الشافعي في"الأم": استأنف التيمم؛ لأن فرض الطلب المتوجه أبطل التيمم. وكذلك لو تيمم ثم رفقة أو ركبًا ظن أن معهم ماء, أو رأى بئرًا أن فيها ماء, فلما تأمل لم يجد الماء فإنه يلزمه إعادة التيمم. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه ذلك بناء على أصله أن طلب الماء غير واجب, وعلى هذا قال القفال: لو رأى الماء ودونه سبع, فإن رآهما معًا أو عرف مكان السبع قبل رؤية الماء فتيممه باق, وإن رأى الماء أولاً ثم عرف السبع والحائل بطل تيممه؛ لأن الطلب قد توجه عليه, وكذلك لو رأى ماء في قعر بئر ولا رشاد معه ولا دلو, فإن علم به وهو عالم بأنه لا آلة معه [157 أ/1] لا يبطل تيممه, وإن رآه وعنده أي آلة النزح فلم يكن أعاد التيمم. مسألة: قال: "ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرضٍ". وهذا كما قال عندنا لا يجوز أن يصلي بتيمم واحد صلاتي فرض, بل يجب التيمم بكل فريضة, وطلب الماء أيضًا, فيطلب الماء أولاً ثم إذا عدمه تيمم ويصلي, ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي, ثم يطلب الماء فإذا عدمه يتيمم ويصلي الصلاة الثانية, ولا فرق بين أن يكونا مؤقتتين أو فائتتين أو مؤقتة وفاتنة, وكذلك لا فرق بين أن يكونا منذورتين أو شرعيتين, أو إحداهما منذورة والأخرى شرعية, ولا فرق بين أن يريد الجمع بينهما في وقت إحداهما أو لا يريد الجمع, وبه قال علي, وابن عمر, وابن عباس, والنخعي, وقتادة , وربيعة, ومالك, والأوزاعي, والليث- رضي الله عنهم- قال أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به إلى أن يحدث, وبه قال الحسن, وسعيد بن المسيب, والثوري, وداود, والمزني, وابن المنذر. وقال أبو ثور: يؤدي الفرائض في وقت الصلاة التي تيمم لها, ولا يؤدي في وقت آخر. وقال أحمد: يجمع بين الفوائت بتيمم واحد, ولا يجمع بين ما أتى وقتين. وهو قريب من قول أبي ثور. وهذا كله غلط لما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: من السنة ألا تصلي بالتيمم [157 ب/1] إلا صلاة واحدة, ثم يتيمم للأخرى. وهذا يقتضي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقال علي- رضي الله عنه- "التيمم عند كل صلاة" فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بجنس التيمم أصلاً لظاهر قول الشافعي, ولا يجمع بالتيمم بين صلاتي فرض, وهذا لأنه تفتقر الصلاة الثانية إلى تيمم ثانٍ, ويفتقر التيمم الثاني إلى طلب ثان, والطلب يقطع الجمع؛ لأن من شرطه الموالاة, ولم يذكر في كتاب "الحاوي" غير هذا. وقال عامة أصحابنا: يجوز الجمع

بينهما بجنس التيمم, وقد نص عليه في "الأم" وهو الصحيح, وقصد الشافعي لا يؤدي بهما تيمم واحد. كما قال أبو حنيفة: ولا يؤدي إلى قطع الموالاة لأنا لا نأمره في الصلاة الثانية بالاستقصاء في الطلب كما نأمره في الأولى, بل يكفيه من الطلب أن ينظر يمنة ويسرة هل يرى أحدًا أو أثرًا, ثم يتيمم بضربتين. وهذا كما نأمره بالإقامة للصلاة الثانية ولا يقع بها الفصل والتراخي, وهذا لأن كل هذا من مصلحة الجمع فلا يؤثر فيه, فإن قيل: هلا سقط فرض الطلب الثاني ولا يطع في الماء؟ قلنا: قال في"الأم": لا ييئس منه بكل حال, فقد يطلع الركب والسبيل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجب الطلب الثاني؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه [158 أ/1] لا يفيد, والثاني: يجب تعبدًا, وهكذا لو كان في بادية لا يوجد الماء في مثلها غالبًا, هل يجب الطلب؟ وجهان, وهذا خلاف المنصوص, وعندي أنه إذا تحقق ذلك تبينًا لا يلزمه الطلب, لأنه عبث, وقد يتحقق عدمه بأن يخبره جماعة عدول: أنا طلبنا الماء فلم نجده, وقيل: لو أمر غيره. حتى طلب له الماء فلم يجد, هل يباح له التيمم؟ وجهان مبنيان على ما لو أمر غيره أن ييممه هل يجوز؟ وجهان. وكذلك لو طلب الماء فلم يجب فتيمم وصلى, ثم دخل عليه وقت فريضة أخرى وهو في موضعه, ولم تحدث الأمارة تدل على الماء, هل يجب الطلب؟ وجهان. وقال القفال: هل يجوز الجمع بين صلاة منذورة وصلاة شرعية؟ قولان بناء على القولين في المنذورة, هل يسلك بها مسلك ما ورد به الشرع أو يسلك بها مسلك النوافل؟ ففيه قولان: وهل تجوز المنذورة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ قولان مخرجان. وأصل القولين أنه يجب. بمطلق النذر أقل ما هو واجب بأصل الشرع, أو ما يقع عليه اسم الصلاة, قولان. وكذلك لو نذر عتق رقبة هل يجوز الذمة فيه؟ قولان. وكذلك الحج المنذور هل يخرج من رأس المال أو من الثلث إذا أوصى به؟ قولان. فإذا تقرر هذا ففي لفظ المزني إشكال, وذلك أنه قال: [158 ب/1] ويحدث لكل فريضة طلبًا للماء وتيمًا بعد الطلب الأول, وفيه تقديم وتأخير, أي ويحدث بكل فريضة طلبًا للماء بعد الطلب الأول ويتمها فيعقب كل بطلب, وكل طلب بتيمم. واحتج الشافعي على أبي حنيفة بظاهر الآية, وهو أن الله تبارك وتعالى أمر كل قائم إلى الصلاة بالتيمم, فإن قيل: لا يصح هذا الاستدلال لأنه رتب التيمم على الوضوء, ولا يلزمه الوضوء لكل صلاة. قيل: ظاهر الآية يوجب ذلك في الوضوء أيضًا, إلا أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ لكل صلاة إلى يوم حنين, فجمع يومئذ بين صلوات بوضوء واحد, فسأله عمر- رضي الله عنه- عن ذلك متعجبًا فقال صلى الله عليه وسلم: "عمدًا فعلت يا عمر" أي ليعلموا أنه يجوز, فبهذا تركنا ظاهره, واحتج بقول ابن عباس على ما

ذكرنا وهو أعرف بمعنى الآية من غيره. فرع الجمع بين طوافين مفروضين بتيمم واحد لا يجوز, وكذلك بين طواف فرض, وصلاة فرض, ويتصور ذلك في المريض والجريح, وهل يجوز الجمع بين صلاة الفريضة, وركعتي الطواف بتيمم واحد؟ قولان بناء على أن ركعتي الطواف فريضة أم لا؟ وفيه قولان. فرع لو نسي صلاة واحدة من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عنها, يلزمه أن يعيد خمس صلوات [159 أ/1] حتى يؤدي المنسية بيقين, وهل يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؟ اختلف أصحابنا فيه, فقال عامتهم: يجزيه تيمم واحد وهو الصحيح؛ لأن الواجب منها واحدة في الحقيقة, فإذا فرغ من كلها سقط عنه الفرض بواحدة منها. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يتيمم لكل واحدة منها؛ لأن كلها صارت فرضًا عليه, ويحتاج أن ينوي في كل واحدة أنها فريضة, وهو اختيار أبي عبد الله الخضري, وعلى هذا لو كان محبوسًا أو مربوطًا على خشبة فصلى بالتيمم, ثم خلى نأمره بالقضاء, فهب يعيد التيمم؟ وفيه وجهان. وكذلك لو صلى في بيته منفردًا بالتيمم ثم أدرك الجماعة فأراد الإعادة, ففي قول بعض أصحابنا بخراسان يعيد بنية السنة, وعلى هذا يعيد التيمم الأول, وفي قول يعيد بنية الفرض ففي جوازه بالتيمم الأول وجهان. فرع لو نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة ولا يعرف عينهما, فإن قلنا بالوجه الضعيف يلزمه أن يتيمم لكل صلاة منها فهاهنا أولى, وإن قلنا بالوجه الصحيح هاهنا بالخيار إن شاء صلى خمس صلوات ويتيمم لكل واحدة منها, وإن شاء يتمم فصلى به الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة وأيهما فعل, فقد أدى الصلاتين المتروكتين بتيممين, في الأول قلد الصلاة وكثرة التيمم, وفي الثاني [159 ب/1] كثرة الصلاة وقلة التيمم, فالأول ذكره صاحب التلخيص والثاني والثاني ذكره ابن الحداد. وأدى بالتيمم الأول الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تيمم فصلى الصبح والظهر والعصر والمغرب لم يجز, لاحتمال أن عليه العشاء مع إحدى الصلوات الثلاث التي بين الصبح والعشاء, فأدى بالتيمم الأول إحدى الثلاث فلم يجزه العشاء به, وبالتيمم الثاني لم يعد العشاء, فإن أراد أن يجوز فليصل العشاء بهذا التيمم الثاني, وعلى هذا لو بدأ فأدى العشاء ثم المغرب, ثم العصر, ثم الظهر, ثم تيمم فصلى المغرب, ثم العصر ثم الظهر, ثم الصبح جاز, وإن بدأ بالمغرب إلى الصبح ثم تيمم وصلى العشاء إلى الظهر لم يجز, إلا أن يعيد الصبح بهذا التيمم كما ذكرنا في العشاء.

فرع آخر لو نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين ولا يعلم عينهما فإن كانا مختلفتين فهي: بالوجه الضعيف يلزمه أن يصلي عشر صلوات بعشر تيممات, وإن قلنا: بالآخر يصلي خمس صلوات بتيمم واحد, ثم يصلي خمس صلوات بتيمم, فيكون مؤديًا إحداهما بالتيمم الأول ومؤديًا للثانية بالتيمم الثاني. قال القفال: فإن قال: أريد ان أصلي صلاتين بكل تيمم فكيف أصنع؟ [160 أ/1] قلنا: إن أديت بينهم ظهرين وتيمم عصرين هكذا لم يجز, لكن إن خالفت فأديت بتيمم ظهرًا وعصرًا, ثم يتيمم عصرًا ومغربًا, ثم يتيمم مغربًا وعشاء, ثم يتيمم عشاء وصبحًا. ثميتيمم صبحًا وظهرًا جاز, إلا أنه تطويل الأمر على تعاينه, إذ يكفيه عشر صلوات تيمم, والآن يؤديها بخمس تيممات, وإن تيقن أن عليه صلاتين ولا يعلم هل هما مختلفتان أو متفقتان, يلزمه أن يأخذ بأسوأ الحالين وأغلظهما, وهو أن يكونا متفقتين على ما بيناه. فرع لو اشتبه الأمر على حاج, فلم يدر أن أترك صلاة فرض؟ أو طواف فرض, إن كان عليه يأتي بالطواف وبالخمس صلوات بتيمم واحد, وهذا على الوجه الصحيح, وعلى الوجه الآخر بتيمم ست تيممات. مسألة: قال: "ويصلي بعد الفريضة النوافل وعلى الجانئز ويقرأ في المصحف". الفصل وهذا كما قال به. ذكرنا أنه يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل, ومن أصحابنا من قال: إنما يجوز أن يتنفل به ما دام وقت الفريضة باقيًا, فإذا خرج الوقت لا يجوز أداء النوافل به, وهذا غير صحيح, وهكذا يجوز أن يقرأ في المصحف, ويستحب سجود القرآن, لأنه نافلة وأما إذا أراد أن يصلي به صلاة الجنازة. قال أصحابنا: إن لن يتعين عليه فهي بمنزلة النوافل يجوز أدائها [160 ب/1] به وأن تعينت عليه, قال أبو إسحاق لا يلزمه تجديد التيمم لها؛ لأنها ليست من فرائض الأعيان وهو المذهب الشافعي, ومن أصحابنا من قال: يلزمه تجديد التيمم لها, لأنها لما تعينت عليه صارت من فرائض الأعيان, وهذا أقيس. وقول الشافعي محمول على الغالب, وهو أنها لم تتعين عليه, وهذا اختيار الشيخ أبي حامد, والأول أصح لأنه ليس لها مرتبة فرائض الأعيان, ولا يصير بمنزلتها, وإن تعينت عليه لأنها, وإن لم تتعين فبالفعل تتعين وتقع فرضًا, ينبغي أن لا يجوز أداؤها به أصلاً لهذا المعنى.

فرع لو حضرت جنازتان في سفر وليس هناك من يسقط الفرض غيره فعدم الماء يصلي عليهما بتيمم واحد على قول أبي إسحاق, وعلى قول غيره يحتاج إلى التيممين فلا يجوز أن يصلي عليهما دفعة واحدة, ولا يجوز أن يتيمم تيممين, ثم يصلي عليهما صلاة واحدة , لأنه يكون بمنزلة التيمم الواحد بل يتيمم ويصلي على إحداهما ثم يتيمم ويصلي على الأخرى. فرع هل يجوز الصلاة على الجنازة قاعدًا مع القدرة على القيام؟ ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بناءًا على هذا الذي ذكرنا فيما تقدم, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولاً واحدًا. وينص عليه الشافعي. وكذلك لا يجوز أداؤها على الراحلة؛ لأن معظم [161 أ/1] الركن فيها القيام, فإذا ترك القيام لم يبق شيء بخلاف ما لو أداها بالتيمم الأول. فرع لو تيمم لجنازة تعينت عليه وصلى عليها, لم يجز أن يصلي به مكتوبة قولاً واحدًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: إذا تيمم للنفل يؤدي به الفريضة فما هذا أولى, وإن قلنا: لا يؤدي به الفريضة فهاهنا وجهان, والفرق أن صلاة الجنازة من جنس الفرائض فكان حكمها أوقى بخلاف النافلة, ولو تيمم لنافلة قال في"البويطي" له أن يصاي على الجنازة وهذا على ما ذكرنا من الاختلاف. فرع آخر التيمم لا يرفع الحدث, وحكي عن داود وبعض أصحاب مالك أنه يرفع الحدث, وهذا غلط لأن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء يغتسل ويتوضأ فثبت بقاء الحدث الأول. فرع آخر يجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئ. وقال محمد: لا يجوز, وروى هذا عن علي -رضي الله عنه- وهذا غلط لأن من جاز أن يكون إمامًا للمتيمم جاز أن يكون إمامًا للمتوضئ كالمنصوص. مسألة: قال: "فإن تيمم بزرنيخ أو بنورة". الفصل وهذا كما قال قصد به الرد على أبي حنيفة، وقد ذكرنا ما قيل فيه، ووافقنا أبو حنيفة في الذريرة أنه لا يجوز التيمم بها.

باب جامع المتيمم والعذر فيه

باب جامع المتيمم والعذر فيه مسألة: قال: ((ويسن للمسافر أن لا يتيمم إلا بعد دخول [161 ب/ 1] وقت الصلاة)). الفصل وهذا كما يقال: لا يجوز التيمم إلا بوجود خمس شرائط متفق عليها، وسادس مختلف فيه بين أصحابنا. فأما المتفق عليها فدخول الوقت، وطلب الماء بعد الدخول، ووجود العذر من سفر أو مرض أو غيرهما، والنية للمكتوبة. وأما المختلف فيه فتعيين النية. وقال ابن أبي أحمد: فرض التيمم ستة: طلب الماء، والنية للمكتوبة، والقصد إلى التراب، ومسح الوجه واليدين، والترتيب. وعندي كلاهما غير صحيح، لأنه يخلط الشرائط بالأركان، والأولى أن يقال شرائط التيمم هي أربعة: دخول الوقت، وطلب الماء، وإعوازه بعد الطلب، ووجود العذر على ما ذكرنا، وإن كان التيمم ... النذر على الوصف الذي ذكرنا، ومسح الوجه واليدين، والترتيب، والقصد إلى التراب، وقيل هي خمسة ويدل القصد إلى التراب، التراب الظاهر ذكره في الحاوي، وفي ((القديم)): زاد الموالاة فيكون ستة، وأما سنة التيمم قال أصحابنا: شيئان التسمية والبدأة باليمين، وعندي أنها ثلاث، والثالثة: تخليل الأصابع ومسح إحدى الراحتين على الأخرى على ما تقدم بيانه، ويكره فيه التكرار، فإذا تقرر هذا فاعلم أنه لا يجوز التيمم لفريضة الوقت قبل دخول وقتها، وبه قال مالك، وأحمد، وداود، وقال الزهري: لا يجوز التيمم لها حتى يخاف فوت الوقت [162 أ/ 1] ولا يصلي به حتى يتضيق وقتها ويخاف الفوت أيضاً. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم لها قبل الوقت كالوضوء. واحتج الشافعي عليه بظاهر قوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} إلى قوله {لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} [المائدة: 6] والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول الوقت. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: وقت التيمم لصلاة الخسوف عند الخسوف، ولصلاة الاستسقاء عند خروج الناس إلى الصحراء، ولصلاة الجنازة إذا غسل الميت، ولتحية المسجد بعد دخول المسجد، وقيل: عند دخول المسجد، ولصلاة العيدين عند الدخول فيها وللسنن الراتبة، بعد حضورها، وقيل: هل يجوز لصلاة بعد الموت قبل غسله؟ وجهان: أحدها: يجوز لأنها قد وجبت بالموت. والثاني: لا يجوز لأنه لا يستبيح فعلها قبل الغسل، وفي هذا عندي نظر، لأنه إذا تيمم لصلاة النافلة مطلقاً يجوز أن يؤدي هذه الصلوات إلا صلاة الجنازة، فإن فيها كلاماً يشترط في صحة أدائها بالتيمم قبل دخول وقتها.

فرع قال في ((البويطي)): لو تمم لنافلة في الوقت الذي نهي عن الصلاة فيه لم يجزه ذلك، ولا إعادة عليه، وأراد به أنه إذا تيمم في الوقت المنهي عن صلاة النفل فيه، ثم صلى به النفل بعد ذلك الوقت لا يجزيه، وذلك لأنه يجري مجرى التيمم للفريضة قبل دخول [162 ب/ 1] وقتها، وهذا إذا كانت النافلة لا سبب لها، وفيها وجهان، وهذا غلط. فرع آخر لو تيمم للنفل في غير وقت الكراهية لا يبطل تيممه لأن التيمم صح والوقت في الجملة قابل للصلاة. فرع آخر لو لم يتذكر الفائتة فقال: أتيمم لفائتة إن تذكرها؟ أصلها به لا يجوز أداؤها به إذا ذكرها على ما ذكرنا، أن وقتها عند التذكر لقوله (صلى الله عليه وسلم) ((من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها)). فرع آخر لو تيمم في أول الوقت، ثم صلى في آخر الوقت نص في ((البويطي)) أنه يجوز، لأنه تيمم في وقت لكنه فعل الصلاة به. وهكذا لو ذهب الوقت فصلاها قضاء به يجوز، لأن التيم قد صح فلا يزول حكمه إلا بحدث أو فعل الصلاة. قال أصحابنا: فإن سار بعد تيممه إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى موضع آخر، أو حدث ركب يجوز أن يكون معهم ماء احتاج إلى تجديد الطلب وإعادة التيمم. وقال بعض أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج، والأصطخري: يلزمه أن لا يؤخر الصلاة بعد التيمم إلا بقدر الأذان والإقامة ومستويات فريضته، فإن أخرها عن ذلك حتى تراخى به الزمان بطل تيممه، كطهارة المستحاضة يلزمها تعجيل الصلاة عقيب طهارتها، والأول أصح وهو المنصوص على ما ذكرنا، وتفارق المستحاضة، لأن حدثها يتوارى عقيب طهارتها. بخلاف المتيمم [163 أ/ 1]. وأما طلب الماء فلابد منه ولا يصح تيممه إلا بعد طلبه. وقال أبو حنيفة: لا يحتاج إلى الطلب، ويجوز تيممه، لأنه غير عالم بوجود الماء بحضرته، وهذا غلط لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة] ولا يقال لم يجد إلا بعد الطلب والعدم. فرع لا يصح طلب الماء إلا بعد دخول وقت الصلاة، فإن طلب قبل دخول وقتها لم يعتد

به، وعليه استئناف الطلب بعد دخول وقتها، إلا أن يكون على ثقة من أن الأمر على ما شاهده ولم يتغير ولم يطرأ من يسئله عن الماء، فلا يلزمه العود عليه، لأنه بعد دخول الوقت عالم بعدم الماء حواليه فلم يحتج إلى طلبه، ذكره القاضي الطبري. وهذا يؤكد اختياري مما تقدم من المسألة. وقال بعض أصحابنا: هذا إنما يكون إذا كان ناظراً إلى مواضع الطلب ولم يتجدد فيها شيء، فأما إذا غابت مواضع الطلب عنه يجوز أن يكون تجدد فيها حدوث الماء، فيحتاج إلى الطلب، فإن قيل: إذا طلب بعد دخول وقت الصلاة، ولم يتيمم عقيبه جاز أن يتيمم بعد ذلك، ولا يلزمه إعادة الطلب، وإن كان التجدد مجوزاً قلنا: إذا طلب في وقت الطلب لم يلزمه إعادة الطلب إلا أن يعلم تجدد أمر، لأنا لو كلفناه ذلك أدى إلى [163 ب/ 1] المشقة، وإذا طلب قبل وفيه كلف إعادته لتفريطه في تقديم الطلب على الحاجة، وهذا أحسن والأقيس ما ذكرت. فرع اعلم أن الطلب يكون بوجهين: أحدها: بالمسألة والاستخبار عمن يظن أن عنده علماً بمياه ذلك الموضع، أو عنده ماء يبذله له. والثاني: بالتفتيش والنظر، فيبدأ بتفتيش رحله إن لم يكن عنده علم بأنه لا ماء فيه، ثم ينظر يميناً وشمالاً ووراءه وأمامه إن لم يكن دون نظره حائل من جبل أو غيره، وإن كان دون نظره حائل من جبل أو غيره سار إلى ذلك الموضع حتى يزول عنه الحائل، ثم نظر حواليه على ما بينا. فرع لو ظهرت قافلة كبيرة إلى متى تطلب الماء؟ فيه وجهان: أحدها: إلى أن يبقى من الوقت مقدار الفعل. والثاني: إلى أن يبقى قدر ما يصلى ركعة، لأن الصلاة لا تكون قضاء، ولا يأثم بتأخيره في هذا القدر. فرع آخر لو سأل رفيقه فدله على ماء قريب يلزمه قصده بثلاث شرائط، أحدها: أن لا ينقطع عن أصحابه. والثاني: أن لا يخاف منه القصد على نفسه ولا على رحلة في القافلة. والثالث: أن لا يخاف فوت وقت الصلاة، فإن خاف على نفسه أو رحله في القافلة. والثالث: أن لا يخاف فوت وقت الصلاة، فإن خاف على نفسه أو رحله أو خاف خروج الوقت، أو كان أصحابه أن لا ينتظرونه [164 أ/ 1] فله أن يتيمم في الحال. فرع آخر لو كان هناك بئر ولكن لا جبل معه، فإن أمكنه أن يوصل إلى الماء ثيابا يشد بعضها إلى بعض لزمه ذلك، لأنه يصل إليه من غير مشقة، وإن كان الماء بعيداً، وفي قصده مشقة لا يلزمه قصده، وإنما يلزمه قصده إذا كان قريباً في العادة، وقال في ((البويطي)) تؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإن صلى في أوله، ثم وجد ماء يوصله إلى الماء من

الرشا ونحوه في آخر الوقت أحببت أن يعيد الصلاة. فرع آخر لو كان يقدر على نزول البئر بأمر ليس عليه فيه خوف نزلها، فإن خاف على نفسه من ذلك تيمم، وكذلك إن قدر عليه بحفر ذراع أو ذراعين من غير تعب شديد فإنه يلزمه. فرع لو كان لا يقدر على ماء البئر إلا ببل ثوب توكس قيمته إن بله، فإن نقص من ثمنه تعديله بقدر ثمن الماء لزمه أن يبله فيه، وإن نقص أكثر لم يلزمه، ومن أصحابنا من قال: إن كان النقص بقدر أجرة الدلو والحبل يلزمه، وإلا فلا يلزمه، وهكذا لو كان معه عمامة يحتاج إلى شقها بنصفين ليصل إلى الماء. فرع آخر لو لم يصل إلى الماء لعذر أو سبع كان هذا بمنزلة عدمه، ولو ركب البحر ولا ماء في المركب [164 ب/ 1] ولا يقدر على الاستقاء لاضطرابه، أو ليس معه حبل يأخذ به الماء منه تيمم وصلى ولا يعيد، لأنه غير قادر نص عليه في ((الأم)). فرع آخر لو وصل المسافر إلى جب ماء في الطريق لا يتوضأ منه، لأن صاحبه وضعه للشرب لا للوضوء منه ذكره أصحابنا. فرع آخر لو كان هناك مسلم أو ذمي أو بهيمة تحتاج إلى الماء، فإنه يترك الماء له ويتيمم، لأنه محرم، ولو كان هناك مرتد، أو حربي، أو كان عقور لا يترك الماء له بل يتوضأ به، لأنه مباح للإهلال. فرع آخر لو كان يعلم أنه يحتاج إلى الماء غداً لا يلزمه استعماله في وضوءه، وإن كان يرجو وجود الماء في غده ولا يتحقق وجهان: أحدهما: لا يلزمه استعماله لأن الأصل عدم وقدم لا يجده، ويحتاج إلى الماء ليشربه فحاجته مقدمة على العبادة. والثاني: يلزمه استعماله لأن الظاهر وجود الماء في مكان تعهد فيه الماء، ولو كان معه ماء يحتاج إلى بيعه للنفقة، فإنه يبيعه ويتيمم. وأما إعواز الماء بعد الطلب يشترط بلا إشكال، وإعوازه عدمه ويعزوه، ويقال: رجل معوز إذا لم يكن له شيء، وأما العذر

فلا بد منه، والعذر عذران سفر ومرض، فالمرض يأتي حكمه. وأما السفر فيجوز التيمم فيه [165 أ/ 1] طويلاً كان أو قصيراً، حتى لو خرج إلى بعض السواد إلى صنيعة له فعدم الماء في الطريق فله التيمم والصلاة، ولا إعادة عليه، وذكر هذا في ((البويطي)) ثم قال: وقد قيل: إنه لا يتيمم إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، فمن أصحابنا من قال: أراد به قول بعض الناس، وليس هذا بقول آخر للشافعي، ومنهم من قال: فيه قولان، والصحيح الأول، لأنه يعدم الماء في مثل هذا الموضع غالباً فأشبه السفر الطويل، وليس كالفطر والقصر، لأنه يراعى فيهما المشقة وهي في السفر الطويل دون القصير غالباً بخلاف هذا. واحتج الشافعي فيه بظاهر القرآن وبابن عمر. وأما ظاهر القرآن فمعلوم وهو قوله تعالى: {وإن كُنتُم مَّرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ} إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] ولم يفصل. وأما ابن عمر- رضي الله عنه- فتمام الخبر ما روي أنه انصرف من قرية يقال لها حرف قريب من المدينة فبلغ موضعاً مشرفاً على المدينة يقال له: مربد، فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم يجد، فجعل يتيمم، فقال له نافع مولاه: أتيمم وهو ذي تنظر إليك جدران المدينة فقال: أو .... حتى أبلغها، وتيمم وصلى، ثم دخل المدينة والشمس حية بيضاء فلم يعد الصلاة، وقال القفال: في الحقيقة لا يتعلق التيمم [165 ب/ 1] بالسفر، بل يتعلق بعدم الماء في الموضع الذي يعدم فيه غالباً، فإن الرجل لو أقام في مفازة يعدم الماء فيها غالباً وطالت إقامته له التيم ولا يعيد، وفي مثله ورد الخبر، وهو ما روي عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال: كنت بالربذة، فكنت أفقد الماء أياماً، فقلت: هلك أبو ذر، فأتيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكرت له فقال: ((التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر سنين)) وفي مسنده لو بلغ المسافر مصراً فنفذ فيه الماء فتيمم وصلى تلزمه الإعادة، وهذا صحيح كما ذكره، ولكن يجوز أن يحال به على السفر على حكم العادة الغالبة. وقال والدي الإمام- رحمه الله: يحتمل وجهاً آخر أن يقال: لا تلزم الإعادة على هذا المسافر في المصر، لأن حكمه حكم من هو في المفازة في القصر والفطر، ورأيت بعض أصحابنا يقول فيه وجهان، وقيل: جملة الأحكام المتعلقة بالسفر هي ثلاثة أضرب، ضرب يجوز في السفر الطويل والقصير وهو التيمم، والصلاة على الراحلة، وأكل الميتة عند الضرورة. وضرب لا يجوز إلا في السفر الطويل وهو الفطر، والقصر، والمستبيح ثلاثة أيام. وضرب فيه قولان وهو الجمع بين الصلاتين. وذكر بعد أصحابنا بخراسان: أن الصحيح من القولين في الصلاة على الراحلة أنه لا يجوز إلا في السفر الطويل، [166 أ/ 1] وهذا غلط والمشهور خلافه. فرع لو عدم الماء في الموضع الذي لا يعدم في مثله غالباً كالمصر، مثل أن يحبس فلا

يصل إلى الماء، أو غار عينها وانقطع الماء فدخل عليه وقت الصلاة يتيمم ويصلي، فإذا قدر على الماء توضأ به وأعاد. وبه قال محمد، وحكاه الطحاوي، عن أبي حنيفة، وأبي يوسف وقال زفر: لا يصلي أصلاً، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال مالك: يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه، وبه قال الثوري، والأوزاعي، والمزني، واختاره الطحاوي. وقيل: إنه قول مخرج، والدليل على أنه يتيمم ويصلي أنه لا يمكنه استعمال الماء مع احتمال الضرر. وأما الإعادة إنما وجبت لأنه يندر فلا تشق الإعادة بخلاف المرض فإنه يعم، فشق الإعادة فاسقطناها، فإن قيل: الخائف من سبع إذا صلى مومئاً لا تلزمه الإعادة عندكم، وهذا غدر نادر لا يدوم. قيل: هذا خائف وحبس الخوف عام فلهذا أسقطنا الإعادة. فرع آخر لو عدم الماء والتراب، فإن يكون محبوساً في موضع لا يجدهما أو كان يجد تراباً نجساً، فإن أمكن أن ينفض رجله وثيابه ويجمع منه التراب الطاهر فعل، وإن لم يمكن فإنه يصلي على حسب حاله ويعيد. نص عليه في الجديد، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، والليث، وأحمد، وقال في القديم: يعجبني أن يصلي حتى لا يخلى [166 ب/ 1] الوقت من فعل الصلاة فلم يقطع القول فيه. قال أصحابنا: فيه قولان لأن أحدها: ما ذكرنا. والثاني: لا يصلي ويحرم عليه ذلك ويقضي إذا قدر على الطهارة. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي. وقال بعض أصحابنا: يأمره أن يصلي قولاً واحداً، وهل يستحب القضاء أو يستحق؟ قولان، وقال مالك: لا تجب عليه الصلاة فلا يصلي ولا يقضي، كالحائض. وبه قال داود، وقال أحمد: يلزمه أن يصلي ولا إعادة عليه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن هذا قول مخرج للشافعي وهو غلط، والدليل على أنه يصلي ما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعث أسيد بن حضر وأناساً معه لطلب قلادة أصابتها عائشة- رضي الله عنها- فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي (صلى الله عليه وسلم) يذكروا له ذلك، فنزلت آية التيمم، ولم ينكر (صلى الله عليه وسلم) ذلك، فإن قيل: فلم يأمره بالإعادة؟ قلنا: الإعادة على التراخي، ولم تدع الحاجة أغلى بيانها ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، واحتج مالك: بأنه غير مأمور بها مع حدثه في وقتها فلا قضاء عليه كالحائض، قلنا: الحيض هو عذر عام فأسقط للقضاء كالإغماء، وهو عذر نادر فأشبه الحيض في حق [167 أ/ 1] الصوم لا يسقط القضاء، ويقيس على فقد السترة فإنه لا يمنع وجوب الصلاة. فرع لو وجد الماء وخاف الهلاك من البرد لو اغتسل، فإن أمكنه تسخين الماء لم يجز له التيمم، وإن لم يمكنه لعدم النار، أو لأن الرفقة لا ينتظرونه، فإن كان معه خرق وقطن يمكن أن يغسل عضواً ويدثره ويدفيه فعل، وإن لم يمكنه ذلك يتيمم ويصلي، فإن كان

ذلك في الحضر أعاد الصلاة وإن كان في السفر قال في ((الأم)): يعيد لأنه نادر، وقال في ((البويطي)): قد قيل لا يعيد، لأن عذر البرد يقع عاماً في السفر، فحصل قولان في السفر. وقال أبو حنيفة: لا يعيد بحال سواء كان في الحضر أو في السفر، واحتج بما روى عمرو بن العاص قال: احتملت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت وصليت بأصحابي الصبح، فذكتر ذلك للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب)) فقلت: إن سمعت الله تعالى يقول: {ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فضحك النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يقل لي شيئاً. فدل أنه لا يجب القضاء، لأنه لم يأمره به، وهذا غلط لما ذكرنا أنه نادر، ولا حجة في الخبر، لأنه يحتمل أنه [167 ب/ 1] أخر بيان القضاء إلى وقت الحاجة، فإنه ليس على الفور، ويحتمل أنه علم علمه بوجوب القضاء فلم يذكر ذلك. مسألة: قال: ((ولا يتيمم من مرض في شتاء ولا صيف إلا من به فرح له غور)). الفصل وهذا كما قال: المرض هو العذر الثاني في إباحة التيمم لقوله تعالى: {وإن كُنتُم مَّرضي أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [النساء: 43] إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] فأجاز التيمم للمرض. قال أصحابنا: الأمراض على ثلاثة أضرب، ضرب يخاف منه التلف إما على نفسه، أو على العضو الذي كانت العلة به، أو يخاف منه المرض المخوف كالجراحات والجدري، فيجوز له التيمم قولاً واحداً. وحكي عن طاوس، وعطاء أنهما قالا: لا يجوز له التيمم بل عليه استعمال الماء، وهذا غلط روي عن جابر- رضي الله عنه- قال: كنا في سفر فأصاب رجلان منا حجر [في رأسه] فشجه فاحتلم، فسأل الناس هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا رخصة مع وجود الماء، فاغتسل فمات، وروي: فكن من البرد ومات، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا أو لم يعلموا، بإنما شفاء العي السؤال، كان يكفيه أن يتيمم ويعصب رأسه بخرقة ويمسح عليها ويغسل باقي جسده)) والمرض الثاني [168 أ/ 1] أن لا يخاف التلف ولا الضرر منه باستعمال الماء

كالصداع والحمى فلا يجوز له التيمم بسببه. وحكي عن مالك، وداود أنهما لا يجوز التيمم لكل مرض لظاهر قوله تعالى: {وإن كُنتُم مَّرضي} [النساء: 43] الآية ولم يفصل، وهذا غلط لقوله (صلى الله عليه وسلم): ((لا يقبل الله صلاة أمرئ حتى يضع الطهور مواضعه)) الخبر فهذا عموم يعارض عمومه، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء فجعل شفاء الحمى الماء، فلا يكون ذلك عذراً في قول استعماله، ولأنه واجد للماء ولا يخاف الضرر من استعماله، فلا يجوز له التيمم، كما لو كان به وجع السن والمرض الثالث: أن لا يخاف منه التلف، ولكنه يخاف للزيادة في العلة أو تباطؤ البرء، قال في ((الإملاء)) و ((البويطي)) و ((القديم)): يجوز له التيمم، فظاهر ما قاله في ((الأم)) أنه لا يجوز له التيمم إلا أن يخاف التلف، فاختلف أصحابنا فيه على طرق أحدها: يجوز له التيمم قولاً واحداً، لأنه يلحقه الضرر البين باستعمال الماء، ويخاف من زيادة العلة زيادة الوجع المؤدي إلى التلف، وهذا اختيار ابن سريج، والأصطخري، وهو الصحيح عندي، ونصه في ((الأم)) متأول على أنه أراج بالمرض المخوف خوف الزيادة. والطريق الثاني: وهو الذي عليه عامة أصحابنا، واختاره أبو إسحاق المسألة على قولين: أحدها: [168 ب/ 1] لا يتيمم له، وبه قال عطاء، والحسن، وأحمد، لأن ابن عباس- رضي الله عنه- قال في تفسير الآية: إذا كانت بالرجل جراحة في سبيل الله أو قرح أو جدري فيجنب، ويخاف أن يقتل فيموت بينهم بالصعيد. والثاني: يتيمم له، وبه قال أبو حنيفة، ومالك لقوله تعالى: {وإن كُنتُم مَّرضي} [النساء: 43] فعم ولم يخص، وما ذكر عن ابن عباس فليس بتفسير، بدليل أن من كان به جرح في غير سبيل الله- عز وجل- جاز له التيمم بالإجماع، ولأن في ترك الصوم والقيام في الصلاة لا يشترط خوف التلف فكذلك ها هنا. والطريق الثالث: لا يجوز له التيم قولاً واحداً، وما قال في الإملاء، أراد به إذا يخاف زيادة يتولد منها التلف، وقد صرح في ((الأم)) فقال: لا لشين ولا لإبطاء برء، هذا لا أنه لا يجوز له التيمم للعطش إلا عند خوف التلف، كذلك ههنا، وهذا لا يصح، لأن بعض أصحابنا قولوا: إذا لم يحف التلف من التعطش بل خاف الألم والضر الشديد به فإنه يجوز له التيم في أحد الوجهين. فرع لو خاف منه الشين والشلل، قد قيل: فيه قولان، وقيل: لا يتيمم له قولاً واحداً، وقال ابن سريج، والأصطخري: يتيمم له قولاً واحداً، لأن ضرر هذا متأبد وهو

الصحيح عندي، وقال أبو الفياض، يتيم في الشلل دون الشين، لأن في الشلل [169 أ/ 1] إبطال العضو، وفي الشين فتحه، ويحتمل أن يقال في الشلل قول وحد يتيم له، وفي الشين قولان، وهذا إذا كان الشين كثيراً مثل أن يسود أكثر وجهه وتشوه خلقته، فإن كان يسيراً مثل أثر الجدري وأثر الجراحة اليسيرة فلا يجوز له ترك الماء قولاً واحداً. وقال بعض أصحابنا بخرسان: إن خاف الشين على مكان الجراحة لا يترك الماء قولاً واحداً. والقولان إذا خاف الشين في غير مكان الجراحة، والصحيح أنه لا فرق. فرع آخر لو خاف شدة الضنى، والضنى هو المرض المدنف الذي يلزم صاحبه الفراس ويضنيه. قيل: فيه قولان، قال في ((الجديد)) لا يتيمم له. وقال في ((القديم)) يتيمم له. وهذا أقيس وأصح عندي. وقيل: قول واحد أنه لا يتيمم له، والذي قال ((القديم)): أراد به الضنى المؤدي إلى التلف. فرع آخر لو لم يعلم هل يستضر من استعمال الماء أم لا؟ رجع إلى قول العدل، ولا يحتاج إلى شاهدين، لأن طريقة الخبر إذا تعذر الرجوع ليس له التيمم ذكره أبو علي السنجي. فرع آخر لو كان الطبيب فاسقاً فقال: هذا المرض مخوف يباح له التيمم مع وجود الماء، هل يقبل قوله؟ ظاهر مذهب الشافعي أنه لا يقبل قوله. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: يعتمد على قوله، لأن هذا هو من [169 ب/ 1] جنس المعاملات وقول الفاسق مقبول فيه، كالقصاب الفاسق إذا قال: هذا اللحم مذكى، أو هذا المال لفلان، أو أنا وكيله في البيع، فإنه يعتمد على قوله، والثاني: لا يعتمد على قوله فرع لو كان الطبيب صبياً مراهقاً، ظاهر المذهب أنه لا يعتمد على قوله. وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان على نه هل تقبل دلالته على القبلة، وفيه قولان وهذا غير مشهور. فرع لو تيمم ثم ظن أن جرحه برء فلما رفع الساتر لم يبرأ لم يلزمه إعادة التيمم، وليس كمن لزمه طلب الماء، ثم لم يجد فإنه يلزمه إعادة التيمم، لأن طلب الماء شرط وطلب البرء غير واجب. وله أن يتيمم إلى أن يعرف البرء، وقيل: فيه وجهان، وكذلك لو توهم الاندمال فيه وجهان، ذكره بعض أصحابنا بخراسان وهو ضعيف.

مسألة: قال: "وَإِنْ كَانَ فِي بَعضَ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضِ غُسْل مَا لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ وَتَيَمٌمَ". الفصل وهذا كما قال: إذا كان جراحات وأصابته جناية ولم يتمكن من الغسل التام، أو كان محدثاً على بعض أعضائه طهارته جراحات لا يتمكن من غسلها، فالمنصوص أنه يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح على الوجه واليدين. وبه قال عامة أصحابنا. وقال أبو إسحاق: يحتمل ن يخرج هذا [170 أ/1] على القولين اللذين ذكرهما الشافعي فيمن وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضائه، هل يلزمه استعماله؟ قولان لأنه لا يقوى الفرق بينهما. هكذا ذكره القاضي أبو حامد. وقال سائر أصحابنا: لم يذكر الشافعي في مسألتنا إلا قولاً واحداً، فلا يجوز إثبات قول آخر، والفرق أن ههنا هو واجد لما يرفع حدثه، وإذا عدم بعض الماء لا يجد ما يرفع حدثه، ولأن هناك العجز في الآلة لا في بدنه فتجعل القدرة على البعض كالا قدرة، وها هنا العجز، وهو في المحل دون الآلة، فيؤمر بالقدر الذي يمكن، كمقطوع اليد من لكوع بغسل الباقي، وهذا كالخير إذا لم يجد في كفارة اليمين بعض الطعام انتقل إلى الصوم وليس عليه إلا طعام، وإن كان بعضه رقيقاً، وبعضه حراً وهو مالك لجميع ما يلزمه من الطعام، لم يجز له الانتقال إلى الصوم فكذلك ها هنا. وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً يلزمه غسل الصحيح ولا يلزمه التيمم، وإن كان أكثره جريحاً يتيمم ولا يغسل منه شيئاً ولا يجمع بين الغسل والتيمم بحالٍ. فإذا تقرر هذا ترتيب عليه في التيمم وغسل ما قدر عليه، فإن شاء قدم التيمم وإن شاء آخرة، فإذا ٍ [170 ب/1] وجد من الماء ما لا يكفيه وقلنا: يلزمه استعماله، فإن يلزمه تقديم استعماله ليصير عادماً للماء ثم يتيمم، والفرق ن ذلك التيمم لعدم الماء فمما لم يعدم الماء لا يجوز له التيمم، وهذا التيمم للعجز والعجز موجود قبل غسل الصحيح، فجاز قبل غسله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدها: يلزم الترتيب فيهما. والثاني: ما ذكرنا من الفرق وهذا ليس بشيء. فإذا تقرر هذا، فإن كان جنباً فهو بالخيار في تقديم ما شاء منهما لأنه لا ترتيب في الغسل من الجنابة، وإن كان محدثاً نظر إلى موضوع الجرح، فإن كان في غير أعضاء الوضوء يعرضه الوضوء، ولا حاجة معه إلى التراب، وإن كان في أعضاء الوضوء وجب الترتيب، كما لو قدر على غسل الكل لا ينتقل إلى عضو قبل إسقاط فرض ما قبله فعليه استعمال الماء في الصحيح والتراب في القريح، فإن كان في الوجه مثلاً قدم

مسحه بالتراب مع اليد، ثم غسل ما بعده بالماء، وإنما بدأ الشافعي بالتيمم ها هنا ليزيل بعد الغسل التراب عن وجهه، وإن كان في اليدين قدم غسل الوجه، ثم إذا فرغ تيمم على الوجه واليدين لليدين، ثم يغسل ما قدر من اليدين، لأنه لا يجوز المسح على الرأس قبل إسقاط فرض اليدين، ولو كان الجرح على رأسه ورجليه ولا يمكن [171 أ/1] مسح جزء من رأسه يغسل وجهه ويديه، ثم يتيمم في وجهه ويديه للرأس والرجلين، ولا يجوز أن يقدم التيمم لمراعاة الترتيب، وبهذا قال جمهور أصحابنا، وهو المذهب، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا والثاني: له أن يؤخر التيمم إن شاء، وأن يقدم إن شاء، وأن يأتي به في حلال المغسول إن شاء، لأنه فرض بنفسه ينفرد عن الوضوء، وإنما يراعى الترتيب في عبادة واحدة، فأما في عبادتين فلا يراعى كما لو فاتته صلاتان يرتب كل واحدة منهما ولا يرتب إحداهما على الأخرى. وهذا هو اختيار أبي على الستجي- رحمة الله - ولم يساعده سائر أصحابنا على هذا، وقال جدي- رحمه الله-: يغسل وجهه ويممه ولا يلزمه كمال التيمم، وكذلك في اليد، وعلل بأن كل عضو منفرد بنفسه واختار هذا، وعندي أنه لا وجه لهذا الاختيار. فإذا تقرر هذا، فلو أمكنه أن يغسل رأسه ولا يصيب القرح الذي في وجهه، بأن يستلقى أو يقنع رأسه فإنه يلزمه غسله، لأنه يقدر على غسله من غير ضرر يلحقه، وإن قدر على غسل ما حوالي القرحة فإنه يلزمه غسلها، وإن خاف إذا صب الماء عليه أن يتفش إلى القرح. قال في "الأم": أمسه الماء إمساساً [171 ب/1] لا يفيض وأجزاء. فأقام المسح مقام الغسل، وحكم بجوازه للعذر، قال أصحابنا: حكم بجوازه مع التيمم، لأن التيمم ينوب عن جميع الغسل إذا تعذر، فالآن ينوب عن صفة الغسل وهي إفاضة الماء أولى إذا عجز عنها وقدر على المسح، وإن كان القروح في ظهره ولا يضبطه. قال في "الأم": إن كان من يضبطه برؤيته أمره بغسل الصحيح، وكذلك إن كان عمى ولا يضبط هذا في شاء من بدنه يلزمه أن بغسل الصحيح من بدنه، فإن لم يكن هناك أحد يصليان بالتيمم بعد غسل ما قدر عليه، والتيمم على الوجه واليدين، ثم يعيدان عند القدرة كما قلنا في الأقطع، وكذلك المريض إذا لم يقدر على من يوضئه وهناك ماء، ولو كانت له أفواه مفتحة على موضوع التيمم أمر التراب على ما انفتح منها لأنه لا ضرر عليها من التراب. وقد صار ظاهراً. فرع لو توضأ وتيمم للجرح ثم برأ الجرح حقيقة يغسل ما برأ، ثم يعيد غسل ما بعده على الترتيب، لأن جواز ذلك كان للعذر، وقد ارتفع العذر. وقال بعض أصحابنا: هل يلزمه الاستئناف أو يكفي غسل ذلك الموضوع؟ قولان بناء على ما لو نزع الخف هل يعيد الوضوء أو يكفيه غسل الرجلين؟ قولان، وهذا لا يصح لأن هناك لا يؤدي إلى ترك [172 أ/1] الترتيب. بخلاف ها هنا فلا معنى فيه للقولين.

فرع آخر لو كان الجرح على وجهه ويديه ورأسه بحيث لا يقدر على مسح شيء منه أصلاً ورجله يغسل ما قدر من وجهه ويتيمم لباقيه، ثم يغسل ما قدر من يديه ويتيمم للباقي، ثم يتيمم لمسح الرأس، ثم يغسل ما قدر من رجليه، ويتيمم لما بقي فيحتاج إلى أربع تيممات كما ذكرنا من مراعاة الترتيب، ثم إذا دخل وقت صلاة أخرى عاد حكم الحدث في حق الفريضة الثانية فيعيد التيممات ويراعى الترتيب، ولا يلزمه إعادة ما غسل من الوجه، ويلزم إعادة ما بعده. فإن قيل: أليس التيمم يقع على جميع الأعضاء الأربعة ويسقط به الفرض دفعة واحدة من غير مراعاة الترتيب، .... ويكفيه تيمم واحد. كما قال أبو علي- رحمه الله، قيل: إذا وقع عن جملة الوضوء كان الحكم له دون أعضاء الوضوء، وههنا ينوب عن بعضها، ويفعل بعضها فعتبر فيما يفعل من ذلك الترتيب. مسألة: قال: "وَإِنْ كَانَ عَلَى قُرْحِهِ دًمُ يَخَافُ غُسْلَهُ تَيَمٌمَ وَصَلَ وَأَعَادَ" وفي نسخة: "وإن كان على قروحه". وهذا كما قال: إذا كان على قرحه دم يخاف عسله وهو جنب ومحدث، ولكن الجرح كان على بعض أعضاء وضوءه، ولولا الخوف لم تجزه الصلاة دون غسله ذلك يتيمم [172 ب/1]، لترك غسل بعض أعضاء الطهارة للعذر، ثم عليه إعادة الصلاة، لأنه صلاها مع نجاسة لا يعفى عن غسل مثلها. والتيمم إنما يكون بدلاً عن الغسل في طهارة الحدث لا في طهارة النجس. وقال أبو حنيفة: يصلي بالتيمم ولا يعيد. وبه قال المزني، وقد قال ابن خيران: للشافعي قول في القديم أنه يلزمه الإعادة. وسائر أصحابنا قالوا: هذا قول الربيع والمزني، فالمسألة على قول واحد أنه يعيد لأنه عذر نادر لا يدوم. فرع لو كان عليه نجاسة ولا ماء معه لا يتيمم لأجل النجاسة، وروى عن أحمد أنه قال: يتيمم لها، لأن إزالة النجاسة إحدى الطهارتين فينوب عنها التيمم كالطهارة من الحدث، وهذا غلط لأن التراب لو ناب عن الماء لكان يقع في محله كالاستنجاء، والوضوء. فرع آخر لو كان محدثاً وعلى بدنه نجاسة ومعه ما يكفيه لأحدهما يقدم إزالة النجاسة. قال أحمد: يقدم إزالة الحدث، وهذه ول مسألة خالف فيها أبو حنيفة أستاذه حماداً، وهو

غلط، لأن الماء إذا استعمله في إزالة النجاسة ثم تيمم يصلي طاهراً من النجاسة بالماء، ومتيمماً عن الحدث ولا يلزمه إعادة الصلاة، وإذا استعمله في الحدث يصلي مع النجاسة ولا ينوب عنها التيمم وتلزمه الإعادة، فكل ما قلناه [173 أ/1] أولى. فرع آخر هل يجوز أن يتيمم لحدثه قبل استعمال الماء في نجاسته؟ وجهان: أحدهما: يجوز، لأنهما طهارتان مختلفتان عن شيئين فلا تكون إحداهما بالتقديم أولى، وهذا أصح. والثاني: لا يجوز، لأن التيمم إذا لم يستبح به الصلاة كان باطلاً، وإذا تقدم مع بقاء النجاسة لا تستباح به الصلاة، وهذا غلط، لأن المقروح يقدم التيمم على الماء، وإن كان لا يستبيح به الصلاة. مسألة:)) وَإِذًا كَانَ في الْمِصْرِ في خًشً، أَو مَوْضَعٍ نَجِسٍ، أًوْ كَانَ مَرْبٌوطاً عَلَى خَشَبَةٍ صًلَّى يُومِاءُ وًيًعُيدُ إِذَا قَدَرَ)) وهذا كما قال الحش: هو البستان من النخيل كان الناس يأتونه للغائط والبول، فلما حدثت هذه الكنف استعاروا هذا الاسم، وحملته أنه إذا حبس الإنسان في موضع نجس وهو متطهر فدخل عليه وقت الصلاة ومعه ما يستر به عورته، يستر عورته ويحرم بالصلاة ويأتي بالقيام والقراءة والركوع، فإذا أراد أن يسجد فإنه يدنى رأسه من الأرض إلى أقصى ما يقدر عليه ولا يضع جبهته وأنفه ولا يديه ولا ركبتيه على الموضع النجس، فإذا بلغ التشهد فإنه يتشهد قائماَ، ولا يجوز له أن يجلس للتشهد على الموضع النجس. وقد روى عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم [173 ب/1] قال: ((إذا لم يقدر أحدكم على الأرض، وإذا كنتم في طين وقصب أو مؤوا إيمان)). وروي ن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في الرداغ والقصبا فقال: ((إذا لم يستطيع أحدكم أن يسجد فليوماء إيماء)). ومن أصحابنا من قال: يكون على رجليه عند التشهد بحيث لا يكون على الأرض منه إلا رجلاه، ةهذا هو أصوب عندي. ومن أصحابنا من قال: إنه يسجد على الموضع النجس كما يسجد على الموضع الطاهر، وقول الشافعي: صلى يوماء يرجع إلى مسألة المربوط؛ لأنه لا يقدر على أكثر من الإيماء. فأما المحبوس في الحش فلا، وهذا لأن السجود ركن من أركان الصلاة، والطهارة شرط من شرائطها، فلا يجوز له ترك الركن المقدور لعدم الشرط، وهذا خلاف ظاهر النص، ألا ووجهه أن فرض الصلاة قد يسقط مع ترك السجود والركوع إلى الإيماء، ولا يسقط مع مباشرة النجاسة.

وذكر بعض أصحابنا ما يدل على أنه يضع أعضاء السجود على النجاسة ويدنى جبهته إلى الأرض، وهذا أيضاً غلط. وحكى الطحاوي، عن أبي حنيفة أنه لا يصلي صلاً، وقال صاحب ((الحاوي)): عندنا هل يصلي واجباً أو استحباباً؟ قولان: أحدهما: قال في ((القديم)) وإملاء)): يصلي استحباباً [147 أ/1]. والثاني: قاله في ((الجديد)). وفي ((الأم)): يصلي واجباً ولا شك أنه يحل له أن يصلي بحرمة الوقت وهذا غريب. فرع إذا صلى هكذا، قال بعض أصحابنا: هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان. قال في ((القديم)): لا تلزمه الإعادة. ومن أصحابنا من قال: يلزمه إعادتها قولاً واحداً خلافاً للمزني، ولا يصح القول الآخر عن القديم، وهذا لأنه نادر لا يدم فلا تسقط الإعادة. فرع آخر إذا أعادها. ماذا يكون فرضه؟ قال في ((الأم)) الثانية فرضه لأنه لا يعتد بالأولى، وإنما أمرته بها لأنه يقدر على الصلاة بحال فلا أدري ن يمر به وقت الصلاة ولا يصلي كيف أمكنه. وقال في ((الإملاء)): كلتاهما فرضه لأنه لا يعتد بالأولى وإنما أقرته بها لأنه يقدر على الصلاة بحال فلا أرى أن يمر به وقت صلاة ولا يصلي كيف أمكنه وقال في الإملاء: كلتاهما فرضه لأنه أتي ببعض الأفعال في الأولى وباقيها في الثانية، والله تعالى يحتسب له بهما؛ لأن فعلهما كان فرضاً متوجهاً عليه. وهذا اختيار بعض مشايخنا. وقال في ((القدم)): الأولى في فرضه، والثاني سنة، وهذا هو غير قول المزني، وخرج أبو إسحاق قولاً رابعاً أن الله تعالى يحتسب له بأيهما شاء، وإنما خرجه من قول الشافعي في ((القديم)) إذا صلى من [174 ب/1] لا عذر له الظهر يوم الجمعة، ثم حضر الجامع وصلى الجمعة يحتسب الله تعالى له بأيتها شاء فحصل أرعة أقوال، والمشهور الأول، ومن بصر قول الإملاء قال: هذا الذي خرجه أبو إسحاق لا يصح؛ لأنه وجب عليه أن يسقط فرضه بالجمعة ولم يأمره بهما، وها هنا أمر بهما فيجب ن يكونا فرضين. فرع آخر لو قدر على شيء طاهر يبسطه على الموضع النحس سوى ما يستر به عورته يلزمه أن يبسطه، ويصلي عليه حتى لو قدر على أن يفرش تراباً طاهراً يلزمه أن يفرشه ويصلي عليه ولا إعادة. وقال بعض أصحابنا بخراسان لو كان على بدنه ثوب طاهر يستر العورة فإنه ينزعه ويبسطه، ويصلي عارياً لتكون صلاته على موضع طاهر في أحد الوجهتين. وهذا هو

خلاف المذهب المشهور. وأما المربوط على خشية. فإنه يأتي بما قدر عليه ويوماء بما لا يقدر عليه، والذي يقدر عليه التكبير والقراءة والتشهد ويلزمه الإعادة، وهكذا الأسير يمنع والمستكره، ومن حيل بينه وبين تأدية الصلاة صلى كما قدر جالساً ومومئاً وأعادها إذا قدر. نص عليه في ((الأم))، وقال القفال: إن كان المربوط مستقبل القبلة لا إعادة، وإن كان إلى غير القبلة فإنه تلزمه [175 أ/1] الإعادة، وهكذا الغريق يتعلق بعود ويصلي بالإيماء، وذكره ابن أبي أحمد في ((التلخيص)) وهو خلاف النص المشهور، وقيل: هل يعيد الغريق؟ قولان على الإطلاق، وفي المريض إذا لم يجد من يوجهه إلى القبلة صلى كيف قدر وهل يعيد؟ قولان كالغريق، وقيل: قول واحد أنه يعيد؛ لأنه يندر في حقة ذلك في الغالب. مسألة: قال: ((وَلَوْ أَلْصَقَ عَلَى مَوْضِع التَّيمٌمِ لُصُوقاً نَزَعَ اللٌصُوقَ وَأَعَادَ)). وهذا كما قال. اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة فمنهم من قال: صورتها ألا يكون القرح على موضع التيمم فألصق عليه لصوقاً يمنع إيصال التراب إلى البشرة، مثل الكاغد أو القطنة، ولا يخاف من نزعه الضرر ولكن يخاف من إمرار المء على ما تحته؛ ولا يخاف من إمرار التراب عليه إذ لاضرر منه، يلزمه غسل ما قدر عليه ويتيمم على الوجه واليدين، وبنزع اللصوق وهو التراب عليه ويصلى ولا يعيد الصلاة. وقوله: وأعاد: أراد إعادة اللصوق على موضعه. ومن أصحابنا من قال: صورتها أنه يخاف من نزعه الضرر لإيصال الغبار إلى ما تحته يتيمم فوق اللصوق، ويكون حكمه حكم الجبيره يمسح عليه ويعيد الصلاة إذا قدر. ونص عليه في ((القديم)) فقال: يمسح على اللصوق إذا لم يكن نزعه وقوله أعاد: أي أعاد [ب 175/ 1] الصلاة إذا برأ وقدر على نزعه، وهذا على القول الذي يقول: إن صاحب الجبائر يعيد الصلاة وهذا أولى؛ أن الشافعي يتكلم في الأحكام وإعادة اللصوق إلى موضعه ليس بحكم بل هو تدبير للجريح. مسألة: قال: ((وَلاَ يَعْدُو بِالْجَبَائِرِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ)). وهذا كما قال: الجبائر هي ألواح من الخشب، أو من الصب تربط على العظم المكسر من الساق أو الساعد لتنجبر، واحدتها جبيرة وجبارة، وجملته أنه إذا انكسر عضواً من أعضائه وأراد شد الجبائر عليه شدها على الطهارة، كالخفين يلبسهما على الطهارة إذا أراد المسح عليها، ولا يعدوا بالجبائر موضع الكسر وحوله الذي لا يمكن الجبر إلا بوضعها عليه، وفيما نقله المزني خلل؛ لأنه لم يقل وحوله، والشافعي كان قد قال ذلك، وقيل: هذا مراد المزني وإن لم ينقل ذلك، واللفظ محتمل فلا خلل فيه، ثم إذا وضعها كذلك فدخل وقت الصلاة وقد أحدث، فإن لم يخف من حلها ضرراً

لزمه حلها، وإن خاف من حالها ضرراً مسح على الجبائر جنباً كان أو محدثاً في كيفية المسح. أحدهما: يستوعبها بالمسح؛ لأنه مسح أقيم مقام الغسل للحجز لا على وجه الرخصة، فأشبه مسح التيمم، فعم العضو الذي يكون فيه. والثاني: يكفي ما يقع عليه الاسم وهو الأظهر؛ لأنه مسح بالماء كمسح الرأس والخفين [176 أ/1]، أو مسح على حائل منفصل كمسح الخف، ولا يكون مقدراً بمدة قولاً واحداً، بل يمسح إلى أن يبرأ ويقدر على حلها؛ لأن الحاجة تدعو إلى هذا المسح من غير تأقيت، بخلاف المسح على الخفين، ولهذا فرق في المسح على الخفين بين الحدث الأصغر والحدث الأكبر وهي الجنابة بخلاف هذا. وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهاً أنه يتقدر بيوم وليلة كمسح الخف وليس بشيء، وإذا تطهر ومسح عليها بالماء ففي التيمم للقدر الذي لم يصل الماء إليه قولان: أحدهما: قاله في ((القديم)) ونقله المزني أنه لا يحتاج إليه؛ لأنه مسح على حائل دون العضو، فاقتصر عليه كالمسح على الخف. والثاني: لا بد من التيمم نص عليه في ((الأم)) لأنه ترك إيصال الماء إلى العضو بخوف التلف، فلزمه التيمم كالجريح، ولأن الكثير يجوز أن يكون كالماسح، على الخفين، فيكفيه المسح، ويحتمل أن يكون كالجريح فيكون فرضه التيمم فجمعنا بينهما احتياطاً. ومن أصحابنا من قال: يُنظر، فإن كان تحت الجبيرة جراحة لو كانت ظاهرة لا يلزمه غسلها للخوف فإنه يلزمه التيمم، وإن لم يكن ذلك لا يلزمه التيمم، وهذا هو اختيار بعض مشايخ خراسان، فإن قلنا: لا يتيمم عليه أجرأة المسح بالماء من الحدث إلى الحدث كالمسح على الرأس. فإذا قلنا: يلزمه التيمم يلزمه أن يحدث لكل فريضة يتيممها؛ أنه لا يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرض، وليس عليه [176 ب/1] غسل الصحيح بكل صلاة، ولا إعادة المسح ما لم يحدث وعلى الترتيب على ما بيننا، وهو أن لا ينتقل إلى عضو حتى يسقط فرض ما قبله، فإن كان الكسر في نفه لم يغسل اليدين حتى يسقط فرض الوجه بغسل الصحيح، والمسح على الجبيرة بالماء والتيمم على الظاهر ولحائل واليدين، ثم ينتقل إلى اليدين، وإن كان الكسر في اليد غسل وجهه ويديه على الإمكان، ويمسح على الجبيرة ويتيمم، ثم ينتقل إلى مسح الرس، وإن كانت جبائر يرفع جبائر إحدى يديه لا يلزمه رفع الجبائر عن اليد الأخرى، بخلاف ما إذا نزع أحد الخفين فإنه يلزمه نزع الخف الآخر؛ لأنه قد يتصور في يد واحدة على الانفراد. بخلاف المسح على الخف بأنه لا يتصور في إحدى الرجلين مع وجودهما. فإذا تقرر هذا وصلى على هذه الطهارة هل يلزمه إعادة الصلاة؟ قال الشافعي: إن صح حديث على- رضي الله عنه- أنه انكسر إحدى زنديه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمسح على الجبائر)) قلت به، يعني لم يأمره بإعادة الصلاة، فإن صح قطعت القول به، وهذا

مما (استخير) الله تعالى فرأى كلا القولين محتمل، ولكل واحد وجه، وهذا من الشافعي دليل على مسألة في الأصول، وهو أن السكوت وعدم النقل دليل على عدم الحكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم [177 أ/1] سكت عن الإعادة فجعله دليلاً على نفي وجوب الإعادة. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن صح الخبر فلا إعادة قولاً واحداً، وإن لم يصح فعلى قولين، والخبر لم يصح لأنه رواه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي، عن زيد بن علي بن الحسين بن على عن آبائه، عن علي- رضي الله عنه، قال أحمد، ويحي بن معين، وإسحاق، وأبو زرعة وغيرهم: أبو خالد هذا ضعيف يضع الحديث، وكان كذاباً، وزيد عن أبائه مرسل. ومن أصحابنا من قال: صح الخبر ولم يصح فيه قولان، والطريق الأول هو أصح، ووجه قولنا يلزمه الإعادة أنه ترك غسل العضو لعذر نادر غير متصل، فصار كما لو ترك غسل الغسل ناسياً ووجه قولنا لا تلزمه الإعادة وهو الصحيح عندي؛ حديث جابر- رضي الله عنه- في الذي أصابته الشجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما كان يكفيه أن يتيمم)) ويعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر بدنه. ولم يذكر الإعادة وكان الفرص بذلك البيان، وإذا ثبت ها هنا أنه إعادة ثبت في مسألتنا، وأما قول القائل الأول: إنه نادر، قلنا: ليس كذلك لأنه يقع في الغالب، ومن جملة الأمراض، وهذا كله إذا وضعها على طهر، فأما إذا وضعها على غير طهر يلزمه نزعها إن لم يخف [177 ب/1] التلف، وإن خاف التلف لا يلزمه نزعها. وقال الشافعي في ((الأم)): لم يسمح عليها، ولم يرد به أنه لا يجوز له المسح، بل يلزمه المسح، ولكن أراد به أنه لا يسمح مسحاً يعتد به في سقوط الفرض بحيث لا تلزمه الإعادة بقول واحد تلزمه الإعادة. ومن أصحابنا من قال: هل تلزمه الإعادة ها هنا أيضاً؟ قولان، لأن الشافعي قال: وإن خاف الكسير غير متوضاء التلف إذا ألقيت الجبائر ففيها قولان، وهذا غلط. وهو بخلاف ما توهم هذا القائل؛ لأن معنى قوله: غير متوضاء أي وقت الحاجة إلى المسيح غير متوضاء، وكان الوضع على الوضوء ثم أحدث، والدليل على هذا هو أن هذا اللفظ منقول عن الجديد، وفي الجديد لزوم الإعادة إذا وضعها على غير طهر قولاً واحداً، وكذلك إذا عدا بالجبائر موضع الحاجة فإنه يلزمه إعادة الصلاة قولاً واحداً. ومن أصحابنا من قال: إن لم تضع على طهر أعاد، في ((الجديد)) قولاً واحداً، وفي ((القديم)) قولان، وإن وضع على طهر ففي الجديد قولان، وفي القديم: لا يعيد قولاً واحداً، ووجه قول القديم في سقوط الإعادة، وإن كان الوضع من غير طهر [178 أ/1] أنه يجوز هذا المسح للعجز والضرورة لا للرخصة، فلا يشترط وجود شرط الجواز وهو الطهر، بخلاف المسح على الخفين. وهذا يحكى عن أحمد في رواية، ولا يصح عن الشافعي أصلاً.

فرع لو كانت الجبائر على موضع التيمم، فإن قلنا: يكفيه المسح بالماء مسح وأجزأه، وإن قلنا: يحتاج إلى التيمم معه يمسح بالماء ويتيمم ويمسح بالتراب على الجبائر، وتلزمه الإعادة للصلاة قولاً واحداً، لأن الجبائر لا يجزاء مسحها عن التيمم، ولا يكون بدلاً عن بدل، ذكره القاضي الطبري. وسائر أصحابنا لم يفصلوا هكذا، وهو على ما ذكر رحمه الله، وحكم اللصوق حكم الجبائر إذا جعلناه كالجبائر على ما تقدم ذكره، وهكذا لو وضع على جرحه دواء لا يقلع حتى يندمل، كالعلك والصمغ يكون كاللصوق والجبائر. فإذا تقرر هذا، اختار المزني من القولين أنه لا تلزمه الإعادة، وقاس على ذلك جميع المسائل التي قدمناه ذكر بعضها، واحتج بأربعة مسائل: إحداها: المستحاضة: فإن الحدث والنجاسة بها موجودة ولا تلزمها الإعادة. والثانية: المستأنف يصلي إيماء ولا يعيد. والثالثة: العريان يصلي ولا يعيد. والرابعة: من معه ماء ويخاف العطش يتيمم ولا يعيد، ثم قال: كما جعلنا الماء الموجود في حق العطشان كالمعدوم كذلك [178 ب/1] الدم على الجراحة يجعل كالمعدوم في جواز الصلاة عند إزالته، والجواب عن الكل أن يقول الأعذار قسمان، قسم هو عام، وقسم هو نادر. فالعام مثل العري والمرض الذي يعجزه عن القيام والقعود، وخوف العطش في السفر، والمسابقة، فإن الناس كثيراً يمرضون وفيهم فقراء لا يجدون ما يستر العورة، ويضطرون إلى مقاتلة الأعداء، والأسفار، فلا تجب الإعادة في شيء من ذلك. وأما النادر فقسمان: قسم إذا وقع دام كالاستحاضة فلا تجب الإعادة، وكذلك سلس البول، لأنٌا لو لزمنا الإعادة أدى إلى مشقة عظيمة، والأمر إذا ضاق في الشرع واتسع. وقسم إذا وقع لا يدوم كالدم على الجرح يخاف غسله, والحبس في الجيش وغير ذلك, فلا تسقط الإعادة؛ لأنه لا يؤدي إلى المشنقة عامة لقلة الصلوات التي تأمره بإعادتها ومسألة الجبيرة من أصحابنا من ألحقها بالنادر الذي يدوم, ومنهم من ألحقها بالذي لا يدوم, ثم ناقص المزني بأعذار نادرة تجب الإعادة معها: منها: لو أقعده عذر عن القيام في الصلاة يصلي قاعداً تلزمه الإعادة. ومنها: لو حيل بينه وبين الماء في البلد, والماء موجود فتيمم وصلى أعاد, وكذلك من لم يجد ماء ولا تراباً [179 أ/ 1] يصلي ويعيد. فرع ذكره والدي الإمام - رحمه الله:- وهو إذا منع الرجل التوضئ إلا متكوسا ولا ماء غيره هل يتيمم؟ قولان, وذلك أنه يتمكن من تحصيل طهارة الوجه فقط, فهو كما

لو وجد ما لا يكفيه لوضوءه, هل يلزمه استعماله؟ فيه قولان, ولا تلزمه إعادة الصلاة إذا أمتثل المأمور به على القولين. مسألة: قال: ((ولا يتيمم صحيح في مصرٍ لمكتوبةٍ ولا لجنازةٍ)). وهذا كما قال لا يجوز للصحيح المقيم أن يتيمم مع وجود الماء بخوف فوت صلاة, سواء كانت صلاة بجنازة أو صلاة العيدين أو غيرها. وبه قال مالك, واحمد, وأبو ثور, وقال الشعبي, وابن جرير, وداود: و ((لا تفتقر صلاة الجنازة إلى الطهارة أصلاً لأنها دعاء للميت, وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) , وهذا غلط لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الآية, وهي صلاة بدليل قوله تعالى: {ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] ولأنها عبادة تفتح بالتكبير يلزم فيها استقبال القبلة تفتقر إلى الطهارة كسائر الصلوات. قال أبو حنيفة, والثوري, والأوزاعي, والليث: إنه يجوز التيمم لها مع وجود الماء إذا خاف فوتها, واحتج الشافعي عليه بأنه لو جاز ذلك لجاز لفوت صلاة الجمعة؛ لأنها أكد, فإذا لم يجز التيمم عند وجود [179 ب/ 1] الماء لخوف فوت الأوكد, فلان لا يجوز لخوف فوت الضعف أولى, فإن قيل: الجمعة لا تفوت إلا بدل وهو الظهر, فإن الظهر بدل عنها, وصلاة الجنازة تفوت لا بدل. قيل: لا يسلم؛ لأن عندنا يصلي على القبر فلا يفوت, ثم أبدى الشافعي الحجة بما روى, عن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئاً. وهذا ليس بإخبار عن ابن عمر, ولكنه إشارة إلى الخبر الذي رويناه في تفريق الوضوء, وهو أنه أتى المصلى والجنازة موضوعة فدعا بماء ومسح على خفية, ثم صلى, فلو جاز أداء هذه الصلاة بالتيمم مع وجود الماء كان الأشبه أن لا يؤخر ابن عمر الصلاة, إلا أن يؤتى بماء بعد نهي عن تأخير الصلاة عليها بعد ما وضعت, وإنما خص ابن عمر بالرواية عنه لهذا المعنى أيضًا. وقد روى عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصلى على الجنازة إلا بوضوء)). مسألة: قال: ((فإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة غسل أي بدنه شاء)). الفصل وهذا كما قال, إذا كان في السفر فأجنب ووجد من الماء ما يكفيه لغسل بعض بدنه, أو أحدث ووجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء وضوءه, ففيه قولان: أحدها:

[(179) أ/ 1] أنه يلزمه استعمال الماء وهو الصحيح, وبه قال عطاء, ومالك, والحسن بن صالح بن حي, ويعمر بن راشد, وهذا لأنه شرط من شرائط الصلاة, فإذا قدر بعضه يلزمه إتيانه كستر العورة وإزالة النجاسة. والثاني: يستحب له استعماله ولا يجب, بل يقتصر على التيمم نص عليه في ((الإملاء)) والقديم. وبه قال أبو حنيفة والثوري, والأوزاعي, وداود, والمزني وروي ذلك عن الزهري. وحكي عن أحمد أنه قال: الجنب يستعمل الماء ويتيمم, والمحدث يتيمم فقط, ومن أصحاب أحمد من يقول المحدث كالجنب أيضا. وروى عن الحسن أنه قال: إذا كان معه من الماء ما يغسل به وجهه ويديه غسلهما ولا يتيمم؛ لأنه قادر على غسل محل التيمم. وروى مثله عن عطاء, وزاد عليه فقال: إذا وجد من الماء ما يغسل به غسله, ومسح كفيه بالتراب, واحتج المزني على اختياره بان كل أصل له بدل وجود بعضه كلا وجود لوجود بغض الرقبة في الكفارة كلا وجود, والجواب عن هذا نص الكتاب فرق بينهما, قال الله تعالى في الكفارة {َمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} [النساء: 92] يعني من لم يجد رقبة وبغض الرقبة لا يسمى رقبة, وها هنا قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وبعض الماء يسمى ماء فلا يجوز له التيمم مع وجوده, وأيضا إعتاق نصف الرقبة بعد صوم [180/ 1] شهرين لا يفيد, لا في هذه الكفارة ولا في غيرها, وههنا يفيد ما يستعمل من الماء؛ لأنه إذا وجد ماء آخر فإنه يتيمم به وضوءه ويستبيح به, وبما تقدم الصلاة المستقبلة, فلهذا فرقنا بينهما, ولا يصح ما قاله الحسن لأن غسل الوجه واليدين بعض الطهارة, وبعض الطهارة لا ينوب مناب جميعها. فإذا تقرر هذا, فإن قلنا: يستحب استعماله, فإن كان جنبًا غسل رأسه وتيمم, وإن كان محدثا غسل وجهه وتيمم, وإن قلنا: يلزمه استعماله, فإن كان جنباً غسل أي موضوع شاء من يديه ثم تيمم؛ لأنه لا ترتيب فيه, ولكن قال بعض أصحابنا: يستحب أن يبدأ بأعاليه من رأسه وما يليه, وإن كان محدثا يلزمه الترتيب, فيغسل وجهه ثم يديه حتى يفنى الماء الذي معه, وقبل استعمال هذا لا يجوز له التيمم, نص عليه في ((الأم)). ومن أصحابنا من قال: أصل القولين في هذه المسألة تفريق الوضوء, فإن جوزنا تفريق الوضوء يلزمه استعماله؛ لأنه يرجو وجود ما بعد ذلك فيغسل باقي بعض أعضائه, فإن لم يجوز التفريق لا يلزمه استعماله, ومن أصحابنا من قال: هما قولان بأنفسهما وهو الأصح؛ لأن تفريق الوضوء بالعذر يجوز قولاً واحداً, وههنا هو معذور فيجب أن يلزمه استعماله قولاً واحداً.

فرع لو وجد من الماء ما لا يكفي لوضوءه ولا يجد التراب. قال أصحابنا: يلزمه استعمال [أ 181/ 1] الموجود قولاً واحداً؛ لأنه لا يقدر على البدل الكامل ها هنا بخلاف غير هذا الموضوع ويفارق بعض الرقبة لا يلزمه إعتاقه, وإن لم يقدر على الصوم؛ لأن الكفارة ليست على الفور فلا يخاف فوتها, فنأمره بالتأخير بخلاف الصلاة فأمرناه أن يأتي بالمقدور, ويحتمل عندي أن يقال: يجعل كأنه لا يجد ماء ولا ترابا؛ لأن هذا القدر من الماء لا يرفع حدثه. فرع لو وجد من التراب ما يكفي لوجهه وحده فيه وجهان: أحدهما: يلزمه استعماله؛ لأن التراب لا بدل له كما لو قدر على بعض ستر العورة. والثاني: لا يلزمه استعماله؛ لأن الطهر لا يتم باستعمال الموجود وليس للمعدوم بدل يأتي به حتى يسقط عنه فرض الطلب, فيكون حاله ما يستعمل القدر الموجود من التراب مخاطبا بطلب ما يستعمله في طهارته, والتيمم مع وجوب طلب الطهور لا يجوز. فرع آخر لو تيمم من الحدث لعدم الماء, ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء وضوءه هل يبطل تيممه؟ قولان, وكذلك لو تيمم عن الجنابة وصلى صلاة الفريضة, ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض بدنه, هل يبطل تيممه؟ قولان. وكذلك لو تيمم عن الجنابة وصلى صلاة الفريضة ثم وجد من الماء ما يكفيه لبعض بدنه هل يبطل تيممه؟ قولان فإذا قلنا: فإذا قلنا: لا يبطل يصلي ما شاء من النوافل بالتيمم السابق, وإذا [181 ب/ 1] قلنا: يبطل لزمه استعماله ثم يتيمم تيمماً أخر, ثم يصلي به فريضة وما شاء من النوافل. فرع آخر لو أجنب رجل واغتسل وبقي لمعة على غير أعضاء الوضوء لم يغسلها, ثم أحدث وتيمم, ثم وجد من الماء ما يكفيه لغسل تلك اللمعة ولا يكفيه للوضوء, فإنه يغسل به تلك اللمعة, وهل يعيد عن الحدث؟ على هذين قولين, فإن قلنا: يلزمه استعماله في الابتداء أعاد التيمم ها هنا, وإلا فلا يعيد, وإنما يعيد التيمم على القول الأول؛ لأن تيممه كان بدلاً عن وضوءه وباقي غسله, فلما وجد الماء انتقض في حقه؛ لأنه ليس لذلك الماء اختصاص بأحدهما دون الآخر, غير أنه أتم غسله ونفى الحدث وقد بطل التيمم في حقه فيعيد, وعلى القول الأخر ذلك الماء القليل اختص بإتمام الغسل به إذا لم يكن كافياً للوضوء فلا يبطل التيمم في حق الوضوء.

فرع آخر لو أجنب رجل ولم يجد الماء فتيمم وصلى فريضة واحدة ثم أحدث لم يجز له أن ينتقل لأجل الحدث, ولو وجد من الماء ما يكفيه لأعضاء وضوءه ولا يكفيه لجميع بدنه. قال ابن سريج: إذا قلنا لا يجب استعماله لو توضأ بهذا الماء ارتفع حدثه, وله أن ينتقل من غير تيمم؛ لأن التيمم الذي فعله للجنابة باق لم يزل حكمه, وغنما حصل المنع بالحدث. فإذا توضأ زال حكمه فجاز [182 أ/ 1] له أن ينتقل, وليس له أن يصلي به فريضة أخرى؛ لأن هذا الوضوء لا ينوب عن الجنابة, وقد يصلي فريضة واحدة بالتيمم وهو بمنزلة جنب تيمم وصلى به فريضة, ثم إصابته نجاسة يجب غسلها, فحرم عليه فعل النوافل, ثم غسل النجاسة زال المنع وعاد إلى حالته الأولى في استباحة النفل دون الفرض, كذلك هاهنا, وليس على أصلنا وضوء نستبيح به النوافل دون الفريضة إلا في هذا الموضوع, فإن لم يتوضأ به وأراد أن يتيمم جاز على هذا القول, ثم نوى بالتيمم الفريضة يصليها والنوافل معها, وإن نوى به النافلة يصح ويستبيحها دون الفريضة؛ لأنه يجوز أن يستبيح بهذا التيمم الفريضة والنافلة فجاز أن يستبيح به النافلة وحدها. وقال القاضي الطبري: لا يصح تيممه عندي للنافلة؛ لأنه يقدر على الوضوء لها فلا يستبحها بالتيمم, ويفارق التيمم الفريضة لأنه ينوب عن الجنابة, وإذا تيمم للنافلة ناب تيممه عن الوضوء, فإن قيل: إذا لم يستبيح الفريضة بالوضوء فكيف يستبيحها بالتيمم؟ قيل: لأن الوضوء يزيل منع الحدث فقط, والتيمم يزيل منع الجنابة والحدث, ألا ترى أنه لو لم يحدث وتيمم استباح الفريضة, ولو وجد هذا القدر من الماء فتوضأ به لم يستبح الفريضة, ولو كانت المسألة بحالها ما حدث [182 ب/1] قبل الفرض, ثم توضأ بهذا القدر من الماء. قال والدي الإمام- رحمه الله: هل أن يصلي به الفرض؟ يحتمل على وجهين, والأظهر جوازه, وإن كانت المسألة بحالها فدخل وقت العصر قبل الحدث هل له أن ينتقل؟ وجهان: أحدهما: له ذلك, والثاني: ليس له ذلك, لأنه عاد بدخول وقت فريضة أخرى إلى معناه الأول, وإن قلنا: إنه يلزمه استعمال ما لا يكفيه من الماء فإن تيممه قد بطل بوجود الماء القليل, فيلزمه استعماله ولو توضأ به لا ينتقل ما لم يتيمم. فرع لو أجنب ولم يجد الماء فتيمم استباح الصلاة, وقراءة القرآن وجميع ما يستبيحه بالغسل, فإن أحدث الصغر لم يجز له أن يصلي ولا أن يمس المصحف, ويجوز له أن يقرأ القرآن ويمكث في المسجد, لأن التيمم ها هنا ناب عن الغسل, وهذا الحدث لا يبطل الغسل فلا يبطل ما ناب عنه, ولهذا أن يستبيح الزوج وطئ الحائض بالتيمم والمباشرة بتقدم الوطء, وذلك هو حدث يوجب الوضوء, فلو أبطل تيممها لم يجز الوطئ أصلا.

فرع لو تيممت الحائض بعد انقطاع دمها فوطئها زوجها أراد وطئها ثانيا, هل يجوز بالتيمم الأول؟ وجهان: أحدها: يجوز لأنه قد ارتفع حدث الحيض بالتيمم الأول. والثاني: لا يجوز كما لا يصلي فريضة أخرى إلا بتيمم جديد. ذكره في ((الحاوي)) وغيره والأول [183 أ/ 1] أصح عندي, وهو المذهب, ولو عدمت الماء والتراب لم يحل وطئها لعدم الطهارة ولا ضرورة بخلاف الصلاة. فرع المقيمة إذا عدمت الماء بعد انقطاع حيضها فتيممت حل وطئها, وغن لم تحسب صلاتها لأن الفعال لا تكون بشرط الفضاء بخلاف العبادات. فرع آخر لو وجد الماء بعد التيمم وهو يحتاج إليه لعطش قال في ((الأم)) كان كالعادم. وهذا أصل, وهو أن كل ما منع ابتداء التيمم منع استدامته, وما لا يمنع الابتداء لا يمنع الاستدامة. فرع آخر ذكره والدي- رحمه الله- إذا عدم الجنب الماء فتيمم ليقرأ القرآن, فشرع في القراءة ثم رأى الماء, فإن لم يكن نوى عند الأخذ في القراءة فقرأ قدراً محصوراً من القرآن يلزمه قطع القراءة, وإن كان قدر محصور هل له إتمامها؟ يحتمل وجهين: أحدهما: أن له الإتمام كما نوى صلاة النفل عدداً له إتمامها. والثاني: يلزمه القطع؛ لأن القراءة لا ترتبط بعضها ببعض بخلاف الصلاة, وهذا هو الأصح عندي, ولا وجه للوجه الأول, ولو كان في نصف الآية ليس له إتمامها عندي؛ لأنه يمكن قطعها ويثاب على القدر المقروء قليلاً كان أو كثيراً. فرع ذمية تحت مسلم اغتسلت من حيضها ثم أسلمت, هل يجوز للزوج وطئها قبل الاغتسال في الإسلام؟ قال والدي- رحمه الله- يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز, وهو قلنا طهارة الكافرة ترفع [183 ب/ 1] الحدث. والثاني: لا يجوز وهو الأصح عندي. فرع آخر لو كان ماء الميت لا يكفيه لغسل جميع بدنه, ففي احد القولين يستعمل فيه ثم يتيمم

لما بقي. والثاني: يقتصر فيه على التيمم, فعلى هذا لو استعمله في الميت فإنه يضمن قيمته لوارثه؛ لأنه استهلك من ماله ما لا حاجة به إليه. مسألة: قال: ((وأحب تعجيل التيمم لاستحبابي تعجيل الصلاة)). وهذا كما قال أراد بالتعجيل الأداء في وقت الصلاة يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول وقتها, سواء طمع في وجوده قبل خروج وقتها أو لم يطمع. وأما الفضل ينظر, فإن لم يطمع فيه في آخر وقتها فالأفضل التقديم, فإن طمع ووفق إليه لخبرته بالمكان ومعرفته بالماء فالأفضل التأخير؛ وإن وقف بين الأمرين ففيها قولان. قال في ((الأم)): الأفضل تعجيلها. وقال في ((الإملاء)): الأفضل تأخيرها, وبه قال أحمد, والثوري, وهو اختيار عامة أهل العلم, ووجه هذا ما روى الحارث عن علي- رضي الله عنه- أنه قال في الجنب لا يجد الماء: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت, فإن وجد الماء وإلا تيمم, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)) فأمر بالتأخير لئلا يقدح في الخشوع, فلأن يجوز التأخير لإدراك الطهارة بالماء أولى, ووجه القول الأول للأخبار المروية في هذا الباب, مثل قوله صلى الله عليه وسلم [184 أ/ 1] ((أفضل الأعمال عند الله الصلاة أول وقتها)). ولأنه ترك فضيلة محققة لأمر مظنون فلم يستحب ذلك, وأحتج المزني بهذا, فقال: التعجيل أولى لأن السنة أن نصلي ما بين أول الوقت وآخره. يريد به النصف الأول من الوقت وهو خبر ما بين أول كل شيء وآخره, فما لم يبلغ النصف فهو في حد الأول, وما جاوز النصف فهو في حد الآخر, ثم قال: فما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء فالتيمم مثله. أي لما كانت الصلاة بالوضوء في أول الوقت أفضل كذلك بالتيمم في الجماعة أفضل, ويمكن أن يجاب عن هذا, فإن يقال: فرق بين الوضوء وبين هذا, وذلك أن ها هنا نرجو وجود الأصل وأداء الصلاة بأكمل الطهارتين والأصل بخلاف ذلك. وأما الصلاة جماعة إنما كانت أفضل بالتيمم؛ لأنه ليس في ترك الجماعة. رجاء وجود الماء والوصول إلى فضل الوضوء الذي هو الأصل بخلاف ها هنا, حتى لو رجا بترك وجود الماء يتركها. وقال الطحاوي: عن أبي حنيفة راويتان إحداهما: التأخير أفضل والثانية: أن كان على طمع من الماء فالتأخير أفضل, وإن كان لا يطمع فالتقديم أفضل, وإنما يتصور الخلاف معه في الصلوات التي توافقنا أن تعجيلها بالوضوء أفضل, مثل الظهر [184 ب/ 1] في الشتاء, والعصر يوم الغيم وروي عن مالك أنه قال: يتيمم في وسط الوقت لا يؤخره جداً ولا يعجله.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما قال الشافعي تأخيرها أفضل لأنه يحترز بالتأخير عما لو .... مع الصلاة في أول الوقت بالتيمم, ولو تيقن وجود الماء آخر الوقت لا يجوز له أن يصلي بالتيمم في أول الوقت بالتيمم, وإن تيقن وجود الماء في آخره؛ لأن الله تعالى قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} ولم يعرف. فرع لو لم يكن في أول الوقت جماعة ونرجو وجود الجماعة في آخر الوقت, هل يستحب له تأخيرها؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان بناء على القولين, هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال القاضي أبو علي البندنيجي: قال في ((الأم)) التقديم أفضل, وقال في ((الإملاء)): إن التأخير أفضل, وفي هذا عندي نظر. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان بقربه ماء وهو يخاف فوت الصلاة لو اشتغل بالتوضئ به, نص الشافعي: أنه لا يجوز له التيمم, وكذلك قال في ((العراة)) إذا كان بينهم ثوب يتداولونه فخاف بعضهم فوت الصلاة لو صبر حتى تنتهي غليه النوبة, ولا يصلي عارياً. وكذلك قال في الدلو: إذا كان هناك جماعة ينزحون الماء وخاف فوت الصلاة إلى إنهاء النوبة إليه, أن يصبر ولا يتيمم. وقال في جماعة في السفينة [185 أ/ 1] إذا كان فيها موضع واحد يمكن أن يصلي فيه قائما, وهناك جماعة وخاف أن يفوته الوقت لو صبر حتى تنتهي إليه النوبة صلى قاعداً, ولم نأمره بالصبر فعسر الفرق على أصحابنا, وجعلوا في الكل قولين نقلاً وتخريجاً, ومن أصحابنا من فرق بأن أمر القيام أسهل من غيره ففرقنا. قالوا: أيضا: لو كان الماء بحضرته بعيداً عنه ولا يخاف فوت الصلاة ولا الانقطاع عن الرفقة لو توضأ به, نص الشافعي أنه يباح له التيمم. ونص أنه إذا الماء بين يديه يصل إليه في آخر الوقت فإنه يباح له التيمم في أول الوقت, فمن أصحابنا من قال: في كلتي المسألتين قولان, ومنهم من أجرى على الظاهر, وفرق بأنه إذا كان الماء بحضرته عن يمينه أو يساره فتلك البقعة منسربه إليه, فلا يجوز له التيمم بخلاف ما إذا كان بين يديه يصل إليه في آخر الوقت. مسألة: قال: ((فإن لم يجد الماء ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)). وهذا كما قال. في هذه العبارة خلل من جهة المزني؛ لأنه لا يقال لمن كان في رحله ماء أنه لم يجد الماء؛ لأنه واحد إلا أنه ناس أو غير عالم, وإنما قال الشافعي: ((فإن تيمم وصلى, ثم علم أنه كان في رحله ماء أعاد)) وصورة المسألة أنه نسي الماء ويتصور ذلك في موضعين: أحدهما: [185 ب/ 1] إذا يفتش رحله اعتقاداً منه لا ماء فيه, وطلب الماء في

غير الرحل ولم يجد وتيمم وصلى, ثم علم انه كان في الرحل ماء, أو كان قد فتش رحله فرأى شيئاً ظن أنه ليس بماء, ثم علم أنه كان ماء. قال في عامة كتبه: يلزمه إعادة الصلاة. وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن هذه المسألة فقال: لا إعادة عليه, واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: يعيد قولاً واحدً, وقول أبي ثور يحتمل أنه أراد بأبي عبد الله مالكاً, أو أحمد بن حنبل, أو أراد إذا وضع غيره الماء في رحله بعد تفتيشه وهو لا يعلم, وهذا التأويل أصح؛ لأنه لم يلق مالكاً ولا يروى عن أحمد شيئاً, ومنهم من قال, وهو اختيار أبي إسحاق: في المسألة قولان. أحدها: لا إعادة وهو نحو ما قال في ((القديم)) إذا نسي قراءة الفاتحة في الصلاة أجزأته. وبه قال أبو حنيفة, ومحمد ومالك في رواية. والثاني: يلزمه الإعادة وهو الصحيح, وبه قال أحمد: وأبو يوسف؛ لأنها طهارة تجب عليه مع الذكر فلا يسقط بالنسيان كأصل الطهارة, ومن أصحابنا من قال: إذا وضع غيره الماء في رحله وهو لم يعلم هل تلزمه الإعادة؟ قولان. والصحيح أنه على قول واحد الإعادة في هذا على ما صورنا, وإن لم يكن فتش رحله واعتقد أنه لا ماء معه. فيه وكان [186 أ/ 1] غيره قد وضع فيه ماء ثم علم, فهذا هو موضع احتمال القولين؛ لأنه لو يفتشه لوحده فصار مفرطاً بترك التفتيش ولو ضل الماء في رحله فتيمم وصلى تلزمه الإعادة قولاً واحداً, والقولان إذا نسي الماء في رحله, ذكره القفال. ولو قام لقضاء الحاجة فضل رحلة فيما بين الرحال, فطلبه فلم يجد فنأمره أن يصلي بالتيمم, وهل تلزمه إعادة الصلاة إذا وجده؟ لم يذكر في ((الأم)) إعادة الصلاة, بل قال: تيمم وصلى, وجاز فمن أصحابنا من قال في هذا أيضاً قولان: أحدها: يلزمه الإعادة؛ لأنه غير عادم وهذا عذر نادر, والثاني: لا تلزمه الإعادة لأنه غير منسوب إلى التفريط في طلب الماء بخلاف الناسي فإنه فرط في طلبه في رحله. ومن أصحابنا من قال: لا تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وهذا اختيار القفال, وهو الصحيح. ولو ضل هو عن القافلة فلا إعادة بلا إشكال, ولو علم أنه كان بجنبه بئر قريبة يقدر على مائها قال في ((الأم)): لا إعادة عليه ولو أعاد جاز احتياطاً, وقال في ((البويطي)): إن وجد بئراً بقربه أو بركة فيها ماء يبلغه الطلب تلزمه إعادة الصلاة. ثم قال ((البويطي)) قال الربيع: قال الشافعي: إن كان قد طلب الماء فلا إعادة, وهو اصح القولين. وجملته أنه إذا علم بالبئر؛ فإن كان عالماً بها ثم نسيها فهو كما لو [186 ب/ 1] نسي الماء في رحله, وإن لم يكن عالماً بها قط فقد قيل قولان, وقيل: وهو الأصح المسألة على حالين فالذي قال في ((البويطي)): إذا كانت عليها علامات طاهرة فتواني في طلبها تلزمه الإعادة, والذي قال في ((الأم)): إذا لم يكن عليها علامات ظاهرة ولم يتقدم علمه بها, ويفارق الماء في رحله, لأنه كلف في أمر نفسه الإحاطة وفي غيره الظاهر.

فرع لو كان معه ماء فأراقه وشربه من غير حاجة منه إليه, وتيمم وصلى هل يجب عليه الإعادة؟ فإن كان أراقه قبل دخول وقت الصلاة لم تلزمه الإعادة قولاً واحداً, وإن كان بعد دخول وقت الصلاة فقد تمضي وأثم, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ وجهان أحدها: لا يلزمه وهو الأصح؛ لأنه عدم الماء في السفر وأن يمضي بالإراقة فهو كما لو قطع رجل نفسه وصلى قاعداً, فإنه يجوز والثاني: تلزمه الإعادة لأنه ترك الوضوء به مع القدرة, ولاشك أنه يلزمه التيمم وأداء الصلاة, وإذا قلنا بهذا, كم تلزمه الإعادة؟ فيه وجهان: أحدها: لصلاة واحدة. والثاني: يلزمه إعادة الصلوات التي كان يؤديها غالباً عادته بتلك الطهارة لو تطهر به. ذكره بعض أصحابنا بخراسان, وقال القفال: إن أراقه لفرض قبل أن يشربه, وإن كان متلذذاً به من غير حاجة أو غسل [187 أ/ 1] ثوبه تنظيفاً أو شك في طهارته فخاف لو توضأ به أن تظهر له نجاسته, فيحتاج إلى غسل ثوبه وبدنه فاحتاط بإراقته فلا إعادة قولاً واحداً, وهذا بخلاف ما تقدم, وذاك أصح لأنه لا يلحقه المشقة بترك التلذذ فلا يكون عذراً. فرع آخر إذا قلنا: يلزمه إعادة الصلاة لا يعيدها في وقتها؛ لأنه لو صح القضاء بالتيمم لصح الأداء, ولكن تؤخر حتى يجد الماء أو ينتهي إلى حالة تصح صلاته فيها بالتيمم فيعيد ما أو جبنا عليه إعادتها. فرع آخر لو وجب عتق رقبة في كفارة, ومعه رقبة لا يحتاج إليها فقبلها, فإن قلنا: الاعتبار في الكفارة بحالة الوجوب أو بأغلظ الحالين كانت الرقبة في ذمته, وإن قلنا: الاعتبار بحالة الأداء يحتمل وجهين: أحدها: يصوم, والثاني: الرقبة في ذمته, لأنه مفرط في إتلافها كما لو أراق الماء وصلى بالتيمم تلزمه الإعادة. فرع آخر لو كان في السفر, وهناك ملح يخاف لو اشتغل بإذابته تفوته الصلاة, له أن يصلي بالتيمم ولا إعادة للعجز, وهذا عذر عام, ولو قدر على أن يمسح به الرأس هل يلزمه ذلك؟ نبني على القولين فيمن وجد مالا يكفيه لوضوئه, فإن قلنا: لا يلزمه استعماله يكفيه التيمم ها هنا, وإن قلنا: يلزمه استعماله يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه مسح الرأس ها هنا؛ لأن (187 ب/1) شرط جوازه غير موجود, وهو طهارة الوجه واليدين, والثاني: يلزمه تيممان لاعتبار الترتيب. فرع آخر إذا كان لابسًا للخفين في السفر على الطهارة, وهو معه ما يكفيه لوجهه ويديه ومسح رأسه فقط ومعه ثلج يابس يمسح به الخفين, ولا يمكنه إذابته فعليه الوضوء,

ومسح الخفين به قولًا واحدًا؛ لأنه يمكنه تحصيل وضوءه من غير ضرر, فإن كان قد بقي من وقت المسح ما ينقص لا محالة قبل الفراغ من صلاته عادت المسألة إلى قولين. أحدهما: يكفيه التيمم, والثاني: يغسل الأعضاء الثلاثة ثم يتيمم وهذا كما يقول, إذا لم يبق من وقت الجمعة مقدار إمكان فعلها فإنه يجوز له أن يصلي الظهر, ويحتمل أن يقال بنزع الخف, ثم تعود المسألة إلى القولين, ولا يجوز له افتتاح الصلاة بالتيمم وغسل ما قدر عليه ما لم يخرج الخف من حال جواز المسح عليه, والدليل عليه أنه لو أراد الوضوء لمس المصحف لم يجز ما لم يمسح على الخف لبقاء هذا القدر من وقت المسح ما جوزنا طهارته الآن يفعلها في ثلاثة أعضاء والتيمم معه, لكانت هذه الطهارة صالحة لأداء الفريضة بها غير صالحة لمس المصحف, وهذا بحال ذكره والدي الإمام (رحمه الله) وهذا حسن (188 أ/1) مليح. مسألة: قال (وإن وجده بثمن في موضعه) الفصل وهذا كما قال إذا لم يجد ماء مباحًا ولا في ملكه ماء ووجده مع غيره نظر, فإن بذله بغير بدل قال في (الأم): يلزمه قبوله ولا يجزيه التيمم. ويفارق هذا إذا أوجبت عليه كفارة, فوهب له إنسان رقبة لم يلزمه قبولها, وكذلك لو بذل له إنسان ثمن الماء لا يلزمه قبوله, والفرق لا منه في قبول الماء, إذ أصله على الإباحة بخلاف ذاك, وعلى هذا لو أعاره دلوًا يستقي به الماء فإنه يلزمه قبوله, ولو وهب منه دلو لا يلزمه قبوله. وقال في (الحاوي): لو كان لو كان ثمن الماء يلزمه قبوله عارية, وإن كان أكثر من ثمن الماء هل يلزمه استعارته؟ وجهان: أحدها: لا يلزمه لأن العارية مضمونه, والثاني: يلزمه لأن الظاهر سلامة العارية وإمكان ردها بأن لم يبذل له الماء, نص الشافعي في (البويطي): أنه لا يلزمه أن يسأله فإن تيمم وصلى قبل المسألة تلزمه الإعادة, ولأنه لا منة عليه فيه فتلزمه المسألة بخلاف الرقبة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تلزمه الإعادة وجهان وهو خلاف النص, فإن سأله فلم يبذله ليس له مكابرته عليه, وإن كان فاضلًا عن حاجته بخلاف ما لو اضطر إلى طعامه, وهو فاضل عنه فلم يبذله له مكابرته (188 ب/1) عليه, لأن الطعام لا بدل له يرجع إليه بخلاف الوضوء فيمكنه أن يتيمم ويصلي ولا إعادة, وكذلك لو اضطر إلى لباسه لستر عورته وهو فاضل عنه لا يكابره إذا امتنع من بذله, لأنه يمكنه أن يصلي عريانًا ويجوز, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه لا يلزمه سؤال الماء كما في بذل الطاعة في الحج وهو ضعيف. وقال بعض أصحابنا في الفرقان هل يلزمه أن يستأجر الستر؟ وجهان, وهل يلزمه

قبول هبة الستر؟ وجهان أيضًا, وإن بذله بيعًا يلزمه شراؤه, بثلاث شرائط أحدهما: أن يجده بثمن مثله فلا يلزمه شراؤه بالزيادة, وإن كانت يسيرة, وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة يسيرة بتغابن الناس بمثله يلزمه شراؤه وإلا فلا. وذكر القاضي الإمام الحسين (رحمه الله) أنه إن كانت الزيادة بحيث لو غبن الوكيل بذلك القدر لا ينكر عليه يلزمه شراؤه لأنه لا يستضر بها, وهذا غلط لأن وجوده بأكثر من ثمن مثله كلا وجود كالرقبة في الكفارة, وكما لو كانت الزيادة (189/ 1) كثيرة, ثم اختلف أصحابنا في تفسير ثمن مثله في موضعه, فقال أبو إسحاق: يراعي ثمن المثل عرفًا وعادة على مرور الزمان في ذلك المكان, ولا يراعي الوقت, فإنه يختلف باختلاف الأوقات, فإن كان في هذا الوقت خرج عن العرف وضاق الماء لم يلزمه شراؤه, وإن كان ثمن مثله في هذا الوقت إذا لم يكن ثمن مثله غالبًا فيما نص من الأوقات العامة, ومنهم من قال: يعتبر ثمن مثله في وقت ذلك وهو ضعيف ومنهم من قال: أراد بثمن المثل أجرة نقل ناقلة من معدنه إلى موضعه؛ لأن الماء أصله على الإباحة ولا ثمن له وهو ضعيف أيضًا. والشرط الثاني: أن يكون واجدًا لثمنه, فإن يكن واجدًا له ويباع منه بالدين في ذمته لا يلزمه شراؤه, نص عليه في كتبه ولا يلزمه استقراض المال لشرائه, ولو كان له ماء في بلده ويرد بيعه بثمن يأخذه منه في بلده يلزمه شراؤه, ويؤدي ثمنه في أهله نص عليه في (البويطي)؛ لأنه صار قادرًا على الماء في الحال من غير ضرر, ولو بيع بثمن مؤجل هنا بزيادة تزاد بسبب التأجيل في العادة. قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه شراؤه أيضًا؛ لأن ذلك ثمن مثله ولا ضرر عليه, وإن كان يحتاج إلى رشاء ودلو ويقدر على (189 ب/1) شرائهما بثمن مثله يلزمه شراؤهما أيضًا. والشرط الثالث: أن لا يكون محتاجًا إلى ثمنه لقوته في طريقه, فإن كان يحتاج إليه لا يلزمه شراؤه ويتيمم ويصلي, فإن قيل: أليس قلتم أنه إذا لم يجد الرقبة في كفارة الظهار إلا بزيادة على ثمن مثلها ليس له الانتقال إلى الصوم, بل يلزمه الصبر حتى يجدها بثمن مثلها, فقالوا: لا يتيمم هنا أيضًا, قلنا: الفرق أن الرقبة في الذمة غير مؤقتة, ولو أراد تأخيرها من غير عذر كان له فلا حاجة به إلى الانتقال إلى الصوم, وهنا حاجة إلى التيمم لضيق الوقت وخوف الفوات فألزمناه, فإن قيل: فينبغي أن يؤخرها إلى آخر الوقت, قلنا: تفوته فضيلة أول الوقت بأمر مشكوك فيه فلم يلزمه تأخيرها بخلاف الرقبة. فرع لو وهب له الماء فلم يقبل وتيمم وصلى, فإن كان الماء الموهوب له موجودًا في يد واهبة حتى تيمم وصلى تلزمه الإعادة, وإن كان الماء معدومًا حين تيمم وصلى هل

تلزمه الإعادة؟ وجهان, قال الإصطخري: تلزمه الإعادة لأنه كان قادرًا على الماء, وقال أبو إسحاق: لا إعادة للعجز في حال تيممه. فرع آخر لو اضطر غيره إلى الماء الذي معه وهو غير مضطر يلزمه دفعه إليه بقيمة مثله, فإن لم يدفع فللمضطر مكابرته عليه (190 أ/1) وإن أبي أثقل على نفسه, ولا فرق بين أن يكون هذا المضطر واجدًا للغنيمة أو غير واجد, فإن كانا مضطرين فلا يجوز له مكابرته, فإن كابره فهو ظالم ودمه هدر, ودم صاحب الماء مضمون كما لو كانا غير مضطرين, وإن احتاج إلى الوضوء فصاحب الماء أولى, ولا يجوز له دفعه إلى صاحبه ولا لصاحبه أخذه منه, فإن دفع وتيمم هذا الدافع نظر, فإن كان قد استعمله الموهوب له صح تيمم الواهب, وهل تلزمه إعادة الصلاة؟ قال أبو إسحاق: فيه وجهان كما لو أراق الماء عمدًا بعد دخول وقت الصلاة, وقال القفال: لا إعادة قولًا واحدًا لأن له غرضًا فيه, ومن له أدنى غرض في إزالة الماء من يده فهو معذور, ولا ضمان على الموهوب له, وإن كانت الهبة فاسدة لأن الهبة الفاسدة هي كالصحيحة في باب الضمان. مسألة: قال: (ولو كان مع رجل ماء فأجنب رجل وطهرت امرأة من حيض ومات رجل). الفصل وهذا كما قال إذا اجتمع في السفر جنب وحائض انقطع دمها ولم تغتسل وميت يحتاج أنه يغسل وهناك ما قال الشافعي: الميت أحبهم إلى أن يجودوا بالماء عليه, وفي بعض النسخ: أن يجود, أي يجود صاحب الماء بالماء عليه, ويتيمم الحيان لأنهما يقدرا على الماء, (190 ب/1) أي في ثاني الحال, والميت إذا دفن لم يقدر على غسله, قال أصحابنا: إنما يكون الميت أولى بوجود ثلاث شرائط: أحدهما: أن يكون الماء لغيرهم أو مباحًا غير مملوك لأحد. والثاني: أن لا يكون الماء كافيًا بل يكفي لأحدهم. والثالث: أن لا يكون على أحد الحيين نجاسة, فأما إذا كان الماء كفاية الكل استعملوه, وإن كان الماء مملوكًا لواحد منهم نظر, فإن كان مملوكًا للميت فهو أحقهم به لما ذكرناه, ولأنه ملكه فكان هو أولى به. قال أبو إسحاق: فإن غسل الميت بالماء وفضل منه فضلة فالفاضل لوارثه, وليس لهما أن يتطهرا به, فإن تطهرا به فعليهما الضمان, وإن احتاج إليه الحيان للعطش شربها ويمماه وأديا ثمنه لوارثه, لأنه لو كان حيًا لزمه بذله لهما بالثمن, ومراعاة حياة الحي

أولى من مراعاة غسل الميت, ثم اختلف أصحابنا في تفسير الثمن في هذا الموضع؛ لأن الماء هو من ذوات الأمثال, منهم من قال: ثمنه مثله لا قيمته, ومنهم من قال, وهو الأصح: أنهم إن ردوا في الموضع الذي شربوا فيه لا يلزم إلا المثل, وإن ردوا في غير ذلك الموضع فعليهم قيمة التي كانت في موضع الإتلاف, وهو المراد بالثمن, وعلى هذا جميع ذوات الأمثال إذا أتلف ثم غرن في غير موضع الإتلاف تلزمه القيمة كذلك (191 أ/1) ها هنا, وهذا لأنه لا قيمة للماء في البلد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن غرم في غير موضع ولكن للماء قيمة في ذلك الموضع يلزم المثل, وإن كان أقل قيمة منه يوم الإتلاف؛ لأن نقصان قيمة المثل لا يؤثر في الحكم, وإن غرم في موضع لا قيمة فيه للماء أصلًا تلزمه القيمة وهذا حسن, ثم إذا أدى قيمة الماء ثم عادوا يومًا إلى موضع الإتلاف فهل للوارث رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وجهان بناء على ما لو أتلف شيئًا من ذوات الأمثال, بعد المثل, وانتقل إلى القيمة ثم وجد المثل, هل له رد القيمة والمطالبة بالمثل؟ وجهان, وإن كان الماء لأحد الحيين, فمن أصحابنا من قال: يلزمه أن يقدم الميت به ويأخذ ثمنه من مال الميت, وهذا لا يعرف للشافعي بل مالكه أحق به, ولا يجب عليه بذله لطهارة غيره, ولا يجوز, فإن بذله لغيره ببذل أو غير بذل, وتيمم وصلى, فقد ذكرنا حكمة, وإن كان على أحد الحيين نجاسة. قال أبو إسحاق: إن قلنا: يقول المزني يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه فالميت أولى به أيضًا, وإن قلنا: تلزمه الإعادة فيه وجهان: أحدهما: الميت أولى؛ لأن الشافعي قال: الميت أولى والغالب أن الحائض لا تخلو من النجاسة, ولأنه خاتمة طهارته فهو أولى. والثاني: أن من عليه النجاسة هو (191 ب/1) أولى؛ لأنه في النجاسة لا يرجع إلى بدل, وفي غسل الميت يمكن أن الرجوع إلى بدل, فعلى هذا ييممونه ويدفنونه؛ والأول أصح. وقال أبو حنيفة: الحي أولى بكل حال, وهذا غلط لما ذكرناه من العلة. فرع لو اجتمع حائض وجنب وهناك ماء مباح يكفي لأحدهما, فيه وجهان: قال أبو إسحاق: الجنب أولى؛ لأن غسله ثبت بالنص, وغسل الحائض بالاجتهاد وأخبار الآحاد, والثاني وهو الأصح: أن الحائض أولى؛ لأن الحائض لا تعرى من النجاسة وحكمها أغلظ, فإنه يحرم وطئها, وغسل الحائض تثبت بالإجماع فقام مقام النص وبطلت العلة التي ذكرها القائل الأول. وقال القفال: فيه وجه ثالث هما سواء فيقرع بينهما, وقال بعد أصحابنا بخراسان: إن قلنا الحائض لا تقرأ القرآن فهي أولى؛ لأن حالها أشد, وإن قلنا: تقرأ فهما سواء, لأن الحائض لا تمر بالمسجد خلاف الجنب فيقرع بينهما.

فرع آخر لو كان هناك جنب ومحدث, وهناك ما يكفي المحدث لوضوئه ولا يكفي الجنب لغسله فالمحدث أولى, لأن حدث المحدث يرتفع حدث الجنب به؛ ولأن المحدث إذا انفرد بهذا الماء يلزمه استعماله قولًا واحدًا, والجنب لو انفرد به فيه قولان, وإن كان يكفي الجنب ولا يفضل عنه ويكفي (92 أ/1) المحدث ويفضل ما يغسل به بعض أعضائه ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الجنب أولى لأنه يستبيح به ما لا يستبيح به المحدث. والثاني: المحدث أولى لأنه يرتفع به حدث وبعض حدث الجنب وهذا على القول الذي يقول: إذا وجد من الماء ما لا يكفيه يلزمه استعماله فأما إذا قلنا: لا يلزمه استعماله فالجنب أولى. والثالث: يقرع بينهما إن كان مباحًا, وإن كان مع رجل يدفع إلى أيهما شاء. فرع آخر إذا انقطع دم الحائض فعدمت الماء وتيممت وحل للزوج وطئها ثم أحدثت فله وطئها بالتيمم أولًا, فإن رأت الماء انتقض تيممها ورجعت إلى حكم حدث الحائض, فلا يجوز وطئها حتى تغتسل أو تتيمم إن هلك الماء. فرع إذا اجتمع جنب وميت والماء يكفي لأحدهما وهو مباح فالميت أولى, فإن أراد الجنب أن يتيمم قبل غسل الميت يحتمل أن يقال: يجوز لأن الميت صار أحق بهذا الماء فكان في حقه كالمعدوم, فإن تيمم وهو عازم على ترك غسل الميت بذلك الماء يحتمل أن يقال: إنه يصح تيممه, لأن الاستحقاق الثابت للميت لا يزول بعزمه, فإن كان الماء ملكًا للجنب فهو أحق به من الميت, ثم حكم الميت الآن في تيممه قبل اغتسال الجنب بالماء مثل (192 ب/1) حكم الجنب هناك في تيممه قبل غسل الميت, ذكره والدي الإمام - رحمه الله-. فرع لو أراد الجمع فصلى الظهر في وقته بنية الجمع, ثم تيمم للعصر فقبل شروعه فيه دخل وقت العصر, هل له أداء العصر بذلك التيمم؟ قال والدي (رحمه الله): ينبغي أن لا يجوز؛ لأن أداء العصر, وإن كان عقيبة فلا يجوز جمعًا, وإنما جعل وقت الظهر وقتًا لتيمم العصر إذا جاز الجمع عقيبة, فإذا لم يجز ذلك صار كما لو تيمم للظهر قبل وقته, ثم دخل وقته عقيبة لا يجوز, ولو أراد الجمع بينهما في وقت العصر صح التيمم للظهر قبل دخول وقت العصر أيضًا؛ لأن الوقت هو وقت الظهر, ولو تيمم للعصر لم يصح لأن وقته يدخل بعد ذلك, وهل يصح عن الظهر؟ وجهان

باب ما يفسد الماء

أحدهما: لا يصح, والثاني: يصح وهو الأشهر. فرع العادم للماء إذا تيمم قبل الاجتهاد في القبلة هل يجوز؟ وجهان أحدهما: لا يجوز والثاني: يجوز, وهذا بناء على ما لو تيمم وعليه نجاسة هل يجوز؟ وجهان ذكره والدي (رحمه الله). فرع آخر لو كان عليه قضاء الصلاة وهو عادم للماء والتراب, هل يلزمه القضاء على الفور؟ في هذه الحالة إذا كان الفوات بغير عذر. قال والدي (رحمه الله): عندي أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لو ألزمناه ذلك ويحتاج (193 أ/1) إلى الإعادة أدى إلى لزومه ثانيًا وثالثًا وما لا يتناهى, ويفارق الأداء لقوته وإيجابه لئلا يخلو الوقت عن فعل الصلاة على الإمكان. قال: وهل له أن يقضي في هذه الحالة؟ وجهان. فرع لو تيمم لصلاة العصر وعنده أن الوقت لم يدخل وكان وقتها داخلًا, هل يصح تيممه لأداء الفرض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح, لأن التيمم عبادة لا تصح قبل الوقت فلا تصح مع اعتقاد بعد دخوله كالصلاة. والثاني: يصح وبطلان الصلاة لا يدل على بطلان التيمم, ألا ترى أنه لو تيمم قبل الوقت مع علمه بذلك جاز أداء النافلة به, وإن كان نوى به فرض الوقت والأول وأصح. باب ما يفسد الماء مسألة: قال: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر). الفصل إلى أن قال: (فسد الماء) وهذا كما قال: أعلم أن فساد الماء في هذا الموضع هو أن لا يصلح التطهر به, إما لنجاسة, أو لكونه مستعملًا, والمقصود ذكر مفسدات الماء في الجملة فأما القدر الذي يفسد والذي لا يفسد, فإن بيانه في الباب الذي بعده, ثم إنه افتتح الباب بقوله: (وإذا وقع في الإناء نقطة خمر) يعني في الإناء الذي فيه ماء الطهارة نقطة خمر, فأراد بالنقطة (193 ب/1) القطرة اليسيرة, وإنما ذكر الإناء لأن العادة أنه يكون فيه ماء قليل, ومراده بيان حكم الماء القليل, وجملته أنه إذا وقع في الماء القليل نجاسة من غائط أو بول, أو خمر, أو دم, أو قيح, أو صديد يُنظر, فإن كانت قدرًا يدركها الطرف نجس الماء, وكذلك في الثوب إلا في الدم والقيح

والصديد, فإنه (يعفى) عن اليسير منها في الثوب, وإن كانت قدرًا لا يدركها الطرف لقلته فقال المزني: ما يدركها الطرف فقد فسد الماء, فمفهومه أنه إذا لم يدركها الطرف لا يفسد الماء, وقال في (الإملاء): فإن أصاب الثوب غائط, أو بول, أو خمر, أو تيقنه, أدركه الطرف, أو لم يدركه نجسه. وقال في موضع آخر: إذا وقع ذباب على بول أو خلاء رقيق, ثم وقع على الثوب غسل موضعه, واختلف أصحابنا في المسألة على خمس طرق: إحداهما: يحكم بنجاستهما قولًا واحدًا؛ لأنه نص في الثوب على ما ذكرنا, فالماء أولى لأن الثوب أحسن حالًا في النجاسة من الماء؛ لأنه يعفي عن دم البراغيث فيه دون الماء, وليس له نص في الماء, وما نقله المزني ليس لكلامه دليل خطاب حتى يؤخذ به, وأيضًا إنما قال مما يدركها الطرف لتتحقق حصول النجاسة, فإن تحقق من دون إدراك الطرف ثبت حكم النجاسة أيضًا (194 أ/1). والثانية: لا ينجس الماء ولا الثوب قولًا واحدًا, ذكره ابن سلمه, أما الماء فبدليل كلامه, وأما الثوب فلأنه أولى وهو أحسن حالًا من الماء, وقوله في (الإملاء): أدركه الطرف أو لم يدركه: معناه أنه لم يدرك في موضع وقوعه ولكن أدركه الطرف حين وثب إلى الثوب. والثالثة: في الماء والثوب قولان: أحدهما: لا ينجسان؛ لأنه لا يمك الاحتراز منها في الغالب كأثر الاستنجاء دم البراغيث, والثاني: تنجسان لتحقق وصول النجاسة التي لا يعفى عنها إليهما. والرابعة: الثوب تنجس بنص قوله: (والماء لا ينجس) بدليل, والفرق أن للماء قوة في رفع النجاسات عند الكثرة بخلاف الثوب, وقيل: هذا ظاهر المذهب وهو الصحيح. والخامسة: على عكس هذا, وهو أن الماء تنجس دون الثوب؛ لأن الناس لا يحترزون من قضاء الحاجات في الصحاري, والغالب فيها أن الذباب يقع على النجاسة الرطبة, ثم يقع على الثوب ولا يدركها الطرف ويشق الاحتراز منها, فعفي عنها فيه كما عفي فيه عن قدر دم البراغيث, بخلاف الماء فإنه يمكن صونه عن النجاسات بتخمير الأواني وتغطيتها, وأيضًا فإنه إذا طارت الذبابة فالغالب أن رجلها تجف في الهواء, فإذا وقعت على الثوب ورجلها جاف (194 ب/1) لم تضر الثوب بخلاف الماء, فإنه يرطب رجلها فيؤثر فيه, وعلى هذا لو كان الثوب رطبًا فإنه تنجس الثوب, وعلى العلة التي قبلها لا ينجس وهذا حسن, ولكنه خلاف نص الشافعي, وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: غلط المزني في قوله: مما يدركها الطرف في الماء, فإن الشافعي شرك ذلك في الثوب لا في الماء, وهذا خلاف صريح النص الذي ذكرناه وهو الصحيح.

مسألة: قال: (وإن توضأ رجل ثم جمع وضوءه في إناء نظيف ثم توضأ به هو أو غيره لم يجز). وهذا كما قال: الماء المستعمل هو على ثلاثة اضرب؛ مستعمل في رفع الحدث, ومستعمل في البدن, ومستعمل في غير الحدث والندب. فأما المستعمل في رفع الحدث فهو الماء الذي توضأ به المحدث, أو اغتسل به الجنب, أو الحائض, فالماء طاهر لأنه لاقى موضعًا طاهرًا, وهو هو مطهر؟ المشهور أنه غير مطهر. وبه قال عمر, وابن عباس (رضي الله عنهما) والاوزاعي والثوري, والليث, وأحمد. وروي ذلك, عن مال, وأبي حنيفة, وقال أبو ثور: سألت أبا عبد الله عن الماء المستعمل هل هو طهور؟ فتوقف فيه, وقال عيسى بن أبان, قال الشافعي: هو طاهر مطهر. واختلف أصحابنا فيه على طريقين, فمنهم من قال: هو غير مطهر قولًا واحدًا ورد رواية (195 أ/1) ابن أبان, وقال: لا أجد مذهب صاحبي من المخالف وقيل: غلط عيسى في هذا لأنه سمع الشافعي يقول: الاستعمال لا يؤثر, وأراد في طهارته لا في طهوريته, فظن أنه لا يؤثر في طهوريته ومنهم من قال: عيسى هذا ثقة, وإن كان مخالفًا فالمسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا وهو الصحيح؛ لأنه أدى به الفرض فلا يؤدي به الفرض ثانيًا, كما لو أعتق عبده من الكفارة لا يقدر على عتقه ثانيًا. والثاني: هو طاهر مطهر, وبه قال الحسن, والنخعي, وعطاء بن أبي رباح والزهري, ومكحول, وأبو ثور, وداود, وأهل الظاهر, وهو راوية عن مالك. واحتجوا بما روت ربيع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسح رأسه بفضل ما كان في يده , ولأن هذا ماء طاهر لاقى جسمًا طاهرًا فأشبه إذا لاقى ثوبًا, وهذا غلط, والخبر محمول على أنه كان ترك المسحة الثانية, وفي الثوب لم يزد العبادة بخلاف ها هنا, وروى ابن المنذر, عن علي, وابن عمر, وأبي أمامه (رضي الله عنهم) أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه: إذا وجد بللًا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل, وهو اختيار ابن المنذر, وروى الحسن بن زياد, عن أبي حنيفة: أنه نجس, وبه قال أبو يوسف, واحتج الشافعي عليه بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) (195 ب/1) توضأ ولا يشك أن من بلل الوضوء ما يصيب ثيابه, ولا نعلمه غسله, ثم انفصل عن سؤال مالك, فإنه قال: إذا لم يكن لم لا يتوضأ ثانية؟ وما الفرق بين أن يغسل ثوبًا طاهرًا أو بدنًا طاهرًا, وقد يتوجه هذا السؤال من وجهة أبي يوسف على العكس, فقال الشافعي: ولا يتوضأ به لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة, وليس على ثوب أو أرض تعبد.

فإذا قلنا: إنه طاهر غير مطهر, فإن كان أقل من قلتين فغير مطهر قولًا واحدًا, وإن بلغ قلتين فالمنصوص في (الأم) أنه طاهر غير مطهر, وذكره المزني في جامعة الكبير أيضًا؛ لأنه إذا لم تؤثر فيه النجاسة فلأن لا يؤثر فيه الاستعمال أولى, ولأنه إذا كان كثيرًا في الابتداء لا يصير مستعملًا, فإذا كثر من بعد ذلك حكمه, وقال القفال: فيه وجهان, أحدهما: هذا, والثاني: هو مستعمل كما كان ولا يعود طهورًا؛ لأن كونه مستعملًا فيه والكثرة لا تسلبه صفته بل تكثر صفته بكثرته, فهو كماء الزعفران إذا كثر لا يعود طهورًا. وقيل: هذا اختيار القفال, وهو خلاف نص الشافعي, وإذا قلنا: إنه غير مطهر, أو كان أقل من قلتين, هل يجوز غسل النجاسة به؟ المذهب أنه لا يجوز؛ لأنه مائع يجوز لا يرفع الحدث فلا يرفع (196 أ/1) الخبث كماء الورد, وقال أبو القاسم الأنماطي أستاذ ابن سريج, وابن خيران: يجوز لأن للماء قوتين إزالة النجاسة وإزالة الحدث, وقد زالت إحداهما وبقيت الأخرى, وهذا باطل بما أزيل به النجاسة لا يزال به الحدث الأصغر, ولا يقال له قوتان كذلك ها هنا, وهكذا في العكس منه إذا استعمل الماء في إزالة النجاسة, وقلنا: إنه طاهر غير مطهر هل يجوز استعماله في إزالة الحدث على هذا بخلاف. وأما المستعمل في الندب: وهو ما غسل به يديه قبل إدخالهما في الإناء أو تمضمض به, أو استنشق أو استعمل في المرة الثانية, والثالثة في الوضوء في تجديد الوضوء, أو في غسل يوم الجمعة ونحو ذلك, قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر مطهر, لأنه لم يؤد به الفرض مرة, وإليه أشار الشافعي حيث قال: لأنه أدى به الفرض مرة وهو الأصح, والثاني: أنه مستعمل طاهر غير مطهر, لأنه استعمل في التعبد في الجملة, وإلى هذا أشار الشافعي في قوله: لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم, وقوله: لأنه أدى به الفرض مرة, من قول المزني, ولم يقله الشافعي, وبه قال أبو حنيفة, وإليه يميل القفال. وأما المستعمل في غير الندب والحدث بالماء الذي يتبرد به أو يتنظف أو غسل به الثوب فهو طاهر مطهر بلا خلاف. فرع لو اغتسلت الكافرة (196 ب/1) من الحيض لاستباحة وطئ المسلم هل يصير الماء مستعملَا فيه وجهان: أحدهما: يصير مستعملًا لأنها أدت طهارة مأمورًا بها بهذا الماء. والثاني: لا يصير مستعملًا, لأنها لم تؤد به عبادة, وهذا أظهر, ولا خلاف أنها لو اغتسلت لا من الحيض أو النفاس لا يصير مستعملًا. فرع لو اغتسل المحدث رأسه ففيما سقط عن رأسه من الماء وجهان حكاهما ابن أبي هريرة.

أحدهما: أنه لا يكون مستعملًا, لأن المستحق في الرأس مسحه بالبلل الباقي عليه فلم يصر الباقي الفاضل من غسله مستعملًا فيه. والثاني: يكون مستعملَا, لأنه زاد على الكفاية كما لو كان يكفيه لوضوئه مد فاستعمل صاعًا صار الصاع مستعملًا, وإن كان بعضه مكتفيًا. فرع آخر الجنب إذا اغتسل هل يصير الماء بانتقاله عن العضو إلى صدره مستعملًا؟ وجهان: أحدها: يصير مستعملًا فلا ترتفع جنابة العضو الذي انتقل إليه, والثاني, وهو الأصح: لا يصير مستعملًا حتى ينفصل عن جميع الجسد, لأن بدن الجنب هو كالعضو الواحد من أعضاء المحدث, ولهذا لا ترتيب فيه بخلاف أعضاء المحدث ذكره في (الحاوي). فرع آخر لو دخل الجنب في الماء لطلب الدلو لا يطهر الجنب ولا يفسد الماء, وإنما يحكم للماء بحكم الاستعمال إذا نوى وصح غسله, وهكذا لو (197 أ/1) أدخل يده في الماء القليل في الإناء ثم أخرجه. فرع آخر لو نوى رفع الجبانة وانغمس ف ماء, فإن كان الماء قلين ولم ينقص منه شيء حتى خرج عنه لم تزل طهوريته وزالت جنابته, لأنه كما لاقي أول جزء منه الماء صار مستعملًا, ثم انغمس في ماء يستعمل, والمنصوص للشافعي في رواية الربيع أنه يصير مستعملًا وتزول جنابته, لأن الماء لا يصير مستعملًا بأول الملاقاة, بل يصير مستعملًا بالانفصال عنه, كما لو صب الماء على رأسه, لا يقال يصير مستعملًا بملاقاته أول جزء من رأسه حتى إذا أنحدر إلى الوجه لا تزول جنابة الوجه, كذلك ها هنا, ورجع الخضري إلى هذا, وعلى هذا لو صب الماء على رأسه وانفصل منه إلى البطن بحيث لم يمر على وجهه فكما انفصل عن رأسه صار مستعملًا. فرع آخر لو نزل الجنب في الماء الذي هو دون القلتين إلى سرته ثم نوى رفع الجناية, ترتفع الجناية عن كل ما تحت الماء من بدنه, وأما ما هو فوق الماء إن أخذ الماء بيده وصب الانفصال, وإن غاص في الماء بباقي بدنه, قال بعض أصحابنا: فيه وجهان. فرع آخر لو شرع رجلان في ماء دون القلتين بلا نية ثم نويا رفع الجبانة, فإن نويا تحت الماء

دفعة (197 ب/1) واحدة ارتفع جنابتهما, وصار مستعملاً, وإن شرعًا مع النية دفعة واحدة ارتفعت الجناية عن أول جزء وصل إلى الماء من بدن كل منهما وصار مستعملًا ولا ترتفع الجبانة عن باقي أعضائها, لأن الماء كالمنفصل من بدن كل واحد منهما في حق صاحبه. فرع آخر لو اغتسل الجنب مرة في ماء قليل كان الماء الأول مستعملًا, والثاني: مطهرًا, لأن تكرار الثلاث مأثور في الوضوء والنجاسة, وغير مأثور في غسل الجنابة, ففي الموضع المأثور في أحد الوجهين يصير مستعملًا دون غيره, ذكره في (الحاوي) ويحتمل وجهان آخر, لأن التكرار فيه مندوب في قول بعض أصحابنا. مسألة: (إذا ولع الكلب في الإناء فقد نجس الماء). وهذا كما قال: الكلام في الكلب في فصول ف نجاسة عينه, وفي نجاسة سوره وفي وجوب غسل الإناء من ولوغه وكيفية العدد في غسله, فأما نجاسة عينه, فعندنا هو نجس العين خلافًا لأبي حنيفة, وقال مالك: الكلب والخنزير طاهران لوجود المياه فيهما, وبه قال داود. وأما نجاسة سؤره فعندما أنه إذا ولغ في ماء قليل, أو طعام من لبن أو خل أو غيرهما تنجس ويلزم إراقته, وغسل الإناء (198 أ/1) منه, وبه قال ابن عباس, أبو هريرة, وعروة بن الزبير (رضي الله عنه) , وأبو حنيفة, وأحمد, وإسحاق, وأبو ثور, وأبو عبيد, وقال الزهري, ومالك, وداود هو طاهر يجوز التطهر به, وإن ولغ في طعام لا ينجس ولا يحرم أكله, اختاره ابن المنذر لكن يغسل منه الإناء تعبدًا. وروى هذا عن الأوزاعي, وهذا غلط لقوله (صلى الله عليه وسلم): (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات) فأمر بالإراقة وعندهم لا تجب الإراقة. ورى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). ولأنه إذا وجب غسله لحدوث حادث تكون لنجاسته لا للتعبد, واحتجوا بقوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام: 145] الآية, قلنا: هذا مما يطعمه طاعم وكلامنا في الإناء, ونجاسة الماء

الذي فيه, ثم هذا في السنة إن لم يكن في الكتاب. واحتجوا بقوله تعالى: {فَكُلُوا مما أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} ولم يأمر بغسل الموضع الذي أصابه فم الكلب, قلنا: أراد به صيد الكلاب, وقوله مكبلين أراد به المعلمين ثم ليس فيه دليل على أن ذلك الموضع لا ينجس, كما أنه لم يأمر بغسل الصيد عن الدم, ولا شك أن دمه نجس على أن من أصحابنا من قال: موضع النص (198 ب/1) وإن كان نجسًا لا يجب غسله, بل يكون معفوًا عنه, لأنه لا يمكن الاحتراز منه, وظاهر المذهب أنه كسائر المواضع التي يصيبها فم الكلب, واحتجوا بما روى جابر (رضي الله عنه) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب فقال: لها ما شربت في بطونها ولنا ما أبقت شرابًا وطهورًا, قلنا: نحمله على الماء الكثير بدليل ما ذكرنا. واحتجوا بأنه حيوان فكان طاهر السور كالشاة قيل: يجوز اقتناؤها إعجابًا بها وتفاخرًا بخلاف الكلب بدليل قوله (صلى الله عليه وسلم): (من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشيه نقص من أجره كل يوم قيراطان) , ولأن مالكًا وافقنا في أنه لا يجوز بيع الكلب ولم يرحم ذلك لحرمته, لأنه لا حرمة للكلب, ولا لعدم المنفعة, لأن منفعته كاملة, فدل أنه إنما حرم لنجاسته بخلاف الشاة, ولأنه لم يرد الأمر بالغسل من الولوغ هناك بخلاف ها هنا. وأما العدد فعندنا يجب غسل الإناء من ولوغه سبع مرات, إحداهن بالتراب, وبه قال ابن عباس, وأبو هريرة, وعروة, وطاووس (رضي الله عنهم) وقبل: إنه قول الأوزاعي وقول مالك, ومن أصحاب مالك من يقول: يعتبر ذلك استحبابًا, وبه قال أحمد في أصح الروايتين عنه, وعنه رواية أخرى (199 أ/1) أنه يجب غسله ثماني مرات سبع مرات بالماء وواحد بالتراب منفردًا, وبه قال الحسين, وقال أبو حنيفة: يغسل مرة, وروى ثلاثًا. واحتجوا بما روى عبد الله بن معقل أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات والثامنة عفروه بالتراب). وروى أولاهن بالتراب ويحمل, ما روا على أنه أراد إذا نسي التراب في إحدى الغسلات السبع يلزمه الإتيان بالثامنة, بدليل خبرنا أو عد التراب ثامنة, وإن كان يوجد مع أحد السبع؛ لأنه جنس آخر. وقال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه العدد, بل يلزمه أن يغسل حتى يغلب على ظنه طهارته من النجاسة, واحتجوا بما روى الأعرج, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الكلب يلغ في الإناء: (يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا). قلنا رواية عبد الوهاب بن الضحاك, وهو ضعيف, ثم يحتمل هذا

التخيير, ويحتمل الشك من الراوي فيجب التوقف فيه ويعمل بخبرنا. فرع الأفضل أن يكون التراب في الغسلة الأولى ليرد الماء عليه بعده فينظفه من التراب, نص عليه في حرملة, وورد في الخبر ذلك, وفي أي الغسلات كان التراب أجزأه لقوله (صلى الله عليه وسلم) (إحداهن بالتراب). فرع كيفية الغسل بالتراب أن يخلط التراب بالماء في إحدى الغسلات (199 ب/1) , لا أن يقتصر على الدلك بالتراب, ولا يجب الدلك باليد في وسط الإناء, ولا فرق بين أن يصب الماء على التراب أو التراب في الماء حتى يتكرر. فرع قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في أنه يكفي ما يقع عليه اسم التراب قل أو كثر أو يلزمه أن يستوعب به محل الولوغ على وجهين, أحدهما: ما يقع عليه الاسم المطلق الخبر, والثاني: يلزمه استيعابه لأنه ليس بعض المواضع أولى من بعض وهذا هو المشهور عندي والوجه الأول غريب. فرع قال الشافعي: والماء الذي ولغ فيه الكلب وعليه أن يهريقه, فمن أصحابنا من قال: يجب إراقته ويحرم الانتفاع به للخبر, وقال جمهور أصحابنا: لا تجب إراقته بل يستحب ولا يحرم الانتفاع به في وجه مخصوص وقوله (صلى الله عليه وسلم): (فليهرقه) ليتوصل بالإراقة إلى غسله لوجوب استهلاكه. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو خلط التراب بخل أو ماء ورد ثم غسل به هل يجزي عن التراب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو الأصح؛ لأن الخل ليس بطهور. والثاني: يجوز؛ لأن التراب هو المقصود, وكذلك لو كان التراب نجسًا ففيه وجهان, والأصح أنه لا يجوز, ولا معنى لهذا عندي مع ما ذكرنا من النص الصريح. فرع آخر جميع أجزاء الكلب كفمه (200 أ/1) وكذا روثه ودمه, وقال أبو حنيفة: إذا أصاب سائر بدنه الماء لا ينجس روثه قال مالك وداود: وبنيا على أصلهما أن الكلب

طاهر, وإنما يغسل الإناء من ولوغه صار تنبيهًا على ما أصاب بيده ورجله؛ لأن الولوغ يكثر منه ويشق الاحتراز منه بخلاف سائر أعضائه, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه يختص السبع بالولوغ؛ لأنه غير معقول المعنى, والنص فيه ورد فكيفي الغسل مرة من مس أعضائه ودمه وبوله, وهذا ليس بشيء. فرع آخر يجب غسل الثوب من دم الكلب سبع مرات على ظاهر المذهب, فلو لم تزل عينه إلا ثلاث غسلات فالمرة الأولى هي محسوبة عن السبع, وفي الثانية والثالثة وجهان: أحدهما: لا تحتسب عن السبع, بل يجب غسل المحل بعد زوال عين الدم ست مرات. والثاني: يحتسب من السبع كالمرة الأولى. فرع آخر لو ولغ كلبان في إناء آخر أجزاء أن يغسل سبع مرات إحداهم بالتراب, نص عليه في حرملة, ومن أصحابنا من قال: فيغسل على عدد الكلاب لكل كلب سبع مرات, كما قال الشافعي: إذا بال واحد يصب عليه ذنوب من ماء, وإن بال اثنان يصب ذنوبان, وهذا ليس بتخريج صحيح؛ لأن ولوغ الكلب الثاني بمنزلة تكرير ولوغ الكلب الواحد, ولو كرر الكلب الواحد الولوغ يكفي (200 ب/1) سبع مرات, فكذلك إذا كثر عدد الكلاب يكفي سبع مرات, وفي البول ذكره الشافعي تقريبًا في التطهير لا تحديدًا, والبول يكثر بكثرة البائل والنجاسة ها هنا لا تزيد. وقال الإصطخري: يغسل لكل ولوغ سبعًا, فإن ولغ كلب واحد عشرًا غسل سبعين مرة, ذكره في (الحاوي). وقال: في المسألة ثلاثة أوجه وهذا خطأ فاحش لأن النجاسة لم تزد يستحيل أن تزيد الإزالة. فرع آخر لو غسل الإناء من ولوغه مرة, ثم وقع في نقطة خمر, أو دم غسله ستًا وطهر؛ لأنه غسل النجاستين معًا جميعًا نص عليه في حرملة. فرع لو وقع هذا في ماء قليل نجسه, ولو وقع في ماء كثير قدر قلتين فصاعدًا لم ينجسه, وهل يطهر به الإناء؟ فيه أوجه: أحدهما: يطهر ولا يحتاج إلى التراب؛ لأنه صار إلى حالة لو ولغ فيه في تلك الحالة لم ينجس, ولأن القصد بالعدد مكاثرة الإناء بالماء وها هنا حصلت المكاثرة, وهذا إذا أقمنا الماء مقام التراب.

والثاني: تكون غسلة واحدة, وست مرات إحداهم بالتراب لظاهر الخبر, وهذا اعتبار ابن الحداد. والثالث: يكفي التراب بعد هذا. والرابع: ذكره أصحابنا بخراسان: يُنظر, فإن أصاب فم الكلب نفس الإناء فهو غسلة واحدة, وإن أصاب الماء ثم نجس الإناء تتبعًا للماء فإنه يطهر تبعًا للماء أيضًا (201 أ/1) وعلى هذا لو كان إناء كبيرًا ولغ فيه الكلب فصب عليه ماء حتى تم به قلتان هل يطهر على هذا الخلاف؟ فرع آخر لو غسله ثمان مرات هل تقوم الغسلة الثامنة بالماء مقام التراب؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يقوم مقامه؛ لأن القصد التطهر والماء أبلغ, وهو اختيار أبي إسحاق. والثاني: لا يقوم مقامه؛ لأنه مأمور بعين التراب فلا يجوز غيره, ولأن قصد النبي (صلى الله عليه وسلم) تقوية الماء بالتراب والجمع في غسلة بينهما, والتراب مع الماء ينقي ما لا ينقيه تكرار الماء. والثالث: إذا كان التراب موجودًا لا يقوم مقامه, وإن كان معدومًا يقوم مقامه للعذر, وهذا كله إذا قلنا غير التراب من الأشنان والنخالة تقوم مقامه. فرع لو صب الغسلة السابعة في الإناء وغلغل فيه ولم يصب عليه هل يطهر؟ وجهان كالوجهين في الثوب النجس إذا لم يعصر من الغسالة. فرع لو أصاب فم الكلب أرضًا فغسلت سبعًا أو جرى عليها الماء سبعًا هل يحتاج إلى تراب أجنبي؟ وجهان, والأصح أنه لا يحتاج؛ لأن نفس الأرض تراب ولم يذكر القفال غيره. فرع آخر لو أدخل الكلب رأسه في الإناء ولم يعلم أنه ولغ فيه, فإن أخرج رأسه يابسًا فالماء على طهارته, وإن كان رطبًا فيه وجهان: (201 ب/1) أحدهما: يحكم بنجاسته؛ لأن الماء لا ينجس بالشك, ويحتمل أن تكون تلك الرطوبة من لعابه أو ولوغه في غيره. فرع لو ولغ في إناء في طعام جامد يلقى منه ما أصابه فمه وينتفع بالباقي, كما لو ماتت الفأرة في السمن وهو جامد, ولو ولغ في ماء قليل, أو طعام فأصاب ذلك الماء أو الطعام ثوبًا أو إناء آخر, وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب. فرع إذا بلغ الماء قلتين فتغير بالنجاسة, ثم ولغ فيه الكب, ثم أصاب منه ثوب إنسان,

قال القاضي الحسين (رحمه الله): يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب؛ لأن لعاب الكلب مازج ذلك الثوب النجس والماء المتغير بالنجاسة, كالخل الذي يقع فيه النجاسة وإن لم يتغير. مسألة: قال: (وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف مثل أشنان أو نحالة أو ما أشبهه ففيه قولان). الفصل وهذا كما قال المأمور في غسل الولوغ بالتراب, فإن غسله بغير التراب كالأشنان, أو النخالة, أو الصابون, هل يجوز؟ فيه قولان, أحدهما: يجوز ويقوم ذلك مقام التراب, وهو اختيار المزني؛ لأن المقصود منه التطهير عن النجاسة, والصابون هو أبلغ في التطهير من التراب, ولأنه إزالة نجاسة بجامد فلا يتعين ذلك الجامد كالاستنجاء والدباغ. والثاني: لا يجوز لأنه طهارة أمر فيها بالتراب (202 أ/1) تعبدًا فلا يقوم غيره مقامه كالتيمم, ومعنى التعبد أنه أمر بغسله سبعًا والنجاسة تزول مرة واحدة, ولأنه أحد الطهورين في ولوغ الكلب فلا يقوم غيره مقامه كالماء, وهذا طاهر المذهب. والجواب عما ذكر المزني أن المقصود من الاستنجاء تخفيف النجاسة, ومن الدباغ تنشيف فضول الجلد, فالمعنى والمقصود معلوم فقام غير المنصوص مقام المنصوص. وها هنا الأمر بالتراب غير معقول المعنى فأشبه التراب في التيمم. فإذا تقرر هذا, اختلف أصحابنا في موضع القولين, فمنهم من قال: القولان إذا كان عادمًا للتراب, فإن كان واجدًا للتراب لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الشافعي قال: فإن كان في بحر لا يجد ترابًا, وهذا هو الظاهر. ومنهم من قال وهو الأصح: فيه قولان سواء كان واجدًا للتراب أو عادمًا له, وإنما صور الشافعي في البحر, لأن الغالب عدم التراب فيه, وإن كان واجدًا لا يتكلف غيره. فرع قال القفال: لو كان ثوبًا, فإن قلنا في الإناء أنه يقوم الأشنان مقام التراب, ففي الثوب أولى, وإن قلنا: لا يقوم ففي الثوب وجهان؛ لأن التراب يفسد الثوب, ويصلح الإناء, والأطهر عند عامة أصحابنا أنه لا فرق بين الثوب وغيره. مسألة: قال: ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا أحب إلى وهذا كما قال: المستحب أن يغسل من غير (202 ب/1) الكلب والخنزير ثلاث مرات, والواجب أن يكاثرها بالماء حتى يزول لونها ورائحتها ولا يشترط العدد, وقال أبو حنيفة: يجب غسله ثلاث مرات إذا كانت النجاسة حكيمة غير مرئية. وقال أحمد: يجب غسله سبعًا إذا أصاب الإناء لولوغ الكلب سواء, وهكذا لو

أصابت غير الإناء [إلا] في الأرض إذا أصابتها فإنه قال: لا يجب العدد فيها, وربما يقول بعض أصحابه: إنه لا يشترط التراب غير الولوغ, واحتج بأن الخبر الوارد في الولوغ تنبيه على غيره؛ لأن نجاسة الكلب أخف لأنه مختلف فيها, وهذا غلط لما روي عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: كانت الصلاة خمسين, والغسل من الجنابة سبع مرات, والغسل من البول سبع مرات, فلم يزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى جعلت الصلاة خمسًا, والغسل من الجنابة مرة, والغسل من البول مرة, وقياسه على الكلب مخالف للنص, ثم نجاسة الكلب حكيمة لا يلزم غسل المحل, واحتج عليه الشافعي بما روى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأسماء في دم الحيض (حثيه ثم أقرضيه ثم غسليه بالماء ثم صلى فيه) ولم يعتبر العدد. مسألة: قال: (وما مس الكلب والخنزير الماء (203 أ/1) من أبدانها نحبه وإن لم يكن فيهما قذر) وهذا كما قال: أراد وإن لم يكن فيهما قدر سواهما لأن عينيهما نجاسة, وهذا لأن النص على الولوغ تنبيه على سائر الأعضاء على ما ذكرنا. مسألة: قال: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب الفصل وهذا كما قال: نص في (الجديد) أن الخنزير نجس يغسل من ولوغة سبعًا كالكلب, وحكى ابن أبي أحمد, عن الشافعي قولًا في (القديم) أنه يغسل من ولوغ الخنزير مرة, فمن أصحابنا من أنكر هذا, وقال: وهم ابن أبي أحمد فيما قال: قال أبو ثور: قال الشافعي في (القديم)؛ يغسل من ولوغ الخنزير, وأطلق لم يذكر العدد, وهذا خطأ؛ لأنه ذكر العدد في موضع آخر, وأراد بالإطلاق السبع, وقيل: هو ثقة في الرواية فالمسألة على قولين: أحدهما: يغسل مرة لأن الكلب مألوف, فخص بزيادة تغليظ كالخمر لما كانت مألوفة خصت بوجوب الحد بشربها وينسب هذا القول إلى مالك ولا يصح عنه. والثاني: يلزمه غسل سبع مرات, لأن النص في الكلب تنبيه على الخنزير, لأنه أسوأ حالًا, لأن الكلب محرم نصًا ولا يجوز إقتناؤه أصلًا بخلاف فإنه مختلف في جواز أكله وحكم المتولد بين الكلب والذئب حكم الكلب في هذا الحكم (203 ب/1). فصل يشتمل على فروع النجاسة إذا أصابت ثوبًا أو غيره يغسله بالماء عن المحل, فيه ثلاث مسائل:

(إحداها): أن ينفصل الماء متغيرًا بالنجاسة فهو نجس بلا خلاف, سواء طهر المحل به أو لم يطهر, لأن النجاسة غلبته. والثانية: أن ينفصل عنه غير متغير ولم يطهر المحل بعد, فالمذهب أنه نجس, لأن الماء إذا ورد على النجاسة إما أن يغلبها أو تغلبه, فإن غلبها وجب أن يزيلها, فلما لم يزلها دل على أنها غلبته, وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدها: هذا, والثاني: أنه طاهر, لأن الماء الذي يزد على النجاسة بمنزلة الماء الكثير الذي تزد النجاسة عليه فلا تنجس إلا بالتغير. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه روي هذا عن الشافعي في (القديم). والثالثة: أن ينفصل عنه غير متغير والمحل قد طهر, فالمذهب المنصوص أنه طاهر, وبه قال جماعة أصحابنا, لأن البلة الباقية في الثوب هي طاهرة, فالمنفصل منه طاهر أيضًا. وقال أبو القاسم الأنماطي: هو نجس, وبه قال أبو حنيفة: فعلى هذا العبارة عنه أن حكم الماء بعد الاستعمال حكم المحل المغسول قبل أن يغسل, إذا قلنا بالمذهب, قال القفال: لأصحابنا عبارتان, أحدها: أن حكم الماء بعد الغسل حكم الماء قبل الغسل؟ فعلى هذا غسالة (204 أ/1) كل مغسول هي طاهرة وهو عين القول القديم, والثانية: أن حكم الماء بعد الغسل حكم المحل بعد الغسل, فعلى هذا غسالة عين الكلب والخنزير طاهرة, والغسالة في المرة السابعة من ولوغ الكلب والخنزير طاهرة أيضًا, وما قبلها نجس, وعلى هذا لو نجس الماء بولوغ الكلب فأصاب الثوب منه نجس وغسل سبع مرات كما يغسل الإناء سبعًا, فإن غسله مرة ففي هذا الماء وجهان: أحدهما: طاهر, لأنه انفصل غير متغير, والمذهب أنه نجس, فلو أصاب الثوب من هذه الغسالة نجس الثوب وبماذا يطهر, اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: يغسل بعد هذا سبعًا إحداهن بالتراب, لا أن تكون الغسلة الأولى بتراب فيغسل ستًا بلا تراب, وعلى هذا أبدًا, فإن بقي من غسلات الإناء خمس غسل خمسًا, ولو بقي واحدة غسل واحدة, وإن أصاب من السابعة لا المحل المغسول قبل الغسل, فيغسل من المرة الأولى سبع مرات إحداهن بالتراب, ومن الثانية ست مرات إحداهن بالتراب, إن لم يكن غسل المرة الأولى بالتراب, ومن السابعة يغسل مرة, ومن أصحابنا من قال: يغسل مرة واحدة لكل خال, لأن كل مرة قد أخذت سبع النجاسة فيغسل منها مرة, فاعتبر هذا القائل ما زال من النجاسة بالغسل دون (204 ب/1) ما بقي. فرع لو جمع ماء الغسلات السبع في إناء هل يكون نجسًا؟ فإن قلنا: ماء الغسلات كلها طاهرة فلا مسألة, فإن قلنا: الجميع نجس إلا ماء الغسلة السابعة فيه وجهان: أحدهما: الجميع نجس, لأن ماء الغسلة الأولى إلى السابعة نجس, وماء الغسلة السابعة طاهر, فإذا جمع ولم يبلغ قلتين وجب أن يكون نجسًا وهو الصحيح, والثاني:

أنه طاهر, لأن الجميع بمنزلة الماء الذي أزيل به النجاسة وقد انفصل غير متغير فطهر المحل, وهذا خطأ بيَّن. فرع آخر قال ابن سريج: وهكذا لو غسل به ثوب من نجاسة فانفصل متغيرات ثم غسله مرة أخرى فانفصل غير متغير, ثم جمع الماءان فزال التغير فيه وجهان: فرع لو أصاب الثوب نجاسة فغسله مرة وعصره في إجانة وإنفصل عنه غير متغير بعد طهارة المحل, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجابة أخرى, ثم غسله مرة أخرى وعصره في إجانة أخرى فالماء الذي في الإجانة الأولى طاهر غير مطهر, وفي الثانية والثالثة وجهان, لأنه مستعمل في طهارة مندوب إليها, وفي الرابعة طاهر مطهر قولًا واحدًا, فلو جمعت هذه المياه كلها, فإن قلنا: الأوسطان كالرابع فالكل طاهر مطهر, لأن الأول تغير مغلوبًا, وإن قلنا الأوسطان كالأول فالكل طاهر (205 أ/1) غير مطهر, لأن الرابع يصير مغلوبًا. فرع لو غمس الثوب النجس في إناء نجسه, ولو غمسه في إناء آخر نجسه أيضًا, ولا يطهر بحال إلا أن يغمسه في قلتين من الماء أو يورد الماء عليه, وهذا هو المذهب الذي لا يجوز غيره, ومن أصحابنا من غلط, وقال: إنما تنجس به إذا لم يقصد إزالة النجاسة, فإن قصد ذلك لا ينجس ويطهر الثوب, وهذا ليس بشيء, لأنه لا اعتبار بالقصد بدليل أنه يطهر بقصد الصبي والمجنون, وإن لم يكن لهما قصد, وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا فعل هذا ثلاث يطهر في المرة الثالثة وهو قول أبي يوسف. فرع آخر لو كان ثوبًا نجسًا فأخده بإحدى يديه وصب عليه بيده الأخرى ماء ترابًا, وترك تحته إناء فنزل الماء في ذلك الإناء, قال إبن سريج: أساء في جميع ذلك في الإناء إلا أنه طاهر, لأن الثوب قد طهر به, ويفارق هذا الثوب إذا صب عليه الماء ولم يعصره لا يطهر على أحد الوجهين, لأن الماء لم يفارق محل النجاسة وها هنا فارق. فرع آخر لو غسل نصف الثوب النجس كله وطهر هذا النصف الذي غسله عند أصحابنا, وقال إبن القاضي في التلخيص , لو غسل بعض الثوب كله في جفنه, ثم عاد إلى ما بقي فغسله لم يجز حتي يغسل الثوب كله دفعة واحدة, وأراد به إذا طرح بعض ذلك (205 ب/ 1) الثوب في جفنه ثم صب عليه الماء فلا يطهر, لأن البعض الذي لم يصبه الماء هو وارد على الماء الذي في الجفنة, والنجس إذا ورد على الماء القليل نجسه, وإذا نجس الماء نجس الثوب الذي هو فيه, وصورة مسألتنا غير هذه الصورة, ومن

أصحابنا من قال: علة إبن القاضي في ذلك أن النصف الأول لما غسله طهر, ثم نجس بما جاوره من النجاسة, ثم إذا غسل النصف الثاني يطهر إيضًا, إلا أنه تنجس بما جاوزه من النجاسة وهو النصف الأول المغسول, وعلى هذا يظهر الخلاف بين أصحابنا في ذلك, وهذا غلط, لأم الجزء الذي يجاور اليابس ينجس والباقي لا ينجس لما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في الفأرة, تقع في السمن الجامد: قوروها وما حولها. وعلى ما قاله ابن القاضي تنجس جميع السمن بالتعدي من جزء إلى آخر وبعض أصحابنا بخراسان اطلقوا, وقالوا: الصحيح ما قاله صاحب التلخيص, ولم يفصلوا ما ذكرنا من التفصيل, ولا شك أنه على هذا التفصيل. فرع آخر إذا غسل الثوب عن النجاسة, ثم وقعت عليه نجاسة في الحال, هل يجب غسل كلها أو غسل موضع النجاسة؟ قال بعض أصحابنا: فيه وجهان لأنه ينشر, وعلى هذا لو خرز الخف بشعر الخنزير يصير نجسًا, لأنه لا يمكن إلا بالرطوبة فلو غسل هل يحكم (206 أ/ 1) بطهارة ظاهره؟ وجهان: أحداهما: لا يطهر لأنه لا يمكن تطهير كله, والرطوبة تتعدى. والثاني: يطهر, ويجوز أن يصلي عليه, ولو غرف رجله لا نحكم بنجاسته, ولا تتعدى النجاسة من ثقب النعل إلى الجزء المغسول, وهذا هو الصحيح عندي, واختاره الإمام القاضي الحسين -رحمه الله- فرع آخر قال بعض أصحابنا: إذا طبخ اللحم بماء نجس فإنه يصير نجسًا, والطريق في تطهيره أن يطبخ بالماء الطاهر مرة أخرى حتى يصل الماء في الكرة الثانية إلى كل موضع وصل الماء إليه في المرة الأولى فيطهره, وعندي أنه لا يطهر, وسمعت بعض أصحابنا يقول: لابد من أن يجفف ثم يغسل حتى يصل الماء إلى باطنه فيطهر به كالأجر النجس بما لا عين له. فرع آخر العجين بالماء النجس لا يصير بالخبز طاهرًا, والطريق في تطهيره أن يقلب عليه الماء حتى ينفد ويخرج من الجانب الآخر, كما قلنا في الأجر النجس, وعلى ما ذكرنا عن بعض أصحابنا يلزمه أن يجففه أولًا ثم يصب عليه الماء هكذا. فرع آخر لو كان ثوبًا نجسًا فوضعه في طست, وصب عليه ماء حتى غمره, ثم عصره, فالثوب طاهر بلا خلاف, وإن لم يعصره ففيه وجهان: أحدهما: يطهر الثوب لأنه كأثره بالماء وغمره, فوجب أن يطهر كما لو بال رجل على الأرض قصب عليه ماء غمره فإنه يطهره.

والثاني: (206 ب/1) لا يطهر, لأن غسل الثوب من البول في العادة بأن يغمره الماء ويعصره حتى ينزل الماء عن محل النجاسة فيعتبر ذلك, وبه قال أبو حنيفة: وفي الأرض ضرورة فجوزنا الأول أصح, فرع آخر لو كان إناء فيه ماء نجس أو بول, فقلب ما فيه ثم صب الماء في الإناء حتي كاثره وغمره طهر, وإن لم يقلب البول منه, ولكنه صبه فوق البول أو الماء ما كاثر به هل يطهر؟ فيه وجهان: أحدها: يطهر كما قلنا في الأرض والبئر وهو ظاهر المذهب. والثاني: أنه لا يطهر, لأن في العادة يقلب ما في الإناء ثم يغسل بخلاف البئر فإنه لا يمكن أن تقلب, ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكلب يلغ في الإناء: فليغرقه ثم ليغسله سبع مرات. فرع آخر لو كان على ثوبه نجاسة فغسلها وبقي بونها ولا يخرجه الماء حكم بطهارته نص عليه في (الأم) , ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يستعين بعين الماء من الأشنان أو الصابون, فإن تعذر إزالته هل يحكم بطهارة الثوب أو بالعفو مع النجاسة؟ وجهان, وليس كلون الحناء النجس, لأنه لون الصبغ وهذا لون النجاسة, والصحيح عندي ما تقدم, لما روى أبو هريرة (رضي الله عنه) أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن بقى أثر الدم, فقال: الماء (207 أ/1) يكفيك ولا يضرك أثره. وقالت عائشة - رضي الله عنها- كنا نغسل الدم من الثوب فيبقى فيه أثره فنلطخه بالحناء ونصلي فيه. فرع آخر لو بقيت الرائحة, فإن لم يكن لتلك النجاسة رائحة زكية لم يطهر المحل وبقاء الريح دليل على بقاء العين, وإن كان له رائحة زكية كالخمر وبول المبرسم فيه وجهان: أحدها: لا يطهر, والثاني: يطهر وهو الأظهر, لاأنه قد تذهب العين وتبقي الرائحة, كخمر يخرج من بيت فتبقي رائحتها أياما للمجاورة, وفيه قيل قولان. فرع آخر لو بل خضابًا بنجاسة من خمر أو غيرها, فإن كان لون النجاسة باقيًا فالمحل المخضوب نجس لا يطهر حتى يذهب ذلك اللون, وإن لم يكن لون النجاسة باقيًا, ولكن بقي لون الخضاب فيه وجهان: أحدها: نجس, لأن الخضاب صار نجسًا, ويدل بقاء لونه على بقاء النجاسة, والثاني: طاهر, لأن نجاسة الخضاب هي نجاسة مجاورة,

وهذا اللون لون عرض الخضاب لا تحله النجاسة, وإذا قلنا بالأول لا ليزمه طبق اللحية, بل يمكن حتى يتصل لونه لأنه يزول لا محالة, ثم أعاد الصلاة, وإن كان على بدن, فإن كان يزول كالحناء فعلى ما ذكرنا, وإن كان لا يزول كالوشم بالنيل, فإن أمن التلف في كشطه فإنه يلزمه كشطه بخلاف الشعر, لأن ذلك يجوز (207 ب/1) , وإن كان يخاف التلف من كشطه فإن كان يجزه أكرهه على الخضاب به وأقره, وأن كان هو المختضب فهل يجب إزالته؟ وجهان مخرجان من الوجهين في واحد العظم النجس إذا خاف التلف من نزعه. مسألة: قال: (واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم وبما أفضلت السباع كلها). وهذا كما قال: الحيوانات ما عدا الكلب والخنزير وما توالد منهما أو من أحدهما طاهرة الذات والسؤر والعرق, سواء كان مما يؤكل أو مما لا يؤكل, من البغل, والحمار, وحشرات الأرض, وجوراح الطير, والأسد,. والذئب, وبه قال عمر, وعمرو بن العاص, وأبو هريرة, ومالك (رضي الله عنهم) وقال أبو حنيفة: الأسأر على أربعة أضرب, ضرب نجس وهو سؤر الكلب والخنزير والسباع كلها, وضرب مكروه, وهو حشرات الأرض وجوارح الطير والهر, وضرب مشكوك فيه, وهو سؤر الحمار والبغل, وضرب طاهر غير مكروه وهو سؤر كل حيوان يؤكل لحمه, وحكي عن أحمد أنه قال: كل حيوان يؤكل لحمه فسؤره طاهر وكذلك حشرات الأرض والهر, وفي السباع روايتان, إحداهما (208 أ/1) طاهر, والثانية: نجس, وكذلك في البغل والحمار روايتان أصحهما أنه نجس, والثانية مشكوك فيه. واحتجوا بما روي عن ابن عمر (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل عن المياه تكون بأرض الفلاة تمر بها السباع والذئاب فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ولأن لبثه نجس فكذلك سؤره وهكذا غلط للخبر الذي ذكرنا واحتج الشفعي بحديث أبي قتاة في الهرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: إنها ليست بنجسة , وعامة ما روي عن كبشة بنت كعب امرأة أبي قتادة (رضي الله عنها) أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءًا, فجاءت هرة شربت منه, فأصغى لها الإناء حتى شربت, قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إنها ليست بنجسه إنها من الطوافين عليكم والطوافات.

وروي أنه قال: كنت أسكب الوضوء لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فدنت الهرة, فأصغى لها الإناء فشربت, ثم قال هذا, فذلم لطهارة سؤرها بطهارة عينها, وقد ثبت ان ما سوى الكلب والخنزير طاهرة الأعيان, فاقتضى ذلك أن تكون طاهرة الأسار, وقد جعل الشافعي هذا الاستدلال بعينه علة في المسألة, فقال: ولعاب (208 ب/1) الدواب وعرقها قياسًا على بني آدم, واحتج أيضٌا بقوله (صلى الله عليه وسلم): إذا سقط الذباب في الإناء فاملقوه, وتمام الخبر فإن في أحد جناحيه داء, وفي الآخرة دواء, وإنه تقدم الداء , وروي: فإن في أحد جناحيه سمًا, وفي الآخر شفاء, ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه الشافعي من بعد, وهو أن الذباب لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمقله في الإناء دل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا فيما وصفنا. وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يأتي أهل بيت من الأنصار فيدخل عليهم, وكان بقربهم أهل بيت لا يدخل عليهم, فشق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله تدخل على بيت فلان ولا تدخل علينا, فقال: إن في بيتكم كلبًا فقالوا: يا رسول الله فإن في البيت الذي تدخل عليهم سنورًا فقال: إن السنور سبع وهذا إشارة إلى أنه ليس بنجس كسائر السباع. وروي عن جابر بن سمرة قال: رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من جنازة أي الدحداح على فرس عري , والعري في غير ابن آدم هو كالعريان في ابن آدم, ووجه الدليل أنه لا يخلو عن العرق في حر الحجاز, فإن ثبت طهارة عرقه من غير كراهية كذلك سؤره, ولا حجة في (209 أ/1) خبرهم, لأن الكلاب والخنازير هي داخلة في اسم السباع, ولأن الغالب أن السباع إذا ورت الماء بالت فيه وراثت, فلهذا أجاب بما أجاب. وأما اللبن قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه يحرم شربه, وهل هو طاهر؟ فيه وجهان, أحدها: هو طاهر كاللعب, وهو اختبار الأصطخري, والثاني: وهو الصحيح المنصوص أنه نجس, لأن اللبن معتبر باللحم فيما لا يمنع من أكله لحرمته, واللعاب لا يعتبر بتحريم الأكل بدليل سباع الطير والحشرات, ولهذا إن جوارح الطير بيضها نجس وسؤرها طاهر, قال ابن القطان من أصحابنا: هل يحل شربه؟ وجهان أحدها: ما ذكرنا, والثاني: يحل لأن الحمار كان مباح اللحم واللبن فورد الشرع بتحريم اللحم, ولم يرد النص في لبنه, وهذا ليس بشيء, والدليل على أن سؤر الهرة لا يكره خلاف قول أبي حنيفة, ما روى أن هرة أكلت من هريسة بين يدي عائشة (رضي الله عنها) ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة, وقالت إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم أكلت عائشة من حيث أكلت الهرة, وقالت إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال (إنها ليست

بنجسه) وقد رأت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتوضأ بفضلها, فإن قيل: هي تأكل النجاسات؟ قيل: والنصراني يشرب الخمر ولا يكره سؤره. مسألة: قال: (وغمس الذباب في الإناء ليس (209 ب/1) يقتله) الفصل إلى أن قال: " فإن مات ذباب أو خنفاء أو نحوهما في الماء نجسه" وهذا كما قال أراد به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذباب: "فامقلوه" فأمر بمقل الذباب في الإناء ولم يرد به قتله فإن قتله تنجس الماء أو الطعام, والمقصود من هذا بيان ما يموت من الماء أو في غيره من الحيوان, وجملته أن الحيوان على ضربين نجس, وطاهر, فالنجس الذي ذكرنا حكمه, وأما الطاهر فضربان, أحدها: ما يحل أكله بعد موته كالسمك والجراد, سواء كانت له نفس سائلة, كالسمك الكبار, أو لا نفس له سائلة لا ينجس الماء لا في حياته ولا بعد وفاته, ولا ينجس هو بالموت, والثاني: ما يحرم بالموت وهو على ضريين, ماله نفس سائلة وما لا نفس له سائلة, فما له نفس سائلة هو على ضريين آدمي وغير آدمي, فالآدمي هل ينجس بموته؟ قولان فإذا قلنا: ينجس فمات في قليل من الماء ينجسه إلا فلا, أما غير الآدمي فإنه ينجس بموته وينجس الماء قولًا واحدًا. وأما ما لا نفس له سائلة فهو على ضربين, ما يخلق من نفس الشيء كدود الخل, والماء, والجبن, والبق, وما خلق لا من نفسه كالذباب, والزنابير, والعقارب, والأوزاغ ونحو ذلك, فبالموت ينجس كله, ثم ينظر فيه مإن مات فما خلق منه كان (210 أ/1) معفوًا عنه قولًا واحدًا, وإن نقل عنه إلى غيره فالحكم فيه ومما لم يخلق منه سواء, فهل ينجس به ذلك؟ فيه قولان: أحدها: قال في القديم: لا ينجسه, وهو اختبار المزني وكافة العلماء, وهو الأصح عندي للخبر الذي به ذكرنا في الذياب إذا وقع في الطعام, وروى سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال له (يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فهو حلال أكله وشربه والوضوء منه) , ولأنه يشق الإحتراز منه فعفى عنه, والثاني: أنه ينجسه قال في (الجديد): وهو ظاهر المذهب, قال إبن المنذر: لا أعرف أحدًا قال ذلك غير الشافعي, وقال القاضي الطبري: وهذا هو قول محمد بن المنكدر, ويحيى بن أبي كثير, ووجهه أنه حييوان لا يحل أكله لا لحرمته فكان نجسًا بعد موته كالذي له نفس سائلة, وإذا ثبت نجاسته ثبت أنه ينجس به الماء القليل. وقال القفال: القولان في أنها هل تنجس بالموت وهل تنجس أيضًا وهذا أقيس وعلى هذا في روثه هل هو طاهر؟ وجهان, وقال أهل العراق: هذا مذهب مالك أنها

لا تنجس ويحل أكلها, ولا خلاف بين أصحابنا أن كلها تنجس بالموت أكلها حرام. فرع الحية والوزغ هل هي ذات نفس سائله؟ قال الدراكي وأبو حامد: (210 ب/1) هي ذات نفس سائلة, وقال أبو الفياض, وأبو القاسم الضميري: ليست بذات نفس سائلة. فرع أما إذا مات في الماء غير الحوت مما يكون عيشه في الماء, إن قلنا: إنه لا يحل أكله لا ينجسه, وكلب الماء وخنزيره والسلحفاة والسرطان والحية طاهر يؤكل في أحد القولين, ذكره بعض أصحابنا: وهذا في الحية غريب. فرع الصفدع يحل أكله قولًا واحدًا, ولكنه لا دم فيه فهل ينجس الماء القليل إذا مات؟ فيه؟ قولان, وهل ينجس في نفسه؟ فيه طريقان على ما ذكرنا. وقال بعض أصحابنا: الضفدع دم سائل ينجس الماء قولًا واحدًا, وقال أبو حنيفة: لا ينجس الماء شيء يكون عيشه في الماء قياسًا علي السمك, وهذا غلط, لأنه حيوان له دم سائل فأشبه البري. فرع إذا قلنا لا ينجسه فوقع فيه كثير حتى غير أحد أوصافه لونه أو طعمه أو ريحه, حكى أبو حفص عمر بن أبي العباس عن أبيه في وجهين: أحدها: نجسه, لأنه تغير بالنجاسة ويمكن الإحتراز منه, والثاني, وهو الأقيس: لا ينجسه لأنه لو نجسه إذًا غيره ينجسه من غير تغيير, لأن في الماء القليل لا يعتبر التغيير. فرع آخر قال أصحابنا: بخراسان: في دود القز إذا مات هل ينجس؟ قولان, وكذلك القولان في بزره وروثه, وفائدة القولين جواز (211 أ/1) الصلاة معه, وجواز بيعه ووجوب ضمانه إذا أبلغه, والسم القاتل إن كان من نبات فهو طاهر, وإن كان من الحية فنجس وكذلك الترياق, إن كان فيه لحم الحية فهو نجس. فرع آخر البهيمة إذا تناولت الحب وخرج منها بعينه, قال أصحابها: إن كانت صلابته باقية بحيث لو زرع نبت لم تكن عينه نجسة ويجب غسل ظاهره, كما لو ابتلع النوى وخرج منه, وإن لم تبق صلابته كان نجسًا. فرع دم الحوت هل هو نجس، أو طاهر؟ وجهان: أحدهما: وهو ظاهر أنه نجس، ولكن مع هذا يحل أكله ميتًا، كما لو طعن صيدًا

باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس

ولم يخرج منه إلا دم قليل قبل أن يصل إليه الذاع حل أكله، وإن بقى الدم في أجزائه. والثاني: أنه طاهر، وبه قال أبو حنيفة؛ ليس بدم حقيقة بل هو ماء أحمر لأن الدم يسود إذا أصابته وها لا يسود، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا هو رطوبة شبه الدم فهو طاهر وجهًا واحدًا، وإن قلنا إنه دم ففيه وجهان، وهذا الخلاف من ورثه وبوله، والفتوى عندي أن الكل طاهر؛ لأنه رخص في ابتلاعه حيًا وأكله ميتًا، فلا وجه للحكم بنجاسة شيء منه، ثم ختمك المزني هذا الباب بما مضى بيانه فلا نعيد. فرع آخر سؤر الفرس لا يكره وه طاهر، وقال أبو حنيفة: يكره وهذا خطأ لأنه حيوان يجوز بيعه كالشاة (211 ب/ 1). باب الماء الذي ينجس والذي لا ينجس قال الشافعي: أَخْبَرَنَا الثَّقةُ عَنْ الْوّلِيدِ بْنِ كَثِير، وَذَكرَ الْخَبَر)) وهذا كما قال، وقد ذكرنا حك الماء إذا ورد على النجاسة، والكلام الآن في النجاسة إذا وردت على الماء، وفي بيان القدر الذي ينجس، والذي لا ينجس، فلا خلاف بين العلماء في الماء إذا تغير بمخالطة النجاسة أنه ينجس، وإن كان كثيرًا راكدًا أو جاريًا، وأما إذا لم يتغير اختلفوا فقال ابن عباس، وحذيفة، وأبو هريرة، والحسن، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وأبن أبي ليلى، وحماد بن زيد، والقاسم بن محمد، ومالك، والأوزعي، والثوري- رضي الله عنهم:- لا ينجس قليلًا كان أو كثيرًا. وبه قال داود، وأهل الظاهر، واختاره ابن المنذر، وهو اختياري واختيار جماعة من العلماء الذين رأيتهم بخراسان والعراق. وحكى عن داود أنه قال: إذا بال في الماء الراكد ولم يتغير فإنه لا ينجس، ولا يجوز أن يتوضأ منه للخبر، ويجوز لغيره أن يتوضأ منه، وإذا تغوط فيه ولم يتغير لا ينجس ويتوضأ هو منه وغيره، وإن بال على الشط فجرى البول إلى الماء جاز له التوضئ منه إذا لم يتغير، وخطأه في هذا بين لا يحتاج إلى الدلالة عليه. واحتجزوا بما روى، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خلق الله (212 أ/ 1) الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه". وروى أبو أمامه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ينجس الماء إلا ما غير طعمه أو ريحه". وروى عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بغدير فيه شاة ميتة فامتنعنا أن نشرب منه، أو نتوضأ فقال:

" (توضؤوا) واشربوا فإنه لا ينجس الماء شيء". وقال خبر القلتين ضعيف لأنه رواه محمد بن جعفر. وقال يحي بن معين: كان محمد هذا مغفلًا، ولو صح فقد ورد مورد التقريب لا التحديد، بدليل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زاد الماء عن قلتين أو ثلاثة فإنه لا ينجس" ويقيسون على الكثير. واحتج الشافعي عليهم بالخبر وهو قوله "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا وروى "خبثاً" فدل على أن ما دون القلتين ينجس. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" فأمر بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء خوفًا من النجاسة على يده. فدل على أنه لو تيقن النجاسة يفسد الماء به. وأما خبرهم الذي ورد في بئر بضاعة وماؤها وكانت قلالًا كثيرة. وقد روى أبو سعيد الخدري أنه قيل (212 ب/ 1): يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن. فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء ". وري أنه قيل: يا رسول الله: إنك تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض، ولحوم الكلاب، وما ننجي الناس الغائط. وقال أبو داود: قدرت بئر بضاعة برداي- أي مددته عليها- ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت من أدخلني إليها هل غير بناؤها عما كانت عليها؟ فقال: لا، وسألت قمها عن عمقها، فقال: تكون عند الكثرة إلى الغاية، وإذا نقص تكون دون العورة، أو نحمله على الكثير بدليل ما ذكرناه، ولا يصح القياس على الكثير، لأنه قوي بكثرته، فقدر على دع النجاسة عن نفسه، وقد يكون الكثير قوة ليست للقليل كالشاهدين لا يثبت بأحدهما ما يثبت بهما. وقال أكثر العلماء: يفضل بين الماء القليل والكثير في هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا في التفصيل. فقال ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وأبو عبيد. وروى بعض أصحابنا هذا عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأحمد، وإسحاق. وفيه نظر. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: يحد بأربعين قلة، والقلة منها كالجرة (213 أ/ 1). وقال محمد بن سيرين، ومورق بن الأجدع، ووكيع بن الجراح يحد بكر، والكر عندهم: هو أربعون قفيز اثنان وثلاثون رطلًا.

وقال أبو حنيفة في الصحيح في الروايات: كل ما خالطه نجاسة نجس حتى لو وقع في بحر نجاسة فإنه نجس ما يلي موضع وقوع النجاسة، وما لا تخلص إليه النجاسة فإنه طاهر، ومنهم من قال: إذا بلغ الماء عشرًا في عشر في عمق بئر لا ينجس لوقوع النجاسة فيه، وإن كان دونه تنجس، ومنهم من قال: إذا بلغ قدرًا لو حرك أحد جوانبه لم يتحرك الجانب الآخر لا ينجس، وإلا نجس، وهذا ليس بتحديد حقيقة بل جعله أمارة على وصول النجاسة إليه، وهذا كله غلط لما ذكرنا من الخبر المعروف. وقوله في خبر ابن عمر: "لم يحمل خبثًا" أو قال: "نجسًا" شك الراوي وقوله: في بشر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض تطرح في بطن الوادي فيسل بها السيل إلى البئر. وقيل: معناه أن المنافقين والمشركين كانوا يطرحونها فيه علمًا منهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمائها، ثم قال الشافعي: ومعنى قوله: "لا ينجسه شيء" إذا كان كثيرًا قصد به الرد على مالك وجماعة، وذكر في الخبر الطعم والريح، ولم يذكر اللون فذكره الشافعي وألحقه بهما (213 ب/ 1)، لأنه في معناهما، ثم ذكر بعد هذا موضع آخر حجة أبي حنيفة، وهي ما يروى عن ابن عباس- رضي الله عنه "أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها"، وأجاب عنه بخمسة أجوبة نقلها المزني في سطرين على الاختصار: أحدهما قوله: لا نعرفه وزمزم عندنا يعني نحن من أهل مكة، وزمزم بمكة فلا نعرف هذا الخبر، فكيف عرفه أهل الكوفة بالكوفة. والثاني: قوله: وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يجنب فذكر الماء منها. قال صاحب "الإفصاح" معناه: لا ينجس فكأنه عارض تلك الرواية بهذه، إلا أنه قد قيل: هذه المعارضة لا تصح؛ لأن ابن عباس أراد به لا ينجس من الجبث، ولا الثوب الذي يلاقيه، ولا المكان الذي هو عليه، ولا الماء الذي يماسه. وقيل معناه: لا ينجنب منهن بالشك في نجاستين. والثالث: قوله: وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم أراد: أنَّا روينا عن ابن عباس ما روينا في بئر بضاعة بابن عباس أنه يخالفه. والرابع: قوله: وقد يكون الدم ظهر فيها فنزحها إن كان فعلها، وهذا تأويل منه للخبر إن ثبت، كأنه يقول يحتمل أن الزنجي لما سقط في البئر دمى بعض بدنه (214 أ/ 1) منه وظهر لون دمه في الماء فلذلك نزح. والخامس: قوله: "أو ننظف لا واجبًا" يريد تأويلًا آخر، وهو أنه نزع لا لنجاسة بل تنظفًا وتطييبًا للنفوس؛ لأنه ماءه يعد للشرب غالبًا. فإذا تقرر هذا فذكر حد القلتين. قال الشافعي: روى في الخبر بِقِلاّلِ هَجِر، قال ابن جريح: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا. وقال الشافعي: والاحتياط أن نجعل قربتين ونصفًا؛ لأن الشيء هو عبارة عن أقل من النصف، فالقلتان خمس قرب، وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل من الماء، فيكون ماء القلتين

خمسمائة رطل بالبغدادي، وأول من حد كل قرية بمائة رطل من أصحابنا إبراهيم بن جابر، وأبو عبيد ابن حربوية وتابعهما سائر أصحابنا، وإنما قال: بقلال هجر لأنهما تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين. وقيل: سميت بذلك لأنها تعمل بقرية من قرى المدينة تسمى هجر، وليس بهجر البحرين. وقيل: سميت بذلك لأنها عملت على مثال قلال هجر، كما يقال ثوب مروى، وإن عمل بالعراق وهذه القلة تعمل بالمدينة ولكنها تنسب إلى هجر؛ لأن ابتداء عملها كان يهجر كما يسمى الثوب مرويًا لأن ابتداءه حمل من مرو، وهل هو تحديد أو تقريب؟ فيه وجهان: أحدها: أنه تقريب، فإن نقص منه رطل أو رطلان لا يؤثر؛ لأن الشافعي (214 ب/1) قال: والاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب. والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق أنه تحديدًا؛ لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفًا احتياطيًا وجب استيفاؤه، كما انه لما وجب أن يغسل شيء من الرأس عند غسل الوجه احتياطيًا وجب استيفاؤه لغسل الوجه، صار ذلك فرضًا وهذا أظهر، فعلى هذا لو نقص منه شيء، وإن قيل: تنجس لوقوع النجاسة فيه وقال أبو عبد الله الزبيري: القلتان ثلثمائة منا وهو اختيار القفال؛ لأن القلة هي ما يستقله حمار، وكذلك الوسق. وقيل: بعير العرب ضعيف لا يحمل أكثر من وسق، ولا خلاق أن الوسق هو ستون صاعًا، وذلك مائة وستون منًا، فالوسقان ثلثمائة وعشرون منًا، فتصرف للأوعية والحبال عشرون منًا فيبقى ثلثمائة منًا. وقال القفال: لم يذكر الشافعي مقدار كل قربه، ومن أصحابنا من قال: كل قربة مائة من، فجملته خمسمائة منًا. ومنهم من قال: مائتان وخمسون منًا وهو قول الأكثرين، وهذا أصح، ولا يصح ما ذكره القفال، لأن الشافعي نص وقال: "القربة بالحجاز تسع مائة رطل". فرع لو وقع رطل بول في قلتين من الماء فالماء طاهر، والمذهب أنه لا يجوز جميعه، ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان (215 أ/ 1). أحداها: هذا، والثاني: يتوضأ بجميعه حتى يبقى رطل ثم يتركه لأنه يتيقن حينئذ استعمال النجاسة، وشبه هذا بما لو حلف لا يأكل تمره فاختلطت بثمرات له أكل كلها إلا تمره، وهذا ليس بشيء لأن التمر جامدة لا تختلط، ويجوز أن تكون الباقية هي المحلوف عليها بخلاف مسألتنا؛ لأن البول اختلط بأخر الماء، ولا يجوز أن يكون الرطل الباقي في جملة البول. مسألة: قال: وَإِنْ كَانَ المَاءِ قِرَبِ مِنْ قَرِبَ الْحِجَازِ". الفصل وهذا كما قال فرع الشافعي على الأصل الذي ذكرناه ثلاث مسائل:

(إحداها): الماء الكثير إذا لم يتغير بالنجاسة، والثانية: إذا تغير بماذا يطهر؟ والثالثة: إذا كان قليلًا فنجس من غير تغير بماذا يطهر؟ وهو قوله:"وإذا كان قلتين فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه" إلى آخر الفصل. وذكر الشافعي في "الأم" الماء الراكد والماء الجاري، فنقل المزني حكم الماء الراكد وترك حكم الماء الجاري، ونحن نذكرهما، وجملته أن الماء ضربان راكد، وجاري، فالراكد أن يكون في مصنع أو بئر، فإذا وقعت فيه نجاسة لا تخلو، إما أن تكون نجاسة جامدة أو مائعة، فإن كانت جامدة كالفأرة والعصفور، وقطعة لحم من الميت أو عظمه فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون فوق (215 ب/ 1) القلتين، أو وفق القلتين، أو دون القلتين. فإن كان فوق القلتين لا يخلو، إما أن يكون بتغير أو لم يتغير، فإن لم يتغير فهو على الطهارة، وإن تغير نجسه وهو يطهر بأحد أربعه أشياء. إحداهما: أن يزول تغيره بطول المكث بمرور الزمان، أو هبوب الرياح به. قال القفال: أو بنبات شيء فيه مقل الكلأ ونحوه، وحكى عن الأصطخري أنه قال: إذا زال تغيره بنفسه لا يطهر، لأن نجاسته ثبتت بوارد فلا تزول إلا بوارد بخلاف نجاسة الخمر إذا صار خلًا. والثاني: أن يصب عليه ماء, والثالث: أن ينبع الماء فيه. والرابع: أن يستقي بعضه حيث لا ينقص عن قلتين، وهذا لأن كل حكم تعلق بعلة زال بزوالها، والعلة في نجاسته التغير ههنا، وقد زال ذلك، وإن صب فيه تراب أو جص أو ثورة فزال به التغير، فيه قولان نص عليهما في رواية حرملة. أحداهما: يطهر وهو اختيار المزني وهو القياس؛ لأنه لو كان في الابتداء ماء كدرًا فلم يتغير لونه لمخالطة النجاسة لتكدره، ثم ننجس فكذلك إذا تغير لونه بالنجاسة عند صفائه، ثم زال التغير بالتكدر وجب أن يطهر؛ ولأن التغير زال فأشبه إذا زال بنفسه وتفارق هذا إذا زال التغير بالكافور والمسك، وهذا أصح عند (216 أ/ 1) جماعة أهل العراق. والثاني: لا يطهر نصف عليه في "الأم" لأنه أزال التغير بوارد لا يزيل النجاسة، فأشبه إذا طرح فيه المسك وهذا أصح عند جماعة أصحابنا بخراسان؛ ولأنه يجوز أن يكون التغير باقيًا، ولكن التراب أخفاه. وقال أبو حامد: القولان فإما تغير التراب فلا يطهر قولًا واحدًا. والأول أصح، ونقل المزني وحرملة النورة صريحًا، وذكرًا فيه القولين. وقال بعض أصحابنا: إذا طرح فيه التراب فإنه صفًا ولم يكن تغير يحكم بطهارته؛ لأن التراب جذب النجاسة إلى نفسه، وفارق أجزاء الماء، وقيل: إن يصفوا هل يحكم بطهارته؛ وجهان، والأصح أنه لا يطهر لأن زواله لم يتحقق، فإن لون التراب غلبه، وربما إذا صفًا كان متغيرًا، ولا

يحكم بالإباحة إذا وقع الشك في سببها. فرع لو لم يكن للنجاسة ريح، ولا لون، ولا طعن، فوقعت في قلتين من الماء نعتبر قدرًا لو كان لها أحد الأوصاف فظهر بخلاف العين الطاهرة إذا خالطته يعتبر فيها الغلبة على أحد الوجهتين، لأن الطاهر لا يضاد الماء بخلاف النجاسة فلا يمكن اعتبار الغلبة فيها، ولهذا لو تغير النجاسة أدنى تغير يعتبر ذلك، وأدنى التغير بالظاهر لا يمنع الطهارة، وإن كان الماء وفق القلتين نُظر، فإن لم يتغير فهو طاهر، وإن كان متغيرًا فهو (216 ب/ 1) نجس، ويطهر بأحد ثلاثة أشياء، أن يزول بغيره بطول المكث أو بأن ينبع فيه ماء أو يصب فيه ماء، أو يصب عليه الماء، وإن صب فيه تراب أو جص ففيه قولان، ولا يجئ أن يسقي بعضه أنه ينقض عن قلتين، وإن كان الماء دون القلتين فهو نجس تغير أو لم يتغير، فإذا أخرجت النجاسة عنه طهر بأحد أمرين، فغنه ينبع فيه ماء أو يصب عليه فيكاثره حتى يغلبه، والمكاثره بأن يقلب فوقه من الماء سبعة أضعافه فيطهر، وغن لم يبلغ قلتين لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، وهذا لأن الماء إذا نبع فيه أو صب عليه، فقد ورد الماء على النجاسة، ولا فرق بين وروده من فوقها، أو من تحتها. ذكره ابن شريج. ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يطهر ما لم يبلغ قلتين؛ لأنه ماء قليل فيه نجاسة، ويفارق الثوب والإناء، لأن الماء ينزل عنه فيطهره، وهذا اختيار القفال. والثاني: يطهر، وقال أبو حامد: والصحيحان ههنا يطهر وجهًا واحدًا بخلاف الإناء؛ لأنه يمكنه أن يريق ما فيه بخلاف هذا، وهذا لا يقوى، لأن ها هنا أيضًا يمكنه أن يبلغ قلتين. فإذا قلنا: يطهر وهو المذهب المشهور فهذا الماء طاهرًا غير طهور؛ لأنه مستعمل في إزالة النجاسة (217 أ/ 1)، ويجيء فيه قول ابن خيران أنه يجوز التوضيء، وإن كان كاثره حتى يبلغ قلتين جاز استعمال جميعه. ومن أصحابنا من قال: يبقى به القدر النجاسة وليس بشيء، وإن كان الماء دون قلتين متغيرًا، فالنجاسة اعتبرنا زوال التغيير والمعاودة بالماء معًا وإذا لم يكن متغيرًا اعتبرنا المكاثره فقط على ما ذكرنا. فرع لو وقعت النجاسة في ماء وفق القلتين فأزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن أراد أن يأخذ منه الماء للاستعمال مع بقاء النجاسة فيه، قال أبو العباس، وأبو إسحاق: لا يمكن ذلك لأنه إذا غرق فيه بقيت النجاسة فما بقى بالمأخوذ نجس أيضًا؛ لأنه ماء واحد فلا يكون بعضه طاهرًا وبعضه نجسًا، والمذهب أنه يمكن ذلك. وبه قال الأصطخري، وحكاه القاضي الطبري عن أبي العباس- وهو الأظهر عنه- وذلك حكاه

أبو حامد عنه، وهذا لأن الكل طاهر، وهناك عين نجاسة قائمة، فإذا رغب الإناء في الماء، فالكل طاهر، فإذا غرف الإناء بعضه لا يخلو إما أن تكون النجاسة في الدلو أو في البئر، فإن كانت في البئر وغرف الماء غرف لا شيئًا فشيئًا فالماء الذي في الدلو طاهر وباطن الدلو طاهر، وظاهر الدلو وما بقى في البئر طاهر، فإن قطر منه ماء نظرات، فإن كان من ظاهر الدلو لم (217 ب/ 1) يضره، وإن كان من باطن الدلو نجس كله. فرع لو كان الدلو نجسًا مثل أن يكون متخذًا من جلد كلب أو جلد ميتة غير مدبوغ أو مدبوغ وعليه شعر، والشعر إلى ظاهر الدلو، فالماء كله نجس لأنه وإن غرف النجاسة فيه نجس ما بقى بظاهر الدلو، وهكذا الوجهان فيه إن كان هذا الماء في إناء ينجس كجلد كلب أو نحوه، وأراد أن يستعمل شيئًا منه. فإن قلنا بقول أبي إسحاق: فلا سبيل إليه، وإن قلنا بالمذهب والدلو طاهر نُظر، فإن غرف النجاسة في الدلو فالكل تنجس، لأن الباقي في إناء نجس، وإن لم تغرف النجاسة فيه فباقي الدلو طاهر والباقي نجس. فرع آخر لو أدلى دلوًا في قلتين من الماء، وفي باطن الدلو بلل نجس، فإن انغمس في الماء طهر كله لأنه صار باقي الدلو، وما في البئر واحد فيصير البلل مستهلكًا، وإن دخل الماء في الدلو قليلًا قليلًا ولم ينغمس فيه فما في الدلو نجس، وإن تقاطر منه إلى البئر فما في البئر هو نجس أيضًا، وعلى هذا الذي ذكرناه. لو ولغ الكلب في إناء ماء أقل من قلتين نجس الماء والإناء، فإن صب فيه ماء آخر حتى بلغ قلتين فإن الماء طاهر، والإناء نجس، لأن الماء قد بلغ حدًا لا يحمل النجاسة، والإناء لا يطهر إلا بأن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (218/ 1) على الصحيح من المذهب، فإن أخذ بعضه فنقص عن القلتين، فإن ما بقى في الإناء تنجس بلا خلاف، والماء الذي أخذه هل هو نجس أم لا؟ على ما ذكرنا. فرع آخر لو غمس جرة من الماء النجس في ماء ناقص عن قلتين واتصل الماء بالماء والكل قلتان، هل يحكم بطهارة ماء الجرة؟ وجهان: أحدهما: يحكم بطهارته لأن الاتصال قد وجد. والثاني: لا يحكم بطهارته، لأن ماء الجرة كالمفردة عنه ولهذا لو كان جاز إلا نزول جراته، وهكذا لو كان الجرة طاهرًا وغمسه في قلتين من الماء النجس إلا قدر جره هل يحكم بطهارته؟ وجهان. فرغ لو كان الماء فوق القلتين نُظر، فإن أزال عنه النجاسة استعمله كيف شاء، وإن ترك

فيه النجاسة فغرف منه نُظر، فإن كان بين النجاسة وبين موضع الغرف قلتان فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان بينهما. دون القلتين. قال أبو إسحاق: ما غرف نجس ولا سبيل إلى استعمال ما يغرف إلا أن يكون الماء في موضع واسع مثل البول الكبار والمصالع من كل جانب من النجاسة القائمة قلتين، ثم يأخذ الماء وراء ذلك، فأما في الآبار الضيقة لا يمكن ذلك، والمذهب أنه طاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون كل الماء طاهر فيأخذ بعضه فيكون نجسًا، ويجوز أن يأخذ من أي موضع أراد قرب من النجاسة (218 ب/ 1) أو بعد عنها ما لم ينقص الماء عن قلتين، فإذا نقص لا يجوز استعماله؛ لأنه صار نجسًا بالنجاسة القائمة فيه. وقال القفال: فيه قولان أحدهما: قاله في "القديم" ماء غرفه طاهر وهو الصحيح وعليه الفتوى. والثاني: قاله في "الجديد" أنه نجس، وقال القفال: لم أسمع لذلك حدًا وكيفيته في اعتبار القلتين والذي أذهب إليه أنه يعتبر ما بينه وبين موضع النجاسة في مثله من الغرض، وفي مثله من العمق، فإن بلغ قلتين وإلا تباعد شيئًا وزاد في العرض والعمق مثله، فإن بلغ قلتين وإلا زاد لذلك أيضًا، وإن لم يكن له عمق زاد في العرض والطول بالسوية في جميع ما عد من العرض إذا لم يفعل كذلك، فالقليل من الماء إذا أخذ في جميع عمقه البحر بلغ قلالًا. فرع آخر قال في "الأم": ولو أخرج النجاسة منها في دلو وأريق الماء الذي معهما لأنه أقل من خمس قرب واجب إلى لو غسل الدلو، فإن لم يغسل ورد في الماء الكثير طهره الماء الكثير. فرع آخر لو نجس البئر بتغير الماء بالنجاسة فنزح فنقص عن القلتين ولم يذهب التغير، فعليه أن ينزح كل الماء ويغسل قعر البئر، وكل ما أصابه هذا الماء النجس من حوالي البئر، ولا يلزمه أن ينزح الغسالة لو غسل أرضًا (219/ 1) بالغسالة طاهرة لا يلزم إزالتها، وإن لم ينزح ولكن زاد فيه الماء حتى ذهب التغير وبلغ قلتين، فقد بينّا أنه طاهر، وإن كانت النجاسة مانعة فالحكم فيه لو كانت جامدة فأزالتها منه حرفًا بحرف على ما مضى إلا في موضع واجد وهو أنه إذا كان الماء في موضعين وهما قلتان فحصلت فيهما نجاسة مانعة فقد نجسا بحصولها فيهما، فإذا جمعا وصارا قلتين طار الماء طاهرًا مطهرًا، فإن فرقنا بعد ذلك لم ينجسا بعدما طهرا إلا بنجاسة تحدث فيها، فإن كانت النجاسة جامدة فإذا جمعتا عادتا طاهرتين، فإذا فرقا بعد ذلك، فإن الماء الذي مع النجاسة نجس، لأنه دون القلتين وفيه نجاسة قائمة، وقول الشافعي في المسألة الثالثة فخالطته نجاسة ليست بقائمة فيه، لأنه أراد أن يرتب عليه هذا الحكم، وهو إذا فرق الماء بعد ذلك. وقال أصحاب أحمد: لا يحكم بطهارة الماء فإن تجمعا؛

لأن كل واحد منهما نجس، فإذا اجتمعا لم تتولد بينهما الطهارة كالولد المتولد من بين الكلب والخنزير لا يحكم بطهارته بحال، وهذا غلط لخبر القلتين؛ ولأن هذا ما بلغ قلتين ولم تغيره النجاسة فكان طاهر، كما لو وقعت فيه وهو قلتين، وأما ما ذكره فلا يصح، لأنه إذا اجتمع وجد فيه كثرة أجزاء الماء (219 ب /1) إلى تمنع النجاسة، وهو كاجتماع الأوصاف الموجبة للحكم لو انفرد كل واحد منهما لا نوجبه، وبالجميع نوجبه، وليس كالمتولد بين الكلب والخنزير لأنه لا يوجد هناك عليه الطاهر بخلاف ها هنا. فرع آخر لو كان الماء قلتين إلا كوز ماء فصب عليه كوز بول نجس كله، فإن صب بعد ذلك فيه كوز ماء ولم يكن متغيرًا طهر كله؛ لأنه بلغ بالماء الصافي قلتين، ولو صب في الابتداء كوز من ماء ورد، ثم وقعت فيه نجاسة ينجس، وإن لم يتغير؛ لأن ما فيه من الماء هو ناقص عن قلتين ولو أكمل القلتين يكون من ماء الزعفران، وذهب التغير الذي كان فيه، ثم وقعت فيه نجاسة كان طاهرًا؛ لأنه ماء بخلاف ماء الورد، وهكذا لو أكمل بكوز من ماء نجس طهر الكل. فرع آخر لو وجد الماء الراكد متغيرًا، فإن علم أنه لطول المكث أو لترك الاستقامة فهو طاهر طهور، وإن علم أنه لنجاسة فهو نجس، وإن أشكل أمره فهو على أصل الطهارة، نص عليه في "الأم"، و"البويطي". فرع لو علم كون الماء قلتين، فرأى كلب ولغ فيه فشك هل شرب منه حتى نقص عن القلتين أم لا؟ فهو على الكثرة ما لم نقصه ويكون طاهرًا ذكره في "الحاوي "وهو صحيح. وأما الجاري [220 أ/1] ذكره الشافعي في "الأم "وحرملة مستوفى وجملة ما قال فيهما أنه إذا كان يجري كله لا يقف منه شيء أن لكل جزء من الماء حكم بنفسه، ولكل جريه حكم نفسها. والجرية: عبارة عن جزء من الماء ما بين حافتي النهر كلما جرى جزء ما بين الحافتين فو جريه، بيانه أن يكون على النهر خيط ممدود ما بين حافتيه، فالماء الذي تحت الخيط جريه وما بعد ذلك الماء هو جريه مثله، وما بعده جري مثله، وذكر في الكتابين أربع مسائل: إحداها: إذا كانت النجاسة جامدة تجري مع الماء كالفأرة والبقرة، فالماء الذي

أمامها طاهر وبعدها طاهر؛ لأن لكل جرية حكم نفسها والماء الذي أمامها وبعدها غير الماء الذي هي فيه، أو يقول: ما بعدها ما وصلت إليه والذي قبلها ما وصل إليها، وأما التي هي فيه فهو الجريه، وما عن يمينها وشمالها إلى حافتي النهر فينظر، فإن كانت الجرية أقل من قلتين فهي نجسة، وإن كانت قلتين فصاعدًا في طاهرة. قال القفال: إلا أن تكون بهذا لها عرض كبير، فالماء الذي في جابينه هو طاهر إذا كان متباعدًا عنها، وإنما ينجس منه قدر ما ينسل إليها، وكذلك لو تغير الماء الجاري بنجاسة خالطته فأتت جرية متغيرة وجرية غير متغيرة، فالمتغيرة نجسة [220 ب/1] وغير المتغيرة طاهرة، وهذه الجرية المتغيرة هي بمنزلة نجاسة قائمة. وقال ابن القاض في "المفتاح "قال الشافعي في "القديم ": لا ينجس الماء الجاري إلا بالتغيير. قال أصحابنا: العلة فيه أن الماء الجاري هو بمنزلة الماء الوارد على النجاسة؛ لأنه يحملها يجريانه عليها، والماء الوارد على النجاسة لا ينجس إلا بالتغير، والصحيح قوله الجديد، لأن ما لاقته نجاسة لا حاجة به إليها فتعتبر فيه القلتين كالماء الراكد. الثانية: إذا كانت الجيفة راكدة في قرار الماء، والماء يجري عليها فالماء الذي قبلها طاهر والواصل إليها ينظر فيه، فإن كانت كل جرية تمر بالجيفة قلتين فصاعدًا فالكل طاهر، وإن كانت كل جرية أقل من قلتين فكل جرية يمر بها فهي نجسة، ولا يطر ما لم تمر بها ما دام جاريًا حتى ينتهي إلى موضع يركد فيه، فإذا اجتمع الراكد قلتين فهو طاهر، وهذا لأن هذه الجرية قد جرت بالنجاسة فنجست بها، وكل جرية بعدها مثلها، والماء الجاري عند الشافعي لا يكون كالمختلط، ولكل جزء منه حكم نفسه. قال أبو العباس: فإن ورد هذا الماء الجاري على الجيف على ماء راكد واجتمعا وبلغا قلتين ولم يختلط طهرتا وإنما تبين هذا بأن يكون أحد الماءين صافيًا والآخر كدرًا [221 أ/1]؛ لأن الاعتبار باجتماع الماء الكثير لا بالمخالطة، ألا ترى أنه لو وقع رطل ماء نجس في قلتين طاهرتين فالكل طاهر، وإن لم يخلط يجميعه، وسئل أبو إسحاق عن هذه المسألة فقال: إن كان الماء شديد الجرية، فالماء الذي هو أمام الجيفة يجوز أن يستعمل من موضع يكون بينه وبين الجيفة مقدار القلتين، وبه قال ابن أبعن النجاسة بقدر قلتين، فأشبه إذا كان الماء راكدًا، والأول هو المذهب الظاهر، والفتوى عندي على ما قال أصحابنا الثلاثة والله أعلم. والثالثة: أنه لو ورد الماء الجاري على ماء راكد في مفيص من هذا النهر وفي الراكد نجاسة، فإن كان متغيرًا فهو نجس، وإن كان غير متغير فهو نجس أيضًا حتى يبلغ قلتين، فيكون الكل طاهرًا، ولو وقفت الجيفة في الماء الجاري وسكون الموضع ردت الماء فلم يجر من فوقها، ولا من تحتها، فإن الماء الذي اجتمع وتراد وإن كان

قبلها بمنزلة الماء الراكد يعتبر فيه قلتين. والرابعة: إذا كان في جانب النهر موضع منخفض زايغ عن مستوى جري الماء، وفيه ماء راكد فيه نجاسة قائمة لم تغيره نظر، فإن كان قلتين فصاعدًا فهو طاهر، وإن كان أقل من قلتين [221 ب/ 1]، فإن كان كل جرية تمر به من هذا الجاري يبلغ قلتين فالكل طاهر، وإن كان لا يبلغ قلتين بكل جرية تمر به تنجس به فيكون نجسًا ما دام جاريًا حتى يبلغ موضعًا يركد فيه ويبلغ قلتين على ما ذكرنا. ويجئ فيه قول أبي إسحاق أيضًا، وعلى هذا لو كان حوض له مخرجان يدخل الماء من أحدهما ويخرج من الآخر، وفي الحوض أقل من قلتين فوقعت فيه نجاسة فحكمه حكم الماء الراكد لا الجاري. فرع لو كانت النجاسة رأسية في أسفل الماء وقراره فلا تمر بها الطبقة العليا من الماء، وإنما تمر بها السفلى، فانتهى الماء إليها، فالطبقة السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وفي نجاسة الطبقة العليا وجهان: أحدهما: طاهرة؛ لأنها لم تجر على النجاسة ولا لاقتها فصار كالماء المتقدم. والثاني: هي نجسة؛ لأن جرية الماء إنما يمنع من اختلاط ما تقدم وتأخر، فأما ما علا منه وسفل من طبقاته فهو الراكد أشبه والراكد لا يتميز حكم علاه ولا ينتهي إلى قراره كانت الطبقة العليا التي انتهى إليها نجسة، وفي نجاسة الطبقة السفلى منها وجهان على هذا. فرع لو كان الماء راكدًا في موضع رقد تغير بالنجاسة وكل [222 أ/ 1] جرية تمر به قلتان، فقياس المذهب يقتضي أن كل جرية تنجس به لأنها معه كالماء الواحد، فإذا انفصلت عنه زال حكم النجاسة؛ لأن الجرية انفردت عنه وهي قلتان غير متغيرة بالنجاسة ذكره في الشامل. وعندي أنها لا تنجس به كما لو جرت على جيفة واقعة لا تنجس بها لبلوغها حدًا لا يقبل النجاسة بنفسها. مسألة: قال: "وإذا وقع في الماء القليل ما لا يختلط به مثل العود أو العنبر أو الدهن الطيب فلا بأس لأنه ليس مخوضًا فيه ". وهذا كما قال: أراد لأنه ليس بمختلط به لكنه مجاوز له فلا بضره، كما لو وقع ماء البئر لمجاورة جيفة على حافته لا يضره، ومفهوم لفظه أن الكثير منه يسلب حكم التطهر؛ لأنه يصير مخوضًا به. وقد ذكرنا شرحه فيما تقدم. مسألة: قال: "وإن كان معه إناءان في السفر يستيفن أن أحدهما قد نجس والآخر

لم ينجس تأخى". الفصل وهذا كما قال إذا كانت معه أوان في بعضها ماء طاهر وفي بعضها ماء نجس، واشتبه عليه يجزئ سواء كان عدد الطاهر أقل أو أكثر، وسواء، وكذلك الثياب. وقال المزني، وأبو ثور: لا يجوز التحري بحال لئلا يتوضأ بالنجس ويصلي بالتميم. وبه قال أحمد، وعنه في وجوب إراقتهما قبل التيمم روايتان [222 ب/ 1] وقال في الثياب: أنه لا يتحرى بل يصلي في كل واحد منهما. وقال ابن الماجشون، ومحمد بن مسلمة أنه يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يتوضا بالآخر ويغسل ما أصابه الأول من ثيابه وبدنه، ثم يصلي. وقال أبو حنيفة: يجوز التحري في الثياب على الإطلاق ولا يتحرى في الأواني إلا أن يكون عدد الطاهر أكثر، وهذا غلط لأن كل جنس يجوز فيه التحري إذا كان الطاهر يجوز إذا كان عدد النجس أكثر أو ساواه كالثياب، والدليل على بطلان قول المزني أن ما هو شرط في الصلاة إذا اشتبه أمره جاز طلب صوابه بالاجتهاد كالقبلة، ولأن في الإناء الواحد إذا وقع الشك في نجاسته بناه على أصل الطهارة فجاز في الإناءين أن يبنى أمر أحدهما على الطهارة بالاجتهاد، ولأن القاضي يجتهد في الأحكام فيطلب الحق باجتهاده إذا اشتبه عليه كذلك هنا. واحتج المزني بأنه لا يتحرى في إناء ماء وغناء بول، ولا في ميتة ومزكاة، ولا في امرأتين إحداهما محرمة عليه كذلك ههنا، وأيضًا التحريم يغلب على التحليل، كما لو اختلط النجس بالطاهر. قلنا: الفرق أنه ليس له اصل في افباحة لأنه لا يستباح الحيوان إلا بالذبح، وقد شك في وجود الريح، ولا يستباح الفرج إلا بالنكاح الصحيح [223 أ/ 1]، والأصل تحريم الفرج ولا أصل للبول في الطهارة بخلاف الماء النجس فيرده بالتحري إلى الأصل. وأما إذا اختلط النجس بالطاهر فقد نجس بحيث لا يمكن التمييز. وههنا يمكن التمييز بالتحري. فإذا تقرر هذا، فاصل ما يمكن التحري فيه أن يكون الشيئان طاهرين، ثم ينجس أحدهما، كالماءان والمائعين غير الماء من اللبن والعسل، والثوبين: فإما بين طاهر ومحظور الأصل كالبول والماء والزكاة والميتة لا يجوز التحري فيه بحالٍ. وعند أبي حنيفة: يجوز التحري في الماء واللبن غذا كان عدد الطاهر أكثر كما قال في الماء، ووافقنا في المزكاة والميتة أنه لا يجوز التحري، وإن كان عدد المزكاة أكثر، فإن قيل: لم جوزتم التحري في غير الماء ولا ضرورة إليه للتطهير؟ قيل: لأنه يؤدي إلى غضاعة المال وفيه مشقة، ولأن الكل سواء في الطهارة قبل وقوع النجاسة فكذلك يستوي الكل في جواز التحري. فرع كيفية التحري أن يطلب النجس بالعلامات من انكشاف الإناء وحركة الماء وتغير

صفته، وأثر الكلب بقربه وبلل حواشيه وهذا هو المذهب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا غلب على ظنه طهارة أحدهما أو نجاسته من غير دليل يدله عليه له العمل فيه بغالب ظنه؟ اختلف [223 ب/ 1] أصحابنا فيه، فمنهم من جوزه وتعلق بظاهر قوله: تآخر، وأراق النجس على الأغلب عنده، واعتبر الغلبة على ظنه، وعلل بأن الطهارة ممكنة والماء على أصله طاهر، يعني أن غلبة ظنه تتقوى بما ينضم إليه من طهارة أصل الماء وطهوريته، فعلى هذا لا يجوز التحري والعمل، فعليه الظن من غير دليل إذا كان أحد الإناءين بولاً؛ لأنه لا أصل له في الطهارة يتقوى به عليه ظنه، وبالدليل يجوز، وكذلك إذا كان أحدهما ماء ورد ولا يجوز التحري؛ لأنه لا أصل له في الطهورية، وفي الماء المستعمل، والماء المطلق يجوز لأنه أصله على الطهورية فتتقوى به غلبة الظن، وعلى هذا القياس. ومنهم من قال: لا يجوز العمل بغالب الظن فيه من غير دليل أو اثر يدل عليه، فعلى هذا تتقوى فيه المسائل كلها، ويجوز التحري في كل ذلك حتى يجوز في الميتة والمزكاة والأجنبية والمحرم، وهذا خلاف المنصوص. وقد قال جمهور أصحابنا: لا خلاف أنه لا يتحري في الزوجة والأجنبية؛ لأنه يحتاط في الفرج ما لا يحتاط في غيره. فرع آخر لو اختلطت شاته بشاة الغير أو ثوبه بثوبه واشتبه، فإن قلنا: لابد في الاجتهاد من دلالة يجتهد ها هنا ويأخذ [224 أ/ 1] بما يؤدي إليه اجتهاده، لأنه دلالة الملك تكفي في حل الأخذ، وإذا قلنا: يكفي فيه غلبة الظن لا يأخذ منهما ما يؤدي غليه اجتهاده؛ لأن الأموال ليست على الإباحة حتى يكفي فيها عليه الظن فرع آخر إذا كان معه إناءان أحدهما طاهر، والآخر نجس اشتبها عليه، ومعه إناء ثالث طاهر بيقين هل له أن يتحرى؟ فيهما وجهان: أحدهما: يجوز، وهو الصحيح، لأن استعمال الماء الطاهر في الطاهر يجوز مع وجود الماء الطهار بيقين، كمن ترك ماء دجلة واستعمل ماء في كوز يجوز أن يكون قد ولغ فيه الكذب يجوز. والثاني: لا يجوز التحري بل يتوضأ بالطاهر؛ لأن الشافعي شرط السفر في صورة هذه المسألة، ولأن الآخذ بالاجتهاد مع وجود اليقين محال كالكم بالاجتهاد في موضع النص. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "وعلى هذا لا يجوز التحري في الحضر؛ لأنه يوجد فيه ماء طاهر بيقين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن الشافعي

شرط السفر لوجوب التحري، فإنه قال: إذا كان قادرًا على ماء طاهر بيقين، وهذا يكون في الحضر غالبًا هو بالخيار، وإن شاء اجتهد فيما، وإن شاء ترك الاجتهاد، وهما محلان فلا يمنع وجود النص في أحد المحلين الاجتهاد [224 ب/ 1] في المحل الآخر، والخبر محمول على الاحتياط. فرع لو كان معه ماءان طهور، ومستعمل فأشكل عليه، هل له أن يتحرى؟ ينبني على الوجهين السابقين، فإن قلنا هناك: لا يتحرى فههنا لا يتحرى، بل يتوضأ بكل واحد منهما، وإن قلنا هنا يتحرى يجري ههنا أيضًا ولا شك أنه لو لم يتحرى وتوضأ بكل واحد منهما جاز. فرع لو كان معه مزادتان من ماء في كل واحدة منهما قلة فاشتبه النجس من الطاهر، فيه وجهان. أحدها: يتحرى، والثاني: أنه لا يتحرى لأنه يمكنه أن يتوصل إلى اليقين، بأن يصب إحداهما في الأخرى حتى يصير قلتين. فرع آخر لو كان معه ثوبان أحدهما نجس، ومعه ثوب ثالث قد تيقن طارته، أو معه من الماء ما يغسل به ادهما هل له أن يجتهد فيهما من غير غسل؟ وجهان: أحدها: ليس له ذلك لأنه يمكنه أن يغسل أحد الثوبين ويصلي فيه، والثاني: له ذلك وهو الصحيح. فرع آخر لو كان ماء طهور ومائع من ماء ورد قد انقطعت رائحته، أو ماء عرق لا يتحرى بلا خلاف؛ لأنه لا يجوز التوضئ بأصل كل واحد منهما ولكنه يتوضأ بكل واحد منهما على الانفراد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وهو غلط. فرع آخر لو كان معه ثوب واحد حلته نجاسة [225 أ/ 1] نظر، فإن عرف محلها غسل المحل، وإن أشكل المحل غسل كله، لأنه صار على أصل نجاسته، فلا يزول بغلبة الظن، وفيه وجه آخر يتحرى وليس بشيء. فرع آخر لو كان قميص تنجس أحد كميه في وجهان: أحدها: يتحرى كما في الثوبين. والثاني: لا يتحرى وهو الأصح، لأن الأصل نجاسة القميص فلا يزول بغلبة الظن. ومن قال بهذا القول، قال في الثوبين: إذا تحرى فيهما ثم غسل النجس منهما ثم جمع بينهما، وصلى فيهما لا يجوز؛ لأنه على يقين المنع، وفي شك من ارتفاعه وهو

اختيار أبي إسحاق، وعلى الوجه الأول يجوز، وهو اختيار ابن سريج وهو الصحيح عندي. فرع آخر لو كان معه ماء طاهر، وماء نجس، واشتبها عليه وهو يخاف العطش ولا يجوز أن يحبس الطاهر للعطش ويتيمم؛ لأنه لا تجوز الصلاة بالتيمم مع القدرة على الماء الطاهر، وخوف العطش أمر مظنون ربما يكون وربما لا يكون، فإن كان فليقتصر على شرب النجس، فإن قيل: لا يجوز شرب الماء النجس، قلنا: يجوز للضرورة وهذا موضع الضرورة. فرع آخر لو كان معه إناءان طاهر ونجس، فتحرى في وقت صلاة الظهر فأدى اجتهاده إلى طهارة أحدهما فتوضأ به، وبقيت منه بقية يستحب [225 ب/ 1] له أن يريق الإناء الآخر حتى لا يختلف اجتهاده للصلاة الثانية، فإن لم يرقه حتى دخل وقت العصر يلزمه أن يتحرى ثانيًا، فإن تحرى فأدى اجتهاده إلى طهارة الأولى، فقد قوى به اجتهاده الأول، وكذلك إن تيقين أن الذي توضأ به هو الطاهر، فقد قوى به الأمر الأول وهو بالخيار بين استيفاء ذا النجس وبين إراقته وإن أدى اجتهاد على أن الذي تركه هو الطاهر والذي استعمله هو النجس. روى المزني عن الشافعي أنه لا يتوضأ بواحد منهما ويتيمم ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها بالتيمم لأنه تيمم ومعه ماء مستيقن. ومنن قال: لا تلزمه إعادة الصلاة لأنه ممنوع من استعمال الماء شرعًا، فهو كما لو كان ممنوعًا من الماء لخوف العطش أو العدو فتيمم، لا تلزمه الإعادة وهذا وإن كان له وجه إلا أنه يخالف النص ويمكن أن يفارق بينهما، فإن هذا مفرط في ترك إراقته ومفرط في اجتهاده؛ لأنه لو وضع الاجتهاد في موضعه لم يختلف بخلاف ما إذا تركه لخوف الضرر من العطش أو العدو. وحكى الداركي عن أبي الطيب بن سلمة، عن ابن سريج أنه قال: يتوضأ بالماء الثاني ويصلي، ولا يلزمه أن يعيد واحدة من [226 أ/ 1] الصلاتين، ولا أن يغسل ما أصابه الأول، وإن علم أنه صلى إحداهما بماء نجس كما لو صلى إلى جهتين مختلفتين صلاتين بالاجتهاد يجوز كلاهما. قال: والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي في ئ من كتبه. قال ابن سلمة: وغلط ابن سريج في هذا، والجواب كما نقل المزني، ونص علي الشافعي في حرملة، والفرق بينه وبين القبلة أنه يجوز أن يكون مصيبًا ولا يكون على خطأ في القبلة بيقين، وههنا إذا تؤضأ بالثاني صلى وهو نجس بيقين فلا يجوز، وهذا فرق ظاهر. وقال صاحب "الإفصاح "فيه وجه ثالث أنه يستعمل الثاني ويغسل كل

موضع أصاب بدنه من الماء الأول ويعيد الصلاة الأولى. قال صاحب "الإفصاح ": وهذا أقرب الوجوه. وقال القاضي الطبري: هذا غلط ظاهر مع مخالفة نص الشافعي، وذلك أنه نقص الاجتهاد الأول بالاجتهاد الثاني وهذا لا يجوز ومن أصحابنا من ذكر وجهًا رابعًا أنه يستعمل الثاني ويصلي ويعيد الصلاتين جميعًا. قال صاحب "الإفصاح ": وهذا أولى. وقال القاضي الطبري: هذا الوجه الرابع أقوى مما اختاره؛ لأن هذا القائل لم ينقص الاجتهاد بالاجتهاد، بل أمره أن يعمل في الصلاة الثانية [226 ب/ 1] على اجتهاد الثاني من غير أن ينفض الاجتهاد الأول، ثم إذا صلى علم إن إحدى الصلاتين صلاها بماء نجس ولا يعرف عنها فيلزم إعادتهما، كمن علم أنه ترك صلاة من صلاتين نلزمه إعادتهما، وهذا أيضًا فاسد لما ذكرنا من الدليل. ومن أصحابنا من قال على قول ابن سريح: يغسل بالثاني ما أصابه الأول في غير مواضع الوضوء، فإن في مواضع الوضوء تطهرها للوضوء من الحدث، ومن النجاسة ولا تلزمه إعادة الصلاتين، وهذا أحسن مما ذكرنا عنه أو لا، حتى لا يكون مصليًا بالنجاسة يقينًا، ولا يؤدي إلى نقص الاجتهاد بالاجتهاد، فإنا لا نحكم ببطلان طهارته الأولى، وصلاته يوم يغسل ما على بدنه من الماء الذي غلب على ظنه أنه نجس، ويكون ذلك بمنزلة ما منعناه من استعمال بقية الماء، وحكمنا بنجاسته، ولا يقال هو نقص الاجتهاد بالاجتهاد، ولو كانت لمسألة بحالها إلا أن الماء الأول قد فنى، أو صبه فأدى اجتهاده إلى [أن] الماء الذي تركه هو الطاهر، والذي استعمله أنه النجس، قال أبو إسحاق: لا يتوضأ به ويتيمم ويصلي، وهل يعيد هذه الصلاة؟ وجهان: أحدها: لا يعيدها لأنه تيمم وليس معه ماء طاهر [227 أ/ 1] بيقين، وذا مقتضى تعليل الشافعي. والثاني: يعيدها لأنه تيمم ومعه ماء عنده أنه طاهر، ولو كانت المسألة بحالها إلا أنه علم يقينًا أن الذي استعمله كان نجسًا والذي تركه هو الطاهر. قال في "الأم "يتوضأ به، ويغسل كل ما أصابه الماء الأول وأعاد الصلاة الأولى؛ لأنه تيقن أنه صلى محدثًا وعليه نجاسة. فرع آخر لو تحرى فيهما فلم يغلب على ظنه طهارة إحداهما. قال الشافعي: لا يزال يجتهد حتى يغلب على ظنه طهارة إحداهما ولا يجوز له أن يتيمم ومعه ماء طاهر، فإن خاف فوت الصلاة. قال الشافعي في الأعمى إذا تحرى ولم يكن عنده دلالة على الأغلب ولم يكن معه أحد يتآخى له: تآخى على أكثر ما يقدر عليه، ثم يتوضا ويصلي، وقال صاحب "الإفصاح ": فيه وجه آخر أنه إذا لم يجد دليلًا بدله على الطاهر وخاف فوت الوقت يتيمم ويصلي ويعيد كل صلاة صلاها، وعاد إلى الاجتهاد في طلب الطاهر حتى

يغلب على ظنه ما يعمل عليه، وهذا أقيس ولكنه خلاف النص؛ لأنه لم يثبت الماء لا بعلم ولا ظن، وإذا قلنا بالمنصوص لم يذكر الشافعي إعادة الصلاة. وقال القاضي الطبري: عندي أنه يلزمه إعادتها لأنه توضا به على التخمين من غير [227 ب/ 1] دلالة تدل على طهارته عنده، ولو صب إحداهما أو كلاهما لم يكن معه حينئذ ماء طاهر بيقين فله التيمم ولا إعادة عليه، وكذلك لو صب أحدهما على الآخر بخلاف ما لو صب الماء متعمدًا فإنه تجب الإعادة في أحد الوجهين؛ لأن هناك لا عذر وههنا عذر إذ لا يقدر على استعماله لو أمسكه ولم يصبه. فرع آخر لو انقلب أحد الماءين قبل التحري ففيه وجهان: أحدها: يتحرى في الباقي كما لو كانا باقيين، والثاني، لا يتحرى بل يتوضأ بهذا الباقي من غير تري وهذا اختيار ابن سريج؛ لأن الأصل هي الطارة في كل واحد منهما، فإذا كانا قائمين لم يعلم عين الطاهر، وإذا ذهب أحدهما صار معه ماء طاهر الأصل وهو شاك في نجاسته، فيبنى على الأصل وهذا ضعيف؛ لأن هذا المعنى هو موجود قبل أن يصب أحدهما وهو يشك في نجاسة كل واحد منهما فلا يصح ما ذكره وقال القاضي أبو حامد: إذا قلنا: لا يتحرى ههنا بتيمم وفعلى؛ لأن حكم الأحد قد زال فيه بوجوب التحري ومنعنا إياه من استعماله، فغذا تعذر التحري لم يجز استعماله. فرع آخر لو كان مع الأعمى إناءان طاهر ونجس، وأشكل عليه الطاهر من النجس، قال في "الأم ": "تحرى كالبصير "وقال في حرملة: لا يتحرى [228 أ/ 1] كما لا يتحرى في طلب القبلة، والأول اصح لأنه يمكنه أن يقف على بعض إمارات النجاسة وهو ما يتعلق بالتيمم واللمس والحس فله التحري كما لو التحري في دخول وقت الصلاة لأنه يمكنه الوقوف عليه بورده ويحمله بخلاف القبلة لأن إماراتها كلها متعلقة بالبصر ولا بصر للأعمى، فإذا قلنا: لا يتحرى تحرى ل غيره ويحمل على ما يخبر به كالقبلة سواء، وإذا قلنا: ينحرى. قال الشافعي في "الأم " "لو كان الأعمى لا يعرف ما يدله على الأغلب ومعه بصير يصدقه وسعه أن يستعمل الأغلب عند البصير "، فأجاز له الشافعي الاجتهاد والتقليد، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: لا يجوز له التقليد؛ لأن من هو من أهل الاجتهاد في شيء لا يقلد فيه وكلام الشافعي- رحمة الله عليه- في "الأم "محمول على أن البصير أخبره بما شاهده أو سمعه فيلزمه قبوله، وهذا اختيار أبي حامد، ومنهم من قال: يجوز له التقليد؛ لأن من أماراتها ما يدركه الأعمى وهو التيمم واللمس، ومنها ما لا يدركه الأعمى لتعلقها بالمشاهدة مثل أثر الكلب

واضطراب الماء، فجاز له التقليد كما في القبلة، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح فإن لم يغلب على ظنه ولا على ظن البصير فما يفعل؟ قد ذكرناه [228 ب/ 1]. فرع آخر لو أخبره واحد بأن الكلب ولغ في هذا الإناء وجب عليه قبوله إذا كان عدلًا رجلًا كان أو امرأة، حرًا كان أو عبدًا، نص عليه في حرملة، وهكذا إذا أخبره رجل بأن القبلة هكذا، صلى إليها وهو بمنزلة الإخبار. فرع قال: لو أخبره أعمى بأن هذا الماء نجس، وبين سبب النجاسة بأن قال: ولغ فيه الكلب أو وقع فيه بول قبل خبره؛ لأنه يجوز أن يكون سمع بصيرًا يقوله أو هو الذي نجسه. فرع آخر لا يلزمه قبول قول الصبي والمجنون فيه لأنه لا حكم لقولهما، إلا أن في الصبي الذي يعقل عقل مثله الأولى أن يحتاط ويحترز عنه. ومن أصحابنا من قال: يقبل فيه قول الصبي المراهق، وهو خلاف النص ولا يلزمه قبول قول الكافر والفاسق فيه. فرع آخر لو أخبر رجل أن هذا الماء نجس مطلقًا، قال الشافعي: لا يلزمه قبوله لأنه قد يرى سؤر الحمار والبغل والفهد نجسًا، وقد يرى الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة نجسا، إلا أن يعلم اعتقاده أنه لا ينجسه بهذا فيلزمه قبول خبره. فرع آخر لو كان معه طاهر فتغير فغلب على ظنه أنه لنجاسة لا يحكم بنجاسته، وكذلك إذا كان [229 أ/1] معه ماء نجس فغلب على ظنه طهارته كان على نجاسته، ويفارق هذا إذا علم النجاسة في أحد الإناءين فغلب على ظنه طهارة. أحدهما أو نجاسته يحمل عليه، لأنه لم يثبت نجاسته. بغينه والأصل في كل واحد منهما الطهارة، وإنما يجدد الشك فتي كل واحد منهما فيزول بالظن. فرع آخر لو شهد شاهدان بأن الكلب ولغ قي هذا الإناء ولم يعرف هذا لإناء، وشهد آخر بأنه ولغ في هذا الإناء ولم يعرف هذا الإناء. قال الشافعي -رحمة الله عليه- لا يجوز أن يتوضأ بواحد منهما؛ لأته يجوز أن يكون قد ولغ في هذا الإناء كلب، ولم يقرب من الإناء الآخر، وولغ كلب آخر في الإناء الآخر،؛ولم يقرب من هذا الإناء ويكون الشهود كلهم صادقين. قال أصحابنا: ولو كانت الشهادتان هما متعارضتين مثل أن شهد شاهدان أن الكلب

ولغ في هذا في وقت كذا، ولم يلغ في الآخر وشهد آخران أن الكلب ولغ في ذلك الإناء الآخر في ذلك الوقت، ولم يلغ في الإناء الآخر. فإن قلنا: إن الشهادتين إذا تعارضتا سقطتا فههنا تسقطان، ويجوز له: أن يستعمل رأي الإناءين شاء؛ لأن نجاسة واحد منهما لم تثبت] 229 ب/1]. وإن قلنا: إنهما يستعملان ففيه ثلاث أقوال؛ القسمة، والقرعة، والوقف. ولا يجيء هنا إلا الوقف فيتوقف عن الإناءين. وقال القاضي الطبري- رحمه الله: وعندي أنه يلزمه أن يتيمم ويصلي، ثم يعيد كل صلاة يا لتيمم، لأنه صلى بالتيمم ومعه ماء مستيقن؛ لأن أحل الإناءين طاهر بتيقن وإحدى الشهادتين كاذبة فرع لو اخبره من يثق بخبره آن هذا الكلب بعينه ولغ في إنائه هذا في ونت كذا من يوم كذا، وشهد عنده عدلان، أن ذلك الكلب في ذلك الزمان في بلد آخر فيه وجهان: أحدها: أنه طاهر لأنهما تعارضتا فسقطتا، والثاني: نجس لأن الخبر الأول تنجيسه والشهادة المعارضة له محتملة؛ لأن الكلاب قد تشتبه ولأن تعيين الكلاب في الولوغ لا يلزم ذكره في ((الحاوي)). فرع لو أخبره فخبر بان أحد هذين تنجس وبين السبب فإنه يلزمه قبوله ويتحرى فيهما، وإن اختلف المخبران عليه يلزمه آن يأخذ بقول أصدقهما وأورعهما عنده بخلاف الشهادات لا يرجح قول شاهدين، وإن كان أحدهما أعدل لأن هذا كرواية الأخبار يتعمل فيه الترجيح. فرع أخر لو كان هناك ماءان ورجلان فنجس [230 أ/1] أحد الماءين فاجتهدوا فيه فنظر، فإن أدى اجتهادهما إلى طهارة أحدهما توضأ به، ولكل واحد منهما أن يأتم لصاحبه، وإن آبى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر توضأ كل واحد منهما بالطاهر عنده، ولكل واحد منهما أن يصلي لتفه وليس له آن يأتم بصاحبه؛ لأنه يعتقد أن أمامه محدث نجس وهذا أصيل كل من اعتقد بإمامه هذا لم تصح صلاته، وكل من غلب على ظنه أن إمامه طاهر متطهر جاز له أن يأتم به، وهذا كما يقول في القبلة إذا اجتهد اثنان فأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر لا يجوز لأحدهما أن يأتم بالآخر خلافًا لأبي ثور.

فرع أخر لو (كانت) المياه ثلاثة والرجال ثلاثة فادى اجتهاد كل واحد منهما إلى واحد منها خفيه مسألتان نجستان وطاهر، وطاهران ونجس، فإن كان النجس اثنين صلى كل واحد منهم بنفسه ولا يأتم بغيره، لأنه يعتقد أن كل واحد منهما محدث نجس، وإن كان الطاهر اثنين فلكل واحد منهم أن يأتم بأحد الآخرين ولا يأتم بهما معًا؛ لأنه يعتقد أن أحدهما محدث نجس، فإن صلوا ثلاث صلوات جماعة وقدموا في كل صلاة منها [230 ب/1] واحدًا منهم، فإن صلاة الإمام والمأمومين صحيحة في الصلاة الأولى؛ لأن صلاة الإمام لا تبطل يبطلان صلاة المأموم، وكل واحد من المأمومين يقول: يجوز أن يكون قد استعمل النجس صاحبي وأنا والإمام طاهران، فلا تبطل صلاة واحد منهم، وأما الصلاة الثانية: فإن صلاة الإمام صحيحة، وصلاة من كان إمامًا في الصلاة الأولى صحيحة؛ لأنه لم يصل إلا خلف هذا الإمام,. وأما صلاة الآخر. فإنها باطلة؛ لأنه لما. صلى خلف الإمام في الصلاة الأولى فقد أقر بأنه طاهر، وأنه في نفسه طاهر، فلم يبق عنده نجس غير الإمام في الصلاة الثانية فتبطل صلاته خلفه. وأما الصلاة الثانية فهي صحيحة للإمام وباطلة للمأمومين؛ لأن كل واحد منهما يعتقد أن إمامه محدث نجس، وأصل هذا أن ينظر إلى عدد , المياه والرجال، فإن كان الطاهر واحدًا صلى كل واحد منهم لنفسه، ولا يجوز أن يأتم بغيره، وإن كان الطاهر اثنين صلى كل واحد خلف واحد ولا يصلي خلف الثاني، وإن كان الطاهر ثلاثة صلى كل واحد خلف اثنين ولا يصلي خلف الثالث، وعلى هذا ابتدأ ينظر إلى عدد الطاهر فيتبقي واحدًا لنفسه وينظر إلى ما بقي من عدد] 231 أ/1] الطاهر فيصلي بعددها من الأئمة. فرع أخر لو كانت المياه أربعة وهم أربعة نظر، فإن كان الطاهر واحدًا لم يصل أخذ خلف أحد، وإن كان الطاهر اثنين فصلى واحد منهم الصبح وآخر الظهر، وآخر العصر وآخر المغرب، صح الصبح لكل واحد منهم، وصح الظهر لإمامه وإمام الصبح ولم يصح للباقين، وصح العصر لإمامه وحده، وصح المغرب لإمامه وحده، وإن كان الطاهر ثلاثة صح الصبح لجماعتهم والظهر لجماعتهم؛ لأن لكل واحد منهم أن يصلي خلف اثنين، ولم يصح لأمام المغرب؛ لأنه صلى خلف اثنين فلا تصح صلاته خلف ثالث، وصح الغرب لإمامه وحده. فرع لو كانت المياه خمسة نظر، فإن كان الطاهر واحدًا لم يصل أحد خلف أحد، وإن كان الطاهر اثنين صح الصبح لكل وصح الظهر لإمامه وإمام الصبح، وبطل في حق الباقين، وصح العصر والمغرب والعشاء لإمامها وحدهم، وإن كان الطاهر ثلاثة صح الصبح. والظهر للكل، وصح العصر لإمامه وإمام الصبح والظهر؛ لأن كل واحد ما

صلى خلف ثالث، وصح المغرب والعشاء لامعهما لا غير، وإن كان الطاهر أربعة صح الصبح والظهر: والعصر للكل؛ لأن كل واحد ما صلي خلف واحد، وصح المغرب لإمامه. وأما الصبح والظهر والعصر] 231 ب/1] دون إمام العشاء وصحت العشاء لإمامه وحده؛ لأن كل واحد من الباقين صلى خلف ثلاثة فلا يصلي خلف رابع، ولو كانوا خمسة على الظهر فأحدث واحد ولم يعرف عينه أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فالحكم في صلاة بعضهم يبعض كالأواني سواء حرفا بحرف. وحكي القفال وجهًا آخر عن صاحب التلخيص أنه لا يمح اقتداء بعضهم ببعض في هذه المسائل؛ لأن كل واحد يقول صاحبي قد استعمل النجس، وربما يكون هو الإمام. قال: وأصل الوجهين أنه هل يجوز الاجتهاد في حدث الغير وبناء أمره على أصل الطهارة، كما يجوز في حدث نفسه ذلك فلم يجوزه صاحب التلخيص وجوزه غيره وهو الأصح. فرع أخر لو كان هناك إناءان من لبن أحدهما نجس وأشكل، قد ذكرنا أنه يجوز التحري، ولو كان هناك له إناء ثالث من لبن طاهر بيقين. قال أبو حامد: هل يجوز التحري في المشكل؟ وجهان كما في الماء. وهذا لا معنى له؛ لأن في الماء إنما اختلف الحكم وجود غيرهما وبين عدمه لأنه يحتاج إليه لاستعماله في الصلاة ويجب عليه ذلك، وها هنا لا يلزمه شيء فلا يختلف الحكم به. فرع أخر لو كانت صبرة من التراب وقعت عليها ذرة من النجاسة، واشتبه محلها لا يجوز أن يتيم [232 أ/1] منها قبل التحري، وإن كانت المبرة كبيرة ولو تحرى في جوانبها ثم تيمم صح. فرع أخر ذكره القاضي الإمام الحسين - رحمه الله - لو كان زق دبس وزق خل في بيت مظلم فدخل البيت واعترف غرفة من زق الخل وصبه في قصعة، واغترف غرفة أخرى من الدبس وصبه قي الخل ثم أخرجها من البيت، فإذا في القصعة فأرة ميتة، وهو لا يدري خرجت من أي الزقين يلزمه التحري؛ لأن أصل كل واحد منهما على الطهارة، وكتف يتحرى؟ قيل: يلقى الفأرة بين يدي النور فإن أكل بان أنها وقفت قي الدبس، وإن لم يأكل بان أنها كانت في الخل، لا لأن الاعتبار بأكل النور، ولكن يغلب على الظن به، وأما الرقان فإنه اغترف، بمغرفتين، فقد ذكرنا حكمه، وإن اغترف بغرفة واحدة إن أدى اجتهاده إلى أن الفارة كانت في الثاني فالأول طاهر، وإن أدى إلى أنها وقعت قي الأول فكلامًا نجسان.

فروع متفرقة لو توضأ رجل وصلى الظهر، ثم أحدث وتوضأ وصلى العصر في وقتها، فلما فرغ منها تيقن أنه ني مسح الرأس بين إحدى الطهارتين يلزمه إعادة الصلاتين؛ لأنه يجوز أن يكون نسي من الوضوء الأول؛ فتكون صلاة الظهر باطلة والعصر [232 ب/ا] صحيحة، ويجوز أن يكون نسى من الوضوء الثاني فتكون صلاة العصر باطلة وصلاة الظهر صحيحة، فإذا لم يتعين له ذلك لزمه أن يعيد الصلاتين، كمن نسى صلاة من صلاتين، ولا يعلم عينها فإنه يلزمه إعادتهما. وأما الطهارة إن قلنا: لا يجوز تفريق الوضوء استأنف الوضوء، وإن قلنا: يجوز ذلك فإنه يعيد مسح الرأس، وعند الرجلين، ويجزيه ذلك لأنه إن كان نسى من الأول، والثاني صحيح، وإن كان قد نسي من الثاني فغل الوجه واليدين صحيح، وعليه مسح الرأس وغسل الرجلين. فرع آخر لو توضأ لصلاة الظهر ولم يحدث حتى لمحل وقتا العمر وجدن الوضوء ثم صلى العصر، فلما فرغ منها تيقن أنه نسي مسح الرأس من إحدى الوضوءين ولا يعلم أبه، فإنه يلزمه أن يعيد صلاة الظهر قولًا واحدا؛ لأنه يجوز أن يكون نسي من الوضوء الأول فتكون صلاة الظهر باطلة، فيلزمه أن؛ يعيدها حتى يؤديها بيقين، وأما صلاة العصر فإن قلنا: إن نية تجديد الوضوء تقوم مقام نية رفع الحدث فصلاة الخصر صحيحة؛ لأنه إن أكان قد نسي من الوضوء الأول فإن وضوؤه للعصر قد صح، وإن كان قد نسي من الوضوء الثاني فيكون الظهر [233 أ/] باطلة والعصر باطلة أيضا؛ لأن الوضوء الأول لم يصح، والوضوء الثاني الذي هو تجديد لا يرتفع الحدث والطهارة علن هذا على ما ذكرنا من البناء على تفريق الوضوء. فرع أخر إذا مات اثنا ن أحدهما بعد الآخر وهناك ما يكفي أحدهما، فالأول أولى بذلك الماء؛ لأن غسله وجب عند موته فلا يتغير حكمه بموت الآخر يعده، ولو كان وجود الماء بعد موتهما لم يقدم الأول منهما بل يجب الرجوع إلى معرفة أفضلهما وأوزعهما، يكون أولى من الآخر؛ لأن غسل الأول ألم يكن وجب عند موته لفقد الماء في ذلك الوقت، فإل كانا في الفضل سواء تقدم من شاء؛ منهما. ذكره والدي - رحمه الله. فرع أخر قال والدي - رحمه الله الصبي هل يجمع بين صلاتي فرض يتيمم واحد؟ فيه وجهان: أحدها: يجمع لأن صلاته ناقلة، والثاني: وهو الأصح لا يجمع لأن مجلاته ملحقة بالفرائض لأنها لا تجوز بنية النقل ويلزمه تعيين النية فيها، ولا يجوز له أن يصلها قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا على الراحلة، وإذا سافر له آن يقصرها، وإن

كان القصر لا يدخل في النوافل. فرع أخر إذا غسل وجهه ثم فرق حتى مضى فصل طويل، وقلمنا له البناء صلى وضوئه فاستأنف اختيارًا، لا يجوز إلا أن] 233 ب/1] ينويه عند غسل يديه، لأنه يلزمه إعادة النية عند البناء في أحد الوجهين لقطع النية الأولى بالفصل الطويل، فإذا استأنف الطهارة ونوى عند غسل الوجه فقد قدم إلية على الغسل الذي يلزمه الإتيان به، فلا يجوز. ذكره والدي- رحمه الله. فرع الأذن الملصقة بالدم هل يلزم غسلها في الجنابة؟ مبني على طهارة هذه الأذن، والأصل أن الآدمي هل ينجس بالموت؟ قولان، فإذا قلنا: إنه لا ينجس هل ينجس هذه الأذن؟ وجهان، وإذا قلنا بالنجاسة فغسل هذه الأذن في الجنابة لا يجب، وإن قلنا بالطهارة فيحتمل وجهين؛ أحدها؛ يلزم لأن الاتصال مع الطهارة موجود كالأصلية، والثاني؛ لا يلزم لأن حكم الاتصال الحادث يفارق حكم الاتصال الأصلي، ألا ترى أنهما يفترقان في الطلاق، ذكره والدي - رحمه الله - وعندي إذا قلنا بنجاستها يلزم إزالتها أو إمرار الماء على موضع القطع. فرع أخر إذا قال رجل: هذا الماء نجس مطلقًا، ثم توضأ به وتقدم ليصلي هل يجوز لمن سمع منه أن يملي خلفه؟ وهل يصح وضوءه؟ تال والدي - رحمه الله؛ يحتمل عند وجهين: احدها: يجوز وضوءه لأنه لما جاز التوضاء به للغير جاز لهذا القائل [234 أ/1] أيضًا، والثاني: لا يجوز لأنه اعتقد نجاسة الماء حقًا كان أو باطلًا، فإذا توضأ به تضمن ذلك الاعتقاد بطلان الوضوء المعقول فبطل باعتقاده كالمتوضئ إذا اعتقد ونوى إبطال الوضوء، وهو فيه صار باطلًا في أحد الوجهين، وهذا إذا لم يرجع المخبر، فإن رجع وقال؛ كان ذلك سؤر الحمار، وقد رجعت عن اعتقادي نجاسته ثم توضأ به صح وضوءه بالإجماع. وأما الصلاة خلفه ني المسألة الأولى لا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأنه يعتقد بطلان صلاته لبطلان طهارته، فلا تصح الصلاة خلفه مع العلم بحاله. فرع أخر إذا اختلطت آنية البول بأواني أهل بلد أو ميتة بمزكيات أهل بلد، فله التوضيء ببعض الأواني وأكل بعض المزكيات، لأن المنع منه يؤيدي إلى المشقة وإلى أي حد يتوضأ؟ فيه وجهان: أحدها: إلى أن تبقي آنية واحدة كما لو حلف لا يأكل تمرة بعينها لما فاختلطت بتمرات له أن يأكلها كلها إلا واحدة. والثاني: يتوضأ إلى أن يبقى من الأواني القدر الذي لو كان الاختلاط به في الابتداء منع التوضاء الجميع، ثم لا يتوضأ وهذا أوضح.

فرع أخر لو أمر غيره يصب الماء عليه في وضوءه وغسله، فصب البعض عليه ونوى المتطهر ثم صب علميه الباقي في حال كر [234 ب/] والمتوضئ فيها الصب، إما لبرودة الماء أو لاشتغاله بتنقية مكان من بدنه، إلا أنه لم ينه ولا أمر هل يسقط الفرض؟ يجب, أن يقال يسقط؛ لأن الكراهة لا تأثير بها بعد سبوق الأمر، ولو نوى الطهارة وغسل البعض، ثم صب عليه غيره الماء بغير أمره وهو لا يشعر به بل علم بعد ما صبه عليه، وفيه الطهارة عنه في تلك الحالة لا يجوز، لأن ب النية تناولت فعله لا فعل غيره، ولو أمر يصب الماء عليه في كل وضوءه، ثم نسي الأمر به عليه بعد ما غسل بعض أعضائه بنفسه يصح، ولا يقدح فيه النسيان. ذكره والدي - رحمه الله. فرع أخر لو نام قاعدًا في خلال وضوءه على القول الذي يقول: لا يتبعض وضوءه، فأنتبه في البناء هل مدة يسيرة هل تلزمه إعادة النية؟ وجهان. وهو كما قلنا في التفريق الطويل عند يلزمه تجديد النية؟ وجهان. فرع أخر إذا نام قاعدًا بعد غسل وجهه فصب الماء على يديه في حال نومه، ثم انتبه فغسل الوجه صحيح، أما غسل يديه فيحتمل أن يقال: يجوز لأن عزوب النية لا تؤثر في الطهارة. فرع إذا نوى بوضوئه قراءة القرآن حفظًا أو صلاة الجنازة، ولم يقطع نيته؛ بأحدهما، هل يجوز أداء الصلاة به على الوجه الذي يقول الوضوء [1235 أ/1 [لقراءة القرآن حفظًا لا يجوز أداء الفرض به، يحتمل أن يقال لا يجوز لأنه لم يقطع النية بما يجوز، ولو قال: نويت به قراءة القرآن حفظًا إن كانت هذه النية كافية في جواز أداء الفرض به، وإن لم تكن كافية نويت أداء الصلاة به يحتمل أن يقال: يجوز كما لو قال هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا، وإن لم يكن سالمًا فهو نافلة يجوز عن الزكاة إذا كان سالمًا، ولو نوى به قراءة القرآن حفظًا ما لم تزل الشمس والصلاة به بعد الزوال هل يجوز أداء صلاة النفل به قبل الزوال؟ يجب أن يقال: يجوز لأنه نوى أداء الصلاة به في الجملة فارتفع به حدثه في الحال، ولو نوى أداء الصلاة به في مكان نجس لا يعفى عنه، يحتمل أن يقال؛ لا يجوز لأنه نوى أداء ما هو معمية بها، ولم ينو أداء ما يتيقن صحته وجوازه إليها. فرع آخر لو توضأ فصار باطلًا في اثنائه بحدث أو غيره، هل له الثواب في القدر المفعول؟ يحتمل أن يقال: له الثواب كالصلاة إذا بطلت في أثنائها، ويحتمل أن يقال: إن أبطل

باختياره فلا ثواب له، وإن كان بغير اختياره فله الثواب. وقال بعض أصحابنا: لا ثواب له بخلاف الصلاة؛ لأنه يراد لغيره ولا يرتبط بعضه [235 ب/] ببعض حتى يصير كالشيء الواحد مثل الصلاة. فرع أخر خنثيان مشكلان مش رجل فرج أحدهما ومست امرأة ذكر الآخر، ثم مس الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكر الخنثى الآخر، ثم مس الخنثى الذي مست المرأة ذكره فرج الخنثى الآخر، ثم تقدم الرجل في صلاة الصبح وأم فيها بالخنثيين والمرأة، ثم تقدم في الظهر الخنثى الذي مس الرجل فرجه وصلى بالمرأة والخنثى الآخر، ثم تقدم في الخمر الخنثى الآخر، وأم فيها بالمرأة والخنثى الذي كان إمامًا في الظهر. فجوابه على القول الذي يقول: إنه لا وضوء على المأموميين أن صلاة الرجل جائزة وعلى المرأة إعادة الظهر والعصر دون الصبح، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر إعادة الصبح والعصر وظهره صحيح له، ويلزم الخنثى الذي كان إمامًا في العصر إعادة الظهر وصبحه وعصره صحيحان له، ووجهه أن أحوال الخنثيين أربع أحوال: إما أن يكونا ذكرين وإما أن يكون أنثيين، وإما أن يكون الذي مس الرجل فرجه ذكرا والآخر أنثى، وإما أن يكون الذي مست المرأة ذكره ذكرًا والآخر أنثى ولا خامس [236 أ/1] لهذه الأقسام، فإن كانا ذكرين بطلت طهارة المرأة، وطهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه، وطهارة الرجل مع طهارة الخنثى الذي مست المرأة ذكره باقيتان، وإن كانا أنثيين بطلت طهارة الرجل وطهارة الخنثى الذي مست المرأة ذكره، وطهارة المرأة مع طهارة الخنثى الذي مس الرجل فرجه باقيتان، وإن كان الخنثى الذي مس الرجل فرجه ذكرًا، والآخر أنني بطلت طهارة كل واحد من الخثثين، وطهارة الرجل مع طهارة المرأة باقيتان، وإن كان الذي مست المرأة ذكره ذكرا، والآخر أنثي يطلب طهارة الجمع من الرجل والمرأة والجنثيين معًا، فإذا صح ذلك كانت صلاة الرجل، صحيحة، لأنه لم ينتقض حدثه، واحتمل انتقاض طهارته، واحتمل الجواز فبقيناها على الأصل، ولم يأتم أيضًا بالغير حتى تبطل صلاته انتقاص طهارة الإمام وأتباعه له. وأما المرأة فلا تلزمها إعادة الصبح لعدم التقين بانتقاض طهارتها، وانتقاض طهارة الرجل أيضًا، ولا يصح طهرها لأنه لا يجوز أن يكون الرجل وإمامها في الظهر على الطهارة على ما ذكرنا من الأحوال الأربعة، فإذا حكمنا لها بصحة الصبح خلف الرجل لم يصح منها صلاة الظهر خلف إمامها [236 ب/1] لما لم يحتمل ركونهما علي الطهارة، ونظره أن يعلم الرجل انتقاص طهارة زيد أو عمرو ولا يعرف غير من انتقضت طهارته منهما فصلى المح خلف أحدهما والظهر خلف الآخر صح له الصبح دون الظهر للمعنى الذي ذكرناه؛ فإن قيل ت لماذا جوز تم الصبح دون الظهر؟ قلنا: لأن المرأة لما صليت الصبح خلف الرجل صححنا صلاتها لجواز أن تكون هي وإمامها على الطهارة، وقد أربحنا أن الأصل ثبوتها، فإذا كان تصحح صلاتها محكومًا به لم يرتفع بصلاتها خلف أحذ الخنثيين في

باب المسح على الخفين

الطهر لاستحالة ورود (الفساد) بعد الفراغ من الصلاة، ومنافاة الثاني الأول كما قلنا في المثال الذي ذكرناه، وهذا واضح، ولا يصح عصرها أيضًا؛ لأن الأحوال الأربعة التي ذكرناها تمنع كون العصر محسوبا لها فتأملها. وأما الخنثى الذي كان إمامًا في الظهر فظهره جائز بجواز كونه على الطهارة، ولم يأتم فيه بأحد فصح له. وأما الصبح نلا يصح لأنه لا يحتمل أن يكون هو والرجل الذي هو إمام الصبح على الطهارة في شيء من هذه الأحوال، فلا ينبغي له أن يأثم به، فإذا: فعل ذلك بطلت صلاته. وأما العصر فلا يجوز لأن صلاة الخنثى [237 أ/1] خلف الخنثى لا تجوز، فإن قيل: على قول بعض أصحابنا لجواز صلاة الخنثى خلف الخنثى هل تصح صلاة العصر منه؟ قيل: لا يجوز العصر على قول هذا القائل أيضًا، لأنه لا يحتمل أن يكونا على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة، وإنما كان يصح ذلك على قوله: لو احتفل ذلك فإذا لم يحتمل وجبت الإعادة. وأما الخنثى الذي كان إماما في العصر فصبحه صحيح له، لجواز أن كون الرجل على الطهارة، وعصره جائزًا أيضًا لأنه كان إمامًا في العصر مع جواز كونه على الطهارة وطهره لا يصح، لأن صلاة الخنثى خلقي الخنثى لا يصح، وعلى قول القائل الآخر لا تصح أيضًا، لأنه لا يجوز أن يكون هو والخنثى الآخر الذي هو إمامه في الطهر على الطهارة في واحد من هذه الأحوال الأربعة وإذا قلنا بالقول الذي يوجب الوضوء على الملموس لم تصح صلاة الخنثيين ولا واحد منهما لبطلان طهرهما، وحكم الرجل والمرأة على ما ذكرنا في القول الأول ذكره والدي - رحمه الله. باب المسح على الخفين قال الشافعي: أخبرنا عبد الوهاب، وذكر الخبر. وهذا كما قال جملته: أن المسح على الخفين جائز، وبه [237 ب/1] قال عمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم - وقال الحسن البصري، حدثني سبعون من أصحاب النبي صلى الله عليه أنه مسح على الخفين، وقال النخعي: من رغب عن المسح على الخفين، نقد رغب عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم وبه قال عامة الفقهاء، وقالت الشيعة، والخوارج: لا يجوز المسح على الخفين. وحكي ذلك عن أبي بكر بن داود، وهو رواية ابن أبي ذنب، عن مالك أنه أبطل المح على الخفين في آخر أيامه. وروى الشافعي عنه أنه قال: يكره ذلك، وعنه رواية ثالثة أنه يمسح في السفر دون الحضر، وهو الصحيح عنه، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة محسوا في السفر درن الحضر، وعنه رواية خامسة أنه يمسح أبدًا من غير تأتيت، وهو قول الشافعي في القديم، وعنه رواية سادسة مثل قولنا، والدليل على كلهم

ما روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن أمية الضمري، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين. وروى أبو داود في سننه، عن جرير بن عبد الله أنه بال، ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له [238 أ/1] أتقول هذا فقال: ما يمنعني أن أمسح، وقد رأيت رسول الله. مسح. فقيل قبل نزول المائدة أو بعدها فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. وروى بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترنحا فغل وجهه ويديه مسح برأسه ومسح على خفيه وروى أبو بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أرخص للماخر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما. ويدل على خبر صفوان بن غسال المرادي، وقد تقدم ذكره. وروي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: سكبت الماء على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ إلى أن قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني لبستهما وهما طاهرتان" ثم مسح عليهما. واحتجوا بما روى ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين فقال له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قبل نزول المائدة أو بعدها، فسكت ابن مسعود، وهذا يدل على أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان يعتقد أنه لا يجوز. وروى عن علي رضي الله عنه - أنه قال: ما أبالي أمسح على الخفين أو على ظهر الغير. قلنا: أما قول علي استفهام لا تعجب وإنكار [238 ب/1] بدليل أنا روينا عنه أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه خطوطًا بالأصابع. ويحتمل أنه ذكر ذلك امتحانًا وكان تأخر عن بيعته فقصده. وأما قول عائشة: لعلها أرادت بعد ما نزع الخف المنزوع وظهر الغير سواء، فإن قاسوا على البرقع والقفازين، قلنا: لم يجز العادة بهما غالبًا، ولا يشق تنحية العمامة قليلًا، ويشق نزع الخف عند كل وضوء فافترقا. مسألة: قال: "وَإِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ الْمُقِيمُ بِغُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ".

الفصل وهذا كما قال نص الشافعي في الجديد: أن المسح على الخفين مؤقت فالمقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وبه قال علي، وابن عباس، وعطاء، وشريح، وجماعة الفقهاء، وقال مالك: يمسح المسافر بلا توقيت في الرواية الصحيحة والمقيم كذلك في الرواية الضعيفة، وبه قال عمر، وابن عمر، وعائشة، والليث، وربيعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي وحكي الزعفراني أن الشافعي كان يقول بهذا: إلا أن يجب عليه غسل الجنابة، ثم رجع عن ذلك قبل أن يخرج إلى مصر، فقيل: في المسألة قولان، وقيل: قول [239 أ/1] واحد أنه مؤقت، واحتجوا بما روي عن أبي عمارة، وكان قد صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم القبلتين - رضي الله عنه - أنه قال: قلت يا رسول الله أمسح على الخفين، قال: نعم قلت: يومًا. قال: نعم. قلت: وثلاثة أيام، قال: نعم وما شئت. وروي: وما بدا لك قلت وروي أبو داود في هذا الحديث حتى بلغ سبعًا، وقال أنس - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله لم أمسح على الخفين فقال: ما دامتا في رجليك. وروي عن عمر - رضي الله عنه - أن وفدًا قدموا عليه فقال لهم: منذ كم تمسحون على الخف؟ فقالوا: منذ جمعة. فقال: أصبتم سنة نبيكم. وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر أن يمسح ثلاث أيام ولو استزدناه لزادنا. ولأنه مسح بالماء فلا يتعدر كمسح الرأس قلنا: نقابل بخبر أبي بكرة على ما ذكرنا فحد يحد، والتحديد يمنع النقصان والزيادة، ولم يمنع النقصان ههنا فدل أنه يمنع الزيادة، وروى علي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم "جعل ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم" وأما خبر أبي عمارة فرواه محمد بن يزيد، وأيوب بن قطن، وهما ضعيفان إذ لم يرويه في مدة واحدة، بل أراد بتجديد الوضوء عند [239 ب/1] انقضاء كل مدة وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "التراب كافيك ولو لم يجد الماء عشر حجج" أراد إذا تيمم كل مرة. وأما حديث خزيمة فوهم منه ولا حكم للوهم، وأما مسح الرأس أصل لا يشبه البدل بخلاف هذا، بدليل أنه لو نزع الخف بطل المسح. فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن ما قيل من الحدث من وقت اللبس لا يحتسب من وقت المسح. وأما ما بعد الحدث اختلف العلماء فيه، فعندنا أنه يعتبر ابتداء المدة من وقت الحدث، فإذا مضت المدة من ذلك الوقت انقطع حكمه، ولا يجوز له بعد ذلك

أن يمسح سواء كان قد مسح أو لم يمسح، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وقال الحسن: ابتداؤه من وقت لباس الخفين، وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود يعتبر ابتداء المدة من وقت المسح هو الحدث. وحكي القفال، عن أبي ثور أنه قال: الاعتبار بخمس صلوات، فلو قضي المقيم خمس صلوات في مكان واحد انقضى حكمه، وإن صلاها في أوقاتها، فإذا صلى آخر الصلوات انقطع حكم المسح. واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يمسح المسافر ثلاثة أيام" فلو اعتبر من وقت الحدث لم يمكنه أن يستوعب هذه المدة بالمسح، ولأن الاعتبار في [240 أ/1] اختلاف المدة بالسفر والحضر. يفعل المسح لا بالحدث، لأنه لو مسح في الحضر، ثم سافر فإنه لا يمسح إلا مسح المقيم، ولو أحدث في الحضر، ثم سافر قبل أن يمسح له أن يمسح ثلاثة أيام، فكذلك اعتبار المدة بالمسح، وهذا غلط، لأن الله تعالى أمر بغسل الرجل، فظاهره أن غسل الرجل واجب بكل حال قام الدليل على جواز المسح من وقت الحدث، وما بعد ذلك على الظاهر، وروي القاسم ابن زكريا المطرز في حديث صفوان بن عسال من الحدث إلى الحدث لأن العبادة يدخل وقتها بالزمان وبمضي الوقت، فإن لم يكن منه فعل العبادة ألا ترى أن في الجمعة جوز الاقتصاد على ركعتين في وقتها، ولو ذهب الوقت زال هذا الحكم كذلك ههنا، ولأن بعد الحدث زمانًا يستباح فيه المسح فكان من وقته كبعد المسح. وأما الخبر الذي ذكر، وقلنا لم يرد به أنه يستعمل المسح طول هذه المدة؛ لأن بين المستحين مدة محسوبة بالإجماع، كذا قبل المسح الأول. وأما الدليل الآخر قلنا: لا يمتنع الفرق كما لو شرع في الصلاة ثم جرت السفينة إلى السفر صلى صلاة الحضر، ولو سافر بعد دخول وقت الصلاة ثم افتتح الصلاة صلى صلاة المسافر، ثم إن دخول الوقت بالزمان لا بالفعل كذلك ها هنا. وأما قول أبي ثور [240 ب/1] وينسب إلى داود فباطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المدة ولم يذكر الصلوات. فإذا تقرر هذا، فالمقيم يصلي بطهارة المسح خمس صلوات في العادة، لأنه إذا أحدث مع الزوال، ثم مسح صلى الخمس، فإذا جاء وقت الزوال من غده انتهت المدة، وقد يصلي ستًا بأن يكون وقت الحدث عبد الزوال بساعة ثم يمسح، ويصلي الظهر والعصر والصلوات بعدها. فإذا زالت الشمس من غده له أن يصلي الظهر بطهارة المسح، لأن وقت الحدث ماجاء بعد فتكون الصلوات ستًا، وقد يكون سبعًا لعذر المطر، فإن تقدم العصر إلى وقت الظهر في اليوم الثاني فيصليهما معًا قبل وقت الحدث بالأمس، والمسافر يصلي في العادة خمس عشرة، وست عشرة من غير جمع، وعند الجميع سبع عشرة على ما فصلناه. فرع لو أحدث، ومسح، وصلى، ثم شك هل كان وقت الحدث مع الزوال إذا دل وقت

العصر. قال في "الأم" أخذ بالاحتياط فتعتبر المدة من حين الزوال. وقال المزني في الجامع: تعتبر المدة من وقت العصر، لأن الأصل المسح فلا يزول بالشك، وهذا غلط لأن الأصل وجوب غسل الرجلين والمسح رخصة، فلا تجوز الرخصة بالشك. فرع آخر قال في "الأم": لو استيقن أنه مسح [241 أ/1] وصلى ثلاث صلوات وشك هل صلى الرابعة أم لا؟ لم يكن له إلا أن يجعل نفسه كأنه صلى بالمسح الرابعة لا يصلى بمسح مشكوك فيه، وصورته أنه شك هل كان أحدث في وقت الظهر ومسح وصلى الظهر بالمسح، أو لم يحدث وقت الظهر ولم يصل الظهر، وإنما أحدث وقت العصر، ومسح وصلى العصر بالمسح، ونسي فعل الظهر فيلزمه أن يحتسب مدة المسح من وقت الظهر، لا من وقت العصر، ويعيد الظهر احتياطًا، لأن الأصل أنه لم يصل الظهر، والأصل وجوب غسل الرجلين فلا يجوز المسح إلا باليقين. فإن قيل: إذا كانت صورته هذا فلم قال الشافعي وشك أصلى الرابعة أم لا، وإنما الشك في الصلاة الأولى؟ قلنا: الشافعي: لم يعدها على ترتيب أوقاتها وإنما سماها رابعة من طريق العدد. مسألة: "فَإِنْ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ وَصَلَّى بَعْدَ ذِهَابِ وَقْتِ الْمسح أَعَادَ غُسْلَ رِجْلَيْهِ والْصَّلاَةِ". وهذا كما قال: إذا مضت مدة المسح في حق المقيم أو المسافر انتقض مسحه، فإن كان في الصلاة بطلت صلاته، وإن كان في غير الصلاة أو فيها فنزع خفين فهو كما لو نزع قبل انقضاء المدة، هل عليه استئناف الوضوء؟ قولان على ما نذكره إن شاء الله. وقال الحسن البصري: له أداء [241 ب/1] الصلاة بالمسح السابق إلى أن يحدث، وقال داود: ليس له أداء الصلاة بالمسح بعد انقضاء المدة ما دامت الرجل في الخف، فإن نزع الخف يجوز أن يصلي حينئذ، وإن لم يغسل الرجلين ما لم يحدث وهذا غلط لخبر صفوان بن عسال فإنه قال في آخره: لكن من بول، أو غائط، أو نوم، ثم يحدث بعد ذلك وضوءًا، ولأن هذه الطهارة لما انتهت إلى حالة لو أحدث لم يجز أن يبتديها لم يجز استدامتها كما لو وجد المتيمم الماء. مسألة: قال "وَلَوْ مَسَحَ في الْحَضَرِ يُمَّ سَافَر أَتَّمَ مَسْحَ مُقِيٍم". وهذا كما قال الكلام الآن فيما لو اجتمع الحضر والسفر، فإذا تطهر فلبس خفيه ثم سافر لا يخلو، إما أن يسافر قبل الحدث أو بعده، فإن سافر قبل الحدث، ثم أحدث في السفر فابتدأ المدة من الحدث فيمسح مسح مسافر ثلاثة أيام من الحدث، وإن سافر

بعد الحدث لا يخلو إما أن يسافر قبل المسح أو بعده، فإن سافر قبل المسح نُظر، فإنه كان قبل فوات وقت الصلاة مثل إن أحدث مع الزوال وسافر قبل خروج وقت الظهر، ثم مسح في السفر مسح مسح مسافر. وقال المزني. يمسح مسح مقيم، لأن ابتداء المدة كان في حال الإقامة. وقال القاضي [242 أ/1] الطبري: لا يوجد هذا عن المزني، وله يدل على خلاف هذا، والدليل عليه أنها عبادة تختلف بالحضر والسفر، فكان كيفية فعلها معتبرًا بحال الفعل لا بابتداء وقتها كالصلاة، وينكسر معناه بهذا، وإن سافر بعد خروج وقت الظهر ثم مسح في السفر، فإنه يصلي الظهر صلاة حضر لأنها صارت قضاء، والمسح يكون مسح مسافر. وقال أبو إسحاق، والمزني: يمسح، مسح مقيم، لأن خروج وقت الصلاة هو بمنزلة التلبس بفعل الصلاة في وجوب إتمامها، فكذلك في المسح، وهذا غلط لأنه سافر قبل التلبس بالمسح فيمسح مسح المسافر كم لو سافر في الوقت، ويفارق الصلاة لأنها تفوت بانقضاء وقتها ويستقر قضاؤها في الذمة، والقضاء مثل الأداء، والمسح لا يقضي بل كل حال يؤتي به يكون أداء فاعتبر بحال فعله، وإن أحدث في الحضر ومسح، ثم سافر، أتم مسح مقيم يومًا وليلة من الحدث، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: والثوري: يمسح مسح مسافر، وهذا غلط لأنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها في الحضر، ثم سافر كان الاعتبار بحكم الحضر، كالصلاة [242 ب/1] إذا دخل فيها مقيمًا، ثم سافرت السفينة، وصار مسافرًا يصلي صلاة المقيم، وقال المزني: يبني إحدى المدتين على الأخرى ويقسط ذلك على الزمان، فإن كان مقيمًا فمضى من هذه الإقامة ثلثها من حين الحدث إلى أن سافر فله أن يمسح من السفر يومين ثلثي مدة السفر في مقابلة ما بقي من مدة الحضر، وهو ثلثا يوم وليلة، وهذا غلط لأنه إذا اجتمع السفر والحضر في العبادة، إما أن يغلب حكم الحضر دون السفر أو السفر دون الحضر، والجمع بينهم محال؛ لأنه يؤدي إلى أن يصلى المسافر ركعة من الظهر، ثم نوى الإقامة فيضيف إليها ركعتيه فيصلي الظهر ثلاثًا وهو خلاف الإجماع، ولو لبس الخفين مسافرًا، ثم أقام يغلب حكم الحضر، ويمسح مسح المقيمين، فإن أقام قبل انتهاء يوم وليلة أكملها، وإن أقام بعد انتهائها بطل حكمه، وبه قال جماعة الفقهاء، وقال المزني: ههنا أيضًا يبني إحدى المدتين على الأخرى، فإن كان قد مضى يوم وليلة، ثم أقام، فقد مضى ثلث مدة السفر، فيضيف إلى هذا اليوم في الحضر ثلثي هذه المدة فيصلي بعد ذلك المسح [243 أ/1] ثلثي يوم وليلة. فرع لو سافر، ثم شك ها أنشأ المسح في الحضر أو في السفر أخذنا بالاحتياط، وهو أنه أنشأه في الحضر، فإن ذكر أنه أنشأه في الحضر فقد تحقق ذلك، وإن ذكر أنه أنشأه في السفر كان له إكمالها ثلاثًا من الحدث، وليس هذا كمن شك في صلاته، هل نوى القصر أم لا؟ يلزمه الإتمام، فول زال شكه في الحال لم يجز له إلا الإتمام؛ لأن الصلاة يرتبط بعضها ببعض، فإذا لزمه الإتمام في بعضها لزمه في كلها، والمسحات

بخلاف ذلك، لأنه لو حصلت مسحة بماء نجس أو بغير نية لم تؤثر في غيرها، فإن صلى بعد يوم وليلة، وشكه قائم، فالصلاة باطلة وعليه إعادتها سواء بقي على الشك أو زال، وعرف أنه أن له مسح المسافر، لأنه صلى بالشك فصار كما لو شك في الزوال فصلى الظهر، ثم بان له دخول الوقت حين الصلاة لم يجز. قال القفال: وعلى هذا الذي ذكرنا، قال الشافعي: المستحاضة إذا توضأت، ثم شكت في انقطاع دمها ليس لها أن تصلي ما لم تتوضأ ولا يقال الأصل أن الدم سائل بل يقال: الأصل أن من أحدث عليه الوضوء إلا أنه جوز لهذه أن تصلي مع الحدث للضرورة، فإذا شكت في زوال الضرورة أو بقائها [243 ب/1] فالأصل عدم الضرورة ووجوب الوضوء، وكذلك قال الشافعي: إذا سافر بنية بلده فدخل بعض البلاد، فلم يدر أنها البلدة التي قصدها أو لا يقصر، لأن الأصل أن الصلاة أربع فلا يجوز دونها إلا بيقين. فرع آخر الماسح على الخفين إذا لم يبق من وقت مسحه مقدار ركعتين فافتتح الصلاة ركعتين هل يصح الافتتاح، ثم يبطل عند انقضاء المدة أو لا يصح أصلًا؟ قال والدي - رحمه الله -: فيه وجهان، وفائدة الوجهين أنه لو افتتح الرجل خلفه وفارقه عند انقضاء المدة هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان. مسألة: قال: "وَإِذَا تَوَضَّأَ فَغسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ ثم أَدْخَلَهَا الْخُف". الفصل وهذا كما قال: المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبس الخفين على كمال الطهارة، وهو أن يفرغ بين وضوءه ويستبح الصلاة، ثم ابتدأ بلبس الخفين، فإن لبس خفيه قبل غسل رجليه، ثم غسلهما في خفيه لا يجوز المسح، ولذلك لو غسل إحدى رجليه، فأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى فأدخلها الخف لا يجوز له المسح إذا أحدث، لأنه ابتدأ بلبسه قبل كما الطهارة، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال أبو حنيفة، والمزني، وابن المنذر [244 أ/1] وداود: يجوز له المسح في كلا الموضعين. قال المزني: كيف ما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي، وهذا هو الحجة عليه، وعلى أبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرخص في المسح لمن تطهر فلبس خفيه، وها هنا تطهر بعد لبس الخفين، أو لبس الخف الأول قبل كمال الطهارة. فإذا تقرر هذا، فلو نزع الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عند الشافعي؛ لأن الثانية صارت أولى بعد كمال الطهارة، وقال ابن سريج: إذا نزع الأول يلزمه نزع الثاني كما لو لبسا على الطهارة وأحدث ثم نزع أحدهما يلزمه نزع الآخر وبه قال أحمد وهذا غلط كما ذكرناه ومثاله ما نقول في المحرم إذا اصطاد

صيدًا، فإنه يؤمر بإرساله لحرمة إحرامه، فلو لم يرسل حتى حل من إحرامه فالأمر بالإرسال باق أخذه في وقت لم يكن له أخذه فيه، فإن أرسله، ثم أخذه في الحال حل له حينئذ؛ لأن هذا أخذ جديد بعد الإرسال والإحلال، فكذلك ها هنا إذا نزع الأول ثم لبسه بعد حصول غسل الرجل فهذا اللبس حصل منه على كمال الطهارة، وفي الأول كان قبل إكمال الطهارة [244 ب/1] فلا يحتاج إلى نزع الثاني وجاز له المسح. مسألة: قال: "وَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ مُقَدَّمِ الْخُفَّ شَيْءٌ بَانَ مِنْهُ الْرَّجُلٍ، وَإٍنْ قَلَّ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَمْسَحَ". وهذا كما قال. الكلام الآن في صفة الخف الذي يجوز المسح عليه، وهو الذي يواري به قدميه، وقوله: مقدم الخف، أراد به موضع القدم، ولم يرد به المقدم الذي هو ضد المؤخر، فإن تخرق منه شيء نُظر، فإن كان مقابلًا لمحل الفرض. قال في "الجديد": لا يجوز المسح قليلًا كان الخرق أو كبيرًا من موضع أو من غيره، وبه قال أحمد، والحسن بن صالح، وقال في "القديم": يجوز المسح عليه إذا أمكن متابعة المشي فيه، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود. وقال مالك: إن كثر الخرق وتفاحشه لم يجز وإلا جاز، وبه قال الليث: وقيل: هو قول الشافعي في "القديم" وهو قريب مما تقدم. وحكي عن مالك والقديم أنه يجوز إن كان يقع عليه اسم الخف، ويروي هذا عن الأوزاعي، وأبي ثور أيضًا، وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع إذا كثر لا يجوز المسح وإلا فيجوز. قال أبو يوسف قال أبو حنيفة: لأن الثلاث هي أكثر الأصابع [245 أ/1] وهذا كله غلط؟ لأنه خف غير ساتر لجميع القدم فلم يجز المسح عليه، كما لو زاد على ثلاث أصابع، فإن قيل: اسم الخف يقع عليه ورود الشرع لجواز المسح على الخف. قيل: أراد به خفًا يستر جميع القدم، بدليل أنه لو زاد على ثلاث أصابع لا يجوز، وإن كان يسمى خفًا. فرع لو انفق منه شيء غير مقابل لمحل الفرض، مثل إن قابل الساق أو ما جاوز الكعبين لم يمنع المسح، وإن قطع الخف من فوق الكعبين نُظر، فإن كان واسعًا شاهد الكعبان لم يجز، وإن كان ضيقًا لا يشاهد لضيقه أو كان واسعًا فشده جاز المسح، ولو كان يظهر القدم لمن نظر في الساق لسعة الساق من الأعلى. قال القفال: لا يضره ويجوز المسح، كما لو بدا من عورته شيء كخرق في قميصه، فإنه لا تجوز الصلاة، ولكن لو صلى على طرف سطحه بحيث لو نظر ناظر من تحته رأي عورته تجوز صلاته، لأنه لا يجب عليه ستر عورته من الأرض.

فرع لو كان في الخف خرق وفيه جورب يواري القدم لم يجز المسح؛ لأن الخف ليس هو بجورب، ولولا الجورب بدا رجله نص عليه في "الأم". فرع آخر قال: لو انفتقت ظهارة الخف وبطانته صحيحة لا يرى [245 ب/1] منها قدمه جاز المسح له، لأن هذا خف كله. وقال بعض أصحابنا: أراد به إذا كانت البطانة صفيقة، مثل أن يكون جلدًا أو خرقًا ألصق بعضها ببعض، فأما إن كانت البطانة رقيقة لا يمكن متابعة المشي عليها لا يجوز المسح عليه. وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نص الشافعي وما يوجب تعليله، ولهذا لو كان الخف طباقًا واحدًا فتشقق ظاهره ولم ينفذ فإنه يجوز المسح عليه ويخالف اللفافة، لأنها منفردة عنه، وقال الشافعي بعد هذا: "وكذلك كل شيء ألصق بالخف فهو منه". مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْنِ إَلاَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوْرَبانِ مُجَلَّدَتِي الْقَدَمَيْنِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ". وهذا كما قال ساتر الرجل يحتاج إلى ثلاثة شرائط ليجوز المسح عليه: أحدهما: أن يكون ساترًا لجميع القدم إلى ما فوق الكعبين. والثاني: أن يكون صفيقًا لا يشف الماء لصلابته وصفاقته حين يصب عليه بل يرد الماء. والثالث: أن يمكن متابعة المشي عليه في الحوائج ولا يشترط أن يمكن مشي الفراسخ عليه، ولا يعتبر بمن في رجله علة تمنعه من ذلك. فإن تقرر هذا ينظر في الجوربين، فإن كان رقيقين غير مجلدين ولا منعلين لم يجز [246 أ/1] المسح عليهما، وقال أحمد وإسحاق: يجوز المسح إذا كان صفيقًا، وبه قال عمر، وعلي - رضي الله عنهما - وهو مذهب أبي يوسف، ومحمد، وداود، واحتجوا بما روي هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم بال وتوضأ ومسح على الجوربين والنعلين. وروي أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح الجوربين، وروي أنس أنه مسح على قلنسوته وعلى جوربيه. وهذا غلط؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه كالخرقة الملفوفة على الرجل. وأما خبر الغيرة قلنا: طعن فيه عبد الرحمن بن مهدي، وقال: المعروف عن الغيرة المسح على الخفين ثم نحمله على النعل، ولأنه ذكر فيه النعلين ولا يقولون به، وأما خبر أبي موسى قال أبو داود: ليس بالقوي ونحمله على ما ذكرنا، وإن كانا مجلدي القدمين إلى فوق الكعبين منعلين من أسفل يجوز المسح عليهما قولًا واحدًا، وإن كانا غير مجلدين، ولكنهما صفيقان ظاهر ما نقل المزني أنه لا يجوز

المسح عليهما. وقال في "الأم": ونقله الربيع: إنه يجوز إذا كان أعلاهما صفيقًا لا يشف [246 ب/1] لأنه لا يصل تلك المسح عليه لصفاقته، ويمكنه متابعة المشي عليه، فمن أصحابنا من قال فيه قولان، والصحيح أنه يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، والاعتبار بأن يكون صفيقًا منعلًا، وبينه الشافعي في "الأم" صريحًا، وأراد به المزني: الجور بين المعتادين وهو أن يكونا رقيقين، وإن كان مجلدين غير منعلين. قال القفال: إن كانا تجليدًا غليظًا يمكن متابعة المشي عليه وإلا فلا، وقال الإمام أبو محمد الجويني: لا يختلف المذهب في المنع من ذلك حتى يكونا منعلين فظاهر لفظ المزني يوهم أنه يجوز، وإن لم يكونا منعلين ولكنه استدرك هذا بآخر كلامه حين قال: حتى يقوما مقام الخفين. وهو ظاهر ما ذكره أهل العراق، وعلى هذا لو كان الجورب متخذًا من السختيان كجورب الصوفية إن كانا ملصقًا بالنعلين ينزعه بنزعهما يجوز وإلا فلا يجوز، الأمر عندي على ما ذكره القفال - رحمه الله - ولعل غيره شرط أن يكون منعلًا لإمكان متابعة المشي عليه، وهذا يؤخذ على ما صوره فليس فيه خلاف في الحقيقة. وحكي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز المسح على الجوربين أصلًا، وهذا غلط لأنه في معنى الخف على [247 أ/1] ما ذكرنا، وحكي عن بعض العلماء أنه لا يجوز المسح على الخفين إذا لم يكن له ساق وهو غلط أيضًا كما ذكرناه. فرع لو لبس خفًا بشرج وهو الذي يكون قدمه كقدم الخف وما علامته جلود قال في "الأم": إن كان الشرج فوق الكعبين جاز المسح عليه سواء شرحه أو لم يشرحه، لأن عدمه لا يمنع المسح فوجوده مشترطًا أولى أن لا يمنه، وإن كان الشرج على موضع الغسل. قال الشافعي: فإن كان فيه خلل يرى شيء من القدم أو من اللفافة فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يكن فيه خلل فإنه يجوز المسح عليه، لأنه إذا مشي أو تحرك انفرج وظهرت اللفافة. فرع آخر لو كان له شرج يفتح ويغلق فمسح عليه، وهو مغلق، ثم فتحه بطل المسح، وإن لم يبن شيء من اللفافة؛ لأنه إن لم يبن في الحال، فإذا مشى بان منه ذلك، مسألة: قال: "وَمَا لَبِسَ مِنْ خُفِّ خَشَبِّ ومَا قَامَ مَقَامَهُ أَجْزَأَهُ". وهذا كما قال. السنة وإن قدرت في الخف المعتاد فغيره مقيس عليه، فإذا لبس خفًا من خشب رقيق يمكن متابعة المشي عليه لغلظه ثم يجزأ، إذ لا فرق بين أن لا يمكن متابعة المشي عليه لرقته ولغلظه، وكذلك الخف من اللبد أو الخرق، إذا كان منعلًا

وأعلاه صفيقًا يجوز المسح [247 ب/1] عليه، وإلا فلا يجوز، لأنه يكون جوربًا، وقال القفال: أكثر يتقرر خف الخشب المقطوع، فإن كان مقطوعًا من فوق الكعبين لا فرص عليه، فلو لبس في رجله الآخر خفًا، ومسح عليه جاز، وإن كان بعض موضع الفرص باقيًا فلبس خف خشب ما ذكرناه، وفي الرجل الأخرى خف أدم يجوز المسح عليهما، وإن لم يلبس في المقطوعة شيئًا لم يجز، ولو كان الخف المتخذ من الخشب محدد الأسفل كما يكون في الغالب خف الأقطع لا يجوز المسح عليه، أو لا يمكن كل لابس متابعة المشي عليه، فلا يسمى باسم الخف. وقال القفال: إن كان خفه من زجاج فإنه يجوز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل وليس هو كمن ستر عورته بزجاج وظهر من تحته لون العورة لم تجز صلاته؛ لأن القصد منه ستر العورة عن أعين الناظرين، والقصد من الخف اللبس، وقد حصل، وعندي أنه أراد أن يكون الزجاج في غير أسفل القدم حتى يمكن متابعة المشي عليه، فإنه إذا كان في أسفل القدم، وإن كان في الجلد يخاف من متابعة المشي على الغالب في التردد في حوائجه انكساره وجراحة الرجل به، ولا يوجد فيه معنى الخف، ورأيت بعض أصحاب [248 أ/1] أبي حنيفة ينسب هذا إلى الشافعي ويشنع به على المذهب، وهو يرتفع بما ذكرت إن صح عنه هذا اللفظ ولا يصح عنه ذلك، وأطلق سائر أصحابنا، وقالوا: لا يجوز المسح على الخف من حديد أو زجاج، وهو صحيح على ما ذكرنا أنه لا يمكن متابعة المشي عليه إذا كان كله من حديد أو زجاج. فرع لو لبس خفًا صفيقًا لا يمكنه متابعة المشي معه، فالمذهب أنه يجوز المسح عليه، لأن الخف صالح للمسح عليه في خف صغير القدم، وإنما منعه من المشي كبر رجله. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز المسح عليه؛ لأن المشقة هناك هي في ترك النزع لا في النزع، وهو جوز للرفق ولا رفق هنا، وهذا أقيس وأصح عندي. مسألة: قال: "وَلاَ يَمْسَحُ عَلَى خُرْمُوقَيْنِ". الفصل وهذا كما قال الجرموق هو شيء عل مثال الخف كبير يلبس في البلدان الباردة من شدة البرد فوق الخف، فإذا لبسه على الخف أو لبس خفًا على خف، فإن كان السفلاني. متخرقًا جاز المسح على الفوقاني، وصار السفلاني كاللفافة، وإن كان الفوقاني متخرقًا، أو لم يكن منعلًا بحيث يجوز المسح عليه لو انفرد لا يجوز المسح عليه قولًا واحدًا، وصار الفوقاني كاللفافة على الخف، وإن كانا صحيحين بحيث يجوز المسح على كل [248 ب/1] واحد منهما على الانفراد ففيه قولان، قال في "الجديد":

لا يمسح عليهما، وبه قال مالك في رواية، ووجهه أنه لا يخلو هذا الفوقاني إما أن يكون بدلًا عن الرجل، أو عن التحتاني لا يجوز أن يكون بدلًا عن التحتاني؛ لأن البدل لا يكون له بدل في الطهارة كالتيمم وليس هو ببدل عن الرجل؛ لأنه لو كان بدلًا عن الرجل لكان إذا نزعه لا يبطل المسح؛ لأن الرجل لم تطهر. وقال في "القديم" و"الإملاء": يمسح عليهما. وهكذا لو لبس خفًا ثالثًا على الثاني مسح على الثالث، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق واختاره المزني، وروي ذلك عن مالك، ووجهه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الموق وهو الجرموق، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الموق هو الخف، ولكن ساقه إلى القصر، واحتج المزني بأن في الجرموق مرفقًا. قلنا: هو مرفق نادر غير عام فلا حكم له كالقفازين والقلنسوة، فإذا قلنا: لا يجوز المسح عليه قال في "الأم": عليه أن يطرح الجرموقين ثم يمسح على الخفين. وظاهره أنه إذا أدخل يده في جوف الجرموق ومسح على الخف السفلاني لا يجوز وليس هذا كما لو أدخل يده [249 أ/1] فضعف أمره فلم يجز المسح عليه مع استتاره، واختص بأكمل صفات المسح هكذا ذكره أبو حامد. وقال القاضي الطبري: هذا غلط قبيح، والمذهب أنه يجوز لأنه أوصل الطهور إلى محله، فصار كما لو غسل الرجلين في وسط الخفين الواسعين يجوز، والذي قال في "الأم" محمول على الغالب من الجرموق، فإنه لا يتأتى المسح على ما تحتهما من الخف إلا بطرحهما، وهذا هو الصحيح الذي لا يخل أن يقال غيره، والفرق الذي ذكره لا معنى له في تأثير المسح. وإذا قلنا: يجوز المسح فهل له أن يمسح على الخفين بأن يدخل يده ويمسح عليهما. قال القاضي الطبري: يحتمل وجهين. أحدهما: لا يجوز لأنه إذا جاز المسح على الظاهر لم يجز له أن يمسح على الباطن، كما لو أدخل يده في الخف، ومسح على ظاهر الجلد الذي يلي رجله لا يجوز. والثاني: يجوز لأن كل واحد منهما هو محل للمسح، بدليل أنه لو نزع الفوقاني جاز له أن يمسح على التحتاني، فجاز له المسح على كل واحد منهما، وهذا الوجه أصح، ويفارق هذا إذا مسح على ظهر الجلد؛ لأن المأخوذ عليه أن يمسح على ما جرى مجرى القدم في الطهور وناب عنه، ولا يوجد هذا المعنى في [249 ب/1] ظهر الجلد بخلاف مسألتنا، فإن الخف التحتاني جار مجرى القدم في الظهور وإنما ستره غيره، فجرى ذلك مجرى غسل الرجلين في الخف، فإذا تقرر هذا فاعلم أن ابن سريج قال: على أي معنى يجوز المسح على الجرموقين؟ ذكر أصحابنا ثلاث معان: أحدهما: وهو قول أبي حنيفة إلا على بدل عن الأسفل، والأسفل بدل عن الرجل. والثاني: أن الأسفل كاللفافة والثالث: أن الأعلى مع الأسفل كالبطانة مع الطهارة، وعلى هذه المعاني مسائل منها: إذا مسح على

الجرموقين ثم نزعهما، فإن قلنا بالمعنى الأول وقلنا: فيمن نزع خفيه بعد المسح بغسل قدميه فقط يمسح على الأسفل ويجوز، وإن قلنا هناك أنه يستأنف الوضوء فههنا يستأنف الوضوء ويمسح على الأسفل. وقال القاضي الطبري: المسح على الجرموقين لا يجوز إلا على القول القديم وفي القديم إذا نزع الخفين يُجدد الوضوء فإذا نزع الجرموق يلزمه أن يجدد ويمسح على الخفين، وفي قوله الجديد: لا يجوز المسح على الجرموقين، فإذا خلعهما بعد المسح يمسح على الخفين، ولا يصح البناء على القولين. وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الأسفل أيضًا، ثم فيه [250 أ/1] قولان: أحدهما: يغسل الرجلين والثاني: يعيد الوضوء. وإن قلنا بالمعنى الثالث: لا يلزمه شيء، كما لو نشر موضعًا من خفه أو جميع خفه ونفى ما يمكنه متابعة المشي عليه جاز. والمسألة الثانية: لو نزع أحد الجرموقين، فإن قلنا بالمعنى الأول يلزمه نزع الآخر، ثم مسح الأسفل أو يستأنف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثاني يلزمه نزع الكل، وغسل الرجلين أو استئناف الوضوء، وإن قلنا بالمعنى الثالث فلا يلزمه شيء وبه قال زفر. والمسألة الثالثة: لو أراد في الابتداء أن يلبس أحد الخفين وأحد الجرموقين ويمسح عليه، وعلى الخف، فإن قلنا بالمعنى الأول أو الثاني لا يجوز، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز كما لو كان أحد خفيه أغلظ من الآخر. والمسألة الرابعة: لو لبس الخفين ثم أحدث وتوضأ ومسح عليهما، ثم مسح الجرموقين، فإن جعلناه بدل البدل جاز له أن يمسح عليهما إذا أحدث، وكذلك إن قلنا بالمعنى الثالث لمن أحدث ثم رفع خفه برقعة له المسح على الرقعة، وإن قلنا بالمعنى الثاني لا يجوز ذلك. وقال القاضي الطبري: قال الداركي: الذي عندي أن لا يمسح لأن طهارة المسح ناقصة. ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر [250 ب/1] أنه يجوز؛ لأن المستحاضة تمسح على الخفين فوضوءها وطهارة الماسح هي آكد من طهارة المستحاضة، والصحيح ما قاله الدراكي؛ لأن مدة المسح لا تخلو إما أن تعتبر من حين الحدث الذي كان قبل لبس الجرموق، أو من الحدث الذي بعد لبسهما، فإن كان يعتبر من الثاني يؤدي إلى أن يستبيح أكثر من مدته، وإن كان من الأول لا يجوز؛ لأن أول المدة لا يجوز أن يكون سابقًا للبس الخف الذي يمسح عليه، فإذا أبطل القسمان بطل جواز المسح عليهما، وهذه العلة أولى مما ذكره الداركي، فإن قيل: يعتبر من الحدث الأول وتكون مدة المسح على الجرموقين مبنية على مدة المسح على الخفين قبل المسح على الجرموقين ليس ببدل عن المسح على الخفين على هذا القول، ولا نائب منابه، وإنما هو بدل عن الغسل، ونائب عنه فلا يجوز اعتباره بغيره، ولا بناء مدة المسح عليه على

مدة المسح على غيره. وقيل: هذا بناء على القولين أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث عن الرجلين، فإن قلنا يرفع فيجوز وإلا فلا يجوز، ولأنه ليس على حدث. والمسالة الخامسة: لو أحدث ولم يمسح على الخف حتى لبس الجرموق، فأراد أن يمسح [251 أ/1] عليه. قال القفال: فإن قلنا بالمعنى الأول والثاني: لا يجوز، لأن من يجوز المسح أيضًا، وإن قلنا بالمعنى الثالث يجوز لأن من لبس خفًا ثم أحدث ثم رقع الخف يجوز له المسح عليه، وقال غيره: لا يجوز المسح عليه بحاًل قولًا واحدًا، لأنه لبسه على حدث، وهو الصحيح ولو تطهر ولبس الخف، ثم لبس الجرموق على طهر يجوز المسح قولًا واحدًا. فرع لو لبس خفًا على الجبائر فهو كالجرموق على الخف، ولا يجيء على المذهب غيره ذكره أهل العراق. فرع آخر لو تيمم عند عدم الماء ولبس الخفين بعد كمال التيمم، ثم رأي الماء بطل تيمهه، وعليه الطهارة، وغسل الرجلين ولا يجوز له المسح على الخفين؛ لأنهما طهارة ضرورة فزالت بزوالها. وبه قال عامة أصحابنا، وقال ابن سريج في زيادة الطهارة إذا تيمم للظهر بعد دخول وقتها ولبس الخف، ثم وجد الماء قبل أن يصلي الظهر ثم توضأ ومسح على الخفين، وصلى الظهر والنوافل، قال: ولو صلى الظهر ثم وجد الماء توضأ ومسح على الخفين، وصلى ما شاء من النوافل والأول أصح [251 ب/1]. قال القفال: وكذا الوجهان فيمن ببعض أعضائه جراحة يغسل الصحيح ويتيمم للجريح ولبس الخف، ثم أحدث فأراد المسح على الخفين للفريضة الأولى التي تيمم لها، هل يجوز أم لا؟ فأما من توضأ وتيمم ولبس الخف، ثم برأ جراحه، ولزمه غسله فغسله، ثم أحدث فلا يمسح على الخف إذا توضأ وجهًا واحدًا؛ لأنه لما برأ جراحه بكمال طهارته بغسل الموضع الذي برأ فيحصل لابسًا للخف قبل كمال الطهارة. فرع آخر لو تطهرت المستحاضة ولبست الخفين، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين، وصلت الفريضة الواحدة، وما شاءت من النوافل، وإن كانت صلت الفرض، ثم أحدثت حدث الغائط والبول توضأت ومسحت على الخفين وصلت ما شاءت من النوافل، فإن أرادت أن تقضي فائته أو دخل عليها وقت فريضة أخرى يلزمها نزع الخفين وغسل الرجلين. والنكتة في ذلك هو أن المستحاضة استباحت بوضوئها فريضة واحدة وما شاءت من النوافل، فجاز لها أن تمسح على الخفين إذا أحدثت للصلاة التي استباحها بوضوءها الذي لبست عليه الخفين. وأما الصلاة التي لم

تستبح بوضوءها لم يجز لها أن تصليها بالمسح [252 أ/1] على الخفين. وقال القفال: فيه وجهان أحدها: هذا، والثاني: ليس لها أن تمسح على الخفين أصلًا؛ لأن جواز صلاتها مع الحدث الدائم رخصة جوزت للضرورة، ولا حاجة إلى تجوير مسح الخف في خفها، والرخصة في مسح الخف، وردت لمن كملت طهارته لا لمن نقصت طهارته، والأول أصح. وقال زفر: لها أن تمسح على الخفين يومًا وليلة؛ لأنها لبست الخف طاهرة، وهذا غلط كما ذكرنا. فرع آخر لو انقطع دمها قبل أن تصلي أو بعد ما صلت الفريضة عليها نزع الخفين واستأنف الوضوء بغسل الرجلين، وهذا هو الدليل على بطلان قول ابن سريج؛ لأنه جوز للمتيمم أن يمسح على الخفين إذا وجد الماء، ولم يجوز ذلك للمستحاضة إذا انقطع دمها، فإن قيل: الفرق أن طهارتها تتبعض من أصلها بانقطاع دمها ويتبين أن وضوءها لم يكن صحيحًا بخلاف المتيمم إذا وجد الماء، فإن التيمم يبطل في الحال قبل انقطاع دم المستحاضة يوجب بطلان وضوءها في الحال، ولا يتبين به بطلانه من أصله فلا يسلم، فإن قيل: انقطاع دم المستحاضة في الصلاة تبطل صلاتها فجاز أن يمنع انقطاع الدم المسح على الخفين دون وجود [252 ب/1] الماء للمتيمم. قيل: إنما افترقا في الصلاة لأن وجود الماء مع الحائل لا يمنع الصلاة, والصلاة حائل بخلاف انقطاع الدم، وههنا الانقطاع، ورؤية الماء سواء في بطلان الطهارة التي لبس الخف عليها فيجب أن يستوى هذا الحكم فيهما. فرع لو مسح على الخفين، ثم أخرج قدميه أو أحدهما من قدم الخف إلى الساق لم يبطل المسح، نص عليه في "الأم" في باب ما ينقض مسح الخفين. ويستحب أن يبتدئ الوضوء، ولو غسل رجليه فأدخلهما الخف، ثم أحدث قبل أن يستقر القدم في قدم الخف، لم يجز له المسح، والفرق أن الاستدامة هي أكد من الابتداء، كما يقول في العدة والإحرام يمنعان ابتداء النكاح ولا يمنعان استدامته، ولأن الأصل في المسألة الأولى استباحة المسح، فلا يزول حكمه إلا بالنزع التام والأصل في المسألة الثانية أن لا يستباح المسح، فلا يستباح إلا باللبس التام، وهذا اختيار أبي حامد، وذكر صاحب "الإفصاح": أن الشافعي ذكره في "القديم" ولم يحك عن الجديد شيئًا، وبه قال الأوزاعي. وقال القاضي أبو حامد في جامعه: إذا أخرج قدميه من الخف أو أزالهما عن موضعهما مخرجًا [253 أ/1] لهما حتى صارتا غير مستقرين في قدم الخف، وصار

إلى حال لو لم يكن ساق الخف طويلًا رئي بعض ما عليه الوضوء، أو فعل ذلك بإحدى رجليه، وبطل المسح، وقال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح عندي، وما قاله في "الأم" محتمل للتأويل؛ لأنه قال فيه: "أحببت أن يبتدئ الوضوء" ولا يبين أن ذلك عليه وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وهذا لأن استقرار الرجل في الخف هو شرط في جواز المسح، فإذا تغير بطل المسح كاستئثار الرجل في الخف لما كان شرطًا إذا ظهر بطل. فرع قال في "البويطي": ينزع الخف لغسل الجمعة والعيدين والإحرام، وسائر الغسلات، وإذا حضرت المرأة الجمعة اغتسلت ونزعت خفيها، وتنزع لغسل العيدين حضرت أو لم تحضر، ولسائر غسلاتها. وجملته أن في الغسل لا يجوز المسح على الخفين، والرجال، والنساء في ذلك سواء. فرع آخر لا يجوز المسح على خف من جلد الكلب والخنزير وجلد ميتة إلا أن يكون مدبوغًا، ولو دميت القدمان في الخفين أو وصلت إليهما نجاسة يجب خلع الخفين [253 ب/1] وغسل القدمين نص عليه في "الأم": ولو غصب خفًا أو سرقه فلبسه، قال عامة أصحابنا: يجوز المسح عليه، وقال ابن القاضي في "التلخيص" لا يجوز، وهو قول داود؛ لأن اللبس معصية والمسح رخصة ولا تستباح الرخصة بالمعصية، وهذا غلط؛ لأن المعصية لا تتعلق باللبس بل تتعلق بالغصب، فأشبه الذبح بسكين مغصوب والتوضاء بماء مغصوب، فإن قيل: يقضى باللبس أكثر من الإمساك لأنه استعمال فالمعصية تختص باللبس، ولأنه إنما يجوز المسح لمشقة النزع، وهذا عاص بترك النزع فلا ينبغي أن يعذر فيه، قلنا: وإذا توضأ بالماء المغصوب فقد استعمل أيضًا، وزاد في التعدي فينبغي أن لا يجوز. وأما المشقة فحاصله في تكليف غسل الرجلين، وهو عاص بأصل الغصب ويؤمر بترك الغصب ولا يختص ذلك بالنزع وتركه. فرع آخر لو لبس خفًا من ذهب، هل يجوز المسح عليه؟ قال: فيه وجهان كما في المغصوب. مسألة: قال: "وَلَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ مَسْحِهمَا غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وقال في "القديم" وكتاب أبي ليلى يَتَوَضَّأُ". وهذا كما قال: إذا نزع خفيه بعد المسح هل يلزمه غسل الرجلين فقط أو يلزمه استئناف الوضوء؟ قال في "الأم" [254 أ/1] و "القديم": يستأنف الوضوء. ورواه

المزني عن كتاب ابن أبي ليلى، وقيل: لم يقطع به في كتاب ابن أبي ليلى بل ذكر فيه قولين، وإنما قطع به في "القديم" فالمزني أخل بالنقل. وقال في "البويطي"، وحرملة: أحببت أن يبتدئ الوضوء من أوله، فإن لم يفعل وغسل رجليه أجزأه، وهذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور واختاره المزني، وبالقول الآخر. قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقال مالك والليث بن سعد: إن تطاولت المدة يلزمه الاستئناف، وإن غسل قدميه وجب النزع جريًا على أصلها في وجوب الموالاة، ثم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هذا مبني على جواز تفريق الوضوء، والذي قال في "الأم" وكتاب ابن أبي ليلى أنه يتوضأ، أراد استحبابًا؛ لأن مذهبه في هذين الكتابين جواز التفريق، وبين أصحابنا هذا غير مبني على هذا، لأن الشافعي أمر بالوضوء في "الأم" ونص فيه على جواز تفريق الوضوء، وإنما فيه القولان سواء مسح على الخف، ونزع في الحال، أو نزع بعد لمدة وتفريق الوضوء إذا كان قليلًا لا يضر، ولأنه تفريق بعذر فلا يبطل الوضوء قولًا واحدًا، فصح أنهما قولان بأنفسهما ومعناهما [254 ب/1] أن الحدث ارتفع عن الرجل بالمسح أولًا، فإن قلنا: لم يرتفع لم يلزمه عند نزع الخف ألا يتيمم الوضوء الأول بغسل الرجلين، وإن قلنا: ارتفع فلما نزع الخف انتقض الطهر في الرجلين، وانتقاض الطهر لا يتبعض كما لو أحدث فبطل في الكل، ووجه قول من قال: يرفع الحدث عن الرجل أنه مسح بالماء، فرفع الحدث كمسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع بين فريضتين، وبه فيرفع الحدث، ووجه قولنا لا يرفع الحدث أنه يبطل حكمه بظهور الأصل فلا يرفع الحدث كالتيمم، وقيل: البناء على هذين المعنيين لا يصح أيضًا؛ لأن مسح الخفين، وإن لم يرفع الحدث عن الرجلين منذ كملت به الطهارة، فإذا بطل فقد انتقص بعضها وجرى ذلك مجرى انتقاضها في الكل لأنها لا تتبعض منهما قولان بأنفسهما من غير البناء على هذين المعنيين، ووجه قولنا يلزمه الوضوء ما ذكرنا، ووجه قولنا: يكفيه غسل الرجلين ما قال المزني مسح الخفين باب غسل الرجلين خاصة فظهورهما يبطل النائب دون غيره كما يبطل التيمم برؤية الماء، ويجب ما ناب عنه التيمم، فإن قيل: أليس المقيم يستوعب الأعضاء عند وجود الماء الذي هو الأصل، [255 أ/1] فكذلك الماسح إذا نزع الخف وجب أن يستوعبها. قلنا: لأن التيمم ناب عن كلها بخلاف المسح فإنه ناب عن الرجلين فقط فافترقا. فرع لو نزع الخف وأخر غسل الرجلين طويلًا، فإذا قلنا: إذا لم يؤخر استأنف الوضوء فههنا أولى، وإن قلنا: لا يستأنف ويكفيه غسل الرجلين فيه قولان للتفريق الحاصل، وهذا لأن التراخي الذي وقع من ساعة المسح إلى ساعة النزع كان معذور، وكان المسح فيه نائبًا عن الغسل، فكأنه لم يفرق، وبعد النزع ذهب حكم المسح فتأخير غسل الرجلين يكون تفريقًا بغير عذر فيكون فيه قولان.

باب كيفية المسح على الخفين

باب كيفية المسح على الخفين قال: أخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي يَحْيَي. . . وذكر الخبر. وهذا كما قال. قال: السنة في المسح على الخفين هي أن يمسح أعلى الخف وأسفله، وبه قال ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، وابن المبارك، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: السنة مسح الظاهر دون الباطن. وبه قال أنس، وجابر والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وداود. واحتجوا بما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى [255 ب/1] بالمسح من ظاهره، لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهره". وهذا غلط؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أنه قال: وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله، وخبرهم محمول على الجواز، ويرجح بالقياس، وهو أنه محل يجازي محل الفرض، فأشبه الظاهر. فإذا تقرر هذا فيكفيه ذلك أن يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، واليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمرر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه، وإنما يفعل ذلك لأنه أمكن وأسهل، ولأن اليد اليسرى للمباشرة الأذى، وأسفل الخف محل القذرات واليمني بعد ذلك. ولهذا قلنا: إذا أخذ الماء لمنخريه وأدخل فيهما بيمينه ينثره بيساره، وأما من تحت الخف ويدًا من فوقه، ثم يمسح مسحة واحدة تبلغ يده حد الوضوء. وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في مختصر الطهارة أن يمسح على العقب فقد قيل: يمسح عليه قولًا واحدًا. والذي نقله المزني: يحتمل أنه يريد به أنه يضع يده اليسرى تحت عقب الخف، فتكون بقية راحته على [256 أ/1] عقبه. وقيل قولان: أحدهما: يمسح عليه لأنه يحاذي محل الفرق والثاني: لا يمسح عليه لأنه موضع صقيل ويفسد ذلك بالمسح، وفي إيصاله إلى العصون التي فيه مشقة والأول أصح. فرع لو كان على باطن الخف نجاسة فدلكه بالأرض، وقلنا: تجوز الصلاة فيه بالدللك في أحد القولين لا يمسح عليه، لأنه إذا مسح عليه زاد التلويث، فيلزمه حينئذ غسل اليد وغسل باطن الخف.

مسألة: قال: "وَإِنْ مَسَحَ عَلَى بَاطِنَ الْخُفَّ وَتَرَكَ الْظَّاهِرَ أَعَاد، وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْظَّاهِرِ وَتَرَكَ الْبَاطِنَ أَجُزَأَهُ". وهذا كما قال. لا يجوز الاقتصار بالمسح على باطن الخف، هكذا نقله المزني وقال أبو إسحاق: يجزيه، والذي نقله المزني لا نعرفه للشافعي، وهذا لأنه موضع من الخف محاذي محل الفرض كالظاهر، وقال ابن سريج: لا يجوز كما ذكره المزني، ولا خلاف فيه بين المسلمين، وقول أبي إسحاق: إنه لا يعرف ذلك للشافعي غلط؛ لأنه نص في "مختصر البويطي" في آخر باب المسح على الخفين على أنه لا يجوز، فقال: "وإن مسح أسفله ولم يمسح أعلاه أعاد كل صلاة صلاها بهذا المسح". ونص عليه في الإملاء أيضًا، وهذا هو الصحيح؛ لأنه موضع من [256 ب/1] الخف لا يرى غالبًا، فلا يجوز الاقتصار بالمسح عليه، لأنه لا يمتنع أن يكون البدل في موضع محل الفعل، كالتيمم لا يجوز إلا في الوجه واليدين خاصة. وقال القفال: فيه قولان، والأقيس جوازه، وإن كان ظاهر المذهب أنه لا يجوز، وفي هذا نظر. فرع لو أدخل يده في ساق الخف ومسح على الداخل لم يجز بلا خلاف، وأبو إسحاق أول قول المزني بهذا، ولو اقتصر بالمسح على أعلاه بلا خلاف أنه يجوز. فرع آخر لو اقتصر على مسح العقب، فإن قلنا: إنه سنة أجزأه، وإن قلنا: لا يسن، فيه وجهان: أحدهما: يجوز كالساق. والثاني: يجوز، لأنه يقابل محل الفرض، وقيل: وجه واحد أنه يجوز؛ لأنه موضع من الخف يحازي محل الفرض يرى غالبًا، فوجد فيه علة أبي إسحاق، وعلة ابن سريج. مسألة: قال: " وَكَيْفَ مَا أَتَى بِالْمَسْحِ عَلَى طُهْرِ الْقَدَمِ بِكُلَّ الْيَدِ أَوْ بِبَعْضِهَا أَجْزَأَهُ". وهذا كما قال: عندنا المفروض منه ما يقع عليه الاسم قل أو كثر، وبأي شيء مسحه به من يد أو خشبة بيده جاز. وقال أبو حنيفة: يجب أن يمسح قدر ثلاثة أصابع بقدر الممسوح والممسوح به، حتى لو مسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع رجل الماسح وهي [257 أ/1] الخنصر، وهذا لا معنى له؛ لأن التقدير على هذا الوجه لا يوجد إلا توفيقًا، ولم يرد ذلك. وقال أحمد: لا يجزيه إلا مسح الأكثر من القدم؛ لأن الحسن البصري قال: سنة

باب الغسل للجمعة والأعياد

المسح خطط بالأصابع. قلنا: هذا مرسل فلا يلزمنا القول به، وأراد بالسنة المستحب، ونحن نقول به. باب الغسل للجمعة والأعياد مسألة: قال الشافعي: "والاخْتِيَارُ في السُّنَّةِ لِكُلُ مَنْ أَرَادَ الْجُمْعَةِ الاغْتِسَالُ لَهَا". وهذا كما قال: غسل يوم الجمعة سنة مؤكدة. قال الشافعي رحمه الله:" ما تركته قط ولا يجب عندنا". وقال مالك:"هو واجب يقضي بتركه إلا أن صلاة الجمعة تصح بدونه" وقيل: هذا مذهب داود ولا يصح عنه. وروى عن الحسن أنه قال:"هو واجب". وقال كعب الأحبار:"لو لم أجد ماء إلا بدينار في يوم الجمعة لاشتريته واغتسلت به". واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". ومعناه كل بالغ، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". (257 ب/ 1) وقوله فبها، أي بالفريضة أخذ. ونعمت: يعنى الخلة الفريضة. وقيل: معناه فبالسنة أخذ، ونعمت الخصلة السنة. وقال والدي رحمه الله: يحتمل أنه أراد به الضوء من الحدث بنية رفع الحدث والجمعة، ويحتمل أنه أراد الوضوء المجدد بنية التجديد والجمعة فيبقى للجمعة اختصاص من هذا الوجه، كالجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة والجمعة تجوز عنهما، ويحتمل أن يقال: إذا توضأ بنية الحدث فقد استفاد فضل الطهارة للجمعة، وإن كان دون الفضل. وإذا نوى ذلك قياسًا على أحد القولين في الجنب يغتسل يوم الجمعة بنية الجنابة يصح الغسل عنهما. قلت: ويحتمل أن يقال: أراد به التجديد للجمعة على الاختصاص، وهذا أشبه عندي؛ لأنه مدحه على ذلك لكونه في يوم الجمعة. وقد روى أبو سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا أتى أحدكما الجمعة فليتوضأ بنيتها" وروى أنس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل أفضل" والغسل من السنة.

وأيضًا فقد قال علي- رضي الله (258 أ/ 1) عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة وليس بواجب". وروى ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الوتر علَّى فريضة وهو لكم تطوع". وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة فقد أحسن، ومن لم يغتسل فيها ونعمت". وروى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت". وهي تجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فهو أفضل وهي من السنة. وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن من السنة الغسل يوم الجمعة ". وأيضًا روى عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: كان الناس عمال أنفسهم وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عرش، فيفرقون فتفوح منهم رائحة الضأن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو اغتسلتم" وهذا لفظ ندب وإرشاد لا لفظ إيجاب، وروى أنها قالت: كان الناس مهَّان أنفسهم. والمهان جمع الماهن وهو الخادم، تريد أنهم يتولون المهنة لأنفسهم في الزمان الأول حين لم يكن لهم خدم. واحتج الشافعي عن عمر وعثمان- رضي الله عنهما- وعام الخبر ما روى أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان يخطب (369 ب/ 1) على المنبر يوم الجمعة فدخل عثمان- رضي الله عنه- فقطع الخطبة وقال لعثمان: آية ساعة هذه؟ فقال عثمان: ما زدت على أن توضأت وحضرت. فقال عمر: والوضوء أيضًا أي واقتصرت على الوضوء، وقد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بالغسل. فقال الشافعي:"لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَجَعَ عُثْمَانَ وَمَا تَرَكَهُ عُمَرُ" فهذا دليل من فعلهما جميعًا على ما ذكرنا. وقال القفال: في هذا دليل من فعلهما دليل على أنه يجوز للمحتشم الذي يوسع الناس له أن يتخطى رقاب الناس، وإنما يكره لمن لا يرى له هذا الإيجاب، وهو كما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهادي بين اثنين فخرقوا له الصفوف حتى وصل إلى المحراب، لأن الطهارة تراد الصلاة، فلو كانت واجبة لما صحت الصلاة دونها، أو يقول: لأنها طهارة مأمور بها من غير حدث فلا يجب كالغسل للإحرام وأما خبرهم: قلنا: أراد به وجوب الاختيار، كما يقال: حقك علَّي واجب، ونحو ذلك. والدليل على هذا ما روى عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ". والسواك لا يجب بالإجماع (259 أ/ 1).

فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن فيمن يستحب له الغسل، فاعلم أن القصد من هذا الاغتسال التنظيف وقطع الرائحة الكريهة، ولهذا خص الشافعي به من أراد صلاة الجمعة، ولا يستحب لمن لم يحضرها بخلاف غسل يوم العيد فإنه يستحب لمن يريد الحضور ولمن لا يريد؛ لأن ذلك للزينة وإظهار السرور، ولا يسن للمسافر إذا لم يرد أن يصليها. وقال أبو ثور: يسن هـ ذلك، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم:"غسل الجمعة واجب على كل محتلم. وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"من جاء إلى الجمعة فليغتسل"، وهذا أخص. فرع قال أصحابنا: ويستحب للصبيان أن يقتدوا بهم إذا أرادوا حضور الجمعة وإن قال صلى الله عليه وسلم""على كل محتلم". فرع آخر إذا أرادت المرأة أن تحضر الجمعة يستحب لها الغسل. وقال أحمد: لا يستحب؛ لأنها غير مخاطبة بالجمعة. وهذا غلط للخبر الذي ذكرناه. وأما ما ذكر فإنه ينتقض بالعيد. فرع آخر غسل الجمعة هل يستحب على من كان من أهلها ولكن ممنوع بعذر؛ فيه وجهان: أحدهما سنة، لأن زوال عذره مجوّر، ولزم الجمعة له ممكن. والثاني: لا يسن، ذكره في "الحاوي"، والأول أظهر عندي، وبه قال جمهور أصحابنا. فرع آخر (259 ب/ 1) إذا اغتسل للجمعة بعد الفجر ثم أجنب لم ينتقض، ولو استأنفه ناويًا كان أولى. وقال الأوزاعي: يعيد غسل الجمعة. وهذا غلط؛ لأنغسل الجمعة تنظيف، فإذا تعقبه غسل الجنابة زاده تنظيفًا فلا يعيد. فرع آخر قال القفال: فإن لم يجد الماء فتيمم حاز الفضيلة ويتصور في قوم في بلد توضأوا

ثم نفذ ماؤهم وانقطع، فتيمموا. ويتصور في الجريح في غير مواضع الوضوء يتيمم بنية الغسل. فرع آخر قال في "الأم": وعلى قياس هذا أحب التنظيف لكل من أراد حضور وطن يتجمعون فيه الناس، للطاعة والقربة بالاغتسال والسواك وحلق الشعر والتطيب. مسألة: قال:" وَيُجْزِيهِ غُسْلُهُ لَهَا إِذَا كَانَ بَعٌدَ الْفَجْرِ". وهذا كما قال. الكلام الآن في وقت غسل الجمعة، وله وقتان: وقت استحباب ووقت جواز. فالاستحباب هو وقت الوراح إلى الجمعة. وأما وقت الجواز: فهو ما بين طلوع الفجر الثاني وصلاة الجمعة، فلو اغتسل قبل الفجر لا يجوز. وقال الأوزاعي: لو اغتسل قبل طلوع الفجر يوم عيد الفطر، وهذا غلط؛ لأن غسل (360 أ/ 1) للجمعة قبل الفجر فلا يجوز كما لو راح بعد طلوع الفجر. وأما في العيد: إذا اغتسل قبل الفجر، قد قيل: فيه قولان: وإن سلمنا بالفرق أن وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس فيضيق على الناس وقت الغسل من الفجر، فجوزنا قبله بخلاف الجمعة فإنها بعد الزوال. وقال مالك: يحتاج أن يغتسل بعد الفجر ويروح، فإن أخر الرواح لم يجر. وقال القفال: رأيت مالك في الموطأ مثل مذهبنا، والدليل على قوله صلى الله عليه وسلم:"غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" فاعتبر اليوم ولم يفصل. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة ثم راح، فكأنما قرب بدنه". ثم للتراض قلا يجب عقيبه. مسألة: قال:"وَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَل إنما أَجْزَأَهُ". وبه قال أبو حنيفة وجماعة، وحكى عن مالك: لا يجوز حتى يفرد كل واحد منهما لاختلاف موجبهما، وهذا غلط، لأنه يكفي لغسل الجنابة والحيض غسل واحد، كذلك هاهنا، وقد روى نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة غسلًا واحدًا. وإن نوى بغسله الجنابة أجزأه عن الجنابة. وأما عن الجمعة: قال أبو إسحاق: قال المزني في" الجامع الكبير" (260 ب/ 1): يجزيه عن الجمعة والجنابة؛ لأن القصد من غسل الجمعة التنظيف وقد حصل. وقال الربيع: قال في "الإملاء": لا يجزيه عن الجمعة، ولأنه

نوى التبرد لا يجوز عنه، وإن حصل المقصود كذلك هنا، وإن اغتسل ولم ينو الجنابة ولا الجمعة لا يجزئ عن واحد منهما؛ لأن كلها قربة تفتقر إلى النية، وإن اغتسل بنية الجمعة دون الجنابة، قال أصحابنا: لا تجزيه عن الجنابة قولًا واحدًا، وليس كالمحدث توضأ لقراءة القرآن ظاهرًا، أو الجنب اغتسل للعبور في المسجد يجوز له أن يصلي به في أضعف الوجهين، لأن المقصود من غسل الجمعة النظافة دون رفع الحدث بخلاف ذلك، فإنه يتضمن رفع الحدث. وهل يجزيه عن الجمعة؟ فيه وجهان، والمذهب أنه يجزيه؛ لأنه نواها. والوجه الآخر لا يجزيه، لأنه لا تحصل النظافة. مع الجنابة. ومن أصحابنا من جعل هذا قولًا للشافعي وهو غلط. وقال في "الحاوي" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزي عنهما. والثاني: يجزي عنهما. والثالث يجزيه عن الجمعة وحدها (231 أ/ 1) وهو اختيار جمهور أصحابنا. والمستحب إذا كان جنبًا يوم الجمعة أن يغتسل للجنابة ثم يغتسل للجمعة حتى يكون قد فعل أكمل الوجوه، ذكره أصحابنا. فرع لو اغتسل بنية العيد حصل بعد غسل الجمعة، ولو اغتسل بنية الجمعة حصل به غسل العيد قولًا واحدًا بخلاف المسألة قبلها في أحد الطريقتين؛ لأن ذلك جنسان نفل وفرض، وهاهنا هما نقلان. مسألة: قال:"وَأَحِبُّ الْغُسْل مِنْ غُسْلِ المَيَّتِ". الفصل وهذا كما قال: الغسل من غسل الميت مستحب غير واجب. وقال في التقديم: أوجبه للاختيار فيه. وقال في موضع من "الجديد": لو ثبت الخبر قلت به. يعني بوجوبه، وأراد به ما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من غسل ميتًا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي- رضي الله عنه- بعد ما غسل أباه "اغتسل" ولم يفرق بين غسل الميت والمسلم والكافر في هذا، وإنما قال: "إن صح الخبر". لأن في إسناده ضعفاء. وقيل: إنه موقوف على أبي هريرة. ومن أصحاب الجديد من خرج لصحته مائة وعشرون طريقًا.

واختلف أصحابنا في هذا، فمنهن من قال قول واحد أنه (261 ب/ 1) لا يجب، وإن صح الخبر، ولفظه يحمل على الاستحباب والاختيار. وقيل: معنى قوله: "فليتوضأ" أي ليكن على وضوء لتتهيأ له الصلاة على الميت. ومنهم من قال: فيه قولان. فإذا قلنا: يجب، فقد قيل: إنه غير معقول المعنى، ويؤمر به تعبدًا للشرع وهو الصحيح. وقيل: إنما وجب لأن الميت نجس والماء الذي يلاقيه نجس، فلا ينفك من يغسله عن نجاسة تصيبه، منه، ولا يعرف مكان فيلزمه غسل كل بدنه. وقيل: إن لم نقل الميت نجس فلا نأمن أن تصيبه نجاسة مما يخرج منه، فأمر بالغسل للاحتياط. أو لما جاز أن يجب علينا أن نغسله جاز أن يجب علينا الغسل لغسله. وهذه وجوه ضعيفة. وأما الوضوء بمسه فلا يجب، وتأويله كما ذكرنا كما قال: "ومن حمله فليتوضأ" على معنى أن يكون على وضوء عند حمله لئلا تفوته الصلاة عليه. وقيل: أراد مس ذكره. وقيل: أراد غسل اليد، فكذا في الوضوء من حمله أراد إذا باشر الحامل شيئًا من بدنه يغسل يده. وروى عن أحمد أنه قال: يجب الوضوء من مسه، والغسل لا يجب إن شاء الله. وهذا غلط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء". فدل أنه لا يجب الغسل من غير خروج الماء بحق الظاهر، ولأن غسل (262 أ/ 1) آدمي فلا يوجب الغسل، كما لو غسله حيًا، ولأنه مس آدميًا لا يقصد به الشهوة فلا وضوء عليه كما لو مس حيًا. وقال أبو حنيفة والمزني: لا يسن الغسل من غسله، ولا الوضوء من مسه. وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر. مسألة: "وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ للأَعْيَاَدِ هو سُنَّةٌ اخْتِيَارًا". وهذا كما قال: غسل العيد والجمعة سواء في الأحكام إلا في شيئين. أحدهما: أنه يستحب ذلك لجميع الناس، كالغسل للإحرام دون هذا. والثاني: يجوز قبل الفجر في قول. وقال في "البويطي": ويغتسل للعيدين قبل الفجر وبعده. وقال القاضي الطبري: لا أعرف للشافعي غير هذا، فالمسألة على قول واحد بخلاف غسل الجمعة. وقال أبو حامد: قال في "الأم": لا يجوز الغسل لها قبل الفجر كالجمعة. فالمسألة على قولين، وجملة مسنونات الغسل في غير الحج أربعة: غسل الجمعة، وغسل العيد،

باب حيض المرأة، وطهرها، واستحاضتها

والغسل من غسل الميت، وغسل الكافر إذا أسلم. ولم يذكر الشافعي في هذا الباب الأخير، وقد ورد به الخبر، وإن لم يكن لزمه الغسل أصلًا. مسألة: قال: "وَأَوْلَى الغُسْلِ أَنْ يَجِبَ عِنْدِي بَعْدَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْغُسْلُ مِنْ غُسلُ الْمَيَّتِ". الفصل وهذا كما قال: ليس بعد الغسل الواجب من غسلين (265 ب/ 1) غسل الجمعة، والغسل من غسل الميت، ثم اختلف في قوله في الأوكد بعد الغسل الواجب، فقال في القديم: واجبًا، وبين أن لا يصح فيكون مستحبًا. وقيل: فيه وجه ثالث: هما سواء. واحتج المزني بأن الخبر إذا لم يثبت في الغسل من غسل الميت وثبت في غسل الجمعة فهو آكد، ثم أكد بأن من مس خنزيرًا أو ميتة لا غسل عليه ولا وضوء، فكيف يجب في أخيه المؤمن ذلك. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه لو ثبت الخبر في الميت وجب، لأن اللفظ أمر مطلق، فيخاف إذا تركه أن يكون تاركًا للواجب، وهناك يتيقن أنه لا يترك واجبًا، وليس كمس الخنزير، ولأن للآدمي من الحرمة ما ليس لغيره، ولا ينكر وجوب الغسل والوضوء من مماسة ما له حرمة كما لو مس فرجخ، فإنه يلزمه الوضوء بخلاف ما لو مس خنزيرًا أو فرجه. والجواب عن هذا أنه لم يثبت الخبر فيه، ولا ذهب أحد من السلف إلى وجوبه، ومذهب مالك وجوب الغسل للجمعة فلا يكون ذلك آكد منه. باب حيض المرأة، وطهرها، واستحاضتها (263 أ/ 1) قال: قال الله تعالى: {َيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}. (البقرة: 222)، الآية وهذا كما قال. اعلم أن الحيض دم يرخيه الرحم عند بلوغها في أوقات معتادة، وأوصله من قولهم: حاض السيل إذا أفاض وسال. وحاضت الشجرة: إذا أخرجت صمغها حتى سال منها. والأصل فيه هذه الآية. قال الشافعي: أراد المحيض الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا، كما يقال: سار سيرًا ومسيرًا ويكون تقديم الكلام: فاعتزلوا النساء في زمن حيضهن. وقيل: المحيض عبارة عن الفرج لأنه موضع الحيض، كما يسمى موضع البيتوتة مبيتًا، وموضع القيلولة مقيلًا، ويكون تقديره: اعتزلوهن فلا تجامعوهن في الفرج. وما قاله

الشافعي أولى؛ لأن الله تعالى وصفه بأنه أذى، والأذى هو الدم لا الفرج ولا الزمان. ولهذا قال: " حَتَّى يَطْهُرْنَ" (البقرة:222)، وأراد يطهرن منه، وإنما يطهرن من الدم. فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يتعلق بالحيض أربعة عشر حكمًا يوجب حكمين ويمنع الباقي. فالذي يوجب البلوغ به، والغسل. ويتعلق بالرفع حكمان: المنع من الاستمتاع والطلاق. ويتعلق بالعدة حكمان: يمنع الاعتداد بالشهور ويمنع الدخول في العدة الشرعية ويختص (263 ب/ 1) ويتعلق بالمسجد ثلاثة أحكام: اللبث فيه، والاعتكاف، والطواف. ويتعلق بالصلاة ثلاثة أحكام تمنع وجوبها، وفعلها، وقراءة القرآن. ويبقى حكمان: حمل المصحف، والمنع من الصوم دون وجوبه. وقيل: خمسة عشر، وذلك أنه يمنع صحة الغسل؛ لأن الجنب إذا حاضت لا يصح غسلها عن الجنابة، وهذا يرجع إلى تعليق الغسل به؛ لأن الغسل لا يفيد شيئًا لوجوبه بالحيض. وقيل: يتعلق به اثني عشر حكمًا، ولم يحسب هذا القائل البلوغ، والغسل به، وصحة الغسل، وما ذكرناه أصح. وقال القفال: جملته أن ما منعت الجناية منه منع الحيض منه وزيادة أربعة أشياء: وجوب الصلاة، وجواز الصوم، وإتيان الزوج، وكون الطلاق سببًا، قلت: ويمنع الاعتداد بالأشهر، والدخول في العدة الشرعية فالزيادة هي ستة لا أربعة. فإذا تقرر هذا فاعلم أن الحيض إذا وجد ممن قد بلغت تسع سنين حكمنا ببلوغها؛ لأنه زمن تحيض له الجارية ويبلغ فيه الغلام بالاحتلام. قال الشافعي في "الأم": وأعجل من سمعت من النساء تحيض نساء تهامة يحيض لتسع، وقد رأيت جدة لها إحدى وعشرين سنة ولم يذكر الجدة تحديدًا أقل سن تكون فيه جدة. وإنما (264 أ/ 1) أخبر عما رآه، فقد تكون جدة لها تسع عشرة سنة تحمل ولها تسع، وتضع بعد ستة أشهر ثم تحمل هذه الجارية لتسع وتضع بعد ستة أشهر، فيكون تسع عشرة سنة. ومن أصحابنا من قال: إذا رأت الدم وقد دخلت في تسع سنين ولم تكمل التاسعة، هل نحكم بكونه حيضًا؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم لأنه يقال لها بنت تسع والثاني: لا نحكم وهو الأصح. وتسع سنين هل هي حد تقريب أو حد تحقيق؟ وجهان: أحدها: أنه تحقيق يتعين الحكم بنقصان يوم. والثاني: تقريب فلا يضر نقصان يوم أو يومين، وهذا أقرب عندي. ومن أصحابنا: قال: حد القرب هو أن لا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يسع لحيض أو طهر، ولو رأت قبل الستع موصولًا بالتسع، وقلنا: إنه تحديد فإن رأت قبل التسع أقل من يوم وليلة، وبعد التسع قدر يوم وليلة، فإنا نجعل الكل حيضًا. وإن رأت

قبل التسع يومًا وليلة وبعده دون يوم وليلة لم يجعل حيضًا. وإن كان المجموع يبلغ قدر أقل الحيض بعضه قبل التسع وبعضه بعد التسع هل يجعل حيضًا؟ وجهان. وأما الغسل فقد ذكرنا حكمه كيف يجب بالحيض. وأما الطلاق فلا يحل (264 ب/ 1) في حال الحيض بغير عوض. وأما العدة قفلا تدخل المقعدة في العدة الشرعية ما دامت حائضًا حتى تطهر. وأما الاعتداد بالشهود فلا يكون إلا في حق من لا تحيض. وأما اللبث في المسجد فلا يجوز لها كالجنب. وأما العبور ففيه كلام سنذكره إن شاء الله، وأما الاعتكاف فيه فهو عين اللبث في المسجد، وكذلك الطواف. ويفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها. وأما الصلاة فقد روى أن امرأة سألت عائشة- رضي الله عنهما- عن الحائض هل تقضي الصلاة؟ فقالت: لا. فقالت لها: فمال بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت كنا ندع الصوم والصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضي الصوم دون الصلاة. وقولها:" أحرورية أنت" تعني من أهل حروراء أنت؟ وأكثر أهل حروراء خوارج، وإنما زجرتها ولم يتبين لها دليلًا؛ لأن تلك المرأة لم تكن أهلًا لذلك، ولم تكن ممن تقيم الحجة، وتمنع القراءة لأنها أسوأ حالًا من الجنب، ويمنع الصوم دون وجوبه. والفرق بين الصوم والصلاة من حيث المعنى: هو أن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه ربما يفسد من شهر رمضان خمسة عشر يومًا ولا يشق قضاء ذلك في باقي السنة. والصلاة تتكرر (2365 أ/ 1)، فإذا قضت في كل شهر أدي إلى المشقة، ولأن الصوم لم تبن على أن تؤخر ثم تقضى، بل لا تجنب في مواضع، ومتى وجبت لم يجز تأخيرها بعذر. والصوم بنى على ترك بعذر المرض، أو السفر والقضاء بعده، فجاز لها أن تترك أيضًا ثم تقضيه، ولهذا يترك المسافر ركعتين لا إلى القضاء ويترك الصوم إلى القضاء. وأما الاستمتاع بها فهو على ثلاثة أضرب؛ محظور، ومباح، ومختلف فيه فالمحظور: هو الوطء في الفرج، كقوله تعالى: {لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]. وروى أن اليهود كانوا يعتزلون الحيض أشد الاعتزال فلا يواكلوهن، ولا يشار بوهن، ولا يساكنونهن في بيت واحد، ولا يتناولونهن الطعام إلا برأس خشبة. والنصارى كانوا يخالطون الحيض أكثر من مخالطة الطاهرات، يتقربون بذلك إلى الله تعالى، فلما جاء الإسلام سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، فظن المسلمون أنهم أمرور بمثل ما تفعله اليهود، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:" وأكلوهن وشاربوهن وضاجعوهن، وافعلوا بهن كل شيء إلا الجماع ". فقالت اليهود: لا يدع هذا الرجل شيئًا إلا خالفنا فيه، فسمعه سعد بن عبادة، فأراد مغايظتهم، فأتى [265 ب/1]

رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن اليهود قالت كذا وكذا، فأذن لنا في جماعهن، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه قد وجد عليه. وروى أبو داود في سننه أن سيد بن حضير وعباد بن بشر سالا ذلك منه فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه: حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، قال: فخرجنا واستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعض في آثارهما فسقاهما، وظننا أنه لم يجد عليهما. وهذا أصح عندي. وقوله:"تغير" هو مصحف، ومعنى تمعر أي تغير، والأصل في التمعر قلة النظارة. وقوله:"فظننا أنه لم يجد عليها" أراد علمنا، فالظن الأول حسبان والظن الآخر علم ويقين، فأن بادر فوطئ فإن كان جاهلًا بالتحريم أو الحيض، أو بوجوب الكفارة فلا كفارة عليه، وإن كان عالمًا بع ففيه قولان، قال في"الجديد": "لا كفارة عليه ويتوب إلى الله تعالى ويستغفر الله تعالى منه" وقال في"القديم":"إن كان في إقبال الدم تصدق بدينار، وإن كان في إدباره تصدق بنصف دينار" وذلك يجب على الزوج في ماله، ويصرفها إلى الفقراء والمساكين، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، [266 أ/1] وإسحاق. وحكي عن أحمد أنه قال:"يتخير بين الدينار ونصف الدينار". ووجهه ما روى مقسم عن ابن عباس-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي أهله وهي حائض:"يتصدق بدينار أو نصف دينار". وروى": من أتى امرأة حائضًا فليتصدق بدينار، ومن أتاها وقد أدبر الدم عنها ولم تغتسل فليتصدق بنصف دينار". وقيل: قال الشافعي في مواضع:" إن صح هذا الحديث قلت به". وروي:" ومن أتاها بعد ما رأت الطهر ولم تغتسل فعليه دينار". وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جامع امرأة وهي حائض في أو الدم فليتصدق بدينار، وإن جامعها في لآخر الدم وقد انقطع قبل أن تغتسل فليتصدق بنصف دينار". ووجه قوله الجديد وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، ما روى أبو هريرة-رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من أتى كاهنًا فصدقه فيما يقوله، أو أتى امرأة في دبرها، أو حائضًا، فقد برئ مما جاء به محمد" ولم يذكر الكفارة.

وروي أن رجلًا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في منامي كأنني أبول دمًا. فقال: يوشك أن تطأ امرأتك وهي حائض، قال: [266 ب/1] استغفر الله ولا تعد. ولم يوجب الكفارة، ولأنه وطء حرم لأجل الأذى فلا تجب به الكفارة كالوطء في الدبر. وأما الخبر الذي ذكروه وروي موقوفًا على ابن عباس ولا يثبت مرفوعًا، وألفاظه مختلفة، ويحتمل الاستحباب، ولهذا إنه حير بين الدينار ونصفه. وروي عن عمر-رضي الله عنه- أنه قال:" يجب إعتاق رقية"، وبه قال سعيد بن جبير. وروى عن الحسن البصري أنه قال:" يلزمه نا يلزم من المجامع في نهار رمضان"، وبه قال عطاء الخراساني، وهذا لا يصح لما ذكرنا. وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الإسفراييني:" أراد بإدبار الدم انقطاع دمها ووطئها قبل الاغتسال فيتصدق بنصف دينار. وأما قبل الانقطاع فيجب دينار وإن كان في آخره" وسائر أصحابنا قالوا: إدبار الدم هو أن يقل ويقرب الانقطاع فإذا تقرر هذا، فإذا انقطع دمها لا يحل له وطئها أيضًا، وسواء انقطع لأكثر الحيض أو لأقله، أو لما بينهما حتى تصير إلى صفة تسبيح الصلاة بالغسل عند وجود الماء، وبالتيمم عن عدمه. وبه قال الزهري وربيعه، والحسن، وسليمان بن يسار، ومالك، والليث، والثوري، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لعشرة أيام-وهي أكثر مدة الحيض عنده-[267 أ/1] حل وطئها وإن لم يغتسل. وإن انقطع دمها لدون العشر لا يحل وطئها ما لم تغتسل أو يمر عليها وقت الصلاة. وعندنا مرور وقت الصلاة لا يبح الوطء بحالٍ. وقال أيضًا: لا يحل وطئها بالتيمم حتى تصلي بالتيمم. وقال مكحول: لا يحل وطئها بالتيمم أصلًا. وقال طاوس ومجاهد: إذا لم تجد الماء يحرم وطئها حتى تتوضأ ثم تحل. واحتج الشافعي على أبي حنيفة بقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، يعني من الحيض، وهو انقطاع الدم {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يعنى اغتسلن بالماء {فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222]، يعني في القبل دون الدبر، وقد قرنت هذه الآية (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء، يعني يغتسلن. وأما الاستمتاع المباح فهو مباشرتها فوق الإزار، والإزار عبارة عما بين السرة والركبة، وهو قدر عورة الرجل. وأما المختلف فيه فمباشرتها بما تحت الإزار ما دون الفرج، نص الشافعي أنه حرم خوفًا أن يصيبه منها أذي. ذكره في أحكام القرآن و"الأم" وبه قال مالك: وأبو حنيفة، وأبو يوسف. قال أبو إسحاق بن خيران وحكاه صاحب"الحاوي" عن مالك هو

حلال. وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، ومحمد بن الحسن، واختاره ابن المنذر. وروي ذلك عن الشعبي والنخعي. وقال [267 ب/1] بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان. قال في "القديم": لا يحرم ذلك، وهذا غريب. وقيل وجهان، والصحيح ما ذكرت. ووجه القول الثاني ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"اصنعوا كل شيء غير النكاح". وروى عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة، فحضت فانسللت، فقال صلى الله عليه وسلم:"مالك؟ أنفست"؟ قلت: نعم. فقال:" ائتزري وعودي إلى مضجعك". فائتزرت وعدت، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع. وقال عائشة-رضي الله عنها-:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا في فوج حيضتنا أن نَتَّزِرَ ثم يباشرنا، وأيكم كان يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه". وفوج الحيض هو معظمه وأوله، يقال: فاج وفاع بمعنى واحد. والإرب: مكسورة الألف، والأرب مفتوحة الألف والراء كلاهما واحد، ومعناه: وطر النفس وحاجتها. ووجه القول الصحيح ما روي عن عائشة-رضي الله عنها- قالت قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي يحل للرجل من امرأته الحائض؟ فقال:" ما فوق الإزار:. وقال أبو [268 أ/1] الفياض من أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه، والوجه الثالث أنه كان يضبط نفسه عن إصابة الفرج، وأما لضعف شهوته أو لقوة تحرجه، جاز الاستمتاع بذلك، وإن لم يضبط نفيه فلا يجوز، لقول عائشة:" وأيكم يملك إربه" الخبر. فرع لو تلوث بدم الحيض ما عدا ما بين السرة والركبة هل يحل مباشرتها في موضع تلوثها بالدم؟ هذا لا فيه للشافعي, وقال أصحابنا: لو قيل يحرم ذلك كما يحرم ما تحت الإزار لم يبعد. ولو قيل: لا يحرم لأنه لا يخاف أن يصيبه دم الحيض من الفرح بغير واسطة بلم يبعد أيضا، وهذا أصح وهو فرق واضح، فصار ذلك بمنزلة سائر النجاسات إذا أصابها لا يمتنع الاستمتاع. فرع آخر لو قصد رحل غشيان زوجته فزعمت أنها حائض، وهكذا كلما رغب فيها قالت هكذا، ولا يعرف الرجل ميقات حيضها وطهرها، فكل مكان يصدقها فأنها حائض لا يحوز له

وطئها، وكل زمان لا يصدقها فله وطئها ولا يقبل قولها، ويفارق هذا إذا قال: أما إن حضت فأنت طالق، فقالت حضت يقع الطلاق وإن كذبها؛ لأن التقصير من جهته حيث علق الطلاق بأمر لا يعرف إلا بالقول منها، وأما الإباحة [268 ب/1] والتحريم بالحيض فهو أمر شرعي، ولم يحد من جهة الزوج تقصير فلا يلزمه قولها فيه. فرع آخر الحائض هل هي مخاطبة بصوم رمضان؟ وجهان: احدهما: أنها مخاطبة بدليل وجوب القضاء. والثاني: أنها لا تكون مخاطبة؛ لأنها ممنوعة منه بسبب عي غير مفرطة ولا لها قدره على إزالة المانع والقضاء وحب بأمر ثان. مسألة: قال:" وَإِذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ الدَّمُ نَظَرَتْ". الفصل وهذا كما قال. أراد أنه اتصل دم الحيض بدم الاستحاضة، والاستحاضة تخالف الحيض اسمًا وحكمًا ومحملًا، ولا يمنع الاستحاضة ما يمنع الحيض، وخروجه من عرق خارج الرحم، يقال له: العاذل، في أدنى أول الرحم، وخروج الحيض من الرحم، ثم الاستحاضة تنفصل من الحيض، فإن يكون في حال نقصان السن أو لنقصان القدر، بأن يكون دون يوم وليلة، وقد يتصل بالحيض دم الاستحاضة بأن يجاوز الدم أكثر مدة الحيض، فيعرف أن بعضه حيض، وبعضه استحاضة. والأصل في هذا أن الشافعي-رحمه الله- رجع في أقل الحيض وأكثره، وفي أقل الحمل وأكثره، وأقل سن تحيض فيه الجارية، وأقل سن تيأس به المرأة من الحيض وأقل [269 أ/1] الطهر، وأكثر النفاس إلى الوجود، ومعنى الوجود ما جرى به عرف العادة، وهذا لأن كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا بد من تقديره، ولا تقدير له في الشرع ولا في اللغة، فالمرجع فيه إلى العرف والعادة، كالإحراز، وكالقبض والتفرق في البيع. فإذا ثبت هذا وجد الشافعي-رحمه الله- أقل سن تحيض له الجارية لتسع سنين. فإن رأت قبل التسع فهو دم فساد ولا يتعلق به حكم الحيض. وإن رأت لتسع سنين فإن لم يتصل يومًا وليلة فهو دم فساد أيضًا، وإن اتصل يومًا وليلة فهو حيض، فإن زاد على ذلك لا يخلو إما أن يتجاوز خمسة عشر أو لا يتجاوزها فإن لم يتجاوزها مثل إن انقطع لتمامها أو لما دونها فهي حائض. وإن غير خمسة عشر فهي مستحاضة ودخلت الاستحاضة في الحيض، ولا تمنع الاستحاضة صحة الحيض؛ لأن الاستحاضة مرض وسقم، والحيض عادة وصحة، والسقم يطرأ على الصحة، والصحة على السقم، فإذا صارت مستحاضة نذكر حكم المستحاضة. وجملته: أن المستحاضة على أربعة أضرب: مميزة لا عادة لها، ومعتادة لا تميز

لها، ومن لها تميز وعادة، ومن لا تمييز لها ولا عادة. والأصول منها ثلاثة مميزة ومعتادة [269 ب/1] ومن لا تمييز لها ولا عادة، وكلها في المختصر على هذا الترتيب، والتي لها تمييز وعادة فرع من هذه الأصول، لأنها جمعت ضفة أصلين، ولكل أصل من هذه الثلاثة أصل في الشريعة ثبت به، فالأصل في المميزة حديث فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي". وروي أنه قال:" إنما هو داء عرض أو عرق انقطع، توضئي لكل صلاة" وروى أنه قال لها:" إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما عو عرق". أو ردها إلى التمييز. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم حبيبة بنت جحش:"إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي". وقد استحيضت سبع سنين، ولا يقول لها صلى الله عليه وسلم هذا إلا ويعرف إقبالها وإدبارها بعلامة ينفصل لها من الأمرين، وهي بأن تراه زمانًا أسود ثخينًا فذلك إقبال حيضها، ثم تراه رقيقًا مشرقًا [270 أ/1] فذلك إدبارها. وروى عن ابن عباس-رضي الله عنه- أنه قال:"إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي". وأراد البحراني: الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الدم، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته. والأصل في المعتادة: ما روى عن أم سلمة-رضى الله عنها- أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر ثوب ثم لتصل" الاستثفار هو: أن تشد توبًا تحتجر به تمسك موضع الدم لتمنع السيلان، وهو مأخوذ من الثفر، قالت عائشة -رضي الله عنها-: رأيت مركنها ملآن دمًا. والمركن: شبه الجفنة الكبيرة. والأصل في التي لا تمييز لها ولا عادة: ما روى عن حبيبة بنت جحش، قالت:

كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت رسوله الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش [270 ب/1] فقلت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، وإنه لحديث ما منه بد، وإني لأستحي منه، فقال:" ما هو يا هنتاه"؟ فقلت: إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها معنى الصوم والصلاة. فقال:"فإني أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم"، وقيل:" أبعث لك الكرسف" وهو مصحف عندي. قلت: هو أكثر من ذلك، قال:"فتلجمي" قلت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قلت هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجًا، قال:"سأمرك بأمرين أيهما فعلت أجزاك عن الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، إنما عي ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثًا وعشرين أو أربعة وعشرين ليلة وأيامها، وصومي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما تطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخرني الظهر وتعجلي العصر فتغسلي وتجمعي بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك". قال [271 أ/1] رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وهذا أحب الأمرين إلي". قال الشافعي: واحتمل هذا أمرين: أحدهما: أنه كان لها عادة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عادتها إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا، فلا تكون المستحاضة إلا أصلان مميزة ومعتادة. والثاني: أنه لم يكن لها عادة، بل كانت مبتدأة، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غالب عادة النساء إن كانت ستًا فستًا، وإن كانت سبعًا فسبعًا وهو أخد قولي الشافعي فيكون هذا أصلًا ثالثًا في التي لا تمييز لها ولا عادة وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حكمها. وقال أصحابنا: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتها كانت، فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تيقنه، من أحد العددين، وحكاه صاحب الشامل هذا عن الشافعي. والدليل على هذا أنه قال:" في علم الله"، أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، وقد ترك بعض أصحابنا القول بهذا الخبر، لأن في رواية كلامًا، وصار في المبتدأة التي لا تمييز لها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين، فلا تترك الصلاة إلا أقل مدة الحيض وهو يوم وليلة [217 ب/1] ثم تغتسل وتصلي سائر الشهور وهذا أحد قولي الشافعي. وقوله:" أنعت لك الكرسف" يعني: القطن وقوله:" أثج ثجًا": فإن الثج شدة السيلان. وقوله:

" إنما هو ركضة من ركضات الشيطان": فأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتضرب برجلها، ومعناه: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبس عليها في أمر دينها، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وإضافة النسيان في هذا على فعل الشيطان، كهو في قوله تعالى: {َأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ} [يوسف:42]. وقد روى أصحابنا في المستحاضة الناسية للوقت المتحيرة في أمرها: أن حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها بالغسل لكل صلاة، وروت زينب بنت أبي سلمة أن امرأة كانت تهراق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي. وروت عائشة-رضي الله عنها- أن سهلة بنت سُهيل استحيضت، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب [272 أ/1] والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح. والشافعي-رحمه الله- لا يقول بهذا الجمع، فإذا تقرر هذا، بيني كل واحدة منهن ويذكر حكمها. فالمميزة: هي التي لا إعادة لها، هي المبتدأة ترى الدم ثم يتصل بها وينفصل بعضه عن بعض ما يقع التمييز به، وذلك يكون بلون وريح ورقة. فاللون يكون الأول أسود، ثم يتغير إلى الحمرة. قال الشافعي: يكون أسود محتدمًا وأرد بالمحتدم: الحار كأنه محترق. يقال: احتدم النهار إذا اشتد حره. وأما الريح: يكون الأول رائحة، ثم تزول. وأما الرقة: أن يكون الأول ثخينًا، ثم يرق فيصفر أو يشرق، فإذا تميز شيء من هذا، فإنما يتعلق حكم التمييز إذا اجتمع شرطان: أحدهما: أن لا يزيد الأسود أو الأحمر على أكثر الحيض. والثاني: أن لا ينتقص عن أقل الحيض؛ لأنه إذا زاد على أكثر الحيض لا يجوز أن يجعل جميع الأسود حيضًا. وإذا نقص عن اليوم والليلة لا يجوز أن يكون حيضًا. فإذا وجد هذان الشرطان رددناها على الدم السود، وجعلناه حيضًا، وقضت ما زاد عليه من الصلوات هذا في الشهر الأول. فأما في الشهر الثاني تترك الصلاة في الدم الأول، فإذا تغير وصار بعد السواد أحمر تغتسل وتصلى ولا تنتظر إلى آخر [272 ب/1] خمسة عشر، وإنما تنتظر في الشهر الأول فقط إلى خمسة عشر لتنظر هل ينقطع لتمام الخمسة عشر أو يختلط به دم الاستحاضة. فأما الشهر الثاني فقد حكمنا بأنها مستحاضة وعرفت أمر نفسها فلا تؤخر الصلاة. وأما المعتادة التي لا تمييز لها: هي أن يكون لها عادة مستقرة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر اتصل الدم وزاد على العادة على لون واحد، وقول الشافعي: وكان مشتبهًا إلى لون الدم مشتبهًا شبه بعضه بعضَا، فإنها تؤخر الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لخمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة تغتسل حين عبر، ثم تقضي ما بعد العادة، وتقعد في كل شهر بعد الأول عن الصلاة في أيام

العادة، وتغتسل عقيبها وتصلي ولا تؤخر، وتكون على يقين الطهر، ولا يجئ فيه قول الاحتياط. وأما التي لها تمييز وعادة: مثل إن كان لها عادة في كل شهر، فلما كان في هذا الشهر زادت العادة وتغير الدم، فإنها تقعد عن الصلاة حتى تنظر، فإن انقطع لتمام خمسة عشر فما دونها فهو حيض، وإن عبر خمسة عشر فهي مستحاضة فتنظر عقيبه فإن تغير عند انتهاء العادة واتصل فهذه امرأة قدر عادتها وتمييزها [273 أ/1] واحد تغتسل حين يعبر وتقضي ما بعد الأول، وإن تغير بعد أن جاوز العادة، مثل إن كانت العادة خمسة أسود فاتصل في هذا الشهر الأسود عشرة، ثم تغير إلى الحمرة واتصل، فالمنصوص أن التمييز مقدم على العادة. وبه قال جمهور أصحابنا، وهذا لأن التميز اعتبار صفة الدم في الوقت، والعادة هي اعتبار صفة ما مضاى فالصفة في الوقت أولى. وقال ابن خيران، والاصطخري: العادة مقدمة على التمييز، وبه قال أحمد: لأن العادة أسبق فلا تبطل بالتأخير، ولأن العادة لا تختلف والتمييز يختلف، وهذا لا يقوى؛ لأن العادة تختلف أيضًا في الشهور كالتمييز. وإذا قلنا العادة مقدمة قضت ما بعد العادة. وإذا قلنا التمييز مقدم قضت ما بعد التمييز. فأما ما بعد هذا من الشهر فلا تؤخر الصلاة عقيب العادة إن اعتبرنا العادة، ولا بعد التمييز إن اعتبرنا التمييز. وقال أبو حنيفة لا اعتبار بالتمييز وإنما الاعتبار بالعادة. قال: فإن لم يكن لها تمييز وكان لها عادة استظهرت بعد زمان العادة بثلاثة أيام، وإن لم يجاوز خمسة عشر يومًا، ثم بعد ذلك هي مستحاضة لا حيض لها. وروى عنه أنه قال: إذا انقضى الدم الأسود فقعد [273 ب/1] ثلاثة أيام استظهارًا. فأما التي لا تمييز لها ولا عادة: فهي المبتدأة إذا طبق بها الدم بصفة واحدة أو بصفتين، إلا أن السواد يزيد على خمسة عشر أو ينتقص عن يوم وليلة، فيكون ذلك تمييزًا فاسدًا لا اعتبار به، فتتوقف عن الصلاة. فإن انقطع لجون خمسة عشر ولتمامها فهو حيض، وإن غير فهي مستحاضة. وفي مقدار حيضها قولان: أحدهما: اليقين، وهو يوم وليلة, وبه قال أحمد في رواية، وأبو ثور، وزفر، وهذا لأن الزيادة على اليوم والليلة مشكوك فيها فلا يعمل فيها. والثاني: غالب عادة النساء، وهي ست أو سبع والباقي طهر، وبه قال عطاء، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق وأحمد في رواية. ووجهة خبر حمنة بنت جحش وظاهره أنها كانت مبتدأة لأنه لم ينقل أنه سألها عن حيضها قبل ذلك، وروي البويطي قولًا ثالثًا: أنها ترد إلى أقل الحيض وأقل الطهر وليس بمشهور. وروى ابن القاسم عن مالك: أنها تقعد خمسة عشر يومًا حيضًا. وروي ذلك عن

أحمد. وعن أحمد رواية رابعة أنها ترد على عادة نسائها. وقال أبو حنيفة: تحيض أكثر الحيض. وقال أبو يوسف: تأخذ في الصوم والصلاة [274 أ/1] بالأقل، وفي وطء الرفع بالأكثر. فإذا قلنا بالقول الأول اغتسلت وقضت ما بعد يوم وليلة. وإذا قلنا بالقول الثاني قضت ما بعد ست أو سبع. وأما في الشهر الثاني إذا مضى وقت حيضها تغتسل وتصلي ولا تتوقف عن الصلاة. فإذا قلنا ترجع إلى غالب عادة النساء فالست والسبع علي التخيير أو على الاجتهاد؟ وجهان: أحدهما: على التخيير أي العددين شاءت؛ لأن كل واحد منهما قد ثبت لا لعرف فيه، وعلم الرسول أن كل واحد منهما عادة غالبة في النساء فخيرها. والثاني: أنه على الاجتهاد فتجتهد في الأغلب منهما وتعمل على ما ثبت عندها أنه أغلب، وهذا هو المذهب، والرسول صلى الله عليه وسلم عرف أن أحدهما هو الغالب فأمرها بالاجتهاد في أغلبهما، قال ابن سريج: وعلى هذا الوجه يحتمل وجهين: أحدهما: أنها تجتهد في الغالب من هذين العددين في عادة نسائها من قبيلتها وعشيرتها، ولا تعتبر نساء العصبات كما في مهر المثل، بل تعتبر بجملة نساء أهل بيتها من طرفي نسبها وهو المذهب، وهذا لأن طبعها إلى طباعهن أقرب. وذكر بعض أصحابنا نساء العصبات، وهو غلط ظاهر. الثاني: تعتبر نساء الدنيا في بلدها خاصة، فإذا [274 ب/1] قلنا: ترد إلى يوم وليلة فما حكمها وبعد اليوم والليلة إلى تمام خمسة عشر يومًا؟ فيه قولان: أحدهما: لها من للطاهرات تتوضأ لكل صلاة. وثانيهما: زوجها، ويصح صومها وصلاتها فيها. ولفظ الشافعي في"الأم": يحل لزوج المستحاضة وطئها إن شاء الله تعالى. والثاني: أنها تستعمل للاحتياط فلا يأتيها زوجها في ذلك الوقت، وتغتسل لكل صلاة، ولو صامت فيها أو طاقت قضت؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك زمان الحيض، والأصل بقاء الفرض فالاحتياط، هكذا نص عليهما في"الأم" والصحيح الأول؛ لأن حكمنا بأنه زمان طهر، فلا يجوز أن لا يكون لها فيه حكم الطاهرات بخلاف المتحيرة؛ لأن هناك لم يتقدم طهرها المشكوك حيض بيقين. وقال الحكم، وابن سيرين، والنخعي: لا يجوز وطء المستحاضة وبه قال أحمد، إلا أن بخاف العنت على نفسه؛ لأن بها أذى, وهذا غلط لأن حمنة بنت جحش كانت مستحاضة، وكان زوجها طلحة-رضي الله عنه- يجامعها، وأم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكان يطأها مستحاضة، والظاهر أن ذلك كان بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قول الشافعي في"المختصر": لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتَظْهِرَ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ] 275 أ/

1] قرئ بالظاء المعجمة، وقرئ بالطاء، وقصد به مالكًا -رحمه الله- فبالطاء غير المعجمة: هو اشتقاق من الطهارة، وهو طلب الطهر. وبالظاء المعجمة: اشتقاق من الاستظهار وهو الاستعانة بها لاستيقان الطهر والاحتياط. والدليل على بطلان قوله: إنما لم يجعل بعض الدم طهرًا مع أن الاحتياط فيه أبلغ، فلأن لا تجعل بعض الدم الأضعف حيضًا أولى. واحتج بأن الدم الأسود لا ينقطع ثمره بل يرق ويشرق ويصفر، ثم ينقطع. فلينظر ثلاثة أيام كذلك، قلنا: هذا لا يوجد في المعتادة وأنت تأمرها بالاستظهار ثلاثة أيام. فإذا تقرر هذا، فنذكر الآن حكم الصفرة والكدرة، ثم نشتغل بالتفريع. قال الشافعي هاهنا: والصُّفْرَةُ وَالكُدْرَةُ في أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ واختلاف أصحابنا في معنى ذلك، فقال عامة أصحابنا: المراد به أيام الإمكان وإن لم تكن عادة كالدم السود. وبه قال سعيد بن المسيب، وربيعة ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة، ومحمد، وقال الإصطخري: المراد به أيام العادة دون أيام الإمكان، فإن ذات الصفرة في غير أيام العادة ويكون دم الاستحاضة، وإن أمكن فيه الحيض. وبه قالت عائشة، وعطاء رضي [275 ب/1] الله عنهما. قال أبو إسحاق المروزي: إلى هذا كنت أذهب، حتى رأيت الشافعي يقول في أول كتاب"العدة": الصفرة والكدرة حيض، والمبتدأة فيهما سواء. فدل أنه لا فرق بين العادة وغيرها، وحكى ابن أبي هريرة زجهًا ثالثًا عن بعض أصحابنا، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، أنه إن تقدم دم أسود ولو بعض يوم، فالصفوة التي بعده هي حيض مع الأسود. وإن لم يتقدم دم أسود لا يكون حيضًا، قال القفال: وإلى هذا الوجه الثالث أشاء الشافعي في"كتاب العدة"، قال لو اعتدت امرأة قرءين ثم رأت في القرء الثالث دفعة سواء، ثم رأت صفرة أو كدرة حتى جمد يومًا وليلة ثم انقطع قدرًا انقضت عدتها. يعني بالطعن في هذه الدفعة التي كملت بالصفوة يومًا وليلة. فحصل من هذا أن لصفوة والكدرة حيض في أيام العادة بالاتفاق. وقيل: إن مراد الشافعي به أن لا ترى المرأة في أيام عادتها دمًا سائلًا، ولكنها إذا استدخلت قطنة أو خرقة، ثم استخرجت فرأت عليها صفرة أو كدرة، فإنه يحكم لها، بحكم الحيض كالدم السائل، وفي أيام الإمكان ثلاثة أوجه. قال داود: لا يكون حيضًا أصلًا، والمذهب الأول؛ لأن كل دم كان حيضًا [276 أ/1] في وقت العادة كان حيضًا في

غير وقت العادة كالدم الأسود. ولأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وهذا يتناول الصفرة والكدرة. واحتجوا بما روي عن أم عطية-وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت:"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئًا". وقال علي-رضي لله عنه- في الصفرة والكدرة بعد الطهر: ليس بحيضة، ولا تترك لها الصلاة. وحكاه أبو سليمان الخطابي عن الثوري والأوزاعي، قلنا: روي أصحابنا عن عائشة-رضي الله عنها- أنها قالت:"كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا" وقولها أولى، وقال أبو يوسف في رواية الطحاوي: إنها قد رأت يومًا وليلة دمًا، ثم رأت بعد صفرة أو كدرة فهو حيض وإلا فلا. وحكي عنه أنه قال: الصفرة حيض والكدرة حيض إلا أن يتقدمها دم أسود. وقيل: هذا قول محمد أيضًا. فصل في التفريغ على هذا إذا كانت تحيض من أول كل شهر خمسة أيام وتطهر في الباقي، فرأت في بعض الشهور في تلك الخمسة صفرة أو كدرة، وانقطع كانت الصفرة والكدرة حيضًا في ظاهر المذهب. وقول الإصطخري: ولا يكون حيضًا في الوجه الثالث، وإن كانت عادتها خمسة في كل شهر [276 ب/1]، فلما كان في هذا الشهر رأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة إلى تمام خمسة عشر فما دونها ثم انقطع، فالدم الأسود حيض وأما الصفرة والكدرة ففي قول الإصطخري لا تكون حيضًا، وفي قول غيره تكون حيضًا وإن كانت المسألة بحالها قرأت الخمسة بحالها، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام، ثم رأت خمسة أسود وانقطع، قال ابن سريج هاهنا: هذه الصفرة هي بمنزلة دم الاستحاضة ولا تكون حيضًا، وهو قول الإصطخري: فإن قلنا: لا تلفق الدماء فالكل حيض، وإن قلما: تلفق بجمع الدم الأسود إلى الدم الأسود، فيكون حيضها غيره، والصفرة والكدرة طهر بينهما، ووجه هذا أن عادة دم الحيض أنه إذا تطاولت به الأيام يرق ويضعف، فيعمل على أنه بقية الحيض. وإن رأت دمًا أسود بعد ذلك لا يمكن أن يحمل على البقية والضعف بطول الأيام؛ لأنه لو كان كذلك ثم جاء بعده دم أسود فجعلناه طهرًا بخلاف ما إذا لم ير بعده دمًا أسود، فإن كانت بحالها فرأت مكان الصفوة والكدرة دمًا أحمر؟ قال ابن سريج: الكل حيض الأسود والأحمر معًا. قال: والفرق بينهما أن الأحمر إلى السواد أقرب، بالحيض أشبه [277 أ/1]، والصفرة والكدرة إلى النقاء أقرب، وبالطهر أشبه على المذهب في كلتا المسألتين

حيض. وإن كانت العادة في أول كل شهر خمسة أسود وخمسة وعشرون طهرًا، فلما كان في هذا الشهر رأت الدم على العادة ثم طهرت خمسة عشر يومًا، ثم رأت صفرة وكدرة خمسة أيام فهل يكون حيضًا أم لا؟ على الوجوه، لأنها في وقت الإمكان. وإن رأت المبتدأة خمسة أيام صفوة أو كدرة وانقطع، أو رأت أقل من خمسة غير صفرة، فعلى قول عامة أصحابنا حيض، وعلى الوجهين الآخرين ليس بحيض. فصول في التفريع على كل واحدة من المستحاضات الأربع الذي تقدم ذكرهن. الفصل الأول منها في التفريغ على المميزة التي لا إعادة لها، إذا كانت من أهل التمييز كما شرطناه تعتبر كل حيضة بنفسها في كل شهر سواء اتفقت الأيام أو اختلفت إلى زيادة أو إلى نقصان أو إليهما. فالاتفاق أن يرى في أول كل شهر خمسة أيام دمًا أسود وباقية أحمر، والاختلاف على الزيارة أن يرى في الأول يومًا أسود ثم يصير أحمر، وفي الثاني يومين أسود، وفي الثالث ثلاثة أسود. والاختلاف إلى النقصان أن يكون الأسود في الأول: [277 ب/1] خمسة، وفي الثاني: أربعة، وفي الثالث: ثلاثة، وفي الرابع: يومين، والاختلاف إلى النقصان والزيادة معًا أن يكون في شهر خمسة، وفيما بعده أربعة، وفيما بعده ستة. وعلى هذا فيكون أيام الأسود حيضًا والباقي استحاضة، ولا يعتبر حكم شهر بشهر آخر، لأن التمييز شاهد في نفس الدم، فاعتبر كل دم تشاهده. وجملته: أنها لا تخلو من أربعة أحوال: إما أن ترى أولًا أسود، ثم أحمر، أو ترى أسود ثم أحمر ثم أسودن فيكون أحمر بين أسودين. أو ترى أولًا أحمر ثم أسود، أو ترى أحمر ثم أسود ثم أحر فيكون أسود بين أحمرين. فإن رأت أسود ثم أحمر مثل إن رأت أولًا خمسة أسود ثم صار أحمر، فإن لم يغير خمسة عشر فالكل حيض؛ لأن التمييز إنما يعتبر عند حصول الاستحاضة ولم يحصل هاهنا؛ لأنه لم يعبر خمسة عشر التي هي أكثر الحيض. وإن عبر ذلك أو رأت خمسة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل، فالأسود حيض والأحمر بعدة استحاضة. فإن رأت ستة عشر أسود ثم صار أحمر واتصل فكأنه لا تمييز لها بحيضها في أول الأسود، وكم تحيضها؟ على ما ذكرنا من القولين، فإن رأت خمسة أسود ثم طهرت يومًا أو يومين ثم عاد أحمر [278 أ/1] وعبر فالأسود حيض، والنقاء طهر، والدم بعد استحاضة؛ لأنه لو اتصل الأحمر بالأسود كان استحاضة، فإذا انفصل بطهر لا يحتسب أولى أن يكون استحاضة فأما الأحمر بين أسودين: أن ترى خمسة أسود وخمسة أحمر، ثم صار أسود وعبر، فالخمسة الأولى حيض وما بعده من الأحمر والأسود معًا استحاضة؛ لأن الأسود الأخير عبر ولم نقف على أكثر الحيض.

وإن رأت الأسود يومًا وليلة، ثم أحمر عشرة، ثم أسود أربعة، ثم صار أحمر واتصل، قال ابن سريج: ما بعد الأربعة استحاضة وما قبله من الأسودين حيض، فيكون الأسود الحيض خمسة أسود، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر؛ لأن المستحاضة متى جعل لها أحمر بين أسودين فهو في حكم الطهر أولًا، وليست كالحائض التي يجعل لها أحمر بين أسودين فيكون الكل حيضًا. فإذا كان الأحمر هاهنا في حكم الطهر فهل يلفق أم لا؟ على قولين، كما لو كان مكان الأحمر طهر، فإنه على قولين. فإن قلنا: لا يلفق فالكل حيض، وإن قلنا: يلفق لفق الأسود إلى الأسود والأحمر إلى الأحمر، فيكون الأسود حيضًا والأحمر استحاضة. ثم قال: والأشبه بالمذهب أن لا يلفق إذا كان بين الأسودين طهر؛ لأن التقاء [278 ب/1] بالطهر أشبه. وإن رأت نصف يوم أسود ونصف يوم أحمر كذلك إلى الرابع، ثم رأت الخامس كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فإن ما بعد الخامس استحاضة والأسود حيض، وهو ثلاثة أيام الهامس ونصف الأربعة، والأحمر بين الأسودين في حكم الطهر. فإن قلنا لا يفلق فهو حيض أيضًا، فيكون حيضها خمسة وإن قلنا يلفق فالأحمر طهر وهو يومان وهو نصف الأربعة وثلاثة أيام حيض وهو زمان الأسود. وإن رأت نصف يوم أسود ثم صار أحمر إلى تمام التاسع، ثم رأت العاشر كله أسود، ثم صار أحمر وعبر، فما بعد العاشر استحاضة، وزمان الأسود حيض وهو بوم ونصف، والأحمر بينهما. هو في حكم الطهر على ما ذكرنا، ويجئ فيه ما قال من الأشبه بالمذهب. وأما الأحمر ثم الأسود مثل أن يرى خمسة أحمر ثم صار أسود عبر، فهل يمنع الأسود من أن يكون الحمر قبله حيضًا أم لا؟ قال ابن سريج: فيه وجهان وهما أصل في هذا الباب: أحدها: يمنع لقوله بالسنة ومزينه عليه. والثاني: لا يمنع للاحمرار أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا؛ لأنه وجد في وقت يمكن أن يكون حيضًا كما لو انفرد. فإذا قلنا: لا يمنع سقط حكم الأسود وصار كأنه أحمر كله، ولا تكون [279 أ/1] مميزة. وكم حيضها من أول ما رأت الدم فيها؟ على قولين: أحدهما اليقين يومًا وليلة والباقي استحاضة. والثاني: غالب عادة النساء وهو كل الأحمر وعامة من الأسود والباقي استحاضة. وإذا قلنا بمنع ذلك سقط حكم الأحمر وثبت حكم الأسود، ولا تكون مميزة في الحقيقة، فيكون ابتداء الحيض من الأسود والأحمر قبله استحاضة. وكم تحيض من الأسود؟ قولان: اليقين أو غالب عادة النساء، وكل موضع يقول اليقين يريد يومًا وليلة. وكل موضع يقول غالب عادة النساء يريد ستًا أو سبعًا، فإن كانت بحالها فرأت الأحمر عشرة ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها في أول الأحمر. وكم نحيضها؟ على القولين وإذا قلنا يمنع حيضناها من أول الأسود، وكم يحيضها؟ على القولين والباقي استحاضة.

فإن كانت بحالها فرأت الأحمر خمسة عشر ثم صار أسود واتصل، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الأحمر، وكم تحيضها؟ على القولين وإن قلنا يمنع سقط الأحمر، وكم تحيضها من الأسود؟ على القولين. وعلى هذا فإنها تدع الصلاة في النصف الثاني من الشهر أيضًا رجاء أن ينقطع على خمسة فيكون النصف من الشهر الباقي [279 ب/1] حيضها، ولا يتصور امرأة يلمها ترك الصلاة شهرًا كاملًا إلا في هذه المسألة على الوجه، وذلك أنها لما رأت الأحمر في الابتداء يلزمها ترك الصلاة رجاء أن ينقطع على خمسة عشر، حتى إذا انقطع كان الأحمر حيضها، فلما رأت الأسود بان حيضها النصف الثاني من الشهر دون النصف الأول. فإن كانت بحالها فرأت المبتدأة ستة عشر يومًا دمًا أحمر ثم صار أسود واتصل. قال ابن سريج: يبني على الوجهين، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر يبني ذلك على القولين فإن قلنا تحيض يومًا وليلة كان حيضها يومًا وليلة من أول الدم الأحمر، وبقية الأحمر في حكم الطهر. وتحيض من لون الأسود حيضة أخرى. وإن قلنا: تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن هذا إلا أن يكون الأحمر اثنين وعشرين يومًا فتحيض يومًا وليلة أيضًا. وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر تبنى على القولين. فإن قلنا: تحيض يومًا وليلة، لم يمنع هاهنا لأنه يكون بينهما طهر كامل فتحيض من أول الأحمر يومًا وليلة، ومن أول الأسود يومًا وليلة. وإن قلنا تحيض ستًا وسبعًا لم يمكن أن تحيضها هذا القدر؛ لأنه يؤدي إلى أن لا تحيض من أول الأسود فيسقط هذا القدر بحيضها يومًا [280 أ/1] وليلة قولًا واحدًا. وقال القاضي الطبري: الصحيح عندي أن تحيض من أول الأحمر ولا اعتبار بالأسود لأنه قد بطلت إماراته لزيادته على أكثر الحيض. ومن أصحابنا من قال: ابن سريج ناقض في هذا الفرع؛ لأنه إذا قال الأسود يمنع الأحمر، فكان ينبغي أن نحيضها من أول الأسود ويكون الأحمر استحاضة؛ لأن معنى قوله"يمنع الأحمر" أنه يدل على أن الأحمر استحاضة وإن كان زمانه زمان الحيض. وقوله:"يمكن المنع بينها" لا يصح، لأن المميزة المبتدأة إذا رأت يومًا دمًا أسود وباقي الشهر أحمر حيضها الدم الأسود، وكان الأحمر استحاضة. وإن كان يمكن أن يكون السابع عشر حيضًا ولا يمنعه الأسود. وفرع أصحابنا على ما قال القاضي الطبري: إذا رأت خمسة أيام دمًا أحمر ثم رأت بعده دمًا أسود إلى آخر الشهر فهذه لا تمييز لها؛ لأن الأسود أكثر من أكثر الحيض ويختص من أول شهر يومًا وليلة أو ستًا أو سبعًا على اختلاف القولين وحكي عن ابن سريج فيه وجهان أحدهما: هذا والثاني: يختص من أول الأسود بطلت صلاته على ما ذكرنا. وقال أيضًا: لو رأت خمسة عشر دمًا أحمر وخمسة عشر أسود، فالأسود حيضها [280 ب/1] فإن زاد الأسود على خمسة عشر

يومًا فلا تمييز لها، وتحيض من أول الأحمر، ويجئ وجه آخر على ما قال ابن سريج أنها تحيض من أول الأسود. وأما الأسود يسن أحمرين، مثل إن رأت خمسة أحمر ثم أسود دون يوم وليلة، ثم صار أحمر وعبر، فلا حكم لها لهذا الأسود؛ لأنه لو انفرد لم يكن حيضًا لنقصانه عن أقل الحيض، وإنما يكون له حكم إذا كان تقرر خمسة يمكن أن يكون حيضًا. فإن رأت خمسة أحمر ثم أسود، ثم صار أحمر وعبر، قال ابن سريج: فيه ثلاثة أقوال، وأراد ثلاثة أوجه. أحدها: أن الأسود لا يمنع الأحمر، فله أن يكون حيضًا فيسقط التمييز، وكم نحيضها من أول الأحمر؟ على القولين، وهذا لأنها رأت في الخمسة الأولي أحمر في وقت يصلح أن يكون حيضًا وجب أن نحكم بكونه حيضًا، ثم إذا حكمنا بكونه حيضًا لم يجز أن يكون الدم الأحمر حيضًا ويكون الأسود استحاضة، فكان الأسود حيضًا أيضًا. والثاني: الأسود يمنع الأحمر أن يكون حيضًا، فيكون الأحمر استحاضة والحيض هي الخمسة الأسود. قال القاضي الطبري: هذا هو الصحيح الذي لا يجوز أن يقال غيره، ووجهه ما سبق لأنه قوي. والثالث: يكون حيضًا [281 أ/1] عشرة أيام، الخمسة الأسود والخمسة الأسود والخمسة الأحمر، وما بعد ذلك استحاضة؛ لأن الأسود قوة بالصفة، والأحمر قوة بالسبق فثبتا حيضًا معًا، وهذا لا يصح مع الوجه الأول؛ لأنه الصفة أقوى من الدمان عند الشافعي، ولهذا قدم التمييز على العادة، وهكذا لو رأت خمسة أحمر ثم عشرة أسود، ثم رأت الأحمر واتصل، وقال القفال: اختلف أصحابنا في المميزة إذا كان ابتداؤها أضعف الدمين على ثلاثة أوجه: أحدها: يترك ابتداؤه ويعمل على الأسود. والثاني: لا يترك بحالٍ، ولكن هذا لأضعف إن كان مع الأقوى الذي بعده إذا جمعا لم يجاوزا خمسة وعشر فالكل حيض. وإن جاوزاه ردت على يوم من أول الدم الأضعف إن كانت مبتدأة، أ, إلى غالب عادة النساء على اختلاف القولين، وترجع على عادتها إن كانت معتادة. والثالث: إن أمكن أن تجعل ابتداء الدم مع السواد الذي بعده حيضًا بأن لا يجاوزا خمسة عشر فعل، وإن جاوزا فحينئذ يترك ابتداء الدم ويجعل الحيض هو السواد، فعلى هذا في المسألة الأخيرة إن قلنا بالوجه الأول فالعشرة حيض، وإن قلنا بالوجهين الأخيرين فجميع الخمسة عشر حيض. قال: وإن رأت خمسة أحمر واحد عشر أسود، ثم رأت [281 ب/1] حمرة، فعلى الوجه الأول والثالث السواد عو الحيض، وعلى الوجه الثاني ترد إلى أول الدم الأحمر، أما إلى اليقين وإما إلى غالب عادة النساء. وعلى هذا لو رأت خمسة صفرة

وستة عشر سوادًا، فعند الإصطخري هي مستحاضة ترد إلى أول السواد، وكذلك على الوجه الأول والثالث، فأما على الوجه الثاني ترد إلى أول الصفرة على ما ذكرنا على اليقين أو إلى الغالب من عادة النساء، فإن كانت الصفرة ستة أيام والسواد خمسة عشر جعل زمان الصفرة حيضًا وهو ستة وزمان السواد طهرًا لا حكمًا للتمييز، بل ردًا للتمييز إلى عادة النساء وكانت ستة. ولو رأت خمسة أصفر ثم خمسة عشر أسود، فعلى قول الإصطخري والوجه الأول والثالث زمان السواد حيض كامل، وما قبله لا شيء. وعلى الوجه الثاني هي مستحاضة ترد إلى ما قلنا، وما تقدم أصح الدلائل التي ذكرناها ولا نعيدها. فروع ثلاثة في اجتماع ثلاثة دماء ذكرها بعض أصحابنا بخراسان: أحدها: لو رأت عشرة أسود، ثم عشرة حمرة، ثم عشرة أصفر فحيضها العشرة الأولى بلا إشكال والثاني: لو رأت عشرة أحمر، ثم عشرة أصفر، ثم عشرة أسود، أو عشرة أصفر ثم عشرة أحمر، ثم عشرة أسود، فإن قلنا بالوجه الأول فحيضها العشرة [282 أ/1] الثالثة، وإن قلنا بالوجه الثاني فهي كالمبتدأة. ثم ابتداء المدة من أي وقت يكون؟ إن قلنا الصفرة حيض يحسب من ابتداء الصفرة، وإن كانت العشرة الأولى صفرة. فإن قلنا ليست بحيض يحسب من ابتداء الأحمر في العشرة الثانية. والثالث: لو رأت خمسة أحمر، ثم خمسة أصفر، ثم خمسة أسود. فإن قلنا بالأول فالأسود حيض. وإن قلنا بالثاني وقلنا الصفرة حيض فالخمسة عشر كلها حيض. وإن قلنا ليست بحيض يخرج على قولي التلفيق. إن قلنا يلفق فالخمسة الأولى والثالثة حيض، والخمسة الوسطى طهر، وإن قلنا لا يلفق فالكل حيض. فرع آخر ذكره الإمام أبو حامد عن ابن سريج-رحمهما الله- لو رأت خمسة أسود وخمسة أصفر وخمسة أسود، فظاهر المذهب أن الكل حيض؛ لأن التمييز بين الدمين للمستحاضة وهذه ليست مستحاضة. وقال ابن سريج: الصفوة لا تكون حيضًا، بل هي في أيامها في حكم الطهر بخلاف ما لو كان أحمر؛ لأن الأحمر هو بالحيض أشبه، والصفرة بالطهر أشبه، وهذا لا يجئ على مذهب ابن سريج؛ لأن عنده الصفرة في زمان الإمكان حيض، وإنما يجئ ذلك على قول الإصطخري، لأنه يقول: الصفرة في غير أيان العادة [282 ب/1] ليست بحيض. الفصل الثاني في المعتادة التي لا تمييز لها إذا استحيضت المعتادة ردت إلى عادتها سواء كانت عادتها أقل الحيض، أو غالبه،

أو أكثره، (وسواء) ثبت ذلك بحيض صحيح وطهر صحيح أو بالتمييز. بيانه: كأنها كانت تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر، أو تحيض ستًا أو سبعًا وتطهر خمسة عشر، أو تحيض خمسة عشر وتطهر خمسة عشر، هذا هو الحيض الصحيح والطهر الصحيح. وأما ثبوتها بالتمييز: هو أن تكون عادتها يومًا وليلة أسود وخمسة عشر أحمر، أو ستًا أو سبعًا أسود وخمسة عشر أحمر، أو خمسة عشر أسود وخمسة عشر أحمر، وترد في وقت حيضها إلى عادتها سواء طال شهرها أو قصر، بيانه: قد يكون شهرها ستة عشر يومًا، وهو أقل ما يمكن فيه أقل الحيض يومًا وليلة، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا، وقد يكون شهرها ثلاثين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون ستين يومًا خمسة دم والباقي طهر، وقد يكون سنة وخمسة دم والباقي طهر فإذا ثبت كيفية ثبوت العادة فالكلام الآن فيما تثبت بعه العادة وينظر فيه، فإن تكرر عليها مرتين العادة به بلا خلاق [283 أ/1] وإن لم يكن ذلك منها إلا مرة واحدة، فالمنصوص وبه قال ابن سريج: ثبت بها، لأن اعتبارها بنفسها أولى من اعتبارها بغيرها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة أن تنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن أصابها، والخبر ولم يعتبر التكرار. ومن أصحابنا من قال: لا يثبت بها؛ لأن معنى العادة أن تعتاد ذلك، وهي مشتقة من العود، وإنما يحصل ذلك بالتكرار، وبه قال أبو حنيفة وهذا لا يصح؛ ولأن الشرع لم يرد باسم العادة، ولا معنى لاعتبار الاشتقاق في اللغة. وعلى هذا لو رأت أول مرة خمسة والباقي طهرًا ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني فإن قلنا ثبت العادة مرة واحدة فهي معتادة عادتها خمسة. وإن قلنا لا تثبت بمرة فهي مبتدأة. ولو رأت في شهرين خمسة والباقي طهرًا ثم اتصل الدم في الشهر الثالث، فإنها ترجع إلى عادتها وهي خمسة بلا خوف. فإذا تقرر هذا، فإذا استحيضت بعد التكرار لا تخلو عادتها من أحد أمرين، فإما أن تكون متفقة أو مختلفة فإن كانت متفقة مثل إن كانت العادة خمسًا فالحكم على ما ذكرنا أبدًا وإن كانت مختلفة فلا تخلو [283 ب/1] إما أن تكون على ترتيب أو على غير ترتيب. فإن كانت على ترتيب واحد ودور مستقيم، مثل إن كانت تحيض في الشهر الأول ثلاثًا، وفي الثاني أربعًا، وفي الثالث خمسًا، وفي الرابع ستًا، وفي الخامس سبعًا، ثم تعود إلى ثلاث وأربع وخمس وست وسبع، ثم طبق بها الدم على لون واحد، نظرت فإن عرفت نوبة هذا الشهر عملت عليه وأكملت العادة في كل شهر حتى تعود إلى الأول، وعلى هذا أبدًا، وقال القفال: فيه وجهان: أحدهما هذا. والثاني: أنها تعود إلى عادتها في الشهر الذي قبل الاستحاضة، ويكون ذلك عادتها.

وكذلك لو توالى لها شهران ثلاثة ثلاثة، وشهران خمسة خمسة، وشهران ستة ستة، ثم دارت النوبة هكذا مرة أخرى، ثم استحيضت على المذهب الصحيح تعمل بدورها. وفي الوجه الذي ذكره القفال تعمل بما قبيل الاستحاضة ولا تعرف هذه لنفسها دورًا مستقيمًا في هذه المسألة في أقل من سنة كاملة؛ لأنها تحتاج أن تمر بها نوبتها مرتين، وإن نسيت نوبة ذلك الشهر حيضناها ثلاثًا؛ لأنها أقل عادتها، ثم تغتسل أخر كل يوم إلى آخر السابع لجواز أن يكون وقت الانقطاع للدم فيه، وكذلك [284 أ/1] تفعل في كل شهر. وإن كانت العادة على غير ترتيب، مثل إن أرادت في الأول ثلاثة، وغي الذي يليه ستًا، وفي الذي بعده خمسًا ثم ثلاثًا ولم تتفق على شيء، ثم استحيضت بعد هذا نظر، فإن كان بها شهران على عدد واحد، ثم بعدها شهر الاستحاضة فذلك عادتها؛ لأنها قد تكررت مرتين، وإن لم يكن كذلك فهو على الوجهين فإن قلنا: تثبت العادة بمرة واحدة عملت على الشهر الذي يلي شهر الاستحاضة وكذلك في كل شهر، وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة، قال بعض أصحابنا: نحيضها ثلاثًا؛ لأنه أقل عدد لها. وأيضًا الأقل داخل في الأكثر، فيكون الأقل قد تكرر مرتين، وهذا غلط؛ لأنه إذا لم يكون ذلك منها مرتين سقط حكمه على هذا القول كأن لم يكن. وكم نحيضها في كل شهر؟ على القولين: أحدها: اليقين. والثاني: الغالب. فإذا قلنا بهذا، فهل يلزمها الاحتياط ما بين أقال عادتها إلى الأكثر؟ قال القفال: فيه قولان كما ذكرنا في المبتدأة، فتغتسل عند انقضاء أوسط العادات وأكثر العادات. وإن صامت في هذا الأيام التي بين أقل العادات وأكثرها أعادت على هذا، ويجئ هذا القول في المسألة قبلها إذا نسيت [284 ب/1] نوبة الشهر. ولو رأت في ابتداء شهر خمسة وفي شهر آخر عشرة، ثم اتصل الدم في الثالث، فهكذا الجواب وقال القفال: إن قلنا: لا تثبت العادة بمرة فحيضها خمسه، لأن الخمسة هي موجودة في العشرة وقد تكررت الخمسة شهرين، غير أن في أحد الشهرين زيادة لم تتكرر فتركناها. قال: ولو لم تر العشرة إلا شهراً ثم رأت الخمسة في الثاني، ثم اتصل في الثالث فعادتها خمسة بكل حال؛ لأنا إن قلنا تثبت بمرة فالذي قبل الاستحاضة خمسة. وإن قلنا لا تثبت فالمتكرر لم يوجد إلا في الخمسة، وما تقدم أصح لما ذكرنا. الفصل الثالث في المعتاد التي لها تمييز وقد ذكرنا أن التمييز مقدم العادة على المذهب الصحيح، وذكرنا عن ابن خيران، وجهًا أخر، وذكر القفال وجهًا ثالثاًا أن يجمع بينهما إن إمكن، وإن لم يمكن فهي كالمبتدأة، فإذا كانت عادتها في كل شهر خمسة أيام فرأت ثلاثة أسود، ثم رأت أحمر واتصل، كان الحيض ثلاثة على المذهب، وعند ابن خيران خمسة وإن رأت الأسود بحالة خمسة ثم رأت أحمر واتصل فقد اتفق ها هنا التمييز والعادة على عدد واحد

فحيضها خمسة [285 أ/ 1]، ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود واستمر، فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط فحيضها الخمسة الأحمر وما بعده استحاضة. وإن قلنا يمنع الأحمر سقط حكمه وحيضناها الخمسة من الأسود؛ لأنها قدر العادة. ولو رأت مكان الأسود أحمر ثم صار أسود خمسة ثم صار أحمر واتصل، ففيه ثلاثة أوجه. إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود وحيضناها خمسه من أول الشهر؛ لأنها عادتها والباقي استحاضة. وإن قلنا الأسود يمنع الأحمر سقط حكم الحمر والحيض هو السود خمسة. وهو الوجه الثاني والثالث يكون حيضها عشرة الأسود خمسه وقبله الأحمر خمسة؛ لأن الأحمر وافق العادة ووقتها فلم يسقط، والأسود قوي بلونه فلم يسقط أيضاً وعلى الوجه الذي ذكره القفال يمكن، فالحكم هذا. ولو رأت المبتدأة في الشهر الأول دمًا أحمر ورأت في الشهر الثاني خمسة أيام أسود والباقي أحمر، ورأت في الشهر الثالث دمًا بلون واحد لا يتميز، فإنها في الشهر الأول لا تمييز لها ولا عادة، فإلي ماذا ترد؟ قولان. وفي الشهر الثاني فمييزة غير معتادة، فحيضها خمسة أيام، وفي الشهر الثالث لإن قلنا إن العادة تثبت [285 ب/ 1] بمرة فهي كالمبتدأة. فإن كانت المسألة بحالها فرأت في الأول دمًا أحمر، ثم رأت شهرين في كل شهر خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت في الرابع دمًا أحمر كله، ففي الأول الحكم على ما ذكرناه، وفي الثاني والثالث ميزة ترد إلى التمييز، وفي الرابع ترد إلى عادتها بلا خلاف، ولو كانت عادتها خمسة أسود من أول الشهر فرأت في شهر عشرة أحمر ثم خمسة أسود فعلى ثلاثة أوجه على ما ذكرنا. ولو رأت خمسة عشر أحمر وخمسة اسود فعلي الوجه الأول الخمسة الأولي حيض وهي عادتها، وعلى الثاني السواد حيض، وعلى الوجه الذي ذكر القفال هي المبتدأة. وإن كانت عادتها شهرين في كل شهر خمسة أسود والباقي أحمر، ثم رأت الثالث كله أحمر، ثم في الرابع أحمر وأسود، فإنَّا نحيضها في الشهر الأول والثاني بلا إشكال خمساً خمساً، وفي الثالث خمسًا بالعادة، وفي الرابع رأت أحمر وأسود ذكر ابن شريج فيه ثلاث مسائل: أحدها: رأت من الرابع ثلاثًا أحمر ثم صار أسود واتصل فهذه تبني على الوجهين؛ إن قلنا الأسود لا يمنع الأحمر كان وجوده وعدمه سواء نحيضها من الرابع خمسًا، ثلاثة أحمر ويومين أسود. وإن [286 أ/ 1] قلنا يمنع سقط حكم الأحمر وحيضناها من الأسود عادتها، وما قبله وبعده استحاضة. والثانية: رأت من الرابع خمسة أحمر ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر سقط حكم الأسود، وكان حيضها الخمسة الأحمر قبله، وإن قلنا:

الأسود يمنع الأحمر سقط الأحمر وحيضناها من الأسود لأنها الهادة، والباقي هو استحاضة. والثالثة: رأت من الرابع ستة عشر أحمر ثم صار أسود واتصل. فإن قلنا: الأسود لا يمنع الأحمر حيضناها من أول الرابع خمسًا والباقي استحاضة، وإن قلنا يمنع لا يمكن ها هنا أن نحيضها العادة من الأحمر، لأن الأسود يمنع منه، فإذا لم نحيضها العادة دبرت أمرها في هذا الشهر، كأنها ابتدأت به فنحيضها على هذا الوجه يومًا من الأول الأحمر، ثم بعده خمسه عشر استحاضة ويكون ابتداء الأسود ابتداء حيضة أخرى، لأن بينه وبين أول الأحمر اقل الطهر، وقد تقدم نحو هذا في المميزة التي لا عادة لها. الفصل الرابع في المبتدأة التي لا تمييز لها ولا عادة إذا رأت هذه المبتدأة الدم على لون واحد نحيضها في كل شهر حيضة، وشهرًا وشهر المستحاضة يكون ثلاثين يومًا، وقد ذكرنا مقدار تلك الحيضة [286 ب/ 1]، فإذا قلنا باليقين فلها ثلاثة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه وهي أربعة عشر يومًا، وطهر بيقين وهو ما بعد ذلك، وإن قلنا بالغالب فلها أربعة أحوال: حيض بيقين يوم وليلة، وطهر مشكوك فيه ما بعد ست أو سبع إلى خمسة عشر، وما بعد ذلك طهر بيقين، بقي الحيض بيقين والحيض المشكوك فيه حكمها حكم الحيض، وفي الطهر بيقين حكمها حكم الطاهرات، وفي الطهر المشكوك فيه تفعل ما يفعل الطاهرات وهل يستعمل الاحتياط به؟ ذكرنا قولين. الفضل الخامس في انتقال العادة والزيادة فيها والنقصان للانتقال هو أن تنتقل عادتها إلى تثبيت من العدد إلى زيادة أو نقصان، وفي الوقت إلى تقدم أو تأخر، كأنه كانت عادتها في كل شهر خمسة وستة طهرًا، ثم انتقلت، ففيه مسائل: طهرت خمستها وحاضت خمسة بعدها، طهرت خمستها وخاضت خمسه قبلها، خاضت خمستها وخمسة قبلها وخمسة بعدها. وإن كانت عادتها في كل شهر عشرًا وعشرين طهرًت ففيه مسائل: طهرت عشرتها وحاضت بعدها خمسًا أو عشرًا أو خمسة عشرة، أو حاضت عشرتها [287 أ/ 1] وحاضت خمساً بعدها. وأما التقدم ها هنا لا يمكن إلا بخمسة كان بينها وبين الحيص قبلها عشرين، فإذا تقدمت بخمس بقي بينهما أقل الطهر عشرة يومًا، وإن تقدمت بخمسة فقبلها ثلاث مسائل: حاضت عشرتها وخمسة قبلها، حاضت خمسة قبلها وطهرت عشرتها، وحاضت خمسة قبلها من عشرتها، ويمكن تصوير المسائل بأكثر من هذا، والأصل في التقدم ما ذكرنا، وهو ان لا يقصر بالتقدم ما بين وقت التقدم والحيض قبله

عن أقل الطهر، وإن كانت عادتها خمسة وبقية الشهر طهراً صح أن يتقدم ها هنا بخمسة وبعشرة× لأنه يبقي أثل الطهر. وإن كانت عادتها خمسة عشرة وبقية الشهر طهر لم يتقدم شيء بحالٍ. وفرع ابن سريح فرعين بين بهما فقه التقدم: أحدهما: إذا كانت عادتها خمسة في كل شهر وبقية طهر فقدمت لعشر صح، وهو إن حاضت منه خمساً وطهرت خمسة عشر، ثم رأت الدم نظر، فإن انقطع لتمام قوم إلى خمسة عشر فهو حيض، فإن اتصل وعبر حيضناها خمسة؛ لأنها العادة. وهل نحيضها ذلك بما انتقلت إليه أو بما انتقلت عنه؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: بما انتقلت إليه؛ لأنه في وقت لا يمكن أن يكون حيضاً. وكذلك [287 ب/ 1 [في كل شهر فيكون شهرها عشرين يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر. والثاني بما انتقلت عنه فيكون خمسة من أول كل شهر، لأنَّا إذا رددنا إلى العادة في مقدار الحيض فكذلك في مكانه. والثاني: إذا كان عادتها أن تحيض في كل شهر خمسًا وخمسة وعشرين طهرًا، فتقدمت بأكثر من عشر، مثل إن حاضت خمسًا وطهرت عشراً، ثم رأت الدم، فهذا انتقال لا يمكن أن يكون أول حيضاً، ولا أن تعتبر ما انتقلت إليه؛ لأن بين رؤيتها الدم وبين الحيضة فيها أقل من الطهر، فتكون مستحاضة تحيض من أول كل شهر عادتها، وهي خمسة بخلاف المسألة قبلها. ولو رأت في العشرة الأولي خمسة أحمر، ثم رأت أسود، ثم رأت الأحمر واتصل فقد ذكرنا ثلاثة أوجه هاهنا، في أحد الوجوه تكون مميزة انتقل حيضها وتأخر، وهو إذا قلنا حيضها الأسود، ولو كانت عادتها في كل شهر خمسة فحاضت خمستها وخمسة بعدها وانقطع. قال بعض أصحابنا: هذه امرأة زادت عادتها خمسة ولم تنقل. كذلك لو رأت حمستها ورأت خمسة قبلها وانقطع، وهذا اختلاف في العبادة، وفي الحقيقة [288 أ/ ا] هو انتقال إلى زيادة، ويجوز أن تسمى منتقلة وقد ذكرنا حكمها. الفضل السادس في الناسية الناسية: من كانت لها عادة ثم استحضيت، فلا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تكون ناسية للوقت دون العدد، أو العدد دون الوقت، أو الوقت والعدد معاً. والأصل فيها أن كل زمان لا يصلح لغير الحيض فهو حيض، وكل زمان لا يصلح لغير الطهر فهو طهر، وكل زمان يصلح للأمرين معاً فهو طهر مشكوك فيه، وكل زمان أمكن انقطاع الدم فيه فعليها أن تغتسل فيه، هذا هو الأصل، ونحن نفرد كل قسم منها بتفريع ينفرد به وأول ذلك:

فروع الناسية للوقت دون العدد إذا قالت: حيضي أحد أعشار الشهر لا أعلم أي عشر هو، فمعني هذا أعلم أنه عشر من ثلاثة أعشار الشهر، ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار. ولا أعلم أي عشر من ثلاثة أعشار، الأول، أو الثاني، أو الثالث، ولا أخلط عشرًا بعشر، غير أني لا أعرف عينه، قلنا: زمانان كله مشكوك فيه؛ لأنه ما من عشر إلا ويجوز أن يكون حيضك فيه، فتتوضأ لكل صلاة إلى أخر العشر، ثم تغتسل لجوزا انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الشهر [288 ب/1] ثم تغسل لجواز انقطاع الدم وعلى هذا. وإن قالت: حيضي عشرة في الشهر لا أعرف موضعها منه، فمعني هذا قد ضاعت لي عشرة أيام في كل الشهر لا أعلم ما هو العشر الأول أو الثاني أو الثالث، وهو المسألة المتقدمة. وكذلك إن قالت: حيضي عشرة من الشهر ولا أعلم موضعها منه إلا أن العشر الثالث كان طهراً/ قلنا: الثالث من العشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام العشر الثاني لإمكان انقطاع دمها عند كل صلاة، إلا أن تعلم الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه في كل يوم، فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره وهذا الذي ذكرنا هو إذا اختلط أحد العشرين الأولين بالآخر. بحيث يمكن أن يكون كل وقت من العشرين حيضاً أو طهراً. فإن قالت: كنت أحيض عشرة أيام من الشهر، إما الأولي أو الثانية أو لا يختلط أحد العشرين بالآخر، واعلم أني أكون في العشر الأخير من الشهر طاهرة فهذه حيضها، أما العشر الأول أو الثاني فتغتسل عند انقطاع العشر الأول [289 ا/ 1]، وعند انقضاء العشر الثاني، فيحصل لها غسلان ويكفيها، وهكذا الحكم فيه إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف وقتها، إلا أني كنت طاهرة في العشر الأول، فهذه حيضها في العشرين الأخيرين من الشهر، فالعشر الأول طهر بيقين ويجئ فيها المسألتان اللتان ذكرناهما في المسألة قبلها، وهي إذا قالت: كنت أحيض عشرة ولا أعرف الوقت ويختلط أحط العشرين بالآخر. والثانية: إذا قات: لم يكن يختلط أحد العشرين بالآخر. فرع آخر قالت: كانت حيضتي ثلاثة من العشر الأول من الشهر، ولا أعلم موضعها منه. قلنا: العشران الآخران طهر بيقين، والعشر الأول مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، إلا أن تعرف الوقت الذي كان ينقطع دمها فيه من كل يوم فتغتسل في ذلك الوقت دون غيره. وإن قالت: حيضي أربعة منه. قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الرابع ثم تغتسل لكل صلاة إلى أحسن العشر.

وإن قالت: حيضي خمسة منه، قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العشرة. وإن قالت: حيضي سته منه فقد حصل لها حيض بيقين؛ لأن عدد الحيض زاد على نصف العشر، والأصل فيه متى ضاع عدد [289 ب/ 1] حيضها في عدد أيام نظرت، فإن كان عدد الحيض مثل نصف عدد الأيام فما دونه فالكل طهر مشكوك فيه. وإن زاد عدد حيضها على نصف الأيام فلها حيض بيقين، فإذا أرادت أن تعرف مبلغ حيضها فانظر إلى قدر الزيادة على النصف أضف إليه مصله، فما بلغ فهو حيض بيقين. فإذا قالت: حيضي منه ست، قلنا بالخامس، والسادس حيض بيقين، يجوز أن يكون الابتداء من الأول والانتهاء من السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من الخامس إلى آخر العاشر، فالخامس والسادس لا ينفك عن الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر. وإن قالت: حيضي سبعة منه، قلنا: لك أربعة أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على نصف العشر يومان. وإن قالت: حيضي ثمانية منه، قلنا لك منه ست أيام حيض بيقين؛ لأن الزائد على النصف ثلاثة. وإن قالت: حيضي تسعة منه، قلنا: لك منه ثمانية حيض بيقين، لأن الزائد عن النصف أربعة، فتتوصأ لكل صلاة إلى أهر الأول، ومن الثاني على آخر التاسع حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر، وعلى هذا. فرع آخر قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر لا أعلم [290 ا/ 1] موضعها منه، غير أن اليوم الأول كنت ظاهراً. قلنا: الأول طهر بيقين، والسادس حيض بيقين لجواز أن يكون الابتداء من الثاني إلى أخر السادس، ويجوز أن يكون الابتداء من السادس إلى آخر العاشر، والأصل في هذا النوع أن ينظر إلى طهرها بيقين من الخمسة الأولي، فذات حيض بيقين من الخمسة الثانية، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس وتدع الصلاة يوم السادس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر.

وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، قلنا: لك يومان طهر بيقين الأول والثاني، ويومان حيض بيقين السادس والسابع والباقي طهر مشكوك فيهن فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس والسادس، والسابع حيض بيقين فتدع الصلاة، ثم تغتسل لكل صلاة إلى أخر العاشر. فإن قالت: أعلم أني يوم الرابع طاهر، قلنا الأربعة الأولي طهر بيقين والأربعة حيض بيقين، أولها السادس إلى آخر التاسع، فتفعل على نحو ما ذكرنا. وإن قالت: أعلم أني يوم الخامس طاهر، قلنا: هذه مغالطة، لأنك إذا علمت هذا ثبت أن الحيض هي الخمسة الثانية. وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر، قلنا: هذه [290 ب/ 1] مغالطة أيضاً، لأنك إذا علمت هذا ثبت أن الحيض هي الخمسة الأولي. وإن قالت: أعلم أني يوم الثاني طاهر، ويوم الخامس حائض. قلنا: الأول والثاني طهر بيقين والثالث والرابع طهر مشكوك فيه، والخامس والسادس والسابع حيض بيقين، والثامن والتاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أوله الثالث وآخرة إلى آخر السابع، ويمكن أن يكون الابتداء أول الرابع وأخره أخر الثامن، ويمكن أن يكون الابتداء من الخامس وآخرة التاسع فالعاشر لم يصل إليه الحيض، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثامن ويكون طهر بيقين فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع، وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين. نوع آخر لو قالت: حيضي خمسة من خمسين من العشر الأول، ولا أرى ثلاثة من الأولي أو يومان الأولى وثلاثة من الثانية. قلنا: الأولي والثاني طهر بيقين؛ لأنه لا يمكن ابتداء الحيض فيهما، وأمكن كون الحيض من أول الثالث وآخره أخر السابع إذا كانت الثلاثة من الأولي، ويمكن أن يكون أوله أول الرابع وآخره آخر الثامن، فهذه قد جمعت خمسة في ستة، فيكون لها حيض بيقين أربعة [291 ا/ 1]، وهو ما زاد على نصف الستة، فالأول والثاني طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة. الثالث طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة وتدع الصلاة من أول الرابع على آخر السابع؛ لأنه حيض بيقين فتغتسل عقيب السابع وتتوضآ لكل صلاة إلى آخر الثامن، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر العاشر لأنه طهر بيقين. قلنا: غسلان عقب الثاني من الخمسة الثانية، وعقيب الثالث منها أيضاً. فإن كانت بحالها فقالت: خمسة من خمسين من الشهر، وأعلم أنها خمسة من خمسين ثلاثة من الأولي، ويومان من الثانية، أو يومان من الأولي وثلاثة من الثانية، ولا أداري من أي الخمسين من الشهر هي. قلنا: يحتمل في الخمسين الأولين فيه ما نزلناه غير أنه لا تكون الأربعة حيضاً بيقين لجواز أن تكون من غير هاتين الخمسين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر السابع؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم، ثم تتوضأ إلى كل صلاة إلى آخر الثامن وتغتسل عقيبه، والثامن يمكن أن يكون طهراً من وجهين: أحدها: لا ينتهي الحيض إليه لجواز أن يكون الابتداء من الثالث؟ والثاني [291 ب/ 1]: لا يبتدأ بالحيض منه في الخمسة الثالثة لجواز أن يكون الدمان منهما. ويمكن أن يكون حيضاً من وجهين ينتهي الحيض إليه ويبتدأ به إن كانت الثالثة من الخمسة الثالثة فتتوضا لكل صلاة إلى أخر الثاني من الخمسة الثالثة وتغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الثالث من الثالثة. وهكذا تفعل في كل خمسة من الشهر، فيحصل لها في كل خمسة غسلان من الخمسة الثانية إلى آخر الشهر، فيكون لها عشر غسلات في جميع الشهر، وفي الباقي تتوضأ لكل صلاة، ولها فيه أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أول الشهر ويومان منها في أخره.

فإن قالت: حيضي يوم ونصف من يومين لست أدري كل الأول ونصف الثاني، أو نصف الأول وكل الثاني. قلنا: كل يوم حيض بيقين، لأنه قد ضاع يوم ونصف في يومين، وزاد على النصف نصف يوم، فإذا أضعفته صار يومًا كاملًا، فيحتمل أن يكون أول حيضها أول الشهر وآخره مع الزوال من الثاني. ويحتمل أن يكون أوله أول الزمان من الأول، وآخره آخر الثاني، فمن أول اليوم إلى الزوال هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة ثم تدع الصلاة [292 ا/ ا] إلى الزوال من عنده، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الثاني. وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه، قلنا: كل الشهر طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى أخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر، وهكذا لو قالت: غير أني أعلم أني ظاهر في اليوم السادس، أو السادس والعشرين، فإن وجود هذه الزيادة وعدمها سواء، فالحكم على ما مضي، لأنها ما أفادت بهذه الزيادة فائدة، بل أبقت الأمر على الشك وإن قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها منه فير أني كنت يوم السادس والعشرين طاهراً. قلنا: هذا تطويل معناه: غير أني أحيض أحد هذين اليومين من الشهر، ولا أدري فالوجه أن تترك كل واحد من العشرين. ثم نذكر الحكم، فإن كان هذا من العشر الأول أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني وآخره آخر السادس. وأمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر العاشر، فاليوم الأول طهر بيقين والسادس حيض بيقين وبقية العشر طهر مشكوك فيه. وإن كان هذا [292 ب/ 1] من العشر الثالث أمكن أن يكون الابتداء أول الثاني والعشرين وآخره آخر السادس والعشرين. ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس والعشرين وآخره أخر الشهر، فمن الثاني والعشرين إلى آخر الخامس طهر مشكوك فيه، والسادس حيض بيقين، وإلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه، وما قبل هذا من الشهر طهر بيقين، فإذا احتمل هذين لم يكن لها حيض بيقين لأنها على شك مما ذكرته، فتتوضأ لكل صلاة اليوم الأول؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى أخر السادس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى لآخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه. قلنا: اثني عشر يومًا طهر بيقين والباقي طهر مشكوك فيه. نوع آخر قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه غير أني أعلم يوم العاشر حائض، فيحتمل أن يكون الابتداء من أول يوم في الشهر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول العاشر وآخره آخر التاسع عشر، فالعشر الثالث طهر بيقينـ، لأن الحيض لا يصل إليه، وآخر العشر الثاني وهو يوم العشرين طهر بيقين أيضاً. وأصل [293 أ/1] هذا النوع أن ينظر إلى ما لها من الطهر بيقين من العشر الثاني فهو حيضها بيقين من العشر الأول، فكلما زاد في طهرها بيقين من العشر الثاني زاد في

حيضها من العشر الأول، فمن الأول إلى أخر التاسع طهر مشكوك فيه، والعاشر حيض بيقين، ومن العاشر إلى آخر التاسع عشر طهر مشكوك فيه، ويوم العشرين طهر بيقين. وإن قالت: اعلم أني يوم التاسع حائض. قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره العاشر، ويمكن أن يكون أول التاسع وآخره الثامن عشر، فيكون التاسع عشر والعشرون طهراً بيقين، والتاسع والعاشر حيضاً بيقين. فإن قالت: أعلم أني أكون يوم الثامن حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره أخر العاشر، ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثامن وآخره آخر السابع عشر، فيكون ثلاثة أيام من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وثلاثة أيام من آخر العشر الأول حيض بيقين وعلى هذا التنزيل، فإن قالت: غير أني أعلم أني يوم السادس حائض. قلنا: يمكن أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره أخر الخامس [293 ب/ 1] عشر فخمسة من آخر العشر الثاني طهر بيقين، وخمسة من أخر العشر الأول حيض بيقين. فإن قالت: أعلم أني اليوم الثاني حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء الثاني وآخره آخر الحادي عشر، فيكون تسعة أيام من الثاني طهر بيقين وتسعة من الأول حيض بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر يوم الأول، ثم تدع الصلاة إلى آخر العاشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الحادي عشر، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشر الثاني، والعشر الثالث أخرجناه عن هذا لأنه أبداً طهر بيقين. فإن قالت: أعلم أني يوم الأول حائض. قلنا: هذه مغالطة، أنت قد علمت أن الحيض هو العشر الأول، وبقية الشهر طهر بيقين فما نسيت شيئًا. فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض ولي من الشهر طهر كامل. قلنا: قد عرفت أن نصفه الثاني طهر بيقين؛ لإن حيضك في النصف الأول وقد ضاع عشرتك منه، فيمكن أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر الثاني عشر، ويمكن أن يكون الابتداء أول السادس وآخره الخامس عشر، فيكون اليوم الأول والثاني طهراً بيقين، ومن أول الثالث إلى آخر الخامس طهر [294 ا/ 1] مشكوك فيه، ومن أول السادس إلى آخر الثاني عشر حيض بيقين، ومن الثالث عشر إلى آخر الخامس عشر طهر مشكوك فين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة سبعة أيام إلى آخر الثاني عشر؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر؛ لأنه طهر بيقين. نوع آخر قالت: حيضي عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني يوم العاشر طاهر. قلنا: هذا معناه العشر الأول كله طهر، وإنما ضاع عشرتك فيما بقي من الشهر. وإن قالت أعلم أني يوم السادس طاهر. قلنا: معناه من أول الشهر إلى آخر السادس طهر

بيقين، وقد ضاع عشرتك فيما بقي منه. وإن قالت: أعلم أني يوم الحادي والعشرين طاهر. قلنا: يوم من أوله طهر بيقين وقد ضاع حيضك فيما سلف منه. وإن قالت: أعلم أني يوم السادس والعشرين طاهر. قلنا: قد علمت من السادس إلى الباقي طهر بيقين، وقد ضاع حيضك فيما سلف. وإن قالت: اعلم أني يوم الحادي عشر [294 ب/ 1] طاهر. قلنا: هذا كلام يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر العاشر، ويحتمل أن يكون الحيض بعد الحادي عشر وآخره آخر الحادي والعشرين، وآخره ثلاثين. فالأول هو طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة لإمكان انقطاع الدم، ثم تتوضأ لكل صلاة يوم الحادي عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الحادي والعشرين أنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقب الحادي والعشرين إلى آخر الشهر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه. نوع آخر لو قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعلم موضعها منه. قلنا: تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر. فإن قالت: أعلم أني يوم الثاني عشر حائض. قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الشهر وآخره آخر الخامس عشر. ويحتمل أن يكون الابتداء أول الثاني عشر وآخره السادس والعشرين، فيكون أول الشهر إلى آخر الحادي عشر طهراً مشكوكاًً فيه، تتوضأ لكل صلاة، وأربعة حيض بيقين إلى آخر الخامس عشر، ثم إلى آخر السادس والعشرين طهر مشكوك فيه، فتغتسل لكل صلاة، ويكون (295 أ/ 1) أربعة أيام بيقين تتوضأ لكل صلاة. وإن قالت: حيضي أريعه أيام من الشهر لا أعلم موضعها منه، وأعلم أن لي من الشهر طهرًا كاملًا، وآخر خمسة فيه طهر. قلنا: معنى هذا الكلام شهري خمسة وعشرون يومًا؛ لأنها قد تحققت أن الخمسة الأخيرة من الشهر طهر، والإشكال فيما سلف. ولو قالت: لي منه خمسة حيض وطهر كامل. قلنا: يحتمل

أن تكون الخمسة في العشر الأول، والطهر بعد العشر خمسة يومًا. ويحتمل أن يكون في العشر الأخير من شهرك وهو من أول السادس عشر إلى آخر الخامس والعشرين، فيكون العشر الأول طهرًا مشكوكًا فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر العاشر؛ لأنه يمكن انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين؛ لأنه إن كان الطهر من أول شهرك فهذه الخمسة هي طهر، وإن كان من آخره فهذه الخمسة طهر، ثم تتوضأ لكل صلاة من أول السادس عشر إلى آخر العشرين، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين، وبقى من الشهر خمسة طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر. وإن (295 ب/ 1) قالت: شهري عشرون يومًا وحيضي منه خمسة لا أعلم موضعها منه. قلنا: يمكن أن يكون أول خمسة منه خمسة عشر وهي تمام شهرك طهرًا. ويحتمل أن تكون الخمسة الأخيرة وخمسة عشر من أول شهرك طهرًا. فالخمسة الأولى هي طهر مشكوك فيه، والخمسة الأخيرة كذلك وبينهما عشرة طهر بيقين تتوضأ لكب صلاة إلى آخر الخامس، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيهـ ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل عقيب ذلك لجواز انقطاع الدم فيه. فإن قالت: شهري ستة عشر يومًا وأحيض منه يومًا لا أعلم موضعها. قلنا: الأول والسادس عشر طهر مشكوك فيه، وما بينهما طهر بيقين وهو أربعة عشر يومًا. فإن تقرر هذا، فالكلام في حكم العبادات وإتيان الزوج: وقد قلنا: إن لها ثلاثة أحوال طهر بيقين، وحيض بيقين، وطهر مشكوك فيه. فالطهر بيقين حكمًا فيه حكم الطاهرات، وفي الحيض بيقين حكمها حكم الحائض، وفي طهرها المشكوك تأتي العبادات ولا يأتيها الزوج، ولا تقضي الصلاة وتقضي الصوم والطواف (296 أ/ 1) على ما نذكر. وجملته أن طهر المستحاضة هو على ضربين، يقين، وغير يقين، فاليقين لا كلام فيه؛ لأنه حدث كسلس البول. وأما غير اليقين فعلى ثلاثة أضرب: ضرب ثبت بالدليل الواضح وهو التمييز أو العادة، فهذه يأتيها زوجها وتأتي بكل العبادات ولا تقضي. وضرب ثبت احتياطيًا بغير دليل فهو طهر، من قالت: حيضي خمسة من الشهر لا أعلم موضعها، فالشهر كله مشكوك فيه لا يأتيها زوجها، وتأتي بالعبادات وتقضي غير الصلاة؛ لأن العبادات لا تسقط بالشك في الوقت كما لو خفيت عليه دلائل القبلة فإنه يصلي ويعيد. وضرب اختلف القول فيه، وهو طهر المبتدأة التي لا تمييز لها كم نحيضها؟ قولان. وعلى القولين الباقي إلى تمام أكثر الحيض طهر مشكوك فيه، وفيه قولان: أحدها: هو الطهر المميز. والثاني: كطهر المتحيرة. وهذا لأن خبر حمنة بنت جحش يحتمل أن في المعتادة، ويحتمل أنه في المبتدأة. فإن كان في المعتادة فليس في المبتدأة دليل واضح، فهي كالمتحيرة، وإن كان في المبتدأة فقد ثبت طهرها بالدليل الواضح فهي كالمميزة والمعتادة. وقال والدي الإمام رحمه الله: من (296 ب/ 1) أصحابنا من قال في الوطء في الطهر المشكوك أنه يحل في الطهر المشكوك أولًا ولا يحل في الطهر المشكوك آخر لأن الأصل إباحة الوطء في القسم الأول فلا يحرم إلا باليقين بخلاف الثاني. قال والدي الإمام: وهذا هو أولى ما قال أصحابنا على الإطلاق يحرم وطئها. وأما فروع الناسية للعدد دون الوقت إذا قالت: أعلم أن أول الوقت الدم أول الشهر، ولا أعلم مبلغه حيضناها اليقين يومًا وليلة، وما بعده طهر مشكوك فيه إلى آخر الخامس

عشر؛ لأنه غاية مدة الحيض، وتغتسل لكل صلاة عقيب الأول إلى آخر الخامس عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، وتصلي وتصوم وتقضي، وبقية الشهر طهر بيقين تتوضأ لكل صلاة. ولو قالت: اعلم انتهاء حيضي ولا اعلم ابتدائه ولا بعدده، وكان الانتهاء آخر يوم من الشهرـ قلنا: آخر يوم من الشهر حيض بيقين، وما قبله السادس عشر طهر مشكوك فيه، وأول الشهر إلى آخر الخامس عشر طهر بيقين، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس عشر، لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين لأنه طهر مشكوك فيه ولا تغتسل؛ لأنه لا يمكن (297 أ/ 1) انقطاع الدم فيه، وهي تعلم أن آخر حيضها آخر الشهر، وتدع الصلاة آخر يوم من الشهر؛ لأنه حيض بيقين. ولو قالت: لي في كل شهر حيضتان بينهما طهر صحيح، ولا أعلم موضعهما ولا عددهما، قال الشيخ أبو حامد: أقل ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يومًا من أول الشهر إلى آخره، ويومًا وليلة من أول الشهر، أو آخره، ويكون بينهما خمسة عشر يومًا طهرًا. ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة وتصلي في اليوم الأول من الشهر لأنه طهر مشكوك فيه، وتغتسل في آخره، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه، ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرًا بيقين؛ لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر طهرًا بيقين، لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني فالسادس عشر آخره، وإن كان من الخامس عشر، فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر، ثم تغتسل من انقطاع السابع عشر إلى آخر الشهر لكل صلاة؛ لأنه يمكن انقطاع الدم في كل وقت منه. وقال القاضي الطبري: هذا خطا؛ لأنَّا إذا نزلنا هذا التنزيل لم يجز أن يكون ذلك حالها في الشعر الذي بعده (297 ب/ 1)، بل يجب أن تكون في سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقتها، فتغتسل لكل صلاة ولا يطأها الزوج وتقضي العبادات. وأما فروع الناسية للوقت والعدد معًا متى نسيت الوقت والعدد معًا لا تذكر أوله ولا آخره، فهي التي تسميها الفقهاء المتحيرة. ويتصور ذلك في مجنونة تفيق فترى الدم سائلًا ولا تعرف شيئًا من حالها، فمتى تحيرت هكذا فيه قولان، قال في كتاب "الحيض": "لا أحيضها شيئًا بحال؛ لأنه ما من زمان بها إلا ويمكن أن يكون طهرًا، فكل طهر مشكوك فيه". وقال في "كتاب العدة": "ولو ابتديت مستحاضة أو نسيت أيام حيضها تركت الصلاة يومًا وليلة". فجعل لها الحيض يومًا وليلة في كل شهر، وسوى بينها وبين المبتدأة، وهذا لأن كل شهر غالب، وقد حيض النساء، والأول أصح؛ لأنها إذا لم تعلم الوقت لا يمكن تعينه بوقت دون وقت، فإذا

قلنا بالقول الثاني، قالب بعض أصحابنا: رجع الشافعي إلى اليقين في قدر الحيض، وفي وقته إلى غالب عادة النساء يقول: "وأحب أن حيضها على هذا القول يوم وليلة بخلاف المبتدأة". وقال القاضي الطبري: يجئ فيه قول (289 أ/ 1) آخر أن حيضها في كل شعر ست أو سبع كما ذكرنا في المبتدأة هذا القول. فإذا قلنا بهذا القول، متى تبتدئ بهذه الحيضة؟ قال الشافعي في "العدة": "تستقبل العدة في أول كل هلال". ووجهه أن لأول الشهر أثرًا في التجارب فيعتبر به. وقال ابن سريج: يقول لها: متى رأيت ابتداء الدم، فإن عرفته جعلنا ابتداء شهرها من ذلك الوقت، وعددنا لها ثلاثين يومًا، ثم حيضناها يومًا وليلة، وعلى ذلك أبدًا. وإن لم يعرف ابتداء الحيض يقول لها: أخبرينا آخر الزمان الذي يتيقن أنك كنت طاهرة فيه، فإن قالت: كنت طاهرة في آخر رمضان بيقين، ولا أعرف حالي في شوال، جعلنا ابتداء شهرها من أول شوال، ثم عددنا لها ثلاثين وجعلنا الحادي والثلاثين حيضًا، ثم على ذلك أبدًا، وهذا هو اختيار كبار أصحابنا. فإذا تقرر هذا، فإنها على هذا القول تفعل ما تفعل المبتدأة، فتصلي بعد مدة الحيض وتصوم وتعتد به، وهل يستعمل الاحتياط؟ فيه قولان، وقيل قول واحد أنها تستعمل الاحتياط فتصوم وتقضي ولا يطأها ووجهها: لأنه طهر ثبت احتياطيًا، وتأويل قوله في "العدة": "عليها ما على الطاهرات ولها (298 ب/ 1) ما للطاهرات" هي في حكم العدة حتى لا يحصل لها في كل شهر إلا قرء واحد. وإذا قلنا: لا تحيض كما قال الشافعي أنها تصلي ولا تقضي؛ لأن صلاتها إن كانت في زمان الحيض فلا صلاة عليها، ولا يضرها بأن فعلته، وإن كانت في زمان الطهر فصلاتها صحيحة لا يلزمها قضاؤها، وأما في رمضان فلا تصومه وتقضي خمسة عشر يومًا منه؛ لأن خمسة عشر يومًا منه طهر بيقين، وما زاد عليها يجوز أن يكون حيضًا، فيكون صومها فيه باطلًا يلزمها قضاؤة، ويجوز أن يكون طهرها، ويكون صومها صحيحًا لا يلزمه قضاؤه، فأوجبنا قضاءه احتياطيًا للصوم. فإذا صامت شوال حصل لها أربعة عشر يومًا لأنها تفطر يوم العيد، فيلزمها أن تقضي الخامس عشر، ولا يصح لها قضاؤه إلا أن تصوم يومين من بينهما أربعة عشر يومًا لا يجوز غير ذلك، ولو كان عليها صوم يومين صامت أربعة أيام بين يومين ويومين وثلاثة عشر يومًا، ولو كان عليها صوم ثلاثة أيام صاما ستة أيام بين الثلاثة إثنا عشر يومًا (299 أ/ 1) وإن كان عليها طواف طافت طوافين، يكون من حين ابتدأت بالطواف الأول إلى أن تبتدئ بالطواف الثاني خمسة عشر يومًا، فيكون إحدى الطوافين واقعًا في زمان الطهر بيقين، ولا يعتبر خمسة عشر بعد الفراغ من الطواف الأول إلى الثاني؛ لأنه ربما كان ذلك طهرًا كاملًا فيكون الطواف الأول والثاني وقعًا في الطهر،

ويجتنبها زوجًها أبدًا، وتغتسل لكل صلاة. هكذا نقله جمهور أصحابنا بالعراق، ولم يذكروا غير هذا. وقال الإمام أبو زيد المروزي وجماعة: أما قوله: إذا صامت شهرًا آخر إنما يكون إذا عرفت أن انقطاع دمها كأن يكون ليلًا حتى يعلم أنه لم يفسد عليها من الصوم أكثر من عدد أيام حيضها خمسة عشر يومًا، فأما إذا لم تعرف، أو عرفت أن انقطاع دمها كان يكون نهارًا فلا يكفيها ذلك بل إذا صامت رمضان لم تحتسب منه إلا بأربعة عشر يومًا لاحتمال أنها حاضت في بعض النهار، ومكث أربعة عشر يومًا ثم انقطع حيضها في بعض النهار فتفسد عليها ستة عشر يومًا، فإذا صامت شهرًا آخر يصح لها أربعة عشر يومًا على هذا التقدير ويبقى (299 ب/ 1) عليها يومان ولا يكفيها أن تصوم في القضاء لستة عشر اثنين وثلاثين يومًا، لأن ستة عشر يومًا من أول هذا الشهر ربما تفسد، وأربعة عشر يصح، والباقي يقع في الحيض، فإن زاد حتى بلغ صومها ثمانية وأربعين يومًا جُعل لها اليومان مع أربعة عشر؛ لأنه يفسد عليها بعد الأربعة عشر يومًا ثم يحصل يومان، فإذا أرادت إفراد اليومين بالقضاء يذكر أولًا. بحكم يوم واحد يكون عليها، فيقول: إن عرفت أن انقطاع دمها كان بالليل صامت يومين بينهما أربعة عشر يومًا، فيقع أحدهما في الطهر لا محالة. وقد قال الشافعي: "بينهما خمسة عشر" ولكن أراد مع أحد اليومين، فيكون على ما ذكرنا، وإن لم يعرف ذلك فلا بد من صوم ثلاثة أيام، فتصوم يومًا في التقدير كأنها صامته أول الشهر، ثم تترك اليوم الثاني بعده لا تصومه، ثم بعد الثاني ثلاثة عشر يومًا، تصوم أي يوم منها شاءت، ثم تترك يومًا بعد هذه، وهو السادس عشر من أول الشهر، ثم تصوم اليوم السابع عشر، وقد صح صوم أحد الثلاثة في طهر بيقين، ولا يصح أقل من ذلك؛ لأن أسوأ حالها أن يفسد لها من الشهر ستة عشر يومًا، وأنها تحيض أكثر الحيض (300 أ/ 1) ويكثر في الطرفين، فيفسد أول الشهر بالكثير، والسادس عشر أيضًا في التقدير وبينهما أربعة عشر يومًا حيض، فإن صامت يومين بينهما أربعة عشر يومًا جاز أن يقعا معًا في حيضة واحدة، فمتى صامت يومًا فلا تصوم السادس عشر من ذلك اليوم لهذه العلة، وإن جعل بينهما أقل من الطهر فيقع اليومان في الحيض الأول في آخر حيضها، والسابع ابتداء حيضة أخرى، فقلنا لها: صومي يومًا من أول الشهر، ثم صومي السابع عشر ولا تصومي الثاني؛ لأنه يكون بينه وبين السابع عشر يومًا فلا يصح ذلك، ولا تصومي السادس عشر؛ لأن بينه وبين الأول أحد عشر يومًا، فتقع الثلاثة في حيض، ولكن لك هاهنا ثلاثة عشر يومًا من الثاني من الشهر، والسادس عشر صومي منها أي يوم شئت، فإنه لا يخلو إما يكون طهرًا أو حيضًا، فإن كان طهرًا صح ذلك وعملت أن السابع عشر وأول الشهر وقعا في زمان الحيض، فإن كان هذا حيضًا علمت قطعًا أحد اليومين أول الشهر أو السابع عشر طهرًا؛ لأن أكثر ما فيه أن يفسد لها ستة عشر، فإن

كانت الفاسدة ستة عشر يومًا من أول الشهر يسلم السابع عشر، وإن كانت الفاسدة (300 ب/ 1) ستة عشر أولها ثاني الشهر وآخرها السابع عشر يسلم الأول، وأما إذا أرادت قضاء يومين إن اختارت أن تقضي يومًا يومًا يومًا فعلى ما ذكرنا، وإن اختارت أن تقضيها متصلًا صامت ستة أيام، تصوم يومين وتصوم السابع عشر، والثامن عشر وتصوم يومين فيما بين ذلك، ولا تحتاج إلى ترك اليوم، بل إن صامت أربعة أيام متوالية جاز، وذلك أنه كان الحيض من بعض الأول وانتهاؤه بعض السادس عشر فقد صح اليومان بعده، وإن كان من بعض الثاني انتهاؤه بعض السابع عشر فإنه قد صح الأول والثامن عشر، إن كان انتهاؤه من الثالث فقد صح الأول والثاني، وإن كان الأول وبعض الثاني حيضًا وبعضه طهرًا إلى بعض السابع عشر فقد صح الثالث والرابع. وإن كان ابتداء الطهر من بعض الرابع وانتهاؤه بعض التاسع عشر فقد صح السابع عشر والثامن عشر. وإن لزمها صوم ثلاثة أيام قضتها فهي تسع عشر يومًا، أربعة في أولها، وأربعة في آخرها. وإن لزمها صوم أربعة قضتها في عشرين يومًا خمسة أيام من أولها وخمسة (301 أ/ 1) أيام من آخرها، وعلى هذا القياس. وهذه المسألة خلل في كتب أصحابنا بخراسان وتعاليق العراق، وهذا الذي ذكرت هو المحتار الصحيح. وأما قول الشافعي: "تغتسل لكل صلاة" قال أبو يزيد المرزوي تحتاج إلى زيادة احتياط، وهو أنها تغتسل للظهر وتصلي، ثم تغتسل للعصر وتصلي، ثم تغتسل وتصلي للمغرب، ثم تغتسل وتصلي للعشاء في وقتها، ثم إذا طلع الفجر تغتسل وتصلي وتعيد المغرب والعشاء بغسل واحد، ثم تغتسل وتصلي الصبح، ثم إذا طلعت الشمس اغتسلت وتعيد الصبح، فيحصل لها الاغتسال ثمان مرات، وتصلي كل صلاة مرتين؛ لأن اغتسالها لكل صلاة لتوهم انقطاع الدم في كل لحظة، وإعادة الصلاتين بعد الغروب؛ لأن مذهب الشافعي أنها لو طهرت قبيل الغروب بخمس ركعات لزمها قضاء الظهر والعصر، ولعلها طهرت ولم يجزها ما فعلت في حال الحيض، وأما اكتفاؤها بغسل واحد لإعادة الظهر والعصر، فلأنها لا تخلو إما أن يكون طهرها من الحيض بعدما غربت الشمس واغتسلت هي، أو قبل الاغتسال فليس عليها ظهر ولا عصر. وإما أن يكون طهرها قبيل الغروب فقد صح غسلها ولا حاجة إلى الإعادة. وإن كان عليها طواف احتاجت (301 ب/ 1) أن تطوف ثلاثة طوافات، تطوف طوافين بينهما خمسة عشر يومًا، وتطوف في الوسط طوافًا إلا أنها تدع زمان في أول الخمسة عشر وفي آخرها، تقرر الطواف فلا تطوف فيه، وتطوف فيما بين ذلك، فإن كان الطوافان في الحيض كان الأوسط في الطهر. وإن قلنا: تترك بقدر الطواف من أول الخمسة عشر، ثم تطوف لئلا يكون الأول في الحيض، وبعض الثاني إذا كان عقيبة، ثم يكون الطهر في بعضه إلى بعض الثالث فيفسد الكل، فإذا أخرته أمنت ذلك، وقال

القفال: لا بأس أن اقطع طوافان من هذه الثلاثة يوم واحد، مثل أن تطوف الزوال مثلًا في اليوم الأول، ثم تمهل أربعة عشر يومًا بعده،، ثم في السادس عشر تطوف مرة قبل الزوال ومرة بعد الزوال، فيحصل به الشرط الذي ذكرناه، لأن الطواف لا يستغرق اليوم بخلاف الصوم. وإن عرفت وقت انقطاع دمها في اليوم والليلة، مثل إن كان طهرها وقت الزوال مثلًا يكفيها طوافها في يومين بينهما أربعة عشر يومًا وتجتنب ساعة الزوال، بل تأتي به في اليومين قبل الزوال أو بعد الزوال فيهما، فيقع أخدهما في الطهر لا محالة، فإن أتت بأحدهما قبل (302 أ/ 1) الزوال وبالآخر بعد الزوال لم يجز، لاحتمال أنهما وقعا في حيض إن طافت اليوم الأول بعد الزوال والآخر قبل الزوال، أو في حيضتين إن طافت في اليوم الأول قبل الزوال في اليوم الأخير منه. الفصل السابع في فروع مسائل الخلطة يعنى الخلطة في ناسية الوقت دون العدد، غير أنها تعلم أنها تختلط أحد الزمانين بجزء من الحيض. مثاله: قالت: حيضي خمسة عشرة من الشهر لا أعلم موضعها منه، إلا أني أخلط أحد النصفين بالآخر بيوم كامل، ولست أدري الباقي من النصف الأول أو الثاني، وتفسير هذا الكلام: أني أحيض في كل شهر خمسة عشر يومًا في أحد النصفين، ويومًا في النصف الآخر، قلنا: يحتمل أن يكون أول الحيض أول الثاني وآخره أخر السادس عشر. ويحتمل أن يكون أوله أول الخامس عشر وآخره آخر التاسع والعشرين، فيكون يومان حيض بيقين الخامس عشر والسادس عشر، ويومان طهر بيقين أول الشهر وآخره، فتتوضأ لكل صلاة أول يوم منه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة يومين وتغتسل عقيب السادس (302 ب/ 1) عشر؛ لأنه يحتمل انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر التاسع والعشرين؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تغتسل لجواز عقيبه انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى الثلاثين؛ لأنه طهر بيقين، فحصل الاغتسال في موضعين. وجملة الطهر مشكوك فيه ستة وعشرون يومًا، ثلاثة عشر في النصف الأول، وثلاثة عشر في النصف الثاني. وأصل هذا أن ينظر إلى القدر الذي تخلط به فتضيف إليه مثله، فما اجتمع فهو حيض بيقين، فإذا عرفت عدد حيضها بيقين فقبلها وبعدها طهر بيقين مثل عددها، وهو يوم في أول الشهر ويوم في آخره. وإن كانت المسألة بحالها وقالت: عير أني أخلط النصفين بالآخر ستة أيام، قلنا: يضاف إلى الستة مثلها تصير اثني عشر فذلك حيضها بيقين، ولها اثني عشر طهر بيقين، ستة من أول الشهر وستة من آخره، والباقي طهر مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أول السابع وآخره الحادي والعشرين. ويحتمل أن يكون ابتداؤه أول العاشر وآخره آخر الرابع والعشرين، وتتوضأ لكل صلاة في طهرها بيقين، وفي طهرها

المشكوك فيه، وتقعد عن الصلاة في حيضها بيقين وتغتسل (303 أ/ 1) مرتين عقيب الحادي والعشرين وعقيب الرابع والعشرين. فإن قالت: غير أني أخلط أحد النصفين بالآخر سبعة. قلنا: يضاف إليها مثلها تصير أربعة عشر حيض بيقين وبعددها في طرفي الشهر، وآخره آخر الثاني والعشرين. ويحتمل أن يكون أوله أول التاسع وآخره آخر الثالث والعشرين فتغتسل في موضعه عقيب الثاني والعشرين، وعقيب الثالث والعشرين، وتتوضأ لكل صلاة إلا في حيضها بيقين. وإن قالت: كنت أخلط بثمانية. قلنا: هذا معناه بسبعة؛ لأن إذا كان لها من أحد النصفين فلها من الآخر بسبعة. وإن قالت كنت أخلط بتسعة. قلنا: هذا معناه لستة. وإن قالت: بعشرة، قلنا: معناه بخمسة. فإن قالت: وكنت أخلط بأربعة، قلنا: معناه أخلط بيوم، وقد مضى كل هذا، وهذا كله إذا لم يختلف الحيض واختلف ما يختلط به. فإن اختلف الحيض ولم يختلف ما يختلط به، فقالت: عادتي خمسة عشر فكنت أخلط بيوم، فقد مضى حكمه. ولو قالت: حيضي أربعة عشر وكنت أخلط بيوم، قلنا أجعلي في حيضك بيقين ما قلناه، وأضيفي إلى ما تخلطين به مثله، فما بلغ فهو حيض بيقين، وأما طهرك بيقين فانظري إلى ما ذكرت من العدد والحيض فأستقي منه يومًا (303 ب/ 1) وضمي إلى ما بقى مثله، فما جمع أسقطه من الشهر، ويكون ما بقى من الشهر طهرًا بيقين. فإن قالت أربعة عشر. قلنا: أسقطي منها يومًا وضمي إلى ما بقى مثله يكون ستة وعشرين يومًا، أربعة من الشهر طهر بيقين؛ لأنه يحتمل أن يكون الابتداء أول الثالث وآخره آخر السادس عشر. ويحتمل أن يكون الابتداء أول الخامس عشر وآخره آخر الثامن والعشرين تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني؛ لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة مرتين، ثم تغتسل عقيب الثالث عشر لإمكان انقطاع الدم فيه، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثاني والعشرين، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الثلاثين، فيحصل لها أربعة أيام طهر بيقين، يومان من أوله ويومان من آخره، ويومان حيض بيقين وهما الخامس عشر والسادس عشرـ وباقي الطهر مشكوك فيه. فإن قالت: حيضي عشرة وأخلط بيوم. قلنا: لك يومان حيض بيقين واثني عشر طهر بيقين؛ لأنه يقتصر يومًا من عشرة وأضفت إليها مثلها صارت ثمانية عشر ففي اثني عشر من الشهر طهر بيقين ستة من أول الشهر وستة (304 أ/ 1) من آخره، وعلى هذا أبدًا. وإن قالت: حيضي ثلاثة وأخلط بيوم. قلنا: لك يومان حيض بيقين. والعدد ثلاثة أنقص منه واحدًا يبقى اثنان، أضيفي إليها مثلها تصير أربعة يكون لك ستة، يبقى لك ستة وعشرين يومًا طهرًا بيقين ثلاثة عشر من أول الشهر ومثلها في آخره، والرابع عشر

والسابع عشر والتاسع عشر طهر مشكوك فيه. وإن قالت: حيضي يومان، وأخلط بيوم قلنا: حيضك الخامس عشر والسادس عشر قطعًا والباقي طهر، يتفق هذا إذا خلطت نصف الشهر بنصفه. وهكذا إذا خلطت نصف العشر بنصف العشر أو عشر العشر على ما قلنا حرفًا بحرف. فرع لو قالت: حيضي أربعة عشر ونصف اليوم، وأخلط أحد النصفين بالآخر يوم، وأعلم أن الكثير في ابتداء حيض بنصف يوم. قلنا: حيضك أول الشهر، وما تخلطين به وهو يوم هو السادس عشر، لأن الخلط بيوم كامل يمنع الكثير آخر الحيض. فإن كانت المسألة بحالها فقالت: لكني أكثر في آخر حيض بنصف يوم. قلنا: قد عرفت أن الحيض في الثاني من الشهر، وأن الخلط بالخامس عشر، وما بقى من الحيض من النصف الثاني من الشهر. فإن كانت بحالها فقالت: لكني أكثر في آخر حيض بنصف يوم (304 ب/ 1) قلنا: قد عرفت أن الحائض في الثاني من الشهر، وأن الخلط بالخامس عشر وما بقى من الحيض من النصف الثاني من الشهر. فإن كانت بحالها فقالت: لكن أكثر بنصف يوم من أول حيضي وبنصف يوم في آخره. قلنا: محال أن يكون الخلط بيوم كامل، وفي أول الحيض وآخره كثر هذا كله إذا تحققت ما تخلط به، فإن شكت فيما تخلط به فقالت: حيضي خمسة عشر لا أعلم موضعها من الشهر، وأعلم أني أخلط أحد النصفين بالآخر بيوم كامل، أشك هل أخلط بأكثر أم لا؟ قلنا: يحتمل أن يكون الابتداء أول الخامس عشر آخره آخر التاسع والعشرين. ويحتمل غير هذا. قلنا: لك حيض بيقين يومان، ويومان في طرفي الشهر طهر بيقين، والباقي طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة أول يوم منه؛ لأنه طهر بيقين ثم تتوضأ إلى آخر التاسع عشر، لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تدع الصلاة الخامس عشر والسادس عشر، ثم تغتسل عقب الخلط لجواز انقطاع الدم فيه، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام التاسع والعشرين لجواز الانقطاع، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر. (305 أ/ ب) فإن قالت: حيضي خمسة عشر من الشهر ولا أدري هل كنت أخلط أم لا؟ ولا أعرف موضعًا منه. قلنا: ضاع نصف الشهر في كله، فالكل طهر مشكوك فيه، تتوضأ لكل صلاة إلى تمام خمسة عشر، وتغتسل لكل صلاة إلى انقضاء الشهر. فرعان لأبي إسحاق. إذا قالت حيضي خمسة عشر من الشهر لا أعرف موضعهما، غير أني أخلط النصفين بالآخر بجزء أعلم أنه الباقي من النصف الآخر. قلنا: أضيفي إلى جزء يكون لك جزأين حيض بيقين، وهو آخر جزء من نهار الخامس عشر، وأول

جزء من ليلة السادس عشر، وجزأن من طرفي الشهر طهر بيقين، تتوضأ لكل صلاة إلى بقية جزء من نهار الخامس عشر منها جزء من حيض بيقين لا يمنعان وجوب صلاة بحال، فإن الحيض لبقية جزء من النهار لا يمنع وجوب العصر، وجزء من الحيض أول الليل لا يمنع وجوب المغرب، فتغتسل مرتين عقب الجزأين، أعني عقيب الجزء الأول من ليلة السادس عشر، وفي الجزء الأخير من آخر يوم الثلاثين لجواز الانقطاع فيه، ويبقى لها جزء طهر بيقين. الثاني: إذا قالت: مسألتي بحالها، وأخلط بجزء وأشك في الزيادة. قلنا: الحكم على ما مضى إلا في الاغتسال، فإنها (305 ب/ 1) تغتسل عقيب جزء من نهار الثلاثين؛ لأنه ما من زمان إلا ويمكن انقطاع الدم فيه لقولها: أشك في الزيادة فيما أخلط فيه. فروع ثلاثة لأبي محمد أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي رضي الله عنه أوردها أبو إسحاق. أحدها: إذا قالت: حيضي خمسة من العشر الأول من الشهر، لا أعلم موضعها منه إلا أني أخلط نهار أحد الخمسين بنهار الأخرى بجزء لا أدري أنه جزء من نهار الخامس والباقي من الخمسة الثانية، أو أول جزء من نهار السادس والباقي من الخمسة، فمعنى هذا الكلام أن ليلة السادس هي حيض بيقين؛ لأنها إذا خلطت نهارًا بنهار آخر فالليلة التي بينهما هي حيض بيقين. قلنا: يحتمل أن يكون أول الحيض لمضي جزء من نهار أول العشر وآخره لمضي جزء من نهار العاشر، فتكون ليلة السادس وجزء من آخر نهار الخامس حيضًا بيقين، وأول ليلة من الشهر طهر بيقين، وجزءان طهر بيقين أول نهار الأول وآخر نهار العاشر، والباقي طهر مشكوك فيه، فتتوضأ لكل صلاة أول ليلة من العشر وجزء من نهار أوله؛ (306 أ/ 1) لأنه طهر بيقين، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى بقية نهار الخامس؛ لأنه طهر مشكوك فيه، ثم تقعد عن الصلاة آخر جزء من نهار الخامس وإلى أن يمضي جزء من نهار السادس؛ لأنه حيض بيقين، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة إلى بقية جزء من نهار العاشر، ثم تغتسل لجواز انقطاع الدم فيه ونفى جزء من العاشر وطهر بيقين وصلاة لسلة السادس يسقط عنها، ولا يسقط العصر من اليوم الخامس، لأن الحيض في آخر وقت العصر، ولا الفجر من اليوم السادس، لأن الحيض أول جزء من وقتها. والثاني: قالت: حيضي يومان من هذا العشر، لا أعلم موضعها منه، غير أني أخلط نهار أحد الخمسين بالآخر بجزء، ولا أخلط بأكثر منه، فإن كان الجزء من الخمس الثاني فأول حيضها يكون عند مضي جزء من اليوم الرابع، وآخره عند مضي جزء من اليوم السادس، وإن كان من الخمس الأول فأول حيضها يكون من آخر جزء من اليوم الخامس، وآخره آخر جزء من اليوم السابع، فيحصل لها من أول العشر إلى أول جزء من اليوم الرابع طهر بيقين، ويحصل لها من الجزء الثاني من اليوم السابع إلى آخر

العشر طهر يقين، ويحصل لها من (306 ب/1) آخر جزء من اليوم الخامس إلى أول جزء من اليوم السادس حيض بيقين يسقط عنها صلاة المغرب والعشاء، ويكون بقية الرابع والخامس وبقية السادس والسابع طهر مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الخامس، ثم تقعد عن الصلاة إلى أول جزء من السادس، ثم تغتسل لإمكان انقطاع دمها والحكم في الصلاة على ما ذكرنا. والثالث: إذا قالت: حيضي يوم وليلة من هذا العشر لا أعلم موضعه منه إلا أني أخلط نهار إحدى الخمسين بنهار الأخرى بجزء. قلنا: حيضك بيقين ليلة السادس وجزء قبلها جزء بعدها ويمضي جزء من نهار الخامس لبقية جزء منه طهر مشكوك فيه والباقي طهر بيقين. والحكم في الصلاة والغسل والوضوء على ما مضى تدع الصلاة في الحيض بيقين، وتصلي في طهرها بيقين وفي طهرها المشكوك فيه وتغتسل في وقت إمكان انقطاع الدم فيه، وتتوضأ لكل صلاة إلى تمام العشر. فروع ذكرها القفال: لو قالت: لا أعرف إلا أني كنت أخلط شهراً بشهر بيوم، وكنت يوم العاشر حائضاً بيقين. قلنا: حصل لك يقين الحيض في أحد عشر يوماً، يوم من آخر الشهر، ويوم من أول الشهر، ويوم (307 أ/ 1) العاشر وما بينه، وبين يومي الخلط. وإذا قدمنا حيضك أقصى ما يمكن كان أوله يوم السادس والعشرين من الشهر الأول تتوضأ هذا اليوم، وفي ثلاثة أيام بعده، وإذا أخرنا حيضك أقصى ما يمكن كان آخره انقضاء أربعة عشر من الشهر الثاني، فاغتسلي لكل صلاة في هذا اليوم، وفي ثلاثة أيام قبله، وما وراء ذلك طهر بيقين. فإن قالت: كنت أخلط شهراً بشهر بيوم، وكنت يوم الحادي والعشرين حائضاً بيقين قلنا: حيضك أحد عشر يوماً، يوم الحادي والعشرين، ويوم الخلط وما بينهما، وتوضئي لكل صلاة أربعة أيام قبل الحادي والعشرين واغتسلي لكل صلاة أربعة أيام أولها اليوم الثاني من الشهر. فإن كانت المسألة بحالها غير أنها قالت: كنت أخلط شهراً بشهر بيوم لكني كنت يوم العاشر طاهراً بيقين، فلا يحصل لها بيقين الحيض إلا يوم الخلط، وتتوضأ لكل صلاة من ليلة السابع عشر من الشهر إلى انقضاء التاسع والعشرين، وتغتسل لكل صلاة من الليلة الثانية من الشهر إلى انقضاء التاسع، ثم هي طاهرة إلى انقضاء السادس عشر. وإن قالت: كان مع هذا حيضي خمسة عشر يوماً، قلنا: حصل لك - يعني الحيض (307 ب/ 1) سبعة أيام ولها ليلة الخامس والعشرين من الشهر فتتوضئ لكل صلاة ثمانية أيام قبل ذلك، واغتسلي ثمانية أيام بعد زمان الحيض آخرها انقضاء التاسع من الشعر

فإن قالت: كانت حيضي (كله) عشرة أيام، وكنت أخلط شهراً بشهر بيوم، وكنت يوم العاشر حائضاً بيقين. قلنا: هذا محال، لأن العاشر ويومي الخلط وما بينهما تزيد على عشرة. وكذلك إن قالت: كنت يوم الحادي والعشرين حائضاً بيقين. فإن قالت: بل كنت يوم التاسع حائضاً بيقين. قلنا: يعين زمان حيضك وهو يوماً الخلط ويوم التاسع وما بينهما. وإن قالت: كنت يوم الثاني والعشرين حائضاً بيقين. قلنا: يقين، وهو يوم الخلط وبينهما. وإن قالت: لا أعرف كم كان حيضي أو كان خمسة عرش، فكونها حائضاً يوم العاشر ليس بمحال لا محالة في هذه المسألة، إلا أن تقول: كنت يوم الخامس عشر أو السادس عشر حائضاً، لأن يوم الخلط مع أحد هذين اليومين وما بينهما يزيد على خمسة عشر. وإن قالت: بل كنت يوم الرابع عشر حائضاً تعين بحيضها يوماً الخلط واليوم الرابع عشر، وما بينهما. وإن قالت: كنت يوم السابع عشر (308 أ/ 1) حائضاً تعين هذا اليوم ويوم الخلط وما بينهما وذلك خمسة عشر. وإن قالت: أعرف أني كنت أخلط شهراً بشهر ولا أعرف قدر الخلط. قلنا: أقل الخلط لحظة فلك لحظتان حيض، لحظة في آخر جزء من اليوم الخامس عشر، والأخرى في أول جزء من ليلة السادس عشر، فإذا عرفت وقت الحيض المتيقن فعدم حيضها أقصى ما يمكن، فإذا أخره من الليلة السادس عشرة وأخره أقصى ما يمكن فإذا آخره قبيل غروب الشمس من اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني، ففي النصف الأخير من الشهر تتوضأ لكل صلاة، إذ لا تتوهم انقطاع دمها، وفي النصف الأول تغتسل لكل صلاة إذ كل ساعة تعرض للانقطاع. وعلى هذا لو قالت: كنت أخلط شهراً بشهر يوماً بيوم، أعني بيوم وليلة، ومعنى قولها: (يوم بيوم): أي أن جميع حيضي إن كان في أول الثاني بعد أن كان يوم منه في آخر الشهر الأول، وإن كان الجميع في آخر الشهر الأول بعد أن كان يوم منه في أول الشهر الثاني. وحكم المسألة أنه حصل لها يقين الحيض في يومين يوم من آخر الشهر (308 ب/1) ويوم من أوله، وفي مقابلته حصل يومان طهر، يوم الخامس عشر والسادس عشر، ثم قدم الحيض أقصى ما يمكن بعدما بعد فيه اليومين، وآخر أقصى ما يمكن وبعدهما فيه تتوضأ لكل صلاة في ثلاثة عشر يوماً من آخر الشهر ليلة السابع عشر وآخرها انقضاء التاسع والعشرين، وتغتسل في ثلاثة عشر يوماً أولها الليلة الثانية من الشهر وآخرها انقضاء الرابع عشر. فإن قالت: كنت أخلط شهراً بشهر بياض النهار ببياض النهار تعين لحيضك ليلة

ولحظتان، لحظة من آخر الشهر والليلة الأولى من الشهر، ولحظة بعد طلوع الفجر، وفائدته أن صلاة المغرب والعشاء في تلك الليلة لا يلزمانك، وأنه لا يفسد عليك من شهر رمضان إلا خمسة عشر، وإن كان الانقطاع نهاراً من المحتمل، لأنك تعلمين أن أحد طرفي حيضك كان خارج شهر رمضان، فلا يفسد من رمضان إلا خمسة عشر، وإن أفسد يوماً باشتراك الطهور والحيض فيه. وهكذا جميع الشهر بالشهر لا يفسد من رمضان إلا خمسة عشر فما دونه. ثم في هذه المسألة إذا قدمان حيضها أقصى ما يمكن كان آخره قبيل غروب (309/ 1) الشمس يوم الخامس عشر، فهذه تغتسل في النصف الأول من الشهر وتتوضأ في النصف الثاني، وتكون على يقين الطهر ليلة السادس عشر ولحظتين قبلها وبعدها. وعلى هذا لو قالت: كنت أخلط الشهر بالشهر سواد الليل بسواد الليل فتيقن حيضها اليوم الأخير من الشهر، ولحظة من الليلة الأخيرة من آخر الليلة، ولحظة من أول الشهر من أو الليل، وتسقط عنها صلاة الصبح والظهر والعصر في اليوم الأخير، لا يفسد عليها من الصوم إلا خمسة عشر، لأن انقطاع دمها كان ليلاً إذ لا تتيقن انقطاع دمها متى كان، ولكن لما ذكرنا من الخلط، وتعين طهر هذا اليوم الخامس عشر ولحظتان قبله وبعده، ثم تتوضأ وتغتسل على ما ذكرناه. وإن قالت: كنت أخلط بياض النهار من الشهر الأول بسواد الليل من الشهر الثاني، فهو كما لو قالت: كنت أخلط ولا أعرف بكم، فيقين حيضها لحظتان في آخر اليوم الخامس عشر وأول ليلة السادس عشر. وإن قالت: كنت أخلط بسواد الليل من الشهر الأول ببياض النهار من الشهر الثاني، فيقين حيضها اليوم الأخير، والليلة الأولى، ولحظتان (309 ب/ 1) قبلها وبعدها، ويقين طهرها يوم الخامس عشر وليلة السادس عشر، وقس المسائل على هذا. فرع ذكره القفال: قال: قد ذكرنا العادة في الطهر والحيض يزيد وينقص ومعلوم أنه لو ارتفع دمها عشر سنين ثم استحضيت لم نجعل كل طهر لها عشر سنين، فلابد من حد فاصل بين ما يكون طهراً بين حيضين ونصب عادة، وبين ما لا يكون. وسألت كثيراً من أصحابنا عن هذا الحد الفاصل فلم أجد له بياناً، والذي عندي أن الحد الفاصل ثلاثة أشهر، فإن رأت خمسة أيام دماً وخمساً وثمانين يوماً طهراً، ثم رأت الدم استمر، عملت على أن لها في كل تسعين يوماً حيضاً وطهراً، فإن بلغ طهرها تسعين ثم رأت الدم واستمر بها، عمل على عادتها الأولى أن حيضها خمسة وطهرها خمسة وثمانون،

وإلا فثلاثة أشهر، لأن الآية تعتد بثلاثة أشهر، ولو رأت قرء أو قرئين، ثم ارتفع حيضها وصارت آية، أتت بثلاثة أشهر أيضاً بدلاً من (310 أ/ 1) القرء الباقي والقرءين الباقين، فعرفت أنه قدر لا يجوز أن يكون طهراً بين حيضين، وما دون ذلك يجوز، وهنا حسن. فرع آخر ذكر والدي - رحمه الله - امرأة صلت خلف مستحاضة متحيرة لم تصح صلاتها لجواز أن تكون الحالة حالة حيض فلا تصح الصلاة خلقها، ولهذا لا يجوز صلاة الرجل خلف الخنثى لجواز أنها امرأة وليس لمن صلى خلف من يشك في حدثه بعد يقين الطهارة لا يجوز، لأن هناك أصلاً يفيده، وهو العلم بطهارته، فجاز ذلك. ولو صلى من لا علة به خلف من به سلس البول لا يجوز لأنه لا حالة له إذا ظهرت منع الصلاة خلفه بخلاف هذا. وفيه وجه آخر: لا يجوز لأن حدثه دائن، ولم يأت بطهارته ولا يبدلها. فرع آخر لو صلت المستحاضة خلف المستحاضة وهما متحيرتان ففيه وجهان، كالخنثى إذا صلى خلف الخنثى، والصحيح أنه لا يجوز. فرع آخر صلاة المرأة الطاهرة خلف مستحاضة تعرف عدد حيضها وتعرف وقت البعض دون البعض في حال الطهر المشكوك فيه تنظر، فإنه كان عقيب يقين الحيض لم يجز، وإن كان عقيب يقين الطهر جاز بناء على الأصل فيهما قياساً على الوطء الذي ذكرنا من (310 ب/ 1) التفصيل فيه بين الأول والآخر وفيه وجه آخر أنه لا تصح الصلاة خلفها فهما كما قلت في الوطء يحرم بكل حال وما ذكرناه أصح. فرع آخر قال والدي - رحمه الله - المستحاصة المتحيرة إذا وطأها زوجها في صوم شهر رمضان وقلنا للمرأة يلزمها كفارة الجماع هل عليها الكفار. وجهان والأصح أنه لا يجب عليها لأن الأصل أن لا وجود وللأصل فيه معتمد. فرع آخر قال أيضاً إذا افطرت المتحيرة لإرضاع ولدها فهل يلزمها الفدية على القول الصحيح وجهان والصحيح أنه لا يلزم. فرع آخر لو كان عليها قضاء يوم واحد من الصحيح وقد ذكرنا إنها لا تؤدي ذلك إلا لصوم ثلاثة أيام فلو صامت يوماً وشكت هل نوت أمر آخر فيه وجهان أحدهما لا يؤثر الشك

لأنها شكت بعد الفراغ والثاني يؤثر لأن هذا الصيام كصوم يوم واحد لأنه يسقط بها قضاء صوم يوم واحد فصار كالشك قبل الفراغ، لأجل هذا إذا كان عليه صوم شهرين متتابعين، فصام يوماً ثم شك هل نوى أم غير النية أم لا هل يلزمه الاستئناف؟ وجهان. فرع آخر قال: لو أرادت الجمع بين الصلاتين في السفر وفت الأولى (311 أ/ 1) لا يجوز إلا بشرط تقديم الأولى على الثانية صحيحة يقيناً، أو بناء على أصل ولم يوجد ذلك، ويجوز أن تكون طاهرة عند أداء العصر، وحائضاً عند أداء الظهر، ليس كمن شك في الحدث وأدى صلاة الظهر يجوز العصر بعده جمعاً، لأن هناك يعتمد أصلاً وهي الطهارة السابقة. الفصل الثامن من فروع التلفيق إذا رأت يوماً دماً ويوماً طهراً، لم يخل من أحد أمرين، أما أن يتغير خمسة عشر، أو لا يتغير. فإن وقف عليها ولم يتغير كانت أيام الدم ثمانية، وأيام النقاء سبعة، فهل يكون الطهر بين دم الحيض؟ قولان بناء على التلفيق. فإن قلنا: لا يلفق فمعناه لا يضم دماً إلى دم وطهراً إلى طهر، فتكون أيام النقاء حيضاً، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - في عامة كتبه، وهو الصحيح، واختاره القاضي الطبري. وبه قال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - ووجهه أنا لو جعلناه طهراً جعلنا أقل الطهر أقل من خمسة عشر، ولأن عادة المرأة أن لا ترى الدم أبداً، بل ترى من وقت وتمسك في وقت، فحكم بكون الكل حيضاً، إلا أنه بشرط أن لا يزيد الطهر على الدين، فإن زاد فهو طاهر، والدم الذي لم يبلغ (311 ب/ 1) ثلاثة أيام من الدمين طهر أيضاً. والقول الثاني: أنها تلفق ويكون أيام النقاء طهراً وهكذا ذكره الشافعي - رحمه الله - في مناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ونصره، وبه قال مالك، وهو اختيار ابن سريج وأبي حامد وهو المشهور من المذهب وهذا لأن الله تعالى أمر باعتزال الحيض على الطهر إلا وجود النقاء الخالص فجعل وقت الدم حيضاً، ووقت النقاء طهراً، وهكذا لو رأت يومين ويومين وثلاثة وثلاثة، أو رأت خمسة دماً وخمسة طهراً، وخمسة دماً، أو رأت يوماً وليلة دماً، وثلاثة عشر يوماً طهراً، ويوماً دماً، أو كان زمان الدم أكثر، أو أقل. قال: فالكل على قولين، وعلى كلى القولين متى رأت النقاء في اليوم الثاني عليها أن تغتسل في الحال، وتأتي بالعبادات كلها ولزوجها أن يأتيها، لأن النقاء إذا وجد بعود الدم مظنون، والظاهر أنها قد طهرت، فإذا فعلت ذلك، فإن لم يعاود الدم، فقد صح ما فعلت، وإن عاودها الدم فهل صح ما فعلت يبني على القولين. فإن قلنا: تلفق صح ما فعلت، وكان وطئه مباحاً، وإن قلنا: لا تلفق لم (312 أ/ 1) يصح ما فعلت بالصلاة

لا تقضي لأنها ما وجبت، وتقضي الصوم والطواف. وأما الوطء فقد وقع محظوراً، ولكنهما لا يأثمان بذلك، ث إذا قعدت يوماً آخر وطهرت في اليوم الرابع اغتسلت وصامت وصلت على ما بينا وعلى هذا حكمها متى عاودت الدم وطهرت، فإن قيل: هلا قلتم أنه إذا تكرر تركت الصلاة في يوم الطهر وإذا قلتم أنها لا تلفق، لأنها اعتادت عود الدم بعده كما قلتم في المستحاضة إذا زاد الدم على عادتها في الشهر الثاني تعود في الحال إلى ما كانت في الشهر الأول، وإن جاز أن لا يتغير خمسة عشر، قلنا: الفرق أن الظاهر ها هنا بقاء الطهر، فلا ينتقل عن هذا الظاهر لمجرد العادة وتترك الصلاة، وهناك الظاهر اتصال الدم ومجاوزته أكثر الحيض، فثبت على المتقدم في ذلك هذا إذا وقف. فأما أن عبر على هذا كان السادس عشر طهراً، والمذهب أن الاستحاضة دخلت في الحيض. وقال ابن بنت الشافعي: النقاء الذي في السادس عشر بفصل ما قبله من الدماء عما بعده فيكون بعده من الهمسة عشر طهراً، وفي الخمسة عشر قولان على ما بيناه، فجعل ذلك بمنزلة قالوا: تقطع الدم ولم يجاوز الخمسة عشر، وتابعه الشيخ (312 ب/ 1) أبو بكر المحمودي وهذا قول بخلاف نص الشافعي، لأنه قال، في هذه المسألة بعينها في كتاب "الحيض" (فإذا زاد على خمسة عشر علمنا أنها مستحاضة، ورددنها إلى يوم وليلة)، ولأنه لو فصل بينهما إذا وقع بعد خمسة عشر لفصل بينهما إذا وقع في أثناء خمسة عشر، ألا ترى أن الدم الأحمر بين الأسودين لما لم يفصل بينهما في أثناء خمسة عشر، لم يفصل بينهما بعدها، ومن مسألة أنها لو رأت يوماً دماً، ويوماً طهراً حتى عبر خمسة عشر، فالكل الخمسة عشر حيض لو قلنا تلفق، أو كلما فيهما من الدماء حيض على قولنا، لأنها رأت يوم الخامس عشر دماً، وأن رأت ثلاثة دماً، وثلاثة طهراً على هذا فحيضها خمسة عشر، وإن رأت أربعة دماً، وأربعة طهراً فحيضها أثنى عشر، وإن رأت خمسة دماً وخمسة طهراً فحيضها خمسة عشر، وإن رأت أربعة دماً، وأربعة طهراً فحيضها أثنى عشر، وإن رأت خمسة دماً وخمسة طهراً، فحيضها خمسة عشر، وإن رأت ستة دماً، وستة طهراً بعد. وافقنا أنها ترد إلى يوم وليلة في قول، وإلى عادة النساء في قول، لأن الدم اتصل من الخمسة عشر إلى ما بعدها، وإذا قلنا بالمنصوص، وعليه عامة أصحابنا، فهذه مستحاضة فلا يخلو إما أن تكون مميزة أو معتادة أولا تمييز لها، ولا عادة، فإن كانت مميزة لا عادة لها مثل إن (313 أ/ 1) رأت يوماً أسود، ويوماً طهر إلى التاسع، ثم يوماً أحمر، ويوماً طهراً، أو فالأسود حيض، وما بعدها استحاضة، وكم قدر حيضها. فإن قلنا: لا تلفق فالتسعة كلها حيض، وإن قلنا تلفق لفقنا لها خمسة من تسعة الأول، والثالث، والخامس، والسابع، والتاسع، وما عداها طهر، فالوتر أبداً دم إذا كان أولها دماً، وعلى هذا ما زاد ونقص، ولا شك أن النقاء الذي في اليوم العاشر لا يكون حيضاً،

لأنه لا يتعقبه دم محكوم بأنه حيض. وقال أبو يوسف: إذا عاود الدم الحادي عشر أو قبل وجود طهر كامل فجميع العشرة حيض، وإن كانت معتادة مثل إن كان لها خمسة دم فلما كان في هذا الشهر رأت يوماً يوماً، واتصلت وعبر، يبني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق ردت إلى عادتها، وهي خمسة فتكون الخمسة للأول دماً بينهما من الطهر حيضاً كلها، وإن قلنا: إنها تلفق فمن أين تلفق؟ قولان: أحدها: من أيام العادة، والثاني: خمسة عشر، ولا تلفق من بعده خمسة عشر، فإن قلنا: تلفق من أيام العادة لفقناها في زمان العادة، وهي ثلاثة أيام الأول، والثالث، والخامس، والباقي طهر، فإن قلنا: نلفق من خمسة عشر من ستة وإن كانت (313 ب/ 1) عادتها ستة، فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق نقص حيضها بها فيكون خمساً، والسادس رأت النقاء فيه، فلا يمكن أن يكون في معنى الحيض لأنه طهر لم يتعقب حيض، وهذا أصل من كانت عادتها وتراً لم ينقص حيضها، ومن كانت عادتها شفعاً سقط الأخير أبداً على هذا القول. وإن قلنا: تلفق فمن أين تلفق؟ على القولين، فإن قلنا: من العادة لفقنا لها ثلاثة من خمسة، لأن السادس يسقط، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها خمسة من تسعة، وعلى هذا أبداً، وإن كانت عادتها ثمانية فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق بسبعة حيض، وإن قلنا: تلفق فعلى القولين، فإن قولنا من العادة لفقنا لها أربعة من ثمانية، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها ثمانية من خمسة عشر، فتكون في هذه المسألة في حيضها ثلاثة أقوال: أحدهما: حيضاً ثمانية، والثاني: أربعة، والثالث سبعة، فإن كان حيضها تسعة، فإن قلنا: لا تلفق فحيضها تسعة، وإن قلنا: تلفق فإن قلنا: من العادة لفقنا لها همسة من تسعة، وإن قلنا: من خمسة عشر لفقنا لها ثمانية من خمسة عشر ونقص حيضها يوماً، لأنه ليس في خمسة عشر أكثر من ثمانية أيام دماً، ولا تلفق لها من غيرها، وإن (314 أ/ 1) كانت العادة خمسة عشر، فعلى القولين، فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، وإن قلنا: إنها تلفق اتفقت العادة خمسة عشر ها هنا تتلفق لها منها ثمانية، وإن كانت مبتدأة لا تمييز لها، ولا عادة كم تحيض هذه؟ قولان. أحدها: اليقين، والثاني الغالب. فإن قلنا: اليقين كان حيضها يوماً وليلة وما بعدها استحاضة. وإن قلنا: الغالب فالحكم فيها كمن عادتها سبعاً، هل تلفق من الست، أو السبع، أو من الخمسة عشر؟ قولان على ما مضى، فإن رأت بياض يوم دماً، ثم بياض الخامس عشر دماً، وما بينهما طهراً فعلى القولين، وإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، وإن قلنا: تلفق فالدم حيض والباقي طهر، فإن رأت بياض يوم دماً، ثم بياض السادس عشر دماً، وما بينهما، وهو أربعة عشر طهراً فالكل دم فساد، لأنا إن قلنا: لا تلفق لم

يصح، لأنه يؤدي إلى أن نجعل مدة الحيض ستة عشر يوماً، وإن قلنا: تلفق التلفيق هو ضم دم إلى دم بعد أن يكونا معاً في وقت يمكن أن يكونا حيضة واحدة، فهذا الثاني بعد خمسة عشر لا يكون حيضاً والأول دون يوم وليلة، فلا يكون حيضاً، وإن رأت ثلاثة أيام دماً وأثنى عشر طهراً صارت خمسة عشر، ثم (314 ب/ 1) رأت الثالث عشر دماً فالثلاثة الأولى حيض، وما بعدها طهر، لأنا أن قلنا: لا تلفق لم يمكن بعد الكل حيضاً، وإن قلنا: تلفق لم يضم ما بعد خمسة عشر إلى ما في خمسة عشر، فكانت الثلاثة وحدها حيضاً، فإن رأت بياض يوم دماً ثم طهراً أربعة عشر، ثم رأت ثلاثة من أول السادس عشر دماً، فالثلاثة حيض، وما قبله دم فساد على القولين معاً، لأنا إن قلنا: إنها لا تلفق لم يصح أن يكون الكل حيضاً، وإن قلنا: تلفق لم يجز ضم الأول إلى الثلاثة، لأن بينهما لا يمنع الجمع، وإن رأت بياض يوم دماً، ثم طهراً ثلاثة عشر يوماً، ثم رأت ثلاثة من أول الخامس عشر، وما بني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق، فالأول ثم رأت ثلاثة من أول الخامس عشر، وما بني على القولين، فإن قلنا: لا تلفق، فالأول دم فساد والليلة حيض، لأنه لا يمكن أن يزيد الحيض على خمسة عشر، وإن قلنا: تلفق فمن أين التلفيق؟ على قولين. أحدها: من العادة. والثاني: من خمسة عشر. وإن قلنا: من العادة فلا عادة لها، لأنها مبتدأة ولا يمكن جعل الأول بانفراده حيضاً فبطل الأول وكان الثاني حيضاً. وإن قلنا: تلفق من خمسة عشر فهي مبتدأة لا تمييز لها كم تحيض؟ فيها قولان أحدها: اليقين، والثاني: الغالب. فإن قلنا: اليقين (310 أ/ 1) فبياض الأول وتمام أقل الحيض من الثاني. وإن قلنا: الغالب لفقنا لها كل دم من خمسة عشر، وهو بياض الأول يوماً وليلة وهو يوم خمسة عشر وما بعده طهر. فرع فإن كانت عادتها خمسة في أول كل شهر، وخمسة وعشرون طهراً، فلما كان في هذا الشهر رأت أربعة أيام دماً، وخمسة طهراً، ثم يوماً يوماً ثم الحادي عشر طهراً، واتصل الطهر فهذه حائض تغيرت عادتها. فإن قلنا: لا تلفق فالعشرة حيض، وإن قلنا: تلفق فأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر، وإن كانت بحالها فرأت أول يوم دماً ثم طهرت سبعة أيام، ثم رأت يومين دماً، ثم طهرت، واتصل الطهر فعلى القولين أيضاً. وإن قلنا: لا تلفق فالعشرة حيض وزاد حيضها خمساً، وإن قلنا: تلفق بأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر فبعض حيضها يومين. فرع آخر لو كانت عادتها خمسة من أول الشهر وباقيه طهر، فلما كان في هذا الشهر طهرت

اليوم الأول من الشهر من أحد أمرين، إما أن تقف على خمسة عشر أو بغير كذلك، فإن وقف عليها فهذه حائض قد تغيرت عادتها فانتقل ابتداء عادتها عن أول الشهر إلى ثانية فيكون آخر يوم، وأن الدم الخامس عشر (315 ب/ 1) من يوم رؤيتها الدم، والسادس عشر من أول الشهر، فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض أول الثاني من الشهر، وآخر السادس عشر، وإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض أول الثاني من الشهر، وآخر السادس عشر، وإن قلنا: تلفق لفقت لها ثمانية حيضاً من خمسة عشر والباقي طهر، وإن غير واتصل على هذا يوماً ويوماً دخلت الاستحاضة في دم الحيض على الصحيح من المذهب، وتبني على الأولين ففي التلفيق، فإن قلنا: تلفق من أين تلفق؟ قولان: أحدها: من أيام العادة، والثاني: من خمسة عشر، فإن قلنا: من العادة بأول عادتها طهر وقبله طهر فلا نحكم بأنه حيض وآخر عادتها يوم الخامس طهر بعده طهر، فلا نحكم بأنه حيض بقي من عادتها يومان حيض، وهي الثاني والرابع والثالث بينهما طهر، وإذا قلنا: تلفق من خمسة عشر لفقنا لها خمسة من عشرة الثاني من الشهر، والرابع، والسادس، والثامن، والعاشر، والباقي طهر، فإن قلنا: لا تلفق ردت إلى العادة، وهل ترد إلى وقت العادة أو إلى عددها دون وقتها؟ قال ابن شريج: فيه وجهان. أحدها: ترد إلى وقت العادة، فعلى هذا حيضها ثلاثة أيام الثاني، والثالث، والرابع دون الأول والخامس، لأن الأول طهر قبله (316 أ/ 1) طهر الخامس طهر بعده طهر، والثاني: ترد إلى عدة العادة وقدرها دون الوقت. فعلى هذا نحيضها خمسة متصلة أولا ثاني الشهر وآخرها آخر السادس، لأنا نجعل على هذا النقاء الذي بين الدم حيضاً، فحصل في قدر حيضها ثلاثة أوجه: أحدها: يومان، والثاني: ثلاثة، والثالث: خمسة. وفي دمها أربعة أوجه: أحدها: الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والرابع: أن الثاني والرابع والسادس والثامن والعاشر. وفرع أبو العباس على هذه مسألة أخرى، فقال: طهرت من أول الشهر يوماً ولكن رأت اليوم الذي قبل أو الشهر، ثم يوماً ويوماً وعبر، قال: نبني على القولين، فإن قلنا: تلفق، فمن أين تلفق؟ قولان: أحدها: من العادة، والثاني: من خمسة عشر، فإن قلنا: من العادة فليس من عادتها إلا يوماً في الثاني من الشهر والرابع، لأنه ما وجد في عادتها غيرهما، وإن قلنا: من خمسة عشر، قال ابن سريج: في ابتداء الخمسة عشر وجهان: أحدهما: الابتداء من يوم الثاني من الشهر، فعلى هذا يلفق لها خمسة من عشرة أوله الثاني من الشهر والرابع، والسادس والعاشر. والثاني: الابتداء من أول الدم (316 ب/ 1) وهو قبل الشهر بيوم وهو أولى، فعلى هذا تلفق لها خمسة من أول الدم إلى الثامن، فحصل في قدر الحيض وجهان في زمانه ثلاثة أوجه. وإن قلنا: لا تلفق فهل يعتبر وقت العادة أو عددها؟ وجهان، فإن قلنا: يعتبر وقتها سقط أول الدم، لأنه تقدم الوقت وسقط الخامس لأنه طهر بعد طهر، فيكون حيضها ثلاثة أيام أولها ثاني الشهر وآخرها آخر الرابع من الشهر، فحصل على

هذا في قدرها وجهان ثلاثة وأربعة، وفي زمانه وجهان على ما بيناه، فيكون في قدر حيضها ثلاثة أوجه يومان وثلاثة وخمسة، وفي وقته خمسة أوجه لوقت الخمسة ثلاثة أوجه، والثلاثة وقت واحد،. ولليومين وقت واحد. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان عادتها خمسةُ أيام فجاءها شهر فرأت يومين دمًا ويومين طهرًا هكذا كانت ترى يومين فيومين إلى أن جاوز خمسةً عشر فرد إلى الخمسةُ. فإن قلنا: تلتقط أيام حيضًا من خمسةَ عشر فحيضها اليوم الأول، والثاني، والخامس، والسادس، والتاسع، وفي اليوم التاسع وجه ضعيف أنه ليس بحيض بناء على الوجهين في كل دم كان متصلًا بدم الاستحاضة [317 أ/1] هل هو حيض أم لا؟ والأصح انه حيض. وإذا قلنا: أنها تلتقط من الأيام المردودة إليها فاليوم الأول، والثاني، والخامس حيض، وفى الخامس وجه آخر أنه لا يكون حيضًا، هذا كله في الشهر الأول. فأما في الشهر الثاني كيف تفعل؟ فيه وجهان: أحدها: تجعل ابتداء خمستها في الشهر الثاني من اليوم الثالث؛ لآن اليوم الأول والثاني لم ير فيهما الدم، والثاني: تجعل من ابتداء الشهر وحكم الشهر الأول والثاني سواء، وإن رأت في اليوم الأول والثاني طهرًا، وهذان الوجهان ينبنيان على أن العادة إذا انتقلت ولم تنقطع هل يحكم بالانتقال؟ فيه وجهان: أحدها: وهو قول أبي إسحاق لا تصير منتقلة، فعلى قوله في مسألتنا لا تحيضها إلى يومين في السهر الثاني وحيضها اليوم الثالث، والرابع؛ لأن اليوم الأول والثاني، والخامس لم تر فيها الدم سواء قلنا: الدماء تلفق أم لا، فأما في الشهر الثالث فهر كالشهر الأول سواء تم هكذا فيما يستقبل ففي شهر يكون حيضها يومين، وفي شهر خمسةً أيام على قول من لا تلفق، وثلاثةً علي قول من تلفق، فأما على قول أبي إسحاق تصير منتقلةُ، فعلى هذا في مسألتنا الشهر الثاني يخرج على قول التلفق، فإذا قلنا: لا تلفق [317 أ/] حيضناها خمسةً أيام أولها اليوم الثالث والثلاثين، وآخرها السابع والثلاثين، وإذا قلنا: تلفق يخرج على. الوجهين في محل الالتقاط كما بينا. فرع أخر قال القفال: قال الشافعي: في مبتدأهِ وترى يومًا دمًا، ويومًا طهرًا حتى جاوز خمسةَ عشر، وكانت تصلي وتصوم في أيام النقاء، فإذا أردت إلى يوم وليلةً تعيد صلاةَ سبعةَ أيام. وصوم خمسةَ عشر يومًا، وأجاب على قولنا: الدماء لا تلفق حتى إذا انقطع على خمسةَ عشر كان الكل حيضًا، ومعنى قولهِ: تعيد صلاةَ سبعةً أيام هو أن الأيام التي رأيت فيها الدم سوى اليوم الأول لست بحيض أي فيلزمها قضاء صلاتها. وأما ما أدتها منها في حال النقاء مترددةً بين أن تكون صحيحةً، وبين أن لا تكون واجب عليها أصلًا ولا يحتمل أن تكون واجبةً ولا يصح الإتيان منها، وموضع

الإشكال في الصوم، وهو أنه واجب عليها إعادةُ الصوم خمسةً عشر يوماً، وقد أدت الصوم في أيام النقاء أدام، فما الفرق بينه وبين ,الصلاةَ، فاختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال في الصوم قولان. أحدها: ما نص عليه أنها تعيد الكل. والثاني: تعيد صوم ثمانيةُ أيام وهي [318 أ/1] أيام الدماء، لأن الحائض تقضي الصوم. ومن أصحابنا من قال: تعيد الصوم كما ذكر قولًا واحدًا، والفرق بين الصوم والصلاةً هو أن العبادةً إذا ترددت بين الجواز والفساد لا يجوز، وصومها بهذه الصفة. وأما الصلاةَ فهي مترددة ين أن يجوز وبين أن لا يجوز، ولكن فيها نيابةً وهو أنها لا تجب إن لم يجز بخلاف الصوم فإنه لا يحتمل آن يجب ولا يجوز، ومن جعل المسألةَ على قولين، اختلفوا فمنهم من قال: ينبني القولان على مسألةً قالها الشافعي في خنثى صلى خلف شخص، ثم بان انه امرأةُ فأمرناه بالإعادةً، فقيل: إن أعاد بأن هذا المقتدى امرأةً أيضًا قال: أخشى أن لا يجوز وأحب آن يعيد، فعلق القول فيه، وقاس أصحابنا على ذلك لو صلى رجل خلف شخصًا ثم بان أنه خنثى فأمرناه. الإعادةَ، ثم بان أنه رجل قبل أن يعيد فحصل في هذه المسألة؛ ووجه الشبه أن هذه كانت تصوم وتصلي على ظاهر أن الدم انقطع، فإذا أعاد من الغد كان الظاهر أن صومها بالأمس باطل، إذ الظاهر انقطاع الدم على خمسةُ عشر فما دونه، فإذا جاوز خسمةُ عشر بان أن صومها وفع في الطهر وعذر الصلاة ما ذكرنا إن لم تجب لم يجز، وهذا ذكره [318 أ/] الشيخ أبو زيد المروزي. ومن أصحابها من قادت أصلها القولان في المبتدأةَ التي ردت إلى يوم وليلةً فما بعد ذلك إلى خمسةً عشر هل يعمل على الاحتياط؟ قولان. فإذا قلنا: نعمل فها هنا أعادت ما صامت، لم تصم، وهذه الطريقة ُأصح، لأن الشافعي ذكر هذه المسألة، ثم قال: وهكذا تفعل مما يستقبل، ولو كان المعنى ما ذكره الشيخ أبو زيد لم يكن ذلك إلا في الشهر الأول؛ لأن في الشهر الثاني لا تحتاج أن تراعى الانقطاع على خمسةً عشر أو المجاوزة. فإذا تقرر هذا رجعنا إلى المسألة وحكمها في الشهر الثاني، وهو أن تقول: لا يمكننا أن نحيضها من ابتداء الشهر، ولكن خذ مدة طهرها ومدةْ حيضها واضربها في عدد يبلغ ثلاثين أو يقرب من ثلاثين فما خرج من الضرب فاليوم الثاني منه حيض بيانه فيمن كان حيضها يومين وطهرها يومين أن نضرب أربعةً في عدد يقرب من ثلاثين فتضربها في ثمانيةً فيكون اثنين وثلاثين، فهي تعد من كل شهر اثنين وثلاثين يومًا، ثم يكون بعد ذلك حيضها من اليوم الثالث والثلاثين قس عليه الثلاثةً، والأربعةَ، والخمسةً، فإن كان ترى ستةُ أيام دمًا وستة [319 أ/] أيام طهرًا ففيه وجهان: احدها: نضرب اثني عشر في ثلاثةَ يكون ستةً وثلاثين. والثاني: تضرب اثني عشر في اثنتين يكون أربعة وعشرين.

فرع آخر لو رأت أنصاف الأيام طهرًا وأنصافها حيضًا، فرأت نصف. يوم دمًا ونصف يوم طهرًا، إ فلا يخلو إما أن يتغير أو لا يتغير، فإن وقف عر خمسةَ عشر، ولم يتغير فهذه الأصناف هل تكون بمنزلةَ الأيام الصحاح؟ فيه ثلاثةَ أوجه: المذهب وبه قال: شيوخ الصحاح، أنها كالأيام الصحاح، لأن حيضها قد تقطع ولا فرق بين أن ينقطع على الأيام، أو على الأصناف، ومن أصحابنا من قال: إن تقدمها ما يكون بانفراده دمًا متصلًا أقله يوم وليلةً، فالاتصاف هي كالأيام الصحاح وإلا فهي دم فاسد. وحكي أبو إسحاق عن بعض أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنها لا تكون كالأيام الصحاح حتى ترى أولها يومًا وليلةً متصلا وآخرها كذلك، فتكون الأنصاف: بينهما كالأيام الصحاح وإلا فهو دم فاسد، والتفريع على المذهب، والآخر أنه. ليس بشيء فتبنى على القولين، لا يلفق فالكل حيض إلا النصف الثاني من الخامس عشر، لأنه طهر ليس دم الحيض، وإذا قلنا: تلفق فأوقات الدم حيض، وأوقات النقاء [ب 319/ 1] طهر فتكون لها سبعةُ أيام ونصف حيض والباقي طهر. وأما الاغتسال فقال ابن سريج: يبنى على القولين في التلفيق. فإن قلنا: تلفق اغتسلت حتى ترى الطهر في النصف الثاني؛ لأنه يحتمل أن يعاودها الدم من الغد فتصير مع الدم الأول يومًا وليلةً، فيكون الدم الأول حيضًا والطهر الذي يتعقبه طهرًا صحيحًا، فتكون هذه المرأة قد انتقلت من بعض الحيض إلى بعض الطهر يلزمها أن تغتسل؛ لأن حكمها في بعض الطهر حكم الطاهرات، وإن قلنا: لا تلفق لا يلزمها أن تغتسل حتى ترى الطهر في الصف الثاني؛ لأنها لا تخلو من أن يعاودها الدم فيكون زمان الطهر حيضًا أو لا يعاودها الدم، فلا يكون ما رأته من الدم حيضًا كاملًا فلا يلزمها الغسل، فعلى هذا إذا مضى منه القدر الذي إذا جمعته بلغ حيضًا اغتسلت عقيبه. ومن أصحابنا من قال على القول الأول: لا يجب الاغتسال أيضًا في الصف الثاني من اليوم؛ لأن الدم الأول لم حكم بأنه حيض ولا يعلم بمعاودةُ الدم، وهذا كله إذا وقف. فأما إن غير واستمر فقد دخلت الاستحاضةً في دم الحيض على الصحيح من المذهب، وصارت مستحاضةً فلا تخلو إما أن تكون مميزة أو [320 أ/1] معتادة أو لا تمييز لها الإعادة، فإن كانت مميزةً مثل ما رأت الأنصاف أسود إلى عشر، ثم رأت مكانه الأسود أحمر، فالحيض زمان الأسود فيبنى على القولين. فإن قلنا: لا تلفق فالكل حيض، أعني إلى نصف العاشر فيكون لها تسعةً أيام ونصف حيض وبقيةً يوم العاشر، وما بعده استحاضةً؛ لأنه طهر لا يتعقبه حيض، وإن قلنا: تلفق لقضاء من غيره خمسةً وما عداه طهر، وعلى هذا إن كان التميز قبل العشر

أو بعده، وإن كانت معتادة مثل إن كانت عادتها خمسةً فتفرقت أنصافًا بعد ذلك، فإنها ترد إلى عادتها، ثم تبنى على القولين، فإن قلنا: لا تلفق كان حيضها أربعة ونصفًا ونصف الخاص طهر؛ لأنه طهر يعقبه طهر، وإن قلنا: تلفق فهل تلفق لها من العادةً آو من خمسةً عشر؟ على القولين، فإن قلنا من العادةً فالذي لها من العادةً خمسةً أنصاف تصير لها يومان ونصف، وإن قلنا: من خمسةً عشر لقضاء لها خمسةَ من عشرةً، بأن كانت عادتها ستًا فعلى القولين، فإن قلنا: تلفق فعلى القولين، فإن قلنا: أن التلفيق من أيام العادةَ لقضاء لها ثلاثةً من ستةً، وإن قلنا: من خمسةَ عشر لفقنا لها ستةً من اثني عشر، وهكذا الحكم لو كانت عادتها [320 أ/] ستةً، آو سبعةً أو ثمانيةً، وإن كانت مبتدأه فلها في كل شهر حيضةً، وما تلك الحيضةَ؟ قولان احدها: اليقين والثاني: الغالب. فإن قلنا: اليقين فهو على القولين في التلفيق، فإن قلنا: لا تلفق سقط حكم الحيض وكان دم فاسد، لأنه لا يمكن الزيادةَ على يوم وليلةً، ولا يمكن أن يجعل اليوم والليلةً؛ لأن النصف الباقي طهر يتعقبه طهر فلا يكون حيضًا، ولا آن تجعل النصف الأول حيضًا، لأنه دون أقل الحيض فبطل كله، وكان دم فاسد، وإن قلنا: تلفق فمن أين يكون التلفيق؟ قولان فإن قلنا من المادةَ سقط الحيض لأنه لا عادةً لها تلفق بها فيكون دم فاسد، فإن قلنا عن خمسةَ عشر لفقنا لها يومًا وليلةً من يومين. وإن قلنا رجع إلى الغالب قال: وهكذا لو كانت ترى يومًا بلا ليلةً ثم يومًا بلا ليلةً حتى جاوز خمسةَ عشر إلا على قول "أبي بكر المحمودي" من أصحابنا، فإن قال: نحيضها يومين لأنه يقبح أن تكون امرأةً ترى الدم في كل يوم أبدًا، ثم يقال: لا حيض لها، وهكذا قال في المسالةً الأولى، وهكذا إذا تفرقت أنصافًا في الأنصاف، فإن قلنا: الأنصاف لا تكون كالأيام الصحاح فهذه أولى، وإن قلنا: كالأيام الصحاح نظرت في حكم الدم المفرق في خمسةً عشر بأن كان .. لو جمع كله بلغ كله بلغ حيضه [321 أ/] فهو على القولين، إن قلنا: لا تليق فالكل حيض، وإن قلنا: تلفق فأيام الدم حيض، وأيام النقاء طهر، وإن كان الدم لو جمع لم يبلغ أقل الحيض بني على القولين في التلفيق، فإن قلنا: تلفق سقط الدم؛ لأنه لو جمع لم يكن حيضًا، وإن قلنا: تلفق، قال "ابن سريج": فيه وجهان: احدها: أنه دم فساد أيضًا لأنّا إنما نحكم بالطهر بين الدمين بالحيض تبعًا للدم الذي هو حيض، وهذا بانفراده لا يكون حيضًا وهو المذهب، والثاني: الكل حيض، لأنه طهر بين الدمين في وقت يمكن أن يكون حيضًا وهو قول "الأنماطي" حتى قال: لو رأت ساعة حيضًا، ثم أربعةً عشر طهرًا، ثم ساعة دمًا، فهاتان الساعتان تصيران الأطهار حيضًا، وهو قول أبي حنيفةَ.

مسألة: قل: " وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتِرَكَ الصَّلاَةَ إلا لِأَقَلُّ مَا تَحِيضُ لَهُ النَّسَّاءَ وَذَلِكَ يَوْمَ وَلَيْلَةٍ ". وهذا كما قال نقل المزني ها هنا أن أقل الحيض يومًا وليلةً، وبه قال: أحمد، وذكر في كتاب العدةَ ما يدل على أنه يوم وبه قال داود ولم يذكر الليلةً، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثةَ طرق: أحدها قول واحد أنه يوم، وليلةً، والذي قال يوم يطلق محمول على ما في سائر كتبه، وأراد به يومًا بليلته؛ لأن العرب يذكرون الأيام ويريدون مع الليالي. والثانيةَ المسألةً على [321 أ/] قول واحد أنه يوم، والذي قال: يوم وليلةً قيل: إن أثبتا: عنده أنه يوجد ذلك في العادةً فلما ثبت رجع إليه، والثانيةً: فيه قولان، وهذا فاسد، لأن الحيض ثبت عندنا بالعادةً، ولا يصح أن يكون عرف العادةً على وجهين، والصحيح الطريقةً الأولى وقال أبو حنيفة: أقل الحيض ثلاثةَ أيام، وبه قال الثوري، وقال أبو يوسف; يومان وأكثر الثالث. وقال مالك: ليس لأجله حد يجوز أن تكون ساعةً، وهذا غلط لأنه خارج من الرحم نعلم به البراءةً، فكان لأقل مدته حد كالحمل، ولأن طريق هذا الوجوب، ولم يوجد أقل من يوم وليلةً عبادةً بتمرةً قال الشافعي: رأيت امرأة ثبت لي عنها. أنها لم تزل، تحيض يومًا لا ترتد عليه، وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثةَ أيام، وقال عطاء: رأيت من الماء من تحيض يومًا، وتحيض خمسةَ عشر يومًا. ,قال الأوزاعي: عندنا امرأة بحيض غدوةً وتطهر عشيةً. وقال "أبو عبد الله الزبيري": كان في نسائنا من تحيض يومًا وتحيض خمسةَ عشر يومًا، واحتج به أبو حنيفة بما رؤى "وائلة بن الأسقع" أن النبي. صلى الله عليه وسلم قال:"اقل الحيض ثلاثةً أيام وأكثره عشرة". قلنا: رواه محمد بن أحمد الشامي، وهو وضعيف [321 ا/1] عن "حماد ابن المنهال" وهو مجهول، ثم نحمله على نساء بأعيانهن كان ذلك أقل حيضهن وأكثره. واحتج مالك بأنه لو كان أقله يومًا لكانت لا تقع الصلاةَ حتى يمضي يومًا كاملًا. قلنا: إنما تترك؛ لأن الظاهر الصحة وأنها تدوم والاستحاضةً نادرة لعلةً. مسألة: قال: " وَأَكْثَرُ الْحَيْضَ خَمْسَةَ عُشُرِ " وهذا كما قال: أكثر الحيض خمسةَ عشر، وبه قال مالك: والحسن، وأحمد في رواية، روى ذلك عن علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح - رضي الله عنهما - وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري عشرةً أيام. وقال سعيد بن جبير: ثلاثةً عشر يومًا،

(وروي) عن مالك: أنه لا حد لأكثره كما لا حد لأقله عنده، وحكي عن أبي إسحاق المروري أنه قال: لا يتقدر أكثر الحيض ولا أقله؛ بل يرجع عليه إلى الوجود فكلما وجدنا عادةً مستقرةً تجعل حيضًا. وقال مالك في روايةً ثالثةً: أكثره سبعةً عشر يومًا، وهذا غلط لما روي عن -النبي صلى الله عليه- وسلم أنه قال: "إنهن ناقصات عقل ودين" فقيل: وما نقصان دينهن يا رسول الله؟ فقال: تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" فدل على أن أكثر الحيض خمسةً عشر. وهذا الخبر بهذا اللفظ رواه شيوخنا - رحمهم الله، في التصانيف. وروى: نصف دهرها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم -[321 أ/] قال: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل آن بصيبها الذي أصابها" فاخبر أنها تحيض في كل شهر مرةً، والإجماع أن الناسيةً تحيض في كل شهر حيضةَ، والآيةً تعتد بثلاثةً أشهر بدلا عن ثلاثةَ. أقراء، فلا يخلو إما أن يكون الشهر ظرفًا لأكثر الحيض وأكثر الطهر أو لأقلهما أو لأقل الحيض، وأكثر الطهر، آو لأكثر الحيض، وأقل الطهر لا يجوز الأقسام الثلاثةً، فتعين القسم الرابع وأما أكثر الطهر فلا نهايةً له وأقله خمسةً عشر يومًا نص عليه في كتاب "الحيض". وقال "يحيى بن أكثم القاضي": أقل الطهر تسعةً عشر يومًا؛ لأن العادةً أن للمرأةً في كل شهر حيض وطهر، والشهر لا ينقص عن تسعةً وعشرين، وأكثر الحيض عشرةَ أيام فيبقى أقل الطهر تسعةً عشر يومًا، وقال مالك: أقل الطهر عشرةً أيام. وقال أحمد وإسحاق: لا حد لأقله، والدليل على ما قلنا. الوجود، وقد قال شريك بن عبد الله: عندنا امرأةً تحيض من النهر خمسةً عشر يومًا حيضًا صحيحًا مستقيمًا. مسألةً: قال: " وَأَكْثَرُ النّفاسِ سِتُّونَ يَوْمَا" وهذا كما قال: أكثر النفاس ستون يوم، وبه قال مالك وعطاء، والشعبي، والحجاج ابن أوطأة، وعبد الله بن العنبري، وأبو ثور، وداود، وقال [323 أ/] أبو حنيفة والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيدة: أكثره أربعون يومًا. وروي ذلك عن الأوزاعي، والليث بن سعد،.وقال الحسن البصري: خمسون يومًا

وقال بعض العلماء: سبعون يومًا، واحتج أبو حنيفةَ بما روي عن: أم سلمهَ - رضي الله عنها - أنها قالت: كانت النفساء تقعد منى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين ليلةً وأربعون يومً وروى أبو أمامةً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "النفساء إن طهرت حين تضع صلت، فإن رأت الدم قعدت خمسةً وعشرين يومًا، فإن رأت الدم قعدت أربعين يومًا، فإذا جاوزت فهي مستحاضةً"، وهذا غلط لأن الطريق في ذلك الوجود، وقد وجد، وقال الأوزاعي: عندنا امرأةً ترى النفاس شهرين، وروي عن مالك، وعطاء أنه في الغالب. وأما أقل النفاس في بعض نسخ المزني أقله ساعةً، ورواه أبو ثور عن الشافعي، واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: محدود للأقل ساعةً، أو به قال ابن سريج، وجماعةً من أصحابنا، وبه قال محمد، وأبو ثور. وقال أصحابنا بالبصرة وبخرسان: أقله لا حد له، وإنما ذكر: الشافعي تقليلًا وتفريعًا لا أنه جعله هذا وأقله مجةً من دم، وبه قال مالك والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق ;وقال أبو حنيفة: أوله خمسةً وعشرون يومًا، وروي عنه. [323 ب/] أقله لحظةً، وقال الثوري: أوله ثلاثةً أيام لأنه أقل الحيض، وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا ليزيد أوله على أكثر الحيض، وقال المزني: أقله أربعةَ أيام لأنها أربعةً أمثال أقل الحيض كما أن أكفره أربعةً أمثال الحيض، وهذا كله غلط؛ لما روى أبو أمامةً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا طهرت النفساء حين تضع صلت" ولا المرجع فيه إلى الوجود، وقد تلد المرأةً ولا ترى دمًا،.ويقال: إن نساء الأكراد هن بهذه الصفةً. وروي أن امرأةً ولدت على عهد رسول الله. ولم تر معه دمًا فسميت ذات الجفاف، وقيل: ذات الجفوف. فإذا تقرر هذا ي فإن رأت ساعة فلا تفوتها صلاة في ذلك، ولكن إن ولدت في رمشان فد عليها صوم ذلك اليوم الذي ولدت فيه، وعليها آن تغتسل عند الانقطاع، ولزوجها أن يأتيها، فإن خافت عود الدم استحب لها التوقف احتياطًا، وإن لم تر شيئًا أصلا، فقد ذكرنا فيما تقدم. فإذا تقرر هذا فإن رأت الدم قبل ظهور شيء من الولد فهو دم فساد بلا خلاف، وإن رأت بعد انفصاله فهو نفاس بلا خلاف. وأما ما خرج مع الولد هل يكون نفاسها؟ فيه وجهان. قال أبو إسحاق: هو نفاس. وبه قال ابن أبي أحمد، وهذا هو أقيس [324 أ/1]؛ لأنه دم خارج بخروج الولد فأشبه الخارج بعده، فعلى هذا يلزم منه الاغتسال، ولو كانت صائمةُ بطل صومها.

وقال سائر أصحابنا: هو دم فساد، ولو كانت صائمةً لا يبطل صومها، وإذا لم تر الدم بعد انفصاله، وكان الولد خرج وحده. وقد ذكرنا أنه لا يلزم الاغتسال به في أحد الوجهين، وهذا هو المذهب؛ لأن ما قاله أبو إسحاق يؤدي إلى أن يزيد أكثر النفاس على ستين يومًا، لأنه لا خالف أن ابتداء الستين عقيب انفصال الولد، ولأنه دم انفصل قبل انفصال الولد فأشبه ما خرج قبله، ولو أتت المرأة بولدين توأمين بينهما أقل من أقل مدة الحمل، فالنفاس لهما، وهل يعتبر من الولد الأول أو الثاني؟ قال ابن القاضي: فيه ثلاثةً أوجه أحدها: أن أول النفاس من الولد الأول حتى لو رأت بين الولدين تسعةٌ وخمسون يومًا فعد الولد الثاني لا نفاس لها إلا يومًا، وإن جاوز فهي استحاضةً النفاس، وبه قال أبو حنيفةً وأبو يوسف، وقال: أكثر النفاس أربعون يومًا فلو كان بين الولدين، أربعون يومًا لم يكن بعد الولد الثاني نفاس أصلًا، وهذا لأنه دم يعقب الولادةً فيجب أن يكون نفاسًا كما في الولد الواحد، والثاني يعتبر من الولد الثاني وهو [324 أ/1] المذهب؛ لأن التوأمين هما كالولد الواحد ولهذا في حكم الرجعةً كذلك حتى لا ينقطع إلا بانفصالها فكان ابتداء النفاس بعدهما، وبه قال زفر، ومحمد، وعلى هذا ما لو رأت قبل الولد الثاني استحاضةً لا يتعلق به حكم النفاس، ولأن ما قاله القائل الأول يؤدي إلى المحال، وذلك أنه ربما يقع بينهما أكثر النفاس، ورأت مع الثاني دمًا مثل ما رأت مع الأول، فإن قال: لا يكون نفاسًا فمحال، لأن الولد الثاني كالأول فكيف يجعل الأول نفاسًا دون الثاني مع رؤية الدم على صفةً واحدةً، وإن قال: يكون نفاسًا وهو قوله: يؤدي إلى أن يزيد النفاس على ستين يومًا، ولا يقال: هما نفاسان متميزان وهذا عذر هذا القائل من غير إشكال لأنه لم يتخلل الطهر بينهما، والثالث أول النفاس هو من الولد الأول وآخره من الولد الثاني، ولا تبالي إن تجاوز ما بين الولد الأول إلى آخر الدم ستين، وهذا هو اختيار ابن أبي أحمد، ووجهه آن كل واحد منهما هو سبب في إثبات، حكم النفاس بدليل حالة الانفراد فإذا اجتمعا ثبت لكل واحد منها نفاس وتداخلًا فينما اجتمعا فيه، ويفارق هذا خروج الدم قبل انفصال الولد؛ لأنه لم يوجد سبب النفاس. ثم [325 أ/1] أعلم أنه إذا اتصل النفاس إلى شيئين يومًا تتعلق به أحكام الحيض أجمع، وإن انقطع الدم في يوم، ورأت طهرًا يومًا، ورأت خمسةً دمًا وخمسةً طهرا أو عشرةً، وعشرةً إلى الستين تبنى على القولين، فإن قلنا: إنها لا تلفق الدماء فالكل نفاس، وإن قلنا: أنها تلفق فأيام الدم نفاس وأيام النقاء طهر، وقد مضت فائدةً التلفيق في الحيض، وعلى كل لون وجد الدم في الستين فهو نفاس كالموجود في حق الحائض في مدةً خمسةً عشر يومًا، وإن رأت الدم دون يوم وليلةً

عقيب الولد، ثم طهرت خمسةً عشر يومًا، ثم رأت الدم لم يخل الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون مدةً تكون بانفراده حيضًا أولا تكون، فإن كان مما يمكن أن يكون بانفراده حيضًا، ثم إن بلغ يومًا وليلةً فاليوم الأول نفاس قولًا واحدًا، وأما الثاني: قال ابن سريج: فيه وجهان أحدها: أنه حيض مستأنف وما بينهما طهر صحيح، وبه قال أبو يوسف، ومحمد لأنهما دمان فصل بينهما أقل الطهر فلم يضم أحدهما إلى الآخر كالحيضتين وهذا أصح. والثاني: يقاس أيضًا وبه قال أبو حنيفةً: لأنهما دمان في زمان إمكان النفاس فأشبه إذا كان بينهما أقل ;من خمسةً عشرةً، ويفارق الحيضتين [325 ب/1] لأن الثاني لا يمكن ضمه إلى الأول؛ لأن الحيض الواحد لا يبلغ زمانه، وأما ما بينهما من الطهر فهل يكون نفاسًا؟ فيه قولان بناء على القولين في التلفيق. وحكي عن أحمد أنه قال: الدم الأول نفاس، والدم الثاني مشكوك فيه تصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، وتقضي اليوم والطهر والطواف؛ لأنه يحتمل أن يكون نفاسًا، ويحتمل أن يكون دم فساد، وهذا لا يصح لأنه دم في زمان الإمكان يستحيل آن يجعل مشكوكًا في حكمه، ولأنه ناقص فقال: إن كان الدم الثاني أقل من يوم وليلةً كان دم فساد، ويحمل الأمرين على ما قاله، وإن كان بما لا يمكن أن يكون حيضًا بانفراده إن رأت ساعةً دمًا بعد الولادةً، ثم طهرت خمسًة عشر يومًا، ثم رأت ساعةً، واقطع فمن قال في المسألةً الأولى الزمان زمان نفاس ففي هذه المسألةً الدمان نفاس أيضًا، وأما ما بينهما من النقاء هو مبني على القولين في التلفيق، ومن قال هناك: الثاني حيض مستأنف قال ها هنا: يخرج على وجهين أحدها: أنه دم فساد لأنه لا يصلح أن يكون بانفراده، ولا يمكن أن يضم إلى الأول؛ لأنه يتخلل بينه وبينه طهر كامل فلم يبق إلا أن يجعل دم فساد، والثاني: أنه يكون نفاسًا وهو والأظهر لأنه [326 أ/1] إذا لم يمكن أن يجعله حيضًا مستأنفًا أضفناه إلى الأول وجعلناه نفاسًا وهذا قول محمد، والأول قول آبي حنيفةً، وان تخلل الطهر خمسةً عشر يومًا، نم عاد الدم، وجاوز الستين، قال القفال: لا يختلف القول أن النفاس هو ما قبل الطهر وما بعد الطهر حيض، وإن جاوز في نفسه خمسةً عشر تكون مستحاضةَ، وقيل: فيه وجهان أيضًا، وهو محتمل لأن مدة النفاس واحدة فتعتبر بعود هذا الدم فيها حكم الطهر السابق، وفرع ابن سريج على المسألة الأولى، وهو إذا كان الثاني قدرًا يمكن أن يكون حيضًا. مسألةُ أخرى: وهى أنه لو علق طلاقهما بالولادةً فولدت وأخبرت بانقضاء عدتها فإن قلنا الثاني حيض قال ما ينقضي بها عدتها سبعةً وأربعون يومًا، ولحظتان النفاس

لحظةً، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا، ثم طهرت خمسةً عشر ثم يومًا وليلةً رأت حيضًا ثم طهرت خمسةً عشر فإذا رأت من الحيضةً الثالثةً لحظةً بانت، ويمكن انقضاء عدتها بسبعةً وأربعين يومًا، ولحظةً تأتي بأن لا ترى شيئًا من النفاس بحال، وإن قلنا: الدم الثاني دم نفاس لم نحكم لها بالحيض في الستين. بحالٍ، وأقل ما يمكن أن تحيض يومًا عقيب [326 ب/1] الستين، وقد تقدمهما في الستين طهر، ثم طهرت فيه خمسةً عشر، ثم حاضت يومًا وليلةً، ثم طهرت خمسةً عشر فتصير الستين وتسعين يومًا؛ لأن الستين بعد الولادة قد دخلت اللحظة فيها، وتكفي لحظةً واحدةً، وهذا كله إذا لم تعبر الستين، فإذا عبر الستين، واتصل ففيه وجهان: أحدهما: دخلت الاستحاضةً في دم النفاس لأنه دم يسقط فرض الصلاةً اتصل الدم به بعد مدته فكان استحاضةً كما لو عبر في حق الحائض خمسةً عشر، وهذا هو المذهب. والثاني: إن أيام الستين هي نفاس كلها وما بعد الستين استحاضةً، وهذا هو اختيار المزني - رحمه الله - واحتج بأنه كما ظهر حكمنا أنه يقين النفاس فيستصحب ذلك اليقين إلى الأكبر فيجعل الكل نفاسًا إذا جاوزه ويفارق الحيض، فإنه لا يكون يقينًا أول ما ترى بل يكون مشكوكًا فيه، وإذا بلغ يومًا وليلةً حكمنا بأنه حيض فإذا جاوز الأكثر جاز أن يرد إلى الأقل، وهذا غلط؛ لأن عنده لأقل النفاس قدر هو أربعةَ أيام كالحيض سواء فلا يصح الفرق، ولأن الحيض إذا بلغ يومًا وليلةً حصل فيه اليقين، فإن لم يكن قل ذلك يقين فينبغي أن لا تترك بعدم إلا [326 أ/1] الأقل، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثالثًا أن الستين نفاسًا والذي بعده حيض؛ لأنهما جنسان فلا يتنافيان وهذا ضعيف. وإذا قلنا بالمذهب فلا يخلو إما أن تكون مميزةً أو معتادةً، أو لا تمييز لها، ولا عادةً فإن كانت مميزة مثل إن رأت الدم الأسود، ثم تغير إلى أحمر، أو رأت الأحمر ثم تغير إلى الصفرة ردت إلى تمييزها فأيام الأسود، أو أيام الأحمر نفاس وما بعد ذلك استحاضة، وإن كانت معتادة مثل أن ولدت مرة بعد أخرى وكانت عادة نفاسها أربعين يومًا ردت إلى العادة، فيكون قدر العادة نفاسًا وما بعدها استحاضة، وإن لم يكن لما تمييز ولا عادة فكم تنفس؟ فيه قولان: أحدهما: أن اليقين لحظة أو لا شيء أصلًا. والثاني: غالب نفاس النساء أربعون يومًا وقيل قول واحد ترد إلى الغالب. والفرق بينه وبين الحيض أن دم النفاس يقين، ودم الحيض فرددناها إلى أقل الحيض احتياطًا.

فرعان لأبي إسحاق - رحمه الله - أحدهما: امرأة شهرها عشرون يومًا خمسة حيض وخمسة عشر ظهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا، ثم طهرت خمسة عشر، ثم عاودها، واتصل فالأول نفاس، والطهر بعده صحيح وما بعده استحاضة يكون شهرها عشرين يومًا خمسة [327 ب/1] حيض، وخمسة عشر استحاضة، هذا إذا وافق الطهر بين النفاس، والدم الثاني عادة طهرها. والفرع الثاني: امرأة شهرها ثلاثون يومًا، عشرة حيض وعشرون طهر، فولدت فرأت الدم عشرين يومًا وطهرت ستين يومًا، ثم عاودها الدم واتصل بنفاسها عشرون يومًا وبعده طهر صحيح، وما بعده استحاضة يكون شهرها سبعين يومًا عشرة حيض، وستون استحاضة؛ لأن العادة على ظاهر المذهب تثبت بمرة واحدة، وقد طهرت مرة ستين يومًا من نفاسها وحيضها، فانتقلت عن تلك العادة إلى هذه، وعلى قول من قال: لا تثبت العادة بمرة واحدة، قال ها هنا: أردها إلى عادتها فيكون شهرها ثلاثين يومًا ما كان قبل الولادة، وأبو إسحاق فرعها على القول: الدم الثاني بعد الولادة وبعد خمسة عشر يومًا حيض، فإن قيل: لم عبرتم به الطهر دون الدم؟ قلنا: لأن دم النفاس مخالف لدم الحيض في المقدار فلم يتغير به مقدار الحيض، والطهر بين النفاس كالطهر من الحيض فتعين أحد الطرفين بالآخر. وقال القفال: هذا مبني على أن النفاس والحيض جنس واحد، وجنسان فإن قلنا: جنس واحد فقد نقص طهرها، وإن [328 أ/1] قلنا: جنسان فالطهر كما كان والأول أطهر وأصح. فرع آخر ذكره أصحابنا: إذا رأت الحامل خمسة أيام دمًا، ثم ولدت عقبها فرأت دم النفاس، فإن قلنا: إن الحامل لا تحيض بالخمسة استحاضة وما بعد الولد نفاس وإن قلنا: أنها تحيض. اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: الخمسة حيض وما بعد الولادة نفاس، وبه قال صاحب "الإفصاح"، ومنهم من قال: الخمسة استحاضة على القولين معًا؛ لأن ما بعد الولادة نفاس بالإجماع، ولا يجوز أن يتوالى الحيض والنفاس كالحيضتين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا لأنهما دمان من حيضتين فلا يضر أن لا يتخلل بينهما طهر بخلاف الحيضتين. وقال القفال: معنى الوجهين أن الحيض والنفاس جنس واحد أو جنسان؟ فيه وجهان. وقال بعض أصحابنا: بخراسان: إن قلنا بالوجه الأول ترد إلى يوم وليلة من

أول هذا الدم الذي قبل الولادة إن كانت مبتدأة، ثم الباقي دم فساد، وكذلك ما بعد الولادة إلى الشهر الثاني من اليوم المردود وتجعل الولادة كأن لم تكن، وقد يقع الطهر ناقصًا في خلاف دم الفساد، فيكون طهرًا أيضًا مثل إن رأت عشر دمًا، وعشرة طهرًا، ثم ولدت فإنها تكون طاهرة أيضًا بعد [328 ب/1] الولادة عشرة ثم بحيضها يومًا آخر وتجري على ذلك إن اتصل دمها، وإن كانت معتادة وعادتها خمسة نردها إلى خمسة سواء ثبتت لها العادة في زمان الحمل أو قبل زمان الحمل، ويكون الباقي من العشرة الطهر وعشرة بعد الولادة كلها طهر ثم نحيضها خمسة أخرى، وما تقدم أصح لأنه يستحيل أن تجعل الدم بعد الولد في مدة النفاس المحتمل طهرًا. مسألة: قال: "وَالَّذِي يُبْتَلَى بِالْمَذْيِ بِلاَ تَقْطِيعُ مِنَل المُسْتَحَاضَةِ يَتَوَضَّأُ لِكُلَّ صَلاَةٍ فَرِيضَةٍ بَعْدَ غَسْلِ فَرْجِهِ وَيَعَصِبُهُ" وهذا كما قال: المستحاضة ومن به سلسل البول والذي يتوضأ لكل صلاة فريضة حاضرة أو فائتة، ولا يجمع بين صلاتي فرض ولا بين بفرض، ولا بين صلاة فرض وطواف فرض بوضوء واحد، وإذا توضأ الفرض صلى به الفرض الواحد وما شاء من النوافل كما قلنا: في التيمم ولا يجوز لواحد من هؤلاء أن يتوضأ لصلاة الفرض قبل دخول وقتها. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز لواحد من هؤلاء أن يصلي في وقت واحد ما شاء من الفرائض، وتبطل طهارتها بخروج الوقت حتى لا تصلي بها أصلًا، وتجوز طهارتها قبل دخول وقت الصلاة. وبه قال أحمد، وعندنا لا تبطل [329 أ/1] طهارتها بخروج الوقت. وقال الأوزاعي، والليث: تجمع بطهارتها بين الظهر والعصر فقط، وهذا غلط لما روى عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي وتتوضأ عند كل صلاة" ولأن أبا حنيفة - رحمة الله عليه - قال: "إذا توضأت قبل الطهر، ثم دخل وقت الظهر، لم تبطل طهارتها، وقد خرج عنها وقت صلاة العيد. وقال مالك - رحمه الله - لا وضوء على المستحاضة أصلًا عن داود مثله أنه لا

وضوء عليها بما يخرج من الدم بعد الوضوء فكذلك لا وضوء بالأول، وهذا غلط، لأن الدم الأخير يوجب الوضوء، ولهذا لو انقطع يلزمها تجديد الوضوء ولكنه عفي عنه عند الاتصال للضرورة. وإذا تقرر هذا الكلام الآن فيما يجب على المستحاضة فعله إذا أرادت صلاة الفرض والحكم فيها ومن به سلسل البول والقيام والريح، وكذلك من به جرح سائل حكمه حكم المستحاضة إلى في الوضوء، فإن خروجه منه لا ينقص الوضوء إلا أن يخرج الدم من أحد السبيلين كدم البواسير ونحو فإنه كالمستحاضة سواء فإن كان الدم يسيرًا بحيث إذا استدخل قطنة [329 ب/1] أو خرقة انقطع فعلت ذلك، كأن لم ينقطع به وضعت على رأسن القطنة خرقة واستوثقت وتلجمت، والتلجم: هو أن يشد فرجها بخرقة ويعصبها، ثم يشد في وسطه نكة أو خرقة، ويشد تلك الخرقة التي على وسطها من خلفها وطرفها الثاني من بين يديها. وقال الشافعي - رضي الله عنه - في موضع: تأخذ خرقة مشقوقة الطرفين فتدخلها بين فخديها كل طرفين منها على فخدها. وهذا ضعيف وما تقدم هو أصح، فإذا فعلت ذلك وصلت فإن لم يقطر منها الدم أجزأها، وإن قطر الدم نظر، فإن كانت قد استوثقت قدر الإمكان والخارج غلبه فلا قضاء عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام - في المستحاضة. "صل وإن قطر الدم على الحصير قطرًا" كأن لم يكن استوثقت فعليها إعادة الشد والطهارة والصلاة لأنها مفرطه في ذلك، وهكذا من سلسل البول يسيل إحليله لقطنة يدخلها فيه إن كان يمسك بها، وإن كان لا يمسك عصب رأس ذكره بخرقة ويكفيه، ولا يلزمه إدخال القطنة في إحليله لقول الشافعي - رحمه الله - بعد غسل فرجه وتعصيبه، ولا يجوز أن يعلق قارورة يقطر فيه بوله، لأنه يكون يحمل نجاسة في غير معدتها بلا ضرورة. فإذا تقرر هذا [330 أ/1] ودخل عليها وقت الصلاة فتوضأت رفعت بها الحدث الماضي دون القائم والحادث، ثم يُنظر، فإن صلت عقيب الفراغ من الوضوء صحت الصلاة، وإن أخرت خارج وقت الصلاة زالت طهارتها في حق الفرض وتجوز لها النوافل. ومن أصحابنا من قال: يجوز لها أداء الفرض كما لو تتيمم للفائتة ثم دخل وقت الفريضة به يجوز له أن يصليها به في أحد الوجهين، وهو اختيار القفال وإن أخرت

الصلاة من أول وقتها نظرت، فإن كان التأخير لسبب يتعلق بمصلحة الصلاة كاستقبال القبلة وإصلاحها ولباس البدن وانتظار الجماعة والخروج إلى المسجد لم يقدح فيها، إن كان بغير سبب. قال ابن سريج: فيه وجهان. أحدهما: لا يجوز لها أن تصلي به الفريضة، لأنه ما رخص في الحدث القائم حالة الصلاة فلا يجوز لها تأخير الصلاة أكثر من الحاجة. والثاني: يجوز ذلك لأنه لما جاز لها تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جاز تأخير فعلها بهذه الطهارة، وهل يلزمها غسل الفرج لكل صلاة فريضة؟ فيه وجهان، وقيل قولان: أحدهما: ما نص عليه ها هنا أنه يلزمها ذلك لأنها تقدر على إزالة تلك النجاسة، والثاني: لا يلزمها ذلك ما لم تزل الضرورة أو العصابة وقيل: أو طهر على [330 ب/1] العصابة، ذكره القفال. ولو توضأت وانقطع دمها لا تخلو إما أن يكون انقطاع عادة أو لا عادة لها به، فإن لم يكن لها عادة بانقطاعه مثل أن تكون مبتدأة، فإن لم تكن خلت في الصلاة بطلت طهارتها وعليها استئنافها، وهذا لأن الانقطاع يحتمل أن يكون لكبر أو زوال العلة، ويحتمل أن يكون لعارض ولم تزل العلة إلا أن الظاهر زوالها وحصول البرء منها، فيبطل وضوءها الأول ويلزمها تجديد الوضوء، وإن كان الانقطاع في الصلاة فالمذهب المنصوص أنه تبطل صلاتها، وفيه قول مخرج من التيمم أنه إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته، وقد مضى الفرق فيما تقدم، وإن كان لها عادة بانقطاعه، مثل أن تستمر عادتها أنه تنقطع ساعة وتسيل ساعة، والقدر الذي تنقطع فيه لا يتتبع الطهارة والصلاة، فلا يقدح ذلك في الطهارة ولها الدخول في الصلاة، وإن انقطع انقطاعًا بينًا يمكنها تجديد الطهارة فعليها أن تتوضأ وتصلي، وصار هذا الانقطاع بمنزلة الانقطاع المثل للبرد وزوال العلة، فإن توضأت ودخلت في الصلاة فعاد الدم بطلت الطهارة قولًا واحدًا كابتداء الاستحاضة، ولكنه حدث عليها الصلاة فتخرج وتتوضأ وهل تبنى على. . . [331 أ/1] تستأنف قولان كمن سبقت الحيض سواء. وفرع ابن سريج عن الفصل الأول. وقال: إذا انقطع دمها بعد الوضوء والدخول في الصلاة، وقلنا لها: لا تْدخلي في الصلاة مثل الوضوء ثم عاد الدم قرب فيه وجهان. أحدهما: صحت الصلاة لأن هذا الانقطاع هو كل انقطاع على ما ظهر. والثاني: وهو المذهب الصحيح أن صلاتها باطلة، لأنها دخلت فيها معتقدة أنها محدثة، فلم تنعقد، وإن بان أنها متطهرة اعتقد انقضاء المدة في مسح الخفين يدخل في الصلاة، ثم بان بقاء المدة لم تصح صلاته كذلك ها هنا.

فرع آخر لو كان انقطاعها عادة، وقلنا: يجوز الدخول في الصلاة فدخلت فإن عاد الدم قريبًا صحت صلاتها واتصل الانقطاع بطلت صلاتها وجهًا واحدًا لأنها علمت الخطأ في تقدمها أن الانقطاع غير تام. وذكر أبو حامد عن ابن سريج فيه وجهين كما في ابتداء الانقطاع غلط ظاهر. فرع آخر لو كان الانقطاع في أثناء الصلاة وكان قدراً ......... الصلاة أيضًا.

..............

كتاب الصلاة

كتاب الصلاة باب وقت الصلاة والأذان اعلم أن الصلاة في اللغة: عبارة عن الدعاء، يقال: صلى فلان، يعني دعا. قال تعالى: "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" [التوبة: 103]، أي: ادع لهم. وقال تعالى: "وصلاة الرسول" [التوبة: 99]، وأراد دعاء الرسول. ثم الشرع سمى الدعاء مع ما ضمه إليه من الأفعال والتكبير والقراءة صلاة، فكأنه أقر الدعاء على ما كان، وأضاف إليه غيره من الأركان، فصار عرف الشرع منصرفاً إليها، فمتى ورد في الشرع الأمر بالصلاة مطلقاً، انصرف إلى الصلاة الشرعية دون اللغوية. والأصل في وجوب الصلاة قوله تعالى في غير موضع: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" [البقرة: 43]. وقوله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" [البينة: 5]. وروى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس "، وذكر منها: "وإقام الصلاة". وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خمسكم " الخبر. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد كفر"، ولأنه لا خلاف بين المسلمين في وجوبها، والإجماع حجة، فإذا تقرر هذا: قال الشافعي - رحمة الله تعالى عليه- في استقبال القبلة: سمعت من أثق بخبره وعلمه يقول: أن الله تعالى أنزل فرضاً في الصلاة ثم نسخه بفرضٍ غيره، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس، ويعني به قوله تعالى: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا،

نصفه" [المزمل: 1 - 3] الآية. وجملة ذلك، أن فرض الصلاة كان قيام الليل نصفه أو أزيد منه ثلثه [1 أ/2]، أو أنقص من ثلثيه، وهو المراد بقوله تعالى: "نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه" [المزمل: 3 - 4]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي به وطائفة من الذين آمنوا معه. قال الله تعالى: "إن ربك يعلم أنك تقوم ادنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك" [المزمل: 20] معك ثم تاب الله تعالى على عباده وخفف عنهم، فنسخه بعد سنة إلى قيام اليسير من الليل، فقال تعالى: "فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" [المزمل: 20]، يعني: فصلوا، فعبر عن الصلاة بالقراءة، لأنها ركن من أركانها، وعبر بالقيام عنها في أول السورة، لأنه ركن منها. قال ابن عباس رضي الله عنه: «كان بين أول السورة وبين آخرها سنة»، ثم نسخ كله بقوله تعالى: "ومن الليل فتهجد به نافلة لك" [الإسراء: 79]. وقيل: نسخه بالصلوات الخمس واستقر الأمر عليها، وكان ذلك ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، لم يزد عليها، ولم ينقص بدليل ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس صلوات فرضهن الله تعالى في اليوم والليلة، فمن أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل ذلك فليس له على الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ". ثم فرض الصوم بعد الهجرة بثلاث سنين، فكان بين فرض الصلاة والصوم أربع سنين، ثم فرض الحج بعد الهجرة بست سنين، فكان بينه وبين الصوم ثلاث سنين، وفرض الصلاة قبل فرض الصوم، وقيل: بعد فرض الصوم، فإذا تقرر هذا، فاعلم أن الصلوات الخمس مؤقتة، بدليل قوله تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا" [النساء: 103]، أي مكتوبة موقتاً، ثم ذكر الوقت في آيتين ذكراً فيه إجمال، فقال في موضع: "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون" [الروم: 17 - 18]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: "سبحان الله" أي: سبحوا الله، ومعناه: "صلوا". فعبر عن الصلاة بالتسبيح، وأراد بقوله: "حين تمسون" صلاة المغرب

والعشاء، وأراد بقوله: "وحين تصبحون" صلاة الصبح، وأراد بقوله: "وعشياً" صلاة العصر، "وحين تظهرون" صلاة الظهر. وقال في موضع آخر: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر * إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: 78]. والدلوك: هو الزوال، فتضمن ذلك صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم أفرد صلاة الصبح بالذكر، فقال: "وقرآن الفجر"، يعني: صلاة الفجر. وقيل: الدلوك: عبارة عن الغروب، فيكون فيه ذكر العشاء من صلاة الفجر. وقوله: "مشهودا"، أي: تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، ثم بين جبريل عليه السلام الأوقات للنبي صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا، ورد فيه الإخبار وأحسنها ما روى نافع وجبير بن مطعم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمني جبريل عليه السلام عند باب البيت مرتين، فصلى بي الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس ". وروى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى بي العصر حين كان كل شيء بقدر ظله، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بين الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم عاد في اليوم الثاني، فصلى بي الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله قدر العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار كل شيء مثليه، ثم صلى بي المغرب للقدر الأول لم يؤخرها، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر. وروي: وقد كاد [2 أ/ 2] حاجب الشمس يطلع، ثم التفت، فقال: يا محمد هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك. والوقت فيما بين هذين. وقوله: مثل الشراك ليس على مضي التحديد، ولكن الزوال لا يستبان بأقل ما يرى من الفيء وأثلّه فيما يقدر ما هو مبلغ قدر الشراك، أو نحوه، وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلدان، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلدان التي ينتقل فيها الظل، أي يصير الظل تحت النقل عند الزوال، وإذا كان أطول يوم في السنة، واستوت الشمس فوق الكعبة، لم ير شيء من جوانبها ظل، وكل بلد يكون أقرب إلى وسط الأرض كان الظل فيه أقصر وما كان من البلدان أبعد من واسطة الأرض، وأقرب إلى طرفها، كان الظل فيه أطول.

مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه: والوقت للصلاة وقتان. الفصل وهذا كما قال: اعلم أن وقت القيام هو وقت الصلاة في حال الإقامة، ووقت الرفاهية هو وقت من لا عذر له، كما بينه جبريل عليه السلام. والرفاهية هي: الخفض والدعاء. وأما وقت العذر والضرورة، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: وقت العذر غير وقت الضرورة، لأن العذر ما رخص له فيه من غير أن يدفع الإنسان إليه، والضرورة ما دفع إليه من غير اختياره فوقت العذر، هو وقت المعذور بالسفر والمطر عند الجمع. وأما وقت الضرورة، فهو وقت الصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق وغير ذلك، فهذا القائل يقول: الوقت ثلاثة: وقت مقام، ورفاهية، ووقت عذر وهو وقت الجمع، ووقت ضرورة. وقد نص الشافعي على هذه الأوقات الثلاثة فغلط المزني فجعلها اثنين. ومن أصحابنا من قال: أصاب المزني فيما ذكر، وأراد بقوله: [2 ب/ 2]، ووقت عذر وضرورة ويسر. وثلاثة أقسام قد تجعل خبرين: يقسم في خبر، ثم قسمان. وإنما صح ذلك له، لأن كل ضرورة عذر، وإن لم يكن كل عذر ضرورة، وهذا غير صحيح، لأنه ذكر في آخر الباب ما يدل على فساده، فقال: والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، ثم فسر بطهر الحائض وإفاقة المجنون، فثبت أنه أراد بهما وقتا واحدا. وقال أبو إسحق: وقت العذر والضرورة واحد، لأن كل ضرورة عذر، وهو وقت الصبي إذا بلغ وغيره، ولم يذكر في جملتهم المسافر والممطور، بل ذكر ذلك في باب الجمع. وهذا أصح، لأن الشافعي قال: الوقت للصلاة وقتان، وفسره بكذا في آخر الباب. ونسب المزني هذه العبارة إلى الشافعي، وهو صادق في الرواية، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان وقت الصلاة وقد بدأ الشافعي في "القديم" بيان وقت صلاة الصبح أولاً، وعليه كل الفقهاء، وبدأ في "الجديد" ببيان وقت الظهر أولاً، وهذا أولى، لأنه اعتمد في بيان الأوقات على خبرين أشار إليهما في آخر هذا الفصل.

وكانت صلاة الظهر هي المبدأ ببيان وقتها في كل الخبرين، ولهذا سميت الظهر الصلاة الأولى. ثم اعلم أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وزوالها ميلاً عن وسط الفلك، لأنها تطلع، ولا تزال في الارتفاع حتى تنتهي إلى وسط الفلك، فإذا انتهت إليه انحطت عنه، وهو زوالها. وذلك أن السماء على الدنيا مثل القبة مسبلة الأكتاف عالية الوسط، ألا ترى أن الشمس ترى عظيمة حين تطلع لقربها منك، وإذا علت صغرت في رأي العين لبعد المسافة وبيان فالزوال في الأرض أنها أول ما تطلع يكون الظل في الشمس طويلا مديداً نحو المغرب، فكلما علت يتقلص الظل حتى تنتهي إلى وسط الفلك، فإن كان [3 أ/ 2] الزمان صيفاً، والمكان وسط الدنيا مثل مكة، لم يبق لكل شخص قائم معتدل ظل بحال حتى يأخذ الشمس حواليها كلها من غير ظل، وهذا لا يكون إلا يوماً واحداً على ما ذكرنا، فمتى سقط الظل وإن قل فقد مالت الشمس، وإن لم يكن الزمان صيفاً، وهو الربيع والخريف والشتاء، أو كان صيفاً، ولكن المكان غير وسط الدنيا، فالفيء لا يتقلص كله حتى لا يبقى للشخص فيء، بل يبقى له ظل يخلف قدره بالزمان والمكان، لأن الشمس تبلغ في الصيف وسط السماء، فتبعد من الأرض وينقص الفيء. وفي الشتاء يصير في عرض السماء، ولا تبلغ الوسط، فتكون أقرب إلى الأرض، فيطول الفيء فمعرفة الزوال في هذه الفصول أو في الصيف في غير وسط الدنيا أن ينظر إلى الظل، وتتفقد تناقصه حتى إذا علمت انتهاء النقصان، فقد عرفت انتهاء ارتفاعها، فإذا ظهر الظل نحو المشرق أدنى شيء، فذلك زوال الشمس، وهذا لأن أول ما تطلع الشمس يقع الظل إلى ناحية المغرب مستطيلاً، ثم لا تزال ترتفع ويتقلص الظل، ثم عند استواء الشمس يأخذ الظل الثاني الذي لا يزال في الزيادة نحو المشرق، فإذا تحقق زوال الشمس، فقد دخل أول وقت الظهر ووجبت الصلاة ويجوز الأذان لها. قال الله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" [الإسراء: 78]، قال الشافعي: أراد به زوال الشمس دون الغروب. وبه قال ابن عمر وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهم، قالوا: دلوك الشمس: ميلها. وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: الدلوك: غروبها، وهذا غلط لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خبر المواقيت، فصلى في الظهر حين دلكت

الشمس، فدل أن المراد به الزوال، ولأن اسم الدلوك يقع على الزوال على ما ذكرنا عن الصحابة، وهم أهل اللسان، ويقع على الغروب على ما ذكرنا، [3 ب/ 2] وذلك لأن الدلوك: الانتقال والتحول، وهو حاصل فيهما، ولكن حمل الآية على الزوال أولى، لأن ذلك ينتظم جميع الصلوات، ولأنه أسبق، فانصرف إليه الأمر. وذكر أبو جعفر الراسي في المواقيت، قبل أن ينتهي طول النهار بستة وعشرين يوماً لايكون للشخص في مكة ظل. وكذلك بعدما انتهى بستة وعشرين يوماً، وهذا غريب. وأما قبل الزوال، لا يجوز استفتاح صلاة الظهر بحال. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما رواية ضعيفة، أنه يجوز استفتاحها قبل الزوال بقليل، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للصلاة أولاً وآخراً، وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس". وقال مالك: يؤخر استفتاحها بعد الزوال حتى يصير الفيء قدر ذراع، وهذا غلط لقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس" [الإسراء: 78]، فاعتبر الزوال وحده. وروي أن جبريل عليه الصلاة والسلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت الزوال، وقال: قم يا محمد فصل الظهر، فإذا تقرر هذا، فاعلم أنه يسهل معرفة ذلك إذا كانت الشمس طالعة، والسماء صاحية، فإن كانت السماء مغيمة، قال الشافعي: راعي الشمس فإنه نزوله منها ما يدله وإلا تأخر حتى يرى أنه قد صلاها بعد الوقت، واحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف دخول وقت العصر، وهذا صحيح، فيقول: إذا كانت السماء مغيمة راعى قرص الشمس، فإن بانت له من وراء الغيم تحمل على ما يدله عليه وإن لم يرها تجري في ذلك، واستدل على دخول الوقت بعمل أو قرئ أو قراءة قرآن ونحو ذلك، فإذا غلبه على ظنه دخول الوقت بشيء من ذلك عمل عليه. وأحب الشافعي أن يؤخرها إلى أن يخاف خروج الوقت، فإذا صلى بذلك نظر فإن لم ينكشف الأمر بذلك، كانت الصلاة مجزية، وإن انكشف الأمر بظهور الشمس، فإن بان أنه فعلها قبل الوقت لم تجزه، وإن بان أنه فعلها في الوقت أجزأته، [4 أ/ 2] وإن كان فعلها بعد خروج الوقت أجزأته، هذا يدل على أن نية القضاء لا تجب، لأنه اعتقدها أداء.

قال الشافعي: وسواء علم بذلك بنفسه أو أخبره من صدقه، أراد به إذا أخره عن مشاهدة، وإن أخره عن اجتهاب لم يلزمه قبوله، وكذلك إن أخبره من لا يصدقه لم يلزمه قبوله، والاحتياط الإعادة إذا أخبره أنه فعلها قبل الوقت، وإن لم يصدقه. قال الشافعي في "الأم": وإذا كان أعمى وسعه خبر من يصدقه في الوقت والاقتداء بالمؤذنين. وقال أيضا في استقبال القبلة، وإن كان محبوساً في ظلمة أو أعمى ليس بقربه أحد لم يسقه أن يصليها وتأخى على إلا عليه عنده من مرور الوقت من نهار وليل، وإن وجد غيره تآخى به. وهذا يدل على أن المحبوس والأعمى يجوز لهما التبيان. ووجه ذلك أن في إمارات الوقت ما يدرك بالبصر مثل قرصة الشمس من وراء الغيم والفيء الخفي. وفيها ما يدرك بالعمل والصفة وغير ذلك، فأشبه الأواني لما كان منها ما يستدل على طهارتها ونجاستها بالبصر. ومنها: ما يستدل عليه بغير البصر، كان له الاجتهاد والتقليد إن لم يتبين له. ومن أصحابنا من قال: ليس له التقليد فيه لأنه من أهل الاجتهاد فيه فأشبه البصير غير المحبوس ويفارق القبلة لأنه ليس من أهل الاجتهاد فيها. هذا خلاف النص وإن أخبرهما واحد بالوقت عن مشاهدة وكان مصدقاً عندهما لزمهما قبول ذلك والعمل به وأما العمل على أذان المؤذنين، قال أبو حامد: الأعمى والبصير في ذلك سواء، لأن الأذان بمنزلة الإخبار بالوقت، فيجب قبوله وحكي عن ابن شريح أنه قال: الرجوع إلى الأذان جائز للبصير والأعمى بلا خلاف إذا كان المؤذن ثقة، عارفاً بالمواقيت، لأن الناس يحضرون الجمعة من صلاة الغداة وعشياً غلون بالنوافل، فإذا أذن المؤذن عمل الكل في الأذان، ولا يطالع كل واحد منهم الشمس. وقال القاضي أبو الطيب: هذا لا يصح، لأن الشافعي خص الأعلى به، ولأن المؤذن (يحمتل) أن يكون يؤذن عن اجتهاب لا عن مشاهدة، ويسوي البصر في الاجتهاد، والواجب أن يقال: ينظر، فإن كان في الصحو قبل لأنه إذا كان ثقة لا يؤذن إلا بعد العلم بدخول الوقت من طريق المشاهدة، ويكون حراً، وإذا كان غيماً لا يجوز للبصير أن يقلده، لأنه يمكنه الاجتهاد، ويجوز للأعلى أن يقلده على ما ذكرنا. وقال أصحابنا: إلا أن يكون المؤذنون عدداً في جهات شتى، لا يجوز على مثلهم

الغلط والتواطئ، فيقع بهم العلم في دخول الوقت، فيجب قبوله. وقيل في الغيم وجهان، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز للبصير تقليد المؤذن، وإن كان صحواً، لأنه يجوز إن لم يؤذن عن مطالعة، بل أذن عن اجتهاد. والصحيح ما تقدم، ولو صلى المحبوس في ظلمة أو الأعمى من غير تآخ. قال الشافعي: أعاد الصلاة وإن وافقا الوقت، وأراد إذا صلى من غير خبر، كالخبر عن اجتهاد، ولو خفيت عليه، ولا يلي الوقت ولم يظهر ما يستدل عليه حتى على حسب حاله، وأعاد بكل حال، لأنه صلى بغير اجتهاد. فرع قال بعض أصحابنا: إن الاعتماد على أصوات الديكة في القوت ينظر فإن كان وجدها في زمان الصحو تصح عادة بقدر دخول الوقت، فله أن يعتمد على أصواتها وإلا فلا. فرع آخر بصير في بيت لا يقدر على الخروج ومطالعة وقت الصلاة، قيل له: أن يجتهد في الوقت، وجهان: أحدهما: لا يجتهد لأنه قادر على اليقين، كالمكي لا يجتهد في القبلة [5 أ/2]. والثاني، يجوز، وهو ظاهر المذهب، لأن اجتهاده من حمل الدليل عليه، ولأن للأعمى أن يجتهد فيه، وإن كان قادراً على سؤال البصير. وبه فارق القبلة، ولأن الصحابي كان يجتهد ويبني، وإن كان قادراً على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم. مسألة: قال: " ثم لا يزال وقت الظهر قائماً حتى يصير ظل كل شيء مثله"، وهذا كما قال. اختلف العلماء في آخر وقت الظهر فعندنا إذا صار ظل كل شيء مثله فقد خرج الوقت، فإن لم يكن للشمس حين الزوال ظل، فحتى يصير ظل كل شيء مثله من أصل الشخص، وإن كان للشخص من الزوال ظل، فحتى يصير ظل كل شيء مثله من عند الزيادة على الظل الموجود حتى لو كان الشخص سبعة أذرع، وظله وقت الاستواء ذراع، يجب أن يصير الظل ثمانية أذرع.

وقيل: مثل الإنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، فإذا أردت أن تقدر المثل، فقدر الزيادة من التي بقدمك، وذلك بأن تقف في موضع مستو من الأرض، وتعلم على الموضع الذي انتهى إليه فيه، وتعرف قدر ما زالت عليه الشمس، وتقدر فيه بالأقدام، فيضع قدمه اليمنى بين يدي قدمه اليسرى، فيلصق عقبيه بإبهامه اليسرى، فإذا مسحه بالأقدام أسقط منه القدر الذي زالت عليه الشمس، فإذا بلغ الباقي ستة أقدام ونصف فقد بلغ المثل، وبهذا قال الأوزاعي والليث والنووي والحسن بن صالح وأحمد وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. وروي هذا عن مالك وقال: بعضهم وقت الظهر إذا من حين الزوال إلى غروب الشمس ووقت العصر من حين يصير ظل كل شيء مثله إلى الغروب فما بين الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله مختص بالظهر، والباقي في الغروب مشترك بين الظهر والعصر. وبه قال عطاء وطاوس [5 ب/ 2] وهو رواية ابن وهب عن مالك، وحكى ابن جريج عن عطاء، قال: لا يفرط بتأخيرها حتى تدخل الشمس في الصفرة. وقيل عن مالك: آخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات، ووقت الاختيار عنده نحو قولنا. وقال ابن جرير وابن المبارك وإسحق ابن راهويه: إذا صار ظل كل شيء مثله فقد دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر إلى أن يمضي من الوقت بمقدار ما يصلى فيه أربع ركعات، ثم يخرج وقت الظهر، ويكون باقي النهار إلى الغروب من وقت العصر. وحكى ابن جرير هذا عن مالك. وقيل: إنه اختيار المزني وأبو ثور، واحتجوا بأنه روي: أن جبريل عليه السلام "صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول "، وهذا غلط، لأن الوقت الواحد لا يجوز أن يكون مشتركاً بين صلاتين كسائر الأوقات. وأما الخبر فالمراد بقوله: "صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله "، أي: ابتداؤها. "وفي اليوم الثاني صلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله " أراد فرغ منها لأن الخبر سبق لبيان الأوقات وتحديد أوائلها وأواخرها، بدليل قوله: في آخره "الوقت فيما بين هذين الوقتين "، فلو كان الأمر على ما قالوه لبقي الإشكال في أمر الأوقات، لأن الصلاة تطول في العادة وتقصر، والذي يوجب حمله على هذا ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ووقت

الظهر ما لم تحضر العصر". واحتج من نصر رواية ابن وهب عن مالك بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «جمع بين الظهر والعصر في الحضر»، قلنا: محمول على العذر بالمطر، أو جمع بينهما على التعاقب، فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها [6 أ/ 2]. وقد روى أبو قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس التفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة أن يترك صلاة حتى يدخل وقت أخرى». وروي عن أبي حنيفة ثلاث روايات: إحداها: مثل قولنا. رواها الحسن بن زياد عنه. والثانية: أخر وقتها إذا صار ظلُّ كل شيء مثليه. رواها أبو يوسف عنه، وهو المشهور. والثالثة: رواها أبو يوسف أيضاً، آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثليه، ولم يجد ذلك المقدار. وحكي عن أبي يوسف أنه قال في هذا الموضع: لم يرض صاحبنا بأن خالف النبي صلى الله عليه وسلم حتى خالف جبريل عليه السلام!. مسألةٌ: قال: «فإذا جاز ذلك بأقل زيادة فقد دخل وقت العصر»، وهذا كما قال عندنا أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة، وبهذه الزيادة يتبين خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، وهي من وقت العصر، ولا فصل بين الوقتين. وقال في «الأم»: وقتاهما يتجاوران. ومن أصحابنا من قال: وقت الزيادة فصل بين الوقتين، وهو خلاف النص. وقال أبو حنيفة: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وزاد عليه أقل زيادة، فقد دخل وقت العصر، واحتج بقوله تعالى: "وأقم الصلاة طرفي النهار" [هود: 114]، فلو كان وقتها ما ذكرتم كان وسط النهار، وهذا غلط لما ذكرنا من حديث جبريل عليه السلام، ولا حجة في الآية، لأن الطرف ما تراخى عن الوسط، وهذا موجود فيما ذكرناه.

مسألةٌ: قال: «ثم لا يزال وقت العصر قائماً، حتى يصير ظل كل شيء مثليه». وهذا كما قال: آخر وقت العصر من طريق الاختيار أن يصير ظل كل شيء مثليه، وما بعد هذا وقت الجواز من غير كراهية إلى أن تصفر الشمس وما بعدها [6 ب/2] وقت الجواز مع الكراهة إلى أن تغرب الشمس، فإن صلى قبل غروب الشمس لا يكون عاصياً ولا قاضياً، وحصل للعصر أربعة أوقات: وقت الاستحباب، وهو أول الوقت، ثم وقت الاختيار إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ثم وقت الجواز من غير كراهة إلى أن تصفر الشمس، ثم وقت الجواز مع الكراهة حالة اصفرار الشمس إلى الغروب. وقال أبو سعيد الاصطخري: إذا زاد الظل على مثليه، فقد فات وقت العصر، ويصير عاصياً قاضياً بعده إذا كان بغير عذرٍ، وهذا اختاره وليس بمذهب. واحتج بإمامة جبريل عليه السلام أنه صلى العصر في الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه. وقال: «الوقت فيما بين هذين»، وهذا غلط، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «وقت العصر ما لم تصفر الشمس»، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح». وأما خبر جبريل عليه السلام فمحمول على بيان وقت الاختيار، وحكي عن سفيان وأحمد أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس. وعن الأوزاعي نحو من ذلك، وقيل عنهم: ما لم تتغير الشمس. مسألةٌ: قال: «فإذا غربت الشمس، فهو وقت المغرب والأذان». الفصل وهذا كما قال وقت صلاة المغرب، يدخل بغروب الشمس إجماعاً. وقيل: هو أن يسقط قرص الشمس بكماله حتى لا يبقى شعاع الشمس على الأبنية العالية ورؤوس الجبال. واختلفوا في آخر وقتها، فقال الشافعي في «القديم» و «الجديد»: لها وقت

واحد، ولهذا لم يقل: فإذا غربت [7 أ/ 2] الشمس، فهو أول وقت المغرب كما قال في الظهر والعصر، لأن مذهبه أن وقتها غير ممتد. وبه قال مالك والأوزاعي، وحكي عن مالك أنه قال: يمتد وقتها إلى قبل طلوع الفجر كما قال في الظهر، وحكى أبو ثور عن الشافعي أن لها وقتين، أولهما هذا، وآخرهما إلى دخول وقت العشاء. وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وابن المنذر والزبيري من أصحابنا، وهذا أصح القولين عندي للأخبار الثابتة فيها، وذلك ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق»، أورده أبو داود في «سننه». قال أبو سليمان الخطابي: هذا القول أصح لهذا الخبر، فور الشفق: بقية حمرة الشمس في الأفق، وسمي (فوراً) لفورانه وسطوعه. وروي: ثور الشفق، وهو ثوران حمرته. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، أورده مسلم بن الحجاج في «الصحيح». وروى جابر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة، فقال: «صل معنا»، فذكر الحديث وفيه: «ثم صلى المغرب في اليوم الثاني قبل غيبة الشفق». ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد: أن لها وقتاً واحداً، ولا تصح رواية أبي ثور عنه، ووجه هذا أن جبريل عليه السلام صلاها في اليومين لوقت واحد. وروى العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم». والفطرة: الدين. وروي عن أبي عمران: أن عقبة بن عامر «صلى بهم المغرب، فأخرها» ونحن بالقسطنطينية، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال أبو أيوب لعقبة: لم تؤخر صلاة المغرب وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [7 ب/ 2] فيراك من لم يصحبه، فيظن أنه وقتها؟ فقلنا لأبي أيوب: فمتى وقتها؟ فقال: كنا نصليها حين تجب الشمس نبادر بها طلوع النجم. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أخر صلاة المغرب لشغل اشتغل به

غير ناسٍ حتى طلع نجمان، فأعتق رقبتين، وقال عمر رضي الله عنه: «ما صلاة أخوف فواتاً عندي من المغرب» فإذا قلنا بهذا القول، فلا وقت استدامةٍ، فوقت الافتتاح من حين تغرب الشمس، ويمضي قدر ما يتطهر للصلاة، ويلبس ويؤذّن، ولا يجوز تأخير الافتتاح عن هذا الزمان. وقال أبو حامد: وإن أخر افتتاحها عن هذا الوقت عصى وأثم، وفي هذا نظر، لأن المنصوص أن من أدرك ركعة من الوقت لا يكون عاصياً. وأما مقدار وقته، فما ذكرنا وقد فعل ثلاث ركعات لا طويلة ولا قصيرة على حسب العرف فيها، فإن لم يفعل وأخرها عن هذا الوقت صار مفرطاً عاصياً، وللصلاة قاضياً، ولا يعتبر صلاة كل أحد طهارته في نفسه، لأن العادات مختلفة، فمن الناس من يستغرق بطهارته زماناً مديداً لثقل حركته، لأن لك الصلاة، وإنما يعتبر الوسط من الدرجتين لا في غاية الخفة، ولا في غاية الإبطاء، والمرجع فيه إلى العادة. وهذا في الحقيقة تقدير وقتها بالزمان لا بالفعل. وقال بعض أصحابنا: جميع وقت المغرب بمنزلة أول وقت كل صلاة، فيجوز أن يتراخى عن غروب الشمس كما أن من أخر الصلاة في غيرها قليلاً، ثم صلى يكون مصلياً في أوله، وهذا معنى وقت واحد ولسائر الصلوات وقتان يريد أن لها وقتاً أولاً، ووقتاً آخراً، فينبغي أن يكون وقت (المغرب) بقدر وقت الأول من سائر الصلوات، وذلك منها ما لا يبلغ إلى نصف وقتها. وقال صاحب «الحاوي»: «هل يتقدر وقتها بالفعل أو بالعرف؟ وجهان: أحدهما: بالفعل [8 أ/ 2]، وهو بما ذكرناه. والثاني: بالعرف، وهو أن يكون إذا أتى الصلاة فيه لم ينسب في العرف إلى تأخيرها عن أول الوقت، لأن الفعل يختلف بالعجلة والإبطاء، ولأن الصلاة ذات الوقتين يتقدر أول وقتها بالعرف لا بالفعل، ومنزلة المغرب في تفردها بوقت واحد منزلة الوقت الأول من الوقتين». وقال بعض أصحابنا بخراسان: بتقدر بالفعل ويعتبر أداء خمس ركعات وسط، وهذا خلاف ظاهر المذهب. وقيل: يعتبر أن يكون الستر والطهارة قبل الغروب ثم ما بين ذلك إلى غروب الشفق خالياً عن الصلاة في وقت الرفاهية، ولا يقطع أنه خالي عن الصلاة على الإطلاق، لأنه وقت لها عند الجمع. وأما وقت الاستدامة، قال أبو

إسحق: فيه ثلاثة أوجه، المذهب أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق للأخبار الواردة في هذا الباب، وقد ذكرناها. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للصلاة أولاً وآخراً وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وآخر وقتها حين يغيب الأفق». وروي عن مروان بن الحكم أنه قال: قال لي زيد بن ثابت رضي الله عنه: تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطول الطوليين يريد أطول السورتين، ويقال: إنه أراد سورة الأعراف. والوجه الثاني، لا يستديمها أكثر من وقتها الذي ذكرنا. والثالث: يستديمها قدر ما ذكرنا من العرف في أول وقت سائر الصلوات. واعلم أن العرب يسمُّون صلاة المغرب العشاء، وقد روى البخاري في «صحيحه» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تغلبنكم (الأعراب) على اسم صلاتكم، إنها المغرب، والمغرب يسمونها العشاء»، فَكَرِه ذلك [8 ب/ 2]. مسألةٌ: قال: «فإذا غاب الشفق، وهو الحمرة، فهو أول وقت عشاء الآخرة والأذان». وهذا كما قال: لا خلاف أن وقت العشاء إذا غاب الشفق، ولكن اختلف العلماء في الشفق فعندنا أنه الحمرة، فإذا غابت الحمرة، فقد دخل وقتها. وبه قال ابن عمر وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ومكحول وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير والزهري وطاوس ومالك والثوري وابن أبي ليلى وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود وأبو يوسف ومحمد رضي الله عنهم. وحكى عنه أنه قال: وقتها في البلدان والأبنية عند غيبوبة البياض، وفي الصحارى عند غيبوبة الحمرة، وإنما اعتبر هذا لأن البنيان في ستر منه، فاحتاط أن يؤخرها إلى غيبوبة البياض في البنيان بخلاف الصحارى. وفي الحقيقة عنده الشفق: الحمرة. وقال أبو حنيفة: الشفق: البياض. وبه قال زفر والأوزاعي والمزني، وروى ذلك عن أبي هريرة وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم،

وحكى عن الفراء أنه قال: الشفق: الحمرة. وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: الشفق: البياض. وقال بعض أهل اللغة: الشفق: اسم للحمرة والبياض معاً، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني، وأبيض ليس بناصع، وإنما يعلم المراد منه بالأدلة لا باليقين. الاسم كالقرء الذي يقع على اسمه على الطهر والحيض معاً، والدليل على صحة ما ذكرنا ما روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفق: الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة». وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشفق، فهو لليلتين»، فدل على أن الشفق: الحمرة. فرع قال بعض أصحابنا في بلاد المشرق [9 أ/ 2] بنواح تقصر الليالي، فلا يغيب الشفق عندنا فأول وقت العشاء في حقهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر مغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم. مسألةٌ: قال: «ثم لا يزال وقت العشاء قائماً حتى يذهب ثلث الليل». وهذا كما قال، اختلف قول الشافعي رحمة الله عليه في آخر وقت العشاء المختار، فقال في «الجديد»: وقتها إلى ثلث الليل. وبه قال عمر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ومالك وأحمد في رواية. وقال في «القديم» و «الإملاء»: وقتها إلى نصف الليل. وبه قال ابن المبارك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد في الرواية الثانية، وهذا اختيار أبي إسحق. وبه أقول لأن الزيادة في الخبر أولى، واحتجوا بما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ووقت العشاء إلى نصف الليل». وظاهر المذهب الأول لما روي من حديث جبريل عليه السلام، ولأن الثلث، ثبث بجميع الروايات، وتعارضت الأخبار في الزيادة، فسقطت الزيادة.

وقال ابن سريج: ليست المسألة على قولين، فيقول رواية من روى إلى ثلث الليل محمولة على أنه آخر وقت الابتداء بها. ورواية من روى إلى نصف الليل محمولة على أنه آخر وقت الانتهاء بها، حتى لا تتعارض الاخبار، ولا يختلف فيه قول الشافعي رضي الله عنه. وقال النخعي: وقتها إلى ربع الليل، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقتها المختار يبقى إلى طلوع الفجر، وبه قال عطاء وطاووس وعكرمة. وأما وقت الجواز، (فباقٍ) إلى طلوع الفجر الثاني. وحكى الشيح أبو حامد: أن الشافعي قال في «الأم»: وقتها بانقضاء ثلث الليل، ولفظه: وآخر وقتها إلى أن [9 ب/ 2] يمضي ثلث الليل، فإذا مضى ثلث الليل، فلا أراها إذا فاتته فحصل قولان، والأصح الأول، لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ابهارَّ الليل، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة». وقال الاصطخري: إذا فات وقتها المختار، فقد فات وقت الجواز أيضاً كما قال في صلاة العصر، وقال: لو أدرك قبل طلوع الفجر الثاني يكون مدركاً لها، وهذا مناقضة منه. فرعٌ: قال في «الأم»: واجب أن لا يسمي صلاة العشاء بالعتمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاة هي العشاء إلا أنهم يعتمون بحلاب الإبل». أي: يؤخرون الحلب إلى أن يعتم الإبل ويسمون الحلبة العتمة، وقيل: العتمة، الظلمة، فإذا قال: صليت العتمة معناه: صليت الظلمة. وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه إذا سمع رجلاً يقول: العتمة صاح وغضب، وقال: إنما هو العشاء، ويكره أن يقول ذلك، وهذه كراهية تنزيه. قال الشافعي: وأحب أن يلقن الرجل أهله وولده ذلك ليعتادوه، وإن احتاج إلى أن يخاطبه بهذا الاسم من لا يعرف الصلاة إلا به ومنه ذلك. وقيل: للصلاة ثلاثة أوقات:

أولها، من حيث يغيب الشفق، وآخرها: إلى ثلث الليل أو نصفه من غير كراهية، والثالث: وقت الجواز مع الكراهة بعد ذلك إلى طلوع الفجر. مسألة: قال: "ولا أذان إلا بعد دخول وقت الصلاة خلا الصبح». الفصل وهذا كما قال نص الشافعي: أن وقت أداء صلاة الصبح، وأنه مخالف لأذان سائر الصلوات، ثم عاد إلى بيان وقت صلاة الصبح، فأولاً، [10 أ/2] يذكر وقت صلاة الصبح، ثم يذكر وقت أذانها، فأول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني لخبر جبريل عليه السلام، «والفجر فجران»: فالأول، هو المستطيل المستدق في الجو، ولا ينتشر في الأفق وتسميه العرب الفجر الكاذب، لأنه يضيء ثم يسود، وتصير الدنيا أظلم مما كانت ويسمى الخيط الأسود ويشبه بذنب السرحان، وهو (الذئب)، وإنما يشبه بذلك لأنه مستدق صامد في غير إعراضٍ. والفجر الثاني، هو المستنير المستدير المنتشر بالمعترض في الأفق، ويسمى الفجر الصادق، لأنه صدقك عن الصبح، وثبت ذلك، ويقال لهذا الثاني: صبح، ولا يقال للأول: صبح، وإن كان يقال: فجر، لأن الصبح ما جمع بياضاً وحمرة، ولهذا يقال للرجل الذي عليه حمرة: أصبح، ويسمى الخيط الأبيض، وإذا طلع هذا يزداد كل ساعة ضياءً ونوراً، فبالأول لا يتعلق التحريم والتحليل، وهو كطلوع نجم من النجوم، وبالثاني: يخرج الليل ويدخل النهار وتجب به الصلاة ويحرم به الطعام، والشراب على الصائم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغرَّنك الفجر المستطيل، فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستنير». ثم اعلم أن صلاة الفجر من صلوات النهار، لأن أول النهار من حين طلوع الفجر الثاني. وقال حذيفة بن اليمان والشعبي والحسن بن صالح والأعمش: هي من صلاة الليل، وحكي عن الأعمش أنه قال: النهار يدخل بظهور مغرب قرص الشمس، ويخرج

بغروب نصف قرصها حتى يجوز للصائم الأكل والشرب ما لم يطلع نصف القرص. وروي مثل هذا عن حذيفة، وهذا يفيد مع ظهور تحريم الطعام والشراب بطلوع الفجر في كل عصر، وظاهر قوله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض" [البقرة: 187] الآية. وروي في حديث جبريل عليه السلام أنه قال: «وصلى بي الفجر في اليوم الأول حين حرم الطعام والشراب [10 ب/ 2] على الصائم»، ولا يصح الصوم بالليل بالإجماع، واحتجوا بقوله تعالى: "فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة" [الإسراء: 12]، وآية النهار الشمس، فينبغي أن يكون النهار من طلوعها، ولأنه يجهر فيها بالقراءة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة النهار عجماء». قلنا عن الأول: الشمس آية النهار وهذا لا يدل على أنه لا آية له غيرها، ولأنه يقال للفجر: حاجب الشمس. وقال الخليل بن أحمد: النهار هو الضياء الذي من طلوع الفجر وغروب الشمس. وأما الخبر قال الدارقطني: هذا لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول الفقهاء، ثم المراد به معظم صلوات النهار، ألا ترى أنه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، وهي من صلاة النهار، وقيل: المعنى فيه أن الكفار كانوا إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ يسبون القرآن ومن أنزله، فأنزل الله تعالى: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" [الإسراء:110]، فأمر بالمخافتة فيما يحضره الكفار من الصلوات وكانوا وقت العشاء والصبح نياماً، ووقت المغرب مشتغلين بالأكل فلا يحضرون، فيجهر النبي صلى الله عليه وسلم في قراءتها لهذا المعنى. وحكي أن أبا حنيفة خرج إلى الأعمش زائراً وجعل يعتذر ويقول: لولا مخافة الثقل لزرناك كثيراً، فقال له: أنت ثقيل في بيتك، فكيف إذا جئتنا؟ فقام أبو حنيفة رحمه الله مغضباً، وقال: ماذا أقول لرجل لم يصم لله تعالى قط، ولم يغتسل من الجنابة قط؟ وعنى به هذه المسألة التي ذكرناها عنه. وقوله: الماء من الماء، فإنه يذهب إلى أنه لا يجب الغسل بالتقاء الختانين، فإذا تقرر هذا فوقت الاختيار يبقى إلى أن يسفر النهار، وهو آخر وقت الاختيار ثم بعد الإسفار يبقى وقت الجواز، والأداء إلى أن تطلع الشمس، ولكن يكره له تأخيرها إليه، فحصل للصبح ثلاثة أوقات [11 أ/ 2]، كما ذكرنا في العشاء. وقال الإصطخري: يخرج الوقت بالإسفار كما قال في العصر والعشاء، وهذا غلط

لما روي في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس». وقال بعض العلماء: صلاة الصبح من صلاة اليوم ليست من صلاة النهار ولا من صلاة الليل لقوله تعالى: "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" [الحج: 61]، فاقتضى أن يكون زمان ولوج الليل في النهار ليس من الليل، ولا من النهار، فيكون الليل الذي لم يلج فيه شيئاً من النهار ليلاً، ويكون النهار الذي لم يلج فيه شيء من الليل نهاراً، وهو بعد طلوع الشمس. وقد بينا صحة ما ذكرنا وبطلان غيره. فإذا تقرر هذا، فإن فرغ منها قبل طلوع الشمس، فلا كلام، وإن صلى منها ركعة في الوقت ثم طلعت الشمس فيصلي باقيها بعد طلوعها. نص في «القديم» و «الجديد» أن الكل أداء. وبه قال أحمد وإسحق وهو اختيار ابن سريج، وعلى هذا لا يصير عاصياً إذا لم يكن بعذر، وقال أبو إسحق: ما فعله في الوقت يكون أداء، وما فعله خارج الوقت يصير قضاء، ويكون بهذا التأخير عاصياً، إذا لم يكن معذوراً، ونص الشافعي على هذا في غير موضع وأراد بما ذكرتم في حق أهل الأعذار، فإنه لا حرج عليهم، ويكونون مؤدين لحقها. قال أبو حامد: وهذا قول عامة أصحابنا، وهذا غلط للخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح» الخبر، ولأنه لا خلاف أن من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركاً لها، فدلَّ على ما قلنا. وقال القاضي الطبري: هذا مذهب الشافعي الذي لا يحتمل غيره. وقد نقل المزني صريحاً، فقال: فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي منها ركعة [11 ب/2]، فقد خرج وقتها فجعلها فائتة بطلوع الشمس قبل أن يصلي منها ركعة، والذي ذكره أبو إسحق ما وجد للشافعي في شيء من كتبه. وقال ابن المنذر، هو قول أبي ثور. وقال بعض أصحابنا: المقصود من الأوقات أن يكون الافتتاح فيها، فإن شرع فيها ومدها إلى خارج الوقت لم يكره لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه: «قرأ سورة البقرة في صلاة الصبح»، فلما سلم قال له عمر رضي الله عنه: كدت لا تسلم حتى تطلع الشمس، فقال: «لو طلعت لم تجدنا غافلين». واحتجَّ أبو إسحق بقوله صلى الله عليه وسلم: «وقت الصبح ما لم تطلع الشمس»، وهذا عندنا على أنه أراد وقت افتتاحها بدليل ما ذكرناه وهكذا الحديث فمن صلى ركعة من العصر قبل غروب الشمس وأتمها بعد غروبها، وإن صلى دون الركعة قبل طلوع الشمس أو قبل

الغروب لا يكون مؤدياً لها بلا (خلاف) ويصير عاصياً إذا لم يكن معذوراً. وقال أبو حنيفة: إذا طلعت الشمس قبل الفراغ منها بطلت ووافقنا في صلاة العصر أنها لا تبطل بغروب الشمس فيها، فقيس عليه. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في «الأم»: وأحب أن تسمى هذه الصلاة بصلاة الفجر كما سماه الله تعالى: "وقرآن الفجر" [الإسراء: 78] أو الصبح كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يستحب أن يقول: صلاة الغداة، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم أذانها، فيجوز الأذان لها قبل طلوع الفجر ولا يجوز الأذان لسائر الصلوات قبل دخول أوقاتها. وقال الشافعي رحمة الله عليه: السنة أن يكون لها مؤذنان: أحدهما، يؤذن قبل الوقت، والآخر، بعده كما كان بلال وابن أم مكتوم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان المؤذن واحداً، فالسنة أن يؤذن لها قبل الفجر، ويعيد بعد الفجر ليكون لها أذانان، فإن لم يفعل واقتصر على الأذان الأول جاز وإذا أراد الاقتصار على واحد، فالمستحب أن يؤذن بعد الفجر، وبقولنا [12 أ/ 2]، قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وأبو يوسف وأهل الحجاز وأهل الشام. وقال أبو حنيفة ومحمد والثوري: لا يجوز أن يؤذن الأولى بعد دخول وقتها، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالاً يؤذن لليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». واحتجوا بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه: أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد قد نام. قلنا: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أراد أنه غفل عن الوقت كما يقال: نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها. والثاني: معناه أنه قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا عن نومهم، ويشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، ثم نسخ ذلك بما روينا من خبر بلال. ومن أصحابنا من قال: هذا يجوز إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا لم يكن إلا مؤذن واحد، فلا يجوز له أن يؤذن إلا بعد دخول الوقت فيحمل

خبر النهي على الوقت الذي كان المؤذن واحداً، ويحمل خبر الجواز على الوقت الذي كان المؤذن اثنين، فإذا تقرر هذا، فكم يجوز التقديم؟ فيه أوجه: أحدها: وهو الأصح أول وقت أذانها إذا انتصف الليل ولم يذكر أهل العراق غير هذا القول، لأنه لو أذن قبله لشبه بأذان العشاء، ولا يحتاج أيضاً في النصف الأول إلى سبب من أسباب صلاة الفجر بحال. والثاني: يجوز أذانها بعد ثلث الليل فإنه أخر وقت العشاء اختياراً. والثالث: يجوز في جميع الليل إلا أن المستحب أن يؤخره عن وقت الاختيار للعشاء حتى لا يخلط بأذان العشاء فيقع الغلط. والرابع: يجوز ما لم يتباعد عن الصبح وقدروا ذلك بوقت السحر، وتارة بالثلث الآخر من الليل [12 ب/ 2] ووقت السحر المسنون إذا بقي من الليل سدسه. وقال صاحب «التقريب»: المستحب تقديم الأذان على وقتها، وإن كان مرة، لأن الشافعي قال في موضع: «فإن أذن قبل الفجر، ولم يعد بعده، فلا بأس» لأن ذلك كان وقته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله: (لأن ذلك كان وقته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) دليل على أن التقديم أحب وعلى هذا يدل كلام القاضي الطبري في «الخلافيات». وما تقدم أصح. وأما الإقامة، فلا يجوز تقديمها على الوقت بحال. والفرق بينها وبين الأذان للصبح أن الإقامة تراد لاستفتاح الصلاة، ولا يجوز قبل وقت الافتتاح والأذان يراد للإعلام، ويدخل في وقت الصبح، والناس نيام، منهم الجنب المحدث فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهبوا للصلاة بخلاف أذان سائر الصلوات. فإذا تقرر هذا قال الشافعي رحمه الله: «وليس ذلك بقياس»، قيل: معناه ليس بقياس على سائر الصلوات، ولم يرد به أن القياس يخالفه، ولا يساعده لما ذكرنا من المعنى. وقيل: أراد ليس بقياس جلي، ولكنه قياس شبه. وقيل: أراد تركت القياس فيه للخبر بخلاف ما قال أبو حنيفة، فإنه قال بالقياس وترك الخبر ثم قال: واعتمد في ذلك على إمامة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قري، واعتمد بنصب الدال وقري واعتمد بالرفع فالنصب. ذكره على وجه الخبر، يعني: قال

المزني. واعتمد الشافعي فيه على ذلك وبالرفع ذكره على وجه الحكاية يعني: قال الشافعي: اعتمد في ذلك على إمامة جبريل عليه السلام ويريد به ما ذكرنا فيما تقدم. وأراد بالخبر الآخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامته بالقوم، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات، فقال له: «أقم عندنا»، فصلى به صلى الله عليه وسلم [13 أ/ 2] في يومين مثل ما صلى جبريل عليه السلام في تعليمه للأوقات، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ فقال الرجل: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال له: «ما بين هذين وقت». مسألة: قال: «والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة، فإذا أغمي غلى رجل فأفاق». الفصل وهذا كما قال أهل العذر والضرورة أربعة: الصبي إذا بلغ، والمغلوب على عقله بالجنون أو الإغماء إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، والكافر إذا أسلم. وذكر الشافعي في جملتهم: وإن لم يكن له عذر ويلزمه الصلاة في حال كفره، لأنه مخاطب بالشرائع ويعاقب على تركها، لأنه يجري مجراهم في سقوط القضاء عنه إذا أسلم بعد فوات الوقت. وقيل: أنه فسَّر وقت الضرورة ولم يفسِّر وقت العذر، لأن كل ضرورة عذر ونحن نذكر الآن وقت العذر من غير الضرورة، فوقت عذر العصر هو جميع وقت الظهر إلا قدر أربع ركعات من أوله، لأن من جمع وقت الظهر لم يجز له إلا تقديم الظهر على العصر. وأما وقت عذر الظهر، فهو جميع وقت العصر أو يستثني من آخره أربع ركعات وجهان، وأصل الوجهين أن من جمع وقت العصر هل له تقديم فعل العصر على الظهر؟ وجهان، وهكذا في المغرب والعشاء، فإن وقت عذر العشاء جميع وقت المغرب إن جعلنا للمغرب وقتين إلا قدر ثلاث ركعات من أوله ووقت عذر المغرب جميع وقت العشاء في وجه ويستثنى قدر أربع ركعات من آخره في وجه آخر هكذا ذكره القفال. وقال بعض أصحابنا: الأحسن أن يستثنى قدر ركعتين من أول وقت الظهر أو من

آخر وقت العصر لأنها تقضى كما تجمع، وكذلك في العشاء، وأما وقت الضرورة فما ذكره، فإذا تقرر هذا، فلا خلاف أن هؤلاء لو أدركوا [13 ب/ 2] من وقت العصر ركعة قبل الغروب أو من وقت العشاء ركعة قبل طلوع الفجر أو من وقت الصبح ركعة قبل طلوع الشمس يلزم هؤلاء فرض الصلاة، فإن أدركوا أقل من ركعة فيه قولان: أحدهما: تجب الصلاة بمقدار تكبيرة الافتتاح، نص عليه في كتاب استقبال القبلة في باب التلبية على الفعل في «الجديد». وبه قال أبو حنيفة. وقال القاضي أبو حامد: هذا أشهر القولين، وهو اختيار أبي حامد ووجه أنه أدرك جزءاً من الوقت بعد زوال عذره فأشبه إذا أدرك مقدار ركعة ويؤكده أنه يعتبر فيه إدراك الحرمة دون الفعل، لأنه لو أدرك الوقت، ولم يفعلها يلزمه ذلك، فاستوى فيه القليل والكثير كإدراك حرمة الجماعة. والقول الثاني: لا يلزمه الصلاة بإدراك دون ركعة ثانية، نص عليه في «القديم». وذكر المزني أنه سمعه منه لفظاً، وهو اختيار المزني. وبه قال مالك، وقال أبو إسحق: هذا أشهر القولين، وهكذا ذكره القاضي الطبري ووجهه ما احتج به المزني، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»، فعلق الإدراك بركعة، وأيضاً الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فكيف يكون مدركاً للعصر معاً بتحريمه؟. والجواب عن هذا أن نقول: أما الخبر فوارد في إدراك الفعل، أو أراد به من أدرك شيئاً في الجملة. وهذا احتجاج من المزني لمفهومه لا لمنطوقه، فلا حجة فيه ظاهراً. وأما المعنى قلنا: ذلك إدراك إسقاط، فإنه يسقط عن نفسه ركعتين بذلك، فلا بدَّ من إدراك الركوع كما لا يسقط القيام والقراءة عن المأموم إلا بإدراك الركوع وهذا إدراك إلزام، فيحصل بأدنى شيء. لمسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أدنى شيء يلزمه صلاة [14 أ/ 2] المقيم. فإذا تقرر هذا نقل المزني أن هؤلاء إذا تغيرت حالهم قبل مغيب الشمس بركعة أعادوا الظهر والعصر، ونقل بعده إن أدرك الإحرام صلاهما فاستعمل لفظ الإعادة عند إدراك ركعة. ولفظ الصلاة عند إدراك تحريمة، وأوهم مع هذين قولين في «الجديد». وهما غلطان اثنان:

أحدهما: أن الشافعي وضع لفظ الإعادة حيث وضع المزني لفظ الصلاة، فقال في كتاب استقبال القبلة: ولو أغمي على رجل فأفاق قبل غروب الشمس بتحريمة أعاد الظهر والعصر ووضع لفظ الصلاة حيث وضع المزني لفظ الإعادة، فقال: لو أغمي على رجل فأفاق قبل غروب الشمس بركعة صلى العصر ولفظ الإعادة أليق بمن أدرك تحريمة، ولفظ الصلاة والأداء أليق بمن أدرك قدر ركعة. والثاني: أن القول في «الجديد» غير مختلف في وجوب الضدين بإدراك ركعة أو تحريمة. واختار المزني القول القديم وعنده أنه يختار الجديد، فإذا تقرَّر هذا ففي دليله لفظ مثيل، وهو أنه قال. معنى قوله: عنده إن لم يفته، أي: عند الشافعي، وهذا التفسير مفتقر إلى تفسير وربما يقرأ إن لم تفته بالكسر وربما يقرأ أن لم تفته بالفتح فمعنى الكسر إن لم تفت الجمعة الرجل بأن أدرك منها ركعة صلاها جمعة، وإن فاتته بأن أدرك أقل من ركعة صلاها ظهراً وبالفتح تقدير اللفظ أن يقال: معنى هذا الخبر عند الشافعي: أن الجمعة لم تفته إذا أدرك ركعة وفاتته إن أدرك أقل من ركعة. ولو قال: ومعنى قوله عنده أنها لم تفته أو ارتفع الإشكال. وهكذا سماع بعض المشايخ، ولكن أكثر النسخ على ما قدمنا واعتصد بجمع ذلك أحد، فإذا تقرر هذا، فهذا الذي ذكرنا إذا امتدت به حال السلامة قدر ما يتم فيه الصلاة، فأما إذا حدث عقيب خروج الوقت عذر آخر لا يلزمه الصلاة [14 ب/2] إذا لم يكن أدرك من الوقت قدر أربع ركعات إذ الإمكان شرط ويتصور ذلك بأن (يبلغ) ثم بعد قليل يجن أو تحيض أو تطهر ثم يجن، فأما الصلاة التي قبلها هل تلزمهم؟ ينظر فإن كانت صلاة لا تضم إلى هذه كالصبح مع الظهر لا تلزمهم، وكذلك بإدراك المغرب لا تلزم العصر ولا تلزم بإدراك الصبح العشاء، وإن كانت صلاة تضم إليها عند العذر كالظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء يلزمهم. وقال أبو حنيفة: لا تلزم الظهر بإدراك العصر ولا المغرب بإدراك العشاء. وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنهما أوجبا على الحائض التطهر قبل طلوع الفجر بركعة المغرب والعشاء، ولا مخالف لهما. واحتج الشافعي بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما في وقت واحد، فدلَّ أن وقتهما

للضرورات واحد، فإذا تقرر هذا لم يشترط أن يدرك حتى يلزمه الظهر مع العصر. قال في «الجديد»: تجب الظهر بما تجب به العصر لأن وقتهما واحدٌ عند العذر، وكذلك تجب العشاء بما تجب به المغرب. وقال في «القديم»: فيه قولان: أحدهما: بمقدار ركعة وطهارة تجب الصلاتان لأن الاعتبار بإدراك ركعة فاعتبر إدراك ركعة كاملة بالطهارة. والثاني: بمقدار خمس ركعات لأنه يعتبر وقت يمكن الشروع فيهما. ومن أصحابنا من قال: يخرج على قوله «القديم» أربع ركعات وتكبيرة. قال أبو إسحق: وهذا محتمل لأن الشافعي اعتبر في إدراك العصر قدر تكبيرة، واعتبر في «القديم» لإدراك الظهر أربع ركعات فجمع أحد القولين إلى الآخر، فاعتبر كليهما أربع ركعات وتكبيرة، وهذا أضعف الأقوال، فحصل فيما يدرك به الظهر والعصر خمسة أقوال: أحدها: يدركهما بمقدار تكبيرة. والثاني: بمقدار ركعة. والثالث: بمقدار ركعة وطهارة [15 أ/ 2]. والرابع: بمقدار أربع ركعات وتكبيرة. والخامس: بمقدار خمس ركعات. والصحيح قوله «الجديد»: وما عداه من الأقاويل باطلة. وقال القفال: حصل في الجملة ثمانية أقوال، خمسة ذكرناها. والسادس: تحريمة وطهارة. والسابع: خمس ركعات وطهارة. والثامن: أربع ركعات وتحريمة مع الطهارة، فإذا قلنا بخمس ركعات، وهو قول مالك، فالمنصوص في «القديم» أنه يكون مدركاً للعصر بركعة وللظهر بأربع ركعات. وقال أبو إسحق: يكون مدركاً للعصر بأربع ركعات وللظهر بركعة، وهذا غلط، لأنه جعل إدراك العصر بأربع ركعات، فخالف نص السنَّة وترك المذهب. وفائدة هذا تتبين في المغرب والعشاء، فإن قلنا: أربع للعصر وركعة للظهر ففي الآخر وقت العشاء لا بدَّ من إدراك خمس ركعات أيضاً، وإن قلنا: أربع للظهر وركعة للعصر ههنا يكفي أربع ركعات: ثلاث للمغرب وركعة للعشاء، ويأتي في وجوبهما على ما ذكر القفال ثمانية أقوال، ويزيد أربعة أقوال: أحدها: أربع ركعات.

والثاني: ثلث ركعات وتحريمة. والثالث: أربع ركعات وطهارة. والرابع: أربع ركعات وتحريمة وطهارة. والمذهب أنه لا فرق بين ما ذكرنا وبين ما يدرك به المغرب والعشاء إلا في فصل، وهو أنا إذا اعتبرنا هناك خمس ركعات فيعتبر ههنا أربع ركعات، لأن عدد المغرب ثلاث ركعات، وهذا كله في زوال العذر الموجود في آخر الوقت، فأما الكلام في حدوث العذر في أول الوقت، وهو زوال العقل بجنون أو إغماء، أو زوال طهر بحيض أو نفاس. فأما العذر للصغر فلا (يحدث) والكفر يحدث، ولكن ليس بعذر لأن المرتد يلزمه قضاء الصلاة، فإذا زالت الشمس ثم زال عقله أو حاضت أو نفست المرأة نظر، فإن كان الذي مضى من الوقت لا يتسع [15 ب/ 2] لأربع ركعات لم يستقر الفرض، ولا يجب القضاء عليه نص عليه في «الإملاء». وبه قال عامة أصحابنا. وقال أبو يحيى البلخي: يلزمه ويستقر عليه، وعليه القضاء، لأنه أدرك جزءاً من الوقت، فأشبه إذا أدرك من آخره، وهذا ليس بشيء لأنه في آخره، يمكنه التلبس بها والبناء عليها، وههنا لا يمكنه البناء بحال، وإن مضى من الوقت ما يتسع لصلاة الظهر أخف صلاة استقرت، فلا تسقط بعد ذلك. وقال ابن سريج والاصطخري: لا تستقر إلا بمضي كل الوقت. وبه قال مالك، لأنه لو سافر في آخر وقت الصلاة قصر إذا بقي من الوقت ما يمكنه أداء الصلاة، وهذا غلط لأن اعتبار عددها بحال الأداء، فأما الاستقرار بإمكان الأداء في الوقت وقد وجد ذلك. وهذا الكلام في الظهر، فأما العصر فلا يكون مدركاً لها بإدراك وقت الظهر فلو زال عقله مع آخر وقت الظهر، لا يلزمه العصر. وقال أبو يحيى البلخي: تجب العصر بإدراك وقت الظهر إذا أدرك ثمان ركعات، لأنه وقت لهما، كما إذا أدرك وقت العصر لزمته كلتا الصلاتين، وهذا ليس بشيء، لأن وقت العصر وقت للظهر وقتاً متبوعاً بدليل أن له تقديم الظهر على العصر ووقت الظهر وقت العصر تبعاً للظهر لا وقتاً لها بدليل أنه لا يقدم العصر عليها في وقت الظهر، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن فيما هو عذر، وفيما ليس بعذر وجملته أنه متى زال عقله بوجه هو معذور فيه حتى فاتته الصلاة لا قضاء عليه كالإغماء والجنون. ولا فرق بين الإغماء الكثير والقليل وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء دون يوم وليلة لا يسقط قضاء الصلوات، وإن كان

أكثر تسقط وفي يوم وليلة اختلفوا على قولين وسلموا في الجنون أنه [16 أ/ 2]، يسوّى بين قليله وكثيره في هذا المعنى، فنقيس عليه. وقال أحمد: يجب عليه القضاء بكل حال، واحتجّ بما روي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه أغمي عليه يوماً وليلة فقضى الصلوات، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغمى عليه فينزل الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس لشيء من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق وقتها فيصليها»، ويحمل ما روي عن عمار على الاستحباب. وقد روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه أغمي عليه ثلاثة أيام، فلم يعد الصلاة. وعن أنس نحو ذلك، وإن زال عقله بسبب هو غير معذور فيه حتى فاتت الصلاة، فعليه قضاء كلها، كالسكر وإذا شرب دواءً مجنناً ونحو ذلك. وقد قال في «الأم»: إذا سكر بشرب الخمر أو النبيذ كان مخاطباً مكلفاً بالعبادات إلا أنه لا يفتتح الصلاة، وهو سكران حتى يفيق، لأن الله تعالى قال: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" [النساء: 43]، فإن افتتحها وهو سكران أو افتتحها مفيقاً فسكر بالصلاة بطلت صلاته، وعليه الإعادة وأقل السكر (أن) أن يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب عليه قبل الشرب. فرعٌ قال في «الأم»: «ولو شرب المسكر قليلاً وصلى لم (تجب) الإعادة، وأحب لو أعاد». وهذا إذا غسل فمه، فإن لم يغسل لا تجوز صلاته. فرعٌ آخر لو تناول دواء فيه بعض السموم. وقال الشافعي في «استقبال القبلة»: "إن كان الأغلب منه السلامة يحل تناوله، وإذا تناوله فزال عقله ونزل الصلاة لم يلزمه قضاؤها. فرع آخر قال في كتاب الأطعمة: «وإذا جعل في الدواء سم، فالغالب منه السلامة حل تناوله، وقيل: لا يحل تناوله لأن السم يقتل [16 ب/ 2] قليله وكثيره، فخرج فيه قولين.

والأصح الأول، لأن الاعتبار بغالب السلامة، فإذا قلنا: يحل فزال عقله لا إعادة وإلا فيلزم الإعادة». فرعٌ آخر قال في «الأم»: ولو أكل أو شرب هلالاً، فخبل عقله أو وثب وثبة، فانقلب دماغه، وزال عقله أو تنكس فذهب عقله لم يكن عليه إعادة صلاة صلاها، هو لا يعقل أو تركها لذهاب العقل، وإن وثب لغير منفعة، أو تنكس لذهاب عقله، فذهب كان عاصياً، وعليه القضاء. قال الشافعي: «وأقل ذهاب العقل الذي يوجب عليه إعادة الصلاة أن يكون مختلطاً يغرب عنه عقله في شيء وإن قلّ وثوب». فرعٌ آخر قال: «ولو شرب قليلاً مما يزيل العقل لا لحاجة ظناً منه أنه لا يزيلُ العقل لقلته، فزال عقله يلزمه إعادة الصلاة، ولو لم يعلم أن ذلك يزيل العقل فأزال لا إعادة». فرعٌ آخر لو سكر ثم جن كم يعيد من الصلوات؟ فيه وجهان: أحدهما: قدر ما يدوم السكر. والثاني: يلزمه قضاء الكل كما لو اتصل الجنون بالارتداد وعندي هذا إذا تولد الجنون من السكر فإن كان بعلة أخرى، فلا يلزمه سوى مدة السكر. فرعٌ آخر قد ذكرنا مواقيت وجوب الصلاة في حق المعذور، فأما في حق غير المعذور، فإنها تجب بأول الوقت وتستقر بإمكان الأداء. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب بآخر الوقت إلا أن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمداً، يقولون: تجب إذا بقي من الوقت بمقدار تكبيرة. وقال زفر: تجب إذا بقي من الوقت قدر الصلاة. وقال الكرخي: إنما يعتبر عندهم قدر التكبيرة في حق المعذورين، فأما في حق غير المعذورين تجب بقدر الصلاة كقول زفر.

واختلفوا إذا صلى في أول الوقت، فمنهم من قال: تقع فرضاً. وقال الكرخي: تقع نفلاً ويمنع ذلك من وجوب الفرض في آخر الوقت [17 أ/2] ومنهم من قال: تقع مراعىً فإن أدرك آخر وقتها، وهو ممن تلزمه الصلاة وقعت فرضاً وإلا وقعت نفلاً، وهذا غلط، لأنه وقت لأداء صلاة لو أظهر في حق الكافة فكان وقتاً للوجوب كآخر الوقت. وقال بعض أصحابنا: كل حظ من الوقت له حظ في الوجوب، ولا نقول: وجبت الصلاة بأول الوقت حتى لو أدرك جميع الوقت نقول: وجبت بجميع الوقت، وهذا كالقيام يجب بقدر الفاتحة، فلو طال القيام بقراءة السورة، فالكل واجب وهذا خلاف المذهب. فرع آخر إذا قلنا بالوجوب في أول الوقت، فلم يصل مع الإمكان حتى مات. وقال القفال: هل يحكم بأنه عاصٍ، وجهان: أحدهما: يكون عاصياً كما في الحجِّ على أحد الوجهين. والثاني: لا يكون عاصياً، والفرق بينه وبين الحج أن آخر وقت الصلاة معلوم بخلاف آخر وقت الحج، وهذا هو الأصح وذاك غلط. فرع آخر وقت وجوب الطهارة متى يكون، فيه وجهان: أحدهما: تجب كلما انتقض طهره. والثاني: وهو ظاهر المذهب تجب بدخول وقت الصلاة على من كان محدثاً عند دخول وقتها، ويجوز فعلها قبل وقتها. فرع آخر إذا أفاق المجنون وقد بقي من وقت العصر مقدار ركعة يلزمه الظهر والعصر، ثم جن بعد أن مضى من الوقت مقدار أربع ركعات ولم يصلّ وبقي على جنونه مدةً طويلة، ثم أفاق هل يلزمه إعادة الظهر أو العصر أو هما؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه إعادة الظهر وحدها، لأن الإمكان وجد في صلاة واحدة، ولا يمكن إيجاب الظهر وحدها، لأن الإفاقة كانت في وقت العصر. والثاني: يلزمه الظهر والعصر جميعاً، لأن وجوب العصر يستدعي وجوب الظهر، وهذا أصح لأن وقتيهما واحد عند العذر [17 ب/ 2]. هكذا قال والدي الإمام رحمه

باب صفة الأذان وما يقال له

الله وهذا لا يصح عندي، لأن الإمكان شرط، وإن كان وقتهما واحداً، ولا يتسع هذا القدر من الوقت لأداء الصلاتين فصار كما لو تمكن من أداء ركعتين من العصر لا يلزمه تمام العصر. باب صفة الأذان وما يقال له من الصلاة وما لا يؤذن اعلم أن معنى الأذان والتأذين الإعلام، يقال: أذن يؤذن تأذيناً وأذاناً. إذا أعلم الناس بشيء يحتاجون إليه. قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر" [التوبة: 3]، معناه إعلامٌ من الله تعالى بذلك. وقال الله تعالى: "آذناك ما منا من شهيد" [فصلت: 47]، أي: أعلمناك، وإنما قيل: أذن بالتشديد مبالغة وتكثيرا. وقال الزجاج: إنما سمي الإعلام إيذاناً اشتقاقاً من الأذن، ومعنى الإعلام في الأذان الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو مقاربة الوقت. والإقامة: معناها الأمر بالقيام لافتتاح الصلاة، وقوله في الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح "، أي: هلم وتعال، يقال: حي على كذا، أي: أسرع وعجل إليه. وقيل: معناه: يا أهل الحي هلموا وأقبلوا على الصلاة. وقيل: معناه: بادروا وأسرعوا إلى فعل الصلاة ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيّ هلا بعمر، أي: فبادر بذكره في أولهم، وقيل في حي على الفلاح، تأويلان: أحدهما: إن الفلاح إدراك الطلبة واللطف بالحاجة. والثاني: إنه البقاء والخلود في الجنة. والتثويب عبارة عن قوله: الصلاة خير من النوم، وإنما سمي تثويباً من ثاب فلان إلى كذا [18 أ/ 2] إذا عاد إليه، فإذا قال: الصلاة خير من النوم بعد الحيعلة، فقد عاد إلى الدعاء إلى الصلاة فسمي تثويباً، فإذا تقرر هذا، فالأصل في الأذان الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: "وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً" [المائدة: 58] فذمَّ الله تعالى من يستهزئ بالأذان. وأيضاً قوله تعالى: "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" [الجمعة: 9]. وأفا السنة، ما روي أنه لما انتشر الإسلام في الناس واشتغل كثير منهم بالمعاش أهمهم أمر الصلاة واحتاجوا إلى إمارة يعرفون بها الوقت، فاجتمع قوم من الصحابة في

المسجد فتشاوروا، فقال بعضهم: نضرب بالناقوس. وقال آخرون: تلك علامة النصارى لا نريده. وقال بعضهم: نضرب بالبوق، فقال آخرون: تلك علامة اليهود لا نريده. وقال بعضهم: نوقد النار بالليل وندخن بالنهار، فقال آخرون: تلك علامة المجوس لا نريده ولا ندخل النار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تفرقوا مهتمين لهذا الشأن، ثم جاء عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد، وقال: كنت بين النائم واليقظان إذ نزل ملك من السماء عليه ثياب خضر بيده قوس، فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: أضرب به في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟. قلت: بلى، فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر، الله أكبر، وذكر الأذان ثم صعد جذم حائط فأقام مثل ذلك، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «حق إن شاء الله، ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً»، فقلت: يا رسول الله [18 ب/2]، ائذن لي أن أؤذن مرة، فأذن فأذنت، فلما سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوتي خرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما رأى، فقال: الحمد لله، فذاك أثبت ثم أتاه بضع عشرة من الصحابة كلهم رأوا مثل ذلك إلا أنه نسب إلى عبد الله بن زيد، لأنه كان أول من أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أول من أذن في الإسلام. قال ابن عمر ابن أنس الأنصاري: نزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذناً. وروي أن عمر رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: «لم لم تخبرنا به؟» فقال: سبقني به عبد الله بن زيد فاستحييت وروى أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: ائتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القمع يعني الشبور فلم يعجبه ذلك. وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكر له الناقوس. قال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو (مهتم) لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدى الأذان في منامه فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، قم فانظر ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله»، فأذن بلال.

وقال أبو داود: القنع بالنون ساكنة. وقال مرة أخرى: القبع بالباء مفتوحة، وتفسيره ما ذكر في الحديث. قال الإمام أبو سليمان الخطابي: إن كانت الرواية بالنون فهو من إقناع الصوت، وهو رفعه [19 أ/ 2] يقال: أقنع الرجل صوته، وأقنع رأسه إذا رفعه. وأما القبع، فلأنه يقبع صاحبه، أي: يستره. يقال: قبع الرجل رأسه في جيبه إذا أدخله فيه. وقال أبو عمر: هو من القثع بالثاء، يعني البوق، وليس هذا عن غيره. وأما الإجماع، فلا خلاف بين المسلمين فيه. مسألة: قال: «ولا أحب أن يكون في أذانه وإقامته إلا مستقبلاً القبلة». الفصل وهذا كما قال المستحب للمؤذن أن يؤذن على مكانٍ عالٍ من منارةٍ أو سطح أو تل حتى يكون أبلغ في الإعلام. ولما روي في خبر عبد الله بن زيد أن الملك صعد جذم حائط، وقال: الله أكبر، ويستحب له استقبال القبلة في أذانه بالإجماع. وقد روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: رأيت رجلاً قائماً مستقبلاً القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، ولأن الجهات سواء فكانت جهة القبلة أولى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة»، فإن ترك الاستقبال كره وأجزأه لحصول المقصود نص عليه في «الأم»، وخرج الشيخ الإمام سهل الصعلوكي قولاً، أنه لا يجوز ولا يحتسب به. قد تفرَّد بهذا القول. وقال في «الأم»: وأحب أن يؤذن قائماً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بلال قم فناد للصلاة»، ولأن ذلك أبلغ لصوته، ولو أذن جالساً، فإن كان مريضاً أو على سفر راكباً لايكره وإن كان من غير عذر يكره، ويجوز نصَّ عليه، لأنه ليس بواجب فلا يجب له القيام. وذكر الإمام سهل فيه قولاً مخرجاً، لا يجوز. مسألةٌ: قال: «ويقول: الله أكبر، الله أكبر».

الفصل: وهذا كما قال: الكلام، الأذان في صفة الأذان. واختلف الناس فيه [19 ب/ 2]، في مذهبنا أنه تسع عشرة كلمة، وكيفيته على ما رواه أبو محذورة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان. فقال: «تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله. وهذا هو الترجيع المسنون، ثم تقول: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فإن كان أذان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله»، فيبلغ إحدى وعشرين كلمة. وقال مالك: الأذان سبع عشرة كلمة فالتكبير مرتين في الابتداء ووافقنا في الترجيع. وقال أبو حنيفة والثوري خمس عشرة كلمة، فأسقط الترجيع وافقنا في التكبير، وروي عن أبي يوسف: ثلاث عشرة كلمة فنقص التكبير وترك الترجيع وقيل: إنه رجع بعد ذلك إلى قول أبي حنيفة. وروى ابن المنذر عن أحمد، قال: إن رجّع فلا بأس، وإن ترك فلا بأس. وقال إسحق: قد ثبت أذان بلال وأذان أبو محذورة وكل سنة. وقال الشافعي: رأيت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: يؤذن نحو قولنا، ويقول: أدركت أبي وجدي يؤذنون هكذا. وروي أيضاً أن سعد القرظ أذن ورجع، وقال: هذا أذان بلال، ولو ترك الترجيع فقد ترك سنة، ويجوز أذانه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: لا يحتسب [20 أ/ 2] كما لو ترك التكبير. والثاني: يحتسب كما لو ترك التثويب، وحكي هذا عن الشافعي، وهو خلاف المذهب.

مسألة: قال: «ويلتوي في حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح يميناً وشمالاً ليسمع النواحي». وهذا كما قال: يستحب للمؤذن أن يلتوي في قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح برأسه وعنقه يميناً وشمالاً، ولا يدير بدنه، ولا يلوي غير رأسه وعنقه. وروي عن بلال أنه لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يزل قدميه، وروي أنه لوى شدقيه يميناً وشمالاً. ولا فرق بين أن يكون على المنارة أو على الأرض وكيفيته أن يلتوي يميناً، فيقول: حيَّ على الصلاة مرتين، ثم شمالاً، فيقول: حي على الفلاح مرتين. وقال القفال: وحده الصحيح أن يلتوي يميناً، فيقول: حي على الصلاة مرة ثم شمالاً، ويقول: ذلك مرة. وكذلك في حيَّ على الفلاح، لأنه إذا فعل على ذلك الوجه، فقد خص أهل كل واحدة من الناحيتين بلفظٍ ومعنى يخالفه أهل الناحية الأخرى، وهذا حسن. وقال ابن سيرين: لا يلتوي في شيء من الأذان ويكره ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولأن القصد منه الإعلام، وإنما يتم ذلك بالالتواء على ما ذكرنا. واحتج بأن في الخطبة لا يلتوي يميناً وشمالاً، فكذلك في الأذان، ولأن في سائر كلمات الأذان لا يلتوي، فكذلك في هذه الكلمة، قلنا: الفرق أن الخطبة خطاب الحاضرين، وفي صرف الوجه عمن هو في قصد وجهه إلى غيره سوء الأدب فلا يسن ذلك. والأذان: إعلام الوقت. وفي هذا تأكيد الإعلام فسن، أن تختلف ألفاظ الخطبة. والقصد منه العظة والإفهام فمن فاته بعض الفصول لا يفهم الباقي بخلاف الأذان، كلامه معهود، والقصد منه الإعلام والصوت، وهو يحصل بكل حال. وأما سائر الكلمات، فذكر الله تعالى محضاً فلا بأس فيها الالتفات. وهذه الكلمة [20 ب/ 2]، خطاب آدمي فهو كالسلام من الصلاة فسن فيه الالتفات عن اليمين والشمال، لأنه خطاب آدمي إلا أنه جعل للتجليل، فلم يجز في وسط الصلاة. إذ الكلام في الصلاة لا يجوز، ويجوز في الأذان، فورد خطاب الآدمي في خلال الأذان دون خلال الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن أذن على المنارة دار حول الحجرة، وإن أذن على الأرض لوى

عنقه. وروي هذا عن أحمد، واحتج بما روي عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: «رأيت بلالاً يؤذن يدور فاتبع فاه ههنا وههنا وأصبعاه في أذنيه»، وهذا غلط. لما روى سفيان الثوري بإسناده عن أبي جحيفة أنه قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال فأذن فلما بلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح لوى عنقه يميناً وشمالاً، ولم يستدر». ويحمل ما رويتم على هذا الالتواء، ولأنه إذا استدار استدبر القبلة، فكره كما لو كان على الأرض. وقال صاحب «الحاوي»: قد كانت المنارة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه مربعة لا مجال لها حتى أحدث المنارة المدورة عبيد الله بن زياد بالبصرة والكوفة، فإن كان البلد لطيفاً والعدد يسيراً لا يدور المؤذن في المنارة في مجالها، لأنه لا حاجة. وإن كان البلد واسعاً والعدد كثيراً كالبصرة، ففي جواز طوافه في مجالها وجهان: أحدهما: يجوز، لأن فيه زيادة الإبلاغ والتسوية من الجهات. وإن علماء الأمصار أقروا المؤذنين عليه، ولم ينكروا. والثاني: لا يجوز إلا على ما ذكرنا، ولا يدور في الحيعلة بحالٍ، وهذا حسن، ولكنه خلاف مذهب الشافعي رضي الله عنه. فرع لو خطب مستقبل القبلة، قال بعض أصحابنا: أساء ويجوز كما لو استدبر القبلة في الأذان. وقال جمهور أصحابنا: لا يجوز [21 أ/ 2]، بخلاف الأذان. والفرق أن الخطبة لما كانت فرضاً، كانت جهة الاستقبال المشروعة فيها فرضاً بخلاف الأذان، ولأن في العدول في الخطبة عدولاً عن أهلها المقصودين بها بخلاف الأذان. فرع آخر لو أذن ماشياً، فإن انتهى في مشيه إلى حيث لا يسمع من كان في الموضع الذي ابتدأ الأذان فيه بقية الأذان لم يجز وإن كان يسمع من سمع ابتداءه لا يجوز. مسألة: قال: «وحسن أن يضع أصبعيه في أذنيه».

وهذا كما قال: يستحب وضع أصبعيه في أذنيه لما ذكرنا في خبر أبي جحيفة، ولأنه إذا انسد خروق الأذن يكون صوته أرفع وأبلغ في الإعلام، ولا يفعل ذلك في الإقامة، لأنه لا يحتاج فيها إلى الرفع البليغ. مسألة: قال: "ويكون على طهر". وهذا كما قال أراده، وحسن أن يكون على طهر، وإنما يستحب ذلك لما روى وائل بن حجر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق وسنة أن لا يؤذن أحد (إلا) وهو طاهر»، ولأنه يستحب أن يؤذن عقيب الأذان ركعتين، ولأن الأذان يراد للصلاة التي تجب فيها الطهارة، فيسن فيه الطهارة فإن أذن على غير طهارة نظر، فإن كانت المنارة خارج المسجد كره ذلك لكونه غير طاهر وأجزأه جنباً كان أو محدثاً وإن كانت المنارة في المسجد فإن كان محدثاً فكذلك، وإن كان جنباً حرم عليه اللبث في المسجد، ولكنه لو لبث وأذن أجزأه الأذان. وقال الشافعي في «الجامع الكبير»: «وأن للأذان مجنباً أكره للأذان محدثاً، وأن للإقامة محدثاً أكره مني للأذان محدثاً لأنهم إن انتظروه شقَّ عليهم، وإن لم ينتظروه كان موضعاً للتهمة». قال أصحابنا: أما زيادة كراهية أذان الجنب على أذان المحدث، فلأجل أن طهر المحدث أخف وأقل شغلاً والغسل أكثر شغلاً فيشق على الناس انتظاره، ولأنه لا يمكنه [21 ب/ 2] الوقوف في المسجد بخلاف المحدث. وأما زيادة كراهية الإقامة، فلما ذكره الشافعي رحمه الله. وأيضاً السنة أن لا تباعد الصلاة عن الإقامة، فلا ينتظره الناس ويتهم في تخلفه عن الصلاة ويلحقه الاستخفاف. وقال أحمد وإسحق: لا يجوز الأذان على غير طهارة قياساً على الخطبة. وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، فأخبر أنه سنة، ولأنه ذكر مشروع خارج الصلاة، فلا يجب فيه الطهارة كالتكبير في العيد بعد الصلاة. وأما الخطبة ففيها قولان، وإن سلمنا، فالفرق أنها ذكر واجب أقيمت مقام ركعتين بخلاف الأذان. فرع آخر: لو افتتح الأذان على طهر ثم أحدث في خلاله، قال في «الأم»: بنى على أذانه،

ولا يقطعه سواء كان الحدث جنابة أو غيرها، وأراد به إذا كان هذا خارج المسجد، فإن كان في المسجد نظر. فإن كان غير الجنابة فكما قال: وإن كان جنابة حرم عليه المقام في المسجد فيحرم إلينا لا للأذان بل للمكان. وإنما قال: ولا يقطعه لأنه إذا قطعه وتطهر ورجع أخل بالإعلام، فإنه يشتبه على الناس بما يجعل بينهما من القطع وإذا مضى فيه أخل بالطهارة، إلا أن الإخلال بالطهارة في الأذان هيئة، والإعلام مقصود. قال: فإن قطعه وتطهر ورجع بنى على أذانه، ولو استأنف كان أحب إلي، وإنما استحب الاسئتئناف لما وقع من الخلل في الإعلام. مسألة: قال: "وأحب رفع الصوت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به"، وهذا كما قال: أراد به في الأذان، وأراد بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم قوله لأبي محذورة: «ارجع ومدَّ صوتك». وقال في خبر عبد الله بن زيد: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «إني أراك تحب البادية والغنم [22 أ/ 2]، فإذا كنت في باديتك أو غنمك، فدخل وقت الصلاة، فأذن وارفع صوتك فإنه لا يسمع مدى صوتك حجر ولا مدر إلا شهد لك به يوم القيامة». وروي أنه قال: «لا يسمع صوتك جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة». وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب يابس». وروي: مدّ صوته ويشهد له كل رطب ويابس وشاهد الصلاة، ويكتب له خمس وعشرون حسنة ويكفر عنه ما بينهما. وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغفر للمؤذن منتهى صوته، ولا يسمع صوته رطب ولا يابس إلا جاء يوم القيامة يشهد له». قال الإمام أبو سليمان: مدى الشيء غايته، والمعنى أنه يستكمل مغفرة الله تعالى إذا استوفى وسعه في رفع الصوت، فيبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت.

وقيل: أنه كلام تمثيل وتشبيه يريد أن المكان الذي ينتهي إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين أقصاه وبين مقامه الذي هو فيه ذنوباً تملأ تلك المسافة يغفرها الله تعالى له. والمعنى فيه أنه أبلغ في المقصود به، وهو الإسماع والإعلام. وقال في «القديم»: يرفع صوته ما أمكنه ما لم يجهده، لأنه إذا أجهد نفسه انقطع صوته. فرع قال في «الأم»: لو جهر بشيء منه وخافت في بعضه لم يكن عليه إعادة ما خافت به. قال أصحابنا: هذا إذا كان يؤذن لنفسه فإن كان يؤذن لجماعة لم يحتسب به، وأعاد ما خافت فيه أو استأنف ويحتمل مراد الشافعي إذا خافت بشيء منه لا يخرجه من الإعلام كتكبيرة أو شهادة، فيكون الباقي كافياً. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي رحمه الله على أنه يرفع صوته في ابتداء الترجيع [22 ب/ 2] قدر ما يسمع أهل المسجد، وهذا صحيح. مسألة: قال: "وأن لا يتكلم في آذانه". الفصل وهذا كما قال: أراد وأحب أن لا يتكلم في أذانه. والكلام ضربان: ضرب: لا يتعلق بمصلحة الناس والصلاة، فيكره له ذلك في خلال الأذان، لأنه يخل بالإعلام ويرفع اللبس والإشكال. وضرب: يتعلق بمصلحة الناس مثل أن يحذر أعمى أن يقع في بئر، ونحو هذا فإن أمكن أن يؤخر عن الأذان فعل، وإن لم يمكن يجوز له أن يتكلم في خلاله ولا يكره، ثم ينظر في كلها، فإن لم يكن طويلاً بنى وإن طال، فالمستحب أن يستأنف، ولو بنى جاز نصَّ عليه. وحكي عن سليمان بن صرد أنه كان يأمر بحاجته في أذانه، وكان بين الصحابة.

وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمر مناديه في الليلة ذات الريح أن يقول: «ألا صلوا في رحالكم». فرع آخر قال في «الأم»: لو سكت سكوتاً طويلاً أحببت استئنافه، وكان له البناء، ففرق الشافعي بين الطويل والقليل في استحباب الاستئناف. وقال صاحب «الإفصاح»: وكذلك الكلام إذا كان قليلاً لا يستحب له الاستئناف، وإذا كان كثيراً استحب. وقال غيره: هذا خلاف ظاهر قول الشافعي، فإنه في الكلام لم يفرق بين القليل والكثير في استحباب الاستئناف. والفرق أن القليل من السكوت لا بد منه للتنفس والاستراحة ولا يحتاج إلى قليل الكلام أصلاً من غير ضرورة. فرع آخر لو نام في أثناء الأذان أو غلب عليه عقله أو جن ثم ثاب إليه عقله فالمستحب أن يستأنف. قال في «الأم»: طال أو قصر فإن بنى جاز. وإنما قلنا كذلك، لأنه إذا استأنف يكون أبلغ في الإعلام، وإذا بنى حصل الإعلام [23 أ/ 2] في الجملة، وإن لم يكن تاماً. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا طال الفصل يبني على ما لو سبقه الحدث في الصلاة، فخرج وتوضأ لها يبني أم يستأنف؟ قولان، فإن قلنا: هناك يبني ففي الأذان أولى، وإن قلنا: هناك لا يبني، ففي الأذان قولان: والفرق أن الأذان يتخلله ما ليس منه بخلاف الصلاة. ومن أصحابنا من قال: يجب الاستئناف ههنا قولاً واحداً، لأنه لا يحصل الإعلام، ولا يصح البناء على ما سبق الحدث في الصلاة، لكن هناك لا فصل بين اليسير والكثير، وههنا اليسير لا يوثر بالإجماع. وهذا أقيس، ولكنه خلاف المنصوص. فرع آخر لو ارتد في خلال أذانه، فإن أكمله مرتداً لا يعتد به، وإن عاد إلى الإسلام هل يبني أو يستأنف؟ فيه وجهان:

أحدهما: يبني كما لو جن ثم أفاق، ولأن الردة لا تحبط العمل ما لم يتصل بها الموت، فهو أذان من مسلم يقع به الإعلام، وهذا أصح. والثاني: يستأنف لأن الردة تبطل العبادة التي هو فيها. ومن أصحابنا من قال: نص في الأذان أنه يستأنف. وقال: إذا ارتد في خلال إعتاقه ثم أسلم لا يستأنف. فمن أصحابنا من قال: فيها قولان على سبيل النقل والتخريج، ومنهم من قال: هما على حالين. وأراد في الأذان إذا أحدث الردة وفي الاعتكاف إذا لم يمتد. وفي هذا نظر. فرع آخر لو أذن ثم ارتد قال في «الأم»: لو أذن بعض الأذان أو كله، ثم ارتد لم يترك يعود لأذانه ولا يصلى بأذانه، ويؤمر غيره فيؤذن أذاناً مستأنفاً. وهذا استحباب حتى لا يُصلى بأذان مرتد. ويجوز لأن مجرد الردة لا تحبط العمل عندنا، وقد أتى به في حال السلامة. فرع آخر إذا كانت الليلة باردة أو ذات ريح وظلمة، قال الشافعي رحمه الله: يستحب أن يأمر المؤذن [23 ب/ 2] يقول إذا فرغ من أذانه: ألا صلوا في رحالكم، فإن قال في أثناء الأذان بعد قوله: حي على الفلاح، فلا بأس، فقد أمر ابن عباس رضي الله عنه بذلك. وقد ذكرنا فيه خبر عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. فرع آخر كل موضع قلنا: يبني على أذانه كان هو الباني على ما مضى، فإن بنى غيره لم يجز قرب أم بعد، نص عليه. وقال: ولا يشبه هذا الصلاة يبني الإمام فيها على صلاة إمامه قبله، لأنه يفرغ من الصلاة فيتمم ما عليه ولا يمكنه العودة في الأذان بعد الفراغ، ولأنه إذا ابتدأ بالصلاة يكون أول صلاته، ولا يكون أول الأذان شيء غير التكبير، ولأنه لا يحصل الإعلام به لأنه تختلف أصواتهما، ويحمله الناس على اللهو واللعب بخلاف الصلاة، فإن المقصود يحصل هناك.

فرع آخر يلزمه أن يأتي بالأذان على الولاء والترتيب، ولا يقدم كلمة على كلمة فإن نكس أعاد مرتباً، وإن ترك منها كلمة أعادها وبنى عليها ما بعدها، ولفظ الشافعي في «الأم»: لو كبر ثم قال: حي على الصلاة عاد فتشهد، ثم أعاد: حي على الصلاة حتى يضع كل شيء منه موضعه، وهذا لأنه نكس لا يحصل به الإعلام ويعد لعباً واستهزاء، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز إذا حصل به الإعلام، وهو غير صحيح عنه عندي. فرع آخر يستحب للمؤذن أن يجمع بين الأذان والإقامة ليكمل له الثواب. وقال في «الأم»: وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة لشيء يروى فيه أن من أذن أقام. وقال: وإن أقام غيره أجزأه، وبه قال الثوري والليث، وقال مالك وأبو حنيفة في رواية: لا بأس أن يقيم غير من أذن، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم «أمر بلالاً بالأذان في الأول، فأذن، فقال عبد الله بن زيد: إني رأيته، وإني أردت ذلك، فأمر عبد الله بن زيد بالإقامة» [24 أ/ 2]، وهذا غلط لما روى زياد بن الحارث الصدائي، قال: «لما كان أول أذان الصبح أمرني النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت فجعلت أقول: أقيم أقيم يا رسول الله؟ فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر فيقول: لا حتى إذا طلع الفجر نزل ويلاحق أصحابه فتوضأ فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخا صداء من أذن، ومن أذن فهو يقيم». قال: فأقمت. وخبرهم محمول على الجواز إن صح. وقد روينا فيما تقدم خلاف هذا، وهو الأصح عندي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي رحمه الله: «فإن أذن واحد وأقام غيره أجزأه إن شاء الله»، فقال أصحابنا: هل يحتسب بتلك الإقامة؟ قولان: بناء على ما لو خطب واحد وصلى آخر هل يصح؟ قولان. وهذا لا يصح لأن الخطبة أقيمت مقام ركعتين من الصلاة، فيجوز فيه التخريج على قولين كما في الصلاة بخلاف الأذان.

فرع آخر لو أذن بعض الأذان ثم دخل الوقت، قال الشافعي رحمه الله: «استأنف». قال أصحابنا: يحتسب بما وقع في الوقت على الترتيب، وهو أنه لو أتى بتكبيرتين ثم دخل الوقت احتسب بتكبيرتين أخريين في آخر الأذان ويبني على ذلك هو إن دخل الوقت بعد ذلك احتسب بالتكبيرتين في آخر الأذان وبنى عليها. فرع آخر إذا لم يكن منارة يستحب أن يؤذن على باب المسجد، فإن أذن في صحن المسجد جاز، وإن ترك المستحب. مسألة: قال: "وإن فات وقته أقام ولم يؤذن"، وهذا كما قال: أراد، وما فات وقته من الصلوات المكتوبة، وجملته أنه إذا (أراد) أن يصلي صلاة فاتته يقام لها، وفي الأذان لها ثلاثة أقاويل: أحدها: لا يستحب لها الأذان قاله في «الأم»، و «البويطي». وبه قال الأوزاعي ومالك وإسحق. والثاني: يؤذن لها [24/ 2]. قاله المزني في «القديم»، وبه قال أبو حنيفة وأحمد. والثالث: قاله «الإملاء» إن رجى اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يرج اجتماعهم أقام ولا يؤذن، وكأنه في الأول اعتبر الأذان لحرمة الوقت، وفي الثاني: لحرمة الصلاة، وفي الثالث: لحرمة الجماعة، واجتماع الناس. ووجه قوله «الجديد» ما احتج الشافعي به، وهو ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: «حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الخندق يعني: شغل بالحرب عن الصلاة حتى بعد المغرب فظهر شيء من الليل فدعا رسول الله صلى اله عليه وسلم بلالاً وأمره أن يقيم، فأقام العصر، ولم يؤذن». وقد روي بخلاف هذا، ولكن هذه الرواية أشهر وأصح. ووجه قوله «القديم» ما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه، قال: «سافرنا مع

رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، أو قال: سرية، فلما كان آخر السحر عرسنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فأمرنا فارتحلنا، ثم سرنا حتى ارتفعت الشمس، ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم وأمز بلالاً، فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام الغداة». وروي عن أبي هريرة أنه صرح عن هذا، فقال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة خيبر سار ليلة حتى أدركنا الكرى فعرَّس وقال لبلال: اكلأ إناء الليل، فغلبت بلالاً عيناه، وهو مستند إلى راحلته ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا بلال»، فقال: أخذ نفسي الذي أخذ نفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فقادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة، قال: «من نسي صلاة فليصلها [25 أ/ 2] إذا ذكرها فإن الله تعالى قال: "وأقم الصلاة لذكري" [طه: 14] والكرى النوم». وقوله: عرس، أي: نزل للنوم والاستراحة. والتعريس: النزول لغير إقامة. وقوله: فزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، معناه: انتبه من نومه يقال: أفزعت الرجل من نومه، ففزع، أي: فانتبه وإنما تحوَّل عن ذلك المكان قبل الصلاة لئلا يصلي في المكان الذي أصابته الغفلة فيه. وقد روي في هذا الخبر الإقامة من دون الأذان. وهذا القول اختيار كثير من أصحابنا لهذا الخبر. وقالوا: الزيادة إذا صحت فالعمل بها واجب. ووجه قوله في «الإملاء»: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤذن للعصر بعرفات ولا العشاء بمزدلفة لاجتماع الناس. وقال أبو إسحاق: هذا أصح الأقاويل لإمكان حمل الأخبار المختلفة على اختلاف الحالين. وهذا اختيار القاضي أبي الطيب. وفرع أبو إسحق على هذا، فقال: لا فرق على هذا بين الفائتة والحاضرة في وقتها، فإذا صلى الصلاة الحاضرة في وقتها في موضع لا يرجو اجتماع الناس أقام ولم يؤذن استحباباً، وإن كانت الفوائت أكثر من واحدة قضى كل واحدة منها في وقت دون الوقت الآخر. فالحكم على ما مضى وإن قضاها في وقت واحد، فالحكم في الأولى على ما مضى. وأمّا الباقيات فلا يؤذن لها قولاً واحداً، ولكنه يقيم لكل واحدة. وعند أبي حنيفة، يؤذن لكل واحدة وهذا غلط، لما روى ابن مسعود

رضي الله عنه في خبر الخندق أن الكفار شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات، «فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء». وقد روى أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أذن وأقام لكل واحدة، ولكنه غير محفوظ عند أهل الحديث. واحتج الشافعي أيضاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم «جمع بعرفة بأذن وإقامتين، وبمزدلفة بإقامتين [25 ب/ 2]، ولم يؤذن». وأراد أن الظهر بعرفة كانت في وقتها فأذن لها وأقام، والعصر لم تكن في وقتها أو كان أيضاً جامعاً بينها وبين الظهر، فلذلك لم يؤذن لها، وفي المغرب بمزدلفة لم يؤذن، لأنه نقلها عن وقتها، ولم يؤذن للعشاء لئلا يطول الفصل بينهما. ونذكر حكم الأذان عند الجمع، فنقول: إن جمع بينهما في وقت الأولى منهما أذن وأقام للأولى قولاً واحداً، وأقام للثانية ولم يؤذن، وإن جمع بينهما في وقت الثانية، فالحكم فيها كالحكم الفائتين. هل يؤذن للأولى ثلاثة أقاويل؟ ويقيم الثانية ولا يؤذن. وقال أبو حنيفة: يقيم للعشاء بمزدلفة، وإن أراد أن يقدم العصر في هذا الجمع، هل يجوز وجهان، فإن جوَّزنا يؤذن للعصر ويقيم دون الظهر. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو كانت عليه فائتة وفريضة الوقت، فإن قدم الفائتة ففي الأذان لها ما ذكرنا من الأقوال، ثم يقيم لفريضة الوقت ولا يؤذن، وإن قدم فريضة الوقت أذن لها وأقام، ولا يؤذن للفائتة قولاً واحداً، وهذا يقرب من اختيار أبي إسحاق. فرع آخر الصلوات على ثلاثة أضرب منها: ما يؤذن لها ويقام كالصلوات الخمس، ومنها ما لا يؤذن لها ولا يقام. ولكن يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة العيدين والكسوف والاستسقاء وقيام شهر رمضان. وروي عن عمر بن عبد العزيز ومعاوية أنهما أذنا لصلاة العيد وهذا غلط، لما روى

جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «لم يؤذن لها ولم يقم». ومنها ما لا يؤذن لها ولا يقام ولا يقال: الصلاة جامعة، وهو صلاة الجنازة والنوافل مما ليس فيه الجماعة. مسألة: قال: "ولا أحب لأحد أن يصلي في جماعة ولا وحده إلا بأذان وإقامة". وهذا كما قال: أراد به الصلاة المكتوبة، وجملته أن الأذان والإقامة مسنونان في [26 أ/ 2] صلاة الانفراد والجماعة. وبه قال جماعة العلماء، فإن اتفق أهل بلده على تركه لم يقاتلهم الإمام على ذلك. وقيل: في وجه آخر: يقاتلهم الإمام، لأنه شعار الإسلام. ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار الإصطخري وجماعة، وهما فرائض الكفايات، فإذا أقام بها قوم سقط الفرض على الباقين، إلا خرجوا أجمعين. وبه قال أحمد والكفاية أن لا يبقى بالمكان أحد إلا ويعلم أنه قد أذن فيه، فإن كان المكان قرية يبلغ النداء إلى جميعها أجزى ذلك في مكان واحد. وكذلك الرفقة في السفر، وإن كانت أكبر من ذلك فلا بد من الأذان في موضعين، فإن كانت بلدة كبيرة، فالكفاية أن تقام في كل محل منها حتى يتصل بعض المحال ببعضٍ، فعلى هذا إذا اجتمع أهل بلدٍ على تركهما أو ترك أحدهما قاتلهم الإمام. وهذا خلاف المنصوص. ومن أصحابنا من قال: هما سنَّة إلا في الجمعة فإنهما من فرائض الكفايات فيها، وهو النداء الذي يحرم البيع عنده. وهو إذا جلس الإمام على المنبر. وحكي عن ابن خيرات والإصطخري أيضاً. وقال عطاء وداود يجب كلاهما في صلاة الجماعة في كل يوم خمس مرات. وحكي عن عطاء، وهو الأصح أنه قال: الإقامة واجبة دون الأذان، فإن بعذرٍ يجوز، وإلا فلا يجوز. وروي عنه أنه قال: من نسي الإقامة يعيد الصلاة. وقال مجاهد: هما واجبان، فإن تركهما أو أحدهما فسدت صلاته. وقال الأوزاعي: هما واجبان ولكن أحدهما ينوب عن الآخر، فإن أتى بأحدهما يجوز، وإن تركهما لم يجز وأعاد الصلاة إن كان وقتها

باقياً، ولا يعيد إن كان فائتاً، وهذا كله غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: والمسيء صلاته «إذا أردت الصلاة، فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر»، ولم يأمره بالأذان. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم بأرض فلاةٍ، [26 ب/ 2]، فدخل عليه وقت الصلاة، فإن صلى من غير أذان ولا إقامة صلى وحده وإن صلى بإقامة صلى بصلاته (ملكان)، وإن صلى بأذان وإقامة صلى خلفه صف من الملائكة أولهم بالمشرق وآخرهم بالمغرب». واحتجوا بما روي عن مالك بن الحويرث أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحب له، فقال لهما: «إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا نزل بقبلة استمع إذا أصبح، فإن سمع الأذان وإلا شن الغارة». قلنا: أمَّا الأول، نحمله على الاستحباب. وأما الثاني: فلأنه كان يستدل بتركهم الأذان على كفرهم لا أنه كان يقاتلهم لترك الأذان. فرع قال الشافعي- رحمه الله-: يأتي بالأذان المقيم والمسافر، والحر والعبد سواء صلى منفرداً أو في جماعة، وسواء كان المسجد صغيراً أو كبيراً، ولكنه في المساجد العظام أشد استحباباً، فإن ترك رجل الأذان والإقامة منفرداً أو في جماعة كرهت له ولا إعادة. وهذا يدل على خلاف قول أبي إسحق على ما ذكرنا قبل هذا في الصلاة الحاضرة إذا لم يكن جماعة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يسن الأذان للمنفرد؟ قولان: قال في «القديم»: لا يسن. وقال في «الجديد»: يسن. وهذا غير مشهور.

فرع آخر قال في «الأم»: لو صلى الرجل مع إمامه جماعة، فأذن المؤذن وإقامته تكفيه ولا حاجة به إلى أن يؤذن لنفسه، ويصلي بأذان غيره، وإن كان المؤذن ما أذن له ولا نواه مثل أن يجتاز بمسجد قد أذن فيه والناس على أن يصلوا فيه، فإنه يصلي مع القوم، ولا يؤذن لنفسه. فرع آخر لو دخل رجل المسجد، وقد صلى فيه بأذان وإقامة، هل يؤذن فيه لنفسه؟. قال في «الأم»: أحببت أن يؤذن ويقيم لنفسه. وقال في موضع آخر من «الأم»: ولا أعلم مخالفاً أنه إذا جاء المسجد، وقد خرج الإمام من الصلاة له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة، وليست المسألة على قولين، بل هي على اختلاف [27 أ/ 2] حالين، فالذي يؤذن ويقيم إذا كان الإمام والناس قد انصرفوا وفرغوا، والذي قال لا يؤذن ولا يقيم، إذا دخل حين فرغ الإمام من الصلاة. وقال بعض أصحابنا: يؤذن ويقيم بكل حال في نفسه ولا يرفع صوته، لأنه يوقع الإشكال للسامع، فإنه إذا سمع الأذان الثاني قدر الصلاة الأخرى، قد دخل وقتها. وما قال في «الأم»: له أن يصلي بلا أذان أراد به الجواز. فرع آخر لو كان في بيته فسمع أذان المؤذن وأراد أن يصلي في بيته هل يجزئه أذان المؤذن؟ قال في «القديم»: يكفيه أذانه وإقامته، وقال في «الأم»: لا يكفيه، وهو الأصح عندي. مسألة: قال: "وأحب للمرأة أن تقيم". وهذا كما قال: الأذان للنساء غير مسنون، وهذا لأن الأذان لإعلام الغائبين، ولا يستحبُّ لها رفع الصوت.

وروي عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهما أنهما قالا: ليس على النساء أذان. ولو أذنت قال الشافعي: لم يكن مكروهاً. وقال البويطي: لأن ذلك تحميد. ومن أصحابنا من قال: يكره لها، وهو خلاف النص. وقال الحسن وابن سيرين: ليس عليهن أذان، فإن فعلن، فهو ذكز ولا يكون أذاناً شرعياً. وهو قول بعض أصحابنا ولو صفين جماعة، وأذنت واحدة منهن. قال في «الأم»: "لا بأس ولا ترفع صوتها إلا بقدر ما يسمع صواحباتها". وأما الإقامة فإنها مسنونة لها، فإن تركت الإقامة قال في «الأم»: أكره لها من تركها ما أكره للرجال. وروي عن جابر رضي الله عنه أنه سئل: أتقيم المرأة؟ فقال: نعم. لأن الإقامة تراه لافتتاح الصلاة ولا تبالغ فيها برفع الصوت بخلاف الأذان. فرع قال في «الأم»: "لو أذنت امرأة للرجال لم يجز عنهم"، لأن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً للرجال، فلا يعتد بأذانها لهم. وقال أبو حنيفة: يعتد بأذانها لهم. وقيل: هو قول بعض أصحابنا لأنها تخبر عن دخول الوقت وخبرها مقبول. مسألة: قال: "ومن سمع المؤذن أحببت أن يقول مثل ما يقول". [27 ب/ 2]. الفصل وهذا كما قال: هذا الكلام ليس على ظاهره، لأنه لا يقول مثل ما يقول في جميع الكلمات، وأراد به فيما عدا الحيعلة، فإذا ثبت هذا ينظر، فإن سمع الأذان خارج الصلاة، فالمستحب أن يقول مثل ما يقوله إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول في ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا لأن سائر الألفاظ ذكراً لله تعالى، وهاتان اللفظتان ليستا بذكر بل يقصد بهما الإعلام فلا يتابعه فيهما. والأصل في ذلك ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله كبر، الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد

أن محمداً رسول الله، فإذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: الله أكبر، الله أكبر، قال: الله أكبر، الله أكبر، فإذا قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة». وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن». فرع قال بعض أصحابنا: ويستحب قول: لا حول ولا قوة إلا بالله مرة مرة، وإن كان المؤذن يقول: حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح، لأنه ظاهر السنة. فرع آخر قال في «الأم»: وأحب لكل من كان خارج الصلاة، أو ذاكر أو صامت أو متحدث أن يقول ذلك، فأستحب قطع القراءة لذلك، وهذا لأن قراءة القرآن لا تفوت، والقول مع المؤذن يفوت ويفارق هذا المصلي لأن تحريمته أوجبت عليه الاشتغال بها، ولا يجوز الإعراض عنها. فرع آخر قال الشافعي رحمة الله عليه: المستحب للسامع والمؤذن بعد الفراغ أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم [28 أ/ 2] قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة إلا تكون لعبد من عباد الله عز وجل وأرجو أن أكون أنا، فمن سأل لي الوسيلة حقت لهُ الشفاعة». ثم يقول ما روى عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال أحدكم حين يسمع الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الفضيلة والوسيلة وابعثه المقام

المحمود الذي وعدته حلَّت له الشفاعة يوم القيامة». وروى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً غفر له ذنبه». وهذا يدل على أنه يقوله في أثناء الأذان. وهذا محتمل لتطويل المؤذن ألفاظه، وإن قاله بعد الفراغ من الأذان جاز ويزيد فيه عند أذان المغرب، فيقول: «اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعائك، فاغفر لي»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة رضي الله عنها بذلك، ويستحب أن يدعو الله تعالى بين الأذان والإقامة، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، فادعوا». وروى سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل داع ترد دعوته حضر النداء بالصلاة والصف في سبيل الله». قلت: ويستحب أن يقرأ آية الكرسي لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ ذلك بين الأذان والإقامة لم يكتب عليه ما بين الصلاتين». فرع آخر قال أصحابنا: [28 ب/ 2] المستحب أن يقعد بين الأذان والإقامة مدة ينتظر فيها الجماعة، لأن الملك الذي رآه عبد الله بن زيد أذن وقعد قعدة، ولأنه لو وصل الأذان بالإقامة فات الناس الجماعة، فلا يحصل المقصود بالأذان. فرع آخر يستحب أن يتحول من موضع الأذان إلى غيره للإقامة لما روي في خبر عبد الله بن زيد، «ثم استأخر غير كثير، ثم قال مثل ما قال وجعلها وتراً». فرع آخر إذا سمع الإقامة يستحب له أن يقول مثل ما يقول على ما ذكرنا، فإذا قال: قد

قامت الصلاة، يقول: أقامها الله وأدامها وجعلنا من صالحي أهلها لما روى أبو أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقامها الله وأدامها». فرع آخر قال بعض أصحابنا: إذا قال المؤذن في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم يقول: صدقت وبررت، وقيل: يقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة خير من النوم». فع آخر قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: إلا أن يكون في صلاة، فإذا فرغ منها قاله. وقال الشافعي في «الأم»: ولا فرق بين أن يكون في صلاة فرض أو نافلة، وإنما يقوله بعد الفراغ منها تحصيلاً للقربة، والمستحب أن لا يقوله في أثناء الصلاة. وقال مالكٌ والليث: إن كان في صلاة النافلة يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا غلط، لأنه يقطعه عن الإقبال على الصلاة والاشتغال بها فأشبه صلاة الفريضة. فرع آخر قال أبو إسحق: إذا فرغ منها لا يكون من تأكيد الاستحباب ما يكون في حال ما يسمعه. فرع آخر لو قال ذلك في الصلاة، قال الشافعي: لم يكن مفسداً لها إن شاء الله، والاختيار أن لا يقوله. قال أصحابنا: أراد به إذا قال ما سن له من القول، فأما إذا قال ما قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح بطلت صلاته [29 أ/ 2] إن كان عالماً بأنه خطاب الآدميين، وإن كان جاهلاً لا تبطل ويسجد للسهو، وهذا لأن هذا بذكر الله تعالى بخلاف سائر الألفاظ.

فرع آخر قال أصحابنا: هذا إذا ذكر في غير الفاتحة، فإذا ذكر في الفاتحة وأجاب المؤذن كما هو السنة في غير الصلاة بطلت قراءته، لأن التتابع فيها شرط، ويتسأنف القراءة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي: لا أكره أن يجيب المؤذن في الصلاة وليس على قولين بل لا يكره ولا يستحب ويباح، وقيل: هل يستحب في الصلاة؟ قولان. وقيل: هل يكره؟ وجهان، وهذا غلط ظاهر. مسألة: قال: "والإقامة فرادى". الفصل وهذا كما قال: الإقامة فرادى، وهي إحدى عشرة كلمة التكبير مرتين، والشهادتان مرتين، وحي على الصلاة مرة، وحي على الفلاح مرة، وقد قامت الصلاة مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة. وبه قال عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن ومكحول والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم، وكان عليه عمل أهل مكة والمدينة والشام. وقيل: عبارة أصحابنا الإقامة فرادى على المجاز، ومعناه كل ما كان في الأذان مثنى ففي الإقامة مرة، لأن التكبير مرتان وكذلك كلمة الإقامة [29 ب/ 2] وقال بعض أهل خراسان للشافعي قول أنه يفرد التكبير في الانتهاء وثنيه في الابتداء، وفيه نظر. وقال الشافعي في «القديم»: هي عشر كلمات يقول: قد قامت الصلاة مرة، وبه قال مالك وداود، وحكي عن مالك أنه قال: التكبير فيها مرة أيضاً. وقال الثوري وأبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان ويزيد لفظ الإقامة مرتين، واحتج بما روي في خبر عبد الله بن زيد أنه قال: «فأمهل هنيهة، ثم قام، فقال مثلها إلا أنه زاد: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة». وروى ابن محيريز عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «علّمه سنة الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة»، وهذا غلط لما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». وروي: إلا الإقامة، ومعناه إلا كلمة الإقامة. وقوله: أمر بلال يريد به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره به، والأمر مضاف إليه دون غيره، وقد قالوا: كان الآمر فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا خطأ ظاهر

لأن بلالاً لحق بالشام بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما خبرهم الأول قلنا روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن زيد أنه قال في الخبر: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله. وذكر نحو قولنا إلى آخرها. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: قد روي هذا بأسانيد مختلفة وإسناد هذا أصحها وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد اليمن وديار مصر ونواحي المغرب، وحكاه سعد القرظ، وكان أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته بقباء، ثم استخلفه بلال وسأل عمر رضي الله عنه، وكان يفرد الإقامة. [30 أ/ 2] وأما الخبر الثاني، قلنا: روى الحميدي في الرد على أهل الحذف قال: أدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: أدركت أبي وجدي يقيمون فيقولون: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وذكر نحو قولنا، ويشبه أن يكون العمل من أبي محذورة ومن ولده بعده إنما استمر على إفراد الإقامة فاتبعه وكان أمر الأذان ينقل من حال إلى حال وتدخله الزيادة والنقصان، ولأنها إنما تبلع تسع عشرة كلمة بالترجيع، وهم لا يقولون. وقال بعض أصحابنا: إذا رجع في أذانه ثنى الإقامة لهذا الخبر. وحكاه شيخنا الإمام ناصر رحمه الله عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهذا خلاف مذهب الشافعي. وقال ابن شريح: الترجيع والتثنية في الإقامة من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من البعض، وهذا قول مطروح بالإجماع، فإذا تقرر هذا لزم الشافعي رحمة الله عليه نفسه سؤالاً، فقال: فإن قال قائل: فقد أمر أن يوتر الإقامة. واختلف أصحابنا في معنى هذا السؤال، فمنهم من قال: هذا سؤال من جهة مالك في إفراد التكبير، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، وأنت تأمر بتشفيع التكبير، فأجابه بأن عارض، فقال: قيل له: فأنت تثني الله أكبر، فتجعلها مرتين، يعني مرة في ابتداء الإقامة، ومرة في آخرها، فيلزمك من الخبر ما ألزمتنا. ومن أصحابنا من قال: هذا سؤال من قوله «القديم» على قوله «الجديد» في إفراد

قوله: قد قامت الصلاة، فكأنه يقول: قد أمر بلال أن يوتر الإقامة، فلم ثنيت، قوله: قد قامت الصلاة، فأجاب على قوله الجديد بقوله: تثني الله أكبر، الله أكبر، فتجعلها مرتين في ابتداء الإقامة ومرتين في آخرها، ولأنه روي استثناء كلمة الإقامة من الإفراد على ما ذكرنا. مسألة: قال: "وقال في القديم: [30 ب/ 2] ويزيد في صلاة الصبح التثويب وهو: الصلاة خير من النوم" مرتين. الفصل وهذا كما قال: السنة أن يقول ذلك نص عليه في «القديم» و «الجديد» في «الإملاء»، و «البويطي»، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال في كتاب استقبال القبلة من «الجديد»: يكره ذلك، لأن أبا محذورة لم يحكه. قال أصحابنا: هذا القول سهو من الشافعي ونسيان حتى سطر هذه المسالة، فإنه حكي ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، ولأن أصحابنا رووا هذا في خبر أبي محذورة على ما سبق بيانه. وقيل: هذه الرواية لم تبلغ الشافعي ولو بلغه لقال بها، فالمسألة على قول واحد. وقد قال الشافعي: إذا رأيتم قولي خلاف السنة، فاطرحوا قولي في الحش. وقال أبو إسحاق: في المسألة قولان: أصحهما الأخذ بالزيادة كما قلنا في الترجيع، وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة مثل قولنا وروي عنه أنه قال: هو بدعة. وروى محمد عنه أنه قال: لأن التثويب الأول، الصلاة خير من النوم مرتين من الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس بالكوفة، حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين من الأذان والإقامة وهو حسن. وهذا اختيار أبي بكر الرازي. واحتج بما روي عن بلال أنه أذن، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: إنه نام فقال: الصلاة خير من النوم مرتين، فأقره عليه. وهذا غلط لما روي عن أبي محذورة أنه قال: «قلت: يا رسول الله، علمني سنة الأذان، فذكر الخبر إلى أن قال بعد قوله: حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر».

وأما خبر بلال قلنا: روى ابن المنذر عن سويد بن غفلة أن بلالاً كان يقول في أذانه: الصلاة خير من النوم [31 أ/ 2]. وقال أبو هريرة: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الصبح، فقيل: هو نائم فقال: الصلاة خير من النوم، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الذي زدت في أذانك»؟ فقال: الصلاة خير من النوم، ظننتك وسنت يا رسول الله، وثقلت عن الصلاة، فقال: «زدها في أذانك». وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: أذن بلال للصبح، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذنه، فقيل: إنه نائم، فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، الصلاة خير من النوم مرتين، ثم دخل فحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح، فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم». وروى الشافعي رحمة الله عليه عن علي رضي الله عنه نحو قولنا، ثم قال المزني: الزيادة أولى في الأخبار كما قال في التشهد وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت. وأراد بخبر التشهد رواية ابن عباس رضي الله عنه: «التحيات المباركات». وأراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت ما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت ومعه أسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، فأخبرت فبادرت إلى المسجد فوجدته قد خرج فادركت بلالاً، فقلت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: أين صلى؟ فأشار إلى موضع، فنسيت أن أسأله: كم صلى؟». وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «دخل البيت ودعا ولم يصل» فأخذ الشافعي بالزيادة وهذا قاله صحيح، وهو المذهب ومن نصر مخالفيه، أجاب عن هذا بأن الزيادة إنما تكون أولى فيما يجوز أن يخفى على العامة كالتشهد وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فإنه لم يدخلها إلا مع نفر يسير، فأمَّا أمر الأذان فهو من الأمور الظاهرة [31 ب/ 2] الشائعة المتكررة في كل يوم وما كان هذا سبيله فالزائد والناقص فيه سواء، لأنه مما لا يخفى على العامة، ولهذا أخذ بإفراد الإقامة دون التثنية. ثم اعلم أن ابن شجاع قال: قال أبو حنيفة: التثويب الأول في نفس الأذان، والثاني من الأذان والإقامة، فيقول بعد الأذان: حي على الصلاة، حي على الفلاح. وروى الحسن بن زياد عنه أنه قال: يثوب بعد الأذان بقدر عشرين آية، واحتج بما روى أبو يوسف عن كامل بن العلاء السعدي أنه قال: «كان بلال إذا أذن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم

فسلم عليه، ثم قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يرحمك الله». وهذا عندنا بدعة لما روى مجاهد قال: لما قدم عمر رضي الله عنه مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقال: ويحك، أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوته ما نأتيك حتى تأتينا؟ ولو كان هذا سنة لم ينكره عمر رضي الله عنه، وسئل الأوزاعي عن التسليم على الأمراء، فقالى: أول من أحدثه معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز. وأما كامل بن العلاء فلم يلق بلالاً، فلا حجة فيه. قال أصحابنا: يجوز استدعاء الأمراء إلى الصلاة كما روت عائشة رضي الله عنها أن بلالاً جاء، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مر أبا بكر فليصل بالناس». قال: إنه قال: فكان بلال يسلم على أبي بكر وعمر كما كان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا تقرر هذا لا يستحب التثويب في غير الصبح عندنا. وقال: يثوب في العشاء وأيضاً لأنه وقت النوم. وقال النخعي: يثوب في جميع الصلوات، وهذا غلط لما روى يزيد بن غفلة عن بلال رضي الله عنه [32 أ/ 2]، قال: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في أذان الصبح ولا أثوب في غيرها». وروي أن عمر رضي الله عنه أنه دخل المسجد يصلي فسمع رجلاً يثوب في أذان الظهر، فخرج عنه فقيل له: إلى أين تخرج؟! فقال: أخرجتني البدعة. مسألة: قال: "وأحب أن لا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلاً ثقة لإشرافه على الناس". وهذا كما قال، قوله ثقة تأكيد لأن العدل لا يكون إلا ثقة، وقيل: معناه إلا عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبداً، لأن العبد لا يوصف بالعدالة، ولكن يوصف بالثقة والأمانة. وقيل: أراد إلا عدلاً في دينه ثقة في علمه بمواقيت الصلاة، وجملته أنه

يستحب أن يكون المؤذن عدلاً أميناً لاطلاعه على الناس عارفاً بالمواقيت لأن الناس يعتمدون عليه وقوله: لإشرافه على الناس، يحتمل شرف المكان عند الأذان فيطلع على عورات الناس. وقيل: أراد الإشراف على المواقيت، وقد قال في «الإملاء» لإشرافه على عوراتهم وأمانته على الوقت. وقال في «القديم»: لإشرافه على بعض عورات الناس ولأجل المواقيت وهذا أصح، لأنه لا يقدر أن يشرف على عورات الكل، وهذا لأنه إذا لم يكن عدلاً ثقة يخاف منه الفتنة في الإشراف والتلبيس على الناس في الأوقات. قال: وأحب أن يكون حراً كاملاً من خيار الناس لقوله صلى الله عليه وسلم: «يؤمكم أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم». وقال عمر رضي الله عنه لرجل: من مؤذنكم؟ فقال: موالينا أو عبيدنا، فقال: إن ذلك لنقص كثير. وقال في «القديم»: الأولى أن يكون من أولاد المؤذنين الذين جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان فيهم، وهم أبو محذورة وبلال وسعد القرظ، فإن لم يبق منهم أحد فإلى من أنابهم فإن لم يبق منهم أحد جعله في أولاد أحد من الصحابة، فإن انقرضوا جعل إلى الأقرب فالأقرب، [32 ب/ 2] فإن لم يكن جعل إلى من يراه من خيار الناس على ما وصفنا. وقال أبو محذورة: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان لنا. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الملك في قريشٍ والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة والأمانة في الأزد». فرع قال في «الأم»: "ومن أذن من عبد مكاتب وحر أجزأ، فأما الصبي فيكره أن يكون مؤذناً". قال في «الأم»: «وأحب أن لا يؤذن إلا بعد البلوغ لما رويناه فإن أذن قبل البلوغ أجزأه». وقال داود: لا يعتد بأذانه، لأنه ليس بمكلف بالشرع فأشبه المجنون، وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن عبيد الله بن أبي بكرة، قال:

«كان عمومتي يأمرونني بأن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم». وأنس ابن مالك رضي الله عنه شاهد ولم ينكر، وهذا فيما يظهر ولا يخفى، فثبت أنه إجماع منهم ولأنه تجوز إمامته في النوافل بالإجماع كالعبد، وأما المجنون، فلأنه لا يعقل معنى ما يقول هذا. فرع آخر لو كان خصياً أو مجبوباً لا يكره ويجوز، ولو كان فاسقاً يكره ولو أذن جاز لما قلنا في إمامته، والكافر لا يجوز بحالٍ. فرع آخر قال: لو كان أعمى فإن معه بصير يؤذن قبله أو يعرفه المواقيت جاز ولا يكره، وإن كان وحده كره ذلك، لأنه لا يشاهد علامات الوقت، فإن أذن جاز، لأن له أن يجتهد في المواقيت. وجملته: أن الناس على أربعة أضرب: من يستحب أن يكون مؤذناً، وهو من ذكرنا، ومن يجوز أن يكون مؤذناً وإن كان غيره أولى منه، وهو العبد ونحوه، ومن يكره أن يكون مؤذناً، ويجوز كالأعمى إذا كان وحده، والصبي والفاسق، ومن لا يجوز بحال، وهو الكافر والمجنون والمرأة للرجال. فرع آخر لو تنازع جماعة في الأذان مع تساويهم استمعوا. روى ابن المنذر أن الناس تشاحوا يوم القادسية في الأذان، فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم. وروي عن عمر [33 أ/ 2] بن الخطاب رضي الله عنه أنه اختصم إليه ثلاثة نفر في الأذان، فقضى لأحدهم بأذان الفجر وقضى للأخر بالظهر والعصر وللآخر بالمغرب والعشاء. مسألة: قال: وأحب أن يكون صيتاً. أي: رفيع الصوت لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله: «ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً»، ولأنه أبلغ في الإعلام.

مسألة: قال: "وأن يكون حسن الصوت ليكون أرق لسامعيه". وهذا كما قال، أراد أنه إذا كان حسن الصوت يكون أدعى إلى الإجابة، لأن الداعي إلى الطاعة ينبغي أن يكون حلو المقال، ترق القلوب له. قال الله تعالى: "ولو كنت فظاً غيظ القلب لانفضوا من حولك" [آل عمران: 159]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "زينوا القرآن بأصواتكم»، وأراد به تحسين الصوت بالقراءة. وقال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون: "فقولا له قولاً لينا" [طه: 44] الآية. مسألة: قال: "وأحب أن يؤذن مترسلاً بغير تمطيط". وهذا كما قال، أراد بالترسل إفراد كل كلمة من الأذان وإرسال النفس عند انتهائها. يقال: جاء فلان على رسله، أي: على هينة غير عجل ولا متعب نفسه. وروى ابن عمر رضي الله عنه سمع أبا محذورة وقد رفع صوته، فقال له: «أما خشيت أن ينشق من تطاول، فقال: أحببت أن تسمع صوتي». والتمطيط: التمديد. وقيل: إنه الإفراط في المد، وقوله: ولا نفي فيه، أراد أن يرفع صوته حتى يجاوز به المقدار. وقرئ، ولا يغني فيه. وأراد تشبيهه بالغناء في التطريب والتلحين. وروي أن رجلاً قال لابن عمر رضي الله عنه: «إني أحبك في الله، فقال: وأنا أبغضك في الله إنك تغني في أذانك». قال حماد: يعني التطريب. مسألة: قال: "وأحب الإقامة إدراجاً مبيناً". وهذا كما قال. الإدراج: أن يدرج كلمة في كلمة ويجمع بينهما في نفس واحد بخلاف الترسل، ولكن مع الإدراج [33 ب/ 2] يجب أن يكون مبيناً، وإنما قلنا كذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحذر!». رواه جابر، وروى أبو الزبير مؤذن بيت المقدس، قال: جاءنا عمر بن الخطاب رضي

الله عنه، فقال: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذر، ولأن الأذان يراد الإعلام، والترسل فيه أبلغ في الإعلام، والإقامة تراد لافتتاح الصلاة. والإدراج فيه أقرب إلى الاستفتاح ولا يستحب فيه الصعود على المنارة، وهل يلتوي فيها في كلمة الحيعلة؟. قال القفال: مرة يلتوي كما في الأذان، وقال: مرة لا يلتوي، والصحيح عندي الأول، وهو ظاهر المذهب. وقول الشافعي: «ويلتوي في حي على الصلاة يرجع» إليهما. وقيل: الصحيح لا يلتوي لأن القوم يسمعون من غير التفات حتى لو كان المسجد كبيراً يلتوي ليحصل الإعلام. ثم قال الشافعي: «وكيف ما جاء بهما أجزأه». يعني إن خالف ما قلناه، فأدرج الأذان وأقام مترسلاً جاز، وإن كان تاركاً للسنة لأنهما هيئتان فيهما، فهو كترك الجهر والإبراد في الصلاة. فرع إذا أذن بالفارسية للجماعة لم يجز وإن كان لنفسه ولا يحسن العربية أجزأه، وعليه أن يتعلم وإن كان يحسن العربية لم يجز. كأذكار الصلاة ذكره صاحب «الحاوي». فرع آخر متى يقوم الناس إلى الصلاة عند إقامة المؤذن؟ قال أصحابنا: ينبغي لمن كان منهم شيخاً بطئ النهضة أن يقوم عند قوله: قد قامت الصلاة، ومن كان شاباً سريع النهضة أن يقوم بعد فراغه من الإقامة فيختلف باختلاف القائمين ليستووا في صفوفهم قياماً في وقت واحد. مسألة: قال: "وأحب أن يكون المصلي بهم عالماً فاضلاً". وهذا كما قال أراد أن الإمام سفير بين القوم وبين الله تعالى، فيجب أن يكون أفضلهم وأعلمهم، وأي الناس صلى بالإمامة من الرجال [34 أ/ 2] المسلمين جاز، وإن كان فاسقاً وشرح هذا يجيء في موضعه، فإن هذه المسألة ليست من مسائل الأذان، بل هي من مسائل الإمامة.

مسألة: قال: "وأحب أن يكون المؤذنون اثنين". الفصل وهذا كما قال: يجب أن يكون لكل مسجد كبير مؤذنان لكل صلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فإن اقتصر على مؤذن واحد جاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على أذان سعد القرظ وعلى أذان زياد بن الحارث. قال في «الأم»: ولا يضيق أن يؤذن أكثر من اثنين. قال أصحابنا: ولا يستحب أن يزيد على أربعة، لأن عثمان رضي الله عنه اتخذ أربعة من المؤذنين، ونص في «القديم»: أنه يجوز أكثر من ذلك. قال الشافعي: وإذا كان المؤذنون أكثر أذن واحد بعد واحد لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا، ولأنهما إذا أذنا معاً كما يعملون اليوم في بلدنا يتشوش، ولو كان مسجد كبير في كل جانب منه منارة، فأذنوا في وقت واحد كل واحد منهم يسمع من يليه، فلا بأس، فكذلك إذا أذنوا في نواحيه معاً جاز. نص عليه في «الأم». قال أصحابنا: وإذا اجتمعوا هكذا يتفقون في الأذان كلمة كلمة فإن اشتراكهم في كل كلمة منه أبين في الإعلام. فرع لو كثر المؤذنون، فلا يبطئ الإمام بالصلاة لانتظار فراغهم فيؤدي إلى ترك فضيلة أول الوقت، ولكنه يخرج بعد الأذان الأول، ويصلي في أول الوقت، ويقطع من بقي من المؤذنين من الأذان. فرع آخر لا يستحب أن يقيم إلا واحداً منهم، فإن أذن واحد بعد واحد، يقيم الأول وإن أذنوا معاً في جوانب المسجد فأيهم أقام فقد أتى بالسنة، فإن تشاجروا أقرع بينهم

[34 ب/ 2]، فيقيم من خرجت قرعته. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أذنوا معاً اجتمعوا في الإقامة ولا يترتبون لأن من سنة الإقامة أن يتصل بطرف الصلاة، والأول أظهر وهذا محتمل إذا كان المسجد كبيراً وأذن المؤذنون في جوانبه يقيمون في كل جانب معاً إذا كانوا لا يسمعون الإقامة إلا هكذا. مسألة: قال: "ولا يرزقهم الإمام وهو يجد متطوعاً". الفصل وهذا كما قال: إذا وجد الإمام من يتطوع بالأذان وكان أميناً لم يجز للإمام أن يعطيه الرزق من بيت المال، لأن منزلة الإمام من بيت المال كمنزلة ولي اليتيم من مال اليتيم لا ينفق منه إلا ما لا غنى باليتيم عنه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعثمان بن أبي العاص رضي الله عنه حين ولاه الطائف: «صل بهم صلاة أضعفهم ولا تتخذ مؤذناً يأخذ على أذانه أجراً»، فإن لم يجد متطوعاً جاز له أن يرزق مؤذناً واحداً، ولا يزيد عليه لأن هذا من جملة مصالح المسلمين. وهكذا لو وجد فاسقاً متطوعاً ووجد أميناً لا يتطوع به كان له بذل الرزق من بيت المال للأمين. وقيل: فيه وجه آخر. المتبرع أولى وإن كان فاسقاً حتى لا يحتاج إلى التزام مؤنة، ولو كان المتبرع ليس بحسن الصوت، فيه وجهان، لأنه تتوفر الجماعة به. وقال الشافعي في «القديم»: رزقهم إمام هدى عثمان بن عفان رضي الله عنه. ولو عظمت البلدة ولم يكمهم مؤذن واحد نصب في كل محلة مؤذناً ورزقهم. وروي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أجرى الرزق على أربعة مؤذنين بالمدينة، ونص الشافعي رحمة الله عليه في «الأم»، فقال: «رزق منهم قدر ما يحتاج إليه، ولو أراد الإمام أن يرزق مؤذناً من مال نفسه مع وجود من يتطوع به فلا بأس به». فرع اختلف أصحابنا في جواز عقد الإجارة على الأذان من الإمام [35 أ/ 2]، أو من واحد من الرعايا، فقال الأكثرون: يجوز كما يجوز على تعليم القرآن وأداء الحج عن الغير وبه قال مالك، وهذا أشبه بالمذهب، واختار القاضي الطبري وجماعة أئمة

خراسان. وقال أبو حامد: لا يجوز أخذ الأجرة عليه بحال. وغلط من أجازه وليس للشافعي ما يدل على جوازه. وقد قال ههنا: «فإن لم يجد متطوعاً فلا بأس أن يرزق مؤذناً» فسماه رزقاً ولم يسمه أجرة. وقال في الحج: استأجر من يحج عنه فدل على الفرق. وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: يجوز أخذ الرزق، ولا يجوز أخذ الأجرة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد. وروي عن أبي حنيفة لا يجوز أخذ الرزق أيضاً، وقيل: يجوز من الإمام ولا تجوز الإجارة من آحاد الرعية، وعلى ماذا يأخذ الأجرة؟ فالظاهر أنها على جميع الأذان كما في تعليم القرآن. وقيل: فيه أوجه: أحدهما: على مراعاة الوقت. والثاني: على رفع الصوت. والثالث: على كلمتي الحيعلة، لأنهما ليستا بذكر الله تعالى، ويجوز أخذ الأجرة على إعادة الدروس واحتجوا بخبر عثمان بن أبي العاص الذي ذكرنا. وهذا غير صحيح عندي، لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه، ككتبة المصاحف. والخبر محمول على ما لو وجد متطوعاً 0 ومن نصر قول أبي حامد قال: يجوز أخذ الرزق على القضاء، ولا يجوز أخذ الأجرة عليه 0 وكذلك على الإمامة. وقال هذا القائل القرب في باب الإجارة والرزق على ثلاثة أضرب: قربة يفعلها عن نفسه، ولا يعود نفعها إلى غيره، فلا يجوز أن يأخذ عليها رزقاً ولا أجرة بحالٍ كالصلاة والصيام ونحو ذلك. وقربة يفعلها عن الغير وتقع عنه كالحج وتعليم القرآن وبناء القناطر والمساجد يجوز أخذ الأجرة والرزق عليها معاً. وقربة يفعلها عن نفسه ويعود نفعها إلى غيره كالأذان والقضاء والخلافة، ويجوز أخذ الرزق عليها دون الأجرة [35 ب/ 2] قلت: إذا كان الأذان بأجرة فهو قربة يفعلها للغير وهو إعلامهم بوقت الصلاة ودعائهم إلى حضور الجماعة فهو كالحج وتعليم القرآن، فلا يصح هذا التقسيم. فرع آخر قال: "ولا يرزقهم إلا من خمس الخمس"، سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد به سهم

النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة والفيء جميعاً فإنه مرصد لمصالح المسلمين وهذا من المصالح، ثم نقل المزني: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء ولا من الصدقات، لأن لكل مالكاً موصوفاً وفيه خلل، لأنه معقول أن خمس خمس الفيء مع خمس خمس الغنيمة سهمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصروفان إلى مصالح الإسلام، فيجوز صرف بعض هذا السهم من الفيء إليهم، والشافعي لم يقل هكذا، بل قال: ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء يعني من الأخماس الأربعة ألا ترى أنه علَّل فقال: لأن لكل مالكاً يريد فما عدا سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة، والفيء والصدقات ملاكاً موصوفين في القرآن والسنة وليس لسهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة ولا من الفيء مالاً موصوف بل هو للمصالح. وهذا على القول الذي يقول: أربعة أخماس الفيء للمقاتلة. فأما على القول الثاني، أنها للمصالح فإنه يبدأ بالأهم، فالأهم، والأهم أن يبدأ بالمقاتلة أيضاً، ثم بسد الثغور، ويجوز ذلك فما فضل جاز أن يرزقهم الإمام منه ويرزق الحكام وغيرهم أيضاً. مسألة: قال: "وأحب الأذان لما جاء فيه". وهذا كما قال، أراد به يستحب التأذين لما جاء في فضله من الأخبار، ثم روى من الأخبار خبراً واحداً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين». ومعنى قوله: الأئمة ضمناء، أي: ضمنوا إتمام الصلاة بالقوم كما جاء في خبر آخر. قال: فإن أتموا فلكم ولهم وإن نقصوا فلكم وعليهم [36 أ/ 2]. وقيل: الضامن في كلام العرب الراعي والضمان معناه الرعاية، فمعنى الخبر أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد الركعات على القوم. وقيل: معناه ضمان الدعاء يعمهم به، ولا يختص به دونهم. ومعنى قوله: «المؤذنون أمناء»، أي: هم مؤتمنون على الأوقات، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن سبع سنين صابراً محتسباً كتبت له براءة من النار». وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن اثني عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان مسنون حسنة وبكل إقامة ثلاثون حسنة»، أورده الدارقطني.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يشفع المؤذنون يوم القيامة»، فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في الأذان والإقامة أيهما أفضل؟ فقال أبو حامد وجماعة: الأذان أفضل، قالوا: وهذا هو المذهب، وقد صرح به في كتاب الإمامة، فقال: وأحبّ الأذان لما فيه من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اغفر للمؤذنين». وذكره الإمامة للضمان. وهذا اختيار أبي إسحق ووجه هذا ما ذكرنا من الخبر، «الأئمة ضمناء» فإن الإمامة موضع السلامة، ولا يخاف منها شيء. والضمان موضع الخطر والغرامة ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لكل واحد منهما فكان دعاؤه للأئمة بالرشد الذي هو سبب المغفرة، وكان دعاؤه للمؤذنين بنفس المغفرة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذنون أطول أعناقاً يوم القيامة». وفي لفظ: «يحشر المؤذنون أطول الناس أعناقاً»، ومعناه أطول رجاء يقال: طال عنقي إلى وعدك، أي: رجائي. وقيل: أراد طولاً حتى لا يبلغ العرق إلى أفواههم فيلجمهم كما يلجم غيرهم. وقيل: لم يرد به أن أعناقهم تطول لكن الناس يعطشون يوم القيامة، فإذا عطش الإنسان انطوت عنقه. والمؤذنون [36 ب/ 2] لا يعطشون فأعناقهم قائمة. وقيل: أراد أطول الناس أصواتاً وعبر عن الصوت بالعنق، لأنه محل الصوت. وقيل: أراد أكثر أتباعاً. والعنق: الجماعة من الناس، يقال: ما تبعه عنق من الناس. ومعناه من أجابهم إلى الصلاة تبعهم إلى الجنة يوم القيامة. وقيل: أراد أطولهم أعناقاً لأمنهم، إذ الأمين مشرفٌ رافع رأسه والخائن متوارٍ منقبض. وقيل: إعناقا بكسر الألف، ويراد به سرعة السير إلى الجنة. وروى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في الأذان لتضاربوا عليه بالسيوف». وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وأنه يغفر له مدى صوته أين بلغ». وروي أن عمر رضي الله عنه قال: «لو كنت مؤذناً لما باليت أن لا أجاهد، ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام».

وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: "ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله" [فصلت: 33] نزلت في المؤذنين. ومن أصحابنا من قال: الإمامة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده اختاروا الإمامة، ولأنها أشق فكانت أفضل. ومن قال بالأول، قال: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأذان لاشتغاله بما هو أهم. وكذلك الخلفاء، وهو ظاهر في قول عمر رضي الله عنه لولا الخلافة لأذنت. ولا بد من الصلاة إن لم يكن إماماً فمأموماً فلهذا تولى الإقامة. وقيل: إنما تركه لأنه يحتاج أن يشهد لنفسه، ويقول: أشهد أني رسول الله وفيه تغيير نظم الأذان أيضاً. وقيل: إنما تركه، لأنه لو دعا الناس بنفسه إلى الصلاة لم يسع لأحد منهم التخلف، وفيه ضيق على الناس. وقيل: كانت الإمامة له أفضل، لأنه كان مأموناً من الخطأ والزلل والتقصير في أداء الضمان [37 أ/ 2]، فإنه لا يقر على الخطأ والسهو. وقال بعض أصحابنا وهو قول أئمة خراسان، وهو الصحيح عندي: الإمامة أفضل إذا كان عالماً بما يلزم الإمام في صلاته وما ينوب فيها ويعلم من نفسه القيام بحقها، لأنها أشق والإمام الضامن أكثر عملاً من المؤذن الأمين. وكلما كثر العمل فالثواب أكثر، وهذا اختيار صاحب «الإفصاح» وصرح الشافعي به في كتاب الإمامة، فقال: وأحب الأذان وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أم ينبغي أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإذا فعل رجوت أن يكون خير حال من غيره. وفيما ذكروه من لفظه في كتاب الإمامة خلل، ولم يذكروا تمام الكلام على هذا الوجه، وهذا يزيل الإشكال. فرع قال أصحابنا: لا يستحب أن يتولى واحد كلا الأمرين: التأذين والإمامة، لأن ذلك لم يكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة رضي الله عنهم، ولأن المؤذن والقوم تبع للإمام. ومن أدب المؤذن إذا أذن أن ينتظر اجتماع القوم، ثم إذا اجتمعوا يأتي نائب الإمام فيؤذنه باجتماعهم كما ذكرنا عن بلال. وقال صاحب «الحاوي»: «لو أمكن القيام بهما والجمع بينهما أولى، فيجوز

شرف المنزلتين وثواب الفضيلتين»، والأول أصح عندي، وهو ظاهر المذهب. فرع آخر روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة»، ولم يرد به أن الإمام يقيم بل أراد أن المؤذن يؤذن متى شاء إذا دخل الوقت، ولكن لا يقيم إلا أن يرضى الإمام أو يأذن فيها، ويجوز انتظاره لها. مسألة: قال: "وأحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها"، وهذا كما قال: يستحب تعجيل الصلوات في أول وقتها في الجملة. وقال أبو حنيفة: يستحب تأخيرها عن أول وقتها، وهذا غلط لما احتج به [37 ب/ 2] الشافعي، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله». قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: رضوان الله أحب إلينا من عفوه، ثم بين الشافعي المعنى فيه، فقال: وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظاً، ومن المخاطرة بالنسيان والشغل والآفات خارجاً، وهذه إشارة منه إلى تأويل قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" [البقرة: 238]، وفيه خلل، لأن الشافعي احتج بهذه الآية، ثم ذكر هذه اللفظة على جهة الاستدلال، فترك المزني نقل الدليل ونقل جهة الاستدلال، ولا يحسن ذلك، وفيه خلل آخر. وقال: «ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يشبه أن يكون للمقصرين» ولم يقل الشافعي هذا، لأن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت موسع فلا ينسب إلى التقصير، ولفظ الشافعي: ورضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو عفوان عفو تقصير وعفو توسعة، ويشبه أن يكون الفضل في غير التوسعة ما لم ينه عن ذلك الغير، ومعنى ذلك أن الفطر رخصة في السفر، والصوم أفضل ما لم يجهده، فيكون الفطر أفضل. فأما إذا لم ينه عن ترك الرخصة، فالفصل في تركها، فلم يجعل الشافعي التأخير من باب

التقصير، وإنما جعله من باب التوسعة، فألحقه المزني بالتقصير. وقيل: أراد به أنه مقصر بإضافته إلى ثواب من صلى في أول الوقت كالمصلي عشر ركعات نفلاً مقصر بإضافته إلى من صلى عشرين، ولم يرد به تقصير الإثم. وقيل: أنه مقصر لولا عفو الله في إباحة التأخير، فإذا تقرر هذا نذكر كل صلاة على التفصيل. أما الصبح: التغليس بها أفضل إذا تحقق طلوع الفجر، فإذا غلب على ظنه طلوعه يجوز له أن يصلي ولكن يستحب له تأخيرها إلى أن يتحقق. وبه قال عمر وعثمان وابن الزبير [38 أ/ 2] وأنس وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة ومالك والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وجماعة. وقال الثوري وأبو حنيفة: الإسفار بها أفضل ما لم يخشَ طلوع الشمس إلا الصبح بمزدلفة، فإن تعجيلها أفضل. وروي ذلك عن ابن مسعود والنخعي واحتجوا بما روى رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر». وروي: «أصبحوا بالصبح» الخبر، هذا غلط لما روي عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلى الصبح بغلس ثم أسفر مرة ثم غلس ولم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى». وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس»، والغلس اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، والغبش قريب منه إلا أنه دون، والمروط أكسية تلبس، والتلفع بالثوب الاشتمال به. وروي: متلفقات، أورده مسلم في «صحيحه». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الأعمال عند الله الصلاة لأول وقتها». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ثلاث لا تؤخرها، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً». وأما خبرهم أراد به إسفار الفجر، وهو ظهوره واستنارته، وهذا لأنه يحتمل أنه لما

أمر بتعجيل الصلوات كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والفجر الثاني طلباً للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب، فقال لهم: صلوها بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها إذا كنتم تريدون الأجر، فإن ذلك أعظم للأجر، فإن قيل: كيف يقال هذا، والصلاة إذا لم تجز لم يكن فيها أجر؟ [38 ب/ 2] قلنا: لا جواز لها، ولكن أجرهم فيما نووه بالخطأ ثابث كقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجر». وقيل: الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة. وذلك أن الصبح لا يتبين فيها جيداً، فأمرهم بزيادة التبيين استظهاراً باليقين في الصلاة، فإذا تقرر هذا يستحب أن يدخل فيها بغلس ويخرج منها بغلس. وهذا هو المذهب. ومن أصحابنا من قال: يدخل فيها بغلس ويخرج منها بالإسفار جمعاً بين الأخبار، وهذا حسن. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «صلوا الفجر في الشتاء وتغلسوا بها، وأطيلوا القراءة على قدر ما تطيقون وإذا كان الصيف فأسفر فإن الليل قصير ليدركها النوام». وأما صلاة الظهر: يستحب تعجيلها في كل وقت لكل أحد إلا أن يشتد الحر، فيستحب أن يؤخرها عن أول وقتها باربع شرائط: أحدها: أن يكون الرجل إمام القوم يصلي بهم جماعة. والثاني: أن يكون في شدة الحر في الصيف. والثالث: أن يكون في البلاد الحارة مثل الحجاز ونحوه. أن تنتابها الجماعة ويحضرها من مكان بعيد، فإن اختل شرط من هذه الشرائط لا يستحب تأخيرها مثل أن يصلي وحده أو في جماعة في جوار المسجد، أو في زمان معتدل، أو في شدة الحر في البلاد الباردة، أو في مسجد يكون الطرق إليه في ظل أو كنين. وقال في «البويطي»: القريب والبعيد فيه سواء لأن القريب يلحقه حر المسجد ويشق عليه ذلك. وقيل: الإبراد في حق من يصلي في بيته قولان: أحدهما: يسن لعموم الخبر. والثاني: لا يسن، لأنه لا مشقة، وهذا غريب. وإذا وجدت هذه الشرائط أخرها حتى تكسر شدة الحر ويتسع فيء الحيطان، ثم صلاها. قال الشافعي رحمه الله:

«ولا [39 أ/ 2] يبلغ بتأخيرها آخر وقتها حتى يصليها معاً، يعني: الظهر مع العصر من يصيبها، وينصرف منها قبل آخر وقتها». وقال أيضاً: «يصليها في وقت إذا فرغ منها يكون بينه وبين آخر الوقت فصل». وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا ينبغي أن يبلغ بالتأخير نصف الوقت، وهذا صحيح موافق للنص الذي ذكرنا. وقيل: يؤخر إلى أن يحصل فيء ويمشي فيه القاصد إلى الصلاة، وهذا قريب مما تقدم، والأصل في هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب قد أكل بعضي بعضاً، فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حرها وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وقوله: فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره، يقال: مكان أفيح، أي: واسع. وقيل: هذا في الحقيقة من وهج حر جهنم. وقيل: خرج هذا الكلام مخرج التقريب، أي: كأنه نار جهنم في الحر فاحذروها، فإن قيل. روى خباب بن الأرت قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة حر الرمضاء، فلم يشكنا»، وهذا يدل على أنه لم يجوز لهم التأخير لشدة الحر. وقال جابر رضي الله عنه: «كنت أصلي الظهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ قبضة من الحصباء لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر». قلنا: يحتمل أنه لا يزول ذلك بالإبراد وإنما يزول بالسترة ويحتمل أن يكون رخص بعد ذلك وأمر بالإبراد. وقال مالك: الأفضل أن يؤخرها أبداً حتى يصير الفيء قدر ذراع لأن الناس يكونون في أشغالهم فإذا أخرت قليلاً اجتمع لها الناس، وهذا غلط لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي الظهر حين ترجع الشمس». وأما ما قاله لا يصح لأنه لو صح لكان يؤخرها إلى وسط الوقت ليكثر الناس [39 ب/ 2]. وقال أبو حنيفة: «تأخيرها أبداً إلا الظهر في الشتاء»، وهذا غلظ لما ذكرنا.

فرع الإبراد بالظهر على ما ذكرنا هل هو سنة أو رخصة؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: سنة، وهو ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي إسحق لأن شدة الحر تذهب بالخشوع فهي كشدة الجوع، ومنهم من قال: هو رخصة، لأن الشافعي، قال في البويطي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتأخيرها في الحر توسعة منه ورفقاً بالذين ينتابونه مثل توسعته صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الصلاتين، فحصل قولان. فرع آخر الإبراد بصلاة الجمعة عند اشتداد الحر بهذه الشرائط، هل يستحب؟ وجهان: أحدهما: لا يستحب، لأن الناس ندبوا إلى التبكير إليها، فإذا اشتد الحر يكونون مجتمعين في الجامع، فتعجيل الجمعة بهم أرفق من تأخيرها، وهذا أظهر. وروى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا اشتد البرد بكر بها، وإذا اشتد الحر أبرد بها». والثاني: يستحب فيها ذلك أيضاً، لأنها في يوم الجمعة كالظهر في سائر الأيام. وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى هذا في المسجد الكبير الذي يجتمع فيه الناس الكثير في الجماعات وجهان أيضاً، وهذا محتمل قياساً على الجمعة. وأما صلاة العصر: فتعجيلها أفضل، وبه قال من ذكرنا من الصحابة وغيرهم. وقال مالك: يؤخرها يسيراً كما قال في الظهر. وقال أبو حنيفة: تأخيرها أفضل ما دامت الشمس بيضاء نقية، وبه قال الثوري إلا في يوم الغيم وعن إبراهيم أنه كان يؤخر العصر. وروي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصر لأنها تعصر، واحتج بما روى رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يأمر بتأخير هذه الصلاة»، يعني صلاة العصر، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن أنسٍ رضي الله عنه [40 أ/ 2] أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي العصر والشمس بيضاء حية ثم يذهب الذاهب إلى العوإلي فيأتيها والشمس مرتفعة». وحياتها شدة وهجها وبقاء حرها. وقيل: حياتها صفاء لونها لم تتغير. وقال الزبيري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة. قال الراوي: وأحسبه قال: أو أربعة.

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» ومعنى الظهور هنا: الصعود. يقال: ظهرت على الشيء إذا علوته. ووجه الدليل أن حجرة عائشة كانت ضيقة الرقعة والفناء والشمس تتقلص عنها سريعاً، فلا يكون مصلياً للعصر قبل أن تصعد الشمس عنها، إلا وقد بكر بها. وأما خبرهم رواه عبد الواحد بن رافع، وهو مطعون فيه. وقد روى الدارقطني بإسناده عن الأوزاعي عن ابن المجادي عن رافع بن خديج. قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ثم ننحر الجزور فنقسمه ثم نطبخ فنأكل لحماً نضجاً قبل أن تغيب الشمس» فدل على ما قلنا. وأما صلاة المغرب: فلا خلاف بين العلماء أنه يستحب تعجيلها. والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه، قال: «كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب ثم نخرج فنناضل حتى يخرج صوت بني سلمة فننظر إلى مواقع النبل من الإسفار». وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم». وأما العشاء الآخرة: قال في «الإملاء» و «القديم»: «تعجيلها أولى»، وهو الصحيح لما روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: أنا أعلمكم بوقت هذه الصلاة، صلاة عشاء الآخرة، «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة»، وهذا إخبار عن دوام فعله. [40 ب/ 2] وقال في «الأم»: «تأخيرها أفضل». وبه قال أبو حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء إلى ثلث الليل». وروي إلى نصف الليل. واختلف قوله في قدر التأخير لاختلاف الرواية. وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها

أمة قبلكم». ومعناه أخروها. فرع قال أصحابنا: يكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو برزة، قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النوم قبلها والحديث بعدها». فرع آخر أوكد الصلوات في المحافظة عليها، الصلاة الوسطى، لأن الله تعالى قال: "والصلاة الوسطى" [البقرة: 238] فخصها بالذكر، والصلاة الوسطى هي صلاة الصبح. وبه قال مالك، وروي هذا عن علي وابن عباس وابن عمر وجابر رضي الله عنهم. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة أنها العصر. ورواه ابن المنذر عن علي وأبي هريرة وأبي أيوب وأبي سعيد رضي الله عنهم. وروي عن عائشة وزيد أنهما قالا: هي الظهر. وروي هذا عن أبي حنيفة وأصحابه. وقال قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب. وهذا كله غلط لقوله تعالى: "وقوموا لله قانتين" [البقرة: 238]، فقرنها بالقنوت، ولا قنوت إلا في صلاة الصبح. وروى مالك عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى وقنت فيها، ثم قال: «هذه الصلاة التي أمرنا الله فيها أن نقوم قانتين». وروى مالك في «الموطأ»: عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: أمرتني عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن أكتب لها مصحفاً، فإذا بلغت هذه الآية فأذنتني "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" قال: فلما بلغتها أذنتها فأملت علي: حافظوا [41 أ/ 2] على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، ثم قالت: «سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولأن صلاة الصبح لا تتبع إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فهي منفردة قبلها صلاتا الليل وبعدها صلاتا نهار. واحتج أبو حنيفة بما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة

باب

الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً». قلنا: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم سماها وسطى ونحن لا نمنع من ذلك وخلافنا في المراد بالآية. واحتج زيد بن ثابت رضي الله عنه بأن صلاة الظهر وسط صلوات النهار وفيها مشقة لكونها في شدة الحر ووقت القيلولة. واحتج قبيصة بأن المغرب أوسط أعداد الصلوات ووقتها مضيق فنهى عن تأخيرها. قلنا: أخبارنا أولى لأنها صريحة منصوصة، ويعارضهم بأن الله تعالى حث على صلاة الصبح دون غيرها، فقال: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء: 78]. باب استقبال القبلة وأن لا فرض إلا الخمس مسألة: قال: "ولا يجوز لأحد صلاة فريضة ولا نافلة ولا سجود قرآن ولا جنازة إلا متوجهاً إلى البيت الحرام". الفصل وهذا كما قال: اعلم أنه افتتح الباب ببيان الحال التي يجب فيها استقبال القبلة والحالة التي لا تجب، والمقصود هذا. وقوله في ترجمة الباب، (وأن لا فرض إلا الخمس) شيء اعترض في الباب وبيانه سيأتي في موضع آخر، وأراد بالبيت الحرام الكعبة. قال الله تعالى: "جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس" [المائدة: 97]، وكذلك المراد بقوله تعالى: "فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]، الكعبة فإنها هي القبلة بعينها [41 ب/ 2]، وشطر المسجد: نحوه. وجملته: أن استقبال القبلة شرط في الصلاة في الجملة بدليل هذه الآية. وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «استقبل الكعبة وصلى ركعتين. وقال: هذه القبلة، هذه القبلة». مرتين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يصلي أول فرض الصلاة بمكة إلى بيت المقدس، وكان يصلي على صفةٍ يكون متوجهاً إلى الكعبة ليكون مستقبلاً لها ولبيت المقدس لمحبته قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما، فلم يزل على هذا

حتى هاجر إلى المدينة وكان يصلي فيها إلى بيت المقدس، ولم يمكنه التوجه إلى الكعبة لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة يكون مستدبراً للكعبة، فلا يمكنه ما كان بمكة فشق عليه ذلك. ومضى على هذا ستة عشر شهراً أو سبعة عشر، فسأل يوماً جبريل عليه السلام أن يسأل له ربه عز وجل أن يجعل قبلته الكعبة، فقال له: سله أنت فإنك من الله بمكان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج جبريل عليه السلام وكان يقلب النبي صلى الله عليه وسلم وجهه في السماء، فنزل قوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنواينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام" [البقرة: 144]. فنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة. وكان هذا في وقت صلاة العصر. وقال أنس رضي الله عنه: كان في صلاة الظهر. «وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين منها نحو بيت المقدس، فانصرف إلى الكعبة». وقال الواقدي: كان هذا في يوم الثلاثاء للنصف من شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: كان في رجب قبل بدر بشهرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم شأن القبلة والقيام الأول. وقال أيضاً: أول من صلى إلى الكعبة، [42 أ/ 2] وأوصى بثلث ماله وأمر أن يتوجه إلى الكعبة البراء بن معرور وابنه بشر بن البراء الذي أكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة فمات، واختلف أصحابنا، هل استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس برأيه أو عن أمر الله تعالى على قولين: أحدهما: برأيه، لأن الله تعالى خيره في قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]، أي: قبلة الله، فاختار بيت المقدس وبه قال الحسن وعكرمة وأبو العالية والربيع بن أنسٍ. والثاني: استقبله بأمر الله تعالى لقوله تعالى: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: 143]. وبه قال ابن عباس وابن جريج وفي قوله تعالى: "إلا لنعلم من يتبع الرسول" [البقرة: 143] أربع تأويلات: أحدها: ليعلم رسولي وأوليائي لأن من عادة العرب إضافة ما فعله اتباع الرئيس كما قالوا: فتح عمر رضي الله عنه سواد العراق.

والثاني: ألا ترى والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم. والثالث: معناه، إلا لتعلموا أننا نعلم، لأن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها. والرابع: معناه إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك، وهذا قول ابن عباسٍ رضي الله عنه. وأما قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]، له ست تأويلات: أحدها: ما قاله الأولون من تخيير الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقبل حيث شاء قبل استقبال الكعبة. والثاني: نزلت في صلاة التطوع للسائر وللخائف في الفرض. وبه قال ابن عمر رضي الله عنه. والثالث: نزلت فيمن خفيت عليه القبلة. والرابع: أنه لما نزل قوله تعالى: "أدعوني استجب لكم" [غافر: 60]، قالوا: إلى أين؟ فنزل هذا، وبه قال مجاهد. والخامس: أراد وحيث ما كنتم من مشرق أو مغرب فلكم جهة الكعبة فيستقبلونها. والسادس: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين استقبل الكعبة، قالت اليهود: قبحاً في ذلك، فنزل هذا. وبه قال [42 ب/ 2] ابن عباس. وروى الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن نستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة». وروي أن هذا القائل، قال لهم: أشهد أن القبلة قد حولت إلى الكعبة. وقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، فاستداروا في صلاتهم وبنوا عليها، فإذا تقرر هذا، فكل من لزمه التوجه إليها على ستة أضرب: ضرب: فرض المعاينة. والثاني: ضرب فرضه الإحاطة دون المعاينة.

والثالث: ضرب فرضه الخبر. والرإبع: ضرب فرضه التقليد. والخامس: ضرب فرضه الاجتهاد. والسادس: ضرب فرضه التفويض. فأما من فرضه المعاينة فكل من يقدر على معاينة البيت فمن يكون بمكة في مسجدها أو منزل منها أو سهل أو جبل لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال القبلة، لأنه يدرك صواب عينه بمشاهدة ومعاينة. وأما من فرضه الإحاطة، وهي اليقين دون المعاينة، فكل من كان بمكة في موضع لا يرى منه البيت إلا أنه نشأ بمكة، ويعلم جهة البيت يقيناً فهذا يلزمه أن يصيب استقبال البيت من طريق الإحاطة واليقين. وهكذا من يقدر على قبلة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة لأنها مقطوع بصحتها، لأنه لا يقر على الخطأ. قال أصحابنا: وكذلك القبلة التي صلى إليها الصحابة كقوله قباء والكوفة. وأما من فرضه الخبر: فكل من كان وراء جبل أبي قبيس وما أشبهه من الجبال، وهو غريب لا يعرف سمت البيت وعلى رأس الجبل من يخبره عنه من طريق المشاهدة، وهو ثقة يلزمه قبول خبره كمن وجد من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [43 أ/ 2] نصاً يلزمه قبوله، ولا يجوز الاجتهاد فيه. وأما من فرضه التقليد كالأعمى. وقال داود: يصلي الأعمى إلى أي جهة شاء، لأنه عاجز. وهذا غلط لظاهر الآية، وهي قوله تعالى: "فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: 144]، ولأنه يمكنه السؤال فلا يكون عاجزأ. وأما من فرضه الاجتهاد فكل من كان على صفة لا يقدر على معاينة ولا إحاطة ولا خبر لبعده عن مكَّة ففرضه الاجتهاد يستدل عليها بالرياح والنجوم والشمس والقمر، فمن غلب على ظنه جهة صلى إليها. وأما من فرضه التفويض، فهو أن يدخل بلداً كبيراً كثير الأهل، قد اتفقوا على قبلتهم كالبصرة، وبغداد، فيستقبل قبلتهم تفويضاً، لاتفاقهم لأنه يبعد أن يكونوا على خطأ ويستدركه واحد، فإذا تقرر هذا، فكل من كان غائباً عن مكة يجوز له الاجتهاد فيها إذا تعذر معرفتها.

وأما من كان بمكة ذكر الشافعي فيه كلاماً مختلفاً، فقال في «الأم»: فكل من كان يقدر على رؤية البيت لا تجوز صلاته حتى يصيب استقبال البيت، لأنه يدرك صواب استقباله بمعاينةٍ. ثم قال بعد ذلك: ومن كان بمكة لا يرى البيت وأراد المكتوبة لا يحل له أن يدع الاجتهاد في طلب صواب عين الكعبة بالدلائل، فجعل فرضه الاجتهاد وإن كان بمكة وجعل في الأولى فرضه الإحاطة. وليست المسألة على قولين بل هي على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال: فرضه اليقين إذا كان الحائل دونها حادثاً كالبناء والسترة، ولا يجوز الاجتهاد بل ينتقل إلى حيث يرى البيت ويصلي إليها على اليقين. والموضع الذي قال: فرضه الاجتهاد إذا كان الحائل دونها من خلقة الأصل كالجبال والتلول ونحوها، فالحاصل من هذا أنه إذا كان بالبعد من مكة ففرضه الاجتهاد، [43 ب/ 2] وإن كان بالقرب منها ينظر، فإن كان الحائل من خلقة الأصل، ففرضه الاجتهاد، هان كان الحائل حادثاً، ففرضه الإحاطة، ومن أصحابنا من قال: إن كان الحائل أصلياً، ففرضه الاجتهاد، لأنه يشق عليه صعود الجبل، ونحوه، وإن كان حادثاً كالأبنية، ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي، لأنه لو كثف المشاهدة أدى إلى تكليف سيراً يشق عليه، ولأن بينه وبين البيت حائلاً يمنع المشاهدة فأشبه إذا كان بينهما جبل. والثاني: لا يجوز، لأن الاجتهاد لم يجز في هذا الموضع قبل حدوثه، فلا يجوز بعد حدوثه وطرآنه. فرع لو استقبل حجر الكعبة، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «صلي في الحجر، فإنه من البيت». والثاني، لا يجوز استقباله وحده، وهو الصحيح، لأنه ليس من البيت قطعاً، بل هو منه بغلبة الظن، فلم يجز العدول عن اليقين لأجله.

فرع آخر لو اجتهد فتساوت عنده جهتان مختلفتان على كل واحدة منهما. أمارات دالة ولم يترجح عنده إحداهما، فيه وجهان: أحدهما: يصلي إلى أي الجهتين شاء. والثاني: يصلي في إحدى الجهتين ويعيد في الأخرى، وأصل هذين الوجهين اختلافهم في العامي إذا أفتاه فقيهان بجوابين مختلفين، فيه وجهان: أحدهما: يتخير. والثاني: يأخذ بالأغلظ، والأغلظ ههنا أن يصلي إلى الجهتين. ذكره صاحب «الحاوي». فرع آخر تعلم دلائل القبلة فرض في الجملة وهل هو على الأعيان أو على الكفاية، وجهان: أحدهما: على الأعيان ليعلم أركان الصلاة. والثاني: على الكفاية كتعلم دقائق مسائل الفقه. مسألة: قال الشافعي رحمة الله عليه «إلا في حالين». الفصل وهذا كما قال: لا يجوز ترك استقبال القبلة إلا في حالين: [44 أ/ 2] إحداهما: حالة الخوف، والثاني: حالة السفر. فأما الخوف، فضربان: خوف لا يقطع عن استقبالها بل يكون بالمسلمين كثرة، وبالمشركين قلة ويمكنهم أن يفترقوا فرقتين، طائفة وجاه العدو وتصلي الطائفة الأخرى ففرضهم التوجه إلى القبلة لا يجزئهم غير ذلك. وخف يقطعه عن ذلك، وهو شدة الخوف عند المسايفة والتحام القتال، فيجوز له ترك إستقبالها في الفرض والنفل راكباً كان أو نازلاً. قال الله تعالى: "فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً" [البقرة: 239] ويسقط عنه في هذه

الحالة ثلاثة أشياء: التوجه إلى القبلة، والقيام، واستيفاء الركوع والسجود، فإن قدر على بعضها دون بعض يلزمه. وأما السفر: فيجوز لأجله ترك الاستقبال في النافلة فقط دون الفريضة، وإن كانت من فرائض الكفايات كصلاة الجنازة ولا فرق فيه بين الماشي والراكب. وقال أبو حنيفة: لا يجوز للماشي ذلك، لأنه عمل كثير، وهذا غلط، لأنه أحد اليسرين، فأشبه سير الراكب، ولأن النوافل كثيرة غير محصورة. ولا بد من الأسفار وتقع الحاجة إلى الأسفار ماشياً كما تقع راكباً، فلو قلنا: لا يجوز النفل ماشياً أدى إلى انقطاع الناس عن أحد أمرين: إما عن نوافلهم، وإما عن أسفارهم ومعايشهم. قال القفال: وعرفت فضل عبادة الشيخ أبي زيد المروزي، واجتهاده على غيره بأنه كان يعلل في هذه المسألة بأنه يؤدي إلى أن ينقطع الناس عن نوافلهم. فكان عنده أن النوافل لا بد منها وإن أدى إلى ترك المعاش لها. والأصل فيما ذكرناه قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة: 115]. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت في التطوع خاصة حيث توجه بك بعيرك. وروى جابر رضي الله عنه، قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي على راحلته في كل جهة» [44 ب/ 2] وروي أنه صلى الله عليه وسلم «كان يوتر على راحلته». فرع إذا كان ماشياً فأراد صلاة النافلة يلزمه التوجه إلى القبلة في ثلاثة أحوال: منها عند الافتتاح، فيلزمه أن يفتتحها إلى القبلة، ثم يعدل إلى جهة سفره ويقرأ، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع إلى القبلة وسجد على الأرض إلى القبلة متمكناً لأنه لا مشقة في ذلك، لأن زمانه يسير. نص عليه في «القديم» و «إلإملاء»، وكأنه اعتبر أن يتوجه إلى القبلة في كل ركن يفتتح بالتكبير. فرع آخر إذا سجد إن شاء والى بين السجدتين وإن شاء فرق بينهما وتشهد ماشياً وسلم في

جهة سفره، أي جهة كانت، لأن التشهد يطول زمانه، فهو كالقراءة، والسلام ليس كالتكبير لأن في السلام لا يعتبر التوجه إلى القبلة في غير حالة العذر أيضاً، فإنه يسلم عن يمينه وشماله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستقبل القبلة عندالسلام أيضاً. وقيل: فيه وجهان، وقيل: هل يلزمه وضع الجبهة على الأرض أم يكفي إدناؤها من الأرض؟ وجهان. وهذا كله خلاف المذهب المشهور على ما ذكرنا. فرع آخر لو كان راكباً في كبيسة أو عمارية أو هودج على صفةٍ يمكنه التوجه إلى القبلة، ويتسع الركوع والسجود يلزمه ذلك، لأنها كالسفينة وهذا ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من قال: فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: لا يلزمه ذلك لأن فيه إضراراً لمركوبه وإدخال مشقة عليه، فصار كراكب السرج. فرع آخر لو كان راكب السفينة مسيراً لها كالملاح يجوز له أن يصلي إلى غير القبلة في نافلته ويصلي إلى جهة سيره، لأنه يسقط التوجه إلى القبلة عن الماشي فعن هذا أولى، لأنه ينقطع بالتوجه عن السير هو وغيره. فرع آخر لو كان راكب السفينة لا يسيرها يصلي الفرض والنفل، كما يصلي غير الراكب ولا يختلف الفرض والنفل [45 أ/ 2] في حقه إلا في ترك القيام مع القدرة وعند أبي حنيفة يجوز له ترك القيام في السفينة في الفرض مع القدرة، لأن الغالب أنه يدور رأسه وعندنا لا يجوز ذلك إلا أن يدور رأسه في الحال، وهذا لأنه قادر على القيام والاستقبال من غير مشقة. فرع آخر لو كان على ظهر دابة ناقة أو فرس أو حمار ونحو ذلك، فإن كان واقفاً فالتوجه عند افتتاحها شرط فإذا عقدها سار في جهة سفره حيث كان. وإن كان سائراً ننظر، فإن كانت سهلة مطيعة يمكنه أن يدير رأسها إلى القبلة من غير مشقة يلزمه أن يدير رأسها ويفتتح الصلاة إلى القبلة، وإن كان يشق ذلك لأنه حرون أو مقطر بالآخر لا يلزمه

استقبال القبلة ويفتتح أينما توجهت به مركوبه، ثم إذا حضر الركوع والسجود ركع وسجد يومئ إيماء ويكون سجوده أخفض من ركوعه ولا يلزمه السجود على كفه ولا على سرجه، ولو سجد على مقدم رحله أو سرجه جاز، ونحو هذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أمكنه أن يدير رأسها إلى القبلة عند الركوع والسجود يلزمه، كما قلنا في الماشي، ذكره القاضي الطبري. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه استقبال القبلة عند الافتتاح؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكرنا. والثاني: لا يلزمه ذلك، لأن فيه كلفة وإن كان الركوب سهلاً بخلاف الماشي، وهذا أقيس. والثالث: إن كان وجه دابته إلى القبلة أو إلى طريقه افتتح كما هو وإن كان إلى غير هذين، لا يفتتح إلا إلى القبلة ومنهم من قال: نص الشافعي في مواضع أنه يلزمه ذلك ونص في موضع لا يلزمه فقيل: قولان. وقيل: على حالين كما ذكرنا وفي هذا نظر، وما تقدم أصح. فرع آخر لو كان ظهره في طريقه إلى القبلة فركب الدابة مقلوباً وجعل وجهه إلى القبلة، فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه إذا جازت صلاته إلى غير القبلة، فإلى القبلة أولى. والثاني: لا يجوز [45 ب/ 2]، لأن قبلته طريقه، وهو قد ترك ما جعل طريقاً له. فرع آخر لو أراد أن يصلي الفريضة قائماً في كنيسة واسعة مستقبل القبلة بأركانها فإن كانت الدابة واقفة جاز، وإن كانت سائرة. قال أبو حامد: نصّ الشافعي في «الإملاء»: أنه لا يجوز بخلاف السفينة. والفرق أن البهيمة لها اختيار وتسير بنفسها ولا تكاد تثبت على حالٍ واحد؟، فيؤدي ذلك إلى تغيره عن القبلة في الفريضة، فلا يجوز. والسفينة كالأرض لا تسير بنفسها، وإنما تسير إلى جهةٍ واحدة لا تختلف فافترقا. وذكر القاضي أبو الطيب رحمه الله في الإمامة: أنه إذا أمكنه ذلك في كنيسة يقوم

ويركع ويسجد صخت صلاته كما لو صلى على سريرٍ يحمله أربعة. وهذا إذا كان لها من يسيرها حتى لا تختلف جهة القبلة بلزوم لجامها ولحفظها أو كانت واقفة، وهو القياس عندي. فرع آخر لو كانت راحلته متوجهة إلى القبلة، ثم تحولت عنها، وهو في الصلاة، فإن كان ذلك الانحراف إلى الطريق لا يضره، وإن كان على غير الطريق، فإن تعمد ذلك بطلت صلاته، وإن سها عنه فظن أن طريقه ذلك أو نسي أنه في الصلاة، ثم ذكر رجع ومضى على صلاته ويسجد للسهو نصّ عليه في «الأم». وهذا يدل على أن من سها في النوافل سجد سجدتي السهو. وحكي عنه أنه قال في «القديم»: لا يسجد وليس بصحيح. فرع آخر لو كان ناسياً، ثم علم ثبت، وهو يمكنه أن ينحرف فسدت صلاته ولو غلبته دابته يردها إلى الطريق ويبني على صلاته، ثم قال الشافعي: إن ردها عن قرب لا يسجد للسهو، لأنه لا أثر لذلك القليل، وإن تطاول وتمادى الأمر سجد للسهو. وقال أصحابنا في مسألة النسيان: يجب أن يفرق بين التطاول وعدمه على قياس هذا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كان ناسياً، وطال الفصل، بطلت صلاته لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، وإن ردها في الحال سجد للسهو [46 أ/ 2]، وان كان مغلوباً فطال بطلت صلاته، وإن قل تبطل ولا يسجد لسهو، لأنه لم يوجد منه فعل. وهذا خلاف المذهب المنصوص. فرع آخر الدابة لو مشت على نجاسةٍ لم تؤثر في صلاته، لأنه لا يمكن حفظها منه في حال السير حتى لو تعمد الراكب تسييرها على موضع نجس بطلت صلاته. فرع آخر إذا ضرب الدابة أو حرك رجله لسيرها فإن كان لحاجةٍ لم يؤثر وإن كان لغير حاجة؛ فإن كان قليلاً لم تبطل، وإن كان كثيراً تبطل.

فرع آخر الشرط فيه أن يكون موضع ركوبه وجميع ما يلاقيه بدنه وثيابه والزمام الذي في يده طاهراً، فلو دمي فم الدابة وتنجس طرف اللجام فحكمه حكم من يصلي وفي يده حبل مشدود في رقبة كلب. فرع آخر الماشي إذا صلى يلزمه أن يجتنب النجاسة حتى لو (مشى) على موضع نجسٍ بطلت صلاته، لأنه لا يشق عليه الاحتراز منه. فرع آخر لو عدا في صلاته فإن كان لغرضٍ لم تبطل وإلا بطلت. فرع آخر لو كان يسير إلى غير جهة القبلة، (فاستفتح) ثم عدل إلى جهة القبلة، وليست بجهة سفره لا يضر الصلاة سواء كان عالماً أو جاهلاً، لأنه إذا جاز لغير القبلة فلأن يجوز إلى القبلة أولى. فرع آخر لو دخل بلده الذي يقصده فمتى وصل إلى أول عمرانه لا يجوز له أن يصلي على الراحلة، ولكنه ينزل، ويستقبل القبلة، ويبني على صلاته، وكذلك إن كان ماشياً استقبل القبلة ويبني على ما مضى، ولو دخلها وكان مستقبل القبلة. قال بعض أصحابنا بخراسان: صحت صلاته على الراحلة لكنه يسجد على مقدم الرحل، ولا يجوز بالإيماء. وعندي أنه لا يجوز أن يصلي سائراً، لأنه في حكم الحاضر في البلد وله أن يصلي واقفاً، ولعل هذا القائل أراد هذا. فرع آخر لو دخل بلداً لا يريد المقام فيه، وإنما يريد أن يجتاز فيه أو يقيم فيه مقام المسافر دون أربعة أيام له أن يصلي على الراحلة حيث توجهت إلى أن ينزل، [46 ب/ 2] وإذا نزل أو وقف للنزول لا يجوز له أن يصلي إلا مستقبل القبلة. والأصل في هذا أن ترك الاستقبال في الصلاة على الراحلة إنما يجوز للمسافر السائر، فإن عدما أو أحدهما لم يجز.

فرع آخر لو دخل بلده، ولكنه لا يريد المقام بها مثل إن كان له بسارية أهل ومال، فخرج من بلده قاصداً الاستراباذ، فدخل سارية، قال الشافعي: فإن أراد النزول بها، أو كان بلده لم تجز صلاته إلا مستقبل القبلة، وأراد بالنزول بها المقام. وقوله: أو كان بلده يدل على أن بدخوله هناك يصير مقيماً. وفي المسألة قولان: أحدهما: هذا. والثاني: لا يصير مقيماً، فعلى هذا لا يلزمه النزول، وله ترك الاستقبال، ذكره القفال. فرع آخر لو افتتح الصلاة على الراحلة، ثم ترك استقبال القبلة وبنى على ما مضى من صلاته، لأن عمل النزول قليل، ولو أحرم على الأرض، ثم ركب بطلت صلاته، لأنه عمل كثير نصّ عليه الشافعي رحمه الله. فرع آخر قال في «الأم»: وليس له أن يصلي فائتة، ولا صلاة نذر ولا صلاة طوافٍ ولا صلاة جنازة على الراحلة، وهذا لأن الفائتة والمنذورة فريضتان وصلاة الطواف فريضة في أحد القولين. وإذا قلنا: تطوع، فإنه يكون حاضراً في حال صلاته أو مسافراً غير عابر في طريق، وصلاة الجنازات من فروض الكفايات وليست بتطوع. وقال ابن القفال في «التقريب»: يحتمل أن يقال: يجوز إذا لم يتعين، كما قال الشافعي: يجوز أن يصليها، وبتيمم الفريضة وهذا خلاف النص. وقال أنس رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم «يصلي في جنازة وهو ذاهب إلى خيبر، والقبلة خلف ظهره» ولأنه وإن لم يتعين تقع واجبة، أو هذه صلاة لا تكثر بل تندر فليس في اشتراط الاستقبال فيها مشقة، ويخالف التيمم، لأنها تبع ذلك في الفريضة. [47 أ/ 2] وقال بعض أصحابنا بخراسان: في ركعتي الطواف وجهان بناء على أنهما واجبتان أم لا، وفيه قولان. وفي المنذورة قولان: بناء على أن المنذورة هل يسلك بها مسلك

النوافل، أو مسلك ما ورد به الشرع؟ وفيه قولان، وهذا غير صحيح. فرع آخر قال الشافعي: لو غرقت السفينة وتعلق رجل بلوح وصلى مومياً فإن استقبل بها القبلة لا إعادة وإن مال إلى غير القبلة تلزم الإعادة. وهذا لأن غير الخائف قد يسقط فرضه بالإيماء. وهو المريض فجاز أن يسقط ههنا وغير الخائف لا تصح صلاته مع ترك القبلة، فلم يصح ههنا. مسألة: قال: "وطويل السفر وقصيره سواء". وقال في «البويطي»: وقد قيل: لا ينتقل أحد على ظهر دابة في سفر إلا سفراً يقصر في مثله الصلاة. وقال أصحابنا: هذا قول مالك، وإنما أراد به، وليس بقول الشافعي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول آخر، وهو الصحيح، وهذا ليس بمشهور، وهو غلط، لأنه سفر مباح، فأشبه السفر الطويل. فرع التنفل في الحضر ماشياً لا يجوز ولا يجوز ترك الاستقبال فيها ولا الإيماء بالركوع والسجود فيها. وقال الإصطخري: يجوز لأنه جوز في السفر لتتصل النوافل، وهذا موجود في الحضر. وقيل: إذا جوزنا هذا للماشي يجوز للراكب أيضاً، وهذا غلط، لأنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحضر، ولو فعل لنقل، ولأن المشقة الغالبة والضرورة الداعية توجد في السفر دون الحضر. ثم إن الشافعي رحمه الله، قال في أثناء هذا الكلام، وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وليس هذا مقصود هذا الباب. واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على الراحلة». قال والدي الإمام رحمه الله: هذا الاستدلال منصف. وذلك أن الوتر كان [47 ب/ 2] واجباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «كتب علي الوتر، ولم يكتب عليكم»، وفعله على راحلته لم يدل على نفي وجوبه عنه فلأن لا يدل على نفي وجوبه عن غيره أولى، وهذا حسن. واحتج أيضاً بخبر الأعرابي وتمامه ما روى أبو داود بإسناده عن

طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح وأبيه إن صدق دخل الجنة وأبيه إن صدق». وفي هذا الخبر خمسة أدلة: أحدها: أنه قال: خمس صلوات، ولم يقل: ست صلوات. والثاني: لما قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا. والثالث: قال: إلا أن تطوع فسمى الزيادة تطوعاً. والرابع: قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فأقره عليه. والخامس: قال: أفلح ومدحه. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا»، يعني إن فعل ذلك فهو من أهل الجنة. قال: قال الإمام أبو سليمان رحمه الله قوله: «أفلح وأبيه» كلمة جارية على لسان العرب يريدون بها التوكيد وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن يحلف الرجل بأبيه» فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي، ويحتمل أنه جرى هذا منه على عادة الكلام الجاري على الألسن ولم يقصد به القسم كلغو اليمين المعفو عنه. وقيل: يحتمل الإضمار وتقديره: أفلح ورب أبيه. مسألة: قال: "ولا يصلي في غير هاتين الحالتين إلا إلى البيت إن كان معايناً". الفصل وهذا كما قال المعاين للبيت يجب عليه استقباله، ولا يجوز له الصلاة إلى جهته بلا خلاف [48 أ/ 2]، وأما الغائب عن البيت. قال في «الأم»: يجب عليه إصابة العين وظاهر ما نقل عن المزني أنه يجب عليه طلب جهة القبلة، فمن أصحابنا من قال: هذا قوله، ولا يعرف للشافعي، وهو اختيار أبي حامد.

ومن أصحابنا من قال: فيه قولان. ووجه القول الأول ما ذكرنا من الآية والخبر. ووجه القول الثاني، وهو قول أبي حنيفة: أن إدراك العين مع البعد يتعذر. ولهذا تجوز صلاة أهل الصف الطويل على مدى خط مستوي، ولا يجوز أن يتوجه منهم إلى الكعبة إلا بقدر الكعبة، ولكن لن يجاب عن هذا بأن أهل الصف الواحد لا يمكن لأحد منهم أن يقطع بأنه يحاذي الكعبة. وإنما ذلك طريقة الظن فإذا لم يتعين منهم المخطئ لعين الكعبة لم نوجب على أحد منهم القضاء بخلاف هذا. وقال مالك: من كان في المسجد الحرام ففرضه عين الكعبة ومن كان خارج المسجد في الحرم ففرضه المسجد، ومن كان خارج الحرم من أهل الآفاق ففرضه الحرم، وهذا غلط لما ذكرنا. مسألة: قال: "فإن اختلف اجتهاد رجلين: لم يسع أحدهما اتباع صاحبه". وهذا كما قال: إذا كان رجلان في موضع لا يرى البيت منه فاجتهدا في القبلة فأدى اجتهاد أحدهما إلى جهة واجتهاد الآخر إلى جهة، فعلى كل واحد منهما أن يعمل على اجتهاد نفسه، ولا يجوز لأحدهما أن يقلد صاحبه، وإن كان أعلم منه في الاجتهاد، لأنهما اشتركا في الأدلة الموصلة إلى العلم بالقبلة، فلا يجوز لأحدهما تقليد صاحبه كالعالمين في أحكام الشرع لا يقلد أحدهما صاحبه ولا يسع أحد منهما أن يأتم بالآخر، لأن كل واحد منهما يعتقد أن صاحبه متوجه إلى غير القبلة وأنه غير مصيب فيها، فإن ائتم أحدهما بصاحبه كانت صلاة الإمام صحيحة وصلاة المأموم باطلة. وقال أبو ثور: يجوز أن يأتّم أحدهما بصاحبه ويصلي كل واحد منهما إلى جهة كما يجوز أن يصلي [48 ب/ 2] الناس جماعة حول الكعبة، ويكون إمامهم إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى، وهذا غلط، لأن كل واحد منهما يعتقد أنه في غير صلاة بخلاف ما قاس عليه، فإن كل واحد مصيب هناك، وإن كان الاجتهاد في جهةٍ واحدة، فقال أحدهما: عن اليمين. وقال الآخر عن الشمال صلى كل واحد منهما على اجتهاد نفسه، فإن أراد الجماعة ليكون أحدهما إمام الآخر. قال ابن سريج: يجوز. قال أصحابنا: هذا إذا قلنا: الواجب طلب الجهة، فأما إذا قلنا: الواجب إصابة العين، وهو المذهب، لا يجوز كالاختلاف في الجهتين.

فرع آخر لو اجتهد قوم فاتفق اجتهادهم إلى جهة فاقتدوا بواحد منهم فلما شرعوا في الصلاة تغير اجتهاد بعضهم إلى جهة أخرى انحرفوا في صلاتهم، فإن كانوا مأمومين خرجوا عن الاقتداء وأتموا لأنفسهم، وإن تغير اجتهاد الإمام، فمن وافقه انحرف معه ومن كان على اجتهاده الأول خرج من صلاته وصلى وحده نصّ عليه الشافعي. مسألة: قال: "فإن كان الغيم وخفيت الدلائل على رجل فهو كالأعمى". وهذا كما قال: جملته أن الناس ضربان: بصراء وعميان. فالبصير على ثلاثة أضرب: ضرب يعرف دلائل القبلة وضرب لا يعرفها، وإذا عرف عرف. وضرب لا يعرفها، وإذا عرف لم يعرف، فإن كان عارفاً ففرضه الاجتهاد على ما ذكرنا ولا فرق فيه بين العالم والعامي. وأما من لا يعرفها، وإذا عرف يعرف نظر، فإن كان الوقت واسعاً للتعلم والاجتهاد بنفسه، فالحكم فيه كالعالم إذا كان هناك من يعلمه وإن ضاق الوقت ولا يسع للتعليم والاجتهاد فالحكم فيه، وفي العالم إذا خفيت عليه الدلائل بأن حصل في ظلمة أو حبس في موضع يمنع الدلائل أو لم يكن في ظلمة ولا حبس، [49 أ/ 2] ولكن ضاق الوقت عن الاجتهاد، هل له أن يقلد غيره؟. قال الشافعي: «ههنا فهو كالأعمى» وظاهره أنه يقلد ويقضي. وقال: ولا يسع بصير خفيت عليه الدلائل بل اتباع غيره بحالٍ. وظاهره أنه لا يقلد. واختلف أصحابنا على ثلاثة طرقٍ. وقال أبو إسحق: لا يجوز له تقليد غيره بحالٍ، لأن معه آلة الاجتهاد، وهي البصر. وقول الشافعي: هو كالأعمى، أي: في إعادة الصلاة، لأن الأعمى إذا لم يجد بصيراً يقلده في جهة القبلة صلى على حسب الإمكان، ثم يعيد الصلاة إذا وجد من يقلده. كذلك هنا يصلي على حسب حاله ويعيد إذ بان له الصواب. وهذا ظاهر المذهب. وقال ابن سريج: لا يختلف المذهب أن له التقليد إذا ضاق وقت الصلاة، لأنه قال: فهو الأعمى. والأعمى يقلد فلذلك. قال: ومن قال: لا يقلد أراد مع اتساع

الوقت، وكان ابن سريج يقلد الملاحين في القبلة في طريق الأهواز. وقال بعض أصحابنا: المسألة على قولين: أحدهما: وهو اختيار المزني ومذهبه جواز التقليد. واحتج بأنه لا فرق بين جهل القبلة لعدم العلم وبين من جهلها لعدم البصر كما لا فرق بين من لا يحسن الحروف لعدم البصر وبين من لا يحسبها للجهل بها، أي: كونه أمياً لا يحسن الكتابة، ومن اختار القول الآخر أجاب عن هذا بأنه قادر على التعلم، فلا يضطر إلى التقليد (اضطرار) الأعمى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا بناء على أنه هل يجب تعلم دلائل القبلة على الأعيان؟ وفيه وجهان: أحدهما، له الإعراض عن تعلمها وتقليد من علمها والثاني يلزمه، تعلمها. وفي هذا نظر. وأما من لا يعرفها وإذا عرف لم يعرف ففرضه التقليد، كالأعمى، والأعمى لا يجوز له أن يصلي إلى القبلة برأي نفسه بل فرضه التقليد، لأنه ليس معه آلة الاجتهاد. فرع لو كان إذا عرف يعرف [49 ب/ 2] فأخر التعليم مع القدرة حتى ضاق الوقت عن التعليم قلد غيره وصلى، وهل تلزمه الإعادة؟ يحتمل وجهين بناء على أن معه ماء فأراقه وصلى بالتيمم. فرع آخر إذا لم يجز له التقليد فله أن يقبل ما يتوصل به إلى الاجتهاد مثل أن يقول له آخر: قد انكشف السحاب فرأيت الشمس في موضع كذا، فيقبل، لأنه يخبر عن يقين. وكذلك لو خرج من مكة ولم يدر من أي أبوابها خرج، فأخبره رجل أنك عن يمين مكة أو يسارها يقبل منه ويجتهد بنفسه، وهو كالحاكم يقبل رواية الحديث، ثم يجتهد بنفسه، ولا يكون مقلداً في الحكم ولو قال: إذا كانت الشمس ههنا، فالقبلة كذا لا يقبل لأنه اجتهاد. فرع آخر لو أخبره مخبر عن القبلة عن يقين بإن قال: أدركت آبائي المسلمين يصلون إليها غير أنهم لم ينصبوا محراباً قبل ذلك لا يجوز له الاجتهاد، ولأن الخبر عن قبلة المسلمين

بمنزلة الخبر عما أجمعوا عليه، أو عما تواتر الخبر. فرع آخر لو دخل بلداً من بلاد المسلمين فرأى محاريبهم لزمه أن يتوجه إليها على ما ذكرنا، ولا يجوز له أن يجتهد في طلب القبلة، ولو دخل بلدة خربت وانتقل أهلها فرأى فيها محاريب منصوبة يلزمه أن يجتهد فيها في طلب القبلة، لأنه يجوز أن تكون تلك المحاريب لأهل الذمة دون المسلمين ولو عرف أنها محاريب المسلمين لا يجوز له الاجتهاد. قال القفال رحمه الله: ويجوز في البلاد التي بنيت فيها المحاريب أن يجتهد في التيامن والتياسر، لأن الخطأ في ذلك القدر يحتمل ولا يوقف عليه قطعاً ويقيناً. وقال بعض مشايخنا في قبلة مدينة آمل طبرستان بعضها مبني على الغرب وبعضها مبني على الزوال فلا يصلى إليها إلا بعد الاجتهاد في طلب الأصح منها. والسلف من علمائنا كانوا يميلون عن قبلة الزوال [50 أ/ 2] قليلاً إلى اليمين وعن قبلة الغرب قليلاً إلى اليسار. فرع آخر لو أن أعمى شاهد القبلة قبل العمى في المسجد فدخل المسجد ولمسها، يجوز أن يصلي إليها ولو كان للأعمى مسجداً يصلي فيه على الدوام، فدخل فيه وجسّ محرابه بيديه لم يجز أن يصلي إليه حتى يقلد بصيراً يقلده الصواب بخلاف ما لو كان شاهده. فرع آخر لو صلى باجتهاد نفسه ثم قيل له: إنك صليت إلى القبلة، القبلة لا يجوز لأنه كان شاكاً في حال الصلاة. وقال داود رحمه الله: له أن يصلي إلى حيث شاء ويسقط عنه فرض القبلة، وهكذا قال في البصير الذي إذا عرف لم ينحرف. واحتج بقوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة:115] وهذا غلط لقوله تعالى: "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره" [البقرة: 144]، والآية التي ذكرها وردت في التطوع. فرع آخر لو اجتهد في القبلة فأدى اجتهاده إلى جهةٍ فصلى إلى غيرها لم تجز صلاته، وإن بان أن التي صلى إليها القبلة، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف رحمه

الله: تجوز صلاته، لأن المبتغى هو القبلة، وصلى إليها كما لو شك إنائين فتوضأ بأحدهما من غير اجتهاد ثم بان أنه الطاهر، وهذا غلط، لأنه ترك فرضاً عليه، وهو التوجه إلى ما أدى اجتهاده إليه كما لو ترك النية. وأما الأواني إن بان له ذلك بعدما دخل في الصلاة لم تجز صلاته وإن كان قبل الدخول في الصلاة يجوز. والفرق أن الطهارة تمنع قبل وجوبها فإذا عملها قبل وجوبها أجزأته ولم يضره الشك قبل ذلك. فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «كل من دل الأعمى على القبلة من رجل أو امرأة أو عبد من المسلمين وكان بصيراً وسعه قبوله إذا صدقه» قال: وتصديقه أن لا يرى أنه يكذب. قال: "ولا تتبع دلالة مشرك بحالٍ" وهذا لأنه متهم في خبر الدين، وأيضاً إذا لم يقبل قول الفاسق فيه، فالكافر أولى لأنه أسوأ حالاً منه، [50 ب/ 2] وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما حدثكم به أهل الكتاب، فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم». وذكر أصحابنا أن قول الكافر لا يقبل إلا في الإذن في دخول الدار وقبول الهدية وكذا الفاسق في ظاهر المذهب، وهذا لأنهما أحسن حالاً في القول من الصبي، ويقبل من الصبي ذلك. وقيل: المذهب أنه لا يجوز قبوله من الفاسق لأنه لا يتهم في مثل هذا الأمر. فرع آخر حكى الخضري نصاً عن الشافعي أنه لا يجوز قبول دلالة الصبي، وحكى أبو زيد المروزي نصاً عن الشافعي أنه يجوز قبول قوله، فأخبر الخضري مما حكاه الشيخ أبو زيد، فقال: لا يتهم ذلك الشيخ في الرواية، ولكن وجه الجمع أنه أخبره عن محراب مشاهد قبل إذا كان يعقل عقل مثله، وإن اجتهد به لا يقبل. ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه وجهان، أو قولان، وهكذا في قبول خبر النبي صلى الله عليه وسلم منه وهذا كله خطأ عند أهل العراق من أصحابنا.

فرع آخر لو صلى بقول بصير ثم أخبره أنه أخطأ، فالبصير آلته، فإن أخبره بالخطأ عن اجتهاد فلا إعادة عليه قولاً واحداً، وإن أخبره عن معاينة، هل تلزمه الإعادة؟ قولان. فرع آخر لو كان هناك جماعة فدلوه على القبلة، فإن اتفقوا على جهةٍ واحدة عمل عليها، وإن اختلفوا عليها قلد الأعلم والأدين والأور وأيهم قلده أجزأه. فرع آخر لو دخل البصير في الصلاة باجتهاده، ثم عمي كان له أن يصلي إلى الجهة التي كان يصلي إليها ولا يلزمه الرجوع إلى التقليد لأن اجتهاده أقوى من اجتهاد غيره، فإن استدار في تلك الصلاة بطلت صلاته، لأنه لا يحسن الرجوع إلى الجهة التي كان عليها ولزمه أن يستأنف الصلاة بالتقليد، وكذلك لو فرغ من تلك الصلاة لا يستأنف غيرها بذلك الاجتهاد الأول. فرع آخر لو دخل في الصلاة بالتقليد ثم أبصر في الصلاة نظر، فإن بان له [51 أ/ 2] أنه على صواب حين عاد بصره بنى عليها، فإن بان له الخطأ، أو لم يعلم هل هو خطأ أم صواب؟ بطلت صلاته، لأنه لا يسوغ له بالتقليد وهو من أهل الاجتهاد. فرع آخر لو دخل بقول واحد في الصلاة، فقال له بصير آخر: قد أخطأ بك، نطر، فإن كذب الثاني مضى في صلاته وإن كان الثاني صادقاً نظر، فإن كان عنده كالأول في الصدق مضى في صلاته، وإن كان الثاني أصدق منه عنده صار إلى قوله وانحرف عن تلك الجهة، وهل يستأنف أم يبني نظر، فإن أخبره عن اجتهاد بنى قولاً واحداً وفيه وجه آخر يستأنف، وهو ضعيف، وإن أخبره عن يقين. قال أبو إسحق رحمه الله: عدل عن قوله بكل حال، وهل يبني أم يستأنف؟ قولان. بناء على ما لو صلى باجتهاد ثم تعين له نفس الخطأ هل يلزمه إعادتها؟ قولان، وهذه المسألة نقلها المزني بعد مسألة أخرى ولكنا ذكرنا ههنا، لأن هذا موضعها.

فرع آخر لو اجتهد البصير فصلى إلى جهة ثم حضرت صلاة أخرى ولم يتغير اجتهاده، هل عليه تجديد الاجتهاد؟ نصّ الشافعي رحمه الله في «الأم»: أنه يلزمه ذلك كما في الحكم والفتوى يلزمه إعادة الاجتهاد في الحادثة الثانية وذكر أبو حامد رحمه الله فيه وجهين: أحدهما: لا يلزمه، لأن اجتهاده قائم لم يتغير، وهذا خلاف النص. فرع آخر لو دخل البصير في الصلاة باجتهاده ثم شك هل أخطأ أم لا؟ يجوز له أن ينصرف عن الجهة التي اجتهاده إليها بلا شك. فرع آخر لو صلى الأعمى بالاجتهاد من البصير أم أخبره بالخطأ غير المجتهد له عن يقين، فإن كان خبراً متواتراً، هل يلزمه الإعادة؟ قولان، وإن كان خبر واحد وقع في نفسه صدقه. قال أبو إسحق: لا إعادة، لأنه لا يتيقن الخطأ بخبره كما يتيقنه البصير بمشاهدته. وقال غيره من أصحابنا بل تكون الإعادة على قولين [51 ب/ 2] ذكره في «الحاوي». مسألة: قال: "ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف". الفصل وهذا كما قال: اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما: أنه أراد بقوله: فصلى، أي: شرع في الصلاة، ثم رأى القبلة يقيناً إلى الغرب استأنف وهو ظاهر تعليله فإنه قال: لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى تعين صواب جهتها. والثاني: أن يكون المراد بقوله: فصلى، أي: فرغ من الصلاة، ثم رأى، أي:

علم يقيناً القبلة إلى الغرب استأنف، أي: أعاد هذه الصلاة، ومعنى أن الاجتهاد ينقض بوجود النص، ويرجع منه إليه، وجملة الكلام فيه أنه إذا اجتهد في القبلة فأخطأ، لا يخلو إما أن يكون قبل الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها أو بعد الفراغ منها، فإن كان قبل الدخول عدل عن الاجتهاد الأول إلى الثاني سواء بان له الخطأ اجتهاداً أو يقيناً أو تيامناً أو تياسراً، وإن كان بعد الدخول في الصلاة لا يخلو إما أن يتبين له الخطأ بالاجتهاد أو باليقين، فإن كان بالاجتهاد نظر، فإن كانت الجهة واحدة وغلب على ظنه الآن أنه منحرف عن سمت القبلة إما تيامناً أو تياسراً انحرف إليها ويعتد بما مضى قولاً واحداً؛ لأن ذلك لا يقع عن يقين وإنما يقع عن ظن لأن الجهة الواحدة لا تتبين منها الكعبة يقيناً. ومن أصحابنا من قال: تبطل صلاته ويلزمه أن يستأنفها بالاجتهاد الثاني، لأن الصلاة الواحدة لا يجوز أداءها باجتهادين مختلفين كالحكم الواحد لا تجوز باجتهادين مختلفين، وهذا غلط بخلاف النص وذلك أنه لا يجوز إبطال ما فعله بالاجتهاد باجتهاد آخر، ولا يمنع ما ذكر هذا القائل، لأن المستأنف يصلي إلى جهة، فإذا زال الخوف أتمها إلى القبلة ويخالف الحكم، لأنه لا يمكن فيه، ولأن كل ركن من أركان الصلاة بمنزلة الحكم [52 أ/ 2] المنفرد، لأن الحكم لا يمكن فصل بعضه عن بعض، لأنه شيء واحد، والصلاة إذا أتى بعضها مع الأركان فقد أتى بما يسمى صلاة فلا يجوز إبطالها بهذا لئلا يؤدي إلى ما ذكرنا، فوزان الحكم من الصلاة أن يقول: الله ولم يتم التكبير حتى تغير اجتهاده يلزمه ترك الاجتهاد الأول، والابتداء بالتكبير ثانياً، وإن كانت جهتان مختلفتان مثل أن يصلي إلى الغرب ثم بان أنها إلى الشرق (بالاجتهاد)، وعدل عن الأول، وهل يبني أم يستأنف المذهب أنه القبلة الثانية التي ذكرناها. ومن أصحابنا من قال: يستأنفها لأنه لو بنى تيقن أنه ترك القبلة في بعض هذه الحالة، وقال أبو حامد: فيه وجهان، وهو غلط، وقيل: ههنا تفصيل فإن كان حين بان له الخطأ بان له جهة القبلة تحول إليها، وإن احتاج إلى اجتهاد بطلت صلاته لأن استدار الصلاة إلى غير قبلة، وإن بان يقيناً نظر فإن كانت الجهة واحدة بالتيامن والتياسر انحرف ما لم يتفاحش انحرفه حتى يقارب الجهتين وتحريه، لأنه لا يعرف ذلك إلا اجتهاداً حتى لو كان بمكة لا يجوز الانحراف في الصلاة، وإن كانت الجهة أبين فيه قولان: أحدهما: يبني.

والثاني: استئنافها. وقال القفال: هذا مبني على الحكم بعد الفراغ من الصلاة، فإن قلنا: هناك يعيد الصلاة، فههنا أولى أن يستأنف، وإن قلنا: هناك لا يعيد فههنا وجهان. والفرق أن الصلاة بعد الفراغ منها كالقضية المبرومة، وقبل الفراغ منها كالقضية غير المبرومة. ومن أصحابنا من قال: الجهة إن كانت واحدة فقد يعلم الخطأ يقيناً أنه في بعض جهة الكعبة دون بعض فيلزمه العود إليه، ثم إن قلنا فرضه استقبال الجهة دون العين بنى، وإن قلنا: فرضه إصابة العين، هل يبني أم يستأنف؟ قولان. وإن كان معه أعمى يصلي باجتهادٍ فكلما يجب عليه من الانحراف أو الاستئناف [52 ب/ 2] يجب على الأعمى، فيعرفه ذلك، لأنه تابعه، وهو دليله، وإن كان بعد الفراغ من الصلاة لا يخلو إما أن يتبين الخطأ اجتهاداً أو يقيناً، فإن بان اجتهاداً لا يلزمه إعادة الصلاة، ويصلي ثانياً إلى الجهة التي أدى اجتهاده إليها ثانياً، وصورته أن يغلب على ظنه أن القبلة في هذه الجهة الأخرى إلا أن يستوي الجوازان، وكذلك ثالثاً ورابعاً حتى لو صلى إلى الجهات الأربع على هذا أجزأه لأنه لا يجوز نقض الاجتهاد باجتهاد مثله كما في الحكم. وقال أبو إسحق الإسفرايني في هذه المسألة يلزمه إعادة كلها كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، وإن بان ذلك يقيناً، فهل يلزمه إعادة الصلاة؟ قولان: أحدهما: يلزمه. نصّ عليه في كتاب استقبال القبلة في «الجديد». والثاني: لا يلزمه. نص عليه في «القديم» في كتاب الصيام والطهارة من «الأم». وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله، وهو اختيار المزني رحمه الله. وجه القول الأول أنه الخطأ فيما يأمن قوله في القضاء، فيلزمه الإعادة كالحكم إذا تيقن الخطأ والمصلي بمكة. ووجه القول الثاني ما روي عن عامر بن ربيعة، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا يصلي وبين يديه أحجار فلما أصبحنا إذا نحن إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله" [البقرة:11]. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه كان في صلاة التطوع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ومثل هذه المسألة: إذا صلى ثم بان أنه كان

على بدنه أو ثوبه نجاسة لم يعلمها أو نسي الفاتحة، هل يلزمه الإعادة؟ قولان. وكذلك المحبوس في المطمورة، ولو اجتهد في صوم رمضان، ثم بان أنه صام شعبان، فيه قولان، وكذلك لو دفع الزكاة بالغلط إلى غني، هل تحسب؟ قولان، وأصلهما في المجتهد، [53 أ/ 2] هل يقال: كل مجتهد مصيب أم الحق في واحد من القولين؟. واختلف أصحابنا في محل القولين، فمنهم من قال: هذا إذا أبان له الخطأ، وبان له يقين الصواب، فأما إذا بان له الخطأ دون تيقن الصواب فلا قضاء عليه، هذا مفهوم نصه، وفيه وجه مخرج عليه القضاء. ذكره الإمام الجويني رحمه الله، ومنهم من قال: القولان إذا بان له يقين الخطأ دون يقين الصواب، فأما إذا بان له اليقينان، فقول واحد يلزمه القضاء، ومنهم من قال: في الكل قولان، وبه قال أهل العراق من أصحابنا. وقال القفال: معنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير أم كلف التوجه إلى القبلة؟ وفيه قولان، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى كلام المزني رحمه الله. اختار المزني أن لا يلزمه الإعادة، وأورد فصولاً مختلطة، فحكى أولاً عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قطع بهذا القول في موضعين: أحدهما: في كتاب الصيام. والثاني: في كتاب الطهارة. وأما ما حكي عن كتاب الصيام قال: قال الشافعي رحمه الله فيمن اجتهد ثم علم أنه أخطأ يجزه، واحتج به لو تآخى القبلة ثم علم بعد كمال الصلاة أنه أخطأ أجزأت عنه كما يجزيء ذلك في خطأ عرفة، وأراد به أن الأسير إذا أشكل عليه دخول شهر رمضان واجتهد وصام شهراً، ثم علم أنه أخطأ وصام شهراً بعده يجوز، واحتج على جواز صومه هذا وإن أخطأ في وقته بجواز صلاته إذا علم أنه أخطأ في القبلة، واحتج على جواز صلاته وإن أخطأ فيها جهة القبلة، يجوز وقوله بعرفة إذا علم أنه أخطأ يوم عرفة، فكان المزني يقول: هذا النص من الشافعي يقطع بجواز صلاة من أخطأ فيها جهة القبلة كما هو في خطأ عرفة. وأما ما حكي عن كتاب الطهارة، وهو قوله: (واحتج أيضاً في كتاب الطهارة بهذا المعنى، فقال: إذا تأخى في أحد الإناءين أنه طاهر والآخر نجس وصلى)، أي: فصلى بوضوءه بما تأخى أنه طاهر، ثم أراد أن يتوضأ [53 ب/ 2] ثانية. الأغلب عنده أن

الذي ترك هو الطاهر لم يتوضأ بواحد منهما، ويتمم ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماء مستيقناً. وفي بعض النسخ: لأن معه ماء مستيقناً، أي: متيقن الطهارة، ثّم فرق بين هذا وبين الخطأ في القبلة، وهو مقصود المزني من حكاية هذا النص، فقال: وليس كالقبلة يتأخاها في موضع، ثم رآها في غيره، أي: ليس عليه إعادة ما أخطأ فيها، وعلل فقال: لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم، فلا يلزمه الإعادة لهذه العلة، ثم اختلف أصحابنا في المراد بهذه العلة، فقال: المراد به ما من ناحية من النواحي إلا وهي قبلة لقوم في بعض الأحوال لبعض الأعذار، وهو في السفر والخوف، فكذلك هذا المخطئ معذور، فلا يلزمه الإعادة، وقيل: أراد إلا وهي قبلة لقوم من أهل الآفاق. وذلك أن أهل الشرق يستقبلون الغرب، وأهل الغرب يستقبلون الشرق وأهل يمين القبلة يستقبلون يسارها. وأهل يسارها يستقبلون يمينها، فلم يخرج هذا المخطئ في اجتهاده عن قبلة قوم في الجملة، وهذا معنى قول عمر رحمه الله «ما بين المشرق والمغرب قبلة». ثم علل المزني رحمه الله هذا للقولين، فقال: لأنه أدى ما كلف، أي: إنما كلف أداء الصلاة حيث أدى اجتهاده إليها وقد أداها كما كلف. قال: ولم يجعل عليه إصابة العين، أي: لم يجعل الشافعي على هذا المجتهد إصابة عين القبلة للعجز عنها في حال الصلاة، فلا يلزمه ما عجز عنها. والجواب عن هذا هو أن نقول في أول الفصل: إن كان احتجاجك بأن الشافعي رحمه الله لم يوجب الإعادة في مسألة القبلة، فإنما أجاب بأحد القولين، فلا يكون فيه دليل على بطلان القول الآخر، وإن كنت تقيس على الخطأ في الصوم في عرفة، فالفرق ظاهر، وهو أنه قد يفطر الرجل بعذر ويقضي بعذر ما في رمضان [54 أ/ 2] فصوم رمضان يجوز في شوال مع العلم الأمن إلى غير القبلة مع العلم. وأيضاً لو أوجبنا الإعادة هناك لأعاده بعد رمضان أيضاً، فلا فائدة فيه. وههنا يعيد مستقبل القبلة. وأما خطأ عرفة، قلنا: ذاك غلط لخلق عظيم، وفي إعادته مشقة عظيمة بخلاف هذا، وأيضاً ذلك الخطأ في الوقت، وأجمعنا على أن الخطأ في الوقت لا يعذر منها

بل هذا غلط في المكان، ولو غلط في المكان بعرفة لم يجز، وأيضاً لا نأمن ذلك في القضاء إذ كل عام يتوهم مثله، وههنا لا يأمن الخطأ في القضاء. وأما الثاني فكما أجاب بأحد القولين، فلا حجة فيه، واحتج بفصل آخر، فقال: وهذا القياس على ما عجز عنه المصلي في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود وستر إن فرض الله كله ساقط عنه دون ما قدر عليه من الإيماء عرياناً، فإذا قدر من بعد لم يعد، فكذلك إذا عجز عن التوجه إلى عين القبلة كان عنه أسقط. وقوله دون ما قدم عليه من الإيماء عريان. يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به أن العريان إذا لم يجد السترة لعورته صلى قاعداً بالإيماء، ولا يرفع مقعدته عن الأرض في السجود، لأن ذلك أستر له، وهو قادر على صلاته بالإيماء الذي هو أستر لعورته، فلا يسقط عنه ذلك، وهو أحد قولي الشافعي، وفيه قول آخر: يصلي كما يصلي المكتسي وكأن الأول اختيار المزني، ويحتمل أن يكون المراد به الاستثناء للتخصيص بالإعادة دون من عجز عن الركوع والسجود فيكون على هذا في النظم تقديم وتأخير فكأنه يقول: فرض الله كله ساقط عنه، فإذا قدر من بعد لم يعد ما قدر عليه من الإيماء عرياناً، فإنه يعيد عند وجود الثوب، وهذا لأنه ترك القيام مع القدرة عليه، وإنما يسقط عند الفرض بالعجز عنه في حال الصلاة، وعلى المعنى الأول لا يلزمه الإعادة. والجواب عن هذا أن ذاك عجز، وهذا خطأ [54 ب/ 2] في الاجتهاد والأصول مفرقة بينهما، ألا ترى أن صلاة المستحاضة جائزة، ثم لو تحرى فصلى بالوضوء بماء نجس، ثم علم يلزمه الإعادة، فلذلك تقديم الصلاة على الوقت بعد الجمع يجوز، والخطأ فيه ليس بعذر. واحتج بفصل آخر، وهو قصة أهل قباء، فقال: وقد حولت القبلة وقد صلى أهل قباء ركعة إلى غير قبلة، ثم أتاهم آت، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا بعد تيقنهم أنهم صلوا إلى غير قبلة. ووجه الاستدلال منه ما أشار إليه وهو قوله: ولو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضاً لما أجزأهم خلافه للجهل كما لا يجوز بغير ماء طاهر للجهل، ثم علم لا يجوز. والجواب، أن أهل قباء لم يكونوا على خطأ بل كان شرعهم ذلك الأول ما لم

يبلغهم النسخ كما أن الذين لم تبلغهم الدعوة إذا كانوا متمسكين بدين عيسى عليه السلام مثلاً حكمهم حكم المسلمين، وهم معذورون وعفي عنهم قبل بلوغهم الدعوة. كذلك ههنا، ومن أصحابنا من قال: يتوجه حكم النسخ على الجميع وإن لم يعلم بعضهم، فعلى هذا الفرق بين أهل قباء وغيرهم أنهم صلوا بالنص على اليقين الأول، فلا تلزم الإعادة لأنهم لو أرادوا الاجتهاد قبل علمهم (بالنسخ) لم يكن لهم بخلاف الخاطئ في القبلة، لأنه دخلها باجتهاد لا بنصٍ وعن ظنٍ لا بيقين. ثم إن المزني رحمه الله بعدما فرغ من الاحتجاج قاس على هذا الأصل كان من أمر بالصلاة في حال العجز على لا تلزمه الإعادة إذا قدر، فقال: ودخل في قياس هذا الباب أن من عجز عما عليه من نقص الصلاة يريد القيام والركوع والسجود أو ما أمر به فيها يريد القراءة: والتشهد والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم أولها يريد الطهارة واستقبال القبلة، والسر أن ذلك ساقط لا يعيد إذا قدر. ثم قال: وهو أولى بأحد قوله من قوله فيمن صلى في ظلمةٍ أو خفيت عليه الدلائل، [55 أ/2] أو به دم لا يجد ماء يغسله إلى آخر الفصل وقد مضى بيان ذلك في كتاب الطهارة. والجواب عنه، وقول المزني ففهم أراد به الشافعي، وإذا قال: فافهموه يريد أصحاب الشافعي. فرع قال أصحابنا: يكره أن يصلي وبين يديه رجل يستقبله وجهه، لما روي أن عمر رضي الله عنه «رأى رجلاً يصلي ورجل جالسٌ بين يديه يستقبله فضربهما بالدرة». مسألة: قال: "ولو دخل غلام في صلاة فلم يكملها، أو صوم يوم فلم يكمله حتى استكمل خمس عشرة سنة أحببت أن يتم ولا يعيد ولا يتبين أن عليه إعادة". الفصل إلى آخر الباب وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من مسائل استقبال القبلة. وجملته أنه إذا دخل الصبي في صلاة الوقت فلم يكملها حتى استكمل خمس عشرة سنة، فاختلف أصحابنا قال أبو إسحق وغيره: يجب عليه أن يتمها، ويستحب له أن يعيدها، ولا يجب،

وذلك وإن كان الوقت باقياً، وهذا هو المذهب الصحيح. وقوله: أحببت أن يتم ويعيد اختصار من المزني. والشافعي رحمه الله قال: أتم وأحببت أن يعيد ومعنى ما نقل يستحب الجمع بين الإتمام والإعادة، فأما الإتمام بانفراده واجب بكل حالٍ، وإنما استحببنا ذلك لشروعه فيها قبل الخطاب، ويتفرع على هذا الصبي إذا صلى في أول الوقت وفرغ منها، ثم بلغ في آخر الوقت لا يلزمه الإعادة. وهذا ينافي الحقيقة على أصله أنه ليس للصبي صلاة شرعية، وعندنا له صلاة شرعية ويجوز أن يصلى خلفه الفرض والنفل. وقال مالك رحمه الله مثل قوله، وهو رواية عن أحمد رحمه الله، واحتجوا بأنها تقع نافلة، فلا تجزي عن الفرض. قلنا: الصبي كان مأموراً بأداء الصلوات المشروعة في وقتها، ويطالب بأن ولو صلى بغير نية صلاة الوقت لم يسقط الأمر له بذلك، وإذا كان مأموراً بالصلاة بنية الوقت [55 ب/ 2] ينبغي أن يسقط عنه الفرض، وليس كسائر النوافل لأنها لا تؤدى بنية صلاة الوقت بخلاف هذه، ولأن من قدم العصر فصلاها في وقت الظهر جمعاً لا يمكن وصفها بالوجوب ويجزئه عن الفرض. ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي رضي الله عنه إذا فرغ من الصلاة ولم يبق من وقتها ما يفعلها فيه، فأما إذا بقي قدر ما يفعلها فيه تلزمه الإعادة. وقال الاصطخري والمزني: لا نعرف هذا القول للشافعي، ولو كان هذا على ما ذكره هذا القائل لوجبت أن يلزمه الإعادة، وان لم يبق من الوقت ما يفعل فيه هذه الصلاة، لأن الشافعي يوجب الصلاة على المعذور بإدراك ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين. وحكي عن ابن سريج: يتمها استحباباً ويعيدها واجباً، وكذلك إذا صلى في أول الوقت، ثم بلغ في آخره يعيدها واجباً. وذكر أبو حامد أنه رجع عنه إلى قول أبي إسحق في كتاب الانتصار. وهذا والذي قبله خلاف نصّ الشافعي، وقيل هل تلزمه الإعادة؟ قولان، لأن الشافعي قال: ولا يتبين أن عليه إعادة، وهذا تعليق القول. وقيل: القولان بناء على أنه إذا نوى الظهر ولم يقيد بالفرضية، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غلط، لأن اللفظ يدل على أن وجوب الإعادة لم يبق عنده، ولا يدل على أن سقوط الإعادة لم يبق عنده، فمن المحال إحالة القولين على هذا اللفظ، وأما إذا بلغ الصبي في الصوم خرج ابن سريج رحمه الله فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يتمه واجباً ويعيده استحباباً، وهو اختيار أبي إسحق. والثاني، يتمه استحباباً ويعيده استحباباً، لأنه لم يدرك وقتاً يمكنه إيقاع الصوم فيه،

فلم يلزمه، ولو أصبح مفطراً، ثم بلغ في ذلك اليوم له أن يأكل بقية نهاره قولاً واحداً، وهل يلزمه قضاء ذلك اليوم؟ وجهان: أحدهما: يلزمه، وهو الأصح لأنه أدرك جزءاً من وقت الصوم [56 أ/ 2] كما لو أدرك جزءاً من وقت الصلاة. والثاني: خرجه ابن سريج: لا يلزمه لأنه مدرك وقت الإمكان لأن بقية النهار لا يمكن إيقاع جميع الصوم فيها. وبنى الباقي عليه بخلاف الصلاة. واختار المزني رحمه الله أنه يلزمه قضاء الصلاة دون قضاء الصوم. واحتج بأنه لا يمكنه صوم يوم هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخرها غير مصل، ألا ترى أن من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب يبتدئ العصر من أولها ولا يمكنه في آخر يوم أن يبتدئ صومه من أوله فيعيد الصلاة لإمكان القدرة، ولا يعيد الصوم لارتفاع إمكان القدرة، ولا تكليف مع العجز. والمزني ألحق هذه المسألة بهذا الباب لهذه النكتة التي أشار إليها، وهي أنه لا تكليف مع العجز فتكون هذه المسألة نظراً للمسائل التي كان تكلم فيها قبل ذلك ومعنى هذا الكلام أن الصوم يستغرق الوقت، فبإدراك بعض الوقت لا يحصل الإمكان بخلاف الصلاة، فمن أصحابنا من قال: في عبارته خلل كان ينبغي أن يقول لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، لأن الأول فات ههنا دون الآخر. وقيل: أراد المزني هذا، ووقع الغلط في الخط. وقيل: ما قاله صحيح أيضاً، لأن قصده ما ذكرنا أن الصوم يستغرق الوقت بخلاف الصلاة فسواء ما قال في أوله أو قال في آخره، فيصح ذلك. والجواب عن هذا أن يقول: وإن كان يمكنه إعادة الصلاة إلا أنه لم يؤمر بها، لأنه أدى وظيفة الوقت قبل البلوغ وسقطت العقوبة عنه بالضرب بأدائها فهو كعبدٍ صلى يوم الجمعة الظهر ثم عتق وأدرك الجمعة لا يلزمه إعادتها، فكذلك هذا، وأيضاً الاعتبار بالإمكان لأنه قد يدرك تحريمه، أو ركعة من آخر الوقت، فتلزمه الصلاة، وإن لم يحصل الإمكان في الوقت فدلّ أن المعنى ليس ما ذكرتم بل المعنى أنه إذا أسرع في العبادة على الصحة يجوز [56 ب/ 2]، أن يتمها واجباً، وفي أولها لم يكن الشروع واجباً كما لو نذر صوم يوم بعد الشروع فيه يكون مقطوعاً في أوله ويجب الإتمام في آخره، كذلك ههنا.

فرع قال ابن الحداد: لو أن صبياً صلى الظهر، ثم بلغ وأدرك الجمعة عليه حضور الجمعة وإن صلى العبد الظهر ثم عتق، أو المسافر ثم أقام لا يلزمهما حضور الجمعة. والفرق أنهما كانا من أهل الفرض، فأديا الفرض والصبي لم يؤد الفرض، فإذا أدرك الجمعة تلزمه. قال أصحابنا: هذا التعليل أخذه من كتب أبي حنيفة رحمه الله وعندنا لا تلزمه الجمعة إذ لو لزم ذلك لزمه في سائر الأيام إذا صلى، ثم بلغ في الوقت إعادة الصلاة، وليس ذلك كذلك. تم الجزء الأول بتقسيم المحقق ويليه الجزء الثاني وأوله: «باب صفة الصلاة»

بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الثاني يحتوي على الكتب التالية: تتمة الصلاة - الجمعة - صلاة الخوف - صلاة العيدين - الجنائز دار الكتاب العلمية Dar Al-Kotob Al-ilmiayh DKI أسسها محمد حلمي بيضون سنة 1971 بيروت - لبنان Est. by Mohammad Ali Baydoun 1971 Befaut- Lebanon Etablic par Mohamad Ali Baydoun 1971 Beyrouth - liban

الكتاب: بحر المذهب ... Title: BAHR AL - MADHAB التصنيف: فقه شافعي ... Classification: Shafeit jurisprudence المؤلف: الإمام أبو المحاسن الروياني Author: Imàm Abu al-Mahàsin al-R?yàni المحقق: طارق فتحي السيد ... Editor: Tariq Fathi al-Sayyid الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ... Publisher: Dar Al-Kotob Al-ilmiayh عدد الصفحات: 7232 (14 جزءًا) ... Size: 17 * 24 سنة الطباعة: 2009 ... Year: 2009 ... بلد الطباعة: لبنان ... Printed in: Lebanon الطبعة: الأولى ... Edition: 1 st ... Exclusive rights by © Dar Al-Kotob Al-llmiyah ... DKI Beirut-Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced. distributed in any form or by any means. or stored in a data base or retrieval system. without the prior written permission of the publisher. ... Dar Al - Kotob Tous droits Exclusivement réservés à © Dar Al-Kotob Al-llmiyah ... Al - ilmiyah Beyrouth-Liban Toute representation, édition, traduction ou reproduction méme precede partielle, par tous, en tous pays, Faite sans autorisation préalable signée par l'éditeur est illicite et exposerait le contrevenant à des poursuites judiciaires. ... جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.

باب صفة الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم باب صفة الصلاة مَسْأَلُة: قال: (وإذا أحرم إمامًا، أو وحده نوى صلاته في حال التكبير لا قبله ولا بعده). وهذا كما قال: لا تصح الصلاة إلا بنية. والأصل فيها ما تقدم من الآية والخبر، فإذا ثبت ذلك، فإن الكلام فيها في ثلاثة فصول في محّلها وكيفيتها ووقتها. فأما محّلها فالقلب، فإن نوى بقلبه ونطَق بلسانه، فهو الكمال، وهذا إذا نطق قبل التكبير، ثم كبرّ ناويًا، وإن نطق بلسانه بهما، ولم ينِو بقلبه لم يعتد بهما، وإن نوى بقلبه، ولم ينطق بلسانه أجزأته. ومن أصحابنا من سها، فقال: لا تجزئه حتى ينطق بلسانه، لأن الشافعي رحمه الله، قال في كتاب الحج: (وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة، وليس كالصلاة التي لا تصحّ إلا بالنطق)، وهذا غلٌط، لأن الشافعي قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لا بدّ مع النية في الحج من التلبية أو سوق الهدي حتى ينعقد، وأراد بالنطق في الصلاة التكبير لا التلفظ بالنية. وأما كيفية النية، قال في (الأم): وكان على المصّلي في كل صلاٍة واجبة أن يصّليها وينويها بعينها فأوجب تعيين النّية [57 أ/ 2]. واختلف أصحابنا في ذلك، فقال أبو إسحق رحمه الله: عليه أن ينوي ثلاثة أشياء: الفعل والتعيين والفرض. فالفعل أصلي، والتعيين قوله: الظهر أو العصر، والفرض قوله: فرض، قال ابن أبي هريرة رحمه الله: يكفيه أن ينوي الفعل والتعيين، فينوي صلاة الظهر، ولا يحتاج إلى نية الفرض، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فريضة فاستغنى عن نية الفرض. وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، ولأن الصبي إذا صلّى بنية صلاة الوقت، ثم بلغ أجزأه، وإن لم يكن نوى الفريضة. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن من أعاد الصلاة في جماعة ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، وكذلك الصبي مأمور بأن يصّلي ينوي صلاة الوقت، ولا يكون فرضًا، والأشهر قول أبي إسحق، ولكن قول ابن أبي هريرة أصح في القياس. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحتاج أن ينوي فرض الوقت ليتميز عن القضاء، ولم يذكره أهل العراق، أو يقول: أؤدي صلاة الظهر فريضة، وقيل: يحتاج أن ينوي لله

تعالى، وهو ضعيف، وهذا لإظهار الإخلاص. والمذهب أنه يستحب ذلك، لأنها لا تكون إلا لله تعالى. فَرْعٌ لو قال: نويت أداء فرض الظهر، ولم يقل: فريضة صلاة الظهر، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الظهر اسم الوقت لا العبادة. والثاني: يجوز لأن الظهر في الُعرف اسم الصلاة والمفهوم عند الإطلاق اسم العبادة لا الوقت. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: نية الأداء مأمور بها في ظاهر المذهب لأن الصلاة تنقسم إلى قضاء وأداء وعلى هذا لو قال: نويت أن أصلي فريضة صلاة الوقت، ولم يقيد بالأداء لا يجوز، والتقييد بفرض الوقت لا يقوم مقامه، لأنه يتصور صلاة في الوقت وتكون قضاء، وهو إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم أراد أن يصّلي ثانيًا، فهو قضاٌء [57 ب/ 2]، ويظهر لمسألتين: أحديهما: مقيٌم شرع فيها ثم أفسدها، ثم سافر لا يقصرها. والثانية، مسافٌر نوى الإتمام، أو اقتدى بمقيم، ثم أفسدها لا يجوز له القصر فلو لم يكن قضاء لا يلزمه الإتمام، لأن القصر جاز للمسافر بلا خلاف. فَرْعٌ آخرُ لو قال: على ما ذكرنا أقضي صلاة فريضة الوقت، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن بين القضاء والأداء اختلافًا في الحكم، فإن لم يكن في الفعل فلا بدّ من التمييز. وظاهر نصّ الشافعي: يجوز لأن القضاء يعّبر عنه بالأداء في قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10] الآية، أراد: أديت. وقيل: العبارات على ثلاثة أضرب: أحدها: ما يكفي فيه نية الفعل فقط، وهو الحّج والعمرة والطهارة. والثاني: ما يكفي فيه الفعل والفرض من غير تعيين، وهو الزكاة والكفارة. والثالث: ما يفتقر إلى نية الفعل والفرض والتعيين، وهو الصلاة ونحوها، وبماذا يحصل بأدائها بهذه الثلاثة؟. قال أبو إسحق: بأن ينوي ثلاثة أشياء. وقال ابن أبي هريرة: يحصل بأن ينوي شيئين. وأما نية استقبال القبلة لا يشترط بل إذا علم قبل التكبير أنه مستقل القبلة كفاه، ولا يجوز أن يعتقد أنه غير مستقبل لها. وقيل: نية الاستقبال شرٌط، وليس بشيء، ونية أعداد الركعات لا يشترط. وقال بعض أصحابنا بخراسان: تستحبّ. وفيه نظٌر. وأما في الفائتة. قال بعض أصحابنا: يحتاج أن ينوي أربعة أشياء: الفعل، والفرض، والتعيين، والفوات ليتميز من

الأداء. نصّ عليه في (الأم)، وهذا اختيار أبي حامد. وقال القاضي الطبري: هذا خلاف نصّ الشافعي؛ لأنه قال: ولو صلّى في يوم غيم ثّم بان أنه صلّى بعد الوقت أجزأه، وإن لم يكن نوى الفائتة. وهذا قال في الأسير: إذا تحرى صوم رمضان فبان أنه صام شوالًا أجزأه، ولم ينِو القضاء، وكذلك لو اعتقد [58 أ/ 2] أن وقت الصلاة فات فنوى القضاء، ثم بان أن الوقت ما فات أجزأه فبان أن نية القضاء والأداء لا تجب. ويمكن أن يجاب عن هذا فنقول: ههنا نوى صلاة وقت بعينه، وهو ظهر هذا اليوم، فكيف وقعت أجزأته سواًء وقعت أداًء؛ أو قضاًء، لأنه غير وقت وجوبها وجرى مجرى من نوى صلاة أمس تجزئه، وإن لم ينِو القضاء، وإنما يتصور الخلاف فيمن كانت عليه فائتة الظهر، فصلّى في وقت الظهر ينوي صلاة الظهر الفريضة، فإن هذه الصلاة تقع بحكم الوقت، فإن نسي أنه صلاها، فصلّى ثانيًا ينوي صلاة الظهر الفريضة على ما ذكره أبو حاحد لا تجزئه عن القضاء، وتقع نافلًة وعلى ما قاله القاضي تجزيه، ويلزمه أن يقول فيمن صلّى الظهر قبل الوقت معتقدًا أن الوقت قد دخل ولم يكن قد دخل أنها ُتجزئه عن فائتة الظهر. وفي هذا نظٌر، لأنه إذا اعتقد دخول الوقت فقد عين ظهر ذلك اليوم، فلا يلزمه هذا. وأما من صلّى في غير وقت الظهر ونوى الظهر الفريضة، وهو عالم بالوقت، فلا بدّ أن يكون عالمًا بسبب الوجوب، وهو فوات الظهر في وقتها فقد تضمنت نيته القضاء ومثل ما صورناه في الصلاة لا يتصور في الصوم، لأنه لا يقضيه إلا في غير زمانه، فإذا نواه عن رمضان فقد تضمن نية القضاء، ووجه قول أبي حامد أنه لم ينِو بهذه الصلاة الظهر التي تركها، فلا تجزئه كما لو لم ينو الظهر. ووجه القول الآخر أنه أتي في قضائها ما كان لزمه في الأداء فأجزأه، كسائر الأفعال ذكره صاحب (الشامل)، وما قاله القاضي أصح عندي، وإن كان يصّلي جماعة فنية الإقتداء شرط ليحوز فضيلة الجماعة، وكذلك نية الإمامة شرط إن أراد حيازة فضيلة الجماعة. فَرْعٌ إذا لم ينِو الجماعة هل تصح صلاته منفردًا؟ فيه وجهان! [58 ب/ 2] أحدهما: يصحّ لأنه أتى بجميع أركانها. والثاني: لا يصحّ لأنه ينتظر في أركانها من ليس بإماٍم له فيبطلها. فَرْعٌ آخرُ إذا لم ينِو الإمامة، هل تكون صلاته جماعة؟ وجهان: أحدهما: لا تكون. والثاني: تكون، لأن سبب الفضيلة اجتماع القوم على العبادة، ولهذا تزداد الفضيلة بزيادة الجماعة، وإن لم يكن للإمام ولا لأحد المأمومين قصد فيه تظهر فائدته إذا لم ينِو الإمامة في صلاة الجمعة، فإن قلنا: صلاته جماعة تصحّ جمعته، وإن قلنا: صلاته انفراد لا تصحّ جمعته.

فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يشترط في الجمعة شرطان زائدان نية الاقتداء وتقييد النية بما يتميز عن الظهر الذي هو فرض الوقت في سائر الأيام بأن يقول: أصّلي صلاة الجمعة فرض الوقت، أو يقول: الصلاة المفروضة ركعتين، ونية القصر عند الافتتاح شرٌط ليجوز له القصر. وأما صلاة النافلة، فعلى ضربين: مقيدة وغير مقيدة، فالمقيدة كصلاة العيدين والخسوف والكسوف، وصلاة الاستسقاء وقيام رمضان والوتر وركعتي الفجر، فهذه الصلوات لا تقع إلا بنيتها، فيلزمه أن ينوي الفعل، والتقييد. وأما غير المقيدة مثل صلاة الليل وسائر النوافل يكفيه أن ينوي الفعل فقط. ومن أصحابنا من قال في النوافل الراتبة في الصلوات الخمس يلزم التقييد، وهذا َاقَيُس عندي وليس بمشهور. ومن أصحابنا من قال: في جمع النوافل المرتبة مع الفرائض سوى ركعتي الفجر يكفيه نية الفعل، لأن فعلها قبل الفريضة وبعدها يغني عن تقييدها وتخالف ركعتي الفجر، لأنها تقع سابقة للصلاة في أول طلوع الفجر، وإن صلّى الفريضة في آخره، ويصليها بعد الفريضة أيضًا إذا تركها، وهذا ضعيٌف عندي، لأن النوافل الراتبة وسواها في هذا المعنى سواء، وهذه النوافل مزية على غيرها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سّنها وواظب على فعلها، فلا بدّ من تعيينها. وأما وقت النية [59 أ/ 2] في الإحرام لا قبله ولا بعده، فيحتاج أن تكون نيته مقارنة لجميع التكبير، ولو قدمها واستصحبها إلى حال التكبير جاز، والحكم للنية المقارنة، ولو أتى بتمام النية مع ابتداء التكبير واستصحبها إلى آخره أجزأه، وإن لم يستصحب ذكرها إلى آخر التكبير لم ُيْجِز، فإن قيل: هلّا قلتم: إنه إذا نوى مع أول جزء من التكبير أجزأه، لأنه عندكم من الصلاة كما قلتم فيمن ينوي الطهارة مع أول جزء من وجهه أجزأه؟ قلنا: لأن في الطهارة كل جزء منها سقط به الفرض عن محله، فإذا نوى عن أول جزء منها أجزأه، وههنا الصلاة عقد ينعقد لجمح لفظ التكبير، وإذا أتّمه يدخل به في الصلاة وانعقدت به، فيلزمه أن لا يعري شيئًا منه عن النية. ومن أصحابنا من قال: يلزمه أن يأتي بجميع النية مع ابتداء التكبير، لأن النية لحظة، وهذا غلٌط. وأما قول الشافعي رحمه الله: (لا قبله) لم يرد به أنه لا يجوز أن ينوي قبل التكبير، بل أراد: لا ينوي قبله ويقطع قبل التكبير، وكذلك قوله: ولا بعده لم يرد أنه لا يجوز استدامة النية بعد التكبير، بل أراد: لا يجوز إنشاؤها بعد التكبير وقصد به الرّد على أبى حنيفة حيث قال: إذا نوى قبل التكبير بلحظة يجوز، وبه قال أحمد، وهذا لأن عبادات الأبدان مبنية على أن نيتها تقارن الشروع فيها، إلا في النية في الصوم للضرورة بدليل الحّج وغيره. وروى الطحاوي والكرخي عن أبي حنيفة مثل مذهبنا، وقال داود: يلزمه أن يقدم النية على التكبير لئلا يعرى جزء منها عن النية، وهذا غلٌط لأنا نوجب أن يقارن جميع النية ابتداء التكبير، فلا يخلو جٌزء منها عن النية. وقال القفال: قال المتقدمون من أصحابنا: يلزمه أن

ينوي ابتداء النية مع ابتداء التكبير وانتهائها مع انتهائه، لأن الشافعي رحمه الله، قال: (لا قبله ولا بعده)، وهذا لا يصحّ، لأن النية ليست شيئًا يمتد حتى لو فعل [59 ب/ 2] هكذا، بطلت صلاته. والأصح أن يأتي بجميع النية قبل التكبير ويستصحبها حتى يفرغ من التكبير، لأنه إنما يصير داخلًا في الصلاة بالفراغ من التكبير، وهذا صحيح موافق لما ذكرناه. فَرْعٌ آخرُ لو تراخى بعض النية عن آخر حرٍف من حروف التكبير لم تجز صلاته، ولو نوى بعض النية قبل التكبير وأتمها مع التكبير لم تجز أيضًا، ولو نوى كلها قبل التكبير وكلها مع التكبير يجوز. فَرْعٌ آخرُ إذا نوى على ما ذكرنا لا يلزمه استصحاب ذكرها إلى آخر الصلاة ولو عزبت نيته جازت صلاته لأنا لو كلفناه. ذكرها إلى آخرها أّدى إلى المشقة ويلزمه استصحاب حكمها حتى لا يغيرها، فإن َغيرها ُنِظر، فإن اعتقد أنه يقطعها أو أنه سيقطعها قبل الفراغ منها أو تفكر على أن يقطعها أم لا؟ بطلت صلاته، لأنه زالت نيته عن الُمضَّي فيها، فأشبه إذا سلم ونوى الخروج. وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله لا تبطل قياسًا على الحّج، وهذا غلط، لأن الحج لا يقبل القطع بخلاف الصلاة، ولو قال: سأخرج إن لقيت فلانًا هل تبطل صلاته في الحال؟ وجهان، وقيل: وجه واحٌد لا تبطل. فَرْعٌ آخرُ لو نوى في الابتداء مثل هذا لم تنعقد صلاته خلافًا لأبي حنيفة، وهذا لأنه لم يقطع النية الواجبة عليه. فَرْعٌ آخرُ لو شك هل نوى الخروج منها أم لا؟ ُنِظر فإن تذكر في الحال مضى في صلاته، وإن تذّكر بعد ما انتقل من ركٍن إلى ركٍن بعد الشك بطلت صلاته لأن العمل الذي يأتي به في حال الشك لا يحسب، ولو شاك هل دخلها بنية صحيحة أم لا؟ فإن ذكر قبل أن ُيْحِدث عملًا جاز، والعمل مثل القراءة، أو الركوع أو السجود، وإن ذكر بعد أن طال الأمر، وبعد أن عمل شيئًا من هذا بطلت صلاته، فإن قيل: وإن لم يعمل عملًا فهو متلبٌس بالصلاة، وقد مضى جزء منها مع الشك في النية فوجب أن تبطل، قلنا: ذلك الجزء لو حلّت منه الصلاة لجاز بخلاف الأفعال التي ذكرناها، فعفي عن الشك فيه. فإن قيل: َأَلْيَس لو شّك المسافر أنه نوى القصر أو الإتمام وطال الفصل، ثم تذّكر [60 أ/ 2] فصلاته جائٌزة، ويلزمه الإتماُم، وإن تذّكر في الحال، يلزمه الإتمام أيضًا، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن ما مضى في حال الشّك محسوب من صلاته، ولكن إتمامًا لا قصرًا، وإذا لزم الإتمام في جزء لزم في الكل كما لو نوى الإتمام قبيل التسليم،

فلهذا لم يُجز القصر وههنا ذلك القدر لم يحسب من صلاته فُجعل كأن لم يكن ثم جازت صلاته حين لم يبطل الفصل، فلهذا لم نبطلها. فَرْعٌ آخرُ لو عزبت نيته عن الصلاة التي هو فيها، فاعتقد أنه في غيرها كالفائتة أو صلاة الوقت، ثم ذكر التي دخل بها. قال في (الأم): لا يجزئه ما انتقل إليه، وقال أبو حامد: لا يجزئه ما انتقل عنه، وإن كان ساهيًا وإن تذكر ذلك، وهو في الصلاة. سمعت بعض أصحابنا يقول: يعيد ما أدّى بالنّية الثانية ويسجد للسهو، وإن طال مثل أن يصلي ركعتين من الظهر بنية الظهر، ثم صلّى ركعتين منه بنية العصر، ثم تذّكر يعيد ركعتين بنية الظهر، وهذا صحح عندي. فَرْعٌ آخرُ لو غّير النية إلى غيرها عمدًا، فإن كان إلى فريضة أخرى لم تجز كلتاهما، لأن الصلاة الأولى بطلت بقطع نيتها ولم يصحّ الصلاة الثانية، لأنه لم ينوها من أول صلاته، وكذلك لو صرفها من القضاء إلى الأداء أو من الأداء إلى القضاء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تبطل، أو تصير نفلًا؟ قولان، وليس بمشهور. فَرْعٌ آخرُ لو غيرها إلى نفٍل قال في (الأم): لا يجوز، وقال في باب اختلاف نية المأموم والإمام، ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقّدم بجماعة، فأحّب أن يكمل ركعتين تكونان له نافلًة. فالمسألة على قولين: أحدهما، لا يجوز، لأنه لم ينو النفل في جميع الصلاة، وهذا أصح. والثاني، يجوز، لأن نية النفل دخلت في نية الفرض، وهو نية الصلاة، فقد حصلت نية النفل في جميع الصلاة ألا ترى أن من نوى صلاة قبل دخول وقتها انعقدت نافلًة لوجود نية النفل [60 ب/ 2] في نّية الفرض؟ ومن أصحابنا من قال: قوٌل واحٌد، أنه لا يجوز. وقوله: تكونان له نافلًة إنما أجاز لفرٍض صحيح، وهو أن يحصل له الجماعة في الفرضية، فإذا لم يكن هذا الفرض فلا يجوز، ولأن الشافعي قال: تكونان له نافلة بفعله شرعًا لا بتعين نيته ولو نقلها إلى نافلٍة معنيٍة كركعتي الفجر ونحوهما لا تجوز قولًا واحدًا. فَرْعٌ آخرُ قال القفّال: وكذلك لو أن مريضًا كان يصلي بقوم فوجد قوة القيام عليه أن يقوم، فإن لم يفعل، قال الشافعي: بطلت صلاته، وكذلك صلاة من خلفه وعلم بحاله. وقال: قال أصحابنا، هل تبطل أو تصير نفلًا؟ قولان. وكذلك لو كبرّ للفرض قاعدًا مع

القدرة على القيام وأحرم بالظهر قبل الزوال مع العلم. قال: وعلى هذا لو أحرم بالحج قل أشهر الحج، هل يبطل أو ينعقد عمرًة؟ قولان. فَرْعٌ آخرُ لو شرع في الجمعة بنية الظهر لم َيُحز، ولو شرع في الظهر بنية الجمعة، قال القفال: فيه وجهان بناًء على أنها ظهٌر مقصورٌة أو فرض مبتدأ، وفيه قولان. فَرْعٌ آخرُ لو كان في نافٍلة فنقلها إلى فريضٍة لم تجز التي انتقل عنها، ولا التي انتقل إليها، والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها على أحد القولين، أن نية الصلاة تكفي للنفل، فإذا ترك ما زاد على هذه النية لا يمنع أن يكون نفلًا محسوبًا بخلاف الفرض، فإنه لا يجوز إلا بنية معينة في ابتدائه. فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (إذا فاتته صلاة لا يدري أهي الظهر أم العصر أو غيرها، فكبر ينوي الصلاة الفائتة لم تجزءه لأنه لم يقصد الفائتة قصد صلاٍة بعينها). وهذا صحح، ويلزمه أن يأتي بالصلوات الخمس، وقال المزني رحمه الله: القياس عندي، والله أعلم. أنه يجزئه أربع ركعات ينوي بها ما عليه يجهر في الأوليين ثم يجلس بعد الثالثة أيضًا، فإن كانت عليه الصبح فقد صلاها وزاد فيها ركعتين على وجه الشك والنسيان، [61 أ/ 2] فتجري مجرى من صلّى الصبح أربعًا، ناسيًا فإنها تجزئه وتسقط، الزيادة وإن كانت مغربًا، فقد زاد ركعًة بعد أن تشهد لها التشهد الأخير على وجه السهو كما ذكرنا، وإن كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو عشاًء فقد أتى بها وزاد تشهدًا احتياطًا كمن شّك في صلاته فأتى بركعٍة زائدٍة وجهر بالقراءة فلا تضر صلاته وإنما أمره بالجهر، لأن الجهر في ثلاث صلوات من الخمس وذلك أكثرها قال المزني: وهو كما لو كان عليه كّفارة ولم يعلم من أي جهة أجزأه أن يعتق رقبة ينوي بها الكفارة كذلك ههنا، وهذا غلط، لأنه بتعيين النية وتعيينها واجٌب في الأداِء فلم يجز تركها في القضاء، ويفارق الكفارة لأن تعيينها لا يجب في الأداء، فلم يجب في القضاء، وأما تشبيهه سهوًا، لا يصحّ لان ذلك يقع، ولا يمكن الاحتراز منه، لأنا نأمن مثله في القضاء وههنا يمكن الاحتراز بأن يأتي جميع الصلوات الخمس فيلزمه ذلك. فَرْعٌ قال في (الأم): (ولو فاتته الظهر والعصر، فدخل في الصلاة ينوي بها الظهر والعصر لم يجزه) لأن تشريكه بين الصلاتين يمنع وقوع التعيين بأحدهما. وقال أيضًا: لو دخل نّيته أحديهما ثم شك فلم يدِر آيتهما نوى لم يجزئه على يقين من التي نواها.

فَرْعٌ آخرُ لو كبرّ لافتتاح الصلاة ثم كبر مرًة أخرى، قال صاحب (التلخيص): بطلت صلاته، فإن كبرّ ثالثة جاز فإن كبرّ رابعة بطلت. قال أصحابنا: هذا بشرطين: أحدهما: أن يقصد محل تكبيرة الافتتاح. والثاني: أن لا ينوي الخروج من الصلاة قبل التكبير الثاني فإن نوى ذلك صّح خروجه ثم إذا كبرّ الثانية صّح افتتاحه. فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: لو صلّى أرع ركعاٍت ظهرًا بنية الفاقة ولم يعلم أن عليه ذلك ثم علم أنه كان عليه ذلك هل يجوز عن فرضه الفائت؟ ينبغي أنه يجوز [61 ب/ 2] لأّن بالإجماع لو صلّى الظهر وفرغ منه، ثم شّك في بعض فرائضه يستحب له الإعادة بنية الفرض، فلولا أن الأولى إذا تبين فساده تقع الثانية عن فرضه، لم يكن للإعادة معنًى، وبان ذلك أن شّكه في وجوبه عليه لا يمنع صحة فعله، وقد صّح أيضًا أن من نسي صلاة من خمس صلوات يؤديها كلها، وفي كل صلاة منها لا يعلم أنها واجبة عليه بنيتها، فبان بهذا أن هذه المعرفة لا تكون شرطًا، إنما يؤديه من الصلوات. مَسْألةٌ: قال: (ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر)، وهذا كما قال. اختلف العلماء فيما تنعقد به الصلاة على خمسة مذاهب، فعندنا لا تنعقد إلا بالتكبير مع القدرة، والتكبير قوله: الله أكبر لا غير ونقل المزني رحمه الله لا تنعقد إلا بقوله؛ الله أكبر، أو الله الأكبر، وهو عبارة عامة أصحابنا، وص غلٌط لأن الشافعي رحمه الله نصّ في (الأم): إذا قال: الله الأكبر، انعقدت صلاته بما فيه من قوله: الله أكبر، والألف واللام زيادتان لا ُيخلان بالمعنى ولا تنعقد بما عدا هذا من الألفاظ. وبه قال ابن مسعود، وطاوس، والثوري، وداود، وإسحاق رحمهم الله، وقال مالك وأحمد رحمهما الله: لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، ولو قال: الله الأكبر لا تجوز صلاته. وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تنعقد بكل اسم لله تعالى علي وجه التعظيم كقوله: الله العظيم أو الجليل، وبقوله: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ولو قال: الله أو الرحمن من غير وصٍف، فيه روايتان. روى الحسن بن زياد: أنه يجوز، وظاهر رواية الأصول أنه لا يجوز من دون ذكر الصفة ووافقنا أنه لو قال: على وجه النداء: يا الله، لم تنعقد. وبه قال النخعي، والحكم، وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن تنعقد الصلاة بغير قوله: [62 أ/ 2] الله أكبر. وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير خاصة، فلو قال: الله الكبير أجزأه، ولا تنعقد بما عداه.

وقال الزهري: تنعقد بمجرد النية من غير لفٍظ، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسلم)، فدّل على أنها لا تنعقد بغير التكبير. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه)، الخبر إلى أن قال: (ثم يستقبل القبلة، فيقول: الله أكبر)، لأن في قوله: الله أكبر معنى العِظم والقِدم قبل كّل شيء، وهذا لا يحصل بغير هذا اللفظ. واحتّج مالك رحمه الله بأنه عدل عن قوله: الله أكبر، فلا يجوز، قلنا: قوله: الله الأكبر لم يتغير عن نيته ومعناه؛ لأن لام التعريف الزائدة لا تنقص معناه بل تفيد التعريف كقول القائل رجل، والرجل فجرئ مجرى قوله: الله أكبر كبيرًا ونحو ذلك. واحتّج الزهري، بأنه يكفي للشروع في العبادة النية كما في الحّج والصوم. قلنا في الأصل: لا يجب النطق في الانتهاء، فلا يجب النطق في الأول بخلاف الصلاة. فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (لو قال: الله أكبر من كل شيء وأعظم، واش أكبر كبيرًا فقد كبرّ وزاد شيئًا، فهو داخل في الصلاة بالتكبير والزيادة نافلٌة) كما لو أتى بالقدر الواجب من القراءة وزاد عليها. وروى جبير بن مطعم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل في الصلاة، وقال: والله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمد هـ كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه ونفثه). قال عمرو بن مرة راويه: همزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر. فَرْعٌ آخرُ لو أتى من ذكر الله تعالى بين التكبير شيئًا من صفات الله تعالى ومدحه كقوله: الله، لا إله إلا هو أكبر، أو الله عز وجل أكبر، أجزأه، ولكنه لا يستحب، وإن كان طويلًا بحيث يجعل بين الذكرين [62 ب/ 2] مفصولًا، مثل قوله: الله لا إله إلا هو، وحده لا شريك له أكبر، لا يجوز، لأنه خرج عن حّد التكبير إلى الثناء والتهليل، ذكره في (الحاوي). فَرْعٌ آخرُ لو نقص من التكبير حرفً لم يكن داخلًا في الصلاة إلا بكمال التكبير، قال: ولو

أبقى من التكبير حرفًا، فأتى به، وهو راكٌع، أو منحٍن، ولم ينطق بالراء إلا راكعًا، لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان داخلًا في النافلة، لأن القيام في التكبير للمكتوبة واجٌب، وغير واجٍب للنافلة، وإذا أتم التكبير للنافلة، وقد زال عن حّد القيام أجزأه. وهذه المسألة تتصور في المأموم إذا أدرك المأموم الإمام راكعًا فكبرّ ودخل معه في الركوع. فَرْعٌ آخرُ التكبير عندنا من الصلاة، وهو أول الصلاة. نصّ عليه في (الإملاء). وقال بعض أصحابنا: التكبير أول الصلاة، وبالفراغ منه يدخل فيها، وهذا غير صحيح بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير مع النية حتى يصحّ قولنا: التكبيرتين من الصلاة. وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما يدّل على أنه ليس من الصلاة، بل يشرع به في الصلاة، وهذا غلٌط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تحريمها التكبير)، ولأن العبادة إذا افتتحت بالتكبير كان منها كالأذان. فَرْعٌ آخرُ لو قال: الكبير الله، قال في (الأم): لم أره داخلًا في الصلاة ولا يختلف المذهب فيه، ولو قال: الأكبر الله، أو أكبر الله، هل تنعقد صلاته؟. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: تنعقد لأن تقديم النعت على الاسم أبلغ في التعظيم، لأن قوله: فلاٌن أكبر دون قوله: الأكبر فلاٌن، قال هذا القائل، وهذا هو المذهب، لأن الشافعي رحمه الله فرض المسألة فيه إذا قال: الكبير الله، فلو كان قوله: أكبر الله، لا يجوز لكان يفرض فيه المسألة، لأنه موضع الإشكال. وقال ابن سريج وغيره من أصحابنا: لا يجوز، وهذا أشبه بمذهب الشافعي في (الأم)، لأنه قال: وكذلك ما أمر به من ذكٍر أو قراءة لا يجزيه حتى يأتي به مرتبًا، كما أنزل، وهذا إنما يرجع إلى قوله: أكبر الله، لأنه إذا رتبه جاز، [63 أ/ 2] فإذا نكسته لا يجوز. وفي قوله: الكبير الله لو أتى به مرتبًا لا يجوز. وقال في (الحاوي): في الأكبر الله، وجهان. وفي أكبر الله لا يجوز قولًا واحدًا، لأنه لا يكون كلامًا مفهومًا، والأصح أنه لا يجوز ذلك أيضًا، لأنه أوقع الإلباس. وأخرجه من صفة الكبير. وقال بعض أصحابنا بخراسان: نصّ ههنا أنه لا يجوز ونص في السلام على أنه لو قال. عليكم السلام، بدل قوله: السلام عليكم، يجوز، فقيل: قولان. وقيل: فرق بينهما، وهو أنه في السلام يسّمى مسلمًا، إذا عكس ولا يسمى مكبرًا، وفي هذا النص الصريح نظٌر.

فَرْعٌ آخرُ قال: وأحّب أن يجهر الإمام بالتكبير وبنيته ولا يمططه ولا يحذفه. والسنة للمأموم أن يخفيه بقدر ما يسمع نفسه، أو من إلى جانبه إن شاء، فإن خافَت الإمام بها جاز وإن خافتا بها معًا، أو أحدهما، فإنه يجزئ بقدر ما يسمع نفسه، فإن حرك لسانه على صفة لا يسمع لم يجزئه كما لو اعتقد بقلبه. قال أصحابنا: فإن كان الجمع كثيرًا، فلا بأس أن يجهر عدد منهم يسمع جميعهم. فَرْعٌ آخرُ إذا أمت المرأة النساء، فإنها تخفض صوتها بالتكبير حتى لا تجاوزهن، وتخالف الرجل فإنا نستحب له أن يجهر بالتكبير، وإن جاوز من خلفه، وإن كانت تصلي فرادى، فالسنة الإخفات، وهو أن تسمع نفسها فقط. فَرْعٌ آخرُ لو كان لا يقدر على النطق لخرٍس أو قطع لساٍن أو علٍة ففرُضه حركة لسانه به أكثر ما يقدر عليه، وبالقراءة والتشهد وأذكار الصلاة، لأنه إذا عجز عن النطق أتى بما قدر عليه من الحركة، فإن النطق يتضمن الحركة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو صلّى ركعًة ثم ذكر أنه لم يكبرّ ابتدأ الكبير ويلغى ما مضى، ولا بأس أن يسلم أو لا يسلم، لأنه لم يكن في صلاٍة. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: الَأولى في ظاهر المذهب في الافتتاح [63 ب/ 2] أن تكون بسرعٍة من غير تأني ومدًّ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (التكبير جزم والسلام جزم)، ولأن النية مع التكبير شرٌط ويخشى إذا مده أن تزول النية من قلبه. ومن أصحابنا من قال: الَأولى أن يمده ويأتي به على ترتيل، وهذا على طريقة من يبتدئ النية مع ابتداء التكبير فيمد التكبير حتى تتم له النية. فَرْعٌ آخرُ قال: (لو أدرك الإمام راكعًا فكّير تكبيرة واحدة، فإن نوى بها تكبيرة الافتتاح أجزأه، لأن كان داخلًا في الصلاة، لأن نوى بها تكبيرة الركوع لم يكن داخلًا في

الصلاة ولو كبرّ لا ينوي واحدًة منهما، فليس بداخل في الصلاة، وإن كبرّ فنوى تكبيرة الافتتاح والركوع لم يجزه من المكتوبة لأنه شرك في النية بين الفرض والنفل). قال أصحابنا: هذا يدل على أنها تجزئه عن النفل، واختلف أصحابنا فيه على وجهين، فمنهم من قال: تجزئه عن النفل، لأنه نوى بها النفل، وتكون جميع الصلاة نفلًا، كما لو أخرج خمسه ينوي بها الزكاة والصدقة والتطوع يقع عن الطوع، ومنهم من قال: لا تجزئه لأن تكبيرة الافتتاح شرط في النافلة أيضًا، فقد شرك بين النافلة والفرض في الشرط، والأول أصح. فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (لو أبقى من التكبيرة حرفًا وأتي به، وهو راكع أو منحٍن للركوع لم يكن داخلًا في الصلاة المكتوبة، وكان [داخلًا] في نافلٍة. قال أصحابنا; هذا إذا كان جاهلًا، فإن كان عالمًا أنه لا يجوز لا تنعقد صلاته أصلًا كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال عالمًا لا تنعقد فرضًا، ولا نفلًا. وقال القفال: فيه قولان، وفيه نظٌر. مسألة: قال: (فِان لم يحسن بالعربية كبر بلسانه). وهذا كما قال: أراد بقوله: بلسانه أي بغير العربية، وليس من شرطه أن يكون لسانه، بل يجوز أن يكبرّ بجميع الألسنة وجملته [64 أ/ 2] أنه لا يجوز أن يكبرّ بغير العربية مع القدرة بحاٍل، وبه قال أبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز ذلك، وهذا غلٌط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خّص قوله: (الله أكبر)، فإن قيل: أجزتم كلمة التوحيد بلسانه مع القدرة على العربية، وههنا لا تجوزون، فما الفرق؟ قلنا: من أصحابنا من قال: لا تجوز هناك أيضًا، وهو اختيار الإصطخري، وإن سلمنا، وهو المذهب. فالفرق أن المقصود من التوحيد الاعتقاد، فبأي لفظ عّبر عن اعتقاده حكمنا بإسلامه. وههنا القصد اللفظ دون الاعتقاد، فلا يجوز العدول عن اللفظ الذي ورد به الشرع إلى غيره مع القدرة، ولو عجز عن العربية ُنظر، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يتعلم ويكبرّ بالعربية، ففرضه العربية، ولو توانى فيه وصلى بالتكبير بالفارسية يلزمه الإعادة، وإن كان الوقت ضيقًا عن التعلم يجوز له أن يكبرّ بالفارسية، فيقول: (خذاء يزر كنز)، ولا يقتصر على التعظيم من غير حرف التفضيل حتى يكون معبرًا بقوله: الله أكبر، فإن قيل: هلّا قلتم: يجوز أن يكبرّ بالعجمية في الوقت الأول، ولا يلزمه تأخير الصلاة للتعليم، كما قلتم: يجوز له أداُء الصلاة بالتيمم في أول الوقت، وإن تيقن وجود الماء في آخره؟. قلنا: لأنا لو جوزنا ذلك، لم يتوجه عليه فرض التكبير بالعربية جملًة. وذلك لأنه إذا صلّى لا يلزمه التعليم في هذا الوقت، وفي الوقت الثاني مثله، ويفارق الماء لأن

وجوده لا يتعلق بفعله، فإن قيل: قلتم: لا يجوز قراءة القرآن بالفارسية، وإن كان عاجزًا وههنا جوزتم بالفارسية عند العجز، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن القرآن ُمعِجز، ومعناه لا يكون معجزًا، فلا يكون قرآنًا ولا تجوز الصلاة بغير القرآن بخلاف هذا. فَرْعٌ لو كان لا يحسن العربية ولكنه يحسن [64 ب/ 2] الفارسية والسريانية، فيه ثلاثة أوجٍه: أحدها: يكبرّ بالفارسية، لأنها أقرب اللغات إلى العربية. والثاني: بالسريانية، لأن الله تعالى أنزل بها كتابًا دون الفارسية. والثالث: بآيتهما شاء. فَرْعٌ آخرُ لو كان يحسن الفارسية والتركية، فيه وجهان: أحدهما: يكبرّ بالفارسية لأنها أقرب. والثاني: الخيار إليه فيهما، ولو كان يحسن السريانية والنبطية، فيه وجهان: أحدهما: يكبرّ السريانية. والثاني: أنه بالخيار فيهما، ولو كان يحسن بالتركية والهندية كان بالخيار وجهًا واحدًا. فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي رحمه الله: (وكذلك الذكر)، وأراد به أن كل ذكٍر في الصلاة من التسبيح والتشهد والتعوذ وغيرها كالتكبير في اعتبار لفظ العربية فيه، وفسره في (الأم)، فقال: التكبير والتشهد إلا القرآن. وقيل: أراد به كل ذكٍر في الصلاة من التسبيح والدعوات والتشهد والتعوذ سوى القراءة بمنزلة التكبير لا فرق بينهما في جوازها بالفارسية عند العجز، وهذا لأنا لو كلفناه بالعربية أدى إلى فوات الوقت، أو الذكر المشروع فيها. قال الشافعي: وعليه أن يتعلّم، وهذا لأن الأذكار المشروطة فيها يسيرة المؤنة على المتعلم فيلزمه كما يلزمه شري الماء للطهارة والثوب للستر. وقال في (الحاوي): كل ذكٍر واجٍب، كالشهد والسلام لا يجوز بالفارسية مع حسنه بالعربية وكل ذكر مستحب كالتسبيح والتوحيد يجوز بالفارسية، إن كان يحسن العربية ولكنه أساء وإذا لم يحسن العربية يجوزها بالفارسية وهذا غريب، وهذا لأنه ليس من جنس العجز، ولم يتعين له لغٌة حتى يأتي بأي لفظٍة من العربية، أراد فلا تتعين فيه لغةُ العرب

بخلاف التشهد، فإنه يتعين فيه لغة العرب، والأول اختيار القفال رحمه الله، لأنه لم َيِرد في الخبر إلا بالعربية. وقيل: عند العجز، هل يجوز له الترجمة؟ وجهان، لأنه لا حاجة إليه فيتركها حش يتعلّم. فَرْعٌ آخرُ إذا لم يعلم بالعربية [65 أ/ 2] ليس عليه أن ينتقل إلى بلٍد آخر ليجد من يعلمه كما إذا عدم الماء في موضعه ليس عليه أن ينتقل إلى بلد الماء وعليه أن يطلب من يعلمه في بلده كما يلزمه طلب الماء في موضعه. مسألة: قال: (ولا يكبر ان كان إمامًا حتى تستوي الصفوف خلفه). وهذا كما قال: المستحب للإمام إذا أراد أن يكبرّ أن يلتفت يمينًا وشمالًا، ويقول: استووا، رحمكم الله، عن اليمين والشمال، فإذا رآهم قد استووا كبرّ. والأصل في هذا ما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة، قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله: (استووا تعادلوا)، وروى أبو مسعود البدري رضي الله عنه، قال: كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، ومعناه أنه إذا اخلف القوم فتقدم بعضهم على بعٍض تغّير قلب بعضهم على بعض، وذهب عن الصلاة. وروى أنس رضي الله عنه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (سوّوا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة). وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (لتسّوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكما). وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال؛ (استووا في صلواتكم ولو ِبَسهم). وروى البراء بن عازٍب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أقيمت الصلاة مسح صدورنا، وقال: (تراصّوا، المناكب بالمناكب، والأقدام بالإقدام، فإن الله يُحب في الصلاة ما يحُب في القتال كأنهم بنيان مرصوص). وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأمر قومًا بتسوية الصفوف، فإذا رجعوا إليه كبرّ. فإذا تقرر هذا، فالإمام والمأموم يقومون إذا فرغ المؤذن من الإقامة. وبه قال مالٌك وأحمد وإسحق وأبو يوسف رحمهم الله، وعلى هذا أهل الحرمين، ثم يقول: استووا.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: يسوي الصفوف في آخر الإقامة حتى إذا فرغ [65 ب/ 2] من الإقامة كبرّ، وهذا خلاف المنصوص. وقال أبو حنيفة والثوري: إذا قال المؤذن: حّي على الصلاة، قاموا في الصف، ويقول: استووا، فإذا قال: قد قات الصلاة، كبرّ الإمام وكبرّ القوم تصديقًا لقول المؤذن، قد قامت الصلاة، إلّا أن يكون المؤذن الإمام، فلا وجه إلا أن يفرغ، ثم يكبرّ، وهذا غلط لما روى أبو إمامة رضي الله عنه أن بلالًا أخذ بالإقامة، فلما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (أقامها الله، وأدامها)، وقال في سائر الإقامة مثل ما قال. وقول المؤذن: قد قامت الصلاة، أي: قرب قيامها. فَرْعٌ قال: ولا يكبرّ المأموم حتى يفرغ الإمام، وبه قال مالك وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد: يكبرّ مع تكبيرة الإمام كما يركع مع ركوعه، وهذا غلٌط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا)، وأما الركوع فلأنه لا يجوز أن يأتي به بعد فراغه بخلاف هذا. فَرْعٌ آخرُ لو سبق المأموم الإمام بالتكبير نقضه، ثم يستأنف التكبير. وحكي عن مالك والثوري أنه يعتّد بتكبيره. قال أصحابنا: هذا يدل على أن عند الشافعي انعقدت صلاته حتى يحتاج إلى قطعها، وهذا إذا اعتقد أنه كبرّ، ولم يكن كبرّ، فأنا إذا علم أنه لم يكن كبرّ، فكبر بنية الاقتداء به لا تنعقد، لأنه ائتم بمن ليس في الصلاة، ويحتمل قولًا آخر أنه يضمها إلى صلاة الإمام إذا حكمنا بانعقادها لأنه يجوز أن يضم المفرد صلاته إلى صلاة الإمام في أحد القولين. مسألة: قال: (ويرفع يديه إذا كبر خذو منكبيه) وهذا كما قال. رفع اليدين مستحب حال التكبير في ابتداء الصلاة لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه). وأما كيفية الرفع فهي أن يرفعهما حتى يحاذي كفاه منكبيه [66 أ/ 2]. وبه قال مالٌك وأحمُد وإسحُق، وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: يرفعهما حتى يحاذي كفاه أذنيه، وهو معنى قوله: يرفعهما إلى فروع الأذنين، وهذا غلٌط لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه)،

ورواه علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنه واحتجوا بما روى مالكٌ بن الحويرث ووائل بن حجٍر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يرفع يديه حيالَ أذنيه)، قلنا: رواية الجماعة أولى أو يحمل هذا على أن أطراف الأصابع كانت تبلغ الأذنين وقيل: أن الشافعي رضي الله عنه لما قدم العراق قدم عليه العلماء مثل: أبي ثور والحسين الكرابيسي وغيرهما، فسألهم عن الجمع بين أخبار رفع اليدين، فلم يذكروا شيئًا، فقال: إني أرى أن تكون كفاه حذو المنكبين، ورأس إبهامه عند أصل الآذنين ورؤوس أصابعه عند فروع الأذنين، فاستحسنوا ذلك، فعلى هذا يرتفع الخلاف. وقال ابن سريج: الرفع إلى المنكبين أو إلى الأذنين من الاختلاف المباح، وليس أحدهما أولى من الآخر. فَرْعٌ قال في (الأم): ويثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير، وجملة ذلك أنه إذا أراد أن يكبرّ أسبل يديه، ثم رفعهما مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى بهما منكبيه أثبتهما مرفوعتين حتى يكمل التكبير، لأن الرفع أسرع من الإتيان بالتكبير، لأنه يستحب له ترتيل التكبير والرفع يحصل في وقت يسير، ولا يمكن في هذا القدر ترتيله فعلى هذا ينتهي الرفع قبل انتهاء التكبير. وقال أبو إسحق: ينبغي أن يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير. وبه قال صاحب (الإفصاح)، وهذا خلاف نصّه، وقد بّينا دليله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يرفع يديه [66 ب/ 2] غير مكبرّ ويكبرّ، ثم يرسلها غير مكبرّ، وهو رواية ابن عمر رضي الله عنه. وهذا عندي غلط. فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): وينشر أصابع يديه إذا رفعهما للتكبير ويفرقهما، والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان ينشر أصابعه للتكبير). وذكر بعض أصحابنا أنه لا نصّ فيه، وهو سهٌو. فَرْعٌ آخرُ قال: ويرفع يديه في كل صلاة فريضة ونافلة، ولا فرق بين الإمام والمأموم. قال: وكذلك إن كان يصّلي قاعدًا لمرض به رفع يديه. قال: وإن ترك رفع اليدين حيث أم به كرهت ذلك ولا إعادة عليه ولا سجود، وهذا لأنه هيئة. قال أصحابنا وكذلك إن كان مضطجعًا أو متكئًا يأتي بالرفع في مواضعه، لأنه لا مشّقة عليه.

وأما في صلاة الجنازة يرفع يديه في كل تكبيرة وكذلك في العيدين يرفع اليدين في كل تكبيرة في حالة القيام، وصلاة الاستسقاء كالعيدين سواء في هذا وفي صلاة الخسوف الركوعان يريد الرفع فيه في الركوع والرفع من الركوع وفي سجود التلاوة والشكر يرفع يديه عند التكبير لأنها تكبيرة الافتتاح. فَرْعٌ آخرُ لو أثبت يديه مرفوعتين حتى انتهى تكبيره أو أثبتهما هكذا بعد انقضاء التكبير لم يضره، ولم يؤمر به، وهذا لأنه لو ابتدأ رفع يديه في أثناء الصلاة لم تبطل. فَرْعٌ آخرُ لو كانت بيديه علة لا يقدر على رفعهما إلى الحد الذي ذكرنا ويقدر على رفعهما دون ذلك رفعهما إلى حيث يقدر. وروى وائل بن حجر - صلى الله عليه وسلم - أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يرفعون بأيديهم إلى صدورهم وعليهم برانس وأكسية)، وتأويله أنه كان عليهم ذلك لشدة البرد، وكان يشّق عليهم رفع اليدين إلى الموضع المسنون كاشفًا. فَرْعٌ آخرُ لو كانت بيديه ِعّلة يقدر على رفعهما مجاوز المنكبين ولا يقدر على الاقتصار على حذاء المنكبين لم يدع رفعهما وإن جاوز المنكبين، [67 أ/ 2] وتلك الزيادة مغلوٌب عليها لا تضره. فَرْعٌ آخرُ لو كانت علة فقدر على أحد الرفعين: إما فوق المكبين أو دون المنكبين ليأتي بالمأمور زيادة من غير اختياره. فَرْعٌ آخرُ لو كانت إحدى اليدين صحيحة والأخرى عليلة، صنع بالعليلة ما وصفنا، واقتصر الصحيحة على حذو المنكب. فَرْعٌ آخرُ لو أغفل الرفع في موضعه ثم ذكره فإن ذكره قبل انقضاء التكبير أتى به وإن ذكره بعد انقضاء التكبير لم يأِت به، لأن هيئته في وقت فإذا مضى لم يوضع في غيره. مسألة: قال: (ويأخُذ كوعه الأيَسَر بكفيه اليمنى). الفَصْل وهذا كما قال. جملة هذا أن وضع اليمين على الشمال ُسّنٌة في الصلاة بعد الفراغ من الرفع، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق وأبو ثور، ويكره إرسال اليدين في ظاهر المذهب.

وقال أبو إسحق المروزي، قال الشافعي في (الأم): (القصد منه تسكين يديه، فإن أرسلهما ولم يعبث فلا بأس)، وعن مالك روايتان: إحداهما: أنه مستحب. والثانية: أنه مباحٌ. وحكي عن مالٍك أنه قال: يضع اليمين على الشمال في نافلٍة يطول فيها القيام ولا يفعل في غيرها. وروى ابن المنذر عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه. وبه قالت الشيعة. وروي ذلك عن الحسن وابن سيرين والنخعي. وقال الليث: يرسل يديه إلا أن يطيل القيام فٌيْعِل. وقال الأوزاعي من شاء فعل، ومن شاء ترك، وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر السحور ونعجل الإفطار، وأن نمسك أيماننا على شمائلنا في الصلاة). وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار وتأخير السحور ووضع اليمنى على الشمال في الصلاة. وروي أنه لما نزل قوله تعالى [67 ب/ 2]: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -: (ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟، فقال: ليست هذه من نحائركم إنما هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة). وروى عقبة بن ظبيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ هذه الآية: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، فوضع يده اليمنى على ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره. وروى أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله عنه (أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على اليسرى)، ولأن هذا أعون على خشوعه، وأتّم لخضوعه، فإذا تقرر هذا، كيف يصنع ذلك؟ فالسّنة أن يضع يده اليمنى على ظهر كّفه اليسرى، والرسغ والساعد ويأخذ كوعه الأيسر هكذا. رواه وائل بن حجر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل هكذا في صلاته. وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر كّفه اليسرى من غير أخٍذ. وروي عنه أنه قال: يأخذ لرسوغه، وأما أين يضع اليدين؟ نقل المزني: ويجعلهما تحت صدره، وهو المروي عن علي رضي الله عنه. وقال أبو إسحاق: تحت سّرته، وهو قول أبى حنيفة وإسحق وعن أحمد روايتان.

وروي هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه أيضًا. والأول أولى لأن وضعها تحت الصدر أخشع ووضعها تحت السّرة أقرب إلى إرسالها، وأشبه به. وقيل: هذه اللفظة توجد للشافعي، فيجوز أن يكون المزني سمعها من الشافعي، أو قالها من عند نفسه، وهو حسن وهو قول إمام مثل علي رضي الله عنه. وذكر الإمام الجويني رحمه الله عن علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسألة: (ثم يقول: وجهت وجهي). الفَصْل وهذا كما قال: إذا فرغ من التكبير استحب أن يبتدئ [68 أ/ 2]، فيقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين إن صلاتي وُنُسكي وَمْحياَي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ولا يقول: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163]. لأن ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه أولهم في هذه الأمة نصّ عليه. ومعنى {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}، أي: قصدت بوجهي الله سبحانه. وقال أبو حنيفة: يستفتح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جُّدك وجلّ ثناؤك، ولا إله غيرك. وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي. وقال أبو يوسف يقول معه: وجهت وجهي أيضًا، وقد ذكر بعض أصحابنا أنه لو جمع بين الذكرين كان أولى، ولو أراد الاقتصار على أحدهما، فما تقدم أولى وقصد بهذا القائل الجمع بين المذهبين، والأخبار الواردة فيه. واعلم أن هذا من الاختلاف المباح فأّيهما استفتح الصلاة يجوز وروي كلاهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فروى علي رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة كبرّ، ثم قال: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} إلى آخره، غير أنه قال: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة، قال: (سبحانك اللهم وبحمدك. . .)، إلى آخره. ومعنى قوله: وبحمدك، أي: وبحمدك سبحتك، ومعنى الجد: العَظم ههنا، وإنما قلنا: إني وجهت وجهي َأولى، لأنه َألَيق بالموضوع وهو من ألفاظ القرآن والتسبيح يعود في الركوع والسجود، وما ذكرناه إذا ترك لا يعود. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يستحب أن يقرأ: وجهت وجهي إلى آخره قبل التكبير حتى لا يعقب التكبير بقراءة القرآن، وهذا غلط، لأنه لو كان قرآنًا لاقتصر على قوله: {حَنِيفًا} دون قوله: {مُسْلِمًا}، ولقال: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} موافقًة للقرآن. وقال: مالٌك: لا يدعو بشيء بعد الافتتاح، [68 ب/ 2] ويفتتح الصلاة بقول: الله

أكبر، ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. واحتّج بما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتح الصلاة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وهذا عندنا يجوز إذا ذكر التسمية في أول الفاتحة، ولكنه يكره، وهذا الخبر محمول على استفتاح القراءة وعّبر بالصلاة عنها. قال الشافعي: ويستحب بعده: أللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعها لا يغفر الذنوب إلا أنت وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلا أنَت، لبيك وسعديك، والخير بيديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت أنا بك وإليك لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. وقوله: والشر ليس إليك، قال المزني: معناه لا يضاف الشر إليك، وإن كان هو الخالق له، لأنه إنما يضاف إليه محاسن خلقه، فيقال: خالق السماء والأرض، ولا يقال: خالق العذرة والخنازير، وإن كان هو الخالق لها في الحقيقة. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: معناه، والشر لا يتقرب به إليك. وهكذا قاله الخليل بن أحمد. وقوله: أنا بك وإليك، يعني: انتمائي والتجائي. وقال في (الأم): يأتي بهذا كله لا يغادر منه شيئًا رواه علي وأبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن زاد فيه شيئًا أو نقص منه كرهته ولا يسجد للسهو عمد أو جهلُة لو نسيه. فَرْعٌ آخرُ قال: لو سها عنه في موضعه، ثم ذكره، وقد افتتح القراءة أو التعوذ لم يقله لأن هيئته فات وقتها، وإن ذكره قبل الأخذ في القراءة أتى به ولا يقوله إلا في أول ركعٍة، ولا يقوله فيما بعده بحاٍل. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا اختلف الأمام [69 أ/ 2] فيما لا يجهر، ففات من الركعة ما إن قال: هذا لا يقدر أن يقرأ القران. قرأ أم القرآن وتركه وإن لم يفت من الركعة ما لا يقدر عليه أوفات منها ما يقدر على بعضه، أحببت أن يقول ذلك، وإن لم يقله لم يقِض في الركعة بعدها. وقال أصحابنا: الإمام يقول إلى قوله وأنا من المسلمين، ولا يقول ما بعده لئلا يطول الصلاة فيتأذى به المأموم المريض، أو من له عذر، وهذا صحيح، قال: رضي به

المأمومون، ولا مشّقة عليهم يستحب له كل ذلك. قال: ويقوله في النافلة والفريضة. َمسألة: (ثَُّم َيَتَعََّوُذ َفَيُقوُل: َأُعوُذ ِبالله ِمَن الَّشَْيطاِن الَّرجيِم). وهذا كما قال: إذا فرغ من دعاء الافتتاح أتى بالتعوذ، وهو سنة في الصلاة. وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحق. وقال مالٌك: لا يتعّوذ في المكتوبة ويتعّوذ في قيام رمضان. وحكي عن النخعي وابن سيرين: أنهما كانا يتعّوذان بعد القراءة. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، واحتّج بقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]، وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ومعنى الآية، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]، أي: أردتم القيام إلى الصلاة. والدليل على مالك أن يقول: صلاة تتضمن قرآنًا فتضمن تعّوذًا كقيام رمضان. فَرْعٌ قال الشافعي: (وأحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأنه موافق للآية) وبه قال أبو حنيفة وقال أصحابنا: الأحسن أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وقال أحمد: يقول هكذا ويزيد أنه هو السمع العليم، وهذا غلٌط، لأنه ذكره مرًة، فلا معنى لتكراره. وقال الثوري: يقول [69 ب/ 2]: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم. واحتّج بقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36]، وهذا غلٌط، لأن قوله: {إِنَّهُ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ليس بداخل في الأمر بالاستعاذة، وإنما هو خبٌر بعده والأمر ما قبله، وهو الذي يقول، وقال الحسن بن صالح يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وبه قال ابن سيرين. فَرْعٌ آخرُ لو استعاذ بالله بأي كلام استعاذ به جاز كقوله: أعوذ بالرحمن الرحيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بكلمات الله من الشيطان الرجيم. وقال أصحابنا: قوله؛ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أولى من قوله: أعوذ بالله العلي من الشيطان الغوي. فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): (ويقوله في أول ركعٍة، ثم قال: وقد قيل: إن قاله حين يفتتح

القراءة في كل ركعٍة فحسٌن ولا أمُر به في شيء من الصلوات أمري به في أول ركعٍة). واختلف أصحابنا في هذا، فقال أبو حامٍد المسنون في الركعة الأولى لا غير قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: ولا آمر به. وبه قال ابن سيرين وأبو حنيفة، لأن الصلاة كالفعل الواحد فيكفي استعاذة واحدة كالتوجه. وقال بعض أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: هذا. والثاني: يستحب في كل ركعة لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98]، وهذا يريد القراءة في كل ركعة، ويفارق التوجه، لأنه للاستفتاح، وذلك لا يتكرر في الصلاة بخلاف القراءة. وقال القاضي الطبري: قوٌل واحٌد أنه يستحب في كل ركعة إلا أنه في الركعة الأولى أكد وكلام الشافعي في (الأم) يقتضي هذا، وبه يفتي كثير من أصحابنا، وهذا اختياري، وهو الصحيح. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يستحب في الركعة الأولى خاّصة لو نسيه في الأولى أش به في الركعة الغانية، ومتى ذكر أتى به [70 أ/ 2] في ابتداء القراءة، ويفارق دعاء الاستفتاح، لأّن محله. قال: فلا يأتي به في الركعة الثانية، وههنا القراءة تتكرر وإنما يتعوذ في الابتداء لجميع القراءة، فإذا نسيه في بعضها أتى به في الباقي، ولو تركه أصلًا، قال: أكره ذلك ولا تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو، وإن كان ناسيًا أيضًا. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه، لأنه روي مثل هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا حسٌن، ولكن الشافعي لم يذكره. فَرْعٌ آخرُ هل يجهر به في صلاة الجهر. قال الشافعي رضي الله عنه في (الأم): (كان ابن عمر رضي الله عنه يتعّوذ في نفسه، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يجهر به وأيهما فعل أجزأه). وقال في (الإملاء): يجهر به فإن أخفت أجزأه، فقال أبو حامٍد: فيه قولان: أحدهما: أنه مخّيٌر وهما سواء، وهو قوله في (الأم). والثاني: يجهر به، وهو ظاهر المذهب، وهذا لأن هذه مراد للقراءة، فكان بصفتها كالتأمين، ولأن أبا هريرة رضي الله عنه جهر به في جماعٍة ولم ينكر عليه، ولأن روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول قبل القراءة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فلولا أنه كان

يجهر به، وإلا لم يسمع ذلك. وقال صاحب (الإفصاح): يستحب له ترك الجهر قولًا واحدًا، لأن الشافعي قال: وأيهما فعل جاز، وإن كنت أستحب له ترك الجهر، لأن سنة الجهر بالقرآن والأذكار التي جعلت علمًا على الإتباع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قوله: القديم أنه يجهر بها، وقوله الجديد: لا يجهر، وهو المذهب، قلت: حصل ثلاثة أقوال: أحدها: يستحب الجهر بها. والثاني: يسحب الإسرار بها. والثالث: هما سواء، والأظهر الصحيح عندي ما اختاره صاحب (الإفصاح). مسألة: قال: (ثم يقرأ [70 ب/ 2] مرتلًا بأم القرآن). وهذا كما قال: الصلاة تفتقر إلى القراءة. وبه قال جمهور العلماء، وحكي عن الحسن بن صالح والأصم أنهما قالا: القراءة مستحّبة في الصلاة، وليست بواجبٍة. واحتجّ بما روي عن عمر - صلى الله عليه وسلم - أنه صلّى فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود قالوا؛ حسنًا. قال: فلا بأس، وهذا غلٌط لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب). وروى ابن عمر رضي الله عنه أن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنقرأ في الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (أو تكون صلاة بلا قراءة). وأما خبر عمر رضي الله عنه، قلنا: يحتمل أنه ترك ما زاد على الفاتحة أو ترك الجهر بها بدليل ما ذكرنا. فإذا تقرر هذا، في (الأم): قال الله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]، والترتيل ترك العجلة في القراءة عن الإبانة، وكلما زاد على أقل الإبانة في القراءة كان أحب إلّي ما لم تبلغ الزيادة تمطيطًا وأحب ما وصفت لكل قارئ، في صلاة وغيرها، وأما للمصلي أشد استحبابًا مني للقارئ في غير الصلاة. قال: ولا يجزئه أن يقرأ في صدره ولا ينطق بلسانه لأنه ليس بقراءة بل هو تفّكر، ولو أيقن أنه لم يبَق من القراءة شيء إلا نطق به أجزأه، وإن لم يرتله، وهو بأن يسمع نفسه حروفه، وإن لم يسمع هو لشغل قلبه أجزأه، لأنه قرأ بحيث يسمع، فإذا تقرر هذا، فالقراءة التي لا تجزئ الصلاة إلا بها، فاتحة الكتاب، فإن أخّل بحرف منها لم تجزه الصلاة، وفيها أربع عشرة تشديده، فإن أخّل بواحدٍة منها لم تجزه، ثلاٌث في بسم الله الرحمن الرحيم في اللام من اسم الله تعالى، والراء والراء من الرحمن

الرحيم. وفي قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} تشديدتان اللام من اسم الله تعالى، والباء في رب وفى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} تشديدتان: الراء، والراء، [71 أ/ 2] وفي {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} تشديده، وهي في الدال، وفي {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تشديدتان في الياء من إياك وإياك، والصاد في {الصِّرَاطَ}، واللام من {الَّذِينَ}. وفي قوله: {ولا الضالين} تشديدتان في الضاد واللام. وهذا لم يذكره الشافعي، ولكن أصحابنا ذكروه لأن عند أهل اللغة التشديد يقوم مقام الحرف. وبه قال عمر وابن عباس وخوات بن جبير وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنه والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود رحمهم الله. وقال أبو حنيفة: القراءة غير متعينة في الصلاة والمشهور عنه أنه يجب قراءة آية إما طويلة، وإما قصيرة حتى لو قال: {مُدْهَامَّتَانِ}. وروي عنه أنه قال: يجوز أقل من آية إذا كان يقع عليه اسم القرآن. وأصحابه بخراسان يقولون: هذا هو الصحيح والأول أشهر. وقال أبو يوسف ومحمد: إن قرأ آيًة طويلًة كآية المدثر وآية الكرسي يجوز وإن كانت آياٍت قصارًا لم َيُجز أقلّ من ثلاث آيات، وربما ينسب هذا إلى أبي حنيفة. واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: (المسيء صلاته، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن)، وهذا غلٌط لما ذكرنا من الخبر. وأمّا خبرهم روى الشافعي بإسناده عن رفاعة بن رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: (ثم اقرأ بأم القرآن وما شاء الله أن تقرأ)، ثم نحمله على الفاتحة، فإنها التي تتيسر على جميع الناس في الغالب، ولأن القراءة ركٌن من أركان الصلاة فكان متعينًا كالركوع والسجود. مسألة: قال: (يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم). وهذا كما قال: بسم الله الرحمن الرحيم آيٌة تامة من الفاتحة، ومن كل سورة. وحكي أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه قال للشافعي قول آخر أنها من الفاتحة. وحكاه ابن القطان أيضًا، وقال: لا يعرف [71 ب/ 2] هذا القول عنه، وهو على ما ذكر، ومن أصحابنا من قال: هي في سائر السور بعض آية في أحد القولين كقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، وبقولنا، قال ابن عباس وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء والزهري وأحمد وإسحق وأبو عبيد. وروي عن الزهري أنه كان يفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، ويقول آية من كتاب الله تعالى تركها الناس. وقال ابن المبارك: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم، فقد ترك مائة وثلاث عشر آية. وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود: التسمية ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها بعض آيٍة هناك وإنما ذكرت في رأس سائر السور تبركًا.

وقال الكرخي: إنها آية في مكانها ليست من السور. وروي هذا عن أحمد، وعن أحمد رواية أخرى أنها من الفاتحة. وحكي عن مالك أنه قال: لا يقرأها في الصلاة أصلًا إلا في قيام رمضان، فإنه يقرأها في ابتداء السورة بعد الفاتحة، لا في الفاتحة. ووافقنا أبي حنيفة أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، وعندنا من قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ}، وما قلناه أولى، لأن أواخر آيات هذه السورة كلها مجرورة وممدودة، فينبغي أن تكون آخر الآية السادسة فيها كذلك، والمشهور من مذهب أبى حنيفة أنه لا يأتي بالتسمية إلا في أول الركعة كالتعوذ. واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقول الله تعالى: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، يقول الله تعالى: أثنى علّي عبدي، فإذا قال العبد: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، يقول: الله مجدني عبدي، فإذا قال العبد: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، يقول الله تعالى: هذه بيني وبين عبدي، [72 أ/ 2] فإذا قال العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة، يقول الله تعالى: هذه لعبدي، ولعبدي ما سأل). ولم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم منها. وقوله: فتمت الصلاة، أي: القراءة. وحقيقة هذه التسمية منصرٌف إلى المعنى لا إلى الألفاظ، وذلك أن نصف هذه السورة ثناء ونصفها مسالٌة ودعاٌء. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (سورة ثلاثون آية شفعت لقارئها ألا وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]، وهي ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلط لما روت أم سلمه رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (قرأ في الصلاة: بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية، {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} آيتين)، وهذا نصّ. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم الكتاب، وإنها السع المثاني)، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها، وقال جابر رضي الله عنه، قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة، قلت: أقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم). وأما خبر أبي هريرة رضي الله عنه، قلنا: روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبي

السائب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال في هذا الخبر: فإذا قال العبد؛ بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: ذكرني عبدي. وأما سورة الملك، قلنا: قد ذكرنا قولًا: أن التسمية بعض آيٍة منها، مضمومة إلى الآية الأولى منها، ويحتمل أنه قال ذلك قبل نزول بسم الله الرحمن الرحيم، أو أراد ما يختص بهذه السورة من آياتنا. وحكي شيخنا أبو سهل الأبيوردي أن خطيب بخارى من جملة العلماء الزهاد رأى خبرًا عن رسول الله. أنه قال: من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] [72 ب/ 2] ألف مرة رفع الله تعالى عنه وجع السن ولا يتجع أبدًا). فوجع سّنُه فقرأها ألف مرة، فلم يزل الوجع وزاد فنام فرأى في المنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن وجع السن وعما فعل، فقال: رأيت خبرًا عنك يا رسول الله كذا، وفعلت كذا، فلم يسكن وجعي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لأنك قرأتها بلا تسمية فاقرأها بالتسمية)، فانتبه فقرأها مع التسمية فرفع الله تعالى عنه وجع السن، ولم يعد. قال هذا الخطيب: فاعتقدت مذهب الإمام الشافعي في هذه المسألة، ولا أصلي إلا بالتسمية في أول الفاتحة، فإن قيل: لو كانت قرآنًا لم يجز فيها الاختلاف، قلنا: تقابل بأنه لم يكن قرآنًا لما أضيفت إليه بمثل خط سائر القرآن ثم أصلها من القرآن بلا خلاف. والخلاف ههنا في موضعها، فإن قيل: القرآن لا يثبت إلا بالتواتر قطعًا. قلنا: من أصحابنا من قال: نحن نثبتها حكمًا لا قطعًا، وهو أنا نوجب قراءتها في الصلاة، فيجوز إثبات ذلك بأخبار الأحاد وهو الأصح. ومن أصحابنا من قال: يثبت قطعًا لكونها في المصحف بخط القرآن ولم نكفر جاحدها كما لم نكفر مثبتها لحصول الاختلاف بنوع من الشبهة كما كانت الشبهة لابن مسعود رضي الله عنه في المعوذتين. وقال: إنهما ليستا من القرآن، فإذا تقرر هذا، قال في البويطي: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب، وقبل السورة. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد رضي الله عنه، وعند أبي حنيفة يقرؤها في صلاة الجهر. وبه قال علي وابن مسعود وعّمار والثوري والأوزاعي وأحمد وأبو عبيد رضي الله عنه. وقال مالك: المستحب أنه لا يقرأها أصلًا في شيء من الصلوات. وبه قال الأوزاعي في روايٍة. [73 أ/ 2] وقال الحكم وإسحق وابن أبي ليلى: الجهر والإخفات فيها سواء، وكلاهما حسٌن، واحتجوا بما روى قتادة عن أنس أنه قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا غلٌط لما روى ابن عباس رضي الله عنه (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم).

وروى النعمان بن بشير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أّمني جبريل - عليه السلام -، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم). وروي عن نعيم ين عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم قبل أم الكتاب وقبل السورة وكبرّ في الخفض والرفع، وقال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عطاء: قال أبو هريرة: (ما أسمعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسمعنا كم وما أخفى عنا أخفينا عنكم). وروى الشافعي بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، فقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة بعدها حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان؛ يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فلما صلّى بعد ذلك قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم للسورة بعد أم القرآن، وهذا إجماٌع. وروي عن مسلم بن حيان، قال: صليت خلف ابن عمر، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فقلت له: لقد صليت صلاة ينكرها كثير من الناس، فقال: وما ذاك؟ فقلت: جهرت ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، قال: نعم صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ُقبض، فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، وخلف أبى الصديق فكان يجهر بها في السورتين حتى قبض، فلا أدع الجهر بها حتى أموت [73/ ب]. وأما الخبر الذي ذكروا، قلنا: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)، فيحتمل أنه لم يسمع ذلك لصغره أو أُبعده، وأخبارنا المثبتة أولى، فَرْعٌ قال في (الأم) لو أغفل أن يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم وقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} إلى آخر السورة كان عليه أن يعود فيقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويأتي ببقية السورة، وهذا لأنه يجب الترتيب في القراءة ولا يجوز أن يغيرها فيقرأ آيًة بعد آية بعدها، فإذا ترك آية وجبت عليه إعادتها وإعادة ما بعدها كما أنه لا يجوز أن يغير حروف الكلمة الواحدة أو الكلمتين، فيقول: موضع لله الحمد، كذلك ترتيب الآيات لا يجوز تغييرها، وكذلك لو قرأ بعد التسمية {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وترك {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وأتى بالحمد لله، وما بعده كما لو نسي القراءة، فركع وأتى بالقراءة والركوع. فَرْعٌ آخرُ قال: لو بدأ فقرأ في الركعة غيرها، ثم قرأها أجزأت عنه. قال أصحابنا: أراد إذا قدم السورة على الفاتحة لم يمنع ذلك صحة قراءة الفاتحة،

ويستحب إعادة السورة لتقع في موضعها، نصّ عليه. فَرْعٌ آخرُ لو سكت في أثناء القراءة طويلًا، ولم ينِو قطعها أو تعايا فيها، فوقف أو أدخل فيها آية من سورة أخرى ناسيًا لم يكن ذلك قطعًا لقراءته، ألا ترى أنما يأتي به في الصلاة على طريق السهو لا يكون قطعًا لصلاته، فكذلك لا يكون قطعًا لقراءته. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في السكوت الطويل من غير نية القطع وجهان، لأن التلاوة في العادة تكون موصولة فحمل مطلق الخطاب على المعهود، وهو خلاف النص في الذكر الطويل ناسيًا. فَرْعٌ آخرُ لو عمد فقرأ فيها آية من غيرها كان ذلك قطعًا لها، فيلزمه استئناف القراءة، وكذلك لو دخل فيها عمدًا سائر الأذكار من التسبيح والتهليل، ونحو ذلك وكذلك لو سكت في أثنائها ونوى قطع القراءة. وقال بعض أصحابنا: [74 أ/ 2] هذا في السكوت الطويل، ولو سكت قليلًا مع نية القطع، فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح عند أصحابنا يكون قطعًا للقراءة، لأنه اقترن الفعل بالقطع. والثاني: لا يكون قطعًا، لأن النية لا تأثير لها والسكوت القليل بمجرده لا يضر، وهو الأشبه عندي. فَرْعٌ آخرُ لو نسي فقرأ غيرها في أثنائها ثم تذكر فمّر على قراءة غيرها كان قطعًا لقراءته، وإن عاد إليها حال ذكره بني عليه، وهو كما لو تكلم في الصلاة ناسيًا، يبطلها، فإن تذكر ودام على الكلام أبطلها. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو قرأ منها شيئًا ثم نوى قطعها ولم يسكت لم يكن ذلك قطعًا، لأن فعله مخالف لنيته، والاعتبار فيها بالفعل دون النية، ويفارق هذا نيته لقطع الصلاة، وهو فيها لأن الصلاة تحتاج إلى النية، فإذا غيرها بطلت، والقراءة لا تحتاج إلى النية، وإنما تحتاج إلى الفعل خاصة. فَرْعٌ آخرُ لو أمن في خلال الفاتحة متابعة الإمام لم يكن قطعًا للقراءة، لأن هذا موضعه، وهو مأمور به عند تأمين الإمام، كما لو مّر بآية فقال: اللهم اغفر لي، لا يكون قطعًا

لقرائته. وبه قال صاحب الإفصاح والقاضي، والطبري والقفال وهو الصّحيح وبه قال أبو حامٍد: تنقطع القراءة ويستأنفها، لأن الشافعي قال: لو عمد فقرأ فيها من غيرها استأنفها، وهذا اختيار القاضي أبي علي الزجاجي رحمه الله وجماعة، وقيل: نص عليه في (الإملاء): قياسه سجوٌد التلاوة، والفتح على الإمام لأنه أطول وهذا لأن هذه ليست من مصلحة التلاوة وتقطع نظمها فإن كان ناسيًا أو جاهلًا لا يضر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى الوجه الأول لو فتح على الإمام في آيًة أو سجد للتلاوة معه لا يقطعها؛ لأنه من صلاح صلاته، وإن فتح على غيره أو أجاب مؤذنًا فيها بطلت قراءته، ولو ترك منها آيًة عمدًا وقرأ ما بعدها مثل أن [74 ب/2] يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} كان قطعًا لها كما لو أدخَل فيها آيًة من غيرها. فَرْعٌ آخرُ لو ترك قراءة الفاتحة ناسيًا لم تجز صلاته في قوله (الجديد)، وكان يقول في (القديم): تجوز لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلّى المغرب، فلم يقرأ فيها، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجوٌد، فقالوا: حسنًا، فقال: لا بأس، وهذا غلٌط، لأنه ركن من أركان الصلاةَ، فلا يسقط بالنسيان كالركوع. وخبر عمر رضي الله عنه محموٌل علي ما ذكرنا فيما تقدم. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام قائمًا، فأحرم خلفه وقرأ بعضه القراءة ثم ركع الإمام يركع معه وصار مدركاً للركعٍة ويسقط عنه من القراءة ما عجز عنه، وأراد إذا لم يشتغل بالثناء. وقال القفال: فإن لم يفعل هكذا حتى رفع الإمام رأسه من الركوع في أحد الوجهين، أو حتى سجد في الوجه الثاني بطلت صلاته. ومن أصحابنا من خّرج فيه وجهًا آخر أنه يجب عليه إتمامها ثم يتبعه، لأنه إذا وجب بعضها وجب كلها، وهذا خلاف نصّ الشافعي. وحُكي عن محمد بن خزيمة من أصحابنا أنه قال: إذا أدركه راكعًا لا يحتسب له بالركعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: (من أدرك الإمام راكعًا، فليركع معه وليعد الركعٍة)، وهذا خلاف إجماع علماء العصر، وقد روى أبو هريرة أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا جئتم إلى الصلاةَ، ونحن سجوٌد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاةَ). فَرْعٌ آخرُ لو أدرك الإمام في أول صلاته، وكان الإمام سريع القراءة والمأموم بطيء القراءة

ففرغ الإمام من القراءة وركع والمأموم لم يتّمم القراءة بعد، فيه وجهان: أحدهما: يتبعه ويسقط الباقي عنه للعجز. والثاني: لا يسقط ولكنه يخرج من صلاته، والأولى أن لا يصلي [75 أ/ 2] خلف من تكون صفته كذلك، لأن هذا يتكرر في كل ركعٍة ويكثر ويكون ذلك عذراً في مفارقة الإمام والخروج من إمامته، وهذا أظهر عندي لئلا يؤدي إلى ترك المبالغة في أكثر الصلاةَ لو ترك الصلاةَ المفروضة، وفيه وجه ثالث: يلزمه إتمام الفاتحة في كل ركعٍة ولا يضر التأخر عنه، لأنه معذوٌر. فَرْعٌ آخرُ لو أدرك من القيام قدرًا يمكنه قراءة الفاتحة إلا أنه يشتغل بقراءٍة دعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو في أثنائها، فإن أمكنه إتمامها ويدرك معه الركوع فعل، وإن قرأ منها قدر دعاء الاستفتاح بعد ركوعه ثم ترك الباقي وركع معه، فقد أدرك الركعٍة أيضًا، ولو عرف أنه إذا أتّمها أدرك معه الاعتدال أتّمها أيضًا، ولو عرف أنه لا يدركها إلا في السجوٌد تبعه في الركوع، ولا تحتسب له هذه الركعٍة، وهذا هو الصّحيح عندي. وقال القفال: يتّم الفاتحة ويمضي خلفه بكل حالٍ ويكون معذّورًا في التخلف عن الإمام بسبب القراءة، فإن لم يتّم الفاتحة في هذه الحالة وركع بطلت صلاته. مَسْألةٌ: قالَ: (وإذا قال: {ولا الضالين} [الفاتحة: 7] قال: {آَمِّينَ} [المائدة: 2] يرفع بها صوته). وهذا كما قال: جملُة هذا أن التأمين مسنوٌن لكل مصًّل إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، فإن كانت صلاته لا يجهر فيها بالقراءة لم يجهر بها، وإن كانت صلاته يجهر فيها بالقراءة جهر بها الإمام والمنفرد، وبه قال أبو هريرة وابن الزبير رضي الله عنه وعطاء وأحمد وإسحاق وداود. وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجهر بها بحاٍل، وعن مالك روايتان: إحداهما: لا يقولها الإمام أصلًا، والمأموم يؤّمن سّرًا، وروي هذا عن أبي حنيفة. والروأيًة الثانية: يقولان سّرًا. واحتّج مالك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا قال الإمام: (ولا الضالين)، (فقولوا: (آَمِّينَ)، فدّل على أن الإمام لا يقولها، [75 ب/2] وهذا غلط لما روى وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: آَمِّينَ، ورفع بها صوته)، وروي نحو هذا عن علي رضي الله عنه، وهو معنى قول الشافعي رضي الله عنه، وبالدلالة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جهر بها، أي: وقلت هذا بما روي في هذا الخبر، واحتّج الشافعي رضي الله عنه أيضًا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمّن الإمام أّمنت الملائكة،

فأّمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة ُغفر له ما تقدم من ذنبه). قال الزهري عقيب هذا الخبر: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (آَمِّينَ). وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلّى قال: (آَمِّينَ) حتى يسمع لصوته طنين. وأما خبرهم فلا حّجة فيه لأن القصد به أن يوافق تأمينه تأمين الملائكة والإمام. وليس فيه أن الإمام لا يؤّمن أصلًا. وأما المأموم هل يجهر بها؟ قال في (الجديد): يسمع نفسه. وقال في (القديم): يجهر بها. واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال: فيه قولان سواء كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا: أحدهما: لا يجهر بها، لأنه ذكر مسنوٌن في الصلاةَ، فلا يستحب للمأموم الجهر كالتكبيرًات. والثاني: وعليه الأكثرون أنه يجهر بها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -.كان إذا قال: (ولا الضالين)، قال: (آَمِّينَ). ويقول من خلفه، حتى أن للمسجد لضّجة. وروى عطاء أن ابن الزبير رضي الله عنه قال: كان يؤّمن ويؤّمنون وراءه حتى أن للمسجد للَّجة. وروى نعيم المجمر أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: آَمِّينَ، وقال الناس: آَمِّينَ. ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالّين، فالذي قال في (الجديد): إذا كان المسجد لطيفًا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، والذي قال في (القديم): إذا كان المسجد كبيرًا مثل جامع لا يبلغ صوت الإمام آخر الصفوف، فيستحب للمأمومين أن يجهروا حتى يعلم تأمين الإمام آخر الصفوف [76 أ/2] بتأمينهم. وأما قول الشافعي في (المختصر): (ويسمع من خلفه أنفسهم)، قيل: أراد لا يجهرون بالتأمين، وقيل: أراد لا يجهرون بالقراءة، والأول أظهر. فَرْعٌ قال في (الأم): لو نسي التأمين أو جهل أمن المأموم وجهر صوته بها حتى يسمعها الإمام فيؤمّن). فَرْعٌ آخرُ قال: (لو نسي حتى استفتح السورٍة لم يؤّمن لأن محلها فات، وهي هيئة في وقت، فيفوت بفوات وقتها). وقال في (الحاوي): (وهل يعود إلى التأمين إذا قدر قبل الركوع؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه نسي تكبيرات العيد حتى أخذ في

القراءة، هل يأتي بها أم لا؟). فَرْعٌ آخرُ قال: وقول آمين في الصلاةَ يدّل على أن لا بأس أن يسأل العبد ربه عزّ وجلّ في الصلوات كلها أمر الدين والدنيا، وإنما كان كذلك، لأن معناهُ: اللهم اسمع واستجب. فَرْعٌ آخرُ قال: (ولو قال: آمين رب العالمين، وغير ذلك من ذكر الله كان حسنًا). فَرْعٌ آخرُ قال: في آمين لغتان: إحداهما: أمين بقصر الألف. والثانية: آمين بمَّد الألف والتخفيف فيهما. وأنشد في المقصورة قول الشاعر: تباعدَ عني فَطْحَلٌ إِذا سَأَلتُهُ أمينٌ فَزَاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدا وأنشد في الممدودة: يا ربّ لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا فإن شدّد الميم وإنما معناهُ قاصدين، قال الله تعالى: {آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة:2] أي: قاصدين، ولا يكون معناهُ معنى الدعاء، فإن تعمّد ذلك وعرف معناهُ بطلت، لأنه من كلام الآدميين، ذكره والدي الإمام رحمه الله وبعض أصحّابنا. فَرْعٌ آخرُ إذا دخل وقت الصلاة ولا يعرف الفاتحة ولا هناك من يعلمه، وهناك مصّحف القرآن لغيره ولا سبيل له إلى تعلمها إلا من المصّحف وصاحب المصّحف غائب، هل له أخذه والنظر فيه؟ قال والدي الإمام: يحتمل أن يقال: يجوز له ذلك، بل يلزمه للضرورة من جهة الشرع، لعلمنا أن الصلاةَ لا تجزيء إلا بالفاتحِة [76 ب/2] مع إمكان قراءتها بوجٍه، وهو كما يباح أخذ مال الغير وأكله للضرورة، ولأن صاحب المصّحف لو كان حاضرًا عالمًا بالقرآن يلزمه تعليمه بنفسه ولو لم يعلم هو، يلزمه تمكينه من مصّحفه، فإذا لم يكن حاضرًا جاز له أخذه أيضًا، فإذا صح أن له الأخذ، هل يلزمه كراء المثل؟ وهل يضمن؟ قال والدي: سمعت بعض أصحابنا يقول: يجري

هذا مجرى العاريَّة يلزم عليه ضمان العين دون المنفعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزمه الضمان، لأن الأخذ ههنا باستحقاق، ألا ترى أنه لو كان المالك حاضرًا استحق عليه الدفع إليه وبعدما دفع ليس له الاسترجاع قبل استيفاء منفعته. مَسْألةٌ: قال: (ثُّم يقرأ بعد أم القْرآن بُسورٍة). وهذا كما قال ما زاد على قدر الفاتحة مستحب، ولا يجب قراءة الفاتحة فقط. وبه قال جماعة العلماء، وقال عثمان ابن أبي العاص يجب قراءة الفاتحة وقدر ثلاث آياتٍ. وروي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروي عنهما أنه يلزم قراءة شيء بعد الفاتحة من غير تقدير، وبه قال أحمد، واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أن أنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد). وروي أنه قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها). وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاةَ لمن لم يقرأ في كل ركعٍة بالحمد وسورٍة في الفريضة وغيرها). وهذا غلٌط، لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة إلا بقراءٍة ولو بفاتحة الكتاب). وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (صلى صلاة لم يقرأ فيها إلا بفاتحة الكتاب) وخبرهم محموٌل على نفي الفضيلة، أو معناهُ: لا صلاةَ، إلا بفاتحة الكتاب جوازًا وشيء معها كمالًا. فَرْعٌ آخرُ لا خلاف أنه تسن قراءة السورٍة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، وهل تسن قراءتها في الركعتين الأخريين [77 أ/ 2] من الظهر والعصر والعشاء، والركعٍة الثالثة من المغرب؟ قولان فقال في (القديم): ورواه المزني والبويطي أنه لا يقرأها. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو الأشهر لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،كان يقرأ في صلاةَ الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورٍة، وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأها في الأخريين بفاتحة الكتاب في وقال في كل ركعٍة). وقال في (الأم): يقرأها، وهو الأصح عندي وعند جماعة من أصحاب الماوردي. أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يقرأ في الظهر

في الركعتين الأوليين في كل ركعٍة ثلاثين آيًة، وفي الأخريين نصف ذلك)، وهذا أكثر من قدر الفاتحة. وروي عن أبى عبد الله الصنابحي أنه قال: (صليت خلف أبى بكر الصديق رضي الله عنه المغرب فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد تمّس ثيابه فقرأ في الركعٍة الأخيرة بأم الكتاب. وهذه الآيًة: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران:8]) ولأن هاتين الركعتين ساوتا الأوليين قي الواجب من القراءة، فكذلك في المستحب. وأما خبرهم، قلنا: نحمله على الجواز وما قلناه أولى لأنه إثبات زيادة. فَرْعٌ آخرُ ظاهر ما قاله الشافعي في (الأم): أنه يسوي بين الركعتين الأوليين في القراءة، لأنه قال: فيه واجب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم الكتاب في الركعتين الأوليين قدر أقصر سورٍة في القرآن مثل: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، ونحوها. وفي الأخريين أم القرآن وآيًة وما زاد كان أحب إلّي ما لم يكن إمامًا يثقل على الناس. قاله أكثر أصحابنا هذا هو المستحب فيسوي في القراءة في الأوليين ويسوي في الأخريين فإن فاضل جاز، وهذا لخبر أبي سعيد الخدري على ما ذكرنا. وقال الماسرجسي: من أصحابنا يستحب أن يطول الركعٍة الأولى في جميع الصلوات [77 ب/ 2] ليلحق القاصد، ويستحب ذلك في الفجر أكثر مما يستحب في غيرها. وقال أبو قتادة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يطول في الركعٍة الأولى من صلاةَ الفجر ويقصر في الثانية). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يستحب ذلك في الفجر دون غيرها. وقال الثوري ومحمد: يستحب أن يطيل الأولى في كل الصلوات. واحتجوا بخبر أبي قتادة الذي ذكرنا، قلنا: يحتمل أنه كان ذلك لأنه أحَس بدخول مأموم فطّول أو زاد القيام فيها لدعاء الاستفتاح، لأن الأخريين متساويتان، فكذلك الأوليان. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: قراءة سورٍة كاملٍة عقيب الفاتحة أولى من قراءة آياٍت من سورًة للخبر في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يفعل هكذا. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا السّنة: أن يقرأ في الركعٍة الثانية سورةً بعد السورٍة التي قرأها في الركعٍة الأولى، فإن اتفق قراءة سورٍة الناس في الركعٍة الأولى، ففي الثانية يقرأ سورة البقرة، ولو قرأ سورة قبل تلك السورة جاز لما روينا أن أبا بكٍر الصديق رضي الله عنه قرأ في الركعٍة الثانية من المغرب: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا}، [آل عمران: 8] الآيًة.

فَرْعٌ آخرُ قد ذكرنا أن القراءة واجبة فلا يجوز أن يقرأها بالفارسية ولا بسائر اللغات، ولا يبدل لفظًا بلفٍظ آخر بالمعنى. وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قرأ بالفارسية وإن شاء قرأ بالعربية. وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لا يجوز أن يقرأ بالفارسية، وإن كان لا يحسنها جاز بلساٍن آخر تفسرها، وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (لا صلاةَ إلا بقرآن)، وتفسير القرآن لا يكون قرآنًا، لأن القرآن معجز بلفظه ونظمه. وهذا خلافه. مَسْألةٌ: قال: (فَإذا َفَرَغ ْمنها َوَأراَد َان َيْرَكَع ابَتَدَأ ِباَّلْتكبيِر َقاِئمًا). الفَصْل وهذا كما قال: [78 أ/ 2] إذا فرغ من القراءة ركع عقيب الفراغ منها والركوع ركن من أركان الصلاةَ، فإذا جاء وقت الركوع فعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة، فيرفع يديه حذو منكبيه مكبرا آخذاً في الانحناء، ورفع اليدين مستحب في الركعٍة الأولى في ثلاثة مواضع: إذا كبرّ للافتتاح، وإذا كبرّ للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي الركعات التي بعدها يستحب رفع اليدين في كل ركعٍة في موضعين: إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وبه قال أبو بكر الصديق وابن الزبير وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس والحسن وعطاء ومجاهد والقاسم بن محمد والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق ورواه ابن وهٍب عن مالك. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: لا يستحب رفع اليدين إلا عند تكبيرة الافتتاح. وبه قال الشعبي والنخعي. وروي هذا عن مالٍك وعليه أصحابه اليوم. واحتجوا بما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعود). وروي نحوه عن ابن مسعود مرفوعًا، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إذا افتتح الصلاةَ رفع يديه حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين). قال الشافعي: وروى هذا غير ابن عمر اثنا عشر رجلًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه أبو حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحدهم أبو قتادة. وقال الحسن: رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يرفعون أيديهم إذا كبروا، وإذا ركعوا،

وإذا رفعوا رؤوسهم من الركوع كأنهم المراوح. وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -.قال: (من صلّى ولم يرفع يديه [78 ب/ 2] إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع لعنته أعضاؤه). وأما حديث البراء، قلنا: قال سفيان بن عيينة، حدثنا يزيد بن أبى زياد بمكة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء، ولم يقل: ثم لا يعود، فلما قدمت الكوفة سمعته يحدث به، فيقول: ثم لا يعود وظننت أنهم لّقنوه. وقال الحميد بن زيد: هذا ساء حفظه في آخر عمره واختلط، ثم تأويله، ثم لا يعود في الركعٍة الثانية في ابتدائها. فَرْعٌ المستحب أن يرفع يديه مع ابتداء التكبير، ثم ينتهي رفعهما قبل انتهاء التكبير، وينبغي أن يكون في التكبير، وهو يهوي راكعًا حتى ينتهي التكبير مع انتهاء ركوعه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: أنه يمدّ التكبير مداً لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر. والثاني: يحذفه حذفًا، وبه قال أبو حنيفة وابن المبارك، وهو اختيار القفال، والأول أصح، وهو قوله (الجديدة). وهو اختيار أصحابنا بالعراق. وقال سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزّيز: لا يكبرّ في ركوعه، ولا في شيء من صلاته سوى موضع الافتتاح، وهذا غلط لما روي عن علي بن الحسين رضي الله عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - (يكبرّ لخفض ورفع حتى لقي الله تعالى). وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان (يكبرّ في كل خفض ورفع وقيام وقعود). ومثل هذا عن أبي بكر وعمر رضي الله عنه. فَرْعٌ آخرُ لو نسي رفع اليدين، ثم ذكر فإن ذكر قبل الفراغ من التكبير أتى به، وإن ذكر بعد الفراغ من التكبير لم يقضه ولا يسجد لتركه ذلك ساهيًا كان أو عامدًا، ولو أراد أن يسجد للتلاوة في أثناء الصلاةَ لا يرفع يديه في تكبيره لافتتاح السجوٌد. مَسْألةٌ: قال: (ويضع راحتيه على ركبتيِه ويفرق بين أَصابعه). وهذا كما قال: الكلام الآن في كيفية الركوع وفيه فصلان: أحدهما: في بيان كماله. والثاني: في بيان أقلّ ما يجزئ منه. فأما الكمال: هو أن يضع [79 أ/2] راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه ويقبض عليها ويمدّ ظهره ولا يرفعه ويجتهد أن يكون مستويًا في ذلك كله. وقال في (القديم): يكون رأسه وعنقه حيال ظهره. وقال في (الإملاء): (ولا

يتباذخ)، يعني لا يخرج صدره ويطأ من ظهره حتى يكون كالسرج، ولا يحدودب، فيجعل ظهره كأنه حدبة بأن يطأطئ كتفيه ويعلى وسط ظهره، ويجافي مرفقه عن جنبيه. وحكي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: يطبق إحدى راحتيه على الأخرى ويجعلهما بين الركبتين. وحكي مثل ذلك عن صاحبيه: الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن الأسود وكان ابن مسعود يروي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان (إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه وفرّج بين أصابعه). وروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: (صليت إلى جنب أبي فطبقت يدي وجعلتهما بين ركبتي، قال: فضرب أبي في يدي فلما انصرفت، قال: يا بني إنا كنا نفعل ذلك فأمرنا أن نضرب الأكف على الركب). وهذا يبين النسخ. والدليل على ما ذكرناه من الهيئات ما روي أن أبا أحمد الساعدي رضي الله عنه، قال في عشرة من الصحابة منهم: أبو قتادة: (أنا أعلمكم بصلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: فلم، فو الله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صّحبة. قال: بلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إذا قام إلى الصلاةَ يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبرّ حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبرّ ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه [79 ب/2]، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبرّ، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد ثم يقول: الله أكبرّ، ويرفع ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبرّ ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما يكبرّ عند افتتاح الصلاةَ، فإذا كانت السجدة التي قبلها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقّه الأيسر، قالوا: صدقت). وروي أنه قال فيه: وإذا ركع أمكن كفيه من ركبتيه وفرّج من أصابعه وهصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح لخده. وروي كان لا يصبي رأسه ولا يقنعه. يقال: أصبى الرجل رأسه إذا خفضه جدًا، وقوله: لا يقنعه، أي لا يرفعه. والإقناع رفع الرأس، وقوله: يفتح أصابع رجليه، أي يلينها حتى تنثني فيوجهها نحو القبلة. والفتح ليٌن

واسترسال في جناح الطائر. وقوله: يهصر ظهره، يعني يثني ظهره ويحفظه. وقوله: ولا يصافح خدّه، أي يبرز صفحة خدّه ممايلًا في أحد الشّقين. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: (وليعدل ظهره). (ونهى أن يدبح الرجل في الصلاةَ كما يدبح الحمار). وأراد أن يطأطئ رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهرِه. وروي ابن قتيبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التدبيح في الصلاةَ، وفسره بهذا التفسير. وروي عن عائشة رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان في ركوعه مستويًا بحيث لو صب على ظهره ماء لا يستمسّك). وروي: ما انصّب. وأما أقلّ ما يجزئ في الركوع، فهو أن ينحني حتى تبلغ راحتاه ركبتيه حتى لو أراد [80 أ/2] وضعهما عليهما أمكنه ذلك، ثم يمكث بعد ذلك قليلًا حتى يطمئن، والُطمأنينة فيه واجبة. وقال أبو حنيفة: يجوز ما يقع اسم الركوع عليه، وهو أن ينحني قليلًا من غير طمأنينة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخلَ المسجد، فدخلَ أعرابي فصلّى وأساء الصلاةَ، ثم جاء وسلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فردّ عليه السلام، وقال: (ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى، ثم عاد وسلم، فردّ عليه السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فرجع وصلّى ثم عاد فسّلم، فردّ عليه السلام، وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ)، فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعلمني ما يجزيني، فقال: (توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة وقل: الله أكبرّ ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم، ثم، ثم افعل ذلك في كل ركعٍة). وروي: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)،. وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أسوأ السراق سرقة الذي يسرق من صلاته)، قيل: كيف يسرق من صلاته. قال: (لا يتّم ركوعها ولا سجوٌدها). فَرْعٌ آخرُ لو كان أقطع اليدين أو كانتا عليلتين. قال الشافعي: (ركع بحيث لو كانتا صحيحتين وضعهن على الركبتين، وإن كانت أحدهما صحيحة والأخرى عليلة قبض الركبة بالصحيحة وأرسل العليلة).

فَرْعٌ آخرُ قال: (لو أتى من الركوع بقدر الأجزاء أو الكمال، ثم سقط على وجهه قبل أن يعتدل قائما يلزمه أن ينتصب قائمًا، فيحصل له منه الرفع من الركوع والسجوٌد عن قيام). فَرْعٌ آخرُ قال: لو ترك وضع يديه على ركبتيه ثم اعتدل قائمًا فشك، هل أتى بقدر الأجزاء من الركوع أم لا؟ فعليه أن يعود لركوعه، لأن الأصل براءة الركوع من ذمته، حتى يتحقق براءتها منه 0 فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك المأموم الإمام راكعا فقد أدرك الركعٍة لأنه أدرك معظم الركعٍة وهو أنه أدرك اثنين من الأركان الثلاثة، فإن ركع قبل رفع الإمام، فلا إشكال في أدارك الركعٍة، وإن رفع الإمام قبل أن يركع، فهو لا يكون مدركًا للركعٍة، وإن أخذ هذا يركع وأخذ الإمام يرفع، ُنِظَر، فإن لحق بإمامه قبل أن يرفع عن قدر الأجزاء فقد أدرك الركعٍة وإن رفع عن قدر الأجزاء [80 ب/ 2] قبل أن يصير المأموم إلى حّد الأجزاء لم يدرك الركعٍة. فَرْعٌ آخرُ لو رفع المأموم رأسه قبل الإمام فالمستحب أن يعود إلى الركوع، وإن كان قد أسقط عن نفسه الفرض، لأن عليه متابعة الإمام، فإن لم يعد حتى رفع الإمام رأسه، قال: كرهته له، ويعتد له بتلك الركعٍة، لأنه خلاف يسير. فَرْعٌ آخرُ قال: لو تعمد إلى رفع رأسه قبله يكره ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار). وروي: رأس كبٍش. وقال صاحب (الإفصاح): إذا لم ينِو الخروج من صلاته يحتمل أن يقال: بطلت صلاته، وهذا خلاف نص الشافعي. وقال ابن عمر رضي الله عنه: لا صلاةَ لمن فعل ذلك، وعندنا يؤمر أن يعود إلى موضعه 0 وبه قال أكثر الفقهاء، وقال بعضهم مكث في ركوعه بعد أن يرفع الإمام رأسه بقدر ما كان ترك منه.

فَرْعٌ آخرُ لو ركع الإمام ورفع ثم ذكر أنه ترك الذكر في الركوع لم يكن عليه العود للذكر، لأنه سنة فات وقتها، فإن خالف وعاد للذكر. قال الشافعي: (لا تبطل صلاته)، وقال الربيع فيه قوٌل آخر: بطلت صلاته. قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالتين، فالذي قال: لا تبطل إذا كان جاهلًا بأن كان يرى أن التسبيح في الركوع فرٌض، والذي قال: لا تبطل إذا كان عالمًا بأنه ليس بفرٍض، ولا يجوز العود له، وقيل: فيه قولان، ولا يصحّ. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: تصحّ صلاته لو أدركه رجٌل في هذا الركوع فركع معه، قال الشافعي رضي الله عنه: (لا يكون مدركًا للركعٍة، ولا يحتسب له بهذه الركعٍة من صلاته، لأنه لا يعتّد بهذا الركوع من صلاةَ الإمام). وقال في (الإفصاح): يحتمل أن يكون مدركًا قياسًا على ما قاله فيمن قام إلى الخامسة، فأدركه رجل في هذه الركعٍة يحتسب له بها، وإن لم تكن محسوبة للإمام، وهذا غلط، لأن من أدرك الإمام في الركعٍة الخامسة في أول الركعٍة وصلاها معه يعتدّ له بها فعلها بنفسه، فيتعلق الاحتساب بفعله، لا بفعل الإمام حتى لو أدركه راكعًا في هذه الركعٍة الخامسة لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأن الاحتساب يتعلق بفعل الإمام، ولا يحتسب ذلك للإمام فكيف للمأموم. وذكر الإمام السنجي وجهًا آخر: أنه لا يعتدّ له وإن أدركه في أول الخامسة، لأنها لغٌو في حق الإمام [81 أ/ 2]، وهكذا نقول لو كان الإمام جنبًا، فأدركه رجل في الركوع لا يعتدّ له بهذه الركعٍة، لأنه لا يحتسب للإمام به. فَرْعٌ آخرُ لو ركع الإمام، فلما أراد أن يعتدل قائمًا سقط على وجهه فعليه أن ينتصب قائمًا على ما ذكرنا فلو كبرّ رجل خلفه فركع وقد انتهى الإمام في أثناء قيامه إلى حّد الركوع واجتمعا على هذه الصفة لم يعتدّ له بهذه الركعٍة أيضًا، لأن الركوع قد سقط عنه قبل سقطته. مَسْألةٌ: قال: (يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وهذا أدنى الكمال). وهذا كما قال: الذكر في الركوع والسجوٌد مستحب وليس بفرٍض، وهو التسبيح. وقال أهل الظاهر والحسن وأحمد وإسحق: يجب تسبيحه واحدة حتى لو تركها عمدًا بطلت صلاته ولو تركها ساهيًا سجد للسهو. وقال داود: هي واجبة إلا أنه إذا تركها

عمدًا لا تبطل صلاته. وهكذا الخلاف في تكبيرًات الركوع والسجوٌد والتسميع. وقوله: رب اغفر لي بين السجدتين. واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علّم رجلًا الصلاةَ، وقال: ثم قل: (الله أكبرّ، ثم اركع، هذا غلٌط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي المسيء صلاته، (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائمًا)، الخبر. ولم يأمره بالتكبير ولا بالتسبيح وما ذكروه من الخبر محموٌل على الاستحباب. واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبّح، فقال: (سبحان ربي العظيم في الركوع). وقال: (سبحان ربي الأعلى في السجوٌد)، ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) قلنا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل في صلاته المسنون والمفروض، فنحن نفعل المسنون مسنونًا، والمفروض مفروضًا حتى يكون كفعله سواء، واحتجوا أنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (اجعلوها في سجودكم). قلنا: أراد استحبابًا لأن عندهم يجوز ذكر آخر غير هذا. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ركع أحدكم فليضع يديه على ركبتيه، ثم يمكث حتى يطمئن كل عظٍم في مفاصله [81 ب/2]، ثم يسّبح ثلاث مراٍت، فإنه يسبح الله عزّ وجلّ من جسده ثلاثة وثلاثون وثلثمائة عظم وثلثمائة وثلاثة وثلاثون عرقًا، وإذا سجد، فليسّبح ثلاثًا، فإنه يسّبح من جسده مثل ذلك). واحتجوا بما روي أنه علّم رجلًا الصلاةَ، قال له: (إذا ركعت فقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا)، وذلك أدناه، (وإذا سجدت فقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه). وقال على رضي الله عنه: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا، قلنا: معناهُ، وذلك أدنى الكمال. والكمال أقلّ وأكثر كما الثلاث، ولأن عندهم لا يجب التثليث، فلا حّجة فيه 0 واحتجوا بأن في القيام يجب الذكر، وكذلك في الركوع والسجوٌد، قلنا: لأن القيام ينقسم إلى عادٍة وعبادٍة، فيحتاج إلى التمييز بالذكر والركوع في نفسه عبادٌة لا تشاركه العادة، فلا حاجة فيه إلى الذكر. والدليل على الفرق أنه لا يجبر الذكر بالسجوٌد عند النسيان في القيام بخلاف الذكر في الركوع.

فَرْعٌ قال بعض أصحابنا. أتم الركوع في التسبيح إحدى عشر تسبيحه أو تسع وأوسط الكمال خمس وأدنى الكمال ثلاٌث، كما قال الشافعي، وحكي الطحاوي عن الثوري أنه كان يقول: ينبغي للإمام أن يقول: سبحان ربي العظيم خمسًا، حتى يدرك الذي خلفه ثلاثًا. وقال ابن المبارك: الأفضل للمنفرد خمٌس وللإمام ثلاث، وهذا أحَسن مما قال الثوري. والدليل على ما ذكرنا. ما روى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع قال: (سبحا ن ربي العظيم ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا)، ولأن المأموم يسجد معه فما أمكن الإمام من ذلك أمكن المأموم. وقيل: أعلى الكمال أن يسبح ثلاثًا، ثم يزيد عليها ما قال الشافعي. روي عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ركع، قال: (اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك أّمنت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وشعري وبشري، وما استقلت به، فدمى لله رب العالمين)، وهذا أفضل من جنس التسبيحات [82 أ/ 2]. قال في (الأم): وأحب أن لا يقتصر على هذا إمامًا كان أو منفردًا، وهو تخفيٌف لا يثقل، وهذا صّحيح. قال: فإن زاد من جنس التسبيحات، فلا بأس، فيسبح في الركعتين الأوليين إحدى عشرة، وفى الأخريين سبعًا سبعًا، لما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: (كنا نصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيسبح في الركعتين الأولتين في الركوع والسجوٌد إحدى عشرة، وفي الأخيريين سبعًا سبعًا). ذكره في (الإفصاح)، وقال في (الحاوي): الإمام يقتصر على التسبيح َوْحَده ليخفف على من خلفه. فَرْعٌ آخرُ قال ابن المنذر، قيل لأحمد بن حنبل يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، فقال: أما أنا فلا أقول: وبحمده، وعندي يقول ذلك لما روى حذيفة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاثًا، ولأنه زيادة حمٍد، ومعناهُ، وبحمدك سبحتك. وروى أبو داود بإسناده عن عائشة رضي لله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول

في ركوعه وسجوٌده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي). يتأول القرآن، وأراد- قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]. فَرْعٌ آخرُ لو ترك الذكر كله فيه لم يسجد للهو عامدًا كان أو ساهيًا. قال الشافعي: ويكره أن يقرأ القرآن في ركوعه وسجوٌده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني ُنهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب). وأما السجوٌد فاجتهدوا في الدعاء فقمٌن أن يستجاب لكم). وقوله: فإنه فقمٌن أي: جدير وحري أن يستجاب لكم، ويقال: قمن بفتح الميم، فإن قرأ فيه عامدا أو ساهيا سجد للسهو، وهذا لأن كل موضع شرعت فيه القراءة كرهت فيه غير القراءة، فلذلك كل موضع شرع فيه غير القراءة من الذكر كرهت فيه القراءة. وقال في (الحاوي): إن قرأ غير الفاتحة جازت الصلاةَ، وإن أساء وفي سجوٌد، وجهان [82 ب/2]، وإن قرأ الفاتحة، هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: تبطل لأنه أتي بركٍن منها في غير محله. والثاني: لا تبطل لأن القراءة ذكر فخفف عن حكِم الأفعال في إبطال الصلاةَ، ولكنه يسجد من أخلها سجوٌد السهو وجهًا واحدًا. مَسْألةٌ: قال: (وإذا أَراد أن يرفع ابتدأ بقوله مع الرفع: سمع الله لمن حمده). الفَصْل وهذا كما قال إذا فرغ من الركوع يلزمه أن يرفع رأسه منه، ويعتدل قائما، ويطمئن فيه لا يجزئه غير ذلك. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجب شيء من ذلك، بل ينحط من ركوعه ساجدًا. واختلف أصحاب مالٍك في ذلك على قولين، وهذا غلط لخبر الأعرابي الذي ذكرنا، ولأنه ركن هو خفض فالرفع منه فرٌض كالسجوٌد، فإذا تقرر هذا يفعل ثلاثة أشياء في حالٍة واحدٍة: يرفع صلبه ويرفع يديه، ويقول: سمع الله لمن حمده، فإذا انتصب قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، سواء كان إمامًا أو مأمومًا، أو منفردًا. وبه قال أبو برزة من الصحابة وعطاء وابن سيرين وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد. واختاره ابن المنذر. وقد قال أبو حنيفة: المنفرد يجمع بينهما. وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يأتي الإمام بهما، والمأموم لا يزيده على قوله: ربنا لك الحمد.

واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد)، وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قال: (سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد)، وقال: (صّلوا كما رأيتموني أصلي) وذلك عام في الإمام والمأموم. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبرّ فكبرّوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد فقولوا مثل ذلك). وأما خبرهم يحتمل أنه قال ذلك، لأنهم لا يسمعون الإمام يقولها، فإنه [83 أ/2] إنما يجهر بسمع الله لمن حمده، وحده ولم يأمرهم بها لأن المأموم يقتدي بالإمام في جميع الأذكار، فلا يخفى عليهم ذلك. وذكر الطحاوي أن الشافعي خالف الإجماع في هذا، وقد روينا عن جماعة ما قلنا: حتى يعلم بطلان قوله، فإذا تقرر هذا، فمعناهُ الدعاء لحامد الله تعالى بالإجابة كأنه يقول ليسمع الله، وليستجيب لمن يقول: ربنا لك الحمد بعد قوله: سمع الله لمن حمده ليصير بذلك من الحامدين، فيستحق إجابة الله تعالى وسماعه لحمده، ولهذا قال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يأتي بالحمد، لأنه يندب من خلفه إلى الحمد، والقوم يقولون: ربنا لك الحمد، ولا يقولون: سمع الله لمن حمده، لأنهم منتدبون إلى ما ندبهم الإمام إلّيه، وعندنا لكل واحٍد منهما، يستحب ذلك، فكأنه ندب نفسه إلى الحمد، ثم ينتدب إلّيه غيره كالمنفرد ويجمع بينهما لهذا المعنى، وهذا كما إذا قرأ فاتحة الكتاب، يقول: آمين، لأن النصف الأخير من الفاتحة دعاء من القارئ فندب القارئ إلى أن يقول: آمين على دعاء نفسه كما ندب السامع إلّيه كذلك ههنا. فَرْعٌ آخرُ قال في (الأم): وإن شاء قال: اللهم ربنا لك الحمد، وهذا لأنه رواه علّي وأبو هريرة رضي الله عنه بهذا اللفظ، قال: ولو قال: من حمد الله سمع له لم يكن عليه إعادة، وأجزأه، وأن يقول: سمع الله لمن حمده اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحّب إلّي، قال: ولو قال: لك الحمد ربنا اكتفى وأن يقول: ربنا ولك الحمد اقتداء برسول - صلى الله عليه وسلم - كان أحّب إلّي. واعلم أنه روي: ذلك الحمد بالواو. وروي من غير الواو، والواو فيه زيادة يقال: يعنى هذا الثواب بعشرة، فيقول: هو لك بعشرة. فَرْعٌ آخرُ قال ويستحب أن يزيد عليه ما روي عن علي رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا رفع

رأسه: (ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعده،. وعند أبي حنيفة لا يسن ذلك. قال: والدعاء الكامل ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول ذلك ويزيد (أهل الثناء والمجد [83 ب/2] حق ما قال العبد: كلنا لك عبُد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجّد، ويستحب أن يقول هذا كّل مصلٍّ من إماٍم ومأموم ومنفرد. ذكره أبو حامٍد، وقال بعض أصحابنا: هذه الزيادة يستحب للمنفرد دون الإمام لئلا يطول على القوم، وهذا أصح عندي. فَرْعٌ آخرُ لو اعترضته علة منعته من الركوع سجد عن ركوعه، فإن زالت العّلة نظر، فإن كان زوالها قبل سجوٌده عاد إلى القيام، وإن زالت قد وضع جبهته على الأرض، لم يعد لقيامه، لأنه قد سقط عنه، فإن خالفه وقام نظر، فإن كان عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته وسجد للسهو. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو قرأ في اعتداله القرآن كان عليه سجوٌد السهو، وإن طال القيام بعد الرفع يذكر الله تعالى، ويدعو ساهيًا لا ينوي به القنوت، فلا سجوٌد عليه للسهو، ولو أطال القيام ينوي به القنوت كان عليه سجوٌد السهو. والفرق أن الدعاء لغير القنوت غير مقصود ودعاء القنوت مقصود، فإذا أتى به في غير موضعه ساهيًا سجد كالقراءة. مَسْألةٌ: قال: (فإذا هوى ليسجد ابتدأ التكبير قائمًا). الفَصْل وهذا كما قال: إذا فرغ من الذكر حال الانتصاب ابتدأ بالسجوٌد والتكبير معًا، ولا يرفع يديه ههنا ويكون في التكبير، وهو يهوي حتى ينتهي التكبير مع أول السجوٌد، واختار القفال ههنا أن يحذفه ولا يمدّه، وذكر أنه أحد القولين، فإذا سجد وضع على الأرض ما كان إليّها أقرب ركبتيه ثم يديه ثم أنفه وجبهته دفعًة واحدًة. وبه قال أبو حنيفة وإسحق وأحمد في أصح الروايتين. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مذهب النخعي والثوري. وقال الأوزاعي: يضع يديه قبل ركبتيه. وبه قال زفر، وقال أصحاب مالك إن شاء وضع التدين وإن شاء وضع الركبتين، ووضع اليدين أحَسن. واحتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا سجد أحدكم فلا

يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه). وروى ابن عمر رضي الله عنه نحوه، وهذا غلط [84 أ/ 2] لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. كان (إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفعه يديه قبل ركبتيه)، ولأن اليدين تسبقان الركبتين في الرفع فوجب أن تتأخر عنهما في الوضع كالجبهة مع اليد. وأما خبرهم، قلنا: روي أنه منسوخ. وقد قال سعد رضي الله عنه (كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين)، فإن خالف فوضع يديه أولًا أجزأه وترك المستحب، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في السجوٌد في فصلين: أحدهما: في أعضاء السجوٌد. والثاني: في نفس السجوٌد. فأما الكلام في أعضائه ففي فصلين: أحدهما: في الكمال. والثاني: فيما يقع به الأجزاء، فالكمال أن يقع غلى الأرض ثمانية أعضاء: الأنف والجبهة واليدين والركبتين وأطراف أصابع القدمين لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أمرت أن أسجد على سبع، وأن لا أكف الشعر والثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين). ومد الجبهة والأنف معًا لاتصاله بها ومقارنته لمساواتها. وقوله: لا أكف الشعر، قال عطاء: معناهُ، الشعر عن الأرض. وكانوا يكرهون أن يسجد وهو قاُص شعره، وكذلك الثياب لا يجمعها ويدعها تقع على الأرض. وروي: لا يكفت شعرًا ولا ثوبًا، أي: لا يجمع. وأما الأجزاء، فلا يختلف المذهب أن السجوٌد على الجبهة، ولا يجوز ترك فرضها فيه عند القدرة، ولا خلاف عندنا أن وضع الأنف لا يجب، وإنما هو شرط الكمال، فإن اقتصر على وضع الجبهة أجزأه وإن اقتصر على الأنف لم يجزه. وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وابن سيرين والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور ومالك. وقال سعيد بن جبير: يجب السجوٌد عليهما حتى لو أخّل بأحدهما لم يجز، وبه قال النخعي وعكرمة وإسحق والأوزاعي وأحمد في رواية. واحتجوا بما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا ما يصيب أنفة من الأرض، فقال: (لا صلاةَ لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين)، أو قال: «ما يمس الجبين)، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسجد على سبع)، ولم يذكر [74 ب/2]. الأنف. وقال جابر: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد بأعلى جبهته على قصاص الشعر، وعلى

هذا لم يسجد على الأنف. وأما خبرهم، قلنا: قال، الدارقطني هو مرسل ثم نحمله على الفضيلة. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتعين الأجزاء لكل واحٍد من الجبهة والأنف على الانفراد فعلى أيهما سجد جاز لأن الأنف والجبهة عضُو واحُد، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر. وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض). وروى ابن عباس أنه قال: (مكن جبهتك من الأرض حتى تجد حجمها). وما ذكره يبطل بعظم الرأس، فإنه متصل بعظم الجبهة، ولا يجوز السجوٌد عليه، وكذلك لا خلاف أنه يجوز السجوٌد على حّده. وأما غير الجبهة والأنف من أعضاء السجوٌد من اليدين والركبتين والقدمين. قال في (الإملاء): يجب وضعها في السجوٌد، وبه قال أحمد وإسحاق. وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فوضع جبهته فليضع يديه، وإذا رفع رأسه، فليرفع يديه فإنهما يسجدان له كما يسجد وجهه). وثم في (الأم) عنى قولين: أحدهما: المشهور وظاهُر المذهب. والثاني: لا يجب وضعها. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء، وهو الأصح. واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (سجد وجهي للذي خلقه). الخبر فدّل على أن السجوٌد للوجه فقط، ولأنه لا يجب كشفها في السجود، فلا يجب وضعها. ووجه القول الآخر خبر ابن عباس رضي الله عنه. فَرْعٌ إذا قلنا: لا يجب وضعها فالواجب وضع الجبهة فقط فلو تمكّن من وضعها دون سائر الأعضاء أجزأه وكما شاء وضع هذه الأعضاء مكشوفة ومستورة وراحتيه أو ظهور كفيه. الباب واحُد. فَرْعٌ آخرُ لو كانت بجبهته علة يدني جبهته من الأرض أقصى ما يمكنه ولا معنى لوضع الأنف. وحكي عن أبى يوسف أنه قال: إن كانت بجبهته علة جاز السجوٌد على الأنف، وإن لم يكن علة لا يجوز.

فَرْعٌ آخرُ إذا قال: يجب وضع الأعضاء كلها فالكمال أن يضع بطون كفيه وأصابعهما على الأرض وكذلك ركبتيه وبطون أصابع رجليه، فإن اقتصر على وضع بعض كل واحد منها من الأصابع، [85 أ/ 2] أو راحتيه أجزأه. ثم عليه في (الأم). فَرْعٌ آخرُ الكمال في الجبهة أن يضع بضعها كلها على الأرض، فإن اقتصر على وضع بعضها. قال في (الأم): (كرهته وأجزأه) وقال أيضًا: (لو عصبت جبهته بخرقة مشقوقة فوضع موضع الشق على الأرض جاز ولو سجد على عظم رأسه وشيء من جبهته أجزأه). فَرْعٌ آخرُ كشف الجبهة واجُب. وعليه أن يسجد على الأرض، أو على حائل منفصل منه كالبساط والحصير، فإن سجد على ما هو حامله من طرف الرداء أو كور العمامة لا يجوز. وبه قال علي وابن عمر وعبادة بن الصامت رضي الله عنه ومالك. وقال أبو حنيفة: يجوز السجوٌد على كور العمامة وكمه، ولو سجد على يده، ويجوز. وبه قال الحسن وحكاه صاحب (الشامل) عن مالٍك وأحمد وروي عن شرح أنه كان يسجد على برنسه. واحتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أنه سجد على كور العمامة)، وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت رضي الله عنه، قال: (شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حّر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)، أي: لم يقل شيئًا وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرًا). وروى ابن عبد الحكم في كتابه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يسجد وقد اعتّم على جبهته فحسر عنها وقال: إذا سجدت فمّكن جبهتك من الأرض). وأما خبرهم لا أصل له ثم إن صّح نحمله على أنه سجد على بعض جبهته معه. وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فليضع جبهته بين يديه، فإذا رفع رأسه فليرفع يديه فإنهما يسجدان لله كما يسجد وجهه). فَرْعٌ آخرُ قال: ولو انقلب يريد السجوٌد، فماست جبهته الأرض أجزأه السجوٌد، ولا فرق بين

أن لا ينقلب وبين أن ينقلب إلى السجوٌد من غير تعود في أن السجوٌد معتد به. [85 ب/2] فَرْعٌ آخرُ قال: ولو أنه هوى ليسجد، فسقط على بعض جسده ثم انقلب على وجهه فماّست جبهته الأرض لم يعتدّ بهذا السجوٌد، لأنه انقلب لغير إرادة السجوٌد وانعطفت نيته الأولى، كما لو نوى فتوضأ ثم غسل بعض الأطراف لتبرد أو تتنظف لم يجز، لأنه فعل لغير الطهارة. قال: ولو هوى على وجهه يريد السجوٌد فوقع على جبهته وكان على إرادته لم يحدث غير السجوٌد إرادًة أجزأه. فَرْعٌ آخرُ قال: لو سجد على ذيل رجل آخر أو ظهره ولم يكن مرتفعًا بحيث يخرج هذا الساجد عليه عن صورة الساجدين يجوز. فَرْعٌ آخرُ لو سجد على موضع عاٍل، فإن كان بحيث لا يكون ظهره أعلى من رأسه ورقبته، لا يجوز لأنه لا يسمى سجوٌدا، وإن كان ظهره أعلى من رأسه ورقبته يجوز، ويكره إذا لم يكن له عذر. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يجب وضع سبعة أعضاء في السجوٌد، هل يجب كشفها، قال في (الأم). ولا أحب كشف الركبتين بل أحب أن يكونا مستورتين، ولا أحب تخفيف الثياب عنهما، لأن سترهما من تمام ستر العورة وأما القدمان إن كانت في الخفين أجزأه السجوٌد عليهما فيهما، وإن كانتا في النعلين، فالمستحب أن ينزع النعلين ويكشف عن موضع السجوٌد منهما، فيسجد على الأرض وعلى حائل ينفصل عنه، فإن لم يفعل أجزأه. وأما اليدان، فيه قولان. قال في (الأم): وفي السبق والرمي الكشف مستحُب غير واجٍب وهذا أصح. وقال في موضٍع آخر. وقيل: فيه قوُل آخرُ يجب كشفهما ووجهه خبر خباب بن الأرت، ووجه القول الأول أنه عضو أعضاء السجوٌد، ولا يبرز في العادة إلا لحاجة فلا يجب كشفه في السجوٌد كالقدمين. وأما خبر خباب، قلنا: نحمله على أنه لم يشكهم من أجل الجبهة.

فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا لا يجب كشفهما فحكمهما حكم الرجلين، وإذا قلنا: يجب كشفهما فحكمهما حكم الجبهة، ولو وضع ظاهُر الكفين مكشوفًا على هذا القول. ثم في (الأم) أنه لا يجوز. وأما نفس السجوٌد فالكمال فيه التخوية، [86 أ/ 2] فهي أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقل بطنه عن فخذيه لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد خوي)، وفي رواية (لجج)، واللجج التخوية. وروى يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد جافى يديه حتى لو أرادت بهيمة أن تمّر تحته مّرت). وروى ابن بحينة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد فّرج يديه عن جنبيه). وروى أحمد بن جري صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا سجد جافى عضديه على جنبيه حتى نأوي له). أورده أبو داود ومعنى نأوي له، أي: نرق له. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجنح قد فّرج يديه. وقوله: هو مجنح، أي: رفع مؤخره ومال قليلًا. قال الشافعي: (يجافي حتى إن لم يكن عليه ما يستره رأيت عفرة إبطيه)، أي: سواد إبطيه ويكنى عن ذلك العفرة، كما يقال للحبشي أبو البيضاء ويفّرج بين فخذيه ورجليه ويضع يديه حذو منكبيه. قلنا: رواه وائل بن حجر رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة: يضع حذو أذنيه ويضم أصابعه بعضها على بعض ويضم الإبهام إليّها ضمًا بخلاف الركوع. والفرق أن هناك يقبض على ركبتيه. والتفريق أمكن له بخلاف السجوٌد، ولأنه يستحب أن يستقبل بكلها القبلة، ولا يستحب ذلك في الركوع أن يوجهها نحو القبلة، فلهذا يضم الأصابع ههنا دون الركوع ويرفع ظهره، ولا يحدودب ولا يعمد رفع وسطه عن أسفله وأعلاه، ويكون على صدور قدميه وعلى أصابع رجليه، فيضع بطول أصابع رجليه على الأرض لتكون رؤوس الأصابع إلى القبلة، وهكذا فسره بعد ذلك. قال: ويوجه أصابعه نحو القبلة ولم يقله، أي: رؤوس الأصابع. كما ذكرنا في أصابع اليد. وقال القفال: من أصحابنا من قال قوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة لم يقل به الشافعي، وهو بخلاف قوله، ويكون على أصابع رجليه، لأنه إذا نصب الأصابع، [86 ب/ 2] فظهورها إلى القبلة، فإن أضجعها وحّول رؤوسها إلى القبلة لم يكن على أصابع رجليه. وفي هذا نظُر، وقد بّينا ما يزيل الإشكال، ويكره أن يفرش ذراعيه في السجود.

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن افتراش السبع في الصلاةَ). قال أبو عبيد: هو أن يلصق ذراعيه بالأرض في سجوٌده. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش الكلب)، وافتراش الذراعين ما ذكرنا. وروى البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا سجدت فضّم كفيك وارفع مرفقيك)، وقيل في أدب الصلاةَ: ادعم على راحتيك، وأبدل ضبعيك. والإدعام: مأخوُذ من الدعامة. والضبعان: العضدان، وأبدادهما: هو نزعهما، يقال: أبد فلاُن يده إذا مدها. ثم إذا دخَل في السجوٌد على الوجه الذي ذكرنا مكث في السجوٌد مقدار ما يطمئن فيه. والطمأنينة في السجوٌد واجبة، وهى أن يسكن مقدار ما تسكن جوارحه خلافًا لأبي حنيفة. مَسْألةٌ: قال: (ويقول في سجودة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وهو أدنى الكمال). وهذا كما قال: الكلام الآن في أدنى الكمال وأعلاه. وجملته أن الذكر في السجوٌد مسنوٌن، وهو أن يقول: سبحان ربى الأعلى، وأدنى الكمال أن يقول ثلاثًا، وأعلى الكمال أن يضيف إلّيه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في سجوٌده: (اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك أّمنت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وشّق سمعه وبصره، تبارك الله أحَسن الخالقين). ورواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكره في (الأم). قال: ويجتهد في الدعاء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء. أما الدعاء بعد الكمال فمستحب. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو في سجوٌده، فيقول: اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجلّه آخره وأوله علانيته وسّره) [87 أ/2]. وحكي عن الشافعي رحمة الله عليه أنه كان يقول في سجوٌده: وسجد وجهي حقًا حقًا تعبدًا ورقاً. وقال في (الأم): (ويدعو بعد هذا الذكر بما أحب رجاء الإجابة). ويستحب الدعاء للإمام ما لم يثقل على المأمومين، وإن كان مأمومًا اجتهد في الدعاء ما لم يخالف الإمام في الإتباع.

وقال في (الإملاء): لا يزيد على الدعاء الذي ذكرناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأول أصح لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (فأكثروا من الدعاء). وقيل: قال في (الأم): (الدعاء بعد الكمال يأتي به الإمام أيضًا كما يأتي بها على الكمال). وقال في (الإملاء): لا يزيد الإمام على الكمال. وهذا أصح عندي لئلا يؤدي إلى المشقة بالمأمومين. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو أتى بذكر آخر سوى التسبيح فيه جاز، وإن كان الأفضل التسبيح لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: افتقدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فراشي ليلة النصف من شعبان، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة، فطلبته فلم أجده، [فظننُت أَّنما انسَّل إلى بعض نسائه، فإذا أنا به ساجُد كالثوب الطريح، فسمعته] يقول: (سجد لك سوادي وخيالي وأّمن بك فؤادي، وهذه يدي التي جنيت بها على نفسي يا عظيم، يا رجاء كل عظيم، اغفر الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم، ثم رفع رأسه ثم سجد، وقال: (أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك أقول كما قال أخي داود: أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن أسجد له). فلما فرغ من صلاته، قال: ما لك؟ أخذك شيطانك؟ فقلت: بأبي أنت وأمي أنت في واد، ونحن في واد). ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ لواجب من حق عبادته والثناء عليه. وقوله: لا أحصي ثناء عليك، أي لا أطيقه ولا أبلغه. وقال بعض أصحابنا: لو قال في سجوٌده: سّبوح، قّدوس، رب الملائكة، والروح القدس. فهو حسن لما روت عائشة رضي الله عنه، قالت: كان رسول الله [87 ب/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك في سجوٌده. مَسْألةٌ: قال: (ثم يرفع مكبرًا كذلك حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى). وهذا كما قال إذا انتهى الدعاء في السجوٌد يرفع مكبرّا، ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، فيكون فيه، وهو يرفع حتى يكون انتهاء التكبير مع انتهاء الجلوس. والجلوس ركن، والطمأنينة فيه ركنُ. وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجب هذا الجلوس أصلًا، ويكفيه أدنى رفع حتى لو رفع قدر ما يسع من الأرض وجبهته حدّ سيٍف. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجب أن يرفع حتى يصير إلى الجلوس أقرب منه

إلى السجوٌد، وفي الركوع يجب أن يرفع حتى يكون إلى القيام أقرب منه إلى الركوع، وهذا ليس بمشهور، فإذا ثبت هذا فصفة الجلوس أن يكون مفترشًا، وهو أن يفترش رجله اليسرى، فتجعل ظهرها إلى الأرض ويجلس عليها، وينصب أليمنى ويضع بطون أصابعها على الأرض، ويستقبل بأطرافها القبلة. والإقعاء مكروه، وهو أن يضع إليتيه على عقبيه ويقعد عليها مستوفزًا غير مطمئن على الأرض وذلك اقعاء الكلاب والسباع، إنما أن تقعد على مؤخرها وتنصب أفخاذها وقال أبو عبيد: هو أن ينصب رجليه في هذا، وقال غيره: هو أن يفترش رجليه وكلاهما مكروه، وبهذا قال جماعة العلماء. وروي كراهته عن على وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنه. وروي عن على رضي الله عنهأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن الإقعاء في الصلاةَ) وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن عقب الشيطان في الصلاةَ). قال ابن قتيبة: هو أن يضع إليتيه على عقبيه في الصلاةَ من السجدتين. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن الإقعاء، فقال: هو سنة نبيكم، وقال طاوس، قلنا لابن عبا س في الإقعاء، فقال: هو السّنة، قلنا: إنا لنراه. جفا بالرجل، فقال: سنة نبيك. وقال أحمد بن حنبل: أهل مكة يستعملون الإقعاء. وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلون ذلك [88 أ/ 2]، ابن عمر وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنه، قلنا: قد كان هذا وُنِسخ بدليل ما ذكرنا وقد وصف أبو حميد صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكر هذا. وقد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه: لا تقتدوا بي في الإقعاء، فإني إنما فعلت هذا حين كبرّت. وقال صاحب (الإفصاح): حكي عن الشافعي قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه، والأول أصح، فإذا تقرر هذا يستحب أن يقول في هذه الجلسة: رب اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني. وروي: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وأهدني وارزقني. وقال القفال: روى الشافعي بإسناده عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول فيه: (اللهم اغفر لي وارحمني وأجرني وأهدني). وأصحابنا رووا زيادة، وقد ذكرنا، وهذا حسن، ولو بلغ الشافعي لقال، وزادت أم سلمه رضي الله عنها: (وأهدني للسبيل الأقوم). وقال أبو حنيفة: لا يسّن ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا، ولئلا يخلو هذا الفعل عن الذكر. قال الشافعي: (ثَّم َيْسُجُد َسْجَدًة ُاخَرى َكذلِك)، وهذا صّحيح. مسألة: قال: (فإذا استوى قاعدًا نهض معتمدًا على يديه).

وهذا كما قال: أراد إذا استوي قاعدًا بعد السجدتين والجلسة أنه يرفع من السجدة الثانية مكبرّا فيستوي جالسًا، ثم ينهض. وهذه رواية المزني. وقيل: يستحب أن يكون بقدر الجلسة بين السجدتين، ولا يزيد عليها. وقال في (الأم): يقوم من السجدة الثانية، ولم يأمر بالجلوس. وقال فيه أيضًا: إذا أراد القيام من السجدة الثانية كبرّ مع رفع رأسه حتى يكون انقضاؤه مع استوائه جالسًا، فلم يستحب الجلوس من السجدة الثانية إلا للشّهد. فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: المزني ثقة فتضم روايته إلى ما قاله في (الأم) ففي المسألة قولان. وعلى هذا القول في الصلاةَ أربع جلسات، وتسمى هذه الجلسة، جلسة الاستراحة، وهي مستحبُة غير واجبة. ومن أصحابنا من قال: هو اختيار أبى إسحق، هذا على اختلاف حالين، فإن كان كبيرًا ضعيفًا جلس للاستراحة كما [88 ب/2] نقل المزني، ومن كان شابًا قويًا لا يجلس كما قال في (الأم). وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحق: لا يستحب هذا الجلوس أصلًا، واحتجوا بما روى وائل بن حجر رضي الله عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا رفع رأسه من السجوٌد استوي قائمًا بتكبيره). وهذا غلط لما روى أبو حميد الساعدي في صفة صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الجلوس. وهذه الرواية في عشرة من الصحابة، فكانت أولى. وروي أن مالك بن الحويرث رضي الله عنه حكي صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: (فلما قام من السجدة الثانية من الركعٍة الأولى جلس ثم نهض معتمدًا على يديه). فإذا تقرر هذا. قال أبو إسحاق: إذا جلس قضى تكبيرة مع جلوسه، ثم نهض إلى القيام من غير تكبير، لأن التكبير للرفع من السجوٌد دون الذهاب إلى القيام، ولا يجوز أن يبتدئ للقيام بالتكبير، لأنه يؤدي إلى الموالاة بين التكبيرتين، ويخالف إذا قام إلى الثالثة من التشهد حيث يكبرّ، لأنه لا يؤدي إلى الموالاة بين الكبيرتين لأنه تخلل التشهد بينهما. وكذلك بين السجدتين تخّلل الدعاء المأمور فيه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. قال هذا القائل وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه يكبرّ رافعًا من السجوٌد وينهيه مع انتهاء الانتصاب لئلا ينفّك بعض هذا الفصل عن الذكر، وما ذكره أبو إسحق ليس بشيء، وهذا أصح عندي، لأنه أشبه بأفعال الصلاةَ، فإنه لم يشرع فيها فعل يخلو عن ذكر، وهذه الجلسة لا تكون من الأولى ولا من الثانية، بل هي فصُل للجلوس كالتشهد الأول، فلا بدّ فيها من الذكر، ولكنه يطّول التكبيرات، ولا يطول الجلوس، ويأتي بهذا بأسهل ما يمكن وما قاله أبو إسحق: اختيار القاضي الطبري.

وقال القفال: كلام الشافعي في صلاةَ العيد يدّل على أنه يكبرّ بين جلوسه وقيامه، ولا يبتدئ عند الرفع، لأنه قال: يكبرّ في الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وقيل: رجع القفال عن هذا، وتأويل قوله: القيام من الجلوس [89 أ/ 2] على المقارنة، وأراد تكبيرة الرفع، ثم اعلم أنه ينهض من هذا الجلوس معتمدًا على الأرض بيديه. وبه قال ابن عمر وعمر بن عبد العزّيز ومالك وأحمد. وعند أبي حنيفة: يقوم من السجدة الثانية على صدور قدميه. وبه قال على وابن مسعود رضي الله عنه، وهو مذهب الثوري، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، لأنه أشبه بالتواضع وأعوذ للمصلي على الصلاةَ وأحرى أن لا ينقلب. مَسْألةٌ: قال: (ولا يرفع يديه في السجود ولا في القيام من السجود). وهذا كما قال عندنا: لا يرفع يديه إلا في ثلاثة مواضع على ما ذكرنا. وقال أبو علي في (الإفصاح): (يستحب رفع اليدين كلما قام إلى الصلاةَ من سجوٌد أو تشهد). واختاره ابن المنذر، وقال: هذا باب أغفله كثير من أصحابنا قد ثبت فيه حديث أبي حميد الساعدي. وروي في حديث علي رضي الله عنه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان إذا قام من السجدتين رفع يديه وكبرّ). وقال الإمام أبو سليمان الخطابي حديث أبي حميد الساعدي قال به عشرة من الصحابة. وقد قال به جماعة من أهل الحديث، ولم يذكره الشافعي. والقول لازُم به على أصله في قبول الزيادة، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إلى ما رواه علّي رضي الله عنه، وإن صّح الخبر فالقول به واجُب. وقيل: إنما لم يذكره الشافعي لخبر ابن عمر الذي تقّدم ذكره فلعل ذلك نسخ. وحكي عن أحمد أنه قال: يستحب رفع اليدين في ابتداء كل ركعٍة، وهو غلط عندي، بل مذهبه رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول لا هذا. مَسْألةٌ: قال: (ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك). وهذا كما قال: الركعٍة الثانية مثل الركعٍة الأولى في أفعالها وأذكارها سوى تكبيرة الافتتاح، [89 ب/ 2] ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين في ابتدائها، وهذا لأن أبا حميد قال: (وصلّى ركعٍة أخرى مثل ذلك). مسألة: قال: (ويجلس في الثانية على رجله اليسرى).

الفَصْل وهذا كما قال إذا فرغ من الركعٍة الثانية رفع مكبرا واستوي جالسًا للتشهد الأول، وهذا الجلوس والتشهد في مسنوٌنان معًا. وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وجماعُة. وقال الليث وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود: هما واجبان، فإن تركهما عمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا سجد للسهو، وهذا غلٌط لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قام الإمام من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، وإن استوي قائمًا فلا يجلس ويسجد للسهو). وروى عبد ابن بحينة، قال: (قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اثنتين من الظهر- أو العصر- فسبحوا له، فلم يرجع ومضى في صلاته، فلما كان في آخر صلاته، وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتي السهو قبل التسليم)، ولأنه لو كان واجبًا لم يسقط بالسهو كالتشهد الثاني، فإذا ثبت ما ذكرنا فصفة الجلوس ههنا الافتراش، والجلسات المشروعة في الصلاةَ أربع، ويستحب في كلها الافتراش إلا في التشهد الأخير، فإنه يستحب فيه التورك. وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وصفة الافتراش قد ذكرناه. وأما صفة التورك يجعل رجليه معاً ويخرجهما من تحت وركه اليسرى إلى أليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض ويفرش اليسرى وينصب قدمه أليمنى ويضع بطون أصابعهما على الأرض، ويستقبل بأطرافهما القبلة. وقال أبو حنيفة والثوري: يجلس في جميعهما مفترشاً. وقال مالك: (يجلس في جميعهما متوركاً. واحتّج أبو حنيفة بما روى أنس بن مالٍك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: (إذا جلست [90 أ/2] فاجعل عقبك تحت إليتيك). واحتّج مالك بما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يجلس في وسط صلاته، وفى آخرها متوركاً)، وهذا غلُط لما روينا من خبر أبى حميد الساعدي في الجلستين نحو مذهبنا. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يجلس بين الركعتين كأنه على الرضف). والّرضف: الحجارة المحماة. واحدتها: رضفة. وهذا يدّل على أنه كان يخالف بينهما في الجلوس، ولأن خبرنا متأخر يحتمل أن ذلك نسخ، أو في

خبرنا زيادة وهي الفصل بين التشهدين، فكان أولى، وهذا الذي ذكرنا في الصلاةَ التي لها التشهدان. فأما ما ليس فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة يجلس في تشهده متوركاً، ولو أدرك الإمام في الركعٍة الثانية من الصبح تشهد بها تشهدين يفترش في الأول مع الإمام ويتورك في الثاني، وكذلك لو أدركه في التشهد الأخير يجلس هو مفترشًا، والإمام متوركاً. ثم عليه في (الأم)، ولو فاتته ركعٍة من المغرب، ولو أدرك الثانية بعد الركوع، فإّنه يتشهد أربع تشهداٍت فيها، يفترش في ثلاثة منها ويتورك في الرابع ثم عليه في (الأم). قيل ويقعد مفترشًا، لأنه يريد أن يسجد بعد ذلك، فهو كالجلسة بين السجدتين بخلاف من لا سجوٌد عليه. مَسْألةٌ: قال: (ويبسط يده اليسرى على فخده اليسرى ويقبض أصابع يده اليمنى على فخده اليمنى إلا المسبحة). وهذا كما قال: الكلام ههنا في صورة وضع اليدين في التشهد، فإنها لا تختلف باختلاف التشهدين، وإن اختلفت صفة الجلوس فيهما، فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويبسطها عليها، ولكن يضم بعض أصابعها إلى بعض ويقيم إبهامها إليّها، ولا يفرقها. لا يختلف القول فيه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهًا آخر أنه يفرق الأصابع، وهو غلط، ويستقبل بأطرافها القبلة. وأما يده أليمنى [90 ب/2] يضعها على فخذه أليمنى، وكيف يضعها، فيه ثلاثة أقواٍل. قال في (الآم): يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويشير بالسبابة، ويرسل إبهامه على فخذه، ولا يضمها إلى أصابعه، وقال في (الإملاء): يقبض الخنصر والبنصر ويطلق الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة. ونقل المزني، وثم عليه في (القديم): يقبض أصابع يده أليمنى إلا المسبحة، فعلى هذا في كيفية وضع الإبهام على هذا القول، وجهان: أحدهما: يضعها على حرف راحته أسفل من سبابته كالقابض ثلاثة وخمسين. والثاني: يضعها فوق الوسطى، وهو الأصح المشهور. وقد روي كل ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عمر رضي الله عنه (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبض في التشهد على أربع أصابع، ويشير بالسبابة، كأنه عاقد ثلاثة وخمسين). وروى ابن الزبير رضي الله عنه (كان يضع إبهامه على الوسطى). وروى وائل بن حجر رضي الله عنه (أنه كان حلق ثلاثين، وأشار بالسبابة). وروى أبو حميد أنه بسط

الإبهام، فكيف ما وضع يده في ذلك أتى بالسّنة وهو بخلافهما، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: ويشير بها متشهدا. وهذه الأسئلة مستحّبة على ما ثم عليه. وروي في خبر أبي حميد: ولا يجاوز بصره إشارته، وهل يحركها؟ فيه وجهان: أحدهما: يحركها طول التشهد. والثاني: لا يحركها، وهو الخلاف لما روى ابن الزبير رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير بالسبابة ولا يحركها، ولا يجاوز بها بصره)، فيستحب أن ينظر إلى السبابة إذا جلس، وهو معنى قوله ولا يجاوز بها بصره. وقال أبو حنيفة: (لا يشير بها أصلًا)، وهذا غلط لما روينا من الخبر، فإذا قلنا: يحرك، أو قلنا: يشير ولا يحرك ينوي به الإخلاص لله عزّ وجلّ والتوحيد لا الإشارة إلى السماء. قال أصحابنا: وإنما يشير عند قوله: [91 أ/2] إلا الله، ولا يشير عند قوله: لا إله، وهذا حسن ولو لم يفعل شيئًا من هذا بل جلس متربعًا أو مادًا رجليه فقد أساء ويجزئه. فَرْعٌ قال في البويطي: وينظر المصّلي في صلاته إلى موضع سجوٌده، وإن رمى ببصره إمامه كان حسنًا، والخشوع أقصر. وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهذا لما روى ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاةَ لم ينظر إلا موضع السجوٌد)، ولأن هذا أبلغ في الخشوع. وقال مالك: يكون بصره أمام قبلته. قال شريك بن عبد الله: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوٌده، وفي ركوعه إلى قدميه، وفي السجوٌد إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره ويكره أن ينظر إلى أطراف قميصه، أو إلى شيء يقرأ أو صورة يتأملها، فإن فعل لم تبطل صلاته، وهذا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى في خميصة لها أعلاُم، فلما فرغ، قال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته)، والخميصة كساء مربع من صوف، والأنبجانية نسبة إلى [مْنِبج]. وقال من لا علم لها ولم يعد الصلاةَ فدل أنه لا يبطلها. فَرْعٌ آخرُ لو نسي التشهد الأول وجلس على رجليه للاستراحة، ثم تذكر وهو جالس تشهد، وليس عليه سجود السهو، لأنه لم يزد في صلاته ولم ينقص، وإن ذكر بعدما نهض عاد

فجلس ما بينه وبين أن يستنم قائمًا، وعليه سجود السهو، لأنه زاد في صلاته، وهو القيام. ومن أصحابنا من قال: إن كان نهوضه إلى الجلوس اقرب لا يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، لأنه قليل، وإن كان إلى القيام أقرب يسجد للسهو، وهذا حسٌن، ولو ذكر بعد اعتداله قائمًا لم يجز له العود، ويسجد للسهو، فإن عاد نُظِر، فإن كان جاهلًا لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته كما لو تكلم في الصلاة. مسألة: قال: "فإذا فرغ من التشهد قام مكبرًا". وهذا كما قال: هذا اللفظ يدل على أنه لا يستحب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، ونص على هذا في "القديم". [91 ب/ 2]. وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق. وقال في "الأم" و "الإملاء": يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الأصح. وبه قال مالك، لأنه أحد التشهدين. فرعٌ فيه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالتشهد الأخير، واحتج من قال بالأول بما روي "أنه كان يجلس فيه كأنه على الرضف"، يعني في تخفيفه، قلنا: لأنه كان يترك الدعاء فيخف، وعندنا لا يستحب الدعاء في هذا التشهد، ولا الصلاة على الآل وجهاً واحدًا. وقال مالك: يدعو في هذا التشهد أيضًا بما شاء كالتشهد الأخير، وهذا غلط، لأنه في التشهد الأخير غير عازم على القيام إلى ركعة أخرى، فهو مطمئن فيه فيدعو بخلاف التشهد الأول. ومن أصحابنا من قال: يستحب الصلاة فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولًا واحدًا، والذي نقل المزني متأول على أنه أراد به التشهد مع الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن التشهد لا يتم إلا بها، ولو نسي فيه الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن قلنا: لا يستحب فيه، لا يسجد، وقيل: هل يسن فيه الصلاة على الآل؟ وجهان. بناء على الوجوب في التشهد الأخير، وعند مالك يسن الدعاء فيه، وعندنا لا يسن، وإذا قلنا: يسن على الآل يسجد للسهو بتركها. فرع يبتدئ التكبير ههنا في أول قيامه ويمدّه إلى استوائه. وحكي عن مالك أنه قال: "لا يكبر حتى يستوي قائمًا، لأنه قيام إلى افتتاح ركعة، ولا يكبر إلا بعد اعتداله كالركعة الأولى"، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود"، ولأن هذا يؤدي إلى أن يخلو موضع من الصلاة عن ذكرٍ، وهذا خلاف موضوع الصلاة، وفي الركعة الأولى يقوم إليها في غير صلاة بخلاف ههنا. ثم قال الشافعي: "معتمدًا على الأرض بيديه"، وهذا سنة في قيامه من الجلوس،

وكذلك إذا سجد في الصلاة سجود القرآن [92 أ/ 2]، ثم أراد أن يقوم اعتمد على الأرض بيديه وقد ذكرنا ما يسن فيه ويكره له تقديم إحدى رجليه عند النهوض. وروي عن مالك أنه قال: لا بأس به. وروي عن مجاهد أنه رخص فيه للشيخ، وهذا لا يصح لأنه لم ينقل مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كثرة الواصفين صلاته. وروي عن ابن عباس أنه قال: "هذه الخطوة الملعونة". مسألة: قال: "ويصلي الركعتين الأخريين كذلك". الفصل وهذا كما قال: أراد أنه تجب فيهما قراءة الفاتحة. وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد. وقال مالك في رواية ابن القاسم عنه: "إن ترك القراءة في ركعةٍ واحدة"، وقرأ في ثلاث ركعاتٍ أجزأه. وقال في رواية أخرى مثل قولنا. وقال الحسن وداود: "تجزئه القراءة في ركعة واحدة"، وروي هذا عن أحمد. وقال أبو حنيفة: "لا تجب القراءة في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر، ولا في الركعة الثانية من المغرب، ويلزمه القراءة في جميع صلاة الوتر بثلاث ركعات". واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين"، وهذا غلط. لقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". وأما خبر علي رضي الله عنه، قلنا: رواه الحارث الأعور، وكان كذابًا. ثم روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها، فلم يصل إلا خلف الإمام"، ولا خلاف أنه لا يجهر بهذه القراءة، وهل يسنّ فيهما قراءة السورة؟ قد ذكرنا. فرع لو قرأ من المصحف وقلب الأوراق أحيانًا لا تبطل صلاته. وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: تبطل صلاته إلا أن يقرأ آية قصيرة، أو كان يحفظ القرآن، لأنه عمل طويل، فهو كما لو تلقن من غيره، وهذا غلط لأن من جازت له القراءة ظاهرًا جازت ناظرًا كالآية القصيرة. وقوله: إنه عمل طويل لا يصحّ، لأن الفكر [92 ب/ 2] والنظر لا يبطل الصلاة كما لو تفكر في إشغاله، وينظر إلى المارين، وأما إذا تلقن من الصلاة فسلم، بل لا تبطل به الصلاة. مسألة: قال: "فإذا قعد في الرابعة أماط رجليه".

الفصل وهذا كما قال: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، جلس متشهدًا والجلوس والتشهد فرضان وكذلك الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والسلام فرضان آخران. وبه قال عمر وابن عمر وأبو مسعود البدري والحسن وأحمد رضي الله عنهم. وقال: عليّ بن أبي طالب وسعيد بن المسيب والنخعي والزهري ومالك والأوزاعي والثوري: الجلوس فيه والتشهد معًا ليسا بواجبين. وقال أبو حنيفة: الجلوس فيه قدر التشهد واجبٌ، وقراءة التشهد لا تجب. واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم الأعرابي المسيء صلاته قراءة التشهد، وهذا غلط لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كما نقول قبل أن يفرض علينا التشهد. والسلام على الله على عباده السلام على جبريل، السلام على ميكائيل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات" إلى آخره. وروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول "تعلموا فإنه لا صلاة إلا بالتشهد". وأما خبر الأعرابي فيحمل أنه كان قبل فرض التشهد، أو كان يعلم التشهد فلم يذكر له، فإذا تقرر هذا، فإن سلم قبل التشهد، فإن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا نُظِر، فإن ذكر قبل تطاول الفصل بنى وإن ذكر بعد تطاول الفصل استأنف والرجوع في طوله إلى العُرف. قسم الكلام في التشهد في فصلين؛ في الأفضل وفي أقل ما يجزئ. فأما الأفضل ما روى سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[93 أ/ 2] يعلمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن، فقال: "قولوا: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله". هذا رواه الشافعي، وهو اختيار أصحابنا بخراسان. ورواه أبو داود، فقال: "السلام" بالألف واللام، وهما صحيحان، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو اختيار أصحابنا بالعراق. وقال مالك: وأهل المدينة الأفضل تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد علم الناس التشهد على المنبر، فقال: "التحيات الزاكيات لله الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام عليمنا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله

إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وقال أبو حنيفة وأهل الكوفة: الأفضل، ما رواه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "التحيات لله والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". وبه قال الثوري وأحمد وإسحق واختاره ابن المنذر وجماعة من السلف، وما قلناه أولى، لأن فيه زيادة كلمة: المباركات. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقاه إلقاءً شائعًا ظاهرًا وعلّمه كما يعلّم القرآن، وهو متأخر موافق للقرآن. قال الله تعالى: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61]. وقال تعالى: {وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 181]، وكل موضع ذكر الله تعالى التحية منه، فإنه سلام بغير ألف ولام. وأمّا خبر عمر رضي الله عنه، فليس بمسنٍد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رويناه أولى، فإذا تقرر هذا، قال صاحب "الإفصاح": قال بعض أصحابنا: الأفضل أن يبتدأ فيقول: بسم الله وبالله، التحيات المباركات الزاكيات [93 ب/ 2] الطيبات، فيجمع به من الزيادات المرورية. وقال ابن المنذر: ليس في شيء من الأخبار الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التسمية. وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا فعلّمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا، وقال: "إذا كان عند القعدة، فليكن من أول قول أحدكم: التحيات"، فحصل وجهان. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سمع رجلًا يقول: بسم الله، فانتهره، فإن قيل: روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك. قلنا: رواية أيمن عن ابن الزبير وأيمن ضعيف. قلت: سمعت فيه خبرًا بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "بسم الله، وبالله التحيات لله"، وبهذا أقول فإنه زيادة. وروي عبد الغفاري في تشهد عمر رضي الله عنه: "قال: قل: بسم الله، خير الأسماء". وروي جابر: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يعلّمنا التشهد: بسم الله، وبالله التحيات لله". وأمّا أقل ما يجزئ منه، فهو خمس كلمات: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا

رسول الله، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال في "الأم": لو اقتصر على هذا كرهته وأجزأه، وهذا لنه يأتي على معنى الجميع. وقال ابن شريح: أقل التشهد أن يقول: التحيات لله، سلامٌ عليك أيها النبي، سلام على عباد الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فاكتفى بذكر السلام عن ذكر الرحمة، واكتفى بذكر عباد الله عن قوله: علينا، لأن الكل عباد الله، ولم يشترط الصالحين، لأن الإضافة تدل على ذلك كقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]، الآية. ولم يعد ذكر الشهادة، لأن حرف العطف دليل عليه. وقال القاضي الحسين: يكفي أن يقول: أيها النبي، وعلى عباد الله [94 أ/ 2]، وإعادة لفظ السلام قبل قوله: عباد الله لا يشترط، بل يكفي حرف العطف. فرع لو قال: صلى الله عليه محمد بدل قوله: أللهم صلِّ على محمد، وجهان. والموالاة شرط بين كلمات التشهد حتى لو تركها لا يحتسب، ولو قال: اللهم صلِّ على الرسول، لا يجوز حتى يسمي محمدًا. وأمّا سر التحيات، قال ابن عباس رضي الله عنه: التحيات العظمة والصلوات: الصلوات الخمس والطيبات: الأعمال الصالحة. وقال أبو عبيد: قال أبو عمرو: التحيات: الملك، وأنشد قول زهير: وّكُلُّ مَا نَالَ الفَتَى قَدْ نِلتُهُ إِلَّا التَّحِيَّةْ وقيل: الطيبات: هو الثناء على الله تعالى. وقيل: معناها الحلالات. فأمّا السلام، ففيه قولان: أحدهما: اسم السلام، والسلام: هو الله تعالى، كما يقال: اسم الله عليك. والثاني: معناه سلم الله عليك تسليمًا وسلامًا. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "لو قدّم بعض ألفاظها على بعض أجزأ كما يجزئه في الخطبة"، وهذا نص على أنه لا يجب الترتيب فيه والتحرير أنه ذكر واجب من غير جنس المعجز، فلا يجب الترتيب فيه كالخطبة. فَرْعٌ آخرُ قال: يلزم كل مكلف من المسلمين أن يتعلم التشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يتعلم عدد الركعات والركوع والقراءة، فإن كان لا يحسنها نُظر، فإن كان ذكيًا واتسع

الوقت، ففرضه التعليم، وإن قصر حتى فات التعليم صلّى وأعاد، وإن ضاق الوقت على الذكي أو اتسع على البليد فلم يتعلم صلّى على حسب حاله، فإن كان يحسن غير ذلك من الذكر أتى به، وإن كان لا يحسن أجزأه بغير ذكرٍ. وجملته أن الحكم فيهما كالحكم في القراءة، ولو بدل عربية فيها بغيرها لا يجوز، لأنه تغيير نظمه. فَرْعٌ آخرُ قال: المستحب لمن كان إمامًا أن يرتّل التشهد بحيث يعلم أن ثقيل اللسان خلفه [94 ب/ 2] قد أتى به، فإن حذف ذلك ولم يرتب كره وأجزأه. فَرْعٌ آخرُ قال: السنة، إخفاء التشهد، وكذلك كل ذكر حال السجود وغيره إلا السلام. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "من السنة الإسرار بالتشهد". مسألة: قال: "ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". هذا كما قال: الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركنٌ من أركان الصلاة لا تتم الصلاة إلا به، وبه قال ابن مسعود وأبو مسعود البدري رضي الله عنهما وإسحق وأحمد في رواية. وقال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: "يستحبّ ذلك، ولا يجب"، واحتجّوا بما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "علّمه التشهد، ثم قال: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا، فقد تمت صلاتك". وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور، والصلاة عليَّ". وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: لا صلاة لمن لم يتشهد، ولم يصلِّ عليّ". وأما خبرهم نحمله على أنه كان في الأول، أو معناه: قارب التمام كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من وقف بعرفه فقد تم حجّه"، أي: قارب التمام بدليل أنه يجب الخروج من الصلاة بالإجماع، فإذا ثبت هذا، فالأفضل فيها أن يقول ما روى كعب بن عمرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في الصلاة: "أللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وروي أنه لما نزل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]، الآية. قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد" على ما رواه كعب ولم يرو في الخبر، قوله: وارحم محمدًا وآل محمد، ولا قوله: "ترحّمت على إبراهيم"، وليس بفصيح أيضًا، لأنه يقالُ:

رحمته، ولا يقالُ: [95 أ/ 2] ترحمته، ولأن الترحم معنى التكلف، وليس ذلك من صفات الله تعالى، ويرجع معناه إلى الشفقة والرقّة، ولا يجوز ذلك على الله تعالى. ذكره القفّال: والواجب الصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده فيقول: "أللهم صلِّ على محمد". وأما الصلاة على آل محمد يستحب ولا يجب، وهو المذهب. ومن أصحابنا من قال: إنها واجبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: قولوا: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آلِ محمد". وروي هذا عن أحمد، وقد روى أبو سعيد الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من صلّى صلاة ولم يصلِّ عليّ وعلى آل بيتي لم تقبل"، وهو خلاف الإجماع، ولا يجب ذكره في الأذان، والإيمان فكذلك في الصلاة بخلاف ذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وأما تفسير الآل، قال الماسرجسي: سمعت أبا إسحق المروزي يقول: المراد بآل محمد ههنا بنو هاشم وبنو المطلب، كما أن المراد بذي القربى في تحريم الصدقات المفروضات وسهم ذوي القربي من خمس خمس الفيء والغنيمة هؤلاء وهذا لأن الآل منقلب عن أهل وهؤلاء أهل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو مذهب الشافعي. وقيل: المراد به من كان على دينه، وهم جميع أمته لقوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46]، وأراد به من كان على دينه. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن آل محمد، فقال: "كل مؤمنٍ تقي إلى يوم القيامة"، والأول أصح. ثم إذا فرغ من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وآلهِ دعا بما أحب من أمر دين ودنيا. قال أصحابنا: ويستحب أن يقول ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجّال ثم يدعو لنفسه بما بدا له". وروى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كان رسول الله [95 ب/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يعلّمنا كلماتٍ، ولم يكن يعلّمناهنّ كما يعلّم التشهد، وهي: أللهم ألفّ بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجّنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وأزواجنا وذريتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، وأتمها علينا وأثبتها". وروى عليّ رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول من التشهّد والسلام: "أللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت"، وجملته أن كل دعاء يجوز خارج

الصلاة من أمر الدين والدنيا يجوز في الصلاة. وقال أبو حنيفة: "لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس". ومن أصحابنا من قال: لا يطلب إلا من الله تعالى، يدعو به فيها، وما يجوز أن يطلب من المخلوقين إذا دعا به في الصلاة بطلت صلاته، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر ابن مسعود رضي الله عنه بعد ذكر الشهادتين في التشهد: "ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما أعجبه"، ولأن دعاء الله تعالى يجوز خارج الصلاة، فجاز في الصلاة كالدعاء المأثور. مسألة: قال: "ويدعو قدرًا أقل من التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". وهذا كما قال: هذا نقل المزني. وقال في "الإملاء": ويدعو بقدر التشهد، ولم يذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ليس باختلاف القول، فإن الأقل من قدر التشهد، والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - كقدر التشهد، وقد بيّنه في "الأم"، فقال: "أرى إذا كان إمامًا أن يدعو أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قليلًا [96 أ/ 2] ليخفف على من خلفه". وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، ولم يذكره أحدٌ من أهل العراق. مسألة: قال: "ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر قرأ من خلفه، وإذا جهر لم يقرأ من خلفه"، وهذا كما قال: أراد به أن المأموم يتبع الإمام فيفعل مثل فعله في كل ما ذكرناه ويتأنى الإمام في الخفض والرفع بحيث يمكن من خلفه أن يتبعه ويقتدي به من غير مشقة. وأمّا القراءة، فاختلف قول الشافعي فيها، قال في "الأم" و "الإملاء"، وكتاب الجمعة من "الجديد": "المأموم كالمنفرد يقرأ فيما يسرّ به ولا يقرأ فيما يجهر به". وبه قال مالكٌ وأحمد وإسحق وداود وعبد الله بن المبارك. وروى ذلك عن عائشة وأبي هريرة والزهري رضي الله عنهم، وقال في البويطي و "الأم": "يلزمه أن يقرأ فيما أسرّ وجهر"، وهو الصحيح. وقال الربيع: رجع الشافعي عن القول الأول. وبه قال عمر وابن عباس وأبي بن كعب وعليّ في رواية رضي الله عنهم، والليث والأوزاعي وأبو ثور وابن المنذر. وقال أبو حنيفة والثوري وسفيان بن عيينة: "لا يقرأ المأموم بحالٍ". وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس وجابر وعليّ وفي رواية رضي الله عنهم، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة"، وهذا غلط لما روى أبو داود بإسناده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: كنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فقرأ

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فثقلت القراءة عليه، فلما فرغن قال: "لعلكم تقرؤون [96 ب/ 2] خلف إمامكم؟ " قلنا: نعم هذا يا رسول الله، قال: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرا بها"، والهذ سرد القراءة، وتداركها في سرعة واستعجال. وقيل: أراد بالهذ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبسون عليه قراءته بالجهر، وإنما نهى عن الجهر، أو عن الزيادة على الفاتحة، ويحمل خبرهم على هذا أيضًا. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ن قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خدام غير تام". قال أبو السائب رواية عن أبي هريرة، فقلنا: يا أبا هريرة، فإني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعي، وقال: اقرأ يا فارسيّ في نفسك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين .... ". الخبر. وقوله: فهي خداج"، أي: ناقصة نقص فساد وبطلان. تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها، وهو دم ولم يستبن خلقه. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال: من صلى صلاة مكتوبة فليقرأ فيها بأم القرآن، وقرآن معها، فإن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأت عنه ومن كان مع الإمام، فليقرأ قبله، وإذا سكت، ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج". فرع ثلاثة إذا قلنا: لا يقرأ خلف الإمام: أحدها: إذا جهر في صلاة السر، هل يقرأ المأموم؟ وجهان: والأصح يقرأ لأنه جهر في غير موضعه. والثاني: لو أسّر في صلاة الجهر، هل يقرأ؟ وجهان: أحدهما: يجب، لأنه لم يتوجه عليه فرض الاستماع. والثاني: لا يجب اعتبارًا بأصل الصلاة. والثالث: إذا كان على بعد من الإمام بحيث لا يسمع، هل يجب أن يقرأ؟ وجهان: أحدهما: يقرأ. والثاني: لا يقرأ، لأن الصلاة مما يجهر فيها، والبعد عن الإمام لا يجوز أن يكون سببًا لإيجاب الفرض على المأموم.

فَرْعٌ آخرُ قال في البويطي: [97 أ/ 2] وأحبّ أن يكون ذلك في سكتة الإمام قبل أن يقرأ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا كبرّ في الصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ، قلت: بأبي أنت وأمي ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة. قال: أقول "أللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بني المشرق ولالمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بماء الثلج والبرد". وقال سمرة رضي الله عنه: "حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين في الصلاة سكتة إذا كبرّ حتى يقرأ، وسكتة إذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب"، فأنكر عليه عمر، فكتب في ذلك إلى أبيّ بن كعب رضي الله عنه، فكتب إليه أن سمرة قد حفظ. ولا ينبغي أن يقرأ معه. وروي أنه كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سكتات في الصلاة، وقال أصحابنا: سكتة بعد الإحرام، وأخرى بعد الفاتحة، وأخرى في الركعة الثانية، ولو قرأ قبل أن يبتدئ الإمام يجوز، وفيه وجهٌ أنه لا يجوز كما لو رفع قبله، وهذا لا يصحّ، لأنه لا يظهر به المخالفة. ولهذا له أن يؤخّر القراءة عن قراءته بخلاف الركوع، ولو كان في صلاة السرّ، فالأولى أن يؤخرّ مقدار ما يعلم أن الإمام قرأ الفاتحة، فإن قرأ قبله، فقد ذكرنا، ولو علم أنه لا يمكن من قراءتها بعد قراءته يقرأ معه. وأما قراءة السورة لا يختلف المذهب أنه تسن له قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة السرّ أو كان في صلاة الجهر في موضع لا يسمع قراءة الإمام، لأنه غير مأمور بالإنصات إلى غيره، فهو كالإمام والمنفرد، وإن كان الإمام يجهر بالقراءة، وهو يسمع قراءته اقتصر على الفاتحة، ولا يستحب الزيادة فيها. وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلّى صلاة الظهر بالقوم، فلما انفتل، قال: "أيكم قرأ: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1]، فقال رجل: أنا، فقال: "علمت أن بعضكم خالجنيها"، ومعناه: [97 ب/ 2] جاذبنيها، وإنما أنكر عليه مجاذبته في قراءة السورة حين تداخلت القراءتان وتجاذبتا ونهى عن قراءة السورة خلفه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصحّ أنه لا يقرأ خلفه سوى الفاتحة بحالٍ، وفيه وجهان، وهو غلطٌ ظاهٌر، وهكذا نقول فيمن تباعد عن الخطيب ولا يسمع خطبته، يقرأ القرآن في نفسه، وذكروا وجهًا آخر أنه لا يقرأ شيئًا، وليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ المنفرد يجهر في صلاة الجهر سنّة عندنا خلافًا لأبي حنيفة، والأصل في هذا أن الجهر عنده شرع للإمام للإسماع، فإن المأموم لا يقرأ. وعندنا يجهر، لأنه سنّة مقصودٌة.

فَرْعٌ آخرُ لو نسي الفاتحة حتى ركع الإمام، فيه ثلاثة أوجٍه: أحدها: يركع معه ويعيد ركعةً في آخرها، وهو الأصح. والثاني: يقرأها ويتابع الإمام، لأن النسيان عذرٌ كما لو تأخر عن الإمام بعذٍر. والثالث: يقرأها وحكمه حكم من تخلف بغير عذر، لأن الناسي لا يخلو عن تفريط. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: هل يسن للمأموم قراءة السورة؟ في ثلاثة أوجه، فإذا قلنا: يسنّ: هل يسنّ في الركعتين الأخيرتين؟ وجهان كالمنفرد. مسألة: قال: "ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله". الفصل وهذا كما قال: جملته أن الخروج من الصلاة ركن يتعين فيه السلام مع القدرة، ولا يقوم غيره مقامه، وبه قال الثوري وجماعٌة. وقال أبو حنيفة: الخروج من الصلاة واجبٌ، ولكن لا يتعين له السلام، فيخرج منها بكل ما ينافي الصلاة من فعله كالحدث ونحوه، ويسنّ أن يكون السلام، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتحليلها التسليم"، ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالتكبير في أول الصلاة. ثم أعلم أن التسليمة الأولى عندنا في الصلاة. وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست من الصلاة، بل يخرج بها من الصلاة، وهذا غلط، لأنه ذكر شرع في محل [98 أ/ 2] من الصلاة، فلا يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة، فكان فيها، فإذا تقرر هذا، فالكلام فيه في فصلين: أحدهما: في الكمال. والثاني: في الإجزاء. فأمّا الكمال، فإن كان المسجد كبيرًا وكثر الناس واللغط في المسجد يسلم تسليمتين، تسليمة عن يمينه وتسليمة عن شماله، وإن كان المسجد صغيرًا أو كبيرًا وقلّ الناس فيه، فيه قولان في "القديم": يقتصر على تسليمة واحدة، لأنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "سلّم واحدة، وأنه سلّم اثنين"، فيحمل على حالين. وقال في "الأم": "يسلّم تسليمتين"، وهذا أصح لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لم أنسَ تسليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه وشماله: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله"، ولأنه زائد فكان أولى. وبه قال أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهم، وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحق رحمهم الله.

وقال مالك والأوزاعي: يسلم تسليمة واحدة بكل حال. وروي عن ابن عمر وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وعائشة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم في الصلاة تسليمة واحدة، تلقاء وجهه، وكان يميل إلى شقّه الأيمن قليلًا"، قلنا: قبل رواية عمرو بن أبي سلمة، وهو ضعيف، فإن ثبت لعله كان في الأول، ثم نسخ. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: إن قوله القديم مثل قول مالك، وهو غلط، فإذا قلنا: يسلم تسليمة واحدة، نقل كما روت عائشة رضي الله عنها، وإذا قلنا: يسلم تسليمتين سلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خديه إمامًا، كان أو مأمومًا. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: معناه حتى يُرى خدُّه الأيمن عن الجانب الأيمن وخده الأيسر [98 ب/ 2] عن الجانب الأيسر، ومنهم من قال: معناه حتى يرى خداه من الأيمن، ثم من الأيسر، وعليه يدلّ خبر ابن مسعود رضي الله عنه، واللفظ يحتمل الوجهين. وفرع الشافعي على هذا فقال: "إذا سلم الإمام تسليمة واحدة على اعتقاده، فالمأموم يسلم تسليمتين ولا يتبعه فيما يفعل"، لأنه خرج من إمامته، وبهذا فارق إذا ترك الإمام التشهد الأول تابعه المأموم، ولا يقرأه، لأنه لم يخرج عن إمامته ههنا، فيلزمه متابعته. وما قدر الإجزاء فتسليمة واحدة، قال في "الأم": أقل ما يكفيه من تسليمه السلام عليكم، فإن نقص منه حرفًا عاد فسلم، فإن لم يفعل حتى قام عاد فسجد للسهو، ثم سلم، فإن تطاول الفصل استأنف الصلاة قولًا واحدًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يبني أم يستأنف؟ قولان. كما لو ترك سجود السهو وتطاول الفصل بعد السلام هل يعيد؟ قولان: وهذا ضعيف، لأن ههنا ترك ركنًا بخلاف ذاك. وقال الحسن بن صالح رضي الله عنه: عليه تسليمتان، وهذا أصحّ الروايتين عن أحمد. واحتجوا بخبر ابن مسعود رضي الله عنه في السلام، وهو غلطٌ لخبر عائشة رضي الله عنها في السلام، وخبرهم محموٌل على الاستحباب. فرع لو قال: سلام عليكم، ولم يُنَوِّنْ لا يجوز قولًا واحدًا، وإن قال: سلامٌ عليكم بالتنوين، فيه وجهان:

أحدهما: لا يجوز، لأنه أسقط حرفين، وهو ظاهر قوله في "الأم". والثاني: يجوز، لأن التنوين يقوم مقام الألف واللام، وهو الأقيس، لأنه يجزئه في التشهد بكلا اللفظين: السلام وسلامٌ. ومن قال بالأول: أجاب عن هذا بأن الخبر ورد هناك بكلا اللفظين، ولم يرد في آخر الصلاة، إلا بالألف واللام. فَرْعٌ آخرُ لو قدّم وأخّر، فقال: عليكم السلام، قال أبو إسحق: "يجزئه"، ونص على جوازه في كتاب "استقبال القبلة" في آخر "باب السلام"، فقال: "لو قال [99 أ/ 2] هكذا كرهته، ولا إعادة عليه"، وهو كالتشهد، يجوز تقديم وتأخيرها. وقال القاضي أبو حامد في "الجامع" من أصحابنا من قال: لا يجوز، ويلزمه أن يأتي مرتبًا، وهذا ضعيٌف. فَرْعٌ آخرُ كيف ينوي عند السلام؟ فإن كان منفردًا نوى عن يمينه الخروج من الصلاة والسلام على الحفظة، وهم الملائكة، وإن كان إمامًا نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على من على يمينه من المأمومين. ونوى عن يساره شيئين: السلام على الحفظة، وعلى المأمومين الذين عن يساره. وأما المأموم ينظر، فإن كان على يمين الإمام نوى عن يمينه ثلاثة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته في صفّه. ووراءه: وقدّامه، وينوي عن يساره ثلاثة أشياء: السلام على إمامه، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين من ناحيته. وإن كان على يسار الإمام نوى عن يمينه أربعة أشياء: الخروج من الصلاة، والسلام على الإمام، والسلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين وعن يساره، ينوي شيئين: السلام على الحفظة، والسلام على الحاضرين. والأصل فيه ما روى سمرة رضي الله عنه، قال: أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نسلّم على أنفسنا، وأن يسلّم بعضنا على بعض"، وقيل: يسلّم على مسلمي الجن والإنس والملائكة، وإن كان حذاء الإمام من خلفه. قال في "الأم": "هو بمنزلة كونه على يسار الإمام"، فإن نوى السلام على إمامه في الأولى وإلا نواه في الثانية. وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار ههنا إن شاء يردّ على الإمام عن يمينه، وإن شاء ردّ على الإمام عن يساره. ذكره أبو حامٍد. فَرْعٌ آخرُ لا يختلف المذهب أن ما عدا نيّة الخروج من الصلاة مستحبٌة غير واجبٍة. وأما نية الخروج منها

قال أصحابنا: لا نص فيه للشافعي لو اختلف أصحابنا فيها، فقال عامة أصحابنا: هي واجبة. وهو ظاهر نص القاضي في البويطيّ، [99 ب/ 2] فإنّه قال: ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة، وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهذا لأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة، فكان واجبًا كالطرف الآخر. وقال أبو حفص بن الوكيل وجماعة من أصحابنا: لا يجب ذلك كما لا يجب عليه نية الخروج من الحج، وهذا لأن نية الصلاة في الابتداء قد اشتلمت على جميع أقوالها وأفعالها المشرعة فيها والسلام من جملتها، فلم يحتج إلى نيٍة منفردٍة، وهو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح عندي، وعند مشايخ خراسان، ولهذا لو نوى الخروج من الصلاة من غير تعيين الصلاة التي هو فيها، يجوز بالإجماع، فلو كانت النية واجبة ي آخرها لوجب تعيينها كما في ابتدائها. فَرْعٌ آخرُ لو عيّن فأخطأ، قال بعض أصحابنا بخراسان: إن قلنا: نية الخروج لا تشترط لم يضره، وإن قلنا: تشترط لم يصحّ سلامة فيسجد للسهو ثم يسلم مرة أخرى، ولو تعمد إلى هذا بطلت صلاته. وعندي أنه لا يصح سلامه بحال على الوجهين جميعًا لأن نية الخروج وإن كانت لا تشترط فإذا أتى بها على الخلاف يمنع احتساب السلام. فَرْعٌ آخرُ إذا فرغ من السلام يستحب أن يدعو إمامًا كان أو منفردًا، والمستحب أن يكون الدعاء ما روى ابن الزبير رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلّم من صلاته، يقول بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا نعيد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون". وقال الشافعي في كتاب الصلاة: وبأي دعاء دعا جاز. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام"، وكلما أكثر من الدعاء بعد المكتوبة كان أحب إليّ رجاء الإجابة. فَرْعٌ آخرُ الأفضل الإخفات في هذا الدعاء إذا كان منفردًا أو مأمومًا والإمام ينظرُ [100 أ/ 2]، فإن لم يكن بالناس حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإخفات أيضًا، وإن كان بهم حاجة إلى تعلمه، فالأفضل الإعلان بقدر ما يرى أنهم حفظوه، ثم يرجع إلى الإخفات، وعلى هذا يحمل جهر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا نريد الإخفات أن يذكر في قلبه بل ينطق بقدر ما يسمع نفسه.

قال الله تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110]، يعني: به الدعاء، ومعناه: لا تجهر برفع صوتك ولا تخافت بها حتى لا تسمع نفسك. قال الشافعي: وعامة الرواية سوى رواية ابن الزبير من غير ذكر الجهر. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب إذا صلى الصبح أن يشتغل بذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لئن أجلس مع قوم يذكرون الله من الصبح إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس"، الخبر. مسألة: قال: "ويثب ساعة ما يسلم إلا أن يكون خلفه نساء فيثبت لينصرفن قبل الرجال". وهذا كما قال: أراد به أن الإمام يسرع القيام ساعة السلام فعبّر عن سرعة قيامه بالوقوف، وإنما قال ذلك لخبر روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "إذا سلّم إمامكم ولم يقم فأنحوه، ولأنه لو أقام على حاله لا يأمن أن يلحقه السهو أو الشك في السلام، وربما يدخل داخلٌ فيعتقد أنه جالسٌ في الصلاة فيدخل معه، ثم إن كانت صلاة يُنتفّل عقبيها يثبت عقيب السلام، وإن كانت صلاة يلا ينتفل عقيبها يتحول عن مكانه أو ينصرف. وقيل: يقبل بوجهه على القوم إذا لم يرد الانصراف ولا التنفل ويتبعه المأموم في هذا، فإن مكث الإمام ولم يثبت فالمستحب للمأموم أن يتوقف ولا يقوم ويتبعه فإنه ربما يتذكر سهوًا فيسجد له فإن وثب وتركه، فلا شيء عليه. قال في "الأم": "وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام وإن أخّر ذلك [100 ب/ 2] حتى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذلك أحبّ إليّ"، وقال في "الأم": "وإذا أراد الانصراف، فإن كان له حاجة انصرف حيث ما توجهت به حاجته يمينًا وشمالًا وتلقاء وجهه، ومن ورائه". والحاجة كالدخول إلى منزله. وهذا يتصوّر إذا كان في مسجد له أبواب كثيرة، أو كان في فضاء، فإن كان للمسجد باب واحد خرج منه، وإذا خرج انصرف على ما ذكرناه، وإن لم يكن له حاجة، فالمستحب أن ينصرف عن يمينه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يحبّ التيامن في كل شيء". وقال القفّال: "أراد بالانصراف عن اليمين أنه يقعد على الجانب من المحراب الذي كان يلي يمينه عند الاستقبال للقبلة والانصراف عن اليسار أن يقعد عن الجانب الآخر الذي كان يلي يساره عن استقباله"، وهذا هو المسنون عند أبي حنيفة، وعندنا ذلك هو

المستحب المسنون. وفي كيفية الانتقال، اختلف أصحابنا، قال الأكثرون: يفتل يده اليسرى ويكون يمينه إلى القبلة، واليسار إلى القوم، ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب. وقال بعضهم، وهو اختيار القفّال: يفتل يده اليمنى ويكون يساره إلى القبلة ويمينه إلى الناس كما قلنا في الطواف، يجعل الكعبة عن يساره واليمين إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب، ولأنه أحين في الأدب فربما يقتدي به واحدٌ، فإذا فعل ذلك كان مقبلًا بوجهه فيه، ولا يكون موليًا ظهره عليه، وعلى أي الجانبين قعد، فلا بأس، وقيل: ظاهر هذا أنه لا يشتغل بالدعاء في الجلوس بعد السلام. وذكر أبو حامد: ويثبت ساعة يفرغ من الدعاء، وهو خلاف النص، ولا يفوته الدعاء بالقيام والإقبال على القوم بالوجه فيدعو في تلك الحالة الدعاء المشروع، ولو كان خلفه رجال ونساء. وقال الشافعي: "يثبت عقيب السلام في موضعه حتى ينصرف النساء". قال في "القديم": لا يلحقهن سرعان الرجال فيختلطون بهم، والأصل في هذا [101 أ/ 2] ما روت أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا سلّم قام النساء حين يقضي صلاته فيمكث يسيرًا قبل أن يقوم". قال الزهري: نرى، والله أعلم، أن مكثه لينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلّون في المسجد الجامع فمن كان بيته من قبل بني تميم انصرف عن يساره ومن كان بيته مما يلي بني سليم انصرف عن يمينه، فمن بالبصرة، وهذا يدلّ على ما سبق. فرع قال الشافعي: إذا أراد التنفل بالصلاة، فالأفضل أن يتنفل في بيته. وقيل: إلا يوم الجمعة، فإنه ينتفل ظاهرًا في المسجد، وهو الأولى لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة". وهذا مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره". وروى عبيد الله عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا"، ولأن المسجد بني للجماعة

والنافلة لم تسن لها الجماعة فكانت في البيت أولى، ولأنها في البيت أسلم من الرياء، والفرائض بُعدى عن الرياء حيث كان يفعلها العامة والخاصة، ولأن الفرائض شعار الإسلام، فاستحب فيها الإظهار بخلاف النافلة. فَرْعٌ آخرُ جرت عادة بعض الناس يسجدون بعد الفراغ من الصلاة فيدعو فيها وتلك سجدة لا يعرف لها أصل ولم تنقل عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضي الله عنهم. مسألة: قال: "ويقرأ بين كل سورتين: بسم الله الرحمن الرحيم". وهذا يوهم أن بسم الله الرحمن الرحيم، تسنَ في أول كل سورة، والمذهب خلافه، وهذا اللفظ متأول على أنه قصد به الرّد على من قال: لا يقرأ بها أصلصا، وقد مضى حكم هذا. والمزني أحلّ به في موضعه، [101 ب/ 2] وذكره ههنا. وقوله: فعله ابن عمر، أراد به أنه كان يجهر به. مسألة: قال: "فإن كانت الصلاة ظهراً أو عصرًا أسَرَّ القراءة في جميعها". وقد مضى بيان هذا، والجهر والإسرار من جملة هيئات الصلاة. وقيل في تفسير قوله تعالى {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110]، أراد: اجهر في البعض وخافت في البعض. مسألة: قال: "وإذ رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وهو قائم قال: اللهم اهدني فيمن هديت". الفصل وهذا كما قال: جملته أن القنوت في صلاة الصبح مستحب إذا رفع رأسه من الركعة الثانية، فإن تركه عامدًا أو ناسيًا سجد للسهو، وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأنس رضي الله عنهم، والحسن ومالٌك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: لا يستحب ذلك. وبه قال الثوري، وروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وربما يقولون: إنه بدعة. وقال أبو حنيفة: "لو قنت إمامه سكت هو ولم يقنت قنوته"، وقال أبو يوسف: "قنت بقنوته"، ويرى هذا عن محمد، وحكى الساجي عن أحمد أنه قال: "لا بأس بالقنوت فيها". وروي عن أحمد أنه قال: "القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإذا ذهب إليه ذاهب، فلا بأس، وإمام الجيوش والسلطان فعله". وقال إسحاق: "هو سنّة عند الحوادث لا تدعه إلا به". واحتجوا بما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن القنوت في الفجر". وروى ابن مسعود وأنس

رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قنت شهرًا ثم ترك". وهذا غلط لما احتجّ الشافعي، وهو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قتلهم في الصلاة سواها"، أي: في سائر الصلوات سوى الصبح، مع الصبح [102 أ/ 2] ثم ترك القنوت في سواها. وهذه إشارةٌ إلى قصة نذكرها، وذلك أن رجلًا يقال له: أبو البراء ولقبه ملاعب الأسنة من سادات نجد من المشركين قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفدًا من قبل نجٍد فأهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلم يقبل هديته، وقال: "لا نقبل هدية مشرك، فإن أحببت أن أقبل هديتك فأسلم"، فقال: اعرض عليّ الإسلام، فعرض عليه، وتلا عليه القرآن، فلم يسلم، وقال: ما تقوله حسنٌ، ولكني وفد قومي، فأرى أن تبعث من أصحابك من يعرض عليهم الإسلام ويقرأ عليهم القرآن، فإني أرجو أن يسلموا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إني أخاف على أصحابي نجدًا"، فقال: أنا جارٌ لهم، إني خفير، وندب النبي - صلى الله عليه وسلم - ستين رجلًا من أصحاب الصفة وأمَّر عليهم رجلًا منهم يقال له: المنذر بن عمرو فلما بلغوا بئر معونة من أرض نجد اجتمع عليهم رِعْلٌ، وذكوان وعصية من قبائل نجد ولم ينفذوا أمان أبي البراء، فقتلوهم إلا رجلين منهم، أحدهما عمرو بن أميّة، والآخر أنصاريّ كانا ذهبا في طلب بغير لهما ضلّ، فلما وجدا وانصرفا، فالتقتهما جارية فقالت: هل أنتما من أصحاب هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيَّ؟ قالا: نعم، فقالت لهما: النجاة، النجاة، فقد قتل أصحابكما في بطن هذا الوادي، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن نركب البعير ونلحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنخبره به، فقال الأنصاري: أمّا أنا فلا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، فوالله لا يردنّ الجنة قبلي، فقال له عمرو: اصبر إذًا حتى أركب البعير وأتوارى، ثم أنت أعلم، قال: نعم، فركب عمرو وسل الأنصاري سيفه وأقبل على أهل الوادي، فقاتل حتى قتل، فأنزل الله تعالى: (أخبورا إخواننا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيمًا)، وكان ذلك من القرآن، ثم نسخت تلاوته، [102 ب/ 2] فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يقنت في جميع الصلوات يدعو على أولئك الكفار باللعنة شهرًا، حتى نزل قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128]، فنهاه الله عن اللعنة عليهم إذ كان في سابق علمه تعالى أن يُسلم بعضهم، وذلك أنه روي أن رجلًا منهم أسلم بعد ذلك فسئل عن سبب إسلامه، فقال: "إني طعنت يوم بئر معونة رجلًا من المسلمين بحربتي في صدره فنفذ فيه حتى خرج من ظهره، فكأني أنظر إلى بريق سنان رمحي من ظهره، وهو يبتسم في وجهي وأخذ شيئًا من دمه فرمى نحو السماء فقال: فزت وربّ الكعبة، فقلت في نفسي: بم فاز هذا الرجل؟ أليس قد قتلته؟ ثم أُخبرت أنه الشهادة، فقلت: إنه حق، فأسلمت، فلما نزلت هذه الآية ترك النبي - صلى الله عليه وسلم -

القنوت في الصلوات سوى الصبح، وفي الصبح لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا". رواه أنس بن مالك. وروي أنه سأل أنس: هل قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح؟، قال: نعم. قال: قبل الركوع أو بعد الركوع؟، فقال: بعد الركوع، ثم قال: وقنت عمر وعلي رضي الله عنهما بعد الركعة الأخيرة، وإنما لم يذكر عثمان، لأنه في أيامه قدّم القنوت على الركوع ليدرك الناس تلك الركعة، فإنه كان يسفر بصلاة الفجر لأجل أن عمر رضي الله عنه قتل في صلاة الصبح، وكان يفلس بها". وأمّا خبر أم سلمة نحمله على الدعاء على اللعان أنه تركه ونهى عنه. ثم صفة القنوت أن يقول: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت". وجملته ثماني كلمات. رواه الشافعي بإسناده عن أبي الجوزاء أنه قال للحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، هل عندك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء، فقال: "كلمات أقولهنّ [103 أ/ 2] في قنوت التوتر"، وذكر هذه الكلمات، وقد زاد بعض أصحابنا: "ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما قضيت، استغفرك وأتوب إليك". وقالوا: لو قال هذا كان حسنًا. وقال القاضي الطبري قوله: لا يعزّ من عاديت ليس بحسن، لأنه لا تضاف العداوة إلى الله تعالى، وهذا فيه نظرٌ، لأن مثل هذا جاء في القرآن العظيم: قال الله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98]، فلا بأس بهذه الألفاظ، وإذا كان إمامًا، قال أصحابنا: الأفضل أن يعم، فيقول: "اللهم، اهدنا" حتى يكون الدعاء له ولغيره من المأمومين، ولو دعا بغير هذا الدعاء جاز، وإن كان المستحب ذلك. وقال بعض أصحابنا: لو قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنًا، وهو ما روى نافعٌ عن ابن عمر، قال: قنت رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح، فسمعته يقول: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفر بك، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار مُلحق. اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألّفة بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان

والحكمة وثبتهم على ملّة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم. وروي أن عثمان رضي الله عنه لما كان يجمع القرآن لا يثبت إلا ما اجتمع عليه عدد من الصحابة، فانفرد واحدٌ من الصحابة براوية هاتين السورتين: "اللهم إنا نستعينك" إلى آخره، فقال عثمان رضي الله عنه: "اجعلوها في القنوت"، وإنما أمر به حتى لا تضيّعا، ويستحب أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الدعاء لما روي في حديث الحسن في الوتر، أنه قال: "تباركت وتعاليت" [103 ب/ 2] وصلّى الله على النبيّ وسلم. أورده أبو عبد الرحمن النسائي في سننه، وقيل: لا يستحب، ولكن يجوز لأنه لم يصحّ الخبر. وأما القنوت فيما عدا الصبح، فلا يستحب إذا لم يكن نازلة ويُنهى عنه، فإن نزل نازلة بالمسلمين، ولن تنزل إن شاء الله قنت فيها كلها إن شاء الإمام، ثم إذا زالت النازلة ترك القنوت. وقال الطحاوي: "القنوت في سائر الصلوات لم يذكره غير الشافعي"، وهذا غلط لما رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قنت في صلاة المغرب، وهذا محمول على نزول النازلة. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحٍد، أو يدعو على أحٍد. كان إذا قال: "سمع الله لمن حمده"، قال: "ربنا لك الحمد" وذكر الدعاء. وقال بعض أصحابنا: إذا لم يكن نازلة، قال في "الأم": "لا يقنت". وقال في "الإملاء": "إن شاء قنت وإن شاء ترك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت فيها وترك، ولا يقال في هذا: ناسخٌ ومنسوخٌ"، وفي نظر. والصحيح ما تقدم، وقيل: يقنت في الجمعة والعشاءين وإن لم يكن نازلة فإذا قلنا لا يقنتا فلا كلام وإذا قلنا يقنت فالقنوت بعد الركوع في آخر الصلاة. وروي عن ابن عمر أنه قال: كان بعض الصحابة يقنت قبل الركوع وبعضهم بعد الركوع، فإن كانت الصلاة مما تسرّ فيها القراءة أسرّ به، وإن كان مما يجهر فيها بالقراءة جهر به، وقال أبو العوام بن حمزة المازني: قلت لأبي عمرو البهزي: القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعده، فقلت له: عمنّ أخذت هذا؟ فقال: عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. وحكي عن مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى أنه قبل الركوع، وأما المأموم ماذا يفعل في حال قنوت الإمام؟ قال بعض أصحابنا: هل يقنت معه المأموم؟ أم يؤمّن على

دعائه؟ لا نص للشافعي فيه، ولكنه قال: إذا مرّت به آية رحمة سألها، ولذلك المأموم فشرك بينهما في الدعاء، فينبغي أن يكون ههنا مثله. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [104 أ/ 2] "إذا دعا الإمام فأمّنوا على دعائه". وقيل في الكلمات التي ليست بدعاء فالمأموم يسكت أن يقول مثله أو يقول: أشهد. وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يدعو على الكفّار ونخن نؤمّن خلفه". وهذا يدل على أنه يؤمّن، ولا يدعو. وقال بعض أصحابنا: هذا فيما كان دعاء، فأمّا ما كان ثناء على الله تعالى، فينبغي أن يقول مثله، وقيل: المأموم بالخيار في ذلك إن شاء أمّن في الكل، وإن شاء قرأ معه، فإن التأمين على الدعاء يجري مجراه، فاستويا في حقه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجهر في القنوت أم يسرّ؟ وجهان. فإذا قلنا: يجهر، فالمأموم يؤمّن، وإذا قلنا: يسرّ، فالمأموم يقنت أيضًا. وأمّا رفع اليدين فيه، فلا نص فيه. وقال أصحابنا: يستحب رفع يديه عند الدعاء لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه "كان يرفع يديه حتى يبدو ضبعاه"، أي عضداه. وروي أن عمر "قنت ورفع يديه حتى رأي بياض إبطيه". وروي عن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رفع يديه على الكفار". وروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما "رفعا أيديهما إلى صدورهما". ومن أصحابنا من قال: يقتضي المذهب أنه لا يرفع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لم يرفع اليد إلا في ثلاثة مواطن في: الاستسقاء، والاستنصار، وعيشة عرفة". ولأنه دعاء في الصلاة فلم يستحب له رفع اليد كالدعاء في التشهد. وقال القاضي الطبري مرةً: أنه لا يرفع وهو اختيار القفّال. وقال مرةً: أنه يرفع، والأولى عندي هذا، وأنا أرفع اليدين فيه. وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يمسح يديه على وجهه عند الفراغ من الدعاء لما روي محمد ابن كعب عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: إذا دعوت فادع الله ببطون كفك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت فامسح راحتيك على وجهك"، [104 ب/ 2] ولا يمسح يديه على غير وجهه من بدنه، فإن فعل ذلك كان مكروهًا. وروى بعض أصحابنا بخراسان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا قنت يرفع يديه شاهرًا، ثم يمسح بهما على وجهه". وفي هذا نظر وأنا لا أفتي بهذا. فرع قال بعض أصحابنا: لو أراد أن يدعو في القنوت لقوم أعيانهم، أو على قوم

بأعيانهم، جاز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اللهم العن رعلاً وذكوان وعصية، وأنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام"، الخبر. وفي هذا نظرٌ عندي. مسألة: قال: "والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة". وأراد بها التورك. وقد ذكرنا ذلك، وذكر بعد هذا كيفية التشهد، وقد مضى ذلك. مسألة: قال: "ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها ثم قضى". وهذا كما قال: من فاتته صلوات تركها عامدًا أو ناسيًا، أو نام عنها حتى فاتت أوقاتها استقرت في الذمّة وسقط الترتيب فيها، ويجوز أن يقدمها على صلاة الوقت، ويجوز تقديم صلاة الوقت عليها قلّت أو كثرت إلا أنه إن ذكرها، وهو في صلاة أخرى أتمها، ثم قضى ضيقًا كان الوقت أو واسعًا، وإن ذكرها قبل أن يتلبس بها، فإن كان الوقت ضيقاً بحيث إن قضاها فاتت صلاة الوقت فيكون قد صلاها قضاء، فالأولى تقديم صلاة الوقت والقضاء بعدها، وإن كان الوقت واسعاً، فالمستحب أن يصلي الفائتة أولاً، ثم الحاضرة ويُراعي الترتيب للخروج من الخلاف، فإن خالف فصلى الحاضر أولاً جاز. وبه قال الحسن وطاوس وشريح. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا ذكر صلاة فائتة، وهو في حاضرة بطلت التي هو فيها ويجب عليه أن يقضي ما فاته ثم يصلي الحاضرة، وإن ضاق الوقت يصلي الحاضرة أولاً، ثم الفائتة، وإذا اجتمعت عليه فوائت فإن الترتيب فيها واجب ما لم يبلغ ست صلوات، فإن بلغت ست صلوات فقد دخلت في حد التكرار، فلا يلزم الترتيب، وفي خمس صلوات، هل يلزم [105 أ/ 2] الترتيب؟ روايتان، ويسقط هذا الترتيب عند النسيان، وقال أحمد وإسحق: "إذا ذكرها، وهو في الصلاة مضى فيها واجبًا، وصلّى الفائتة، ثم أعاد صلاة الوقت، ويلزم الترتيب بكل حالٍ حتى لو فاتته صلاة في أول بلوغه، ثم ذكرها، وقد صار شيخًا يلزمه إعادة ما بعدها". وبه قال الزهري وربيعة، وذكر بعض أصحابنا: أنه يسقط هذا الترتيب عند النسيان، وإذا ضاق الوقت فيه روايتان عنه. وقال الليث: "إن كانت ست صلوات لا يلزم الترتيب، وفيما دونها يلزم الترتيب مع اتساع الوقت وضيقه، والذكر والنسيان، فإن ذكرها، وقد صلّى صلاة الوقت يصلّي الفائتة، وأعاد صلاة الوقت، وإن ذكرها، وهو متلبسٌ بصلاة الوقت مضى فيها مستحبًا، وأعاد الفائتة وصلاة الوقت"، وهذا غلط لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلّى

التي نسي"، ولأن هذه الصلوات فاتت أوقاتها، فلا يجب الترتيب في قضائها كالست. واحتجّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن عليه صلاة"، وروى نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من نسي صلاة فذكرها وهو مع الإمام، فإذا فرغ منها قضى فائتة، ثم أعاد التي صلّى مع الإمام". أمّا الخبر، تحمله على نفي الكمال أو أراد: لا نافلة لمن عليه فريضةٌ. وأما الخبر الآخر فيحمل الإعادة على الاستحباب. فرع إذا نسي صلاة من صلوات الليل فذكرها بالنهار لا يجهر فيها بالقراءة، رواه أبو ثور عن الشافعي، وقال أبو ثور: يجهر فيها ليكون القضاء كالأداء كما لو قضى صلاة النهار بالليل لا خلاف أنه لا يجهر فيها، وهو غلط عندي. وفي النوافل يسرّ بالقراءة [105 ب/ 2] في النهار ويجهر في الليل، والأول أصح لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارموه بالبعر". وروى بريدة مرفوعاً "من جهر في صلاة النهار فارجموه بالبعر"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة النهار عجماء"، ولأن الجهر سنّة متعلقة بالوقت، فقامت بفوات الوقت. وقال أبو حنيفة مثل ذلك إلا أنه يقول: "إذا كان إمامًا يجهر، وإذا كان منفردًا لا يجهر"، وإن قضاها ليلاً لا نص فيه للشافعي، والذي يجيء على مذهبه أنه يجهر فيها، لأنا إن اعتبرنا أصلها فهي مما يجهر فيها، وإن اعتبرنا الوقت، فالوقت وقت الجهر. وقال الأوزاعي: إن قضاها نهارًا أسرّ فيها، وإن قضاها ليلاً فهو بالخيار بين الجهر والإسرار. مسألة: قال: "لا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة". الفصل وهذا كما قال: الصلاة تشمتك على واجبات ومسنونات وهيئات فالواجبات القيام والقعود والركوع ونحو ذلك. والمسنونات: التشهد الأول، والقنوت ونحو ذلك. وأما

الهيئات؛ فالرجل يخالف المرأة في بعضها، فالرجل يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه ساجدًا، والمرأة تضم مرفقيها إلى جنبيها، ولا تقل بطنها عن فخذيها لأنها عورة، وهذا أستر لها. وأما في الجهر والقراءة: فالمرأة كالرجل ما لم يسمعها الرجال الأجانب وإنما يسمعها النساء أو ذوي محارمها من الرجال، فإن كان يسمع الرجال الأجانب فالسّنة لها الإسرار بخلاف الرجل وهو معنى قول الشافعي: "وتخفض صوتها"، وهذا لأن صوتها كالعورة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يرد الشافعي أنها تسرّ كما صلاة السرّ، بل أراد تسمع من يليها قليلًا ولا تجهر [106 أ/ 2] بحيث يسمع أهل المسجد كلهم بخلاف الرجل، فإنه يستحب له ذلك عند الإمكان. وقال بعضهم: لا يزيد على إسماعها نفسها، وهو غلط ظاهرٌ وما تقدم أصحّ. وأما في التشهدين: تجلس كما يجلس الرجل. وقال أبو حنيفة: "تجلس كأستر ما يكون". وقال الشعبي: "تجلس كما يتيسر عليها". وكان ابن عمر رضي الله عنها يأمر نساءه أن يجلسن متربعات، وهذا غلط، لأنه ليس في هذا ترك الستر، فكان مسنونًا في حقها كوضع اليمين على الشمال. مسألة: قال: "وتكتف جلبابها". وهذا كما قال: الجلبات: الشملة التي تشتمل بما فوق الثياب، وقال أبو عبيد: هو الخمار والإزار. وقال الخليل بن أحمد: الجلباب أوسع من الخمار وألطف من الإزار. وقوله: تكثف، أي: تجعله كثيفًا حتى لا يصفها، والكثيف: الثخين. وقيل: تكثف وتكفت. والكفت: الشدّ، والكفت: الجمع، أي: تجمع. قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً} [المرسلات: 25]، أي: نضمهم ونجمعهم، إنما كان ينبغي للمرأة أن تفعله لأنها عورة، فلا ينبغي أن تصفها ثيابها. قال: "وتجافيه راكعة وساجدة لئلا تصفها ثيابها". أراد به تجافي عن نفسها ثيابها لأنها لو ضمت ثيابها حكي ضمها خلقتها من السمن والهزال، وهذا مستحب. وقال بعض أصحابنا: يستحب لها أن تصلي في أستر موضع، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة المرأة في قعر بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها". مسألة: قال: وإن نابها شيء في صلاتها صفقت".

الفصل وهذا كما قال الرجل إذا نابه شيء في صلاته، مثل إن سها إمامه، أو رأى أعمى متردٍّ في بئر، أو طرق عليه الباب، وهو في الصلاة، فله أن يسبّح يقصد به الإعلام والتحذير، والإذن بالدخول. ولو قرأ: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ} [المائدة: 23]، أو قال: {يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] [106 ب/ 2]، أو {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12]، بقصد الأمر بالقراءة جاز، وهذا إذا قصد به قراءة القرآن مع أمره به، فإن لم يقصد به قراءة القرآن أصلًا، بطلت صلاته، لأنه خطابٌ آدمي. وقال أبو حنيفة: إن قصد به إفهام الآدمي، بطلت صلاته إلا أنه ينبّه إمامه أو المارّ بين يديه، وكذلك لو أرتج على الإمام له أن يفتتح القراءة عليه وعلى غيره، وسواء كان الغير في الصلاة أو في غيرها، ولا فرق بين أن يكون ذلك ابتداء من جهته أو جوابًا. والمستحب للمرأة أن تصفق في كل ما يسبّح فيه الرجل، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ناب أحدكم شيء في صلاة فليسبح، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء". وأصل الخبر ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ليصلح بين قبليتين فأبطأ، فقال بلالٌ لأبي بكر الصديق: استأخر مجيء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاقيم لتصلي بالناس؟ فقال أبو بكر: شئت، فأقام وتقدم أبو بكر فلما أحرم حضر النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل الناس يصفقون ويخرقون الصفوف وكان أبو بكر لا يلتفت فلما أكثرو علم أنه جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالتفت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أحرم، فأشار إليه أن اثبت مكانك، فرفع أبو بكر يده فحمد الله شكرًا، إذ رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك المقام ثم استأخر، وتقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلما فرغ من الصلاة، قال للناس: "أحسنتم"، يعني: حين لم يؤخروا الصلاة انتظارًا لي. وقال لأبي بكر: "هلّا ثبت مكانك إذ أمرتك"، فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للقوم: "ما لي رأيتكم تصفقون؟ من نابه شيء في صلاة فليسبّح، فأما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فإن لم يتسع الإمام أنه سها لا يعمل بقول المأموم، لأن من شك في فعل نفسه لا يرجع إلى قول غيره، كالحاكم [107 أ/ 2] إذا نسي حكمه، فشهد عنده شاهدان أنه حكم، وهو لا يذكره. وقال أبو هريرة رضي الله عنه مثل هذا. وقال مالك: "المرأة تسبّح كالرجل". فرع التصفيق ليس أن تضرب كفًا على كف، لأن ذلك يشبه اللهو، بل تضرب كفها اليمني على ظهر كفها اليسرى، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري وهو الأصح، والأصابع من الكلف. وقيل: هو أن تضرب ظهر كفها اليمنى على بطن كفها الأيسر.

وقيل: تضرب بإصبعي يمينها على ظهر كفّها الأيسر، وقيل: على بطن كفها الأيسر. وقيل: أن تضرب أكبر أصابع يدها اليمنى على ظاهر أصابعها اليسرى. وروي في الخبر: "التصفيح للنساء" وفي معناهما واحد، وقيل: التصفيح: أن تضرب إصبعي اليمنى على باطن أصابعها اليسرى، وهذا لأن ضرب اليد أستر لها ولو صفّق الرجل للتنبيه أو سبحت المرأة فقد خالفا السنّة ويجوز. فَرْعٌ آخرُ لو صفقت المرأة، أو الرجل على وجه اللعب لا الإعلام بطلت صلاتها قليلًا كان أو كثيرًا، لأن اللعب ينافي الصلاة فاستوى قليله وكثيره كالضحك والقهقهة، ذكره القاضي الطبري. فَرْعٌ آخرُ لو عطس رجل فشمتهُ وهو في الصلاة فقال: يرحمك الله، بطلت صلاته، لأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمي كردّ السلام، ذكره صاحب "الإفصاح". وبه قال عامّة أصحابنا، وهو المذهب. وقال القاضي الطبري: "وجدت فيما جمعه عبد الرحمن بن أبي حاتم من "مناقب الشافعي" يقول: روى يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول في الرجل يكون في الصلاة فيعطس رجل لا بأس أن يقول له المصلي: يرحمك الله، فقلت له: ولِمَ؟ قال: لأنه دعاء، وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم في الصلاة، ودعا على آخرين". وهذه رواية صحيحة، فوجب أن تكون أولى مما قاله أصحابنا [107 ب/ 2]، وأنا رأيت عن الإمام أبي عبد الله الخياطي حكى عن البويطي عن الشافعي هكذا. وهذا هو الصحيح عندي إذا كان قصده الدعاء لا الخطاب وما تقدمّ أشبه بالسنية، بدليل ما روي عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إليّ، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فلما صلّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبّني، ثم قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن". وقوله: ما كهرني، أي: انتهرني، ولا أغلط لي. وقرأ بعض الصحابة: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} [الضحى: 9]. فَرْعٌ آخرُ قال الإمام أبو سليمان الخطابي: "فإن عطس وهو في الصلاة هل يحمد الله

تعالى؟ قال بعض العلماء: يحمد الله تعالى. وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "العاطس في الصلاة يجهر بالحمد"، وكذلك قال النخعي ومحمد، وهو مذهب الشافعي، قال: إنه يستحب أن يكون في نفسه"، وهذا غريب. فَرْعٌ آخرُ إذا سلم رجل على المصلي، قال في "القديم": "يرد بالإشارة بيده وبرأسه ولا يتكلم". وبه قال جميع أصحابه، وهو مذهب مالكٍ وأحمد وأبي ثور. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ولو قال: عليك السلام بطلت صلاته، لأنه خطابٌ لآدمي على طريق الجواب فجرى مجرى سائر الكلمات ويخالف تشميت العاطس في قول، لأنه موضوع للدعاء لا للخطاب. وقال الحسن وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة: يرد لفظًا، واحتجوا بأن ردّ السلام واجب، والكلام الواجب لا يبطل الصلاة، وقال أبو ثور وعطاء والنخعي، والثوري يؤخر الردّ حتى يفرغ من الصلاة، [108 أ/ 2] ثم يردّ بالكلام"، وحكي عن الثوري أنه قال: "إن كان المسلم حاضرًا فعل هكذا، وإن كان قد ذهب اتبعه بالردّ". وقال النخعي: "ردّ عليه بقلبه". وقال أبو حنيفة: "لا يردّ أصلًا، لا بالقلب ولا بالإشارة، لأن العمل يكره في الصلاة"، وهذا كله غلط لما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه لما قدم من الحبشة سلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فلم يردّ عليه، قال ابن مسعود: فأخذني ما قربُ وما بعُد فلما فرغ، قلت: يا رسول الله أنزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث لا تكلموا في الصلاة"، وهذا دليل على الحَسَن ومن تابعه. وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا سُلّم على أحدم وهو في الصلاة، فليُشر ولا يتكلم". وروى ابن عمر رضي الله عنه، قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجد عمرو بن عوف يصلي ودخل معه صهيب، فدخل رجال من النصار فسلموا عليه، فسألت صهيبًا: كيف كان يصنع إذا سلّم عليه؟ فقال: كان يشير بيده"، وفي هذا نص فيما قلناه، وأما قوله: (إن ردّ السلام فرض)، قلنا: إنما يكون فرضًا إذا وقع في موقعه، وههنا الأولى أن لا يسلّم لأن المصلي مشغول بصلاته، فهو كمن سلّم على من هو قاعد لحاجته لا يرد عليه، وقد نص الشافعي إلى أن الداخل على الإمام في حال خطبته يكره له أن يسلم، فينبغي أن يكون المصلي أولى به. وبه قال عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق، وروي ذلك عن جابر رضي الله عنه،

وعن مالك روايتان في هذا، وكان أحمد بن حنبل لا يرى به بأسًا، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه. فَرْعٌ آخرُ إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا مصليًا فأجابه بالكلام لم تبطل صلاته، لأن إجابته في الصلاة واجبة. والواجب فيها لا يبطل الصلاة كالقراءة. قال الله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24]. [108 ب/ 2] وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم على أبي بن كعب، وهو يصلي فلم يجب، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: السلام عليك يا نبيّ الله، وقال: "وعليك السلام ما منعك أن تجييني إذ دعوتك؟ " فقال: كنت أصلي، فقال: "أفلم تجد فيما أوحي إليّ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ}؟ فقال: بلى يا رسول الله لا أعود". فَرْعٌ آخرُ إذا رأى المصلي أعمى يتردى في بئر أو صيبًا يقع في نار، يلزمه أن يصبح به، وينذره وإذا فعل ذلك، حكى الدارمي عن أبي إسحق أنه قال: لا تبطل صلاته. وقال سائر أصحابنا: بطلت صلاته لأن الوقوع غير متحقق، وليس كذلك لدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أمرٌ متحقق وهذا لا يصحّ، لأن هذا التوهم لا يمنع الوجوب فلا تمنع منه الصلاة، وهذا أظهر، وإن أخرج زكاته في الصلاة بطلت صلاته، لأن إخراجها لا يتعين عليه في الصلاة، وإن كان واجبًا. فصل في النواهي في الصلاة روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن القِران في الصلاة" وأراد والله أعلم القران بين أذكارها كالقران بين الإحرام والتوجه، وبين التوجه والاستعاذة، والقراءة والتكبير. وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الشكال في الصلاة"، ومعناه أن يلصق إحدى رجليه بالأخرى. وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كره الشكال في الخيل" أراد أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة وواحدة مطلقة. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل مختصرًا". قال أبو عبيد: "هو أن يضح يديه على خصره في الصلاة". وروي أنه "نهى عن الاختصار في الصلاة"، ومعناه ما ذكرنا. ويقال: إن هذا من فعل اليهود. وروي في بعض الأخبار: أن إبليس - لعنه الله - أهبط إلى الأرض كذلك، وهو فعل أهل

المصائب يضعون أيديهم على الخواصر [109 أ/ 2] إذا قاموا في المأتم. وقيل: معنى الاختصار وهو أن يمسك بيديه مخصرة، أي: عصًا يتوكأ عليها. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا غرار في الصلاة ولا تسليم". والغرار: النقصان في عدد الركعات أو في الركوع والسجود، ولا تسليم، أي: لا يسلم عليه فيها. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل حتى يحتزم". قال ابن قتيبة: حتى يحتزم بثوبه، فيتزر إن كان إزازًا ويزره عليه إن كان قميصًا. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن اشتمال الصماء". قال أبو عبيد: هو أن يشتمل على منكبه ويسدله على قدميه ويلقي ما فضل من منكبه الأيمن على منكبه الأيسر. وقيل: إنما سمي صماء، لأنه يصير كصخرة صماء لا يبين فيه شق. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن السدل في الصلاة"، وأراد به سدل اليدين. وقيل: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض وكان سفيان يكرهه في الصلاة، وكان الشافعي يكرهه في الصلاة وغيرها. وقال مالك: "لا بأس به في الصلاة"، وبه قال عطاء ومكحول والزهري والحسن وابن سيرين ويكره في غير الصلاة، لأن المصلي ثابتٌ مكانه، فلا يرون فيه خيلاء وفي غير الصلاة خيلاء فنهى عنه. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يصلي الرجل وهو زناء" يعني حاقنًا ضاق به الأمر. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلين أحدكم وهو يدافع أخبثيه". وروي: وهو ضام ركبتيه. وروي: صريحًا به. قال: "إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة"، لأن هذا العذر يمنعه من الخشوع في الصلاة والخشوع شرط. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كره أن يصلي الرجل وبه طوف. قال: قطرب: الطوف الحدث من الغائط والبول". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " [109 ب/ 2] نهى عن كفل الشيطان في الصلاة". قال قطرب: هو أن يصلي الرجل وهو عاقد شعره من ورائه. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن قعدة الشيطان في الصلاة". قال أهل العراق: هي الجلسة قبل القيام إلى الركعة الثانية، ولا يوجد هذا عن المفسرين لغرائب الحديث.

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن نقرة الغراب في الصلاة"، وهي أن ينقر إذا سجد من غير أن يطمئن. وروى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن النفخ في الصلاة"، وهو أن ينفخ في موضع سجوده. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن التفات الثعلب في الصلاة"، وهو أن يلتفت يمينًا وشمالًا بسرعة. وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلب في الصلاة"، وهو أن يضع يديه على خصريه ويجافي مرفقيه. وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يرفع الرجل أصابعه، وهو في الصلاة". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التثاؤب في الصلاة، وقال: "إذا تثاءب أحدكم وهو في الصلاة فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها ها ضحك منه الشيطان". وروي أنه قال: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك يده على فيه، فإن شيطان ينتقل ما بين لحييه". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن صلاة العجلان"، وهذا لئلا يترك شيئًا من سنن الصلاة. ويكره أن يلتفت الرجل في صلاته من غير حاجة لما روى أبو ذرّ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يزال الله تعالى مقبلًا على عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا ألتفت صرف عنه وجهه". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا التفت العبد في صلاته. يقول الله تعالى: عبدي إلى من تلتفت؟ أنا خير لك ممن تلتفت إليه" [110 أ/ 2]. وقالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التفات الرجل في الصلاة، فقال: "اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد"، وإن احتاج إلى الالتفات لا يكره لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يلتفت في صلاته يمينًا وشمالًا"، فإن التفت من غير حاجة لا تبطل صلاته أنه عملٌ قليل، إلا أن يستدبر القبلة أو صرف صدره عن القبلة، فتبطل صلاته

وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يوطن الرجل الصلاة في المسجد كما يوطن البعير"، وهو أن يألف مكانًا معلومًا من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير يتخذ مكانًا لا يبرك إلا فيه. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن التمطي في الصلاة". وروى أن الحسن البصري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في أرض مزبلة". ويكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ولينتهين عن ذلك أو لتخطفنَّ أبصارهم". ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وعليه خميصة ذات أعلام، فلما فرغ، قال: "ألهتني أعلام هذه". وقد ذكرناه. ويكره أن يكف شعره وثوبه في الصلاة لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نُهي أن يكف شعره وثوبه". ويكره أن يمسح الحصى في الصلاة لما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصا"، وأراد بمسح الحصا تسويته ليسجد عليه. وأكثر العلماء كرهوا هذا. وقيل: أراد العبث بها. وقال مالك: "لا بأس به"، وكان يسوي الحصا في صلاته غير مرة. وروى معيقيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تمسح لحصا، وأنت تصلي، فإن كانت لابدّ فاعلًا فواحدة تسوية الحصا" [110 ب/ 2]. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة". رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وهذا لأن عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، فنهوا عن ذلك في الصلاة إلا أن يعرض للمصلي التثاءب، فيغطي فمه عند ذلك للخبر الذي تقدم. وروى سعيد المقبري: أن أبا رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - "مرَّ بالحسن بن علي رضي الله عنهما، وهو يصلي قائمًا وقد غرز ضفره في قفاه فحله أبو رافع فالتفت الحسن إليه مغضبًا، فقال أبو رافع: أقبل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يقول: "كفل الشيطان"، يعني: مقعد الشيطان، يعني معرز ضفره ويريد بالضفر المضفور من شعره، وأصل الضفر: الفتل، واصل الكفل: أن يجمع الكساء على سنام البعير، ثم يركب وإنما أمره بإرسال الشعر ليسقط على الموضع الذي يصلي فيه صاحبه من الأرض فيسجد معه. وقد روي في السجود: "أمرت أن لا أكفّ شعرًا ولا ثوبًا". وروى أن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في سبعة المزبلة والمجزرة والمقبرة والحمام ومحجة الطريق ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام". وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأرض كلها مسجٌد إلا الحمام والمقبرة"، وإنما منع من المزبلة والمجزرة لأجل النجاسة، فإذا تحقق طهارة الموضع جازت الصلاة إلا أنها مكروهة لأنه موضع النجاسة، وإن تحقق النجاسة فلا تجوز الصلاة فيه بلا خلافٍ. وإن شكّ في نجاسته، فيه وجهان بناء على أن الاعتبار بالأصل أو بالغالب. وأمّا المقبرة، فإن كانت جديدة تجوز الصلاة فيها، ولكنه يكره. وقال مالك: "لا بأس بالصلاة في المقابر". وحكي عن الحسن أنه صلّى في المقابر، وقال أبو ثور: لا يصلي في حمام ولا مقبرة، ولا تجوز لظاهر الخبر. وأما الحمام، اختلف أصحابنا [111 أ/ 2] في المعنى الذي كرهت الصلاة، فمنهم من قال: إنما منع من الصلاة فيه لأجل النجاسة، فإنه محل النجاسات، وعليه نص في "الأم"، فعلى هذا إن علم نجاسته لم تجز، وإن علم طهارته كره، وجاز وإن جهل أمره فوجهان على ما ذكرنا أو على هذا لا ينهي عن الصلاة في المسلخ، لأنه ليس بمحل النجاسة. ومن أصحابنا من قال: إنما نهى عنها لأجل أنه مأوى الشياطين لكشف عورات فيه، ولهذا لما نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوادي ولم ينتبه حتى أيقظهم حرّ الشمس، قال: "ارتفعوا عن هذا الوادي فإن به شيطانًا"، ولم يصل فيه، فعلى هذا المسلخ وبيوت الحمام سواء؛ لأن العورات تكشف في المسلخ ويكون النهي نهي كراهة، فإن صلى جازت الصلاة. وقيل: النهي عن الصلاة في الحمام لأنه يكثر دخول الناس فيه فلو كان الحمام في داره هل يكره الصلاة فيه؟ وجهان، وحكي عن رجل أنه قال: "لا تجوز الصلاة في الحمّام ولا في سطحه" والنهي يعتمد. وأمّا محجة الطريق فلأجل أنه لا يحصل الخشوع فيها لشغل القلب بالعوارض وقيل لأن الغالب فيها النجاسة وقيل لأنه يكثر فيها

المار فلا يمكن الخشوع، فعلى هذا لو صلى في قارعة الطريق لا يمرّ أحد فيها، هل يكره؟ فيه وجهان. وأمّا في معاطن الإبل وظهر بيت الله الحرام فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فصل في الخشوع في الصلاة قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)} [المؤمنون: 2]ـ فدل ترك الخشوع على عدم الفلاح. وروى شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أول ما يرفع من الناس الخشوع"، وهذا كالمشاهد في زماننا هذا، لأنهم يقتصرون على الجائز والمباح. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من هانت عليه صلاته كان على الله أهون" والخشوع أن يفعل ما أمر به، ويجتنب ما نهي عنه، وأن يخلي نفسه من حديث النفس [111 ب/ 2] وأفكار الدنيا. وكان علي رضي الله عنه "إذا دخل عليه وقت الصلاة يصفرّ وجهه تارةٌ ويخضرّ تارةً، ويقول: أتتني الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أني حملها وأشفقن منها وحملتها أنا، فلا أدري أُسيء فيها أن أُحسن؟ ". وروي أنه قيل له: إنك تلقى الأقران وتشهد الحروب، ولا نرى بك ما نرى عند الصلاة؟ فقال هذا. وقال عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء". والأزيز الالتهاب والحركة. وروى أبو داود "في صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء"، وأزيز الرحا صوتها وحركتها. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ لا يحضر فيها قلبه". وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن رجلين من أمتي يصليان ركوعهما واحدٌ وسجودهما واحدٌ وما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض ومن الخشوع أن ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده وفي حال جلوسه إلى حجره". وقال مالك: "الخشوع أن ينظر تلقاء وجهه" وما قلناه أولى لوجهين: أحدهما: أنه مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن خلفائه. والثاني: أنه أغضّن لطرفه وأجزى أن لا يشغل عن صلاته. ومن الخشوع أن يكون المصلي قريبًا من محرابه ليصده عن مشاهدة ما يلهي ويمنعه من مرور ما يؤذي. لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ارهقوا

القبلة"، يعني ادنوا منها، فإن لم يكن محرابٌ اعتمد القرب من حائط أو سارية، فإن لم يكن وضع بين يديه شيئًا أو خط خطاً، ومن الخشوع أن لا يضع [112 أ/ 2] رداءه عن عاتقه بين يديه، ولا يكثر الحركة والالتفات ولا يقصد فعل شيء أبيح له فعله في الصلاة. ومن الخشوع أن لا يلبس ثوبًا يلهيه ويعتمد لبس البياض ولا يصلي متلثّمًا ولا مغطى الوجه فإنه مكروه. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلي، وقد غطى لحيته، فقال: "اكشف وجهك". ومن الخشوع أن لا ينتحنح في صلاته ولا يبصق. وروى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه"، فإن غلبه البصاق فألقاه على الأرض لم تبطل صلاته. وروي أن عثمان رضي الله عنه "أول من رسم الخلوق في المسجد لينمحي به أثر البصاق". فرع إن كان حاقنًا ويخاف فوت الصلاة لضيق وقتها، فيه وجهان: أحدهما: يؤخرها حتى يأتي الخشوع، ويكون عذرًت في التأخير كما لو خاف ذهاب الوقت لو تطهّر لا يترك الطهارة. والثاني: يصليها على حاله ثم يستحب له أن يعيد لأنه يؤدي إلى فوات الصلاة. مسألة: قال: "وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها". الفصل وهذا كما قال: يجب ستر العورة على الرجل والمرأة في الصلاة قولاً واحدًا. وأما في غير الصلاة ينظر فإن كان هناك من ينظر إليه، فعليه الستر، وإن كان خاليًا في بيته، فيه وجهان. والمذهب المنصوص أنه يجب سترها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "فالله أحق أن يُستحى منه"، ومن أصحابنا من قال: لا يجب ذلك. وقال مالك: "ستر العورة ليس بشرط من شرائط الصلاة بل هو واجب في الصلاة وغيرها". واحتج بأن وجوبه لا يختص بالصلاة فلا يكون من فروضها، فإذا عدم فيها لم يبطلها كالصلاة في الدار المغصوبة، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها [112 ب/ 2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقبل الله صلاة امرأةٍ حاضت إلا بخمار". أي

بلغت حال الحيض، وما ذكروه يبطل الإيمان والطهارة أيضًا، فإنه تجب لمس المصحف وفقدهما يبطل الصلاة، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في قدر العورة، فهو من الرجل ما بين سرته وركبته، وليست السرة ولا الركبة منها. نص عليه في عامة كتبه. وبه قال مالك وأحمد في رواية وقال أبو حنيفة: الركبة من العورة. وبه قال عطاء، وهذا غلط لما روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "وما فوق الركبة من العورة وما أسفل السرّة من العورة". وقال ابن عباس رضي الله عنه: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يأتزر تحت سرّته وتبدو سرّته ولقي الحسن بن علي أبو هريرة رضي الله عنهم، فقال: "أرني الموضع الذي قبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع الحسن ثوبه فقبل سرّته"، ولأنها حدّ العورة فأشبهت السّرة. واحتج بما روي أبو الخصوب عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "الركبة من العورة". قلنا: أبو الخصوب لا يثبته أهل الأخبار فخبرنا أولى أو أراد استحبابًا. وحكى الداركي عن الترمذي أن الشافعي نصّ في موضع على أن السرّة والركبتين من العورة، وهذا لا يعرف في شيء من كتبه، ولكنه قول بعض أصحابنا. وقال داود بن الجرير: العورة هي السوأتان: القبل والدبر من الرجل والمرأة. وروي ذلك عن أحمد، واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعاً في بيته كاشفًا عن فخده، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسوّى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج، قلت: يا رسول الله [113 أ/ 2] دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ثم دخل عمر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة"، فلو كان الفخذ عورة لغطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخول أبي بكر وعمر. وهذا غلط لما روى جرهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رآه في المسجد قد كشف عن فخذه، فقال: غطّ فخدك، إن الفخذ من العورة". وروى الدارقطني بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لعلي: "لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت". وأمّا ما روي عن عائشة رضي الله عنها قلنا: روي كاشفًا عن ساقيه، ويحتمل أن يكون الموضع المكشوف لم يكن من الناحية التي جلس فيها أبو بكر وعمر، ويحتمل

أن يكون جائزًا ثم نسخ بما ذكرنا. وأما المرأة فكل بدنها عورة إلا الوجه والكفين فمتى صلت، وقد كشف بعضها، وإن كان شعرة بطلت صلاتها. وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو ثور إلا أنا ذكرنا عن مالك ما قال في حكم الصلاة، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقد قال مالك لو تركت الستر ووقت الصلاة باق أعادتها، وأصحابه يقولون: كل موضع يقول مالك: يعيد إن كان الوقت باقيًا يريد الإعادة استحبابًا. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: يجب عليها ستر جميع بدنها حتى ظفرها وإن انكشف منها شيء بطلت صلاتها. وروي هذا عن أحمد. وروي عن أحمد وداود: كل بدنها عورة إلا وجهها فقط. واحتجا بقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31]، والظاهر الوجه، وهذا غلط، لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: إلا ما ظهر منها: الوجه والكفين. وروت عائشة رضي الله عنها: أن امرأة رمت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من وراء ستر بثياب فقبض ذلك. وقال: "ما أدري أيد امرأة أم رجل"، [113 ب/ 2] فقالت: بل امرأة، فقال: "لو كنت امرأة لغيرت أظفارك" يعني بالحناء، فلو كانت يدها عورة لم ينظر إليها. وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: قدم المرأة ليست بعورة. وعن أبي حنيفة رواية: أنها عورة. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أن في أخمض قدميها وجهين. وقيل: قولين. وهذا غلط لما روت أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله "أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ فقال: "نعم، إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها". قالوا: القدمان يظهران منها في العادة كالكفين، قلنا: لا نسلم بل تستران في العادة، ولهذا لا يجب كشفهما في الإحرام بخلاف الكفين. وقال أبو حنيفة أيضًا: العورة عورتان مخففة ومغلظة، فالمخففة ما بين السرة والركبة من الرجل وجميع بدن المرأة إلا ما ذكرنا. والمغلظة: السوأتان من الرجل والمرأة، فإن ظهر من المغلظة قدر درهم لا تبطل صلاته وإن زاد بطلت وإن انكشف من المخففة قدر ربع عضو فأكثر لا تصح الصلاة وإن كان دون ذلك يصح. وقال أبو يوسف: يُعفى عن أقل من النصف وعندنا لا فرق. ولا يُعفى عن قليله وليس فيما قدره توقيف ولا اتفاق، فلا يجوز القول به. فإذا تقرر هذا فالمستحب لها أن تصلي في ثلاثة أثواب: قميص سابغ يغطي قدميها وخمار يغطي رأسها وعنقها، وإزار غليظ فوق القميص والخمار هو الجلباب الذي ذكره الشافعي، نص عليه في "الأم"

وروي عن عمر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهم قالوا: يستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أبواب، وأما الواجب الخمار والقميص السابغ لما ذكرنا من خبر أم سلمة رضي الله عنها. مسألة: قال: "وإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها". وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة المرأة الحرة، فأما عورة الأمة لم يذكر الشافعي [114 أ/ 2] قدرها، ولكنه قال: تصلي بغير قناع. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنها كالرجل عورتها ما بين السرة والركبة، وهو اختيار أبي إسحق والقاضي الطبري وجماعة، وهو ظاهر المذهب لأنها سلعة من السلع يضطر الناس إلى النظر إلى صدرها كما يضطرون إلى النظر إلى الإشهار لأن من لم يكن رأسه عورة لم يكن بدنه عورة كالرجل. ومن أصحابنا من قال: جميع بدنها عورة إلا ما تمس الحاجة إلى كشفه عند التقلب من الرأس والوجه واليدين والساقين وما عدا ذلك عورة. وقال صاحب "الإفصاح": "عورتها كعورة الحرة" إلا أن لها كشف الرأس لما روي أن عمر رضي الله عنه: "رأى جارية متقنعة لآلِ أنسٍ فَعَلاها الدرة. وقال: أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء. وروي أنه قال: "اكشفي رأسك ولا تشبهي بالحرائر يا لكاع". وقال ابن المنذر: "كان الحسن البصري يوجب على المرأة الخمار إذا تزوجت أو يتخذها سيدها لنفسه وروي عنه: إذا ولدت". فرع أم الولد والمكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها سواء في قدر العورة، ذكره جميع الصحابة. وقال في "الحاوي": "في المعتق نصفها وجهان: أحدهما: هنا، وهو أنها كالأمة في صلاتها ومع الأجانب وكأمة الغير مع سيدها. والثاني: أنها كالحرائر في صلاتها ومع سيدها والأجانب، وهذا أصحّ لأنه إذا اجتمع التحليل والتحريم كان حكم التحريم أغلب" وهذا غريب جيد. وقال محمد بن سيرين: أم الولد لا تصلي إلا متقنعة لثبوت سبب الحرمة لها، وهو رواية عن أحمد. وروي عن مالك مثله، وهذا غلط لأنها مضمونة بالقيمة فأشبهت القن. فَرْعٌ آخرُ لو دخلت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت قبل الفراغ منها فعليها أن تستتر ثم

تمضي في صلاتها، ثم لا يخلو إما أن يكون بالقرب منها أو بالبعد عنها، فإن كان بالقرب منها أخذته وسترت به عورتها، ولم تبطل صلاتها لأنه عمل يسير، وهكذا لو سترها غيرها به جازت صلاتها أيضًا. ولو احتاجت إلى استدبار القبلة بطلت صلاتها، وإن كان قليلًا لأن استدبارها أعظم من العمل الكثير، وإن كان الثوب بالبعد عنها فعليها أن تمشي إليه وتستر به عورتها، فإذا مشت إليه بطلت صلاتها. وقال في "الحاوي": "ثم فيه وجهان: أحدهما: تبطل برؤية الثوب كالمتيمم إذا رأى الماء، وهذا لا يصحّ لأنه لو صحّ لبطلت، وإن كان الثوب قريبًا. والثاني: تبطل بالمشي إليه وعلى هذا لو لم تمضِ لأخذ الثوب ولا انتظرت من يناولها، تبطل أيضًا؛ لأنها وإن لم تمض فهي في حكم من مضى لوجوب ذلك عليها". وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على من سبقه حدث في صلاته فخرج وتوضأ، هل يبني أم يستأنف؟ قولان. فَرْعٌ آخرُ لو كان هناك من يأتيها به، فهل يجوز لها أن تمسك عن عمل الصلاة حتى يأتيها به ويسترها؟ فيه وجهان: قال أبو إسحق: يجوز ذلك ولا تبطل صلاتها لأنها فعلٌة واحدٌة، فهو كانتظار الراكع المأموم. وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاتها، لأنها تركت ستر العورة مع القدرة عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على المشي، فإن جوزنا المشي فالانتظار أولى وإن لم نجوز المشي، فيه وجهان. وهذا مبني على أنه هل يجوز في صلاة الخوف أكثر من انتظارين؟ فَرْعٌ آخرُ لو كانت جاهلة بالعتق أو بوجوب الستر أو بوجود الثوب، وصلت مكشوفة الرأس لم تجزها لأنه شرط فلا يسقط بالنسيان والجهل قولًا واحدً. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان [115 أ/ 2] من المصلي في الثوب النجس ناسيًا، فإن فيه قولين. ومن قال الأول أجاب عن هذا: أنها مندوبة إلى الستر، فصارت كالمفرطة في تركها ولم يعزر فيه الجهل بخلاف مسألة النجاسة، وفي هذا الفرق نظرٌ. فَرْعٌ آخرُ المكاتبة كالأمة، ولكن إذا كان عندها ما تؤدي في نجومها وقد حلت يكره لها أن تصلي مكشوفة الرأس، وهكذا لو قال لها سيدها: إني دخلت الدار في يومي هذا، فأنت حرة فتركت الدخول، أو قال لها: أنت حرة إن شئت.

فَرْعٌ آخرُ لو قال لأمته: إن صليت مكشوفة الرأس فأنت حرةٌ من الآن يعني قبل الصلاة، فصلت مكشوفة الرأس صحت صلاتها ولا تعتق قبل الصلاة، لأن هذه صفة باطلة، لأن تقدم المشروط على الشرط محال ويكون كإيقاع العتق في الزمان الماضي. فَرْعٌ آخرُ يلزم الحرة ستر العورة الصغرى مع الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ولم تتحرك عليهم الشهوة والصغرى ما بين السّرة والركبة وأما مع العبيد فيه ثلاثة أوجه أحدها: يلزمها ستر العورة الكبرى، كالأجانب، والكبرى: جميع البدن. والثاني: يلزمها ستر العورة الصغرى لدى الرحم وبه قال ابن أبي هريرة، وابن سريج. والثالث: وهو تقريب أنها تبرز إليهم وهي فضل بارزة الذراعين والساق، ولا يختلف أصحابنا أنه لا يلزمهم الاستئذان إلا في وقت مخصوص بخلاف الحرة. فَرْعٌ آخرُ لو كان نصفها حرًا فعليها ستر العورة الكبرى منه بلا خلاف ذكره في "الحاوي". فَرْعٌ آخرُ الشيوخ الهرمي الذي عدموا الشهوة وفارقوا اللذة ففي عورتها معهم وجهان: أحدهما: هي الكبرى. والثاني: الصغرى، كما قلنا في الصبيان. فَرْعٌ آخرُ المحبوب الذي ليس بخصيّ، ففي عورتها معهم وجهان أيضًا لقوله تعالى: {أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ}. فَرْعٌ آخرُ العينين [115 أ/ 2] والمأيوس من جماعه والخصي والمؤنث المشبه بالنساء كغيرهم من الرجال في حقها. فَرْعٌ آخرُ لو تجرد الرجل في ماء نهر أو غدير، فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الماء يقوم مقام الثوب في ستر عورته. والثاني: لا يجوز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى أن ينزل الماء بغير مئزر، وقال: "إن للماء سكانًا".

فَرْعٌ آخرُ لا حكم لعورة الأطفال دون السبع، فإذا بلغ الغلام عشرًا والجارية تسعًا كانا كالبالغين في حكم العورة، وتحريم النظر إليها، لأن هذا زمان يمكن فيه البلوغ فيغلظ حكم العورة وفيما بين التسع والعشر من الغلام والجارية يحرم النظر إلى فرجها ويحلّ فيما سواه. مسألة: قال: "وأحب أن يصلي الرجل في قميص ورداء". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا عورة الرجل، فيلزمه أن يصلي مستور العورة، ثم الكلام فيه في فصلين: أحدهما: في الكمال. والثاني: في قدر الجائز. فأما الكمال هو أن يصلي في ثوبين وقميص ورداء أو قميص وإزار أو قميص وسراويل لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحقّ من يزين له". فمن لم يكن له ثوبان، فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل اشتمال اليهود، وإن كان معه ثوب واحد اتزر به إذا كان ضيقًا، ويجعل على عاتقه شيء، وإن كان واسعًا التحف به، وخالف بين طرفيه على عاتقه كما يفعله القصّار إذا كان في الماء. والأصل في ذلك ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له: "يا جابر إذا كان الثوب واسعًا، فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقًا فاشدده على حقوك"، وإنما قال كذلك في الثوب الواسع ليكون بمنزلة الإزار والرداء. وروى أبو داود في "سننه" عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: "رأيت النبي [116 أ/ 2]- صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا به مخالفًا بين طرفيه على منكبيه". وقال أحمد: لا يجزئه حتى يكون على عاتقه شيء لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء"، وهذا غلط، لأن هذا الموضع ليس بعورة، فلا يجب ستره. والخبر محمول على الاستحباب أو على أنه أراد: لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حقوه، ولكن يتزر به ويرفع طرفيه، فيخالف بينهما ويشده على عاتقه على ما بيّنا. وأما اشتمال اليهود أن يجلل بدنه الثوب ويسلبه من غير أن يشيل طرفيه.

وأما قدر الجائز فثوب واحد يستر به عورته فأولاها القميص ثم الرداء، ثم الإزار، ثم السراويل، فقدم الشافعي الإزار على السراويل، لأنه روى: "فليتزر به"، وهذا لأن السراويل تصف العورة حيث كان معمولاً على قدها. قال أصحابنا: وتقديم السراويل أولى لأنه أجمع للستر، ولا فرق بين أن لا يقدر على أكثر من ثوب واحد وبين أن يقدر، والأصل في هذا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الصلاة في ثوب واحدٍ، فقال:" أو يكلكم ثوبان"؟. وروى جابر رضي الله عنه أنه "صلى يومأ في إزار واحد ورداؤه موضوع بين يديه على المشجب فقيل له في ذلك، فقال: إنما فعلت ليراني جاهل مثلك فيعلم أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة وأينا كان له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثوبان". فإذا تقرر هذا، فمتى ملى في قميص واحد فعليه أن يزره لئلا يشاهد عورته هو أو غيره حال الركوع والسجود. وروي أن سلمة بن الأكوع، قال: يا رسول الله إنا نكون في الصيد فيصلي أحدنا في القميص الواحد، قال: "انعم، [116 ب / 2] وليزره ولو لم يجد إلا أن يخله بشوكة". وروي أنه قال: "زره عليك أو اربطه بشوكةٍ". وعنا أبي حنيفة: يجوز وان لم يزره لأن ستر العورة يجب من المقابلة، فإن كان على رقبته ثوب أو خلة بخلال أجزأه، وان ترك ذلك، فإن جيبه ضيقاً ورقبته غليظة يمنع النظر إلى العورة عند الركوع والسجود أجزأه، وان لم يفعل شيئاً من هذا وشد وسطه على سرته بخيط أو حبل أجزأه، وان كان في قميصه شق نظر، فإن قابل العورة لم يجز، وإن لم يقابلها، فهو كالجيب إن كان يشاهد العورة منه، لم يجز، وإن لم يشاهد جاز، ولو غطاه بلحيته أو شعر رأسه، أو وضع يده على موضع الشق لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يغطي بعض بدنه ببعضه. وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: والصحيح الأول، ولو كان معه رداء اتزر ببعضه وجعل البعض على عاتقه، ولو كان معه سراويل واحد لبسه. قال الشافعي: وأحث أن يكون على عاتقه شي، عمامة أو غيرها، وإن كان حبلاً ولم يجد غيره جعله على عاتقه، وهذا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يصلين أحدكم في ثوب ليس على عاتقه منه شيء"، فان لم يجد ثوبا يطرحه على عاتقه طرح حبلاً حتى لا يخلو من شيء. مسألة: قال: "وكل ثوب يصف ما تحته أو لا تجز لم تجز الصلاة فيه". وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الثوب الساتر، وهو أن يكون صفيقاً يستر لون

البشرة فإن كان لا يستر لونها ويشاهد أنه أحمر أو أسود لم يجز لأنه لم يستر العورة، فإن قيل: أليس قلتم: لو كان الحائل خفيفاً عليها فمسها فوق ذلك الحائل لا ينتقض وضوؤه عناكم فجعلتموه ستراً لها؟!. قلنا: الفرق أن نقض الطهارة يتعلق بمباشرة البشرة، والسترة الخفيفة تحول دونه، [117 أ/ 2] وليس كذلك السترة في الصلاة، فإن الفرض الحيلولة لتبين البصر وبين البشرة، فإذا لم يستر لونها لم يجز. وقال بعض أصحابنا: تجوز الصلاة في الثوب الواصف للون وكذا ذكره القفال زماناً فألزم عليه فساد صلاة العريان في الماء الصافي، فرجع عن ذلك، ولو كان الثوب صفيقاً يستر لونها جازت الصلاة فيهء وإن وصف حجم الأعضاء للينه من الإليتين أو الفخذين، أو الذكر، لأنه ما من ثوب إلا ويصف ذلك وغيره أولى. وقول الشافعي: "وكل ثوب يصف ما تحته". أراد به ما ذكرنا. وقوله: أو لا يستر أراد به أن يكون رخو النسج بحيث يرى من فرج النسج ما تحته من العورة. فرع يجوز ستر العورة بكل طاهر يستر عورته، فلو سترها يجلد طاهر ذكي أو مدبوغ جاز. وقال في "الأم": "وإذا لم يجد ثوباً ووجد ورق الشجر ستر به عورته وصلى" لأنه أكثر ما يقدر عليه من الستر ويخصفه على نفسه بشدة أو خيطه. فَرْعٌ آخرُ لو طين عورته بطين حتى لا يرى من لونه شيء وصلى جازت صلاته، لأن الواجب ستر لونه لا ستر جثته وخلقته، ألا ترى أنه لو لبس سراويل ضيقة ترى جثة أعضائه فيه جازت صلاته. وحكي عن ابن أبي أحمد أنه قال: "لا تجوز صلاته"، وهذا غلط لما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ هل يلزمه أن يطين عورته؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: يلزمه، وهو الأصح، وهو ظاهر المذهب، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا وجد ما يستر عورته من جلد طاهر أو ووق ما وغيره يلزمه"، وأراد بالغير الطين، ووجه هذا أنه جسم صفيق يستر ويمنع النظر ولهذا لو طين المحرم رأسه تلزمه الفدية. والثاني: لا يلزمه، وهو اختيار أبي إسحق وجماعة، لأنه يتلوث به البدن، ولأنه إذا جف يتشقق ولا يستره، فإذا قلنا: لا يطين، [117 ب / 2] فلا كلام، وإذا قلنا: يطين، فإن كان محدثاً طين كيف شاء، وإن كان متطهراً طين بدنه غير القبل والدبر، فأما القبل

والدبر ينظر فإن أمكنه تطين ذلك من غير أن يباشر الفرج بيده بأن يكون الطين ثخيناً أو يجعل على يده شيئاً من خرقة، أو ورق شجر أو خشبة فعل وإلا انتقض طهره بمسه. فَرْعٌ آخرُ لو وجد من الكسوة ما يستر بعض عورته مثل أن تجد المرأة سراويل أو الرجل خرقة صغيرة أو إزاراً مشقوقاً، فعليه أن يستر به ما قدر عليه من عورته. والقياس: أن له أن يستر أي موضع شاء من عورته، والأولى ستر القبل والدبر، هكذا ذكر أبو حامد. وقال في "الأم": "ستر به الفرجين لأنهما أغلظ من الفخذين"، فظاهره وجوب ذلك، وان وجد ما يستر به أحدهما، قال في "الأم": "ستر القبل دون الدبر"، لأنه لا حائل دون ذكره يستره ودون الدبر حائل من الإليتين، ولأن هذا الفرج يستقبل به القبلة فكان ستره أولى وكذلك المرأة تستر قبلها دون الدبر أيضاً، ومن أصحابنا من قال: يستر دبره، لأنه ينكشف في الركوع والسجود، فيكون أفحش من القبل، ومن أصحابنا من قال: هما سوا،، وكلاهما خلاف النص الصحيح. فَرْعٌ آخرُ لو كان للرجل ما يستره أو يستر امرأته لا يكفيهما وإنما يكفي أحدهما، وليس للمرأة شي،، فالأفضل أن يسترها لأن عورتها أعظم حرمة، فإن لم يفعل وستر نفسه وصلت عريانة صحت صلاتها لأنها صلت ولم تملك ما تستر عورتها، نص عليه في "الأم". فَرْعٌ آخرُ لو صلى في قميص واحد فوق سطح بحيث لو نظر ناظر من الأسفل رأى عورته جازت صلاته، لأنه لا يلزمه ستر عورته من الأرض، وإنما يلزمه من الجهة التي جرت العادة بالنظر منه ونظيره الخرق في الخف يمنع المسح، ولكن لو كان لابساً للخف وكان واسع الساق بحيث لو نظر [118 أ / 2] ناظر في ساقه رأى ظهر قدمه يجوز المسح عليه. وذكر والدي الإمام وجهاً آخر أنه لا يجوز، لأنه كما يلزمه الستر لحق الآدمي من الأعلى والأسفل، كذلك يلزمه لحرمة الصلاة وهذا ضعيف. فَرْعٌ آخرُ لو صلى في ماءٍ كدرٍ ستر به ما دون السرة حتى لا يظهر منه شيء إذا ركع ويمكنه أن يسجد على الأرض فيها، أو كان يصلى على جنازة حتى لا يحتاج إلى ركوع وسجود تجوز صلاته، وكذلك إذا كان صافياً ودخل فيه إلى عنقه حتى تراكم الماء واخضر به وستر بلونه لون عورته جازت الصلاة، وإلا فلا. وحكي عن ابن أبي أحمل: أنه لا يجوز ذلك بحال.

فَرْعٌ آخرُ لو ستر عورته بالزجاج لا يجوز لأنه لا يستر اللون. فَرْعٌ آخرُ لو وقف عرياناً في جب وصلى على الجنازةء فإن كان رأس الجب ضيقاً لا تبين العورة له ولا للناظرين يجوز وإلا فلا يجوز، وكذلك لو حفر في الأرض حفرة، ووقف فيها ورد التراب إلى نفسه. فَرْعٌ آخرُ لو انكشفت عورته بريح أو سقطة لم تبطل صلاته نص عليه في "الأم"، فإذا قار عليه وأمكنه إعادته كما كان لزمه فعله وان أخره عن أول حال الإمكان بطلت صلاته. فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد إلا ثوبا نجساً ولا يقدر على عيله. قال في "الأم": "لم يصل فيه وتجزئه الصلاة عرياناً ولا يعيد". وبه قال الليث. وقال في البويطي هكذا، ثم قال: "وفيه قول آخر: يصلي في الثوب النجس ويعيد"، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: "يصلي فيه ولا يعيد". وبه قال المزني، وهذا غلط لأن فرض الصلاة يسقط مع العري ولا يسقط مع النجاسة. والدليل على أنه لا يسقط مع النجاسة ما تقدم. وقيل: هذا الذي حكي عن أبي حنيفة، مذهب مالك والأوزاعي لأن عندهما لا تجب إزالة النجاسة على المصلي. وقد روى أبو يوسف [118 ب / 2] عن أبي حنيفة أنه إن شاء صلى عرياناً وان شاء صلى في الثوب النجس. واحتج بأن كليهما واجب وليس أحدهما بأولى من الآخر فيتخير. وروى محمد في "الإملاء" عن أبي حنيفة أنه إن كانت النجاسة في أقل من نصف الثوب صلى فيه، ولا يصلي عرياناً، وإن كان مملوءاً دماً، فإن شاء صلى عرياناً، وان شاء صلى في الثوب، وهذا غلط، لأنها سترة نجسة، فلم تجز الصلاة فيها كجلد الميتة، وما ذكره ينقض بهذا. فَرْعٌ آخرُ لو كانوا جماعة فذهبت ثيابهم لغرق أو حريق أو قطع طريق نظر، فإن بقي مع أحدهم ثوب نظر، فإن كان يحن القراءة تقدم إماماً، وصلوا جماعة، لأنه يمكنه أن يقف أمام الصف الذي هو موقف الأئمة، فكان أولى من العريان، وان كان لا يحسن القراءة يصلي وحده، لأن إمامته ممن يحن الفاتحة لا تصح، فإذا في غ من الصلاة، فالمستحب له أن يعيرهم ثوبه ليصلوا فيه، لأن فيه قربة وثواباً، فإن بخل ولم يعرهم

ثوبه لم يكن لهم قتاله ومكابرته عليه لأنه لا ضرورة لهم إليه لأن لهم أن يصلوا عراة وتجزئهم، ويخالف هذا إذا كان به جوع شديد ووجد مع غيره طعاماً فضل عن حاجته كان له مكابرته عليه، لأن به ضرورة إليه. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يعيرهم، فالأولى أن يبدأ بالنساء، ثم بالرجال، لأن عورتهن أغلظ وأكد حرمة فكانت البداية بسترها أولى. فَرْعٌ آخرُ يجب على المعار قبول العارية به ولا يجوز له أن يصلي عرياناً، قبول العارية كما لو بذل له ماء الطهارة يلزمه القبول. فَرْعٌ آخرُ لو امتنع من الإعارة ورغب في الهبة تمليكاً لا يلزمه قبوله في ظاهر المذهب، لأن في قبوله منة كما لو بذل له ثمن ماء الطهارة لا يلزمه قبوله. وقال بعض أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه: [119 أ / 2] أحدها: هذا. والثاني: يلزمه قبوله. وأما الثالث: يلزمه قبوله ناوياً به العارية، ثم إذا صلى فيه رده إلى ملكه، لأن عليه أن يتسبب إلى ستر عورته بما يقدر عليه، ولهذا عليه أن يستتر بالأوراق وغيرها، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، وهو غلطء لأن الرجل بذل له عينه دون منفعته، فكيف يمكنه قبول منفعته دون عينه، وإذا تملكه كيف يمكنه رد ملكه إلى الغير؟. فَرْعٌ آخرُ لو خافوا ذهاب الوقت إذا صلوا واحداً واحداً، قال ههنا: لم يجز لهم أن يصلوا عراة. وقال في "الإملاء": يتعاورونه بينهم إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا كما أمكنهم حكاه صاحب "الإفصاح"، فالمسألة على قولين: أحدهما: يلزمهم الصبر، ولا يجوز أن يصلوا عراة، فإن صلوا أعادوا لأن متر العورة لا بال له يرجع إليه، فلا يجوز تركه لخوف فوت الوقت كما لو كان معه ثوب يحتاج إلى غسله، ويخاف فوت الوقت لو اشتغل بغله لا يجوز له أن يصليها حتى يغسله، كذلك ههنا. والثاني: لهم أن يصلوا عراة، لأن الستر يسقط بالعذر وخوف فوت الوقت عذر يسقط به. ولو كانت جماعة في سفينة لا يمكن جميعهم أن يصلوا قياماً وأمكنهم واحداً واحداً. قال الشافعي: "صلوا واحداً واحداً إلا أن يخافوا ذهاب الوقت فيصلوا قعوداً". قال المزني في "الجامع الكبير": "إذا كان هذا من قول الشافعي فكذلك يلزمه في الثوب

مثله"، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال في مسألة السفينة قولين أيضاً، ومنهم من قال: ههنا قول واحد، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ستر العورة أكد من القيام، لأنه يجوز ترك القيام في النوافل مع القدرة، ولا يجوز ترك الستر بحال. والثاني: أن ستر العورة لا بدل له يرجع إليه وللقيام بدل، وهو القعود. فَرْعٌ آخرُ لو تخلف [119 ب / 2] القادر على الثوب مع القدوة، وتقدم واحد من القوم مع المكتسي يجوز. نمق عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهو غلط. وقال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة المكتسي خلف العاري، وهذا غلط، لأنه ذكر تجوز صلاته، فصحت صلاته خلفه. فَرْعٌ آخرُ لو استعار ثوباً فلبسه ثم أحرم بالصلاة، ثم استرجعه مالكه بنى على صلاته عرياناً، وتجوز لأنه عاجز الآن عن الستر. فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق مع أحدهم ثوب أصلاً. قال الشافعي: "صلوا فرادى وجماعة"، فمخير بين الفرادى والجماعة. وقال في "القديم": "الأولى أن يملوا فرادى"، لأنه أغض للبصر، فكان أولى من الجماعة التي لا يمكن معها غض البصر، ولأن الجماعة فضيلة وغض البصر فريضة فما أدى إلى فعل الفرض أولى، ولأنه لا يمكنهم أن يأتوا بسنة الجماعة بأن يصطفوا خلف الإمام، وإنما يقف إمامهم وسطهم. ووجه قوله "الجديد": أنهم إذا صلوا فرادي سواء. وقال بعض أصحابنا بخراسان: أحد القولين، أنه ين لهم الجماعة خلافاً لأبي حنيفة، وهو غلط. فَرْعٌ آخرُ إذا صلوا جماعة فالمستحب للإمام أن يقف وسطهم، لأنه إذا تقدمهم لم يمكنهم أن يفضوا أبصارهم عن عورته ويقف المأمومون صفا واحداً، فإن فاق الموضع قاموا صفين وغض الصف الأخير أبصارهم. فَرْعٌ آخرُ لو كانوا رجالاً ونساء صلى الرجال على الانفراد، والنساء على الانفراد، فإن كان المكان واسعاً غاب الرجال عن النساء وصلى الكل في وقت واحد، والحكم في جماعهم وانفرادهم على ما ذكرنا، وإن كان المكان ضيقاً صلى الرجل جماعة،

واستدبر النساء الرجال حتى إذا فرغوا صلى النساء حتى لا يشاهد بعضهم عورات بعض [120 أ / 2] في الصلاة، وظاهر كلام الشافعي ههنا أن النساء ينفردن عن الرجال سواء كان هناك حائل بينهن وبينهم، أو لم يكن. ولكن قال أصحابنا: لا تمنع النسا، إذا كان هناك حائل في حرم المسجد أن يصلين مع الرجال في جماعة، لأن المنع للاطلاع على العورة، وههنا لا توجد هذه. ومن أصحابنا من قال في النساء: ين لهن الجماعة بخلاف الرجال العراة لأنهن يصلين بسنة جماعتهن فإن إمامتهن تقف وسطهن عاريات كن أو ملتبسات. فَرْعٌ آخرُ العريان إذا لم يجد السترة يصلي قائما بركوع وسجود. وبه قال مالك، وروي ذللك عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد. وقال الأوزاعي وأحمد والمزني: "يصلي قاعداً، لأنه قادر على ستر عورته بالأرض، فيلزمه". وقال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قعد، وإن شاء قام، لأنه لا من ترك فرض في كل واحد من الفعلين، فيتخير. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج أنه يصلي قاعداً يومئ بالسجود، ولا يسجد على الأرض، فيكون كما قال الشافعي في المحبوس في حبس يصلي ويومئ، ثم إذا صلى هكذا، هل تلزم الإعادة؟ فيه وجهان. والمشهور ما تقدم. والدليل عليه أنه مستطيع للقيام من غير ضرر، فلا يجوز له تركه كما لو كان يجد السترة، ولأن فيما قالوا: لا يحصل الستر، بل يسترها من بعضه، ولا يوازي هذا ترك القيام والركوع والسجود، فلا يصح ما قلتم، ولا يضع يده على فرجه إذا صلى فإن وضع بحيث مس باطن كفه فرجه أعاد الوضوء والصلاة. فَرْعٌ آخرُ إذا صلى في ثوب حرير، وكان يجد غيره فقد عصى، ولكن تصح صلاته. وقال أحمد: "لا تصح صلاته"، وكذلك قال: إذا صلى في دار مغصوبةٍ، [120 ب / 2] وهذا غلط، لأنه لا تعلق لهذا النهي بالصلاة، فلا يمنع صحتها كما لو وجب عليه أداء الحق، فتركه واشتغل بصلاة النافلة أو الصلاة في أول الوقت، لا يمنع صحتها، ولو لم يجد غير هذا الثوب الحرير. قال بعض أصحابنا: يجوز له أن يصلي فيه، ولا يجوز له أن يصلي عرياناً، لأن العذر يبيح لبسه، وقد "رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير وعبد الرحمن بن عوف في الحرير لحكة كانت بهما". وقد قال الشافعي: لو فاجأته الحرب يجوز له لبى الديباج، وهذه حالة عذر فجاز له اللبس، ويحتمل عندي وجهاً، أنه يصلي عرياناً، ولا يلبه كما لو وجد ثوب الغير، ولم يعره صاحبه.

فَرْعٌ آخرُ يكره للمرأة أن تتنقب في الصلاة، لأن الوجه من المرأة ليس بعورة، فهي كالرجل يكره له أن يصلي متلثماً على ما ذكرنا في الصلاة في الثوب الذي عليه الصور لما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان لي ثوب فيه صور، فكنت أبسطه، فلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليه فقال: "أخريه عني فجعلت منه وسادتين". فَرْعٌ آخرُ لو دخل العريان في الصلاة، ثم وجد السترة، فهو كالأمة تصلي مكشوفة الرأس، ثم تعتق وتجد السترة. وقال أبو حنيفة: "بطلت صلاته" فنقيس على الأمة إذا أعتقت، وهي حاسرة الرأس سترت، ولا تبطل صلاتها. مسألة: قال: "ومن سلم أو تكلم ساهياً أو نسي شيئاً من صلاته بنى ما لم يتطاول". وهذا كما قال. الكلام في الصلاة ضربان: ذكر الله تعالى وغير ذكر الله تعالى، فإن كان ذكر الله تعالى، وهو التكبير والقراءة، ونحو ذلك لا تبطل الصلاةء وإن قصد به التنبيه والتحذير على ما بيناه. وأما غير الذكر، فهو خطاب الآدميين ينقسم أربعة أقسام: أحدها: أن يتكلم به ناسياً، أنه في الصلاة، [121 أ / 2] فإن كان يسيراً لم تبطل صلاته، وإن كان كثيراً، فظاهر كلام الشافعي ههنا أنه يبطلها، لأنه قال: بنى ما لم يتطاول. وقال نحو هذا في البويطي ولفظه: "إذا تكلم أو فحك ناسياً لصلاته، فإن كان يسيرا ككلام النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين بنى، وإن كان كثيرا أعاد". واختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: هذا، لأنه يقطع نظام الصلاة، ولأنه لو نسي شيئاً من صلب الصلاة وسلم. طال الفصل أبطل الصلاة وجهاً واحداً، فكذلك الكلام. والثاني: وهو اختيار أبي إسحق لا يبطلها، لأن العلة كونه ساهياً، وهو موجود في القليل والكثير، ولهذا سوي في الأكل في الصوم ناسياً بين القليل والكثير. قال: وقول الشافعي: "بنى ما لم يتطاول" عاد إلى ما تركه من صلب الصلاة لا إلى الكلام. وأما في العمل إنما فرقنا بين القليل والكثير، لأن الفعل أكد وأغلظ حكماً، ولهذا المكره على القتل يلزمه القود والمكره على الطلاق لا يقع طلاقه، والأول أصح كما صرح في البويطي وأما دليله لا يصح لأنه إذا كان كثيراً يؤمن مثله في القضاء، فلم يعف وجرى مجرى الفعل الكثير، ولهذا العمل القليل يساوي الكلام القليل، لأنه لا يمكن الاحتراز منهما.

والثاني: أن يسلم من اثنتين يعتقد بأنه فرغ منها فتكلم، ثم بان له أنه لم يفرغ منها، فالحكم فيه كالثاني، والأصل فيه خبر ذي اليدين. والثالث: أن يكون قائماً بالصلاة ولكنه يجهل تحريم الكلام بأن يكون قريب العهد بالإسلام، فهو كالناسي أيضا لخبر معاوية بن الحكم. وقد ذكرناه ولو علم أن جنس الكلام يبطل الصلاة، ولكنه يجهل أن هذا الكلام بعينه يبطلها لم يعذر وتبطل. والرابع: أن يتكلم عامداً مع العلم بالتحريم فيبطلها سواء كان من المصلحة كقوله للإمام: سهوت [121 ب / 2]. وقوله للأعمى: لا تقع في البئر ونحو ذلك. وذكر بعض أصحابنا قسماً خامساً، وهو أن يقصد تلاوة القرآن، أو ذكراً من الأذكار، فسبق إلى لسانه كلام البشر لا يبطلها، وبهذا قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحق وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وعطاء رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة والنخعي: "جميع ذلك يبطل الصلاة إلا السلام ناسياً". وقال سعيد بن المسيب والنخعي وحماد: "جنس الكلام يبطل بكل حال، وكذلك السلام ناسياً في أثناء الصلاة". وقال مالك والأوزاعي: "إن كان لمصلحة الصلاة، لا يبطلها كتنبيه الإمام ودفع المار من بين يديه بالكلام"، وحكي عن الأوزاعي: "لا يبطلها، وان لم يكن هن مصلحة الصلاة كقوله للأعمى: لا تقع في البئر". وهذا كله غلط لما احتج الشافعي من خبر ذي اليدين أنه كلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلم القوم ثم بنوا على صلاتهم، وتمام الخبر ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر فسلم من اثنتين، وانصرف وقعد على خشبة في المسجد كالمتفكر، فخرج سرعان الناس، وهم يقولون: قصرت الصلاة، وفي الناس أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، فقام رجل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسميه: ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال: "لم أنس ولم تقصر الصلاة ". وروي أنه قال: "ذلك لم يكن ما قصرت الصلاة ولا نسيت، فقال: أنسيت يا وسول الله؟. وروي: فقال: بلى قد كان بعض ذلك، فالتفت إلى أبي بكر وعمر، فقال: أو كما قال ذو اليدين؟ فقالا: بلى. وروي: فقالا برأسيهما: أي نعم، فأقبل على القوم. وقال: أصدق ذو اليدين؟ فأومأ أي: نعم، فرجع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مقامه، [122 أ / 2] فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبر وسجد، ثم سلم، ثم قال: "لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم لكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني. وسرعان مفتوحة السين والراء هم الذين يقبلون بسرعة، ويقال: سرعان بكسر السين.

وسكون الراء أيضاً، وهو جمع سريع. واحتج مالك بهذا الخبر وذكر أن القوم تكلموا عمداً لمصلحة الصلاة، ولم تبطل صلاتهم، قلنا: كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على ظن أنه خارج من الصلاة، وكلام ذي اليدين على هذا المعنى لأن الزمان زمان نسخ فزيادة الصلاة ونقصان فتوهم أنه خارج من الصلاة للنسخ وكلام آبي بكر وعمر والقوم كان بالإيماء، ويقول الرجل: قلت بيدي، وقلت برأسي على التوسعة في الكلام، وإن مع أنهم نطقوا لم يضرهمء لأنهم أجابوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبطل الصلاة على ما ذكرنا. والدليل على بطلان قوله أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء"، فلو جاز الكلام في هذا لاستغنى عن التسبيح والتصفيق. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ذات يوم والرجال صفان والنساء صف، فلما قام ليكبر، قال: "إن أنساني الشيطان شيئاً من صلاتي فليسبح الرجال ولتصفق النساء". فرع قال في "الإملاء": "النفس الشديد ليس بكلام، وكذلك النفخ حتى يكون كلاماً يفهم كقوله: أف، والأنين كالنفخ". وهذا صحيح، وجملته أنه إذا أتى من الحروف شيئاً فشيئاً يكون كلاماً مفهوماً بطلت صلاته، وهذا لأن الكلام ما تحرك به اللسان والشفة، فأما صوت يخرج من الحلق، فليس بكلام، فإذا طبق شفتيه وتنحنح [122 ب / 2] لا تبطل، ولو مد الحرف الواحد لا تبطل، لأن مجرد الحرف من غير تشديد لا يسمى كلاماً، وأقل ما يفهم حرفان عند أهل اللغةء فأما الحرف الواحد، فليس بكلام، فلا تبطل الصلاة. وقال بعض أصحابنا: حتى لو كان حرفاً واحداً له معنى كالأمر من وقى، يقي، ق، ومن وعى، يعي، ع، جمع ومن وشى، يشي، ش. بطلت صلاته، لأنه كلام يفهم ومعناه: ق نفسك من كذا، وع كلامي، وش ثوبك. ولو قال: آه، بطلت صلاته سواء كان من خوف الله تعالى، أو من مرض وألم. وقال أبو حنيفة: "إذا نفخ في صلاته بطلت بكل حال وأما الأنين إن كان لمرض تبطل، وان كان لخوف الله تعالى، لا تبطل، وإن بان حرفان". وهذا غلط لما روي أن عمر رضي الله عنه، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى، ثم سجد في آخرها، وجعل ينفخ في الأرض ويبكي، ويقول: "أللهم لا بعدي بهذا وأنا فيهم، ولا بعدي بهذا ونحن نستغفرك".فرفع رأسه وقد تجلت الشمس؛ ولأن هذا لا يسمى كلاماً.

فَرْعٌ آخرُ لو كان في فيه طعام أو سن من أسنانه، فازدرده لم يقطع صلاته إذا كان مما يمر مع الريق بلا مضغ، كما لا يبطل الصوم، ولو مضغه أو علكه أو استأنف إدخال شيء منه وازدرده بطلت صلاته نص عليه في "الجامع الكبير". وقال سعيد بن جبير وطاوس: "لا تبطل صلاة النفل وتبطل صلاة الفرض". وشرب سعيد بن جبير الماء في صلاة النفل، وقال طاوس: "لا بأس به"، وهذا غلط، لأن ما أبطل الصوم أبطل الصلاة كالمباشرة، وإن ترك في فمه لقمة، ولم يزدردها لا تبطل صلاته، لأنه ليس بأكل، ولا عمل طويل، ولو كان ناسياً أو جاهلا بالتحريم، فهو كالكلام ناسياً، فإن كان قليلاً لا تبطل صلاته. قال أصحابنا: ولا سجود عليه ههنا، لأن العمل [123 أ / 2] اليسير معفو عنه، وإن تطاول، فوجهان. والمذهب أنه يبطل. وقيل ههنا قول واحد: إنه يبطل، لأنه نادر. وقال القفال: إذا أكل كثيرا في الصوم، فإن قلنا الكلام الطويل ناسياً، لا يبطل الصلاة، فهذا أولى، وان قلنا: هناك يبطلها فههنا وجهان، فإن جعلنا العلة أن الاحتراز من الكثير يمكن في الغالب، فالموضعان سوا،، وان جعلنا العلة إن نظم الصلاة ينتح بالطويل، فالصوم لا يبطل، لأنه ليس فيه أفعال منظومة. فَرْعٌ آخرُ ولو بكى في صلاته، فإن كان بغير نطق، وإنما هو خشوع وذرف دموع لم تبطل صلاته، وإن كان بالنحيب والرقة والتأوه حتى بان حرفان، فإن كان ناسياً أو جاهلاً لم تبطل صلاته، وإلا بطلت كالكلام سواء، ولا فرق بين أن يكون ذلك من أمر الدنيا أو الآخرة، ذكره أبو حامد في "الجامع". قال القاضي الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: إن كان آية عذاب فبكى من خشية الله تعالى لم تبطل صلاته، وإن حزن على ميت فبكى بطلت صلاته، وهذا يشبه مذهب أبي حنيفة، ولا يجي على أصلنا الفرق. فَرْعٌ آخرُ لو ضحك في الصلاة، فإن كان يبديها من غير صوت لم تبطل صلاته، لأنه ليس فيه أكثر من ظهور أسنانه، وإن كان بصوت وصار حروفاً تفهم كالقهقهة، فإن كان ناسياً أو جاهلاً، أو مغلوباً عليه لا تبطل صلاته وإلا بطلت. فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي في أثنا، هذا الفصل: "أو نسي شيئاً من صلب الصلاة"، وجملته: أنه لا يخلو إما أن يترك واجبا أو غير واجبٍ، فإن لم يكن واجباً كالأذكار المسنونة لم

تبطل صلاته عامداً كان أو ناسياً، وان كان واجباً، فإن كان ذاكرا نظر، فإن كان تكبيرة الافتتاح لم تنعقد صلاته، ولا يصح بشيء مما عمله، وعليه [123 ب / 2] أن يستأنفه الصلاة، وهكذا لو علم أنه ترك ركناً، ولا يدري عينه، وإن نسي القراءة، فقد ذكرنا قولين، فإذا قلنا بقوله "القديم" فذكرها، فإن كان قبل فوات وقته بأن ذكر قبل الركوع أتى بهاء وان ذكرها بعد الركوع لا يعيدها، وإن كان فعلاً كالركوع والسجود، ونحوهما لا يسقط بالنسيان، فإن ذكره بعد التسليم قريباً بنى عليه، وفعل ما نسيه، وأعاد جميع ما عمله بعد الذي نسيه، لأن الترتيب فيها متسحق، وان تطاول الزمان يلزمه استئناف الصلاة قولاً واحداً، لأنه انقطع الموالاة، وذلك يمنع متابعة الأذكار. فَرْعٌ آخرُ اختلف أصحابنا في حد التطاول فمنهم من قال: هو الخروج من العرف بأن يحول وجهه عن القبلة، ويطول الفعل خارجا عن العرف، وهو اختيار صاحب "الإفصاح"، وجماعة، وهو الصحيح، وهو ظاهر كلامه في "الأم". وقال أبو حامد في "الجامع" حكى البويطي في "مختصره": "أنه قدر ركعة تامة". قال: وهذا نص فهو أولى، وهو اختيار أبي إسحق، وحكى الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: حده مقدار الصلاة التي هو فيها، لأن العلم يبني على تحريمة هذه الصلاة، وهذا خلاف نص الشافعي، وغلط لأنه يؤدي إلى اختلاف التطاول لاختلاف أعداد الصلوات. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يبني وان تطاول تخريجاً مما قال: يمضي سجود السهو، وإن طال الفصل في قول، وهذا ليس بشي،. مسألة: قال: "وإن تكلم أو سلم عامداً أو أحدث فيما بين إحرامه وبين سلامه استأنف". وهذا كما قال: قد ذكرنا حكم كلام العمد وفروعه ومن جملة فروعه أنه لو قرأ كتاباً بين يديه، فإن قرأ في نفسه لم تبطل صلاته لأن التفكر [124 أ / 2] وحديث النفس لا يبطل الصلاة لما روى أبو هريرة ورضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تجاوز الله لأمتي عما حدثت به نفوسها ما لم يتكلموا"، ولذلك لو سها على القراءةء ثم تذكر فعاد إليها لا سجود، وان قرأ بلسانه بطلت صلاته، لأن قوله: أطال الله بقاءك، وأدام عزك من كلام الآدمي. وأما الحدث في الصلاة على ثلاثة أضرب: عمد وسهو وسبق حدث، فالعمد يبطل الطهارة، وإذا بطلت الطهارة بطلت الصلاة. قال أبو حنيفة: إذا أحدث عمداً قبل

السلام بعد القعود قدر التشهد، قام مقام السلام، وتمت به الصلاة. وأما سهو الحدث، فكالعمد سواء. وأما سبق الحدث يبطل الطهارة قولاً واحداً، وهل تبطل الصلاة؟ قولان. قال في "القديم ": "لا تبطل الصلاة" وعلق القول في هذا في "الإملاء": فيتوضأ ويبني على صلاته ما لم يتطاول أو يتكلم. وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداود. وقال في "الجديد": "بطلت صلاته، فيتوضأ ويستأنف". وبه قال مالك وابن شبرمة. وروي هذا عن المسور بن مخرمة. وروي نحو قول "القديم" عن عمر وعلي وابن عمر رضي الله عنهم، وهذا هو الصحيح بدليل ما روى أبو داود في "سننه" بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليعد صلاته"، لأنه حدث يمنع المضي في صلاته، فيمنع البناء عليها كما لو رمي بحجر فشج. واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من قاء أو رعف، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم". قلنا: قال أبو حاتم الرازي، هذا مرسل، لأنه يرويه ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يحمل قوله: "بنى على صلاته" على الاستئناف، لأنه يقال لمن فعل مثل ما مضى بنى، وفي هذا نظر. وحكي عن مالك أنه قال: إن كان [124 ب / 2] في أول الصلاة بنى، وإن كان في آخرها استأنف، وهذا بعيد عن الصواب. فرع لا فرق في سبق الحدث عندنا بينه وبين النجاسة إذا خرجت من بدنه من القيء أو الرعاف، فعلى قوله القديم: يغسل النجاسة ويبني على صلاته ما لم يتطاول الفصل لما يخالف الصلاة من أكل أو كلام أو عمل طويل، ولو فار دم جرحه، فلم يصب شيا من بدنه مضى في صلاته على القولين معاً، ذكره في "الحاوي": وسمعت شيخنا الإمام ناصر رحمه الله يقوله: لخبر المهاجري والأنصاري، وهو معروف مذكور ووجه الدليل أنه لم يقطع صلاته بالرمية الأولى والثانية، لأن ما انفصل عن البشرة في الحكم غير مضاف إليه، وان كان الدم متصلا بعضه بالبعض كما لو قلب الماء من إناء على نجاسة فيتغير بها، فالمتغير نجس وما في الطريق طاهر. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا بقوله القديم، فانصرف ليتوضأ فبال الباقي، له أن يبني على صلاته أيضا، لأن الذي سبق منه هو الذي أبطل الطهارة، وبطلان الطهارة لم يبطل الصلاة على هذا القول.

وأما الباقي الذي قصده باختياره لا يبطل الطهارة، فلا يبطل الصلاة. وعلى هذا قال الشيخ الإمام سهل الصعلوكي رحمه الله: لو كان بال ثم تغوط الآن لا تبطل الصلاة أيضاً. وقال بعض أصحابنا بالعراق: العلة في باقي البول أنه يحتاج إلى إخراج باقيه، وهو حدث واحد فكان حكم باقيه حكم أوله، فعلى هذا إذا أحدث حدثا أخر بطلت صلاته، لأنه لا يوجد فيه هذه العلة. مسألة: قال: "وإن عمل عملا قليلا مثل دفعه المار بين يديه أو قتل حية". الفصل وهذا كما قال: جملته أن العمل القليل لا يبطل الصلاة عامداً كان أو ساهياً، وهذا إجماع، لأنه لا بد فيها من قليل العمل، لأنه يدفع المار ويسوي ثوبه ويميط عنه الأذى [125 أ / 2] إن أصابه. وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يملي بأصحابه، فخلع نعليه، فوضعه عن يساوه، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن جبريل عليه السلام أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً". وفي هذا دليل أيضاً على أن الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله واجب كهو في أقواله، فإن أصحابه نزعوا نعالهم لما وأوه نزعه، ودفع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - المار بين يديه، وكان يحمل أمامة بنت أبي العاص، "فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها". وهذا عمل كبير عند الجمع ولكن مرة قليل. وأما حد القليل والكثير، قيل: المرجع فيه إلى العرف والعادة. ومن أصحابنا من قال: حد القليل أن يفعل فعلا لا يتراءى للنظارة أنه في غير الصلاة، وحد الكثير أن يفعل فعلا يتراءى للنظار أنه ليس في الصلاة، وهذا اختيار مشايخ خراسان. ومن أصحابنا من قال: كل عمل لا يحتاج فيه إلى اليدين، فهو قليل كحك الجربان، وإن احتيج فيه إلى اليدين كان كثيرا مثل تكوير العمامة وهذا ليس بشيء. فرع قال الشافعي في "الجديد": "القليل مثل دفعه المار بين يديه وقتل الحية

والعقرب، فلا بأس به في الصلاة". قال: وكل عمل خف يف، وإن كان عمداً مثل الخطوة والخطوتين والطعنة والطعنتين ودفع المار مرة ومرتين، ومسح التراب عن وجهه، وإصلاح ردائه ونحو ذلك لا يبطل الصلاة، فجعل حد القليل المرة والمرتين، وجعل حد الكثير فيما زاد على ذلك، وإنما ذكر دفع المار بين يديه للخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقطع صلاة المرء شيء، [125 ب / 2] وادرؤوا ما استطعتم"، وذكر قتل الحية والعقرب، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب"، وقتل الحية في الغالب إنما يكون بالضربة والضربتين. وفي معنى الحية والعقرب كل ضرار مباح القتل كالزنابير ونحوها. وقال أبو رافع: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقرباً، وهو يصلي" ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أن يزيد على الضربة الواحدة، لأن الشافعي قال في صلاة الخوف: "ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب أو ردد الطعنة في المطعون، أو عمل ما يطول بطلت صلاته"، فمن أصحابنا من قال: "المسألة على قول واحد، وهو أن الثلاثة تبطلها والمرتين لا تبطلها"، وهو اختيار أبي حامد. ومن أصحابنا من قال: "في المرتين قولان"، وهذا اختيار القاضي الطبري، ووجه قولنا أنه يبطلها أن المرتين دخلتا في حد التكرار كالثلاث. والمشهور الأول، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه وذلك فعلان. فَرْعٌ آخرُ لا يكره قتل الحية والعقرب فيها، وقال النخعي: يكره، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر. فَرْعٌ آخرُ لو قصد بالعمل القليل منافاة الصلاة تبطل صلاته، لأنه لو قصا الخروج من صلاته بطلت فبالقصد مع العمل أولى، وهو أن يفتح بابا أو يخطو خطوة أو يستنا إلى حائط بهذه النية، وكذلك لو التفت بوجهه قاصداً منافاة الصلاة. فَرْعٌ آخرُ إذا قفز قفزة وان كان مرة تبطل صلاته، لأنه في نفسه فعل كثير فاحش. فَرْعٌ آخرُ لو التفت بجميع بدنه وحول قدميه عن جهة القبلة، فإن كان عامداً بطلت، وإن كان

ساهياً، فإن تطاول الزمان بطلت وإن قصر [126 أ / 2] يسجد للسهو. وقال بعض أصحابنا: وكذلك لو استدبر القبلة بوجهه دون بدنه. فَرْعٌ آخرُ لو خطا خطوتين لا تبطل الصلاة، وكذلك لو وقف كثيراً بعد ذلك، ثم خطا مثل ذلك حتى خطى عشرين خطوة في صلاة واحدة لم تبطل صلاته، لأن الذي يبطلها لم يكثر دفعة واحدة. فَرْعٌ آخرُ لو دق عليه الباب، وهو بالبعد فخطا خطوة، ثم وقف ثم خطا خطوةً أخرى، ثم وقف ثم هكذا إلى أن بلغ الباب وفتح تصح صلاته، لأن الأعمال المتفرقة، لا ينبني بعضها على بعض. وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الحجرة والباب مغلق عليه، فجثت واستفتحت فمشى وفتح لي، ثم رجع إلى مصلاه". وقالت أم سلمة: "استأذنت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يصلي، فإما مشي عن يمينه، وإما مشى عن يساره حتى فتح الباب، ثم رجع إلى مقامه". وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كانت لي ساعة من السحر أدخل فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان في صلاة سبح، وكان ذلك إذنه لي، وان لم يكن في صلاة أذن لي". فَرْعٌ آخرُ لو وضح السكر في فمه أو شيئاً يذوب بريقه في الصلاة فذاب ونزل في حلقه بطلت صلاته، لأن الصوم فيها شرط. فكل أكل أبطل الصوم أبطل الصلاة، وهذا ظاهر المذهب ولأنه ينافي الاشتغال بالعبادة والخشوع، ويمكن الاحتراز منه. وقال بعض أصحابنا: لا تبطل صلاته لأنه نزل إلى حلقه من غير اختياره ولم يوجد منه إلا الترك في فيه، والصوم يبطل. لأنه هكذا يؤكل، والإمساك فيه شرط ذكره أبو حامد. فَرْعٌ آخرُ يكره له البصاق في المسجد سواء كان في صلاة أو غيرها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن المسجد لينزوي من النخامة [126 ب / 2] كما تنزوي الجلدة من النار". وقال جابر رضي الله عنه: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون،

فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها فحتها بالعرجون، ثم قال: "أيكم يحت أن يعرض الله عنه، إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قتل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادره، فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه ثم دلكه أروني عبيراً، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوف في راحته، فأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لطخ به على أثر النخامة". قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوف في مساجدكم، والعرجون عود لباسه النخل، وسمي عرجوناً لانعراجه، وهو انعطافه. وقوله: فإن الله قبل وجهه، أي: القبلة التي أمره الله تعالى بالتوجه إليها للصلاة قبل وجهه، وفيه هذا الإضمار إنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما يقال: بيت الله، فإن كان يصلي في غير المسجد، فلا يبصق عن يمينه ولا بين يديه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى، فإن بادره جعله في ثوبه، وحك بعضه ببعض كما في الخبر. قال أصحابنا: فإن بصق في المسجد ناسياً دفنه لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه". فَرْعٌ آخرُ لو وجد قملة في ثيابه فالأولى أن يتغافل عنها، فإن رمى بها جاز لأنه عمل قليل، وإن قتلها جاز لأن دمها، معفو عنه، ولا يرميها في المجد. فَرْعٌ آخرُ من دخل في الصلاة بنية الإطالة، ثم نابه شيء كالخوف [127 أ / 2] على المال والحريق والغريق أو بكاء ولد أو حاجة، فله التخفيف، بل يستحب ذلك لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي خلفي، فأخفف لما أعلم من قلب أمه". فَرْعٌ آخرُ قال الإمام أبو سليمان: "إذا صلى المصلي وحده، فالأدب أن يخلع نعله ويضعها عن يساره، ولو كان مع غيره في الصف وكان عن يساره ويمينه ناس، فإنه يضعها بين رجليه". وهذا لما روينا من خبر أبي سعيد الخدري في نزع النبي - صلى الله عليه وسلم - نعله. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه

عن يمينه ولا عن يساره، فيكون عن يمين غيره إلا أن لا يكون عن يساره أحد ويضعها بين رجليه". وهذا ليصان ميامين الناس من كل شيء يكون محلاً للأذى. وفي هذا الخبر: "دليل على أنه إن خلع نعليه، فتركها من ورائه أو عن يمينه، فتعرقل بها رجل فتلفت بأن خر على وجهه أو تردى في بثر بقربهء يلزمه الضمان، وهو كوضح الحجر في غير ملكه". فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي: "وإذا عد الآي في الصلاة عقداً ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وتركه أحب إلي"، وهذا لأنه عمل يسير. وقال مالك: "لا بأس به." وبه قال الثوري واسحق وأبو ثور وابن أبي ليلى والنخعي. وقال أبو حنيفة ومحمد: "يكره". قال في "الحاوي": "وهو قولنا". وقال أبو يوسف: "لا بأس به في التطوع". واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسبح ثلاث تسبيحات"، وذلك إنما يكون بالعد. وقال أبو الدرداء: "إني لأدعو في صلاتي لسبعين رجلا من إخواني". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يعقد في صلاته عقا الأعراب" [127 ب / 2]، وإن عل ركعاتها لا يكره كذلك عد الآي، ولأنه علم العباس رضي الله عنه صلاة التسبيح، فلا يخلو إما أن يعد بعقد القلب، وهو مكروه، لأنه يشغله عن الخشوع فثبت أنه كان يعد بالأصابع، وهذا غلط، لأن هذا عمل ليس من الصلاة، فكان تركه أولى كمسح وجهه، ولأنه مأمور بقراءة ما تيسر عليه، وهذا العد يقطع خشوعه، ويخالف عد الركعات، لأنه لا يقطع خشوعه، لأن معرفة ما مضى منها، وما بقي واجب فجاز عقد الأصابع، ولا يكره. وأما التسبيحات، فلا تحتاج إلى عقا ولا فكر أصلاً. وقول أبي الدرداء يحمل على أنه عدهم قبل الصلاة، أو قال ذلك حرزا وتخميناً. وأما الخبر الذي ذكروا فقد روي أنه عد الفاتحة في الصلاة، وقطعها وهذا يدل على الجواز، وإنما فعل ذلك ليتبين عددها فجاز لغرض، وعلى ما ذكرنا لو داوم بتحريك أصابعه أو أجفاته، لا تبطل صلاته، لأن الفعل في نفسه قليل. فَرْعٌ آخرُ لو تلوثت جبهته بالتراب في الصلاة، فالأولى بأن لا صيحة حتى يفرغ من صلاته لما روي عن ابن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: "أبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

صبيحة الحادي والعشرين من شهر رمضان وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين". مسألة: قال: "وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله". وهذا كما قال. قد ذكرنا هذه المسألة، ولا فائدة في إعادتها ههنا إلا أنه اتبع الدليل، وهو أنه قال: لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن، وفي الأول ذكره المزني بلا دلالة. وقال أبو حنيفة: "الانصراف على اليسار أولى، لأنه انصراف من العبادة كالخروج من المسجل يقدم رجله اليسرى، وهذا يبطل بالسلام من الصلاة". واعلم أن التيامن بالانصراف [128 أ / 2] مثل التيامن في السلام، وذلك أنه في السلام يلتوي ويوجهه عن يمينه. كذلك في الانصراف يلتوي ببدنه عن يمينه، وهذا لأن القصد من الانصراف الإقبال على القوم، وربما يكون المأموم واحدا على يمينه، فلو التوى عن يساره ببدنه صار قفاه نحو المأموم على ما ذكرنا. مسألة: قال: "وإن فات رجل مع الإمام ركعتان من الظهر قضاهما بأم القرآن وسورةٍ". وهذا كما قال: إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من الصلاة، فإنها أخر صلاة الإمام وأول صلاة المأموم فعلاً وحكماً، وبه قال عمر وعلي وأبو الدرداء وسعيد بن المسيب والحسن والزهري والأوزاعي ومحمد بن الحسن واسحق. وقال أبو حنيفة: "ما أدرك مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أول صلاته فعلا وآخرها حكماً، وما يقضيه آخر صلاته فعلاً، وأولها حكماً"، فوافقنا في الفعل وخالفنا في الحكم. وفائدة هذا الترتيب يتبين في مسألة، وهي أنه إذا صلى الوتر مع الإمام ركعة أو ركعتين وقنت معه إتباعاً يعيد القنوت عندنا في آخر صلاته وعندهم لا يعيد، وربما يقولون: روي عن أبي حنيفة أنه قال: يعيد القنوت، فلا يبقى معه للخلاف فائدة. والدليل على ما قلنا: أنها ركعة مفتتحة بالإحرام، فكانت أول صلاته كالمنفرد، فإذا تقرر هذا، فلو فات مع الإمام ركعتان من الظهر، وأدرك ركعتين، فإن شاء صلى من الركعتين الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام قام، وصلى الثالثة والرابعة. قال الشافعي: "قضاهما بأم القرآن وسورة كما فاته"، وإن كان ذلك في صلاة المغرب، وفاتته منها الركعة الأولى وأدرك الركعة الثانية والثالثة، فإنما للإمام الأولى والثانية، فإذا سلم الإمام صلى الثالثة، ويقرأ فيها بأم القرآن وسورة، [128 ب / 2] ويسر فيها بالقراءة. قال المزني: "وهذا غلط قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، يقرأ أم الكتاب وسورة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالتعوذ"، وهذا متناقض. واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إنما أجاب الشافعي ههنا على القول الذي يقول:

قراءة السورة تستحب مع الفاتحة ني الأخريين وفي الثالثة من المغرب، فأما على القول الذي يقول: لا تستحب في الآخرين ولا تستحب هها قراءة السورة، كما قال المزني. وبه قال القاضي أبو حامد. ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحق، هها تستحب قراءة السورة على القولين جميعاً، لأنه فاتته فضيلة السورة في الأوليين من صلاته، فإنه لم يسمعها من الإمام، ولم يقرأها بنفسه فعليه أن يقرأها في الأخريين لتحمل له الفضيلة، وهذا مذهب الشافعي، أن السنة إذا فاتت في محلها جاز قضاؤها في مثل محلها إذا لم يكن في قضائها ترك سنة أخرى، ألا ترى أنه إذا قرأ الإمام في الجمعة في الركعة الأولى سورة المنافقين، وترك سورة الجمعة استحببنا له في الركعة الثانية قضاء سورة الجمعة وإتباعها بسورة المنافقين. والدليل على صحة هذا أنه قال في البويطي: "يقضي بأم الكتاب وسورة كما فاته". وكذا ذكر ههنا ولم يعلل بأن آخر الصلاة محل السورة بل علل بالفوات، فإن قيل: أليس لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة من الطواف لا يقضيه في الأربعة الباقية، فما الفرق؟. قلنا: الفرق أن سنة الأربعة المشي وسنة الثلاثة في الابتداء الرمل، فلو قضى الرمل في ثلاثة من الأربعة المتأخرة ترك سنة الأربعة، وهي المشي وههنا لا يؤدي تضاء هذه السنة إلى ترك سنة أخرى. فرع إذا قلنا: بقراءة السورة، [129 أ / 2] هل يجهر بالقراءة؟ قال صاحب "لإفصاح"، قال الشافعي في موضع: "يجهر بها". وقال في "الإملاء": "لا يجهر"، فالمسألة على قولين: أحدهما: يجهر بها حتى يأتي بها على حسب ما فاته، أو ليدرك ما فاته من الجهر كقراءة السورة. والثاني: لا يجهر بها لا الثالثة من المغرب، والأخريين من غيرها لا مدخل للجهر بالقراءة فيها بحال وللقراءة فيها مدخل، فجاز أن يستحب فيها القراءة دون الجهر. وقال أصحابنا: نص الشافعي على الجهر ههنا يدل على خطأ الجواب للأول عن كلام المزني أنه قال على القول الذي يقول: يقرأ في كل ركعة سورة. فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك الإمام راكعاً كبر وهو قائم معتدل ورفع يديه حذو منكبيه ثم كبر تكبيرة أخرى للدخول في الركوع ويرفع يديه حذو منكبيه، ويل خل معه في الركوع، ولو أدركه ساجداً كبر تكبيرة الافتتاح على ما ذكرنا، ثم يسجد ولا يكبر، لأنه لم يدرك محل التكبير، وإنما يفعل هذا السجود على طريق المتابعة، فإنه لا يستحب به من صلاته، فيفعل القدر الذي أدركه ورفع رأسه مكبراً وسجد سجدة أخرى مكبراً تبعاً لإمامه، ويخالف الركوع لأنه يحتسب به من صلاته، فيأتي به على هيئته.

ومن أصحابنا من قال: يكبر للسجود أيضا، لأنه مأمور بالسجود متابعة للإمام، فيسن له التكبير كما لو كان من صلب صلاته، وهذا ضعيف. فَرْعٌ آخرُ لو أدركه في التشهد الأول كبر تكبيرة الإحرام وجلس بغير تكبير وجها واحداً، وقد نص عليه في البويطي، ووجهه أن الجلوس عن القيام لم يسن في الصلاة، فلا يكبر له، فإذا قام مع الإمام إلى الثالثة كبر متابعة لإمامه، لأن إمامه يكبر، فإذا صلى ركعتين مع الإمام وسلم الإمام قام إلى ثالثته مكبراً، لأنه يقوم إلى ابتداء ركعة. [129 ب / 2] فَرْعٌ آخرُ لو أدركه في التشهد الأخير كبر وجلس بغير تكبير، ويتشهد معه، لأنه أدرك محل التشهد فتبعه في المحل والذكر فيه، ويحصل له فضيلة الجماعة، ثم إذا سلم الإمام قام من غير تكبير، لأنه كبر في ابتداء هذه الركعة، وإنما قام في أثنائها، وليس له إمام يكبر فيتابعه. ومن بعض أصحابنا من قال: لا يتشهد معه، لأنه ليس بموضع تشهده، والأول أصح، لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده للمتابعة جاز أن يتبعه ني التشهد أيضاً، إلا أن هذا التشهد لا يجب عليه، لأنه يلزمه متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة دون الأذكار. والأصل فيما ذكرناه أن كل موضع كان محلاَ للتكبير لو كان وحده، فإنه يكبر إذا فارق إمامه، وكل موضع ليس بمحل التكبير إذا كان وحده نظر، فإن كان إمامه مكبراً كبر معه متابعا له، وإن لم يكن إمامه مكبراً فيه، لم يكبر هو. وعلى هذا إذا أدركه في الركوع وتبعه، ثم سلم الإمام، قام يكبر لأنه يقوم إلى ركعة أخرى لنفسه، ولو أدرك مع الإمام سجدة سجد بها معه ولا يضيف إليها أخرى وإذا استوى قائماً بعدما سلم الإمام، وأدركه في التشهد لا يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه قد اشتغل عقيب تكبيرة الافتتاح بغيره، فلا يعود إليه. فَرْعٌ آخرُ قال: "ويصلي الرجل قد صلى مرة مع الجماعة كل صلاة". وهذا كما قال: إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس منفرداً، ثم أدرك الجماعة، فالمستحب أن يصليها معهم، ولو صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى يستحب أيضا أن يصليها معهم نص عليه في "الجديد". ومن أصحابنا من قال: لا يستحب له ذلك، لأنه أدرك فضيلة الجماعة، فلا معنى لإعادتها، وهذا اختيار كثير من مشايخ خراسان. ومن أصحابنا من قال: إن كان صبحاً أو عصراً لا يستحب له [130 أ / 2] إعادتها

في جماعة أخرى، وهل يكره؟ وجهان. وان كانت غيرهما يعيدها استحباباً، وان كانت مغرباً قد قيل: هي كالظهر. وقيل: يكره حتى لا يصير الوتر شفعاً، والأول أصح. ومن أصحابنا من مال: ينظر في الجماعة الثانية، فإن كانت فيها زيادة فضيلة بالإمام أو المسجد أو بكثرة الجماعة يعيدها، وإلا فلا يعيدها. ذكره الإمام سهل والمنصوص الأول، وهو الأصح، لأن فيه غرضاً وسبباً ظاهراً، وهو استدراك زيادة الفضيلة، وبهذا قال علي وأنس وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والزهري والحسن وأحمد واسحق رضي الله عنهم. وروي عن أحمد أنه قال: "لا يعيد الفجر والعصر إلا مع إمام الحق دون غيره". وقال مالك: "إن صلاها في جماعة لا يعيدها، وإن صلاها في غير جماعة يعيد إلا المغرب". وقال النخعي والأوزاعي: "يعيد الكل إلا المغرب والصبح". وبه قال أبو ثور. وروى عن الحسن وحكي عن الأوزاعي مثل قول مالك. وقال أبو حنيفة: ا (لا يعيد إلا صلاتي الظهر والعشاء، فأما الصبح والعصر والمغرب، فلا يعيدها". واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين". وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس". وأما المغرب لو أعادها صارت وترين من جنس واحد، ولأن الوتر لا يتنفل بهاء وهذا غلط لما أشار إليه الشافعي رضي الله عنه من الخبر. وتمامه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى بالمدينة يوماً صلاة الصبح، فلما انفتل منها رأى رجلاً منعزلاً لم يكن صلى معهم، فقال له: "ما لك لم تصل معنا"؟، فقال: كنت قد صليت، فقال له: "إذا جثت فصل، وإن كنت [130 ب / 2] قد صليت". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما انفتل من صلاته رأى رجلين منعزلين في ناحية المسجد، فقال: "علي بهما"، فأتى بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: "هونا على أنفسكما، فإني لست بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد"، ثم أعرض عنهما حتى سكن ما بهما، ثم قال لهما: "ألستما برجلين مسلمين؟! فقالا: بلى، يا رسول الله، فقال: "لم لم تصليا معنا"؟ فقالا: كنا قد صلينا في رحالنا، فقال: "فلا تفعلا إذا جئتما، فصليا، وان كنتما قد صليتما في رحالكما يكون لكما سبحة"، أي: نافلة.

وفي رواية أخرى أنه قال: "إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام، فليصل معه، فإنها نافلة". وقوله: "ترعد فرائصهما"، جمع الفريصة: وهي لحمة وسط الجنب عند منبض القلب ترتعد عند الفزع. وروى صعصعة بن أبي العريف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم في رحله، فوجد الناس يصلون، فليصل بصلاتهم وليجعل صلاته في بيته نافلة". وروي أن رجلاً سأل أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فقال: يصلى أحدنا في منزله الصلاة، ثم يأتي المسجد وتقام الصلاة، فليصل معهم، فقال أبو أيوب: سألنا عن ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ذلك له سهم جمع"، وأراد أنه سهم من الجزء جمع له فيه حظان. وقال الأخفش: أراد سهم الجيش، وهو السهم من القسمة والجمع ههنا الجيش مثل قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} [القمر: 45]. وأما خبرهم محمول على إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب، قلنا: إذا كان لها سبب، وهو إحراز الفضيلة، فلا يدخل تحت النهي أو صار ذلك منسوخاً، لأن خبرنا كان في حجة الوداع. وأما قوله: لا يجوز التنفل بالوتر لا يسلم، فإنه يجوز عندنا. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يصلي ثانياً مع الإمام ينوي الفريضة كما في الأولى. ومن أصحابنا من قال: يطلق النية إن شاء قيد [131 أ / 2] بالغرض. والصحيح الأول، وقيل: إن قلنا: الفرض أكملهما ينوي الفرفية. وإن قلنا: الثانية نافلة، فيه وجهان: أحدهما: ينوي النفل لأنها تقع نفلاً. والثاني: وهو الصحيح ينوي الفرض لأن القصد إدراك فضيلة الجماعة، ولا تشرع الجماعة في النوافل. فَرْعٌ آخرُ إذا صلى ثانياً، أيهما تكون فريضة؟ قال في "الجديد": الأولى فرضة، والثانية سنة. وبه قال أبو حنيفة وأحمد بدليل ما ذكرنا من نص الخبر الصريح، ولأن الأولى تسقط الغرض بدليل أنه لا يجب عليه الثانية، فدل على أنها نافلة. وقال في "القديم" "أحديهما: فرضه لا بعينها يحتسب الله تعالى له بأيهما شاء". وقيل: يحتسب الله تعالى بأفضلهما وأكملهما، وعبارة هذا أحسن، ووجه هذا أنه استحب إعادتها ليكملهما بالجماعة، فلو كانت الثانية نافلة لم يستحب لها الجماعة، وهذا لا يصح، لأن ههنا الجماعة سببهما.

وقال الشعبي والأوزاعي: "هما فريضة"، وهذا غلط لأن النبي {}، قال: "لا صلاتين في يوم". قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا بقوله "الجديد" يضم ركعة أخرى إلى صلاة المغرب الثانية ليصير شفعاً، فإنه لا يستحب التنفل بثلاث وكعات. وقيل: إنما يضم إليها ركعة أخرى حتى يكون مع الأولى وتراً. وروي هذا عن حذيفة بن اليمان، وقيل: فيه وجه أنه يقتصر على ثلاث. قال: وإذا قلنا: لا يعيدها في جماعة أخرى استحباباً لو أراد فضلها تكون نافلة لا سبب لها، فتكره في الوقت المنهي، وإن كانت مغربا يجعلها شفعاً، وهذا خلاف المذهب. مسألة: قال: ومن لم يستطع إلا أن يومئ أومأ وجعل السجود اخفض من الركوع. وهذا كما قال: القيام واجب في صلاة الفريضة عند القدرة سواء كان قادراً على الركوع والسجود [131 ب / 2]، أو عاجراً عنهما. والأصل فيه قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (البقرة: 238]، أي: مطيعين. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن الحصين رضي الله عنه وكان به البواسير: "صل قائماً، فإن لم تستطيع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب". وقال أبو حنيفة وصاحباه: "إذا عجز عن الركوع والجود بمرض ولم يعجز عن القيام سقط عنه القيام، لأن كل صلاة لا يجبه فيها الركوع والسجود لا يجب فيها القيام كالنافلة على الراحلة". وهذا غلطء لأن القيام ركن، فلا يسقط بعجزه عن غيره كالقراءة، وليس كالنافلة، لأنه لا يجب فيها القيام، وإن وجبه الركوع والسجود، وهو إذا كان على الأرض. وروي عن أبي حنيفة: "أنه بالخيار بين أن يصلي قائماً، وبين أن يصلي قاعداً" كما قال في العاري. فرع إذا كانت بظهره علة تمنعه الركوع ولا تمنعه القيام أجزأه أن ينحني بظهره للركوع، فإن لم يقدر حنى رقبته، وان لم يقدر على ذلك إلا بأن يعتمد على شيء اعتمد مستوياً أو في شق.

فَرْعٌ آخرُ لو قدر على الركوع ولا يقدر على القيام لمرض أو تقوس ظهره من الكبر فصار، كأنه راكع، كان قيامه على صورته راكعاً، فإذا جاء وقت الركوع. قال في "الأم": "خفض على قدر قيامه ثم يسجد ليميز بين قيامه وركوعه". فَرْعٌ آخرُ لو لم يتمكن من وضع جبهته على الأرض في السجود يدني رأسه من الأرض أقصى ما قدر عليه، ولا يضع صدغه على الأرض، لأن ذلك ليس بسجود. هكذا ذكر أصحابنا، وذكر صاحب "الشامل": أن الشافعي قال: "وان قدر أن يسجد على صدغيه فعل، لأنه إذا سجد على صدغيه قربت جبهته من الأرض". فَرْعٌ آخرُ إذا قار أن يقرب رأسه من الأرض مستوياً أو على أحد شقيه لزمه أن يفعل ما فيه المقاربة، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً، فإن [132 أ / 2] رفع مخدة إلى وجهه وسجد عليها لم يجزه، لأنه لا يسمى ساجداً. فَرْعٌ آخرُ لو سجد على مخدة فإن وضعها على يديه لم يجزه، لأنه سجد على ما هو حامل له، وان وضعها على الأرض ثم سجد عليها، قال: أجزأه إن شاء الله. وقال: "إذا جاز إن يسجد على ربوة بين يديه جاز إن يجد على مخدة بين يديه، ولو سجد الصحيح على وسادة من أدم لاصقة بالأرض كرهت له، ولم أر عليه أن يعيد". وروى الحسن البصري عن أمه قالت: رأيت أم سلمة رضي الله عنها تسجد على مخدة من أدم. وروي لرمدٍ بها. فَرْعٌ آخرُ متى عجز عن القيام والركوع وقدر على القعود يصلى قاعداً لما ذكرنا من الخبر، قال الله تعالى: {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191]، وأراد: الذين يصلون قياماً عند القدرة، وقعودا عند العجز، وعلى جنوبهم عند العجز عن القعود. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سقط عن فرسه فجحش شقه فصلى بالناس قاعداً"، قال في "الأم": "وإنما آمره بالقعود إذا كانت المشقة عليه غير محتملة، أو كان لا يقدر على القيام بحال".

فَرْعٌ آخرُ كيف يقعد ههنا؟ فيه قولان. قال في البويطي: "يجلس في موضع القيام متربعاً، وفي التشهد الأول مفترشاً، وفي التشهد الأخير متروكاً" كما حكاه ابن المنذر والساجي. وبه قال مالك والثوري وأبو يوسف وأحمد واسحق والليث إلا أنهم لا يقولون بالتورك. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس رضي الله عنهم، ووجه ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي النفل متربعاً". وروى المزني والقاضي أبو حامد عن الشافعي أنه يجلس كما يجلس في التشهد مفترشاً، لأنه قعود في أثناء الصلاة، فأشبه القعود للتشهد الأول، ولأن القعود [132 ب / 2] متربعا فعل الجبابرة والقعود مفترشاً جلوس تواضع، فهو أليق بالصلاة. وهذا أصح. وقد قال ابن مسعود: "لأن أجلس على رضفة أحب إلي من أن أصلي متربعاً". وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم غير المتربع". وقال بعض أصحابنا: إلا أن تكون امرأة فالأستر لها التربع، وهذا غريب. وهكذا الخلاف في القعود في النافلة. وروى محمد عن أبي حنيفة: "يقعد كيف شاء". وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يجلس متربعا وكيف قعد، فإذا جاء وقت الركوع حنى ظهره، ثم سجد إن قدر على السجود، وإن لم يقدر فعل ما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي جالساً، فقدر على القيام في مواضع قيامه يلزمه القيام، ثم ينظر، فإن قدر عليه قبل القراءة، قام وأتى بها قائماً، وان قدر بعد الفراغ منها قام ليأتي بالركوع عن قيام، قال: وأستحب له أن يعيد القراءة قائماً، وبهذا غلط. قول بعض أصحابنا: أنه إذا كرر الفاتحة بطلت صلاته. وحكي عن ابن الوكيل وأبي الوليد النيسابوري صاحب ابن شريج، قالا: "تبطل الصلاة، لأنها وكن كالركوع"، وهذا غلط بخلاف النص. والفرق أن الركوع إذا كرره يأتي بالثاني في غير موضعه، وههنا يأتي بالفاتحة ثانياً في موضع القراءة أنه تطويل الركوع وأيضاً لا يقاس الذكر على الفعل، لأن ما ليس بركن في الصلاة من الأفعال مثل الجلوس للتشهد الأول لا يجوز تكراره، والقراءة التي ليست بواجبة يجوز تكرارها، ولا يبطل ذلك الصلاة، فكذلك الواجبة فيها. وهكذا الحال لو تشهد مرتين عمداً، وإن قدر على القيام في أثناء قراءة الفاتحة قطع القراءة وقام ولا يقرأ حال

نهوضه إلى القيام، فإذا اعتدل قائماً [133 أ / 2] بنى على ما مضى. وقال محمد: إذا قار على القيام بطلت صلاته ولا يبني على ما مضى، وهذا غلط، لأن زوال العذر إذا لم يورث عملاً طويلاً لا يبطل الصلاة. فَرْعٌ آخرُ لو قرأ باقي الآية بعد القدرة على القيام في حال نهوضه إلى القيام قبل انتصابه لم يعتد بها وليس هذا كمن قرأ بعض الفاتحة قائماً، ثم عجز عنه فجلس لا يقطع القراءة ويستديمها حين الانحطاط للجلوس، لأن فرضية القراءة قاعداً بعد العجز، وهذه حالة تزيد على حال القعود وهناك فرضة القراءة قائماً، وعند النهوض نقص عن القيام، فلم يجز. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "إذا كان قادرا أن يصلي قائما ويحفف الصلاة، ولو صلى مع الإمام احتاج أن يقعد في بعضها لطول صلاته صلى منفرداً، لأن القيام ركن من أركان الصلاة، فالإتيان به في جميع الصلاة أفضل من الجماعة، فإن صلى مع الإمام، فقام ما أمكنه وجلس في وقت العجز صحت صلاته". فَرْعٌ آخرُ لو أطاق القيام فأبطأ حتى عاوده العجز، فإن كان قاعداً في موضع الجلوس يجوز، ولا إعادة عليه، وإن كان في موضع القيام بطلت صلاته، لأنه لما استدام ذلك صار كالمطيق إذا قعد في موضح القيام. فَرْعٌ آخرُ إذا كان لا يقدر على القيام إلا بمعين، وإذا قام لا يتأذى بوقوفه، فإنما يلزمه أن يستعين بغيره، فإن لم يجد إلا بأجرة تلزمه الأجرة. فَرْعٌ آخرُ الكمين إذا صلوا قعوداً. قال الشيخ أبو عاصم العبادي: "فيه قولان: أحدهما: لا يصخ لأنهم آمنون لا خوف عليهم. والثاني: يصح، لأنهم تركوا القيام لغرض صحيح، وهو التوصل إلى قهر العدو:. فَرْعٌ آخرُ لو كان به رمد عين، فقيل له: إن صليت متلقياً قرب البرء، وإن صليت قائماً بالركوع والسجود أبطأ [133 ب / 2] لا نص فيه للشافعي. وحكي عن أبي حنيفة والثوري أنه يجوز ذلك. وقال مالك والأوزاعي: "لا يجوز ذلك" قال الشيخ أبو حامد: وهذا أشبه

بمذهبنا، وهو الأصح ووجهه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "أنه لما كف بصره ووقع في عينه الماء حمل إليه عبد الملك بن مروان الأطباء على البرد، فقيل له: إن صبرت سبعة أيام تصلي مستلقياً داويتك ورجوت أن تبرأ عينك، فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة يسألهم عن ذلك فكل قال: إن جاءك الأجل في السبعة الأيام، فما تصنع بصلاتك؟ فترك معالجة عينه". وروي أن عياش كره ذلك، وقال: بلغني "أن من ترك الصلاة، وهو يستطيع أن يصلي لقي الله، وهو عليه غضبان". وقال القاضي الطبري: "عندي أنا إذا قلنا: يجوز ترك الماء، والاقتصار على التيمم لخوف إبطاء البرء والزيادة في العلة جاز ههنا ترك القيام"، وهذا أصح عندي. فَرْعٌ آخرُ من لم يستطع أن يصلي جالساً جاز له ترك الجلوس وكيف يتوجه إلى القبلة) المذهب أنه يصلي على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة معترضاً كما يوضع الميت في اللحد، نص عليه في "البويطي". وقال فيه: وان لم يستطع استلقى على ظهره ورجلاه إلى القبلة. وبه قال أحمد، وقال صاحب "الإفصاح": "يكون على جنبه الأيمن ورجلاه إلى القبلة حتى إذا أومأ يكون إيماؤه إلى ناحية القبلة"، والأول ظاهر كلام الشافعي. وهذا الثاني لا يصح، لأن التوجه إلى القبلة إنما يعتبر في غير حال الركوع والسجود، لأن الصحيح إذا ركع كان في وجهه إلى الأرض وسجوده إليها، وههنا يكون وجهه إلى غير القبلة على ما ذكرنا قبل الإيماء. وقال أبو حنيفة: "صلي على ظهره [134 أ / 2] مستلقياً ورجلاه في القبلة بحيث إذا رفع وسادته قليلاً، كان وجهه نحو القبلة"، وهو قول بعض أصحابنا بخراسان: ولا يصح، لأن المستلقي يستقبل السماء ولا يستقبل القبلة، ولأن في خبر عمران بن الحصين رضي الله عنه، "فإن لم تستطع فعلى جنب". وروى علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فجالساً، فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة وأومأ بطرفه"، وعلى أي صفة صلى، فإذا جاء وقت الركوع والسجود، فإن قدر عليهما، وإلا أومأ بعينيه وحاجبيه، إذا لم يقدر أن يومئ برأسه ويكون السجود أخفض من الركوع. فَرْعٌ آخرُ إذا صلى على جنبه الأيسر، قال أبو حامد: لو قلنا: تجزئه صلاته لم يبعد، فإن الاعتبار باستقبال مقدمه.

فَرْعٌ آخرُ لو قدر على الجلوس في أثنا، صلاته يجلس ويبني على صلاته. وقال محمد: يستأنف. وقال أبو حنيفة: إذا قدر المومئ على القيام والقعود تبطل صلاته، ووافقنا في القاعد إذا قدر على القيام أنه يبني. فَرْعٌ آخرُ لو تمكن من السجدة الأولى ولم يتمكن من الثانية أومأ في الثانية، ولو أومأ بالأولى وقدر على الثانية سجد الثانية، ولا يعيد الأولى. فَرْعٌ آخرُ لو عجز عن الإشارة وعجز لسانه عن القراءة أيضاً، فعندنا يصلي بقلبه ويعرض القرآن على قلبه، وكذلك جميع أفعال الصلاة وتجزئه. وقال أبو حنيفة: "تسقط الصلاة عنه". وحكي عنه كذلك: "إذا لم يقدر أن يومئ برأسه، وقدر أن يومئ بطرفه وحاجبيه"، وهذا غلط لخبر علي رضي الله عنه. فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي جالساً فقدر على القيام في حال ركوعه يقوم ثم يسجد ولا يعود إلى الركوع، لأنه يؤدي إلى ركوعين في ركعة. فَرْعٌ آخرُ هل يجوز التنفل منه مضطجعاً مع القدرة على القيام [134 ب / 2] والقعود؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز. والثاني: يجوز، لأن كل حالة يصح أداء الفريضة عليها يجوز أداء الفعل عليها، وان كان قادراً، وهكذا الوجهان في المومئ. ذكره مشايخ خراسان. وذكر في "الحاوي": قطعاً: أنه يجوز. مسألة: قال: "وأحب إذا قرأ آية رحمةٍ إن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في صلاته". وهذا كما قال: أراد بالخبر ما روي عن حذيفة رضي الله عنه، قال: "صليت خلف رسول الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك في صلاته". فما مر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا آية عذاب إلا استعاذ بالله، ولا آية تنزيه إلا سبح، ولا ضرب مثل إلا فكر". وجملته أن المستحب عندنا إذا قرأ في الصلاة آية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا قرأ آية عذاب أن يستعيذ به من النار.

وقول الشافعي: "والناس"، أراد به أن المأمومين يسألون الله تعالى مثل ما يسأل الإمام ويستعيذون مثل ما يستعيذ الإمام. وقال أبو حنيفة: "يكره ذلك في الفرض، ولا يكره في النفل، لأنه ليس بموضع الدعاء"، وهذا غلط، لأن الذكر إذا استحب في النافلة استحب في الفريضة كسائر الأذكار. إذا قرأ آية سورة القيامة يستحب أن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، وفي آخر سورة الملك يقول الله تعالى، وفي آخر سورة المرسلات: آمنت بالله، أو يقول: لا إله إلا الله، والكل سنة في حق المأموم أيضاً، وقد ورد به الخبر. مسألة: قال: "وإن صلت إلى جنبه امرأة صلاة هو فيها لم تفسد عليه". وهذا كما قال: إذا صلى النساء مع الرجال، فالسنة أن يتقدم الرجال ويتأخر النساء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [135 أ / 2] "أخروهن من حيث أخرهن الله". وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"، فإن تقدمت المرأة وصلت إلى جنب الرجل أو بين يديه، أو إلى جنب الإمام فقد أسا، ت وخالفت السنة. وكذلك الرجال حين وقفوا معها، ولا تبطل صلاة واحدٍ منهم بذلك. وقال أبو حنيفة: "إذا وقفت بجنب الإمام مقتدية، ونوى إمامتها بطلت صلاتها وصلاة سائر المأمومين، وان وقفت بين يدي رجلين بطلت صلاتهما، ولا تبطل صلاة غيرهما، وهذا غلط، لأنه لا تبطل بهذا صلاة الجنازة، فكذلك غيرها". فرع إذا صلت المرأة خلف الرجل صحت صلاتها معه. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: "لا تصح ائتمامها به إلا أن ينوي الإمام إئتمامها به، لأن من أملهم أن صلاة الإمام تبطل بصلاتها، وهو إذا وقفت إلى جنبه، وكل من تبطل صلاته بصلاته، يحتاج أن ينوي صلاته كالمأموم ينوي صلاة الإمام". وهذا لا يصح لأن كل من صح ائتمامه به إذا نواه صح وإن لم ينوه كالرجل، ثم الإمام إنما ينوي صلاته المأموم لأنه يحتاج أن يقتدي به، والإمام لا يقتدي بغيره، فكيف يلزمه أن ينوي صلاته؟ فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ولا يدع رجلاً أو امرأةً أو دابةً أو شيئاً يمر بين يديه، فإن مر من ذلك شيء لم تفسد صلاته".

وقال أصحابنا: لو نصب بين يديه شيئاً فمر به مار وراء ما يصلي إليه لم يضره وإن مر من بين يديه دفعه ومنعه من المرور بين يديه، وله أن يضربه، وإن أدى إليه قتله، ولو لم ينصب شيئاً، فالحكم هكذا سواء كان في مسجد، أو منزل أو صحراء، وإنما لا يجوز ذلك في موضع سجوده، [135 ب / 2] وفيما عداه يجوز. والأصل في هذا ما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان". وروي: "إذا مر المار بين يدي أحدكم فليدفعه، فإن أبى فليدفعه فإن أبى فلمقاتله". والدرء: المدافعة. وقوله: "فإنما هو شيطان"، أواد أن الشيطان يحمله على ذلك، أو أنه من فعل الشيطان وتسويله له. وروى ابن عمر رضي الله عنه: "فليقاتله، فإن معه القرين"، يريد الشيطان. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: "إن لم يكن المصلي يصلي إلى سترة وأراد المار أن يمر، فليس له درؤه، ولا دفعه". بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت وسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شي، يستره من الناس، فإن أراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع من عجزه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، فشرط أن يصلي إلى ستره، وهذا غريب. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما فيه لوقف أربعين "، منهم من قال: أراد أربعين سنة، ومنهم من قال: أربعين يوماً، وقيل: أربعين ساعة. وقال ابن عمر وأنس والحسن رضي الله عنهم: "يقطع صلاة الرجل الحمار والكلب الأسود والمرأة". وقال ابن عباس وعطا، رضي الله عنهم: يقطع الصلاة: "الكلب الأسود والمرأة الحائض". وقال أحمد واسحق: "لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود". وروي ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وقال أحمد: "وفي قلبي من المرأة والحمار شيء"، وعندنا لا يقطع الصلاة شيء من هذا. وبه قال علي وعثمان رضي الله عنهما [136 أ / 2] وابن المسيب

والشعبي وعروة بن الزبير ومالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، واحتجوا بما روى عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي قير، قال: "تقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرجل: الحمار والكلب الأسود والمرأة"، فقلت: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ فقال: يا ابن أخي سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما تسألني، فقال: "الكلب الأسود شيطان". وفي رواية ابن عباس رضي الله عنه، قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض". وقيد آخر الرحل أي قدرها في الطول وقدر العلماء بهذا ذراعاً. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى جدار فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يداريها حتى لصق بطنه بالجدار، فمرت من ورائه. والبهيمة ولد الشاة أول ما تولد. وقوله: يداريها هو من الدرء مهموز، أي: يدافعها. وقال أنس: بادر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمرة ليمنعها تمر بين يديه، وهو في الصلاة. وهذا غلط لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان". وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة، وأنا حائض". وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي صلاته من الليل، وعائشة معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة". وقالت ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها: "كان فراشي بحيال مصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فربما وقعت يداه علي وهو يصلي وأنا على فراشي". وروي عن أبي الصهباء، قال: تذاكرنا ما يقطع الصلاة عند ابن عباس رضي الله عنه، فقال: جثت وأنا غلام من بني عبد المطلب على حمار ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -[136 ب / 2] يصلي، فنزل ونزلت فتركنا الحمار أمام الصف، فما بالى ذلك. وقال الفضل بن عباس رضي الله عنه: "أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في بادية نصلي في صحراء ليست بين يديه سترة وحمارة لنا وكليبة يعبثان بين يديه، فما بالى ذلك". وأما خبر أبي ذر، قلنا: يحتمل أنه أراد أن هذه الأشخاص إذا مرت بين يدي

المصلي قطعته عن الذكر وشغلت قلبه عن مراعاة الصلاة، فذاك معنى قطعها الصلاة دون إبطالها من أصلها، ونقول: صار منسوخاً بخبرنا. وقال ابن عباس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي والحمر تعترك بين يديه". فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "للمصلي في صلاته يستتر بنحو من عظم الذراع طولاً بدليل ما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل ولا يبالي ما وراء ذلك". وقال عطاء: مؤخرة الرحل، ذراع. وقال فيه: "ويدنو المصلي من سترة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته". وقال ابن المنذر: "كان مالك يصلي متبايناً عن السترة فمر به رجل لا يعرفه، فقال: أيها المصلي ادن من سترتك، قال: فجعل مالك يتقدم، ويقول: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} [النساء: 113] ". فَرْعٌ آخرُ إذا صلى في الصحراء، فالمستحب أن ينصب على ما ذكرنا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه، فيصلي إليها، والناس وراءه". قال الشافعي: "ويبعد عنه قدر ثلاث أذرع ". وبه قال عطاء وأحمد: وان لم [137 أ / 2] يجد ما ينصبه بين يديه خط على الأرض خطاً، وصلى إليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا كان مع أحدكم عصا فلينصبها، وليصل إليها"، فإن لم يكن، فليخط خطاً. إلا أن يكون لي في ذلك حديث ثابت، فيتبع. قال ابن المنذر: "كان الشافعي يأمر الخط إذ هو بالعراق، ثم قال بمصر ما حكاه البويطي"، وقال ابن المنذر: "قد صح الحديث فيه". وذكر القاضي أبو حامد أنه يخط خطآ بين يديه وإن صلى في البيت أو في المجد، فلا يحتاج إلى نصب شيء بين يديه، لأن في محراب المسجد أو الحائط كغاية. هكذا ذكر أصحابنا. قال في "الحاوي": "يستحب أن يدنو من القبلة نحو ثلاث أذرع". قال ابن عمر رضي الله عنه: سألت بلالاً ماذا منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دخل البيت؟ فقال: "صلى وبينه وبين القبلة ثلاث أذرع".

باب

فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ولا يستتر بامرأة ولا دابة". وقد روى ابن المنذر بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى إلى بعير". وروى أبو داود في "سننه" عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أنه قال: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً". والصمد: القصد يريد به لا يجعله تلقاء وجهه. مسألة: قال: "وإذا قرأ السجدة سجد فيها". وهذا كما قال: كتب في رواية عبدان بن محمد ههنا. باب عدد سجود القرآن وسجدة الشكر ولم يكتب في رواية غيره، وجملته أن سجود التلاوة منون غير واجبه نص عليه في "القديم" و"الجديد". وقال في موضع من "القديم": هو سنة مؤكدة. وقال في "اختلاف الحديث": [137 ب / 2] "أكره تركه ومن تركه ترك فضلاً لا فرضاً". وبه قال عمر وابن عباس ومالك والأوزاعي وإسحق وأبو ثور وداود رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة: "هو واجب، وليس بفرض على القارئ والمستمع إلا أنه بالخيار وإن شاء سجد في الحال، وإن شاء أخر وسجد في آخر الحال". واحتج بأن الله تعالى أوعدنا على تركه، فقال: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21]، وهذا غلط لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: "عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة: {وَالنَّجْمِ}: فلم يسجد منا أحداً". واحتج الشافعي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "سجد وترك"، وأراد به ما روي أن رجلاً قرأ بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة: {وَالنَّجْمِ}، فسجد، فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسجوده، ثم قرأها رجل آخر فلم يسجد، فلم يسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ذلك الرجل: سجدت يا رسول الله لقراءة فلان، ولم تسجد لقراءتي، فقال: "كنت إمامنا لو سجدت، لسجدت معك". واحتج أيضا بقول عمر رضي الله عنه: "إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء". وتمام الخبر ما روي أنه قرأ يوما على المنبر سورة السجدة، فنزل وسجد، وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية، فقرأها فتهيأ الناس للسجود". وروي: فنشز الناس للسجود، فقال: "أيها الناس على رسلكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء". وكان هذا بمحضر الجمع الكثير، ولم ينكر منكر. وقوله:

نشز الناس، أي: استنفروا للسجود وتهيأوا له. وأما الآية إنما ذمهم على ترك السجود، لأنهم لا يعتقدون فضله. مسألة: قال: "وسجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة {ص}، فإنها سجدة شكر". وهذا كما قال، وبحملة هذا [138 أ / 2] أن سجود القرآن أربع عشرة سجدة نص عليه في "الجديد" في النصف الأول أربع في آخر الأعراف {وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، وفي الرعد {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15]. وفي النحل {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50]، وفي بني إسرائيل {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 109]، وعشر في النصف الثاني في سورة مريم عند قوله: {خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58]، وسجدتان في الحج: أحدهما: عند قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] والثانية: عند قوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77]. وسجدة في الفرقان عند قوله: {وَزَادَهُمْ نُفُوراً} [الفرقان: 60]، وسجدة في النمل عند قوله: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26]، وسجدة في آلم تنزيل عند قوله: {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15]، وسجدة في حم السجدة، عند قوله: {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]، وثلاث سجدات في المفصل: أحداها: في آخر النجم، {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62]، والثانية: في إذا السماء انشقت: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] والثالثة: في آخر: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]. وقال في "القديم": "إحدى عشرة سجدة"، فلم يجعل في المفصل سجود، وبه قال ابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهل والحسن ومالك في الرواية المشهورة. وقال أبو ثور: "ليس في النجم خاصة سجود". وقال ابن سريج: "هي خمس عشرة سجدة"، فأضاف إليها سجدة {ص}. وبه قال اسحق وأحمد في رواية، وهو اختيار أبي اسحق. وروي عن أحمد: أنها أربع عشرة نحو القول "الجديد". وقال أبو حنيفة ومالك: هي أربع عشرة، ولكنها في سورة الحج واحدة عند قوله: {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] وأثبت سجدة {ص}، في قوله: {وَخَرَّ رَاكِعاً} [ص: 24] وأناب، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "عزائم السجود أربع في {الم (1) تَنزِيلُ} [السجدة: 251]، وفي {حم} السجدة وفي {اقْرَا}، وهذا كله غلط لما روي عن أبي رافع، قال: صلى أبو هريرة رضي الله عنه صلاة المغرب فقرأ: {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} [الانشقاق: 1]، وسجد، [138 ب / 2] فقلت: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت فيها خلف

أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه". وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في الحج سجدتان؟، فقال: "نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما". وقال عبد الله بن ثعلبة: رأيت عمر رضي الله عنه سجد في سجدتين. وروي مثل ذلك عن علي وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم. وقال أبو إسحق: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وهذا إجماع. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو على المنبر سورة {ص}، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة نشز الناس للسجود، فقال: "إنما عي توبة نبي، ولكني رأيتكم نشزتم للسجود"، فنزل وسجد، فبين أنها توبة، وليست بسجدة. وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "سجدها داود للتوبة ونحن نسجدها شكراً". واحتجوا بما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: "أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس عشر سجدة في القرآن"، ولا يكون هذا إلا مع سجدة {ص} "، قلنا: نحن نقول: يسجد فيها، ولكن شكراً وليس في الخبر تفصيل. واحتج من قال بالقول القديم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل مذ تحق ل إلى المدينة"، قلنا: تركه لا يد ل على أنه ليس بسنة، ثم رواية أبي هريرة أولى، لأنها متأخرة، وهي مثبتة والمثبت أولى.

فرع قد ذكرنا أن موضع السجود في سورة {حم} السجدة عند قوله: {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]. وقال ابن عباس ومعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد، وقال أهل المدينة [139 أ / 2] والحسن ومالك موضعه عند قوله: {إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت: 37]. وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنه. واحتجوا بأن الأمر بالسجود في هذه الآية، فكان الجود فيها، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه رأى رجلاً سجد هناك، فقال: هلا نزلت، إلى قوله: {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38]، ولأن تمام الكلام عند الآية الثانية، فكان السجود عقيبها كما قلنا في سورة النحل، فإن السجود عند قوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (النحل: 50]، وذكر السجود ههنا أيضاً في الآية التي قبلها. وقال ابن سريج: ما قلناه أصح لأنه إن كان موضع السجود فقد أتى به في موضعه، وان كان قبله فقد أخره عنه، فلا يضره وإذا قدمه لم يجز. وقال بعض أصحابنا: مثلما قال أهل المدينة، وقال في سورة النحل: موضع السجود عند قوله: {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49]، وقالوا أيضاً في سورة النمل عنه قوله: {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل: 74]. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: منصوص الشافعي رضي الله عنه في سجدة {ص} فقرأ الآية التي فيها السجدة، فإن كان في غير الصلاة، سجد شكراً لله تعالى على ما أنعم به داود السلام بأن غفر له، وان كان في الصلاةء لا يجوز أن يسجد فيها، فإن خالف وسجد نظر، فإن كان ناسياً أو جاهلاً بأنها سجدة. شكر لا تبطل صلاته، وإن كان عالماً بأنها سجدة شكر، هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: تبطل لأنها منجاة شكر كما لو بشر في الصلاة فسجد شكراً، وهو ظاهر المذهب. والثاني: لا تبطل، لأنها سجدة تتعلق بالتلاوةء وهذا اختيار صاحب "الافصاح"، وبه أقول فعل هذا في الصلاة أربع سجدات: الراتبة، والسهو، والتلاوة، والشكر، فعلى هذا القول ليس له أن يجد فيها شكراً، وان كانت سجدة التلاوة آكد، وهو قول بعض أصحابنا. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: لو كان الإمام حنفياً فقرأ سورة {ص} وسجد فيها لا يتابعه، بل ينتظر. قائماً [139 ب / 2] حتى يفرغ. وهذا صحيح، لأنه لا تبطل صلاته لاعتقاده، وعندي في أحد الوجهين يجوز أن يتابعه فيها بنية سجود الشكر. وقيل: إذا انتظره على ما ذكرنا، هل يسجد للسهو؟ وجهان:

أحدهما: يسجد، لأنه اعتقد أن إمامه زاد في صلاته ما ليس منها جاهلاً، فاختلت صلاته. والثاني: لا يسجد لأن الاعتبار بالإمام المتبوع. فَرْعٌ آخرُ سجود التلاوة مستحب للتالي والمستمع، فأما من طرق سمعه من غير استماع اتفاقاً، فلا يسن في حقه. وقال في "البويطي": "لا أؤكد عليه وإن سجد فحسن". وقال أبو حنيفة: "التالي والمستمع والسامع سواء"، وهذا غلط لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه "مر بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد عثمان معه فلم يسجد، وقال: ما استمعنا له". وقال ابن مسعود وعمران بن الحصين رضي الله عنهما: "ما جلسنا لها". وقال سلمان: "ما عدونا لها". وقال ابن عباس رضي الله عنه: "السجدة لمن جلس لها"، ولا مخالف لهم. فَرْعٌ آخرُ لو لم يسجد التالي سجد المستمع نص عليه في "البويطي"، وان كان التالي في الصلاة فنظر، فإن سجد هو، سجد المستمع المأموم معه، وان لم يسجد، لم يسجد المستمع، ويتبعه كما يتبع في ترك سائر المستويات بخلاف ما إذا كان خارج الصلاة، فإنه يسجد، وإن ترك التالي، لأن لكل واحد منهما حكم نفسه خارج الصلوات. وقال القفال: إنما يستحب للسامع بثلاث شرائط: إحداها: أن يسجد التالي، فإن لم يجد هو لم يسجد هو أيضاً. والثانية: أن يقصد الاستماع. والثالثة: أن يكون متطهراً عند السماع، وهذا حسن للخبر الذي تقام، ولكنه خلاف المنصوص. وقال: يتأكد الاستحباب بهذه الشرائط. فَرْعٌ آخرُ لو كان التالي في غير الصلاة والسامع في الصلاة لا يسجد، ولا ينبغي أيضاً أن يستمع إلى قراءة التالي، بل يشتغل بصلاته، فإن استمع أو سمع لم يسجد في الصلاة، لأن سببها لم يوجد في صلاته [140 أ / 2]، ولا يسجد أيضاً، إذا فرغ. وقال أبو حنيفة: "يسجد إذا فرغ من الصلاة". وبناه على أن السامح يلزمه السجود، ولا يمكنه أن يسجد في صلاته، فيسجد إذا فرغ منها. وقال أبو حنيفة: "إذا تلا الصلاة سجد فيها، فإن يجد حتى خرج منها سقط عنه السجود، لأنه صار من سنن صلاته، وإذا لم يفعل في صلاته سقط"، فنقول: إذا لم يلزمه حكم تلاوته في الصلاة بعد الفراغ منها، فلأن لا يلزم حكم السامح عند الخروج من الصلاة أولى.

فَرْعٌ آخرُ ويسجد في كل وقت ولا يكره فعلها في الأوقات التي نهي فيها عن الصلوات سوا، نهي عنها لأجل الوقت أو لأجل الفعل. وقال الشافعي في "البويطي": "ويجد بعد العصر وبعد الصبح وبعد الفجر"، وهذا يدل على أنه يكره التنفل بعد الفجر سوى ركعتي الفجر. وقال مالك: "يكره في الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها". وقال أبو حنيفة: "يكره في الأوقات الثلاثة التي نهى عنها لأجل الوقت فحسب"، وهذا غلط، لأن لها سبباً فجازت في الوقت المنهي. فَرْعٌ آخرُ لو قرأها في وقت تجوز فيه الصلاة، ثم سجدها في الوقت المنهي لا يجوز. فَرْعٌ آخرُ لا يجوز سجود التلاوة إلا بالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة إن كان يسجد على الأرض، وحكمه حكم صلاة النفل، لأنها صلاة في الحقيقة. ولو كان على الراحلة في السفر سجد حيث توجهت به، وإن كان ماشياً في السفر سجد على الأرض. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه أخر يجوز بالإيماء من غير أن يسجد على الأرض وهو ضعيف. فَرْعٌ آخرُ الحائض إذا استمعت لا تومئ برأسها وقال ابن المنذر: "تومئ برأسها"، وبه قال سعيد ابن المسيب، وهذا غلط، لأن ما ينافي الصلاة ينافي السجود والإشارة به. فَرْعٌ آخرُ لا يكره قراءة آية السجدة في الصلاة بحال. وقال مالك: "يكره بكل حال". وقال أبو حنيفة: [140 ب / 2] "يكره في صلاة السر، ولا يكره في صلاة الجهر"، وبه قال أحمد. وقال أحمد: "لو قرأها لا يسجد، لأنه يشتبه على المأمومين ولا يعلمون سبب سجوده"، وهذا علته، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة"، وقال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، فسجد، فرأينا أنه قرأ: ألم تنزيل السجدة". وأما ما ذكره، لا يصح لأن المأموم، يلزمه متابعة الإمام، ولا يحتاج إلى معرفة سجوده، وإذا جهر الإمام قد يشتبه أيضاً على ما لا يسمع لبعده أو صممه ونحو ذلك. فَرْعٌ آخرُ إذا كانت السجدة في آخر السورة مثل قوله، {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62]،

فقرأ ذلك في الصلاة، سجد، فإذا قام يقرأ من سورة أخرى شيئاً، ثم يركع، فإن لم يقرأ، وهام وركع جاز، وقيل: إذا قام، هل يركع أم يقرأ آية ثم يركع؟ وجهان: ولو قام من السجود إلى الركوع، ولم يقم لم يجز، لأنه لم يبتدئ الركوع من قيام. فَرْعٌ آخرُ لا يقوم الركوع مقام السجود فيه. وقال أبو حنيفة: "يقوم مقامه استحساناً"،.واحتج بقوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعا وَأَنَابًَ} [ص: 24]، وهذا غلط، لأن السجود المشروع لا ينوب عنه الركوع كسجود الصلاة. وأما الآية، قلنا: إن لها السجود، بدليل أنه قال: {وَخَرَّ رَاكِعاً}، ولا يقال: خر إذا ركع، وإنما يقال ذلك إذا سجد وعبر بالركوع عن السجود، ثم تلك السجدة عندنا ليست من العزائم، وقد ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ كل من سن له ذلك، فمتى تركه حتى فارق موضعه أو طال الفصل، لم يقضه، لأن سنة في وقت راتب، فإذا لم يفعلها سقطت، وإن أخر يسيرا يأتي به نص عليه في "البويطي". فَرْعٌ آخرُ لو كرر وقراءة أية السجدة في مجلس واحد مرتين وثلاثاً يكفيه سجدة واحدة ذكرها ابن سريج، وهو قول أبي حنيفة، ولو قرأها مرة وسجد ثم قرأها ثانياً. قال القفال: "يسن له السجود ثانياً"، وقال أبو حنيفة: "لا يسجد ثانيا إلا أن يقرأها في مجلس أخر"، وهو وجه أخر لأصحابنا. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يسجد سجود التلاوة [141 أ / 2] في الصلاة يكبر ويسجد ثم يرفع ويكبر مع الرفع ويعود إلى قراءته، ولا يرفع يديه. نص عليه. وقال ابن أبي هريرة: "خر ساجداً من غير تكبير ويرفع قائماً بغير تكبير"، وهذا غلط، لأنه خفض ورفع في الصلاة فيستحب له التكبير. فَرْعٌ آخرُ إذا كان يسجد للتلاوة خارج الصلاة. قال الشافعي: "يرفع يديه في التكبير لسجود القرآن وسجود الشكر". قال ابن سريج: "هذا يقتضي أن تكون تكبيرة أخرى للسجود، لأنه جعل التكبيرة الأولى للإحرام بها، ولا فرق في رفع اليدين بين أن يكون قائماً أو جالساً أو مضطجعاً". وقال أبو جعفر المهدي من أصحابنا: "يكبر للسجود لا غير ثم يكبر أخرى لرفع الرأس منه، لأنه سجود مجرد ولا يفتقر إلى الإحرام"، وبه قال أبو حنيفة: وهذا خلاف

المنصوص، وهو غلط، ونهى صلاة ذات سجود فتفتقر إلى تكبيرة الإحرام. فَرْعٌ آخرُ لو لم يسجد سجود التلاوة مع الإمام ولم ينو مفارقته بطلت صلاته، ذكره بعض أصحابنا. فَرْعٌ آخرُ يكره للمأموم قراءة أية السجدة، فإن قرئ وسجد، ولم يخرج نفسه من إمامته تبطل صلاته، ولو ترك يستحب أن يسجد بعد الفراع على قولنا النوافل تقضى. فَرْعٌ آخرُ لو قرأ في صلاته ينبغي أن يسجد عقيبها، فإن أخرها، ثم سجد، فإن لم يطل الفصل، فلا بأس أن يسجد، وإن طال سواء كان في تلك الركعة أو ركعة أنرى، لا يسجد، ولو سجد بطلت صلاته، لأنها سجدة زائدة في غير محلها. فَرْعٌ آخرُ لو كبر تكبيرة واحدة بنية الإحرام وتكبيرة السجود، ولم يجز وأعاد السجود، ولا قرأ أية السجدة جالساً. قال بعض أصحابنا: السنة أن يقوم ثم يكبر للإحرام، ثم يكبر ويسجد، لأن النافلة قائماً أفضل، وإذا توالت سجدتان قام بينهما لانفصالهما. وهذا اختيار أبي حامد المقري النيسابوري من أصحابنا. فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": "ليس في سجود القرآن، ولا سجود الشكر تشهد ولا سلام ". وروى المزني في المنثور عن الشافعي، أنه يسلم، فحمل في السلام قولان: [141 ب / 2] أحدهما: لا يسلم كما لو سجد في الصلاة، ولأنه لا يفتقر إلى القراءة، فلا يفتقر إلى السلام كالطواف. والثاني: يسلم، وبه قال أحمد في رواية، وهو مذهب عطا، وابن سيرين، لأن ما افتقر إلى الإحرام، افتقر إلى السلام، وهذا اختيار أبي إسحق وابن سريج، والأول ظاهر المذهب، والثاني، أقيس وأحسن؛ وبه أقول. ومن أصحابنا من قال: يتشهد أيضاً، لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام، فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة، وهذا غلط، لأنه إذا لم يفتقر إلى القراءة، فالتشهد أولى، وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة، أنه لا يسلم. وروى الحسن بن زياد عنه أنه لا يكبر إذا انحط ويكبر إذا رفع. فَرْعٌ آخرُ المستحب أن يقول في سجوده ما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجود القرآن: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله

وقوته تبارك الله أحسن الخالقين". ولو قال: "أللهم اكتب لي عندك أجرأ وضع عني بها وزراً واجعلها لي عنه ك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود عليه السلام"، فهو أحسن لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، رأيت هذه الليلة فيما يرى النائم، كأني أصلي خلف شجرة، وكأني قرأت سجدة فسجدت، فرأيت الشجرة كأنها تسجد بسجودي، فسمعتها وهي ساجدة تقول: هذا الذي ذكرنا. قال ابن عباس، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ السجدة، فسمعته، وهو ساجد يقول: ما قال الوجل عن الشجرة، ولو قال فيه ما يقول في سجود الصلاة يجوز. وقيل: المستحب هذا ويستحب زيادة التسبيح في {الم (1) تَنزِيلُ} (السجدة: 1]، لقوله تعالى: {وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} (السجدة: 15]، وفي سورة تبارك، يستحب أن يقول: "آمنت بالرحمن سجل وجهي للرحمن، فاغفر لي يا رحمن"، لأن الخبر ورد به، ويستحب أن يدعو بعد التسبيح فيه، ما روى ابن عباس رضي الله عنه. فَرْعٌ آخرُ قال والدي الإمام رحمه الله: إذا قرأ الإمام آية السجدة في صلاة السر [142 أ / 2] لو ترك السجود للتلاوة إلى وقت الفراغ من الصلاة يكون أولى، لأنه لو سجد جملة أكثر الجماعة على السهو فيشوش أمر الصلاة عليهم ويختلفون في الاتباع، وقد استحب أصحابنا إذا قرأ آية السجدة ترك السجود لما فيه من الاحتياج إلى النزول والممعود، فلا يبعد نحوه فيما ذكرنا للعذر. فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يسجد سجود القرآن في غير الصلاة صح، وإن نذر الإتيان به في الصلاة لم يصح الشرط، وفي صحة النذر وجهان: أحدهما: يصح. والثاني: وهو الأقرب كما لو نذر صوم يوم النحر لم يجز، ولا يجوز القول فيه بإلغاء التقييد وإيجاب الصوم، فكذلك ههنا ذكره والدي رحمه الله. فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: لو قرأ آية السجدة في صلاة الجنازة، لم يسجد فيها، لأنه لا سجود فيها شرعاً، وهل يسجد لهذه القراءة بعد الفراغ؟ فيها وجهان، وأصلهما أن القراءة التي هي غير مشروعة أصلاً. هل يسجد سجود القرآن لها بحال؟ وجهان، وعلى

هذا لو قرأ آية السجدة في سجود القرآن، هل يسجد لهذه القراءة؟ وجهان، لأنها غير مشروعة، فإذا قلنا: يسجد لم ينب هذا السجود عنها قولاً واحداً. ولكن إذا قلنا: يشرع فيه السلام، هل يسجد لهذه القراءة قبل السلام؟ فيكون فاعلاً لهذا السجود في نفس هذه الصلاة، أم يسجد بعد الفراغ منها؟. الأظهر لي أنه يسجد بعد الفراغ، ولو فعله فيها تبطل الصلاة، ويحتمل خلاف هذا. مسألة: قال: "ويصلي في الكعبة الفريضة والنافلة وعلى طهرها". الفصل وهذا كما قال: جملة هذا أن صلاة الفريضة والنافلة يجوز فعلها داخل الكعبة. وبه قال أبو حنيفة وجماعة. وقال مالك: "يجوز أن يصلي فيها النافلة دون الفريضة والوتر". وبه قال أحمد واسحق. وقال ابن جرير: لا يجوز فعل الفريضة فيها، ولا النافلة. [142 ب / 2] وروي هذا عن ابن عمر، واحتجوا بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]، أي: نحوه، وإذا كان فيها لم يول وجهه نحو جميعها، ولأنه مستدبر لبعضها، فلا يجوز كما لو صلى خارجها مستدبراً، وهذا غلط لقوله تعالى: {طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، ولم يفصل، فإن قيل: الطواف لا يجوز فيها، فكذلك الصلاة. قلنا: الطواف بكلها لا يحصل بطوافه فيها والصلاة لا تجب إلى كلها بل يتوجه إلى جهة منها، وقد وجا ذلك فيجوز، وأما إذا كان خارج الكعبة، واستدبر فلأنه، لم يستقبل شيئاً منها، فلا يجوز ههنا بخلافه، واحتج ابن جرير بما روي "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت، ولم يصل". قلنا: روي عن بلال رضي الله عنه أنه قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت فصلى ركعتين". قال ابن عمر: فقلت لبلال: أين صلى؟ فقال: نزل عموداً عن يمينه وعموداً عن شماله، وثلاثة أعمدة من ورائه. وكان البيت إذ ذاك على ستة أعمدة، وما رويناه أولى، لأنه زائد، ويحتج على مالك بأن كل جهة جاز أداء النفل إليها مع الأمن والقدرة جاز أداء الفريضة إليها كما لو كان خارجاً. قال: وإنما جازت النافلة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها فيها، ولأن أمر الاستقبال في النوافل أخف، فإنها تجوز في السفر إلى غير القبلة، قلنا: لما صلى فيها النفل صار دليلا على جواز الفرض والتخفيف في النوافل عند الضرورة والاحتياج، ولا حاجة ههنا إلى الفرق بين الفرض والنفل، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا الفرادى فيها أفضل من الفرادى في غيرها. والجماعة فيها أفضل من الجماعة في غيرها، والجماعة في غيرها أفضل من الفرادى فيها. وقال بعضهم: إذا كانت صلاة نافلة لم تسئ لها الجماعة أو فائتة لا يرجو لها

الجماعة، فالأفضل أن يصليها في جوف الكعبة، وإذا صلى خارجها فكلما كان أقرب إليها [143 أ / 2] كان أولى، وان كانت صلاة الجماعة، فالمستحب أن يكون خارج البيت، لأن الكعبة لا تسع للجماعات، ولأنه يؤدي إلى ابتذالها في الدخول إليها للصلوات الخمس، وفي الصعود والنزول عنها مشقة على الناسء فالأفضل أن يصلي جماعة خارجها نص الشافعي، وهذا أصح، ولكن لو اتفقت جماعة في الكعبة على وجه لا يؤدي إلى ما ذكره، فلا شك أنها أولى فيها، فإذا تقرر هذا، فإذا صلى فيها وتوجه إلى غير الباب صحت صلاته، وإن صلى إلى الباب، فإن كان مغلقاً أو مردوداً صحت صلاته، وإن كان مفتوحاً نظر، فإن كانت له عتبة شاخصة، وإن قلت: صحت صلاته، لأن العتبة والباب من جملة البيت، ولهذا يدخل في البيع بالإطلاق وإن لم يكن عتبة لم يجز، لأنه صلى إلى غير شيء من البيت. فرع لو رفع بناء الكعبة، والعياذ بالله وبقيت العرصة، فإن وقف على طرفها حتى لا يكون بين يديه منها شيء لم يجز، وان وقف في وسطها أو حيث يكون بين يديه منها شيء. قال أبو إسحق وابن خيران: "لا تجوز صلاته"، وهو الصحيح، لأنه لو صلى على ظهرها، وليست بين يديه سترة لا يجوز، ولا فرق بين ظهرها وعرصتها. وقال ابن سريج: "يجوز، لأنه يتوجه إلى القدر الذي بين يديه منها"، وهذا خلاف المذهب، ويبطل بما لو كان على ظهرها لا يقال: يصلي إلى ما بين يديهء ولو صلى خارجها مستقبلا العرصة يجوز بلا خلافء لأن من هو خارجها يكون متوجها إليها، ومن صلى عليها لا يقال: هو متوجه إليها، ولهذا لو صلى فوق جبل أبي قبيس جاز وان كان أعلى من الكعبة، ولو صلى على ظهر الكعبة إليها لم يجز حتى يكون بين يديه شي، شاخص. قال بعض أصحابنا: ويستحب أن ينصب في موضعها خشب أو يفرج عليها أنطاع ليستقبله [143 ب / 2] الناس كما فعل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه. وقال القفال: اعتقادي في هذه المسألة مثل قول أبي حنيفة: إنه تجوز الصلاة على ظهر الكعبة، وفي عرصتها، وإن لم يكن بناء لهذه المسألة، وهي أنه إذا صلى إلى التربة، ولا بناء يجوز، وكذلك إذا وقف على التربة، وبين يديه بعضها يجوز. وقال ابن عباس: "إذا انهدمت الكعبة سقط فرض التوجه إليها، ولم يتابعه أحد". فَرْعٌ آخرُ لو صلى على ظهرها وبين يديه سترة، فإن كانت مبنية بجص أو طينٍ أو خشبةٍ مسمرةٍ تجوز لأنها من البيت بدليل أنها تدخل في بيع الدار، وإن كانت موضوعة عليها كالثياب والأجر نصب بعضها على بعضٍ، لا يجوز، وان كانت عصا غرزها فيه. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من كانت معه

عصاً، فلينصبها بين يديه، وليصل إليها"، ولم يفصل، ولأنها جارية مجرى الأوتاد، والأوتاد تتبع الدار في البيع، والثاني: لا يجوز، لأنه غير منسوب إلى البيت، ألا ترى لو باع داراً فيها خشبة مغروزة لا تدخل في البيعء فلا تصح صلاته إليها، وهذا أصح. فَرْعٌ آخرُ اختلف أصحابنا في قدر الستر ة فمنهم من قال: قدر ذراع، وهو الأصح، لأن هذا القدر يستر شيئاً منه ويسمى سترة في العادة، ومنهم من قال: قدر قامة الرجل حتى يكون جميع بدنه في مقابلته، وهو ضعيف. مسألة: قال: "ويقضي المرتد ما ترك في الردة". وهذا كما قال من ارتد عن دينه، ثم عاد إلى الإسلام كان كمن سكر، ثم أفاق يلزمه قضاء كل ما ترك في حال ردته من العبادات مثل الصلاة والصيام والزكاة، وما فعله قبل ردته يعتد له. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية أنه إذا عاد إلى الإسلام يصير بمنزلة كافر أصلي أسلم [144 أ / 2]، فيلزمه الحج ابتداءً، أو لا يلزمه قضاء ما ترك من العبادات حتى قال أبو حنيفة: "لو ترك الصلاة خمسين سنة في إسلامه، ثم ارتد ثم أسلم لا يلزمه قضاء شيء منها"، وأصل هذا أن عنده الردة تحبط العمل بمجردها. وعنانا لا تحبط حتى ينضم إليها الموت، وهذا غلط، لأنه ترك الصلاة بالعصيان بعدما التزمها بالإسلام، فيلزمه قضاؤها كالسكران، ولأن الردة لا تزيده خيراً، إن لم تزده شراً في سقوط قضاء الصلوات على ما قلتم. فرع لو جن أو أغمي عليه في حال رأته حتى فات وقت الصلاة. نص في "الأم": أنه يلزمه قضاؤها. وقال المزني في "الجامع": هذه والله وحشة، وإن حاضت في حال ردتها ثم أسلمت لا يلزمها قضاء ما تركت من الصلوات فيها. والفرق أن إسقاط الصلاة عن المجنون والمغمى عليه رخصة وتخفيف، ألا ترى أنه يستحب لهما القضاء والمرتد لا يستحق التخفيف، وأما الحائض فإسقاط الصلاة عنها عزيمة وتغليط، لأنها ليست من أهل الصلاة في هذه الحالة، ومع قدرتها على فعلها مشاهدة منعت من فعلها حتى لو أقدمت عليها تصير عاصية، ولهذا يكره لها القضاء، فلهذا سقط عن المرتدة قضاؤها ويدل على صحة الفرق أنه لو شرب دواء حتى جن أو أغمي عليه لم يسقط عنه القضاء، ولو شربت حتى حاضت أو نفتء لا يلزم القضاء. فإن قيل: المعصية ليست في سبب الرخصة، وهي الإغماء والجنون، وإنما هي بالاعتقاد. قلنا: ولكن غلظنا عليه بإيجاب القضاء إذ وجد منه ذلك في زمان المعصية كما أزلنا

باب

يده عن أملاكه تغليظاً عليه، وان كان الإسلام ليس بسبب للملك، لأن الكافر الأمي يملك، وهذا مشكل. [144 ب / 2] باب سجود السهو وسجود الشكر مسألة: قال: "ومن شك في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً". الفصل وهذا كما قال: إذا سها في صلاته لم تبطل صلاته، فإن شك في عدد الركعات بنى على اليقين وطرح الشك ولا يأخذ بغلبة الظن والتحري سواء كان في المرة الأولى أو الثانية، فإن شك هل صلى ركعة أم ركعتين جعلها واحدة، وإن شك هل صلى ثلاث وكعات أم ركعتين جعلها ركعتين، وان شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ جعلها ثلاثاً. وبه قال أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير واسحق وربيعة ومالك والثوري. وقال الأوزاعي: تبطل ما صلا ته، ويلزمه استئنافها. وقال الحسن: يسجد سجدتي الوهم وتجزئه. وروي هذا عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما. وقال أحمد: "إن كان منفرداً بنى على اليقين، وان كان إماماً، ففيه روايتان: إحداهما: يبني على اليقين. والثانية: يبني على غالب ظنه". وقال أبو حنيفة: "إن كان ذلك أول مرة بطلت صلاته، وان كان شكاكاً وتكرر منه هذا تحرى وعمل على ما يؤديه تحريه إليه، فإن لم يغلب على ظنه شيء عمل على اليقين". روي عن سفيان الثوري أنه يتحرى بكل حال، واحتجوا بما روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم يسلم ويسجه سجدتين". واحتج الحسن البصري بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن أحدكم إذا قام يملي جاءه الشيطان، فيلبس عليه حتى لا يدوي كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالساً"، وهذا غلط [145 أ / 2] لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا شك أحاكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة، وان كانت ناقمة كانت الركعة تماما لصلاته وكانت السجدتان

مرغمتي الشيطان". وروي: "كانت الركعة والسجدتان نافلة". وروى عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فليصل ركعة ويسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين، وإن كانت رابعة، فالسجدتان ترغيم الشيطان"، وأراد أن الشيطان يأتي أحدكم، وهو في الصلاة، فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا لما كان لا يذكره حتى يشك في صلاته، فلا يدري كما صلى، وقوله: شفعها بهاتين أراد أن سجود السهو إنما شرع جبراناً للصلاة من النقص والزيادة فيها، فإن نقص منها في الحقيقة فتشفعها السجدتان، أي: يصيرها أربعاً في الحكم لا أنها تصيرها ستاً في الحكم كما توهمه أبو حنيفة، وأما خبرهم أراد بالتحري البناء على اليقين على ما فسر في خبرنا وحقيقة التحري هو طلب أحرى الأمرين، وأولاهما بالصواب، وهو فيما قلنا لما فيه من إكمال الصلاة، والاحتياط لها والتحري يرد بمعنى اليقين كما قال تعالى: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً} [الجن: 14]، وأما خبر أبي هريرة فخبرنا أولى، لأنه مفسر لما أجمله في هذا الخبر. مسألة: قال: "فإذا فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل السلام". وهذا كما قال: إذا فرغ من صلاته بعد التشهد سجد سجدتي السهو قبل السلام سواء كان السهو نقصاناً أو زيادة أوهما أو زيادة متوهمة، فالنقصان ترك الجلوس للتشهد الأول وترك القنوت [145 ب / 2]، ونحو ذلك. والزيادة أن يجلس في موضع قيامه ونحو ذلك، والزيادة المتوهمة أن يشك في عدد الركعات نص عليه في كتبه القديمة والجديدة. وبه قال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسعيد بن المسيب والزهري وربيعة والأوزاعي والليث. وقال في اختلافه ومالك: ما يدل على تخريج الأخبار الواردة فيه على الزيادة والنقصان، فيسجد للزيادة بعد السلام للنقصان قبل السلام. وذلك أن عبد الله بن مالك ابن بحينة. روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد قبل السلام، وقال: "السجود في السهو قبل السلام". وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه "سجد بعد السلام"، فيحمل هذا على الزيادة، وذلك على النقصان، وبه قال مالك والمزني واسحق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة والثوري: سجود السهو بعد السلام بكل حال. وروي ذلك عن علي وابن مسعود وعمار وسعد بن أبي وقاص والنخعي وابن أبي ليلى رضي الله عنهم.

وحكي عن الشافعي أنه قال بعد ما ذكر في اختلافه ومالك ما قلنا: كان مالك لا يعرف الناسخ من المنسوخ، وكان آخر ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "السجود قبل السلام". وقال الزهري: "سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل السلام وبعد السلام، وكان آخر الأمرين قبل السلام"، وقد روى ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه "أنه كان يأمر بسجدتي السهو قبل السلام" فثبت ترك ما رواه، لأنه نسخ، ولأن الزيادة تحل محل النقصان، فمان الصلاة تبطل بهاء فالجود عنها قبل اللام أيضاً، ولأن في خبر أبي سعيد توهم الزيادة وأمر السجود قبل السلام فبطل قول مالكٍ. قال المزني:"واحتج في ذلك بحديث أبي سعيد الخدوي وبحديث ابن بحينة"، ولم يرد به أنه احتج بالخبرين في السجود قبل السلام بل ذكر مسألتين: مسألة البناء على اليقين، [146 أ / 2] ومسألة السجود قبل السلام، ثم احتج فيها بالخبرين، فالخبر الأول، يرجع إلى المسألة الأولى، والخبر الثاني، يرجع إلى المسألة الأخرى. مسألة: قال: "وإن ذكر أنأ في الخامسة سجد أو لم يسجد". الفصل وهذا كما قال: إذا ملى صلاة هي أربع ركعات، فلما كان في الرابعة سها وظن أنها ثالثة، فقام إلى الخامة، ثم ذكر، فإن ذكر بعد السلام سجد للسهو حين ذكر وسلم، وقد تمت صلاته، وإن ذكر بعد التشهد وقبل السلام، فقد ذكر في موضع السجود فيسجد سجدتين ويسلم، وقد تمت أيضاً، ولا فرق بين أن يكون قعد في الرابعة أو لم يقعد، وإن ذكر قبل التشهد وبعد السجود نظر، فإن لم يكن قعد في الرابعة، ولا تشهد، فإنه يقعد ويتشهد ويسجد للسهو ويسلم، وإن كان قد قعد في الرابعة وتشها بالتمام. قال ابن سريج: "يعيد التشهد، ثم يسجد للهو، ثم يلم ليكون سجود السهو بعد التشهد". قال: وهذا مذهب الشافعي، لأنه قال: "سجد أو لم يسجد وقعد في الرابعة، أو لم يقعد"، فإنه يعود إلى الرابعة ويتشهد، فنص على أنه قعا في الرابعة أو لم يقعد. والمذهب أنه لا يعيد التشهد، لأن موضوع الصلاة على أنه إذا سها فيها سقط السهو ويبني على ما قبله، ولا يسقط السهو ما وقع صحيحاً قبله بدليل أن من سجد سجدة، ثم قام إلى الثانية عاد وبنى على الأولى، ولم يبطلها ما تخلل بينهما من سهو العمل كذلك ههنا. وقول الشافعي: "يتشهد ويسجد للسهو ويسلم قعد في الثانية، أو لم يقعد" قصد به الرد على أبي حنيفة، حيث قال: إن كان قد سجد في الخامسة، ولم يكن قعد في الرابعة بطل فرضه، وعليه إعادتها لأنها صارت نفلاً، وإن كان قد قعد في الرابعة فقد

تمت صلاته بالقيام، والركعة الخامسة نفل، فيضيف إليها ركعة أخرى، وإن كان سجد فيها، وإلا فلينصرف عنها، أو يقول: تأويل هذه اللفظة [146 ب / 2] أن قول: "ويتشهد" يرجع إلى إحدى الحالتين، وهو أنه إذا لم يكن تشهد، فكأنه جمع بين مسألتين، وأجاب عن إحداهما إذا لم يكن مقصوده كيفية الرجوع، وإنما كان قصده أنه في الجملة يرجع إلى الرابعة بكل حال. وقيل: قوله: "قعد في الرابعة، أو لم يقعد" لم يرد به التشهد، فإنه قد يقعد ولا يتشهد وقراءة التشهد واجبة كالقعود واجب، فكأنه صور المسألة فيمن تذكر أنه في الخامسة وشك فلم يدر قعد في الرابعة أم لا؟ فعليه أن يتشهد إذا رجع وقد ترك كلمتان فيهما حرف أو وإحداهما للتنويع والأخرى للشك. كما قال الشافعي في خبر الربا، ونقص أحدهما، التمر أو الملح وزاد الآخر فهذا شك، ثم لما قاله ابن سريج معنيان: أحدهما: أن الموالاة شرط بين الأركان. والثاني: لا يجوز إفراد ركن وفي ذلك إفراد السلام يعني إذا لم يعد التشهد. وفائدة هذا تظهر فيما لو ترك الركوع ساهياً وتذكر في السجود، فإن قلنا: المعنى فيها الموالاة، يجب أن يقوم من السجود مستوياً، ثم يركع، وان قلنا بالمعنى الآخر يجوز أن يعود راكعاً وبقولنا. قال الحسن وعطا، والزهري والليث والأوزاعي وأحمد واسحق. والأصل في هذا ما روى عبد الله بن مسعود رصي الله عنه. قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمساً، فلما انفتل توسوس القوم بينهم، فقال: "ما شأنكم؟ "، قالوا: يا رسول الله زيد في الصلاة؟ قال: "لا"، قالوا: فأنت صليت خمساً، فانفتل فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: "إنما أنا بشر أنى كما تنسون "، والظاهر من حاله أنه لم يجلس في الرابعة، لأنه قام إليها يعتقد أنه يقوم من الثالثة. وعند أبي حنيفة: إذا لم يكن جلس بطلت صلاته، وإن كان جلس يلزمه أن يضيف إليها ركعة أخرى والنبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك. وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء خمساً، [147 أ / 2] فسجد سجدتي السهو، وهو جالس". وقال الثوري: إن لم يكن قعد في الرابعة أحب إلي أن يعيد. مسألة: قال: "وإن نسي الجلوس من الركعة الثانية، فذكر في ارتفاعه وقبل انتصابه، فإنه يرجع إلى الجلوس". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما أنه إذا ترك التشهد الأول، فذكره قبل انتصابه عاد إليه، وإن ذكر بعد انتصابه لا يعود. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يريد بالانتصاب أن يصير إلى حالة هي أرفع من

حالة الراكع، وحالة الراكع أن تنال راحتاه ركبتيه فما كان أرفع من ذلك فهو حد الانتصاب، وما دون ذلك، فليس بانتصاب. وفي هذا نظر والانتصاب المشهور أن يصير إلى حالة يعتد بقيامه فيها. وقال مالك: "إن قام أكثر القيام لم يعتد، وإن قام أقل القيام، أعاد" وحكى ابن المنذر عن مالك، أنه قال: "إن فارقت أليته الأرض مضى، ولا يرجع"، وقال الحسن: "يرجع ما لم يركع". وقال النخعي: "إن ذكر قبل القراءة عاد، وإن ذكر بعدما قرأ لا يعود". وقال أحمد: "إن ذكر قبل أن يستوي قائماً، يلزمه أن يرجع، وإن ذكره بعدما استوى قائماً، وقبل: القراءة يتخير بين الرجوع وبين المضي"، والأولى أن لا يرجع، ثم إذا رجع بعد الانتصاب، قد ذكرنا أنه إن كان جاهلاً لا تبطل صلاته، وإن تعمد بطلت. وقال صاحب "الحاوي": "فيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحق تبطل صلاته، لأنه أتى بعمل طويل في الصلاة عمداً". والأصح لا تبطل، لأنه لم يقصد بعمله منافاة الصلاة، فأشبه إذا صلى خمساً ناسياً، وإذا عاد قبل الانتصاب، هل يسجد للسهو؟ قد ذكرنا. وقال أبو حامد: "فيه قولان: أحدهما: يسجد. وبه قال أحمد". وقال يحيى بن سعيد: "رأيت أنس بن مالك تحرك للقيام في الركعتين من العصر، ثم تذكر فجلس، ثم سجد سجدتين، وهو جالس"، وهذا لأنه زاد في الصلاة من جنها ساهياً، فأشبه إذا زاد ركعة. والثاني: لا يسجد. [147 ب / 2] وبه قال الأوزاعي لما روي في حديث المغيرة بن شعبة إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم في الركعتين، فلم يستتم قائماً فليجلس"، ولم يأمر بالسجود. وروي: "فليجلس ولا سهو عليه"، ولأن هذا القدر من القيام عمل يسير، ولو تعمد لا تبطل صلاته، فأشبه الخطوة والخطوتين. وهذا أحسن عندي، وهو اختيار أبي حامد، والأول اختيار القاضي الطبري، ولم يذكر القولين. فرع لو كان إماماً فرجع بعد الاعتدال بطلت صلاته وينوي المأموم مفارقته، وإن كان الإمام جاهلاً أو ناسياً لم تبطل صلاته، ولكن المأموم لا يتابعه أيضاً، وينوي مفارقته كما لو قام إلى الخامسة ناسياً لا يتابعه، وإن كان هو جاهلاً أيضاً، أو ناسياً فتابعه لم تبطل صلاته.

فَرْعٌ آخرُ لو انتصب قائماً بعدما تذكر أنه تركه تبعه المأموم بكل حال، لأن متابعته واجبة والتشهد الأول نغل فيجب ترك النفل للفرض، وإن ذكر الإمام قبل أن يعتدل قائماً يرجع المأموم، لأن متابعته أولى من فرضه، كما لو أدركه في الركعة الأخيرة جالساً يلزم الجلوس معه اتباعاً، وإن كان يترك: فرض نفسه. وهذا هو المذهب. وقال أبو حامد: "وفيه وجه آخر لا يرجع لأنه تقابل فرضان، وليس أحدهما أولى من الآخر". وهذا ضعيف، ولو انتصب الإمام دون المأموم، ورجع الإمام إلى الجلوس، فالذي يقتضيه المذهب أن المأموم يقوم، ولا يتابعه في الجلوس، لأن المأموم، وإن لم يكن انتصب فقد وجب عليه الانتصاب، لانتصاب الإمام، فإذا سها الإمام بالرجوع لم يسقط عن المأموم ما وجب من الانتصاب، ولا يتابع الأمام فيما ليس من صلاة الإمام. فَرْعٌ آخرُ لو صلى نافلة بنية ركعتين، فقام إلى ثالثة ناسياً لا خلاف بين العلماء أنه يجوز أن يتمها أربعاً، ويجوز أن يرجع إلى الثانية، ويجوز أن يكمل الثالثة، ويسلم. [148 أ / 2] وأي ذلك فعل سجد للسهو، والأولى بمذهب الشافعي أن لا يمضي ويرجع إلى الثانية، ويسجد للسهو سواء كان في صلاة الليل، أو في صلاة النهار. وقال بعض أهل العراق: الأولى أن يتمها أربعا، وقال ابن سيرين: "لا يسجد للسهو في النوافل"، وقيل: هذا قوله في "القديم"، وهو خطأ، لأنه نص في "القديم"، و"الجديد" على أنه يسجد للسهو في الفرض والنفل، وهذا لأن كل عبادة دخل الجبران في فرضها، دخل في نفلها كالحج، ولو قام إلى الثالثة عمداً، ولم ينو شيئاً بطلت صلاته، ولو غير نيته قبل أن يقوم، وصلى أربعا عامداً أجزأه، ولا سجود عليه كالمسافر إذا أتم بعل ما نوى القصر. مسألة: قال: "وإن جلس في الأولى، فذكر قام وبنى، وعليه سجود السهو"، وهذا كما قال: إذا جلس في موضع قيامه، إما عقيب الركعة الأولى، أو عقيب الركعة الثالثة، فقد جلس في موضع جلة الاستراحة، فإن ابتدأ فقرأ التشهد في جلوسه سجد للسهو قليلا كان جلوسه أو كثيراً، ولا نعني بقراءة التشهد أن يقرأ جميعه، بل إذا أخذ في قراءته فالحكم كذلك، وإن لم يقرأ التشهد ننظر في قدر جلوسه، فإن كان قدر جلسة الاستراحة، فلا سهو عليه، وإن زاد على جلة الاستراحة سجد للسهو، لأن ذلك لو تعمده أبطل الصلاة. وحكي عن علقمة والأسود أنهما قالا: لا يسجد للسهو ههنا لأن الجبران للنقصان

والزيادة لا تحتاج إلى الجبران كما نقول في الحج. وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى الظهر خمساً، وسجد للسهو، وزاد في الصلاة في خبر ذي اليدين، وسجد للسهو". مسألة: قال: "وإن ذكر في الثانية: أنه ناسٍ لسجدة من الأولى بعدما اعتدل قائماً". الفصل وهذا كما قال: جملته أن الترتيب عندنا واجب في أركان الصلاة، فلا يسقط بالنسيان، فإذا نسي السجدة الثانية من الركعة الأولى، فاعتل ل قائماً، ثم ذكر في قيامه، لا يصح لأن الركعة الثانية [148 ب / 2] لا تصح قبل إتمام الركعة الأولى، فإذا تذكر بعد ذلك لا يخلو، إما أن يذكر قبل أن يسجد فيها مثل أن ذكر قبل الركوع أو بعده، وقبل السجود كان عمله في الثانية كلا عمل، فيلزمه أن يعود ويسجد، ثم كيف يسجد؟ لا يخلو من ثلاث أحوال، إما أن يكون تركها وحدها دون جلة الفصل بين السجدتين أو تركها مع جلسة الفصل، وجلسة الاستراحة أيضا، أو تركها وترك جلسة الفصل، ولم يترك جلسة الاستراحة، فإن تركها وحدها جلس عقيب السجدة الأولى جلسة الفصل، ثم قام، فكيف يسجد التي تركها؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو المذهب أنه يخر ساجداً وتجزئه من غير جلوس. والثاني: وهو قول أبي إسحق: لا يجزئه حتى يجلس، ثم يسجد، لأن السجدة الثانية لا تصح إلا من الجلوس، وهذا غلط، لأنه لا يختلف المذهب أنه إذا صلى أربع ركعات، ونسي من كل ركعة سجدة، يحصل له منها ركعتان، ويحصل له السجدة للركعة الأولى من الركعة الثانية، وهذه السجدة في الركعة الثانية حصلت من القيام. فإن قال في هذه المسألة: لو لم أحتسب بالسجدات أدى إلى بطلان عمل كثير، قلنا: ما لا يحتسب به، لا فرق بين أن يقل وبين أن يكثر، وأما إذا تركها وترك جلسة الفصل، وجلسة الاستراحة أيضاً، وهو أن يرفع رأسه من السجدة الأولى، وينهض قائماً، ولم يجلس بحال، فإنه يسجد للثانية التي عليه، وكيف يسجد؟ المذهب أنه يجلس ثم يسجد بعده لأنه جلوس هو ركن، فلا يسقط بالقيام كأخر جلسة في الصلاة. ومن أصحابنا من قال: يكفيه أن يسجد، ولا يحتاج إلى جلة الفصل، لأن الفصل حصل بالقيام فأغنى عن الجلسةء وهذا غلط، لأن هذه الجلسة واجبة مقصودة ولو تعمد إلى القيام ليفصل بينهما تبطل صلاته، ولا ينوب القيام منابها، فكذلك ههنا، وإن تركها وترك جلسة الفصل، ولكنه لم يترك جلسة الاستراحة، فجلس بهذه النية هل ينوب هذا عن الفرض الذي عليه؟. اختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج: لا ينوب عنه، [149 أ / 2] لأن جلوس الاستراحة، نفل، وهذا الجلوس فرض فلا ينوب الفرض عن النفل كما لو نسي وسجد

للتلاوة، أو للسهو لا ينوب عنه". وقال سائر أصحابنا وهو المذهب: ينوب عنه كما لو تشهد في الرابعة على أنه في التشهد الأول، ثم ذكر أجزأه، وسقط الثاني بنية الأول، وإن كان الثاني فرضاً، والأول نفلاً، ويخالف سجود التلاوة، وسجود السهو، لا يجزيان عن سجود الصلاة، لأنهما ليسا من سجود الصلاة، راتباً، والجلوسان من الصلاة مشروعان فيهما، فجاز أن يسقط أحدهما بنية الآخر. وأيضا سجود التلاوة يقع في موضعه، فلا يقع عن غيره بخلاف السجدة الأولى، ههنا من الركعة الثانية، لأنه لا يجوز أن تصح الثانية قبل تمام الأولى، فإن قيل: فهذه القراءة أيضا قبل إتمام الأولى، قلنا: سجود التلاوة لا يختص بالقراءة المجزية في صلاته بل يتعلق بالتلاوة الصحيحة، وقد وجدت، فإن قيل: فقولوا: إذا قرأ آية السجدة في الركوع يسجد للتلاوة، قلنا: يكره له هذه القراءة، فلا يقع موقعها. وههنا قصد إلى قراءة جائزة، وإنما لم تجز عنه لعدم تمام الأولى من جهة نسيانه. وقال أبو حامد: "لا نص في سجدة التلاوة وسجدة السهو، ويحتمل أن يقال: تنوب عن الفرض، ولا يبعد"، وهذا غلط، لأن الشافعي، نص عليه حكاه صاحب "الإفصاح"، وغيره. والفرق ظاهر على ما ذكرنا، وإن ذكر في الثانية بعد أن سجد فيها، لا يخلو إما أن يذكر بعد السجدتين، أو بعد إحدى السجدتين، فإن تذكر بعد السجدتين تمت الأولى قولاً واحداً، ولكن بآية الجدتين تتم الأولى؟ ينبني على الأقسام، فإن لم يكن ترك في الأولى جلسة الفصل، وجلسة الاستراحة أيضا، فإن قلنا: ينوب القيام عن جلسة الفصل تمت الأولى بالسجدة الأولى من الثانية، وإن قلنا: لا ينوب القيام عنها تمت الأولى بالسجدة الثانية، وإن كان ترك جلسة الفصل دون جلسة الاستراحة، فإن قلنا: تنوب [149 ب / 2] هذه الجلسة عن جلسة الفرض، تمت الأولى، وإلا تمت الثانية، وان ذكر بعد أن سجد في الثانية سجدة واحدة، فكل موضع قلنا: تمت الأولى بالسجدة الأولى من الثانية، فقد تمت ههنا الأولى، ولا حاجة إلى السجود، وكل موضع، قلنا: تمت الثانية، فعليه أن يسجد ههنا سجدة أخرى لتتم الأولى. وقال أبو حنيفة: "إذا ترك السجدة الثانية من الأولى، لم يمنع من احتساب ما بعدها، بل سجد في آخر صلاته سجدة فتلتحق بموضعها ويسلم ويسجد للسهو"، والى فعل ذلك عمداً محت صلاته عنده، ولا يسجد للسهو. وعندنا إن فعل ذلك عمدا بطلت صلاته، ووافقنا أنه لو ترك سجدتين لم يحتسب الثانية، وكذلك لو ترك ركوعاً لا يحتسب بما بعده. وقال: "لو ترك أربع سجدات من أربع رجات يسجد في آخر صلاته أربع سجدات متواليات وتجزئه". وبه قال الثوري والأوزاعي والحسن. وقال الحسن بن مالك بن حيي: "لو ترك ثمان سجدات أتى بهن متواليات". وقال

مالك: "إن ذكر في الثانية قبل أن يطمئن راكعاً أنه نسي سجدة من الأولى عاد إلى الركعة الأولى، وإن ذكر بعدما اطمأن راكعاً لا يعيد، فإذ لم يكن سجد مضى في صلاته وأتى بالسجود في الركعة الثانية، ويلغوا ما فعله في الأولى، وإن كان قد سجد بطلت الأولى وبنى على الثانية". وقال أحمد: "إذا ذكرها بعد القراءة بطلت الأولى وأتم الركعة الثانية"، وهذا غلط، لأنه شارع في الثانية تبل إكمال الأولى، فيلزمه العود إذا تذكر كما لو تذكر قبل الركوع، أو يقول في الفصل الثاني، لأنه سهو، نهو لا يبطل العبادة، فلا يمنع من الاعتداد بما مضى منها كما لو ذكر قبل الركوع. واحتج بأن ما يفعله في ركعته لا يتقل إلى أخرى ألا ترى أن المزحوم في الجمعة عن السجود في الأولى، إذا زال الزحام والإمام راكع في الثانية، فإن يتبعه ويجد معه، ولا يتم به الأولى كذلك هها. وهذا لا يصح لأن في المزحوم هل يكون سجوده للأولى أم الثانية؟ [150 أ / 2]، وجهان. وإن سلمنا، فالفرق أن الجمعة لا تدرك بركعةٍ ملفقة على أحد الوجهين، فلهذا احتسبنا به من الثانية لتكون ركعةً كاملةً وههنا لا يوجد هذا المعنى. ولهذا أمرناه بفعل الركوع في مسألة الزحام مع علمه بما عليه من الجود، وههنا لا يفعل ذلك مع العلم، بل يأتي به سهواً فيصح ما يلي ما فعله على وجه الصحة، وهو السجود. مسألة: قال: وإن ذكر في الرابعة أنه نسي سجدة من كل ركعة". الفصل وهذا كما قال: إذا ترك أربع سجدات من أربع ركعاتٍ صحت له ركعتان، وذلك أن الأولى صحت إلا سجدة، فلما شرع في الثانية كان عمله فيها كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة تمت الأولى بهذه السجدة، وسقطت الثانية، فلما قام إلى الركعة الأخرى، وهي ثالثة في العدد، ثانية في الحكم، صحت له إلا سجدة، فلما شرع في الركعة الأخرى، وهي الرابعة في العدد كان عمله فيها كلا عمل، فلما سجد فيها سجدة تمت بها الثانية ولغا باقيها فصحت له ركعة من الأولى وركعة أخرى من الثالثة والرابعة، فإن ذكر ذلك بعد أن تشهد قام، فأتى بركعتين وكان هذا: تشهد واقعاً عن التشهد الأول، وإن ذكر قبل التشهد تشهد التشهد الأول، ثم قام، فصلى ركعتين. والأصل في هذا وفي نظائره أن المصلي إذا نسي ركناً سجدة أو ركوعاً، أو غيرهما واشتغل بما وراء ذلك الركن، فكل فعل فعله، وذلك الفعل غير مشابه للركن المني، فهو غير محسوب، وإن كان مشابهاً للركن المنسي قام مقامه، وألفينا سائر أفعاله. وهذه المسألة مفروضة فيه إذا ترك من كل ركعة سجدة دون جلسة الفصل بين

السجدتين، فإن ترك جلسة الفصل، نظر فإن أتى بجلسة الاستراحة، فهو على الوجهين، فإن قلنا: يقوم مقام جلسة الفصل، فكما ذكرنا، وإن قلنا: لا يقوم مقامها صحت له ركعة إلا سجدة، فإنه ما صح له بعد هذا سجود بحال، وإن لم يكن جلس [150 ب / 2] للاستراحة أيضاً، فإن قلنا: القيام مقام الجلسة، فكما ذكرنا، وإن قلنا بالمذهب الصحيح حصلت ل ركعة إلا سجدة. وهذا إذا لم يجلس للتشهد الأول، فإن كان قد جلس للتشهد في الركعتين حصلت له ركعتان إلا سجدة على الصحيح من المذهب، لأن السجدة التي حصلت من الركعة الثانية لا يعتد بها، لأنه لم يتقدمها جلوس. وأما السجدة في الثالثة تضاف إلى الأولى، لأن الجلوس للتشهد قام مقام الجلة بين الجدتين، وإن كان هذا الجلوس لم يكن بنية الفرض. وقال ابن سريج: "هذا إذا لم يحاشها أن يكون أوله أو ثانيه، فأما إذا حاشاها ذلك، فلا يجوز لا من الأولى ولا من الثانية". ومعنى: لم يحاشها، أي: لم ينفها بقلبه. قال القفال: "وهو كما قال: لأن استدامة النية الأولى، وان لم يشترط من حيث الذكر، فهي شرط من حيث أن لا يبدلها بغيرها، فإذا قصد أن لا تقع على وجه كذا لم تقع على ذلك الوجه" ونظيره ما قال الشافعي: "لو أراد أن يسجد، فسقط فانقلب على وجهه فماست جبهته الأرض لم يجز، وعليه أن يسجد". هذا إذا ترك من كل ركعة سجدة، فإن ترك سجوداً، ولم يعلم من أين تركها، فالأصل أن ينظر إلى أسوأ الأحوال، فيأخذ بها، لأنه اليقين، فإن ترك سجدة، لا يعلم موضعها، فأحسن أحواله، أن تكون هذه السجدة من آخر ركعة، فيصح له أربع ركعات إلا سجدة وأسوأ أحواله أن تكون هذه السجدة من ركعة غير الرابعة، فيصح له ثلاث ركعات، وإن كان الترك سجدتين، فأسوأ أحواله أن يكون سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة، فيحصل ركعتان، ويأتي بركعتين. وفرع ابن سريج ههنا، فقال: "إن علم أن السجدتين من ركعة واحدة صحت له ثلاث راحات. وهذا أسوأ الأحوال، فإن علم أنها من ركعتين متواليتين صحت له ثلاث وكعات أيضاً"، وليست ههنا حال [151 أ / 2] أحسن من حالٍ، لأنهما إن كانا من الأولى والثانية، تمت الأولى، وسقطت الثانية، وإن كانتا من الثانية والثالثة، سقطت الثالثة، وإن كانتا من الثالثة والرابعة، سقطت الرابعة فيصح ثلاث ركعات، وإن ترك ثلاث سجدات فأسوأ أحوالها أن تكون واحدة من الأولى، فتمت الأولى بالثانية، وبقيت ركعتان من أنهما كانت السجدتان صحت له ركعتان، فصحت له ركعتان، فيأتي بما بقي، فإذا لا فصل بين أن يترك سجدتين، أو ثلاث سجدات. وإن ترك أربع سجدات، فأحسن أحواله أن تكون من الثالثة والرابعة، وأسوأ أحواله

أن تكون سجدة من الأولى وثلاث من الثالثة والرابعة فتتم الأولى بالثانية، وتسقط الثانية، وبقيت ركعتان، فيذهب منهما ثلاث سجدات، فيصح له منها ركعة إلا سجدة، فيأتي بسجدة في الحال، ويصلي ركعتين أخريين. ولو ترك خمس سجدات، فأسوأ أحواله أن يأتي في الأولى بسجدة، ويأتي في الثانية بسجدتين فتتم بها الأولى، ولا يأتي في الثالثة والرابعة بسجود، فيحصل له الأولى تامة والرابعة بلا سجود. هكذا ذكره أصحابنا، ويحتمل أن يأتي في الرابعة بسجدتين فتتم بها الأولى، فلا يحصل له إلا ركعة، وهذا أصح. ولو نسي ست سجدات، ولا يدري كيف تركها يحصل له ركعة واحدة، لأن أسوأ الأحوال أن يكون نسي من الأولى سجدتين، ومن الثانية سجدة، ومن الثالثة سجدتين، ومن الرابعة سجدة، فيضاف إلى الأولى من الثانية سجدة واحدة، ومن الرابعة سجدة أخرى، فتتم الأولى بالثانية والرابعة. وإذا نسي سبع سجدات يحصل له ركعة إلا سجدة، وإذا نسي ثمان سجدات حصلت له ركعة إلا سجدتين. وقال الليث وأحمد: "في المسألة الأولى، وهي إذا ترك أربع سجدات من أربع ركعات، يحصل له التكبير فقط، ولا يحصل له شيء آخر من الصلاة، وهذا غلط، لأنه سهو لا يبطل العبادة، فلا يمنع البناء على فعله كالكلام ناسيا. وعن أحمد رواية أخرى: [151 ب / 2] أنه تبطل كلها، وقال مالك: "يصح له الركعة إلا سجدة، ويبطل ما قبلها". وبه قال أحمد في رواية أخرى. مسألة: قال: "وإن شك هل سها أم لا؟ فلا سهو عليه". وهذا كما قال: ليس هذا على الإطلاق بل ينظر فإن شك هل زاد أم لا؟ مثل أن شك هل قعد في موضع قيامه؟ أم قام في موضع قعوده؟ فلا سهو عليه، لأن الأصل أنه ما زاد، فأما إن شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ جعلها ثلاثا، وأضاف إليها أخرى وسجد ههنا لأنها زيادة متوهمة، وهو أنه قد فعل الفعل حقيقة، وشك هل هو زيادة أم لا؟ وليس كذلك إذا شك هل جلس في موضع قيامه؟، لأنه لا يدري هل جلس أم لا؟ وهو لا يدري زاد أم نقص فإن كان الشك في النقصان مثل أن شك هل فعل الشيء أو لا؟ هذا إذا كان الشك في الزيادة، وكذلك لو تيقن أنه سهى ولا يدري زاد أم نقص فإن كان الشك في النقصان مثل إن شك هل فعل الشيء أم لا؟ وهو القنوت والتشهد الأول سجد ههنا، لأن الأصل أنه لم يفعل، وكذلك لو تيقن السهو وشك هل سجد للسهو أم لا؟ سجد لأن الأصل أنه لم يجد، ولو شك هل سجد سجدتين أو سجدتين للسهو؟ وسجد أخرى، لأن الأصل أنه لم يسجد، ولا يسجد لهذا الشك، لأنه ربما يسهو ثانياً وثالثاً، فيؤدي إلى ما لا نهاية له. والأصل في كل هذا البناء على اليقين.

مسألة: قال: "وإن سها سهوين أو أكثر، فليس عليه إلا سجدة السهو". وهذا كما قال: لو تكرر سهوه وكثر سجد لها سجدتين قبل السلام سواء كان السهو جنساً واحداً مثل أن يتكلم ساهياً مراراً، أو كان أجناساً، ولا فرق بين ألا يكون كلها نقصاناً أو زيادة أو بعضها زيادة، وبعضها نقصاناً. وقال الأوزاعي: إن كانا جنساً واحداً كفاه سجدتان، وإن كانا جنسين احتاج كل سهو إلى سجدتين كالمحرم إذا لبى ثم لبس تداخلت الفدية، ولو لبس وتطيب لا تتداخل. وقال ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان في آخر الصلاة، واحتج بما روى ثوبان دني الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، [152 أ / 2] قال: "لكل سهو سجدتان". وهذا غلط لما روي في حديث ذي اليدين "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم ناسياً، وتكلم ناسياً، واستدبر القبلة ناسياً، واقتصر على سجدتين". ولأن سجود السهو إنما أخر إلى آخر الصلاة عن محل السهو لتداخل أحكام السهو وإلا لكان يؤتى به عقيب كل سهو كسجود التلاوة، وأما خبرهم محمول على أنه أراد به لكل سهوٍ سجدتان زيادة كانت أو نقصاناً، أو قولاً فعلاً أو أراد به إذا انفرد. مسألة: قال: "وما سها عنه من تكبير سوى تكبيرة الافتتاح أو ذكر فيٍ ركوعٍ أو سجود ٍأو جهرٍ فيما يسر". الفصل وهذا كما قال: السهو الذي يقتضي الجبران ضربان: نقصان القول وهو ترك التشهد الأول دون الجلوس، وترك القنوت دون القيام، وترك الصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول، ونقصان الفعل: وهو ترك الجلوس للتشهد الأول، والقيام للقنوت في الصبح والوتر في النصف الأخير من شهر رمضان. وقال في "القديم": "من نسي الفاتحة، لا تبطل صلاته ويسجد للسهو"، وهو غير صحيح. وأما الزيادة، فضربان: قول وفعل. فالقول: أن يسلم ساهياً، أو يتكلم، أو يقرأ القرآن في غير محل القراءة. والزيادة ضربان: زيادة متحققة ومتوهمة، فالمتحققة الزيادة في الركوع والسجود ونحو ذلك. والمتوهمة: ما ذكرنا. وقال في "الأم": "لو رفع رأسه من الركوع واعتدل قائماً، فأطال القيام أو قصر فقرأ القرآن كان سجود السهو، لأن القراءة من غير الصلاة في غير هذا الموضع، وهذا

الموضع، موضع ذكر غير القراءة". وقال: وكذلك لو أطال القيام ينوي به القنوت كان عليه سجود السهو، لأن القنوت عمل معدود من عمل الصلاة، فإذا عمله في غير موضعه أوجب سجدتي السهو. وقوله: (عمل معدود)، ومعناه معتد، مقصود، وعلى هذا يجب إذا قرأ في موضع التشهد أو تشهد في موضع القراءة أو فعل ذلك في الركوع والسجود أن يسجد سجدتي السهو، لأن علة الشافعي تقتضيه، [152 ب / 2] ولا فرق بين الاثنين. وقال صاحب "الإفصاح": "يحتمل أن يفرق بينهما"، وذكر شيئاً لا يتبين ويخالف أيضاً تعليل الشافعي. وأما قول الشافعي: "ولا سجود إلا في عمل البدن"، قد قيل: فيه خلل من المزني، لأن سجود السهو يجب في غير عمل البدن على ما ذكرنا، وإنما قال الشافعي: "فلا سجود في التفكر، وإنما السجود في العمل"، يعني: إذا انضم العمل إلى التفكر يجب السجود، ولا سجود بمجرد التفكر، وإنما ذكره عقيب مسألة، وهي أنه لو قعد للتشهد فظن أنها الركعة الرابعة، ثم تذكر أنها الثانية، فأتم صلاته، فلا يلزمه سجود السهو لأنه فكر، وقيل: أراد به سجود السهو في عامة الصلاة ليس إلا في عمل البدن، ولكنه يجوز أن تجب في غيره أحياناً. وقيل: معناه إلا في عمل البدن أو ذكر، قصد له العمل، فالتشهد الأول والقنوت مقصودان، ولا يفعل لغيرهما على وجه الهيئة له، أو التبع. وهذا شرع لهما محل مختص بهما يسقط بسقوطهما بخلاف دعاء الافتتاح، فإنه يراد للافتتاح، وقراءة السورة تبع للفاتحة في محلها، والتكبيرات هيئات للرفع، والخفض والتسبيحات هيئات للركوع والسجود تسقط بسقوط محلها، فلا سجود لها لهذا المعنى. وقال القاضي الطبري: خبر الباب عندي أن السهو الذي يقتضي السجود ضربان: نقصان وزيادة، فالنقصان: بترك كل مسنون مقصود في نفسه، ومعناه أن محله قدر به، وهو التشهد الأول ونحوه، والزيادة: ضربان متحققة ومتوهمة، فالمتوهمة ما ذكرنا، والمتحققة ضربان: ضرب من غير جنس الصلاة ككلام الآدميين، وضرب من جنس الصلاة كالقيام في موضع القعود والسلام ونحو ذلك. وقد قال الشافعي: "لو نوى المسافر القصر، ثم نسي وأتتها أربعاً سجد سجدتي السهو"، وهذا قيام في موضع السلام، هذا هو المذهب الصحيح [153 أ / 2] في "الجديد". وقال أبو إسحق: قال في "القديم": "يسجد لكل مسنون تركه في الصلاة، وهكذا إذا أسر فيما يجهر به، أو جهر فيما يسر به"، وهذا قول مالك حتى يقول: "لو ترك سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع سجد فيه"، هذا قول مرجوع عنه.

وقد روى أبو قتادة أن أنساً رضي الله عنه "جهر في العصر، فلم يسجد"، ولأنه هيئة مسنونة، فلا يسجد لتركها كرفع اليدين. وعن أحمد: إذا بدل الجهر بالإسرار، روايتان: هل يسجد أم لا؟. وقال الأوزاعي: "إذا ترك التكبيرات المسنونة أتى بها إذا ذكرها"، وهذا غلط، لأن هذا ذكر مسنون، فلا يقضى بعد فوات محله كدعاء الاستفتاح. وقال أبو حنيفة: "لا سجود في تكبيرات الانتقالات ولا في التسبيحات، ولكن يلزم في تكبيرات العيد، وترك قراءة السورة، أو تبديل الجهر بالإسرار"، واحتج بأن تكبيرات العيد ذكر كثير في محل واحد فأشبه التشهد الأول، وهذا غلط، لأنها تكبيرات مسنونة، فلا يسجد لتركها كتكبير الركوع والسجود، وما ذكره يبطل بدعاء الاستفتاح. وقال ابن أبي ليلى: إذا بدل الجهر بالإسرار بطلت صلاته"، وهذا غلط لما روى أبو قتادة، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمعنا أحياناً الآية والآيتين في صلاة الظهر والعصر"، ولأنه أخل بصفة في ذكر، فلا تبطل صلاته كما لو غير الجلوس في التشهد. وقيل: الصلاة تشتمل على أركان ومسنونات وهيئات، فالأركان والهيئات لا تجبر فعلاً كان أو قولاً، وإنما تجبر المسنونات المقصودة وتفصيلها معلوم على ما ذكرنا. ونظيره الحج يشتمل على أركان: كالإحرام والطواف وهيئات كالرمل والاضطباع، ومسنونات: كالمبيت بمزدلفة، والرمي والمبيت بمنا. فالأركان والهيئات لا تجبر بالدم بخلاف المسنونات كذلك ههنا. فرع قال القفال: "لو سجد سجدة، [153 ب / 2] ثم تشهد على ظن أنه سجد سجدتين، ثم تذكر فسجد الثانية، فلا سجود عليه للهو بخلاف من قعد بين الركوع والسجود، فتشهد لأنه لم يزد على دعاء وما بين السجدتين محل الدعاء، فتطويله بالتشهد، أو دعاء غيره لا يضره". وقيل: السجدتان ليس محل القعود ولا الدعاء بحال، ويحتمل الخلاف هذا على قياس ما تقدم. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: لو شك بعد الفراغ من الصلاة أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً، فيه وجهان: أحدهما: لا يكون شيئاً وتمت صلاته ولم يقل أهل العراق غير هذا، لأن الظاهر أنه أداها على التمام، ولو اعتبرنا حكم الشك بعدها شق ذلك وضاق. والثاني: يتم الباقي فكأنه سلم ناسياً، فيقوم ويصلي ركعة أخرى، وإن تباعد الوقت

استأنف، وهذا غريب. ورأيت عن بعض أصحابنا أنه إن كان الوقت قريباً بنى على اليقين، وإن كان بعيداً لا يضره، ولهذا وجه. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: لو أطال القيام بعد الركوع نظر، فإن أطاله للقنوت، بطلت صلاته ذكره القفال، لأنه لا قنوت في هذه الصلاة، وكذلك لو أطاله بذكر مشروع ونوى به القنوت، ولو أطاله بذكر مشروع، ولم ينو به القنوت لا تبطل صلاته. وفيه معنيان: أحدهما: لأنه نقل ذكراً مشروعاً من ركن إلى ركن. والثاني: لأنه ما ركناً مقصوراً. وفائدة المعنيين يتبين في مسألة، وهي إذا تشهد قائماً، وقرأ قاعداً، فإن قلنا بالمعنى الأول يسجد، وإن قلنا بالمعنى الثاني لا يسجد، لأن القعود ممدود، وكذلك القيام، وعلى هذا لو تشهد قائماً متعمداً أو قرأ قاعداً متعمداً، فإن قلنا: إذا فعله ناسياً يجد، فإذا فعله عامداً بطلت صلاته، وإن قلنا: لا يسجد لا تبطل صلاته، وفي هذا كله نظر. مسألة: قال: "وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم [154 أ / 2] قريباً أعادهما وسلم". الفصل وهذا كما قال أولاً: نذكر مسألة قبل هذه المسألة، ثم نعود إليه، وهي أن سجود السهو مسنون غير واجب، وقال الكرخي: عن أبي حنيفة: "إنه واجب ليس بشرط في صحة الصلاة لجبران الحج". وبه قال مالك في رواية، وقال ني رواية أخرى: هو واجب لو تركه بطلت صلاته، وبه قال داود، وروى أصحاب مالك عه أنه في النقصان واجب، وهذا غلط لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خبر أبي سعيد الخدري، فإن كانت الصلاة تامة كانت الركعة والسجدتان نافلة؛ ولأن هذا يفعل بدلاً عما ليس بواجب لتكملة الصلاة، فلا يكون واجباً. وأما في الحج: يجب الجبران بترك فعل واجب، فكان واجباً بخلاف هذا، فإذا تقرر هذا موضع سجود السهو، والقولين فإن قلنا: موضعه قبل السلام نظر، فإن أتى به في موضعه، فلا كلام، وإن تركه ساهياً، ثم ذكره بعد السلام نظر، فإن لم يبطل الفصل أتى به قولا واحداً، وإن طال الفصل فيه قولان: قال في "الجديد": "لا يعيد"، وبه قال أبو حنيفة ومالك، لأنه يبني على الفصل، فإذا تطاول الفصل منع من البناء عليها، كما لو ترك من الركعة الأخيرة سجدة، ثم

ذكرها، وقد طال الفصل، لا يبني. وقال في "القديم": "يعيد". وبه قال الأوزاعي، لأنه جبران للعبادة، فلا يسقط بتطاول الفصل لجبران الحج. وقال أبو حنيفة: "إن تكلم بعد الصلاة سقط عنه السجود بناء على أصله أن كلام الناسي يبطل الصلاة ". وحكي عن مالك أنه قال: "إن كان لزيادة أتى بهما، ولو بعد شهر، وإن كان لنقصان، فإن ذكر قريباً أتى بهما، وإن تطاول أعاد الصلاة". وقال ابن شبرمة: "إذا خرج من المسجد أعاد الصلاة"، وقال الحسن وابن سيرين: "إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد"، وبه قال ابن أبي أحمد في "التلخيص". وهذا غلط لما روي في خبر ابن مسعود [154 ب / 2] رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - "صلى الظهر خمساً، ثم أقبل عليه بوجهه قيل له: أحدث في الصلاة شيء، فذكر فثنى رجله، واستقبل القبلة، وسجد بهم سجدتين". وفي حد الطول والقرب، قال في "القديم ": "ما لم يقم عن مجلسه". وقال في "الجديد": "المرجع فيه إلى العرف والعبادة" ذكره أبو حامد. ونص في "البويطي" "أنه قدر ركعة تامة"، فحصل ثلاثة أقوال، والأصح قوله "الجديد"، وما ذكره في "البويطي" قريب منه، وهذا لأن ما لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة يرجع فيه إلى العرف والعادة. وقيل: حد التطاول أن يمضي مقدار تلك الصلاة، وهذا غلط، لأنها تختلف باختلاف الناس تطويلاً وتخفيفاً، وكل موضع. قلنا: أنه بعد السلام يأتي به عقيب السلام، فإن لم يفعل، ثم ذكره، فإن لم يطل الفصل أتى به، وإن طال، فقولان كما ذكرنا، وكل موضع قلنا: يسجد بعد السلام يأتي به. سجد وتشهد بعدها ثم سلم، نقله المزني لفظاً، ونص عليه في "القديم". وهو مذكور في بعض نسخ المزني بعد هذا. قال: سمعت الشافعي يقول: "إذا كانت سجدتا السهو بعد السلام تشهد لهما، وإن كانتا قبل السلام كفاه التشهد الأول، وكل موضع. قلنا: يسجد قبل السلام نظر، فإن فعل قبل السلام سلم عقيبها، ولا يتشهد". ومن أصحابنا من قال: "يتشهد ويسلم". حكاه القاضي الطبري، وهو ضعيفه، ولو أخر ذلك إلى ما بعد السلام ناسياً، اختلف أصحابنا فيه، فقال صاحب "التلخيص": "يتشهد ويسلم"، وتعلق بظاهر كلام الشافعي الذي نقله المزني من السماع. وقال في "الحاوي": "هذا مذهب الشافعي وجماعة أصحابنا"، لأن من حكم

سجود السهو أن يكون تشهد وسلام، فإذا فعله بعد السلام يلزمه وصله به. [155 أ / 2] وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "سجد سجدتين، ثم تشهد بعد ذلك وسلم". وقال أبو إسحق وصاحب "الإفصاح": "يسجد سجدتين ويسلم ولا يتشهد"، وهذا هو المذهب الصحيح، لأن الشافعي قال: "وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم قريباً أعادهما، ولم يذكر التشهد، وهذا لأن السجود تركه من الصلاة، فلا يلزمه أن يعيل ما قبله، بل يأتي به فقط كما لو نسي شيئاً من صلب صلاته. قال هذا القائل، وما قاله المزني تفريع على مذهب الغير، إما أبي حنيفة، وإما مالك أو تفريع على قوله "القديم". ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره المزني قول الشافعي، أنه يتخير في سجود السهو بين ما قبل السلام وبعده في الزيادة والنقصان بخلاف قول مالك، حكاه الإمام أبو محمد الجويني رحمه الله. وقال القفال: هذا مبني على أنه إذا اشتغل بالسجدتين إلى أن سلم مرة أخرى، هل هو عائد إلى حكم الصلاة أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون سلامه لغواً وهو في الصلاة لا على معنى العود، ولكن جعل سلامه كأن لم يكن حتى لو أحدث بطلت صلاته، فعلى هذا لا يعيد التشهد ولا يكبر. وهذا اختيار الشيخ أبي زيد. والثاني: لا يلغي اللام، بل هذا منفرد عن صلاته، فلو أحدث بطل حكم السجدتين، ولا تبطل الصلاة، فعلى هذا لا بد من التشهد بعدهما. ولو سلم عامداً. قال بعض أصحابنا: حكمه كما لو سلم ساهياً. وعندي إذا سلم عامداً لا يمكن أن يلفي سلامه، فيكون خارجاً من الصلاة، ثم هل يأتي بسجود السهو على ما ذكرنا فإذا قلنا: يأتي به لا بد من التشهد، ولا يصير عائداً إلى حكم الصلاة حتى يبطل بالحدث، وقيل: فائدة هذا الاختلاف في خمس مسائل: إحداها: إذا خرج وقت صلاة الجمعة، وهو في سجود السهو بعد السلام، هل يتمها ظهراً أم صحت الجمعة؟. والثانية: في المسافر إذا نوى الإقامة فيها. والثالثة: إذا أحدث فيها مع ما ذكرنا والرابعة: إذا لم يكن سلم المأموم هل على المأموم أن يتابعه. والخامسة: إذا سلم المأموم مع الإمام ثم عاد الإمام هل على المأموم أن يعود حتى إذا لم يعد تبطل صلاته. فرع: إذا قلنا يسجد من الزيادة بعد السلام فسهى سهوين زيادة ونقصاناً سجد قبل السلام، لأنه يجوز بالاتفاق، فإنه من قال يسجد بعد السلام، قال: لو سجد قبله يحتسب به وبعد السلام مختلف فيه.

مسألة: قال: "ومن سها خلف إمامه فلا سجود عليه". وهذا كما قال. إذا سها المأموم وحده تحمله عنه الإمام، وكان وجود سهوه وعدمه سواء، وصور الشافعي السهو خلف الإمام في مسألة حسنة ذكرها في "البويطي"، وهي أن الرجل إذا أدرك الإمام في الركعة الثانية من الصبح فصلاها معه وقعد معه التشهد فسمع صوتا ظنه تسليم الإمام فقام لقضاء ما عليهء فصلاها وقعد للتشهد فإذا الإمام الآن يسلم من صلاته فإنه يقوم ويصلي تلك الركعة مرة أخرى، وليس عليه بهذا السجود سجود؛ لأنه سها خلف إمامه. وقال مكحول: لا يتحمل عن المأموم السهو. وحكي عنه أنه قام في قعود الإمام فسجد سجدتي السهو، وهذا غلط لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من خلف الإمام سهو، الإمام عافيه، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه، ومن سها خلف الإمام فلا سهو عليه". وكذا روى عن عمر- رضي الله عنه - ولأنه كما يتحمل عن المأموم بعض مسنونات الصلاة من التشهد الأول وقراءة السورة ونحو ذلك كذلك سجود السهو: لأن في خبر معاوية بن الحكم: سها خلف إمامه ولم يأمره بسجود السهو، وإن سها الإمام يلزمه سهو إمامه؛ لأن على المأموم متابعة إمامه فيما يلزمه من مسنونات الصلاة، كما قلنا أنه يتابع إمامه في التشهد وان لم يكن موضع تشهده، وهذا لأن نقصان صلاة الإمام نقصان صلاته في الحقيقة، وإن سهوا معا فهو كما لو أنفرد الإمام. مسألة: قال: "فإن لم يسجد إماماً سجد من خلفه". وهذا كما قال: إذا جاء وقت سجود الإمام بعد التشهد وقبل السلام لم يخل من أحد الأمرين، إما أن يسجد للسهو أو لا يجد، فإن سجد تبعه المأموم، وإن ترك السجود عامداً أو ساهياً فالمذهب المنصوص أن المأموم يسجد ولا يتركه. وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث وأحمد في رواية. وقال أبو حنيفة: "لا يسجد" وبه قال النخعي، وحماد، والمزني، وابن الوكيل، واحتجوا بأنها سنة فتسقط عنه إذا تركها الإمام كالتشهد الأول؛ لأن المأموم ما سها وإنما سهى الإمام ويسجد هو للمتابعة، فإذا لم يسجد هو فلا متابعة. وهذا غلط؛ لأن صلاة المأموم تنتقص بنقصان صلاة الإمام، كما تكمل بكمالها، فإذا لم يجبوها الإمام جبرها المأموم. وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن هناك يفارق إمامه فلا يأتي به لأنه يؤدي إلى ترك متابعته في حال إمامته وههنا فارق إمامه حين سلم فلهذا يسجد لنفسه. مسألة: قال: "وإن كان قد سبقه إمامه ببعض صلاته سجدهما بعد القضاء".

الفصل وهذا كما قال. جملة هذا أن الإمام إذا سها وكان خلفه مأموم مسبوق بركعة أو أكثرها، فإن الإمام يسجد قبل سلامه ويتابعه المأموم المسبوق بلا خلاف. وحكي عن ابن سيرين أنه قال: "لا يتابعه" لأنه ليس هذا موضع سجود السهو من حق المأموم وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه قول بعض أصحابنا، وليس بشيء. والدليل على ما ذكرنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد فاسجدوا". [155 ب / 2] ولأن المأموم يتابع الإمام فيما لا يعتد به إذا أدركه رافعاً من ركوعه. فكذلك ههنا يتابعه، وإن لم يجد إمامه عمداً أو سهواً، أو كان فيمن يرى سجود السهو بعد السلام، فسلم، فالمأموم لا يسجد في هذا الموضع، ولكنه يقوم ويصلي ما بقي عليه، ثم يسجد في آخر صلاته قولا واحداً. وعند أبي حنيفة: يتابعه في السجود، ولا يتابعه في السلام، لأن عنده يعود إلى حكم صلاته بعد السلام إذا سجد معه، وقام لقضاء ما عليه فقضاه هل يسجد للسهو مرة أخرى؟ فيه قولان: أحدهما: قاله في "الأم"، ونقله المزني: يسجد ولا يعتد بما فعله مع إمامه، لأن صلاته نقصت بنقصان صلاته، والذي سجد معه في غير موضعه لإتباع الإمام، فيلزمه أن يسجد في محل السجود جبراناً للنقص. والثاني: قاله في "القديم" و"الإملاء": "لا يسجد"، لأن بسجود الإمام كملت الصلاة في حق الإمام وحق المأمومء فلا حاجة به إلى السجود ثانياً، والأول أصح. فرع هذه المسألة أنه إذا قام لقضاء ما عليه فسها فيه حصل له سهوان: سهو نفسه، وسهو الإمام، فإذا قلنا: لا يعيد يسجد ههنا سجدتين فقط لسهو نفسه، وإذا قلنا: يعيد فههنا وجهان: أحدهما: يكفيه سجدتان، وهو المذهب، نص عليه في "القديم". والثاني: يحتاج إلى أربع سجدات، لأنهما سهوان مختلفان، فلم يتداخل حكمهما، وهذا غلط، لأنه لو تكلم ناسياً وترك التشهد الأول يكفيه سجدتان، وإن اختلف السبب كذلك ههنا. وقيل فيما نقله المزني في هذا الموضع خلل، وذلك أنه قال: "وإن كان سبقه إمامه ببعض صلاته سجدهما بعد القضاء إتباعاً لإمامه، لا لما يبقى من صلاته، وهذه العلة إنما ذكرها الشافعي في مسألة أخرى، وهي أنه لو سها في باقي الصلاة بعدما سجد مع الإمام سجد في آخر صلاته، لأن سجوده كان إتباعاً لإمامه لا لما يبقى من صلاته [156 أ / 2]، وهذا لا يليق بتلك المسألة التي أوردها المزني، ولو سها الإمام فيما سبق به المأموم بأن صلى ركعة من الظهر وسها فيها، ثم كبر هو ودخل معه

هل يتعلق به حكم ذلك السهو السابق؟ المنصوص في صلاة الخوف أنه يتعلق به ذلك. وبه قال مالك، ومن أصحابنا من قال: "لا يتعلق به حكمه، لأنه فيما يقضى لا يتحمله الإمام، فكذلك فيما انفرد به الإمام لا يلزمه حكمه"، وهذا غلط، لأنه يكمل صلاته بتلك الركعة وتنتقص بنقصاتها فهو كما لو سها فيما لحقه فيه، ويخالف إذا انفرد المأموم لأنه لا يجبره الإمام بعد مفارقته، فلزمه حكمه، فإذا قلنا: لا يتعلق به، فإن سجد إمامه سجد معه متابعاً، وإن لم يجد إمامه لا يجد هو أصلاً، وإذا قلنا: يتعلق به فالحكم كما ذكرنا في المسألة الأولى. فَرْعٌ آخرُ هذه المسألة أنه إذا أحرم بالظهر وحده وصلى ركعة ثم جاء إمام فأحرم بها مع توم فنقل صلاته إليه حتى يصلي معه القوم جماعة، هل يجوز ذلك؟ قولان. فإذا قلنا: يجوز، كان أول صلاته انفراداً، وآخرها جماعة. ولكن المأموم يفرغ من صلاته قبل فراغ الإمام، فإذا صلى الإمام ثلاثاً، وقام في الرابعة نوى مفارقته وتشها لنفسه، فإن كان قد سها إمامه، فيما أدرك معه سجد هو، ثم سلم، وإن كان قد سها هو فيما انفرد به قبل الجماعة سجد أيضاً، وإن كان قد سها هو عند الانفراد وسها إمامه حصل سهوان إن من جنسين لم يسجد، وجهان على ما ذكرنا، وإن حمل له انفراد في طرفي الصلاة، وجماعة في الوسط، كأنه صلى وحده ركعة من الظهر، ثم أحرم مسافر بقوم، فبنقلها إلى صلاته وصلى معه، ثم سلم وبقي عليه، فقام لقضاء ما عليه، واجتمع السهو في هذه الأحوال الثلاث، سهوان منه وسهو من الإمام، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يسجد ست مجدات. والثاني: أربع سجدات، لأنهما جنسان انفرد وجماعة. والثالث: وهو المذهب يكفيه سجدتان. والوجه الأول أضعف الوجوه، [156 ب / 2] ولا يصح لأن السهو من جنسين في الحقيقة مستحيل إلا من سجدات. فَرْعٌ آخرُ إذا أدرك مع إمامه آخر الصلاة صلى ما أدرك وقضى ما فاته، ولا سهو عليه، لأن الذي فعل مع إمامه، وإن كان زيادة في الصلاة، فهو فعل واجب، فلا يوجب السجود. وحكي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، أنهم قالوا: يسجد للسهو، ثم يسلم، لأنه زاد في صلاته ما ليس منها. وهكذا ينبغي أن يختص بالمسبوق الذي تابع إمامه فيما لا يعتد به، وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم، فامضوا". وروي: "فأتموا" أو لم يأمر بالسجود، ولأن هذه الزيادة كانت واجبة عليه، فلم

ينقصها فلا تحتاج إلى الجبران. فَرْعٌ آخرُ لو دخل وجل والإمام في السجدة الأولى، فأحرم ودخل معه في السجود، ثم أحدث الإمام، وبطلت صلاته وانصرف، ولم يستخلف، يقوم ولا يأتي بالسجدة الثانية. وقال ابن أبي هريرة: يسجد الثانية، ثم يقوم لأنها لزمته بحكم الاتباع، وهذا غلط، لأن ذلك إنما وجب للمتابعة، فإذا بطلت إمامته لم يتبعه فيها، ويخالف هذا سجود السهو يأتي به على طريق الاتباع ثم يأتي به منفرداً، وإن زالت إمامته، لأن سهو الإمام نقص صلاة المأموم، فإذا لم يأت به أتى به في آخر صلاته جبرانا لما لحق صلاته من النقصان، فإذا ثبت هذا، هل يجلس في الركعة الأولى مشتهدا فيأتي به على ترتيب صلاة الإمام أو يراعي ترتيب صلاة نفسه على هذين الوجهين؟، والصحيح أنه يراعي ترتيب صلاة نفسه، لأن الاتباع قد بطل ببطلان صلاته. فَرْعٌ آخرُ لو ترك التشهد الأول، أو القنوت عمداً، هل يسجد للجبران؟ قال الشافعي: "يسجد، لأنه إذا سجد للسهو، [157 أ / 2] فالعمد أولى به". ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر، فلا يسجد، وبه قال أبو حنيفة وأبو إسحق من أصحابنا لأنه يسمى سجود السهو، وهذا غلط، لأن الشافعي لم يذكر هذا القول في شيء من كتبه، وإنما يسمى سجود السهو، لأنه يفعل غالباً عند السهو، لأنه يقال: فدية الأذى، وإن تعلقت الفدية بالحلق لا بالأذى، فكذلك ههنا يتعلق بالسجود، وترك التشهد ولا يختص بالسهو. فَرْعٌ آخرُ لو سجد إحدى سجدتي السهو، ثم سلم، أو قام ساهياً لا نص للشافعي فيه. وقال عامة أصحابنا: لا حكم لهذا السهو فيأتي بالسجدة الثانية ويسلم، لأن سجود السهو في نفسه جبران، فلم يفتقر إلى جبران كصوم التمتع لم يفتقر إلى جبران في تأخيره بخلاف قضاء رمضان. ومن أصحابنا من قال: وهو قول قتادة: "يسجد لهذا السهو سجدتين"، ويكون حكمه حكم السهو في غيره فتكون السجدة الأولى من هاتين السجدتين نائبة عن السهو الأول والثاني. والسجدة الثانية نائبة عن السهو الثاني. فَرْعٌ آخرُ لو سها بعد فراغه من سجود السهو قبل سلامه فتكلم، أو قام. اختلف أصحابنا

فيه، فمنهم من قال: "يعيد سجدتي السهو"، وهو ظاهر هذا المذهب، لأن السجود لا يجبر ما يقع بعده من السهو، لأنه لو كان يجبر ذلك لما كان للتأخير إلى آخر الصلاة معنى، ولأن هذا السهو لم يقع في الجبران حتى يمنع جبرانه، بل وقع في نفس الصلاة، فكان بالساهي قبل سجوده أشبه بخلاف المسألة السابقة، وهذا اختيار ابن أبي أحمد، ومنهم من قال: "لا يعيد السجدتين"، لأنه إنما أخر عن موضعه إلى آخر الصلاة ليجمع السهو، فلو جاز أن يفرض فيه وبعده سهو يقتضي سجوداً لم يكن لتأخيره وجه ووجب الإتيان بالسجود لكل سهو عقيبه، أو كان السجود يؤخر عن السلام كما قال أبو حنيفة، ليجمع السهو كله، ولأنه لو سجد بعده لجاز أن يقع السهو بعد الثاني [157 ب / 2] والثالث، فيؤدي إلى ما لا نهاية له. وهذا اختيار القفال. وقال أبو عبد الله الحسن من أصحابنا: هذا قياس المذهب. فَرْعٌ آخرُ لو سجد ثلاث سجدات، قال صاحب "التلخيص": "لا يسجد سجدتي السهو"، ولعل حجته أن الجبران لا يقضي الجبران وعلى قول أصحابنا في هذا وجهان أيضاً. وحكي أن الكسائي قال لأبي يوسف: من تقدم في صناعته أمكنه أن يهتدي إلى سائر العلوم، فقال له: أنت إمام في النحو والأدب، فهل تهتدي إلى الفقه؟ فقال: سل ما شئت، فقال: إن سها في سجود السهو، هل يلزمه أن يسجد؟ قال: لا، لأن التصغير لا يصغر، فقال: هل يجوز الطلاق قبل النكاح؟ قال: لا، لأن السيل لا يسبق المطر، فناقضه بالوصية قبل المال فتوقف. فَرْعٌ آخرُ لو شك، هل سها أم لا؟ فجهل وسجد للسهو لزمه أن يسجد ثانياً للزيادة. فَرْعٌ آخرُ لو سها في صلاة الجمعة يسجد سجدتي السهو، ثم دخل وقت العصر قبل أن يسلم أتمها ظهراً ويعيد سجدتي السهو في آخر صلاته، لأن ما سجد في خلال صلاته لم يعتد به. فَرْعٌ آخرُ لو نوى المسافر القصر فيها في الركعتين وسجد للسهو، ثم نوى الإقامة أو الإتمام، أو بلغت السفينة البلدة قبل أن يسلم من الركعتين، فإنه يجعلها أربعاً، ويعيد سجدتي السهو. وقال صاحب "التلخيص": "لا يلزم أكثر من سجدتين عنا السهو إلا في مسائل"، وذكر نحو هذه المسائل. وفي الحقيقة لا يحتسب إلا سجدتان، والباقي لغو. فَرْعٌ آخرُ لو أحرم المسافر بصلاة الظهر فنسي فصلى أربع ركعات وسلم، ثم تذكر أنه نسي

من كل ركعة سجدة فصلاته صحيحة، وسقط عنه فرض الظهر، ولا تجزيء أحداً صلاة الظهر. أربه ركعاتٍ في كل ركعة سجدة إلا في هذه المسألة. فَرْعٌ آخرُ لو سها في صلاة المغرب فزاد ركعة يسجد للسهو وأجزأته صلاته. وقال قتادة والأوزاعي: "يضيف إليها أخرى، ويسجد للسهو، لأنه إن لم يضف إليها أخرى [158 أ / 2] صارت شفعاً، وهذا غلط لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى الظهر خمساً ناسياً، فلما تذكر سجد للسهو"، ولم يضف إليها أخرى حتى تصير شفعاً، وهذا لأن ما فعله على وجه السهو لا يعتد به. فَرْعٌ آخرُ قال القاضي أبو علي البندنيجي: "لو دخل في صلاة، فلم يكملها حتى اعتقد أنه ما كبر تكبيرة الافتتاح مستأنفاً للصلاة، فإن ذكر أنه كان كبر الأولى نظر، فإن ذكر بعد أن فرغ من الثانية لم تفد صلاته الأولى، وتمت بالثانية، وان ذكر قبل أن يكمل الثانية عاد إلى الأولى، فأكملها وسجد في كل هذا للسهو"، نص عليه الشافعي رضي الله عنه. مسألة: قال: "وإن تكلم عامداً بطلت صلاته". وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة، واستدل الشافعي في كلام السهو بحديث ذي اليدين، وقد ذكرنا، ثم أول خبرهم الذي يتدلون به، وهو خبر عبد الله بن مسعود وتمامه أن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: كنا نتكلم في الصلاة، ونسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيرد علينا، وهو في الصلاة قبل أن نخرج إلى أرض الحبشة، فلما قامت من أرض الحبشة وجدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فلمت عليه، فلم يرد علي السلام، فأخذني ذلك، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة علم ما داخلني، فقال: "إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث إن لا تكلموا في الصلاة"، وهذا كله بمكة، وخبرنا كان بالمدينة، فيحمل خبرهم على العمد، ولم ينسخ أحدهما بالآخر. مسألة: قال: "وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى نغاشا فسجد شكراً لله". وهذا كما قال: سجود الشكر مسنون، وهو إذا حدث ما يشكر الله عليه مثل ابتداء النعمة من المال والجاه والولد والنصرة على الأعداء ودفع بلية مثل النجاة [158 ب / 2] من الغرق والحرق والعدو والسبع. وبه قال الليث وأحمد. وقال الطحاوي وأبو حنيفة: "لا نرى سجود الشكر شيئاً"، وروى محمد عن أبي حنيفة: أنه كان يكرهه، في به قال مالك، وقال محمد: "لا يكره". واحتج الشافعي بالخبر الذي ذكره. والنغاش: الناقص الخلق. وقيل: إنه المبتلى.

وروى ابن عمر رضي الله عنهما "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر برجل به زمانة، فنزل وسجد شكراً لله". وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا قام من النوم سجد، وإذا رأى القرد سجد، وإذا رأى رجلاً متغير الخلق سجد". وروى أبو بكرة رضي الله عنه أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - "أتاه ظفر جند ورأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فرفع رأسه فسجد". وقال المغيرة بن شعبة: "رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً قصيراً بينا في قصره، فسجد لله تعالى شكراً". وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا أتاه أمر يسره خر ساجداً لله تعالى". وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه لما بلغه فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب المدعي النبوة فيما بين المرتدين سجد شكراً لله تعالى". وروي عن علي رضي الله عنه "أنه سجد شكراً حين وجد ذو الثدية مقتولاً" وحكمها حكم سجود التلاوة إلا أنه لا يسجد في الصلاة، ثم إذا أراد أن يعبه للشكر، فإن كان للنعمة أظهرها، وان كان لنقص رآه بالغير، فإن كان نقصا هو فيه غير معذور كالكفر والفسق أظهره ليرتاع العامي بذلك، ويأنف مما هو فيه، وإن كان نقصاً هو فيه معذور كالزمانة أخفى ذلك لئلا يدخل الحزن على قلب أخيه المؤمن، وربما يسخط عليه ويخاصمه إذا رآه يفعل ذلك. ثم قال الشافعي: "ويسجد الراكب إيماءً، والماشي على الأرض"، وأراد: والماشي يسجد للشكر على الأرض، فكأنه لم يجز للماشي النجود بالإيماء كما جوز للراكب، وهذا دليل على أن صلاة النفل لا تجوز للمقيم بالإيماء، وإن كانت تجوز قاعداً، [159 أ / 2] وهو أحد وجهي أصحابنا. ومن جوز ذلك حمل كلام الشافعي على الاستحباب. فرع قال والدي الإمام رحمه الله: إذا أراد القنوت في غير صلاة الصبح لوقوع النازلة فنسي القنوت، هل يسجد للهو؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يسجد لأنها صلاة استحب القنوت فيها كالصبح.

باب

والثاني: لا يسجد، والفرق أن القنوت في الصبح مستحب في حال الاختيار، فاستحب الجود بتركه فيها بخلاف سائر الصلوات، وهذا أظهر. فَرْعٌ آخرُ إذا كلم في صلاته كلاماً لم يسمعه لعارض كالصياح العظيم، وكان يسمعه لو لم يكن ذلك العارض، هل تبطل صلاته. قال والدي: فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل لفقد السماع. والثاني: تبطل، وهو الأظهر لوجود إمكان السماع، وأصل هذا إذا قرأ الفاتحة في صلاته، ولم يسمعها للعارض الذي ذكرناه، هل يسقط عنه فرض القراءة؟ وجهان، والأظهر سقوطها، وهكذا الحكم لو كان العارض الصمم. باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة مسألة: قال: "وأقل ما يجزئ من عمل الصلاة أن يحرم ويبدأ بأم القرآن". الفصل وهذا كما قال: القصد به بيان جواز الاقتصار على الصلاة على الأركان، وذكر الإحرام، ولم يذكر النية، لأن الإحرام إذا عري عن النية لم يكن إحراماً، وقد قيل: ذكر النية، لأنه لا يكون الإحرام إلا بالنية، وقيل: إنما لم يذكر النية، لأنه أراد أعمال الصلاة التي تفعل بجوارح البدن، لا جارحة القلب، لأنه قال: "من عمل الصلاة". وجملته: أن الصلاة تشتمل على أركان، ومسنونات، وهيئات، وتفتقر إلى شرائط تتقدمها، وكل وكن شرط، وليس كل شرط ركناً. والأركان ما اشتملت عليه، والشرائط ما تقدم عليها. والشرائط ست: الطهارة من الحدث، وطهارة البدن من النجس، [159 ب / 2] وطهارة الثوب، وطهارة المكان، وستر العورة، واستقبال القبلة. وقيل: ثمان، فذكر دخول الوقت، والنية معها، وقيل: خمس، الطهارة من الحدث، والنجس بالماء الطاهر، وستر العورة بالثوب الطاهر، وستر العورة بالثوب الطاهر، والوقوف على بقعة طاهرة، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت قطعاً أو استدلالاً يغلب على الظن دخوله في صلاة الفرض، وهذا أحسن عندي، وغلط من قال: النية من شرائطها، لأن الصلاة تشتمل عليها لمقارنتها التكبير. وقيل: استقبال القبلة ركنها، وهو غلط أيضاً. وأما أركانها: فأربعة قبل الركوع، التكبير، والنية، والقراءة. وأربعة قبل السجود: الركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال، والطمأنينة فيه. وأربعة قبل السجود الثاني:

السجود والطمأنينة فيه، والجلوس والطمأنينة فيه، وركنان بعد هذا السجود والطمأنينة، فذاك أربعة عشر ركناً في أول ركعة من الصلاة، وفي كل ركعة بعد الأولى اثنا عشر ركناً، لأنه لا افتتاح فيه، ولا نية وبعد آخر ركعة في كل صلاة أربعة أركان: الجلوس والتشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والتسليمة الأولى. ومن أصحابنا من قال: خمسة وضم إليها نية الخروج من الصلاة، فإذا أردت أن تعرف أركان الصلاة، فاجعل لكل ركعة منها اثني عشر ركناً، وزد على ذلك ستة أركان: ركنان تنفرد بهما الركعة الأولى وأربعة بعد آخر الركعة، أو زد سبعة إذا قلنا: نية الخروج من الصلاة واجبة، فالظهر والعصر والعشاء كل واحدة أربع ركعات في كل ركعة اثنا عشر ركناً، تكون ثمانية وأربعين وستة بعدها تصير أربعة وخمسين أو خمسة وخمسين على قول بعض أصحابنا [160 أ / 2]. وفي المغرب اثنان وأربعون ركناً. وفي الصبح ثلاثون ركناً هذا إذا جعلت الطمأنينة ركناً مفرداً. وظاهر قول الشافعي: إن الطمأنينة صفة من صفات الركوع والسجود والجلوس، فنقول على هذا، وهو الأصح في أول الركعة تسعة أركان: أربعة قبل الركوع، والركوع مطمئناً، والاعتدال عنه مطمئناً، والجلوس مطمئناً، والسجود الثاني مطمئناً، وفي كل ركعة بعدها سبعة أركان وأربعة أركان في آخر الصلاة، ففي الصبح عشرون ركناً، وعلى هذا الحساب، فإن أردت أن تحصر أركان الصلاة من غير تفصيل. قلت: أجناسها أحد عشر ركناً: التكبير، والنية، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والتشهد، والطمأنينة في أربعة أركان والتشهد والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسلام. وقيل: أربعة عشر، وزاد هذا القائل: نية الخروج من الصلاة، وترتيب أفعالها على ما ذكرناه، والاعتدال من الركوع، والجلوس بين الجدتين، والجلوس للتشهد عدهما اثنين، وجعل الطمأنينة صفة في الأركان، ولم يعدها في هذه الجملة. قال صاحب "التلخيص": "الأركان أربعة عشر"، وعد الاستقبال فيها دون الطهارة والستر، لأن الطهارة تسبق الصلاة، وستر العورة لا يختص بالصلاة، والصحيح ما تقدم. وأما المسنونات: فهو كل ما لو تركه عمداً أو سهواً سجد للسهو لأجله، وهو التشهد الأول والجلوس له، والقنوت في الصبح والوتر، والصلاة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأول على أحد القولين، ولم يذكر أصعابنا القيام للقنوت، وهو من المسنونات حتى لو ترك القيام في القنوت في الصبح، ولم يترك القنوت سجد للسهو، فهو خمسة، وأصحابنا يسمونها أبعاض الصلاة. وأما الهيئات: فكل ما تركه لا يجبر بالسجود، وهو كثير رفع اليدين في ثلاثة مواضع ودعاء الافتتاح، والتعوذ، والجهر، والتأمين، [160 ب / 2] وقراءة السورة، ووضع اليمنى على الشمال، وتكبيرات الانتقالات، ووضع اليدين على الركبتين في

الركوع، والتسبيحات في الركوع والسجود، والتسميع والذكر بعده وجعل اليدين حذو المنكبين في حال السجود، وجلسة الاستراحة، ووضع اليدين على الفخذين عند الجلوس، والصلاة على الآل، والتسليمة الثانية. وخلط أبو العباس ابن سريج السنة بالهيئات، وربما قال: ثمان رفع اليدين في ثلاثة مواضع ودعا، الاستفتاح، والتعوذ، ورفع اليمين على الشمال فيها، والتأمين، وقراءة السورة، وتكبيرات الانتقالات، والتسبيحات في الركوع والسجود، وما عداها فهيئات. وقيل: السنن خمس وثلاثون: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع من الركوع، ووضع اليمنى على الشمال، والنظر إلى موضع السجود، ودعاء الاستفتاح، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، والتكبيرات سوى تكبير الإحرام، والتسميع، والتحميد، والتسبيح في الركوع، والتسبيح في السجود، ووضع إليه على الركبة في الركوع، ومد الظهر والعنق فيه، والبداية بالركبة، ثم باليد في السجود، ووضع الأنف في السجود، ومجافاة المرفق عن الجنب في الركوع والسجود، وإقلال البطن عن الفخذين في السجود، والدعاء في الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، ووضح اليد على الأرض عند القيام، والتورك في آخر الصلاة، والافتراش في سائر الجلسات، ورفع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة، والإشارة بالمسبحة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى مبسوطة، والتشهد الأول، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، والصلاة على آله في التشهد الأخير، والدعاء في آخر الصلاة، والقنوت في الصبح، والتسليمة الثانية، والسلام على الحافرين، والسلام على الحفظة. وأبو حنيفة يوافقنا في بعض هذه الأشياء ويخالفنا في أكثرها، فيجوز عنده في الطهارة ترك النية والترتيب، والاقتصار على غسل ربع اللحيةء والتوضؤ بالنبيذ، وفي الستر يجوز أن ينكشف من العورة الغليظة قدر درهم [161 أ / 2]، ومن العورة الخفيفة دون ربع العضو، ويجوز أن يكون على ثوبه قدر درهم من النجاسة، وفي التكبير يقتصر على قوله: الله، أو يقول بالفارسية: خذا، ويقتصر في القراءة على آية، أو يفسر قوله، ثم نظر بالفارسية، ويقول: (لس ينكرست)، ويركع حتى يكون إلى الركوع أقرب، ولا يطمئن، ولا يرفع رأسه، بل يخر ساجداً، ولا يطمئن ويجد على كور العمامة، ويرفع قليلاً، ثم يسجد كذلك، ثم يصلي ركعة أخرى كذلك، ولا يقرأ في الأخريين، ويجلس قدر التشهد ولا يتشهد، ثم يحدث أو يتكلم، وقد تمت صلاته. وقال الطحاوي: "أركان الصلاة عند أبي حنيفة ستة: النية، والتكبير، والقراءة، والقيام، والركوع، والسجود". مسألة: قال: "فإن كان لا يحسن أم القرآن، فيحمد الله تعالى ويكبره مكان القراءة".

الفصل وهذا كما قال: إذا كان يحسن قراءة الفاتحة فقراءتها شرط على ما ذكرنا، ولو شدد المخفف فيها يجوز وإن أساء، وإن لم يحسن الفاتحة لا يخلو من ثلاث أحوال: إما أن يحسن غيرها من القرآن، أو من الذكر، أو يحسن قرآناً، ولا ذكراً، فإن كان يحسن غيرها من القرآن، فعليه أن يقرأ مكانها سبع آيات وجهاً واحداً، ولا يكفيه دون سبع آيات، حتى لو قرأ آية المداينة لم يحتسب له إلا آية واحدة. قال الشافعي: "ويستحب أن يقرأ ثماني آيات لتكون الآية الثامنة بدلاً من السورة"، وهل يعتبر أن تكون هذه الآيات بعدد حروف الفاتحة، فيه قولان: أحدهما: لا يعتبر لأن الاعتبار بالآي لا بالحروف، ألا ترى أنه لو قرأ ست آيات حروفها أكثر من حروف الفاتحة بكثير لا يجوز، وقد قال الشافعي في "الأم": "صغاراً أو كباراً من موضعٍ واحد أو من مواضع". وقال في "الجامع الكبير": "طوالاً كن أو قصاراً"، وهذا كما أن في قضاء الصوم يعتبر عدد الأيام، ولا يعتبر طولها وقصرها، والشافعي يعتبر ذلك، [161 ب / 2] وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، لأن الشافعي، قال فيما نقل المزني: وقرأ بقدرها سبع آيات"، فاعتبر الأمرين جميعاً. والدليل عليه أنه بدل عن مبدل من جنسه، فيجب أن يكون مساوياً له بكل حالٍ ومعنى قوله: "صغاراً أو كباراً"، أي: وإن كباراً، لا يكفيه دون سبع آيات. وقال أبو حامد: فيه وجهان، لأنه رواية المزني غير مريحة في اعتبار الحروف، وإن كان يحسن آية من الفاتحة، ويحسن غيرها من القرآن، فإن يقرأها، وهل يكررها سبعاً، أو يقرأ غيرها؟ فيه وجهان: وقيل: فيه قولان: في "الأم" ذكره أبو حامد. أحدهما: يقرأها، ويقرأ ست آيات من غيرها. قال الشافعي: "وأحب أن يعيد تلك الآية سبع مرات"، وهذا أصح، لأن سائر القرآن لما قام مقام كل الفاتحة قام مقام بعضها. وأيضاً روي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن، فعلمني ما يجزئني. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، فقال: هذا لله، فما لي؟، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قل: اللهم ارحمني وعافني وأهدني وارزقني". وهذا الرجل يحسن من الفاتحة: الحمد لله، ولا يتعذران بقول: رب العالمين، فيتم آية، ولا يحتاج إلى

ذكر آخر إن وجب التكرار، فدل أنه لا يحب ذلك. والثاني: يكروها سبع مرات، ويكفيه لأن تكرارها أشبه بما فرض عليه دون غيره، وهكذا لو كان يحسن آية من الفاتحة ويحمن الذكر دون القرآن، هل يكروها أم يأتي بها ويكمل بالذكر؟ قيل: قولان، وقيل: وجهان، فإذا قلنا: يكمل بالذكر يلزم مراعاة الترتيب، فإن عوف مثلاً النصف الأول من الفاتحة أتى به، ثم يأتي بالذكر، وإن كان يحسن النصف الأخير منها يأتي بالذكر قدر النصف الأول، ثم يقرأ ما بقي من الفاتحة. [162 أ / 2] ذكره القفال رحمه الله، ولو كان يحمن آية من الفاتحة، ولا يحسن شيئاً آخر لا من القرآن ولا من الذكر كررها سبعاً قولاً واحدً، وإن كان لا يحسن الفاتحة، ولكنه يحسن من غيرها آية واحدة، ولا يحسن غيرها نص في "الأم" على قولين: أحدهما: يقرأها وست كلمات من الذكر، لأنه لما ناب الذكر عن كل القراءة ناب عنه بعضها. والثاني: يكررها سبع مرات لأنها بالفاتحة أشبه، فإذا قلنا: يأتي بها وبالذكر أتى بالذكر بعد ست آيات. وإذا قلنا: يكررها سبعاً. قال في "الأم": "يكررها سبعاً أو ثمانياً"، وعندي إنما قال: أو ثمانياً لتقوم المرة الثامنة مقام قراءة السورة، وإن لم يحسن القرآن بحالٍ، ويحسن الذكر يقوم الذكر مقام القراءة قولاً واحداً، ويجب عليه قراءته والذكر ما تقدم في الخبر، وإنما أمر بذلك لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أفضل الذكر بعد كلام الله عز وجل، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". وقال أبو حنيفة: "لا يلزمه الذكر ويقوم ساكتا قدر القراءة، ثم يركع"، وقال مالك: "لا يلزمه الذكر ولا القيام"، واحتج بأنه موضح من الصلاة، فلا يجب فيه ذكر غير القرآن كالركوع، وهذا غلط لخبر عبد الله بن أبي أوفى. وقد قال الرجل: "فعلمني ما يجزئني". وروى رفاعة بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمر الله تعالى، ثم ليكبر، فإن كان معه شي، من القرآن قرأ به، وإن لم يكن معه فليحمد الله، وليكبر"، وليس كالركوع، لأنه قربة في نفسه، فاستغنى عن الذكر بخلاف القيام. والدليل على بطلان قول مالك: أن القيام فعل واجب في الصلاة، فلا يسقط بتعذر الذكر فيه كسائر الأفعال، فإذا تقرر هذا، ففي قدر الذكر الذي يقيمه مقام الفاتحة، وجهان: أحدهما: وهو اختيار أبي إسحق يجبه من الذكر بقدر حروف الفاتحة ويسقط اعتبار

الآي، لأنه لا يمكن اعتبارا في الذكر، وهذا لأنه أقيم مقامها فاعتبر قدرها، [162 ب / 2] ولا يتعين ما ورد به الخبر، لأنه لو كان يحسن غير الفاتحة لا يتعين ما يلزمه أن يقرأ فيها بل يخير، فيقرأ سبع آيات من أي موضع شاء. وهذا اختيار أبي حامد، وابن أبي هريرة. والثاني: يجب ما نص عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة، ولا تبديل، وهو اختيار صاحب "الإفصاح" وأشبه بالسنة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر على ذلك، ولم يأمره بالزيادة عليه، ويفارق هذا القراءة من غير الفاتحة، لأن هذا بدل من غير الجنس كالتيمم، فلا تجب فيه الزيادة على النص. وهذا اختيار القافي الطبري وجماعة. ومن أصحابنا من قال: هذه خمس كلمات فيأتي بها ويضم إليها كلمتين آخرتين حتى تصير سبعاً، فإن كل كلمة بمنزلة آية، ولا يعتبر قدر الحروف، وإن كان لا يحسن شيئاً، ففرضه أن يقوم قدر القراءة، ويسقط عنه الذكر نص عليه، ولو قدر على التعلم يلزمه ذلك، فإن لم يتعلم وصلى، قد ذكرنا أنه يلزمه إعادة الصلاة، ثم فيه وجهان: أحدهما: يعيد كل صلاة صلاها من وقت قدرته على التعلم. والثاني: يعيد إلى أن أخذ في التعلم، لأن الأخذ في التعلم يزيل حكم التفريط، فيسقط عنه إعادة ما صلى في هذه المدة. فرغ لو تعلم الفاتحة في خلال إتيانه بالبدل، فالصحيح أنه يترك البدل ويشتغل بالفاتحة، وفيه وجه آخر يمضي في البال، وليس بشيء. ومن أصحابنا من قال: يحتسب بالقدر الذي أتى به، ويقوم مقام أول الفاتحة فيتم من أخر الفاتحة، لأن الذكر مقصود في نفسه، فيستحب بما أتى به منه، والأول أصح، لأنه قدر على الأصل قبل الفراغ من البدل. فَرْعٌ آخرُ لو تعلم بعد فراغه من البدل يلزمه أن يقرأها إذا لم يكن ركع، لأن محل القراءة باق. ذكره القاضي الطبري، [163 أ / 2] وهو الصحيح. وقيل: فيه وجهان، واختار مشايخ خراسان، أنه لا يلزمه العود إلى الفاتحة، لأنه فرغ من البدل كما لو صلى بالتيمم ثم وجد الماء. فَرْعٌ آخرُ إذا كان لا يحفظ الفاتحة، ولكنه قادر على تلاوتها من المصحف يلزمه التلاوة، ويلزمه الشراء أو الاستعارة، ولو كان بالليل عليه تحصيل الضوء، فإن قال قائل: لم قال الشافعي ههنا وضيع حظ نفسه فيما ترك، ولم يقل ذلك في مسنونات الوضوء. قلنا: لأن هذه السنن أكد ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل قط خالياً عن المسنونات، وقد

باب

توضأ مرة مرة!! فإذا تقرر هذا، ذكر الشافعي: أنه لو ترك حرفاً من أم القرآن، وهو في الركعة رجع إليها وأتمها. وفي بعض النسخ رجع إليه، وهما صحيحان، فالتأنيث يرجع إلى الفاتحة وكناية التذكير راجعة إلى الحرف، والمعنى في المسألة، أن كل حرف من الفاتحة ركن عن حياله، والترتيب فيه شرط، فإذا نسي حرفاً لم يحتسب ما بعده، فإن تذكر في تلك الركعة رجع إلى ذلك الحرف فبنى عليه، وان لم يذكر حتى قرأ في ركعة أخرى التحقت قراءته فيها بالركعة التي قبلها فتمت القراءة فيها، وسقطت في التي بعدها. باب طول القراءة وقصرها مسألة: قال: "وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل". وهذا كما قال: اعلم أن القصد من هذا الباب، أن المستحب للإمام في الصلاة التخفيف مع التمام، كما قال أنس رضي الله عنه: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - "من أخف الناس صلاة في تمام". وبين الشافعي ذلك، وهو أن يقرأ في صلاة الصبح بعد الفاتحة في كل ركعة بسورة من طوال المفصل كسورة الحجرات، والذاريات، والواقعة ونحوها. ويقرأ في الظهر سنها بذلك يعني في [163 ب / 2] الركعتين الأوليين، وفي الأخويين ذكرنا قولين في سنة السورة، فإذا قلنا: تسئ قرأ فيهما على النصف من الأوليين. والأصل فيه خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "حزرنا قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية قدر: {الم (1) تَنزِيلُ} (السجدة: 1 - 2]، وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلكء وحزرنا قيامه في الأوليين من العصر بنحو مما يقرا في العشاء". وأراد في الأوليين من العشاء، ثم امن ما يستحب في العشاء، وهو قدر سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل مثل: {وَالْعَادِيَاتِ} (العاديات: 1]. وهذا تفسير التخفيف في تمام. فإن زاد على هذا كان مثقلاً على القوم، وان نقص عنه كان مقصراً إلا أن يكون له عذر ظاهر، أو لأحدٍ ممن خلفه، فلا بأس حينئذ أن ينقص عنه، ولا يكون مقصراً، فإن قصر أو زاد يجوز في الجملة. وإنما شبه الشافعي الصبح بالظهر والعصر والعشاء، لأنهما صلاتا سر، ولم يثبت ما إذا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهما، وفي كل هذا ورد الخبر. قال ابن عباس رضي الله عنه: "صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح يوم الجمعة، فقرأ فيها بسورة السجدة: {الم (1) تَنزِيلُ}، {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ} وقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والسورة التي ذكر فيها المنافقون".

وروي أيضاً أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة الجمعة: {الم (1) تَنزِيلُ}، و {هَلْ أَتَى}. وروي أنه "قرأ ليلة الجمعة في المغرب: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وفي صلاة العشاء تلك الليلة: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ". وقال بعض أصحابنا: يقرأ في ليلة الجمعة في صلاة العشاء سورة الجمعة وسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}. وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: "صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح، فقرأ فيها، {يس}، و {حم}. وقال عمران بن الحصين رضي الله عنه [164 أ / 2]: "قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ} يسمعنا الآية أحياناً". وقال بريدة الأسلمي رضي الله عنه: "قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَالشَّمْسِ}، و {وَاللَّيْلِ} ". وروي أنه قرأ في العصر: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}، و {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} ". وروي عن عمرو بن حريث رضي الله عنه، قال: "كأني أسمح صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الغداة: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} [التكوير: 15] وروى أبو داود بإسناده عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يقرأ في الصبح: {إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1]. وروي أنه "قرأ في العشاء الآخرة سورة الجمعة والمنافقين". وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بقصار المفصل". وروى ابن مسعود رضي الله عنه: "قرأ في المغرب: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه "قرأ في المغرب: {وَالْمُرْسَلاتِ}، فقالت أم الفضل: إنه لآخر ما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب". والظاهر أن هذا التطويل كان نادراً، وهذه الأخبار كلها تدل على جميع ما ذكرنا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يقرأ في الأولى من الصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية"، وفي الركعة الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الظهر: شبهها بالصبح من ثلاثين آية إلى ستين آية" حكاه الكرخي، وقال في العصر: "يقرأ في الركعتين الأوليين سوى الفاتحة عشرين آية، وكذلك في العشاء الآخرة". وقال أحمد: "يقرأ خمس عشرة آية". فرع قال بعض أصحابنا: يستحب تطويل القراءة في صلاة الصبح، لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قرأ في صلاة الصبح سورة البقرة في الركعتين. وعن عمر رضي الله

عنه أنه قرأ سورة يوسف في ركعة، وسورة الحج [164 ب / 2] في ركعةٍ. والمستحب أن لا ينقص عن السور الطوال في سبع المفصل لما روي أنه "قرأ بسورة {ق} في صلاة الصبح". وروي أنه "قرأ يوم الجمعة: {الم (1) تَنزِيلُ} السجدة". فزع آخر قراءة السورة الكاملة في الصلاة أولى من قراءة بعض الآيات، لأنه لم يقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قراءة السور، ولو قرأ ذلك جاز لما روي أن الصديق رضي الله عنه قرأ البقرة في الركعتين من الصبح، "وقرأ في الثانية من المغرب: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} [آل عمران: 8] الآية". فَرْعٌ آخرُ لو قرأ سورتين لم يكره، لأن عمر رضي الله عنه "قرأ سورة: {وَالنَّجْمِ}، وسجد ثم قام، فقرأ سورة أخرى". وكان ابن عمر إذا صلى منفرداً يقرأ أحياناً السورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: تطويل القراءة أولى من تطويل الركوع والسجود لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، ولأن الذكر المشروح في القيام قراءة القرآن وفي غيره التسبيح، والقراءة أفضل من التسبيح. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: لو كان يصلي النافلة أكثر من ركعتين بتشهد واحد يقرأ في كل ركعة الفاتحة والسورة، وإن كان يصلي بتشهدين، فهل يقرأ السورة في الركعتين الأخريين؟ وجهان، بناء على القولين في الركعتين الأخريين من الفرائض. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ((ولا باس بتلقين الإمام في الصلاة"، ونقل المزني أن الشافعي قال: "وإن حضر الإمام لقن"، والأصل في هذا ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: "أصليت معنا؟ " قال: "نعم، قال: فما منعك؟ "، وأراد به ما منعك أن تفتح علي إذ رأيتني قد لبس علي؟.

باب

وروي عن عثمان بن عفان وابن عمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يريان به بأساً. وبه قال عطا، [165 أ / 2] والحسن وابن سيرين ومالك وأحمد واسحق. وقال ابن مسعود: "يكره ذلك". وبه قال الشعبي والثوري. وقال أبو حنيفة: "إذا استفتحه الإمام فتحته عليه، فإن الكلام في الصلاة. واحتجوا بما روى الحارث عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة". قلنا: رواه يونس بن أبي إسحق عن أبي إسحق عن الحارث، قال أبو داود: سمع أبو إسحق من الحارث أربعة أحاديث ليس هذا منها. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "إذا استطعمكم الإمام فأطعموه". يعني: أنه إذا تعايا في القراءة، فلقنوه. ورواه بعض أصحابنا بخراسان مرفوعاً، ولا يصح. باب الصلاة بالنجاسة مسألة: قال: "وإذا صلى الجنب بقوم أعاد، ولم يعيدوا". وهذا كما قال: إذا صلى الرجل بقوم من غير طهارة، فعليه الإعادة جنباً كان أو محدثاً، عالماً كان أو جاهلاً. وأما المأموم ينظر فيه، فإن كان عالماً بحدثه لم تصح صلاته، وإن كان جاهلاً صحت صلاته سواء كان الإمام جنباً أو محدثاً عالما كان بحدث نفسه أو جاهلاً وسواء علم المأموم به بعد خروج وقت الصلاة، أو قبل خروجه، فإن جهل كل المأمومين صحت صلاتهم، وإن كانوا عالمين بحاله لم تنعقد صلاتهم، وان كان بعضهم عالماً، وبعضهم جاهلاً صحت صلاة الجاهل به. وبه قال عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر والحسن والنخعي وسعيا بن جبير والأوزاعي والثوري وأحمد وأبو ثور رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة: "تبطل صلاة المأمومين بكل حال". وبه قال الشعبي وابن سيرين وحماد. وقال مالك: ا (إن كان الإمام غير عالم بحدث نفه صحت صلاة المأمومين، وان كان عالماً لم تصح صلاتهم". [165 ب / 2] وقال عطاء: "إن كان حدثه جنابة لا تصح صلاتهم، وإن كان حدثه غيرها يلزمهم إعادة الصلاة في الوقت، وان كان الوقت خارجاً، فلا إعادة". واحتج مالك بأنه إذا علم بحدث نفسه فسق، ولا تصح الصلاة خلف الفاسق، وهذا غلط، لأن الفسق لا يقدح في الإسلام، فلا يمنع جواز الصلاة خلفه، والدليل على ما ذكرنا ما روى أبو بكرة رضي الله عنه، قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، فأومأ إليه، أي: مكانكم، ثم ذهب، ثم جاء، ورأسه يقطر، فصلى بهم". وهذا يدل على أنهم أحرموا خلفه، لأنه أومأ إليهم، ولم يكلمهم، لأن كلام المصلي يكره.

واحتج الشافعي بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، والقياس، وأراد به ما روي أن عمر رضي الله عنه "صلى يوماً صلاة الصبح بالناس، فلما انفتل من صلاته رأى على ثوبه أثر الاحتلام، فقال: هكذا يفعل بنا اللحم إذا أكلناه ما أراني إلا وقد احتلمت، وصليت بكم، وما شعرت، فقام واغتسل، وأعاد صلاته"، ولم يأمر أحداً بالإعادة. وأما القياس: ما ذكره المزني، وهو أن كلأ مصل على نفسه، فلما كانت صحة صلاة الإمام لا تغني عن المأموم إذا كان المأموم جنباً أو محدثاً، فكذلك فساد صلاته من هذا الوجه لا يوجب صلاة المأموم، إذا لم يعلم، ثم أيد ذلك بأنه لو سبقه الحدث في صلاته ينصرف ويتوضأ ثم يبني على صلاته، ويجوز للمأمومين المضي في صلاتهم إذا استخلف عليهم رجلاً بالإجماع، فدل أن فساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المأموم، إذا لم يعلم، كما أن امتناع المضي في الصلاة للإمام بسبب سبق الحدث لا يوجب امتناع المضي للمأموم في الصلاة. وذكر صاحب "التلخيص" أن قول مالك أحد القولين للشافعي: ولا يصح ذلك عنه. فرع لو أدرك [166 أ / 2] الإمام في الركوع وصلى، ثم علم بجنابته، قد ذكرنا أنه لا يحتسب له بهذه الركعة. ومن أصحابنا من قال: يعتد له بها، لأنه إذا لم يعلم بحاله صار كالإمام الطاهر، وهو ضعيف. فَرْعٌ آخرُ لو صلى الجمعة خلف إمام جنب، فإن كان الإمام تمام الأربعين لا تصح صلاتهم، وإن كان زائداً على الأربعين فلا تصح صلاة الإمام. وهل تصح صلاة المأمومين؟ نص في "الأم": أنها صحيحة، وحكي عنه في "القديم": أنها لا تصح، لأن الإمام شرط في صحة هذه الصلاة. فَرْعٌ آخرُ لو أحرم بهم، وهو جنب أو محدث، وأحرموا خلفه جاهلين بحدثه، ثم علموا فعليهم مفارقته، فإن نووا مفارقته، وفارقوه أتموا لأنفسهم، وان لم ينووا مفارقته، أو نووا ذلك ولم يفارقوه فعلاً بطلت صلاتهم وان علم بعضهم دون بعض، فصلاة من لم يعلم صحيحة وصلاة من علم على ما ذكرنا، وكذلك لو أحرم بهم، وهو طاهر، ثم أحدث فعليه أن يخرج من الصلاة، وعليهم أن يفارقوه على ما ذكرنا. وقال أبو حنيفة: "إذا أحدث الإمام عمداً بطلت صلاة المأمومين"، وهذا غلط لما ذكرنا.

فَرْعٌ آخرُ لو أحوم بهم، ثم ذكر أنه جنب، قال في "القديم": فإن كان الموضع قريباً، ولم يكن ركع بهم، فإنه يشير إليهم: كما أنتم، ومضى، واغتسل ورجع وصلى بهم كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان موضعه بعيداً وكان موضعه قريباً، ولكنه كان قد ركع يشير إليهم أن صلوا منفردين ويمضي ويغتسل، لأنه إذا كان قد صلى ركعة يحتاج إلى مفارقته في آخر صلاته مفارقة الآن ولا ينتظره. وهذا على قوله "القديم": لا يجوز الاستخلاف في الصلاة. وأما على قوله "الجديد": فإنه يستخلف من يصلي بهم، وقد قيل: إنما قال في "القديم " هذا ليخرجوا من الخلاف، فيصلون لأنفسهم. فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلف كافر عزر الكافر وأما المأموم، [166 ب / 2] فإن كان عالما بأنه كافر فقد أسا، وصلاته باطلة، وان كان جاهلاً، فهل تجزئه صلاته أم لا؟ فالكافر ضربان: كافر يظهر كفره، وكافر يستره، فإن كان ممن يظهره، فالصلاة باطلة. قال الشافعي رضي الله عنه: "لأنه اءتم بمن لا يصح أن يكون إماماً له بحال". وقال أصحابنا: لأنه مفرط بالائتمام به، فإن علامته تظهر بالغيار والزنار، وهذا يبطل بالمرتد، لأنه لا أمارة على كفره، ولا تصح الصلاة خلفه، ويمكن بأن يعلل بأن هذا يندر، ولا يكثر، فلا يؤدي وجوب المتحرز منه إلى المشقة على المأمومين. وقال المزني: "تصح ملاته، لأنه أدى ما كلف"، وهو غلط لما ذكرنا، وإن كان ممن يستسر بكفره كالزنديق والمنافق. قال صاحب "الإفصاح": قال الشافعي: في موضع ما يدل على التسوية بين جميع الكفار. وقال في موضع ما يدل على الفرق، فيحتمل وجهين، والمذهب أن صلاته باطلة لعلة الشافعي رضي الله عنه. وقال أبو إسحق: "لا تبطل لأن علامته لا تظهر، فلا ينسب إلى التفريط". فَرْعٌ آخرُ لو أسلم رجل فصلى بقوم، فلما فرغ، قال لهم: ما كنت أسلمت، وإنما تظاهرت بالإسلام، فصلاتهم ماضية، ولا يقبل قوله في إبطال صلاتهم، ويكون مرتداً فيستتاب، فإن تاب، وإلا قتل. فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلف مرتد بعد العلم بردته، فالصلاة باطلة، ولا يجوز أن يصلي خلفه حتى يعرف رجوعه إلى الإسلام، فإن كان يسلم تارة ويرتد أخرى، فصلى خلفه، ثم أشكل عليه، فلم يعلم هل صلى خلفه في حال إسلامه أم في حال كفره؟ تصح صلاته.

والمستحب أن يعيد، لأن الصلاة مضت على السلامة، نص عليه. فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلفه رجل في دار الإسلام، ثم شك، هل كان مسلماً أو كافراً؟ لا يلزمه إعادة الصلاة، لأن الظاهر من الدار الإسلام. فَرْعٌ آخرُ لا تجوز الصلاة خلف المجنون، لأنه إن صلى مع علمه، فهو متلاعب، [167 أ / 2] وإن لم يعلم جنونه، فإن الجنون مما يمكن الوقوف عليه، فيكون منسوباً إلى التفريط، وان كان يجن ويفيق فصلى خلفه، ولم يعلم أنه ملى في حال جنونه أو عقله، فلا إعادة عليه قياماً على ما قال في المرتد، وان أحرم خلفه، وهو مفيق فجن في أثناء الصلاة، فعليه أن يفارقه، فإن لم يفعل بطلت صلاته. فَرْعٌ آخرُ السكران كالمجنون مواء لا تصح الصلاة خلفه، وإذا سكر ينبغي أن يعلم إفاقته حتى تجوز الصلاة خلفه، فإذ كان يكر ويفيق فصلى خلفه لم يعد كما قلنا في المرتد، ولو أحرم خلفه فسكر في أثنائها، فعليه مفارقته، فإن لم يفعل بطلت صلاته. ولو شرب مسكراً، قال الشافعي: "تجوز الصلاة خلفه"، وأراد إذا غسل فمه، وما أهاب من يديه وثوبه منه، وجملته إن كل ما لا يصح أن يكون إماماً بحال لم تصح الصلاة خلفه كالكافر والزنديق والمرتد والمرأة والمجنون وكل من يصح أن يكون إماماً بحال، كالمحدث والجنب محت صلاته خلفه، وعند المزني تصح الصلاة خلف الكل إذا لم معلم لأنه أدى ما كلف. مسألة: قال: "ولو صلى رجل وفي ثوبه نجاسة من دم أو قيح فكان قليلاً مثل دم البراغيث". الفصل وهذا كما قال: إنما قال في ثوبه، لأن أثر موضح الاستنجاء من بدنه معفو عنه، وقوله: (فكان قليلاً مثل دم البراغيث)، أو كان نفس دم البراغيث (وما يتعافاه الناس)، أي: يتساهله الناس. وجملته: أن الصلاة تفتقر إلى طهارتين: طهارة من حدث، وطهارة من نجس. والطهارة من الحدث مضى بيانها. وأما الطهارة من النجس نقلها المزني إلى هنا، فلا تجوز الصلاة حتى يكون طاهر البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]. قال الفقهاء وابن سيرين: أراد [167 ب / 2] وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، لأن

حقيقة الثياب والطهارة. هذا وقوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، أراد بالرجز النجاسة. وقال ابن عباس وسعيا بن جبير رضي الله عنهم: أراد: لا تلبس ثيابك على الفار والمعاصي. فقول العرب لمن غدو دنى ثيابه، ولمن وفى بالعهد طاهر الثوب. وقيل: ثيابك فقصر حتى لا تنجر خيلاء وكبراً. وقال الحكم: "معناه: وعملك فأصلح". وقال الحسن: "وخلفك فحسن". وقيل: وقلبك فطهر. والصحيح الأول، فإن صلى وعليه نجاسة يلزمه إعادة الصلاة في الجملة. وقال مالك رحمه الله: "لا يعيدها خارج الوقت، ويعيدها في الوقت"، وأراد استحباباً. وهذا يدل على أن إزالة النجاسة لا تجب عند الصلاة. وبه قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى. وقال ابن عباس: "ليس على الثوب جنابة"، أي: لا يجب الاجتناب عن الثوب النجس. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه نحر جزوراً، فأصاب ثوبه من فرثه ودمه، فصلى ولم يغسلها. وروي أن رجلاً "سأل سعيد بن جبير عن رجلٍ صلى في ثوبه نجاسة، فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثوب من النجس". وبه قال ابن مجلز. وروى بعض أصحاب مالك عنه أن إزالة النجاسة واجبة إلا يسير الدم. والدليل على ما قلنا ما روى ابن عباس، وأبو هريرة، وأنى رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "تنزهوا من البول، فإن عامه عذاب القبر منه". وروى ابن عباس انه - صلى الله عليه وسلم - مر بقبرين، فقال: "إنهما يعذبان"، وقد مضى هذا الخبر. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم"، فإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في بيان النجاسة التي يعفى عنها، والتي لا يعفى عنها. وجملته أن النجاسة التي تجب إزالتها خمس: الغائط، والبول، والخمر، والدم والصديد. [168 أ / 1] وقال داود: "الخمرة ظاهرة". ورواه الليث عن ربيعة مثله. واحتجوا بأنه كان عصيرا طاهراً، وهذا غلط لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]، والرجس في اللغة: النجس، ولأنها مائع حرم على الإطلاق، فكان نجساً كالدم. وحكي عن الحسن أنه ذهب إلى طهارتها، واحتج بأن الله تعالى أعدها لخلقه في الجنة، ولا يعد النجس لهم. وهذا خطأ لأنه لا يبعد أن تكون في الدنيا نجسة، ثم

يقلب الله تعالى عينها، وحكمها أو نقول: النجاسة ضربان: دم وغير دم. فأما غير الدم، إن كان قدرا يدركه الطرف، فلا يعفى عنه قليلا كان أو كثيراً إلا أثر الاستنجاء وحكم ما لا يدكره الطرف، قد ذكرنا. وأما الدم، فجميع الدماء نجش بلا خلاف إلا دم السمك على ما ذكرنا فيما قيل، وإذا ثبت أن كلها نجس، فإن كان دم ما ليست له نفس سائلة كالبراغيث والقمل والذباب والزنابير والبق، فاليسير معفو عنه قولاً واحداً. وأما الكثير منه الخارج عن العرف والعادة، فإن طبق الثوب ذلك، فغيه وجهان. المذهب أنه معفو عنه لأن الكثير منه نادر، فكان ملحقا بمعتاده كرخص السفر ثبتت للمسافر، وإن كان مرفهاً في سفره لا مشقة عليهء ولأن من يبيت في ثيابه لا يسلم من كثيره، وفي الاجتناب عنه فيق وحرج. والثاني: وهو اختيار الإصطخري لا يعفى عنه لأنه لا مشقة عليه في الاحتراز عنه. وقال أبو حنيفة وأحمد: "هو طاهر لأنه دم غير مسفوح، فأشبه الكبد"، وهذا غلط لظاهر قوله تعالى: {وَالدَّمَ} [البقرة: 173] ولم يفصل. وأما قوله: ليس بمسفوح خطأ، بل هو مسفوح سائل، ولكنه لا ينسفح لقلته، وان كان دم ما له نفس سائلة كالآدمي وغيره من الحيوان فقد نص فيه على قولين. قال في "الإملاء": "حكمه حكم البول والغائط، فلا يعفى عن قليله وكثيره". وقال في "القديم" و"الأم": "يعفى عن قليله دون كثيره"، فإذا قلنا: يعفى عن قليله. [168 ب / 2] اختلف قوله في حق القليل، فقال في "الأم": "القليل هو اليسير كدم البراغيث، لأن يتعافونه ويتجاوزونه، ولا يعفى عن قار الدرهم والدينار". وهذا أصح، لأنه يشق الاحتراز من يسيره كما في دم البراغيث. وقال في "القديم": "إن كان دون الكف لم يجب غسله، وإن كان قدر الكف أو أكثر وجب غسله، ولا تجوز الصلاة فيهء وفيه قدر لمعة". وقيل: إن اجتمع في موضع قدر راحته، لا يعفى، وان كان متفرقا في بدنه أو ثوبه كدم البراعيث يعفى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع: "القليل دينار"، وقال في موضع: "قدر لمعة". وقال في موضع "قدر كف". والعبارات ترجع إلى معنى واحدٍ، وإنما اختلفت عباراته لاختلاف دم البراغيث باختلاف الزمان، فتكثر في الصيف وتقل في الشتاء. وفي هذا نظر، والصحيح ما تقدم. وقال أصحابنا: هذا في دم يصيبه من نفسه من الحك والبثرة والجرب والفصد والحجامة، فأما الدم الذي يصيبه من غيره من الآدمي أو البهيمة، فلا يعفى عنه أصلاً. وهذا صحيح على ما ذكرنا، وقيل: في الكل قولان. وهذا الفصل لا يعرف عن الشافعي بل نص في كتبه على ما بيناه، ولم يفصل، وقيل: إذا قلنا بهذا التفصيل لا يعفى عن دم الحجامة والفصد أصلاً، لأنه يمكن الاحتراز منه، وهو ضعيف عندي.

وقال القفال: هذا مستحب على أن العلة في عفو دم البراغيث، ماذا؟ فإن قلنا: القلة، فلا فرق، وإن قلنا: الابتلاء به وتعذر الاحتراز منه، فيفصل هكذا. وأما الصديد والقيح نص في عامة كتبه: أنه كالدم، وقيل: قال في موضع من "الأم": "هو أخف حالاً، ولكنه متى بلع لمعة وجب غسله". وقال أبو حامد رحمه الله: "المذهب الأولى، وما قال في "الأم": لا يحكى، وهذا لأنه مستحيل، كالدم". وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أرخص في [169 أ / 2] دم الحنون"، أي: الدمل، وأما ماء القروح، فهو كالعرق يظهر عليه، وينزل عنه، فإن كان له رائحة فهو كالدم، وإن لم يكن له رائحة نص في "الإملاء" ما يدل على أنه طاهر كالعرق. وقال في موضع من "الإملاء": "إنه يجري مجرى الصديد والقيح"، فحصل فيه قولان. والمذهب الأول. وقال مالك وأحمد: "يعفى عن الدم ما لم يتفاحش". وروي عن أحمد أنه قال: "البثر متفاحش". وروي عنه أنه قال: "النقطة والنقطتان معفو. وهذا غلط، لأن ما دون الشبر متفاحش في العادة، فيجب أن لا يعفى عنه. وقال مالك: "المتفاحش نصف الثوب". وقال الأوزاعي والنخعي: "يعفى عن أقل من درهم"، وأما ونيم الذباب فنجش، ولكنه يعفى عنه في الثوب، كما قلنا في دم البراغيث، لأن الابتلاء به موجود كدم البراغيث. وعند أبي حنيفة رحمه الله هو طاهر. وقيل: حد النجاسة كل عين حرم تناوله على الإطلاق مع إمكان التناول لا لحرمته، وإنما حددنا بتحريم التناول، لأن الله تعالى قال: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} إلى قوله: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]، فجعل النجاسة علة تحريم الكل، ولا يلزم السم، لأنه لا يحرم قليله الذي لا ضرر فيه ولا يلزم الحجر ولحم الآدمي للاحتراز، فإذا تقرر هذا، فلو صلى مع نجاسة عير معفو عنها نظر، فإن صلى مع العلم بها جاهلاً لحكمها لم تنعقد صلاته، وإن صلى فلما فرغ من الصلاة علم بها فيه ثلاث مسائل: إحداهما: إن فرغ منها ثم شك، هل كانت موجودة حال الصلاة أم لا؟ مثل إن كانت رطبة يحتمل أن تكون إصابته بعد الصلاة، ويحتمل أن تكون أصابته في الصلاة، لا يلزمه الإعادة، لأن الصلاة المحكوم بصحتها ظاهراً لا تبطل بالاحتمال. والثانية: شاهد النجاسة على ثوبه أو بدنه، ولم يغسلها، ولم يذكرها حتى فرغ [169 ب / 2] من الصلاة، فالمذهب أن عليه الإعادة، لأنه مفرط في إزالتها. ومن أصحابنا من قال: لا إعادة عليه في قوله "القديم"، خرجه القافي أبو حامد رحمه الله، كالذي نسي الماء في رحله فتيمم وصلى لا يلزمه الإعادة في قول ضعيف. والثالثة: لما فرغ من الصلاة علم بها ولم يعلم بها قبل ذلك، ولكنه تحقق أنها كانت في الصلاة مثل أن شاهدها يابسة، ففيه قولان. قال في "الجديد": "لم تنعقد

صلاته، لأنها طهارة تستباح بها الصلاة، فلا تسقط بالنسيان كالطهارة من الحدث". وقال في "القديم": "انعقدت صلاته ولا إعادة عليه". وبه قال ابن عمر والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية. واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزع نعليه في الصلاة. وقال: "أخبرني جبريل عليه السلام أن فيهما قذراً". ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن القذر كان بصاقاً أو مخاطاً، فكان يصيب المجد ويتلوث به عند السجود والقعود. وقيل: روي أنه كان فيها دم حلمه وذلك مما يعفى. وإذا قلنا بقوله "القديم" فعلم في أثنائها، فإن أمكن طرح الثوب عن نفسه بأن كان عليه ثوبان أو بقربه آخر، فيستبدل بثوب آخر فعل ذلك، وبنى. ولو أصابت النجاسة الشيء الصقيل كالسيف والمرأة والزجاج لا يطهو إلا بالماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يطهر تمسحاً، وهذا غلط ولأنه محل نجس فلا يكفي فيه المسح كالثوب النجس. مسألة: قال: "وإن كان معه ثوبان: أحدهما طاهر والآخر نجس". الفصل قد ذكرنا أن التحري في الثياب عند الاشتباه جائز، فإذا أدى اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين صلى فيه ولا إعادة عليه، وإن غسل النجس وصلى فيه صحت صلاته أيضاً، وإذا بانت له بالتحري طهارة أحدهما صلى فيه ما شاء، [170 أ / 2] ولا يلزمه إعادة الاجتهاد في صلاة أخرى بخلاف القبلة، لأن أمارات القبلة تنتقل وتحدث وأمارات الطهارة في الثوب لا تتجدد كل ساعة ولو أعاد اجتهاده في الثوبين فغلب على ظنه طهارة الثاني، لم يعد ما ملى ولا يجوز له أن يستأنف الصلاة فيه، لأن اجتهاده الثاني أثبت له حكم النجاسة، ثم مذهب الشافعي رحمه الله أنه يصلي عرياناً ويعيد لأن معه ثوباً طاهراً بيقين. وقال ابن سويج: "يصلي في الثاني، ولا يعيد. وقال المزني: يصلي في أحدهما، ويعيد في الآخر بنا، على أمله، أنه لا يتحرى أصلاً". فرع لو لم يغلب على ظنه طهارة أحدهما يصلي عريانا وتلزمه الإعادة إذا وجد ثوباً طاهراً على المذهب. وقال المزني وساعده بعد أصحابنا في هذا الموضع: يصلي في أحدهما ويعيد الآخر، ولو فعل هذا لأجزأه على مذهب الشافعي رحمه الله، وان كان لا يوجب عليه، هكذا ذكر في "الحاوي". ويحتمل أن يقال: لا يجوز أن يفعل هذا، لأنه يؤدي إلى

أن يصلي بنجاسة متيقنة، وذلك لا يجوز ورأيته عن كبار أصحابنا، وهو الصحيح كما لو اشتبهت في القبلة جهتان، فصلى إلى أحدهما من غير تحر، ثم صلاها ثانية إلى جهة أخوى، لم يجز واحدة منهما، ولو أمكنه أن يغسل أحدهما ويصلي فيه، فقياس المذهب أنه يلزمه ذلك، كما لو كان معه ثوب نجس يقدر على غسله، فإن قيل: ألم يحكم بنجاسته كيف يلزمه غسله؟. قلنا: ولكن لا تجوز الصلاة فيه ويمكنه أن يصلي فيه لغسله، فيلزمه ذلك، ويفارق الإناءين إذا لم يؤد اجتهاده إلى طهارة أحدهما، لأنه لا يمكنه أن يتوصل إلى تطهير أحدهما. فَرْعٌ آخرُ لو أخبره ثقة أن النجاسة في أحد كمي الثوب، هل يجوز له قبول خبره؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز إذا قلنا: لا يجوز له التحري. والثاني: يجوز، وهو إذا قلنا: يجوز له التحري فيهما ذكره في "الحاوي". مسألة: قال: "وإن خفي عليه موضع النجاسة من الثوب غسله كلها" [170 ب / 2]. الفصل وهذا كما قال: قد تقدم جواب هذه المسألة فلو شق هذا الثوب نصفين حتى صار بمنزلة الثوبين لا يتحرى أيضاً، لأنه يجوز أن يكون كل واحد منهما نجساً، ويكون موضع النجاسة حصل بعضه مع أحد النصفين وبعضه مع النصف الأخر، وفي الكمين هل يتحرى؟ ذكرنا وجهين، فلو فصل أحد الكمين عن الآخر يجوز التحري وجها واحداً، لأنهما بعد الفصل بمنزلة الثوبين. فرع لو نجس أحد البيتين من دار واحدة يجوز التحري بلا إشكال كالثوبين، موضع من بيته، ولا يدري عينه، هل يجوز التحري؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما لا يتحرى في الثوب الواحد ويلزمه غسله كله. والثاني: يصلي في أي موضع منه شاء إذا غلبت على ظنه طهارته، ولا يلزمه غسله، كما لو تيقن أن موضعا من الصحراء نجس يصلي في أي موضع شاء، والصحيح الأول، لأن الصحراء تخالف البيت، لأنه يمكنه غل البيت، ولا يمكنه غسل الصحراء فافترقا. مسألة: قال: "وإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها".

الفصل وهذا كما قال: إذا أصاب الثوب دم الحيض، فالمستحب أن تحته بخشبة أو بظفرها وتقرصه. والقرص إمعان الدلك. ثم تغسله بالماء، وهو المراد بقول الشافعي رحمه الله: "قرصته بالماء حتى تنقيه ثم تصلي فيه"، والاقتصار على الغسل بالماء يجوز. وقال بعض أهل الظاهر: الحت والقرص واجب، ثم إذا غسل وبقي له أثر لاصق لا يخرجه الماء عفي عنه على ما مضى بيانه. مسألة: قال: "ويجوز أن يصلي في ثوب الحائض". الفصل وهذا كما قال: إنما جاز ذلك، لأن الأصل الطهارة، وقد ذكرنا أن بدن الحائض طاهر. وروت ميمونة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه، وهي حائض، وهو يصلي وهو عليه"، والمرط ثوب يلبسه الرجال والنساء، ويكون إزاراً ويكون رداء ويتخذ من قز وغيره. وقالت عائشة رضي الله عنها: [171 أ / 2] "كنت أحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حيض جميعاً ولا أغسل لي ثوباً". وأما الثوب الذي جامع فيه الرجل أهله، فتجوز الصلاة فيه ما لم يصبه مذي أو ودي أو بول بما روي أن رجلاً سأل أم حبيبة رضي الله عنها، "هل كان وسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في الثوب الذي جامع أهله فيه، فقالت: نعم، ما لم تعلم فيه أذى"، وإن أصابته رطوبة فرجها، فقد ذكرنا الخلاف في نجاستها. وأما ثياب المشركين، فقد ذكرنا، وأما الصلاة في ثوب الصبي والصبية يجوز له أيضاً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حمل أمامة بنت أبي العاص في صلاته"، ولا شك أن معها ثوبها. وقال في "الأم": "يجوز حملها في الصلاة من غير ضرورة لهذا النهي". وقال أصحابنا: لو توقى عن هذه الثياب كان أحبه". فرع لو كان على الثوب نجاسة يابسة فنفضها عنه زال حكمها، لأنه لم يبق منها شيء، ولو كان في الصلاة فنفضها عن نفسه حال وقوعها صحت صلاته، كما لو كشفت الريح عورته في الصلاة فسترها في الحال، ولأنه مغلوب عليه كسلس البول، ولو وقعت في الصلاة، فأزالها بيده بطلت صلاته لمماسة النجاسة. مسألة: قال: "وأصل الأبوال، وما خرج من مخرج حي مما يؤكل أو لا يؤكل، فكل ذلك نجس

الفصل جملته: أن أبوال الآدميين كلها نجسة سواء في ذلك بول الكبير والصفير، والأنثى والذكر، ويجب غسل جميعها إلا بول الغلام ما لم يطعم الطعام، فإن الرش عليه يجزى، وهو أن ينضح بالماء حتى يغمره من غير أن ينزل الماء عنه، وأطلق أصحابنا هذا اللفظ، ومن أصحابنا من قيد. وقال: ما لم يطعم الطعام غير اللبن، وهو صحيح. وفيما نقله المزني رحمه الله خلل، لأنه قال: "فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش قلى بول الصبي"، فأوهم الاستثناء من النجاسة طهارة بول الصبي، ولا يختلف المذهب في نجاسته، وإنما قال الشافعي رضي الله عنه: "فكل ذلك نجس يغسل إلا ما دلت عليه السنة [171 ب/ 2] وبه قال أحمد واسحق وأبو عبيد رحمهم الله. وروي هذا عن علي وعطاء رضي الله عنهم. وقال أبو يعقوب الأبيوردي من أصحابنا: الرش أن ينضح ما يزيد على قدر البول، فيطهر بذلك، وأراد بالسنة ما روي أن صبياً حمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ليحنكه فوضعه في حجره، فبال فيه فدعا بماء فرش عليه، وتركه"، والمستحب الغسل، نص عليه. ثم قال الشافعي: "ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية"، يعني من حيث المعنى، ولكن السنة فرقت بينهما. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية". وروي عن أمامة بنت الحارث أنها قالت: كان الحسين بن علي رضي الله عنهما في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقلت: البس ثوباً آخر، وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر". قال أبو سليمان الخطابي: "معنى النضح في هذا الموضع الغسل، إلا أنه غسل لا مرس ولا ودلك في الجارية: غسل يستقضي فيه فيمرس باليد ويعصر بعده"، وهذا قريب مما ذكرنا، والاعتماد في الفرق بين الصبي والصبية على السنة، لأن بول الجارية أصفو وله رائحة، وبول الصبي أبيض كالماء، فلهذا افترقا. وقال أبو يعقوب الأبيوردي: إنما فرق بينهما بعض أصحاب الحديث، وعندنا: لا فوق بينهما في جواز الرش. وقال أبو حامد: التسوية بينهما ذكره بعض أصحابنا،

وليس بشيء. وقال القفال: فيه قولان، والأقيس أن لا فرق. والصحيح الفرق للسنة، والأثر عن علي رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة والنخعي والثوري ومالك رحمهم الله: "يجب غسل الأبوال كلها"، وقال داود: "وبول الصبي ما لم يأكل الطعام، فالرش استحباب"، وحكي عن الأوزاعي والنخعي: يرش على الأبوال كلها قياساً على بول الصبي. وأما ما عدا الآدميين من جميع الحيوانات فبولها كلها وأرواثها نجسة سوا، كانت مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: [172 أ/ 2] "بول ما لا نفى له سائلة وروثه طاهر، لأن الناس يتعافون ونيم الذباب، وأن العسل ظاهر من النحل". قال: وبناء الوجهين على أنه هل ينجس بالموت؟ وفيه قولان. وهذا غير صحيح، لأن الناس يتعافون ونيم الذباب لقلته وعموم البلوى به لا لطهارته، والعسل ليس بروث النحل، وإنما تعسله بفمها. وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ} [النحل: 69] يعني من جوف الفم لا من دبرها. وقال القاضي أبو علي البندنيجي: سألت الشيخ أبا حامد عن ذرق السمك والجراد، فإن الناس يأكلون الجراد والسمك الصغار على صفته، فقال: كل هذا طاهر، فقلت: فما الذي يصنع بعلة الشافعي لأنه بول فقال: ينبغي أن يقال: هو نجس، فقلت: فما يقول في جب ماءٍ ألقي فيه السمك ومكث دهراً يعلم أنه بال وذرق فيه؟ فقال: ينبغي أن يكون الحكم في أبواله وذرقه أنه نجس معفو عنه، لأن الاحتراز منه لا يمكن كدود الخل وذباب الباقلي إذا مات فيه نجس ولكن يعفى عنه قولاً واحداً. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: "الكل نجس إلا ما لا يمكن الاحتراز عنه كزرق الحمام والعصافير ونحوها"، فإنه طاهر وما عداها نجس إلا أنه يختلف الحكم فيه فبول ما لا يؤكل لحمه وروثه لا يعفى عنه إلا قدر الدرهم وبول ما يؤكل لحمه يعفى عنه ما لم يتفاحش إلا عند أبي حنيفة، المتفاحش ربع الثوب، وقيل: ذرع في ذراع. وعند أبي يوسف: شبر في شبر، وفي روث ما يؤكل لحمه، لا يعتبر أبو حنيفة التفاحش، وأبو يوسف يسوي بين بوله وروثه. وقال الزهري ومالك والثوري وعطاء وأحمد وزفر رحمهم الله: "بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر". وقال الليث ومحمد: "بول ما يؤكل لحمه طاهر دون روثه". وقال النخعي: "بول ما عدا الآدميين وروثه كلها طاهر مما يؤكل ومما لا يؤكل". واحتجوا بما روي أن قوماً من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها، أي: كرهوها فاصفرت ألوانهم، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو خرجتم في إبلنا فأصبتم من أبوالها وألبانها"، ففعلوا فصحوا فمالوا على الرعاء فقتلوهم، [172 ب / 2] واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في أثارهم فأتى بهم، فقطع أيديهم

وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا عطشاً". وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرب". والذرب: فساد المعدة. قالوا: وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم"، وأخبر "في أبوالها شفاء"، فدل أنها طاهرة حلال. وقال البراء بن عازب رضي الله عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله". وروي عن انس رضي الله عنه، قال: كنت بين يدي ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضباء فكانت تقصع بجرانها ولحاثها يسيل على رأسي، وهو يقول: "لبيك بجحة وعمرة"، فدل أن الحرة طاهرة. وعندكم هي نجسة. وهذا غلط للأخبار الواردة في البول، وقد ذكرنا، ولم تفصل، ولأنه حيوان محرم الدم، فكان محرم البول كالحيوان الذي لا يؤكل لحمه، أو نقول خارج نجس مما لا يؤكل لحمه، فكان نجساً مما يؤكل كما ذكرنا. وأما الخبر الأول صار منسوخاً، لأنه روي أنه مثل فيهم ونسخت المثلة حتى نهى "رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المثلة، ولو بالكلب العقور" أو ذاك للضرورة والتداوي إذا لم يكن في غيره مثل ذلك الشفاء، وهكذا الجواب عن الخبر الثاني، وحال الضرورة، أنه لا يقول: أنه حرام، بل هو مباح، فيكون الشفاء في الحلال. وأما الخبر الثالث: نحمله على حال الضرورة أيضاً، فإن قيل: وبول ما لا يؤكل لحمه عند الضرورة أيضاً، فلا تأثير له، قلنا: لعل السؤال وقع عن بول ما يؤكل فخصه بالذكر. وقيل: رواه سوار بن مصعب، وهو ضعيف، وقد روى: "ما يؤكل لحمه، فلا بأس بسؤره"، فلعل ما رويتم مصحف. وأما الخبر ليس فيه أنه لم يغسل ذلك، ويحتمل أنه أصابه اللعاب، ثم قصع بجرته. واحتج أبو حنيفة رحمه الله [173 أ / 2] بأن الناس أجمعوا على ترك الحمام والعصافير في الماجد الصحابة والعلماء في بيت الله الحرام ذلك، ولم ينكر منكر، وهذا مما روي: في بول ما يؤكل لحمه وروثه إلى قول مالك وأحمد في سيرتهم خلفاً عن سلف في مدينة الحجاز، يمكن أن يجاب أنهم تركوا ذلك للحوق المشقة في إزالته، ألا ترى أنه مستقذر بلا خلاف، "وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

عن النخامة في المسجد" وهي أنظف منه بكل حال. مسألة: قال: "ويفرك المني فإن صلى ولم يفركه، فلا بأس". وهذا كما قال: المني عندنا طاهر لا تجب إزالته، وبه قال أحمد في أصح الروايتين. وروي ذلك عن ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء رضي الله عنهم. وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة: "هو نجس" إلا أن مالكاً والأوزاعي يقولان: "هو نجس بكل حال". وقيل: هذا قول الشافعي رضي الله عنه في "القديم". حكاه أبي أحمد، وأبو حنيفة يقول: "يفرك يابساً"، وهو قول أحمد في الرواية الثانية. وقال الحسن بن صالح بن حيي: "لا يعيد الصلاة من يعيدها من المن في البدن، وإن قل". واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إنما يغسل الثوب من خمسة: البول والمني والدم والقيء". وهذا غلط لما روى الشافعي رضي الله عنه: أن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركا، فيصلي فيه" وروي: وهو في الصلاة. وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المني يصيب الثوب، فقال: "أمطه عنك بإذخرة فإنما هو كبصاق أو مخاطٍ". وأما خبر عمار، قلنا: رواية ثابت بن حماد، وهو ضعيف أو نحمله على الاستحباب فيه، [173 ب / 2] ولا فرق عندما بين مني الرجل ومني المرأة. وقال بعض مشايخ خراسان: مني المرأة طاهر بأصل الخلقة، ولكن هل ينجس بملاقاة الرطوبة التي في باطن الفرج؟ قولان: أصحهما، أنه لا ينجس، لأنه إن جعل ذلك الموضع في الحكم كالطاهر فبلله كالعرق، وإن جعل في حكم الباطن فنجاسة الباطن لا حكم لها، ومن هنا قال ابن أبي أحمد في "المنهاج": "ومني المرأة نجس"، وهذا غير صحيح، والمنصوص المشهور ما ذكرنا. فرع في مني البهائم ثلاثة أوجه: أحدها: كله طاهر إلا مني الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وهذا ظاهر المذهب، لأنه خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل أمله، فكان طاهراً. والثاني: كل ذلك نجس، وإنما اختص الآدمي بطهارته للإكرام، فإنه يخلق منه

الأنبياء والأولياء، ولهذا لا ينجى الآدمي بالموت دون غيره. والثالث: وهو الأقيس يعتبر باللبن، فكل حيوان يحل شرب لبنه فمنيه طاهر، حيوان لا يحل شرب لبنه فمنيه نجس. فَرْعٌ آخرُ المني إذا استحال وصار علقة أو البيضة صارت دماً، فيه وجهان: أحدهما: أنهما طاهران، وهو الأصح وحكاه الربيع عن الشافعي، لأن المعنى الموجب لطهارة المني موجود فيه. وقال أبو إسحق: "هو نجسء لأنه دم". فَرْعٌ آخرُ بيض الدجاجة، هل يشرط غسله؟ فيه وجهان بناء على رطوبة فرج المرأة. فَرْعٌ آخرُ المشيمة التي يكون فيها الولد نجسة إذا نفصلت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبين من حي فهو ميت"، قلت: ويحتمل وجها آخر عندي. فَرْعٌ آخرُ الأنفحة لبن جامد يحل أكلها، وهي طاهرةء ذكره في "الحاوي". وقال بعض أصحابنا: "أنها نجسة، لأنها كرش"، والأول أظهر عندي. مسألة: قال: "ويصلي على جلد ما يؤكل لحمه إذا ذكي". وقد ذكرنا حكم الجلود فيما مضى، وجملته أنه تجوز الصلاة على كل محل طاهر عندنا. وقال بعض الشيعة: "لا تجوز الصلاة [174 أ / 2] على ثوب الصوف ونحوه مما لا ينبت على الأرض". وقد روي عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يصلي على الخمرة"، والخمرة: سجادة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، وسميت خمرة، لأنها تخمر وجه الأرض، أي تستر. وروي أنه "صلى على نمرة". قال الشافعي: "النمرة، تعمل من الصوف". وروى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يصلي على الحصير والفروة المدبوغة"، وروي: "كان يستحب أن يصلى على الحصير، أو فروة مدبوغة". مسألة: قال: "ولا يصل ما انسكر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمة".

الفصل وهذا كما دل: إذا انكسر عظمه، فاحتاج أن يرقعه بعظم نظر، فإن رقعه بعظم طاهر، وهو عظم ذكي يؤكل لحمه جاز، ولذلك إذا انقلعت سنه، فجعل مكانها سن حيوان يؤكل لحمه ذكياً جاز، وإن أراد أن يرقعه بعظم نجس، وهو عظم كلب أو خنزير أو عظم ميتة لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون مضطراً إليه، أو غير مضطر، فإن كان مضطرا إليه، بأن لم يجد غيره جاز له، أن يرفعه به، لأنه موضع ضرورة، فهو كأكل الميتة، وإن لم يكن مضطراً إليه لم يجز أن يرقعه به، فإن خالف ورقع به، هل يلزمه قلعه؟ لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن لا ينبت اللحم أو نبت، ولا يخاف التلف من قلعه، أو يخاف التلف من قلعه، فإن لم ينبت عليه اللحم يلزمه قلعه وإزالته بمنزلة النجاسة على ظاهر البدن، وإن نبت عليه اللحم، ولكنه لا يخاف التلف من قلعه فعليه أن يقلعه، وان كان يدخل عليه وجع شديد ومشقة عظيمة، فإن فعل، وإلا أجبره السلطان على قلعه لأن صلاته لا تصح إلا بقلعه، فهو كما لو ترك الطهارة يجبره السلطان عليها كذلك ههنا، فإن توانى ولم يقلعه وصلى يلزمه إعادة كل صلاة صلاها، وهو حامل له. وقال أبو حنيفة رحمه الله: "إذا التحم لا يلزم قلعه [174 ب / 2] أصلاً"، وإنما يتصور الخلاف معه في عظم الخنزير، فإن عنده كل عظم طاهر إلا عظم الخنزير، وهذا غلط، لأنه أوصل نجاسة غير معفو عنها إلى غير معدنها ولا يخاف التلف من إزالتها، فيلزمه إزالتها، فإن قيل: أليس لو شرب خمراً، أو أكل لحم الخنزير، أو الميتة لا يلزمه أن يتقيأ؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه إزالته بالاستقاء كما يلزم قلع العظم في مسببنا. والثاني: لا يلزمه ذلك، وهو اختيار صاحب "الإفصاح". والفرق أن هناك أوصل النجاسة إلى معدن النجاسة وموضعها، وههنا يوصلها إلى غير معدنها، فبان الفرق بينهما. ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي رضي الله عنه في كتاب صلاة الخوف: "لو أسر رجل فحمل على شرب محرم ففعل للضرورة، فعليه أن يتقيأ إن قدر عليه". قال هذا القائل: وهذا هو المذهب لأن تغذي البدن به محرم. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه شرب لبناً، فقيل له: "إنه كان من إبل الصدقة، فتقيأ". والصحيح عندي ما سبق، فإن قيل: أليس لو غصب خيطاً فخاط به جرح نفسه لا يجبر على نزعه، وان كان لا يخاف التلف، قلنا: لأن له بدلاً يرجع إليه، وهو القيمة، فلا يجبر على نزعه، ويلزمه دفع قيمته بخلاف هذا، ولو مات قبل قلعه، فهل يقلع عنه بعد وفاته أم لا؟.

قال في "الأم": "لا يقلع بعد موته، لأنه صار ميتاً كله، والله حسيبه"، وأراد لا يقلع بعد موته، والله تعالى يحاسبه عليه، إن شاء آخذه وان شاء عفا عنه. وقال أبو إسحق: "يجب أن يقلع عنه لئلا يلقى الله تعالى بنجاسة، عصي بإدخالها في بدنه". وحكي عنه أنه قال: "إن قلع عنه كان أحوط وأولى، وإن ترك جاز". وهذا غلط، لأن المعصية، لا تزول بنزع ذلك ولا يتجدد المعصية في إنقائه [175 أ / 2] وإزالته إنما تراد للصلاة، فإذا زال التكليف لم تجب إزالتها، ولهذا لا يلزم إزالته حتى يدخل عليه وقت الصلاة، ويتوجه عليه الأمر بإقامتها، فإن قيل: أليس يزال عين النجاسة ويغسل، وإن سقط عند التكليف؟. قلنا: أما غسله، فتعبد، تعبد الأحياء، وليس بحكم يتوجه عليه في نفسه لو كان حياً، وأما إزالة النجاسة فلأن حكم الغسل لا يحصل ما دامت النجاسة، إذ النجاسة تمنع وصول الماء إلى ما تحتها، ولأنه ليس في ذلك مثله، ولا هتك حرمة، وفي كسر عظمه مثله. وقد خرج عن التكليف فلا يؤمر، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا اللفظ يدل على أن بدن الآدمي ينجس بالموت، وهذا المذهب، لأنه قد صار ميتاً كله، أي: نجساً كله، فلا معنى لإزالة النجس عن النجس، وهذا غلط، بل المذهب أن الآدمي لا ينجس بالموت، وتأويل هذا اللفظ صار جماداً لا تكليف عليه، فلا معنى لقلعه. والمسألة مشهورة بالقولين. وإن كان يخاف التلف من قلعه مثل أن كان في صلبه أو ضلعه أو رأسه أو خاف تلف عضو من أعضائه كالأصبع واليد ونحوهما، هل يجبر على قلعه؟. المذهب أنه لا يجبر، لأن حكم النجاسة يسقط عند خوف التلف، ألا ترى أن له أن يأكل الميتة عند خوف التلف، ولأنه لما جاز أن يجبره به إذا لم يجد غيره لموضع الضرورة، كذلك لا يقلع عند الضرورة. ومن أصحابنا من قال: يجبر على قلعه، لأنه أطلق القول في "الأم"، فقال: "أجبره السلطان على قلعه"، ولم يفصل، ولأنه أن يستوفى منه حق الله تعالى، وإن أدى إلى التلف كالقطع في السرقة، ويستحق القتل على ترك الصلاة، وهذا لا يصح، لأنه يعفى عن النجاسة للضرورة كما في سلس البول والمستحاضة، ولا يعفى محن الصلاة جملة فيقتل تاركها، ولأن المجبر على الصلاة بالقتل يمكنه إسقاط [175 ب / 2] القتل عن نفسه. ومن أصحابنا من أطلق القولين في المسألة، وهو غير صحيح. فرع لو سقطت سنه، قال الشافعي رضي الله عنه: "صارت ميتة لا يجوز له أن يعيدها بعد أن بانت، ولا يعيد سناً غير سن ذكي يؤكل لحمه، فإن أعاد بعظم ميتة أو ذكي لا

يؤكل لحمه أو عظم أدمي نهو كالميتة عليه قلعه وإعادة كل صلاة صلاها، وهو عليه". نص صريحاً على أن جزء الآدمي إذا انفصل عه يكون نجساً. وقال أبو بكر الصيرفي رحمه الله من أصحابنا: عضو الآدمي إذا قطع في حياته، نهو طاهر، لأن جملته ميتاً طاهرة، وهذا خلاف النص، ولكنه أقيس، وبه أنتي، وهو اختيار كير من الأئمة، والفرق عد الشافعي بين العضو وبين الجملة أن العضو المبان لا حرمة له، ألا ترى أنه لا يجب غسله وتكفينه ودنه بخلاف الجملة مجرى العضو مجرى سائر الميتات سوى الآدمي. وقال في "الأم": "فإن اعتلت سه فربطها قبل أن تدر، فلا بأس لأنها لا تصير ميتة حتى تندر". فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": "لو أدخل تحت جلده دماً فثبت، فعليه إخراجه ويعيد كل صلاة صلاها مع ذلك الدم"، فإن خاف التلف، فالحكم ما ذكرنا. وسمعت بعض أصحابنا قال: "لو عض الكلب رجلاً يلزمه أن يغسل موضع العض سبعاً، فلو لم يغسل حتى التحم يلزمه شقه وغسله". وهذا عندي خطأ، لأنه لا يمكنه تمييز موضح القطع وغسله، فلا يلزمه الشق. مسألة: قال: " ولا تصل المرأة شعرها بشعر إنسانٍ، ولا بشعر ما لا يؤكل". الفصل وهذا كما قال: كل شعرٍ نجسٍ لا يجوز للمرأة أن تصل به شعرها، لأن فيه استصحاب النجاسة، ولا تجوز الصلاة مع شعر نجس، فإن فعلت وجب عليها قلعه، فإن لم تفعل أجبرت عليهء وكل شعر طاهر، هل يجوز للمرأة وصل شعرها به، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد لا يجوز لها ذلك [176 أ / 2]، وتأثم بذلك، لأنه تدليس على طالبها، لأن الرجال يرغبون في كثرة الشعر. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا". وان كان لها زوج فوصلت به لتتزين له، جاز ذلك لها، وذكر بعض أصحابنا: أنه يكره لها ذلك على معنى أنها لا تأثم، ولا تعصي، إذا لم يكن قصدها التغرير، وهو القياس عندي. وقال أحمد: "يكره لها ذلك، وإن كان لها زوج" لعموم الخبر، وحكى أبو داود عنه أنه قال: "لا بأس بالقرامل" وحكي هذا عن سعيد بن جبير، والقرامل: ما يوصل

بالذوائب حتى تطول. وهذا غلط، لأنه شعر طاهر، وليس في شده غش، ولا تدليس، فلا وجه للمنع منه. والأصل في كراهة الوصل ما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابنتي أصابتها علة فتمزق شعرها، أفلا أصل فيه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعنت الواصلة والمستوصلة". وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "ألا ألعن من لعن الله في كتابه، لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة"، فرجعت امرأة معنية بأمر دينها فقرأت القرآن، فرجعت إلى ابن مسعود، وقالت: قرأت ما بين الدفتين، فلم أجد ما قلت، فقال: لو قرأتيه لوجدتيه، الم تسمعي الله تعالى يقول: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]؟ وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواصلة والمستوصلة"، الخبر. وروي أنه قال: "لعن الله الواشرة والمستوشرة، والنامصة والمتنمصة، والعاضهة والمستعضهة، والمغلجة للحسن والمغيرة خلق الله"، فقال: وأراد بالواصلة: واصلة الشعر. والمستوصلة: طالبة الوصل، والواشمة: التي تجعل في وجهها خالاً للحسن، وقيل: التي تنقش يديها وتسمه بالخضرة، وربما تسقيه العظلم، وأما الوشم بالحناء والخضاب حلال، وأراد بالمستوشمة طالبة الوشم، وأراد بالواشرة: التي تبرد الأسنان بحديدة لتحديدها وزينتها، وأراد بالنامصة: [176 ب / 2] التي تأخذ الشعر من حول الحاجبين وأعالي الجبهة. وقيل: التي تدقق حاجبيها وترققه للجمال، وهو قريب مما تقدم، والمفلجة للحسن: التي تبرد أسنانها لتفليجها. والعاضهة: التي تقع في الناس. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن وصلت بشعر الآدمي لا يجوز بحال، لأنه وان كان شعر امرأة لا يحل للزوج النظر إليه، لأنه عضو من أجنبية. وقيل: يجب دفنه ومواراته حتى قلامة ظفر يجب دفنها. وان كان شعر رجل لم يجر لها أن تستصحبه، وإن وصلت بشعر طاهر لا من آدمي، فالتفصيل فيه كالتفصيل في التطريف والنقوش بالحنا وتحمير الوجه بالحمرة، ونمش الحاجبين بالواد، فإن كانت تبرز لغير زوجها لا يجوز، وان كانت لا تبرز لغيره، ولم يعلم به الزوج لا يجوز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زورٍ"، وإن علم الزوج به ورضي، فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأن فيه استمالة قلبه. والثاني: لا يجوز لعموم النهي، وقال بعض أصحابنا: مفهوم كلام الشافعي الجواز، لأنه خص شعر الآدمي وشعر ما لا يؤكل لحمه عن الوصل، فدل أن بغيره يجوز.

وقال الإمام أبو يعقوب الأبيوردي: إنما خص شعر الآدمي لنجاسته في أحد القولين، وهذا أشبه عندي، ولكنه رجع عن هذا القول على ما رواه إبراهيم البلدي عنه، فهو قول مرجوح لا اعتبار به. فرع لو وصلت شعرها بوتر أو بشيء يخالف لونه لون شعرها. قال أصحابنا: يجوز، لأنه لا خديعة فيه، وهذا عندي إذا كان طاهراً لا يحصل به الغرور، وأما إذا كانت متقنعة ينظر إلى رأسها ويغتر. بكبر ذلك بالموصول، فهو منهي أيضاً. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: خضاب الشعر مباح بالحناء الكتم ومحظور بالسواد إلا أن يكون في جهاد العدو؛ لما روى الحسن البصري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الخضاب بالسواد، وقال: "إن الله تعالى: يبغض الشيخ الغربيب ألا لا تغيروا هذا الشيب، فإنه نور المسلم، فمن كان [177 أ / 2] لا محالة فاعلاً، فبالحناء والكتم"، ذكره في "الحاوي". مسألة: قال: "وإن قال رجل في مسجد أو أرض طهر بأن يصب قليه ذنوب من ماء". وهذا كما قال: إذا بيل على الأرض فطهارتها أن يكاثر بالماء حتى يغلب البول، ويغيره، فيزيل اللون والريح والطعم. وفي كيفية الإزالة. قال الشافعي رضي الله عنه: يصب عليه ذنوب من ماء، يعني به الدلو الكبير، والسجل مثله، وهو الأصح، وقيل: إنه دون الذنوب. وقيل: إنه اسم لما يشد به الرشاء، فإن لم يكن رشاء لا يسمى ذنوباً. والعرب دونه بلا إشكال. واختلف أصحابنا في هذا، فقال الأنماطي والاصطخري: إنه شرط وتحديد حتى لو بال اثنان لم يطهره إلا دلوان كعدد السبع في ولوغ الكلب لورود الشرع به. وقال سائر أصحابنا: وهو صحيح إنما ذكره الشافعي على سبيل التقريب أو لموافقة لفظ الخبر والاعتبار بالمكاثرة، لأن البول يختلف، فيقل ويكثر. والذنوب لا تختلف، فلا يجوز أن تكون الذنوب حداً فيه، وإنما الواجب أن يغمره بالماء حتى يغلب عليه، فلا يبقى له رائحة، ولا لون، وان كان له لون. وقد قال الشافعي رضي الله عنه: والذي يثبه أن لا يزال البول بأقل من سبعة أضعافه. وهذا يشبه أن يكون قاله بعدما جرب قدر الماء الذي يأتي على البول ويغمره، وليس فيه حد محدود قولاً مقدار مقدر إلا ما ذكرنا.

ورأيت بعض أصحابنا، قال: لا يختلف المذهب في هذا وذلك غلط. قال الشافعي: "وإن بال اثنان لم يطهره إلا دلوان"، وهذا على الخلاف الذي ذكرناه. وقصد الشافعي به ترتيب الاثنين على الواحد على موافقة الخبر لا التحديد على ما توهمه بعض أصحابنا، وهذا لأنه قد يزيد بول الواحد على بول الجماعة، فلا اعتبار بعدد الدلاء. وقال أبو حنيفة: "إن كانت الأرض رخوة فصب عليها ما يطهر ظاهرها، ولا يطهر باطنها، وإن كانت صلبة، فصب عليها ماء وجرى طهر موضع البول [177 ب / 2] والماء نجس. وذلك الموضع الذي يركد فيه الغسالة نجس ولا يطهر إلا بالحفر"، وبناه على أصله أن الماء المزال به النجاسة نجس، وأن العصر شرط في الثوب المغسول، وعندنا وإن اشترط العصر في أحد الوجهين فههنا الأرض تنشف، فيقوم مقام العصر. واحتج الشافعي بخبر الأعرابي وتمامه ما روي أن أعرابياً دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، فلما رأى لطفه وتثريبه ولم ير من أصحابه ذلك، قال: أللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقد تحجرت واسعاً يا أعرابياً"، فما لبث أن قام إلى زاوية المسجد، وقعد يبول، فهم به أصحابه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزرموه"، فلما فرع وخرج، قال: قربوا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، صبوا عليه ذنوباً من ماءٍ"، أو قال: "سجلاً من ماءٍ". وقوله: "لا تزرموه"، أي: لا تقطعوا عليه بوله. وقوله: "لقد تحجرت واسعاً"، أي: استوليت عليه بزعمك واقتطعته لنفسك. فإن قيل: روينا أنه أمر بأخذ التراب الذي أصابه البول فيلقي ويصب على مكانه. قلنا: قال أبو داود رواه عبد الله بن معقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو لم يلقه. فرع لو وقع البول على موضع من الأرض، فأتى المطر عليه كان بمنزلة الماء الذي يصب عليه، فإن كاثره حتى غلب عليه واستهلك طهر، لأن القصد غير معتبر في إزالة النجاسة، نص عليه. فَرْعٌ آخرُ لو مر بالمكان سيل نظر، فإن دام بمقدار ما يعلم أنه وصل إلى انتهاء البول طهر، وإن مر على الموضع مسحة واحدة لم يطهر كما لو صب عليه الماء فجرى عليه مسحاً لا يطهر المكان إلى انتهاء البول إليه.

فَرْعٌ آخرُ قال: لو قلع المكان، وهو رطب حتى لم [178 أ / 2] يبق له أثر رطوبة فقد طهر بغير الماء، فإن جف البول، فقلع المكان لم يطهر، لأن أثره بعد الجفاف إنما يتبين على الطبقة العليا من الأرض إلا أن يستقصي حتى يحيط أنه انتهى إلى انتهاء البول، وأزالة كله. مسألة: قال: "والخمر في الأرض كالبول". الفصل وهذا كما قال: الخمرة نجسة على ما ذكرنا، فإذا أصابت الأرض، فهي كالبول يصب عليها الماء، حتى يغمرها، فإن ذهبت ريحها، ولم يذهب لونها لا تطهر قولاً واحداً، وإن ذهبت لونها، ولم يذهب ريحها أجاب ههنا أنه لا يطهر، وفيه قول نص في "الأم "، وهو الصحيح: "إنه لا يطهر لان الرائحة قد تبقى لذكائها مع زوال العين كالماء تتغير رائحته بجيفة، ولا يحصل عينها في الماء". وقال بعض أصحابنا: إن كانت في الثوب، لا يطهر قولاً واحداً، لأن حكم النجاسة في الأرض أخف لكونها معدناً للأنجاس بخلاف الثوب، ولأن رائحة الخمر لا تتعدى إلى الثوب إلا ببقاء الأجزاء فيه لبعده عنها فتشبه الرائحة فيه بقاء اللون في الأرض، وفي الإناء إذا بقيت رائحة الخمر بعد العسل، فهو أخف حكماً من الأرض، فيطهر قولاً واحداً، لأن بقاء الرائحة فيه لكثرة المجاورة، وقيل: فيه قولان أيضاً، كالأرض ذاكره في "الحاوي". فرع لو ذهبت أوصاف النجاسة عن الأرض بالجفاف، فلم يبق لون ولا ريح، ولا طعم، فإن كان في الظل لم يطهر قولاً واحداً، وإن طلعت الشمس وهبت الرياح عليها فجفت، هل يطهر؟ قولان: أحدهما: لا بطهر، وبه قال مالك وأحمد واسحق وزفر رحمهم الله، وهو الصحيح، لأنه محل نجس، فلا يطهر بالشمس كالثوب. والثاني: يطهر، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله: لأن الشمس تحيل الشيء عن طبيعته وتأثيرها أكثر من تأثير الماء، وهم يقولون في الظل مثله بخلاف قولنا. ومن أصحابنا من رتب الظل [178 ب / 2] على الشمس. فقال: إن قلنا بالشمس لا يطهر فعند الظل أولى، وإان قلنا يطهر فغي الظل وجهان.

وقال في "الحاوي": هذا القول الثاني في شمس حكاه ابن جرير عن "القديم"، ولا يعرف هذا عن الشافعي رحمه الله. مسألة: قال: "فإن صلى فوق قبر أو إلى جنبه ما لم ينبش أجزأه". وهذا كما قال: المقبرة على ثلاثة أضرب: مقبرة منبوشة تحققها، فالصلاة فيها لا تجوز للنجاسة، وذلك أن لحوم الموتى وصديدهم اختلطت بهذا التراب البارز، والآدمي. وإن قلنا: لا ينجس بالموت، فإن ما في جوفه نجش بلا إشكال، وتخليط ذلك بغيره. والثاني: مقبرة جديدة غير منبوشة، قال الشافعي: "كرهته وأجزأه، ولا آمره بالإعادة"، وإنما كره ذلك، لأن المقبرة مدفن النجاسات، وسواء بين الصلاة فوقها وإلى جنبها أو إليها. والثالث: مقبرة أشكل أمرها، ولا يعلم، هل هي منبوشة أم لا؟. قال في "الأم": لم يكن له أن يصلي فيها، لأن الأصل الآن أنها مقبرة حتى يعلم انه لم يدفن فيها قط وترابه لم ينبش. وقال في "الإملاء": "إن صلى فيها لم أر عليه الإعادة"، فحصل قولان. وهذا الثاني قول مالك رحمه الله، ووجهه أن الأصل الطهارة فلا يزول إلا بيقين. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن شك فالأصل الطهارة، وإن كان الغالب كونها منبوشة فقولان بناء أنه يعتبر الأصل أو الغالب فهذا حسن. وقال أحمد: "لا يجوز الصلاة فيها بحال وإن تحقق طهارته"، وكذلك إذا استقبلها في الصلاة، والنهي عن ذلك تعبد، لا لأجل النجاسة، ولو صلى مع النهي هل يجوز؟ روايتان. وقال داود: "تجوز الصلاة في المقبرة المنبوشة أيضاً مع الكراهة"، والدليل على أحمد أنها بقعة طاهرة فجازت الصلاة عليها كسائر البقاع، وأما الخبر الوارد فيه محمول على المنبوشة. وروى أبو ذر رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجد وضع [179 أ / 2] في الأرض، فقال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". فقلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون عاماً وحيث أدركت الصلاة فصل". مسألة: قال: "وما خالط التراب من نجس لا تنشفه الأرض إنما يتفرق فيه، فلا يطهره إلا الماء".

وهذا كما قال: إذا أحلت النجاسة الأرض لا يخلو إما أن تكون مائعة أو جامدة، فإن كانت مائعةً قد ذكرنا حكمها، وإن كانت جامدة فعلى ضربين: عين قائمة، ومتفرقة، فإن كانت عيناً قائمةً كالفأرة الميتة والعصفور الميت، ونحو هذا من العذرة والسرجين، ينظر فيه، فإن كانت يابسة فالأرض لم تنجس فتزال عن المكان، ويصلى فيه كما لو حلت ثوبا فرماها عنه، وإن كانت رطبة بقيت نداوتها في الأرض بعدما أزالها يكون مكانها من الأرض كالبول على الأرض وقد مضى حكمه، وان كانت النجاسة عيناً متفرقة فيها كأجزاء الميتة والسرجين، فلا يطهر المكان بمكاثرة الماء، وإنما يطهو بقلع المكان حتى يحيط العلم أنه لم يبق من أعيان النجاسة شيء، وإن أراد أن يصلي في هذا الموضع قبل قلع التراب لم يجز حتى يطينه بطين طاهر، فيصير حائلاً بينه وبين النجاسة، أو يفرش عليها بساطاً طاهراً، فإذا فعل هذا كره له أن يصلي على هذا الحائل، لأنه على نجاسة كالمقبرة الجديدة ويجوز، لأنه محل طاهر، وعلى هذا هذه الطرقات التي تلكها البهائم وتروث فيها، ويختلط روثها بترابها كذلك. مسألة: قال: "وإن ضرب لبن فيه بول لم يطهر إلا مما تطهر به الأرض". وهذا كما قال: إذا ضرب اللبن من تراب نجس فهو نجس، لا يجوز أن يصلي عليه ولا حاملاً له، وإن طبخ بالنار، فإن النار: لا تطهر شيئاً. وقال أبو حنيفة رحمه الله: "يطهر بالطبخ بالنار"، حتى قال في السرجين: "إذا صار رماداً بالنار طهر"، وحكي عنه أنه قال: "لو وقع خنزير في ملاحة فصار ملحاً طهر"، واحتج بأن الاستحالة أبلغ في إزالة النجاسة من الماء، ولهذا تطهر الحمر بالاستحالة [179 ب / 2]، وهذا غلط، لأن هذا لم ينجس بالاستحالة، فلا يطهر بها بخلاف العصير، فهو ينجس بالاستحالة، إذا مار خمراً، فطهر بالاستحالة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كانت نجاسته بمائع يصير طاهراً في قول مخرج مما قال الشافعي في "الإملاء" في الحجر المستنجي به إذا أصابته الشمس وذهب أثر النجاسة يحكم بطهارته، لأن النار أبلغ في هذا المعنى من الشمس. وكان الشيخ أبو زيد يقول: "وإن قلنا: لا يطهر بالشمس ينبغي أن يطهر بالنار، لأن النار أبلغ تأثيراً من الشمس"، وربما قالوا: فيه وجهان. وذكروا الوجهين في السرجين إذا صار بطبع التراب، وصار رماداً بالنار، وكذا في الخنزير أو الكلب إذا صار ملحاً. وهذا الذي اختاره أبو زيد أسهل على الناس فيضطرون إلى هذه الفتوى في كثير من البلاد وأفتى به بعض مشايخنا الذين رأيتهم، ولكنه خلاف منصوص الشافعي، وظاهر المذهب، وعلى المذهب الظاهر إذا سجر تنوراً بالرقين فعلق به دخانه، ثم لصق به الرغيف ينجس أسفله، ولو وقع في وسط التنور على الرماد نجس أيضاً. والوجه أن يكبح التنور بشيء يابس، ثم يلصق به الرغيف، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي رضي الله

عنه: "يكره أن يبني باللبن النجس مسجداً ويفرش به"؛ لأن المسجد ينزه عن النجاسة، والصلاة تكره على النجاسة أو إلى النجاسة، وإن لم يلاقها المصلي، فإن بنى مسجداً وصلى في بقعة طاهرة، والجدار نجس صحت صلاته كما لو كان أمامه قبراً منبوشاً أو جيفة وإن فرش المسجد به لم تجز الصلاة عليه، فإن فرش عليه بساطاً وصلى كره، لأنه صلى على نجاسة تحت بساطه، وتجوز. وأما ما يطهر به هذا اللبن ينظر فيه، فإن كانت النجاسة جامدة كلحوم الموتى والعذرة والسرجين. قال في "الأم": "لا سبيل إلى طهارة هذا الحال طبخ أو لم يطبخ، ولو غسل بما، الدنيا [180 أ / 2] كالميتة". ومن أصحابنا من قال: إذا طبخ فقد أكلت النار أجزاء النجاسة التي على وجه اللبنة، فإذا غسل بالماء ظاهرها طهر ظاهرها، ويجوز إن يصلى عليها. وهذا صحيح، وإن كان خلاف ظاهر النص وذاك محمول على ما لو لم تحرق النار أجزا، النجاسة في ظاهرها، وبقيت عينها. وقال كبار أصحابنا: المذهب ما ذكر في "الأم"، لأن عينها تبقى ولكنها تبدل وعند التأمل الأمر بخلافه. وقال ابن القطان من أصحابنا: طهر بالطبخ بالنار، لأن النار تأكل السرجين، ويبقى الطين، وهذا لا يصح لأن ما نجس بمجاورته يبقى. وروي أنه سئل الشافعي عن هذا النص، فقال: "إذا فاق الشيء اتسع"، ولم يرد الطهارة، بل أواد إباحة استعماله في غير الصلاة إذا لم يمكن التحرز منه، وإن كانت النجاسة مائعة كالخمر والبول، فإن لم يطبخ فكالأرض يبال عليها فطهارته بأن يكاثر بالماء، حتى يصير اللبن طيناً، ثم يكاثر الطين بالماء حتى تستهلك النجاسة فيه، فيطهر كله، ثم إن شاء ضربه لبناً وإن شاء تركه، ولو طبخه فغسل يطهر ظاهره دون باطنه، لأن الماء يجري على ظاهره فيزول عنه حكم النجاسة، لأنه ما بقي له غير بحال، فإن أراد غسل باطنه دقه حتى يصير تراباً، ثم كاثر بالماء، فيطهر الكل. قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا صب عليه الماء وكاثره حتى خلص الماء إلى الوجه الآخر وتقاطر بالرشح طهر كما تطهر الأرض، وهذا صحيح لو تصور جريان الماء إلى الجانب الأخر حتى يحصل الغسل. وحكي عن أبي حامد رحمه الله أنه علل، فقال: "لا يطهر، لأن النجاسة صارت جامدة، وصار اللبن حجراً لا ينشف الماء"، وفيه نظر. مسألة: قال: "والبساط كالأرض". الفصل وهذا كما قال: لا تصح الصلاة حتى يكون طاهراً [180 ب / 2] في ثيابه وبدنه، وأن

تكون البقعة التي يصلي عليها طاهرة بحيث لا يلاقي شيء من بدنه ولا ثيابه شيئاً من النجاسة سواء كان موضع القدمين أو الجبهة أو غير ذلك. وقال أبو حنيفة: "إذا كان موضع القدمين طاهراً صحت صلاته ولا يضره نجاسة غيره"، وقال أبو يوسف ومحمد: "يجب أن يكون موضع الجبهة طاهراً أيضاً". وقيل: هو رواية أبي حنيفة، واحتج بأن وضع الركبتين والراحتين لا يجب فوضعهما على النجاسة كلا وضع. وهذا غلط، لأن هذا موضع المصلى عليه كموضع القدمين والجبهة سواء. وأما ما ذكره لا يصح لأنه وإن لم يجب وضعه، ولكن وضعه على النجاسة ممنوع كما لو كان له ثوب طويل بعضه نجس لا تجوز صلاته. فرع لو صلى على موضع طاهر من البساط وباقيه نجس تجوز صلاته سواء تحرك موضع النجاسة منه بقيامه أو قعوده، أو لم يتحرك. وقال أبو حنيفة: "إن كان يتحرك ذلك بتحركه لا تجوز صلاته مثل أن يكون على سرير يتحرك بتحركه، أو صلى على الحصير وتحت الحمير نجاسة. والحصير تضطرب فوقها بحركة وإن وقعت ثيابه على المكان الطاهر"، قال في "الأم": "وليس هذا كما لو لبس بعض ثوب طاهر، والبعض نجس ساقط عنه لا تجوز الصلاة"؛ لأنه منسوب إليه يقال له: لابس الثوب ويزول عن مكانه فيزول الثوب معه بخلاف هذا. فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي عليه وتحت صدره أو بطنه نجاسة على البساط ولا تصيبها ثيابه ولا بدنه، تصح صلاته، نص عليه، لأنه غير حامل لها ولا يماسها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا. والثاني: لا تصخ صلاته، لأنه من جملة مصلاه فطهارته شرط، وهذا ضعيف عندي. هكذا الخلاف فيمن وضع يده في السجود على ثوب مهلهل النسج وتحته نجاسة [181 أ / 2] فوقع الالتقاء من خلل النسج بين كفه وبين النجاسة، وإن كان الثوب صفيقاً، فلا إشكال في الجواز إذا لم يكن مبتلاً يخرج بلله إلى وجه البساط. فَرْعٌ آخرُ لو كانت على رأسه عمامة وطرفها في موضع نجس لا تجوز صلاته وكذلك لو كان الطرف الساقط في نفسه نجساً، وقال أبو حنيفة: "إن كان لا يتحرك بحركته تجوز صلاته"، فنقول: هل يؤدي إلى أن تدرك النجاسة إذا قربت منه تجوز الصلاة، وإذا بعدت لا تجوز لأنها إذا قربت وأرخى إرسال العمامة لا يتحرك وإذا بعده ولم يرخ إرسالها يتحرك بتحركه، وهذا محال.

فَرْعٌ آخرُ لو شد كلباً بحبل وصلى وطرف الحبل معه نظر، فإن جعل طرف الحبل تحت قدمه لم تضر صلاته سواء كان الكلب صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً، وإن شد طرف الحبل في وسطه أو أمسكه بيده نظر، فإن كان الكلب ميتاً أو صغيراً يتحرك معه إذا مشى لا تصح الصلاة، وإن كان كبيراً يمشي بنفسه، فالمذهب أنه لا تصح صلاته، لأنه حامل الحبل يلاقي النجاسة. ومن أصحابنا من قال: "لا تبطل صلاته، لألا لهذا الكلب اختياراً، فهو واقف باختياره". ومن أصحابنا من قال: "إن كان مشدوداً على موضع طاهر مثل إن لف على عنقه خرقة وشد الحبل بتلك الخرقة تجوز صلاته، وإلا فلا تجوز"، وكلا الوجهين ضعيف، لأن هذا الكلب في العادة تابع له يمشي بمشيه، فهو بمنزلة الميت. فَرْعٌ آخرُ لو كان الحبل مشدوداً في سفينة فيها نجاسة نظر، فإن جعل الحبل تحت قدميه فلا بأس، وان أمسكه بيده أو شده في وسطه نظر، فإن كانت مغيرة تحرك معه كيف مشى لا تصح صلاته سواء كان طرف الحبل مشدوداً في موضع منها لا تصيبه النجاسة، أو كان مشدوداً في النجاسة، وان كانت السفينة كبيرة لا تتحرك معه إذا مشى نظر، فإن كان طرف الحبل ملاقياً للنجاسة لا تجور صلاته. وقال بعض أصحابنا بخراسان: "فيه وجه أخر أنه تجوز صلاته، لأنه ليس من لباسه"، [181 ب / 2] وهذا غلط ظاهر، وإن كان مشدوداً في موضع طاهر منها، فالمذهب أنه تجوز صلاته، لأن السفينة ليست تابعة له، فإنها لا تزول بزواله، فلا يكون حاملاً للنجاسة. ومن أصحابنا من غلط وقال: "لا تجوز لأنها منسوبة إليه ومتصلة به"، وأطلق صاحب "الإفصاح"، فقال: فيه وجهان. وما ذكره أولى. فَرْعٌ آخرُ لو صلى وفي كمه حيوان طاهر تجوز صلاته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حمل أمامة في صلاته"، فإن قيل: أليس لا يخلو بطنه عن النجاسة، فيكون حاملاً للنجاسة؟ قلنا: تلك النجاسة في معدنها فلا يمنع جوازها. فَرْعٌ آخرُ لو كان مذبوحاً، فغسل موضع الدم منه وحمله في الصلاة لا يجوز، لأنه لا حكم لباطن الحيوان في النجاسة والطهارة ما دام حياً، فإذا زالت الحياة يعتبر حكمها، وتصير بمنزلة القارورة إذا جعلت فيها نجاسة وسد رأسها برصاص أو شمع، وملى معها لا تجوز صلاته. وحكي عن ابن أبي هريرة أنه حضر في مجلس ما لزم عليه هذه المسألة، فارتكب، وقال. تجوز صلاته، وهدا غلط، لأن هذه النجاسة في غير معدنها.

ورأيت بعض أصحابنا أطلق وقال: في المسألة وجهان. وقال في اللبن: إذا طهر ظاهره دون باطنه فحمله في صلاته، هل تجوز صلاته؟ والصواب ما ذكرنا، ومثل هذا الارتكاب لا يحتمل التخريج عليه. مسألة: قال: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد". الفضل وهذا كما قال: الأحداث على ثلاثة أضرب: حدث يمنع الصلاة دون القراءة والجماع، وهو الحدث الأصغر، فلا يمنع الاجتياز في المسجد ولا اللبث فيه. وحدث يمنع الصلاة والقراءة دون الجماع، وهو الجنابة، فهذا الجنب إذا أراد الاجتياز في المسجد نظر، فإن كان لغرض كطلبه إنساناً في المسجد والعبور فيه لقرب الطريق، فهذا مباح، وان كان لغير غرض، فينبغي أن لا يفع، فإن فعل لم يكن فيه كبير كراهة. ومن أصحابنا من سوى [182 أ / 2] بين وجود الغرض وعدمه، وأما اللبث فيه فممنوع بكل حال، وان أجنبه، وهو فيه خرج منه من غير لبث فيه، وبه قال سعيه بن المسيب والحسن وعطاء رحمهم الله تعالى، وقال مالك وأبو حنيفة: "لا يجوز له العبور فيه". وقال أحمد وإسحق: "إذا توضأ جاز له اللبث فيه"، وقال داود والمزني: "يجوز له اللبث فيه، وإن لم يتوضأ"، واختاره ابن المنذر وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43]. قال الشافعي: لا تقربوا مكان الصلاة، وهو المسجد، كما قال تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} [الحج: 40]. وأراد مواضع الصلاة. وقوله: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} أي: إلا أن تجتازوا. وروي عن جابر رضي الله عنه، قال: كان أحدنا يمر في المسجد، وهو جنب مجتازاً، ولا يفعلون مثل هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بإذنه، ولأنه يجوز المبيت في المسجد فلو لم يجز العبور فيه جنباً، لم يجز ذلك، لأن النوم فيه يؤدي إلى هذا، وقد قال أبو حنيفة: "إذا احتلم فيه يخرج مجتازاً". وقال الثوري "يتيمم، ثم يخرج". ويحكى عن أبي حنيفة أيضا هذا، واحتج أيضا بما روى زيد بن أسلم، قال: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد، وهم على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل المجد، فيتحدث". قلنا: يحمل على أنه كان يتحدث مجتازاً أو نسخ ذلك. وحدث يمنع الصلاة والقراءة والجماع أيضا، وهو الحيض والنفاس، فينظر فيها،

فإن كانت لا تأمن تلويث المسجد ويخاف أن يقطر الدم منها فيه يكره لها العبور فيه، كما قلنا في المستحاضة، ومن به سلس البول [182 ب / 2] إذا كان لا يأمن ذلك ولهذا قلنا: يمنع الصبيان والمجانين والسكران من المسجد لئلا يؤدي إلى هذا، فإن كان واحد من هؤلاء لا يحبس البول متى جاءه، والسكران ربما يتقيأ فيه، وهذه الكراهة كراهة تحريم. وقال أنس: يا رسول انه تخرج الحائض الخمرة من المسجد؟ قال: "نعم، وتمر إن كان طريقها فيه"، وقيل: إنها كراهة تنزيه. والأول، وان أمنت تلويث المسجد بأن تلجمت واستوثبت، هل يكره لها العبور؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكره كالجنب، لأنه حدث يزول بالغسل كالجنابة. وقول الشافعي: "وأكره ممر الحائض"، أراد إذا كانت لا تأمن تلويثه. ومن أصحابنا من قال: يكره لها العبور بكل حال لظاهر لفظ الشافعي، ولأن الحيض أغلظ حكماً، لأنه يمنع الجماع دون الجنابة، وهذا ضعيف، لأنهما استويا في المزيل كالبول والدم سواء، وأما الذي على بدنه نجاسة، ولا يخاف منها تلويث المسجد، فله دخوله والمقام فيه. فرع لو احتلم في المسجد يخرج، فإن خاف العسس يتيمم بتراب غير تراب المسجد، فإن لم يجد إلا تواب المسجد لا يتيمم به كما لو وجد تراباً مملوكاً للغير، ولكنه لو تيمم به جاز. فَرْعٌ آخرُ لو كان له بابان، فأراد أن يخرج من الأبعد، فإن كان لغرض جاز، وإن لم يكن لغرض فيه وجهان، هل يكره أم لا؟. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يقعد في المسجد لا لغرض صحيح يكره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى"، وان كان لمذاكرة العلم أو لاستماع الوعظ والعلم لا يكره. مسألة: قال: "ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام". وهذا كما قال: المشرك لا يدخل الحرم بحال [183 أ / 2] لا بالإذن ولا بغير الإذن، وأراد بالمسجد الحرام جميع الحرم حتى قال الشافعي: "ويخرج الإمام منه إلى الرسل"، أي: لا يأذن للرسل في دخول الحرم ومسجده أيضاء واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم

الفتح: "ومن دخل المسجد فهو آمن. وهذا غلط لقوله تعالى: {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} (التوبة: 28]، والآية بعد سنة تسع من الهجرة وفيها نزلت سورة برا، ة. وأما ما ذكر صار منسوخاً بهذه الآية. وأما غير الحرم، فلا بأس أن يدخل فيما يجوز للمسلم أن يدخل فيه من المساجد وغيرها، ويجوز أن يبيت فيه لما روي أن ثمامة بن أثال الحنفي ربط على سارية المجد بأمر وسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من المشركين في المسجد، وهم وفد ثقيف. قال أصحابنا: ولا يجوز لهم ذلك من دون إذن المسلم. ورواه بعض أصحابنا بالعراق عن الشافعي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى إذن المسلم؟ وجهان، والظاهر أنه لا يحتاج إليه، وبه قال أبو يعقوب الأبنوردي، هل يجوز للمشرك المقام في المسجد قولان. قال: وقد قيل هذا على حالين، فإن كان بإذن المسلم رجاء إن ينزجر عن كفره بسماع القرآن ومشاهدة الصلوات جاز، وإلا فلا يجوز لاستخفافه بالمسجد. وقال مالك رحمه الله: "لا يجوز لهم دخول المسجد أصلاً، وان كان بالإذن قياساً على المسجد الحرام"، وهذا غلط، لأن للمسجد الحرام من الاختصاص بالطواف والمناسك وتحريم قتل الصيد ما ليس لغيره. وقال أحمد رحمه الله: "ولا يجوز له دخول الحرمين، وفي سائر المساجد روايتان: أحدهما: لا يجوز. والثانية: يجوز بالإذن". ثم قال المزني رحمه الله: "إذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى"، لأنه ربما تكون حائضاً، أو جنباً مع المشرك، فمن أصحابنا من قال: استدل المزني لجواز مقام الجنب فيه بمقام المشرك فيه. قلنا: من أصحابنا دن قال: نحن إنما [183 ب / 2] نبيح للمشرك والمشركة دخول المسجد إذا لم نعلم منهما جنابة، فإن علمنا، فلا يجوز التمكن من ذلك. ومن أصحابنا من قال: يبيح له بكل حال، وهو الظاهر. والفرق أن المشرك غير معتقد تعظيم حرمة المساجد، والمسلم معتقد تعظيم حرمتها، فطولب بموجب اعتقاده. وهذا يمنع الملم من قراءة القرآن جنباً، لأنه يعتقا تعظيمه، والكافر لو تعلم القرآن وجعل يقرأه، وهو جنب لا يمنع منه ذكره ابن سريج. وفي هذا الاستشهاد نظر عندي. ومن أصحابنا من قال: مذهب المزني أنه لا يقيم فيه المشرك وأراد بهذا الكلام

الإنكار على الشافعي وهو أنه إذا لم يقم فيه الجنب المسلم ولا يبيت، فالمشرك أولى، وهذا بعيد. فرع إدخال النجاسة في المسجد لا يجوز، لأنه مكان الصلاة، وإدخال الصبيان والمجانين يكره فيه للخبر، وإدخال البهائم فيه يكره، لأنه لا يؤمن تلويثه، ولكنه لا يحرم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "طاف راكباً". مسألة: قال: "والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار". الفصل وهذا كما قال: ذكر الشافعي الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، والأصل فيه: ط روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيه، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا منها وصلوا، فإنها جن من جني خلقت ألا ترونها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها". والأعطان في اللغة: مواضع قريب الماء تنحى إليها الإبل الشاربة ليشرب غير الشاربة لا مبيتها بالليل. ومراح الغنم: موضع مأواها ليلاً. وجملته: أنه إن كان العطن والمراح نجسين بأبعارها وأبوالها، لا تجوز الصلاة فيها، وإن كانا طاهرين لا بول فيهما ولا بعر، فإن صلى فيهما، فالصلاة صحيحة، ولكن السنة قضت بأنها مكروه في أعطان الإبل غير مكروهٍ في المراح، وليس الفرق بينهما للطهارة والنجاسة، وإنما الفرق لما قال الشافعي في "الأم"، [184 أ / 2] وهو أنه كره الصلاة بالقرب من الإبل، لأجل أنه مأوى الشياطين والجن كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنها جن"، فهو كما تكوه الصلاة في الحمام والحش وان كان في موضع طاهر منهما. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ناموا عن الصلاة: "اخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطاناً". قال الشافعي: "فأمرهم بالخروج من ذلك الوادي كراهة قرب الشيطان، فلذلك نهى عن الصلاة في أعطان الإبل كراهية الإبل المخلوقة من الجن"، وهو معنى قوله: (فكره قربه لا لنجاسة إبل ولا موضع فيه شيطان)، ثم استدل على جواز الصلاة بقرب الشيطان، فقال: وقد مر "برسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيطان فخنقه" ولم يفسد صلاته. وتمام هذا الخبر ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لقد مر بي البارحة عفريت ليفسد علي صلاتي، فأمكنني الله تعالى منه، فأخذته فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أناملي،

باب الساعات التي تكره فيها صلاة التطوع

فأردت أن أربطه بسارية من سواري المسجد لتلعب به صبيان المدينة فتذكرت قول أخي سليمان عليه السلام: {} [ص: 35]، فرددته خاسئاً"، فدل على أن قرب الشيطان لا يفسد الصلاة، وهذا المعنى لا يوجد في القرب من الغنم لأن فيها سكينة وبركة، وقيل: إنها من دواب الجنة، فلهذا لا تكوه الصلاة في القرب من الغنم ومراحها. والفرق الثاني ذكره الشافعي: أن أعطان الإبل في العادة أوسخ مكان يكون في الأرض، فإن بطلت لها الدبغ من الأرض، فإنها لا تملح إلا بذلك فتكره الصلاة فيه، لأنه مكان وسخ. وأما مراح الغنم أنظف موضع وأطيب تربة، وتطلب لها ما استعلت أرضه واستدار من مهب الشمال موضعه، فلم تكره الصلاة فيه. ومن أصحابنا من فرق بأن الصلاة بالقرب من الإبل تسقط الخشوع، لأنه لا يأمن على نفسه من نفورها والخوف على نفسه منها، ويكره له ما يسقط الخشوع، ولهذا لا يصلي عند مدافعة الأخبثين ونحو ذلك. [184 ب / 2] وفي الغنم يأمن على نفسه لما فيه من البركة والسكينة، فلم يكره. وقال بعض أصحابنا: هذا الذي ذكره الشافعي في العطن والمراح ترجيح لقول من يقول لجواز الصلاة، وعلى الثوب طين الطريق إذ الغالب من العطن والمراح أنهما لا يخلوان من النجاسةء وان قلت: غير أن البناء على أمل الطهارة، وليس الغالب نجاسة جميع العطن. وقال أحمد: "لا يجوز الصلاة في أعطان الإبل، وإن كان المكان طاهراً، ويجوز في مراح الغنم، وإن كان فيه بول وبعر" بنا، على أصله، أنه طاهر، واعتمد على النهي والإباحة في الخبر، وإياه قصد الشافعي بتطويل هذا الفصل. وقيل: العطن هو الموضع الذي تناخ الإبل فيه الصيف إذا شربت في المرة الأولى ليملأ الحوض مرة أخرى ثم ترد إليه هذه الشربة الثانية تسمى العطل. باب الساعات التي تكره فيها صلاة التطوع قال: "أخبرنا مالك. . . ."، وذكر الخبر، وهذا كما قال: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، خمسة: وقتان: منهي عنها فيهما لأجل الفعل بعد فعل الصبح حتى يبتدئ طلوع الشمس، وبعد فعل العصر حتى تصفر الشمس، وقيل: حتى تبتدئ الشمس بالغروب ذكره القاضي الطبري. وقيل: حتى تغرب الشمس، ذكره أبو حامد، وما ذكرنا أصح وهو معنى هذا أن من لم يصل بعد صلاة الوقت في هذين الوقتين غير منهي عن الصلاة فيهما، فلو أخر الصبح عن وقته لا يكره قبله النافلة، وإذا صلى يكره حينئذ، وكذا لو

أخر العصر لم يكره النفل قبلها إلى قبل اصفرار الشمس، ولو صلى في أول وقتها يكره النفل بعدها، وإن كان قبل الاصفرار وذلك الفعل لا لعين الوقت. وثلاثة أوقات منهي عنها فيها لأجل الوقت حين تأخذ في الطلوع حتى تطلع [185 أ / 2] وترتفع قيد رمح. والثاني: حين يستوي الزوال حتى يزول وحين تأخذ في الغروب تغرب. وقال بعض أصحابنا: يكره أن يصلي بعد ركعتي الفجر غير ركعتي الفجر لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ليبلغ الشاهد الغائب أن لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين". وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يصلى بعد الفجر غيرهما"، فتصير الأوقات المنهية على هذا القول ستة، وظاهر المذهب أنه لا يكره ذلك، والقائم به، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه إلا بعد صلاة الصبح حتى تطله الشمس. هكذا ذكره مشايخ خراسان. وقال بعض أصحابنا بالعراق: "ظاهر المذهب الكراهة". وروي ذلك عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب والنخعي. وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك: "لا تكره". وقد روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر"، ومن أصحابنا من قال: جملته ثلاثة أوقات بعد طلوع الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعند استواء الشمس حتى تزول إلا إن قيل: أن تبتدئ الشمس بالطلوع والغروب يتعلق النهي بفعل صلاة الصبح والعصر، فلو لم يصل لم يحصل النهي حتى تبتدئ الشمس بالطلوع والغروب، والذي قاله هذا أحسن. وقيل: إنما نهى عن الصلاة بعد الصبح ليكون أقوى لهم على صلاة الضحى، وبعد العصر ليكون أقوى لهم على صلاة الليل، وعند نصف النهار لأجل النافلة والاستراحة. وقيل: إنه كان يجلس في هذه الأوقات ليعلمهم دينهم ويتلوا الوحي عليهم، فكانوا ينقطعون عنها بالصلاة فنهاهم عند قيام الظهيرة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قيلوا فمان الشيطان لا يقيل". [185 ب / 2] فإذا تقرر هذا، فإطلاق النهي يقتضي كل صلاة في كل مكان، وفي كل زمان. وليس النهي على ظاهره، بل أراد به الخصوص في صلاة دون صلاة، وفي مكان دون مكان وفي زمان دون زمان. فأما الصلاة: فالنهي يتناول إنشاء نافلةٍ لا سبب لها، وهو أن يشرع بنافلة لا عادة له

بها، فأما كل صلاة لها سبب، فله فعلها في هذه الأوقات كلها من ذلك الفوائت، وصلاة النذور والجنائز وصلاة الخسوف والعيدين قضاء. ومن أدرك جماعة وكان قد صلاها، والنوافل الراتبة كالوتر وركعتي الفجر وغير ذلك من النوافل الراتبة مع الفرائض وسجود التلاوة والشكر. وأما تحية المسجد، ينظر فإن دخل المسجد في هذه الأوقات لغرض له مثل العبور فيه أو لينام فيه، أو يقرأ أو يكتب علماً أو يجلس فيه لحاجة دين أو دنيا، فالسنة أن يصلي ركعتي التحية، وإن كان دخوله لغير غرض، فيه وجهان أحدهما: لا يصليها، لأنه يفضي إلى أن يتحرى النافلة في هذه الأوقات، وهو الأقيس. والثاني: له أن يصليها، لأن سببها موجود، وهو دخول المسجد. وحكي عن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا: أنه لا تجوز تحية المسجد مطلقاً، وقيل: هل يجوز قصد دخول المسجد للتحية؟ وجهان: أحدهما: يجوز، لأن بعد الدخول قد وجا السبب. والثاني: لا يجوز القصد إلى إحداث سببها كما لا يجوز القصد إلى الصلاة فيه. وأما ركعتا الإحرام، لا يجوز في الوقت المنهي لأن سببه متأخر عنها لا يتقدم عليها، فهو كصلاة لا سبب لها. فنقول له: أخر الإحرام وركعتيه. وذكر بعض أصحابنا: أنه يجوز ذلك في الوقت المنهي لأنها صلاة لها سبب ذكره القاضي البندنيجي، وهو غلط، وإن ذكر في هذه الأوقات صلاة كانت ورده وعادته في وقت كمن عادته أن يصلي الضحى ركعتين أو يسجد في [186 أ / 2] كل ليلة قدراً راتباً، فالحكم في سائر الناس مبني على حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها. وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "شغل عن ركعتين كان يصليهما بعد الظهر، فذكرهما بعد العصر، فصلاهما في بيت أم سلمة رضي الله عنها، وثبت أنه داوم على قضائهما بعد العصر قالت عائشة رضي الله عنها: "ما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً إلا وصلى تلك الركعتين". وأما غيره من الناس إذا ذكرها في هذه الأوقات قضاها فيها قولاً واحداً. وذكر بعض أصحابنا: فيه وجهاً آخر أنه لا يقضي فيها وليس بشيء. وأما المداومة على القضاء في هذا الوقت كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل ذلك سبباً في فعل مثلها، هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: وهو الأصح، لا يجوز له أن يداوم عليها، لأن التكرار ليس بسبب،

ويفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان ألزم نفسه أن لا ينسى صلاة، فيذكرها في وقت إلا قضاها فيه، ولا يوجد هذا المعنى في غيره. وروي أن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: أفنقضيها نحن إذا فاتتنا؟، فقال: "لا". وروي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يرى هذا النهي عاماً، فقيل له: أليس قد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سلمة؟ فقال: "إنه فعل ما أمر ونحن نفعل ما نؤمر". وتأويل هذا أنه لا يجوز لنا أن نجعله عادة ويجوز له، ولو نذر أن يصلي في الوقت المنهي عنه. فالصحيح أنه لا ينعقد نذره، وفيه وجه آخر. وأما المكان، فالنهي يتناول كل البلدان إلا مكة، فالطواف وركعتا الطواف تجوز في هذه الأوقات كلها قولاً واحداً. وان أراد أن ينشئ نافلة يتبرع بها من غير سبب فيها، فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز كالطواف وركعتيه، ولا فرق بين مسجدها وبيوتها في ذلك. وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية أبي ذر رضي الله عنه [186 ب / 2]: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة، إلا بمكة إلا بمكة "ثلاثاً"، ولأن هذا التفضيل للمسجد الحرام على سائر البقاع، وتخصيصها بحراسة الله تعالى لها من أن يتخطفها شيطان. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وكل الله عز وجل بأطراف الحرم ستين ألفاً من الملائكة يحرسونه من الشياطين". وهذا اختيار جماعة من أصحابنا. وهو المذهب. والثاني: لا يجوز ذلك لأنا جق زنا الطواف وركعتيه لئلا ينقطع الطواف، وهذا معدوم في غيرها من النوافل. ولا يجوز في البيوت، لأن للمسجد حرمة زائدة. وهذا اختيار ابن سريج. وأما الزمان، فالنهي يتناول كل الأيام إلا يوم الجمعة. وفيه ثلاث مسائل: إحداها: من بكر للجمعة وجلس ينتظر الصلاة والخطبة، فله التنفل إذا استوت الشمس للزوال حتى كيف شاء، لأنه مخصوص بالاستثناء. والثانية: الأوقات الأربعة في يوم الجمعة كما في سائر الأيام، لأن الاستثناء كان في نصف النهار. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: وجهاً أنه لا نهي يوم الجمعة أملأ عن الصلوات لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن جهنم لا تسجر يوم الجمعة"، وأشار إليه صاحبه "الإفصاح"، وهو ضعيف. والثالثة: من تخلف عن الجمعة لعذر أو غير عذر، هل له أن يتنفل إذا استوت

الشمس للزوال؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك، لأن الاستثناء لم يخص قوماً دون قوم. والثاني: وهو المذهب ليس له ذلكء لأن المعنى في الرخصة أن الناس ندبوا إلى التبكير إلى الجمعة وإيصال الصلاة، فلو أخذوا بأن يرقبوا حين الاستواء لشق ذلك عليهم، ولعله يخفى على أكثرهم، ويؤدي مراعاة ذلك إلى تخطي رقاب الناس، وذلك مكروه ولا وجه لأن يقال بترك الصلاة قبله، لأنه إذا لم يصل ربما ينامء فينتقض وضوءه، ثم يشق عليه وعلى الناس الخروج للطهارة، وهذا المعنى معدوم فيمن ليس في الجامع، فلهذا لا يتنفل في هذا الوقت. وقال أبو حنيفة: "النهي عام في جميع الأزمان، [187 أ / 2] وجميع البلاد، وجميع الصلوات إلا عصر يومه عند اصفرار الشمس، فإن الوقتين المتعلقين بالفعل سلم جواز قضاء الفوائت، ولم يجوز الصلاة المنذورة، ولا ركعتي الطواف". وقال ابن المنذر: "لا تكره الصلاة إلا بعد العصر حتى تصغر الشمس"، لأنه روي عن علي رضي الله عنه أنه "دخل فسطاطه فصلى ركعتين بعد العصر". وروي ذلك عن الزبير وابنه والنعمان ابن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة وتميم الداري رضي الله عنهم. وقال داود: "يجوز فعل النافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع أيضاً". وقال مالك رحمه الله: "يقضي الفرائض في الأوقات المنهي عنها، ولا يصلي فيها النوافل أصلاً". وبه قال أحمد إلا أنه أجاز فيها ركعتي الطواف وصلاة الجنازة مع إمام الحي. وقال أحمد: "لا يجوز وقت الزوال يوم الجمعة". واعلم أن الشافعي رحمه الله أورد في هذا الباب أخباراً عاقة في النهي، وأخباراً عامة في الإباحة، وأخباراً فيها تفصيل، فبدأ بما يدل على النهي عاماً، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس". قال: وعن أبي ذر رضي الله عنه مثل ذلك. وأخل المزني بالنقل؟ لأنه نقل لفظ أبي ذر في خبر أبي هريرة رضي الله عنه بأن أبا هريرة روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الصبح حتى تطلع الشمس". وروى أبو ذر رضي الله عنه ما ذكرنا وزاد فيه: "إلا بمكة" على ما ذكرنا، فكان من حق المزني إذا أراد الاختصار أن ينقل خبر أبي هريرة بلفظه، ثم يقول، وعن أبي ذر مثل ذلك، أو يقول: خبر أبي ذر بلفظه، ثم يقول: وعن أبي هريرة مثل ذلك، ثم روى عن الصنابحي، وهو عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الشمس تطلع ومعها قرن

الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت فارقها، [187 ب / 2] فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب فارقها، فإذا غربت فارقها"، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة هي تلك الأوقات. واختلف العلماء في تأويل هذا اللفظ، فقال بعض أصحابنا: معنى (قرن الشيطان)، أي: ناصية الشيطان أو رأسه. وذلك أنه يقارن الشمس في هذه الأوقات الثلاثة، لأن الذين يعبدون الشمس من الناس يجدون لها في هذه الأوقات الثلاثة فيحيونها حالة الطلوع، لأنها حالة ظهورها، وعند الاستواء، لأنه أكمل أحوالها، وعنه الغروب يودعونها، فالشيطان يقارن الشمس فيرى أن هؤلاء إنما يجدون له. وقيل: أراد القرن القوم، يقال: قرن نوح وقرن كذا بمعنى القوم والحزب، فمعناه تطلع بين قرني الشيطان، وهو من جماعته الأولين، وجماعته الآخرين، فكأنه جعل عبدة الشمس قوم الشيطان وحزبه، لأنه أغراهم واستزلهم بالسجود في هذه الأوقات، ولم يرد أنهم مع الشيطان، فنهى عن الصلاة في هذه الساعات لئلا يتشبهوا بهؤلاء. وقيل: أراد بين قرني رأسه، أي: ناحيته، لأن لكل رأس قرنين، أي: ناحيتين، وسمي: ذا القرنين، لأنه ضرب على جانبي رأسه. وقيل معناه: أن الشيطان مقارن لها. وقال إبراهيم الحربي: "معناه أن ذلك الوقت حين يتحرك الشيطان وينشط، فيكون كالمعين لهم" ونظيره ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الشيطان يجري من ابن أدم مجرى الدم"، أي: يغويه على المعاصي، وقيل: قرن الشيطان، أي: حزب الشيطان من الإنس الذين يعبدون الشمس في هذه الأوقات كالمجوس. وقيل: حزب الشيطان من الجن الذين يصرفهم في أعماله وينهضهم في مرضاته في هذه الأوقات. وقيل: القرن، عبارة عن الارتفاع، فيرتفع الشيطان إلى الشمس في هذه الأوقات، وقيل: قرن الشيطان قوته، [188 أ / 2] فيقوي التسويل لعبدة الشمس حتى يسجدوا لها. وروى عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أوقات أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا إذا طلعت الشمس حتى ترتفع بازغة، وإذا استوت في كبد السماء حتى تزول، وإذا تضيقت الغروب حتى تغرب"، يعني: مالت. وهذا لم ينقله المزني. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون أرضاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصلاتين: صلاة الصبح، وصلاة العصر"، ولم ينقله المزني أيضاً. ثم روى خبر أبي سعيد الخدري

رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة"، وهذا خبر التفصيل. وروى جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئاً، فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار"، أراد طاف وصلى ركعتي الطواف. وقيل: أراد جميع الصلوات، وهو أصح، ثم ذكر الصلوات التي لها سبب، وأورد الخبر العام في الإباحة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها"، وتمام الخبر، "فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره". يقول الله تعالى: {وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، أي: إذا ذكرتها. ثم أورد خبر التفصيل، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى قيس بن فهد يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس"؟ فقال: لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان الركعتان، فسكت. وروي خبر أم سلمة رضي الله عنها، وتمام الخبر ما روي عن أم سلمة، قالت: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد صلاة العصر، فقام يصلي، فقلت لجارية لنا في البيت: قومي إلى جنب [188 ب / 2] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولي له: ألست نهيتنا عن هذه الصلاة، فإن أشار إليك أن استأخري، فاستأخري، فقامت، وقالت ذلك، فأشار إليها، فاستأخرت، فلما صلى ركعتين سلم، ثم نادها، فقال لي: "يا هنتاه ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما وفد بني تميم". وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس إلا بركعتين". وروي أنه قال لرجلين في مسجد الخيف: "إذا جئتما فصليا وان كنتما قد صليتما"، ثم بين الشافعي رحمه الله المبب في قضاء الصلاة التي أغفلها، فقال: وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قل"، ثم قال: "فأحب فضل الدوام"، أي: فأحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضا، هذه الصلاة حيازة فضل الدوام على العمل وقرأ: "فأحب فضل الدوام".

قال الشافعي: "أحب ذلك". ثم قال الشافعي: "وصلى الناس على جنائزهم"، يريد بالناس أهل الحرمين من الصحابة والتابعين صلوا على جنائزهم بعد العصر وبعد الصبح، فدل أن النهي على الخصوص، ثم قال: "وليس من هذه الأخبار شيء مختلف على ما رتبنا لا يختلف ذلك"، ثم إذ المزني رحمه الله اعترض على الشافعي رضي الله عنه في هذا الموضع، فقال: "وهذا خلاف قوله فيمن نسي ركعتي الفجر حتى صلى الظهر والوتر حتى صلى الصبح أنه لا يعيد"، وأراد به أن قول الشافعي ههنا في قضاء صلاة فرض أو جنازة، وغير ذلك خلاف ما قال في موضع: "لا يقضي ركعتي الفجر بعدما صلى الظهر ولا الوتر بعدما صلى الصبح". ثم قال: "والذي قبل هذا أولى بقوله وأشبه عندي بأصله"، أراد ما نص عليه في هذا الباب من قضاء هذه الصلوات في هذه الأوقات، ويريد بأصله المسألة التي حكاها ههنا، وهي قوله: قال الشافعي: "من ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها ثم قضى"، ولم يفصل في قوله: (ثم قضى) من صلاة، [189 أ / 2] وصلاة، فينبغي إذا ذكر ركعتي الفجر، وهو في صلاة الظهر أتم صلاة الظهر ثم قضى ركعتي الفجر، ثم بعد هذا أطنب المزني الكلام في الاعتراض حتى قال الشيخ أبو زيا المروزي رحمه الله يقول: ليته اختصر من كلام نفه كما اختصر من كلام الشافعي، فحكى عن أصحابنا عن الشافعي أنه كان يقول: "التطوع قسمان: أحدهما: صلاته جماعة مؤكدة، ولا أجيز بتركها لمن قدر عليها"، وهي خمس صلوات على ما ذكرنا أكدت بالجماعة فيها. وصلاة منفرد، وهو القسم الثاني، وبعضها أوكد من بعض، فأوكد ذلك الوتر ويشبه أن يكون صلاة التهجد، أي: يثب أن يكون الوتر هي صلاة التهجد التي أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]. وخرج الشافعي بهذا في "الأم". وقال الشافعي في "جامعه الكبير": "ويشبه أن تكون هي صلاة التهجد. وقيل: صلاة التهجد غير الوتر"، وهي صلاة يصليها الرجل في الليل ورداً له، وأصل التهجد في اللسان من الأضداد، ويقال: تهجدت إذا نمت وتهجدت إذا سهرت. وقول الشافعي: "ويشبه أن تكون صلاة التهجد"، أي: ويشبه أن يكون الذي يتبع الوتر في التأكيد صلاة التهجد، ولأن الوتر يشترك فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصاً بالتهجد لقوله تعالى: {نَافِلَةً لَكَ}، وهذا خلاف نص الشافعي، ومن قال بالأول أجاب أن قوله: {نَافِلَةً لَكَ} أي: زيادة لك وفضيلة، لأن بنوافل غيره تجبر الفرائض. وفرائضه معصومة من النقصان، فتبقى له سائر الصلوات زيادة، والمراد به الوتر، وكان واجباً

على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتهجد: اسم الصلاة بعد الهجود، وهو النومء والمستحب أن يصلي الوتر في آخر صلوات الليل. قال: "ثم ركعتا الفجر". الفصل إلى أن [189 ب / 2] قال: "وقالوا، أي: وقال أصحابنا: إن فاتته الوتر حتى يصلي الصبح لم تقض". الفصل وهذا لا يليق بما ذكروا من تأكيد أمر الوتر وركعتي الفجر، ثم أيد ذلك بإعادة ما قال الشافعي في جواز قضاء الفرض والصلوات التي لها سبب في الأوقات المنهية، واستدلالاً له بالأخبار، فأعاد المزني كل ذلك على وجهه، ثم هال في آخره: "يقال لهم، أي: لأصحابنا: فإذا استويتم في القضاء بين التطوع الذي ليس بأوكد وبين الفرض لدوام التطوع الذي ليس بأوكد، أي: جعلتم السبب فيه الدوام على العمل، فلم أبيتم قضاء الوتر الذي هو أوكد؟ ثم ركعتي الفجر، وهما أوكد من الكل"، ثم قال: "أفتقضون الذي ليس بأوكد، ولا تقضون الذي هو أوكد؟ وهذا من القول غير مشكل"، أي: خطأه وضعفه. ثم أيد ذلك بقوله: ومن احتجاجكم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها"، فقد خالفتم في ذلك قضاء الوتر وركعتي الفجر، ثم لزم نفسه سؤالاً، فقال: "فإن قيل القضاء على القرب"، أي: قضاء النوافل، إنما يكون على القرب من وقتها لا على البعد أبطلنا هذا بأنه لو صح هذا لما قضى ركعتا الفجر نصف النهار لبعد قضائها من طلوع الفجر، وأنتم تقولون: يقضي ما لم يصل الظهر وينبغي إذا صلى الصبح عند الفجر أن يقضي الوتر، لأن وقتها إلى الفجر أقرب، ثم قال: "وفي ذلك إبطال ما أعللتم به من القرب والبعد"، وقيل: كل موضع يقول المزني: قال بعض الناس: يريد به أبا حنيفة، وإذا قال: قال أصحابنا: يريد مالكاً، ثم اعلم إن أجابوا عما ذكر المزني، فقالوا: الصلاة على ضربين: فرض ونفل. وما عدا الفرض، هو النفل، وهو على ضربين: ضرب سق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته، وضرب لم يسن رسول الله شر، وإنما يصلي الأنفال عن تلقاء نفسه [190 أ / 2]، فأما التطوع الذي سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته ضربان: ضرب سنت له الجماعةء وهو خمسة: العيدان والخوفان والاستقاء. وضرب لم يسن له الجماعة، وهو الوتر وركعتا الفجر وغيرهما، وكل واحد من هذين الضربين بعضه أوكد من بعض. وأما ما سن له الجماعة، فهو أوكد من سائر السنن، لأنه يشبه الفرائض للاشتراك في الجماعة، والمذهب أن جميعها سنة مؤكدة.

وقال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: أن كلها فرض على الكفاية لقوة سببها، وظهور شرائع الإسلام بها، فعلى هذا يستوي حكم جميعها في الفضل وليس بعضها أوكد من بعض. والثاني: ما ذكرنا فعلى المذهب فيها وجهان: أحدهما: في الفضل سواء لاستواء أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها وفعله لها. والثاني: وهو الأظهر أن بعضها أوكد من بعض، فأوكدها صلاة العيدين، لأنها صلاة راتبة سنت لها الجماعة في وقت معلوم لا لعارض، فهي كالفرائض، ثم بعد صلاة الخسوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما تركها قط، وهي أكثر عملاً، فإنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، ولأن الله تعالى ذكر الخسوف والكسوف، وذكر عقبيهما السجود، ولم يذكر ذلك في شيء من الآيات، ولأنها عبادة محضة، لا يخالطها شي،. وقال في "الحاوي": "ثم صلاة كسوف القمر، ثم صلاة خسوف الشمس، ثم صلاة الاستسقاء" التي هي عبادة. ومسألة، فهي بعد الكل. وأما ما لم تسن له الجماعة: فالوتر وركعتا الفجر آكد من غيرهما، وفي الوتر وركعتي الفجر أنهما آكد، قولان. قال في "القديم": "ركعتا الفجر آكد"، وبه قال أحمد. وقال في كتبه الجديدة: "الوتر آكد"، وبه قال مالك: وجه الأول قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوتر: "إن الله تعالى زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء والفجر". ومعلوم أن حمر النعم بعض الدنيا وما فيها. وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي [190 ب / 2]- صلى الله عليه وسلم - "ما ترك ركعتي الفجر في سفر ولا حضر". وقالت أيضاً: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح". وقالت أيضاً: "ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرع إلى شيء منه إلى ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة ينتهزها". وقالت أيضاً: "صلوا ركعتي

الفجر ولو طردتكم الخيل"، لأن ركعتي الفجر تحصر بعدد لا يزيد ولا ينقص، فتشبه فريضة الصبح بخلاف الوتر. ووجه القول الجديد، وهو الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يوتر فليس منا". وروى أبو سعيد الخدري رضي لله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نسي الوتر أو نام عنه، فليصله إذا ذكر أو أصبح"، لان الناس اختلفوا في وجوب الوتر، ولم يختلفوا أن ركعتي الفجر سنة، ولان الشافعي رضي الله عنه، قال: "ويشبه أن يكون الوتر صلاة التهجد"، فإذا قلنا بالأول، فاولاً ركعتا الغجر، ثم ما عداهما، وإذا قلنا بالقول الثاني، فيه وجهان: أحدهما: الوتر ثم ركعتا الفجر، ثم ما عداهما. والثاني: الوتر ثم صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر، ذكره أبو إسحق، وهذا لأن قيام الليل كان نائباً عن الفرائض، وورد به القرآن، وهذا غير صحيح لما ذكرنا أن صلاة التهجد هي: الوتر ولهذا قال الشافعي: "من ترك واحدة منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل". وأراد به: الفجر وركعتي الوتر، فدل أنه لا ثالث بينهما، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم القضاء، فالصلوات على ثلاثة أضرب: صلاة تؤدى وتقضى، وهي الصلوات الخمس تؤدى في الوقت وتقضى في خارج الوقت، وصلاة تؤدى ولا تقضى بعد فوات وقتها، وهي كل صلاة تفعل لعارض، وهي صلاة الخوف والكسوف والاستقاء، وصلاة الجنازة تفعل لعارض، ولا تقضى، ولكن لا يفوت وقتها، فإن كل الزمان وقت لها، وصلاة تؤدى، وفي القضاء قولان، وهي كل نافلة لها وقت [191 أ / 2] راتب فوقت الوتر لا يريد قيام الليل عقيب فعل العشاء، ولا يزال وقته قائماً مع وقت العشاء، وفي وقته المختار قولان، كما ذكرنا في العشاء، ويبقى وقت جوازه إلى طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني فقد دخل وقت ركعتي الفجر، ولا يزال وقتهما قائماً حتى تطلع الشمس، وقيل: وقتهما ممتد إلى زوال الشمس بظاهر لفظ الشافعي، وعندي هذا ضعيف، والأفضل تقديمهما على الفرض، فإن أخرهما جاز. ووقت سنة الظهر حين تزول الشمس، ولا يزال وقتهما قائماً مع بقاء وقت الظهر، فإذا خرج وقت الظهر فات وقتهما، وليست مع العصر سنة راتبة، والمغرب سنتها عقيبها، فإذا فاتت هذه النوافل عن أوقاتها، هل تقضى؟ قد ذكرنا قولين: قال في "القديم": "تقضى"، وهو الصحيح، وذكره في "الجديد" أيضاً على ما حكاه بعض أصحابنا، وهو اختيار المزني، وبه قال أحمد في رواية، ووجه خبر أم سلمة

رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى ركعتين بعد العصر كان يمليهما بعد الظهر"، ولأنها صلاة راتبة في وقت، فأشبهت الفرائض. وقال ههنا: لا تقضى، وأومأ إليه في "القديم" أيضاً. وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأنها نافلة، فلا تقضى كصلاة الخوف، وقيل: ما كان من صلاة النهار تقضى نهاراً، وما كان من صلاة الليل تقضى ليلاً في وجه، وهو بعيد، فإذا قلنا: لا تقضى سقطت، فإن تطوع فصلى كانت تطوعاً ابتداء بغير سبب فيكره فعلها في الأوقات المنهية، وإذا قلنا: تقضى، يجوز قضاؤها في الأوقات المنهية، ويأتي بالتي فاتته بنية القضاء، فعلى هذا وقت القضاء بعضه أوكد من بعض، فالأولى أن يقضي ما لم يأت بمكتوبة من وقت صلاة أخرى، فيقضي الوتر ما لم يطلع الصبح، فإذا فعلها، قال في "القديم". وقله المزني: "لم يقض الوتر"، ولذلك قال في ركعتي الفجر: يقضيها بالنهار [191 ب / 2] ما لم يفعل الظهر. وقال أبو إسحق رحمه الله: معناه لم أحث على قضائها بعد فعل الفرض كما أحث عليه قبل فعل الفرض، ويقضيهما أبدأ. والمسألة على قول واحد: إنه يقضي جميع النوافل. وهذا اختيار القاضي الطبري، قال: والدليل عليه أن الشافعي قال: "يصليها ما لم يصل الظهر"، فلو كانت تسقط بالفوات لسقطت بطلوع الشمس. وقيل: قول المزني عن الشافعي لا يقضي، أراد لا يقضي واجباً، كما قال أبو حنيفة. وقيل: تأويله لا بقضي في هذه الحالة بل يقدم الصلاة التي دخل وقتها، لأنها أهم وأولى. ثم يقضي ما فات من الوتر وركعتي الفجر. ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يقضي، هل يسقط فعلها بفعل الصلاة الأخرى أم بدخول وقتها؟ وجهان: أحدهما: بدخول الوقت فتسقط صلاة الوتر بطلوع الفجر وركعتا الفجر بزوال الشمس. وقول الشافعي: "حتى يصلي الصبح" عبارة عن دخول الوقت، لأنه يستحب أن يبادر إلى فعل الفريضة، فعبر بفعلها عن دخول وقتها. والثاني: بفعل الصلاة، فيقضي الوتر بعد الفجر قبل صلاة الصبح، ويصلي ركعتي الفجر بعد الزوال قبل صلاة الظهر، فإذا صلاها سقطت. ومن أصحابنا من قال في "القديم": ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، فعلى هذا يقضي ركعتي الفجر ما دام النهار باقياً، وهذا غريب ضعيف. ومن أصحابنا من قال: جميع النوافل يقضي إلا أربع صلوات، فإن فيها قولين: الوتر وركعتي الفجر، وصلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى.

ومن أصحابنا من سلم المزني ما نقله، وقال: المعنى ليس ما ذكرت من القرب والبعد، ولكن المعنى أن الوتر تابع لصلاة العشاء، فلو قضاها بعد الصبح صارت تابعاً لصلاة الصبح. وكذلك لو قضى ركعتي الفجر بعد الظهر صارت تابعة للظهر، وذلك لا يجوز وليس فيه أنه لا يجوز القضاء بعد ذلك ويكره له القضاء، [192 أ / 2] ولكنا لا نأمر بذلك ولا نندبه إليه، والاعتماد على أن ما اختار المزني، هو القول الصحيح وأولنا القول الآخر، فلا يحتاج الجواب، وهكذا لو كان له ورد وراتب كصلاة الضحى والتهجد فنسيه، ثم ذكرها، هل يقضيها على القولين؟ والصحيح عندي أنها تقضى. وأما الضرب الآخر من النوافل التي لم ين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسيأتي في باب آخر إن شاء الله تعالى. فرع إلى متى تمدد ركعتي الفجر؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى أن يصلي الصبح. والثاني: إلى أن تطلع الشمس، لأنه وقت الصبح. والثالث: إلى الزوال، لأنه لم يصل بعد الصبح فريضة أخرى. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب إذا في غ من ركعتي الفجر أن يتحدث أن يضطجع ليكون فصلاً بين النفل والغرض. والأصل فيه: ما روي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "صلي ركعتي الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يقوم إلى الصلاة". فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يستحب أن يخفف ركعتي الفجر، قالت عائشة رضي الله عنها "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخففهما حتى أني لأقول، هل قرأ فيهما القرآن أم لا؟ ". وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقرأ فيهما: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (الكافرون: 1)، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1] ". فَرْعٌ آخرُ السنة قبل الظهر إلى متى وقتها؟ وجهان: أحدهما: إلى أن يصلي الظهر.

باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان

والثاني: ما لم يخرج وقت الفرض. وسنة المغرب، يمتد وقتها إلى سقوط الشفق وسنة العشاء إلى طلوع الفجر، وفيه وجه آخر سنة المغرب، إلى أن يصلي العشاء وسنة العشاء إلى أن يصلي الصبح وفي آخر وقت الوتر قولان: أحدهما: إلى طل ح الفجر. والثاني: إلى أن يشتغل بفريضة الصبح. وروي أن علياً رضي الله عنه [192 ب / 2] سمع تثويب المؤذن، فقال: "نعم، ساعة الوتر هذه"، وتلا قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 17 - 18]. باب صلاة التطوع وقيام شهر رمضان مسألة: قال: "الفرض خمس في اليوم والليلة". الفصل وهذا ما قال: القصد من هذا الباب ذكر أقسام التطوع، وبيان أحكامه، ولكنه افتتح بذكر حصر الفرائض من الصلوات في اليوم والليلة ليعلم أن ما عداها تطوع، قال: الفرض خمس وذكر حديث الأعرابي وقد مضى هذا فيما قبل، وبقولنا قال مالك والثوري والليث والأوزاعي وأحمد واسحق رحمهم الله، وقال أبو حنيفة مع أصحابه رحمهم الله: "الوتر واجب وليس بفرض"، وهذا غلط لما تقدم، وأيضا روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن على فرض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الفجر". وأيضاً روى ابن محيريز: أن رجلاً من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلاً بالشام مكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. قال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه فأخبرته، فقال: كأب أبو محمد، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وجاءهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله أن يغفر له، وإن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه". ثم ذكر بعد هذا أقسام التطوع على ما جرى في الباب قبله إلا أن موضعها في هذا

الباب، فلذلك أعاد الذكر ههنا. قال: التطوع وجهان، ثم ذكر المسألة التي اعترض عليها في الباب قبله، وقال في أثنائه. قال الشافعي رضي الله عنه: مران فاتته ركعتا الفجر [193 أ / 2] حتى تمام الظهر لم يقض، لأن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة". وقد أخل بنقل خبر أبي هريرة ههنا من وجهين: أحدهما: نقله موقوف عليه، وهو مرفوع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والثاني: أوهم أن الشافعي استدل على أن ركعتي الفجر لا تقضى بعد الظهر بهذا، وليس كذلك،. بل استدل على أن من دخل المسجد، وقد أقيمت الصلاة لا يشتغل بركعتي الفجر. وهذا مذهبنا في الرجل إذا دخل والإمام في صلاة الصبح دخل معه في الفرض، ثم صلى بعد الفراغ منها ركعتي الفجر. وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: "إن رجا إدراك ركعة من الفرض صلى ركعتي الفجر في رحبة المسجد أو في زاوية منه، ثم دخل معه في الفرض، وان خاف فوت الفريضة دخل معه في الفريضة، ولا يقضيها"، وهذا الخبر نص في هذا الموضع على خلاف ما قال. وقال بعض أصحابنا بخراسان: روي في هذا الخبر زيادة وهي أنه قيل: يا رسول الله، "وإن كانت ركعتي الفجر، قال: وان كانت ركعتي الفجر"، وروي أنه قيل: "ولا ركعتا الفجر؟ فقال: ولا ركعتا الفجر". ثم ذكر هذا أنه كيف يستحب في النوافل أن يصليها؟ وكيف يجوز أن يصليها؟. وروي خبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ونقل المزني هذا القدر وكان من حقه أن ينقل تمام الخبر، وهو قوله: "فإذا خشي أحدكم الصبح، فليوتر بركعة" لأنه عطف على هذا الخبر ما لم يخشى إلا بعد ذكر تمامه، وهو قوله في ذلك دلالتان إحداهما: أن النوافل مثنى مثنى. والثانية: أن الوتر واحدة، وهذه الدلالة الثانية لا مخرج إلا في آخر الخبر الذي ترك المزني روايته، وجملة الكلام فيه أن نقول: الصلاة ضربان: فرض ونفل. والفرض فرضان: فرض العين كالصلوات الخمس، وفرض الكفاية كصلاة الجنازة، والنفل ضربان: سنة راتبة. وقد ذكرناها، وسنة يتبرع بها، [193 ب / 2] فله ذلك،. أي عدد شاء. وقيل: أفضل ما يتطوع به من العبادات التطوع بالصلاة كما أن أفضل الفرائض صلاة الغرض، وهذا لأنها تجمع من القرب ما لا يجمع غيرها. ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير

أعمالكم الصلاة". والتطوع ضربان، ما كان تبعاً للفرائض، وما ينشأه بنير سبب. فأما ما هو تبع للفرائض، ففي عدد ركعاته وجوه: أحدها: ما حكى البويطي عن الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعده، وركعتين قبل العصر، وركعتين قبل صلاة الفجر، فيحصل مع ركعتي المغرب وركعتي العشاء اثنتا عشرة ركعة". وقيل: ذكر في البويطي ثماني ركعات: ركعتين قبل الصبح وركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب لم يذكر الوتر، وهو ثلاث ركعات، فيصير إحدى عشرة ركعة، وهذا أدنى الكمال، وقيل: ثلاث عشرة وزاد على هذا ركعتين بعد العشاء. وقيل: إثنتا عشر ركعة على وجه آخر، وهي ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء غير الوتر، ولم يل كر قبل العصر شيئاً. وهذا اختيار أبي حامد لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة". وقيل: عشر ركعات سوى الوتر، وأسقط هذا القائل ركعتين من الأربع قبل الظهر. وقال صاحب "الإفصاح": "ثماني عشر ركعة غير الوتر، ومع الوتر إحدى وعشرون ركعة". وهذا على الكمال لما روى علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات وبعدها ركعتينء وقبل العصر أربع ركعات يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ". وروي إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين". وروت أم حبيبة رضي الله عنها [194 أ / 2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار". وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً". واختلف في كيفية العدد عن صاحب "الإفصاح"، فقال بعضهم: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها وركعتان بعد العشاء.

وقال بعضهم: أربح قبل الظهر وأربح بعدها، ولم يذكر ركعتين قبل المغرب. وهذا أصح، وقد تعارفت الأخبار في الركعتين قبل المغرب، فروى البخاري رحمه الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته، ولم يذكر قبل المغرب شيئاً". وروى المختار بن فلفل عن أنى رضي الله عنه أنه قال: "صليت الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: قلت لأنس: رآكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: نعم وأنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا". وروي هذا عن عبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب رضي الله عنهما، وقال طاوس: سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الركعتين قبل المغرب، فقال: "ما رأينا أحداً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليهما". وقيل: ست عشر ركعة غير الوتر وأنكر هذا القائل الركعتين قبل المغرب. وقال: هو مذهب الحنابلة ونسخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - "بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب". وقيل: بل يستحب أن يصلي قبل المغرب، وجهان: والصحيح أنه لا سنة للعصر. وكان يستحب أن يصلي قبلها وكم قدر المستحب؟ وجهان: أحدهما: ركعتين. والثاني: أربعاً. وقال ابن أبي أحمد: سبع عشرة مع الوتر ركعتان قبل الصبحء وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وأربع قبل العصر [194 ب / 2] وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وثلاث مع الوتر بتسليمتين، ثم قال: قلته في العصر تخريجه، وهذا لا معنى له، لأن معنى السنة ما داوم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يداوم على السنة قبل العصر. وقال الإمام أبو عبد الله الخضري: "لا سنة للعشاء"، وذكر ركعتين بعدها من صلاة الليل، لأنه ليس في خبر أم حبيبة، ولا خلاف أنه لا سنة قبل صلاة العشاء. وذكر الباقي نحو ما اختار أبو حامدٍ. وأما النوافل التي ينشأها بغير سببٍ فهي كل نافلة يتبرع بها في غير الأوقات المنهية، وهي دون ما تقدم، لأن الموقتة بأوقات الفرائض صارت مشابهة للفرائض في

أوقاتها، فكانت آكد من غيرها، وفعل هذه النوافل يجوز ليلاً ونهاراً في الجملة والأفضل في هذا القسم صلاة التهجد، وهي صلاة الليل، ومن صلى قبل النوم لا يسمى متهجداً، وهي أفضل من صلاة النهار أيضاً. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار"، وأراد في نهار القيامة، ولأن الليل وقت الخلوة وانقطاع الذكر ويكون الناس في غفلة، فالعبادة فيه أفضل لهذا. قال - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل السوق على غفلة من الناس فقال: لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. كتب له بكل فصيح منها وأعجمي" يعني: من الأجر، والفصيح: الآدمي، والأعجمي: البهيمة. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ذكر الله في الغافلين كشجرة خضراء بين أشجار يابسة". وقال أيضاً: - صلى الله عليه وسلم - أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل، وإذا فعل شيئاً من الصلوات، فالمستحب أن يداوم عليه، وان قل لما ذكرنا من الخبر، فإذا داوم على ركعتين في كل ليلة كان أفضل من قيام الليل كله [165 أ / 2] في غير مداومة، وإذا تقرر هذا، فالكلام الآن في صفة الأفضل منها. والجائز، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى ليلاً كان أو نهاراً للخبر الذي ذكرنا. وقال أبو حنيفة: "أفضل التطوع في النهار أربع بتسليمة واحدة إلا ما ورد الشرع بالركعتين، وفي الليل إن شاء صلى ركعتين أو أربعاء أو ستاً وما شاء لا فضل لبعضها على بعض". وأما الجائز: فله أن يصلي بتسليمة واحدة ما شاء من النوافل من غير حصر شفعاً كان أو وتراً ويقعد في آخوه ويتشهد ويسلم، والأولى أن يتشهد بعد كل ركعتين، فإن لم يفعل جاز، نص عليه. ومن أصحابنا من قال: له أن يزيد في عدد الركعاتء ولا يزيد على تشهدين، وإذا صلى ثمان وكعات يتشهد في السادسة، والثامنة، ولو أراد أن يتشهد بعد الرابعة والثامنة لا يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زاد في عدد الركعات في الوتر، وما زاد على تشهدين، وكان تشهده بين الركعة والركعتين، فههنا بين ركعتين وركعتين كما في الاتساع من الفرائض. وحكي عن بعض السلف أنه كان يفعل بغير إحصاء، فقيل له في ذلك: فقال: "إن الذي أصلي له يعرف العدد. وعند أبي حنيفة: لا تجوز الزيادة على الأربع في النهار والليل على ثمان وكعات. وقال أبو يوسف ومحمد: "صلاة الليل مثنى مثنى".

وقال مالك وأحمد: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، واحتج أبو حنيفة بما روى أبو أيوب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء". وهذا محمول على الجواز عندنا، فإذا تقرر هذا قد ذكرنا فيما قبل أنه إذا أحرم بنافلة بنية ركعتين، ثم نسي فصلاها أربعاً يسجد سجدتي السهو، ولو غير نيته إلى الأربح يجوز، ولو نوى الأربع في الابتداء ثم سلم عن ركعتين عامداً مقتصراً عليهما يجوز، وإن لم ينو عند سلامه الاقتصار على ركعتين لا تجوز صلاته، ولو سلم ساهياً قام، [195 ب / 2] وأتم وسجد للسهو ولو سلم ساهياً عن ركعتين، ثم علم فنوى الاقتصار عليهما يسجل للسهو ثم يسلم عامداً يجوز. فرع قال بعض أصحابنا: من السنن الراتبة صلاة الضحى، وهي سنة مختارة فعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وداوم عليها واقتدى به السلف فيها. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أقل ما كان يصليها أربع ركعات، وأكثر ما كان يصليها ثماني ركعات". وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: الوتر والنحر وصلاة الضحى". وروي "أن آخر ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضحى في بيت أم هاني بنت أبي طالب بمكة أول عام الفتح ثماني ركعات، وداوم عليها إلى أن مات" فيختار أن يصلي ثماني ركعاتٍ اقتداء به ووقتها في الاختيار إذا مضى من النهار وربعه ووقت جوازها إذا أشرفت الشمس إلى الزوال، وهل تقضى إذا فاتت؟ قولان على ما ذكرنا. وروى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "على كل سلامي أحدكم صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يصليهما من الضحى". فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يملي بين المغرب والعشاء عشرين ركعة"، ويقول: هذه صلاة الأوابين فمن صلاها غفر له"، وكان الصالحون من السلف يصلونها ويسمونها صلاة الغفلة، أي الناس غفلوا عنها وتشاغلوا بالعشاء والنوم، وهذا مختار أيضاً، والأظهر عندي أنها دون صلاة الضحى في التأكيد.

فَرْعٌ آخرُ التنفل بالأوتار لا يستحب ولو فعل جاز. فَرْعٌ آخرُ إذا أحرم بالنفل مطلقا، هل يكره أن يسلم عن ركعة؟ وجهان بنا، على ما لو نذر أن يصلي مطلقا، هل يلزم ركعة أو ركعتان، فيه قولان. فَرْعٌ آخرُ لو نذر أن يصلي النافلة قائماً لا يلزمه لأن القعود [196 أ / 2] فيها رخصة فنذره أن لا يقبل الرخصة لا يلزم كما لو نذر أن بخلاف ما لو نذر أن يصلي ركعتين قائماً يلزمه القيام: لأنه نذر أصل الصلاة بصفةٍ مخصوصة. مسألة: قال: "وأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منها". الفصل وهذا كما قال: صلاة التراويح، وهي سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم به بعزيمة. ويقول: "من قام رمضان إيماناً أو احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وصدر من خلافة عمر رضي الله عنه. وقالت عائشة رضي الله عنها: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى صلاته ناس ثم صلى من الليلة القابلة وكثر الناس ثم المسألة الثالثة والرابعة، وعجز عن الناس، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي منعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خفت أن يفرض عليكم ذلك في رمضان". وقال أبو هريرة رضي الله عنه: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ناس في رمضان يصلون في المسجد، فقال: "ما هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ليس معهم قرآن وهم يصلون صلاته، فقال: "أصابوا ونعم ما صنعوا"، فدل هذا على أنه مندوب، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله وأقر أصحابه عليه. وأما إمامة هذه الصلاة إلى أنها من سنة عمر رضي الله عنه فمعاذ الله لأن القدر الذي كان في هذا من عمر رضي الله عنه أن القوم كانوا يصلون أوزاعاً في المسجد بأئمة مفرقين، فدخل عمر رضي الله عنه فرآهم جماعة، وإن كل من كانت قراءته أطيب اجتمع الناس عليه [196 ب / 2] أكثر فجمعهم عمر رضي الله عنه على إمامٍ واحد، وهو

أبي بن كعب، فصلى أبي بن كعب عشرين ليلة، ثم تأخر، فقال الناس: ابق أبي، ابق أبي، ثم صلى تميم الداري بعد ذلك بقية الشهر، وإنما ندب عمر رضي الله عنه أبياً رضي الله عنه إلى هذا، لأنه كان أقرب الناس عهداً بقراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ القرآن علي: أبي في السنة التي مات فيها، وكان قصده من هذا تلقين أبي من ألفاظه، وإنما جمعهم على إمام واحد لئلا يؤدي إلى الشتات والاختلاف، وأمر بإسراج القناديل راحة للناس وتنويرا للمسجد. وروي أن عثمان رضي الله عنه، قال: "إنها بدعة ونعمت البدعة"، يعني: القناديل وجمعهم على إمام واحدٍ. وقال علي رضي الله عنه لما رأى القناديل: رحم الله عمر ونور قبره كما نور مساجدنا بالقرآن واجتمعت الصحابة على ذلك وانقرض عصرهم عليه، فهو إجماع. فإن قيل: فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يصل معهم. قلنا: روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يلم في ركعتين ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات، فإذا تقرر هذا، فهل الأفضل أن يصليها جماعة أو منفرداً. قال في "الأم": "فأما قيام رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه". قال في "القديم": "إن صلى رجل في شهر رمضان لنفسه فهو أحب إلي، وإن صلاها في جماعة فحسن". وقال في البويطي لما ذكر النافلة المتأكدة بالجماعة: وقيام رمضان في معناها في التأكيد. واختلف أصحابنا فيه على طريقين فقال عامة أصحابنا، وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحق وغيرهما. المذهب أن قيام رمضان في جماعة أفضل من قيامه في الانفراد. ولما روينا من خبر أبي بن كعب رضي الله عنه، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أصابوا"، أو "نعم ما صنعوا" [197 أ / 2]. فإن قيل: تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة. قلنا: بين العذر فيه. وقال: "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها". وقول الشافعي: "فصلاة المنفرد أحب إلي منه". أراد بالصلاة التي هي ركعتا الفجر والوتر اللتين هما من صلاة الانفراد أحب إلي من قيام رمضان، وإن كان هذا القيام من صلاة الجماعة ألا ترى أنه قال: "فصلاة المنفرد أحب إلي"، فلو أراد قيام رمضان في الانفراد، قال: فصلاته منفرداً أحب إلي منه في جماعة، فإن قيل: فكيف يكون أولى من صلاة سنت فيها الجماعة؟. قلنا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدم على فعلها جماعة، بل فعلها ليالي، ثم لم يخرج إليهم،

فكان الوتر أفضل منها، ولا يكون أفضل من العيدين وصلاة الخسوف، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - داوم على فعلها جماعة. وأما ما قال في "القديم"، فليس فيه تعرض للأفضل، ومن أصحابنا من أخذ بظاهر كلامه. وقال: قيام رمضان في الانفراد أفضل منها في جماعة بشرائط، وهي أن يحفظ القرآن وتأخره عن المسجد ولا يؤدي إلى تعطيل المسجد، وانقطاع الجماعة فيه، وأنه يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام. واحتج هذا القائل بما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للقوم في رمضان لما صلى بهم ليالي: "قد عرفت ما رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". ومن قال بالأول قال: هذا الخبر محمول على غير التراويح. وقيل: ما ذكرنا من إجماع الصحابة. ويمكن الجواب إن احتج هذا القائل بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أفضل صلاة الرجل تطوعاً في بيته على صلاته في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في بيته". وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد وصلاة [197 ب / 22] في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من ذلك كله رجل يصلي في بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله تعالى". ومن أصحابنا من قال: إنها في البيت أولى من دون الشرائط التي ذكرناها. وحكي عن مالك أنه قال: "قيام رمضان في البيت لمن نوى أحب إلي". قال مالك: وكان ربيعة وغير واحدٍ من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. وروي عن أبي يوسف أنه قال: "من قدر أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان، فأحب إلي أن يصلي في بيته". مسألة: قال: ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين وأحب إلي عشرون". وهذا كما قال: صلاة التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين، فذلك عشرون ركعة بعشر تسليمات، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى. وروي عن أحمد أنه قال: "هي ست ثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة". وروي هذا عن مالك، وهذا غلط، لأنه روى ابن عمر رضي الله عنهما: لما اجتمع الناس على أبي بن كعب صلى بهم عشرون ركعة، وهذا إجماع منهم، وكذلك يفعلون بمكة. وأما أهل المدينة، قال الشافعي رحمه الله: "إنما صلوا تسعاً وثلاثين ركعة، لأن

أهل مكة كانوا يصلون عشرين ولكنهم كانوا يطوفون بين كل ترويحتين سبعاً، والترويحة: أربع وكعات، فكان يحصل لهم من عشرين ركعة، أربعة أطواف، فأقام أهل المدينة مقام كل طواف أربع ركعات طلباً لمساواتهم أهل مكة فيكون ست عشرة ركعة ويوترون بثلاث ركعات، فتلك تسع وثلاثون". ولم يرد به أنهم كانوا يصلون التراويح سعا وثلاثين، بل التروايح كانت ستاً وثلاثين، والوتر بعدها ثلاث ركعات. قال أصحابنا: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك، لأن أهل المدينة تشرفوا بمهاجر رسول الله [198 أ / 2]- صلى الله عليه وسلم - وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة بخلاف غيرهم. وقال في - صلى الله عليه وسلم - القديم": "ليس في شيء من هذا ضيق ولا حد ينتهي إليه، لأنها نافلة"، ولم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك عاد محدود إلا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدةٍ". ورأيت في كتاب بعض مشايخنا عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة، ويوتر بثلاث"، وإنماً كانوا يوترون بثلاث في مكة والمدينة لئلا تتفرق الجماعة في الوتر، فإذ الخلاف في الوتر بركعة كان ظاهراً، فاختاروا الثلاث اقتداء بمالك رحمه الله، ولهذا قال الشافعي في "القديم": "إن أوتر جماعة أوتر بثلاث، وإن أوتر منفردا أوتر بواحدة"، والمعنى ما قلنا. وقيل: كان السبب في فعل أهل المدينة أنه كان لعبد الملك بن مروان تسعة أولاد، فأراد أن يصلي جميعهم بالمدينة فتقدم كل واحد منهم فصلى ترويحة، فصار ستة وثلاثين. وقيل: السبب أن تع قبائل من العرب تنازعوا في الصلاة واقتتلوا فقدم من كل قبيلة وجل، فصلى بهم ترويحة، ثم صار سنة. مسألة: قال: "ولا يقنت إلا في رمضان في النصف الأخير". وهذا كما قال: السنة أن يقنت في النصف الأخير من رمضان في الركعة الثالثة من الوتر ولا يسن القنوت في بقية السنة، وبه قال مالك. وكلام الشافعي رحمه الله يدل على كراهية القنوت في سائر السنة في الوتر، وقال أبو حنيفة وأحمد: "ستحب القنوت في جميع السنة حتى لو تركه يسجد للسهو"، وبه قال أبو عبد الله [198 ب / 2] الزبيري من أصحابنا، واحتجوا بما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث: بـ: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، و {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، ويقنت في الثالثة قبل الركوع". وهذا غلط لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "السنة إذا انتصف الشهر من

رمضان أن يلعن الكفرة في الوتر بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ثم يقول: أللهم قاتل الكفرة". وروي أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه في صلاة التراويح ولم يقنت إلا في النصف الثاني، قال الشافعي: "وكذلك كان يفعل ابن عمر ومعاذ القاري، وإنما قيل له: القاري لأنه كان من بني قارة بغير همزة، وليس هو من القراءة بالهمز. وأما ما رووا قلنا: قال أصحاب الحديث: ذكر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح. ومن أصحابنا من قال: يجوز في جميع السنة من غير كراهة، فلو تركه لا يسجد للسهو بخلاف ما لو ترك القنوت في النصف الأخير، فإنه يسجد للسهو، وهذا اختيار مشايخ طبرستان. وأنا أقول به". وقال مالك: "يقنت في جميع رمضان في الوتر". فرع قال أصحابنا: لم يذكر الشافعي ما يقنت به في الوتر، وإنما لم يذكره، لأنه نص عليه في قنوت الصبح، وهو ما روى الحسن بن علي رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت. . ." إلى آخره. وروى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ومعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك". وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول في القنوت: "اللهم إنا نستعينك. . ." إلى آخره. وزاد ابن أبي أحمد: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا} " إلى آخر السورة. قال القاضي [199 أ / 2] أبو الطيب: كان شيوخنا يدعون فيقولون: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويدعون معك إلهاً، لا إله إلا أنت، تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم، وتوفهم على ملة رسولك، وانصرهم على عدوك وعادوهم، واجعلنا برحمتك منهم، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. فإذا فرغ من القنوت، فالمستحب أن يقول بعده: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول ذلك ثلاثاً ويمد صوته: "رب الملائكة والروح".

قال: ويستحب له رفع اليدين في الدعاء، فإذا فرع مسح بهما وجهه، وقد شرحنا هذا فيما تقدم. مسألة: قال: وآخر الليل أحث إلي من أوله، وإن جزأ الليل أثلاثاً فالأوسط أحب إلي أن يقومه". وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الصلاة بالليل أفضل. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من طال قيامه بالليل خفف الله عنه يوم القيامة". وروي أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن رجل نام حتى أصبح، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه". ثم إذا أراد أن يجعل الليل ثلاثة أجزاء: للنوم وللصلاة، ولغيرهما. قال الشافعي: "الأوسط أحب إلي أن يقومه"، وإن أراد أن يجعله جزءين: فالنصف الثاني أفضل، وهذا لأنه أشق، والطاعات فيه أقل، ولأن ذلك وقت النوم والغفلة، فكان الذكر فيه أفضل. وقال مالك: "الثلث الأخير أفضل بكل حال"، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الليل [199 ب / 2] أفضل، فقال: "جوف الليل البهيم"، وروي: "جوف الليل الغابر" وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الليل أجوب وأسمع، فقال: "جوف الليل الأخير"، أي: أوجب للإجابة. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل عن الصلاة نصفه الليل، فقال: "تلك صلاة الأوابين"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام نصف الليل، ويقوم الثلث وينام السدس". وقالت: "من أراد أن يراه قائماً رآه، ومن أراد أن يراه نائماً رآه، ومن أراد أن يراه صائماً رآه، ومن أراد أن يراه مفطراً رآه"؟ وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم حتى يقال: لا ينام وينام حتى يقال لا يقوم ويصوم، حتى يقال: لا يفصر ويفطر حتى يقال: لا يصوم". وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصيام صيام أخي داود - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم يومأ ويفطر يوماً وأفضل القيام قيام أخي داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه". وقال مالك: "كان عبد الله بن أبي بكر يقوم الليل، فإذا أصبح يقول: عند الصباح يحمد القوم السرى يعني من سار ليلاً حمد أمره إذا أصبح".

وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين كتبا في الذاكرين والذاكرات". وقال الربيع رحمه الله: "كان الشافعي رضي الله عنه دهره ينظر في العلم الثلث الأول ويصلي الثلث الثاني وينام الثلث الثالث. وقال المعتمر بن سليمان لبعض أهله: لولا أنك من أهلي ما حدثتك أنا منذ اثنين وأربعين سنة أقوم يوماً وأفطر يوماً، وأصلي الصبح على طهر العشاء". وكان للحسن بن صالح بن حي ثلاثة أخوة يجزؤوا الليل أرباعاً، فكان كل واحد يقوم ربع الليل فمات واحد منهم فجزؤوه ثلاثة أجزاء، ثم مات آخر فجزؤوه نصفين، [200 أ / 2] ثم مات الثالث، وبقي الحسن، فكان يقوم الليل كله. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى دار عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فرأى امرأته متبذلة في ثياب مهنةٍ، فقال لها ما لك لا تتزينين لعبد الله؟ فقالت: إن عبد الله لا حاجة له في إنه يقوم الليل كله ولا ينام ويصوم دائماً ولا يفطر. قال عبد الله: فلما أتيت داري صادفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فألقيت له وسادة فوضعها بيني وبينه ولم يجلس عليها، ثم قال: "ألم أخبر أنك تقوم ولا تنام وتصوم ولا تفطر؟ "، فقلت: إني أفعل ذلك، فقال: "لا تفعل فإنك إذا فعلت ذلك عجمت عيناك ونقهت نفسك إن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وأن لزوجك عليك حقاً، قم ونم وصم وافطر". ثم قال: "صم ثلاثة أيام من كل شهر". قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: "صم عشرة أيام"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يوماً وأفطر يوماً". قلت: إني أقوى من ذلك. قال: "لا تفعل فإنه أفضل الصيام وهو صوم أخي داود عليه السلام"، ثم قال: "اختم القرآن في الشهر مرة". قلت: إني أقوى من ذلك. قال: "في كل عشرة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "في كل ثلاثة أيام"، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: "لا". فكان عبد الله بعدما كف بصره وكبر يبكي ويقول: ليتني قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان أعرف بنفسي مني". ومن ههنا قال بعض أصحابنا: يكره أن يقوم الليل كله. مسألة: قال: "قلت للشافعي: أيجوز أن يوتر بواحدةٍ؟ ". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا أن الوتر سنة مؤكدة غير واجبةٍ خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله وحده. وقد روى عاصم بن حمزة عن علي رضي الله عنه، قال: "ليس الوتر محتم كهيئة الصلاة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أوتروا [200 ب / 2] يا أهل القرآن". وقال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: "سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة في السفر ركعتين وهما تمامء والوتر من السنة"، فإذا ثبت هذا فالكلام الآن في أربعة فصول: في قدره، ووقته، وما يقرأ فيه، ويدعى به. فأما قدره، ففيه مسألتان: الجواز، والأفضل. أما الجواز فأقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، ويجوز فيما بين ذلك بكل وتر كيف شاء بتسليمة واحدة أو بما أحب من التسليمات بين كل ركعتين. وبه قال أحمد رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: "أقل الوتر ركعة، وليس لما قبل ذلك من الشفع حد، وأقله ركعتان". وقال أبو حنيفة والثوري: "الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، لا يزاد عليها ولا ينقص منها كالمغرب، والركعة الواحدة ليت بصلاة". وحكي عن مالكٍ، قال: الوتر ثلاث بتسليمتين، ولكن لا ينبغي أن يتكلم بعد السلام، ولا يحتاج إلى تجديد النية لهذه الركعة الثالثة. واحتجوا بخبر أبي بن كعب الذي ذكرنا. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن البتراء". وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما أجزأت ركعة قط. وهذا غلط لما روى ابن المنذر بإسناده عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الوتر حق وليس بواجب فمن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بخمس فليفعل". واحتج الشافعي بأن عثمان رضي الله عنه كان يحيي الليل بركعة هي وتره، وروي: أنه كان يقرأ فيها جميع القرآن. وروي: أن معاوية رضي الله عنه أوتر في الشام بواحدة، فقال ابن عباس: أصاب إنه لفقيه، ومثل هذا عن سعيد بن أبي وقاص. واحتج على مالك وأبي حنيفة أيضا، بأن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين من الوتر [201 أ / 2] حتى يأمر ببعض حاجته، وان لم يكن له حاجة كان يقول: يا جارية اعلفي الناضح. واحتج على مالك أيضا، بأن من سلم من اثنتين فقد فصل، فإن قال: ما فصلت لأني أمنع الكلام، قلنا: لا خلاف أنه لو أحدث لا يبطل ما مضى من الركعتين. وروى ابن عمر رضي الله عنه إن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يفصل بين الشفع والوتر، ولأنه يجهر في قراءة الثالثة منها"، فلو كانت موصولة بما قبلها لم يجهر فيها كما لا يجهر في الثالثة من المغرب.

وأما البتراء فهي: الناقصة الأركان التي لا يقيم فيها الركوع والسجود. وأما خبر أبي نقول به جوازاً. وأما قول ابن مسعود أراد في الفريضة خلافاً لابن عباس رضي الله عنه حيث قال: "صلاة الخوف ركعة"، ثم تقابل بما روي أن عمر رضي الله عنه "مر بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع، فمن شاء زاد ومن شاء نقص". وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فواحدة توتر بها، فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر"؛ لأنه واحد. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا توتروا بثلاث تتشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس أو بسبح أو بتسع أو بإحدى عشرة أو بأكثر من ذلك". وروى ابن عمر رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يفصل بين الشفع والوتر يأكل ويشرب ثم يركع ركعة". وروى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الوتر خمس أو ثلاث أو واحدة". وقال أبو أمامة رضي الله عنه: يا رسول الله بكم أوتر؟، قال: "بواحدة"، قال: يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "بثلاث"، ثم قال: "بخمس"، ثم قال: "بسبع"، قال أبو أمامة: [201 ب / 2] أني كنت قبلت رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما الأفضل، قال الشافعي في "القديم" و"الجديد": "والذي اختار ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يصلي إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فيصلي عشر ركعات بخمس تسليمات ثم يصلي ركعة واحدة، وهي الوتر"، لأن السلام يفصل. قال بعض أصحابنا: لا يختلف مذهب الشافعي رحمه الله أن الوتر واحدة. ذكره في "الحاوي". وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، وأقل الأفضل ثلاث بتسليمتين، وهي أفضل من واحدة والخمس أفضل من ثلاث. وقال الداركي من أصحابنا وجماعة: ينوي الوتر في كلها وتر وغلط من قال: الوتر منها ركعة، وهذا اختياري فإن قيل: كيف يكون كلها وتر؟ والسلام فاصل. قلنا: يجوز

أن يسمى كلها وتراً، وإن كان السلام في أثنائها كما تسمى العشرون ركعة تراويح، وإن كان يسلم عن كل ركعتين منها. ومن أصحابنا من قال: ينوي بما تقدم على الواحدة صلاة الليل، ومن أصحابنا من قال: ينوي مقدمة الوتر، وقال مشايخ طبرستان: ينوي سنة الوتر ويجوز أن يكون للسنة سنة كركعتي طواف القدوم. وقال القفال: لو لم يقدم على الواحدة ركعتين فالثلاث بتسليمة أفضل منها ولو قام عليها ركعتين لصلاة الليل، ثم أوتر بواحدة كان هذا أفضل من ثلاث وكعات موصولة للوتر، وهكذا لو صلى رجل إحدى عشرة ركعة أوتر فيها بواحدة يكون أفضل ممن أوتر بإحدى عشرة ركعة متصلة، وهذا ظاهر ما ذكر في "المختصر"، لأن فيها زيادة تكبيرات وتسليمات. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: هذا. والثاني: الثلاث أفضل بجلستين وتسليمة واحدة وفقاً للخلاف، وهو اختيار الشيخ أبي زيد. والثالث: الواحدة أفضل [202 أ / 2] بكل حالٍ. والرابع: إن كان في الجماعة فالثلاث بتشهد واحد أفضل حتى لا يؤدي إلى الفتنة بين الناس. واختلاف الجماعة، ولأن في ذلك تشبيه بصلاة المغرب، لأن فيها تشهدين، وإن كان منفرداً، فالواحدة أفضل. ورأيت بعض أصحابنا اختار هذا من غير فرق بين الجماعة والانفراد وفقأ للخلاف، وأنا أفعل هذا منفرداً وأوتر بواحدة في الجماعة إظهاراً لمذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، فإنه الحق، والله أعلم. وقال بعض أصحابنا: إذا أوتر بثلاث أو بخمس أو بإحدى عشرة إن شاء لا يتشهد إلا في الركعة الأخيرة، وإن شاء يتشهد فيها وفيما قبلها، وروي كلاهما في الخبر، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ولا يجلس إلا في آخرهن وبإحدى عشرة ركعة لا يجلس إلا في آخرهن". وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بخمس لا يجلس إلا في الرابعة والخامسة، وبتسع لا يجلس إلا في السادسة والثامنة". وقالت أيضاً: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الليل ثلاث عشر ركعة يوتر منها بخمس يجلس في الأخيرة ويسلم". وأما وقته فمن لا يريد قيام الليل يصلي العشاء ويوتر ثم ينام، ومن أواد قيامه، فإن شاء أوتر، ثم قام، وإن شاء قام وصلى بعد ذلك صلاة الليل وختمها بالوتر، وهذا هو الأفضل.

وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: "متى توتر"؟ فقال: أول الليل، ثم قال لعمر بن الخطاب: "متى توتر"؟ فقال: في آخر الليل، فقال: "أما هذا فقد أخذ بالحذر يعني الحزم والاحتياط، وأما هذا فقد أخذ بالقوة"، وقيل: تعجيلها أولى أم تأخيرها وجهان: أحدهما: تأخيرها أفضل لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها بعد فراغه من صلاة الليل، وقال: "الوتر ركعة في آخر الليل". والثاني: تعجيلها أولى، لأن في تأخيرها مخاطرة. وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، [202 ب / 2] قال: "من خاف منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر من أول الليل، ثم ليرقد، ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليقم آخر الليل ثم ليوتر". وأما ما يقرأ فيه، فالمستحب عند الشافعي أن يقرأ في الركعة الأولى: بـ: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1]، وفي الثانية بـ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وفي الثالثة بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، والمعوذتين. وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال أحمد: "يقرأ في الثالثة بسورة الإخلاص وحدها"، وهكذا روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما ذكرنا رواية عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ كذلك، وهذه الرواية أولى للزيادة وآكد بما قد ذكرنا. فرع إذا صلى الوتر ثم نام ثم قام وصلى لا يلزمه إعادة الوتر. وبه قال مالك وقال أحمد: "انتقضت وتره فيشفعها بركعة ثم يتهجد بما أراد، ثم يوتر بركعة". وروي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهم. وقيل عن ابن عباس مثله. وروي عن أبي بكر الصديق وعمار بن ياسر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا: "لا يشفع الرجل وتره". ورأيت بعض أصحابنا بخراسان يميل إلى هذا القول، وذكر وجها في المسألة، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وتران في ليلة"، وهذا وتران بل ثلاثة. فَرْعٌ آخرُ لو اعتقد أنه صلى العشاء فأوتر ثم تذكر أنه لم يصلها صلى العشاء، ثم أوتر، لأن

باب

تقديم الوتر على العشاء لا يجوز. وبه قال صاحباه. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: "يجزئه الوتر"، وهذا غلط، لأنه تابع للعشاء ولم يفرد بوقت ولا يتقدم التابع على المتبوع. مسألة: قال المزني رحمه الله،: "قلت: آنا لا أعلم الشافعي رضي الله عنه ذكر موضع القنوت من الوتر". الفصل وهذا كما قال عندنا موضع القنوت في الوتر بعد الركوع قياساً على القنوت في الصبح نص عليه الشافعي في "حرملة"، وخفي ذلك على المزني. وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي [203 أ / 2] رضي الله عنهم. ومن أصحابنا من قال: "يقنت فيه قبل الركوع" وليخالف القنوت في الصبح كما خولف بين خطبة الجمعة وخطبة العيد. وهذا اختيار ابن سريج وعلى هذا لا يكره خلافاً لأبي حنيفة. وقال يعقوب الأبيوردي: وهذا مذهب عامة أصحابنا، وهو الأصح، ولا معنى لهذا الكلام عندي مع النص الذي ذكرنا، وأجمع أهل العراق وخراسان من أصحابنا على ما ذكرنا. وقال أبو حنيفة ومالك: إنه قبل الركوع. واحتج بخبر أبي بن كعب رضي الله عنه، وهذا غلط لما روى أنس رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في الصبح بعد الركوع". ورواه أبو هريرة أيضاً، وروي عن عثمان وحده من الخلفاء الراشدين أنه قدم القنوت على الركوع في أخر عمره ليدرك الناس معه الركعة للتخفيف على الناس. واحتج الشافعي عليه بحجتين: إحداهما: أن قوله: "سمع الله لمن حمده"، دعاء. والقنوت دعاء، فالدعاء في محل الدعاء أولى من الدعاء في محل القراءة. والثانية: أنه أسر بتكبيرة زائدة في الصلاة لم تثبت بدليل، فلا يجوز القول به، وإذا بطل هذا القول بقي قولنا. فرع إذا قنت قبل الركوع قد قيل: أساء ويجزئه. وقيل: يعيده في الركوع ويسجد للسهو. باب فضل الجماعة والعذر بتركها قال: "اخبرنا مالك. . . . " وذكر الخبر. وهذا كما قال: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ثلاث عشرة سنة بمكة من غير جماعة،

لأن أصحابه كانوا مقهورين متفرقين يصلون في بيوتهم فلما هاجر إلى المدينة أقام الجماعة. والجماعة واجبة في صلاة الجمعة على الأعيان بلا خلاف، لأنها لا تصح إلا بالجماعة. وأما فيما عداها من صلاة الفرض اختلف أصحابنا فيه، فقال أكثر أصحابنا: هي من فرائض الكفايات كرد السلام ودفن الموتى، ويجوز ذلك نص عليه الشافعي في كتاب "الإمامة". [203 ب / 2] وقد قال ههنا: لا أرخص في تركها من غير عذر، وهو الصحيح، والدليل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما من ثلائة في قريةٍ أو بلدةٍ". وروي: "أو في باديةٍ"، وفيه نظر. وروي: "في قرية ولا بدوٍ". "وهذا أصح لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية". ومن أصحابنا من قال: "هي سنة مؤكدة"، والأولى أن لا يخل بهاء ويحافظ عليها، فإن أخل بها ترك فضلا كثيراً وأجزأه. وبه قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي. وحكي عن الأوزاعي وأحمد وأبي ثور وداود وابن المنذر ومحمد بن إسحق وابن خزيمة: "هي واجبة على الأعيان، فمن تركها من غير عذر فقد عصى". قالوا: ولكن لا يشترط في جوازها حتى لو صلى منفرداً يجوز، وإن عصى. وحكى أصحابنا بخراسان عنهم: أنه لا تجوز صلاته. واحتجوا بقوله تعلى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ} [الأحقاف: 31 - 32]، الآية. وداعي الله: المؤذن. وروي إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". وروي انه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر أو مطر". ورواه ابن عباس رضي الله عنه، ولم يقل: "أو مطر". وروي أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار وعلى طريقي نخل ولا قائد لي، وروي: لي قائد لا يلازمني. هكذا روي، والصواب: لا يلامني، أي: لا يوافقني فهل تجد لي رخصة؟ فقال: "أتسمع النداء"، قال: نعم، فقال: "لا أجد لك رخصة". وروي أنه قير قال: "لقد هممت أن آمر فتياني من قريش ليجمعوا حطباً، ثم آمر رجلا ينادي بالصلاة، ثم أحرق على أقوام بيوتهم يسمعون النداء ولا يحضرون، وإن

أحدهم لو دعي إلى مرماتين حسنتين لآتاهما ولو حبواً". [204 أ / 2] قيل: المرماة: السهم. وقيل: عظم عليه قطعة لحم. وروى ابن أم مكتوم، قال: يا رسول الله إن المدينة كبيرة الهوام والسباع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حي على الصلاة، حي على الفلاح، فحي هلا"، وقوله: حي هلا كلمة حث واستعجال، ولأن الله تعالى أمر أن يصلى جماعة في حال الخوف، ولم يعذر في تركها، فدل أنها في حال الأمن أوجب. وقال عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقربة رخصة إذا سمع النداء، وأن يدع الصلاة. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 47])، ولم يفصل. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة ". وروي بخمس عشرين درجة، فلولا جواز الانفراد وإلا ما فاضل بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد، فإن قيل: لعله أراد به في حق صاحب العذر. قلنا: العاجز يكتب أجره كاملاً من غير نقصان لما روي عن رسول الله قيه، قال: "إذا مرض المريض يقول الله تعالى لملائكته: اكتبا لعبدي ما كنتما تكتبان في صحته من أعمال الخير حتى أقبضه، أو أبدله بلحمة خيرا من لحمه وبدم خيرا من دمه"، فإن قيل: لعله أراد به النفل. قلنا: النفل في الخفية والانفراد أفضل. وأيضاً روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلاة الرجل مع الواحد أفضل". وروي: "أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الواحد وحيث ما كثرت الجماعة، فهو أفضل". وروي أن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني رجل ضرير شاسع الدار، وأحب أن تحضر بيتي وتصلي في موضع أتخذه مسجداَ، فحضر بيته وصلى في [204 ب / 2] موضع، فكان يصلي عتبان هناك". وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلين في مسجد الخيف: "لم لم تصليا معنا فقالا لنا: قد صلينا في رحالنا"، فلم ينكر عليهما، ولأنه كان يأمر في الليلة المطيرة للمؤذن أن يقول في أذانه، "ألا صلوا في رحالكم"، فلو كان واجباً لما كان المطر عذراً.

وقال مشايخ خراسان: هذا عندنا سنة أن يقول في هذه الحالة في أذانه بعد حي على الفلاح. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ابتلت النعال، فالصلاة في الرحال". وأراد به النعال المعهودة في اللباس، وقيل: كنى بها عن الأرجل والأقدام. وقيل: أراد بالنعال الحجارة الصغار تكون في الطرق تسمى نعالاً. وأما الآية التي ذكروا، قلنا: أراد بالداعي النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قال: {وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: 31] والإيمان بالمؤذن لا يجب. وأما الخبر الأول، قلنا: أراد: لا صلاة له كاملة، أو أراد: لا صلاة لجار المسجد بصلاة الإمام مقتدياً به إلا في المسجد، وأما سائر الأخبار نحملها على أنها فرض على الكفاية. وأما خبر ابن أم مكتوم: نحمله على الجمعة، وأما الخبر الأخير ورد في شأن المنافقين الذين لا يصلون في بيوتهم، ولا يرون الجماعة أصلاً، وهكذا الجواب إن احتجوا بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: "حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن فإنهن من سنن الهدى، وأن الله تعالى شرع لنبيه - صلى الله عليه وسلم - سنن الهدى، ولقد رأيتنا وأن الرجل ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم". وقوله: "ليهادى بين رجلين"، أي: يرفد من جانبيه، ويؤخذ بعضديه يتمنى به إلى المسجد. [205 أ / 2] وقوله: "كفرتم"، أي: يؤديكم إلى الكفر بأن تتركوا شيئاً شيئاً منها حتى تخرجوا من الملة، فإن قاسوا على صلاة الجمعة، قلنا: أصلها أربع ركعات، وردت إلى ثنتي بشرائط منها: الجماعة بخلاف هذا. ثم لو كانت الجماعة شرطاً ههنا لبطلت بتركها كما نقول في الجمعة، فإذا قلنا: إنها فرض على الكفاية فمتى قام بها قوم سقط الفرض عن الباقين، وإلا خرجوا أجمعون. ولو اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام على إقامتها حتى يقيموها، والحد الذي يسقط الفرض به عن الباقين أن يظهر إقامتها ويعرف فعلها، وذلك أن يعلم الناس إقامتها مشاهدة أو سماعاً، فإن كان المكان قرية صغيرة، فأقيمت في مسجدها فقد ظهرت في كلها، وإن كان بلداً كبيراً، فكل محلةٍ منه مثل هذه القرية يحتاج أن تظهر في كل مسجد في كل مسجدٍ محلةٍ، فإذا أقامها أهل محلة لم يسقط فوضها عن أهل محلة أخرى، ولو اتفقوا على أن يصلي كل واحد جماعة في بيته، ولا يخرج إلى المساجد. قال أبو إسحق: لم يسقط ما ذكرنا من الفرض عنهم. وقال

يعقوب الأبيوردي: فيه وجهان، والأظهر أنه يسقط الفرض به، لأن الشافعي رضي الله عنه، قال: "وإن جمع في بيته أجزأ عنه". والأصح عندي الأول، وأراد الشافعي أجزأ عنه إذا ظهرت الجماعة في الأسواق، لأن فرضها يسقط بذلك. ومن أصحابنا من قال: أقل من يسقط الفرض عن الباقين ثلاثة نفر فإنه هو الجمع المطلق. والمذهب أن أقل الجماعة إثنان، فيكفي ذلك إذا ظهرت في الباقين، لأن الشافعي قال في "الأم": "إذا كانوا ثلاثة فأمهم أحدهم كانوا جماعة، وان كانوا اثنين، فأتم أحدهما بالآخر رجوت أن تكون جماعة، ثم قطه في أخر الباب أن الاثنين جماعة، ولا خلاف أن فضيلة الجماعة تحصل بالاثنين، فبطل قول القائل الأول". والدليل عليه [205 ب / 2] قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الاثنان فما فوقهما جماعة". مسألة: قال: "وإن جمع في بيته أو مسجد وان صغر أجزأه". الفصل وهدا كما هال: هد ذكرنا أن اقل الجماعة إثنان. وهال في "الأم": "إذا صلى الرجل مع أخر أدرك فضيلة الجماعة سواء صلى مع إمامه أو زوجته أو ولده أو رفيقه". وقد قال أصحابنا: أراد إذا صليت الجماعة في المسجد، وظهر ذلك في الباقين، ولكن تأخر بعضهم وصلى في بيته هكذا، أو أراد: إذا قلنا: الجماعة سنة، فحيث ما جمع جاز. وأما الأفضل فكلما كان الجمع أكثر كانت الصلاة أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى مع واحد كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، ومن صلى مع اثنين كان له مثل أجرهما، وحيث ما كثرت الجماعة فهو أفضل، والصلاة جماعة في المسجد أفضل منها في البيت". فرع قال: لو كان بقرية مسجدان متساويان في الجماعة، فإن كان يبلغه النداء من أحد المسجدين دون الآخر، فالذي يبلغه النداء منه أولى بالحضور، وإن كان يبلغه النداء منهما، فإن كان أحدهما أقرب من الآخر، كان الأقرب أولى، وإن كانا في القرب سواء حضر أيهما شاء. فَرْعٌ آخرُ قال: "لو كان أحدهما أتوب والأخر أبعد إلا أن الجماعة في الأبعد أكر، فإن كان لخروجه لا يختل الأقرب فالأبعد أفضل، وإن كان يختل ويؤدي إلى انقطاع الجماعة عنه كان حضور الأقرب الذي فيه الجماعة اليسيرة أولى، لأن إقامة الجماعة في مسجدين أولى من إقامة جماعة واحدة وتعطل المسجد الأخر.

فَرْعٌ آخرُ لا كان الإمام في الجماعة الكبيرة مبتدعاً كالمعتزلي والرافضي وفي الجماعة القليلة موافقاً، فإن حضور الجماعة القليلة أولى، والصلاة منفرداً أفضل [206 أ / 2] من الصلاة خلفه. وحكي عن أبي إسحق أنه قال: "صلاته منفرداً أولى من الجماعة خلف الحنفي، لأنه لا وضوء له، ولا صلاة بترك النية والترتيب في الوضوء وترك الفاتحة ونحوهما في الصلاة". وقال القاضي الطبري: "في هذا نظر، لأن أمر المسلم بني على الإتيان بالعبادة على أكمل الأحوال ألا ترى أنهم يعتقدون أن التشهد غير واجبء ولكنهم يتشهدون ولا يتركه أحد منهم". وحكي عن أبي حامد أنه قال: "متى أتى الحنفي بالشرائط يصح الاقتداء به، وإلا فلا". وحكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحق الإسفراييني رحمه الله أنه قال: "لا يجوز وإن أتى بها"، لأنه يعتقد أنه يأتي بها نافلة لا فرضاً. وحكي عن القفال: أنه يصح الاقتداء به، وان لم يأت بشرائطها، لأنه يحكم بصحة صلاته، ولهذا لا يباح قتله، ولا يقع به الاختلاف في ظاهر الأفعال، فلا يمنع صحة الاقتداء به، والفتوى عندي أنه إن كان متديناً يوثق أنه يؤدي الصلاة على الاحتياط للفريقين، كالأئمة الذين رأيتهم ببخارى وغزنة تجوز الصلاة خلفه من غير كراهة وإن علم أنه يترك ركنا أو شك في ذلك لا تصح الصلاة خلفه، لأن عناه أنه في غير صلاة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان لرجل مسجد يجمع فيه، ففاتته فيه الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي وان لم يأته وصلى في مسجده منفرداً فحسن. فَرْعٌ آخرُ لو كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة، صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت لهم ذلك، لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره لتفرق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام جماعته، فتتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت الصلاة دخلوا فجمعوا يكون فيه اختلاف وتفريق كلمة [206 ب / 2] وفيهما المكروه، وبهذا قال جماعة الصحابة والفقهاء أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي والليث رحمهم الله. وروي ذلك عن سالم وأبي قلابة. وقال أحمد وإسحق وداود وابن المنذر: "لا تكره الجماعة بعده". ورواه قتادة عن أنس رضي الله عنه.

يندب إليها ثانيا، وهو غلط لما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ لو كان مسجد على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم يصلي فيه المارة، ويستظل به الناس، فلا أكره هذا فيه، لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت. قال أصحابنا: وهكذا لو كان المسجد في موضع أهل لا يسع جيرانه لضيق الوقت عليهم، والمكان إقامتها دفعة واحدة، وإنما يصلون فيه فوجاً بعد فوج لم يكره فيه الجماعة بعد الجماعة. مسألة: قال: "وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح: ألا صلوا في رحالكم". الفصل وهذا كما قال: ترك الجماعة يجوز لعذر سواء قلنا أنها من فرائض الكفايات أو سنة مؤكدة. والعذر ضربان: عام وخاص. فالعام ضربان: عذر يجوز ترك الجماعة وعذر يجوز التأخير، فالذي يجوز التأخير مثل شدة الحر وقت الظهر على ما بيناه. وأما الذي يجوز الترك، فمثل المطر والوحل في الليل والنهار أو الريح الشديدة في الليلة المظلمة دون النهار. ويجوز ترك الجمعة للمطر والوحل أيضاً، ولا يتصور عذر الريح فيها لأنها تقام نهاراً. وحكى أبو يعقوب الأبيوردي عن بعض أصحابنا: أنهما لا يكونان عذراً في ترك الجمعة تأكيداً لها على سائر الجماعات. وهذا خلاف المذهب ولا شك أن الريح والوحل لا يكونان محذراً لجواز الجمع بين الصلاتين بخلاف المطر. وقال في "التلخيص": "وأنكر المزني أن يكون المطر عذراً". قال القفال: "لا أدري أين قال [207 أ / 2] المزني هذا". وقال بعض أصحابنا بخراسان: الوحل هل يكون محذراً في ترك الجماعة؟ وجهان: أحدهما: لا يكون عذراً، لأن له عده بالخف والصندل، وبهذا يفتي مشايخ طبرستان رحمهم الله لمن قدر على ذلك. وروى ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكانت ليلة مظلمة أو مطيرة نادى مناديه: "صلوا في رحالكم". وأما العذر الخاص، فهو: الذي يختص به الواحد من بين الجماعة، وهو عشرة أشياء ذكرها الشافعي رضي الله عنه في "الأم"، فمتى أقيمت الصلاة واتفق واحد منها ساع له تركها من ذلك إذا حضر الطعام، وهو شديد التوقان إليه في أي صلاة كانت فإنه

يتناول منه ما يسد الرمق، ثم يشتغل بالصلاة، ولا فرق بين أن يكون صائماً أو لا، لأن الشافعي قال في "المختصر": وإذا حضر فطره، أي: كان صائماً فحضر وقت فطره أو طعام مفطر به إليه حاجة، أي: لم يكن صائماً، ولكن حضر طعامه، وهو جائع، وبه حاجة إلى أكله. وهذا لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يصلي أحدكم بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء"، وأراد قدر ما يسكن النفس لا أن يتربع للألواذ الكثيرة حتى يتضلع فيخرج وقت الصلاة. وهذا يدل على جواز تأخير صلاة المغرب يسيراً. والثاني: مدافعة الأخبثين: الغائط والبول، أو أحدهما، لأنه يسقط خشوعه. والثالث: المرض، لان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض تركها أياماً كثيرة. والرابع: الخوف من سلطان ظالم أو مطالبته بغير حق، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجبه، فلا صلاة له إلا من عذر". قالوا: يا رسول الله، وما العذر؟، قال: "خوف أو مرض". والخامس: [207 ب / 2] السفر، ولا يريد به المسافرين، فإنهم يصلون جماعة كغيرهم، وإنما يريد إذا أقيمت الصلاة، ومن اشتغل بالجماعة فاتته الرفقة له تركها. والسادس: النعاس وغلبة النوم، لأنه يسلب الخشوع في الصلاة ويخاف انتقاض الطهر في أثنائه. والسابع: إذا كان له مريض يعلله متى فارقه خاف عليه يجوز له ترك الجماعة بسببه، لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة. وكذلك إذا كان له قريب مريض يخاف موته، لأنه يتألم بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال. والثامن: ثلاثة أعذار: في المال، إذا خاف هلاكه أو ضياعه أو رجا عود ما قد ضل، فالهلاك مثل أن يكون خبز في تنور وطبخ في قدر متى اشتغل بالجماعة هلك. والثاني: إذا كان له مال قد قدم في الحال ومتى لم يتداركه ضاع عليه كله أو بعضه له ترك الجماعة لحفظه.

والثالث: إذا أبق له عبد أو سرق له فرس أو ند له بعير يرجو تداركه في ترك الجماعة. وقال القاضي أبو الطيب رحمه الله: ومن جملة الأعذار إذا كان قد أكل بصلاً أو كراثاً لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربا في مسجدنا"، وهذا إذا كان لا يمكنه إزالة هذه الرائحة بغسل فمه، والتداوي، فإن أمكن ذلك لم يكن عذراً، وإن أكله مطبوخاً جاز الحضور، ولما روي أن عمر رضي الله عنه خطب الناس، فقال: "فمن كان لا بد له من أكلهما فليتمهما طبخاً". قال القفال: "ومن تركها لواحد من هذه الأعذار وكان قصده الجماعة لولا العذر حصلت له فضيلة الجماعة". وقيل: من العذر الخاص أن يكون عله قصاص يرجو العفو ولا يحل له الخروج بأن يكون عارياً أو حافياً وتكره الجماعة هكذا، ذكره بعض مشايخ خراسان. فرع يستحب أن يمشي على عادته وسكونه إلى الجماعة ولا سرع، وإن خاف فوتها. وقال أبو إسحق: [208 أ / 2] إذا خانك فوت التكبيرة الأولى أسرع لما روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اشتد إلى الصلاة، وقال: "بادرت حد الصلاة" يعني: التكبيرة الأولى، وكان الأسود بن يزيد يهرول إلى الصلاة، وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". وروي: "فاقضوا". وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا ذالك فاجرة كأجر المعتمر وصلاة على اثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين". وقوله: لا ينصبه، معناه: لا يتعبه إلا ذلك. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا توضأ أحدكم فأحن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد". وقوله: "لا ينهزه"، أي: لا يبعثه ولا يشخصه إلا ذلك.

باب

فَرْعٌ آخرُ لو حضر رجل المسجد ولم يجد إلا من صلى بالجماعة استحب لبعض من حضر أن يصلي معه لتحصل له فضيلة الجماعة لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلاً جاء وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ "، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بمنزلة الصدقة عليه. فَرْعٌ آخرُ لو حضر والإمام لم يحضر، فإن كان للمسجد إمام راتب قريب فالمستحب أن ينفذ إليه ليحضر لأن في تفويت الجماعة عليه افتئاتا عليه، وإفساداً للقلب، فإن خشي فوات أول الوقت لم ينتظر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب ليصلح بين قومين [208 ب / 2] فقدم الناس أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فحضر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم في الصلاة، فلم ينكر عليهم، فإن خافوا إنكاره ينتظرونه ما لم يخف فوات الوقت، فإن خيف لا ينتظره أحد. باب صلاة الإمام قاعداً بقيام قائماً وبقعود مسألة: قا: "وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف". الفصل وهذا كما قال: إذا عجز الإمام عن الصلاة بالقوم، فالمستحب أن يستخلف من يصلي بهم قائماً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف في أكثر الصلوات حين مرض، وإنما صلى قاعداً بهم دفعة واحدة، ليبين الجواز، ولأن من الناس من لا يجيز إمامة القاعد، فيستحب الخروج من الخلاف فلو لم يستخلف وصلى بهم قاعداً، وهم قيام يجوز، ومن عجز منهم قعد معه أيضا. وبه قال أبو حنيفة والثوري ومالك في روايةٍ. وروي عن مالك أنه قال: "لا تصح صلاة القائم خلف القاعد ويجب عليه أن يستخلف"، وبه قال محمد وعند أبي حنيفة يجوز خلف القاعد ولا يجوز خلف المومئ. وقال الأوزاعي وأحمد وإسحق: "يصلون خلفه جلوساً"، وهو اختيار ابن المنذر، واحتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ركب فرساً معروراً"، فسقط فجحش شقه الأيمن فصلى بالناس في بيتي قاعداً، والقوم خلفه قيام، فأشار إليهم أن اقعدوا فقعدوا، فلما فرغ مت صلاته، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا

عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا سجدنا فاسجدوا، وإذا قرأوا فأنصتوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين". وقوله: فجحش شقه، أي: قد انسجح جلده، والجحش كالخدش أو أكثر منه، ولأنه يجوز أن يسقط بسبب الإمام فرض الانفراد كما في الجمعة تسقط ركعتان. [209 أ / 2] واحتج مالك بما روى الشعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا يؤمن أحد بعدي جالساً"، وهذا غلط لما قال الشافعي وفعله الأخر ناسخ لفعله الأول، أي: صار ما رويتم منسوخاً بفعله الآخر، فإن قيل: هذا اللفظ لا يصح، لأن فعله في الحالين الصلاة قاعداً، فكيف ينسخ أحدهما بالأخر؟ قلنا: أراد تقريرهم على القيام خلفه ناسخ لأمره إياهم بالقعود وتقريره نوع فعل أيضاً. وهذا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما استعز برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويفيق، فدخل وقت الصلاة، وهو مغمى عليه، فلما أفاق، قال: "أصلى الناس؟ "، فقيل: لا، هم ينتظرونك، فقال: "ضعوا لي ما، في المخضب"، أي: ضعوني في ماء في المخضب، وهو مثل الأجانة، فوضعناه فاغتسل ثم أغمي عليه، فأفاق وقال: "ضعوا أي ماءٍ في المخضب"، فاغتسل مرة أخرى، فأغمي عليه أيضاً، فلما أفاق قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". قالت عائشة رضي الله عنها: فكرهت ذلك مخافة أن يتشاءم الناس بأبي، فأردت أن أصرف عنه ذلك، فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء، إذا قام مقامك، فلو أمرت غيره، فقال: ا"مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقدمت حفصة وأمرتها أن تقول مثل ذلك، فذكرت ذلك، فقال: "أنتن صواحبات يوسف"، أبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه، ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجا في نفسه خفة في بعض الأيام، فخرج إلى المسجد يهادي بين رجلين من أهل بيته: العباس بن عبد المطلب ورجلٍ آخر؟ قال الراوي: أتدرون من الرجل الآخر؟ هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن كانت لا تذكره، وهي تستطيع، فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد كان أبو بكر رضي الله عنه قد افتتح الصلاة، فلما رآه الناس تفرجت الصفوف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [209 ب / 2] فعلم أبو بكر أنه لا يتقدم ذلك الموضع أحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يسار أبي بكر، فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فجعل أبو بكر يكبر بتكبيره وجعل الناس يكترون بتكبير أبي بكر رضي الله عنه. وروي: فكان يصلي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر،

يريد أن أبا بكر كان كالمترجم لهم إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعداً وهم قيام وأكثرهم لا يرونه ولا يسمعون صوته، فلهذا قال: كانوا يصلون بصلاة أبي بكر ولم يأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقعود، فكان هذا ناسخاً للأول. وروي: أنه خرج يهادي بين رجلين: أسامة ورجل آخر. وقد روى سفيان: أن الإمام كان أبا بكر رضي الله عنه، وهو غلط. وأما الدليل الآخر، قلنا: في الجمعة سقطت ركعتان بسبب الجماعة لا بسبب الإمام، لأن الإمام لو انفرد صلى أربعاً كالقوم وههنا لو قدر الإمام على القيام لم يترك لعجز القوم، فلذلك القوم لا يتركونه لعجز الإمام، ثم تقابل بأن المأموم أحد ركني الجماعة، فلا يسقط عنه القيام بعجز صاحبه كالإمام لا يقعد بقعود المأمومين، ويؤكده أن القارئ يتحمل القراءة عن المأموم عند بعض العلماء، والأمي لا يتحمل والقادر إذا لم يتحمل القيام عن القوم، فالعاجز أولى أن لا يتحمل. وأما احتجاج مالك رحمه الله. قلنا: صار منسوخاً بجبرنا مع أنه مرسل ضعيف. رواه جابر الجعفي، أو أراد استحباباً. واحتج أيضاً بأنه فقد ركناً من صلاته، فلا تجوز إمامته كالأمي. قلنا: لأنه ناقص أو مقصر في التعليم والعاجز عن القيام ليس بناقص إذ لا يجوز أن يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: كان ناقصاً حين مرض ولا أن صلاته ناقصة. مسألة: قال: "فإن صلى الإمام لنفسه جالساً ركعة، ثم قدر [210 أ/2] على القيام". الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما تقدم أنه إذا زالت العلة في أثناء الصلاة يلزمه القيام ويبني، فإن لم يقم بطلت صلاته، فإن لم يعلم المأموم بصحته وقدرته على القيام صحت صلاته لأنه غير مفرط، وإن علم بصحته وتركه القيام بطلت صلاته، فإن قيل: كيف يعلم المأموم صحته وقدرته؟. قلنا: قال أبو إسحق رحمه الله: يمكنه أن يعلم بأن المانع أنه كان لا يقدر على مد الرجلين، فرآه، وقد مدهما وقد يعلم بعلامة أخرى سوى هذه. ومن أصحابنا من قال: فيه قول أخر: لا تبطل صلاته بل تصير نفلاً. وقول الشافعي ههنا: (أفسد صلاته)، أي: أفسد يعني الفرض فعلى هذا لا تبطل صلاة المأمومين أصلاً، وإن علموا بصحته. وهذا خلاف المذهب الظاهر، ثم ذكر المزني رحمه الله بعد هذا مسألة الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس، وقد ذكرناها فيما تقدم، وذكر في وسط كلامه أنه إذا دخل في الصلاة، وهو لا يحسن أم القرآن ثم أحسنها بني عليها، وعند أبي حنيفة: بطلت صلاته إذا تعلم القرآن، ولم يكن يعلم شيئاً. مسألة: قال: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم".

الفصل وهذا كما قال: إذا بلغ الصبي سبع سنين كان على أبيه أن يعلمه الطهارة والصلاة، لأن هذا سن التمييز والعقل في العادة، وهو الحد الذي يخير فيه الصبي بين أبويه، وإذا بلغ عشراً أمره بها وضربه عليها. قال القاضي أبو حامد: "ويعوده الجماعة ليعتادها"، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، والمعنى في الضرب إذا بلغ عشراً أنه يحتمل البلوغ فيه بالاحتلام، فيؤمر به ضرباً، لأنه ربما يكون [210 ب/2] بلوغه، فإن كان بالغاً يكون مؤدياً للواجب وإن لم يكن بالغاً يتعود ذلك حتى لا يكسل عنها في كبره. وكذلك الجد والوصي والقيم من جهة الحاكم عليهم ما على الأب. وأما وجوب الفعل قبل بلوغه فلا يجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه". وأما في "الأم" فأشار إلى أنه يجب قبل بلوغه، ولكنه لا يعاقب على تركها عقوبة من تركها بعد بلوغه. ورأيت كثيراً من المشايخ يركبون هذا القول في المناظرات وليس بمذهب لأنه غير مكلف أصلاً، وإنما هذا قول أحمد في رواية: أنها تجب عليه إذا بلغ عشراً بدليل أنه يضرب على تركها، وعندنا هذا الضرب للاعتياد كما يضرب تأديباً في الأمور. فإذا تقرر هذا ففيما نقله المزني إشكال، لأنه قال: أن يعلموهم الطهارة والصلاة ويضربوهم على ذلك إذا عصوا، فيوهم الأمر بالضرب فيما دون العشر إذا عقل، وليس كذلك فنقول في النظم تقديم وتأخير ونظمه ويعلمونهم الطهارة والصلاة إذا عقلوا، ويضربونهم على ذلك، فيبقى الضرب مطلقاً عن بيان الوقت، ثم يعلم وقته بالخبر، ثم قال: "فمن أحتلم أو حاض أو أستكمل خمس عشرة سنة لزمه الفرض"، أراد فمن احتلم من الغلمان أو حاض من النساء. واختلف أصحابنا في الجارية إذا احتلمت في هذه السن، ولم تحض هل يكون بلوغاً؟ على وجهين. والصحيح أنه بلوغ وظاهر قوله ههنا: فمن احتلم يدل على التسوية بينهما، وإذا لم يوجد حيض ولا احتلام، فالبلوغ عندنا استكمال خمس عشرة سنة. ومن أصحابنا من قال: يحصل بالطعن في الخامسة عشرة، وعند أبي حنيفة باستكمال ثماني عشر، وفي المرأة روايتان: إحداهما: كذلك.

باب اختلاف ... الإمام والمأموم

والثانية: سبع عشرة سنة، والله أعلم. والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. [211 أ/2] باب اختلاف ... الإمام والمأموم مسألة: وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر وجاء قوم فصلوا خلفه ينوون العصر. الفصل وهذا كما قال وجملته أن الصلاتين إذا اتفقتا في الأفعال الظاهرة يجوز أن يكون الإمام في [332 أ/2] إحداهما المأموم في الأخرى فريضتين كانتا أو نافلتين أو فريضة ونافلة وسواء كانت الفريضتان متفقتين كظهرين وعصرين أو مختلفتين كظهر وعصر وسواء كانتا مما يجهر فيهما أو لا يجهر فيهما أو يجهر في إحداهما دون الأخرى وله أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح أو الوتر ويجوز ذلك، والقضاء خلف الأداء وبه قال عطاء وطاوس والأوزاعي والحسن وأبو ثور وأحمد في رواية وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية أخرى: لا يصلي المفترض خلف المتنقل ولا المفترض في غير فرضه ويصلي المتنفل خلف المفترض وبه قال الزهري وربيعة ولا يجوز أن النفل خلف الفرض أيضاً ويروى هذا عن مالك وهو الصحيح عنه وهذا غلط لما روي الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال "كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم ينطلق إلى قومه فيصليها بهم هي له تطوع ولهم فريضة مكتوبة" وروي أن جابراً رضي الله عنه: "قال كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم يرجع فيصليها [332 ب/2] بقومه من بني سلمة فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة فصلى معه ثم رجع فأم قومه فقرأ سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده فقالوا له نافقت فقال: ما نافقت ولكني آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إنك أخرت العشاء وإن معاذاً صلى معك ثم رجع فأمنا فافتتح سورة البقرة فتنحيت وصليت وحدي وإنما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أفتان أنت يا معاذ أقرأ بسورة كذا وكذا" فإن قيل يجوز أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تطوعاً ثم صلى بقومه فريضة قلنا قد روي أنه كان يصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء والعشاء في صلاة الفريضة ولأنه لا يجوز على معاذ أن يذر الفرض وهو أفضل العمل أفضل الخلق فيتركه ويضيع بحظه منه ويقنع من ذلك بالنقل ثم استأنس بفعل عطاء بن أبي رباح المكي بمكة وهو أنه كان يصلي مع الإمام القنوت يريد، ركعتين من التراويح ثم يعتمد بهما من العتمة وكان الدخول فيهما [أ/333 - 2] بنية العتمة فإذا سلم الإمام قام فنسي ركعتين من العتمة فعبر بخبر صلاة الليل بالقنوت لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] ولأن أبا حنيفة رحمة الله ناقض أصله حيث قال تجوز صلاة النذر خلف من يصلي الصلاة الشرعية بعلمه أن صلاة النذر واجبة وليت بفريضة وقال: لو سجد

الإمام للسهو بعد السلام فأحرم رجل خلفه لصلاة الظهر لصح وليس هو في صلاة الظهر وسجود السهو عنده واجب لا فرض. فرع لا يجوز أن يصلي الظهر خلف من يصلي صلاة الجنازة ولا خلف من يصلي صلاة الخسوف لاختلافهما في الأفعال الظاهرة ولذلك لا يصلي الكسوف خلف من يصلي الصبح وقال بعض أصحابنا بخراسان واختاره القفال أنه يجوز لأن اقتدى بمصلي فيقوم قائماً حتى يسلم الإمام في صلاته ثم يركع هو وفي الخسوف لا يركع معه في الركوع الثاني ولكن إذا سجد تابعه. فَرْعٌ آخرُ لو صلى الصبح خلف من يصلي صلاة العيد ظاهر المذهب أنه لا يجوز لما ذكرنا من العلة. وقال والدي رحمه الله فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: هذا والثاني يجوز ولا يكبر معه تكبيرات العيد [333 ب/2] والثالث يجوز ويكبر معه التكبيرات. فرع لو صلى ركعتي خلف من يصلي أربعاً فإذا قام الإمام إلى الثالثة إن شاء سلم وإن شاء انتظر الإمام ليفرغ ويسلم به ولا تبطل صلاته وإن خرج عن صلاة الإمام لأنه خروج بعذر وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يجوز أن يصلي ركعتين خلف من يصلي الأربع؟ قولان: لأن يؤدي إلى خروجه من صلاة الإمام قبل فراغه منها وهذا غلط ضعيف. فَرْعٌ آخرُ لو صلى ركعتين من العشاء خلف من يصلي التراويح ثم سلم الإمام فقضى هو تمام صلاته فإنه يجوز بلا خلاف فلو قام الإمام إلى ركعتين أخرتين من التراويح فقام هو في ثالثة واقتدى في الإمام مرة أخرى هل يجوز؟ قولان كما لو افتتح الصلاة مفرداً ثم صلاها مع الإمام. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم" لو أن رجلين قاما إلى الصلاة فأحرم أحدهما قبل الأخر ثم شكا قبل الفراغ من الصلاة فلم يدريا أيهما الإمام؟ بطلت صلاتهما وإن شك أحدهما دون الآخر بطلت صلاة الشاك دون الذي لم يشك ولو قال الذي يشك للذي شك: ما شككنا فصدقه لم [334 أ/2] تسقط عنه إعادة الصلاة لأنه لايرفع في عمل الصلاة إلا إلى علم نفسه ولو كان ثلاثة أو أكثر فعلموا أن الإمام كان واحداً ولكن كل احد منهم شك هل كان هو الإمام أو هو المأموم؟ أعادوا أجمعين فلو كان هذا الشك بعد الفراغ من الصلاة فلا إعادة عليهما لأن الشك الطارئ بعد السلام من الصلاة وسلامة الصلاة في الظاهر لا توجب الإعادة ولأنه إذا شك بعد الصلاة إن كان إماماً صحت صلاته وإن كان

مأموماً صحت ويخالف إذا كان في الصلاة لأنه لا يدري هل يتبعه أم يتبعه صاحبه؟. فَرْعٌ آخرُ قال لو وقف رجلان يصلي كل واحد منهما لنفسه غير مؤتم بصاحبه فصلى جماعة خلفهما وجعلوهما معاً إمامين لم تصح صلاة المؤتمين إذ ليس أحدهما بأولى باتباعه من الأخر وإن كانت المسألة بحالها فجعل الذي خلفهما أحدهما: إماما لا يعينه مثل أن قال أحدهما: إمامنا لم تصح أيضاً لأنه إذا لم يتعين لا يمكن الاقتداء به. فَرْعٌ آخرُ لو دخل رجل المسجد فرأى رجلين [334 ب/2] أحدهما يأتم بالأخر فأحرم هذا وجعل المأموم إمام نفسه لم يجز لأن المأموم لا يكون إماماً وهو مأموم وسواء فعل هذا الثالث ما فعله مع الجهل بحالة أو مع العلم فإن قيل أليس لو صلى خلفه المحدث جاهلاً يجوز؟ قلنا هو هناك غير مفرط وهو هنا مفرط لأن كونه إماماً أو مأموماً يظهر في حركاته وكيفية صلاته في أركانها فإذا لم يتأمل ذلك لم يعذر. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا لو نوى كل واحد منهما أنه هو الإمام وإن الآخر هو المأموم صحت صلاتهما معاً لأن كل واحد منها يصلي لنفسه ويعتقد أن غيره يصلي بصلاته فإذا بان خلاف ذلك لا يضر ولو اعتقد كل واحد منهما أنه هو المأموم لم تصح صلاتهما لأن كل واحد منهما ائتم بمن ليس بإمام فلا يجوز. فَرْعٌ آخرُ لو افتتح الصلاة بنية الانفراد ثم جاء آخر فصلى خلفه صح ائتمامه به وإن لم ينو الإمام إمامته وبه قال جماعة العلماء وقال الثوري وأحمد، وإسحاق لا يصلي خلفه إلا أن ينوي الإمام إمامته فإن لم ينو فسد صلاتهم واحتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " [335 أ/2] الأئمة ضمنا ولا تضمن إلا بعلم العلم" وهذا غلط لما روى أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبي حتى كان رهطاً فلما أحس رسول ألله - صلى الله عليه وسلم - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة فقلنا له حين فرغ: أفطنت بنا الليلة؟ قال: نعم ذلك الذي حملني على ما صنعت" وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطلق القربة فتوضأ ثم أوكأ القربة ثم قام إلى الصلاة فقمت وتوضأت كما توضأ ثم جئت فوقفت عن يساره فأخذني بيمني وروى فأخذني برأسي وحولني إلى يمينه وروي فأخذ بأذني فأدارني من ورائه فإمامني عن يمينه فصليت معه ولم يكن نوى الإمامة فيها وفي هذا دليل على جواز الصلاة بالجماعة في الإثنين وإن الإثنين جماعة وإن المأموم يقوم عن يمين الإمام إذا كانا اثنين وإنه يجوز العلم اليسير في الصلاة.

مسألة: قال وإذا أحس الإمام برجل وهو راكع [335 ب/2] لم ينتظره وهذا كما قال الانتظار في الصلاة على أضرب أحدها أن يدخل الإمام في الصلاة في مسجد لم تكثر فيه الجماعة فطولها رجاء تلاحق الناس وتكاثر الجماعة فهذا مكروه لقوله: "إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" والثاني أن يتخلف رجل له جاه في المكان وعادة بالصلاة في هذا المسجد كالسلطان والعالم فهذا يكره انتظاره أيضاً والثالث: أن يكون في الصلاة فأحس بداخل يقصد الجماعة نظر فإن لم يكن القاصد دخل المسجد كره له الانتظار أيضاً وإن كان قد دخل فلا يخلو إما أن يكون الإمام ركعاً أو غير راكع فإن كان ركعاً فلا يستحب له أن ينتظره ليدرك الركعة وهل يكره له الانتظار فيه قولان؟ أحدهما: يكره وهو اختيار المزني رحمه الله والثاني يباح له ذلك وهو اختيار أبي إسحاق رحمه الله وهذا ما لم يكثر الداخلون فيطول على من حضره قال أبو إسحاق وجواز الانتظار أحوط القولين وأقواهما وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور وروي ذلك عن الشعبي والنخعي [336 أ/2] وقال أبو إسحاق فيه قولان: أحدهما يكره له الانتظار. والثاني: يستحب وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا لأنه انتظار ليدرك به الغير ركعة فلا يكره بل يستحب كالانتظار في صلاة الخوف وحكي صاحب الإفصاح عن بعض أصحابنا أنه قال إن لم يطل على المأمومين ولم يشق عليهم فإنه ينتظر قولاً واحداً وإن طال فهل ينتظر قولان وهذه الطريق غلط لأن تعليل الشافعي رحمه الله ولكن صلاته خالصة لله تعالى يقتضى الكراهية معلقاً قال المزني الأول عندي أولى بالصلاة وقرئ بالصواب فمن قرأ بالصلاة أراد بحق الصلاة حتى لا يطول على المتقدم ومن قرأ بالصواب أراد لا ينتظره أولى بالصواب لأن فيه تشديداً على من قصر في إتيانها واحتج المزني على أنه يكره وبه قال أبو حنيفة ومالك وداود، وأبي المنذر رحمهم الله بأن فيه تشديداً على من قصر في إتيانها فكان أولى ولأن فيه تشريكاً بين الله وبين الخلق في العبادة وقد قال الله تعالى: {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} [الكهف:110] وقال أبو حنيفة من فعل [336 ب/2] ذلك فقد أشرك بين العمل لله تعالى وبين المخلوقين ولم يرد به الإشراك الذي هو الكفر كما وهم بعض أصحابه وأفتى بشركه وإباحة دمه وكيف يكون شركاً به وقد استحبه كثير من الفقهاء فأما نحن لا ننسب هذا الداخل إلى التقصير ولا نظن به الأخير فلا بأس بانتظاره قليلاً ليفتتح الصلاة ويدرك الركوع ولا يمنع ذلك أن تكون صلاته خالصة لله تعالى ولأنه روي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إني ربما أكون في الصلاة في سورة أريد أن أتممها فلما أسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مخافة أن تفتتن أمه" فإذا جاز له - صلى الله عليه وسلم - أنه يجوز بالصلاة لحق بعض المأمومين جاز للإمام هذا الانتظار القليل لحق الداخل حتى لا تفوته الركعة ولأنه يؤمر بإعادة الجماعة لمن فاتته الجماعة ويؤمر برفع الصوت بالتكبير ليسمع من وراءه ولا يقال فيه تشريك ويستحب ذلك كذلك ههنا ولأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى وأجلس الحسن رضي الله عنه عند قدميه فلم سجد ركب ظهره فأطال السجود فلما

[337 أ/2] فرغ قيل له: أطلت السجود قال: "إن ابني ركبني فأطلت السجود ليقضي وطره" فإذا أجاز هذا ففي مسئلتنا أولى وقيل: هما على حالين فإن كان يعرف الداخل لا ينتظره لأنه لا يخلو عن نوع مراياة وإن كان لا يعرفه لا ينتظره. فرع لو أحس به وهو قائم أو ساجد لا ينتظره لأنه لا غرض للداخل في لحوق القيام ولا في لحوق السجود وإن أحس وهو قاعد في التشهد وقارب السلام هل ينتظره حتى يحرم الداخل أم لا ينتظره ويسلم على القولين لأن للداخل غرضاً في لحوقه في التشهد وهو أن يدرك فضيلة الجماعة وإن لم يكن قارب السلام يكره انتظاره لأنه لا يقوم بترك الانتظار فضيلة ولا نية فوات ركعة. فَرْعٌ آخرُ لو انتظره لا للاحتساب بل للتودد واستمالة القلب يكره قولاً واحداً وههنا قال أبو حنيفة رحمه الله أخشى أن يكفر وقال بعض أصحابنا بخراسان هل تبطل صلاته بالانتظار الذي ذكرنا؟ قولان وهذا ليس بشيء وقال أيضاً لا يدرك الرجل فضيلة الجماعة إلا بإدراك ما يحتسب له به مثل أن يدركه في الركوع فأما إذا أدركه في السجود لا يحصل له فضيلة الجماعة وليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ قال [337 ب/2] بعض أصحابنا وردت الأخبار في فضل إدراك التكبيرة الأولى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى متى يكون مدركاً لها فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: إذا أدرك الركعة صار مدركاً لها لفضيلتها وإن كان أدرك الركوع معه والثاني: ما لم يدرك شيئاً من القيام لا يكون مدركاً لها. والثالث: ينظر فإن كان مشتغلاً بأمر الدنيا لا يكون مدركاً لها ما لم يدرك شيئاً من القيام وإن كان مشتغلاً بالطهارة فإنه يكون مدركاً لها بإدراك الركوع. مسألة: قال ويؤتم بالأعمى وبالعبد وهذا كما قال يجوز إمامة الأعمى للبصراء والعميان ولا تكره وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال تكره وبه قال ابن سيرين ويروى عن مالك رحمه الله أيضاً لأنه لا يرى النجاسة فلا يمكنه التوقي وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم مراراً على المدينة وكان يصلي بالناس وكان ضريراً ولأنه ليس فيه إلا فقد حاسة لا تخل به شيء من شرائط الصلاة فأشبه الأطرش فإذا تقرر هذا فقد قال في كتاب الإمامة الأعمى والبصير فيها سواء لا فضيلة لأحدهما على الآخر لأن [338 أ/2] البصير وإن كان له فضل قربة في اجتناب النجاسات ومشاهدة الجهات فالأعمى فضيلة أخرى في كثرة الخشوع لأنه لا يشاهد شيئاً يشغله عن الصلاة. وقال بعض أصحابنا وبه أفتي البصير أولى لما تقدم من العلة وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: الأعمى أولى لأنه أخشع في صلاته وهذان الوجهان مخالفان للنص وهو أولى ولهذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعمى كما قدم البصير ولم يفرق بينهما فاستويا وقال أبو حنيفة:

البصير أولى بكل حال لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف البصراء في أكثر الأحوال ولم يستخلف الأعمى إلا مرة أو مرتين قلنا لأن البصراء بالمدينة هم أكثر من العميان لا لما قلتم وأما إمامة العبد تجوز ولا تكره إمامته قال: والاختيار أن يقدم الأحرار على المماليك لأن الإمامة هي فضيلة وكمال فالكامل بها أولى وحكي عن أبي حنيفة أنه تكره إمامته وبه قال أبو مجلز وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: لا يؤمهم في الجمعة والعيدين وقال الأوزاعي رحمه الله: أربعة لا يؤمون الناس فذكر العبد إلا أن يؤم أهله [338 ب/2] وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اسمعوا وأطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة" وقال عبد الله بن أبي مليكة: كنا عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأمرت مولى لها لم يعتق بعد فصلى بنا وروي أنه كان لعائشة رضي الله عنها غلاماً يكنى أبا عمرو وكان يؤم بني محمد بن أبي بكر وعروة ولم يكن عتق بعد وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن قوماً من المهاجرين نزلوا بحسن قباء وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمهم سالم مولى أبي حذيفة. وإمامة الحر الضرير أولى من إمامة العبد البصير ثم ينظر فإن كنت إمامته بقدر صلاة الانفراد لا يلزم استئذان السيد وإن تطاول عن حد الانفراد كالجمعة يلزمه استئذانه لأن فيها تفويت خدمته. فرع إمامة الصبي الذي يفعل الصلاة للبالغين في الفريضة والنافلة جائزة ولا يكره والاختيار أن لا يؤهم إلا بالغ نص عليه وبه قال الحسن وإسحاق وقال عطاء والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي تكره إمامته وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا يؤم الغلام حتى [339 أ/2] يحتلم وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز أن يكون إماماً أصلاً وروي عنه أنه يجوز ذلك في النوافل دون الفرائض وقال الزهري إذا اضطروا إليه أمهم وكلام أحمد في هذا يحتمل وجهين وهذ غلط لما روى عن عمرو بن سلمة قال كنا بحاضر يمر بنا الناس إذا أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا إذا رجعوا مرو بنا فاجهرونا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال كذا وقال كذا وكنت غلاماً حافظاً فحفظت من ذلك قرأناً كثيراً فانطلق أي وافد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال يؤمكم أقرأكم وكنت أقرأهم فقدموني فكنت أصلي بهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين وقوله: كنا بحاضر الحاضر هم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه ومعنى الحاضر: المحضور ولأن من أجاز أن يكون لنا ما في النفل جاز أن يكون إماماً في الفرض كالبالغ وقالت عائشة رضي الله عنها: كنا نأخذ الصبيان من الكتاب فيصلوه بنا التراويح وكنا نعمل لهم القلية والخشكنانج. فرع قال الشافعي [339 ب/2] رحمه الله وأكره إمامه ولد الزنا ومن لا يعرف أبوه لأن الإمامة موضع فضيلة وبه قال مجاهد وروي أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله نهى رجلاً يصلي

بالناس عن الإمامة لأنه لا يعرف أبوه. وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يكره وبه قال الثوري وأحمد، وإسحاق ورواه ابن المنذر عن مالك رحمهم الله واختاره والصحيح عن مالك وأبي حنيفة مثل قولنا وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما عليه من وزر أبويه شيء فإن أم جاز لأنه يذكر من أهل الصلاة فأما الخصي والمحبوب فكالفحل سواء بلا إشكال. مسالة: قال: وأكره إمامة من يلحن. فصل وهذا كما قال إذا لحن الإمام في القرآن فإن كان لا يخل بالمعنى فصلاته وصلاة من خلفه جائزة سواء كان في أم القرآن أو غيرها مثل أن يقول {اهْدِنَا الصِّرَاطَ} بضم الألف {وَإِيَّاكَ} بفتح الألف ونستعين بخفض النون الأولى ونحو ذلك وتكره إمامته لأن الاختيار أن يكون الإمام فصيح اللسان حسن البيان مرتلاً للقرآن كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله" وإن كان يخل المعنى فإن كان في [340 أ/2] غير الفاتحة مثل أن يقول (إن الله برئ من المشركين ورسوله) بخفض اللام قوله: (أنعمت) عليهم بضم التاء فإن كان لا يحسن الصواب أو جرى بذلك لسانه من غير قصد لا يضره ولا يضرهم لأنه في غير الفاتحة التي هي الفريضة وحدها وإن كان تعمد بذلك فإن كان معتقداً لما قرأه فقد كفر ولا صلاة للكافر وإن لم يكن معتقداً فقد فسق به وبطلت صلاته لأنه تلاعب بصلاته فكان حكمه أغلظ من حكم من تكلم في الصلاة عامداً وأما صلاة المأمومين فإن علموا بحاله وتبعوه في صلاتهم بطلت صلاتهم وإن لم يعلموا لم تبطل صلاتهم وإن كان ذلك في أم القرآن مثل أن يقرأ ولا الظالين بالظاء أو أنعمت عليهم على ما ذكرنا أو إياك نعبد بخفض الكاف فيكون خطاباً للمؤنث قال الشافعي رحمه الله: أجزأته دونهم وقال في استقبال القبلة: لا تجوز صلاته ولا صلاة من خلفه وليست المسألة على قولين وإنما على اختلاف حالين؛ فالأولى إذا كان لا يستقيم لسانه ولا يقدر على تعلم الصواب والثانية إذا كان يمكنه ذلك ففرط وأما صلاة من خلفه فمن كان مثله [340 ب/2] تجوز صلاته ومن كان يحسن ذلك من غير لحن فهو بمنزلة صلاة القارئ خلف الأمي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وأما قول الشافعي: أو لفظ بأعجمية معناه أن يقول الخمد بالخاء المعجمة والهمد بالهاء كما يقول الجبلي والديلم أو يتبدل حرفاً بحرف مثل أن يقول ما يقول بعض العجم إهدنا الصراط المستقين بالنون فهذا كله بمنزلة اللحن الذي يحيل المعنى وقد ذكرنا. فرع لو ترك التشديد في قوله: {إِيَّاكَ} وخففها فإن تعمد وعرف معناه صار كافراً لأن الإيا ضوء الشمس فيصير كأنه يعبد ضوء الشمس وإن كان ناسياً أو جاهلاً يسجد للسهو بعد إعادته على الصحة. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا ولو لحن بغير المعنى مثل أن قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ونصب

الهاء هل يجزيه؟ وجهان بناء على أصل وهو أن الإعجاز في النظم وحده دون الإعراب أو في النظم والإعراب معا؟. مسألة: قال وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة. الفصل وهذا كما قال. التمتام هو الذي يردد التاء ثم يأتي بها والفأفأة هو الذي يردد الفاء ثم يأتي بها فهذان تصح الصلاة خلفهما [أ 34 أ/2] لأنهما يأتيان بالحروف على الكمال والزيادة مغلوب عليها ويكره تقديمهما لموضع الزيادة بالتردد وأما الأرت وهو الذي في لسانه رتة يدغم حرفاً في حرف ولا يبني الحروف وقال بعض أصحابنا هو الذي يبدل حرفاً بحرف مثل اللام تاء ونحو ذلك وهكذا قاله الفراء وقال أبو العباس المبرد: الأرت الذي به رتة وهو أن أول الكلام لا يطاوعه حتى إذا نطق به اتصل فحكمه حكم التمتام على هذا وقال في تفسيره عن الشافعي رحمه الله: من يكون في لسانه رخاوة كما يكون في لسان الصبيان فإن كان هكذا فإنه تجوز الصلاة خلفه إذا أتى بالتشديد في موضعه وإذا قلنا بما ذكره بعض أصحابنا أو ذكرنا أولاً لا تجوز صلاة القارئ خلفه وأما الألثغ فهو الذي يقلب الحرف عن موضعه حتى يتلفظ بالعين بدل الغين أو اللام في مخرج الكاف أو الكاف في مخرج التاء ونحو ذلك فهو بمنزلة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة وقال القاضي أبو حامد رحمه الله الألثغ هو الذي يبدل حرفاً بحرف وقال المبرد اللثغة هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الفراء: اللثغة [341 ب/2] هي بطرف اللسان وهي أن يجعل الراء على طرف لسانه لاماً ويجعل الفاء تاء وقال الأزهري: الأليغ بالياء وهو الذي لا يبني الكلام وقد ذكرنا حكمه. فرع لو كان ممن لا يصرح بالحرف فيتكلم بالحرف بين حرفين كالعربي الذي لا يجعل القاف كافاً بل يخرجها بين الحرفين لا كافاً ولا قافاً أو العجمي الذي لا يصفو له الضاد غير أنه لا يقول ظاء فيه فتكره الصلاة خلفه ويجوز وحكي عن الشيخ أبي العباس الأسفراييني عن الداركي عن أبي غانم تلقى أبي العباس قال: انتهى ابن سريج رحمه الله إلى هذه المسألة فقال: لا تجوز إمامة الألثغ وكان به لثغه يسيرة وفي مثلها فاحتشمت أن أقول له هل تصح إمامتك؟ فقلت أيها الشيخ هل تصح إمامتي؟ قال: نعم. وإمامتي أيضاً. فَرْعٌ آخرُ لو اختلف لحن الإمام والمأموم فأحال الإمام بلحنه معنى كلمة أصاب المأموم معناها وأحال معنى كلمة سواها ففي صلاة المأموم وجهان؛ أحدهما: يجوز لاشتراكهما في اللحن وإن اختلفا والثانى: لا يجوز وهو الأصح لأنه يفضل على الإمام فيما قصر عنه وإن اعتوره النقص من غيره وكذلك لو كان [342 أ/2] المأمون لا يحسن الفاتحة ويحسن سبع آيات لا يلحن فيها أو لا يحسن من القرآن شيئاً ولكنه يسبح ولا

يلحن فصلى خلف من يحيل بلحنه معنى الفاتحة فهو على هذين الوجهين وروى عبيد بن عمير أن رجلاً من السائب كان يصلي بالناس بمكة وكان أعجمي اللسان فأخره المسور بن مخرمة وقدم غيره فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فهم بالمسور فقال يا أمير المؤمنين أن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج فخشيت أن يسمع به بعض الحاج فيأخذ بعجمته فقال: أصبت. فَرْعٌ آخرُ لو اختلف لثغة رجلين لم يجز لأحدهما أن يأثم بالآخر في أصح الوجهين لأن كل واحد يعجز عن صاحبه في الحرف الذي أتى به فكان نقصاً. فَرْعٌ آخرُ الحبسة في اللسان تعذر الكلام عند إرادته والفف إدخال حرف والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحرف وأصل الغمغم موت المبارز في الحرب وحكم هؤلاء حكم الألثغ. فَرْعٌ آخرُ القراءات الشاذة ما عدا الحروف السبعة فإن لم يكن فيها زيادة حرف ولا تبديل معنى فقراءتها في الصلاة لا تبطلها وتحتسب لأن اللحن الذي لا يغير المعنى لا يمنع الاحتساب بالقراءة [342 ب/2] على ظاهر المذهب وإن كان فيها زيادة كلمة أو كان فيها تغيير المعنى فتلك القراءة تجري مجرى أثر عن الصحابة أو خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان عمداً تبطل الصلاة وإن كان سهواً فإنه يسجد للسهو. مسألة: ولا يأتم وجل بامرأة ولا بخنثى وهذا كما قال لا يجوز أن تكون المرأة إماماً للرجال وبهذا قال كافة العلماء وقال أبو ثور يجوز ذلك وحكي عنه وعن ابن جرير أنهما قالا: يجوز في صلاة التراويح إذا لم يكن قارئ غيرها وتقف خلفه الرجال واحتجوا بما روي عن ورقة بنت نوفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها في بيتها فجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها وهذا عام في الرجال والنساء وهذ غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - "أخروهن من حيث أخرهن الله" وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تؤمن امرأة رجلاً ولا إعرابي مهاجراً لا فاسق مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه" ولأن الإمامة هي موضع الكمال والمرأة ليست من أهل الكمال ولهذا لا تصلح للقضاء والإمامة الكبرى ولأن في إمامتها [343 أ/2] افتتاناً بها فلا يجوز وأما خبرهم قال الدارقطني: أمرها أن تؤم نساء أهل دارها. وأما الخنثى فينظر فيه فإن بان أنثى فهو كالمرأة وإن بان رجلاً فهو كالرجل وقال في الحاوي: إذا زال إشكاله وبان أمره كرهنا له أن يأتم بامرأة ويجوز، وإن بان رجلاً كرهنا للرجال أن يأتموا به ولكن يجوز، وأما إذا كان مشكلاً لا يجوز أن يكون إماماً للرجال لئلا تكون امرأة ولا يجوز أن يكون إماماً للخنثى لئلا

تكون امرأة والمأموم رجلاً، ولا يجوز للخنثى أن تأتم بامرأة لئلا يكون رجلاً خلف امرأة. ويجوز أن يكون إماماً للمرأة وأن يأتم بالرجال أيضاً. فرع قال في كتاب الإمامة ويصلي الرجل بالنساء من ذوات محارمه فإن كن أجنبيات ولا رجل معهن كره له أن يصلي بهن وإنما كان كذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية وقال: "لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما" وإن كان معهن رجال لم يكره بحال. فَرْعٌ آخرُ لو صلى خلف الخنثى ولم يعلم ثم علم لزمه إعادة الصلاة [343/ 2] فلو لم يعد الصلاة حين عرف حتى بان أنه رجل فالصحيح أنه يلزمه الإعادة أيضاً وفيه قول مخرج أنه لا يلزمه الإعادة من قول الشافعي رضي الله عنه ولو رأوا سواداً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه غير عدو يلزمهم الإعادة في أحد القولين ولو ائتم خنثى بامرأة ثم بان أن الخنثى امرأة لا تسقط عنه الإعادة قولاً واحداً لأن إحرامه انعقد فاسداً ولو فرغ من صلاته ثم بان أن الإمام امرأة ففيه وجه مخرج أنه لا إعادة ذكره في الحاوي. مسألة: قال: وأكره إمامة الفاسق والمظهر للباع وهذا كما قال تكره إمامة الفاسق وأراد كراهة التنزيه وهو المسلم إذا شرب الخمر أو زنى أو سرق أو ارتكب غيره من المعاصي فإن صلى بهم صحت صلاتهم والكراهة للنهي الذي ذكرنا في الخبر وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "انتقدوا أئمتكم انتقاد الدرهم والدنانير" وقال مالك رحمه الله: الفاسق بغير تأويل لا يجوز الصلاة خلفه وفي المتأول روايتان والمشهور عنه أنه قال: إذا صلى خلف الفاسق بتأويل يعيد في الوقت وهذا يدل على أنه [344 أ/2] لا تجب الإعادة وقال أحمد رحمه الله في إحدى الروايتين: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق أصلاً وروي أنه قيل لأحمد: أتصلي خلف من يشرب النبيذ؟ فقال: أنا أروي عنه الحديث أفلا أصلي خلفه؟ وهذا إذا غسل فاه عند الصلاة وثيابه نظيفة وكان صاحياً والدليل على ما ذكرنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلو خلف من قال: لا إله إلا الله وعلى كل من قال: لا إله إلا الله" وصلى ابن عمر رضي الله عنهما خلف الحجاج وكان من أفسق الناس، وروي أنه قيل لابن عمر رضي الله عنهما: أتصلي خلف الحجاج؟! فقال: إذا دعونا إلى الله تعالى أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم. وقال معاذ قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبن أحداً من أصحابي" وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثلاث من السنة الجهاد في سبيل الله مع كل بر أو فاجر والصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر والصلاة على من صلى إلى القبلة بر أو فاجر" وقال الشافعي وإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد والدين أجزأه

وخلاف الحمد هو الذم ولكنه [344 ب/2] تطرف في العبادة فعبر عن الفسق المذموم بخلاف الحمد وأراد به من بلغ الغاية في ارتكاب المعاصي ولم يرد الغاية في البدعة هي الكفر، وأما المظهر للبدع في الدين بالطعن على السلف الصالح فإنه تكره الصلاة خلفه فإن صلى صحت صلاته لأن ذلك لا يخرجه عن الإسلام وقال صاحب الإفصاح: أراد الشافعي رحمه الله: إذا لم يخرج عن الإسلام ببدعته ولم يكفر السلف ولم ينقصهم ولم يعتقد حدوث كلام الله تعالى ولا نفي شيء من صفاته، وإنما خالف في الأرجاء والوعيد ونحو ذلك من البدع التي لا تخرجه من الملة فتكره الصلاة خلفه، ولكن تجوز فأما إذا اعتقد شيئاً مما ذكرنا لا تجوز الصلاة خلفه. ومن أصحابنا من قال: البدعة على ثلاثة أضرب ضرب لا يفسق به كالمخالف في الفروع من الفقهاء فلا تكره الصلاة خلف معتقده إلا أن يكون منهم من يذهب إلى ترك الأركان فتكره الصلاة خلفه لئلا يترك ركناً ويجوز لأن الظاهر منه أنه يأتي به إذ هو يستحب عنده قلت: وربما يعتقد أنه لا يستحب كالتسمية في الركعة الثانية ولكنه يأتي به للخروج [345 أ/2] من الخلاف، وضرب يفسق به كمن سب الصحابة من الروافض والخوارج، فتصح الصلاة خلفه ولكنه يكره، وضرب يكفر به كالقول بخلق القرآن والاعتقاد بأن علياً رضي الله عنه كان إلهاً أو كان نبياً كما قالت غلاة الرافضة فلا تجوز الصلاة خلفه. وحكي عن مالك أنه قال: لا يؤتم ببدعي ولعله أراد من يحكم بكفره وقال القفال: تجوز الصلاة خلف الخوارج والروافض ولكن يكره لأن مذهب الفقهاء أن لا يكفر أهل الأهواء بالتأويل وقيل لجعفر بن محمد رضي الله عنه: أكان الحسن، والحسين إذا صليا خلف مروان بن الحكم يعيدان الصلاة؟ فقال: لا ما كان يزيدان على الصلاة معه غير النوافل. مسألة: قال وإن أمي أي بمن يقرأ أعاد القارئ وهذا كما قال إذا ًصلى القارئ وهو الذي يحسن أم القرآن خلف الأمي الذي لا يحسن أم القرآن ففيه قولان؛ أحدهما قاله في الجديد: أنه لا تجوز صلاة القارئ وقال في القديم: إن كانت الصلاة مما يجهر فيها بالقراءة لا يجوز لأن الإمام يتحمل القرآن في هذه الصلاة والأمي ليس هو من أهل التحمل وإن كانت الصلاة مما يسن فيها [345 ب/2] بالقراءة يجوز لأنه يقرأ لنفسه وبه قال الثوري وخرج أبو إسحاق رحمه الله قولاً ثالثاً فقال على هذا نحى في قوله الجديد أن يصح صلاة القارئ خلف الأمي بكل حال لأنه يلزمه أن يقرأ لنفسه في الصلاتين وبه قال المزني وأبو ثور واختاره ابن المنذر وروي ذلك عن عطاء، وقتادة ووجهه أن القراءة هي ركن من أركان الصلاة فجاز أن يكون العاجز عنه إماماً للقادر كالقائم يصلي خلف القاعد وقال القاضي الطبري هذا التخريج باطل لأن الشافعي رحمه الله رجع في الجديد كما قاله في القديم من تحمل الإمام قراءة المأموم وألزم المأموم القراءة في الصلاتين ومع هذا فقد منع جواز صلاة القارئ خلف الأمي وفي القديم اعتبر بطلان صلاته بتحمل القراءة عن المأموم فلم يجز أن يخرج على قوله الجديد طريقة رجع عن القول بها ولو جاز هذا لجاز أن يقال قوله القديم قول الشافعي في

الجديد مع رجوعه عنه واختياره لطريقة مخالفة له فلما لم يجز هذا فكذلك هذا التخريج وقال القفال اختلف أصحابنا في نصين للشافعي خالف الآخر الأول هل يجعل للآخر [346 أ/2] رجوعاً عن الأول أم لا فإن قلنا أنه يكون رجوعاً فلا يأتي في الجديد إلا قول واحد لا يجوز بحال وإن قلنا لا يجوز رجوعاً فعلى هذا يخرج ما قاله أبو إسحاق قال: وإنما لا يجعل رجوعاً لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين والصحيح القول الأول وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأحمد، والثوري في الرواية الصحيحة أن الإمام من يقدر على التحمل إذا أدركه راكعاً فالعاجز لا ينتصب له كالإمام الأعظم إذا عجز عن عمل أعيا الأمة لا يكون إماماً. فرع إذا صلى القارئ خلف الأمي صحت صلاة الإمام وإن لم تصح صلاة القارئ خلفه وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد رحمهم الله وكذلك يجوز للأمي أن يصلي خلف الأمي مع المقدرة على الاقتداء بالقارئ ولكل واحد منهما أن يصلي منفرداً، وكذلك يجوز للأخرس أن يصلي خلف الأخرس مع القدرة على الصلاة خلف الناطق ويصلي منفرداً أيضاً مع القدرة على الاقتداء بالناطق، وقال أبو حنيفة: تبطل صلاة الأمي أيضاً قال أبو حازم: من جملة أصحابه إنما أفسد أبو حنيفة صلاة الأخرس لأنه يمكنه [346 ب/2] أن يقتدي بالقارئ فيؤدي صلاة بقراءة وهذا يدل على أنه لا يصلي وحده وقال الكرخي: إنما أفسد صلاته لأنه لما أحرم معه صح إحرامه معه ثم لزم تحمل القراءة عنه فعجز فبطلت صلاته، وهذا غلط لأنه أم من لا يجوز له أن يؤمه فلا تبطل صلاته، كالمرأة تؤم الرجل وأما ما ذكر أبو حاتم فغلط فإنه يوجب الجماعة على الأمي وقد روينا أن رجلاً قال يا رسول الله إني لا أستطيع شيئاً من القرآن فقال: "قل سبحان الله" والحمد لله الخبر ولم يأمره بالائتمام بالقارئ وأما ما ذكره الكرخي لا يصح لأن هذا الأمي بإحرامه لا تجب عليه القراءة لنفسه فكيف يجب عليه أن يتحمل عن غيره. فَرْعٌ آخرُ الأمي في اللغة: هو الباقي على أميته يعني عى خلقته الأولى لم يعلم شيئاً وفي الشرع: من لا يحسن أم القرآن فإذا ائتم من لا يحسن أم القرآن ويحسن غيرها فصلاة من يحسن أم القرآن خلفه باطلة وإن كان الإمام لا يحسن أم القرآن يحسن سبع آيات أو ثمان آيات والمأموم لا يحسن أم القرآن أيضاً إلا أنه يحس من سائر القرآن أكثر صحت صلاته خلفه لأنهما أميان والمستحب [347 أ/2] تقدم من يحفظ الأكثر. فرع لو كان لا يحسن شيئاً من القرآن فصلى بمن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة فهو كصلاة القارئ خلف الأمي لأن سبع آيات تقوم مقام الفاتحة.

فَرْعٌ آخرُ لو كان أحدها يحسن النصف الأول من الفاتحة والأخر يحفظ النصف الأخير لا يصح اقتداء أحدهما بالأخر وهذا مما يسأل للتعنف فيقال: أيهما أولى بالإمامة؟ ومثل هذا يسأل فقال: جماعة من الخنائى إمامهم أين يقف؟ وهذا السؤال محال لأنه لا يصح اقتداء بعضهم ببعض. فَرْعٌ آخرُ لو صلى رجل خلف من لا يعرفه قارئاً فإن كانت الصلاة يسر فيها بالقراءة أحببنا له الإعادة لئلا يكون أمياً ولا يجب عليه لأن الظاهر أن لا يتقدم بالناس إلا قارئ وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة ولكنه ما جهر بها قال في الأم عليه الإعادة لأنه لو كان يحسن القراءة لجهر بها اللهم إلا أن يسأله فيقول: تركت الجهر ناسياً فلا يلزم الإعادة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو أم رجل قوماً يقرأون القرآن ولا يدرون أيحسن أن يقرأ أم لا؟ فإذا هو لا يحسن أم القرآن أو تكلم بسجع في القرآن لم تجزهم صلاتهم وابتداء الصلاة وعليهم إذا سمع [347 ب/2] ما ليس من القرآن أن يخرجوا من الصلاة خلفه وسجاعته كالدلائل الظاهرة على أنه لا يحسن يقرأ وأراد بالسجع ما حكي عن الأصمعي قال: اجتزت ببعض أحياء العرب فحضرت الصلاة فقام رجل يؤم القوم فقرأ: والسماء ذات البروج والحيل السروج والأرض ذات المروج والبحر عليها يموج. ثم ذكر وقام إلى الثانية فقرأ: والليل إذا يغشى وجاء الذئب يسعى وأكل الشاة الوسطى وترك الشاة العرجا وسوف يأخدها مرة أخرى. وكبر وسلم فقلت له: إن هذا ليس بقرآن قالها القرآن قال: فلقنته الفاتحة والمعوذتين قال أما إنه لأحسن مما كنت أقول وقرأ بعض العرب: قل هو الله أحد قاعد على الرصد مثل الأسد لا يفوته أحد. فإذا علم أنه أمي أو سمع ما ذكرناه وكان قد أحرم خلفه قال الشافعي رحمه الله أحب أن يعيدوا الإحرام فإن بنوا عليه وأتموا لأنفسهم أجزأتهم واحتج المزني رحمه الله على صحة قوله بأربعة أشياء؛ أحدها: قال قد أجاز صلاة من ائتم بجنب وهو ليس في صلاة فأولى أن تجوز الصلاة خلف العاصي بترك الغسل دون المطيع والثاني [348 أ/2] قال الشافعي: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعداً بقيام وفقد القيام هو أشد من فقد القراءة لأن القراءة تسقط إذا أدرك الإمام راكعاً دون القيام والثالث: قال أجاز الشافعي رحمة الله عليه في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام إذا نسي سجدة من الأولى وقد بطلت هذه الثانية على الإمام والرابع قال ولا يكون هذا أكثر ممن ترك أم

القرآن عمداً وتجوز صلاة المأموم خلفه والجواب عن الكل هو يرجع إلى نكتة واحدة وهي أن في هذه المواضع لم يكن أنقص في ذات الإمام يمنع اقتداء كامل بالذات به وفي الأمي وجد نقص في ذاته فمنع اقتداء القارئ الذي هو كامل الذات به كما لا يجوز اقتداء الرجل بالمرأة ولهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالصلاة وهو جنب ثم تذكر فخرج فاغتسل وصلى وروي أنه لما مرض صلى قاعداً ولا يقال هو نقص فيه أو نقول الحدث والطهارة متعاقبان وليست لهما علامة يعرف. الرجل بها والأمي يمكن الوقوف على حاله ولأن خلف الجنب لا تجوز الصلاة مع العلم وهو يجوز خلف الأمي [348 ب/2] مع العلم فلا يصح الاعتبار وقوله: فقد القيام أشد ليس كذلك بل فقد القراءة أشد لأن المتنفل يترك القيام مع القدرة دون القراءة وأما إذا أدرك الإمام لا يأتي بقيام القراءة بل يأتي بقيام التكبير فكما سقطت للقراءة فكذلك للقيام وأما الأخير قلنا ليست لتركه القراءة عامداً علامة يعرف بها بخلاف الأمي. مسألة: وإن ائتم بكافر ثم علم أعاد ولم يكن هذا منه وهذا كما قال إذا صلى الكافر قبل أن أن يظهر الشهادتين لم يكن ذلك إسلاماً منه وعذر على ذلك ولا يكون ذلك أيضاً دلالة على إسلامه وسواء كان إماماً أو مأموماً وسواء صلى في بيته أو في المسجل وإنما يعزر لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم واستهزأ بدينهم وحكي عن الأوزاعي أنه قال: يعاقب وينبغي أن يريد به التعزير وقال أبو حنيفة: إذا اقتدى بمسلم في مسجد وحكم بإسلامه حتى لو قال: ما أسلمت حكم بردته ويقتل وإن كان إماماً أو منفرداً في مسجد فيه روايتان وإن صلى في غير المسجد لم يكن إسلاماً وعند محمد إذا صلى في المسجد على أية حالة كانت كان إسلاماً وقال أحمد: يحكم بإسلامه بالصلاة بكل [349 أ/2] حال وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو حج وطاف كان إسلاماً منه وهذا غلط لأن صلاته تحتمل وجوه فلا تدل على الإسلام. فرع هذا الذي ذكرنا هو إذا لم نسمع منه كلمة الشهادتين في التشهد فإن سمع منه ذلك قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان أحدهما: أنه يحكم بإسلامه وهو الصحيح وهو اختيار القفال لأن الشهادتين قد وجدتا منه ابتداء فكان إسلاماً كما لو دعي إلى الإيمان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله والثاني أنه لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بها قاصداً إظهار الإسلام لجاز أن يكون ذلك منه على طريق الحكاية والاستهزاء كما روي أن أبا محذورة وأصحابه إذنوا في طريق حنين على طريق الحكاية والاستهزاء لمؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجعل ذلك إسلاماً منهم وعلى هذا إذا أتى بالشهادتين في غير الصلاة من غير دعاء إلى الإيمان أو أذن هل يحكم بإسلامه فيه وجهان. فرع لو قال مع الشهادتين وأنا برئ من كل دين خالف الإسلام حكم بإسلامه على أي

وجه كان وإنما يعتبر ذلك هذا عند الدعاء إلى الإيمان في العيسوية من اليهود الذين يقولون: إن محمداً [349 ب/2] رسول الله أتى العرب دون بني إسرائيل. فرع قال الشافعي رحمه الله في المرتد في الكبير إذا قامت البينة على الرجل بالردة غنم ماله إذا مات فإنه قال ورثته: أنه رجع إلى الإسلام وأقاموا البينة أنهم رأوه بعد الشهادة عليه بالردة يصلي صلاة المسلمين يعني في دار الحرب قبلت ذلك منهم وإن كان هذا في بلاد المسلمين لا يحكم بإسلامه بها قال القافي أبو الطيب: وعندي أن الكافر إذا صلى في دار الحرب مثل المرتد وهذا لأنها دلالة على الإسلام فإذا وجدت في دار الإسلام جاز أن يكون هذا رياء وتقرباً إلى المسلمين فلا يحكم بها بالإسلام كصوم شهر رمضان فإذا وجدت في دار الحرب لا يحتمل إلا الإسلام وهذا غريب لم يذكره أهل خراسان وقد ذكرنا من قبل أنه إذا صلى خلف الكافر ثم ... فإنه يلزمه الإعادة بخلاف ما لو صلى خلف الجنب ثم علم والفرق ما أشار إليه الشافعي قال الكافر لا يكون إماماً بحال والمؤمن يكون إماماً في الأحوال الظاهرة ويقرأ هذه اللفظة بالطاء والظاء ومعناهما متقارب إلا أن الأحوال لا توصف [350 أ/2] بالطهارة ويصح أن توصف بالظهور من قرأها بالظاء قال الخلل وقع من المزني رحمه الله لأن الشافعي رحمه الله عبر بخلافه في الكبير فقال لأن الكافر لا يكون إماماً بحال والمؤمن يكون إماماً إلا أنه ليس له أن يصلي إلا طاهراً وأراد أن الطهارة والحدث حالتان متعاقبتان على المؤمن فلا يمكن المقتدي الاحتراز من حدث الإمام كما يمكنه في الغالب الاحتراز من كفره إذا الكفر والإسلام ليسا متعاقبين في الغالب وكذلك الذكور والأنوثة وبهذا نجيب المزني رحمه الله كما ذكره هنا وهو قوله كل فصل لنفسه. مسألة: قال ومن أحرم في مسجد أو غيره ثم جاء الإمام فتقدم لجماعة. فصل وهذا كما قال وجملته أن في نفل الصلاة إلى الصلاة ثلاث مسائل؛ إحداها: أن ينقل من جماعة إلى جماعة مثل إن أحدث الإمام فاستخلف غيره أو أحرم بهم وهو جنب فذكره انصرف واغتسل وعاد فابتدأ بهم الصلاة صح ذلك كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد انعقد في هذه المسألة الثانية جماعة بغير الإمام ثم صارت جماعة بإمام فيجوز والثانية [350 ب/2] نقل الجماعة إلى الانفراد ينظر فإن سلم إمامه قبل الفراغ المأموم مثل أن أدرك معه بعض الصلاة أتمها المأموم منفرداً وإن أخرج نفسه من صلاة إمامه قبل فراغ الإمام منها نظر فإن كان لعذر أتمها لنفسه لما ورد في صلاة الخوف وإن كان لغير عذر ففيه طرق قال الإصطخري لا تبطل قولاً واحداً وقال غيره من أصحابنا فيه قولان والصحيح أنه لا يبطل ويكره لما روي أن رجلاً خرج من صلاة معاذ حين أطالها فلم يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ولأن الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النفل قائماً ثم قعد وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بعذر فقولان، وإن

كان بغير عذر فتبطل قولاً واحداً. وهذا ضعيف وقال بعض أصحابنا بالعراق من المتأخرين: فيه قولان: سواء كان بعذر أو غير عذر وهذا هو أضعف من الذي تقدمه وقال أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله: تبطل صلاته سواء كان بعذر أو غير عذر واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا يختلفوا عليه قلنا: [351 أ/2] أراد ما دام متابعاً له والثالثة: أن ينقلها من الانفراد إلى الجماعة ينظر فإن أحرم وحده ثم جاء قوم فصلوا خلفه فنوى هو إمامتهم صارت جماعة ويجوز بلا خلاف وإن جاء هو والإمام معاً لصلاة الجماعة فلما وقفا للدخول فيها أحرم قبل إمامه فنوى إتباعه في الصلاة لا يجوز قولاً واحداً ولو أحرم وحده بصلاة فجاء إمام ومعه قوم فأحرموا بتلك الصلاة فالمستحب أن يتجوز في إكمال الركعتين ويسلم ويتبع الإمام فيصلي معه الجماعة وإن لم يفعل كذلك ولكنه نقلها إلى صلاة الإمام قال في الأم والقديم ونقله المزني: يكره ويصح وقال في الإملاء: تبطل صلاته واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال قول واحد أنه لا يجوز لأنه قال في الإملاء: لا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره وهذا منسوخ أراد به ما قال في الكبير هو منسوخ بفعل معاذ وذلك أن في ابتداء الإسلام كان إذا دخل المسبوق يسأل بعض القوم كم مضى من الصلاة فيشير إليه بأصبعين أو ثلاثة فيصلى هو ذلك القدر ثم يتم صلاته مع الإمام فدخل معاذ رضي الله عنه فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -[351 ب/2] ما أدراك فلما سلم قضى ما فاته فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأخبره كيف فعل فقال: "إن معاذاً سن لكم سنة فاتبعوه" وروي: "إذا أتيتم الصلاة فأتوها تمشون ولا تأتوها تسعون وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ونقل المزني رحمه الله: وكرهت ذلك وأراد كراهة التحريم كما قال تعالى: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} [الإسراء:38] أي محرماً والذي قاله في القديم قال قائل: يدخل مع الإمام ويعيد بما مضى أراد به مالكاً رحمه الله ثم رده عليه وقال: من قال بهذا أجاز الصلاة بإمامين ونحن لا نجيز ذلك أراد به إبطال الاستخلاف في قوله القديم لا يجوز هذا والفرق أنه التزم أحكام المنفردين بالانفراد فليس له إسقاطها بالاقتداء بخلاف الصلاة خلف إمامين فإنه لا يؤدي إلى هذا وهذا جواب المزني عما اختار من جواز نفل صلاة الانفراد إلى الجماعة قال هذا القائل ولا يجوز الاحتجاج بما روي أنه أحرم وهو جنب فتذكر فخرج ثم عاد بعد الغسل فأحرم لأنهم افتتحوا على قصد [352 أ/2] الجماعة بخلاف هذا قال: ولا يجوز الاحتجاج أيضاً بما روي أن أبا بكر رضي الله عنه ائتم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما صلى بعض الصلاة إماماً لأن ذلك أيضاً هو افتتاح جماعة وهذا قول أبي حنيفة ويروى عن مالك أيضاً ومن أصحابنا من قال وهو الأصح في المسألة قولان: والصحيح عندي أنه يجوز وهو اختيار المزني رحمه الله ووجهه أنها صلاة افتتحت فرادى وصارت جماعة فلا بأس كما لو أحرم وحده ثم صلى خلفه جماعة، والاحتجاج بما روي أنه صلى بهم وهو جنب صحيح لأنه - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة لم يكن في صلاة فلم تصح جماعتهم ثم صحت

باب موقف صلاة المأموم مع الإمام

بعد ذلك وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان في حكم الأصل ولم يكن متابعاً لأحد ثم صار متابعاً وجاز ذلك، وهاتان الحجتان قويتان. ثم اختلف أصحابنا في محل القولين فمنهم من قال القولان: قبل الركوع فأما بعد الركوع لا يجوز قولاً واحداً لأن فيه تغيير نظام الصلاة ومنهم من قال وهو اختيار أبي إسحاق وغيره إن كان قبل الركوع يجوز قولاً واحداً والقولان: بعد الركوع ومنهم من قال وهو الأصح في الكل قولان: قبل الركوع وبعده ثم من أصحابنا من [352 ب/2] قال القولان هما مبنيان على أن الخروج من صلاة الإمام قبل فراغه هل يجوز أم لا؟ لأنه يحتاج ههنا إلى الخروج قبله ومنهم من قال: هما مبنيان على أن الاستخلاف هل يجوز أم لا؟ ووجهه المشابهة أنه يصلي الآن بإمام لم يكن من قبل والصحيح أنهما قولان: بأنفسهما لأنه خروج بعذر ومعنى القولين أنه يؤدي إلى تغيير الأحكام فإذا قلنا: يجوز ضمها وكان قد سبقه بركعة فإذا قام الإمام إلى الرابعة لا يجوز له أن يقوم معه لأنه يؤدي إلى أن تصير صلاته خمساً بل يقعد ويتشهد ثم إن انتظر الإمام حتى يتشهد ويسلم كان له ذلك كما جاز في صلاة الخوف نحو هذا وان أراد أن يسلم كان له ذلك لأنه عذر ولو صلى ركعتين من الظهر ثم ضم إلى صلاته فقام غير ركعتين إن شاء انتظر حتى يصلي ركعتين ويتم الصلاة فيسلم معه وهو يطول الدعاء في حال الانتظار وإن شاء سلم لنفسه. وقال بعض أصحابنا بخراسان يجوز قبل الركوع وبعده بشرط أن لا يؤدي إلى مخالفة الإمام فإن أدى إلى مخالفة الإمام لا يجوز بأن صلى ركعة من الظهر ثم وصل بإمام وهو في أول [353 أ/2] الظهر لأنه مخالفة في القيام والقعود في كل ركعة وهذا لا يصح لأنه إذا جوزنا هذ يتابعه إلى آخر الصلاة ويترك التشهد الأول متابعة له ويأتي معه بالتشهد في الركعة التي هي ثالثة متابعة له ولا يضره ذلك ثم إذا تمت ركعات صلاته وقام هو إلى الرابعة فعلى ما ذكرنا وهذا أوضح. فرع لو شرع في صلاة فائتة فحضرت صلاة الوقت جماعة لا يقطعها لأنه لا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى والله أعلم. باب موقف صلاة المأموم مع الإمام مسألة: قال وإذا أم رجلاً قام المأموم عن يمينه. الفصل وهذا كما قال، المأموم إذا كان واحداً فالسنة أن يقف عن يمين الإمام قال سعيد بن المسيب رحمه الله يقف على يساره وقال النخعي رحمه الله: يقف خلفه إلى أن يركع فإن أدركه آخر وقف معه وإن لم يدركه تقدم ووقف عن يمينه وهذا غلط لما ذكرنا من خبر ابن عباس رضي الله عنه في بيت ميمونة رضي الله عنها في هذا الخبر دلائل كثيرة أربعة ذكرناها والخامس: أنه يدل على أنه إذا وقف على يساره فإنه يجوز وإن

[353 ب/2] ترك السنة، والسادس: أنه لا يلزمه سجود السهو بذلك. والسابع: أنه إذا وقف عن يساره يلزمه أن يتحول إلى يمينه، والثامن: أن يؤخره الإمام بيمينه لا يساره، والتاسع: أن يريده من خلفه لا من قدامه، والعاشر: أنه يحرم الكلام في صلاة النفي. والحادي عشر: أنه يدل على أن المشي اليسير لا يبطل الصلاة. والثاني عشر: أن للصبي موقفاً في الصف كالبالغ وابن عباس رضي الله عنهما كان صبياً فإذا ثبت هذا فإن تركه الإمام على يسار نفسه وصلى معه لم تبطل صلاة واحد منهما وإذا أراد أن يدور عن اليسار إلى اليمين فالمأموم يدور دون الإمام لأنه تابع فهو أولى بالانتقال وإن كان المأموم اثنين يقومان وراء الإمام. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال يقف بينهما وروي أنه تمسك بثلاث سنن منسوخة. أحدها: هذا، والثانية: التطبيق في الركوع، والثالثة: الإقعاد في الصلاة والدليل عليه في هذا الموضع ما روى جابر رضي الله عنه قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجئت ووقفت على جنبه فجاء جابر بن صخر فوقف عن يساره فأخرنا بيده حتى [354 أ/2] صيرنا خلفه. فإن وقفا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أو وقف كلاهما عن يمينه لم تبطل صلاة أحد واحتج بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه صلى بين علقمة والأسود فلما فرغ قال: هكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا: صار منسوخاً بخبرنا. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كانوا ثلاثة تقدم واحد وتأخر اثنان" وقال مسعود: غلام فروة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وإلى جنبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصلي فدفع - صلى الله عليه وسلم - في صدر أبي بكر فقمنا خلفه. فإذا تقرر هذا فإذا جاء الثاني ووقف على يساره وأحرم فإن كان قدام الإمام واسعاً ووراءه ضيقاً تقدم الإمام وإن كان قدامه ضيقاً وورائه واسعاً تأخر المأمومان لأنهما تابعان للإمام. وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يتقدم الإمام وذكر بعض أصحابنا بخراسان مثله وهو غلط لما ذكرنا. وقال القاضي الطبري: إذا جاء آخر يقف على يساره ويحرم [354 ب/2] فإذا أحرم فإما أن يتقدم الإمام عليهما أو يتأخر المأمومان عنه ويكره أن يحذر المأموم الذي عن يمينه فإنه لم يصر بعد في الصلاة فلا يجوز له ترك موقفه لأجله وكلام سائر أصحابنا يدل على أنه يتأخر المأموم إلى الجائي قبل الشروع في الصلاة، والصحيح ما ذكره القاضي رحمه الله قال: ولو جاء ثالث وهما قاعدان في التشهد الأخير فالمستحب أن يقعد عن يساره متشهداً ولا يتأخران عنه قل في التأخر في حال القعود أو تقدم الإمام مشقة والمرأة إذ أمت امرأة قامت عن يمينها فإذا جاءت أخرى فإنها تقوم عن يسارها لأن إمامة النساء تقوم وسطهن ولو أم صبياً وقفا معاً خلفه. فرع لو كان معه صف من الرجال وصف من الصبيان خلف الرجال ومن أصحابنا من قال: يقف بين كل رجلين صبي حتى يتعلم أفعال الصلاة والأول: هو المذهب لقوله - صلى الله عليه وسلم - "ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق" يعني ما يكون فيها من [355 أ/2] ارتفاع الأصوات وما

يحدث فيه من الفتن وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه وأما ما ذكروه موجود إذا صلوا خلفهم فإنهم يتعلمون منهم. مسألة: قال وإن كان امرأة أو خنثى مشكلاً قام كل واحد منهما خلفه وحده وهذا كما قال: المرأة إذا صلت مع الرجل وقفت وراءه على ما ذكرنا وإن كان إمام ورجل وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام والمرأة ورائه والدليل عليه ما روى أنس رضي الله عنه أن حدثته مليكة دعت النبي - صلى الله عليه وسلم - لطعام منعته فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصل بكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين وكانت العجوز أم سليم وهذا يدل على نسخ ما قاله ابن مسعود وروى الشافعي رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم أنس وعجوزاً منفردة خلف أنس وأراد بالعجوز أم سليم وهي أم أنس. وإن كان إمام وخنثى مشكل وقف الخنثى [345 ب/2] خلفه لجواز أن تكون امرأة وإن كان إمام ورجل وخنثى وامرأة وقف الرجل على يمين الإمام ثم الخنثى خلفه ثم المرأة خلفه وإن كان هناك رجال ونساء وصبيان وخناثى فالرجال يلون الإمام ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى ثم النساء. قال - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها وشرها أخرها". فرع لو تقدم المأموم على الإمام قال في الجديد: بطلت صلاته وبه قال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله: وقال في القديم تصح صلاته قال مالك، وإسحاق، وأبو ثور رحمهما الله: واحتجوا بأن مخالفة الموقف لا تبطل الصلاة كما لو وقف على يسار الإمام ووجهه قوله الجديد هو الصحيح لأنه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين بحال فلا تصح صلاته كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد وبهذا فارق إذا وقف عن يساره لأن اليسار قد يكون موقفاً للمأموم بخلاف القدام. فَرْعٌ آخرُ لو كان الناس في المسجد الحرام مستديرين حول الكعبة فصلوا بصلاة الإمام فإن كان الإمام أقرب إلى الكعبة من المأمومين صحت صلاتهم، وإن كان بعضهم أقرب إلى الكعبة من الإمام قال [356 أ/2] أبو إسحاق: تبطل صلاتهم لأنهم تقدموا على الإمام. وهذا بخلاف نص الشافعي لأنه نص في كتاب الإمامة على خلاف هذا فقال: ويجتهدون أن يكونوا أبعد عن البيت من الإمام فإن لم يفعلوا وعلموا وبعضهم أنه أقرب إلى البيت من الإمام فلا إعادة عليهم ثم قال: ولا تجزي صلاة الذين يصلون من جهته إلا أن يكونوا خلفه فإن لم يفعلوا عادوا ففرق الإمام بين من كان خلف الإمام يتوجه إلى الكعبة وبين من كان موجهاً إلى الكعبة من جهة أخرى وذكر في الفرق بينهما أن من هو في غير جهته لا يخفى عليه فعله وليس كذلك إذا كان الإمام في جهته خلفه لأنه يخفى عليه فعله فلم يجز وأيضاً من كان محاذياً له لما جاز له التوجه إلى غير جهة

الإمام وجاز له التقدم عليه ومن هو خلفه لما لم يجز له أن يتوجه إلى غير جهة الإمام لم يجز له التقدم عليه وهذا هو الجواب إن احتج به أصحاب مالك على جواز التقدم وكذلك في الكعبة لو استقبل أحدهما صاحبه على هذا الوجه يجوز وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه إذا تقدم المأموم على الإمام [356 ب/2] في الكعبة تجوز وهذا الإطلاق خطأ وإنما يجوز على ما ذكرنا. مسألة: قال وركع أبو بكر وحده وخاف أن تفوته الركعة فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره بالإعادة وهذا كما قال من دخل وقد استوت الصفوف فإن وجد فرجة وقف فيها معهم في الصف ثم آخر فإن أحرم خلفه ثم دخل الفرجة فإنه يكره ويجوز صلاته، وهكذا لو مضى على صلاته وحده ولم يدخل معهم في الصف كره وأجزأه وبه قال الحسن، وأبو حنيفة، والثوري، ومالك، والأوزاعي، وابن المبارك رحمهم الله وروي ذلك عن زيد بن ثابت. وقال أحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، وداود: لا تنعقد صلاته وبه قال النخعي، والحسن بن صالح واختاره ابن المنذر واحتجوا بما روى وابصة بن معبد: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى، ثم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. وأيضاً روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل صلى خلف الصف: أنها خلف الصف هلا دخلت في الصف أو جررت رجلاً من الصف فيصلي معه أعد صلاتك. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -[357 ا/2] قال: "لا صلاة للمنفرد خلف الصف" وهذا غلط لخبر أبي بكرة وتمام الخبر ما روي أن أبا بكرة دخل المسجد فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركوع فخاف أن تفوته الركعة فركع وحده خلف الصف ثم خطا خطوة أو اثنتين حتى اتصل بالصف فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته روي أنه قيل له ذلك وروي أنه علمه لأنه كان يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من قدامه فأقبل على أبي بكرة. وقال له: يا أبا بكرة زادك الله حرصاً ولا تقرأوا اسم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم السكينة والوقار وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا" ولأنه أخطأ في الوقف ولم يخرج عن حد المتابعة فأشبه إذا وقف الواحد على يسار الإمام وأما خبرهم الأول والثاني فإنا نحمله على الاستحباب وأما الثالث فلعله أساء إلى رجل بعينه كان منافقاً أو لم يتم ركوعه وسجوده فقال: لا صلاة له. فإن قيل فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكرة عن القعود قلنا: إنما تنهاه لأجل الكراهة أو أراد لا تعد إلى التأخر. وقال بعض أصحاب [357 ب/2] أحمد إدا افتتح صلاته منفرداً خلف الإمام فلم يلحق به أحد من القوم حتى رفع الإمام رأسه من الركوع فلا صلاة له ومن تلاحق به بعد ذلك فصلاتهم كلهم فاسدة وإن كانوا مائة نفر ولو التحق بالصف أو تلاحق به القوم قبل رفع الإمام رأسه من الركوع تصح صلاتهم وكان الزهري، والأوزاعي يقولان في الرجل يركع دون الصف إن كان قريباً من الصفوف أجزأه وإن كان بعيداً لم يجزه.

فرع لو دخل المسجد ولم يجد في الصف فرجة، يصلي خلف الصف وحده وذكر أبو حامد أنه يستحب له أن يجذب رجلاً من القوم ليقف معه خلف الصف فإن لم يفعل هذا كره وأجزأه وبه قال جماعة من أصحابنا وقالوا: لا نص فيه وذكر القاضي الطبري أن الشافعي رحمه الله نص في البويطي أنه يقف وحده ولا يجذب رجلاً وهو أصح لأن في جذبه رجلاً يحدث خللاً في الصف الأول ويحرمه فضيلة الصف الأول وليس له ذلك. فَرْعٌ آخرُ لو وجد في الأول فرجة فدخل رجل له أن يتقدم ويسد الفرجة وإن احتاج إلى المرور بين يدي [358 أ/2] آخر لأن الذي ترك الفرجة بين يديه في الصف الأول منع حق نفسه حين لم يتصل بالصف الأول. مسألة: قال وإن صلت امرأة بين يديه أجزأته صلاته وهذا كما قال في رواية ابن خزيمة وإن صلى وبين يديه امرأة وقصد به الرد على أحمد رحمه الله حيث قال: ومرور الحائض بين يدي الرجل في الصلاة تبطل صلاته وأخذ بالخبر الذي تقدم وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها لما أخبرت بذلك قالت: "بئس ما عدلتمونا بالكلاب كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على فراشي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة فكان إذا سجد غمز وجلي فأقبضهما وإذا رفع مددتهما" والقصد به الاحتجاج على أبي حنيفة ووجهه أن المرأة إذا لم تكن في الصلاة فإذا وتكون قائمة بخلاف ما إذا كانت في الصلاة فإذا لم تضر. صلاة الرجل في شر حاليها فلأن لا تضر صلاته في أحسن حاليها أولى. مسألة: قال وإن صلى رجل في طرف المسجد والإمام في طرفه ولم تتصل الصفوف بينه وبين الإمام. الفصل وهذا كما قال إذا صلى الإمام في المسجد وصلى غيره لصلاته نظر [358 ب/2] فإن كان معه من جوف المسجد صحت صلاته سواء كان بينهما حائل أو لم يكن، بعدت المسافة بينهما أو قربت، اتصلت الصفوف أو لم تتصل، إذا كان له طريق إلى العلم بصلاة الإمام فإن كان سميعاً بصيراً علم بالسماع والمشاهدة لأنه يشاهد الركوع والسجود ويسمع التكبير وقول سمع الله لمن حمده منه، أو من غيره ممن يأتم به وإن كان بصيراً أصم علم بالمشاهدة وإن كان أصم ضريراً لم يجز حتى يكون إلى جنب من يسدده للركوع والسجود، فإن لم يكن أو كان ولكنه لم يثق به لم يجز أن يقتدي به ويجوز لهذا الضرير الأصم أن يكون إماماً لأنه يصلي لنفسه ولا يقتدي بغيره بل غيره يقتدي به والمساجد اللطاف المتصلة بالجامع فإن حكمها حكم المسجد الكبير فإذا وقف المأموم فالمسجد اللطيف والإمام في المسجد الكبير صحت صلاته وإن كان الباب الذي بين المسجدين مردوداً لأن الجميع بني للجماعة الواحدة ولو وقف الإمام

في أسفل المسجد والمأموم على سطح المسجد صحت صلاته لأن سطح المسجد هو من جملة المسجد [359 أ/2] ألا ترى أنه يجوز للجنب اللبث فيه والمستحب له أن يتأخر حتى يكون من وراء الإمام فإن حاذاه كرهنا له ذلك وأجزأه وإن تقدم حتى يصير إلى القبلة أقرب فهو على القولين ولو كان الإمام في ظهر المسجد والمأموم أسفل فإنه يجوز أيضاً وقال أبو حنيفة رحمه الله هذا يجوز ولكن إذا كان المأموم أعلا والإمام أسفل فإن كان المأموم أعلا بأقل من قامة الرجل صحت الصلاة وإن كان أكثر من ذلك لم تجز صلاته وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد ولم يفصل ولو كان الإمام في المقصورة والمأموم في الصحن أو رحبة المسجد جاز وإن زادت المسافة بينهما على ألف ذراع مثلاً والرحبة هي البناء المبني لدخوله متصلاً به أو فنائه وهو ما يقارب بابه وجداره من حريمه ومطرح ترابه كالعادة الجارية في أفنية الدور وهكذا لو كان الإمام في بئر المسجد أو المأموم فيها والإمام خارج أو كان أحدهما على المنارة والآخر أسفل كل ذلك جائز وإن كان الإمام في المسجد والمأموم خارج المسجد في غير [359 ب/2] رحبة ففيه ثلاثة مسائل؛ إحداها: أن لا يكون دونه حائل بحال مثل أن لا يكون للمسجد حائل يحول دون روية من فيه من حائط وغيره لو يكون له حائط إلا أن باب المسجد بحذائه أو يمينه أو يساره مفتوح فإن كانت الصفوف متصلة صحت صلاته وإن خرجت فرسخاً أو أكثر وإن كانت الصفوف متقطعة قال الشافعي رحمه الله تصح صلاته على القرب ولا تصح من البعد وهو أن يكون منقطعاً على قدر ثلثمائة ذراع واختلف أصحابنا من أي موضع أخذ الشافعي هذا التحديد على وجهين: أحدهما: وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما أنه أخذه من صلاة الخوف يوم ذات الرقاع فإنه يحني عن المصاف بقدر رميتهم وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا وقيل أخذه من صلاة الخوف فإنه صلى بفرقة ركعة فانصرفت وهم في الصلاة إلى وجاه العدو وأتت الفرقة الأخرى فأحرمت من خلفه فصارت الفرقتان في مكان بين التي معه والتي تحرسه ثلثمائة ذراع وقال ابن الوكيل، وابن جبران رحمهما الله إنما أخذه [360 أ/2] من العرف والعادة لأنه قال ما يعرف الناس قوماً وكذلك ثلثمائة ذراع فما دونها وهذا ظاهر المذهب ثم اختلف أصحابنا أنه تحديد أو تقريب قال أبو إسحاق رحمه الله: هذا تحديد فإن جاوز ثلثمائة ذراع لم تجز صلاته قال أبو إسحاق والذي قال المزني أجاز ذلك في الإملأ بلا تأقيت مطلق محمول على ما قيده ههنا وهذا هو المذهب المشهور ذكر القاضي الطبري رحمه الله ومن أصحابنا من قال هو تقريب وليس بتحديد فإن زاد عليها قليلاً قدر ثلاثة أذرع لم يضر وهذا هو اختيار المزني رحمه الله وهو الصحيح عند مشايخ خراسان وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في الأم وذلك ليس بشيء وهذا لأن الشافعي قال مائتي ذراع أو ثلثمائة ذراع أو نحو ذلك وهذا ليس إلا للتقريب ولأنه اعتبر ذلك من صلاة الخوف أو العرف أو العادة وليس ذلك إلا بالتقريب وهل يعتبر هذه المسافة

من الإمام أو من آخر المسجد؟ فيه وجهان؛ أحدهما: يعتبر من موقف الإمام إن لم يكن خلفه أحد في المسجد أو من آخر [360 ب/2] الصفوف إن كانت خلفه صفوف، والثاني: وهو المذهب أنه من آخر المسجد في صحراء موات لا مالك له أو كان ملكاً لرجل واحد فإن كانت أملاكاً مختلفة ففيه وجهان؛ أحدهما: يجوز ولا اعتبار باختلاف الليل وإنما الاعتبار باختلاف الأبنية ولا بناء ههنا. والثاني: لا يجوز أن يكون الإمام في ملك والمأموم في ملك آخر وهذا كان اختيار القفال رحمه الله ثم رجع عنه وهذا الوجه الثاني لا وجه له عندي. المسألة الثانية، والثالثة: أن يكون بينه وبينه حائل فإن كان الحائل من غير المسجد لم يختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: حائط المسجد ليس بحائل لأنه بني لمصلحة المسجد كالسواري في الوسط وقال عامة وهو المذهب الصحيح وهو حائل يمنع صحة الصلاة لأنه بني الفصل بينه وبين غيره بخلاف غيره ولأن عائشة رضي الله عنها قالت لنسوة صلين في حجرتها: لا تصلين بصلاة الإمام فإن كان دونه في حجاب لم يكن بين منزلها والمسجد إلا سور المسجل لأن باب منزلها كان ينفذ إليه وقيل هذه الحكاية لا تصح [361 أ/2] عن أبي إسحاق ونص في الشرح على خلافه وإن كان الحائل يمنع الاستطراق دون المشاهدة مثل المشبك فعلى قول أبي إسحاق هذا أولى أن لا يكون حائلاً وعلى هذا المذهب في هذا وجهان؛ أحدهما: لا يكون حائلاً لأنه لا يمنع النظر إلى من في المسجد فهو كالباب المفتوح. والثاني: يكون حائلاً لأنه يمتنع للاستطراق بخلاف الباب المفتوح وهذا أقرب. فرع لو كان باب المسجد مفتوحاً والناس في المسجد فوقف رجل بحذاء الباب يصلي بصلاة الإمام فإن صلاته صحيحة وصلاة من على يمينه ويساره وإن اتصل الصف وطال وكذلك صلاة من خلفهم وإن اتصلت الصفوف لأنه إذا كان في الصف من يرى بعض المأمومين أو من بين يديه صحت صلاة الكل وأما صلاة من وقف قدامه على يمين المسجد أو يساره ولم يقف أحد منهم بحذاء الباب هل تصح صلاته؟ المذهب أنه لا تصح وعلى قول أبي إسحاق تصح وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل قول أبي إسحاق وهذا غلط كما ذكرنا ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا [361 ب/2] في المسجد" وأراد بصلاة الإمام في المسجد ولم يرد به إذا لم يكن حائل يدل على أنه أراد إذا كان حائل وحكي الشافعي رحمه الله عن عطاء رحمه الله أنه قال يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته ولم يراع القرب وهذا لا يصح لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9] فظاهره أن السعي واجب وإن علم بصلاة الإمام وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو صليتم في بيوتكم لضللتم" ومذهب عطاء جوازها في بيته وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: يصلي بصلاة الإمام من علم صلاته إلا في الجمعة. وهذا غلط أيضاً لما سبق من الدليل ويقيس على الجمعة. مسألة: قال وكذلك الصحراء والسفينة.

الفصل وهذا كما إذا كان الإمام في الصحراء والمأموم يصلي بصلاته وبينهما مسافة يعتبر القرب والبعد على ما ذكرنا ومقدار المسافة يعتبر في أخر الصفوف والشارع والطريق بين الصفوف ليس بحائل وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله هو حائل يمنع الائتمام وقيل أنه وجه آخر وليس بشيء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[362 أ/2] أنه قال: "من كان بينه وبين الإمام طريق فليس هو مع الإمام" وهذا غلط لما روي أن أنساً رضي الله عنه كان يصلي الجمعة في بيوت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام في المسجد وهو الوليد بن عبد الملك وبينه وبين المسجد طريق ولم ينكر منكر ولأن ما بينهما تجوز الصلاة فيه فلا يمنعها هو لأن ذلك لا يمنع الاستطراق ولا المشاهدة وأما الخبر الذي ذكروا فإنه لا أصل له في كتب أصحاب الحديث أو هو محمول على البعد أو الكراهة وأما في السفينة فقد ذكرنا جواز الصلاة فلو كان الإمام في سفينة والمأموم في أخرى فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ إما أن تكونا مغطاتين أو إحداهما مغطاة والأخرى مكشوفة أو كلتاهما مكشوفتين فإن كانتا مغطاتين أو إحداهما، لم تجز صلاة المأمومين لأن السفينتين هما في حكم الدارين فلا يجوز أن يكون بينهما حائل، وإن كانت مكشوفتين فإن كانت إحداهما مشدودة إلى الأخرى صحت الصلاة لأنهما كالبيت الواحد وإن كانت إحداهما منفصلة عن الأخرى ولم يكن بينهما بعد فالمذهب جواز الصلاة وإن الماء ليس بحائل وقال أبو سعيد [362 ب/2] الأصطخري: لا يجوز لأن بينهما ما يمنع الاستطراق وبهذا قال أبو حنيفة: وهذا غلط بخلاف المنصوص لأن الماء لا يمنع الاستطراق بسباحة على لوح ولأنه إن نصب الماء يمكن الاستطراق قيام الماء مانع منه فأشبه النار وقد سلم في النار أنها لا تمنع الائتمام وقال الإمام أبو محمد الجويني: الانقطاع ببعد المسافة، أو بنهر عظيم يجرى بينه وبين المسجد، أو بملك لغيره، لا يجوز له الوقوف فيه متى كان بينه وبين المسجد حائل يتعذر به الوصول إلى المسجد من موقفه حتى يحتاج إلى أن يتيامن أو يتياسر فيقطع قنطرة، أو يركب سفينة فذلك في العادة قطر وإلا فلا وهذا أحسن، ولكنه خلاف النص الذي ذكرنا. فرع لو كان هناك جسر بينه وبين الإمام فلا شك أن الماء ليس بحائل وكذلك إن كان هناك نهر وليس في النهر ماء أو كان نهر صغير بحيث يمكنه العبور إلى الجانب الآخر أو قل الماء في النهر العظيم كذلك لا يكون حائلاً ولو كان النهر في المسجد وهما في المسجد فلا نص بلا إشكال لأن المسجد جامع وقيل فيه وجهان وليس بشيء. مسألة: قال [363 أ/2] وإن صلى في دار قرب المسجد. الفصل. وهذا كما قال إذا صلى الرجل في الدار بصلاة الإمام في المسجد فإن كان حائط الدار هو حائط المسجد فعلى ما ذكرنا من مذهب أبي إسحاق وغيره وإن كان بينهما حائل غير حائل غير حائط المسجد فإن كان لا يشاهد أحداً من المأمومين لا يجوز أن يصلي بصلاة

الإمام بحال، وإن كان يشاهد بعض المأمومين، فلا يخلو إما أن يكون الباب مفتوحاً والصفوف متصلة حتى دخلت إلى داره أو لا يكون كذلك. فإن كانت متصلة على ما ذكرنا فصلاته صحيحة، لأنا بينا أن مواضع الصفوف هي بمنزلة المسجد وإن كانت متصلة متقطعة ولكنه واقف بحذاء الباب ويبصر بعض الصفوف في المسجد أو خارج المسجد، فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يجوز ائتمامه إذا كان بينهما مقدار ثلثمائة ذراع فما دونها وهو الصحيح كما يقول إذا وقف في بعض الشوارع والطرقات ومن أصحابنا لا يجوز حتى يكون العقول متصلة إلى داره لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لم يجز إلا بأن تتصل به الصفوف ولا [363 ب/2] منه وبينهما فاعتبر فيه شرطين؛ أحدها: عدم الحائل، والثاني: الصفوف وتفارق الطريق والشارع لأنه جعل ذلك لمرافق المسلمين وهذا أحد المرافق بخلاف الدار والأول هو المذهب وعليه المحصلون من أصحابنا قول الشافعي رحمه الله إلا أن تتصل به الصفوف أراد بألا .. أن يكون بينه وبين آخر الصفوف أو آخر المسجد ثلثمائة ذراع فما دونها لأن ذلك عنده في ذلك الصف أو خلفه صحت صلاته ومن وقف قدامه ولم يكن محاذياً للباب لا تصح صلاته خلفه. فرع قال ولو وقف خلف صفوفه متصلة في دار بيت من الدار لم يكن له أن يصلي حتى تتصل الصفوف في البيت وأراد به إذا كان في البيت لا يرى أحداً من أهل الصف فإن كان يرى بعضهم وكان بينه وبين آخر الصفوف ثلثمائة ذراع أجزأته صلاته هكذا ذكره القاضي الطبري وقال بعض أصحابنا إن كان هذا الصف الثاني في قرار. ولا حائل فإنه يجوز وإن كان من ذلك حائل مثل إن كان في بيت أو في علو الدار في غرفة أو سطح لا يجوز سواء شاهد الصف [364 أ/2] أو لم يشاهد لأن الشافعي علل فقال: لأن علوها باين من المسجد ونحو هذا ذكره القفال ولعل مواد القاضي الطبري هذا التفصيل أيضاً وهو الأشهر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: كيفية اتصال الصفوف ههنا أن ينظر فإن كان البيت على يمين المسجد أو يساره ولم يكن له باب شارع إلى المسجد فلا يتصور اتصال الصفوف ولا يجوز الاقتداء منه بإمام المسجد بأن يقف رجل في المسجد وآخر داخل العتبة الحائلة بين البيت والمسجد ولا يكون بينهما إلا ما يكون بين رجلين من الصف على العرف والعادة حتى لو كانت العتبة عريضة فتباعد الرجلان، لا يجوز إلا بأن يقف واحد على العتبة ليحصل الاتصال فإذا حصل هكذا واتصل الصف جاز، وإن كان البيت وراء المجد فمن أصحابنا من قال: لا يتصور الاتصال هناك بحال ولا تصح الصلاة خلفه من ههنا ومن أصحابنا من قال: يتصور بأن يقف صف في المسجد أو رجل واحد وصف في البيت أو رجل ولا يكون بين الصفين في سائر المواضع على العرف [364 ب/2] ثم إذا حصل هذه فصلاة جميع من يكون في ذلك البيت جائزة وإن لم تتصل بهذا الرجل الذي وقف داخل العتبة وحصل به الاتصال ثم هكذا لو كان في البيت بيت آخر فالاتصال بين من في البيتين على نحو ما ذكرنا. وإن وقف قوم على سطح البيت الذي بجوار المسجد لم يجز إلا

بأن تتصل الصفوف بهم من سطح المسجد، فيجوز حينئذ قال أصحابنا: ويجوز في موضع آخر وهو أن يكون السطح غير عال وصحن المسجد مرتفعاً حتى إذا وقف رجل في المسجد ورجل على سطح البيت لم يكن قدر ذلك بحذاء رأس هذا الذي في المسجد ولكن تحصل المحاذاة بين جسديهما ببعض الجسد فيكون ذلك في حكم المتصل إذا وقف على حرف السطح ووقف الذي في المسجد بجنبه قريباً منه وهذا كله اختيار القفال وقيل: خلف المسجد، فعلى وجهين أيضاً كالدار خلف المسجد وقال القفال: لو اختلفت البقعة مثل لو كان الإمام في الصفة وهو في البيت يشترط اتصال الصف حتى يصح اقتداؤه به لاختلاف البناء بخلاف المسجد فإن اختلاف الأبنية فيه [365 أ/2] لا يضر قال و .. فاقتدى من أحدهما الذي في الآخر لا يجوز إلا باتصال الصفوف كالبيتين وهذا كله خلاف المشهور في المذهب والذي تقدم هو أصح. فَرْعٌ آخرُ المستحب أن يتقدم الرجل الصف الأول لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة وروي ما في الصف الأول استهوا عليه وروى البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول" والمستحب أن تعمدوا يمين الإمام لما روى البراء رضي الله عنه قال: كان يعجبنا عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان يبدأ بمن على يمينه فيسلم عليه. فإن وجد في الصف الأول فرجة فالمستحب أن يسدها لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال أتموا الصف الأول" فإن كان نقص ففي المؤخر وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "رصوا صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق فإن الشيطان يدخل بين ذلك الصف" وروى ابن عباس رضي الله عنه قال: خياركم ألينكم مناكب [395 ب/2] في الصلاة. فقيل: لين المناكب لزوم السكينة والطمأنينة فيها لا يلتفت وقيل: أراد لا يمتنع على من يريد الدخول بين الصفوف لسدد الخلل ولصق المكان بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه لتتراص الصفوف. مسألة: قال ومن خرج من إمامة الإمام فأتم لنفسه. الفصل وهذا كما قال. قد ذكرنا هذه المسألة وذكرنا خبر معاذ وروى أنه ما رئي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد غضباً منه في تلك الموعظة، وقال: أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت؟ أين أنت من {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس:1] إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف الخبر إلى آخره والله أعلم. وهذا آخر الجزء الثاني ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى (باب صلاة الإمام وصفة الأئمة) قد تم نسخ هذا الكتاب بمعرفة محمود صدفي النساخ نقلاً عن نسخة الأصل الموجودة بالكتبخانة الخديوية وذلك في يوم الاثنين ربيع الثاني سنة 1325 هـ الموافق مايو سنة 1907 م [366 أ/2].

باب صلاة الإمام وصفة الأئمة

باب صلاة الإمام وصفة الأئمة مسألة: قال: وصلاة الأئمة قد قال أنس بن مالك. الفصل وهذا كما قال: قد ذكر فيما قيل: إن المستحب لمن كان إماماً أن يخفف الصلاة بعد أن يأتي بالذكر والأفعال على الكمال، ويكون التخفيف من ترك تطويل القراءة، وإذا صلى وحده يطول كيف يشاء. وقال بعض أصحابنا: يخفف أذكارها ويكمل أفعالها ومعناهما واحد، والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء". وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم -: "كان أخف الناس صلاة بالناس، وأطول صلاة على نفسه"، فإن كان الإمام يصلي بقوم محصورين يريدون التطويل كأهل محله، أو كانوا في سفر طول كيف شاء إذا رضوا بذلك ذكره أبو إسحاق وقال غيره يستحب ذلك. مسألة: "قال ويؤمهم أقرؤهم وأفقههم". وهذا كما قال: الصفات التي يتعلق بها التقديم للإمامة في الصلاة سنة أشياء: الفقه، والقراءة، والسن، والنسب والهجرة، فالنسب: هو أن يكون قريشياً فيكون أولى من [1 أ/3] العربي، والعربي أولى من غيره، وبنو هاشم وبنو المطلب يقدمون على غيرهم من قريش، والهجرة: أن يكون من هاجر من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو من أولاد المهاجرين ممن سبق إلى الهجرة أو سبق أبوه إليها كان أولى ولا فرق بين أن تكون الهجرة قبل الفتح أو بعده، فإن قيل: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح"، قلنا أراد أن لا تجب الهجرة، وأما فضيلة الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تسقط. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذه الهجرة تحتمل معنيين: أحدهما: هجرة النسب، والثاني: هجرة نفسه مثل أن يكون رجلان أسلما في دار الحرب وسبق أحدهما الآخر بالهجرة إلى دار الإسلام، فإن كان المراد ذلك هل يكون أقدم من السن؟ قولان: وهذا حسن ولكنه خلاف النص، وأما السن: فإن المراد من طال منه مسلماً. فأما من له سبعون سنة فأسلم الآن فإنه لا يكون كمن أسلم أمس وإن كان

أصغر منه سناً، وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أم قوماً وفيهم من هو أقرأ [1 ب/3] للقرآن منه وأفقه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة، فإذا ثبت هذا فلا يختلف المذهب أن القراءة والفقه مقدمان على غيرهما من الشرائط لأنهما يختصان بالصلاة بخلاف غيره. ثم ينظر فيه فإن استويا في الفقه وأحدهما أقرأ فالأقرأ هو أولى وإن استويا في القراءة وكان أحدهما أفقه فالأفقه أولى، وإن كان أحدهما يقرأ ما يكتبه في الصلاة وليس فقيه، والآخر لا يقرأ ما يكفيه في الصلاة، وهو فقيه فالقارئ أولى؛ لأن الفرقة شرط بخلاف الفقه، فإن كان أحدهما يقرأ ما يكفي الصلاة وهو كتاب الفقه والآخر يفقه ما يكفي الصلاة وهو القراءة قال في كتاب "الإمامة" إن قدم الفقيه فحسن، وإن قدم القارئ ههنا فحسن ثم قال بعده: يشبه أن يكون من كان فقيهاً وقرأ من القرآن شيئاً هو أولى بالإمامة لأنه قد ينو به في الصلاة ما يعلم كيف يفعل به من الفقه ولا يعلمه من لا فقه له وهذا ترجيح منه للفقيه على القارئ وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله والأوزاعي وأبو ثور وعطاء بن أبي رباح وهذا لأن القراءة الواجبة هي محصورة بخلاف الفقه الذي يحتاج إليه المصلي. ومن أصحابنا من أطلق [2 أ/3] وقال: هما سواء في قول الشافعي لأن الفضيلتين تقابلتا والصحيح ما ذكرنا، وهو ظاهر في آخر كلام الشافعي. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: -رحمهم الله-: القارئ أولى واختاره ابن المنذر رحمه الله واحتجوا بما روى أوس بن ضمغج عن ابن مسعود البدري رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه". وتكرمته: فراشه. وروي في هذا الخبر فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة وهذا غلط لما ذكرنا من الدليل، ولهذا كان الفقيه بالقضاء والإمامة الكبرى أولى من القارئ، وأما الخبر فأجاب الشافعي بما قال: إن من مضى كانوا يسلمون كباراً يتفقهون قبل أن يقرؤوا ويريد به الصحابة الذين هم المخاطبون من بعدهم من التابعين إلى يومنا هذا، كانوا يقرؤون القرآن صغاراً قبل أن يتفقهوا، وأراد لم يكن أحد من الصحابة أقرأ إلا وهو فقيه إذ ذاك وكثير منهم كانوا فقهاء ولم يكونوا قراء واليوم يتعلمون [2 ب/3] الناس القرآن صغاراً، ويتفقهون كباراً فكثير منهم يكونون قراء ولا يكونون فقهاء فلهذا لم نقدم الأقرأ اليوم على الأفقه. وقد روي أنه لم يجمع جميع القرآن من الصحابة إلا ستة، فقرأ أبو بكر وعثمان

وعلي وزيد وأبي وابن مسعود ثم بعدهم ابن عباس رضي الله عنهم، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يحكم عليها أو يعرف حلالها من حرامها"، فإن استويا في الفقه والقراءة معاً ففيه قولان: قال في "القديم": يقدم بالشرف فإن كان في الشرف سواء فقدم الهجرة فإن كانا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً، وقال في "الجديد": السن يتقدم على الشرف والهجرة فإن كانا في السن سواء فالشرف أولى، فإن كانا في الشرف سواء فأقدمهم هجرة فلا يختلف القول: إن الهجرة تلي الشرف، وإنما الخلاف في السن هل يقدم عليهما أو يؤخر عنهما؟ فيه قولان: فالترتيب على قوله القديم: القراءة والفقه والشرف والهجرة والسن، وعلى قوله الجديد: القراءة والفقه والسن والشرف والهجرة وأن ... علامة للحفظ فقل هل السن أوسطها أم آخرها؟ قولان: ووجه قوله القديم وهو اختيار [3 أ/3] أبي إسحاق قوله - صلى الله عليه وسلم -: "قدموا قريشاً"، ولأن النسب حصل بأمر مكتسب كانا لآبائه والسن صفة تحدث ليست بمكتسبة فالمكتسب أولى ووجه قوله الجديد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤمكم أكرمكم"، ولأنه فضل في نفسه والنسب فضل في آبائه ولأن من كبر سنه يكون أسكن وأخشع في الصلاة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي رحمة الله عليه فإن استويا فأقدمهم هجرة، فإن أراد المزني أنا لو صورنا رجلين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدهما من المهاجرين الأولين، والآخر من مسلمي الفتح فالأمر كما قال، وإن أراد أن ولد المهاجر أولى من ولد من لم يهاجر فهو نسب، والنسب يقدم أو السن؟ فيه وجهان وهذا غلط؛ لأنا نقلنا لفظ الشافعي فيه، والهجرة غير النسب فلا معنى للوجهين مع النص، فإن تساويا في كل هذا. قال أصحابنا: تقدم أورعهم وأدينهم وقال بعض المتقدمين: يقدم أحسنهم فمن أصحابنا من قال: أراد أحسنهم صورة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "يؤمكم أحسنكم وجهاً فإنه أحرى أن يكون أحسنكم خلقاً" ذكره في الحاوي [3 ب/3] ولأنه فضيلة كالنسب. ومنهم من قال: يقدم أحسنهم بين الناس ذكراً وأشدهم طريقة وهذا أحسن ذكره القاضي الطبري رحمه الله وروت عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب انه فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سناً فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجهاً فإن كانوا في الصباحة والحسن سواء فأكبرهم حسباً". وقيل بعد السن والنسب يقدم لطيفه الثوب على

الوسخ الثوب، لأن قلب الناس إليه أميل ثم يقام بعده حسن الصوت لما ذكرنا من تقدم حسن الصورة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى لا يحسن خلق رجل وخلقه وهو يريد أن يعذبه في النار". مسألة: قال ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه. الفصل وهذا كما قال: إذا اجتمع قوم في منزل رجل فصاحب المنزل أحق بالإمامة من جميع من قدمنا ذكره إلا أن يكون فيهم والٍ فإنه أحق من صاحب المنزل ولو حضر الخليفة ومن دونه فالخليفة أولى لأنه أعم سلطاناً، وإذا لم يحضر الوالي فلا يحتاج أحد في الإمامة إلى إذنه وإن [4 أ/3] كان في مسجد جامع مصر والأصل فيه ما ذكرنا من الخبر في رواية أبي مسعود الأنصاري، وقيل معنى التكرمة: الطنفسة، والمصلى الخاص الذي يتخذه الرجل لجلوسه فلا يوطأ ذلك إلا بإذنه لأنه قد يريد أن يكرم الغير بإجلاسه عليه فلا يفوت ذلك عليه أو يريد أن يجلس هو حتى يتميز عن غيره ولأن ولاية السلطان هي عامة وصاحب الدار واحد من رعيته فهو أولى، ويفارق ذلك ولاية النكاح لأنها تراد لطلب الحظ وحفظ العشيرة عن العار، فإن الولي الخاص هو أولى بذلك، والإمامة تراد للكمال والإمام أكمل ويفارق صلاة الجنازة في أحد القولين؛ لأن المطلوب منها الشفقة على الميت وإخلاص الدعاء له والاستغفار، والولي المناسب هو أحسن وأشفق من غيره ودعاؤه أرجى للإجابة فكان أولى من الوالي بخلاف هذا فإنه للكمال والإمام أكمل. وقال أبو يعقوب الأبيوردي: فيه قولان: أحدهما ما ذكرنا، والثاني: أن صاحب الدار أولى من الوالي لأنها ملكه فله أن يخص نفسه بالوقوف فيه وهذا غريب. وقال في "الحاوي": "إن كان إمام العصر فلا خلاف أنه أولى من الكل بكل [4 ب/3] حال" فإن كان إمام الوقت أو سلطان البلد ففيه قولان: أحدهما: رب الدار أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رب الدار هو أحق بالدار" والثاني: وهو الأصح المشهور في الجديد والقديم أن إمام الوقت أو السلطان أولى لأن ولايته عامة على ما ذكرنا فإن أذن لبعض الحاضرين بها جاز ولا يكره ذلك. فرع لا يجوز لواحد من الرعية أن ينصب نفسه إماماً في جامع البلد إلا بإذن سلطانه، لما فيه من الاستهانة به، والامتياز عليه في ولايته ولو عدم السلطان فارتضى أهل البلد بتقديم أحدهم جاز. فَرْعٌ آخرُ المساجد التي في الأسواق يجوز لأحدهم أنه يندب نفسه للإمامة فيها من غير إذن

السلطان لأنه يشق استئذانه فإن انتدب أحدهم وعرف أنه ليس لغيره التقدم عليه إلا بإذنه وهذا لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما حضر مسجد مولى له فقيل له: تقام فقال لمولاه: تقدم فإنك إمام المسجد. فَرْعٌ آخرُ لو دفع السيد إلى عبده منزلاً يسكنه فهو أولى بالإمامة فيها من غيره إلا أن يكون سيده [5 أ/3] حاضراً فيكون هو أولى؛ لأن الملك له وإن كان قد ملكه وقلنا: يملك بالتمليك لك لأن للسيد التحكم عليه فيما ملكه. فَرْعٌ آخرُ قال الشيخ أبو حامد رحمه الله: والمستعير كالعبد هو أحق بالإمامة ما لم يحضر المعير فإن حضر المعير فهو أحق، لأن للمالك الرجوع في العارية متى أراد، والمستأجر أولى بالإمامة من المؤجر، لأنه قد ملك المنافع بعقد الإجارة وهذا من جملة المنافع. وقال بعض أصحابنا بخراسان: المستعير كالمستأجر، وقال القفال رحمه الله في الابتداء: المعير كالسيد مع العبد كما قال أبو حامد رحمه الله: ثم رجع إلى أن المستعير أولى، لأنه يكن الدار لنفسه والعبد يكن لسيده والأول أصح عندي. فَرْعٌ آخرُ لو اجتمع مسافرون ومقيمون قال الشافعي رحمه الله: فإن كان الوالي من أحد القريتين صلى بهم مسافراً كان أو مقيماً وإن لم يكن فيهم وال فأحب إلي أن يؤمهم المقيم لتكون صلاتهم بإمام يريد به أن المقيم إذا أم المسافرين لزم المسافرون التمام فلا يؤدي إلى مفارقة الإمام في بعض الصلاة كما تؤدى إذا أم المسافر، قال: ويؤجر المسافرون على الجماعة وكمال عدد الصلاة وهذا يدل [5 ب/3] على أن الائتمام عنده أفضل من القمر والمشهور أن القمر أفضل، وإن أم مسافر قال: كرهت له ذلك إذا كان يصلي خلفه مقيم ولكن يجوز وبني المقيمون على صلاة المسافر إذا قصر. وقال في "الإملاء": لا بأس به، وقيل: قال في "الإملاء": هما سواء فحصل من هذا أن إمامة المقيم أفضل، ويجوز إمامة المسافر وهل يكره؟ فيه قولان والأظهر ما تقدم وهو اختيار القاضي الطبري. فَرْعٌ آخرُ لو حضر إمام المسجد في أول الوقت ولم يتكامل اجتماع الناس يقيم الصلاة ولا ينتظر كثرتهم؛ لأن الصلاة في أول الوقت مع الجماعة اليسيرة أفضل. قال أصحابنا: ولا يكره هذا بشرطين:،أحدهما: أن لا يفوت به أول الوقت، والثاني: أن لا يسبق على الحاضرين ويقدم الإمام في الصف الأول الشيوخ والعلماء وأهل الفضل.

فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": يكره للرجل أن يؤم قوماً وهم له كارهون، فإن فعل لم تبطل صلاته، ولم يكن مكروهاً للمأموم لأن إمامه لا يكره أن يصلي الناس خلفه وإن كرهه بعضهم دون بعض نظرنا إلى الغالب، فإن كان الأكثر يكرهون كرهنا وإن كان الأكثر لا يكرهون [6 أ/3] نكره؛ لأنه لا يخلو في العادة عن أن يكون فيهم من يكرهه، والأصل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة من يؤم قوماً وهم له كارهون، ولا صلاة امرأة وزوجها غائب عنها، ولا صلاة عبد آبق من سيده حتى يرجع"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يقبل الله صلاتهم: من أم قوماً وهم له كارهون، ومن استعبد محررة، ومن لا يأتي الصلاة إلا دباراً"، ومعنى الدبار أن يؤخر حتى يفوت ثم يأتي. قال الإمام أبو سليمان رحمه الله: هذا إذا اتخذه عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها، واستعباد المحرر من وجهين: أحدهما: أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره، والثاني: أن يستخدمه كرهاً بعد العتق، قال: وهذا الوعيد في الرجل الذي ليس من أهل الإمامة فينقلب عليها حتى يكره الناس إمامته، ولو كان مستحقاً للإمامة فالوعيد على من كرهه دونه، وشكا رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه يصلي بقوم وهم له كارهون، فقال له: إنك لخروط يريا أنك متعسف في فعلك، ولم يزده على ذلك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: [6 ب/3] هذا إذا لم ينصبه الإمام فإن نصبه الإمام لا يبالي فالكراهة من القوم، وقيل أراد الشافعي رحمه الله وأكره أن يتولى قوماً وهم له كارهون ولاية الحكم دون ولاية الصلاة. فرع إذا صلى الإمام على مكان مرتفع عن الناس، مثل أن يصلي على دكة أو سرير أو منبر نظر، فإن كان بالناس حاجة إلى تعلم الصلاة منه أحببنا له ما فعل، وإن لم يكن فالمستحب أن يكونوا على مستو من الأرض لا يعلو بعضهم على بعض. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على المنبر بالناس إعلاماً للناس، فكلما أراد السجود رجع قهقرى وسجد على الأرض، ثم عاد إليه، ثم قال بعد الفراغ: صلوا كما رأيتموني أصلي" وروي أنه قال: "إنما فعلت ذلك لتأتموا بي وتعلموا صلاتي" وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: يكره ذلك لما روي أن حذيفة صلى بالناس فوقف على دكان فأخذ ابن مسعود رضي الله عنه ثيابه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال له ابن مسعود: ألم تعلم أنه نهى عن ذلك. فقال: بلى ذكرت حين جبذتني. روى الشافعي أنه

قال: ألم ترني تابعتك قلنا: نحمله على غير وقت التعليم [7 أ/3]. وقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يرتفع الإمام على من خلفه قيد أربع أصابع ثم إذا صلى الواحد منا على مكان مرتفع كبر، وقرأ وركع فإن كان المكان لا يضيق عن سجوده فيه سجد فيه، وإن ضاق عنه كالمنبر فإن قدر على التقدم إلى مكان واسع يسجد عليه تقدم، وإن لم يقدر دون التأخر نزل القهقرى فسجد وصعد ولا ينحرف عن القبلة متيامناً أو متياسراً، فإن كرر ذلك وتفاحش بطلت صلاته، وإن أمكنه التقدم والتأخر معاً، فالتقدم أولى لأن التقدم من شأن المصلين، وإذا علم مرة واحدة أحببنا له أن يصلي مع المأمومين في مستو من الأرض بعد ذلك. فَرْعٌ آخرُ إذا صلى بالجماعة فالمستوى أن يتبع الإمام فيركع بعد ركوعه، وكذلك في كل ركن وانتقال من ركن إلى ركن؛ لأنه تابع فلا يسبق المتبوع، فإن وافقه في ذلك جاز إلا في الإحرام فإنه لا يجوز أن يحرم معه على ما ذكرنا، والأصل في هذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبادروني بركوع ولا سجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت [7 ب/3] تدركوني إذا رفعت إني قد بدنت"، وأراد بقوله: تدركوني إذا رفعت أي لا يضركم رفع رأسي وقد بقي عليكم منه إذا أدركتموني قائماً قبل أن أسجد. وقوله: بانت وروي على وجهين: بتشديد الدال، ومعناه كبر السن، فقال: بأن الرجل إذا أسن، والثاني: بدنت مضمومة الدال غير مشددة. ومعناه: زيادة الجسم وحمل اللحم وهذا يثقل البدن. فَرْعٌ آخرُ لو سبقه فركع قبل إمامه يكره ذلك، ويؤمر بالانتصاب فإن فعل فأدرك إمامه منتصباً ركعة بعد ركوعه، وإن أقام على ما هو عليه حتى لحق به الإمام، واجتمعا في الركوع جازت صلاته، ولو ركع قبل إمامه ثم اعتدل قبل أن يركع الإمام فإنه يركع مع إمامه إذا ركع، وإن رفع قبل إمامه، وأراد الاعتدال فجعل الإمام يركع، وهذا يرجع اجتمعا معاً على الركوع في حالة واحدة بعد سبق إمامه بركن فلا تبطل صلاته. وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"، وروي كبش، وروي حية. فإن أقام على [8 أ/3] الانتصاب حتى لحق به إمامه فانتصبا معاً أجزأه وإن رفع من الركوع فركع إمامه، ثم سجد قبل اعتدال إمامه من الركوع فقد سبق بركنين فإن كان عالماً بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لا تبطل صلاته، ولكنه لا يعتد بهذه الركعة، وهذا أصل أنه متى سبقه بركن كره وأجزأه، وإن

باب إمامة المرأة

سبقه بركنين. فإما أن تبطل أو لا يعتد بتلك الركعة ويبني على صلاته نص عليه. فرع لو سلم مع إمامه معاً، فإن قلنا: إن نية الخروج لا تجب يجزيه كما لو ركع معه، وإن قلنا: تجب نية الخروج لا يجزيه كما لو كبر معه لا تنعقد له صلاة الجماعة، ثم قيل على هذا تبطل صلاته كما لو تقدم على الإمام بركن. فَرْعٌ آخرُ يستحب للمسبوق أن ينتظر فراغ الإمام عن التسليمتين جميعاً ثم يقوم، وإن قام قبل التسليمة الثانية يجوز. فَرْعٌ آخرُ لو قام المسبوق مقارناً للتسليمة الأولى؛ فإن قلنا في المأموم الموافق: إنه لو سلم مقارناً له يجوز فيجوز؛ وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا يبطل إلا أن ينوي الخروج عن متابعته. [8 ب/3]. فَرْعٌ آخرُ لو وقف المأموم المسبوق بعد سلام الإمام، ولم يقم، وطال جلوسه، فإن كان قد أدرك مع الإمام ركعتين لا تبطل لأنه جلوس محسوب من صلاته، فإن كان قد أدرك ركعة تبطل، لأن جلوسه بحكم المتابعة، وقد زالت بالسلام. فَرْعٌ آخرُ لو مد قيامه حتى سبقه الإمام بركن لم يضره، وإن تأخر حتى سبقه بركنين بطلت صلاته ثم اختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إذا كان هذا قعد في القيام ووصل إمامه إلى السجود بطلت صلاته، لأنه يسبقه بالركوع والاعتدال منه وهما ركنان، ومنهم من قال: إذا أدركه في السجود جازت صلاته، والركوع والاعتدال منه كركن واحد والأول أصح، ولو سجد الإمام سجدتين، وهو قائم في الاعتدال ففيه وجهان، أحدهما: تبطل صلاته لأنه تأخر عنه بسجدتين وجلسة بينهما، وقال أبو إسحاق رحمه الله: لا تبطل لأنه تأخر بركن واحد وهو السجود. والأول أصح وهو المذهب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن خالف إمامه بركن غير مقصود مثل جلسة الاستراحة لا يضره، وإن خالفه بركن مقصود مثل القنوت والتشهد [9 أ/3] الأول فترك الإمام واشتغل هو به بطلت صلاته وفي هذا نظر والله أعلم. باب إمامة المرأة مسألة: قال أخبرنا إبراهيم ... الخبر. وهذا كما قال: جملة هذا أن كل صلاة تستحب للرجال في جماعة تستحب للنساء في جماعة فريضة كانت أو نافلة، إلا

أن للرجال آكد، فإنه يكره لهم ترك الجماعة ولا يكره للنساء ذلك، وبه قال عطاء، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله. وقال بعض أصحابنا: هل تكون جماعتهن في الفضل والاستحباب كجماعة الرجال؟ على وجهين: أحدهما: أنها كجماعة الرجال تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. والثاني: وهو الأظهر أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن لقوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228] وقال أبو حنيفة ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة وروي ذلك عن نافع، وعمر بن عبد العزيز. واحتجوا بأنه يكره لهن الأذان كذلك الجماعة. وقال الطحاوي: عند أبي حنيفة: الأفضل أن يصلين فرادى لا الكراهة. وهذا غلط لما روت أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على النساء الجمعة ولا الاغتسال [9 ب/3] للجمعة ولا تتقدم إمامتهن ولكن تقدم وسطهن"، وروي أن عائشة -رضي الله عنها- صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- مثله وعن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين -رضي الله عنه- أنه كان يأمر جارية تقوم بأهله في رمضان. وقال صفوان بن سليم: من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقوم إذا صلت المرأة بنسوة وسطهن، وأراد بالسنة الخبر الذي ذكرنا أولاً. وأما الأذان فإنه يراد للإعلام، ويسن فيه رفع الصوت، ويكره لها رفع الصوت لأجل الستر بخلاف هذا، وقال الشعبي والنخعي: يكره له الإمامة في الفرض دون النفل وما ذكرنا من خبر عائشة -رضي الله عنها- دليل عليهما، فإذا تقرر هذا فالسنة أن يقف الإمام وسطهن، فإن تقدمت جازت الصلاة لأنه خطأ في الموقف، وإن كثر النساء فصفوفهن كصفوف الرجال، ويستحب أن تكون إمامتهن حرة وهي أولى من الأمة، لأن الإمامة موضع فضيلة، والحرة أكمل، فإن أمت أمة غير متقنعة متشبهة بالحرائر جاز، لأن هذا فرضها وهذا فرضهن نص عليه. فرع صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد [10 أ/3] والأصل في هذا ما روى ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المرأة عورة وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان فأقرب ما تكون في وجه الله تعالى وهي في قعر بيتها". وروى ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها". يعني صحن دارها. وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"،

والمخدع: هو جوف البيت تخبئ فيه المرأة ثيابها، فإن قيل: أليس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات" قيل التفل: سواء برائحة يقال: امرأة تفلة إذا لم تتطيب، والنساء تفلات، قلنا: قد روي: وبيتها أستر لها، وروي: وبيوتهن خير لهن ثم يحمل على النساء العجائز، وقد قال الشافعي - رحمه الله-: يستحب للعجائز إذا أذن لهن أزواجهن حضور الجمعة. فروع متفرقة: ذكرها أصحابنا -رحمهم الله- قال والدي رحمه الله: إذا صلى مع ثوب فلما فرغ تذكر أن النجاسة أصابت هذا الثوب، ولا يدري هل كان أزالها عنه أم لا؟ فهل يلزمه إعادة الصلاة المفعولة أم لا؟!. يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه الإعادة لأنه [10 ب/3] شك في وجوب الإعادة. والثاني: يلزمه الإعادة لأن الأصل بقاء النجاسة، ولا شك أنه لا يصلي مع ذلك الثوب ثانياً إلا بعد تطهيره. وأصل هذا إذا فرغ من صلاته ثم شك بعد الفراغ هل كان تطهر بعد الحدث أم لا؟ لا يصلي ثانياً ما لم يتطهر، وفي إعادة ما فعله ما ذكرنا من الاحتمال، والمسألتان واحدة إلا أن إحداهما في طهارة الحدث والأخرى في طهارة النجس، وذكر الشيخ أبو حامد أن الشافعي قال في "الأم": إذا أحرم بالعمرة وفرغ منها، ثم شك أنه طاف بطهارة أو بغير طهارة لا يلزمه إعادة الطواف؛ لأنه أدى العبادة في الظاهر، وهذا يدل على صحة أحد الوجهين ها هنا. فَرْعٌ آخرُ قال أيضاً: إذا صلى خنثى خلف امرأة معتقداً أنها رجل مكان امرأة، بان أن الخنثى كان أنثى هل تصح الصلاة؟ يحتمل أن يقال: تصح الصلاة لأنه اعتقد في الابتداء، أنه على صفة يجوز له الائتمام به وبأن في المال كما اعتقده في الابتداء ويحتمل أن يقال: لا تصح الصلاة؛ لأن هذا الخنثى لم يكن معذوراً في الابتداء حيث لم يعلم أن المتقدم أنثى، لأن علامة المرأة [11 أ/3] ظاهرة، ولهذا يلزم الإعادة على الرجل إذا خاف، وإن لم يعلم بحالها وهذا أصح، وعلى هذا لو حكم الحاكم في الحدود بشهادة الخنثى، وهو يعتقد كونه رجلاً ثم ظهر بعد ذلك أنه رجل فالحكم صحيح في أحد الوجهين، لأن الحقيقة صادفت موجب الاعتقاد وعلى الوجه الثاني: لا يصح. فَرْعٌ آخرُ قال والدي - رحمه الله-: لو اعتقا الصبي الكفر وأبواه مسلمان أو أحداهما فصلى معتقداً للكفر، هل تصح صلاته؟ كنت أقول: تصح صلاته لأن حكمه حكم المسلمين لا حكم الكافرين فتصح صلاته كصحتها قبل ذلك، كالمكره على إظهار كلمة الكفر إذا

صلى تصح صلاته، لأن ذلك اللفظ الذي ظهر منه لم يجعله كافراً، وظهر لي الآن أن صلاته تبطل لأجل أن اعتقاده للكفر إبطال منه لصلاته، إذ لا معنى للصلاة في اعتقاد من نفى الصانع، واعتقاد بطلان الصلاة مبطل به للصلاة في حق الصبي الذي لا يعتقد الكفر؛ إذا نوى الخروج منها أو إبطالها ويفارق المكره لأنه لم يوجد منه نية الفساد والبطلان فصحت صلاته، وعلى هذا لو توضأ الصبي أو صام، وهو يعتقه الكفر هل يصح صومه [11 ب/3] ووضوؤه؟ على الوجه الأول يصحان، وعلى الوجه الثاني: وجهان يبنيان على أنهما يبطلان بنية البطلان، وفيه وجهان. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قلنا: لا تجوز الجمعة خلف من يصلي النفل، لو لم يعلم أنه متنفل ثم علم هل يصح؟ يحتمل وجهين: بناء على الجمعة خلف الجنب عند الجهل هل يجوز؟ فيه قولان وعلى هذين القولين ينبني إدراك الركعة بإدراك الركوع خلف الجنب فيه وجهان؛ لأن هذا الإدراك يفتقر إلى الإمام كأداء صلاة الجمعة فهما سواء لا فضل بينهما. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا بلغ الصبي الذي أحد أبويه مسلم واختار الكفر مدة ثم رجع إلى الإسلام، هل يلزمه قضاء الصلوات المتروكة في حال الكفر؟ يحتمل وجهان مبنيان على أن هذا الصبي هل يقر على الكفر، وفيه قولان، فإن قلنا: لا يقر فحكمه حكم المرتد فيلزمه القضاء، وإن قلنا: يقر فحكمه حكم الكافر الأصلي فلا قضاء والأول أصح. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا شك خلف الإمام في صلاة الجمعة أنه صلى ركعة أو ركعتين، وقلنا بأحد الوجهين [12 أ/3] أنه لا يقلد جماعة المأمومين فيه فقام هذا المأموم وقد سلم الإمام ليتم الظهر أو الجمعة على اختلاف وجهي أصحابنا فيه، وفعل ذلك هل يسجد للسهو؟ القياس أنه يسجد للسهو كالمصلي إذا شك في عدد أعداد ركعات صلاته، فإنه يبني على اليقين، ويتم صلاته ويسجد للسهو وهذا الشك، وإن كان خلف الإمام، فإنما يتعلق السجود بفعل الركعات بعده، وهذا الفعل إنما وجد بعد مفارقة الإمام، يبين هذا أن المصلي للظهر لو شك قبل السلام هل صلى أربعاً أم خمساً لم يكن عليه سجود السهو فصح ما قلناه. فَرْعٌ آخرُ قال: لو افتتح الإمام في يوم الجمعة الصلاة، وهو ممن لا جمعة عليه فشك هل نوى الظهر المقصور أم نوى الظهر مطلقاً، وقلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، وهو أحد القولين: فعليه أن يصلي الجمعة وجهان: اعتباراً بما قال الشافعي رحمة الله عليه: لو شرع المسافر في صلاة، وشك هل نوى القصر أم لا؟ يصلي أربعاً، فإن زال الشك بعد ذلك. وفيه وجه أخر أنه يصليها قصراً.

فَرْعٌ آخرُ لو شرع الصبي في الصلاة، ثم اعتقد الكفر [12 ب/3] في أثنائها هل تبطل الصلاة؟ وجهان، وقل ذكرنا نظير هذه المسألة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو افتتح المرتد الصلاة بالناس، ثم اعتقد الإسلام في الركعة الثانية وتاب فأدركته جماعة، فصلوا خلفه ولم يعلموا بحاله لا تصح صلاة الطائفة الأولى، لأنهم افتتحوها خلف كافر فلا فرق فيه بين العلم والجهل، وأما الجماعة الثانية: هل تصح صلاتهم؟ وجهان: أحدهما لا تصح، لأن من لا تصح خلفه صلاة طائفة مع الجهل بحاله لم تصح صلاة طائفة أخرى، كما لو بقي على كفره، والثاني: يصح، لأن الطائفة الثانية حيث افتتحوا صلاتهم كانت صلاة الإمام باطلة لفساد ابتداء صلاته لا بسبب كفره، وهو على ضعفه تصح صلاتهم خلفه ابتداء بحال، فلهذا صحت صلاتهم مع الجهل بحاله، كما لو ترك الإمام المسلم فيه الصلاة في الابتداء صحت صلاة المأموم لجهله بحاله بخلاف الطائفة الأولى. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا افتتح الصلاة خلف جنب فاعتقد الإمام الكفر في أثناء صلاته، والمأموم لا يعلم بالجنابة، ولا بالكفر، هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان: أحدهما يصح، لأن صلاة الإمام لم تبطل بالكفر [13 أ/3]، ولكن تفقد الطهارة وهذا لا يقدح في صلاة المأموم، وإن أمكن تعليق البطلان على الكفر أولى ههنا؛ لأنه قارن الجنابة في ابتداء الصلاة، وأحدهما يبغي الصلاة بكل حال دون الأخر، أعني الجنابة، فعلقنا البطلان بالأقوى، وأبطلنا صلاة المأموم وههنا أحدهما قارن الابتداء دون الأخر، فالسابق هو المبطل دون الآخر فلهذا صحت صلاة المأموم وهذا على القول الذي يقول: لا تجوز الصلاة خلف الكافر بحال فأما إذا قلنا: تجوز خلف الزنديق يجوز ههنا وجهاً واحداً. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا خطب الإمام للجمعة وهو معتقد الكفر ثم اعتقد الإيمان فصلى الجمعة والناس لم يعلموا بحاله هل تصح صلاة المأمومين؟ وجهان: فإذا قلنا: يصح هل عليهم إتمامها أربعاً؟ ينبغي أن يلزمهم الأربع؛ لأن الخطبة وجدت في حالة الكفر الذي يمنع جواز الائتمام في حال الجهل والعلم فيقدح في الخطبة أيضاً، وبهذا خالف إذا كان الإمام جنباً في حال الخطبة دون الصلاة، حيث صحت صلاة المأموم عن الجمعة إذا لم يعلم بالحال مع كون الطهارة شرطاً في [13 ب/3] الخطبة في أصح القولين؛ لأن افقد الطهارة يوجب الفصل بين حالة العلم وحالة الجهل في حالة الائتمام في الصلاة، فكذلك في حال الخطبة والكفر تمنع صحة الائتمام بكل حال في حالتي العلم والجهل، فيمنع جواز الخطبة في حق المأمومين أيضاً في الحالتين، ويجيء في الخطبة

جنباً أن يقال: ولا تصح صلاة المأموم عن الجمعة، وإن لم يعلم بالحال إذا اعتبرنا الطهارة فيها على القول الذي لا تجوز الجمعة خلف الجنب مع الحال. فَرْعٌ آخرُ إذا افتتح صلاة الصبح مثلاً خلف من يصلي على الجنازة، ولم يعلم وقلنا: لا يصح ذلك مع العلم، ثم علم ونوى مفارقته في الحال قبل التكبيرة الثانية هل تصح صلاته؟ وجهان: أحدهما: تصح كالصلاة خلف الجنب. والثاني: لا تصح كالصلاة خلف الكافر لأن العلامة ظاهرة في الغالب وهذا أوضح. فرع قال: إذا نذر أن يسجد سجدة، أو يركع ركوعاً واحداً يلزمه ما نذره، ولو نذر أن يقوم ويقرأ هل يلزمه القيام؟ يحتمل وجهين، أحدهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه لأن نذر القيام على انفراده لا يوجب شيئاً، فكذلك إذا نذره مع القراءة، وبهذا خالف [14 أ/3] الركوع والسجود؛ لأن نذر كل واحد منهما على الانفراد موجب للمنذور، فكذلك إذا نذرهما والأول أصح، والفرق بين القيام المجرد وبين الركوع، هو أن الركوع لا يفعل إلا عبادة فيلزم بالنذر بخلاف القيام: لأنه تشترك فيه العادة والعبادة ولا يتميز إلا بالذكر، فإذا تجرد لا يكون عبادة فلا يلزمهم بالنذر. فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر أن يصلي ركعتين قاعداً، هل يصح النذر؟ وجهان: فإذا قلنا يصح هل يلزمه القيام؟ وجهان، أحدهما: يلزم، والثاني: لا يلزم لأنه استثنى إحدى الفرائض التي لا تمنع صحة الصلاة فقدها مع القدرة وذلك في صلاة النافلة، وحالة المرض في الفرض، وبه خالف سائر أركان الصلاة، فإذا قلنا بهذا: لو صلى قائماً أجزأه؛ لأن هذه الحالة هي أكمل من الحالة المنذورة فحصل ثلاثة أوجه في المسألة. فرع قال: إذا نذر أن يصلي ركعتين قائماً، وإن كانت المشقة الشديدة تلحقه لكبره أو مرضه فاشتد عليه القيام فهل يجوز القعود؟ وجهان: أحدهما: له ذلك لأن الصلاة الواجبة شرعاً هي آكد من هذه، ويجوز القصور فيها ففي هذه [14 ب/3] أولى. والثاني: ليس له ذلك لأن نذره في هذه الحالة فلا يمتنع أن يلزمه لحق النذر ما لا يلزمه لحق الشرع، كالزائدة على الخمس لا يلزم شرعاً وإن لزمت نذراً وهذا هو أصح. فَرْعٌ آخرُ لو أحرم بالجمعة في وقتها ولكن لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة لم تصح في أحد الوجهين، وتصح في الوجه الثاني، كما لو أحرم في آخر ساعات الوقوف وهو يعلم أنه لا يمكنه الوقوف صح الإحرام، ومن قال بالأول فصل بينهما بأن الجمعة إذا فاتت بفوات الوقت يبقى حجاً، فلهذا صح الإحرام به، وإن علم الفوت بعد الشروع فيه.

فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قلنا: لا يلزم القراءة على المأموم في صلاة الجهر، فعلى صلاة الجهر خلف جنب، ولم يعلم بحاله، ولم يقرأ خلفه هل تصح صلاة المأموم؟ وجهان: أصحهما لا يصح وأصلهما الجنب إذا أدركه المأموم في الركوع هل يكون مدركاً للركعة وجهان. فَرْعٌ آخرُ قال: لو أحرم بالعصر ظناً منه أنه قد دخل الوقت، ولم يكن دخل صح عن النفل، ولو علم أن الوقت لم يدخل لم يصح عن النفل ولو أحرم [15 أ/3] بالحج قبل أشهر الحج فإنه ينعقد عمرة في حال الجهل والعلم، والفرق أنه في الصلاة نوى الفرض فيما يعلم أنه نفل، ونوى العصر فيما يعلم أنه ليس بعصر، فتضمن ذلك إبطال الصلاة عن النفل: إذ الصلاة تبطل بنية الإبطال، وفي الحج إن نوى الحج فيما يعلم أنه عمرة فتضمن إبطال إحرامه عن العمرة، وبالنية لا يبطل الإحرام عما انعقد عنه تبين هذا أنه لو أحرم بالنفل، ثم نوى إبطاله عنه بطلت صلاته عن النافلة، ولو أحرم بالعمرة ثم نوى إبطال الإحرام عن العمرة لم تبطل فصح الفرق، وأيضاً نية الفرض لو طرأت على صلاة النفل مع العلم بطلت صلاته حتى لا يصح عن النفل أيضاً، فلهذا إذا قارنت إحداهما مع العلم بطلت أيضاً بخلاف نية الحج لو طرأت على العمرة مع العلم بالحال لم تبطل العمرة. فلهذا إذا قارنت إحرامها لا يبطلها أيضاً، وعلى هذا لو كان في صلاة النفل فاعتقد في الركعة الثانية أنه في الفريضة، ومضى على هذا الاعتقاد صح ما فعله من النافلة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان في صلاة الجمعة فاعتقد في أثناء الصلاة أنه يصلي الظهر قصراً، فإن تعمد [15 ب/3] إلى ذلك هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل وهذا إذا قلنا: إنه ظهر مقصور، والثاني: تبطل وهذا إذا قلنا: إنها صلاة منفردة عن الظهر. فَرْعٌ آخرُ قال: المسافر إذا افتتح الصلاة بنية التمام، ثم اعتقد في الركعة الثانية أنه يصلي الظهر المقصور وأن إحرامه وقع بذلك، ثم تذكره في التشهد الأول هل يقع الاحتساب بالقدر المفعول بالنية الجديدة أم لا؟ الأوضح أنه يقع محسوباً؛ لأن صلاة القصر والتمام صلاة واحدة، وإنما يختلفان في العدد وهذا كما لو صلى الركعة الثانية بنية الأولى، فإنها تقع محسوبة عن الثانية؛ لأن الصلاة لا تختلف سواء كانت الركعة أولى وثانية، ويفارق هذا إذا صلى الركعة الثانية في الظهر بنية العصر يظن أنها العصر لم تصح هذه الركعة من الظهر: لأن صلاة العصر تخالف صلاة الظهر وعلى قياس هذا يجب أن يقال: إذا كان في الظهر فصلى الركعة الثانية وعنده أنه في الجمعة أو كان في الجمعة يصلي الثانية وعنده أنه في

الظهر أنه يصح ما فعله من الصلاة التي هو فيها؛ لأن [16 أ/3] صلاة الظهر والجمعة صلاة واحدة، ألا ترى أن إحداهما تبنى على الأخرى. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أحرم بالجمعة في وقتها فطولها حتى تحقق وهو في الركعة الثانية أن الوقت ينقضي قبل الفراغ من الصلاة، إن اقتصر على الفرائض وترك السنن والهيئات، هل تصير هذه الصلاة ظهراً الآن؟ إنما تصير ظهراً بعد خروج الوقت، الذي عندي أنها تصير ظهراً الآن، لأنه لما تحقق أن أداء الجمعة لا يصح بالإحرام الذي فعله وتحقق أن الإحرام لا يفسد، لأنه وقع في حال اتساع الوقت لم يبق بعد هذين إلا الجواز عن الظهر، ويوضحه أن افتتاح الجمعة لا تصح في هذا الزمان بحال لأحد من الناس، فإذا بلغ المصلي أن هذه الحالة وجب أن تبطل صلاته عن الجمعة، كما لو خرج الوقت ودخل وقت الحصر، فإن قيل: ما يقول في الأمة شرعت في إحرام الحج أو العبد، وعلم أنه يصير حراً قبل فوات زمان الوقوف، مثل أن يكون السيد علق عتقه بدخول يوم عرفة، هل تنقلب حجه إلى حجة الإسلام في الابتداء أم عقيب طلوع الفجر يوم عرفة؟ قلنا: ينقلب [16 ب/3] عقيب الطلوع يوم عرفة، وقيل: ذلك لا ينقلب وإن كان المعلوم أنه ينقلب إلى حجة الإسلام، والفرق أن ابتداء الإحرام بحجة الإسلام لا يصح قبل الحرية، فلهذا لا ينقلب الإحرام إليها في ذلك، وابتداء الإحرام بالظهر صحيح في هذا الوقت؛ لأنه لا يتسع لأداء الجمعة فيه، فجاز أن ينقلب إحرام الجمعة إليه في هذا الوقت، كما إذا فعل ذلك بعد دخول وقت العصر، وفيه وجه أخر أن هذه الصلاة إنما تصير ظهراً إذا دخل وقت العصر، لأن الموجب لانقلاب هذه الصلاة إلى الظهر فوات الوقت، ولم يوجد الآن، ولا يمتنع أن لا يصح الابتداء بالجمعة في هذا الوقت، وتصح الاستدامة، كما يجوز استدامة الصلاة بالتيمم مع رؤية الماء، وإن لم يجز الابتداء. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى الفريضة والنافلة، ثم علم أنه ترك سجدة من إحداهما ولا يدري لا يلزمه إعادة الفريضة، لأنه شاك في وجوب الإعادة فلا يلزمه الإعادة. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا افتتح الصلاة، ثم ظن أنه لم يفتتحها فتكلم لا تبطل صلاته، ويفارق هذا الصائم إذا تسحر، ثم علم أنه كان نهاراً، لأنه وجد [17 أ/3] نوع تفريط من جهته لتمكنه من ترك الأكل حتى يتيقن بقاء الليل، وههنا لا تفريط بوجه. فَرْعٌ آخرُ إذا أم الأمي في الجمعة بأربعين رجلاً هم أميون، فإن قلنا: صلاة القارئ تجوز خلف الأمي صحت الجمعة، وإن قلنا: لا تجوز صلاة القارئ خلفه وهو الأصح، فيه

وجهان: أحدهما: لا تجوز؛ لأن الجمعة تلزم الأعيان وتجمع الجماعات ولا تصح على الانفراد، ولا تفعل مرتين، فاعتبر أن يكون الإمام فيها على صفة تصح صلاة جماعة الناس خلفه بخلاف سائر الصلوات، والثاني: يجوز وهو الأصح، لأن من تنعقد به الجمعة يجوز له الانفراد بالجمعة مع أمثاله، وهذا أشبه؛ لأن أصحابنا أطلقوا جواز صلاة الأمي خلف الأمي. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام في سجود الركعة الثانية في صلاة الجمعة شرع فيها بنية الظهر فلو نوى الجمعة هل يصح إحرامه؟ فإن قلنا: صلاة الجمعة والظهر صلاتان مختلفتان فلا يصح إحرامه عن الظهر، وإن قلنا: إنها ظهر مقصورة ففيه احتمال وعندي أنه لا يجوز إذا علم أن الواجب عليه نية الظهر، ويجوز إذا لم [17 ب/3] يعلم ذلك؛ لأن نية الجمعة تقتضي نية الخروج من هذه الصلاة التي تنعقد إذا انعقدت ظهراً، وهذه النية تبطل الصلاة في حالة العمد دون حالة الخطأ، وهذا كما لو نوى المسافر القصر في موضع الائتمام، فإنه تبطل صلاته مع التعمد ولا تبطل مع الجهد. فَرْعٌ آخرُ قال: لو قال قائل: أليس لو أدركه في الركوع في الثانية، ثم سلم الإمام فقام وصلى ركعة أخرى، ثم علم أنه ترك سجدة من إحدى الركعتين ولم يدر من أيتهما ترك صحت له منهما ركعة ويبني عليها الظهر، وإن قلنا: هما صلاتان مختلفتان؟ قلنا: فيه وجهان أيضاً، أحدهما: يستأنفها ظهراً ذكره الإمام الاسفرائيني على هذا القول، والثاني: يبني. والفرق أن فيما ذكرتم نوى الجمعة في الحال التي لا يتمكن من أدائها بحال فافترقا. فَرْعٌ آخرُ لو دخل المسافر بلداً وهو على عزم الظعن أو كان مقيماً على حرب وجاوز أربعة أيام هل يجوز له ترك الجمعة؟ فإن قلنا: له أن يقصر له تركها وإلا فلا، وجملته: أنه إذا جاز قصر السفر فالجمعة لا يجب، وإذا لم يجز ذلك وجبت [18 أ/3] هذه ونحن وإن قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور بقصر السفر ووجوب قصر الحضر لا يجتمعان، ولكن جواز قصر السفر يجتمعا ويجوز أن يجتمع جواز قصر السفر، ووجوب الجمعة في موضع، وهو إذا نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر، وقلنا: يجوز قصرها على أحد القولين. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات مختلفة، ثم تعينت له القبلة تعييناً ولا يدري عين الصلوات التي أداها إلى غير هذه الجهة، هل عليه إعادة جميعها إلى هذه الجهة؟ وجهان: أحدهما: يلزم كما لو صلى أربع صلوات قلنا: منها بغير طهارة ولا يعرف عينها، والثاني: لا يلزم، كما لو قضى بأربع حكومات، ثم علم أنه أخطأ النص في ثلاث منها ولا يعرف عينها فإنه لا ينقض شيئاً منها، وإن كان الحكم منقوضاً عند تعين الخطأ في

حكومة منها، ولا يختلف القول إنه قيل: إن تيقن عين القبلة لا يلزم إعادة الصلوات الثلاث إلى الجهة الرابعة؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا التفريع على القول الذي يقول: إذا تيقن الخطأ معيناً في القبلة يلزمه إعادة الصلاة، ومثل هذا إذا مس الخنثى [18 ب/3] المشكل فرجه وصلى الظهر، ثم بعد وضوء آخر مس ذكره وصلى العصر، ثم تبين أنه رجل أو امرأة ولا يدري عين الصلاة التي أداها عند مس الفرج والتي أداها عند مس الذكر، فعليه إعادتهما قولاً واحداً، وقيل: تبين حاله هل يلزمه الإعادة؟ عندي لا يلزمه، ورأيت بعض أصحابنا يوجب إعادتهما، والأول أظهر، وعلى هذا لو تيقن النوم، ولم يدر هل كان في حال القعود أو في غيره؟ ففي وجوب الوضوء احتمال وجهين، إذا قلنا: إن نوم القاعد لا ينقض الوضوء. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يصلي خلف الإمام، فها إمامه وأراد أن يسجد للسهو والمأموم في التشهد الأخير، فإن كان قد قرأ القدر المفروض من التشهد قطع تشهده وتابع الإمام، فإذا سجد وسجد هو لا يقرأ ما بقي من تشهده، ولكنه يسلم إذا سلم الإمام، لأن هذا أقرب إلى ما وضع عليه أمر سجود السهو وهو التأخير إلى آخر الصلاة، وإن كان المأموم لم يفرغ من القدر المفروض يتبع الإمام في السجدتين، فإذا فرغ تم تشهده، هل يعيد سجدتي السهو؟ قولان. ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً لا يقطع التشهد، بل يتم المفروض [19 أ/3] ثم يتبعه كالإمام إذا ركع قبل إتمام المأموم الفاتحة، وكان قد افتتح الصلاة معه فعليه إتمام الفاتحة، ثم إتباعه، ومن قال: بالأول يشبه هذا بما لو سجد الإمام للتلاوة وهو في أثناء الفاتحة عليه المتابعة، ثم يعود إلى فرض نفسه كذلك ههنا. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر الصلاة على الجنازة، وكان قد صلى عليها مرة هل يصح النذر؟ وجهان: إحداهما: لا يصح وهذا إذا قلنا: إن الصلاة على الجنازة بعد سقوط الفرض تقع فرضاً كالأولى، وقد ذهب إليه كثير من مشايخنا فلا معنى للنذر في الفروض، والثاني: يصح لأنها صلاة تلزم شرعاً فصح وجوب جنسها بالنذر كسائر الصلوات وهذا أصح؛ لأن الصلاة الثانية لا يمكن عند التحقيق أن يقال بوجوب الشرع فيها، لأن ذلك لو وجب لبطل قولنا إن الفرض قد كان سقط بالفعل الأول. فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر رجل أن يصلي وأطلق، ثم سجد سجود القرآن لم يسقط فرض النذر، ولو صلى على الجنازة هل يسقط النذر؟ وجهان، والفرق أن هذه تسمى صلاة عرفاً وشرعاً بخلاف ذلك [19 ب/3]. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى على رجل وعنده أنه امرأة، أو كان بعكس ذلك ففي الجواز وجهان،

وكذلك إذا صلى خلف رجل وعنده أنه فلان فإذا هو غيره فيه وجهان أيضاً، وهذان الوجهان إذا نوى الصلاة خلف الشخص الواقف للإمامة إلا أن عنده أنه فلان فإذا هو غيره، فأما إذا لم تحضره هذه النية عند الإحرام فنوى خلف فلان فكان غيره لا يصح وجهاً واحداً، ولو نوى أنه يصلي خلف إمام وعنده أن اسمه زيد فكان اسمه عمراً يجوز بلا خلاف. فَرْعٌ آخرُ قال: لو نوى الصلاة خلف واحد إلا تسبيحات الركوع والسجود فإنه لا يؤديها خلفه، أو نوى الصلاة خلفه سوى الركعة الأخيرة، أو نوى الصلاة خلفه إلا الركعة الثانية، أو الثالثة، ففي هذه المسائل الثلاث وجهان: وأصلهما أن من افتتح الصلاة منفرداً هل له ضمها إلى صلاة الإمام؟ وهل يجوز بعد مفارقة الإمام وبقاء بعض الصلاة عليه أن يضم صلاته إلى صلاة الإمام التي يفتتحها بعد الأولى؟ وفيهما جميعاً قولان: أحدهما: لا يجوز فعلى هذا لا يصح فيما نحن فيه، والثاني: يجوز فعلى هذا يصح فيما نحن فيه، ولو نوى الصلاة [20 أ/3] خلفه سوى الركعة الأولى صحت صلاته على القول الثاني في الأصل الذي ذكرناه، وعلى القول الأول لا يصح، فإذا قلنا: بالأول فهل تصير صلاته بعد الركعة الأولى جماعة بهذه النية أم تعتبر فيه مستأنفة؟ يجب أن يقال: تعتبر نية جديدة لأن تقديم نية الجماعة على ما يكون مؤتماً فيه بإمامه لا يقع صحيحاً، كما لا يصح تقديم نية الصلاة خصوصاً إذا كان بزمان طويل. فَرْعٌ آخرُ قال: هل يجوز رفع اليد النجسة في الدعاء خارج الصلاة؟ يحتمل أن يقال يكره في غير حائل ولا يكره في الحائل، كتحريم مس المصحف بيده النجسة وهو على طهارة تزول بكونها في حائل، وإذا جاز هذا الفرق فيما طريقه التحريم جاز أيضاً فيما طريقه الكراهة، وتحتمل الكراهة في الموضعين، لأن المقصود رفع اليد دون الحائل، والتعبد بهذا ورد ويخالف مس المصحف؛ لأن اليد فيه من جهة التعبد كالحائل ولا يجيء القول فيما نحن فيه بالتحريم. فَرْعٌ آخرُ صلاة الصغيرة الحرة بغير خمار هل تجوز؟ ظاهر الخبر يقتضي لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لحائض إلا بخمار"، أي: لمن بلغت المحيض [20 ب/3] فصح أن ذلك يختلف باختلاف حال المرأة، فإذا كانت صغيرة لا يشترط الخمار، وعندي المذهب أنه لا يجوز، وقد تقدم هذا، وقال أيضاً، هل تجوز صلاة الظهر من الصبي قاعداً مع القدرة على القيام؟ وجهان، والأصح لا يجوز. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا افتتح الصلاة منفرداً وسها فيها، ثم ضمها إلى صلاة الإمام، وجوزنا في أحد القولين: هل يسقط عنه سجود السهو؟ يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن من أدرك

جزءاً من الصلاة مع الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، فجرى ذلك السهو كأنه وجد خلف الإمام والأول أولى. فَرْعٌ آخرُ إذا شك في خروج وقت الصلاة قد ذكرنا أنه يجوز الصلاة بنية معلقة ويجيء أن يقال: لا يجوز عن الفائتة إن كان الوقت خارجاً، ويجوز عن الأداء إن كان الوقت باقياً، لأن نية الفائتة غير مبنية على أصل، ونية المؤقتة مبنية على أصل. ويفارق هذا مسألة رمضان؛ لأن الفطر لا يحتاج إلى النية فصح الصوم، وإن كان من رمضان، لأن الأصل بقاء الشهر، وعلى هذا الوجه لا يجيء أن يقال: لا يجوز عن صلاة الوقت أيضاً إن كان الوقت باقياً من جهة امتناع تبعيض [21 أ/3] النية في الفساد والصحة، وذلك أن الشافعي رحمه الله جعل صلاة من افتتحها بنية الفرض قبل الوقت نافلة لبعض النية فلا يمتنع التبعيض في هذا. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلى العصر خلف من يصلي الصبح فترك الإمام القنوت ولم يسجد للسهو، فهل يسجد المأموم؟ على قول الشافعي دون المزني يحتمل أن يقال: يسجد، لأنه سجود لزم إمامه، ولا يقال: لا يدخل للقنوت في صلاة العصر التي هي صلاة المأموم، لأنه إذا جاز أن يسجد بكلام الإمام سهواً، وإن لم يقع ذلك الكلام في صلاته جاز أن يسجد لترك الإمام القنوت في صلاته وإن لم يترك هو وليس عليه ذلك. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا شك خلف الإمام في الظهر، هل صلى ثلاثاً أم أربعاً هل يسبح بالإمام؟ يحتمل أن يقال: لا يسبح؛ لأن الأظهر أن الإمام يعتقد أنه صلى أربعاً والمأموم لا يتيقن خطأه فيه فلا يأذن له من تشكيك الإمام وتشويش الأمر عليه ويجيء أن يقال: يسبح، لأن شكه في الصلاة كاليقين، ألا ترى أنهما سواء في حق نفسه، وكما لا يلزم الإمام العمل على شك المأموم لا يلزمه [21 ب/3] النزول عند يقينه أيضاً فهما سواء. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أخرج المأموم نفسه من صلاة الإمام على الوجه الثاني فعليه أن يتمها أربعاً ويسجد للسهو، وإن كان الشك منه خلف الإمام، لأن مثل هذا الشاك إنما يسجد للسهو لإتيانه بالزيادة المتوهمة لا لمجرد الشك، ألا ترى أنه لو شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وهو منفرد أو إمام ثم علم في الحال أنه صلى أربعاً لا يسجد للسهو، وهذه الزيادة حصلت منه حال الانفراد فلا بد من سجود السهو، وهذا واضح. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قلنا: يجوز أن يكون الإمام في الجمعة عن الخطيب، وقلنا في المراهق: إنه لا يجوز أن يكون إماماً لهم وهذا في الخطبة أولى لأنها آكد.

فَرْعٌ آخرُ إذا كان الإمام في بعض الأحوال يرفع رأسه من الركوع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده عند الاعتدال، أو إذا قرب منه فأدرك رجل هذا الإمام في الركوع وركع ورفع حين سمع قوله، فلا يدري هل اجتمع معه في الركوع بأن لا يكون عمل على ما ذكرنا أم لا يجتمع؟ فإن كان منه على ما وصفناه ولم يكن شاهده عند الركوع والرفع عياناً [22 أ/3] هل يكون مدركاً للركعة الأولى؟ فيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون أغلب أحواله ما ذكرناه، وإنما يفعل ما هو السنة نادراً فهذا لا يكون مدركاً للركعة؛ لأن الأصل بقاء فرض القراءة وقيامها عليه فلا يسقط إلا بيقين، والظاهر هاهنا عدم الإدراك لعادته التي ذكرنا. والثانية: أن تكون أحواله مختلفة فيه ولا يمكن جعل أحد الأمرين أصلاً في حقه وعادة لاختلاف أحواله واضطرابها وتلونه في أوقاته، فلا يصير مدركاً أيضاً لعدم اليقين، ولا ظاهر يدل على الإدراك. والثالثة: أن تكون عادته إتباع السنة في ذلك أيضاً، وإنما يقع منه ما ذكرنا نادراً هل يصير مدركاً للركعة؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يكون مدركاً لعدم اليقين ولا اعتبار بالغلبة في فرائض الصلاة: لأن مبناها على الاحتياط. والثاني: يكون مدركاً وهو أوضح، لأن أمر الإتباع هو مبني على استعمال الظاهر وحسن الظن بالإمام. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر أن يسجد سجدة في أثناء صلاة يصليها لم يصح النذر في أحد الوجهين، وفي الوجه الثاني يصح النذر ويبطل الشرط، ولا يحتمل أن يقال لصحة الشرط؛ لأن [22 ب/3] سجود النذر لا يجوز فعله في الصلاة بحال. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو نذر أن يقرأ القرآن غير الفاتحة في صلاته هل يصح الشرط؟ وجهان: أحدهما: أنه لا يصح كالسجود، والثاني: يصح لأن القراءة التي هي غير مشروعة في الصلاة لا تبطلها كالقراءة في حال الركوع والسجود وكالقراءة للعبادة فيها ثانياً وثالثاً ويخالف السجود في هذا المعنى، ولهذا جازت القراءة المنذورة مطلقاً في الصلاة دون السجود المنذور مطلقاً. فَرْعٌ آخرُ قال: لو نذر أن يسجد سجود السهو إذا سها في صلاته، فإن نذر فعله قبل السلام لم يصح النذر لامتناع سجود النذر في أثناء الصلاة، وإن نذر فعله بعد السلام ففي

صحة النذر وجهان: أحدهما: يجوز كما يجوز نذر سجود لو لم ينذره كان تطوعاً. والثاني: لا يجوز لأن من حق سجود السهو أن يصح فعله قبل السلام؛ وقد أجمع أصحابنا على أن السجود المنذور لا يجوز فعله قبل السلام، فإذا كان كذلك وجب امتناع هذا النذر. فَرْعٌ آخرُ قال: هل يؤذن المؤذن للعشاء ويصلي العشاء في وقت واحد في الشتاء والصيف أم يختلف [23 أ/3] الأمر فيه؟ الأصل في هذا أن العبرة بغروب الشفق وهو الحمرة، إلا أن غروبه في الليل الطويل أبعد، وفي الليل القصير أقرب، فينبغي إذا كان لا يشاهد الشفق وأراد الاجتهاد في غروبه أن يراعي هذا المعنى، وهذا كما أن طلوع الشمس وزوالها يختلفان بقصر النهار وطوله في القرب والبعد، وهذا ظاهر. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا فاتته صلاة الظهر وأراد قضاءها في وقت العصر، فنوى أنه يصلي صلاة ظهر يومه فريضة، أو لم ينو الفائتة، يحتمل أن يقال: لا يجوز لأن ظهر اليوم قد يكون أداء، وقد يكون قضاء في الجملة، فلا بد من نية الفائتة للتمييز، ويحتمل أن يقال: يجوز لأن ظهر اليوم بالإضافة إلى هذا الزمان لا يكون إلا فائتة فوجب التمييز، وهكذا لو نوى في صلاة الصبح أنه يصلي صلاة فريضة شرع في أدائها التثويب، أو ينسى فيها القنوت في عموم الأحوال ولم ينو الصبح على هذا الخلاف. وهذا لأن هذه الصلاة معروفة باسم الصبح ولا يعلم بهذه النية أن المراد بها الصبح إلا الخواص من الناس، فلا يكتفي به للتمييز، وهكذا لو لم يكن [23 ب/3] عليه فائتة غيرها من الصبح أو لا فائتة عليه أصلاً سوى هذه فأحرم بها، ولم ينو الفائتة، فإن كان عليه صبح الوقت لم يجز لعدم التمييز، وإن لم يكن عليه صبح الوقت أيضاً فيحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأن الصبح في الجملة هو ينقسم إلى أداء وفائت فيحتاج إلى التمييز، ويحتمل أن يقال يجوز؛ لأن الصبح الذي عليه الآن ليس إلا الفائتة الواحدة، فإذا نوى صلاة الصبح فريضة، والحالة هذه انصرفت هذه النية ضرورة إلى ما عليه، إذ الغرض من التمييز قد حصل. وهكذا لو فاتته صلاة العشاء، وأراد أن يقضيها في النهار، فنوى أنه يصلي العشاء الذي هو للبارحة فريضة، ولم ينو الفائتة على هذين الوجهين، والأشبه الجواز هاهنا؛ لأن عشاء البارحة لا تكون إلا قضاء، فإن الأداء منها لا يسمى بهذا الاسم، وهذه التسمية يقتضي دخول النهار وذهاب الليل فتقوم هذه النية مقام نية القضاء في الجواز، بل هذا أولى لأن هذه النية هي أخص من نية القضاء الذي قد يكون عشاء البارحة، وقد يكون عشاء غيرها من الليالي فكانت أولى بالجواز ويشبه بما [24 أ/3] ذكرنا من الوجهين في هذه المسائل الوجهين في نية الفرض. هل يلزم في صلاة الظهر؟ أحدهما:

لا يلزم لأن نية الظهر تقتضي نية الفرض، والثاني: يلزم لأن الظهر في الجملة ينقسم إلى نفل وفرض وهو في حق الصبي والبالغ. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا سلم على رجل مرتين في مجلس واحد، هل يلزم الجواب مرة أو مرتين؟ ينبغي أن يلزم الجواب مرة ويكون جواباً لهما، كما لو سها مرتين في صلاة واحدة فإنه يكفيه جبران واحد، فإن أجاب ونوى به الإجابة عن السلام الأول دون الثاني أو عن الثاني دون الأول فيحتمل أن يقال: يبقى عليه فرض آخر، ويحتمل أن يقال: لا يبقى فرض آخر، ويحتمل الفصل بين أن ينوي الرد الأول دون الثاني، فلا يلزمه للثاني شيء وبين أن ينوي الرد للثاني دون الأول، فيبقى عليه فرض الأول. ومثل هذا إذا أحدث أحداثاً ثم نوى في الوضوء رفع حدث واحد منهما دون غيره هل يصح وضوءه؟ فيه أوجه على ما ذكرنا، والوجه الثالث: منها الفصل بين نية رفع الحدث الأول أو رفع ما بعده، ولكن على هذا الوجه الأول [24 ب/3] أو رفع ما بعده في السلام يصح عما أجاب عنه، وفي الوضوء لا يصح عما نواه أيضاً، والفرق أن الوضوء لا يصح مع مجامعة الحدث له من غير ضرورة، ورد السلام يصح مع وجوب فرض الرد عليه لأمر آخر لحق سلام آخر عليه فظهر الفرق. وهكذا لو سها في صلاته مرتين ثم سجد بنية جبران أحدهما دون الآخر يجيء أن يقال: لا يجوز، وهذا على الوجه الثالث في الطهارة، فعلى هذا يجب بطلان الصلاة لزيادة السجود فيها عمداً، ولا يمكن على هذا الوجه تجويز السجود عما نواه فقط كما قلنا في السلام: لأن هذا يوجب بقاء السجود عليه للسهو الثاني، فيؤدي ذلك إلى اجتماع أربع سجدات لسهوين تقدماها، وهذا غير جائز. ويحتمل أن يقال: يجوز عنهما وهذا على الوجه الأول في الطهارة، ويجيء الفصل بين الأول والثاني، وهذا على الوجه الثاني فحصل ثلاثة أوجه في هذا أيضاً. فَرْعٌ آخرُ قال: لو سلم رجل على رجل فرد عليه الجواب، ثم سلم ثانياً في ذلك المجلس هل يلزم رد الجواب؟ الأقرب أنه لا يلزم، لأن السلام الثاني [25 أ/3] هو غير مشروع، فإن حق السلام يؤدى بالمرة الواحدة إذا كان المجلس واحداً، كما يؤتى بتحية المسجد والحالة هذه مرة واحدة. فَرْعٌ آخرُ قال: لا شك أن الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب صحيح، فإن قيل: كيف يصح ووقت المغرب ينقضي قبل الفراغ من العشاء؟ فإنه إذا صلى ركعتين منه فقد مضى الوقت الذي للمغرب في سائر الأوقات، قلنا: هذا لا يضر؛ لأن افتتاحه كان في وقت المغرب والاعتبار بوقت الافتتاح، ألا ترى أنه لو افتتح في الوقت، ثم خرج الوقت في الأثناء يجوز إتمامها من غير نية الفائتة؛ لأن الافتتاح كان في الوقت، وهذا

يمكن أن يجعل دليلاً على قوله. قال: يجوز استدامة المغرب إلى الشفق، ولو أراد الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فأخر الظهر إلى وقت لم يبق من وقته إلا مقدار فعله وركعة من العصر جاز الجمع قياساً على ما ذكرنا، ولو أراد الجمع بين المغرب والعشاء فأخر المغرب إلى وقت لم يبق من وقته إلا مقدار فعله ففعله ليس له أن يصلي العشاء ما لم يدخل وقته وزال الجمع [25 ب / 3]؛ لأنه لو صلى العشاء الآن لم يكن جامعاً بين الصلاتين في وقت العشاء ولا في وقت المغرب، ومن شرط الجمع افتتاحهما في وقت إحداهما لا محالة، فإن كان قد بقي من وقت المغرب مقدار فعله، ومن العشاء أقل من ركعة، فيحتمل أن يقال: لا يصلي العشاء الآن؛ لأن المفعول في الوقت إذا كان أقل من ركعة، فإن الصلاة قضاء، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح"، فإذا صح هذا والجمع لا يدخل في القضاء، فوجب القول بامتناع الجمع هاهنا. قلت: وعندي أنه يجوز الجمع في هذه المسألة والتي قبلها، لأن وقت المغرب يمتد إلى طلوع الفجر الثاني عند العذر، فإن جمع بينهما لا في الوقت المعهود للمغرب ولا في وقت العشاء المعهود جاز، ومتى جاز المغرب في الجمع بعد دخول وقت العشاء فلا يجوز قبل دخول وقت العشاء أولى، وتقديم العشاء إذا جاز إلى وقت المغرب المعهود يجوز إلى ما بعده أيضا وهذا ظاهر. فَرْعٌ آخرُ وجل جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فلما قعد في التشهد في العصر تيقن أنه [26 أ / 3] ترك سجدة ولا يدري تركها من الظهر أو العصر، ينبغي أن يقال: تصرف بنية إلى الظهر، فيعيا ركعة منه، ثم يعيد العصر في وقته لا على جهة الجمع. ووجهه: أن السجدة إن كانت متروكة من العصر فالظهر صحيح إذا امتثل ما قلناه في الحالين، ولو بنى على أن الترك من العصر فأعاد ركعة أخرى منه لم يجز لجواز أن تكون السجدة متروكة من الظهر، فلا يصح العصر، أو شرط هذا الجمع تقديم الظهر على العصر. وإنما قلنا: لا يجمع لأن السجود قد يكون متروكا من العصر، فإذا أعاد العصر الآن كان الفصل الطويل واقعاً بين الصلاتين، وشرط هذا الجمع الاتصال فلا يجوز مع فقد الشرط. قال: وهذا الجواب كنت أقوله ثم ظهر لي الآن فساد هذا القول، وذلك أن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يصح البناء عليها مع وقوع الفصل الطويل بركعات العصر، والبناء على الصلاة من شرط الاتصال كما أنه من شرط الجمع فكما منع من

الجمع وخوف الانفصال. فكذلك البناء، بل هذا أولى؛ لأن البناء إن احتيج إليه فوقوع الانفصال بركعات [26 ب / 3] العصر متيقن لا محالة. فإن قيل: أليس إذا كان في الظهر فأدى الركعة الثانية والثالثة والرابعة، وعناه أنه في العصر، ثم تبين له في التشهد له أن يقوم ويعيد ثلاث ركعات ويبني على صلاته مع طول الفصل، فهلا جاز مثله في هذا الموضع؟. قلنا: هناك لم يقصد الخروج من الظهر بل اعتقا وقه ع الإحرام عن العصر في الابتداء، فصارت الركعات الثلاث سهواً في الصلاة من جنسها، فلا يؤثر التطويل والقصر منه فيها، وهاهنا قصا الخروج من الظهر فلا سبيل له إلى البناء عليه مع طول الفصل، كمن سلم، ثم ذكر بعد طول الفصل أنه نسي فرضاً لا يبني، فإذا صح هذا فالجواب الصحيح أن يقال: يلزمه إعادة الصلاتين في وقتهما بلا جمع؛ لأن صلاة الظهر صحيحة في حال باطلة في حال وصلاة العصر باطلة في حال ومنقوصة في حال، فإذا لم يتعين الباطل منهما مع تيقن وجوب فرض الإعادة عليه في الجملة وجبت إعادتهما جميعاً، فإن كانت المسألة بحالها والجمع كان في وقت العصر فعليه أن يقوم ويصلي ركعة أخرى للعصر ويصح عصره وعليه إعادة الظهر [27 أ / 3] ويكون جامعاً: لأن السجود إن كان متروكا من الظهر فعصره صحيح، وإن كان من العصر فقد صح بأداء هذه الركعة، ويسوغ له أداء ركعات العصر، لا محالة، والشاك في أعداد الركعات للصلاة التي هو فيها يلزمه البناء على اليقين، وإنما لزمته إعادة الظهر، لأنه يجوز أن تكون السجدة متروكة منهء وهو قا تيقن عند وجود هذا الشك وجوب فرض ما عليه، ولا يتيقن زوال هذا الغرض إلا بإعادة الظهر مع ما فعله من البناء على العصر، فلزمه ذلك لنزول الفرض عنه بيقين. وإنما قلنا: إنه يكون جامعاً لأن الجامع بين الصلاتين في وقت الأخيرة منهما يجوز له تقديم الصلاة الثانية، ولا يضره أيضا وتدع الفصل الطويل بين الظهر والعصر، والمسألة بحالها فعليه إعادة الظهر والعصر أيضا، ولا يجوز له البناء الذي ذكرناه؛ لأن السجدة قد تكون متروكة من الظهر فلا يمح افتتاحه للعصر، لأنه بعد في الظهر، إلى أن يقع الفصل الطويل. ألا ترى أنه لو ذكر في الحال جاز له البناء على الظهر، [27 ب / 3] فإذا كان كذلك فهو لا يتيقن سقوط الغرض الذي لزمه عند الشك إلا بإعادة الصلاتين فوجب إعادتهما، فإذا أعادهما وقت العصر كان جامعا قاضيا لما ذكرناه فيما مضى. فَرْعٌ آخرُ قال: رجل فاتته صلاة الظهر فأدرك الإمام في العصر في وقت العصر سعة، هل يصلي العصر خلف إمام الظهر؟ يحتمل أن يقال: يصلي العصر، ثم يقضي الظهر، ثم يستحب له إعادة العمر ولا يلزمه؛ لأن إعادة كل واحدة منهما واجبة عليه، والاتباع في فعل العصر هو أظهر، وموضوع الجماعة على اعتبار ذلك، وإنما سنت إعادة العصر للخروج من الخلاف، ولا يمكن أن يقال: يصلي الظهر خلفه للخروج من هذا

الخلاف؛ لأن هذا يعارضه خلاف آخر، وهو فعل الظهر خلف من يؤدي العصر، والقضاء خلف من يصلي الأداء. فيتعادل القولان من هذا الوجه، ووجب الأخذ بما ذكرناه، ولا ينقلب علينا هذا مما ذكرنا من السنون من جهة وقوع الخلاف في إعادة العصر مرتين؛ لأنا إنما أمرناه بإعادة العصر خوفاً من فساد الأول، ولو تحقق ذلك كانت هذه الإعادة شرعاً [28 أ / 3] لا محالة بالإجماع، ومثل هذا الإجماع لا يجده ذلك القائل فافتقروا والقولان. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نوى في الفر قبل دخول وقت الظهر الجمع بينه وبين العصر هل يكتفي بهذه النية أم يلزم تحديد النية في وقت الظهر؟ يحتمل أن يقال: لا يكتفي بها، لأن الوقت لا يصلح للظهر فلا يصلح لنية الجمع، ويحتمل أن يقال يجوز كنية الصوم يتقدمه، والأول أشبه؛ لأن هذه النية تدل على فعل الظهر في وقته المعهود والإتيان بالبال الذي هو عمل البدن لا يجوز قبل وجوب المبدل، كالتيمم قبل دخول وتته الصلاة، وهكذا لو نوى في اليوم الأول أنه يجمع في كل يوم بين الظهر والعصر في وقت العصر، هل يلزمه إعادة النية في كل يوم في وقت الظهر؟. الأشبه أنه يلزمه ولو دخل بعليه وقت الظهر في الحضر فنوى الجمع بينه وبين العصر في وقت العصر في السفر، ثم سافر في الحال قبل خروج وقت الظهر، هل تجب إعادة النية؟ يحتمل أن يقال لا يلزم الإعادة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما لكل امرئ ما نوى"، وهذا عام ويجوز أن يقال [28 ب / 3] يلزم، لأن تلك النية وقعت في حالة لا تصلح للجمع فلا يصح فيه الجمع فيها. . . فرع قال: إذا جمع بين الصلاتين في وقت الأولى ثم ارتد في وقت فراغه من الأولى، ثم أسلم عن قريب، فافتتح العصر هل يبطل الجمع؟ يحتمل أن يقال: لا يبطل؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ويحتمل أن يقال: يبطل لأن الارتداد يقتضي بطلان الجمع ونيته، فصار كمن أبطل نية الجمع قبل دخوله في وقت العصر يبطل الجمع، وهكذا لو نوى الصوم في الليل، ثم ارتد، ثم أسلم قبل العجز، هل يلزم إعادة النية؟ يخرج على وجهين. فَرْعٌ آخرُ لو كان يجمع في وقت الظهر، فلما شرع في العصر نسي أنه ني الصلاة، فقال: أبطلت نية الجمع بطلت صلاته، لا من جهة أن كلام السهو يبطلها، ولكن لأن هذا يقتضي بطلان نية الجمع، وهذا يقتضي بطلان العصر، أو شرط هذا الجمع البقاء على نية الجمع إلى الفراغ منه، ألا ترى أنه لو نوى إبطال نية الجمع بطلت صلاته وإن لم يتلفظ، فإذا تلفظ فالمؤثر في البطلان نيته دون قوله.

فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يجمع في وقت العصر فلما [29 أ / 3] شرع في الظهر وصلى ركعة نوى ترك الجمع، وأبطل نية الجمع بطلت صلاته وعليه إعادتها بنية القضاء، فإن قيل: هلا قلتم تتم صلاته؛ لأنه قد أدى ركعة منها في الوقت كمن صلى ركعة من سائر المواضع في الوقت، ثم خرج الوقت عليه إتمامها لأداء ركعة في الوقت. قلنا: الغرق هو أن نية ترك الجمع يبين لنا أن افتتاح الظهر كان في غير وقته: لأن من شرط هذا الجمع المقام على نيته إلى الفراغ من الظهر، وإنما يصير وقت العصر وقت الظهر بهذه النية، والافتتاح في غير الوقت محتاج إلى نية القضاء، فإذا لم يأت بها لم يصح الافتتاح، وهناك لا يتضح بخروج الوقت، لأن الافتتاح كان في غير الوقت فوقع الافتتاح صحيحاً فلم يبطل بخروج الوقت خصوصاً، وقد صلى في الوقت مقدار ما يقع به الإدراك. قال: إذا كان يجمع في وقت العصر فصلى الظهر بنية الأداء، ثم أخر العصر إلى أن غربت الشمس، هل يصح ما أداه من الظهر؟ الأشبه الجواز، أن فعل العصر لو كان معتبراً في جواز الظهر لاعتبر اتصاله به، ولاعتبر تقدمه عليه [29 ب / 3]. ألا ترى أن فعل الظهر لما كان شرطاً في جواز العصر إذا كان الجمع في وقت الظهر اعتبر اتصاله به وتقدمه عليه، ويحتمل أن يقال: لا يجوز، لأنه لم يجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، وأداء الظهر في وقت العصر بغير نية القضاء إنما يصح بشرط الجمع، والشرط إذا لم يوجد لم يحصل المشروط، وهكذا لو ملى الظهر وقت العصر، ثم عزم على ترك الجمع، هل عليه إعادة الظهر بنية القضاء إذا لم يصل العصر بعد؟ يخرج على هذين الوجهين. ولو نوى في وقت الظهر تأخيره إلى العصر ليؤديه فيه دون العمر ليس له أن يصلي الظهر في وقت العصر إلا بنية القضاء؛ لأنه لم ينو الجمع، وهذا يدل على صحة الوجه الثاني، وللقائل الآخر أن يقول: العزم في الابتداء على فعل العصر أيضاً في وقته شرط في جواز الظهر في وقت العمر بغير نية القضاء، ووجود العصر ليس بشرط، ومثله موجود في الأصول، ألا ترى أن بيع الثمار قبل صلاحها يقف على شرط القطع لا على وجود القطع كذلك هاهنا. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا دخل في الظهر في وقت وأراد استدامته [30 أ / 3] إلى أن يدخل وقت العصر يحتمل أن يقال: لا يجوز في أحد الوجهين، والثاني: يجوز قياساً على استدامة المغرب إلى الشفق، فان قيل: ما الفرق بينه وبين استدامة الجمعة إلى ما بعد وقتها لا يجوز وجهاً واحداً؟ قلنا: الفرق أن خروج الوقت هناك يبطل بالصلاة عن الجمعة والفرض الجمعة في يوم الجمعة بخلاف هاهنا.

فَرْعٌ آخرُ قال: رجل نذر إتمام كل صلاة يشرع فيها، وصح نذره ولزم، فأراد الشروع في صلاة نغل، هل ينوي التطوع أم الفرض؟ يجيء أن يقال: ينوي التطوع؟ لأن ابتداءها يقع نفلاً، ثم يجب إتمامها كما في الحج ينوي التطوع عند الشروع، ثم يصير واجباً، وهكذا لو لم يبق من الصبح إلا ركعة واحدة يفتتح بنية الأداء، وان قلنا إنها تصير قضاء بعده. فَرْعٌ آخرُ العبد إذا شرع في الجمعة يلزمه إتمامها بخلاف المسافر إذا شرع في صوم رمضان، والفرق أنه جوز للمسافر ترك فرض الوقت على كل وجه بخلاف العبد، لأنه لم يجوز له ترك الفرض بالكلية. فَرْعٌ آخرُ قال: التأمين على دعاء الكفار لا يجوز [30 ب / 3]؛ لأنه عدو الله ورسوله وقد قال تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} [الرعد: 14] فأما التأمين على دعاء فساق المسلمين فإنه يجوز؛ لأنهم لم يخرجوا عن الإسلام، والله تعالى قد يجيب دعاءهم، وجاز الدعاء لهم فإنه يصلي عليهم إذا ماتوا، فجاز التأمين على دعائهم، بخلاف الكفار، وأما التأمين على التأمين فإنه يجوز لأنه دعاء، قال الله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} [يونس: 89] وموسى عليه السلام كان يدعو وهارون عليه السلام كان يؤمن وأضاف الدعاء إليهما، ويحتمل أن يقال: لا يؤمن على التأمين لأن الشرع لم يرد به. . . فَرْعٌ آخرُ قال: إذا عزبت النية للصلاة في خلال التكبير يجوز، وإذا عزبت النية في لفظ الكناية هل تطلق) وجهان، والغرق أن المصلي إذا فرغ من التكبير علمنا شروعه في الصلاة عند الحرف الأول، على قولنا: إن التكبير من الصلاة فلم يؤثر غروب النية في خلال التكبير؛ لأن غروب النية في أثنا، الصلاة لا يبطلها، وفي الطلاق تقع الفرقة عقيب الفراغ من اللفظ، والذي تقع به الفرقة هو اللفظ بشرط اقتران النية به، فلو جوزنا غروب النية في أثنا، اللفظ أدى إلى إيقاع الفرقة [31 أ / 3] بلفظ كتابة لم تقارنه النية، وهذا لا يجوز. فإن قيل: لو كان شارعاً في الصلاة عند الحرف الأول لوجب إذا اقتصر على قوله: الله أن يجوز قلنا: إذا فرغ من التكبير فتبين الشروع عند الحرف، فإذا اقتصر على قوله: الله لم يجز، لأن شرط التبيين لم يحصل، ومثل هذا لا يمتنع، ألا ترى أن المشتري إذا قال: قبلت كان البائع بائعاً بقوله: بعت لا بالقبول الحاصل من المشتري، وان كان قوله: لو تجرد عن القبول لم يكن بائعاً لأجل قوله، ويمكن أن يقال: غروب النية في أثناء التكبير يبطله كما في الطلاق، لأن الشروع فيها يحصل بتمام التكبير، فلو جوزنا غروب النية في الأثناء لصار شارعاً بما تقدمته النية، وهذا لا يجوز، إذ لو جاز هذا لجاز تقديم النية على التكبير كما قال أبو حنيفة - رحمه الله -:

ويمكن أن يجاب بأن اعتبارها في الابتداء صار أحق لمعنى الأولية، وهذا كما أن صحة الصلاة تقف على أركان مع الإحرام، ثم النية معتبرة في ركن معين منها وهو الإحرام لمعنى الأولية فكذلك هذا. فَرْعٌ آخرُ قال: لو قرأ أية القرآن وقصد به [31 ب / 3] التنبيه دون القراءة لم يجزه، وان قصا كليهما قيل قولان: أحدهما: باطلة وهو قول ابن سريج والثاني: تصح. فَرْعٌ آخرُ قال: لو ناداه الوالد أو الوالدة وهو في الصلاة، قيل فيه وجهان: أحدهما: يلزمه الإجابة وتبطل صلاته إذا أجاب، والثاني: تلزمه الإجابة ولا تبطل صلاته بها، وفيه وجه ثالث لا تلزمه الإجابة أصلاً، وهذا هو أصح عندي. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام في الثالثة وني التشهد الأول، ثم تذكره فشك هل يجوز له العود أم لا، فعاد هل تبطل صلاته؟ يحتمل أن يقال: لا تبطل لأنه علم كون التشهد مسنوناً له، وهو شاك في أن هذه الحادثة، هل تزيل تلك السنة أم لا، والأمل كونه مسنوناً له وهو شاك في أن هذه الحادثة هل تزيل تلك السنة أم لا؟، والأصل كونه مسنوناً له، وهذا كمن شك في خروج الوقت يلزمه البناء صلى الأصل، ويحتمل أن يقال: تبطل صلاته؛ لأن لما شك لزمه ترك العود من جهة أن مراعاة الاحتياط في الصلاة واجبة، والاحتياط ههنا هو في ترك العود؛ لأن الزيادة في أفعال الصلاة محرمة وترك [32 أ / 3] التشهد الأول غير محرم، ومل هذه المسألة إذا عمل في الصلاة أعمالاً، ثم شك هل هي كبيرة أم قليلة، وهل يلزمه الاستئناف؟ يخرج على هذين الوجهين. والأشبه عندي أنه لا يلزم، لأن الأصل بقاء الصلاة نصار كالشك في الحدث بعد يقين الطهارة لا يضر، فإن قيل: لا فائدة في ذكر هذين الوجهين في العود، لأنه إذا عاد وعنده أن العود لا يجوز فصلاته باطلة على الوجهين، وإن عاد وعنده أن العود جائز فصلاته لا تطل على الوجهين، قيل: فائدة ذلك إذا هاد ولا يدري هل يجوز العود أم لا؟ فعلى الوجه الأول لا تبطل، وعلى الثاني: تبطل وتظهر فائدة ذلك ني حال وقوع مثل هذه الحادثة في أثناء الصلاة، لأنه إذا عرف ما ذكرناه، نعلى الوجه الأول: يجوز له العود في الظاهر، وعلى الثاني: لا يجوز له ذلك، وهذه فائدة معقولة. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا نذر قراءة القرآن نقرأه ولم ينو النذر ولا الفرض، فإن كان النذر غير مضاف إلى زمان بعينه لم يكن واقعا عن النذر، وإن أضافه إلى زمان بعينه. مثل إن قال: لله علي أن أقرأ القرآن في كذا. يحتمل [32 ب / 3] يقال: لا يقع

عن النذر وهو الأشبه، ويحتمل أن يقال: تجعل نيته عند قوله: في يوم كذا، كالنية المتقدمة فيحكم بجوازها في أحد الوجهين قياساً على جواز تقديم النية في الزكاة على أحد الوجهين، ويمكن أن يقال ذاك إنما يجوز في عبادة المال، فأما في عبادة البدن في فلا يجوز إذا لم يكن ضرورة. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان على ثوب الإمام نجاسة إلا أن المأموم لم يعرف ذلك لبعده من الإمام لم تصح صلاته؟ لأن النجاسة موجودة في موضح يمكن رؤيتها، وإنما عرض ما يمنع من الرؤيا فصار كما لو كان قريباً منه، إلا أنه لم يقف عليها لاشتغال قلبه بأفعال الصلاة، فإنه تلزمه الإعادة بالإجماع، وكما لو صلى خلف الكافر ولم يعرفه لبعده منه يلزمه الإعادة. فَرْعٌ آخرُ لو كان على عمامة الإمام نجاسة تمكن المأموم من رؤيتها إذا قام غير أنه صلى قاعداً لعجزه عن القيام، ولا يمكنه رؤيتها في هذه الحالة لا يلزمه الإعادة؛ لأن فرضه القعود في هذه الحالة وهو على أي وجه قعد لا يمكن من رؤية النجاسة فلم يحصل [33 أ / 3] من جهته تعزراً بوجه كما لو كانت النجاسة على باطن ثوبه لا يلزمه الإعادة. فَرْعٌ آخرُ النية هل تلزم في الخطبة؟ وجهان: أحدهما: تلزم لأنها عبادة لا تصح من المجنون كالصلاة، والثاني: لا تلزم والأول أصح، وكذلك الوقوف بعرفة والأذان والطواف هل يفتقر إلى النية؟ وجهان. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا ارتد الإمام في الجمعة في أثناء الخطبة، ثم أسلم له استئنافها وله البناء عليها، لأن التفريق لا يبطلها، وكذلك إدخال ما ليس منها لا يبطلها كالأكل والكلام. فَرْعٌ آخرُ لو خطب الإمام يوم الجمعة ثم شك هل ترك شيئاً من فرائضها ليس له الشروع في الصلاة، وعليه إعادة خطبة واحدة إذا كان المشكوك فيه فرضاً واحداً، ولم يعلم عينه، ويقرأ أية من القرآن في هذه الخطبة، وهذا لأنها غير مقصودة بنفسها فالشك فيها بعد الفراغ يؤثر كالشك بعد الفراغ من الوضوء. فَرْعٌ آخرُ قال: لو أدرك الإمام في السجود فسجد معه وقام، فإنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه تابع للإمام، والإمام لا يأتي به. ولو أدركه [33 ب / 3] في التشهد الأخير فأحرم وقعد معه ثم قام بعد سلام الإمام يأتي بدعاء الاستفتاح؛ لأنه فرض الاتباع سقط فيجب العود إلى حكم صلاة الانفراد، وفيه نظر، وعندي لا يلزمه أن يأتي بدعا، الاستفتاح هاهنا أيضاً، وانقطع ذلك بقعوده معه.

فَرْعٌ آخرُ قال: لو أراد الجمع بين الجمعة والعصر للمطر نظر، فإن أراد الجمع بينهما في وقت العصر لا يجوز، وإن أراد الجمع في وقت الجمعة ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز لأن الجمع رخصة واردة في موضع مخصوص فلا يقاس عليه. والثاني: يجوز لأن ما يباح لعذر يستوي فيه الجمعة والظهر كترك القياس عند العجز والأول أصح. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قرأ سبع آيات عند الفجر عن الفاتحة، هل يستحب له التأمين في الآخر إذا كان مضمنا بالدعاء؟ والصواب عندي أنه يسن لأنها بدل على الفاتحة والتأمين شرع بعدها طلباً لإجابة السؤال، وهذا موجود هاهنا ويحتمل وجهاً أخر أن الخبر لم يرد به. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام ناسياً إلى الركعة الثالثة قبل [34 أ / 3] التشهد فقبل اعتداله بدأ بقرا، ة الفاتحة، ثم تذكر ما نسي من التشهد، هل يرجع إلى الجلوس والتشهد؟ نظر فإن كان في صلاة الفرض يرجح، وإن كان في النفل لم يرجح، لأن القراءة هي غير محسوبة في الفرض قبل الانتصاب بخلاف النفل، أو يجوز القعود فيها مع القدرة على القيام، فابتداؤه في النفل بالقراءة كالانتساب في الغرض وفيه وجه آخر يعود فيهما. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا قام الإمام تاركاً التشهد الأول واعتدل، ثم أحدث فاستخلف واحداً من المأمومين لا يتشهد هذا المستخلف ويبني على صلاته، ألا ترى أنه يقعد في موضح قعوده ويلزمه إتمام الصلاة، وإن كان مسافراً إذا كان المستخلف مقيماً ففي حكم التشهد يتبعه أيضاً. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا جمع بين صلاتين في الوقت الأول، فلما فرغ من الظهر شك هل كان نوى الجمع أم لا؟، ثم تيقن أنه كان نوى ليس له أن يجمع؟ لأنه طرأت حالة تمنع الجمع فزوالها بعد لا يوجب الجواز، كما لو نوى الإقامة ثم أراد السفر لم يكن له أداء العصر بعده في وقت الظهر، وإن كان ما حدث من المقام زائلاً. [34 ب / 3] وذكر الشافعي - رحمة الله عليه - نظيره إذا شك في نية العصر ثم تذكر في الحال فإنه لا يقصر. قلت: وعندي يجوز الجمع؟ لأنه لم يصادف هذا الشك العبادة. وقد يقع الشك في شرط منها، وقد تحقق وجود الشرط في الحال، والحالة ليست بحالة العبادة فصار كما لو شك في ركن الطهارة، ثم تذكر في الحال له الدخول في الصلاة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو أذن لصلاة الظهر قبل دخول وقتها، ثم أراد أن يؤدي به فائتة، وقلنا بالقول

الذي يقول: إن الأذان مشروع للفائتة، هل له أداء الفائتة بهذا الأذان؟ نظر، فإن كان ذاكراً للفائتة وقت الأذان يجوز، وإن لم يكن ذاكراً لها لا يجوز، والفرق أن وقت الفائتة إنما يدخل عند ذكرها، فإذا كان ذاكراً لها، ولم يصح عما قصده وقع عما كان الوقت وقتاً له، كما لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج صح عن العمرة. وفي المسألة الثانية لم يدخل وقت الفائتة ولا يقع الأذان عنها، لأن تقديم الأذان على وقته لا يجوز إلا في الصبح، ويحتمل وجهاً آخر أن هذا الأذان لا يصح عن الفائتة في الحالتين، ويحتمل وجها ثالثاً أنه يصح في الحالتين [35 أ / 3]. فرع قال: إذا أقام لصلاة الجمعة قبل الإتيان بتمام الخطبة المفروضة، ثم أتمها بعده وافتتح الجمعة بعده في وقت يسير هل يصح؟ عندي أنها لا تجوز، لأنها تراد لاستفتاح الصلاة فلا يجوز إلا في الوقت الذي يجوز فيه الاستفتاح، كالإقامة للصبح لا تجوز قبل الوقت، وان صح الأذان. ويحتمل أن يجوز كالإقامة قبل الفراغ من الطهارة وهذا أبين. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا سلم عليه رجل فلم يرد الجواب حتى طال الزمان، هل يسقط فرض الرد؟ يحتمل وجهين وكذلك لو مضت أيام. فَرْعٌ آخرُ قال: لو شك الرجل هل أدى الصلاة التي وجبت عليه أم لا؟ فإن قيل: إن فوات الوقت يلزمه أداؤها بلا خلاف، وان كان فوات الوقت يحتمل أن يقال: يلزمه الإعادة للاحتياط، والأصل: عدم الأداء، ويحتمل أن يقال: إن كان في وقت لا ينس في مثله في العادة أداء الصلاة التي أديت يلزمه قضاؤها وإلا فلا يلزم؛ لأن الظاهر إذا كان في وقت ينسى أنه لا يتغافل عن صلاته وأداها، ولكنه لا يمكنه تذكرها إلى هذه الغاية. والظاهر إذا كان في وقت لا ينس أنه [35 ب / 3] لم يؤدها ولو لم يفصل هكذا لأدى إلى مشقة عظيمة. وقيل: لا يلزمه الإعادة كما لو شك بعد الفراغ من الصلاة في بعض أفعالها وهذا ليس شيء. فَرْعٌ آخرُ قال: لو شك المصلي هل سلم من صلاته التي أداها أم لا؟ نظر، فإن حدث أمر يقطع الصلاة، أو يمنع صحة السلام في هذه الحالة فلا يلزم حكم الشك، وإن كان قاعداً متوجها إلى القبلة، ولم يطل الفصل لزمه السلام لنزول شكه في صحة الصلاة، ووجه ذلك أن في الأول: لو أوجبنا اللام لوجبت الإعادة من الأصل، والشك لا يوجب الإعادة، وفي الثانية: يجوز البناء ولا يلزمه الإعادة، فيجوز إثبات وجوب السلام في تلك الحالة؟ لأن وقت السلام باق في تلك الحالة، ولا يشبه التشهد إذا شك في قراءته بعد السلام: لأن وقته فات بحصول السلام، ألا ترى أنه لو ترك ذلك وتعمد إلى السلام بطلت صلاته، وإن كان قريباً وفوات الوقت يمتنع من تأثير الشك فيما لا يمكن اعتبار الظاهر فيه.

فَرْعٌ آخرُ قال: البالغ إذا أدرك الصبي الإمام في [36 أ / 3] الركوع هل يكون مدركاً الركعة؟ وجهان: والأصح الإدراك، وعندي لا معنى للوجه الآخر بعدما حكمنا بصحة صلاته. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا أدرك الإمام في الركوع فافتتح الصلاة، ولم ينو الجماعة، وركع معه لم تصح صلاته، سواء قلنا: الإخلال بنية الجماعة مع الاقتداء يبطلها أو لا يبطلها إلا أن يكون عنده جواز اتباعه فلا يصير مدركاً للركعة، ولا تبطل الصلاة، فإن قيل: نية الجماعة هي واجبة في الجمعة أم لا؟ قلنا: هي واجبة على المأموم، ولا يجوز أن يقال غيره، وهل يلزم الإمام هذه النية؟ وجهان: أحدهما: لا تلزمه كما في سائر الصلوات، والثاني: تلزمه لأنها لا تصح إلا بالعدد، وهو اختيار جدي الإمام - رحمه الله -. فَرْعٌ آخرُ قال: صلاة التراويح إذا صليت قبل دخول وقت العشاء بعد غروب الشمس هل تصح؟ وجهان: أحدهما: لا تصح لأنها تابعه للعشاء كالوتر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة صلوها في وقت العشاء والوقت يؤخذ توقيفاً. والثاني: أنها تمح كقيام الليل. فَرْعٌ آخرُ هل تصح في وقت العشاء قبل العشاء؟ [36 ب / 3] يحتمل أن يقال: لا يجوز كالوتر ويحتمل خلافه. فَرْعٌ آخرُ قال: من به سلس البول إذا أم الناس في الجمعة هل له أن يجمع بين الخطبتين وصلاة الجمعة بوضوء واحد؟ يحتمل على قياس قول الشافعي وجهين بناء على اعتبار الطهارة في الخطبة، وفيه قولان، والأصح أنه لا يجوز. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا كان يصلي الظهر عن قعود لعجزه عن القيام فني التشهد الأول، ثم ذكره فإن كان قد أخذ في القراءة المفروضة لم يرجح، وإن لم يكن أخذ فإنه يرجع، وإن ابتدأ بالقعود على قول من قال: يتعوذ في كل ركعة فغيه وجهان. فرع قال: إذا كانت صلاة العشاء هل له أن يصلي الوتر قبل قضاء العشاء وجهان. فرع قال: إذا في الإمام التشهد الأول واعتدل فعزل المأموم نفسه من صلاة الإمام، هل يأتي بالتشهد؟ فإن كان اعتدل قائماً لم يأت به، وإن لم يكن اعتدل يحتمل وجهين:

أحدهما: لا يأتي به، والثاني: يأتي به وهو الأظهر. فرع قال: إذا علم أنه ترك صلاة الظهر في مدة شهر معين في بعض الأيام وصلاها في بعض الأيام ولا ندري كم ترك؟ وكم صلى؟. قال القفال: نقول [37 أ / 3] له: كم تتحقق من الصلوات تركها؟ فإن قال: أعلم أني كنت تركت عشرة أيام، ولا أدري الزيادة، نقول: أقض عشرة صلوات وليس عليك إلا ما تحققت تركها، فإن الظاهر أن المسلم لا يترك الصلاة. وقال القاضي الحسين - رحمه الله -: الأمر عندي على العكس فيقال: كم تتحقق قدر ما صليت؟ فإن قال: أتحقق عشرة أيام يقال له: اقض عشرين يوماً لأنا تحققنا اشتغال ذمته بالفرض فلا يسقط عنه إلا بيقين. ونظيره إذا أسلم ثم شك، هل ترك ركناً فيه قولان. أحدهما: إن كان الفصل قريباً عاد وبنى، وإن طال الفصل استأنف. والثاني: أنه لا يبني عليه، لأن الظاهر أن الصلاة قد تمت على وجهها. فَرْعٌ آخرُ إذا شرع في الفائتة على تقدير أن في الوقت سعة فتبين أن الوقت قد ضاق، المذهب أن عليه أن يقطع الفائتة، ويملي صلاة الوقت ثم يعيد الفائتة؛ لأنه لو شرع منفرداً ثم أدرك الجماعة فإنه يستحب له أن يجعله نفلاً ويسلم، ومراعاة حق الوقت هاهنا أولى من مراعاة الجماعة، ففيه وجه آخر يتمها ولا يقطعها وليس كتلك المسألة، لأن الجماعة من مصلحة تلك الصلاة فجاز [37 ب / 3] أن يقطعها لمراعاة مصلحتها، وفي القضاء ليس الوقت من مصلحتها، وإنما الوقت من مصلحة فريضة الوقت، فلا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فريضة أخرى. فَرْعٌ آخرُ إذا ترك الصلاة فقال: كنت نسيت أو كنت أجد البرد، أو كانت على بدني نجاسة ما قدرت على غسلها لا يقبل بل يؤمر بالصلاة. فإن امتنع بالمذهب أنه لا يقبل؛ لأن الصلاة إنما يتضيق فعلها في الوقت ومعظم الجنابة في التأخر عن الوقت ولم يتحقق قصده إلى التفويت، وفيه وجه آخر أنه يقبل لامتناعه من الإتيان بها مع التمكن. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يكفيه في نية الصلاة نية الظهر لا بد وأن يعتقد فرض الظهر حتى إن كان قريب العهد بالإسلام ولم يعلم أن صلاة الظهر من المفروضات، أو علم أنها من المفروضات ولكن لم يعلم فريضة أركانها إذا اعتقد في بعضها أنها سنة لم تصح صلاته؛ لأن فرض الصلاة لا يؤدى بنية النفل، ولو اعتقد أن جميع ما يفعله فيها فرض

يصح؛ لأن السنة تؤدى بنية الفرض. فَرْعٌ آخرُ إذا قتل برغوثة على ثوبه فيه وجهان: أحدهما: لا يكون عفواً لأنه يمكن الاحتراز منه، وإن [38 أ / 3] كان كثيراً فإنه لا يعفى وجهاً واحداً. والثاني: أنه يعفى لعلته لاعتبار الجنس وهو الصحيح، ولما روي أن ابن عمر - رضي الله عنه - عصر بثرة بوجهه وصلى. فَرْعٌ آخرُ دم البراغيث يعفى عنه في ثوبه الملبوس، فإن كان في كمه روث فيه دم البراغيث، فإن كان كثيراً لا يجوز، وإن كان قليلاً فيه وجهان؛ لأنه يمكن الاحتراز وكذلك لو كان دم البراغيث على مصلاه. فَرْعٌ آخرُ إذا كان عليه دم البراغيث فعرق بدنه وانتشر، يصير ذلك الموضع نجد وهل يعفى عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعفى وهو اختيار القاضي الحسين - رحمه الله - ويختص العفو بعين الدم دون المحل الذي يتعدى إليه نجاسة الدم كما في محل الاستنجاء. والثاني: يعفى وهو الصحيح عندي، واختاره أبو عاصم العبادي؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه عرفاً، ولأنه لم ينقل ذلك عن الصحابة - رضي الله - عنهم مع علمنا بأنهم كانوا فقراء، ولم يكن للواحد منهم إلا ثوب، وكانوا يبيتون فيه، وقلنا: يخلو عن مثله والعرق يكثر في الحجارة لشدة الحر، ولأنا لو أوجبنا غسل [38 ب / 3] المتعدي لأوجبنا غسل موضع الاستنجاء؟ لأن البعض متصل بالبعض. وقال جعفر بن محمد الصادق: لقد هممت أن أتخذ للمغتسل ثوباً فإني رأيت الذباب تقع على النجاسة، ثم تقع على الثوب، ثم إني تفكرت أن السلف المالح ما كان لهم إلا ثوب واحد فتركته. فَرْعٌ آخرُ لو ابتلع خيطاً وطرفه خارج فمه لم تصح صلاته؛ لأن الظاهر هو متصل بالنجاسة. فرع لو قدر على قطع موضع النجاسة من الثوب، فإن كان النقصان الداخل فيه بقدر أجرة ثوب يستأجره للصلاة تلزمه أن يقطع، وإن زاد فلا يلزمه. فَرْعٌ آخرُ لو شك في الحدث في صلاته لا ينصرف، فلو انصرف لتجديد الطهارة، فإن بان أنه كان أحدث له البناء على صلاته في قوله: القديم، فيمن سبقه الحدث، وإن بان أنه ما كان أحدث، أو بقي الحال مشكلاً فيه وجهان: أحدهما: يبطل، لأنه ممنوع من الانصراف قبل تحقيق الحدث، والثاني: لا يبطل، لأنه من سلم ناسياً وظن أنه ليس في الصلاة فتكلم لم تبطل صلاته حتى يبني عليها، ويجعل كأنه تكلم بعد إتمام الصلاة

فكذلك [39 أ / 3] من جهل بقاء الطهارة يجعل في الحكم كأنه تحقيق انقطاعها. فرع لو قال في صلاته: يا قومنا قوموا لله موصولاً فهو كلمات القرآن، ولكن ليست على ذلك النظم تبطل صلاته؛ لأنها ليست بقرآن، ولو فرق الكلمات لا تبطل لأن الجمع من القرآن. فَرْعٌ آخرُ إذا تنحنح الإمام، وقلنا في أحد القولين: التنحنح يبطلها فمن أصحابنا من قال: يزم المأموم أن يفارقه، فإن لم يفارقه بطلت صلاته؛ لأن الظاهر أنه قاصد، وقد بطلت صلاته، ومنهم من قال: يمضي على متابعته لأن المسلم لا يقصد بطلان الصلاة، والظاهر أنه غير مختار له وأن صلاته لم تبطل، وهذا أمح عندي إذا كان الإمام ممن لا يخفى عليه هذا القدر. فرع لو تستر في الصلاة بآدمي أو بهيمة؛ لأنه يشبه عبادة من يعبد الأصنام، ولو صلى إلى آدمي أو إلى حيوان طاهر جاز لخبر عائشة - رضي الله عنها -: ((كنت معترضة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين القبلة كاعتراض الجنازة". فَرْعٌ آخرُ لو أخبره جماعة أنه صلى ركعتين وهو يشك فهل يعتما على قولهم؟ وجهان والأصح [39 ب / 3] أنه يعتمد. فَرْعٌ آخرُ لو كان يصلي الصبح فرفع رأسه من السجود، وقام إلى الثانية بعدما شك أنه صلى الواحدة أو الثانية، ثم تذكر أنه ما صلى إلا ركعة، وأن التي قام إليها هي الثانية، فالظاهر أن عليه سجود السهو؛ لأنه حين قام لم يقطع بأن عليه فرض القيام، بل توهم أنه صلى ركعتين وهذه ثالثتهما وهي زيادة في الصلاة، وفيه وجه آخر: أنه لا يسجل لأن الوهم زال بالتذكر وتبين أنه ما زاد فيها. قال بعض أصحابنا: والأول أصح؛ لأن فعله مع الوهم أنه يفعله زيادة فيها خلل ولهذا لو بقي على الشك حتى فرغ منها عليه سجود السهو، وإن احتمل أنه لم يزد وقد تقرر أن من شك هل زاد في صلاته لا سجود عليه، وعندي الوجه الثاني أصح. فرع لو شك في سجوده أنه سجد سجدة أو سجدتين بنى على اليقين، فإذا أخذ بالأقل ثم بان قبل أن يرفع رأسه من السجدة أنه ما كان سجد إلا واحدة فلا سجود عليه للسهو؟ لأن تلك السجدة معتد بها، وان بان بعد أن رفع رأسه من تلك الجدة وسجد السجدة الأخرى، ثم تذكر أنه [40 أ / 3] ما كان قد سجد إلا سجدة واحدة، وأن هذه ثانيتها يلزمه سجود السهو لأن فعله لم يكن معتداً به لاحتمال أنه سجد سجدتين وهذه ثالثتهما على ما ذكرنا.

فَرْعٌ آخرُ لو سلم وقام، ثم داس نجاسة برجله، المذهب أنه لا يبني على صلاته إذا علم أنه ترك منها شيئاً؛ لأن حكم النجاسة هو أغلظ من حكم القبلة والكلام، فيبني بعه استدبار القبلة والكلام قليل ولا شيء بعد النجاسة. فَرْعٌ آخرُ إذا سلم فقال له وجل: سلمت من ركعتين، فمان تداخله شك يعود إلى صلاته في الوقت ولو اشتغل بجوابه، ثم تذكر فأراد أن يعود إلى الصلاة ليس له ذلك، فإن لم يتداخله شك فأجابه، وقال: بل أتممت الصلاة، ثم تذكر أنه سلم محن ركعتين له أن يبني على صلاته لخبر "ذي اليدين". فرع لو قام من موضعه لا يعوذ إلى موضعه، بل يبني في المكان الذي تذكر لأن عوده ليس من مصلحتها. فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يبني لا يحتاج إلى النية؟ لأن التحريمة الأولى باقية. ولو كبر ونوى الافتتاح بطل ما مضى. [40 ب / 3]. فَرْعٌ آخرُ لو سلم من ركعتين وقام وافتتح النفل، ثم تذكر أنه نسي ركعتين فعلى قول بعض أصحابنا: الانتقال إلى الركن مقصوداً شرط، فعلى هذا ما فعله لا يعتد به إلا أن الفعل من جنس الصلاة فله أن يبني على صلاته، وإن كان قد طال الفصل، وعلى طريقة الباقين الانتقال إلى الركن بالقصد ليس بشرط، ولكن هذا الرجل قصد النفل وعليه الفرض هل يتأدى الفرض بنية النفل؟ ذكرنا فيه الخلاف بين أصحابنا، فإن قلنا: يتأدى بها احتسب له ما فعله ويتممه. وإن قلنا: لا يتأدى بها استأنف الركعتين وهذا أصح عندي. فَرْعٌ آخرُ لو أراد المأموم أن يقنت في الصبح وترك الإمام القنوت، فإن أخرج نفسه من متابعته وقنت لا يسجد للسهو، وان لم يخرج نفسه من متابعته ولكن طول الإمام قيام الاعتدال فقنت جاز، وهل يسجد للسهو؟ وجهان. قال أبو حامد يسجد، وقال القفال: لا يسجد، لأن في اعتقاد إمامه أنه ليس في صلاته خلل والمأموم اعتقد الخلل فيجعل اعتقاده كسهو منه ولا يسجد للهو خلف الإمام [41 أ / 3]. فَرْعٌ آخرُ لو قنت في الركعة الأولى ساهياً أو في غير الصبح. قال الشافعي - رحمه الله _:

باب صلاة المسافر

يسجد للسهو، فقال بعض أصحابنا: لأنه نقل ذكراً مقصوداً من محله إلى غير محله، فجعل الإتيان به في غير محله كتركه في محله. وقيل: العلة هي أن قيام الاعتدال ركن قصير، وقد طوله بالقنوت، وعلى هذا لو قنت في الركعة الأولى عامداً أو في غير الصبح عامداً، فإن قلنا: العلة عند السهو نقل الذكر لا تبطل صلاته لأن الصلاة هي محل الذكر، وإن قلنا: العلة تطويل الركن القصير تبطل صلاته ونجعل تطويل الركن القصير كزيادة ركن في الصلاة. فَرْعٌ آخرُ لو قنت قبل الركن عامدا لا تبطل صلاته، ولو فعله ساهياً، فإن قلنا: إن العلة نقل الذكر المقصود ويسجد، وإن قلنا: العلة تطويل الركن لا يسجد، لأن القيام ركن ممتد. فَرْعٌ آخرُ لو تشهد قائماً، أو قرأ القرآن في التشهد، فإن كان عمداً لا تبطل، وإن كان ناسياً، فإن قلنا: العلة في المسألة الأولى نقل الذكر ليسجد! لأنه نقل موجود وإن قلنا: العلة تطويل الركن القصير لا يسجد لأن الركن في نفسه ممتد [41 ب / 3]. باب صلاة المسافر مسألة: قال: وإذا سافر الرجل سفراً يكون ستة وأربعين ميلاً بالهاشمي. فله أن يقصر الصلاة. وهذا كما قال. الأصل في جواز القصر في السفر الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ} [النساء: 101] الآية. وأما السنة: فما وري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يقصر في أسفاره حاجاً وغازياً". وأما الإجماع: فلا خلاف بين الملمين فيه. فإذا تقرر هذا، فجملة الأسفار على أربعة أضرب: سفر واجب كالسفر للحج والعمرة والجهاد والهجرة، وسفر معصية: كالسفر لقطع الطريق، وطلبه الزنا، والمعاصي، والهرب من الغريم مع القدرة، والخروج مراغما لأبويه في شيء، وسفر طاعة: كزيارة الوالدين أو أحدهما، الخروج إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى المجد! لأقصى، وسفر مباح: كتجارة أو تنزه ويستباح القصر في كلها إلا في سفر المعصية. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه _: لا يجوز القصر إلا في السفر الواجب: لأن الواجب لا يترك إلا للواجب، وقال عطاء [42 أ / 3]. رحمه الله -: لا يجوز إلا في سفر الطاعة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقصر إلا في سبيل الخير. وقال داود: لا يجوز إلا عند الخوف لقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا}] النساء: 101] فشرط الخوف وهذا غلط لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاء وفي السفر ركعتين"، وروى يعلى بن أمية

وقيل: يعلى بن منية، وقيل: أمية أبوه ومنية جدته، فنسب إلى كل واحد منهما. قال: وقلت لعمر بن الخطاب _ رضي الله عنه _: أباح الله تعالى القصر في الخوف فأين القصر إذا أمن، فقال: عجبت مما عجبت، فألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". فثبت جوازه في الأمن. وروى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خياركم من قصر في السفر وأفطر"، وروى ابن عمر _ رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيار أمتي أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله والذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا [42 ب / 3] وإذا سافروا قصروا وافطروا"، وروى عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه قال: كنت مع عمي عبد الله بن عمر في سفر فصلى ركعتين، ثم انصرف فرأى ناساً في المسجد يصلون فقال: لو كنت مصلياً معهم لأتممت، لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فما رأيته يصلي إلا ركعتين، ما يصلي معهما شيئاً حتى لقي الله"، ولقد صحبت أبا بكر في السفر "فما رأيته يصلي إلا ركعتين ما يصلي معهما شيئاً، ثم صحبت عمر في السفر ففعل هكذا ثم صحبت عثمان فما رأيته إلا هكذا، ثم قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وقال أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه _ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من المدينة فسار فرسخاً قصر الصلاة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر في السفر في الحج وكان آمنا، ولأن الرخصة إذا تعلقت بسفر الطاعة تعلقت بالفر المباح كصلاة النافلة على الراحلة. وأما ما ذكر ابن مسعود _ رضي الله عنه _ ينتقض ممن لا يجب عليه الجهاد إذا خرج إليه يقصر بالإجماع، وأما ما قال عطاء فلا يصح لأنه لو اختص بموضع السنة [43 أ / 3] لما جاز القصر في غير الموضع الذي سار فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان يقصر الصلاة في عوده، وإن كان مباحاً وأماما، قال داود رحمه الله: قلنا ذكر الخوف لا للشرط كقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الإسراء: 31] فهذا ليس بشرط، وقال أبو حنيفة _ رحمه الله _: يجوز القصر في جميع الأسفار، وان كان سفر معصية وسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى، فإذا تقرر هذا فإن عنانا لا يجوز القصر إلا في السفر الطويل، وقال داود: يجوز القصر في السفر القليل وإن كان فرسخاً لظاهر الآية، وهذا غلط لما روى ابن عباس _ رضي الله عنهما _ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا أهل مكة لا تقصروا في أدني من أربعة برد من مكة إلى عسفان". وهذا يخص الآية، ولأن المشقة لا تلحقه في ذلك غالباً فأشبه الانتقال في البلد من محله إلى محله.

فإذا تقرر هذا فحد السفر الطويل ماذا؟ قال الشافعي: هاهنا ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي. وقال في القديم: يقصر إذا جاوز أربعين ميلاً، وقال في موضع: مسيرة ليلتين، وقال في موضع: مسيرة يوم وليلة. وقال في موضع: أربعة برد. وكل هذا واحد والأصل فيه ما قال [43 ب / 3] هاهنا ستة وأربعون ميلاً، والذي قال ثمانية وأربعون ميلاً احتسب فيه الميل الذي يبتدي منه، والميل الذي ينتهي إليه وهناك لم يحتسب. والذي قال في القديم: جاوز أربعين ميلاً أبهمه وفسره في الجديد، والذي قال مسيرة ليلتين قال: فيه قاصرتين سير الأبغال ودبيب الأقدام دون سير البرد والخيل ونحب الركاب لأن ذلك خارج عن المعتاد، كما لا يعتبر سير المزمن والمقعد، وذلك ستة عشر فرسخاً في كل ليلة ثمانية فراسخ، والذي قال مسيرة يوم وليلة أراد إذا وصل سير الليل والنهار وذلك ما قلناه. والذي قاله: أربعة برد فهو ما ذكرنا؟ لأن كل بريد أربعة فراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي قدر أميال البادية وبردها كل ميل اثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة. وجملته ستة عشر فرسخاً. وقال بعض أصحابنا: كل ميل أربعة آلاف قدم وهو غلط ظاهر، وقال الساجي: قوله: ثمانية وأربعون ميلاً أراد به أميال بني أمية، وقوله: ستة وأربعون ميلاً أراد به أميال بني هاشم لأن أميال بني أمية هي أقصر من أميال بني هاشم وهذا [44 أ / 3] غلط، لأن الشافعي رحمة الله عليه نص في الموضعين على أميال بني هاشم، وبقولنا: قال مالك والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: لا يقصر إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرون فرسخاً، وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وسويد بن غفلة وسعيد بن جبير والنخعي رحمهم الله. وقال الأوزاعي: يقصر في مسيرة يوم، وروي ذلك عن أنى رضي الله عنه وقال الزهري رحمه الله: مسيرة يوم تام ثلاثين ميلاً، وقد قال الشافعي رحمه الله: لا يستحب أن يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام. كما قال أبو حنيفة: للخروج من الخلاف، والدليل على ما ذكرنا: خبر ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكرنا، وقال عطاء رحمه الله: لابن عباس رضي الله عنهما أأقصر إلى عرفة؟ فقال: لا، فقال: إلى منى؟ فقال: لا، ولكن اقصر إلى جدة أربعة برد. واحتجوا بما روي عن أنس رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ يصلي ركعتين. أورده أبو داود عن علي رضي الله عنهما أنه خرج [44 ب / 3] إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة؟ قلت: احمل الخبر على ما لو نوى سفراً طويلاً، فحين خرج من بلده ثلاثة أميال ابتداء

القصر، ولأنها مسافة تجمع مشقة السفر من الشد والحل والارتحال فجاز القصر فيها كالثلاث، ثم الصحيح أنه تجديد كالنصاب في الزكاة: لأنه ثبت بالنص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لا بالاجتهاد، وقال أبو إسحاق رحمه الله: لم يقصد الشافعي بألفاظه التحديد الذي لا ينقص منه وإنما أراد به التقريب. فرع لو سافر في البحر لا اعتبار بسير الفن كما لا اعتبار في البر بالسير السريح، بل الاعتبار بالمسافة التي يقصر الصلاة في مثلها في البرء قال: فإن شك هل بلغ مثل تلك المسافة في البر أم لا؟. لا يجوز له القصر حتى يستيقن أنها مسافة القصر. مسألة: قال: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة. وهذا كما قال: الصلوات المفروضات خمس، اثنتان منها لا تقصران، وهما الصبح والمغرب، والباقيات يقصرن وهي الظهر والعصر والعشاء، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرفت [45 أ / 3] الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر إلا المغرب والصبح. أما المغرب فوتر النهار، وأما الصبح فلطول القنوت. معناه: أنه مقصور عدداً ولكنه يطول بطول القراءة فإذا كان في السفر يخفف القراءة فيه: ولأن الصبح مقصور والمغرب لا ينتصف صحيحاً، ولا يمكن أن ترد إلى ركعتين: لأنه يخرج عن كونه وتراً ولا أن ترد إلى ركعة: لأنه إسقاط الأكثر، ثم اعلم أن القصر رخصة لا عزيمة ولا فرض كالمسح على الخفين فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، وأيهما فعل سقط عنه الغرض كالعبد والمرأة إذا حضرا الجمعة يختاران الجمعة أو الظهر أربح ركعات، وأيتهما فعلا سقط عنهما الفرض، وبه قال عثمان وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهم والأوزاعي وأحمد وأبو ثور رحمهم الله. وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما الله: القصر عزيمة لا يجوز تركه بحال، وبه قال عمر وعلي رضي الله عنهما، وعن مالك رحمه الله روايتان والأشهر عنه نحو مذهبنا، وهذا غلط لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع [45 ب / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمرة رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت. فقلت: "يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحسنت"، وهذا نص ولأنه لو صلى خلف مقيم صلى أربعاً والركعات لا تزيد بالإتمام، فإذا تقرر هذا نص الشافعي رحمه الله في كتاب استقبال القبلة أن القصر أفضل من الإتمام، ونقل المزني رحمه الله في "الجامح الكبير": أن الاختيار للمسافر القصر، ثم اعترض عليه بأن الإتمام أفضل لأنه أكثر عملاً، وهو مذهبه ونص في كتاب الإمامة على أن الإتمام

أفضل، فيكون في المسألة قولان، ومن أصحابنا من ذكر قولاً واحداً أن القصر أفضل وهو اختيار أبي حامد، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله وقول الشافعي رحمه الله: وأكره ترك القصر رغبة عن السنة لم يرد به أن تركه رغبة عن السنة، ولكن أراد إذا ترك على وجه الرغبة عن السنة كفر، فكيف يقول الشافعي هذا؟ قلنا: قيل: إن الشافعي قال في "الأم": والقصر سنة وأكره تركه، وهذا نقله المزني وله تأويلان: أحدهما: أنه أراد أن يتركه في حال [46 أ / 3] الأمن عدولاً عن قبول خبر الواحد. وهذا لا يوجب كفراً، لأنه ذهب إلى ظاهر القرآن وشرط الخوف فيه. والثاني: أراد أنه رغب عن هذه السنة الرخصة الثانية بالسنة، وقال: لا أترك ما ثبت من عدد الركعات بالتواتر والإجماع، فإن قيل: أليس الصوم أفضل من الإفطار في السفر إذا أطاق الصوم فكذلك الإتمام وجب أن يكون أفضل؟ قلنا: قال القفال: الفطر أفضل من الصوم في أحد الوجهين والصحيح الغرة، وذلك أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون قضاء الصلاة إذا قصرها، ودخل الوقت تفوت بالفطر بخلاف القصر، ولأن الخلاف فيه أشهر منه في جواز الفطر: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا"، وقد داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القصر ولا يداوم إلا على الأفضل، وقال عمران بن الحصين رضي الله عنه: حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان يصلي ركعتين وسافرت مع أبي بكر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى ذهب وسافرت مع عمر رضي الله عنه فكان يصلي ركعتين حتى [46 ب / 3] ذهب وسافرت مع عثمان رضي الله عنه فصلى ركعتين ست سنين، ثم أتم بمنى. فإن قيل: إذا اعتبرتم الاحتياط للخروج من الخلاف هاهنا، وفي القصر في أقل من ثلاث مراحل على ما قال الشافعي فيم لا يحتاطون في الوتر حتى يوتر بثلاث؟ قلنا: لأن الأخبار في الوتر بواحدة هي كثيرة مشهورة، وهاهنا أكثر فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأسفار القصر فيها، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: "وله أن يفطر في أيام رمضان، فإن صام فيه أجزأه" وموضعه كتاب الصوم. مسألة: قال: فإن نوى السفر فلا يقصر حتى يفارق المنازل. الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن في وقت القصر، فكل سفر يقصر فيه الصلاة فوقت القصر هو إذا فارق البنيان والمنازل، وهو المكان الذي إذا عاد إليه من سفره يزول القصر، فإن كان للبلد سور فحتى يفارق السور، وإن لم يكن له سور فحتى يفارق البنيان والمنازل، فلا يبقى بيت منفصل ولا متصل، وان كانت أطراف البلد حزبه نظر، فإن كانت الحيطان قائمة فهي كالعامرة، وان كانت ساقطة [47 أ / 3] فهي كالمعدومة، وإن كان حول البلد بساتين،

فإن الاعتبار بمفارقة حيطان البلد المبنية للإيواء والكن، فأما حيطان البساتين فهي كالمعدومة: لأنها مبنية لحفظ الغلات والثمار لا للاستيطان، وإن كان البلد ذا جانبين يفصل بينهما نهر كبغداد وواسط والبصرة فالجانبان معاً كالبلد الواحد يفصل بينهما شارع، فالماء والشارع سواء فلا يجوز القصر إذا عبر من أحد الجانبين إلى الآخر، وإن كانت قريتان اتصلت عمارتها حتى ليس بينهما قضاء فإنهما بمنزلة القرية الواحدة، وإن كان بينهما قضاء فهما قريتان، وان كان ذراعا مثلا ذكره في "الحاوي". ضومن أصحابنا من قال: إن كان الفضاء يتباعد بينهما فعلى ما ذكرنا، وان قرب القضاء بينهما فهما قرية واحدة. ذكره ابن سريج، وهذا خلاف المذهب، لأن الشافعي نص على ما ذكرنا وأطلق، وهذا لأن كل واحدة منهما منفصلة باسمها وبنائها، وإن كان بدوياً يخرج من البادية، فإن لم يكن خيمة يكون فيها بل له بقعة قد نزلها، نقل المزني أنه لا يقصر حتى يفارق موضعه. وقال الشافعي في كتاب استقبال القبلة: حتى [47 ب / 3] يجاوز البقعة التي فيها منزله، وهذا أبين وأشرح، وأراد المزني أيضاً بقعة موضعه لا نفس الموضع، وهي مواضع تردده إليها في الاحتطاب وغير ذلك على العادة، وقال عطاء والأسود والحارث بن أبي ربيعة رحمهم الله: إذا نوى السفر جاز له القصر في منزله وبلده لمجرد النية. وقال مجاهد رحمه الله: إن سافر نهاراً لا يقصر حتى يمسي، وإذا سافر ليلاً لا يقصر حتى يصبح، وهذا غلط لما روي عن أنى رضي الله عنه أنه قال: صليت مع وسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين. وقال علي بن ربيعة: خرجت مع علي رضي الله عنه فقصر ونحن نرى البيوت ورجعنا بقصر ونحن نرى البيوت. واحتج عطا، بأنه لو نوى الإقامة فإنه يلزمه الإتمام في الحال، فإذا نوى الفر قصر في الحال أيضا. إن الحارث بن أبي ربيعة أراد سفراً فصلى بهم ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله، فصار إجماعاً، قلنا: إذا نوى الإقامة وجد مع النية ما يوافقها وهو اللبث والإقامة، وإذا نوى السفر لا يوجد ما يطابقها حتى [48 أ / 3] يسير فيما جاوز البنيان فاعتبر ذلك فيها. فرع لو كانت له خيمة وهناك خيام مجتمعة كالبيوت في القرية فحتى يفارق كلها، نص عليه في "الأم" قال: فإن كان في حاضر مجتمع فحتى يفارق ما قارب منزله، وأراد إذا كان من أهل المظال والخيام لقبائل متفرقة فلا اعتبار بالحلة، فإن كانوا يعدونها حلة واحدة فيعتبر مجاوزة جميعها، وان كانوا يعدونها حللاً مختلفة، فإذا جاوز حلت له أن يقصر: لأن الحلل هي كالقوى فإذا فارق قريته قصر وإن كان يقربها قرية أخرى لم

يجاوزها. قال أصحابنا: وما يكون من مرافق الحلة كمطرح الذبل وموضع الطبخ، والخبز، ومتحدث النادي من جملتها لا يقصر حتى يفارقها. وقال القفال: إذا كانوا يجتمعون للسمر ويتعين بعضهم ببعض في الحوائج، وان كانت متفرقة فهي كالمحلات في بلده. فَرْعٌ آخرُ قال: وإن كان في عرض وادٍ فلا يقصر حتى يقطع عرفه. قال أصحابنا: أراد به إذا كانت البيوت قصر، وان كان في عرض كان في عرض الوادي، وقال القافي الطبري: لم يشترط الشافعي ما ذكره بل أطلق وإنما قال ذلك، لأن [48 ب / 3] جانبي الوادي بمنزلة السور على البلد؛ لأنهم إنما اختاروا النزول في الوادي ليتحصنوا بجانبيه كما يتحصن أهل البلد بسورة فينبغي أن لا يقصر حتى يفارقه، ولو كان منزله في طول الوادي فإنه يقصر أيضاً إذا جاوز البيوت. فَرْعٌ آخرُ قال: ما دام يتردد حول خيمته للارتحال وإحضار الدابة فهو كالمقيم إلا أن تستوي دابته على الطريق ذاهباً. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان على صعود في صحراء فما لم ينهبط منه لا يقصر، وان كان في هبوط فما لم يصعد لا يقصر، وعندي ليس هذا على هذا الإطلاق لأنه قد تطول المسافة بين الصحراء وبينه، فإذا فارق موضعه من أعلاه وتباعد يجوز له القصر وان لم ينزل بعد. فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو خرج مسافراً، ثم ذكر شيئاً نسيه في منزله فعاد إلى بلده لأخذ ذلك الشيء، لم يكن له أن يقصر لأنه صار بعوده مقيماً، ولهذا لم يجز له أن يقصر إلا بعد مجاوزته. فَرْعٌ آخرُ لو دخل البلد الذي قصده، وبلغ أول بنيانه أتم الصلاة. وقال في "البويطي": لو خرج إلى الجب مبرزاً ليخرج إلى مكة في المشاة أو الركبان وكانت [49 أ / 3] نيته المقام حتى يتكامل الناس أتم حتى يرحلوا، لأن السفر يبتدأ من حيث نزل هاهنا، وإن كانت بنية المقام في الجب أقل من أربعة أيام ويسير منه مكامل الناس أو لم يتكاملوا فله القصر. فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": لو رجع واحد ممن له القصر إلى منزله في حاجة، فحضرته الصلاة ذاهباً وجاثياً قصر، وليست المسألة على قولين بل على اختلاف حالين، فالذي قال في "الإملاء": لا يقصر إذا حصل في جوف البلد، والذي قال في "البويطي": يعني: في طريق البيت ما لم يدخل شيئاً من البلد، وفي طريقه راجعاً إذا فارق البلد فاعتبر كونه في الوطن، وقال القفال: حال ما نوى صار مقيماً في مكانه رجع أو لم

يرجع، ولو لم يرجع لا يجوز له القصر ما لم يفارق مكانه. قال: وهكذا لو نوى الرجوع من موضع أبعد منه بعد ما لا يكون بينه وبين مبتدأ سفره مسافة قصر الصلاة، فإن سار قدر مسافة القصر ثم نوى الرجوع صار مقيماً في موضعه، لأنه ترك سفره الأول ثم عند الانصراف له القصر في الطريق، وقطع في الصيد لأني بهذا الجواب، ولم يذكر ما قال في "البويطي" والصحيح ما ذكرت من التفصيل. [49 ب / 3]. فَرْعٌ آخرُ ذكره أصحابنا على هذا الذي سبق، وهو أنه لو سار إلى بلد بعيد يدخل في طريقه بلل أو نوى المقام فيه أربعة أيام أتم، فإن خرج منه إلى المقصد وبينه تمام الفر قصد أيضاً إذا فارق بنيان هذا البلد، فإن نسي شيئاً فعاد إلى البلد لأخذه له أن يقصر هاهنا ذاهباً وجائياً، وفي وسط البلد: لأن هذا البلد ليس بوطن له، وبلده الذي هو وطنه موضع وطنه فانقطع قصره بدخوله. فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو أحرم خارجاً من البلد بنية القصر، ثم رعف فانصرف فاخل بعض المنازل لغسله، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة وله العود والبناء لزمه الإتمام: لأنه حصل في الوطن في أثناء الصلاة، وإن قلنا: إذا رعف بطلت صلاته لم يلزمه إتمامها فاعتبر الوطن لا غير. مسألة: قال: وإن نوى المسافر مقام أربع أتم. وهذا كما قال متى دخل المسافر بلداً لا يخلو من أحد أمرين، إما أن ينوي المقام أو لا ينوي فإن نوى المقام فطر، فإن نوى مقام أقل من أربعة أيام فهو مسافر، وان نوى مقام أربعة أيام فهو مقيم ينقطع قصره، وهذه الأربعة هي غير يومه الذي دخل [50 أ / 3] فيه ويومه الذي خرج منه فيه، فلو دخل يوم الأحد وخرج يوم الخميس كان له القصر: لأن بين دخوله وخروجه ثلاثة أيام، وإنما ينقطع قصره إذا دخل يوم البت وخرج يوم الخميس تعمل له أربعة أيام في الوسط؛ فلو ترك بعد طلوع الفجر من يوم السبت ورحل قبل غروب الشمس من الخميس أتم فيها كلها، وبه قال عثمان وسعيد بن المسيب والليث وأحمد وإسحاق ومالك وأبو ثور رحمهم الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن نوى مقام خمسة عثر يوماً مع اليوم الذي دخل فيه واليوم الذي يخرج منه بطل حكم سفره، وبه قال الثوري واختاره المزني رحمه الله، وعن ابن عمر رضي الله عنهما ثلاث روايات إحداها: هذا، والثانية: إذا نوى ثلاثة عشر يوماً أتم وفي لفظ أقلها يقصر، والثالثة: إذا نوى اثنا عشر يومأ أتم، وفي أقلها يقصر، وبه قال الأوزاعي، وقال نافع: اختلفت الروايات عن ابن عمر رضي الله عنهما

في مدة الإقامة ثم آل الأمر إلى اثني عشر. وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما إذا نوى إقامة عثرة أيام أتم وإلا قصر وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سبعة عشر يوماً، وبه قال إسحاق في رواية [50 ب / 3] وقال الليث في رواية: أكثر من خمسة عشر يوماً، وبه قال سعيد بن جبير، وقال الحسن البصري رحمه الله: إذا دخل البلد أتم، وقالت عائشة رضي الله عنها: إذا وضع المسافر رحله أتم وسواء كان في البلد أو خارجه. وقال ربيعة: إذا نوى إقامة يوم وليلة أتم وإلا قصر، وروي عن أحمد رحمه الله أنه قال: إن نوى مقام مدة يؤدي فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وروي هذا عن عائشة رضي الله عنها وهو قريب من مذهبنا، وبه قال ابن المنذر، وحكي عن أنس رضي الله عنه أنه أقام بنيسابور سنتين وكان يقصر فيهما، وروى النخعي أن علقمة أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر فيهما. واحتج الشافعي رحمه الله عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً"، وأراد بالمهاجر الذين هاجروا من مكة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة كان حراماً عليهم بعد ذلك أن يقيموا بمكة، فرخص لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن حج منهم أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه، ولم يرخص في أكثر من ذلك، فدل أن ما زاد يكون في حد الإقامة ولما روي أنه أقام بمنى ثلاثاً يقصر الصلاة، وبما روى [51 أ / 3] ابن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ولو عشت لأخرجت اليهود والنصارى من جزيرة العرب"، فلم يعش إلى قابل، ولم يتفرغ لذلك بعده أبو بكر رضي الله عنه فلما آل الأمر إلى عمر رضي الله عنه، جمع من كان في جزيرة العرب وهي بلاد الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها وأمرهم بالانجلاء منها، وضرب لمن يقدم منهم تاجراً مقام ثلاثة أيام أي قدر ولم يقدر أكثر من ذلك يدل أن ذلك مقام السفر وما جاوزه مقام الإقامة. واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روى مجاهد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم بها خمسة عشر ليلة فأكمل الصلاة ولا مخالف لهما. واحتج أحمد رحمه الله بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة صبيحة يوم الأحد وهو الرابح من ذي الحجة، وكان قد صلى الصبح قبل دخوله، فأقام بها تمام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح بها في اليوم الثامن ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه الأيام. وصلاته [51 ب / 3] في هذه المدة عشرون صلاة؛ قلنا: أما الأول: فقد روى الشافعي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: من أجمع إقامة أربع أتم.

فتعارضا، ثم روى أبو مجلز، قال: كنت جالساً عند ابن عمر رضي الله عنهما فقلت: يا أبا عبد الرحمن أتى المدينة طالباً حاجة فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية، كيف أصلي؟ قال: ركعتين. وأما ما ذكره أحمد رحمه الله: نقول به، لأن مدة إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير يوم الدخول ويوم الخروج ثلاثة أيام، وإنما لا يعتبر يوم الدخول ويوم الخروج لأنه يشق مراعاة الزمان والساعة التي دخل فيها وخرج وضم بعضه إلى بعض، وفيه وجه آخر: أنه إذا دخل وقت الزوال يوم الجمعة ودخل وقت الزوال يوم الثلاثاء لا يقصر لأنه أربعة أيام كوامل، وهذا خلاف النص، وإن لم ينو الإقامة أصلاً ولكنه دخل لينجز حاجته كالبيع والشراء، أو سرع حديث أو لعلة لحقته حتى يبرأ، ويحصل مراده في اليوم واليومين، وربما طال فله أن يقصر ما لم يتصل مقامه أربعة أيام كاملة على ما بينا، ويستحب له فيه القصر على ما ذكرنا في السفر السائر، وإن زاد على هذا بعد نقل المزني أنه يتم وإن قصر أعاد [52 أ / 3]. وقال في "الإملاء": وإن دخل بلداً لحاجة فيحج في اليوم واليومين فاستأخر كان له القصر ما لم يجمع مكثاً أو يبلغ مقامه مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بهوازن وذلك سبع عشرة ليلة ~ن زاد عليه أتم، وقال في استقبال القبلة من "الأم": فإن جاوز أربعاً أحببت له أن يتم، فإن لم يتم أعاد ما صلى بالقصر بعد أربع، ولو قيل الحرب وغير الحرب سواء في هذا كان مذهباً. فاستحب الشافعي رحمه الله الإتمام. وقوله: إنما يريد به مستحباً؛ لأنه نص على أن الإتمام مستحب وقال فيه: ومن قصر كما يقصر في خوف الحرب لم يبن لي أن عليه الإعادة، فإن اخترت ما وصفت، واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق وغيره: بعد الأربعة إلى ثمانية عشر يوماً قولان أحدهما: لا يجوز له القصر، لأنه لو نوى مقام أربعة أيام لزمه الإتمام، فإذا أقام أربعة من غير نية الإقامة أولى أن يلزمه الإتمام؛ لأن فعل المقام هو آكد من نيته، والثاني: يجوز له القصر ما لم ينو مقام أربعة أيام، أو يجاوز سبعة عشر يوماً والثاني يقصر أبداً، فأما القصر إلى سبعة عشر يوماً فإنه يجوز قولاً واحداً وهذا أصح، ولا يصح الطريقة الأولى، لأن الشافعي [52 ب / 3] رحمه الله بين في "الأم": أن إعادة الصلاة إذا قصرها بعد الأربعة هي استحباب وأنه إذا استحب الإتمام، فإذا لم يتم تكون الإعادة مستحبة أيضاً، ونص أنه والمحارب سواء لا فرق بينهما والمزني رحمه الله اختصر كلام الشافعي وأخل به وأورث شبهة، ونقل عن "الإملاء" أنه يقصر ما لم يجمع مكثاً، ولم يقتصر الشافعي على هذا، بل قال: أو يجاوز مقامه مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينقله المزني. وقال أبو حامد: أسقط المزني قول الشافعي: أحببت أن يتم فنقل أنه يتم، ومن أصحابنا من قال: ما نقل المزني صحيح وذكر في موضع آخر في كتاب استقبال القبلة

من "الأم": أنه إذا كان محارباً أو خائفاً مقيماً في موضع سفر قصر ثمانية عشر، فإذا جاوزها أتم، وإذاً كان غير خائف قصر أربعة فإذا جاوزها أتم، وهذا مثل ما نقله المزني، ويحتمل أن يكون قوله في "الأم": أحببت خطأ القلم من أوجبت، لأنه في الموضع الذي يستحب القصر لا يأمر بالإعادة إذا أتم فعلى هذا لا يقصر فيما زاد على الأربعة قولا واحداً، أو هذا ضعيف. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لم يقل الشافعي يقصر أبداً كما في الحرب في أحد القولين بل أراد أن [53 أ / 3] الحرب كالأمن في أن لا يزيد فيها القصر على أربعة أيام، فهو يشبه الحرب بالأمن لا الأمن بالحرب، واحتجاج المزني رحمه الله بما روى ابن عمر رضي الله عنهما في أذربيجان أنه يقصر أبداً غلط، لأن أذربيجان هي بلاد كثيرة، فيجوز أن يكون أقام في كل بلد منها دون مدة المقام، وهكذا الجواب إن احتج بما روي أن مسور بن مخرمة أقام بفارس سنتين يقصر الصلاة، وهذا غلط لما ذكرنا من النص الصريح. وقيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يقصر أبداً وبه قال أبو حنيفة. والثاني: يقصر إلى سبعة عشر. والثالث: لا يقصر فيما زاد على الأربعة بحال. فأما إذا تيقن أنه لا تنتجز حاجته في أقل من أربعة أيام لا يجوز له القصر عندنا قولاً واحداً، وأما المحارب وهو من كان مقيماً على حرب أو مستعداً للحرب أو خائفاً من حرب، فلا يخلو إما أن ينوي مقاماً معلوماً أو لا ينوي، فإن نوى مقاماً مدة معلومة، فإن قصرت عن أربعة كان له القصر كالتاجر سواء: وقال في "القديم": فيه قولان أحدهما: هذا، والثاني: له القصر أبدأ وبه قال أبو حنيفة _ رحمه الله _، وهو اختيار المزني رحمه [53 ب / 3] الله لأن المحارب لا تصح نيته وعزمه لأنه مقيم على الحرب فربما هزم وربما هزم ولا اختيار له في ذلك، وروي أن رجلاً سأل ابن عباس فقال: إنا نقرأ ببلاد خراسان فنقيم في الموضع الشهر والشهرين، أفأقصر الصلاة؟ فقال: اقصر ولو إلى عشر سنين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر أربعين يوماً يصلي ركعتين، وظاهر المذهب الأول؛ لأنه نوى مقام أربعة أيام، وما ذكروا من التجويز يجوز أيضاً في حق من أقام على نجز حاجة من غير حرب، وان لم ينو مقاماً ولكنه يتوقع انقضاء الحرب ويريد الانصراف متى ينقضي، فله القصر إلى سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يومأ: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام هذه المدة بمكة عام الفتح مستعداً لحرب هوزان يقصر، وقد اختلفت الأخبار في هذا، فروى أنس رضي الله عنه أنه أقام عشرة أيام، وروى عمران بن حصين رضي الله عنه أنه أقام سبعة عشر، وروى ابن عباس رضي الله عنهما

أنه أقام ثمانية عشر، وروى جابر رضي الله عنه عشرين يوماً، ولم يصحح الشافعي رحمه الله خبر أنس، والأصح أنه كان [54 أ / 3] ثمانية عشر يوماً، وجابر رضي الله عنه حسب فيه يوم الدخول ويوم الخروج فصار عشرين يوماً، فإن زاد على ذلك نص في "الأم" على قولين، وقال فيه القول الأول أولى أن لا يقصر زيادة على ما ذكرنا، وهذا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحرب هوزان ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة، فمن أقام أكثر من ذلك فليتم، واختار المزني القول الثاني، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال أيضاً على ما ذكرنا وهو ضعيف بعيد، فإذا تقرر هذا فاعلم أن في هذا الفصل إشكالاً وهو أن الشافعي جعل أربعة أيام في مباشرة الإقامة حداً لجواز القصر فيها حين قال: فإذا جاوز أربعة أتم، وقيل: هذا بعد أربعة بنية الإقامة حداً لوجوب الإتمام، فيحتاج إلى الجمع بين هذين النصين لئلاً يتناقضا. ووجه الجمع ما ذكره القفال رحمه الله، وهو أنه أراد بذكر أربعة أيام في مباشرة الإقامة مع يومي الدخول والخروج، وأما في نية الإقامة أراد فيه مقام أربعة أيام سوى يوم الدخول والخروج فهما متفقان من هذا الوجه [54 ب / 3]. فرع لو نوى أن يقيم في بلد يوماً، ونوى أنه إن بقي فيه ثلاثاً أقام أربعة أيام فإنه يقصر في ذلك اليوم حتى يلقاه؟ لأنه قبل أن يلقاه لم يحصل منه نية مقام أربعة أيام ولا فعله، فإذا لقيه لم يجز له القصر، وكذلك لو نوى الخروج إلى سفر طويل، ثم بعل مفارقة العمران قال: إن لقيت فلاناً انصرفت فلما لم تلقه لا تنقطع رخصته، فإذا لقيه صار كالمقيم في موضعه بنيته السابقة، وقال القفال رحمه الله: وكذلك لو قال: إن دخلت بلدة في وسط الطريق أقمت هناك أربعة أيام، فما لم يدخلها لا يصير مقيماً، وإن كان من بلده إلى هناك أقل من مسافة القصر. وقيل فيه وجهان: وليس بشيء فإنه خلاف المنصوص. ولو خرج في الابتداء يريد لقاء فلان أو أتى عبداً له أو ضالة ببلد يقصر فيه الصلاة، فقال: إن تنجزت الحاجة دون البلد رجعت، لم يكن له القصر حتى تكون نيته بلوغ البلد الذي يقصر فيه الصلاة، أو تيقن أنه لا تنتجز حاجته ما لم يخرج ستة عشر فرسخاً، وهذا لأنه لم يقطع بنيته سفراً يستباح فيه القصر فتفرق بين الابتداء والانتهاء في هذه النية نص عليه، ولو [55 أ / 3] أقام في بلد أربعة بعده على ما بينا. فرع لو قصد السفر إلى البلد الذي فيه العبد الآبق، وهي مسافة القصر، ثم في أثناء الطريق قال: إن استقبلني العبد في الطريق رجعت، فإلى وقت تغيير النية له أن يقصر

وبعد تغيير النية، هل له أن يقصرها؟ فيه وجهان كما ذكرنا فيمن أنشأ سفراً مباحاً، ثم أحدث نية المعصية. فرع الأسير في أيدي الكفار إذا سافر معهم، فإن كان يعرف مقصدهم وقصد الخروج معهم إلى مقصدهم له أن يترخص، وإن كان على عزم الانصراف متى قدر على التخلص فلا يترخص، وإن كان لا يعرف مقصدهم ففي الحال لا يترخص، فإذا ساروا به أكثر من مرحلتين. حكي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: له أن يقصر لأنه تيقن طول سفره، وقال: العبد الآبق إذا قصد رده أنه لا يترخص، لأن القصد في الابتداء ما وجد. قال أصحابنا: فتكون المسألتان على قولين، ونظيره ما لو باع مال أبيه على تقديم أنه حي وكان ميتاً هل يجوز؟ فيه قولان. فَرْعٌ آخرُ لو سافر من مكة إلى المدينة وله فيما بين مكة والمدينة مال أو ماشية فنزل لشيء من ماله كان له أن يقصر ما لم [55 ب / 3] يجمع مقام أربعة أيام وكذلك إن كان له ذو قرابة أو أصهاراً وزوجة، ولم ينو المقام قصر إن شاء، نص عليه في "الأم" خلافاً لأبي حنيفة، واحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحج وأصحابه معه ونزلوا مكة في دورهم وعلى أقاربهم وكانوا يقصرون الصلاة، وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حج قصر هذا. فَرْعٌ آخرُ قال: لو خرج من بلده يريد بلداً والمقام فيه أربعة أيام فصاعداً، ثم الخروج منه إلى بلد أخر فهما مفران مختلفان، فإن كان كل واحد منهما يقصر فيه الصلاة قصر، وان كان لا يقصر في واحد منهما الصلاة لم يقصر، وإن كان يقصر في إحداهما دون الآخر قصر فيما يقصر ولم يقصر فيما لا تقصر، ولو رجع من البلد الأقصى إلى بلا كان بينهما أو بلدة فإن لم يكن إليه مسافة القصر أتم وإلا قصر. فَرْعٌ آخرُ لو أقام في المراسي في البحر، وهي: المواضع التي تحبس فيها السفن أو الجزائر فهي كالمقام في البر لا تختلف، فإن أزمع مقام أربعة أتم، وإن لم يزمع قصر على ما بيناه. فَرْعٌ آخرُ قال: لو حبسه الريح في البحر ولم يزمع مقام أربعة إلا ليجد السبيل إلى الخروج [56 أ / 3] بالريح، قصر ما بينه وبين الأربعة، فإذا مضت أربعة كما وصفت في

الاختيار، وإذا أتيت به مسيرة قصر يعني سار إلى مكانه الذي قصده، وإن ردته الريح إلى ذلك المكان فهو على القصر ما لم يجمع مقام أربعة، وهذا يدل على أنه لو نوى هناك مقام أربعة انقطع القصر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا نوى الإقامة في موضع لا يصلح للإقامة كالبحر والمفازة هل يصر مقيماً؟ قولان كما لو نوى الإقامة في الحرب. وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصير مقيماً وهذا غلط عندي؟ لأن الخبر ورد في الحرب دون هذا، ولأن هناك هو على الخطر من الإقامة فإنه ربما يغلبه العدو فيطرده فلا تتحقق الإقامة وهذا لا يوجد في غير الحرب. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كان الرجل مالكاً للسفينة وفيها منزله وأهله وأولاده معه، أو لا أهل معه فيها، فأحب إلي أن يتم، وان كان الأحب للمسافر القصر، لأن هذا يسير، ومنزله معه يسير، فإن قصر جاز، وهو فيها كالغريب يتكاراها لا يختلفان. وقال أحمد رحمه الله: لا يجوز له القصر، لأنه مقيم فيمكنه وماله وهذا غلط للظواهر الواردة في القصر، ولأن كون أهله [56 ب / 3] وماله معه لا يمنع الترخص كالجمال. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو كان الرجل من أهل البادية لا مال له ولا دار يصير إليها، وإنما هو سيارة تتبع مواقع القطر، فكلما شام برقاً انتجعه، فإن استيقين أنه بينهما ما تقصر فيه الصلاة وكانت نيته أنه إن مر بموضع مخصب أو موافق له في النزول أن ينزل لم يقصر. فَرْعٌ آخرُ قال في "البويطي": لو خرجوا من البلد وأقاموا في موضع حتى يجتمعوا أو يخرجوا، لم يجز لهم القصر لأنهم قطعوا بالسفر. فَرْعٌ آخرُ لو كان على مسافة تقصر الصلاة بينها إلى مكة فخرج حاجاً كان له القصر حتى يدخلها، فإذا دخل ولم ينو المقام بها قصر أيضاً، وإن نوى مقام أربعة أتم، ثم إذا خرج منها إلى عرفة يريد قضاء النسك نظر، فإن نوى مقام أربعة إذا رجع أتم بعرفة ومنى، وإن لم ينو المقام إلى أن يرجع من حيث جاء فله القصر، فإن قيل: عندكم من سافر إلى بلد تقصر الصلاة إليه فدخل بنيان ذلك البلد انقطع القصر، وقد سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة وقدمها فلم يزل يقصر فيها. قلنا: كان قصده - صلى الله عليه وسلم - قضاء النسك لا المقام لها فدخل مكة اليوم الرابع من [57 أ / 3] ذي الحجة، وخرج إلى منى اليوم الثامن وحج، وعاد إلى منى اليوم العاشر، فأقام بها ثلاثاً، ثم قدم قاصداً مكة ليلة الرابع فنزل بالمخصب، ثم دخل مكة وطاف وانصرف فما أقام بها مدة لا يقصر فيها الصلاة، فهو بمنزلة ما لو خرج إلى بلد في رسالة، فإن له القصر حتى يعود وليس عليه

الإتمام بوصوله إلى ذلك البلد. فَرْعٌ آخرُ قال: لو خرج إلى مكة والياً عليها وعلى الحج قصر حتى ينتهي إلى مكة، ثم أتم بها وبعرفة ومنى، لأنه انتهى إلى بلدة مقامه ما لم يعزل، فإذا عزل لم يقصر حتى يخرج منها مسافراً. فَرْعٌ آخرُ قال: لو ولي بلاداً كثيرة ونيته المقام ببلدة منها كان له القصر في كل بلد دخله من ولايته ما لم ينو المقام فيه، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج في أسفاره ويمر ببلاد الإسلام وأهلها وأهل طاعته فما أتم في شيء منها. فَرْعٌ آخرُ لو خرج من مكة يريد المدينة فنوى المقام بعسفان أو عدل عنها إلى موضح يقيم فيه أو يتعرف الأخبار فيه، كان كمن هو من أهل عسفان؟ لأنه قد قطع سفره الأول، فإلى أي موضع سافر من عسفان راجعاً إلى مكة أو غيرها، فإن كان [57 ب / 3] سفراً يقصر فيه الصلاة قصر وإلا أتم. فَرْعٌ آخرُ قال: لو نوى مقام أربعة في موضع ومعه من نوى هذه النية غير أن مذهبه أن يقصر مع هذه النية. قال في "الإملاء": كرهت له أن يأتم بهذا الذي لا يتم، فإن خالف وائتم به نظر، فإن أتم إمامه فذاك، وان سلم من اثنتين قام هو فأتم أربعاً، وهذا لأنه محكوم بجواز صلاته خلفه، قلت: لا شك أنه ينوي القصر عند إحرامه، وعندنا من نوى القصر وليس له القصر تبطل صلاته فلا تجوز الصلاة خلفه على قياس قول الشافعي، ويمكن أن يقال: إذا جاز هاهنا تجوز الصلاة خلف الحنفي، وإن ترك الأركان؛ لأنه محكوم بجواز صلاته في نفسه ويمكن أن يقال: إذا نوى القصر لا تبطل صلاته بل تنعقد نفلاً على وجه، فحينئذ تجوز الصلاة خلفه وهذا أشبه. مسألة: قال: وإن خرج في أخر وقت الصلاة قصر. الفصل وهذا كما قال. الكلام الآن في وقت إنشاء السفر، وفيه ست مسائل: أحدها: أن يسافر قبل الزوال، ثم زالت الشمس وهو في السفر. والثانية: أن يسافر بعد الزوال نظر، فإن [58 أ / 3] كان القدر الذي مضى من الوقت، ما يصلي فيه أربع ركعات قصر. وقال المزني رحمه الله لا يقصر لأن الشافعي رحمه الله، قال: إن أمكنت امرأة الصلاة فلم تصل حتى حاضت لزمتها، وهذا لأن الصلاة عنده تجب بأول الوقت والإمكان فهذا أشبه بقوله: قلنا خرج ابن سريج رحمه الله هاهنا وجهاً أنها تسقط بالحيض أيضاً.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا المسألتين، قولان وهذا غلط، والجواب أنا لا نقول إن الصلاة تجب بأول الوقت من حيث لا تأثير لآخره في الوجوب، بل الصلاة تجب بقدر ما أدرك من الوقت، فإن أدرك الأول دون الآخر وجبت بالأول، وإن أدرك الآخر دون الأول وجبت بالآخر، وان أدرك جميع الوقت، فالوجوب وفق الأول فلا يؤدي الصلاة في جز، من أجزاء الوقت إلا وقد أداها في وقت وجوبها، فيصير قاضياً إذا أداها، فبان صحة ما قلناه؛ وأيضاً بالسفر يتعلق تخفيف الفرض دون إسقاطه، فإذا حققنا عنه بعد لمكان فعلها لعارض السفر لم يؤد ذلك إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب، وإذا أسقطنا لعارض الحيض أو الجنون أدى [58 ب / 3] إلى إخلاء أول الوقت من الوجوب. وقال القفال رحمه الله: هذا شيء يختاره المزني على أصل الشافعي لأن مذهبه أنه لو فاتته صلاة في الحضر، ثم أداها في السفر، فإنه يقصر فاعتبر وقت القضاء وهذا هو مذهب تفرد به، وفي هذا عندي نظر. والثالثة: أن يسافر وقد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات يجوز له القصر أيضاً. وقال المزني وأبو الطيب بن سلمة رحمهما الله صاحب بن سريج: لا يجوز له القصر؛ لأنه قد تعين صلاة الحضر، وهذا غلط؟ لأنه لم يتضيق وقتها في حال الإقامة، فإذا لم يتضيق لم يتعين فعلها مقيماً فجاز له القصر. والرابعة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما لا يمكنه أن يصلي فيه أربع ركعات. نص الشافعي في "الإملاء" في هذه المسألة أن له القصر حكاه القافي الطبري، وقال القاضي أبو علي البندنيجي: نص عليه في "الأم" في باب تفريع السفر. وقال في "الحاوي": المنصوص في غير "الإملاء"، وبه قال عامة أصحابنا إنه لا يقصرها لعدم الأداء في جميعها ففي المسألة قولان، واختيار أبي إسحاق أنه لا يقصر، واختيار ابن خيران أنه [59 أ / 3] يقصر واستدل بأن الصلاة قد تجب بآخر الوقت في أصحاب العذر كوجوبها في أوله، فاقتضى أن يستويان في جواز القصر، وهذا مبني في الحقيقة على أنه يكون مؤدياً لكلها ومؤدياً لبعضها قاضياً لبعضها وقد بينا هذا فيما مضى، وظاهر المذهب ما ذكره ابن خيران. والخامسة: أن يسافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه ركعتين، فالمذهب أن المسألة على قولين. وحكى الداركي عن أبي هريرة أنه يجوز له القصر هاهنا قولاً واحداً، لأنه إذا قصرها أدى جميع الصلاة في وقتها، وهذا غلط لما بيناه. والسادسة: أنه يسافر وقد بقي من الوقت مقدار تكبيرة وما دون ركعة يلزمه الإتمام بلا خلاف. مسألة: قال: وليس له أن يصلي ركعتين في السفر إلا أن ينوي القصر مع الإحرام.

وهذا كما قال. قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: صلاة المسافر ركعتان ولا حاجة إلى نية القصر، لأنه عزيمة وعندنا رخصة لا تثبت له إلا بالنية، وأصل فرضه أربع، ثم احتج على أن أصل فرضه أربعء فإنه لو كان فرضه ركعتين ما صلى مسافر خلف مقيم يعني أربعاً، وذكره الشافعي وأسقط المزني، ثم اعترض عليه المزني وقال: ليس [59 ب / 3] هذا بحجة وكيف يكون حجة وهو يجيز صلاة فريضة خلف نافلة وليست النافلة فريضة ولا بعض فريضة وركعتا المسافر فرض، وفي الأربع مثل الركعتين فرض فالجواب عن هذا الاعتراض من وجهين: أحدهما: أن الخلل وقع من الاختصار، لأن الشافعي رحمه الله قال: ما صلى أربعاً وأراد أن ركعات الصلاة في الأمل لا تزيد بسبب الاقتداء فلما، أجمعنا أن المسافر يصلي خلفه المقيم أربعاً دل ذلك أن أصل فرضه أربع وهذا دليل قوي. والثاني: أن الشافعي رحمه الله ألزمه على أصل أبي حنيفة رحمه الله أن اختلاف صلاتي المأموم والإمام تمنع صحة الاقتداء، ثم لم يمنع في هذا الموضع فدل أن أصل صلاتهما واحد. وقال المزني رحمه الله: نية القصر شرط ولكن يجوز في أثنائها، ولو نوى مع سلامه جاز، وان سلم غير ناو كمن ملم في صلاته ساهياً فتم. وهذا غلط، لأن كل صلاة تفتقر إلى النية فمحل تلك النية الإحرام. وقال المزني: يجوز له القصر، وان نوى الإتمام كما جاز له أن يفطر، وإن نوى الصوم وهذا غلط، لأن الفطر مضمون بالقضاء فلم يتحتم الصوم بدخوله [60 أ / 3] فيه بخلاف القصر. وقال الشعبي وطاوس رحمهما الله: لا يلزم الإتمام بالصلاة خلف مقيم، وبه قال إسحاق، وقال مالك رحمه الله: إن نوى الإمام والمأموم القصر ثم نوى الإمام الإقامة أو الإتمام لا يلزم المأموم الإتمام وهذا غلط؛ لأنه مؤتم بمتم فلا يجوز له القصر، كما لو نوى الجمعة خلف من يصلي الظهر. فرع لو أراد أن يصلي الظهر قصراً خلف من يصلي الجمعة لم يكن له ذلك، لأنه مؤتم بمقيم نص عليه في "الإملاء". فَرْعٌ آخرُ لو فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر، وقلنا له: قصرها في قول فأراد أن يؤديها خلف من يصلي الصبح قصراً لا يجوز؛ لأنه مؤتم بمقيم. ولو صلى مسافر بأهل البلد الجمعة فدخل معه مسافر ينوي صلاة الظهر قصراً لم يجز وعليه الإتمام؛ لأن

الإمام وإن كان مسافراً إلا أنه يصلي صلاة المقيم. جملته أن كل من ائتم بمقيم أو يتم لا يجوز له القصر. وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر يجوز إذا قلنا: الجمعة هي ظهر مقصور، وهذا غلط ظاهر. فَرْعٌ آخرُ لو نوى الإتمام، ثم خرج منها لم يجز له القصر بعده خلافاً للمغربي، وكذلك [60 ب / 3] إذا أحرم مطلقاً ثم أفسدها لأنه التزم الأربع فلا يسقط بعده. فَرْعٌ آخرُ لو شك أنه نوى عند افتتاحها الإتمام أو القصر فعليه الإتمام، لأنه شك في شرط الجواز والأصل عدمه، فإن تذكر بعده أنه نوى القصر فعليه الإتمام أيضا، لأنه وجب عليه الإتمام في حال فلا يجوز القصر بعده بحال. فَرْعٌ آخرُ لو جهل رجل القصر فقصر ظناً أن ليس له ذلك أعاد كل صلاة تامة قصرها؛ لأنه صلى ركعتين وعنده أن ذلك لا يجزيه، ولو أتم في السفر وهو جاهل بالقصر فلا إشكال أنه يجوز. فَرْعٌ آخرُ أنه لو أدرك تكبيرة من صلاة المقيم أتمها أربعاً، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وداود رحمهم الله، وقال مالك: إذا أدرك ركعة من صلاته أتمها، وإلا قصر، وهذا غلط لما روي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: إذا دخل المسافر في صلاة المقيمين صلى بصلاتهم، وروي أنه سئل ابن عباس فقيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة وهذا بمنزلة الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأن [61 أ / 3] هذه الصلاة مردودة من الأربع فلا يصليها خلفه من يصلي الأربع كالجمعة، واحتج مالك رحمه الله بأن من أدرك دون الركعة هن الجمعة لا تصح جمعته كذلك هاهنا قلنا: لأن بذاك يرجع من أربح إلى ركعتين فلا يحصل له بدون ذلك وهاهنا خلافه. مسألة: قال: وإن نسي صلاة وهو في سفر فذكرها في حضر. الفصل وهذا كما قال: إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها لا يخلو إما أن يكون تركها في حضر فذكرها في حضر، أو تركها في سفر فذكرها في سفر، فأما إذا تركها في الحضر فذكرها في الحضر، فإنه يأتي بها تامة سواء تخلل بين الوقتين سفر أو لم يتخلل؛ لأن

العذر لم يوجد في وقت استقرارها ولا أدائها. وأما إذا تركها في السفر تذكرها في الحضر فقال في "القديم" و "الإملاء": يجوز له قصرها، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري إلا أنهم قالوا: يتحتم عليه القصر، وعندنا على هذا القول هو بالخيار بين القصر والإتمام، وروي هذا عن الحسن وحماد، وهذا لأن القضاء معتبر بالأداء ويجزيه في الأداء ركعتان فكذلك في القضاء. وقال في "الأم": لا يجوز له قصرها وبه قال [61 ب / 3] الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني رحمهم الله: لأن القصر رخصة، فإذا زال السفر قبل الترخص بطلت الرخصة كما لو قدم قبل أن يفطر، وأما ما ذكر القائل الأول فإنه تبطل بالجمعة إذا تركها لا يؤديها ركعتين. وأما إذا شرطها في الحضر، ثم ذكرها في السفر فإنه يأتي بها تامة: لأن صلاة الحضر قد استقرت في ذمته بفوات وقتها في الحضر فلا يجوز إسقاط شيء منها. وروى الأشعث عن الحسن البصري: أن الاعتبار فيها بحالة الفصل فيصلي ركعتين، وروى يونس عنه أن الاعتبار بحال الترك. وقال القاضي الطبري رحمه الله: رأيت للمزني في مسائله المعتبرة على الشافعي رحمه الله أنه نقص، واحتج عليه بأنه لو ترك صلاة وهو صحيح، ثم ذكرها وهو مريض بأنه يصلي صلاة المريض قاعداً كذلك هاهنا، ولأنه لو أفطر في رمضان، ثم شرع في قضائه في السفر فهو بالخيار إن شاء أتم وان شاء أفطر فكذلك هاهنا. قلنا: أما الأول نصفه الفصل يخالف عدد الركعات، لأنها تسقط بالعجز والعدد يسقط رخصته لا بالعجز، ولم يوجد سبب الرخصة وقت الاستقرار، ولأنه [62 أ / 3] إذا لم يأت بها على حسب حاله مريضاً أدى إلى تأخيرها وفي ذلك تقرير بها، وهاهنا الإتمام ممكن في الحال، وأما ما ذكر ثانياً، قلنا: قال أبو إسحاق: إن ترك الصوم في الحضر بلا عذر، ثم أراد قضاءه في السفر انحتم عليه، لأن الأصل في الحضر كان منحتما فكذلك القضاء، وان كان تركه للعذر ثم أراد أن يقضيه في السفر كان له الخيار في القضاء إن شاء أتم، وعلى هذا أكثر أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: تثبت له رخصة الإفطار في القضاء سواء كان أفطر لعذر، أو لغير عذر، والفرق أن الصوم يتركه إلى بدل بخلاف الركعتين فإنه يتركهما لا إلى بدل، وكان أغلظ، ولهذا يقول: إذا أصبح في السفر ناوياً للصوم، ثم أراد الفطر له ذلك، ولو أحرم بالصلاة ينوي الإتمام ثم أراد القصر ليس له ذلك فإن قيل: أليس من وجبت عليه الكفارة ثم اعتبر جاز له العدول إلى الصوم اعتباراً بحالة الأداء، يقولوا: مثله هناء قلنا: لا نسلم على أحد الأقوال، وإن سلمنا فلأن الكفارة لا تقضى بل تؤدى أبدأ أو هاهنا بخلافه، وأيضاً فإن ملك حالة عجز فهي بمنزلة المريض في [62 ب / 3] حالة القضاء بخلاف هذا، فأما إذا

تركها في السفر، ثم ذكرها في السفر هذا السفر أو غيره. قال في "الإملاء" و"القديم": له القصر وهو الصحيح عندي، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنها صلاة تؤدى وتقضى، فكان قضاؤها مثل أدائها كالصبح، وأيضاً هذا تخفيف تعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقياً، كالقعود في صلاة المريض، وقال في "الأم": ليس له القصر، لأنها صلاة ردت إلى ركعتين فكان من شرطها الوقت كالجمعة، وهذا اختيار مشايخ خراسان، قالوا: وهذا ظاهر المذهب؛ لأن الشافعي رحمه الله علل بأن علة القصر الوقت والسفر، وقال أبو حامد: لا أعرف هذا القول وليس كذلك لأن المسألة مشهورة بالقولين. فرع لو تخلل الحضر بين السفرين، فإن قلنا في المسألة الأولى: إنه لا يقصر فهاهنا أولى، وان قلنا هناك يقصر فهاهنا وجهان. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هاهنا لا يقصر قولاً واحداً، لأن في كل حالة عليه تكليف القضاء، فإذا لم يقض صار كأنه تركها في تلك الحالة، ولو تركها في الإقامة ثم سافر أتم، وهذا كما لو غصب شيئاً قيمته ألف فبلغت قيمته ألفين ثم [63 أ / 3] تلف يلزم ألفان، لأنه مخاطب في كل حالة برد المغصوب، فكأنه غصبه في تلك الحالة وهذا أقيس، والمسألة مشهورة بالقولين هاهنا أيضاً من غير فرق. فرع لو سافر وقد بقي من الوقت ما يصلي فيه يجوز له القصر، فلو لم يصل حتى خرج هل له القصر؟ فيه قولان: بناء على ما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ لو لم يصل في السفر في وقتها حتى دخل الحضر وبقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه وجب عليه الإتمام بلا خلاف، ولا يكون بمنزلة فوات الصلاة وكذلك إذا بقي من وقتها مقدار ركعة في الحضر، ولم يصل حتى فات وقتها. فَرْعٌ آخرُ لو أخر المسافر صلاة الظهر إلى وقت العصر بنية الجمع كان له أن يقصرهما في وقت القصر قولاً واحداً، لأن وقت القصر وقت الظهر في السفر وهو مؤد للصلاتين فيه، وإن أخرها من غير نية الجمع ففي القصر الظهر قولان؛ لأنه يصير بترك نية الجمع قافيا عامياً. مسألة: قال: وإن أحرم ينوي القصر، ثم نوى المقام أتم أربعاً ومن خلفه من المسافرين.

وهذا كما قال: هذه صورة صلاة يكون في ابتدائها مسافراً وفي آخرها مقيماً، فإذا أحرم [63 ب / 3] بالصلاة بنية القصر، ثم نوى في الصلاة أن يقيم في ذلك الموضع أربعة أيام فصاعداً لم يجز له القصر، لأنه اجتمع له المقام مع النية، فإن قيل: أليس لو كان مقيماً فنوى السفر لا يصير مسافراً بمجرد النية فيجب أن لا يصر مقيماً لمجرد النية؟ قلنا: الفرق هو أن نية الإقامة قد وجدت مع نقل الإقامة وهو اللبث، ونية السفر لم توجد مع السفر، ولو نوى السفر وسار مع النية صار مسافراً، ووزانه من مسألتنا أن ينوي الإقامة وهو سائر في سفره غير ماكث لا يصير مقيماً، ونظير هذه المسألة إذا نوى القينة في مال التجارة يصير للقينة، ولو نوى التجارة في مال القينة فإنه لا يصير للتجارة ما لم يتجر، فإن قيل: ألا قلتم وجود الإقامة في أثناء الصلاة لا يوجب إتمامها حيث مع الدخول فيها مقصورة، كما قلتم في المتيمم: إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل صلاته. قلنا: الفرق هو أن المتيمم وجب عليه الدخول في الصلاة عند عدم الماء وهذا رخص له، فإذا زال سبب الرخصة سقطتء ولأن المتيمم إذا وجب عليه استعمال الماء بطل ما عمله بالتيمم، وها هنا يتمم الصلاة ويبني على ما فعله. وقال مالك رحمه [64 أ / 3] الله: لا يبني عليها فإن كان قد صلى ركعة بسجدتيها أتمها ركعتين نافلة ويستأنف الفريضة، وهذا غلط؛ لأنهما صلاة واحدة ولا تختلف بينهما إلا من جهة العدد، فإذا نواها ركعتين جاز له أن يجعلها أربعاً كالنافلة، وإن كان إماماً وخلفه مسافرون في هذه المسألة يلزمهم أن يتموا أيضاً، وإذا أرادوا الإتمام بنوا على ما فعلوا ولا تبطل صلاتهم وقد ذكرنا عن مالك أنه قال: هم يقصرون، وكذلك لو نوى الإتمام فإنه يلزمه الإتمام وعليهم أن يتموا. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يقصر هو ويقصرون لأنه لا تأثير لنية الإتمام عنده في الصلاة في السفر، فإن قيل: أليس لو نوى الإتمام لا يجوز له القصر بعده، فكذلك إذا نوى القصر لا يجوز له الإتمام؟ قلنا: لأنه إذا نوى الإتمام ترك الترخص، ونوى الصلاة الكاملة وهاهنا نوى الترخص، ثم ترك الرخصة والتزم التامة فلا يجوز له النقصان. فرع لو أحرم مسافراً بصلاة نوى القصر فيها فصلى أربعاً تجزيه ويسجد للسهو [64 ب / 3] ولو تعمد ذلك بنية الإتمام لم يجد، وهذا فرع غريب! لأن الزيادة التي توجب سجدة السهو إذا تعمدها أفسدت الصلاة، وهاهنا السهو يوجب السجود والعمد لا يبطل. وقال بعض أصحاب مالك: لا تجزيه لأن هذا السهو عمل كثير، وهذا غلط لأن هذا من جنس الصلاة فلا يبطلها كما لو صلى خامسة. فَرْعٌ آخرُ لو نوى القصر، ثم صلى أربعاً عامداً من غير نية الإتمام بطلت صلاته كمن صلى الصبح أربعاً عامداً.

فرع لو سهى فصلى أربعاً، فلما بلغ أخر صلاته تذكر فعليه أن يلغي الزيادة ويرجع إلى تشهد الركعة الثانية، ويسجد للسهو. فلو قال في نفسه: كان لي أن أتم جميع ما فعلت محسوباً، قلنا: عليك أن تقوم فتصلي ركعتين أخرتين؛ لأن الوسطين لغو وأنت قد نويت الإتمام قبل السلام، ولم يكن حصل لك محسوباً إلا ركعتان فزد ركعتين واسجد للسهو. مسألة: قال: ولو أحرم في مركبٍ ثم نوى السفر لم يكن له أن يقصر. وهذا كما قال، وأراد بالمركب السفينة، ولا يتصور السفر في خلال الصلاة الآن [65 أ / 3] من هذا الوجه، لأنه بمجرد النية لا يصير مسافراً كما يصير لمجرد النية مقيماً، فإذا أحرم فيها والفينة قائمة، ثم نوى السفر وسارت السفينة لا يجوز له القصر؛ لأن العبادة إذا اشترك فيها السفر والإقامة ابتنى حكمها على الإقامة، وهكذا لو أحرم بها وهو مسافر بنية القصر ثم دخل المركب البلد الذي يريده قبل أن يفرغ من الصلاة. مسألة: قال: "وإن أحرم خلف مقيم أو خلف من لا يدري فأحدث الإمام كان على المسافر خلف المقيم يلزمه إتمام الصلاة". ولو صلى خلف من لا يدري أهو مسافر أو مقيم يلزمه الإتمام أيضاً؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، ثم إذا تبعه وكان الإمام مسافراً وقد نوى القصر فسلم عن ركعتين قام هو وأتم صلاته أربعاً، ولو علم أن الإمام مسافراً ولكنه شك هل نوى القصر أم الإتمام؟، فإن له أن يصلي خلفه وينوي القصر إن قصر الإمام قولاً واحداً، وفي كيفية نية القصر عند افتتاح الصلاة اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يحرم بنت القصر قطعا، ثم ينظر في حال الإمام فإن قصر قصر معه، وإن أتم أتم [65 ب / 3] ولا يضره ما تقدم من نية القصر لأن تغيير نية القصر إلى الإتمام جائزة، فإن علق نيته، وقال: إن قصر الإمام قصرت، وان أتم أتمت لا تجوز الصلاة، لأن الدخول في الصلاة بنية معلقة لا يجوز، ألا ترى أنه لو نسي الظهر أو العصر، ولا يدري عينها لم يجز له أن يحرم بها بنية معلقة، فنقول: إن كانت المنسية ظهراً فهذه ظهر، وان كانت المنسية عصراً فهذه عصر، ولو قطع النية بإحدى الصلاتين، ثم ذكر أنها هي المنسية أجزأته أيضا: لأنه إن قطع النية فهي في الحقيقة معلقة، لأنه إن أتم الصلاة لزمه الإتمام، إن قصر جاز له القصر فجاز له التعلق. ونظير هذه المسألة أن يخرج خمسة دراهم فنقول: إن كان مالي الغائب سالماً فهذا زكاته، وإن لم يكن سالماً فهو نافلة يجوز، فإن قيل: ما الفرق بين أن يجهل حال الإمام. فلا يدري أمقيم هو أو مسافر؟ فلا يجوز له أن ينوي القصر خلفه وبين أن يعلم أنه مسافر

ويجهل حاله أنه نوى القصر أو الإتمام. فيجوز له أن ينوي القصر خلفه، وقول الشافعي رحمه الله أو خلف من [66 أ / 3] لا يدري أراد به المسألة الأولى دون الثانية. والفرق: أنه إذا علم أنه مسافر فالظاهر من حاله القصر؛ لأنه خائف وهو الأولى وليس كذلك إذا جهد حاله في الأصل، لأن الظاهر أنه مقيم فلا يجوز له القصر، وهذا كما لو شك هل هذا اليوم من رمضان أم لا؟، فإن كان في أول الشهر جاز لم تصح له نية صوم رمضان لأن الأصل أنه من شعبان، وان كان في آخر الشهر فإنه يصح لأن الظاهر له من رمضان؟ لأن الأصل أنه من رمضان حتى يثبت دخول شوال. وأيضاً فإن للمسافر علامات لا تكاد تخفى فيمكن تعرفها، فإذا لم يتعرف اقتدى به على الشك فيلزمه الإتمام والنية غيب لا يوقف عليها، فلو قلنا: إنه لا يجوز القصر إلا أن يتيقن بنية القصر أدى أن لا يمكنه القصر بحال خلف الإمام. فإذا تقرر هذا فلو أحدث هذا الإمام وانصرف فلا يخلو حاله من ثلاثة أحوال: إحداها: أن يعلم أنه كان نوى القصر بأن يخبره فيقصر هو. والثانية: أن يعلم أنه نوى الإتمام أتم هو. والثالثة: أن يشك هل نوى القصر أم الإتمام؟ قال أبو إسحاق رحمه الله: لزمه الإتمام وهو [66 ب / 3] الذي نقله المزني، لأنه شاك في نية إمامه فهو كمن صلى بعض الصلاة، ثم شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً فإنه يلزمه البناء على اليقين، وكما لو شك في نية نفسه هل نوى القصر أم لا؟ وهذا ظاهر المذهب. وقال ابن سريج رحمه الله: يجوز له القصر وغلط المزني رحمه الله في النقل، وإنما أجاب الشافعي رحمه الله بهذا الجواب: إذا أحدث المأموم وانصرف ليتوضأ، وقد نص عليه في كتاب استقبال القبلة فقرر المزني أنه أراد إذا أحاث الإمام. والغرق بينهما أن الإمام إذا أحاث وانصرف، فإن نية الإمام هي فعل باطن لم يكلف المأموم الإحاطة بها فجاز أن يرجع إلى الظاهر، والظاهر من حال المسافر القصر؟ لأنه أقل عملاً وأكثر أجرأ فيقصر هو، وإذا أحدث المأموم وانصرف يمكنه أن يرجع ويتعرف كيف صلى الإمام وهل قصرها أم أتمها؟ لأن عدد الركعات فعل ظاهر يحمل من الإمام، فإذا لم يتعرف كان التفريط من جهته فلزمه الإتمام. فرع لو أحرم خلف من لا يدري أمقيم هو أو سافر؟ فقد ذكرنا أنه يلزمه الإتمام فلو أفسد المأموم صلاته يلزمه أن يقضيها تامة. وقال [67 أ / 3] أبو حنيفة رحمه الله: يجوز له قصرها، لأن الإتمام لزمه الاقتداء فإذا زال الاقتداء سقط حكمه وهذا غلط، لأن هذه العبادة لزمته بالدخول فيها، فإذا أفسدها يلزمه قضاءها على صفتها كالحج.

فَرْعٌ آخرُ لو أن مسافراً أم مسافرين ومقيمين، وكانت نيته القصر فصلى أربعاً ساهياً فقد ذكرنا أنه يسجد للسهو، وأما من خلفه من المسافرين إن نووا إتمام الصلاة لأنفسهم فصلاتهم صحيحة تامة، وإن لم ينووا إتمام الصلاة لأنفسهم إلا أنهم رأوه قد أتم لنفسه فأتموا معه، فإنه يجزيهم أيضاً لا يلزمهم أن يصلوا أربعاً خلف من صلى أربعاً، وان صلوا ركعتين معه على غير شيء من هذه النية وعلى أنه ساهٍ فاتبعوه، ولم يريدوا الإتمام لأنفسهم يلزمهم إعادة الصلاة نص عليه في كتاب استقبال القبلة. فرع لو أحرم مسافر خلف إمام مسافر، وكان الإمام قد نوى الإتمام أو المقام وهو قد نوى القصر ولم يعلم، ثم انكشف أن الإمام كان جنباً، قال ابن القاص في "التلخيص": له القصر؛ لأن صلاة الإمام لم تنعقد فلم ينعقد بها صلاة المأموم قال: وليس على أصلنا مسألة يحرم المسافر خلف المقيم ويجوز [67 ب / 3] له القصر عبر هذه المسألة. فرع لو قام الإمام من اثنتين ساهياً فظن القوم أنه نوى الإتمام فقاموا معهم يلزمهم الإتمام، وإن بان بعد ذلك إن لم يكن نوى الإتمام بل كان ساهياً وليس له أن يسلم عن اثنتين بعدما ظن أنه نوى الإتمام إلا أن يتيقن أنه ساه فيلم ولا يتابع وهذا قلما يعلم. فَرْعٌ آخرُ لو أحرم خلف من ظنه مقيماً مقتدياً به، ثم بان أنه كان مسافراً محدثاً أو غير محدث لم يقصر هذه الصلاة أبداً؛ لأنه التزم الإتمام، وانعقد صلاته خلفه. فَرْعٌ آخرُ لو أن مكياً قصد الخروج إلى منى ثم إلى عرفات، ثم يعود إلى منى ثم إلى مكة ثم إلى بعض الأفاق ولا يقيم في شيء من هذه المواضع أربعة أيام لا يقصر في شيء من هذه المواضع نص عليه؛ لأن المسافات متقاربة ومكة بلد إقامته، ولو قصد الخروج منها إلى موضع يقصر إليه الصلاة ويعود إليها ويفارقها من غير إقامة فيها فدخلها راجعا، فلا شك أن له القصر ذاهباً وراجعاً. وهل له القصر في مكة ما لم يجاوز مقامه فيها أربعة أيام؟ قد ذكرنا نصاً في "الأم": أنه يقصر ولا يصير بالدخول فيها مقيماً. وقال القفال: فيه [68 أ / 3] قولان. وقال بناء على ما مر في سفره ببلد له به أهل ومال، هل يصر مقيماً بدخوله؟ قولان فحصل في المسألة طريقان وهذا غريب. ولو خرج إلى ثمانية فراسخ بنية أن يرجع ليس له أن يقول: ذهابي ورجوعي ستة عشر فرسخاً فلي القصر، بل لا يجوز له القصر

بحال ولا يكون ذهابه ورجوعه كفر واحد في هذا المعنى. فَرْعٌ آخرُ لو شرع في الصلاة بنية الإتمام منفرداً، ثم بان أنه كان محدثاً له القصر؛ لأنه لم يصح شروعه فيها، فكذلك لو دخل فيها في الحضر، ثم بان أنه كان محدثاً، ثم سافر له قصرها لأن دخوله محدثاً فيها في حال الإقامة كلأ دخول. مسألة: قال: وإن رعف وخلفه مسافرون ومقيمون فقدم مقيماً كان على جميعهم والراعف أن يصلوا أربعاً. وهذا كما قال: إذا صلى مسافر بمسافرين ومقيمين فرعف الإمام قبل أن يستكمل ركعتين يقدم مقيماً ليصلي بهم بقية الصلاة. قال الشافعي رحمه الله: يصلون أربعاً، والراعف أيضاً، أما المستخلف فلا شك أنه يصلي أربعاً؛ لأنه مقيم والمسافرون يتمون لأنهم ائتموا بمقيم، وأما الراعف [68 ب / 3] قال الشافعي رحمه الله: يتم، وقال المزني: هذا غلط، بل له أن يصلي ركعتين، لأنه مسافر ولم يأتم بمقيم. واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق: هذا بناه على قوله "القديم": إنه يبني على صلاته إذا غسل الدم، وهذا مذهبه في "الإملاء". من "الجايد"، وقد غسل الدم وأتم صلاته مع هذا المقيم بدليل أن الشافعي علل فقال: لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى صار فيها في صلاة مقيم، فدل أنه رجع إلى صلاة المقيم وذكر على قوله "الجديد": إنه لا يبني ولكنه خرج من الصلاة وغسل الدم وعاد وأحرم خلف خليفته، وقيل: قاله على قوله "القديم": وأنه لم يخرج من الصلاة فيكون بعد الاستخلاف في حكم المؤتم بالمقيم، وإن لم يأتم وهذا ليس بشيء؟ لأنه لم يأتم بمقيم حقيقة وقطعاً. وقال ابن سريج رحمه الله: إنما أوجب الشافعي على الراعف الإتمام أيضاً، لأن الذي استخلفه يصلي أربعاً، ولا يجوز أن يكون الذي هو خليفته، ويبني على ترتيب صلاته فصلى أربعاً وهو يصلي ركعتين. قال أبو إسحاق: وهذا غلط لأن الشافعي رحمه الله قال في كتاب صلاة الخوف [68 أ / 3]، في باب تقدم الإمام في صلاة الخوف: إذا كان الإمام الأول مسافراً وخلفه مسافرون ومقيمون فصلى ركعة ثم أحدث، وقدم مقيماً ليصلي بهم بقية الصلاة، كان على الطائفتين جميعاً أن يصلوا أربعاً، فإن قيل: لم أمر الطائفة الأولى بالإتمام وهي لا تأتم بالإمام الثاني لأنه إذا صلى الإمام الأول وهو مسافر ركعة، فإن الطائفة الأولى تفارقه وتصلي لنفسها ركعة أخرى؟، قلنا: أراد الشافعي رحمه الله إذا أحذث الإمام الأول قبل أن تفارقه الطائفة الأولى مثل أن يحدث قبل أن يعتدل في الركعة الثانية فلما قدم الإمام الخليفة صارت الطائفة الأولى مقتدية به، وهذا في كلامه بين،

لأنه قال في آخره: إن كلا قد دخل مع الإمام مقيم في صلاته. ذكره القاضي الطبري رحمه اه. ولأن الخليفة يصلي أربعاً لأنه مقيم. وهذا ليس بمقيم فكيف يكون حكمه حكمه. وقال أبو غانم: تلقى أبي العباس تأويل المسألة أن الإمام أحس بالرعاف فاستخلف ولم يكن وعف فوقف خلف خليفته، ثم رعف فانصرف فعليه الإتمام؛ لأنه صار خلف مقيم وهذا غلط [69 ب / 3] أيضاً؛ لأن الرجل لا يجوز له أن يستخلف في الصلاة ويكون فيها مأموماً له قبل الانصراف عنها، ولأن الشافعي قال: رعف وخلفه مسافرون ومقيمون ولم يقل أحس. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجب على المسافرين خلفه الإتمام، لأن صلاتهم هي مبنية على صلاة الإمام الذي قبله، بدليل أنه لو كان مسبوقاً بركعة فإنه يبني على ترتيب المستخلف، وهذا غلط لأنهم مؤتمون به وقد بطلت صلاة الأول ولهذا لو سها هذا الخليفة فإنه يلزمهم سجود السهو، ولو بطلت صلاة هذا الخليفة بالحدث عمداً بطلت صلاتهم عند أبي حنيفة فدل أنه للإمام في الحقيقة. مسألة: قال: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما ولا يقصر في الآخر. الفصل وهذا كما قال: إن أراد أن يسافر إلى بلد وله إلى ذلك البلد طريقان، أحدهما: مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً، والأخرى أقل من ذلك، فإن سلك الأقرب لم يجز له القصر، وإن سلك الأبعد فإن كان لفرض له فيه، مثل أن يكون في الأقرب حزونة وهي الحنونة من الحجارة، والصعود والهبوط، أو يكون فيه خوف من اللصوص، أو السباع، أو لا يكون فيه ماء [70 أ / 3] أو كان له في الأبعد قريب أو صديق يريد زيارته، أو معامل يريد محاسبته فهذا يجوز له القصر قولاً واحداً، وان لم يكن له فيه غرض بوجه ففيه قولان: قال في كتاب استقبال القبلة من "الأم": لا يقصر وبه قال أبو إسحاق رحمه الله، وهو الأصح لأنه طول على نفسه من غير غرض فأشبه إذا هام في الأرض ومشى لا يجوز له القصر، وإن سار ألف فرسخ، وقال في "الإملاء": يقصر. وبه قال أبو حنيفة وهو اختيار المزني، واحتج بأنه سفر مباح قلنا: لا نسلم أنه مباح؛ لأن فيه إتعاب نفسه وطهره وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يبغض المشايين من غير إرب". ومن أصحابنا من قال ما قاله في "الإملاء": مجمل وتفسيره ما ذكرنا إذا كان له فيه غرض فليس في المسألة إلا قول واحد إنه لا يقصر. مسألة: قال: وليس لأحد سافر في معصيةٍ أن يقصر.

الفصل وهذا كما قال: إذا أنشأ الإنسان سفره لمعصية على ما ذكرنا، فلا يجوز له الترخص بشيء من وخص السفر كالفطر، والقصر، والمسح على الخفين ثلاثاً، والجمع بين الصلاتين، والنوافل على الراحلة، وأكل الميتة عند الضرورة، وأكل مال [70 ب / 3] الغير إذا لم يأذن صاحبه عند الضرورة. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق رحمهم الله. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي رحمهم الله: هو كالمطيع في سفره في جميع الأحكام وهو اختيار المزني رحمه الله. واحتجوا بأنه لو غصب خفاً جاز له المح عليه وإن كان عاصياً يلبسه كذلك هاهنا، ولأنه إذا منع المضطر من أكل الميتة فقد أمرتم بقتل نفسه وهذا لا يجوز، وهذا غلط؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] قال ابن عباس رضي الله عنه: غير باغ على المسلمين مفارق لجماعتهم مخيف للسبيل، ولا عاد عليهم بسيفه؟ ولأن فيه إعانة على المعصية والإعانة على المعصية معصية، ولهذا لا يجوز صلاة الخوف في القتال ظلماً، وأما الخف المغصوب لا يسلم في وجه، وإن سلمنا فبسب الرخصة هناك هو السفر وليس الخف شرطاً وليس بسبب؛ ولأن المعصية لا تختمر بلبسه لأنه غاصب وإن نزعه بخلاف هذا. وقال القاضي الطبري: الصحيح أنه لا يجوز لأن اللبس معصية فلا يكون سبباً للرخصة وقال أبو حامد رحمه الله: يجوز وجهاً واحداً [71 أ / 3] وأما المضطر قلنا: يقال له: تب ويحل، ثم يحل له أكلها فلا يؤدي إلى قبلة. فرع قد ذكرنا أن له أن يمسح مسح المقيم على الصحيح من المذهب، لأنه يجعل كأنه لم يسافر، وهكذا لو دخل بلداً ليقيم فيه على معصية هل يمسح مسح المقيمين؟ وجهان: ذكرهما أبو إسحاق رحمه الله، لأن الإقامة هي سبب لمسح يوم وليلة، كالسفر سبب لمسح ثلاثة أيام، وهو عاص بهذه الإقامة والمذهب جوازه. فرع لو أنشأ السفر في غير معصية ثم نقله إلى معصية هل يترخص؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يترخص وهو الأصح وظاهر المذهب، والثاني: يترخص لأنه مستديم غير متثنى وهو اختيار بعض مشايخ خراسان رحمهم الله. فرع لو أنشأ سفراً مباحاً إلا أنه كان يفق فيه بالأفعال المحرمة يجوز له الترخص؟ لأن السفر مباح، وإنما يؤمر بترك المعصية لا بترك السفر. فَرْعٌ آخرُ لو كان جريحاً في سفر المعصية فإن له التيمم؛ لأنه لا تأثير للسفر فيه وإنما التيمم

للقرح بخلاف ما إذا عدم الماء فإنه يتيمم ويعيد الصلاة في أصح الوجهين عندي؛ لأن السفر فيه شرط. وقال بعض أصحابنا [71 ب / 3] بخراسان: ينظر إن أصابته الجراحة في الحضر لا يعيد، وإن أصابته في السفر ففيه وجهان. فَرْعٌ آخرُ لو وثب من موضع لاعباً فاندقت قدماه فصلى قاعداً. قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: والصحيح عندي أنه لا إعادة وهو المذهب؛ لأن دوام العجز ليس باختياره ولا هو مقصود جنايته ولا يلزم السكر لأنه مقصود جنايته، وإن لم يكن دوام المكر باختياره. فَرْعٌ آخرُ لو تاب في خلال سفره، فإن بقي إلى مقصده من موقع التوبة مسافة القصر قصر وإلا فلا. فَرْعٌ آخرُ التنفل في السفر مستحب قال في "الأم": هو كالحاضر في التطوع. وقال بعض أهل العلم من السلف: يكره لمن يقصر أن يتنفل لأنه إذا أسقط بعض الفرض لا يأتي بالنافلة. وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها وهذا غلط، لما روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر سفراً فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر. وروى عطية عن [72 أ / 3] ابن عمر رضي الله عنه: "أنه قال صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ركعتين وبعدها ركعتين". وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - "كان يتنقل على راحلته في السفر"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة على حرب هوازن عام الفتح فكان يصلي قبل الظهر ركعتين. وروي: أربعاً ولأن المسافر كالحافر في النفل الواقع في أثناء الصلاة فكذلك كالحافر في النفل الواقع خارجها. فرع وإن صلى مسافر بمقيمين ومسافرين فإنه يصلي والمسافرون ركعتين، وهذا كما قال: إذا صلى مسافر بمقيمين أو مسافرين فإنه يصلي والمسافرون ركعتين إذا نووا القصر، وأما المقيمون يلزمهم الإتمام فإذا فرغ الإمام يستحب أن يقول لهم الإمام: أتموا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام عام الفتح بمكة أياماً يصلي ركعتين ركعتين ويقول لهم: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر"، وهذا لأنهم أو بعضهم لا يعلمون ذلك.

فرع هل يجوز للإمام أو المقيمين أن يقدموا من يصلي بهم بقية الصلاة؟ هذا مبني على جواز الاستخلاف إذا أحدث الإمام وانصرف، فإن [72 ب / 3] قلنا: لا يجوز هناك فهاهنا لا يجوز، وإن قلنا: يجوز هناك وهو قوله الجديد فهاهنا وجهان: أحدهما: يجوز كما لو أحدث الإمام وانصرف. والثاني: لا يجوز لأن هذه الصلاة قد أديت جماعة فلا يجوز عقد جماعة أخرى فيها كما يقول في المسبوق بركعة في صلاة الجمعة إذا سلم الإمام والأول أصح، والفرق بينهما وبين الجمعة هو أن الجمعة لا تصلى جماعة بعد جماعة بخلاف غيرها، وهكذا المسبوق بركعة في غير الجمعة هل يستخلف؟ على هذين الوجهين. مسألة: قال: وكل مسافر له أن يتم. وقد مضت هذه المسألة، واحتج هاهنا بما روي أن عثمان رضي الله عنه كان يتم الصلاة إذا حج، وكان يحتاط في ذلك لأنه كان له بمكة أهل وعيال فاختار الإتمام وإلا فالمستحب القصر. مسألة: قال: واحتج في الجمع بين الصلاتين في السفر بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع في سفره إلى تبوك. . . الخبر. وهذا كما قال: إذا سافر سفراً يجوز له فيه قصر الصلاة يجوز له الجمع فيه بين الصلاتين، وهو الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت أيتهما شاء. وأما [73 أ / 3] في السفر القصير هل تجوز الجمعة؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز قاله في "القديم" وبه قال مالك، ووجهه: أن أهل مكة يجمعون بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء وسفرهم قصير ولم ينكر منكر. والثاني: لا يجوز ذكره في "الجديد" وهو الصحيح لأنه تأخير العبادة عن وقتها فلا يجوز في السفر القصر كالفطر، وأما أهل مكة فإنهم يقصرون أيضاً ونحن وأنتم تقولون: لا يجوز ذلك في السفر القصير. وقال أبو يعقوب الأبيوردي رحمه الله: اختلف قول الشافعي رحمه الله في جمع أطر مكة بعرفة ومزدلفة أهو لحق النسك أم لحق السفر؟ على قولين فإذا قلنا: إنه نسك فلا كلام، وإذا كان للسفر فمتى كان السفر قصيراً قولان وسائر أصحابنا لم يذكروا القولين. وقد ذكر بعض أصحابنا بخراسان وجهاً أنه لحق النسك وليس بمذهب الشافعي، وحكى الداركي عن أبي إسحاق أنه كان يقول: لا يجوز الجمع إلا في السفر الطويل، نص عليه في الجديد والقديم.

وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز الجمع لحق السفر أصلاً، وإنما يجوز لحق النسك [73 ب / 3] في موضعين. أحدهما بعرفة في يوم عرفة بين الظهر والعصر في وقت الظهر والثاني بمزدلفة ليلة النحر يجمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وبه قال النخعي، وكان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين قالوا: وفي السفر تؤخر الظهر إلى آخر وقتها ويعجل العصر في أول وقتها، وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يفعل ذلك وروي ذلك عن ابن سيرين، وقيل: إنه مذهب المزني رحمه الله وبقولنا قال ابن عباس وابن عمر، ومعاذ بن جبل، ومالك، والثوري، وعطاء، وسالم بن عبد الله، وطاوس، ومجاها، وأحمد، وإسحاق، وأبو موسى، وسعد بن أبي وقاص، واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها غير الواحد. وهذا غلط لما روى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فقالوا: بلى، فقال: "كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، فإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت [74 أ / 3] العصر"، وكذلك في المغرب والعشاء. وهذا نص ورواه ابن عمر وأنس أيضا. وروى معاذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان يجمح في غزوة تبوك بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً". وروى نافع أن ابن عمر رضي الله عنه استصرخ على صفية وهو بمكة فسار حتى غربت الشمس وبات النجوم فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجل به أمر في سفر بين هاتين الصلاتين فسار حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما. وروي أن ابن عمر كان يرجع من جرف أرعوه، فأخبر في الطريق بأن امرأتك صفية بالموت فأسرع السير، فلما غربت الشمس قلنا له: الصلاة فسكت حتى دخل وقت العشاء فنزل وجمع، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل إذا جد به السير والرواية الأولى أصح. وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع [74 ب / 3] بينهما، قال: ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق"، ثم احتج الشافعي رحمه الله بالجمع في عرفة ومزدلفة فاستنبط منه المعنى وعدى إلى سائر الأسفار، وأما ما ذكروا قلنا:

الأوقات تثبت مطلقة ويجوز تخصيصها بحالة الإقامة بخبر الواحد: كما يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد. فإذا تقرر هذا فالمسافر بالخيار بين أن يقدم العصر وقت العصر فيجمع بينهما في وقت الظهر، وبين أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما في وقت العصر، وهكذا في المغرب والعشاء، والحقيقة أن السفر يمزج الوقتين، فإذا زالت الشمس يجوز الجمع إلى آخر وقت العصر، وكذلك إذا غربت الشمس يجوز الجمع إلى آخر وقت العشاء، والأفضل أنه إن سار قبل الزوال أن يجمع بينهما في وقت العصر، وان زالت الشمس قبل أن سار جمع بينهما في وقت الظهر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل وهذا أسهل وأرفق. مسألة: قال: ولا يؤخر الأولى عن وقتها إلا بنية الجمع. وهذا كما قال: إذا اختار الجمع في وقت الظهر لا تصح إلا [75 أ / 3] بأربح شرائط: السفر والنية والموالاة والترتيب. فالسفر قد ذكرناه ولا بد منه لأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع في السفر كما روي عنه أنه قصر في الفر، فجعلنا السفر علة في الجمع كما جعلناه علة في القصر: لأن كل واحد منهما تخفيف في الصلاة. وأما نية الجمع: فلا بد منها ليخرج بذلك عن أن يكون تاركاً للصلاة ساهياً أو متوانياً. وحكي عن المزني رحمه الله أنه قال إذا أتى بالثانية عقيب الأولى جاز ولا يحتاج إلى النية؛ لأن الجمع حصل بفعله، ولأن الوقت يوجد لهما في السفر، وصار وقت الصلاتين واحداً وهذا غلط؛ لأنه أحد الجمعية فافتقر إلى النية كتأخير الظهر إلى العصر، ولأن أفعال الصلاة تؤخذ من غير قصد إلى فعلها ولا تجري كذلك هنا. وأما الموالاة: فإنه لا يفصل بينهما فصلاً طويلاً، والمرجع في التطويل إلى العرف والعادة، وان تكلم بينهما فلا بأس، فإن أتى بركعتين نافلة بينهما لا يصح الجمع، وقد قال الشافعي: ولا يسبح بينهما ولا عقيب الثانية فيهما يعني أنه لا يتطوع بالصلاة لأنه إن تطوع بينهما طال الفصل، وان تطوع [75 ب / 3] بعد الثانية بعد تطوع العصر والتطوع بعد العصر لا يجوز. وقال أبو سعيد الإصطخري رحمه الله: التنفل بركعتين بينهما لا يمنع صحة الجمع، لأنه من سنة الصلاة كالإقامة. وحكي عنه أنه لا يحب الموالاة، لأن كل واحدة منهما منفردة عن الأخرى، ولهذا جازتا بإمامين، وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن تقام الثانية ولم يتنفل بينهما، وقد قال الشافعي رحمه الله في مواضع: أنه إن صلى الأولى ثم أغمي عليه فأفاق أو سها أو نام أو شغل شغلاً بطل جميعه. وأما الترتيب: فهو أن يقام الظهر أولاً، فإذ قدم العصر لم يجز، وهذا لأن الوقت

الأولى والثانية تجوز تبعاً لها فيجب تقديم المتبوع، وعلى هذا لو تلبس بالظهر فأفسدها، ثم صلى العصر بعد الزوال لم يجز حتى يصلي الظهر أولاً ثم الحصر، وإن أواد الجمع بينهما في وقت الثانية افتقر إلى شرطين السفر ونية التأخير للظهر إلى وقت العصر، فإن أخرها بغير نية فقد عصى وأثم، وإن سها عنها فصلاها في وقت الحصر كان قافياً، ولا يكون مؤدياً لها في وقت العصر حتى يؤخرها بنية [76 أ / 3] الجمع وفات الجمع الشرعي، ثم إذا زاد يصليها في وقت العصر لا يحتاج إلى نية أخرى للجمع، لأن كل واحدة منهما يصليها بعد دخول وقتها. وأما الموالاة والترتيب: فليسا بشرط أما الموالاة: فإن الوقت للقصر فأي وقت أتى بها فيه فقد أتى بها مؤدياً، وأما الترتيب: فإن الظهر إذا تأخرت إلى وقت العصر لم يكن إحداهما تبعاً للأخرى، بل صارت كل واحدة منهما متبوعة غير تابعة والأفضل أن يقدم الظهر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزم الترتيب هاهنا؟ وجهان حتى لو ترك الترتيب كان الظهر قضا، لا أداء، فلا يجوز قصرها إذا قلنا: لا يقصر الفائتة ولا معنى لهذا مع النص الصريح عن الشافعي. وأما وقت نية الجمع فالجمع ضربان: جمع تأخير، وجمع تقديم. فأما جمع التأخير: فلا بد وأن ينوي تأخير الظهر على ما بيناه، ووقت النية من حين نزول الشمس إلى أن يبقى من الوقت ما يقيم فيه الصلاة فإن فاق الوقت عن هذا كان عاصياً، وهذا على قول أبي إسحاق، فأما على [76 ب / 3] القول الذي يقول: إذا بقي من الوقت مقدار ما يملي فيه ركعة لا يكون عامياً ولا قاضياً فيجوز أن يؤخر نية الجمع إلى أن يبقى من الوقت هذا القدر. وأما جمع التقديم: إن نوى قبل أن يحرم بالأولى لا يجوز، وإن نوى بعد السلام من الأولى لا يجوز، وقال المزني رحمه الله: يجوز إذا لم يطل الفصل بين السلام من الأولى والإحرام بالثانية. وقال أبو يعقوب الابيوردي: قد قيل: إن الشافعي رحمه الله نص على هذا في استقبال القبلة فقال: ولو أكمل الظهر، ثم نوى الجمع أو كان فيه أجزأه، وهذا غريب، وقيل: قوله: أكمل الظهر أي: أفعاله سوى السلام، وان نوى مع التحريم بالأولى أجزأه بلا إشكال وإن نوى في أثناء الأولى فيه قولان: أحدهما: يجوز حتى ينوي عند الإحرام بالأولى: لأن محل النية ذلك الوقت نص عليه في الجمع في المطر. والثاني: يجوز نص عليه في الجمع في السفر فقال: إذا نوى قبل أن يسلم مع التسليم جاز له الجمع؛ لأن وقت الجمع حين ينفصل عن الأولى ويدخل في الثانية ولا تتأخر النية عن هذا الوقت فجاز [77 أ / 3] وهذا اختيار أبي إسحاق رحمه الله قال: وهذا أشبه بأصل الشافعي، ويفارق نية القصر تعتبر عند الإحرام لتبتعد صلاته ركعتين. ومن أصحابنا من قال: قول واحد يجوز ذلك، وما قاله في جمع المطر قصد به أن المطر لا يبيح الجمع بنفسه دون انضمام النية إليه، لأنه ذكر المسألتين في باب واحد

فيبعد تخريجهما على قولين. ومن أصحابنا من قال: في الجمع للمطر تشترط النية عند الإحرام، وفي الجمع للسفر لا شرط عنده والفرق هو أن نية الجمع يجب أن تكون في حالة يشترط فيها وجود سبب الجمع بقي السفر موجود، وفي المطر أن يشترط وجود المطر الذي هو سبب جواز الجمع في أول الصلاة الأولى وأول الصلاة الثانية حتى إن سكبت فيما بين ذلك لا يضر فلهذا اشترط نية الجمع في أول الصلاة الأولى. فرع لو جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، ثم بعدما فرغ من الصلاتين نوى الإقامة قبل أن يدخل وقت العصر ووصل إلى مقصده هل يستحب بالعصر؟ وجهان: أحدهما: لا يحتسب لأن الشرائط قد زالت قبل دخول [77 ب / 3] وقت الوجوب كما لو عجل زكاته ثم هلك المال. والثاني: يحتسب لأنه فرع على الصحة كما لو عجل شاة بصفة الزكاة فحال الحول وقد تعيبت بصفة لا يجوز إخراجها في الزكاة يعتد بهاء وهكذا الخلاف لو دخل وقت العصر فنوى الإقامة قبل مضي إمكان الصلاة فإن مضى وقت إمكان الصلاة ثم أقام فقد استقر حكم ما فعل فلا إعادة. مسألة: قال: والسنة في المطر كالسنة في السفر. وهذا كما قال: يجوز الجمع للمطر بين الصلاتين كما يجوز السفر، وبه قال عبد الله بن عمر والفقهاء السبعة. فقهاء المدينة. وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بعز الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار". وفعله عمر بن عبد العزيز رحمه الله وهو مذهب مالك وأحمد والليث إلا أن عندنا يشترط في ذلك أن يكون المطر قائماً وقت افتتاح الصلاتين معاً، ولم يشترط ذلك غيره. وروي عن مالك وأحمد أنه يجوز الجمع للمطر بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر لأن [78 أ / 3] المشقة في مطر الليل دون النهار. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والمزني: لا يجوز ذلك للمطر بحال وروي عن الأوزاعي مثل قولنا. وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الظهر والعمر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر". أورده أبو داود. قال مالك: أرى ذلك كان في مطر وإنما ذكر قول مالك استئناساً، فأما وجه الدليل منه ظاهر وهو أن الدليل قام في غير المطر فتعين المطر،

وروى أصحابنا عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر". ويقول: على مالك كل عذر أباح الجمع بين المغرب والعشاء أباحه بين الظهر والعصر كالسفر، وأما ما ذكره من المشقة لا اعتبار بها، لأن الليلة المقمرة كالنهار ويجوز الجمع فيها عندكم. فإذا تقرر هذا يجوز الجمع بينهما في وقت الأولى منهما بلا خلاف، فإن أراد الجمع بينهما في وقت الثانية منهما. قال في "القديم" و "الإملاء": إن شاء قدم الثانية إلى وقت الأولى، وإن شاء أخر الأولى إلى وقت [78 ب / 3] الثانية. وبه قال أحمد وقال في "الجديد": في استقبال القبلة لا يؤخر الأولى إلى الثانية للمطر وهو المذهب المشهور، فقد قيل قولان، وقيل: قول واحد لا يجوز إلا في وقت الأولى، لأن المطر ينقطع بغير اختيار فربما ينقطع المطر ولا يؤخذ عند الجمع بخلاف السفر، فإنه لا ينقطع من دون اختياره فلا يتقدم حالة الجمع طاهراً فإذا قلنا: لا يجوز ذلك فلا كلام، وإذا قلنا: يجوز فإن لم ينقطع المطر بينهما، وإن انقطع صلاهما في وقت العصر، لأن وقت العصر قد دخل والظهر عليه فيصليهما معاً. وأما إذا جمع بينهما في وقت الأولى منهما لا يصح إلا بأربع شرائط على ما ذكرنا، فالعذر وجود المطر حين الإحرام بالأولى، فإن أحرم بها والمطر قائم نظر، فإن استدام حتى في غ منهما فلا كلام، وإن انقطع قبل [79 أ / 3] الفراغ منهما نظر، فإن انقطع بعد أن أحرم الثانية لم يؤثر، لأن الجمع قد صح فإن قيل: قد قلتم إذا دخل في الثانية ثم نوى المقام، أو دخل البلد الذي يريده بطلت صلاته فلم لا يقولون مثله هاهنا؟ قلنا: الفرق هو أن نية المقام والسير إلى بلده بإرادته واختياره، فإذا اختار ذلك لم يكن له الجمع وانقطاع المطر لا يتعلق باختياره وإرادته، فإذا انقطع بعد دخوله في الصلاة لم يضره كما قلنا في وجود الماء في حق المتيمم في الصلاة. ومن أصحابنا من قال: نص الشافعي رحمه الله على انقطاع المطر بعد الإحرام بالثانية لا تؤثر في صحة الجمع، وعلى قياس هذا ينبغي أن تكون نية الإقامة ودخول البلد الذي يريده مثله، ولا يمنع هذا أيضاً صحة الجمع لأنه إذا جاز الدخول في الصلاة جاز له إتمامها ويفارق هذا إذا دخل في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإقامة فإنه يتمها أربعاً لأنها صلاة واحدة تامة ومقصودة وهاهنا إن لم يجوز له الجمع أبطلنا ما جوزنا له الدخول فيه وذلك لا يجوز فافترقا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في كلتا [79 ب / 3] المسألتين وجهان: وقال هذا القائل: لو نوى الإقامة بعد الفراغ من العصر أو انقطع المطر في هذه الحالة فعلى أحد الوجهين وجهان، وهذا ضعيف، ولو انقطع المطر قبل أن يحرم بالثانية لم يكن له الجمع.

فرع لو انقطع قبل أن يسلم من الأولى، ثم عاد واتصل لا يمنع ذلك الانقطاع صحة الجمع نص عليه، ولو وجد عند افتتاح الأولى والثانية، ولكن انقطع عنا خروجه من الأولى وعاد في الحال. قال الشيخ أبو زيد رحمه الله: لا يصح الجمع وفيه وجه أخر أنه يصح الجمع، وهو ظاهر ما قال أصحابنا يشترط وجود المطر عند افتتاح الأولى والثانية. فرع لو افتتح الظهر والسماء لم تمطر، ثم مطرت بعده لا يجوز الجمع، نص عليه في استقبال القبلة، وهذا لأنه شرع فيها ولم يكن من أهل الجمع فصار كما لو أحرم ولا سفر، ثم وجد السفر لا يصح الجمع، ومن أصحابنا من قال فيه قولان: مبنيان على أنه هل تجوز نية الجمع في أثناء الصلاة فإذا قلنا: يجوز ذلك يمكنه أن ينوي الجمع عند مجيء المطر ويجمع. فَرْعٌ آخرُ هل يجوز الجمع للمنفرد في بيته أو في المسجد، أو بمن كان في المسجل [80 أ / 3] أو لمن كان بين منزله والمسجد ظلال يمنع وصول المطر إليه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الأم" لأنه إنما جوز للمشقة ولا مشقة في هذه الحالة وعلى هذا إنما يجوز في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من بعد في المطر. وقال في "الإملاء": يجوز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع وكانت بيوت أزواجه مفتحة إلى المسجد لا يشق عليه الخروج للجماعة، ولأن العذر إذا تعلقت به الرخصة استوى فيه وجود المشقة وعدمها كما في السفر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان ولا معنى لهذا مع النص. فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي رحمه الله: ويجمع في قليل المطر وكثيره. قال أصحابنا: معناه إذا كان القليل بين الثياب، فإن كان مما لا يبل لا يجوز به الجمع، وقال القاضي الطبري رحمه الله: يعتبر ابتلال الثياب والطين. قلت: ابتلال الثياب يورث الطين لا محالة فلا فائدة في ذكره. فَرْعٌ آخرُ البرد لا يبح الجمع، لأنه لا يبل الثياب. وأما الثلج فإن كان رقيقاً يبل الثياب فهو كالمطر، وإن لم يكن كذلك فلا يبيح الجمع، وفيه وجه آخر [80 ب / 3] كالثلج يبيح الجمع بكل حال، لأنه يتأذى بالمشي فيه ويشتق. فرع الوحل، والظلمة، وشدة الريح، والبرد لا يبيح الجمع، وقد قال الشافعي: لا يجوز الجمع في الحضر من غير مطر للمرض والخوف. وقال أحمد وإسحاق ومالك رحمهم

الله: يجوز للمريض والخائف ذلك، وبه قال عطاء بن أبي رباح وقالوا: يجوز في الوحل أيضاً: لأنه كالمطر في المشقة، ولهذا يجوز ترك الجمعة به، واختاره القاضي الحسين فإن كانت تشد الحمى في وقت الزوال وتخف وقت العمر فالأولى أن يؤخر الظهر، وإن كانت تشد وقت العصر يقدم العمر إلى الظهر، وهذا لأنه عذر يبيح الفطر كالسفر، ولأن الضرر بهذا أكثر منه بالمطر ولهذا أبيح به ترك القيام والفطر في الصوم. وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال للمستحاضة: "إن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر وتغتسلي، ثم تصلين الظهر والعصر جميعاً ثم تؤخرين المغرب وتعجلين بالعشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين المغرب والعشاء فافعلي، وهذا هو أحب الأمرين إلي". رواه البيهقي رحمه الله وهذا غلط،؛ لأنه لم ينقل الجمع في شيء منها وكانت كلها على عهد رسول [81 أ / 3] الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن عذر المطر من جهتين من الأعلى والأسفل، وهذا الوحل من الأسفل، وأما ترك الجمعة للرجل قلنا هناك لا يترك إلا السعي إلى المسجد ويأتي بالصلاة فيحصل له الترفه بترك السعي إلى المسجد وحده وهاهنا يترك السعي إلى المسجد ويترك الوقت الذي هو شرط من شرائط الصلاة، فكان حكمه أغلط، ولهذا جاز ترك الجمعة لخوف فوت الرفقة وطلب الغريم بخلاف الجمع. وحكى ابن المنذر، عن ابن سيرين أنه قال: يجوز الجمع بين الصلاتين من غير مرض أيضاً، واختاره ابن المنذر واحتج بما روى أبو داود رحمه الله في سننه بإسناده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قال: فقلت لابن عباس: ما أراد إلى ذلك قال: أراد أن لا يحرج أمته. وقال ابن المنذر: ولا يمكن حمله على عذر من الأعذار لأن ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهي قوله: أراد أن لا تحرج أمته وحكي عن ابن سيرين رحمه الله [81 ب / 3] أنه قال: لا بأس به إذا كانت حاجة أو شيء ما لم يتخذ عادة. وهذا غلط لما روي من اختيار المواقيت. وأما خبرهم قلنا: أصحاب الحديث قد تكلموا في حبيب بن أبي ثابت، ثم إنا نحمله على أنه انقطع المطر في أثناء الصلاة الثانية، أو أراد الجمع بتأخير الظهر إلى آخر وقتها، وتعجيل العصر في أول وقتها، وفي هذا رفاهية ورفع للحرج ولا يمكن أن يول به أخبار الجمع في السفر؛ لأنه صرح هناك بما لا يحتمل هذا التأويل.

كتاب الجمعة

كتاب الجمعة قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد. . . الخبر. وهذا كما قال: الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، وذلك مستقيم متواتر يعلمه كل أحد، وكانت العرب قبل الإسلام تسميه العروبة، ثم سميت يوم الجمعة. قال الشاعر: نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا يوم العروبة أوراداً بأوراد وصلاة الجمعة فرض على الأعيان، وغلط بعض أصحابنا فقال فيه: قول آخر إنها من فرائض الكفايات؛ لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: [82 أ/ 3] ومن وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيدين، وصلاة العيد هي من فرائض الكفايات. وقد قال في "القديم": إذا صلى الظهر يوم الجمعة بعد الزوال قبل الإمام فقد أساء، ولا إعادة عليه وهذا لا يجوز اعتقاده ولا حكايته عن الشافعي، وأراد بما قال في العيد: من وجب عليه الجمعة حتماً وجب عليه العيد اختياراً. وقد قال أصحابنا: من نسب هذا إلى الشافعي عذر، وذكر الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله في "معالم السنن": أن الشافعي علق القول فيه، وقال أكثر الفقهاء: هي من فروض الكفاية وهذا غريب، والأصل في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]. قيل: أراد بالذكر الصلاة، وقيل: أراد الخطبة وفيه ثلاثة أدلة: أحدها: أنه إذا أمر بالسعي والأمر على الوجوب ولا يجب السعي إلا لما هو واجب. والثاني: أنه نهى عن البيع فيه والنهي يقتضي التحريم ولا ينهى عن المباح إلا لفعل واجب. والثالث: [82 ب/3] أنه وبخ على ترك الجمعة بقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً} [الجمعة: 11]. ولا يوبخ إلا على ترك الواجب والمراد بالسعي المضي والذهاب لا الإسراع في المشي والفعل يسمى سعياً. قال الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ

للْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] وروي عن عمررضي اثه عنه أنه كان يقرأ {فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} فدل على ما قلناه. وأما السنة: فما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر لم يكن لها كفارة دون يوم القيامة". وروى أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضاً أو مسافراً أو امرأة أو صبياً أو مملوكاً، وروى ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لينتهي أقوام عن تركهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين". وروى طارق بن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة [83 أ/ 3] أو صبي أو مريض". وقيل: إن طارق هذا لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه. وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب في جمعة من الجمع فقال: "أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وأصلحوا فيما بينكم وبين ربكم بكثرة الدعاء والصدقة في العلانية والسر، تؤجروا وتنصروا، واعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد وفاتي استخفافاً بها أو جحوداً لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له، ألا لا بر له، إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه". وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين في وجوبها. وأما في فضل يوم الجمعة، ورد الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج:3]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الشاهد يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة"، وقيل: يوم القيامة. وأما السنة فيما روى أبو هريرة رضي الله [83 ب/ 3] عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه تاب الله عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مُسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادقها مسلم، وهو

يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه" وقوله مسيخة أي: مصغية مستمعة، وقيل: إن أصحاب وسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتمعوا وتذاكروا هذه الساعة فأجمعوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل: بعد العصر إلى غروب الشمس. ومعنى يصلي أي: ينتظر الصلاة، فإن المنتظر للصلاة كالمصلي، وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: من بين خروج الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، وقال الحسن: هي عنا زوال الشمس في وقت الصلاة، وقال كعب: لو قسم إنسان جمعة في جمع، أي: على وقت تلك الساعة يريد أنه يدعو في كل جمعة في ساعة ساعة حتى يأتي على جميع اليوم. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد [84 أ/ 3] أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي هدانا الله له وضلت عنه اليهود والنصارى فاليوم لنا ولليهود غد وللنصارى بعد". مسألة: قال: وتجب الجمعة على أهي المصر وإن كثر أهله. وهذا كما قال: فرض الجمعة يتعلق بثمان شرائط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والصحة، والاستيطان في بلد مجتمع البناء والمنازل، والعدد، وهو أربعون رجلاً فصاعداً. ومن أصحابنا من لم يذكر الإسلامء وهذا الاختلاف في أن الكفار مخاطبون بالشرائع أم لا؟ وثلاث من هذه الشرائط لا تختص بها الجمعة وهي: العقل، والبلوغ، والإسلام وما عداها فإنها تختص بالجمعة، ثم ثلاث شرائط. منها شرط في الوجوب والجواز، وهي العقل والإسلام والعدد، والباقي شرط في الوجوب دون الجواز. والناس في الجمعة على أربعة أضرب: من تجب عليه الجمعة وتنعقد به، وهو من وجد فيه الشرائط السبع، ومن لا تجب عليه الجمعة ولا تنعقد به وهو الصبي والعبد والمرأة والمسافر، ولا يدخل المسافر والمجنون في هذا القسم، لأنه لا يصح [84 ب/ 3] منهما فعل الصلاة فلا معنى، لأن يقال: لا تجب عليه لا تنعقد به، ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو المريض إذا حمل على نفسه وحضر الجامع، أو حضر عنده جماعة فصلوا الجمعة، وهذه الصورة أولى لأنه إذا حضرها تعين عليه الوجوب فكأنها تجب عليه وتنعقد به. ومن اختلف القول فيه في الانعقاد دون الوجوب وهم التجار الذين يقصدون بلداً يقيمون فيه السنة والسنتين بنية العود إذا فرغوا حاجتهم، وطلبة العلم من الغرباء. قال ابن أبي هريرة رحمه الله: يجب عليهم الجمعة وتنعقد بهم وهو ظاهر قوله في

"الأم ": لأنه تلزمهم الجمعة فتنعقد بهم كالمستوطنين. وقال ابو إسحاق رحمه الله: لا تنعقد بهم: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حضر بعرفة فوافق الجمعة فلم يجمع لأهل مكة، وكانوا مقيمين غير مستوطنين، فعلى قول أبي إسحاق الناس على أربعة أضرب، وعلى قول ابن أبي هريرة: الناس على ثلاثة أضرب. وحكي أن الشافعي، ومحمد بن الحسن اجتمعا عند الرشيد رحمهم الله فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة [85 أ/ 3] هل كانت جمعة أو ظهرا؟ فقال: جمعة، لأنه خطب قبل الصلاة، ثم سأل الشافعي، فقال: كانت ظهراً لأنه أسر بالقراءة، فقال الرشيد: صدقت. ويروي هذه الحكاية أيضاً عن مالك وأبي يوسف فإذا ثبت هذا فالناس في وجوب الجمعة على ضربين: ضرب في البلد والمصر، وهو من أهل الجمعة فتجب عليه الجمعة سواء سمع النداء أو لم يسمع؛ لأنه ما من موضع من البلد إلا وهو محل النداء. وأما علة الشافعي رحمه الله؛ لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع، يريد به أن الله تعالى وإن علق وجوبها بسماع النداء في الآية فليس السماع في أهل المصر شرطاً في الوجوب، وإنما الخلاف في الخارج من المصر، واستنكر الإمام القفال هذا العطف الذي في المختصر حيث قال: وتجب الجمعة على أهل المصر، وان كثر أهله حتى لا يسمع أكثرهم النداء؛ لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع وعلى من كان خارجاً من المصر إذا سمع النداء، وقال: كيف يجوز التعليل لوجوب الجمعة على أهل المصر بوجوبها على من كان خارج المصر، والمصر أصل والسواد تبع، والجواب عن هذا [85 ب/ 3] أن هذا الكلام هو عطف على المسألة الأولى لا على المسألة وتقدير الكلام أن يقال: وتجب الجمعة على أهل المصر، وان كثر أهله حتى لا يسمح أكثرهم النداء: لأن الجمعة تجب على أهل المصر الجامع سمعوا أذانا أو لم يسمعوا، ثم استأنف الكلام، فقال: وعلى من كان خارجاً من المصر، يعني: تجب الجمعة إذا سمع النداء وهذا ذكره الشيخ أبو محمد الجويني للشيخ القفال رحمهما الله فرضيه واستحسنه. وضرب يستوطن خارج المصر من أهل القرى وهم على ثلاثة أضرب: ضرب يلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم بأنفسهم، وهو أن يكونوا أربعين رجلاً على الشرائط التي ذكرناها، وهم مستوطنين في قرية مجتمعة البناء والمنازل لا يظعنون عنها شتاءً ولا صيفاً فيقيمون الجمعة في موضعهم سواء كان قريباً من المصر أو بعيداً، فإن تركوا إقامتها في موضعهم وحضروا المصر وصلوها فيه فقد أساؤوا وأجزأتهم صلاتهم، وبه قال عمر وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة والثوري رحمهما انه: لا تجوز إقامة الجمعة في القرى أصلا وإنما تقام [86 أ/ 3] في مصر فيه إمام وقاض وسوق. واحتجوا بما روى علي بن أبي طالب

رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجمعة جمعت بقرية يقال لها: جُواثا من قرى عبد القيس ومن قرى البحرين، ولأنه بناء استوطنه أربعون رجلاً من أهل الجمعة فيجب عليهم إقامة الجمعة كالمصر. وأما الخبر الذي ذكره قلنا: رواية الأعمش، عن سعيد المقبري، عن علي، والأعمش لم يكن سعيد وعلي رضي الله عنه لم يرفعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد روي عن عمر رضي الله عنه خلافه، وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه كتب يسأله عن الجمعة بالبحرين"، وكان عامله عليها فكتب إليها عمر رضي الله عنه أن جمعوا حيث كنتم، ثم نحمله على أنه أراد أنها لا تقام خارج المصر ولكن يقيمها فيه. والضرب الثاني: من لا تلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم ويلزمهم [86 ب /3] حضور المصر لأجلها، وهو أن يكونوا دون الأربعين في موضع لا يبلغهم النداء من المصر. والثالث: من لا تلزمهم إقامة الجمعة في موضعهم ولا يلزمهم حضورها في المصر، وهو أن يكونوا دون الأربعين في موضع لا يبلغهم النداء من المصر، وبه قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، ومالك، وأحمد، وإسحاق، والليث، إلا أن مالكاً والليث قدراً ذلك ثلاثة أميال، وقال أحمد: فرسخ وهو لقولهما وعندنا لا تتقرر المسافة. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا تجب الجمعة على من كان خارج المصر بحال، وقال ربيعة: تجب على من كان في أربعة أميال، وقال الزهري: ستة أميال، وقال الأوزاعي: إن كانوا إذا صلوا الجمعة أسكنهم أن يأووا بالليل إلى منازلهم تلزمهم الجمعة وإلا فلا، وبه قال ابن عمر، وأبو هريرة، وأنس رضي الله عنهم وهو مذهب أبي ثور. وقال عطاء: تجب على من كان على عشرة أميال وهو قريب من هذا. واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه وافق يوم الجمعة يوم العيد، فقال: لأهل العوالي من أراد منكم أن ينصرف [87 أ/ 3] فلينصرف، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم. وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة على من سمع النداء"، ولأن ما قالوه خلاف إجماع الصحابة لأنهم اختلفوا على قولين. فمنهم من اعتبر سماع النداء، ومنهم من اعتبر أن تمكنه البيتوتة عند أهله فلا يجوز إحداث قول ثالث، وأما خبر عثمان لم يذكره أحد من أصحاب الحديث فلا يثبت، ثم نحمله على أنه أراد فلينصرف ويعود. فإذا تقرر هذا فصفة سماع النداء: قال أبو إسحاق ـ رحمه الله ـ يعتبر سماع النداء من آخر البلد لا من المسجد، فينادي رجل

على طرف البلد من الجانب الذي يلي هذه القرية، ويكون المنادي صبياً والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وكان من ليس بأصم مستمعاً، يعني مصغياً غير لاه ولا ساهٍ ولا يشترط نفس السماع بل إمكان السماع بدليل الأصم، ولا يعتبر أن يكون المؤذن على سور البلد أو على منارة ليعلو على البناء، لأن الارتفاع لا حد له. وقال القاضي الطبري: وسمعت بعض شيوخنا يقول: إلا بطبرستان فإنها مبنية بين غياض [87 ب/ 3] وأشجار تمنع من بلوغ الصوت فيعتبر أن يصعد على بناء أو منارة بعلو الأشجار التي حواليه، لأن ذلك عارض بمنع السماع فيعتبر زواله. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه يعتبر أن يكون على موضع عال قد جرت العادة بمثله للأذان من المنارة وغيرها ولم يفصلوا هكذا وذلك أصح. وقال أبو يعقوب الأبيوردي: هل يعتبر النداء في وسط البلد أم في طرفه؟ وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يعتبر في الوسط لأن النداء في الغالب يقع في الجامع وهذا خلافه ظاهر المذهبه. فرع لو كانت قرية على قمة جبل وأخرى دونها على وجه الأرض والنداء يبلغ القرية إلى أعلى قلة الجبل، ولا يبلغ التي على وجه الأرض لا تجب الجمعة على أهل القريتين؛ لأن أهل القرية التي على قمة الجبل إنما يسمع النداء للعارض وهو ارتفاع موضعها، وإنما يعتبر سماع النداء مع زوال العارض ألا ترى أنا نراعي سكون الرياح وهدوء الأصوات، فكذلك نراعي أن لا تكون القرية على قمة الجبل، لأن بلوغ النداء إليها لارتفاعها لا لأجل ما بينهما من القرب، وعلى هذا إذا كانت قريتان إحداهما [88 أ/ 3] على وجه الأرض يبلغها النداء والأخرى دونها في وهدة لا يبلغها النداء تجب الجمعة على أهل القريتين؛ لأن النداء لا يبلغ أهل القرية التي في الوهدة لعارض وهو انخفاض موضعها هكذا ذكره القاضي الطبري، وهو الأشبه بكلام الشافعي ومذهبه. وقال أبو حامد: بالعكس من هذا فقال: لا جمعة على أهل الوهدة، لأن النادر يلحق بالغالب السائر ممن لا يسمع لبعده، ويجب على من كان على قمة الجبل؛ لأنه وإن كان نادراً في السماع يلحق بالغالب ممن يسمع لقربه من البلد وسمعت بعض أصحابنا قال: فيه وجهان. فرع قال الشافعي رحمه الله: فإن لم تكن بيوتها مجتمعة فليسيروا أهل قرية لا يجمعون بل يتمون، ولو كانت قرية كما وصفنا فتهدمت منازلها أو بعضها وبقي في الباقي أربعون رجلاً وأهلها لازمون لها ليصلحوها جمَّعوا، سواء كانوا في مطال أو غير مطال، ولو كانت بيوتها مجتمعة ولكنهم أهل خيام فليسوا من أهل الجمعة، لأن بيتهم يتنقل معهم كالمتاع والوطن لا يكون إلا بشرطين: أحدهما: أن تكون الأبنية ثابتة ويكون البناء من آجر [88 ب / 3] وجص أو حجر أو طين أو خشبة أو جريد ونحو ذلك.

الثاني: أن تكون البيوت مجتمعة على صفة متى انفصل أحد من أهلها مسافراً كان له القصر إذا فارق البناء، وقال في البويطي: لو كانت بيوتهم خياماً يستوطنونها ولا يرتحلون عنها شتاءاً، ولا صيفاً بحال فهي كالبناء سواء وعليهم الجمعة فحصل قولان: أحدهما: لا تجب لعدم البناء. والثاني: يجب للمقام والاستيطان. وقال أبو ثور: الجمعة كسائر الصلوات إلا أن فيها خطبة، فمتى كان إمام وخطيب أقيمت الجمعة، وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجتمعون فلا يعيب عليهم. واحتج أبو ثور رحمه الله أن عمر رضي الله عنه كتبه إلى أبي هريرة أن جمعوا حيث كنتم، وهذا غلط؛ لأن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بإقامة الجمعة ولا أقاموها، ولو كان ذلك لنقل، ولأنه لم يجمع بعرفة وقد وقف بها يوم الجمعة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: إن قوله تعالى: {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] نزل في يوم عرفة وكان يوم الجمعة، وأما خبر [89 أ/ 3] عمر رضي الله عنه محمول على البلد أو دار الإقامة. فإذا ثبت أنه لا يجب عليهم إقامة الجمعة بأنفسهم فإن كانوا يسمعون النداء من بلد أو قرية لزمهم أن يأتوها فيصلون معهم وإلا فلا. فَرْعٌ آخرُ الشرط في الجمعة في القرية أن تكون مجمعة الدور، فإذا تفرقت منازلهم، فإن كانت متقاربة فإنه يجب عليهم الجمعة، وحد القريب: هو أن يكون بين منزل ومنزل دون ثلاثمائة ذراع، وقيل: يعتبر بتجويز القصر عند إرادة السفر، فإن كان البعد بين المنزلين قدر إذا خرج هن منزله بقصد السفر يشترط أن يتجاوزه في استباحة القصر فهو في حد القرب، وإن كان لا يشترط أن يتجاوزه فهو خارج عن حد القرب. فرع لو خرج أهل المصر من المصر لا تجوز للإمام أن يصلي بهم الجمعة هناك. نص عليه في "الأم ". وقال أبو حنيفة رحمه الله: تجوز إذا كان قريباً منه نحو الموضع الذي حصل وصلى لصلاة العيد. وهذا غلط؛ لأنه موضع يجوز لأهل المصر قصر الصلاة فيه، فلم يجز لهم إقامة الجمعة [89 ب / 3] فيه كالبعيد. فَرْعٌ آخرُ لو خرج قوم من البلد فنزلوا بقعة استوطنوها لإنشاء قرية في بقعة يسكنوها لم يكن المكان وطناً حتى يحدثوا في البقعة بناء.

فرع لو كانت قرية بقرب بلد يسمع النداء من البلد وكانوا أربعين، وقد قل أهل البلل ونقصوا عن أربعين فعليهم الجمعة بأهل القرية فيلزمهم الخروج إلى القرية لإقامة الجمعة بها. فرع لو كان أهل البلد أقل من أربعين من أهل الجمعة، ثم أتموا أربعين أهل الجمعة، مثل أن ينزل بهم مسافرون فتموا أربعين لم يجز لهم إقامتها، وكذلك لو انجلى أهله ونزل فيهم مسافرون فكذلك لا يقيمون الجمعة بل يصلونها ظهرا أربعاً، ثم اعلم أن المزني رحمه الله نقل فقال: احتج الشافعي في اشتراط عدد الأربعين بما لا يثبته أهل الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "حين قدم المدينة جمع بأربعين رجلاً"، وهذا ليس مما اعتمد الشافعي رحمة الله عليه في هذه المسألة كما أوهم المزني، ولكن في المسألة آثار سوى ذلك، وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه في خبر جواباً، قيل له: كم كنتم؟ [90 أ/ 3] قال: كنا أربعين رجلاً، واستأنس بما روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهو من فقهاء التابعين أنه قال: كل قرية فيها أربعون رجلاً فعليهم الجمعة. وروي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كتب إلى أهل المياه بمثل ذلك، وقيل: هذا الخبر لا يثبته أهل الحديث، ولكن ثبت عند الشافعي رحمه الله، وقيل: غلط المزني على الشافعي هاهنا وغلط أصحابنا على المزني، فأما غلط المزني قوله: واحتج الشافعي بما لا يثبته أهل الحديث، وهذا حديث ضعيف ذكره الشافعي في "الأم". ولكنه لم يحتج به، وإنما احتج بحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: "كنت قائد أبي بعد ذهاب بصره، فكان إذا سمع النداء يوم الجمعة قال: رحم االله أبا أمامة أسعد بن زرارة فقلت: يا أبت إنك تترحم على أبي أمامة إذا سمعت النداء، فقال: نعم، لأنه أول من صلى بنا الجمعة في حرم البيت من جرة بني بياضة في نقيع، فقال له: نقيع الخصمات، فقلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا أربعين رجلاً. [90 ب /3] والنقيع: هو بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، فإذا نضب الماء أنبت الكلأ وفيه حديث عمر رضي الله عنه أنه حمى النقيع بالنون، وقد تصحف بعض أصحاب الحديث فيروونه البقيع بالباء. والبقيع هو موضع القبور، وجرة بني بياضة هي على ميل من المدينة، ووجه دليل الشافعي رحمة الله عليه أنهم أخروا إقامة الجمعة إلى أن بلغوا أربعين، فإن مصعب بن عمير رضي الله عنه كان ورد المدينة بمدة طويلة، وكان في المسلمين قلة قبل أسعد بن زرارة، ولأن هذه الجمعة كانت أول جمعة ما تنزع من الجمعات، فكان جميع أوصافها معتبراً فيها؛ لأن ذلك بيان لمجمل

واجب وبيان المجمل الواجب واجب. وأما غلط أصحابنا على المزني أنهم ظنوا أنه أراد بالحديث الضعيف حديث محمد بن إسحاق؛ لأن محمداً كان ضعيفاً طعن فيه مالك فقالوا: الحديث صحيح، وإن كان محمد بن إسحاق ضعيفاً؛ لأن أبا داود وأحمد بن حنبل أثبتاه ونقلاه، وقد روي هذا الخبر من جهة عبد الرزاق فلم يكن ضعف محمد بن إسحاق قادماً في تضعيف صحته. وهذا غلط على المزني، فإن المزني، لم يقل ذلك هكذا [91 أ/ 3]. فإذا تقرر فعندنا الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين على الشرائط التي ذكرناها، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ومالك وأحمد وإسحاق إلا أن عمر بن عبد العزيز اشترط أن يكون فيها والٍ، وعندنا لا يشترط ذلك والمنصوص أن الإمام أحدهم. ومن أصحابنا من قال: يعتبر أربعون سوى الإمام، وبه قال ابن أبي هريرة، وقد قال جابر رضي الله عنه: قضت السنة أن في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا. وقال أبو حنيفة: تنعقد بأربعة أحدهم: الإمام لأن هذا عدد يزيد على أقل الجمع المطلق، وبه قال الثوري، ومحمد، وقال الأوزاعي وأبو يوسف: تنعقد بثلاثة أحدهم الإمام وذكر ابن أبي أحمد في "المصباح ": أنه قول الشافعي في "القديم" ولم ينقله غيره. وحكي عن الأوزاعي أنها تنعقد بثلاث إذا كان فيهم الوالي، وقال أبو ثور تنعقد باثنين؛ لأنه تنعقد بهما الجماعة، وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلاً واحتج بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى مصعب بن عمير [91 ب/ 3] قبل الهجرة وكان مصعب بالمدينة فأمره "أن يصلي الجمعة بعد الزوال ركعتين وأن يخطب قبلهما" فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثنتي عثر رجلا، وهذا غلط لما ذكرناه. وأما خبرهم فقد قال أبو إسحاق في الشرح: إنهم كانوا أربعين فتعارضت الروايات، أو يجوز أنه كان بغير علم النبي - صلى الله عليه وسلم -. قول أبي حنيفة رحمه الله أنه يزيد على أقل الجمع المطلق لا معنى له، لأن الثلاثة والأربعة وما دونها في الجماعة سوا، لأن الاثنين يكونان، صفاً خلف الإمام كالثلاثة، وأما قول أبي ثور رحمه الله خطأ، لأن الجماعة هي شرط الجمعة، وهي مردودة من أربع إلى ركعتين بشرائطها فلا يعتبر بغيرها والله أعلم. مسألة: قال: فإن خطب بهم وهم أربعون ثم انفضوا عنه. الفصل وهذا كما قال لا يجوز أن يخطب للجمعة إلا بحضرة من تنعقد بهم الجمعة، وهم أربعون رجلاً على ما بيناه والخطيب أحدهم. وقال أبو حنيفة رحمه الله في إحدى الروايتين: يجوز أن يخطب وحده قياساً على الأذان وهذا غلط؛ لأنه ذكر هو شرط في صحة [92 أ/ 3] الجمعة فكان

من شرطه حصول العدد كتكبيرة الافتتاح. وأما الأذان فإنه يراد للإعلام والإعلام للغائبين، والخطبة من الخطاب وذلك لا يكون إلا للحاضرين، وإنما يجب أن يحضروا في الواجب منها فإذا تقرر هذا، فلو ابتدأ الخطبة بحضرة الأربعين، ثم انفضوا حتى لم يبق عنده إلا أقل من أربعين، فإن كان قبل الفراغ من الخطبة نظر، فإن أمسك عن الخطبة حتى رجعوا وكان قريباً بنى على ما مضى من الخطبة، والفصل اليسير لا يقطر الخطبة، وإن تباعد ذلك لا يجوز أن يبني على ما مضى من الخطبة، لأنها بمنزلة الصلاة الواحدةء ويلزمه أن يستأنف الخطبة ويصلي بهم الجمعة، وإن أكمل الخطبة في حال غيبتهم، أو أتى ببعض واجباتها لم يحتسب به، والمرجع في التباعد والتقارب إلى العرف والعادة كما قلنا فيمن سلم ناسياً في أثناء الصلاة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا تطاول الفصل هل له البناء على الخطبة؟ قولان وهذا ضعيف، وإن كان ذلك بعد الفراغ من الخطبة، فإن رجعوا قريباً صلى بهم الجمعة ولا يضر ما وقع بينهما [92 ب / 3] من الفصل اليسير، وإن تباعا رجوعهم نقل المزني رحمه الله هاهنا أن الشافعي رحمه انه قال: أحببت أن يبتدئ بهم الخطبة، فإن لم يفعل صلى بهم ظهراً أربعاً. واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: قال ابن سريج رحمه الله: هذا غلط وقع في النقل وإنما هو أوجب أن يبتدئ الخطبةء لأن الخطبة الأولى قد بطلت، لأن من شرط الخطبة أن تقع الجمعة عقيبها وقوله: فإن لم يفعل صلى بهم ظهراً أربعاً معناه فإن لم يبتدئ، الخطبة حتى فات وقت الجمعة ملى بهم الظهر، وهذا اختيار القفال رحمه الله، وهذا لأن الوقت إذا كان يتسع للخطبة والصلاة وهو ممن يجب عليهم الجمعة والخطبة الأولى بطلت بتطاول الفصل، يجب إقامتها واستئنافها وقيل النقل صحيح. والمراد بقوله: أحببت أي أوجبت، ويعبر عن الوجوب بالاستحباب كما يعبر عن المحرم بالمكروه؛ لأن كل واجب مستحب وكل محرم مكروه. وقال صاحب "الإفصاح ": لا يجب إعادة الخطبة؛ لأن فرضها قد أقامه فلا يجوز أن يوجب مرة أخرى، لأنا لا نأمن أن يقع في القضاء مثل ما وقع في الأداء من [93 أ/ 3] الانفضاض، ولا يجوز أن يقال يصلي الجمعة بالخطبة الأولى مع تباعد الفصل بينهما فقلنا: المستحب أن يبتدئ الخطبة ويصلي الجمعة، وإن لم يفعل ذلك لم يجب عليه وصلى بهم الظهر، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه هاهنا. وفي "الأم": وقال أبو إسحاق رحمه الله: فساد الخطبة بتطاول الفصل ليس بالبين فالمستحب أن يبتدئ الخطبة ويصلي بهم الجمعة فرضاً، فإن لم يبتدئ الخطبة، وصلى الجمعة بالخطبة الأولى أجزأتهم. وقال: وإن لم يصل الجمعة وصلى بهم الظهر

أجزأتهم أيضاً، لأن مذهب الشافعي أن جميعهم إذا صلوا الظهر وتركوا فرض الجمعة أجزأتهم وان أساؤوا، وإنما لا يصح الظهر لمن تخلف عن جمعة قد كملت بأوصافها وهذا هو اختيار أبي حامد رحمه الل. وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه لا فرق بين أن ينفضوا في أثنا، الخطبة أو بعد الفراغ منها قبل الإحرام بالصلاة في هذه الطرق، وليس كذلك بل بينهما فصل؟ لأن الخطبة هي كالصلاة الواحدة فلا يحتمل الفصل الطويل قولاً واحداً والخطبة مع الصلاة كالصلاتين [93 ب/ 3] والعبادتين فيحتمل الفصل الطويل على وجه. مسألة: قال: وإن انفضوا بعد إحرامه بهم ففيها قولان. الفصل وهذا كما قال: إذا أحرم الإمام بأربعين رجلاً فصاعداً، ثم انفضوا حتى بقي معه أقل من أربعين نص الشافعي في "الأم" على قولين: أحدهما: لا تجزيهم الجمعة بحال، وهو الأظهر وبه قال زفر، وأحمد رحمهما الله؛ لأن العدد شرط يختص بالجمعة فإذا كان شرطاً في الابتداء وجب أن يكون شرطاً في الاستدامة. والثاني: إن بقي معه اثنان حتى تكون صلاته صلاة جماعة تامة أجزأته، وهو قول أبي يوسف، لأنه أول الجمع المطلق وزاد في "الكبير"، فقال: لو كان أحد الاثنين عبداً أو مسافراً لم تجز جمعته. وقال في "القديم": إن بقي معه واحد جازت جمعته وبه قال الحسن البصري لأن الناس لما اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة لم يحكم بانعقادها إلا بالعدد المتفق وهو الأربعون، ثم إذا حكمنا بانعقادها لم يجز الحكم ببطلانها حتى يبقى ما لا تنعقد به الجمعة بالاتفاق، وهو أن يبقى فحصل ثلاثة أقوال. وحكى المزني رحمه الله [94 أ/ 3) قولين آخرين في "الجامع الكبير". أحدهما: قال سألت الشافعي عن إمام أحدث بعد أن أحرم يوم الجمعة فقال يبنون على صلاتهم ركعتين فرادى، لأنهم دخلوا منه في صلاته، قال المزني رحمه الله: فكذلك إذا انفضوا عنه وبقي وحده فإنه يجوز له أن يصلي الجمعة؛ لأنه دخل معهم في الصلاة، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من خطأ المزني قال: وإنما قال الشافعي رحمه الله ذلك في "القديم " حيث لا نقول بجواز الاستخلاف فلما منع المأمومين من نصب الإمام لأنفسهم بقاءهم على حكم الجماعة وجعل لهم أن يتموا فرادى وليس كذلك الإمام إذا انفضوا عنه فليس بتابع للمأمومين، فلم يجز أن يبقيه على حكم الجماعة بعد انفضاضهم، ومن أصحابنا من صوبه فيه. وحكي هذا عن أبي يوسف ومحمد، ووجهه أن الشيء قد يكون شرطاً في الابتداء دون الاستدامة كالنية في الصلاة والشهود في النكاح.

والقول الثاني: الذي خرجه المزني فقال: إن كان صلى بهم ركعة، ثم انفضوا صلى أخرى منفرداً، وإن لم يصل ركعة صلى أربعاً، واختار [94 ب/ 3] لنفسه هذا، وبه قال مالك رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله مثله إلا أنه قال: يكفي أن يقيدها بسجدة واحدة، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى"، وأيضاً في المسبوق يفرق بين أن يكون قد أدرك ركعة أو لا كذلك هاهنا. واحتج المزني بأن الشافعي رحمة الله عليه قال: لو صلى بهم ركعة ثم سبقه الحدث فانصرف ولم يستخلف من يصلي بهم أتموا لأنفسهم جمعة، فإذا جاز أن ينفردوا عن إمامهم بإتمامها إذا انصرف عنهم، جاز أن ينفرد هو بإتمامها إذا انصرفوا عنه. وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما بنيا على أصلهما أن المسبوق إذا أدرك جزءاً من الجمعة أتمها جمعة كذلك الإمام، وأجاب أصحابنا فقالوا: أما الخبر فنحمله على المسبوق، والفرق بين المسبوق وغيره هو أن المسبوق قد أدرك ركعة من جمعة قد صحت، وتمت شرائطها فجاز أن يبني عليها، وهذه الصلاة لم تتم بشرائطها فلم يبن عليها. وأما ما ذكر المزني قلنا: إن الشافعي لم يعتبر في هذه المسألة الركعة بل جوز البناء، وان بقي وحده، وهذا هو قوله [95 أ/ 3] "القديم" ثم المأموم تبع الإمام فجاز إذا أدى معه ركعة أن يؤدي الأخرى على متابعته، والإمام لا يتبع القوم، فإذا انفض العدد قبل الفراغ لم يجز، لأنه ليس في عدد كامل ولا تبع لعدد كامل. وأما ما ذكر أبو يوسف رحمه الله: لا نسلم فحصل من هذا طريقان: إحداهما: في المسألة ثلاثة أقوال، والثانية: فيها خمسة أقاويل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الترتيب أن يقال بقاء الأربعين هل هو شرط؟ قولان: فإن قلنا: شرط فما تلك الجماعة ثلاثة وهي الجماعة المطلقة أو اثنان وهو أقل الجمع قولان. فرع لو افتتح الصلاة بأربعين سمعوا الخطبة فجاء آخرون، واقتدوا به، ثم انفض الأولون فصلاتهم جمعة جائزة، لأنهم لما اقتدوا بالإمام التحقوا بمن سمع الخطبة، فصار كما لو كانوا ثمانين فانفض أربعون. فرع لو انفض الذين سمعوا الخطبة قبل افتتاح الصلاة، وجاء أربعون آخرون فافتتح بهم لا تجوز الجمعة، وكذلك لو ذهب واحد من الأربعين الذين سمعوا الخطبة، وجاء عشرون مكانه فإن قيل: لو افتتح بالسامعين، ثم انفضوا ثم جاء آخرون، يعني: قدر الأربعين واقتدوا به [95 ب/ 3] هل يجوز أم لا؟ قلنا: لا يجوز، فإن قيل: قد قال الشافعي رحمه الله في صلاة الخوف بخطبة: ويصلي بطائفة ركعة من الجمعة، ثم يتمون لأنفسهم، ثم يأتي بالطائفة الثانية فيتم. قلنا: صورة ذلك أنه خطب بهم كلهم أو صورته أنهم جاؤوا،

واقتدوا به، ثم أتم الأولون وانصرفوا إلى وجاه العدو. ذكره القفال. مسألة الزحام: قال: ولو ركع مع الإمام ثم زحم فلم يقدر على السجود حتى قضى الإمام سجوده. الفصل وهذا كما قال: إذا أحرم الإمام فقرأ وركع ورفع، فلما سجد الإمام في هذه الركعة زحم المأموم عن السجود فلم يمكنه السجود على الأرض، وأمكنه السجود على ظهر إنسان لم يجز له تركه إلا لعذر نص عليه في "الأم". وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. ومن أصحابنا من قال فيه قول أخر: قاله في "القديم" هو بالخيار إن شاء سجد على ظهره، وإن شاء صبر حتى يزول الزحام، ثم يسجد على الأرض، لأنه قد تقابلت هاهنا فضيلتان فضيلة التابعة إذا سجد في الحال على ظهر إنسان، وفضيلة السجود على الأرض كاملاً فيتخير [96 أ/ 3] بين الفضيلتين، وهذا قول الحسن رحمه الله، وقال مالك رحمه الله: لا يجوز أن يسجد إلا على الأرض ويؤخره حتى يقدر عليه، وبه قال عطا، والزهري رحمهما الله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تمكن جبهتك من الأرض" وهذا غلط، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه "، ولا يعرف له مخالف. وروي عن زياد بن جابر أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه فقال: "إنا نروح يوم الجمعة، فلا يدري أحدنا أين يضع جبهته؟ قال: ضع جبهتك حيث أدركت، وعلى ظهر أخيك، فإن أخاك ليس بنجس"، ولأن المريض إذا عجز عن السجود على الأرض يسجد على حسب حاله ولا يؤخر، وإن كان في التأخير فضيلة السجود على الأرض كذلك هاهنا وخبرهم محمول على حالة القدرة؛ ولأن أكثر ما فيه أن موضع سجوده هو أولى من موضع وقوفه، وهذا لا يضر كما لو كان في موضع منهبط من الأرض وسجد على دكة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كان ظهره منخفضا بحيث يكون سجوده أخفض من ركوع القاعد حتى يشبه هذا الساجد [96 ب/ 3] الساجدين، فأما إذا كان الظهر مرتفعاً حتى يخرج هذا الساجد عن صورة الساجدين لا يجوز وهذا غير صحيح: لأنه لا يعتبر ذلك لأجل الضرورة وعليه يدل كلام الشافعي رحمه الله، فإذا تقرر هذا فإن ترك السجود على الظهر ونوى الخروج من الصلاة هل تبطل صلاته على ما سنبين، وإن لم ينو مفارقة الإمام والخروج من صلاته بطلت صلاته قولا واحداً، وإن لم يقدر على السجود بحالٍ حتى سجد الإمام وقام في الركعة الثانية ثم زالت الزحمة، فإن أدرك الإمام قائماً فإنه يشتغل بقضاء ما قاته من السجود قولاً واحداً ويجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -

أجاز هذا في صلاة الخوف بعسفان لتسجد الطائفة الأولى معه فإذا فرغوا من السجدتين سجد الطائفة الثانية منفردين للعذر وها هنا العذر موجود، وهذا لأن المخالفة في الركن الواحد لا يعتبر كالمسبوق إذا أدرك من صلاة الإمام ركعتين وهما الركوع والسجود وفاته ركن واحد، وهو القراءة كان مدركاً للركعة وكان ما فاته من الركن الواحد لا اعتبار به فكذلك ها هنا، وعلى هذا [97 أ/ 3] يستحب للإمام إذا علم أن خلفه من فاته السجود أن يطول القراءة حتى يقضي المأموم ما عليه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل في صلاة الخوف بعسفان. قال في "الأم": وكذلك من فاته السجود مع إمامه لعذر أو مرض أو سها عنه إن قدر عليه قبل أن يركع إمامه في الركعة الثانية فله أن يسجد ويلحق بإمامه، لأنه يجوز أن يكون بينهما اختلاف في ركن واحد فإذا فرغ من قضاء السجود الذي قد فاته وقام، فإن قلنا إن المأموم لا يقرأ خلف الإمام في صلاة الجهر فإنه يتبع الإمام فيما هو فيه سواء كان الإمام قائماً أو راكعاً وإن قلنا: يلزمه أن يقرأ خلف الإمام بكل حال فيلزمه ها هنا أن يقرأ، ثم يركع معه فصار مدركاً للركعتين، وان لم يدرك مقدار ما يقرأ فيه. اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يتبع الإمام في الركوع كما لو أحرم الإمام، وقد قرأ بعض الفاتحة فقبل أن يتمها ركع الإمام فإنه يتبعه في الركوع، ويتحمل عنه الإمام القراءة فكذلك هاهنا. ومنهم من قال: لا تسقط القراءة عنه هاهنا لأنه قد مر عليه وقت القراءة ويفارق [97 ب/ 3] المسبوق؛ لأنه لم يمر عليه وقت القراءة، فعلى هذا تتم القراءة وتلحق الإمام أينما وجده، وهذا اختيار القفال والأول أصح وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة؛ لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: يتبع الإمام إذا قام فأمره بمتابعة الإمام إذا قضى السجود، ولأنه لم يدرك من القيام ما أمكنه أن يقرأ فيه تمام القراءة فأشبه المسبوق، فإذا ثبت إنه يتبع الإمام في الركوع فتبعه ثم سلم الإمام وسلم هو معه صار مدركا للجمعة. وقال ابن سريج رحمه الله: وعلى هذا كل من أحرم خلف الإمام وأخذ في القراءة، فخاف إن كملها رفع الإمام وكان بطيء القراءة خلف إمامه فركع إمامه قبل أن يكمل هو القراءة وخاف أن يرفع قبل أن يركع معه هل يقطع القراءة ويتبعه؟ وجهان: وإن زال الزحام بعد أن ركع الإمام في الركعة الثانية، وفرغ من الركوع ورفع فإنه يتبعه في السجود قولاً واحداً؛ لأن عليه السجود فكان متابعة الإمام فيه أولى من انفراده عنه به، ولا فرق بين أن يكون قائماً بعد الركوع في الاعتدال أو ساجداً. وقال أبو حنيفة: لا يتبعه ويشتغل بقضاء ما عليه [98 أ/ 3] فإذا تبعه في السجودين حصلت له مع الإمام ركعة بسجدتيها إلا أنها ملفقة من ركعتين هل يكون مدركاً للجمعة فيه وجهان:

أحدهما: أنه يكون مدركاً وهو الصحيح، وبه قال أبو إسحاق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى". والثاني: أنه لا يكون مدركا للجمعة وبه قال ابن أبي هريرة، لأنها مبنية على الكمال فلا يدركها إلا بركعة كاملة، والملفقة ليست بكاملة فيصلي الظهر، وهذا لا يصح على الكمال فلا يدركها إلا بركعة كاملة لأن المسبوق يصلي من الأولى مع الإمام، والإمام يصلي الثانية ولا يمنع ذلك من الاحتساب، فكذلك هاهنا اتبعه في السجود، وان اختلفا في الاحتساب، فإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة: هل يجوز أن يبني عليها صلاة الظهر أم يستأنفها، اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن أبي هريرة: فيه وجهان بناء على القولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة، وفيه قولان فإذا قلنا: هناك يجوز فهاهنا يبني على هذه الركعة ثلاث ركعات أخر، وان قلنا: بقوله إن من إن من صلى الظهر [98 ب /3] قبل فراغ الإمام من الجمعة لا يجوز فهذه الركعة باطلة فعليه أن يستأنف الظهر أربع ركعات. ومن أصحابنا من قال: له أن يبني عليها قولاً واحداً، لأنه معذور، والمعذور إذا صلى الظهر قبل الإمام يجوز قولاً واحداً ولأن القولين فيمن ترك الجمعة وصلى الظهر منفرداً وهذا دخل مع الإمام في الجمعة فلا يلزمه إعادة ما فعل معه، وأصل هذا أن الزحام هل يجعل عذراً؟ منهم من قال: هو بعذر كالمزمن فيبني قولا واحداً، ومنهم من قال: ليس بعذر، لأن أعذار الجمعة أغراض مانعة، والزحام ليس منها، وإن زال الزحام بعد أن سلم الإمام. قال في "الأم": سجد وصلى الظهر أربعاً، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، والجمعة لا تدرك إلا بكمال ركعتين بسجدتين، وقيل: هذا يبني أم يستأنف ظهرا؟ على طريقين، والمذهب أنه يبني عليها، وقد نص هاهنا صريحا فلا معنى للطريقة الأخرى، وإن زال الزحام وقد ركع الإمام في الركعة الثانية ولم يفرغ بعد هل يشتغل بعض ما عليه من السجود أم يركع؟. قال في "الأم": ركع مع الإمام ولم يكن له أن يشتغل [99 أ/ 3] بالسجود إلا أن يخرج من إمامة الإمام. وقال في "الإملاء": فيه قولان: أحدهما: أنه لا يتبعه ولو ركع حتى يفرغ مما يقضي عليه. والثاني: إن قضى ما فاته لم يعتد به ويتبعه مما سواه فحصل فيه قولان، وجه الأول وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" والائتمام به أن يصنع كصنعه، ولأنه زحم عن السجود فإذا قدر عليه يلزمه الاشتغال بقضاء ما عليه من السجود، كما لو زال الزحام قبل الركوع، ووجه القول الثاني، وهو قول مالك رحمه الله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تختلفوا على أئمتكم" ولأنه قال: "فإذا ركع فاركعوا" وهذا ركع ولأنه أدرك الإمام راكعا فيلزمه متابعته في الركوع، كما دخل في

الصلاة والإمام راكع، فإذا قلنا: يتبع فركع مع إمامه، فقد صار مواليا بين الركوعين فهل يحتسب بالركوع الأول أم بالركوع التاني؟ قال أبو إسحاق رحمه الله فيه قولان: أحدهما: يحتسب له بالركوع الثاني: لأن الركوع الأول لم يعقبه السجود، وإنما السجود يعقب الركوع الثاني فكان أولى بالاحتساب به، ولأنا أمرناه [99 ب / 3] بهذا الركوع مع علمنا بالركوع الذي قبله فوجب أن يكون محسوباً له. والثاني: يحتسب له بالركوع الأول وهذا أقيس القولين وأصحهما، لأن الأول قد صح فلا يلغو بترك ما بعده، كما لو ركع ونسي السجود وقام وقرأ وركع ثم سجد كان السجود مضافاً إلى الركوع الأول كذلك هاهنا. وأما قول الشافعي رحمه الله: فيركع معه في الثانية، وسيقط الأخرى يحتمل أنه أراد وتسقط الأولى، لأنه إذا كان في ذكر الثانية فالأخرى أولى، ويحتمل أنه أراد وتسقط الثانية لأنها هي الأخرى في الحقيقة. فإذا قلنا: يحتسب بالركوع الثاني فإنه يحصل له الركعة الثانية ويلغي الركعة الأولى ويكون مدركاً للجمعة قولاً واحداً، فإذا سلم أتى بركعة ويتشهد ويسلم. وإذا قلنا: يحتسب بالركوع الأول فقد حصلت له ركعة ملفقة، لأن القيام والقراءة والركوع يحصل من الركعة الأولى ويحصل السجود من الركعة الثانية، فهل يكون مدركا للجمعة على ما ذكرنا، فإذا تقرر هذا فإن قلنا: يركع مع الإمام ويتابعه فخالف واشتغل بالسجود فلا يخلو من ثلاثة أحوال؛ فإن كان جاهلاً به لا تبطل صلاته بما فعله. فإذا [100 أ/ 3] فرغ من السجود، فإن أدرك الإمام راكعا بعد فإن كان قد طوله فإنه يركع معه، وهل يحتسب بالركوع الأول أم الثاني؟ قولان على ما بيناه، ويكون الحكم فيه كما لو تابع، ولم يخالف حرفا بحرف ويلغي ما فعله بالجهل، وإن أدركه ساجداً يتبعه في السجود ويكون السجود المعتد به هو الباقي الذي عمله مع الإمام دون ما انفرد به، وتحصل له ملفقة، وهل يكون مدركاً للجمعة بها على ما بيناه، وإن أدركه جالساً في التشتهد فإنه يتبعه فيه ولا يكون مدكاً للجمعة، لأنه أدرك معه أقل من ركعة، وهل يبني الظهر عليها أم يستأنف؟ على ما ذكرنا، وإن كان علم أن عليه إتباع الإمام إلا أنه اشتغل بالسجود ونوى مفارقة الإمام وهو الحالة الثانية هل تبطل صلاته؟ يبنى على القولين فيمن أخرج نفسه من صلاة الإمام من غير عذر، فإن قلنا: تبطل صلاته فهاهنا تبطل أيضاً، وإن قلنا: لا تبطل فهاهنا هل تبطل؟ وجهان مبنيان على قولين فيمن صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة. قال أبو إسحاق رحمه الله: ومن أصحابنا من قال هاهنا لا تبطل قولاً واحداً، لأنه لما قصد بإخراج نفسه من صلاته قضى ما عليه [100 ب / 3] من السجود، وتكميله صار في معنى المعذور، وصار بمنزلة المكبر بالظهر وهو مريض قبل صلاة الإمام، ثم صح من مرضه في صلاته فلا يفسد عليه، وإن كان مصليا في حال يصلي الإمام الجمعة. وهذا غلط؛ لأن هذا التخريج إنما يصح إذا كان جاهلاً وهو القسم الأول، وكلامنا إذا تعمد إخراج نفسه من صلاته، وهو يعلم أن عليه إتباعه فلا يشبه هذا ما أورده من

النظير. فإذا قلنا: إنه يجوز من الظهر، ظاهر المذهب أنه يحتاج إلى تحديا النية للظهر. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يحتاج إلى تجديد النية للظهر أم يكفي الثبات على النية الأولى؟ وجهان: وهذا بناء على أن الجمعة ظهر مقصور أو فرض مبدأ وإن علم عليه إتباع الإمام إلا أنه اشتغل بالسجود ولم ينو به مفارقة الإمام، وهو الحالة الثالثة تبطل صلاته قولاً واحداً، لأنه خالفه مع اقتدائه، ومنزلته منزلة رجل أدرك الركعة الثانية مع الإمام فنسي الإمام التشهد، فقام يقعد هو يتشهد لنفسه من غير نية الخروج من صلاته، أو كمن قدم السجود على الركوع فإنه تبطل صلاته كذلك هاهنا، هذا كله إذا قلنا عليه متابعة الإمام في الركوع. فأما إذا قلنا: عليه الاشتغال بقضاء السود [101 أ/ 3] فإذا فسجد فإذا فرغ من السجود فإن أدركه راكعاً ركع معه وتبعه فيما سواه فإذا سلم الإمام سلم معه، وقد أدرك الجمعة وإن أدرك الإمام ساجدا سجد معه ولا يحتسب به، وقد حصلت له الركعة الأولى، وهل يدرك بها الجمعة؟ وجهان: أحدهما: يدرك وهو اختيار أبي إسحاق، لأن ما يأتي به من السجود والإمام في الصلاة فكأنه أتى به مع الإمام. والثاني: لا يكون مدركا لها، وهو قول ابن أبي هريرة، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة فعلا لأنه يسجد بعد الركوع في الركعة الأولى منفرداً بفعله غير متابع فيه لإمامه، ولكن حصلت المتابعة والإدراك حكماً فهي ركعة ناقصة، فيكون حكمها حكم الركعة الملفقة على ما ذكرنا. هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال غيره: إذا أدركه ساجداً هاهنا هل يتبعه أم يقضي ما عليه؟ وجهان: أحدهما: يقضي ما عليه لأن هذا التفريع على قول القضاء، وهو الصحيح يتابعه، لأنه لم يدرك سبباً من هذه الركعة، فيتابع الإمام فيما وجده بخلاف ما إذا زحم عن السجود، في الركعة الأولى يقضي هناك السجود، لأنه أدرك شيئاً من تلك الركعة فجاز [101 ب/101 ب/] أن يقضي السجود ليتمها بخلاف هذا، فإذا قلنا: إنه لا يقضي فيتابع فالحكم ما ذكرنا، وإن أدركه في التشهد فالحكم فيه كما لو أدركه ساجدا على ما بيناه، وإن كان قد سلم الإمام قبل أن يكمل هو السجدتين فلا يختلف أصحابنا أنه لا يكون مدركاً للجمعة. ونص عليه في "الأم "، ويكون فرضه الظهر وهل يبني أم يستأنف؟ على ما ذكرنا من الطريقين. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنه يصير مدركاً للجمعة قولاً واحداً، وهذا غلط ظاهر هذا إذا قضى ولم يخالف، فأما إذا خالف وتابع إمامه في الركوع ولم يشتغل بقضاء ما عليه، فإن كان عالما بأن فرضه السجود فتركه تبطل صلاته قولاً واحدا كمن والى بين ركوعين عامداً تبطل صلاته، فيستأنف الإحرام ويدخل معه في الركوع حتى يدرك الجمعة وإلا فلا يكون مدركاً، وإن كان جاهلاً بذلك فظن أن عليه إتباع الإمام فركع معه لا تبطل صلاته قولاً واحداً، ويكون الركوع الثاني مع الإمام لغوا لا يعتد به، فإذا سجد مع الإمام سجدتين انضافت السجدتان إلى الركوع وتمت له ركعة بسجدتيها

إلا أنها ركعة ملفقة [102 أ/ 3] فيكون الحكم على ما ذكرنا. فإذا تقرر هذا اختار المزني أحد هذين القولين فقال: الأول أشبه بقوله قياساً على أن السجود إنما يجب له إذا جاء والإمام يصلي بإدراك الركوع، ويسقط بسقوط إدراك الركوع فاختلف أصحابنا فيما اختاره المزني من هذين القولين فمنهم من قال: أراد بالأول ما حكاه أولاً قبل حكاية "الإملاء"، وهو أنه يركع مع الإمام في الثانية، ويدع ما زحم عنه، ويدل عليه ما حكاه بعد ذلك عن الشافعي رحمه الله من مسألة السهو: وهي أنه لو سها عن الركعة الأولى بعد الركوع مع الإمام، ثم ظهر له عند ركوع الإمام في الركعة الثانية، قال في "الأم": ركعها معه وقضى التي سها، وهذا لا يختلف القول فيه ويفارق هذا الزحام؛ لأن السهو أتى من جهته فكان منسوباً إلى التفريط فيه فلم يجز له أن ينفرد عن الإمام لقضاء ما عليه. وقال القاضي أبو حامد رحمه الله: يجب أن تكون مسألة السهو على قولين أيضاً كالزحام وليس كذلك، والفرق ظاهر. وعلى هذا معنى قوله قياساً على أن السجود إنما يحسب له بإدراك الركوع [102 ب / 3]، أي: إن هذا المزحوم قد أدرك الركوع في الثانية فوجب أن يركع معه ليحسب له السجود، ومنهم من قال: بل أراد المزني أول القولين في "الإملاء" وهو أنه لا يتبع بل يقضي بدليل قوله: قياساً. على السجود يحسب له بإدراك الركوع، يعني هذا المزحوم قد أدرك مع الإمام الركوع من الركعة الأولى فعلى هذا معنى مسألة السهو أي: أن هذا لم يسنه عن الركعة الأولى حتى يؤمر بمتابعة الإمام فيما بقي بل كان معذوراً فيما زحم عنه عالماً به غير ساه، فليس له تركه إذا أمكنه والله أعلم. وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد بمسألة السجود إذا لم يكن قد ركع في الركعة الأولى، وهذا غلط لأنه نص فيما لو ركع على ما ذكرنا. فرع لو زحم المأموم عن السجود في الركعة الأولى حتى قضى الإمام سجوده، وقام الإمام فزال الزحام فسجد فلحق الإمام في القيام، فلما ركع الإمام في الثانية، ركع معه، فلما سجد الإمام زحم المأموم عن السجود حتى قضى الإمام سجوده وتشهد، فزال الزحام، وسجد سجدتين قبل أن يسلم الإمام، فإن [أل/ 103 _ 3] هذا قد حصلت له ركعتان، وهل يدرك بهما الجمعة؟ قال أبو إسحاق: يدرك بهما الجمعة، وهو اختيار أبي حامد؛ لأن المأموم إذا تأخر سجوده عن الإمام بالعذر كان كما لو سجد معه. وقال القاضي الطبري فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يدرك بهما الجمعة لأنه لم يأت بركعة بسجدتيها مع الإمام، وإنما أتى بالسجود في الركعتين جميعا منفرداً به، وقال أبو حامد: وكذلك لو تأخر أخر سجوده عن الإمام حتى سلم الإمام فإنه إذا

كان بعذر كان كما لو سجد معه وهذا صحيح. فرع لو زحم المأموم عن الركوع في الركعة الأولى فلم يقدر على الركوع حتى ركع الإمام ثم زال الزحام والإمام في الركوع الثاني، فإنه يتبعه في الركوع قولا واحداً، لأن الركوع فرضه فكان متابعته به أولى، فإذا ركع معه وسجد تشهد معه، فإذا سلم الإمام قضى ركعة أخرى وبني عليها ويكون مدركاً للجمعة قولاً واحداً، لأنه أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها. وقال القاضي الطبري رحمه الله: هي ملفقة فهل تحصل له الجمعة؟ [103 ب/3] على الوجهين، والأول أصح وهو اختيار أبي حامد. فَرْعٌ آخرُ لو دخل رجل والإمام في الركوع من الركعة الثانية، فدخل معه فلما سجد الإمام زحم عن السجود، ثم زال الزحام فسجد، ثم تبع الإمام في التشهد فهل يكون مدركاً للجمعة بهذه الركعة؟ على الوجهين، ولو لم يزل الزحام حتى سلم الإمام لم يكن ماركا للجمعة وجهاً واحداً، وغلط بعض أصحابنا بخراسان وذكر فيه وجهاً آخر وليس بشيء. مسألة: قال: ولو أحدث في صلاة الجمعة فتقام رجل بأمره أو بغير أمره، وقد كان دخل مع الإمام قبل حدثه فإنه يصلي بهم ركعتين. وهذا كما قال: إذا أحدث الإمام في الصلاة، فهل يجوز له أن يستخلفه؟ قولان: أحدها: لا يجوز نص عليه في "القديم" و"الإملاء" لأنه يؤدي إلى تناقض الأحكام، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم بأصحابه وهو جنب ثم تذكر، فقال لأصحابه: "كما أنتم " ومضى ورجع ورأسه تقطر ماء ولم يستخلف، فدل أنه لا يجوز. والثاني: يجوز نص عليه في "الأم ": وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق [104 أ/ 3]، والدليل عليه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "استخلف أبا بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاة، ثم وجد خفة فخرج يهادي بين اثنين فدخل المسجد، وأبو بكر يصلي بالناس، فتقدم وصلى بهم وتأخر أبو بكر"، فصار النبي - صلى الله عليه وسلم - إماما بعد أن لم يكن إماماً لهم. وما ذكروه لا صحة فيه، لأن الاستخلاف جائز ويجوز أن لا يستخلف ويعود سريعا فيصلي بهم، وعندنا لا فرق بين أن يكون عند سبق الحدث أو حدث العمد. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز إلا عند سبق الحدث، ولو أحدث عمداً تبطل صلاة المأمومين، وعندنا لا فرق بين أن يستخلف هو أو يستخلف واحد من المأمومين من غير أمره، أو يقدم واحد من غير استخلاف واحد. وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا

سبقه الحدث ولم يستخلف هو بطلت صلاتهم، ولو خطب واحد وصلى آخر صلاة الجمعة هل يجوز؟ قولان مبنيان على هذين القولين: أحدهما: لا يجوز لأن الخطبتين كركعتين، والثاني: وهو الأصح يجوز، فإذا قلنا: لا يجوز فإن كان حدثه قبل افتتاح الصلاة لم يجز أن يقدم [104 ب/3] واحد، فإن كان رجوعه قريباً أشار إليهم أن امكثوا وخرج هو وتطهر ورجع وينو عليه وإن كان يطول، فقد حكي المزني رحمه الله عن الشافعي رحمة الله عليه في "الجامع الكبير": أن الإمام إذا أحدث في صلاة الجمعة فإنهم يصلون فرادى ركعتين. قال أبو إسحاق رحمه الله: يشتبه أن يكون هذا علي هذا القول فبقاءهم على حكم الجمعة حيث منعهم من أن ينصبوا إماماً غير الأول إتباعاً له. وحكى المزني رحمه الله في "جامعه الصغير" أنه إن كان هذا بعد أن صلى بهم ركعة أتموها جمعة، وإن كان قبل ذلك أتموها ظهراً، أو ينقضوها ويستأنفون الجمعة، بأن يأمروا واحداً يخطب بهم ويصلي الجمعة، وهذا أصوب قياساً على المسبوق وإن كان هذا في سائر الصلوات أتموا لأنفسهم بكل حال. وإذا قلنا: إنه يجوز الاستخلاف فإن كانت جمعة، فإن استخلف في أثناء الخطبة فغيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الخطبتين كركعتين، والثاني: لا يجوز لأنها ذكر للصلاة قبلها فلا يجوز أن يستخلف فيه، كالأذان، وان كان الاستخلاف [105 أ/ 3] بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الإحرام بالجمعة، فإن استخلف من حضر الخطبة جاز، لأنه من أهل الجمعة وأصل فيها ألا ترى أنه لو خطب بهم وهم أربعون فقبل أن يحرم بهم أحرم بهم غير الإمام الخطيب صح، ولو استخلف من لم يحضر الخطبة لا يجوز، لأنه ليس من أهلها، بدليل أنه لو خطب بأربعين فحضر أربعون بعد الخطبة فعقدوا الجمعة بنا، على خطبة هذا الإمام لا يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في هذا قولان: وفيه نظر وإن كان الاستخلاف بعد افتتاح الصلاة فإن لم يكن أحرم معه بها قبل حدثه لا يجوز سواء حضر الخطبة أو لم يحضرها. نص عليه في "الأم"؛ لأنا نراعي قبل الإحرام بالصلاة من حضر الخطبة وبعد الإحرام بها من دخل معه في الصلاة. وقال صاحب "الإفصاح": ويحتمل عندي أن يجوز قيامه على ما قال الشافعي في جواز صلاة الجمعة خلف الصبي في أحد القولين؛ لأن صلاة الصبي نافلة، وإذا جاز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي نافلة، جاز أن يصلي خلف من يصلي [105 ب/ 3] الظهر، وهذا هو خلاف النص وإن استخلف من كان قد أحرم بالصلاة قبل حدثه، فإن كان في الركعة الأولى كان تقديمه سواء كان قد أحرم قبل الركوع أو بعده وسواء كان قد حضر الخطبة أو لم يحضر، نص عليه في "الأم"؛ لأنه إذا حضر الخطبة كمل

بنفسه وصلى وهو ممن تنعقد به الجمعة، وإذا لم يحضر الخطبة فإنه علق صلاتة على صلاة الإمام قبل حدثه، فصار كاملاً بإمامته على طريق التبع له، وصار من أهل الجمعة بإحرامه قبل حدثه فجاز تقديمه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال في البويطي: إذا سبقه الحدث في الصلاة لا يستخلف إلا من سمع الخطبة ففي المسألة قولانء وإن كان في الركعة الثانية، فإن كان بعد الركوع فاستخلف من أدركه. قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فرضه الظهر، لأنه أدرك من الجمعة أقل من ركعة، ولا يجوز أداء الجمعة خلف من يصلي الظهر، وخرج صاحب "الإفصاح" وجهاً آخر أنه يجوز تقديمه فيكون له الظهر ويكون للمأمومين الجمعة، وإن كان قد أدركه هذا الخليفة قبل أن يفوته الركوع في الركعة الثانية، أما قبل الركوع [106 أ/ 3] أو في حال الركوع فإنه يجوز تقديمه، لأنه صار كاملا بإمامه من أهل الجمعة بإحرامه خلف الإمام الخطيب قبل حدثه، فجاز أن يكون إماماًأ لهم في فعل الجمعة. وذكر الشافعي رحمة الله عليه. مسألة: في الإمام وصورتها: إذا خطب الإمام يوم الجمعة، ثم أحرم بالصلاة وأحرم الناس خلفه، ثم أحدث فقدم رجلاً لم يدرك الخطبة إلا أنه كبر خلفه قبل الركوع في الركعة الأولى وقبل حدثه فصلى الثاني بالناس تمام الركعة، ثم أحدث فقدم رجلا أدرك معه الركعة الأولى فصلى هذا الإمام الثالث ركعة أخرى وسلم ويسلم الناس خلفه، وتكون جمعة له ولهم ولمن أدرك الركعة الأخيرة من صلاته، وإن كان هذا الثالث لم يدرك الركعة الأولى وإنما أدرك الركعة الأخيرة. قال الشافعي رحمه الله: يصلي بهم ركعة أخرى، ثم تقدم من يسلم بهم من أدرك من أول الصلاة ويضيف هو إلى الركعة التي صلاها ثلاث ركعات تكون له ظهراً، قال القاضي الطبري: هذا يخالف أصله، لأنه يدل على جواز الجمعة خلف من يصلي الظهر [106 ب/ 3] ومذهب الشافعي أنه لا يجوز ويدل أيضا على أن المأموم إذا أدرك الركعة الثانية من الجمعة ثم أحدث الإمام فاستخلفه لم تجز جمعته؛ لأنه لم يدرك الركعة الأولى وإذا لم تجز جمعته يجب أن لا يجوز تقديمه لما ذكرنا أن الجمعة خلف الظهر لا يجوز فتخرج في المسألتين قولا آخر لأجل هذه المسألة ويمكن أن يقال في هذه المسألة الأخيرة انعقدت صلاته جمعة فجاز تقديمه ولم تجز جمعته، لأنه لم يكمل بنفسه إذا لم يدرك الركعة الأولى، ولم يكمل بإمامه؛ لأن إمامه لم يحضر الخطبة وإنما هو تابع للإمام الأول. وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: مذهب الشافعي أنه جائز ويكون له ظهراً ولهم جمعة لهذه المسألة، قال القفال رحمه الله: وأعجب منه أن الشافعي رحمة الله عليه قال: لو أدرك مسبوق هذا الخليفة في الركعة الثانية التي استخلف فيها صحت جمعته، فجوز جمعة المسبوق ولم يجوز به جمعة الخليفة، فإن قيل: قد أدرك هذا المستخلف ركعة من الجمعة فكيف يكون فرضه الظهر؛ ولو أدرك المأموم ركعة [107 أ/ 3] ابتداء

كان له الجمعة؛ قلنا: الفرق ما ذكره الشيخ أبو حامد رحمه الله قال: إذا أدرك معه ركعة وسلم إمامه فقد أقيمت الجمعة فصح أن يضيف إليها أخرى، وليس كذلك المستخلف؛ لأنه فارق القوم قبل أن أقيمت الجمعة فكان فرضه الظهر، فخرج من هذا أنه إن استخلف من أدرك معه الركعة الثانية يجوز قولاً واحداً. ذكره أبو حامد، وعلى قول بعض أصحابنا قولان: لأنه يصلي ظهراً على قول، وفي الجمعة خلف الظهر قولان. وهل يصلي هو جمعة أو ظهراً؟ قولان: وإن لم يكن أدرك معه ركوع الثانية هل يجوز استخلافه قولان. وقال ابن سريج رحمه الله في جواز ظهره: يحتمل أن يقال قولان، لأنه ظهر مع القدرة على الجمعة إذ يمكنه أن لا يتقدم حتى يتقدم من أدرك الركعة الأولى، ويحتمل أن يقال: يجوز قولاً واحداً لأنه معذور في التقدم هذا كله في صلاة الجمعة، فأما في سائر الصلوات على القول الذي يجوز الاستخلاف لا يخلو حدثه من أحد أمرين، فإن كان قبل الركوع يجوز له أن يقدم غيره سواء كان قد أحرم [107 ب/ 3] قبل حدثه خلفه أو لم يحرم ويخالف الجمعة، لأنه لا يجوز أن يكون خليفته في صلاة الجمعة من ليس في صلاة الجمعة؛ لأنه إذا لم يعلق صلاته على صلاة الإمام قبل حدثه يلزمه أن يصلي الظهر فلم يجز تقديمه في صلاة الجمعة بخلاف سائر الصلوات، لأنه ليس من شرطها الدخول في صلاة الإمام فيمن لم يحرم خلفه يصلي تلك الصلاة، كمن أحرم خلفه فاستوي من أحرم خلفه ومن لم يحرم، وإن كان ذلك بعد الركوع في الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فإن قدم من أحرم بالصلاة قبل حدثه جاز، لأنه لما أحرم مع إمامه لزمه ترتيب الإمام، فإن لم يكن أحرم معه فإن كان إذا أحرم معه كان على ترتيب الإمام مثل إن استخلف في الثالثة من الظهر صح، وإن كان يخالف ترتيب الإمام مثل إن استخلف في الثانية أو الرابعة أو الثالثة من المغرب لا يجوز لأنه يخالف ترتيب الإمام، وهو لم يعلق صلاة نفسه على صلاته في حال إمامته حتى يجوز له ترك ترتيب صلاة نفسه وحين جوزنا الاستخلاف إذا [108 أ/ 3] كان قبل حدثه فعل معه في الركعة الثانية مثلاً فترك ترتيب نفسه، ويراعي ترتيب الإمام، لأنه في حكمه هذا إذا استخلف من خرج من الصلاة قبل الفراغ، فأما بعد الفراغ إذا أراد أن يستخلف المسبوق فقد ذكرنا فيما تقدم. فرع قال الشافعي رحمه الله في "الأم ": لو صلى الإمام بأربعين رجلاً فصاعداً الجمعة، ثم ذكر بعد الفراغ منها أنه كان جنبا أو محدثاً، فإن صلاة المأمومين صحيحة؛ لأن المأموم إذا صلى خلف إمام جنب، ولم يعلم بجنابته فإنه تجوز صلاته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وذكر ابن أبي أحمد فيه قولا مخرجاً أنه لا تجوز جمعتهم، لأن الإمام فيها شرط ولم يحصل، وهذا غلط لأن الجماعة شرط، وقد حصلت كما أن للإمام شرط في الجماعة في غير الجمعة، بفساد صلاته لا تفسد جماعتهم. وأما الإمام فصلاته باطلة وعليه أن يتطهر ويعيد الظهر، فإن أعاد الخطبة بطائفة منهم الجمعة لا يجوز، لأن المأمومين أدوا الجمعة مرة فلا يجوز لهم فعلها مرة أخرى، ولهذا لا يجوز أن يصلي الجمعة بطائفة أخرى لم [108 ب/ 3] تصل الجمعة، لأن فرض الجمعة قد أدي مرة. قال الشافعي رحمه الله: فإن لم يعلم وأعاد الخطبة وملى بطائفة منهم الجمعة، ثم علم أن فرضه الظهر فإنه يستحب أن يستأنف، ولو بنى عليها أجزأه، لأن نية الجمعة تجوز أن يؤدي بها صلاة الظهر، ويخالف هذا المسافر إذا نوى القصر ثم نوى الإتمام، فإنه لا يستحب له أن يستأنفها والفرق من وجهين: أحدها: أن في الابتداء يتخير بين القصر والإتمام وهاهنا لا يتخير. والثاني: أن المسافر نوى الظهر التي هي فرضه بعينها وهذا قد نوى الجمعة ولم ينو الظهر فافترقا، وإن كانوا مع الإمام أربعين رجلاً لا تنعقد الجمعة وصلاتهم باطلة، وعليه أن يتطهر ويعيد الخطبة والصلاة بهم. فَرْعٌ آخرُ لو علم الإمام أن الأربعين كلهم محدثون أعادوا الظهر دون الإمام، ولو كانوا عبيداً يعيدون بأجمعهم. فرع إذا جوزنا الاستخلاف فهل يجوز من غير عذر؟ قال القاضي أبو حامد: فيه قولان. مسألة: قال: ولا جمعة على مسافر ولا عبد. الفصل وهذا كما قال: إذا دخل المسافر بلداً في يوم الجمعة وهو [109 أ/ 3] مجتاز لا ينزل فيه أو نزل ليرحل دون أربعة أيام لا تجب عليه حضور الجمعة للخبر الذي ذكرنا. وروى رجاء بن مرجى الحافظ في سننه عن تميم الداري رضي الله عنه: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجمعة واجبة إلا على خمسة: امرأة، أو صبي، أو عبد، أو مريض، أو مسافر"، ولأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى الجمعة في أسفاره، وقال الزهري والنخعي رحمهما الله: إذا سمع النداء وجبت عليهم الجمعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الجمعة على من سمع النداء"، وهذا مخصوص بما ذكرناه، ولو حضر الجمعة كان أولى ولا

تنعقد به الجمعة. وقال أبو حنيفة رحمه الله: تنعقا به الجمعة حتى قال: لو اجتمع المسافرون وأقاموا الجمعة، ولم يختلط بهم غيرهم جاز وهكذا قال في العبيد. وهذا غلط لأنه غير مستوطن أو لا يجب عليه الجمعة. فأشبه النساء، وأما العبد فلا يجب عليه الجمعة. قال الشافعي: وأحب للعبد إذا أذن له السيد أن يحضر، وهذا لأن الجمعة مي مبنية على الكمال وهذا ليس بكامل، ولأنه مملوك المنفعة محبوس على السيد فأشبه المحبوس على الدين [109 ب/ 3]، وقال الحسن وقتادة رحمهما الله: يجب على العبد الذي يؤدي الضريبة، وبه قال الأوزاعي. ويحكى عن داود مطلقاً أنه قال: يجب عليه الجمعة، وعن أحمد رحمه الله روايتان. فرع المدبر والمأذون والمكاتب كالعبد، وأما المعتق نصفه، فإن كان بينه وبين سيده مهايأة فوافق الجمعة يوم العيد يستحب له حضور الجمعة؛ لأنه لا حق عليه لمولاه في ذلك اليوم، وإن لم يحضر لهم يأثم به، لأنه ليس من أهل فرض الجمعة ما دام فيه جزء من الرق. وقد قال في "الأم": لا أرخص له في تركها ولا تبين لي أنه يخرج كما يخرج الحر فجعلها في حقه آكد من العبد لأنها تجب عليه، وإن وافقت يوم سيده فهو فيها كالعبد القن. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يلزمه في يومه؟ قولان: أحدهما: يلزمه لأنه حر في هذا اليوم، وهذا غلط ظاهر. فَرْعٌ آخرُ إذا صلى العبد الظهر، ثم أعتق لم تلزمه صلاة الجمعة لأنه أدى صلاة الوقت وكذلك المسافر إذا أقام والصبي إذا بلغ، وأما المرأة فلا جمعة عليها، فإن كانت عجوزاً فالأفضل لها عند إذن الزوج حضورها نص عليه في "الأم " وهذا فيمن لا يستهين [110 أ/ 3]. وإن كانت شابة فالأفضل لها أن لا تحضر. وقال القاضي أبو علي البندنيجي: ولا تحضر غير الجمعة أيضاً من الصلوات إلا صلاة العيدين، وهذا الاستثناء غريب لم يقله غيره، وروي عن أبي عمر الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول: "اخرجن إلى بيوتكن فهي خير لكن ". وأما المريض: فلا جمعة عليه والمريض الذي يجوز ترك الجمعة به هو أن لا يمكنه حضورها إلا بمشقة تلحقه غير محتملة من زيادة مرضه ونحو ذلك، ولو حضر المريض الجامع تعين عليه أداؤها؛ لأن عذر المريض زال بحضور الجامع بخلاف المرأة،

والمسافر والعبد إذا حضر ولا يلزمهم ذلك، ولو اجتمع أربعون مريضاً فصلوا الجمعة انعقدت بهم الجمعة لهذه العلة، ثم قال: ولا من له عذر، وقد ذكرنا الاعتذار في باب الجماعة. قال أصحابنا: كل ما كان عذراً في ترك الجماعة فهو عذر في ترك الجمعة. وإن كانت الجماعة غير واجبة فيكون تركها من غير عذر فما سقطت معه الكراهية في الجماعة كان عذراً إذا وجد في وقت الجمعة. وقد روى ابن [110 ب/ 3] عباس رضي انه عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: خوف أو مرض ". فرع قال في "الأم ": ولا جمعة على غير البالغين، وأحب لهم حضورها ليتعودوا فعلها ويتمرنوا عليها. فَرْعٌ آخرُ الأعمى إن كان له قائد يلزم حضورها، ويلزمه أن يستأجر القائد إن كان لم يجد متبرعاً، وكذا من لم يقدر لكبر سن أو زمانه يلزمه أن يكتري من يحمله، وإن لم يكن له قائد لم يلزمه حضورها، لأنه يخاف الضرر مع عدم القائد ولا يخاف مع القائد. فَرْعٌ آخرُ إذا اجتمع العيد والجمعة فحضور العيد لا يسقط فرض الجمعة عن أهل البلد. وروي عن ابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا: تسقط الجمعة عن الكل في هذا اليوم إذا صلوا العيد، ويحكى عن أحمد رحمه الله هذا. وقال عطاء رحمه الله: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً وصلاهما بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. رواه أبو داود، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[111 أ/ 3] قال: "إذا اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون" وهذا غلط لظاهر قوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ} [الجمعة: 9] ولم يفصل ولأن الجمعة من فرائض الأعيان فلا تسقط بصلاة العيد التي هي نفل على قول البعض، وفرض على الكفاية على قول البعض، وأما خبرهم قلنا: قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله في إسناده مقال، ولو صح أجزأه من الجمعة، أي: عند حضور الجمعة، ولا يسقط عنه الظهر بحال وهذا عندنا في أهل

العوالي. وأما فعل ابن الزبير فلا يجوز إلا أن يحمل على مذهب من نوى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال. وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه بلغه فعل ابن الزبير فقال: أصاب السنة، وقال عطاء: كل عيد حين يمتد الضحى والأضحى والفطر وقال أحمد: حين سئل: الجمعة قبل الزوال أو بعده؟ إن صليت قبل الزوال فلا أعيب. وكذا قال إسحاق، فعلى هذا يشبه أن يكون ابن الزبير صلى الركعتين على أنهما جمعة وجعل [111 ب / 3] العيد في معنى التبع لها والله أعلم. مسألة: قال: ولا أحب لمن ترك الجمعة بالعذر أن يصلي حتى يتأخر انصراف الإمام ثم يصلي جماعة. وهذا كما قال كل من أخبرنا له ترك الجمعة من أهل الأعذار يستحب له أن يؤخر صلاة الظهر حتى يفرغ الإمام من الصلاةء أو يتحقق أنه لو قصدها الآن لا يدركها ولا ركعة منها، وإنما استحببنا له هذا رجاء أن يقدر على إتيانها، فيكون إتيانها خيراً له فيصلوا الجمعة الكاملة، ولأن الجمعة هي فرض عام، والظهر فرض خاص فاستحب تأخير الخاص عن العام، فإن صلى قبل صلاة الإمام يجوز لأنها فرضه، ثم إن حضر الجامع بعد ذلك وصلى الجمعة لا تبطل ظهره، والأولى فرضه والثانية نفل. وقال في "القديم": يحتسب الله تعالى له بأيتهما شاء، فإذا فعلها لم تتعين واحدة منهما، وهذا هو الأصح؛ لأنه لما فعل الظهر سقط عنه فرضه بذلك، ولم يجب عليه غيره فإذا فعل الجمعة كان متطوعاً بها. وأما ما ذكروه، قلنا: هذا التخيير إنما كان قبل الفعل فأما إذا فعل فقد تعين ما فعل أولا [112 أ/ 3] كالمكفر إذا كفر بأحد الأنواع تعين القبض وما يفعل بعد ذلك كان تطوعاً. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا سعى إليها يبطل ظهره بمجرد السعي، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يبطل ظهره إذا أحرم بالجمعة، وهذا غلط لأن الصلاة الصحيحة لا تبطل بالسعي إلى غيرها، والإحرام بها كسائر الصلوات. ومن أصحابنا من قال: العذر ضربان ضرب يرجى زواله، وضرب لا يرجى زواله، فما لا يرجى زواله مثل الأنوثة والمرض الشديد، فالمستحب تقديم الظهر في أول وقتها لصاحب هذا العذر؛ لأنه لا يرجى زوال الأنوثة والمرض الشديد في ساعة وساعتين، وضرب يرجى زواله وهو على ما ذكرنا، وهذا خلاف نص الشافعي لأنه يملك بما ذكرنا. وصرح في "الأم" فقال: ولا أحب لأحد ممن له ترك الجمعة بالأعذار من الأحرار ولا من النساء والعبيد أن يصلي يوم الجمعة حتى ينصرف الإمام أو يتأخر انصرافه لما ذكرنا من العلة. فإذا تقرر هذا، فهؤلاء المعذورون لو أرادوا أن يصلوا جماعة في مسجدهم أو بيتهم لا يكره بل يستحب ذلك. وقال أبو حنيفة

[112 ب /3] ومالك رحمهما الله: يكره لهم ذلك، لأن زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخل من المعذورين ولم ينقل أنهم كانوا يصلون جماعة، ولو استحب ذلك أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط للأخبار الواردة في فضل صلاة الجماعة، ولأن كل من كان من أهل صلاة الفرض استحب له فعلها جماعة كما في غير يوم الجمعة، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه يحتمل أنهم كانوا يصلون الجمعة لقرب المسجد من دورهم وحرصهم على الصلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا تقرر هذا فقد قال في "الأم": وأحب لهم إخفاء جماعتهم لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام. قال أصحابنا: هذا فيمن كان عذره خفياً فأما إذا كان عذره ظاهراً جلياً لا يستحب له الإخفاء، لأنه لا يتهم هكذا وهو عذر السفر والرق وهذا غلط بخلاف النص، لأن الشافعي رحمه الله استحب هذا للعبيد وأهل السجن ولو زالت أعذارهم قبل أن يصلي الإمام الجمعة أو في أثناء ظهرهم لا يؤثر في صلاتهم. وحكي عن ابن سريج رحمه الله أنه قال: إن زال عذره في أثناء صلاته والجمعة [113 أ/ 3] معرضة للإدراك تبطل صلاته، كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته تبطل عنده. فرع لو كان قوم من أهل الجمعة فأتتهم الجمعة ملوا الظهر قضاء، ويستحب لهم الجماعة نص عليه في "الأم "، وعند أبي حنيفة يكره ذلك، وأما إذا صلى من لا عذر له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام. قال في "الجديد": عليه أن يعيدها إذا فرغ الإمام من الجمعة وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وزفر رحمهم الله. وقال في "القديم" أساء وأجزأه، ويجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضرها دارأها فعند الله سعة أن يكتب له أجر أحدهما إذا كملهما. ففي المسألة قولان: وأصل هذين القولين القولان في فرض الوقت، قال في "الجديد": فرضه الجمعة يوم الجمعة لا الظهر وهو الأصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فعليه الجمعة يوم الجمعة" على ما ذكرناه ولأنه يأثم بتركها فكانت هي الواجبة في نفسها كسائر الصلوات. وقال في "الجديد": فرضه الظهر ويجوز إسقاطه بالجمعة، لأن الجمعة لو كانت في الأصل ما قضى الظهر عنا فواتها بل يقضي الجمعة، وبه قال أبو حنيفة ومن أصحابنا من [113 ب/ 3] قال: القولان إذا صلى الظهر في وقت لو سعى إلى الجمعة أدركها فأما إذا صلى في وقت أو أراد السعي إليها لم يدركها لبعد الطريق تجوز صلاته قولاً واحداً والصحيح خلاف هذا، لأن الشافعي نص وقال: لا تجوز إلا بعد فراغ الإمام ولم يفصل هذا التفصيل، وقال أبو حنيفة: يصح ظهره ويلزمه السعي إلى الجمعة فإذا سعى إليها بطل بالأخذ في السعي، وعند أبي يوسف ومحمد بالإحرام بها. وروي عن محمد أنه قال: إن الواجب إحدى

الصلاتين إما الظهر وإما الجمعة لا يعينها فأيتها فعل شاء أنها الواجبة. فَرْعٌ آخرُ قال أبو إسحاق رحمه الله: لو اتفق أهل بلد على فعل الظهر أتموا بترك الجمعة إلا أنه يجزيهم؛ لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة، والصحيح أنه لا تجزيهم على قوله الجديد، لأنهم صلوا الظهر وفرض الجمعة متوجبة عليهم. فَرْعٌ آخرُ العبد والمرأة إذا أحرما بالجمعة، ثم أراد العدول بها إلى الظهر فيه وجهان بخلافه المريض والمسافر. مسألة: قال: ومن مرض له ولد أو والد فرآه منزولاً به. الفصل وهذا [114 أ/ 3] كما قال: قد ذكرنا أنه يجوز بترك الجمعة بالعذر، والأعذار ثلاثة في الجملة عذر في نفسه، وعذر في أهله، وعذر في ماله، فإن كان مريضاً على ما ذكرنا، أو خاف أن يحبسه سلطان، أو من لا يقدر على الامتناع منه بالغلبة، أو أصابه غرق أو حور أو سرق، يرجو في تخلفه عن الجمعة مع ذلك أو تدارك شيء فات منه، أو ضل له ولد أو مال أو رقيق أو حيوان يرجو تداركه ووجوده يجوز له ترك الجمعة نص عليه في "الأم". قال: فإن خاف أن يحبسه السلطان بحق المسلم في دم أو حد لم يسعه التخلف عن الجمعة ولا الهرب في غير الجمعة عن صاحبه إلا أن يرجو أن يدفعوا الحد بعفو، أو صلح وهو القصاص. أو حد القذف فأرجو أن يسع ذلك بأنها الحد للزنا أو نحوه الذي لا يرجو سقوطه فلا يجوز له تركها، وان كان يخاف غريماً، فإن كان معسرا وسعه التخلف وإلا فلا. وجملة ذلك أن العذر الذي يجوز له ترك الجماعة اختياراً يجوز له ترك الجمعة الواجبة له على ما ذكرنا، وإن كان له مريض من يوم الجمعة بينه وبينه [114 ب/ 3] نسب أو سبب أو صداقة فإن كان منزولاً به وخاف إن حضر الجمعة أن تفوته نفسه فله أن يتأخر عن الجمعة سواء كان له قيم يقوم بأمره أو لا، وكذلك إن مات يتركها لتجهيزه والصلاة عليه، لأنه يلحقه بفوات ذلك من الألم أكثر مما يلحقه في مرض، أو أخذ مال. وروي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه كان يستجمر للجمعة، فاستصرخ على سعيد بن زيد بن نفيل فترك الجمعة ومضى إليه بالعقيق، فإنه كان ابن عمه، لأن زيد بن عمرو بن نفيل، وعمر بن الخطاب بن نفيل رضي الله عنهم أبناء عم لحّاً، وان لم يكن منزولاً به ولكنه شديد المرض. قال أبو إسحاق: لا يجوز له ترك الجمعة إذا كان له

قيم سواه وبه قال أبو حامد. وقال ابن أبي هريرة: يجوز له ترك الجمعة، لأن قلبه يتعلق بمفارقته وان لم يكن له قيم سواه، فلا شك أنه يجوز له تركها، لأن حفظ المسلم أولى من صلاة الجمعة، وإن كان الرجل أجنبياً منه فلا يجوز له ترك الجمعة إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون منزولاً به. والثاني: أن يكون ضائعاً لا قيم [115 أ/ 3] له غيره بخلاف القريب، لأن شغل القلب هناك خلافه هنا، وإن كان له قيم إلا أنه مشغول عنه في وقت الجمعة يكون ذلك بمنزلة من لا قيم له. مسألة: قال: ومن طلع عليه الفجر فلا يسافر حتى يصليها. وهذا كما قال: السفر ليلة الجمعة جائز ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر. فالمستحب أن لا ينشأ السفر، لأن الشافعي رحمه الله قال في "الأم": لا أحب في الاختيار أن يسافر بعد طلوع الفجر وإن استحب الترك. وقال: بعده لم يكن له أن يسافر بعد الفجر يوم الجمعة. وظاهره أنه لا يجوز ذلك، وقال في "القديم": له أن يسافر لأن الفرض يلزم بدخول الوقت، وهذا نصر في حرملة فحصل قولان: أحدهما: يجوز ما لم تنزل الشمس. قال أبو إسحاق رحمه الله: وهذا أوضح وبه قال عمر والزبير وأبو عبيدة بن الجراح والحسن وابن سيرين وأبو حنيفة ومالك رضي الله عنه، واحتجوا بما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن وواحة في جيش مؤتة، فتخلف [115 ب/3] عبد الله بن رواحة فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما خلفك؟ فقال: الجمعة، فقال: "لروحة في سبيل الله أو غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها". قال: فراح منطلقاً. وروي أنه قال له: "لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما أدركت غزوتهم" وروي عن عمر رضي الله عنه قال: إن الجمعة لا تحبس مسافراً. والقول الثاني: وهو اختيار أبي حامد، وهو ظاهر المذهب أنه لا يجوز له ذلك، وبه قالت عائشة وابن عمر رضي الله عنه وأحمد رحمه الله: إلا أن يكون السفر إلى الجهاد، وهذا لأن الجمعة واجبة والتسبب إليها واجب، فإذا لم يجز السفر بعد وجوبها لا يجوز بعد وجوب السبب إليها؛ ولأنه وقت الرواح إلى الجمعة وقد يجب ذلك على من بعدت داره: وأما الخبر الذي ذكر وقلنا: إنه يحتمل أنه كان بعثه قبل يوم الجمعة فتأخر لأجل الجمعة. وأما خبر عمر رضي الله عنه قلنا: قاله للمسافرين ونحن نقول: لا تجب الجمعة عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز ذلك إذا كان سفره في طاعة قولاً واحداً كما لو كان جهاداً، وهذا لا يصح [116 أ/ 3] لأن الطاعة التي لا

باب الغسل للجمعة

تجب لا تفوت بتأخيرها. وقال بعض أصحابنا: يجوز ذلك قولاً واحدا بكل حال، والقول الآخر استحباب. وقال أصحابنا: أجمع القولان إذا لم يكن مضطراً إليه، فإن اضطر إليه مثل النافلة ترحل من البلد يوم الجمعة، ولو تخلف عنها فاتته يجوز له السفر قولاً واحداً. وأما إذا زالت الشمس لا يجوز قولاً واحداً إلا أن يخاف ما ذكرنا، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله إلا في الجهاد، وقال محمد: يجوز له أن سيافر بعد الزوال أيضا، ويروى هذا عن أبي حنيفة وهذا غلط: لأن الجمعة قد وجبت عليه فلا يجوز له تركها مع القدرة، كما لو سافر مع العلم بفوات الصلاة لضيق الوقت، وعلى ما ذكرنا لو زالت الشمس بعد خروجه من منزله قبل خروجه من عمارة البلد، ولا يخاف فوت السفر لو رجع لا يجوز له الخروج، لأنه ما لم يخرج من العمارة فهو مقسم. باب الغسل للجمعة مسألة: قال: والسنة أن يغتسل للجمعة. الفصل [116 ب/ 3] وهذا كما قال. قد شرحها هذا فيما تقدم وقول الشافعي: من ترك الغسل لم يعد أراد أنه لا يعيد الصلاة وهذا إجماع، وإن أوجبه مالك هذا الغسل ويقرأ لم يعد هو بفتح الياء وضم العين من العود لا من الإعادة، ومعناه: أنه لا يرجع الاغتسال إذا تضيق الوقت خلافا لمالك رحمه الله وحيث قال: يلزمه أن يرجع ما لم يخف فوت الصلاة. مسألة: قال: فإذا زالت الشمس وجلس الإمام على المنبر فقد انقطع الركوع. الفصل وهذا كما قال إذا دخل المسجد قبل الخطبة صلى تحية المسجد وله أن يتنفل، وقيل: يستحب إلى أن يخرج الإمام ويستوي على المنبر جالساً ويأخذ المؤذنون في الأذان فإذا جلس على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان انقطع ركوع من حضر، فمن لم يكن في الصلاة لا يبتدئ بها ومن كان فيها خففها، وأما الكلام فمباح له إلى أن يأخذ الإمام في الخطبة، والفرق أن الكلام يمكن قطعه حتى يأخذ الإمام في الخطبة، والصلاة إذا ابتداء بها في حال الأذان أن لا يمكنه قطعها إذا أخذ الإمام [117 أ/ 3] في الخطبة فكرهنا له أن يبتدئ بها إذا أخذ المؤذنون في الأذان لئلا يأخذ الإمام في الخطبة وهو في الصلاةء وبهذا قال أحمد رحمه الله. وقال أبو حنيفة: إذا خرج الإمام حرم الكلام في الوقت الذي ينهى عن الصلاة فيه، واحتج بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة

واستاك ومس من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه ثم جاء إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء أن يركعء ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يصلي كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" فدل على أن خروج الإمام يوجب الإنصات، وهذا غلط لما روى ابن شهاب، عن ثعلبة بن أبي مالك أنه يقول: قعود الإمام يقطع السجدة وكلامه يقطع الكلام وأنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسوا يتحدثون حتى إذا سكت المؤذنون وقام عمر سكتوا فلا يتكلم أحد. وأما الخبر الذي ذكروه قلنا: قد روي: وأنصت إذا خطب الإمام [117 ب/ 3] أو نحمله على هذا بدليل ما ذكرنا. وأما إذا دخل واحد المسجد والإمام يخطب ملى ركعتين تحية المسجد، ويخففهما ثم يجلس ويسمع الخطبة سواء كان الإمام في الخطبة الأولى أو الخطبة الثانية، ويستحب له ذلك، وبه قال الحسن ومكحول والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله. وقال مالك والليث وأبو حنيفة: ويكره ذلك ويحكى هذا عن الثوري وقال الأوزاعي: إن كان قد صلى في بيته ركعتين فلا يصلي وإلا فيصلي مكانه يجيز تحية المسجد في بيته واحتجوا بما روى عبد الله بن بسر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً جاء يتخطى رقاب الناس فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اجلس فقد آذيت وآنيت"، وهذا غلط لما احتج به الشافعي حديث سليك الغطفاني وهو ما روى جابر رضي الله عنه قال: جاء سليك هذا يوم الجمعة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس فقال له: "يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" فإن قيل: روي في بعض الأخبار أنه - صلى الله عليه وسلم - قال [118 أ/ 3] لسليك: "لا تعودن لمثل هذا"، قلنا: هذه الزيادة ليست في شيء من الأصول، ثم معناه لا تعودن إلى التأخير واحتج أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وتمام الخبر ما روي أن مروان بن عبد الملك لما ولي الخلافة كان يخطب بنفسه والناس يبغضونه ولا يستمعون لخطبته ويصلون عندها، فعلم مروان ذلك فأمر زبانيته أن يطوفوا في المسجد عند خطبته فيقعدوا الناس عن الصلاة، فدخل أبو سعيد يوماً ومروان يخطب، فقام يصلي فأتاه زبانيته ليقعدوه فلم يقعد حتى صلى ركعتين فقيل له: كاد هؤلاء الزبانية يأكلونك فما منعك من أن تدعهما؟ فقال: ما كنت لأدعهما بعد شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم روى خبر سليك الغطفاني، وأما خبرهم قلنا: يحتمل أنه أمره بالجلوس، لأنه كان في آخر الخطبة، أو كان الموضع مضيق عن الصلاة.

فرع قال في "الأم ": ولو دخل والإمام في آخر كلامه ولا يمكنه أن يصلي ركعتين قبل دخول الإمام في الصلاة فلا عليه أن لا يصليها؛ لأنه أمره بها عنا الإمكان، فإن لم يصل الداخل [118 ب /3] عند الإمكان كرهت له ذلك ولا إعادة عليه، وإن صلاهما وقد أقيمت الصلاة كرهت له ذلك، قال: وأرى الإمام أن يأمره بهما ويريد في كلامه بقدر ما يكملها فإن لم يفعل الإمام ذلك كرهت له ولا شيء عليه، وهذا إذا دخل في آخر الخطبة. فرع إذا أتى المسجد يستحب له أن يقدم رجله اليمنى ويقول: بسم الله اللهم اغفر لي، وقوّني، وافتح أبواب رحمتك. وقال المزني رحمه الله: من بلغ باب المسجد صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك وتضرع إليك وأنجح من طلب إليك. فرع إذا كان المسجد فارغاً، أو كان فيه من إذا تقام لا يتخطى رقاب الناس، فكلما كان إلى الإمام أقرب كان أفضل، وإن كان في المسجد من تقدمه كرهنا له أن يتخطى رقاب الناس، سواء كان له مجلس عادة يصلي فيه أو لم يكن، وسواء كان الإمام قد ظهر أو لم يظهر. وقال مالك: إذا خرج الإمام كره ذلك وقبل خروجه لا يكره، وقال الأوزاعي: إن كان له موضع راتب لم يكره له التخطي إليه وإلا كره، وهذا غلط [119 أ/ 3] لما روي أن رجلاً دخل المسجد يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال له: "اجلس فقد آذيت وآنيت". وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الذي يتخطى رقاب الناس، ويفرق بين الاثنين يوم الجمعة والإمام يخطب كالجار قصبته في النار". وروي أن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي جاء يوم الجمعة فأوسعوا له، فأبى أن يجلس وجلس في الشمس فقيل له: أوسعنا لك، فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة والإمام يخطب فكأنما يجر قصبته في النار". وقال الشافعي رحمه الله: ولأن فيه أذى وسوء أدب فيكره. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": وإن كان دون مدخله زحام وأمام الزحام فرجة، فإن كان تخطيه إلى الفرجة بواحد واثنين رجوت أن يسعه التخطي إليها، لأنه يسير فإن كثر كرهت له ذلك، فإن لم يجد السبيل إلى مصلى يصلي فيه الجمعة إلا بالتخطي وسعه التخطي إن شاء الله؛ لأنه موضع ضرورة.

فَرْعٌ آخرُ ولو علم أنه إذا صبر حتى تقام الصلاة [119 ب / 3] تقدم الناس واتسع المكان كرهنا له التخطي، ويصبر حتى تقام الصلاة، فإن خالف وتخطى فقد أساء وتجزيه الصلاة. فَرْعٌ آخرُ قال: وإن كان الزحام للإمام الذي يصلي الجمعة لم أكره له من التخطي ما أكره للمأموم؛ لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة والصلاة بهم. فَرْعٌ آخرُ قال: وأحب إذا نعس في المسجد يوم الجمعة ووجد مجلساً غيره لا يتخطى فيه أحداً أن يتحول عنه. قال الشافعي: لأنه إذا تحول أحدث له القيام واعتساف المجلس ما يذعر عنه النوم وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره ". فرع قال: وان ثبت في مجلسه ناعساً كرهت له ذلك، ولا إعادة للوضوء إذا لم يرقد زائلاً عن حد الاستواء، وإن قدر على دفع النوم عن نفسه بوجه برأه من ذكر أو حركة أو غيرها لم يكره له المقام فيه، بل يستحب له المقام. فَرْعٌ آخرُ قال: ويكره للرجل أن يقيم الرجل عن مجلسه، ويجلس هو في مكانه إماما كان أو مأموماً في يوم الجمعة وغيره؛ لأن السابق إلى المكان هو أحق به، فإن [120 أ/ 3] اختار صاحب المكان أن يقوم منه ويجلس غيره فيه لم يكره للثاني أن يجلس في مكان الأول، فأما الأول فإن تحول إلى حيث يسمع الخطبة على ما كان في المجلس الأول لم يكن له، فإن تباعد عن ذلك يكره له. فَرْعٌ آخرُ لو نصب رجل صاحبا له يجلس في مكان حتى إذا جاء هو قام وجلس هو فيه لم يكره له، ولا يكره لهذا الجالس أن يتحول عنه أيضاً. وروى ابن المنذر أن محمد بن سيرين كان يرسل غلاماً إلى مجلس له يوم الجمعة فيجلس فيه، فإذا جاء محمد قام الغلام وجلس فيه محمد.

فَرْعٌ آخرُ لو لم يفعل هكذا ولكن بعث شيئاً يفرش له حتى إذا جاء جلس عليه وصلى قال في "الأم": ليس لغيره أن يجلس عليه؛ لأنه ملك لغيره، وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: ولكن له أن ينحيه ويجلس في ذلك المكان: لأن الحرمة للإنسان دون فرشه. فَرْعٌ آخرُ لو قام رجل من مكان لحاجة، ثم عاد إليه كان أحق من غيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"إذا قام أحدكم من مجلسه يوم الجمعة، ثم عاد إليه فهو أحق به". فَرْعٌ آخرُ قال: متى جلس في مكان جلس في صف مستقبل القبلة على العادة [120 ب/ 3] فإن ضاق به المكان لضيق المسجد وكثرة المصلين فجلس مستقبل المصلين لم يكر له. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو جاء والموضع ضيق بأهله يقول: تفسحوا أو توسعوا. ولا يقيم أحداً من مجلسه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقيمن أحدكم الرجل من موضعه ثم يخلفه فيه"، ولكن يقول: توسعوا وتفسحوا". قال: فإن قعد المأموم في مصلى الإمام أو في طريق الناس، أو قعد مستقبلاً للمصلين والمسجد امتلأ من الناس لا تكره إقامته؛ لأن في جلوسه ضرراً على الناس. فَرْعٌ آخرُ قال: الجلوس يوم الجمعة كالجلوس في جميع الحالات إلا أن يضيق على من يقاربه ويجاوره كأنه اتكأ، فأخذ من المكان أكثر مما يأخذ الجالس أو يمد رجليه، أو يلقي يديه من خلفه فهذا كله مكروه إلا أن تكون به علة فلا أكره شيئاً من هذا، وأحب إذا كانت به علة أن يتنحى إلى موضع لا يزاحم فيه الناس، فيفعل من هذا ما فيه الراحة لبدنه ولا يزاحم غيره. فَرْعٌ آخرُ قلت: لا يجلس حبواً في حال الخطبة لما روى. معاذ رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب"، والمعنى أن [121 أ/ 3] الاحتباء يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض فنهى عن ذلك، وأمر بالاستيفاز في القعود

لاستماع الخطبة والذكر، وفيه دليل على أن الاستناد يوم الجمعة في ذلك المقام مكروه؛ لأنه بعلة الاحتباء إذا كثر. وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يجلس محتبياً، ولعله كان لعذر. ولحو أحدث واحد فليأخذ بأنفه ولينصرف، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف"، وهذا ليوهم القوم أن به رعافاً وفي هذا بيان الأدب في ستر العورة وإخفاء الأمر القبيح، والتورية بما هو أحسن، ولا يدخل هذا في باب الكذب والرياء، وإنما هو في باب التجمل واستعمال الحياء. فرع قال أصحابنا: الأفضل للمقصورة على غيرها لأنها شيء محدث، وأول من أحدثها معاوية رضي الله عنه والاختيار للصف الأول من غير تخصيص. مسألة: قال: وينصت الناس ويخطب الإمام قائما خطبتين. وهذا كما قال إذا خطب الإمام فإن الناس ينصتون لاستماع الخطبة لقوله تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ [121 ب/ 3] وَأَنصِتُوا} [الأعراف: 204]. وهل واجب أو مستحب؟ قال في "الإملاء" و "القديم": هو واجب، والكلام في حال الخطبة محرم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد وابن المنذر رحمهم الله. وقال في "الجديد": هو مستحب غير واجب، وبه قال عروة بن الزبير والشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والثوري فحصل قولان، وجه القول الأول: ما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " فإذا اللغو لإثم بدليل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]. وروى جابر رضي الله عنه قال: دخل ابن مسعود رضي الله عنه والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فجلس إلى أُبيّ فسأله عن شيء فلم يرد عليه، فسكت حتى صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "ما منعك أن ترد علي" فقال: إنك لم تشهد معنا الجمعة قال: ولم؟ قال: تكلمت والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقام ابن مسعود، ودخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك فقال: صدق أُبيّ وأطع أُبياً". ووجه القول الثاني: وهو الصحيح ما روى [122 أ/ 3] أنس قال: "دخل رجل المسجد

والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأشار إليه الناس أن اسكت فلم يقبل فأعاد، ثم أعاد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الثالثة: "ما أعددت لها" قال: حب الله ورسوله قال: "إنك مع من أحببت " وأما خبرهم فلا حجة فيه؟ لأنه جعله لاغياً بكلامه في موضع الأدب وفيه السكوت وليس كل لغواً إنما قال الله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225. فإذا تقرر هذا فلا فرق بين القريب والبعيد والأصم والسميع؛ لأن الشافعي قال في "الأم" ومن بعد عن الإمام ولا يسمع الخطبة ومن قرب منه في الإنصات سواء، فإذا قلنا: إنه مستحب فهو مستحب للجميع. وأما الخطبة فاعلم أنه لا تصح الجمعة إلا بالخطبة، ويجب أن يخطب قائما خطبتين يفصل بينهما بجلسة خفيفة، ولا يجوز أن يخطب مع القدرة إلا قائما، وقال الحسن البصري رحمه الله: الخطبة مستحبة غير واجبة، وهذا غلط لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]. والذكر: هو الخطبة وإذا وجب السعي إليها [122 ب / 3] كانت واجبة، ولأن الله تعالى أوجب الجمعة إيجاباً مجملا وبيانه مأخوذ من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو كان يصلي ويخطب فثبت أنها واجبة، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة، وقال سعيد بن جبير رحمه لله: جعلت الخطبتان مقام مكان الركعتين، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجب فيهما القيام وتجوز قاعداً، لأنها ركن ليس من شرطه استقبال القبلة فلا يجب له القيام كالأذان، وهذا غلط لما روي أن النبي الله كان يخطب قائما خطبتين يفصل بينهما بجلوس. رواه جابر، وابن عمر، وأبو هريرة رضي الله عنهم، ولأنها ذكر مفروض في قيام مشروع فكان واجباً كما في التكبير ولا يعتبر القيام بالاستقبال لأن الاستقبال يسقط في صلاة الخوف، ولا تسقط القبلة عند الإمكان فافترقا، فإذا تقرر هذا، فإن خطب جالساً مع القدرة وصلى بطلت صلاته، ولو خطب جالساً وهم يرونه صحيحاً فأخبرهم أني عاجز عنه قبلوا منه، لأنه أمين على نفسه وكذلك [123 أ/ 3] في الصلاة، ولو علموا قارته على القيام فلا جمعة لهم، ولو لم يعلموا أنه صحيح أو مريض أجزأتهم الصلاة، لأنه الظاهر أنه لم يترك القيام إلا لعلة، ولو علمت بقدرته على القيام طائفة وجهلت طائفة فلا جمعة لمن علمت، وأما التي جهلت حاله فإن بلغوا أربعين صحت جمعتهم وإلا فلا تصح جمعتهم، وهو كما قلنا إذا كان الإمام جنباً.

فرع لو حضر أربعون فسمع بعضهم الخطبة ولم يسمع الباقون لصممهم فالمذهب أنهم لا يصلون الجمعة، كشاهد النكاح إذا كان أصم، وفيه وجه آخر أنهم يصلون الجمعة ويجوز ذلك قياساً على ما لو قال: لا أكلم فلاناً فكلمه بحيث يسمع غير الأصم فلم يسمع لصممه. قال الشافعي رحمه الله: يحنث في يمينه. فَرْعٌ آخرُ لو خطب جالساً لعذر يخطب خطبتين. قال أصحابنا: ويفصل بينهما بسكتته ولم يجلس. نص عليه في "الأم" أنه لا يجوز، وإن لم يسكت ووصل بين الخطبتين. قال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنها بدل من جلسة واجبة والثاني: يجوز لأنه قد يتخلل كلامه سكتات [123 ب/ 3] غير مقصودة. فَرْعٌ آخرُ لو خطب خطبتين ولم يجلس بينهما فحسبهما خطبة واحدة، ثم قام وأضاف إليها أخرى نص في "الأم". وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله وأحمد: هذه الجلسة مستحبه غير واجبة، وهذا غلط لما ذكرنا أنه - صلى الله عليه وسلم - "لم يتركها"، وبينا أن فعله واجب. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا بأس به أن يخطب الإمام على شيء مرتفع من الأرض وغيرها وعلى المنبر ولم يقل: إن الخطبة أفضل وأولى. قال أصحابنا: والخطبة على المنبر هي أولى لأنه آخر الفعلين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أبلغ استماع الناس. هكذا ذكره القاضي الطبري، وقال أبو حامد: قال الشافعى رحمه الله: ويستحب أن يخطب على منبر، فإن لم يكن فعلى نشز لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يخطب على المنبر"، وهذا أولى. ويستحب أن يكون [124 أ/ 3] المنبر على يمين القبلة، ويمين القبلة هو الموضع الذي على يمين الإمام إذا توجه القبلة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يخطب بجنب جذع النخلة في المسجد ويجعلها على يسارهء وهو يقوم عن يمينها إلى أن أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى امرأة لها غلام نجار فقال: "مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أجلس عليها إذا كلمت الناس"، فأمره فعملها من طرفاء الغابة. قال سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي".

والغابة: هي الغيضة وكان المنبر مرقاتين فنزوله وصعوده خطوتان، وذلك في حد القلة فلا تبطل الصلاة وإنما نزل القهقرى لئلا يولي الكعبة قفاه. واعلم أنه كان منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث درج وكان يقف على الدرجة الثالثة التي تلي المستراح، ثم إن أبا بكر رضي الله عنه [124 ب/ 3] كان يقف على الثانية دون موقفه بدرجة، ثم جاء عمر فوقف على الأولى دون موقف أبي بكر بدرجة، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فصعد إلى الثانيةء وهي موقف أبي بكر رضي الله عنه ثم جاء علي رضي الله عنه فوقف على الثالثة موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم إن مروان بن الحكم قلع المنبر في زمن معاوية وزاد فيه ست درج فصار عدد درجه تسعاً، فكان الخلفاء يرتقون إلى الدرجة السابعة الست التي زادها مروان والسابعة هي أولى مراتب الخلفاء الراشدين، ولو وقف يخطب من غير منبر، وقف على يمين القبلة. فرع لو نزل عن المنبر بعدما أخذ في الخطبة، ثم عاد إليه فإن كان الفعل يسيراً بنى عليه، وان كان طويلاً استأنفها، نص عليه في "الأم"؛ لأن الخطبة لا تعد خطبة إذا فصل بينهما بنزول يطول. فرع الطهارة للخطبة هل هي واجبة أم لا؟ قال في "الجديد": لا تصح إلا بالطهارة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يخطب متطهراً"؛ لأنه كان يصلي في الخطبة وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني [125 أ/ 3] أصلي"، ولأن هذا ذكر هو شرط في صحة الصلاة فيشترط فيه الطهارة كالتكبير. وقال في "القديم": تصح بغير طهارة وقد أساء ولا أحب له أن يخطب إلا على طهارة، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأنه ذكر يتقدم الصلاة فلا يشترط فيه الطهارة كالأذان، وهل تجب إزالة النجاسة عن ثوبه وبدنه في حال الخطبة؟ قولان كما قلنا في طهارة الحدث. مسألة: قال: ولا بأس بالكلام ما لم يخطب. وهذا كما قد ذكرنا أن الكلام لا يحرم ما لم يبتدئ ثم يخرج على أحد القولين. وقال في "الأم": الكلام على ثلاثة أضرب: ضرب يلزمه لأخيه مثل أن يراه يلسعه عقرب، أو رآه يتردى في بئر، أو يقع عليه هدم ونحو ذلك، فهذا لا يمتنع بالخطبة ويلزمه أن يخبره به بلا خلاف. وضرب يعينه في نفسه: مثل سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - قتلة ابن أبي الحقيقء وقول الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم -، يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا أن يسقينا، وما أشبه ذلك فهذا مباح غير مكروه قولاً واحداً.

وضرب لا يلزمه [125 ب/ 3] لأخيه ولا يعينه في نفسه، مثل أن يقول لصاحبه وهو يتكلم: اسكت أو اقبل على الخطبة، أو يحدثه بحادث سرور أو مصيبة، فهذا ومكروه وليس بمحرم في أحد القولين. وقال أبو إسحاق: يحرم في أقوى القولين. فإذا تقرر هذا فلو كان بعيداً من الإمام لا يسمع خطبته فهو بالخيار بين أن ينصت وبين أن يقرأ القرآن ويذكر الله تعالى في نفسه، ولا يكلم الآدميين نص عليه في "الأم". قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: للمنصت الذي لا يسمع مثل ما للمنصت السامع، وقيل: هل له قراءة القرآن؟ وجهان: بناء على أن المأموم البعيد من الإمام هل يسن له قراءة السورة؟ وجهان: ولا معنى لهذا مع ما ذكرنا من النص، وإن كان قريباً من الإمام يسمع الخطبة فالإنصات أولى من قراءة القرآن وذكر الله تعالى. فرع إذا قلنا: يحرم الكلام يحرم على الإمام أيضاً في خطبته نص عليه في "الإملاء" و "القديم". فَرْعٌ آخرُ وقت تحريم الكلام هو من حين يأخذ في الخطبة حتى يفرغ من الخطبتين جميعاً وجلوسه بينهما يجري مجرى الخطبة في ذلك [126 أ/ 3] نص عليه. وذكر بعض أصحابنا أنه لا يحرم في الجلسة بين الخطبتين. ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله وفيه نظر. فَرْعٌ آخرُ يستحب له أن لا يتكلم حتى يفرغ الإمام من الصلاة، فإن تكلم بين الإحرام بالصلاة والفراغ من الخطبة فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره الكلام فيه لأنها حالة تكره فيها الصلاة. وهذا غلط لما روى أنس رضي االله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -:كان ينزل يوم الجمعة من المنبر فيقوم معه كالرجل فيكلمه في الحاجة ثم ينتهي إلى مصلاه، فيصلي ويخالف الصلاة لأنها تقطعه عن الاشتغال بالفرض بخلاف الكلام. فَرْعٌ آخرُ قال: لو عطش رجل في حال خطبته فلا بأس أن يشرب وإن لم يكن عطشان ولكنه يتلذذ بشربه، فإنه يكره، ولا يحرم على قوله "الجديد" هكذا أورده القاضي الطبري. وذكر أبو حامد رحمه الله عن "الأم" أنه قال: إذا عطش الإمام له أن يشرب على المنبر وإن كان يؤيد ذلك للتبرد والتلذذ لا للعطش فإنه يجوز ذلك [126 ب/ 3] ولكن يستحب أن يكف وهذا أظهر. وقال الأوزاعي رحمه الله: إذا شرب الماء تبطل جمعته وهذا خلاف الإجماع. فرع المستحب للناس إذا خطب الإمام أن يحولوا وجوههم إليه ويسمعون الذكر

والمستحب للإمام أن يخطب ووجهه إلى الناس، ولا يستحب للمؤذن أن يقبل بوجهه إلى القوم بل يستحب له استقبال القبلة حال الأذان. قال البراء بن عازب رضي الله عنه: "كان رسول الله يخطبنا وكنا نستقبله بوجوهنا ويستقبلنا بوجهه" ولو خطب الإمام ورفع صوته حتى سمع الحاضرون خطبته جاز استقبلهم أو لم يستقبلهم؛ لأن سماع الخطبة قد حصل. فَرْعٌ آخرُ لو أسمع نفسه أو لم يسمع الحاضرين ظاهر المذهب أنه لا يعتد بها. وقال أبو إسحاق رحمه الله: يحتمل أن يعتد بها كما لو أسر بالقراءة في الصلاة، ويحتمل أن لا يعتد بها كما لو أذن بحيث لا يسمعه غيره. قال أبو حامد: هذا هو الصحيح عندي لأنها بالأذان أشبه. مسألة: قال: فإذا فرغ أقيمت الصلاة فيصلي بالناس ركعتين. الفصل [127 أ/ 3] وهذا كما قال إذا فرغ من الخطبتين أقام المؤذن الصلاة، لأن الإقامة لاستفتاح الصلاة والمستحب أن يأتي بها عقيب الخطبتين لتكون صلاة الجمعة عقيبها بلا فصل، ولو أقام قبل الفراغ من الخطبة هل يحتسب؟ وجهان: أحدهما: لا وهو الأقيس، لأنه لا يصح الابتداء بالجمعة في تلك الحالة. والثاني: يحتسب كما قبل الطهارة. وقيل: إن فرغ منها بعد الفرغ من الخطبة جاز وإلا فلا، فإذا فرغ من الإقامة فالإمام يصلي بالناس ركعتين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان تماما غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -. والمستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بالفاتحة وسورة الجمعة، وفي الركعة الثانية بالفاتحة وسورة المنافقين. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره تعيين سورة من القرآن سوى الفاتحة حتى لا يقرأ غيرها. وهذا غلط لما روي عن عبد الله بن أبي رافع كاتب علي رضي الله عنه قال: كان مروان بن الحكم يستخلف أبا هريرة رضي الله عنه على المدينة فاستخلفه مرة فصلى الجمعة فقرأ في [127 ب /3] الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية: بسورة المنافقين، فلما انصرف مشيت إلى جنبه فقلت: يا أبا هريرة لقد قرأت بسورتين قرأهما علي رضي الله عنه، فقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأهما، فإن قيل: روى سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الجمعة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1] وقلنا: ما رويناه

أولى؛ لأنه عمل به علي بن أبي طالب وأبو هريرة رضي الله عنهما ولأن فيها حثاً على الجمعة فكانت أولى، فإن قيل: إنما قرأهما النبي - صلى الله عليه وسلم - لأجل من كان في زمانه من المنافقين قيل: لا يخلو عصر من الأعصار من المنافقين، فإن قرأ غير هاتين الصورتين جاز لما روى سمرة، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيهما {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1] و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1]. فرع لو قرأ سورة المنافقين ني الركعة الأولى قبل الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة قال الشافعي رحمه الله: يجوز له أن يركع وهذا لا شك فيه، لأن قراءة السورة غير واجبة. قال: ولو قرأ معها شيئاً من الجمعة كان أحب إلي [128 أ/ 3] وإنما استحب أن يقرأ شيئاً من الجمعة لأن ما بعد الفاتحة محل قراءة سورة الجمعة في السنة، ولم يأمر باستيفائها إلى آخرها لئلا يطول على المأمومين بالجمع بين السورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة. قال: ويقرأ في الركعة الثانية سورة الجمعة، لأنه لم يقرأ بها في الركعة الأولى فاستحب قراءتها في الركعة الثانية لئلا يقوم فيصليها، والمعنى الذي يختص بها من السنة على فرض الجمعة والأذكار بها والحث على فعلها، فإذ قيل: قد قلتم في الطائف: إذا نسي الرمل في الثلاثة ومشى فيها يمش في الأربعة أيضاً ولا يرمل، فقولوا: هاهنا يقرأ في الركعة الثانية بسورة {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون:1] حتى لا يؤدي إلى ترك السنة في الركعتين قلنا: الفرق أن الرمل في الأربعة الأخيرة مكروه لا ثواب فيه بوجه فا يستحب فعله فيها، وهاهنا قراءة سورة الجمعة في الركعة الثانية ليست بمكروهة وهذا. . . وليس فيه لأنهم على يقين من الدخول في الوقت وفي شك من أن الجمعة لا تجزي عنهم فهو كمن استيقن الطهر ثم شك في انتقاضه. فَرْعٌ آخرُ لو شك قبل الدخول في [ب /128 _ 3] الجمعة أن الوقت قد خرج أو هو باق لا يبتدئ الجمعة لأنه لم يستيقن سبب الجواز ولو شك في أثناء الصلاة هل خرج وقتها أم لا؟ أتمها جمعة، لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة. فَرْعٌ آخرُ لو شك قبل الصلاة هل ترك فرضاً من الخطبة؟ يلزمه إعادتها، وفيه وجه آخر أنه لا يؤثر الشك بعد الفراغ منها وليس بشيء.

فرع لو قام المسبوق لقضاء ما عليه من الركعة فخرج الوقت يتمها ظهراً نص عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا هوا لأصح، والثاني: يتمها جمعة ولا معنى لهذا عندي مع النص الظاهر. مسألة: قال: ومن أدرك مع الإمام ركعة بسجدتين أتمها جمعة. الفصل وهذا كما قال: إذا أرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة قبل أن يرفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية، وأحرم ودخل معه في الركوع فقد أدرك الركعة الثانية، فصار مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى [129 أ/ 3] عليها ركعة أخرى، وإن فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقي ولا يكون ماركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وبنى عليها ركعة أخرى، وان فاته الركوع الأخير يتبعه فيما بقى ولا يكون مدركا للجمعة، فإذا سلم الإمام قام وصلى الظهر أربعاً، فإن ركع ثم شك هل كان راكعاً قبل أن يرفع الإمام رأسه أم لا، لا يعتد بتلك الركعة؟ لأنه لم يتيقن إدراك الركوع فيلزمه أن يصلي الظهر أربعاً، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وأنى وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي ومالك والزهري والثوري وأحمد وإسحاق وزفر ومحمد رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أدرك جزءاً منها فقد أدرك الجمعة وإن قل، وبه قال النخعي في رواية والحكم وحماد وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول: لا يكون مدركا للجمعة إلا بإدراك الخطبة والصلاة، وبه قال عمر رضي الله عنه وهذا غلط لما روى أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ومن أدرك دونها صلاها أربعاً"، ولأنه لم يدرك وركعة من الجمعة فلا يصليها جمعة كالإمام إذا انفض عنه القوم قبل [129 ب/ 3] أن يصلي ركعة بسجدة. فإذا تقرر هذا، فلو أدركه راكعاً فركع معه ورفع معه وسجد، ثم شك هل سجد معه سجدة أو سجدتين، فإن كان هذا قبل سلام الإمام سجد أخرى في المال وصار مدركاً للجمعة بإدراك ركعة حكماً، وذلك أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته، وقد ذكرنا فيما سبق فيه وجهان عن أصحابنا أنه لا يكون مدركاً للجمعة وإن كان هذا بعد سلام الإمام سجد سجدة أخرى، ولا يكون مدركا للجمعة لأنه أدرك معه ركعة إلا سجدة. فرع لو أدرك معه ركعة تامة سلم الإمام، وقام المأموم فأتى بالثانية، ثم ذكر أنه نسي سجدة من إحداهما ولا يعلم هل هي من الأولى أو من الثانية، اعتد من كل هذا بركعة وكان فرضه الظهر لأنه أدرك ركعة إلا سجدة في أشد الحالين فيأتي بثلاث ركعات أخر.

فَرْعٌ آخرُ لو صلى الإمام الجمعة ثلاثاً ساهياً، فأدرك وجل معه الركعة الثالثة، قال ابن الحداد: كان مدركاً ركعة من الظهر، لأن هذه الركعة لا يحتسب بها من الجمعة، ولو صلى ثلاث ركعات ساهياً، ثم قال: نسيت سجدة ولا أدري أهي من الأولى أم من الثانية؟ [130 أ/ 3] كان الجواب هكذا؛ لأن السجدة المنسية يجوز أن تكون من الركعة الأولى، فتكون الأولى تمت بالثانية وتكون الثالثة ثانية، ويكون المأموم مدركاً للجمعة. ويحتمل أن تكون السجدة المنسية من الركعة الثانية فتتم الثانية بالثالثة؛ لأنه تحصل له الثانية إلا سجدة فيكون قيامه في الثالثة وركوعه فيها لغو، وتنضم سجدة واحدة منها إلى الثانية فتتم الثانية بهذه السجدة، ويكون الباقي من الركعة الثالثة لغواً لا يحتسب به، وإذا أدرك ما لا يحتسب به فلا يكون به مدركاً للجمعة، فإن كان الإمام يحيط علماً بأن السجدة المنسية من الأولى فإن الركعة الثالثة مجزية من الداخل من الجمعة؛ لأن الأولى تتم بالثانية وتكون الثالثة هي الثانية ويكون محتسباً بها فصار مدركاً للجمعة بإدراكها. فرع لو أدرك الثانية من الجمعة، فلما سلم الإمام قام لقضاء ما فاته، فتذكر الإمام أنه نسي سجدة من الأولى، وإن عملت في الثانية كلاً عمل، فقام يصلي ركعة فاقتدى هذا المسبوق به تمت جمعته، وإن لم يقصد الاقتداء به بل أتم بنية الانفراد كما يفعل المسبوق لم تجز جمعته، وهل يجزئ [30 ب / 3] طهره؟ فعلى قولين لأنه طهر قبل فوات الجمعة، وإنما جازت جمعته في المسألة الأولى لأنه حصل مقتدياً به في ركعة هي محسوبة للإمام من الجمعة وهي الأخيرةء فلا يضر أن يكون في الأول منفرداً فإن قيل: فجوزوا أن يصلوا ركعة منفردا، ثم يصلي صلاته بصلاة الإمام فيصلي معه ركعة ويتم جمعته قلنا: لا يجوز هذا؛ لأنه قصد بها الانفراد فلم تصح نية الجمعة، وها هنا نوى الجمعة والاقتداء فلا فرق بين أن يجعل له صحة الاقتداء في الأولى أو في الثانية، وعلى هذا قال ابن الحداد: لو صلى الإمام في الجمعة ثلاثاً ساهياً وكان قد ترك سجدة من الأولى فاقتدى به رجل في ركعته الثانية، وظن أنها أولاه وصلى معه ركعتين جازت جمعته وتمت، وان كانت الثانية غير محسوبة للإمام. قال القفال رحمه انه: وعلى هذا لو صلى الإمام ثلاثاً ساهياً ولم يترك سجدة فأدرك معه رجل الركعة الثانية وظن أنها الأولى، فإذا هي الثانية فصلى معه تلك الركعة، وركعة بعدها تمت جمعته، لأن عنده أنه مصيب في الاقتداء به في الركعتين [131 أ/ 3]. مسألة: قال: وحكى في أداء الخطبة: استواء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الدرجة التي تلي المستراح قائماً ثمَّ سلم.

وهذا كما قال: أراد به حكى الشافعي في كتاب سماه "أدب الخطبة ". والمستراح: هي الدرجة العليا من المنبر وهي التي يقعد عليها الإمام ليستريح، وكان منبره ثلاث درجات سوى الدرجة التي كان يقعد عليها. وجملته أنه يستحب للإمام إذا دخل المسجد أن يسلم، ثم يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم إذا زالت الشمس المستحب أن يصعد المنبر، ويستوي على الدرجة التي هي دون الدرجة التي تسمى المستراح، فإذا استوي عليها سلم على الناس ووجب عليهم الرد، فإذا رد بعضهم سقط الفرض عن الباقين، ثم جلس على المستراح ورجلاه على الدرجة التي وقف عليها، وهي جلسة الاستراحة، وهي غير واجبة، ولا يزال جالساً حتى يفرغ المؤذنون من الأذان، ثم يقوم قائما ويخطب. وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: لا يسلم على رأس المنبر ويكره، لأنه لما دخل سلم فلا يعيد، كالمؤذن إذا أذن ثم رجع، وهذا غلط لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: كان [131 ب/ 3]) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إذا دنا من منبره يوم الجمعة يسلم على من عند منبره من الجلوس، اثم يصعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم، ثم قعد". وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسلم إذا صعد المنبر" ولان الإمام قد استدبرهم حين صعد ثم أقبل عليهم. وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم يحول بين بعضهم وبعضهم شجرة فيسلم بعضهم على بعض. وأما في الأذان لا يغيب عنهم، ولو صعد المنارة ثم نزل سلم عليهم أيضاً، وإذا أشرف على الناس في رأس المنارة وكان قريباً منهم وهم يسمعون سلامه استحب له أن يسلم عليهم، كما قلنا في الخطيب، لأنه استقبال بعد استدبار فسن فيه السلام كما لو خرج ثم دخل. وحكي عن أبي حنيفة: أنه لو أدخل المسجد يجلس أولاً، ثم يقوم ويصلي التحية، وهكذا في تحية سائر المساجد، وهذا غلط لما تقام من الخبر ولأنه يسلم على الناس، ثم يجلس كذلك يصلي ثم يجلس لأن كليهما تحية. وحكي عن مالك رحمه الله أنه [أ/ 132 - 3] قال: هذه الجلسة في أول الخطبة هي واجبة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في الأول ليستريح من تعب صعوده، ولهذا سميت هذه الدرجة المستراح، ولأنه لا فائدة في قيامه مع أذان المؤذنين. فرع قال: وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة المؤذنين، لأنه لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مؤذن واحد، فإن أذن جماعة المؤذنين والإمام على المنبر أو أذان بعد أذان كرهت ذلك، ولا يفسد شيء من الصلاة، لأن الأذان ليس من الصلاة

وإنما هو دعاء إليها، وكذلك لو صلى بغير أذان كرهت ذلك له ولا إعادة عليه. وروي عن أبو سائب بن يزيد أنه قال: كان على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: إذا جلس الإمام على المنبر أذاناً واحداً، فلما كان في أيام عثمان وكثر الناس أمر بالأذان الثاني، وكان يؤذن على الزوراء لأهل السوق والناس. وأنكر عطاء هذا وقال: أول من أحدثه معاوية رضي الله عنه، يعني: الأذان الذي قبل جلوس الإمام على المنبر. فَرْعٌ آخرُ قال: لا يحرم البيع [132 ب/ 3] يوم الجمعة قبل أذان المؤذن، ويحرم عند الأذان، وهو الأذان الذي يكون بعد الزوال عند جلوس الإمام على المنبر، وبهذا الأذان يجب السعي إلى الجامع، وأما بعد الزوال قبل هذا الأذان لا ينهى عن البيع كما ينهى عنه إذا كان على المنبر وأكرهه؛ لأن ذلك الوقت لم ينه فيه عن البيع، وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك وأبو حنيفة، وقال الضحاك وربيعة وأحمد: يحرم البيع عند الزوال. وهذا غلط لقوله تعالى: {إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] فثبت أن الحكم يتعلق بحالة النداء. فرع قال أصحابنا: في الجمعة أربعة أوقات قبل الزوال وبعد الصلاة لا يحرم البيع ولا يكره، وبعد الزوال قبل الأذان يكره البيع ولا يحرم، وعند الآذان إلى أن يفرغ من الصلاة يحرم البيع، وإنما يحرم ذلك أو يكره في حق من كان من أهل الجمعة، فأما في حق من لم يكن من أهلها كالعبيد والنساء والمسافرين فلا يحرم ولا يكره. فَرْعٌ آخرُ لو كان أحد المتبايعين من تجب عليه الجمعة والآخر ممن لا تجب، قال الشافعي رحمه الله: أتما [133 أ/ 3] جميعاً، وهذا لأن من لم تجب عليه قد عاونه على المعصية، وقيل: يحرم على من تجب عليه وتكره لمن لا تجب عليه لأنه عاونه على محرم والأول أظهر. فَرْعٌ آخرُ لو تبايعا في الوقت الذي حرمنا أو كرهنا صح البيع؛ لأن المنع ليس لمعنى يرجع إليه نفس البيع، فهو كالبيع على بيع أخيه محرم ولكنه ينعقد، وهو كما لو تضيق عليه وقت الصلاة فاشتغل بالبيع في تلك الحالة عمى وانعقد، وقال مالك وربيعة وأحمد وداود رحمهم الله: يفسد البيع لأن الله تعالى قال: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] والنهي يقتضي الفساد وهذا غلط لما ذكرنا. وحكي عن مالك أنه قال: النهي في حق الكل سواء كان عليه الجمعة أم لا، وهذا

غلط، لأن المنع منه لئلا تفوته الصلاة وهذا لا يوجد في حق من لا جمعة عليه. فَرْعٌ آخرُ قلت: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن البيع والشراء في المسجد، وإن سد فيه ضالة وإن سد فيه سعر"، ونهى عن "الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة ". أورده أبو داود والحلق: مفتوحة اللام جماعة الحلقة. وقال الإمام الخطابي: أخبرني [633 ب / 3] واحد من الصالحين أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل صلاة الجمعة ظناً منه أنه نهى عن الحلق قبل الصلاة بسكون اللام حتى قلت له: هذا هو الحلق كأنه كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاةء وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ منها كان الاجتماع والحلق بعد ذلك فقال: قد فرجت عني ودعا لي. مسألة: قال: وروي أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا خطب اعتمد على عنزته اعتماداً وروي على قوس. وهذا كما قال: إذا قام الخطيب ليخطب فإنه يستحب له أن يعتمد على عصى أو قوس أو سيف، لما روي عن الحكم بن حزن قال: "وفدت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئاً على قوس أو عصى فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات". وروي أنه كان إذا خطب اعتمد على عنزته والعنزة مثل الحربة، وروي أنه كان في الحضر يعتمد على العنزة، وفي السفر على القوس، ولأن ذلك أعون له على القيام فإن لم يفعل ذلك أي: فإن لم يعتمد على شيء. قال الشافعي رحمة الله عليه [634 أ/ 3] أحببت له أن يسكن جسده ويديه، فإما أن يضع اليمنى على اليسرى أو يقرهما في موضعهما ويرسلهما، لأنه في ذكر الله تعالى ولا يعبث بهما فتبين أن المعنى في الاعتماد وهو السكون، ثم قال: ويقبل بوجهه، يعني تلقاء وجهه لا يلتفت يميناً وشمالاً وهذا غلط وقد ذكرنا الفرق بينهما وبين الأذان، ثم قال: وأحب أن يرفع صوته وهذا يستحب حتى يسمع كل من في المسجد إن أمكن وإلا رفع بقدر الإمكان لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خطب يرفع صوته كأن منذر جيشء وروي عن أم حارثة بنت هشام قالت: "حفظت سورة ق من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فدل أنها سمعت مع بعدها؛ ولأنه إذا رفع صوته كان أبلغ في الاستماع والوعظ وقال الشافعي رحمه الله: ويكون مترسلاً مبيناً معرباً من غير تمطيط ولا يعي لأن ذلك أحسن وأبلغ في البيان والإفهام والترسل أن يفرق بين كل فصل ولا يعقب أحدهما الآخر ويكون مقوماً معربا من غير لحن، ويكون بين الكلامين دون الوحش

المشتغل، وفرق الروي المسترذل، فإن خير [134 ب/ 3] الأمور أوسطها وهو معنى قوله: ولا ما يستنكر منه، وفي بعض النسخ: وما لا يستنكر منه حتى يكلمهم بكلام تقبله طباعهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلموا الناس على قدر عقولهم أتحبون أن يكذب الله ورسوله ". وروى بعض أصحابنا بخراسان هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي: لا تقولوا ما تقصر عنه الأفهام فتكذبوا الله تعالى كذلك، ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: ولا العجلة فيه عن الأفهام ولا ترك الإفصاح بالقصد ويكون كلامه حصراً، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الجوامع من الدعاء. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي اختصاراً". وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه: امرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "بإقصار الخطب"، وروي عن عمار رضي الله عنه أنه خطب وأوجز فقيل له: لو كنت تنفست. قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قصر الخطبة مئنة من فقه الرجل فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة"، وهذا كله للرغبة في الصلاة في أول الوقت. مسألة: قال: وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة [135 أ/ 3]. وهذا كما قال: قد ذكرنا أنه لا بد من الخطبتين، وعند أبي حنيفة رحمه الله تكفي كلمة واحدة مثل أن يقول: سبحان الله والحمد لله، ولا يحتاج إلى خطبتين وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة من الخطبتين أن يحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويوصي بتقوى الله تعالى ويقرأ شيئاً من القرآن فهذه أربعة أشياء هي واجبة في الأولى، وفي الثانية ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله تعالى، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات فهذه أربعة واجبة في الثانية، هكذا نقل المزني رحمه الله. والأصل في هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر"، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان يدعو الحمد لله نحمده ونستعينه .... " الخبر، وقال تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] قيل في التفسير: معناه قرنت ذكرك بذكري حتى لا أذكر إلا ذكرت معي، ولأن المقصود من الخطبة الموعظة فلا بد من الإتيان بما هو مقصود فيها، وأما الوصية كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[135 ب / 3] يقول: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، ألا وان الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر". وأما قراءة القرآن فلأجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخطب إلا وقرأ فيها القرآن،

ودعا للمؤمنين نص على هذا كله في "الأم". قد قيل: فصول الخطبة خمسة: التحميد، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوصية بتقوى الله تعالى، وقراءة آية، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات، ثلاثة منها شرط في الخطبتين معا، وهي التحميد والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والوصية بتقوى الله تعالى. وواحد هو شرط في الثانية لا غير وهو الدعاء، وواحد يستحب في الخطبتين. فإن لم يكن ففي الأولى، فإن أتى به في الثانية جاز وهو قراءة آية، ولا بد منها بكل حال. وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه لو قرأ بين ظهراني الخطبة أو بعد الفراغ منها، أو قبل الشروع في الخطبة أجزأهء وقال في "الإملاء": فإن حمد الله وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ووعظ أجزأه. وضيع حظ نفسه، ولم يشترط قراءة القرآن ولا [136 أ/ 3] الدعاء. وقال في "القديم": أقل الخطبة كأقصر سورة في القرآن واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجب قراءة آية في الجملة إما في الأولى أو في الثانية أو في أي موضع قرأ جاز. والثاني: يجب في الأولى بكل حال لتأكيد أمر الأول الخطبتين. والثالث: لا يجب أصلاً بل هي مستحبة، ومن أصحابنا من قال: تجب القراءة قولاً واحداً والذي قال في "الإملاء": هو يحمل واكتفى في ذلك بما بينه في سائر المواضع وله أن يقرأ في الأولى أو الثانية قولاً واحداً، والذي قال: يقرأ في الأولى استحباب وهذا أصح ويبعد أن يذكر في باب أدب الخطبة قولاً، وفي باب القراءة في الخطبة قولا آخر، وهما بابان متواليان، ونصه في أدب الخطبة على أنه يقرأ في الأولى ونصه في القراءة في الخطبة على أن له الخيار على ما وصفت. وحكى الداركي عن بعض أصحابنا أنه خرج قولا رابعاً أن القرآن شرط في الخطبتين جميعا؛ لأن ما وجب في الأولى وجب [131 ب/ 3] في الثانية، كالتحميد وهذا تخريج باطل يخالف نص الشافعي رحمه الله، وقد قال الشافعي في "الأم" والذي أحب أن يقرأ بقاف في الخطبة الأولى لا يقصر عنها، وأن يقرأ في الأخيرة مائة أو أكثر منها، ثم يقول: أستغفر الله لي ولكم. وأما الدعاء: هل يجب؟ فيه قولان كما يرى: أحدهما: ذكره في "الأم"، والثاني: ذكره في "الإملاء". ومن أصحابنا من قال: يجب قولا واحداً، والمجمل في "الإملاء" محمول على المفسر في "الأم"، وهذا اختيار القفال. وقال أبو حامد: قول واحد إنه مستحب وهو خلاف ما حكينا من النص، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ سورة ق في الخطبة، وروي أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات".

ويستحب الدعاء فيهما، وإن كان لا يجب إلا في الأخيرة على ما بينا. وقال بعض أصحابنا: لو أتى بالدعاء في الأولى دون الثانية لم يجزه. وأما الدعاء للسلطان أو لرجل بعينه فهو غير منقول عن السلف. قال عطاء رحمه الله: هذا شيء محدث لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا واحد من الصحابة وإنما كانت الخطبة تذكيراً. فإن [137 أ/ 3] دعا لرجل بعينه أو على رجل بعينه قال الشافعي رحمه الله: كرهته ولا إعادة عليه، ويستحب أن يطول الدعاء. قال - صلى الله عليه وسلم -: "طولوا الصلاة واقصروا الخطبة". وأما لفظ الوصية فليس بشرط حتى لو قرأ آية فيها العظة والوصية جاز، ويخص الخطبة الوصية والباقي تبع لها. فرع لا تجوز بالفارسيه مع القدرة على العربية خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لما ذكرنا من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفيه وجه آخر أنه يجوز؛ لأنه لا يتعين فيها لفظة مخصوصة فكذلك لا يتعين لغة. فَرْعٌ آخرُ لو لم يكن فيهم من يحسن العربية يخطب بالفارسية في مدة إمكان التعلم، فإن مضت مدة الإمكان يصلون ظهرا ولا يصلون جمعة. فرع لو قرأ في الخطبة آيات من القرآن تتضمن تحذيراً ووعظاً بدلا من الوصية لا يجوز عنهما، لأن القراءة فرض فلا يؤدي به فرضين فإنه واحد. فرع لا يجب الترتيب في ألفاظ الخطبة قولاً واحداً نص عليه في "الأم " والأفضل أن يبدأ بالحمد، ثم بالصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[137 ب/ 3]، ثم بالوصية ثم بقراءة القرآن ومن أصحابنا من قال: يجب الترتيب؛ لأن المنقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الترتيب. فَرْعٌ آخرُ المستحب أن يخطب بما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقال: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستنصره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد إن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حتى يفيء إلى أمر الله"، وخطب يوماً فقال في خطبته: "ألا إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر وان الآخرة أجل صادق يقضي فيها ملك

قادر، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار، فاعملوا وأنتم من الله على حذر واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره"، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[138 أ/ 3] خطب يوم الجمعة "فحمد الله وأثنى عليه ثم قال على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه واحمرت عيناه كأنه منذر جيش، ثم قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، وأشار بأصبعه الوسطى والتي تلي الإبهام، ثم يقول: "إن أفضل الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدث بدعة من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليً". وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يجلس بينهما ويقرأ القرآن ويذكر الناس. وروي عن صفوان بن يعلى قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يقرأ على المنبر {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ} [الزخرف: 77] فإن قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى قال الشافعي رحمه الله: أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على من قال ذلك فيكره له ذلك حتى يقرأ اسم الله تعالى ثم يفرد بعده اسم رسوله فلا يذكره إلا منفرداً فقد قال رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما شاء الله وشئت فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: [138 ب/ 3] "أمثلان قل ما شاء الله، ثم شئت" فنهاه عن العطف في المشيئة بالواو ونقله إلى حرف ثم لبدله بذلك على أن المشيئة من جهته، إنما تكون بمشيئة الله تعالى، وأن المخلوق إنما يشاء شيئاً؛ لأن الله تعالى يشاء إن شاء مخلوقه ذلك الشيء ودل هذا من كلام الشافعي رحمة الله عليه على أن مذهبه مذهب أهل الحق. ثم قال الشافعي رحمه الله: ومعقول أن الخطبة جمع بعض الكلام من وجوه إلى بعض وهذا أوجزه أي: هذا الذي ذكرته من أقل الخطبة هو أوجزه فلا يجوز أن يقتصر على ما قاله أبو حنيفة. فإن ذلك لا يسمى خطبة ولا يسمى المتكلم به خطيباً. واحتج أبو حنيفة رحمه الله بما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله علمني عملاً أدخل به الجنة فقال: "إن قصرت الخطبة لقل أعرضت المسألة" فسمي ذلك خطبة قلنا: هذا السؤال لا يكون خطبة بالإجماع، ثم لعله سماه خطبة مجازاً وكلامنا في الحقيقة، وفي الحقيقة قوله: لا إله إلا الله أو سبحان الله لا تكون خطبة. وروي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما [139 أ/ 3] الله، وعن مالك رحمه الله روايتان: إحداهما: أن من هلل أو سبح أعاد ما لم يصل والثانية: أن لا يجزي إلا ما تسميه العرب خطبة وعن أحمد رحمه الله نحو مذهبنا. فَرْعٌ آخرُ إذا خطب الأولى جلس ويكون جلوسه بقدر قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

[الإخلاص: 1] ثم إذا فرغ من الخطبة الثانية أخذ في النزول، وأخذ المؤذن في الإقامة حتى يكون فراغه من النزول مع فراغه من الإمامة. مسألة: قال: وإن حُصر الإمام لُقن. وهذا كما قال. هكذا قال هاهنا، وقال في موضع آخر: لا يلقن وليست المسألة على قولين، وإنما هي على اختلاف الحالين: فإن كان يرجى أن يستدرك هو فلا يلقن وان كان لا يرجى ذلك وانفلق عليه يلقن، وهذا إذا سكت طالباً للتلقين، فإن مضى إلى فصل آخر وترك ذلك يترك وذاك، وإنما يمكن الفتح عليه في فصول معروفة فأما إذا كان سنة في الحال لا يمكن الفتح عليه. مسألة: قال: وإن قرأ سجدة فنزل فسجد لم يكن به بأس. وهذا كما قال، إذا قرأ على المنبر وهو يخطب للجمعة آية السجدة، فإن [139 ب 3] أمكنه أن يسجد عليه سجدها، وإن لم يمكنه السجود في موضعه. فإن تركه جاز: لأنه ليس بواجب عندنا، وإن نزل وسجد على الأرض. قال في "الأم" رجوت أن لا يكون به بأس لأنه ليس يقطع للخطبة كما ليس يقطع للصلاة، فإذا فرغ صعد وبنى، فإن استأنف الكلام فحسن، وهذا إذا لم يتطاول الفصل بين النزول والصعود إلى موضعه، فإن تطاول فهل يبني أم يستأنف؟ قولان: قال في "القديم ": يبني، وقال في "الجديد": يستأنف. وقال القفال: هذا إذا كان المنبر درجتين مثل منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحتاج في نزوله إلى عمل كثير، فأما إذا كان نزوله أكثر من ذلك انقطع به خطبته ويلزمه استئنافها، والمسألة مشهورة بالقولين، وعندي أنه لا اعتبار بالدرجتين وزيادة بل الاعتبار بالقرب والبعد على العرف والعادة، ويمكن النزول عن خمس درجات بسرعة والصعود إليها بسرعة بحيث لا يكون فصلاً طويلاً. وقال في موضع من "الأم": لا ينزل ولا يسجد فإن نزل فسجد رجوت أن لا يكون به بأس وهذا يدل على [140 أ/ 3] أن تركه أفضل وهذا لأن الخطبة فرض والسجود سنة، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قرأ في خطبته الآية التي في سورة ص، وقال: "إنما هي توبة نبيّ ولكني رأيتكم تشرفتم للسجود"، فنزل وسجد ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فلم ينزل ولم يسجد، ومثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. مسألة: قال: وان سلم رجل والإمام يخطب كرهته.

الفصل وهذا كما قال إذا دخل رجل والإمام يخطب بالأولى له أن لا يسلم ويكره له ذلك، وقال في "الأم": لا بأس أن يسلم ويرد عليه، والإمام يخطب يوم الجمعة فحصل من هذا أن الأولى أن لا يسلم، وهل يكره؟ قولان: فإن خالف فسلم، قال: هاهنا يرد عليه بعضهم أي: يجيب عن سلامة بعضهم وعلل فقال: لأن الود فرض، يعني: في غير هذا الموضع لأن المسلم في هذا الموضع وضع السلام في غير موضعه، وترك الأدب فيه فلا يستحوذ الرد، ألا ترى أنه روي أن رجلاً مر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو [140 ب / 3] يقضي حاجته فسلم عليه فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وضرب يده على الجدار وتيمم، ثم ناداه ورد عليه السلام وقال له: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ، فإنك إن سلمت عليَّ لا أرد عليك ولولا أني خشيت أن تقول: سلمت على رسول الله فلم يرد عليَّ ما رددت عليك ". ثم قال الشافعي رحمه الله: ويسع تشميت العاطس؛ لأنه سنة، يعني لا أكره تشميت العاطس في هذه الحالة ما أكره من رد السلام؛ لأن العطاس لم يكن إلا العاطس فكان معذوراً فيه. بخلاف المسلم فإن السلام إليه هذا مذهب الشافعي في الجايد، وهو أن الصمت في حال الخطبة سنة ويجوز فيها رد السلام وتشميت العاطس. وقال في"القديم": لا يشمت العاطس ولا يرد السلام إلا بالإشارة، وهذا لأن الصمت فرض، وفيه قول مخرج. ذكره أبو إسحاق رحمه الله أنه يشمت العاطس ولا يرد السلام، فحصل في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يشمت ولا يرد السلام، والثاني: يشمت ويرد السلام، والثالث: يشمت [141 أ/ 3] ولا يرد واختار المزني أنه يشمت ويرد، وقال: لأن الرد فرض والصمت سنة والفرض أولى وهذا غير لازم؛ لأنه على القول الذي يقول: الصمت فريضة أجاب بهذا الجواب، ثم استدل المزني رحمه انه على أن الصمت سنة بكلام الخطيب في الخطبة فقال: وهو يقول، يعني به الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلم قتلة ابن أبي الحقيق وكلم سليكاً الغطفاني، أما خبر سليك فقد ذكرناه. وأما حديث ابن أبي الحقيق فهو ما روي أنه "كان يهودي بخيبر يكنى أبا رافع كان يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويغري المشركين على قتاله فاستأذن عبد الله بن عتيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتله فأذن له، فخرج في جماعة إلى أن احتال في دخول حصنه فقتله فيه، ثم رجع أصحابه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعهم السيف الذي قتل به أبو رافع والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة فدخلوا فدعاهم وكلمهم" وهذا أيضاً ليس بلازم، لأن الخطيب إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك الخطبة، ولا يكون [141 ب/ 3] في حال كلامه خطيباً وغيره إذا تكلم وهو يخطب فقد ترك ما أمر به من الاستماع للخطبة والإنصات لها فلم يجز،

وهذا ذكره القفال وبعض أصحابنا. وقد ذكرت فيما مضى نصاً عن الشافعي رحمه الله أنه قال: يحرم الكلام على الخطيب أيضاً على هذا القول، والجواب عن هذا أن هذا الكلام هو من جملة ما يعنيه، ولا يجوز ذلك عندنا، وأما رد السلام فليس من ذلك، لأن المسلم أساء الأدب بالسلام في غير موضع السلام فلا يجاب. وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان مبنيان على أن الخطبة في معنى الصلاة أم لا؟ وفيه قولان: وعلى هذا هل تفتقر إلى الطهارة هل يجب فيها التتابع، وهل يبني الغير على خطبة الغير؟. فرع أقل ما يتأذى به سنة السلام أن يقول: السلام عليك؛ ولو قال: "سلام عليك" بغير ألف ولام مع التنوين يجوز، والأولى أن يقول: "السلام عليكم حتى يقول: سلاماً عليه وعلى من، وأقل الجواز أن يقول: وعليك السلام. ولوترك حرف الواو فلا يكون مجيباً لأن المنقول في الشرع الكلمة مع واو العطف وكمال السلام هو [142 أ/ 3] أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويقول: المجيب: وعليكم اللام ورحمة الله وبركاته. فَرْعٌ آخرُ إذا نادى رجل من خلف حائط، وقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتاباً وكتب فيه السلام على فلان، أو أرسل رسولاً وقال: سلم على فلان فبلغه، فإنه يجب عليه الجواب، لأن تحية الغائب بالمبادأة والكتابة والرسالة فعليه أن يجيب تحيته مثلها أو بخير منها كما قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} [النساء: 86]. فرع إذا سلم على أصم لا يسمع شيئاً يجب عليه أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته، ويشير باليد حتى يحصى الإفهام فيستحق الجواب، فإن لم يجمع بينهما لا يستحق الجواب، وهكذا لو سلم عليه أصم وأراد الود عليه تلفظ باللسان ويشير بالجواب حتى يحصل له الإفهام. فَرْعٌ آخرُ لو سلم على أخرس فأشار باليد سقط عنه الفرض؛ لأنه يقوم مقام العبارة، وهكذا لو سلم عليه الأخرس بالإشارة يستحق الجواب لما بيناه. فَرْعٌ آخرُ لو سلم على جماعة وفيهم صبي فلم يرد إلا الصبي لا يسقط عنهم الفرض، لأن الصبي ليس من أهل الفرض [142 ب/ 3]. فَرْعٌ آخرُ أنه إذا سلم الصبي هل يستحق رد الجواب؟ وجهان: مبنيان على أن سلامه يصح أم لا؟

فَرْعٌ آخرُ لو لقي جماعة فأراد أن يخص بعضهم بالسلام يكره، لأن فيه إيحاش الباقين وربما يكون سبباً للعداوة. فرع إذا سلم على رجل جماعة فقال: وعليكم السلام وقصد الرد عليهم سقط الفرض في حق الكل، كما لو صلى على جنائز دفعة واحدة. فَرْعٌ آخرُ إذا سلم على رجل ثم التقى به ثانياً يستحب له أن يسلم ثانياً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفشوا السلام بينكم"، وروي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كانوا إذا كانوا في طريق تستقبلهم شجرة فاجتازوا عليها سلم بعضهم على بعض ". فرع لو أن وجلين تلاقيا فخاطب كل واحد منهما بالسلام دفعة واحدة، أو على الترتيب لم يقم مقام الجواب، وعلى كل واحد أن يجيب. فَرْعٌ آخرُ إذا لقي وجلاً فقال له ابتداء: وعليكم السلام لم يكن به مسلماً حتى يستحق الجواب، لأن هذه الصنيعة هي مشروعة للجواب فلا تصح للابتداء. فَرْعٌ آخرُ النسا، بعضهن [143 أ/ 3] مع بعض في السلام كالرجال مع الرجال، فإن سلم على امرأة، فإن كانت زوجة أو محرماً له فعليها الجواب، وإن كانت أجنبية فإن كانت شابة تخشى الفتنة فلا يجوز لها رد الجواب، ويكون الرجل مفرطاً بالسلام عليها، وهكذا المرأة إذا سلمت على رجل، فإن كانت زوجته أو محرماً له أو عجوزاً لا يخاف منها الفتنة فإنه يلزمه الجواب، وإن كانت شابة تميل إليها النفس يكره أن يجيب لأنها مفرطة بالسلام. فَرْعٌ آخرُ إذا دخل الرجل دار نفسه يستحب له أن يسلم على أهله، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا دخل بيته فسلم على أهله كثر خير بيته ". فرع إذا دخل مسجداً أو بيتاً ليس فيه أحد يستحب أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور: 61].

فَرْعٌ آخرُ جرت عادة بعض الناس بالسلام عند القيام ومفارقة القوم، وذاك دعاء فيستحب الجواب ولا يجب؛ لأن التحية تكون عند اللقاء لا عند المفارقة. فرع لو سلم على رجل لا يعرفه فبان دمياً يستحب أن يسترد سلامه [143 ب/ 3] فيقول له: أردد علي سلامي والفرض أن يوحشه ويظهر أنه ليست بينهما إخوة ولا إلفة، وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه "أنه سلم على رجل فقيل له: إنه يهودي فتبعه وقال: "رد على سلامي". فرع إذا أراد تحية ذمي يجب أن يكون بغير السلام، فيقول: هداك الله، أو أطال الله بقاك، أو أنعم الله صباحك ونحو ذلك. فَرْعٌ آخرُ إذا سلم عليه ذمي لا يزيد في الجواب على قوله وعليك. فرع زيارة القادم سنة، وقد انتشر ذلك فيما بين الناس وتواتر به النقل، ويستحب أن يعانق القادم، لما روي أن جعفر بن أبي طالب لما رجع من الحبشة "قام إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعانقه". فَرْعٌ آخرُ المصافحة سنة، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المصافحة تزيد في المودة" وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "أما علمت أن المسلمين إذا تصافحا تحاتت ذنوبهما". فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يكره لمن دخل على قوم أن لا يطمع في قيامهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار". إلا أنه يستحب للقوم [144 أ/ 3] أن يكرموه لما روي أن سعد بن معاذ لما أقبل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقومه من أوس: "قوموا لسيدكم" وقال - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"،وبسط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رداءه لدحية الكلبي إكراماً له.

فَرْعٌ آخرُ إذا أراد تقبيل يد غيره، فإن كان يعظمه لزهده أو علمه أو كبر سنه لم يكره لما روي أن أعرابياً قعد عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحسن كلامه فقال له: ائذن لي حتى أقبل وجهك فأذن له ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك فلم يأذن له" وإن كان يعظمه لأجل غناه أو لسلطنته لم يجز لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه". فرع الدخول على الأغنياء والسلاطين لا يستحب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى فتمرض قلوبكم" قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء". فَرْعٌ آخرُ التحية بالطليقة وانحناء الظهر وتقبيل اليد لا أصل له في الشرع، إلا أنه لا يمنع لما روي أن عمر رضي الله عنه لما دخل الشام كان أهل الذمة [142 ب/ 3] يحيون الله ويخدمونه بين يديه بتقبيل اليد وانحناء الظهر، يقال: إن هذا شيء جرت به عادتهم في التعظيم فإذا عظموا به المسلمين لا يمنعهم. فرع التحية عند الخروج من الحمام: يقال للذي خرج من الحمام: طاب حمامك لا أصل له، لكنه روي أن عليا رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست فسكت الرجل، وكان مع علي رضي الله عنه إنسان يهودي فقال للرجل: هلا أجبت أمير المؤمنين؟ فقلت: سعدت فلا شقيت، فقال علي رضي الله عنه: الحكمة ضالة المؤمن خذوها ولو من أفواه المشركين. فَرْعٌ آخرُ الاستماع إلى مدح المادحين بالشعر وغير الشعر لا يستحب، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب ". فَرْعٌ آخرُ إذا قرأ الإمام على المنبر {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} [الأحزاب: 56] الآية فهل يصلي الناس على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه؟ قال أصحابنا: إنه لا نص فيه للشافعي. ويجب أن يكون بمنزلة تشميت العاطس.

فَرْعٌ آخرُ الصلاة على غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[145 أ/ 3] كان جائزاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لأنه قال: "اللهم صل على آل أبي أوفى". فأما لغيره فيجوز أن يصلي على غير الرسول تبعاً ولا يجوز مقصوداً: لأن الله تعالى خص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة عليه فلا يشاركه في هذه الفضيلة غيره. مسألة: قال: والجمعة خلف كل إمام صلاها من أمير ومأمور. الفصل وهذا كما قال صلاة الجمعة لا تفتقر إلى الإمام ولا إلى إذنه، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله. وقال أبو حنيفة: لا تنعقد إلا بإذن السلطان، أو من يقوم مقامه، ولا يجوز لآحاد الرعية إقامتها، إلا أن يتعذر استئذانه فيجوز لصاحب الشرطة والقاضي أن يصليها من غير إذنه. وهذا غلط لما روي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "صلى بالناس الجمعة وعثمان رضي االله عنه محصور، ولم ينكر أحد، ولأنها صلاة مفروضة فلا تفتقر إقامتها إلى إذن السلطان كسائر الصلوات، فإذا تقرر هذا، أراد الشافعي بالأمير الإمام وبالمأمور خليفة الإمام وبالمتغلب الخارجي وبغير أمير القاضي، وتجوز الجمعة خلف كل من هو من أهل [145 ب/ 3] الفرض وتصح خلف العبد أيضاً، وقال مالك في رواية ابن القاسم: لا يجوز أن يكون العبد إماماً فيها لعدم كمالهء وهي إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله وهذا غلط؛ لأنه ذكر يؤدي فرض الجمعة فجاز أن يكون إماما فيها كالحر وتجوز خلف المسافر أيضاً. وحكي عن أحمد رحمه الله أنه قال: لا تجوز لأنها لا تجب عليه، وهذا غلط؛ لما ذكرنا وقد ذكرنا جوازها خلف الصبي قولين: قال في "الأم": لا يجوز، وقال في ا"الإملاء": يجوز. وهل تجوز خلف المتنفل؟ قد ذكرنا قولين: بناء على جوازها خلف الصبي. وقال القفال: نص الشافعي رحمه الله في صلاة الخوف أنه يجوز: لأنه قال: ولو صلى الإمام يوم الجمعة صلاة الظهر في شدة الخوف إيماء، ثم سكنت الحرب ووقت الجمعة باق لا تلزمه الجمعة، فإن بقي أربعون ممن لم يصل الظهر أمر بعضهم بأن يخطب ويصلي بهم، فإن خطب هو وصلى الجمعة جاز، وهو متنفل في هذه الحالة. وهل يجوز خلف الجنب إذا لم يعلم؟ قد ذكرنا قولين: قال أصحابنا: هما مبنيان على [146 أ/ 3] الصبي فإن قلنا: خلف الصبي يجوز بعلة أنه يجوز أن يكون إماما في غير هذه الحالة فيجوز هاهنا. وإن قلنا: لا يجوز خلف الصبي لأنه لا يسقط الفرض عن نفسه لا يجوز هاهنا. وقال أبو حامد رحمه الله: هذا ترتيب مليحء ولكن مذهب

الشافعي غير هذا، لأنه قال في "الأم": ولا يكون الصبي إماماً فيها، ولو كان جنباً أو محدثاً فإنه يصح فلا معنى لما ذكر أصحابنا، وأما المرأة فلا يجوز إمامتها للرجال أصلاً ولا تنعقد الجمعة بالنساء المنفردات لحال. مسألة: قال: ولا يجمع في مصر وان عظم أهله. الفصل وهذا كما قال. لا يجوز أن يصلي الجمعة في بلد واحد، وبه قال مالك، وهو ظاهر قول أبي حنيفة وليس له نص صريح في هذا، وقال أبو يوسف: إذا كان للبلد جانبان جاز أن يقام في كل واحد منهما جمعة، وبه قال أبو الطيب بن سلمة: وجاز في بغداد في موضعين، لأن نهر دجلة حائل بينهما، وقال محمد: القياس أنه لا يجوز أكثر من جمعة واحدة، ولكنا نجوزها في اثنين استحسانا [146 أ/ 3] ولا فرق في هذا بين الجانب والجانبين. وروي عنه أنه يجوز في ثلاثة، وقال أحمد: إذا كثر أهله كبغداد اد والبصرة جاز أن يقام فيه جمعتان وأكثر، وإن لم يكن بهم حاجة لا يجوز أن تقام إلا جمعة واحدة. وقال داود: يجوز أن يصلوا الجمعة في مساجدهم كما يصلون سائر الصلوات. وهذا غلط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما جمع إلا في مسجد واحد. وكذلك الخلفاء من بعده، ولو جاز ذلك لم يعطلوا المساجد وكانت إقامتها في موضعين أولى من إقامتها في موضع واحد. وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي صلى فيه الإمام"، وقال الشافعي رحمة الله عليه: "لو جاز في مسجدين لجاز في مساجد العشائر" يعني: القبائل ولأن الجمعة سميت بهذا الاسم لاجتماع الناس بها فيجب أن لا يفترقوا، واحتج أبو يوسف بأن دجلة تقطع بينهما فصار كالبلدين، واحتج محمد بما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يخرج يصلي العيد في الجبان ويستخلف أبا مسعود [147 أ/ 3] البدري فصلى بضعفة الناس وعنده حكم الجبان حكم البلد، والجمعة والعيد. واحتج داود بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي هريرة رضي الله عنه بالبحرين "أن جمعوا حيث ما كنتم ". قلنا: أما ما قال أبو يوسف: لا يصح لأنه لو كان كما قاله لوجب إذا عبر المسافر من أحد الجانبين إلا الآخر يجوز له القصر، وأجمعنا أنه لا يقصر حتى يفارق البنيان من الجانبين وهم لا يسلمون هذا ويقولون: إذا عبر يجوز له القصر حين يحصل في الماء، فيقول: الظهر من مصلحة العمارتين فلا يكون حائلاً ولا يجعل كالبلدين، وأما ما قال محمد: عندنا يجوز العيد في كل موضع وللمنفرد أيضا فلا حجة فيه. وأما خبر عمر رضي الله عنه قلنا: أراد في أي بلد كنتم، واحتج أحمد بالمشقة قلنا: العادة جارية أنه لا يشق على أهل البلد الاجتماع في جامع البلد. وان وجب ذلك فهو مشقة محتملة يسيرة لا اعتبار بها، فإن قيل: أليس دخل الشافعي بغداد وكانوا

يصلون في ثلاثة جوامع المنصور، وجامع المدينة، وجامع [147 ب/ 3] الرصافة؟ ولم ينكر ذلك، قلنا: إنما ترك الإنكار: لأنها مسألة اجتهاد وليس لبعض المجتهدين أن ينكر على البعض منهم واعتقاده في بغداد أنها لا تجوز إلا في موضع واحد أيضاً. وقال أبو الطيب بن سلمة: إنما منع الشافعي في غير بغداد حيث تكون البلد ذا جانب واحد وبغداد ذو جانبين وهذا لا يصح، لأن هذا القائل لا يجوز في بغداد إلا في موضعين وقد رأى الشافعي ثلاثاً في ثلاثة جوامع ولم ينكر. وقال أبو إسحاق وابن سريج: إنما لم ينكر، لأنه كان بلدا كبيراً لا يمكن اجتماع الجمع في موضع واحد إلا بمشقة عظيمة. ولو أن مدينة اتصلت عمارتها فرسخين أو ثلاثة يلزمهم أن يجمعوا في موضع واحد لهذا وهذا أقرب وبه أقول، ولكنه عين قول أحمد رحمه الله، وليس بمذهب الشافعي رحمه الله لما ذكرنا. وقال أبو جعفر الترمذي من أصحابنا: إنما لم ينكر لأنها مدن اتصلت عمارتها لأن المنصور بنى المدينة منفردة على الكرخ وهذا بنى كل جانب منفرداً، فكل ناحية منها هي بمنزلة المدينة المنفردة، ثم اتصلت [148 أ/ 3] عمارتها فبقيت على حكمها، ألا ترى أنه لو اتصلت عمارة بغداد بواسط مثلاً لا يجعل في حكم البلد الواحد كذلك هاهنا، وفي هذا نظر أيضا. وقال الداركي: سئل أبو إسحاق فقيل له: إن أهل مرو يصلون الجمعة في موضعين، ويمكنهم أن يجمعوا في موضع واحد فقال: لأهل مرو في ذلك قصة وذلك أن أبا مسلم دخل مرو وأخذ دوراً وبناها الجامع، فتورع الزهاد وأصحاب الحديث عن الصلاة فيه وصلوا في غيره، وصلى أصحاب الرأي في جامع أبي مسلم فحصلوا حزبين. فإذا تقرر هذا فكل بلد لا يجوز أن يصلوا الجمعة فيه، في موضعين إذا صلوها في موضعين لا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يكون في واحدة منهما إمام ولا صاحبه. والثاني: أن يكون في إحداهما إمام وفي الأخرى صاحبه. والثالث: أن يكون في إحداهما إمام أو صاحبة وليس في الأخرى واحد منهما. ففي القمسين الأولين إن علمت السابقة منهما بعينها ولم يشكل فإنها هي الجمعة الصحيحة، وعلى الآخرين أن يعيدوا الظهر أربع ركعات [148 ب/ 3] واعتبار السبق بالإحرام فإن الجمعة تنعقد بالإحرام، فإذا انعقدت لم يصح عقد غيرها وهذا هو المذهب، ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر: إنه يعتبر بالفراغ، لأنه لا يحكم بصحتها إلا بالفراغ منها. وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى أن يحكم بصحة انعقاد الجمعتين ثم ببطلان إحداهما وهذا لا يجوز. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يعتبر بالشروع في الخطبة لأن حكمها حكم الصلاة لأنها لا تصح إلا بعد دخول وقت الصلاة وهذا ليس بشيء؛ لأن الخطبة شرط في الجمعة لا نفسها فلا اعتبار بالسبق فيها، فإن علمت السابقة ثم أشكلت أو علم أن إحداهما سبقت الأخرى، فإن في هذه الأقسام الأربعة يجب على الكل إعادة الصلاة. وقال المزني: لا تلزم الإعادة في القسمين الأولين من هذه الأقسام الأربعة لأنهما أديتا

في الظاهر فلا يحكم ببطلانهما بالشك. وهذا غلط؛ لأن كل واحدة منهما مشكوك في صحة الإحرام بها؛ فإنها إن كانت هي السابقة صح الإحرام بها وإلا فلا، والصلاة لا تصح إذا دخل فيها بالشك، كما [149 أ/ 3] لو شك في ركن الطهارة، ودخل في الصلاة. فإذا تقرر هذا، فكيف يعيد إن علم أنهما وقعتا معاً في حالة واحدة؟ يجب إعادة الجمعة لأنه لم تصح جمعة واحدة من الطائفتين وليست إحداهما بالبطلان أولى من الأخرى فبطلت، كما لو تزوج بأختين معاً بطل نكاحهما وان سبقت إحداهما الأخرى ولم تتعين أو تعينت، ثم أشكلت فهل تجب إعادة الجمعة أم الظهر؟ قولان: أحدهما: الظهر لأن الجمعة قد أقيمت في هذا اليوم بيقين فلا تقام ثانياً. والثاني: الجمعة لأنه لم يعتد بما فعلوا فكان وجوده وعدمه سواء. وقال بعض أصحابنا بالعراق: لا خلاف بين أصحابنا أنه لا يجب إعادة الجمعة، ولكن هل يجوز أن يصلوا الجمعة؟. قال في "الأم": يجوز وقال الربيع: فيه قول آخر إنه لا يجوز وبنحو هذا ذكر القفال قال: ونظير القولين نظير الوليين إذا أنكحا وعلم أن أحدهما سابق ولم يتعين، ففيه قولان: أحدهما: أن النكاح باطل فعلى هذا تجوز الجمعة هاهنا. والثاني: هو موقوف فعلى هذا يلزم إعادة الظهر هاهنا. قال [149 ب/ 3] القفال رحمه الله: وهذا إذا لم تعرف السابقة. قال القفال: فإذا عرفت السابقة ثم خفيت فلا تجوز جمعة أخرى قولاً واحداً، كما قلنا في نكاح الوليين في هذه الصورة هما باطلان قولاً واحداً، فإن قيل: إذا تعينت ثم أشكلت ينبغي أن يوقف كما قلتم في الوليين إذا أنكحا، وفي الميراث في الغرقى قلنا في الجمعة: إذا وقفنا فقد فات وقتها بخلاف الميراث والنكاح فإن وقتهما لا يؤدي إلى فوات وقتهما فجاز أن يوقفا، وان لم يعلم هل وقعتا في حالة واحدة أو سبقت إحداهما الأخرى فيعيدون الجمعة هاهنا قولاً واحداً؛ لأنا حكمنا ببطلانهما لجواز أن تكون وقعتا في حالة واحدة، فكأنهم لم يصلوا أصلاً هكذا ذكره القاضي الطبري والقفال رحمهما الله. وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: هذا نظير ما لو عرف العين ثم أشكل فيه قولان: وما تقدم أصح. وأما القسم الثالث من أقسام الأصل: إذا كان في إحداهما إمام دون الأخرى اختلف قول الشافعي رحمه الله فيه قال في "الأم": السابقة أولى بكل حال وان كان الإمام [150 ا/ 3] الذي صلى بهم إماماً حقيقة أو متغلباً أو عزله الإمام فامتنع من العزل وهذا أصح؛ لأن السابقة انعقدت صحيحة فلا تفسد بعقد الثانية. وقال في كتاب العيدين: لو صلى غير الإمام الجمعة في المسجد الأعظم والإمام في مسجد أصغر منه وصلاة الإمام، ومن معه جائزة ويعيد الآخرون.

باب التكبير إلى الجمعة

قال أبو إسحاق رحمه الله: وهذا أحفظ القولين لأن في إطلاق ذلك فساد الصلاة على أهل البلد وأهل الإسلام، ومتى شاء أربعون أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم صلوا أولاً فإذا قلنا: الجمعة للسابق فالأقسام التي قدمناها تجيء هاهنا. فرع لو أحرم الإمام بأربعين، ثم أخبر في أثنائها أن غيره قد أقامها قبله فلأن قلنا: جمعه الإمام أولى، فإن الأدلة باطلة، وإن قلنا: السابقة الأولى كان فرضه الظهر وجاز له إتمامها ظهرا. قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يستأنف الظهر بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة يتمها ولا يستأنف؛ لأنه عقدها بنية الظهر وهذا عقدها بنية الجمعة فأحببنا له استئنافها ظهرا. وقال القفال رحمه الله: نص الشافعي رحمه الله هاهنا أن عليهم استئناف الظهر بخلاف المسافر: لأن أصل فرضه أربع، ولو أتموا أربعاً لم يبن أن عليهم [150 ب/ 3] الإعادة، لأنه قد يحرم بالجمعة، ثم يخرج الوقت فيصليها ظهرا. قال القفال رحمه الله: فحصل قولان: وإذا خرج وقت الجمعة فمن هاهنا قول مخرج إنهم يستأنفون الظهر، ومعنى القولين إن الجمعة والظهر صلاة واحدة بقصر ويتم، أو هما صلاتان على الخلاف وهذا تخريج بعيد، وفي لفظ الشافعي على ما سبق ما يمنع هذا. وقد نص في "الأم" على أنه لو صلى بهم الجمعة، ثم تذكر الإمام أنه كان جنباً عاد ظهرا وأجزأت الجمعة في حق المأموين، فإن اغتسل وأعاد الخطبة وصلى بطائفة الجمعة لم يكن له ذلك وعليه الظهر، فإن خالف وفعل، ثم ذكر في أثناء الجمعة أن عليه الظهر كان له أن يبني على الظهر، وان عقدها بنية الجمعة كرجل يدخل في آخر الجمعة ينوي الجمعة ويكون فرضه الظهر، ثم قال: وأحب له أن يستأنف الظهر هاهنا. وهذا يدل على ضعف هذا التخريج الذي ذكره القفال. باب التكبير إلى الجمعة قال أخبرنا سفيان ..... وذكر الخبر. وهذا كما قال: يستحب أن يبكر إلى الجمعة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [151 أ/ 3] "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر"، ومعنى غسل الجنابة، أي: كغسل الجنابة، وقيل: أراد أنه جامع واغتسل لتسكن نفسه في يومه، وأراد بالرواح: الخروج إلى الجامع، وحقيقة الرواح في آخر

النهار، وأوله من حين تزول الشمس ويستعمل في الانقلاب من موضع إلى موضع سواء كان في أول النهار، أو في آخره على طريق التوسع، والمجاز كما أن حقيقة الغدو في أول النهار ويستعمل في المضي، والذهاب في أول النهار وآخره على طريق المجاز. واختلف أصحابنا في الرواح من أي وقت اعتبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنهم من قال: من حين طلوع الفجر الثاني وهو الصحيح، لأنه أول ما يصح فيه غسل الجمعة، وهو أول وقت الرواح وهو ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه قال: وكلما قدم التبكير كان أفضل وإنما عبر بالرواح؛ لأنه خرج لأمر يؤتى به [151 ب/ 3] بعد الزوال، ومنهم من قال: من حين طلوع الشمس؛ لأن أهل الحساب يعدون أول النهار من حين طلوع الشمس. قال في "الحاوي": وهذا أصح ليكون ما قبل ذلك من طلوع الفجر زمان غسل وتأهب. وقال القفال رحمه الله: أراد بالساعات أزمنة لطيفة لا الساعات التي عند المنجمين لأن النهار في الشتاء يتراجع إلى تسع ساعات، فتكون الساعة الخامسة بتمامها زائدة على نصف النهار، والمراد بذلك كله بعد الزوال، فمعنى الخبر من راح إلى الجمعة بعد الزوال فدخل المسجد أولاً فكأنما قرب بدنة على هذا الترتيب، والدليل على أنه أراد بعد الزوال، لأن الأمر من الله تعالى إنما يتوجه بعد الزوال لا قبله، ويستحيل أن يكون أعظم الثواب في وقت لم يتوجه فيه الأمر، وأقل الثواب في وقت توجه فيه الأمر. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بأعظم من أداء فريضة " وهذا كله إذا كانت الدار قريبة من المسجد. فأما إذا كانت الدار بعيدة من المسجد فالواجب أن يتهيأ للقصد في وقت يتيقن الإدراك، وقال أيضاً: الدرجات غير مقصورة على الخمس لا غير [152 أ/ 3] حتى لو جاء خمسة نفر وللخامس أجر من قرب بيضة فللسادس ومن بعده أقل من ذلك، ولكن السادس مع الخامس كالمهدي بقرة مع المهدي شاة وعلى هذا. والمقصود بيان تفاوت الدرجات لا غير، وهذا أحسن، ولكنه خلاف ظاهر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقول الشافعي رحمه الله، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر" يدل على أنه لا فضيلة لمن جاء بعده كما روي في خبر آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا الصحف وحضروا يسمعون الدكر". فمن جاء بعد ذلك جاء بفرض"، وأراد بقوله: قرب بدنة، أي: ثوابه كثواب من تقرب إلى الله تعالى ببدنة أو بيضة، وجعلها قرباناً وتقرباً إلى الله تعالى. وروي عن علقمة رضي الله عنه أنه قال: "حضرت وعبد الله بن مسعود الجمعة، وقد

سبقنا ثلاثة، فقال عبد الله: رابع أربعة وما رابع [152 ب/ 3] أربعة ببعيد، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الناس بالقرب من ربهم على قدر رواحهم إلى الجمعة"، وأيضاً روى أوس بن أوس الثقفي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها". وروي في خبر آخر: "وبكر وابتكر ولبس من ثيابه أحسن ما قدر عليه ومس طيباً إن كان عنده وخرج، ولم يتخط رقاب الناس، وأنصت حتى خطب الإمام كان كفارة لما بين هذه الجمعة وما قبلها". وروي "خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وروي "وجلس قريباً واستمع ولم يرفث ". واختلف العلماء في معناه فمنهم من قال: هذا من الكلام الظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين، ألا ترى أنه قال: "ومشي ولم يركب"، ومعناهما واحد، وبهذا قال الأثرم صاحب أحمد رحمهما الله ومنهم من قال قوله: غسل معناه غسل الرأس خامة وذلك؛ لأن العرب لهم لحم وشعور وفي غسلها مؤنة، فأفرد [153 أ/ 3] ذكر غسل الرأس من أجل ذلك، وقوله: واغستل معناه غسل سائر البدن، وبهذا قال عبد الله بن المبارك ومكحول، وقيل: روي غسل بالتخفيف. وروي غسل بالتشديد فبالتخفيف معناه تطهر واغتسل، وأما بالتشديد معناه غسل أعضاء الوضوء، وإنما شدد لتكرير الفعل كما يقال: قطعه إرباً إرباً. وقيل: معناه غسل غيره فإن جامع واغتسل هو وبهذا قال وكيع: وقيل: روي هذا بالعين عسل غير المعجمة بتشديد السين، معناه أصاب أهله ليكون أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لبصره. ومن هذا قول العرب فحل عسله إذا كان كثير الضراب. والعسيلة: هي الجماع ومعنى قوله: بكر، أي: أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، ومعنى ابتكر قدم في الوقت، وقيل: قوله بكر أي تقدم، وجاء بكرة وابتكر له تأويلان: أحدهما: أنه فعل أفعال المبكرين من الاشتغال بالعبادة من الذكر وقصد الصلاة ولم يقف على موضع اللعب والشعوذة. والثاني: أدرك باكورة الخطبة واشتقاقه من باكورة الثمرة التي هي أولها، وقيل معناه: بكر إلى صلاة [153 ب/ 3] الغداة وابتكر إلى صلاة الجمعة. وقال ابن الأنباري: معنى بكر، أي: تصدق قبل خروجه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها"، فإذا تقرر هذا يستحب أن يمشي إلى صلاة الجمعة والعيدين ولا يركب إلا أن لا يقدر عليه لضعف من كبر أو مرض فلا يكره له الركوب،

باب هيئة الجمعة

وإذا ركب فيجتهد أن لا يؤذي أحداً، وينبغي أن يمشي متوقراً لا يزيد على سجيته في المشي ولا يشبك بين أصابعه ولا يعبث، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة"، فألحق العامد إلى الصلاة بمن كان في الصلاة ولا يشك في الصلاة كذلك في طريق الصلاةء وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث" فقال: رجل من حضرموت، وما الحدث يا أبا هريرة قال: فساء أو ضراط. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن التشبيك بين الأصابع في الصلاة، وعن التفرقع في الصلاة وهو [154 أ/ 3] أن يثني أصابعه فيسمع من مفاصله صوت"، وروى كعب بن عجرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من توضأ فأحسن وضوءه، وخرج إلى المسجد عامداً فلا يشبك بين أصابعه". وروي عن النبي ´ - صلى الله عليه وسلم -: "أنه ما ركب في عيد ولا جنازة قط"، والجمعة هي في معنى ذلك، وإنما لم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد فلا يتوهم الركوب إليها، وهذا لأنه إذا ركب يضيق على الناس ويزاحمهم أنجس الطريق بالبول والروث، وربما يترشرش على الناس والماشي هو أكثر عملاً ويكون أخشع فكان أولى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا كانت عادته أن لا يركب فيها وهذا ليس بشيء، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -، لجابر بن عتيك: "إذا خرجت إلى الجمعة فامش على هيئتك"، وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يسعى إلى الجمعة سعياً لقوله: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وهذا عنانا مكروه، المراد بالسعي القصد على ما ذكرناه. باب هيئة الجمعة قال: أخبرنا مالك. . . الخبر. وهذا كما قال: المستحب [154 ب/ 3] أن يروح إلى الجمعة على أكمل ما يقدر عليه من نظافة وزينة وطيب رائحة، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في جمعة من الجمع: "يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه وعليكم بالسواك ". وهذا أمر تلطف وتطرف

ومقصوده الأمر ولكن هذا هو أحسن من قوله: "تطيبوا". وروي في خبر آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس ثيابه ومس طيباً إن كان عنده وحضر الصلاة ولم يتخط رقاب الناس ولم يؤخر وجلس حتى رجع الإمام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وأراد بالرجوع فراغ الإمام من الصلاة. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومس من طيب إن كان عنده ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج إلى المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة بينها وبين الجمعة"، ثم قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يتنظف بغسل [155 أ/ 3] وأخذ ظفر وشعر وعلاج بما يقطع تغير الرائحة من جميح جسده وسواك يريد به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في هذا الخبر بثلاثة أشياء فيقاس عليه ما في معناها: أولها: الغسل للتنظيف فيقاس عليه أخذ الشعر والظفر. والثاني: التطيب فيقاس عليه تطيب الثياب التي تلبسها. والثالث: السواك لإزالة الرائحة الكريهة فيقاس عليه استعمال المرتك وكل ما يزيل ويقطع تغير الفم من جميع جسده. وجملة ذلك سبعة أشياء: الغسل، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، والسواك، وما يزيل عن نفسه الروائح الكريهة، ولبس أحسن ما يجد من الثياب، والطيب. وقال في "الأم": واستحب له ذلك في كل عيد وأمره به وأحبه في كل صلاة جماعة، وان كنت له أشد استحباباً في الأعياد والجمع. فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجال لبس البياض، فإن جاوز البياض فعصب اليمن، وهي البرود المخططة والقطري، وهو نوع من الكتان. وقال الأزهري رحمه الله: القطري هي ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، هي منسوبة إلى قطر، وهو موضع بين عمان وسيف البحر وإنما كان كذلك؛ لأنه يصبغ بمنزله ولا يصبغ بعد التسبيح فأما ما يصبغ بعد التسبيح مكروه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه قط، وكذلك الخلفاء الراشدين. وأما السواد فلا يستحب لبسه مع وجود البياض لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبس السواد إلا يوم فتح مكة، فإنه دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء ويجوز أن يكون قد تعذر في تلك الحال البياض، وهذا لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أحب الثياب إلى الله تعالى البياض يلبسها أحياؤكم ويكفن فيها موتاكم". وروى سمرة بن جناب رضي الله عنه أن

النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب" وروي "خير ثيابكم البيض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم". وقال بعض أصحابنا: يجوز لبس السواد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقيم بعمامة سوداء ويرتدي بإزار أسحمي"، وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعاراً لهم، ولأن الراية التي عقدت للعباس رضي الله عنه يوم فتح مكة ويوم حنين كانت سوداء، وكانت راية الأنصار صفراء فينبغي للإمام [164 أ/ 3] أن يلبس السواد إذا كان السلطان له مؤثراً لما في تركه من مخالفته ويعتبر شعاره ذكره في "الحاوي". وجميع ما ذكرنا للرجال من النظافة فإنه يستحب للنساء إلا الطيب وما يستهدن به من الثياب، قال - صلى الله عليه وسلم -: "طيب النسا، ما ظهر لونه وخفيت رائحته، وطيب الرجال ما ظهرت رائحته وخفي لونه". وفي لفظ: "طيب الرجل ما ظهر ريحه وبطن لونه، وطيب النساء المرأة ما ظهر لونه وبطن ريحه"، وقال: "إنهن يحضرن الذكر والصلاة وليحضرن بثلاث غير عطرات". وروي أن امرأة مرت يوم جمعة على أبي هريرة رضي الله عنها فشم منها رائحة المسك، فقال لها: يا أمة الجبار: أين تريدين؟ قالت: الجمعة، فقال: ولها تطيبت؟ قالت: نعم، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيما امرأة خرجت إلى الصلاة متعطرة لم يقبل الله تعالى صلاتها حتى ترجع وتغتسل اغتسالها من الجنابة"، فرجعت تلك المرأة. فرع قال في "الأم": واستحب هذا للعبد والصبيان كما استحب للرجال وهذا لأنهم من جنس الرجال الأحرار. فَرْعٌ آخرُ قال: ويستحب للإمام من النظافة والزينة أكثر مما [164 ب/ 3] يستحب لسائر الناس؛ لأن الإمام يتقدم على الناس ويقتدي به، قال: وأحب له أن يقيم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقيم ويستحب أن يرتدي فإنه صلى - صلى الله عليه وسلم - عليه وسلم كان يرتدي ببرد.

فَرْعٌ آخرُ قال: واستحب كثرة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل حال، وأما في يوم الجمعة وليلتها أشد استحباباً قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أقربكم مني مجلساً في الجنة أكثركم صلاة عليّ فأكثروا الصلاة عليّ في الليلة الغراء واليوم الأزهر". قال الشافعي رحمه الله: هما ليلة الجمعة ويوم الجمعة. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلى عليّ ليلة الجمعة أو يوم الجمعة مائة مرة قضيت له مئة حاجة سبعون من حوائج الآخرة، وثلاثون من حوائج الدنيا"، وروى أوس رضي الله عنه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضه عليّ" قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك. وقد ارمت؟ قال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أجساد الأنبياء" وقوله: أرمت أي: بليت وأصله أرممت، أي صرت رميما. فَرْعٌ آخرُ قال: وأحب [165 أ/ 3] قراءة سورة الكهف ليلة لجمعة ويومها. روى عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة"، وروي أنه قال: "من قرأ سورة الكهف وقي فتنة الدجال"، وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أصابه من النور ما بين الجمعتين"، وهذا كله. لأجل فضل هذا اليوم. قال سعيد بن المسيب رحمه الله: ما من يوم أحب أن أموت فيه ضحى إلا يوم الجمعة، وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة من غير ضرورة كان منافقاً في كتاب لا يمحى ولا يبدل"، وروي عن أبي جعد الضمري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات متهاوناً بها طبع الله على قلبه". اورده ابو عيسى الترمذي، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد رحمهما الله، وروي عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنه "كان إذا صلى

الجمعة انصرف يصلي سجدتين في بيته" وقال: كان [165 ب/ 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً"، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه "كان يصلي قبل الجمعة أربعاً ويصلي بعدها أربعاً"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه "أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً" وبقول ابن مسعود قال الثوري وابن المبارك، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين تلفيقاً بين الخبرين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد قال عطاء: رأيت ابن عمر رضي الله عنه صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعاً. فرع يكره أن يصلي السنة بعد الجمعة من غير أن يفصل بينهما بالرجوع إلى وطنه، أو انتقال إلى مكان آخر أو كلام لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين في بيته" وقال نافع بن جبير: صليت مع معاوية رضي الله عنه في المقصورة فلما سلمت قمت في مقامي فصليت فأرسل إلي [166 أ/ 3] معاوية. أما بعد إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أن لا تفضل صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج". فرع قلت: يستحب أن يكثر فيه من الدعاء، لأن فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء فلعله يصادف ذلك، ثم رأيت عن بعض أصحابنا مثله، وقد ذكرنا ما قبل من الأخبار في تلك الساعة. وروى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس". وبهذا يقول أحمد وإسحاق رحمهما الله. وقال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها الإجابة أنها بعد العصر وترجى بعد زوال الشمس، وروي عن عبد الرحمن بن عوف المزني أنهم قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أية ساعة هي؟ قال: "حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها". وقال عبد الله بن سلام: أنا أعلم تلك الساعة هي بعد العصر إلى أن تغرب الشمس، فقيل له: كيف تكون بعد العصر؟ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي" وتلك الساعة لا يصلى فيها فقال [166 ب/ 3] عبد الله: أليس قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة " قال: بلى قال: فهو ذاك.

كتاب صلاة الخوف

كتاب صلاة الخوف مسألة: قال: وإذا صلوا في سفرٍ صلاة الخوف من عدو غير مأمون. الفصل وهذا كما قال: الأصل في صلاة الخوف قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ} [النساء: 102] الآية. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف بذات الرقاع وبعسفان وببطن نخل". واعلم أنها باقية لم تنسخ، وقال المزني رحمه الله: كانت ثابتة ثم نسخت بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر يوم الخندق أربع صلوات اشتغالاً بالقتال، ولم يصل صلاة الخوف. وقال أبو يوسف رحمه الله في رواية: مثل قولنا وفي الرواية الثانية كانت خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز لغيره لقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ} [النساء: 102] الآية فيشترط كونه فيهم وهذا غلط لقوله تعالى: {فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً} [سبأ: 20]. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني [167 أ/ 3] أصلي"، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير، فصلى المغرب بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعتين، وصلى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه صلاة الخوف بأصحابه، وكذلك صلاها أبو هريرة رضي الله عنه بأصحابه، وروي أن سعيد بن العاص كان أميراً على الجيش في حرب طبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة رضي الله عنه: أنا فقدمه حتى صلى بهم، وأما الذي كان يوم الخندق من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك قبل نزول صلاة الخوف. وأما الآية قلنا: خطابه لا يوجب اختصاصه إلا أن يقول: خالصة لك، وهو كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] ولم يرد به التخصيص. فإذا تقرر هذا فاعلم أن هذا الباب هو يشتمل على ثلاثة أقوال في الخوف، الحالة الأولى منها هي مذكورة في القرآن مبينة في السنة، والحالة الثانية: مذكورة في القرآن لم ترد بها السنة، والحالة الثالثة: وردت بها السنة ولم تذكر في القرآن [167 ب/ 3] .. وأعلم أن الخوف لا يؤثر في نقصان ركعات الصلاة بل يؤثر في هيئاتها، فإذا كان في السفر صلى ركعتين، وإن كان في الحضر صلى أربعاً، وإنما صور الشافعي أولاً في

السفر حتى يفرغ عليها صلاة الحضر، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "صلاة الخوف ركعة". وقال جابر رضي الله عنه: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وإنما القصر واحدة عند القتال، وروي عن طاوس والحسن أنه يصلي الإمام ركعتين، وكل طائفة ركعة، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وروى حذيفة في خبر صلاة الخوف بطبرستان وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطائفة ركعة، وبطائفة ركعة ولم يقضوا، وقال عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وحماد وقتادة رحمهم الله: الصلاة في شدة الخوف ركعة واحدة يومئ بها إيماء. وقال إسحاق رحمه الله: أما عند السلة يعني سل السيف تحريك ركعة يومئ بها إيماء فإن لم يقدر فسجدة واحدة فإن لم يقدر فتكبيرة؟ لأنها ذكر الله عز وجل. وقال أحمد رحمه الله: كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز [168 أ/ 3]. وقد روي ستة أوجه أو سبعة وكلها جائز، وهذا كله غلط لخبر ذات الرقاع، ولأنها حالة يستوي فيها الإمام والمأموم متساوياً في عدد الركعات كما لو كانوا مقيمين أو مسافرين في غير حالة الخوف، وبقولنا قال جماعة العلماء، وروي ذلك عن ابن عمر والنخعي والثوري فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب. قال في "الأم": ولا يجوز لأحد أن يصلي صلاة الخوف إلا أن يعاين عدواً قريباً غير مأمون. أن يحمل عليه من موضعه أو يأتيه من يصدقه أن العدو قد قرب، أو يسيرون إليه ويصلون إليه، وإذا لم يكن واحد منهما لم يكن له ذلك، فإن عاينوا عدداً أو أخبرهم من يصدقونه إلا أن بينهم وبين العدو حائلاً من خناق عميق عريض لا يصلون إليه إلا بوقت يطول أو تعب يمتد لم يجز لهم أن يصلوا صلاة الخوف، وان عاينوا العدو؛ لأنهم في الحال آمنون وقال: وفي كل حال أحببت أن لا يصلون فيها صلاة الخوف وأمرت الإمام أن يصلي بطائفة ويكمل ما يصلي في غير خوف وتحرسه طائفة أخرى، فإذا فرغ من صلاته حرس من معه وأم تلك [168 ب/ 3] الطائفة الأخرى، وأما لبقية صلاة الخوف فإنها ضربان صلاة الخوف الأدنى وصلاة شدة الخوف، فأما صلاة الأدنى فالعدو لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون في ناحية القبلة أو في غير ناحية القبلة، فإن كانوا في غير ناحية القبلة وهو الذي افتتح الشافعي رحمة الله عليه به هذا الباب، فإن الإمام يجعل أصحابه طائفتين فطائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بها ركعة ثم يقوم الإمام ويلبث قائماً وتفارقه الطائفة وينوي الخروج من صلاته، لأنها تفارقه ولا يعود إلى صلاته فيلزمه أن ينوي الخروج من صلاته ثم يتمم الركعة الثانية منفردة ويسلم وينصرف إلى وجه العدو، وهل يقرأ الإمام إذا فارقته الطائفة الأولى في حال الانتظار؟ نقل المزني رحمه الله عن الشافعي رحمة الله

عليه أنه لا يقرأ لأنه قال: وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة، وهذا يدل على أنه لا يقرأ قبل إتيانهم، وقال في "الأم": أن ينظرهم وهو يقرأ ويأخذ سورة طويلة [169 أ/ 3] أو يجمع سوراً حتى يقضي من خلفه صلاتهم وتفتتح الطائفة الأخرى ويقرأ بعد افتتاحهم قدر أم القرآن ولو زاد في قراءته ليزيدوا على أم القرآن كان أحب إلي، وهكذا قال في البويطي و"الإملاء"، وهذا النص والذي قبله يدل على أنه يسن للمأموم قراءة السورة. وكان القفال رحمه الله يقول: لا تسن قراءة السورة خلف الإمام أصلاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كنتم خلفي فلا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب" فألزم عليه هذا النص فاجتهد في تأويله مما تيسر له، فالصحيح أنه يستحب له في صلاة البرد، الخبر محمول على صلاة الجهر، ذكره الشيخ أبو محمد الجويني رحمه الله ثم اختلف أصحابنا فيما ذكرنا، فمنهم من قال فيه قولان: أحدهما يقرأ. والثاني: لا يقرأ. ومنهم من قال: هو على اختلاف حالين فالذي قال: يقرأ إذا أراد تطويل القراءة والذي قال: لا يقرأ هو إذا أراد بقصر القراءة، والصحيح أنه يقرأ ويطول لأنه يجوز أن يسكت، لأن أفعال الصلاة لا تنفك عن ذكر، ولا يجوز أن يسبح لأنه موضع القراءة لا التسبيح فلم يبق إلا أن [169 ب/ 3] يقرأ. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد إنه يقرأ، وغلط المزني رحمة الله لأن الشافعي رحمة الله عليه قال: فيقرأ بعد إتيانهم قدر أم القرآن فيسقط عن المزني قدر. وأراد المزني بما نقل هذا، فإذا قلنا: لا يقرأ فإذا جاءت الطائفة الثانية قرأ الفاتحة وسورة قصيرة، وإذا قلنا: يقرأ فعل ما مرح به في "الأم"، فإن خالف وقرأ وحين جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه ركع في الحال ركعوا معه وأجزأتهم الصلاة نص عليه في "الأم"، ولكنه ترك سنة صلاة الخوف، فإذا تقرر هذا وجاءت الطائفة الثانية وصلى بهم الركعة الثانية وقعد في التشهد فهل تفارقه هذه الطائفة إذا قعد للتشهد أو عند الفراغ من التشهد قبل التسليم؟ فيه قولان: أحدهما: وهو الأصح المنصوص في "الأم" والبويطي يفارقه إذا قعد للتشهد لأنها تعود إليه لتسلم معه فلا فائدة في التطويل على هذه الطائفة بالجلوس معه وقراءة التشهد وصلاة الخوف مبنية على التخفيف. والقول الثاني: نص عليه في باب سجود السهو في "الأم" يفارقونه بعد التشهد قبل [170 أ/ 3] التسليم لأن المسبوق لا يفارقه الإمام إلا بعد التشهد وهذا غلط، لأن في المسبوق يسلم الإمام وينتظر المسبوق سلامه، وهاهنا لاختلاف أنه لا ينتظر سلامه، وقال مالك رحمه الله مثل قولنا ثم رجع وقال: يسلم الإمام ولا ينتظر فراغ الطائفة الثانية، وإنما تقوم الطائفة الثانية إذا سلم الإمام وهو غلط، لأنه يؤدي إلى ترك التسوية

بين الطائفتين وهو خلاف فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن أصحابنا من قال: قول واحد: إنها تفارقه إذا قعد للتشهد، وما قال في "الأم": أراد به في صلاة الحضر، فإن الطائفة الثانية تقعد ويتشهد معه لأن موضع التشهد الأول لهذه الطائفة وهذا غير صحيح لأن الشافعي رحمه الله قال: وإذا سها الإمام في الركعة الأولى ثم صلت الطائفة الأخيرة تفارقه إذا سجد للسهو معه، وهذا لا يكون إلا في صلاة السفر فإذا فارقته الطائفة الثانية إذا قعد للتشهد أو عند التسليم قبل السلام فإنها لا تنوي الخروج من صلاته لأنها لا تفارقه ويعود [170 ب/ 3] إلى صلاته ويخالف الطائفة الأولى لأنها تفارق الإمام ولا يعود إلى صلاته. فإذا تقرر هذا فإذا قلنا: يفارقه إذا قعد للتشهد فهل يتشهد الإمام قبل رجوع الطائفة الثانية إلى صلاته؟. اختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من قال: فيه قولان كالقراءة ومنهم من قال: يتشهد قولاً واحداً ويفارق القراءة، لأن تفويت التشهد على الطائفة الثانية لا يوجب تفضيل الطائفة الأولى على الثانية، لأن الأولى لم تأخذ بإزاء التشهد شيئاً آخر، وهذا هو الصحيح لأن القول الذي يقول لا يقرأ إنما أثبتنا من رواية المزني. وقد فرق المزني بينهما فقال في هذا الموضع: ثم يجلس الإمام قدر ما يعلمهم يشهدوا، ثم يسلم فدل أن الإمام قدم التشهد فلا يجوز إثبات قول آخر، ولم يرد الشافعي رحمه الله أن يجلس ساكناً بل يقرأ التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يطول بذكر الله تعالى والدعاء إلى أن يعلمهم قد تشهدوا على ما ذكرنا، ثم قال الشافعي رحمه الله: وقد صلت الطائفتان مع [171 أ/ 3] الإمام وأحدث كل واحدة منهما ما أحدث الأخرى، يعني من الاقتداء بالإمام، لأن الأولى صلت معه الركعة الأولى بالتحريم، والأخرى صلت معه الركعة الأخرى بالتسليم، وبقولنا قال أحمد رحمه الله. وقال ابن أبي ليلى رحمه الله: يحرم بالطائفتين معاً ويصلي بهم على ما ذكرنا، وقال أبو حنيفة رحمه الله: الطائفة إذا صلت مع الإمام ركعة انصرفت وهم في الصلاة ووقعت وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى وتصلي مع الإمام ركعة ويسلم الإمام، وينصرف الذين هم في الصلاة إلى مصاف الطائفة الأولى، وترجع الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها، ويتمون لأنفسهم بغير قراءة وينصرف إلى مصاف الطائفة الثانية، ويأتي الطائفة الثانية إلى موضع ضلاتها ويتمون الصلاة بالقراءة، لأن الأولى لما أدركوا التحريمة سقطت القراءة عنهم في جميع الصلاة بخلاف الطائفة الثانية، ولأن الطائفة الثانية فارقت الإمام يوم فراغه من الصلاة فلا تسقط عنهم القراءة لهذا، واحتجوا بأن ابن مسعود وابن عمر رضي الله [171 ب/ 3] عنهما رويا مثل قوله. قالوا: وهذا أولى مما رويتم، لأنكم تجوزون للمأموم أن يفارق الإمام قبل فراغه من الصلاة وهم الطائفة الأولى، ويجوزون للثانية أن تخالفه في الأنفال فيكون جالساً، وهم قيام يصلون، وهذا

غلط؛ لأن خوات بن جبير وسهل بن أبي حثمة رويا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما روينا يوم ذات الرقاع، وبه نسخ ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما، لأن هذا آخر غزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن هذا أشبه بظاهر القرآن، لأن الله تعالى قال: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ} [النساء: 102] فجعل إقامة الصلاة لهم كلها إلا بعضها وقال: {فإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ} [النساء: 102] أي: إذا صلوا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" أي: فليركع ركعتين ثم قال: {وَلْتَاتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} [النساء: 102] بدليل مفهومه أن هؤلاء قد صلوا، وقال: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} فيقتضي تمام الصلاة وعندهم لا يصلون معه إلا بعضها، وقد ذكر الطائفتين ولم يذكر عليهما القضاء فدل [172 أ/ 3] على أن كل واحدة منهما قد انصرفت عن كمال الصلاة، وهذا المذهب هو أحوط للصلاة؛ لأن الصلاة تحصل مؤداة على سننها في استقبال القبلة، وعندهم تبع الاستدبار للقبلة ويكثر العمل في الصلاة وفيها احتياط للحرب أيضا حتى يمكن متابعة الضرب والكلام والصياح على قولكم لا يمكن لأنه يكون في الصلاة. وأما الخروج من صلاة الإمام للعذر فجائز وقد ذكرنا. واختلفوا لما سمي ذات الرقاع فقيل: إن هذه الحرب كانت عند جبل متلون أحمر وأسود وأصفر كرقعة وقعة، وقيل: كانت في شدة الحر وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفاة: رقعوا أقدامهم بالخرق والجلود؛ لئلا تحترق. وقال: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: كانت في موضع مر به ثمانية نفر حفاة، فثقبت أرجلهم وتساقطت أظفلرهم، وكانوا يلفون عليها الخرق فسميت ذات الرقاع لهذا، وهذه الصلاة التي ذكرناها لا تتم إلا بأربع شرائط: أن يكونوا مسافرين، وأن يكون خوف العدو على ما ذكرنا، وأن يكون العدو في غير جهة القبلة، وأن [155 ب/ 3] يكون بالمسلمين كثرة إذا فرقهم فرقتين كانت كل فرقة تقاوم العدو. ثم اعلم أنه ليس الفرض أن يؤمهم إمام واحد، لأنه لو صلى إمام بقوم وأمروا واحداً ليصلي بآخرين، أو بعضهم صلى منفردا جاز، ولكن إذا أرادوا أن يصلوا خلف إمام واحد فهذا حكمهم وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يكرهون أن لا يستووا في فضيلة الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلهذا اختار لهم الصلاة هكذا، فإن خالف الإمام ما ذكرنا فصلى بالأولى ركعة وثبت جالساً وفارقته هذه الطائفة تقدمت صلاتها، وأما صلاة الإمام فإنه جلس في موضع قيامه، فإن كان لمرض وضعف جاز، وإن كان قادراً فإن كان ساهياً أو حاملاً فصلاته جائزة، وإن كان عالماً فإن لم يطل جلوسه لا تبطل صلاته، وان طال جلوسه بطلت صلاته ثم إذا جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه فصلى بهم الثانية، فمن علم بطلان صلاته فصلاته باطلة، ومن جهل فصلاته صحيحة،

قال الربيع رحمه [156 أ/ 3] الله: وفيه قول آخر إذا كان الإمام عالماً بإفساد صلاته بطلت صلاة من خلفه علم به أو لم يعلم. وهذا لا يجيء على قول الشافعي. قال أبو حامد رحمه الله: وما رأيت واحداً من أصحابنا حكى هذا، وقال القاضي الطبري رحمه الله: هذا قول غريب وفي المسألة قولان. مسألة: قال: والطائفة ثلاثة فأكثر. وهذا كما قال المستحب أن يصلي صلاة الخوف إذا كانت الطائفة التي تصلي ثلاثة فأكثر والتي تحرسه ثلاثة فأكثر، فإن صلى بأقل من ذلك أو حرسه أقل من ذلك كرهته. وقال في "الأم": واجب أن يحرسه من يمنع عنه إذا أريد سواء كثر من معه أو قل. والطائفة عند الشافعي لا حد لها، وإنما يعمل في عددها على ما يدل عليه قرينتها، فإن الله تعالى قال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 122] وأراد واحداً لأن الله تعالى قال: {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} وفرض طلب العلم يسقط بواحد يطلبه، وقال في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] استحب أربعة لأنه بلغ العدد الذي يثبت به العذاب [156 ب/ 3] وقال في قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]. أن المراد به الخلق الكثير؛ لأن الباغية على الإمام لا تكون إلا فئة مجتمعة ممتنعة فلما قال هاهنا: {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَآئِكُمْ} [النساء: 102] كان هذا كفاية الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فحمل الشافعي فقال: لم قال الشافعي، وأقل الطائفة ثلاثة على الإطلاق وليس كذلك؟ قلنا: أراد في آية صلاة لخوف بدليل ما ذكرنا، فإذا ثبت هذا فإن كانوا خمسة نفر يصلي واحد منهم باثنين وركعتين تامتين، وإن كان لا تحصل الحراسة باثنتين إذا كانا في وجه العدو، ولو كانت الحرب في شعب أو مضيق فقال: واحد من الشجعان الشجعاء إن أسد هذا الشعب لكم فاشتغلوا أنتم بالصلاة فإنه يكره ذلك ذكره القفال. مسألة: قال: وإن كانت صلاة المغرب. الفصل وهذا كما قال. الصلاة على ضربين صلاة بقصر وحكمها على ما تقدم، وصلاة لا تقصر وهي الصبح والمغرب، فالصبح حكمها على ما ذكرنا. وأما المغرب فحكمها في الحضر والسفر واحد، ولا يمكن الإمام أن يسوي [157 أ/ 3] بين الطائفتين، فيها فلا بد من تفضيل إحداهما. فنقل المزني رحمه الله أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة، وهكذا قال في "الأم"، ثم قال: فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة ثم بالثانية وركعتين أجزأه إن شاء الله، وأكره له ذلك.

وقال ابن خيران رحمه الله قولاً آخر في "الإملاء": أنه يستحب أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين وهو قول علي رضي الله عنه وقد فعل مثل هذا ليلة الهرير. واختلف أصحابنا في هذا؛ فمنهم من قال: فيه قولان أحدهما: ما نقل المزني وهو الأصح، لأن الطائفة الأولى هي أولى بالتفضيل لأنها أسبق ولا بد من تفضيل إحداهما ولأن تخصيص الأولى بالركعتين لا يؤدي إلى تغيير نظام صلاة الطائفتين، ولو خص الطائفة الثانية يؤدي إلى تغيير نظام صلاة هذه الطائفة، لأنها تحتاج حينئذ إلى القعود مع الإمام في الركعة الأولى: لأنها ثانية الإمام فيزيد في صلاتهم تشهد ومبني صلاة الخوف على التجوز والتخفيف. والثاني: ما ذكر في "الإملاء"؛ لأن الطائفة الثانية تفضل [157 ب/ 3] على الأولى في غير المغرب بالتشهد فينبغي أن يفضل في المغرب أيضاً، ومن أصحابنا من قال: قول واحد وهو ما ذكره المزني، وأنكر قول "الإملاء" لما ذكرنا من المعنيين. فإذا تقرر هذا، فإذا قلنا بقول "الإملاء" فلا تفريع لأنها تفارقه إذا قام إلى الثانية كما في غير صلاة المغرب، وإذا قلنا بالمذهب فإذا صلى بالأولى ركعتين يفارقون الإمام إذا فرغ من التشهد قولاً واحداً: لأنه التشهد الأول للكل، وهل الأفضل أن يثبت الإمام جالساً حتى تجيء الطائفة الثانية أو يقوم وينتظر في حال القيام؟ نص عليه في "الأم"، وهو المذهب. والثاني: ينتظر في حال، الجلوس، لأن الشافعي رحمه الله قال هاهنا: إن انتظرهم قائماً فيحسن وإن انتظرهم جالساً فجائز، وإنما استحسن الشافعي انتظارهم قائماً وخوف انتظارهم جالساً في الثانية، لأن القيام هو محل القراءة والتطويل بخلاف الجلوس؛ ولأن القيام أفضل من الجلوس، ولأن في انتظاره جالساً تحوجه عند إتيان الطائفة الثانية إلى الانتقال عن الحالة التي هو فيها إلى القيام بخلاف انتظاره قائماً في الثالثة. ومن [158 أ/ 3] أصحابنا من قال: الأفضل ما ذكره في "الأم". وقد قال في صلاة الخوف في الحضر: انتظرهم جالسا وقائماً، وهذا على ما قيد من قبل، وهو أنه إن انتظرهم جالساً فجائز وإن انتظرهم قائماً فحسن، ولأن ظاهر قوله يقتضي التسوية ولا يقتضي أن الانتظار في الجلوس أفضل فإذا قلنا: ينتظرهم قائماً فإذا جاز أحرموا معه، وإذا قلنا: ينتظر جالساً فإذا جاز قام وكبر، ويكبرهم ثم متى يفارقونه بعد التشهد أو عقب السجود قبل التشهد؟ على ما ذكرنا من الطريقين فإذا صلوا الركعتين اللتين بقيتا عليه جلسوا للتشهد، وهل يتشهد بعد فراغهم من الركعتين أو قبل ذلك يتشهد ويطول الدعاء؟ طريقان على ما ذكرنا. وعندي أنه لا تجيء الطريقة الأخرى أنه يتشهد قبل مجيئهم قولاً واحداً؛ لأنه يؤدي هاهنا إلى تفويت فضيلة على الثانية أدركتها الطائفة الأولى، فإن الإمام يتشهد بالطائفة الأولى، فإذا قلنا بقول "الإملاء" فصلى بالأولى ركعة وثبت قائماً حتى أتموا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفة الثانية فصلى بهم ما

بقي من صلاته وهي ركعتان يفارقونه بعد التشهد [158 ب/ 3] قولاً واحداً، لأنه تشهده الأخير وتشهدهم الأول، ثم يصلون الركعة الباقية عليهم، فإذا جلسوا صبر الإمام لم حتى يتشهدوا ثم يسلم بهم. مسألة: قال: وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالساً في الثانية. الفصل وهذا كما قال: صلاة الخوف تجوز في الحضر كما تجوز في السفر، وقال مالك رحمه الله: فيما حكى عنه أصحابنا: أنه لا يجوز في الحضر وأصحابه ينكرون هذا، والدليل على جوازها ظاهر الآية: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاةَ} [النساء: 102] الآية. ولم يفصل. فإن قيل في هذه الآية: ذكر ركعتين وهذه صلاة السفر قلنا: قد تكون في الحضر ركعتين كصلاة الصبح والجمعة، فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها إلا في السفر، قلنا: النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتفق له الخوف في الحضر لأنها وردت بعد الخندق. فإن قيل: في السفر انتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الركعة يصلونها، وفي الحضر يحتاج إلى الانتظار لركعتين فيطول، قلنا: جاز الانتظار لموضع الحاجة فإذا دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك جاز، وهذا لأن سببه الخوف [159 أ/ 3] والضرورة وهو موجود في الحضر وجوده في السفر. فإذا تقرر هذا فالمستحب أن يجعل أصحابه طائفتين، فيصلي بهم بالطائفة الأولي ركعتين، ثم تقوم هذه الطائفة وتصلي ما بقي عليها، والمستحب أن ينتظر الإمام قائماً في الثالثة على الصحيح من القولين، وإنما لم يذكر الشافعي استحسان انتظاره قائماً في الثالثة هاهنا اقتصاراً على ما ذكر في صلاة المغرب، ولا شك أنه يجوز الانتظار قائماً وقاعداً والطائفة الثانية هاهنا يفارقونه بعد تشهده قولاً واحداً، لأن هذا التشهد هو محسوب لهم من الأول، وهكذا الحكم لو كانوا في السفر واختاروا الإتمام في الخوف، فإن خالف هذا الذي ذكرنا وجعل أصحابه أربع طوائف، وصلى بكل طائفة ركعة مثل إن كان المسلمون أربعمائة وكان المشركون ستمائة، فصلى بالمائة ركعة من الأربعة، وثبت قائناً حتى أتمت المائة صلاتها، وانتظر المائة الأخرى فصلى بها ركعة أخرى، وثبت جالساً وأتمت المائة لنفسها، وانتظر الثالثة أيضاً حتى أتمت صلاتها وانتظر الرابعة فصلى بها ركعة وثبت جالساً، وانتظرهم [159 ب/ 3] حتى صلوا ما بقي عليهم من صلاتهم ثم سلم بهم فحصل في هذا أربع ركعات، وأربع انتظارات لأنه انتظر الثانية، والثالثة مرة مرة، وانتظر الرابعة في موضعين انتظرهما حتى جاءت وأحرمت خلفه، ثم انتظرها حتى صلت ما عليها ولحقت به، ثم سلم بهم، فإذا فعل هذا فقد أساء، وما الحكم في صلاتهم؟. قال في "الأم": ونقله المزني رحمه الله إلى هاهنا فيه قولان: أحدهما: أن صلاته

وصلاة جميع المأمومين جائزة. والثاني: أن صلاته للإمام باطلة، وصلاة الطائفة الأولى والثانية جائزة، ومن علم من الطائفة الثالثة والرابعة ببطلان صلاة الإمام فصلاته باطلة، ومن لم يعلم ذلك فصلاته صحيحة. وقال في "الإملاء": صلاة الإمام صحيحة وصلاة الطائفة الرابعة صحيحة وصلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة باطلة، وترتيب هده المسألة أن يقول: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن صلاة الإمام وجميع المأموين جائزة وهو الأصح، لأنه إن انتظر في حال القيام فليس فيه أكثر من تطويل القراءة، وإن انتظر في حال القعود فليس فيه أكثر من تطويل التشهد والذكر [160 أ/ 3] وهذا لا يبطل الصلاة في حال الأمن، ققي حال الخوف أولى وأكثر ما في المأموم أنه خرج من صلاة الإمام من غير عذر، والأصح من القولين فيه أنه لا تبطل الصلاة. والثاني: أن صلاة الإمام باطلة لأنه انتظر أكثر مما جعل له، ولأنه إنما جعل له أن ينتظر انتظارين، وصلاة الطائفة الأولى والثانية جائزة لأنهما فارقتا الإمام قبل بطلان صلاته. وأما صلاة الطائفة الثالثة والرابعة، فإن علمتا ببطلان صلاة الإمام بطلت صلاتهما، وإن لم تعلما لم تبطل. ومن أصحابنا من قال: هاهنا: إذا علم أن الإمام زاد في الانتظار بطلت صلاته، وإن لم يعلم أنه تبطل به صلاة الإمام كما إذا علم جنابة الإمام بطلت صلاته، وهذا هو ظاهر كلام الشافعي رحمه الله، لأنه قال: وتفسد صلاة من علم من الباقين بما صنع، والأول أصح لأنه لا تبطل صلاته إلا أن يعلم أن ذلك مبطل لصلاة الإمام؛ لأنه مما يخفى على العوام بخلاف الجنابة. وحكى أبو إسحاق عن ابن سريج أنه قال: إذا قلنا: بهذا القول الثاني يجب أن تبطل صلاة الطائفة الرابعة وحدها مع صلاة الإمام، [160 ب/ 3] تبطل صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة، لأنه انتظر الثانية وكان له ثم انتظر الثالثة، وكان له، فلما انتظر الرابعة بطلت صلاته وفارقته الطائفة الأولى والثانية والثالثة قبل بطلان صلاته، فوجب أن تكون صلاته صحيحة. وقال سائر أصحابنا: هذا غير صحيح، لأنه إذا انتظر حتى تفرغ الطائفة الثانية من الركعتين فإن انتظاره بعد ذلك حتى تمضي هذه الطائفة إلى وجه العدو وتجيء الطائفة الثالثة إليه انتظاراً زائداً على ما جعل إليه، فكان بمنزلة ابتداء الانتظار فبطلت صلاته قبل مجيء الطائفة الثالثة فبطل ما قاله. وأصل هذا الاختلاف: أن في وقت بطلان صلاة الإمام وجهين. قال ابن سريج: تبطل بالانتظار لفراغ الثالثة، وعلى مذهب الشافعي تبطل بانتظاره لمجيء الطائفة الثالثة. والقول الثالث: ما قاله في "الإملاء": وهو أن صلاة الطائفة الأولى والثانية والثالثة باطلة، لأنهم خرجوا من صلاة الإمام من غير عذر، وصلاة الإمام جائزة لأنه لم يفعل أكثر من تطويل القراءة، والذكر في القيام والجلوس وذلك لا يبطل الصلاة والطائفة [161 أ/ 3] الرابعة خرجت من صلاة الإمام في موضعه لأنه لم يبق على الإمام إلا ركعة فلا تبطل صلاتهم، وان اخترت ترتيب الحفظ نقل في صلاة الطوائف ثلاثة

أقوال ووجه لأصحابنا أحدها: صحة صلاة الكل. والثاني: تصح صلاة الطائفة الأولى والثانية دون الثالثة والرابعة. والثالثة: صحة صلاة الطائفة الأولى، والثانية دون الثالثة والرابعة، والثالث: صحة صلاة الطائفة الأخيرة وحدها، والرابع: وهو الوجه ما قال ابن سريج رحمه الله: صحة صلاة الطوائف الثلاث. وفي الإمام هل تصح صلاته؟ قولان وان كان في جهتين أو ثلاث جهات فإنه يفرقهم فرقة تصلي معه، وفرقة تقاوم الجهات كلها، فإن احتاج أن يفرقهم أربع فرق بنيت على القولين، فإن قلنا: لا تبطل صلاتهم فرقهم أربع فرق على ما بينا ولا يكره ذلك، وان قلنا: تبطل صلى بكل فرقتين صلاة بأحدهما فرض وبالأخرى نفل. فرع لو صلى على نحو ما ذكرنا في حال الأمن، فالذي يقتضيه مذهب الشافعي أن يكون فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: صلاة الكل جائزة على القول الذي نقول للانتظار [161 ب/ 3] الطويل من غير حاجة، والخروج من صلاة الإمام من غير عذر لا تبطلها. والثاني: صلاة الجميع باطلة على القول الذي نقول للانتظار الطويل من غير حاجة والخروج من صلاة الإمام من غير عذر يبطل الصلاة. والثالث: تصح صلاة الإمام وتبطل صلاة المأمومين على قياس قوله في "الإملاء": لأنه لم تبطل الصلاة بالانتظار في غير موضعه وإنما بطلت بخروج المأمومين من صلاة الإمام بلا عذر، وهاهنا خرجت الطوائف كلها من صلاة الإمام بلا عذر فبطلت صلاة الكل، وقال صاحب "الإفصاح": يجيء فيه أن تكون صلاة الطائفة الرابعة خرجت من صلاته، وليس لها أن تخرج في حال الأمن، فكانت الرابعة وسائر الطوائف سواء، وإنما قياس قوله في "الإملاء": على ما بيناه، وقيل فيه ترتيب إن قلنا في الخوف: لا يجوز ففي الأمن أولى، وان قلنا في الخوف: يجوز ففي الأمن وجهان. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": لو صلى بطائفة ثلاث ركعات، وبطائفة ركعة كرهت ذلك له ولا تفسد صلاته؛ لأن الإمام لم يزد في الانتظار إلا أن الإمام يسجد سجدتي السهو، وكذلك تسجد الطائفة الأخيرة [162 أ/ 3] لأنه وضع للانتظار في غير موضعه، وهذا يدل على أن العامد هو كالساهي في سجدتي السهو وهذا هو المذهب، ويجب على هذا أن يقال: إذا قلنا: إنه إذا فرقهم أربع فرق تصح صلاة الكل وعليه أن يسجد سجدتي السهو: لأنه وضع الانتظار في غير موضعه قياساً على ما قاله الشافعي هاهنا.

فَرْعٌ آخرُ لو صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالثانية ثلاث ركعات فعلى قياس قوله في "الأم": يسجد سجدتي السهو وكذلك تسجد الطائفة الأخيرة وتكون صلاتهم صحيحة، وعلى قياس قوله في "الإملاء": تبطل صلاة الطائفة الأولى لأنها خرجت من صلاة الإمام في غير موضعه فبطلت صلاته، ولا يجيء هذا القول في المسألة التي قبلها، لأن الطائفة الأولى خرجت من صلاة الإمام وقد استباحت الخروج من صلاته؛ لأنها استباحت الخروج حين صلى الإمام ركعتين فكان ائتمامها بالإمام في الركعة الثالثة لا يرفع تلك الاستباحة فلم تبطل صلاتها. فإذا تقرر هذا، اختلف ألفاظ نسخ المختصر، ففي هذه المسألة نفى بعضها، لأن له انتظاراً واحداً بعده آخر، وفي نسخة أخرى [162 ب/ 3] لأن له انتظارين واحداً بعد واحد وهذا قريب من الأول، وفي نسخة لأن له انتظار واحد بعد أخرى وهذا دليل على ما قلنا: إنه إذا طول الإمام جلوسه لمجيء الثالثة بطلت صلاته لأن استدامة الانتظار هي كابتداء الانتظار. مسألة: قال: وأحب للمصلي أن يأخذ سلاحه في الصلاة ما لم يكن نجسا أو يمنعه من الصلاة. وهذا كما قال هذا الذي نقله المزني رحمه الله ذكره الشافعي رحمه الله في "الأم"، وقال في أثناء الباب: ولا أجيز له وضع السلاح كله؛ وقال في آخر الباب: وإن وضع سلاحه كله من غير مرض ولا مطر كرهت له، ولم يفسد ذلك صلاته لأن معصيته في ترك أخذ السلاح ليس من الصلاة، وهذا يدل على أن حمل السلاح في الصلاة واجب؛ لأنه جعل تركه معصية، واختلف أصحابنا فيه؛ فقال أبو إسحاق وغيره: المسألة على قولين: أحدهما: واجب لأن الله تعالى أمر به في الآية في موضعين فقال: {وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] وقال: {وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] وبه قال داود رحمه الله. والثاني: لا يجب ولكنه يستحب وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما [163 أ/ 3] الله أنه إنما يجب على من يحرس العدو والمصلي ليس بحارس، ولأنه لو كان واجباً فيها لكان شرطاً كالسترة، والآية محمولة على الاستحباب، ومنهم من قال: هذا على اختلاف حالين بالموضع الذي قال: يجب السلاح الذي يدفع به عن نفسه كالسكين والسيف، والذي قال: لا يجب إذا كان السلاح مما يدفع به عن غيره كالرمح والقوس ونحو ذلك، وهذا أشبه بكلام الشافعي في "الأم"، وهذا لأن الدفع عن نفسه هو واجب وعن غيره لا يجب، ومن أصحابنا من قال: قول واحد إنه واجب لأمر الله، والذي قال: أحب لأنها في الوجوب، لأن الشافعي رحمه الله كثيرا ما يعبر

بالاستحباب عن الوجوب، وكما لا يجوز أن ينهزم ويترك الحرب لا يجوز أن يضع السلاح. ذكره القفال رحمه الله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد إنه يستحب وما قاله في "الأم" في آخر الباب متأول على تأكيد الاستحباب، وهذا ليس بشيء، فإذا قلنا: المسألة على اختلاف الحالين فالسلاح على خمسة أضرب: ما يحرم حمله، وما يكره حمله، وما يجب حمله، وما يستحب حمله، وما [163 ب/ 3] [172 ب/ 3] اختلف حكمه باختلاف مكان حامله بالحرام هو ما كان نجساً كالريش الذي في النشاب فإنه ريش النسور والعقاب ونحو ذلك، وذلك نجس وكذلك ما يمنعه من الاعتدال في الركوع والسجود يحرم حمله، والمكروه ما كان ثقيلاً يشغله عن الصلاة كالجوشن والمغفر السابغ على الوجه. أو كان ذا أنف، وإنما كرهت لبسه لئلا يحول بينه وبين موضع إكمال السجود بأن لبسه. قال الشافعي: إذا سجد وضعه أو حرفه أو حسره حتى تماس جبهته الأرض متمكناً قال في "الأم": وكذلك الجعبة والتنور والترس فالجعبة هي غلاف النشاب والتنور: هو الجوشن الثقيل والواجب ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين، والمستحب ما يدفع به عن نفسه وعن غيره كالقوس ونحوها، وما اختلف حكمه باختلاف المكان هو ما يتأذى به جاره كالرمح إن كان في حاشية الناس لم يكره له حمله، وإن كان في أثناء الصف كره له حمله فإنه يؤذي عند اضطجاعه من بين يديه ومن خلفه، وإذا قلنا المسألة على قولين: فالسلاح على أربعة أضرب: محرم، ومكروه، وما [173 أ/ 3] اختلف باختلاف المكان، وما اختلف القول فيه وهو ما يدفع عن نفسه أو عن نفسه وعن غيره. فرع قال في "الأم": ولو كان معه نشاب قد أحمي فسقي لبناً أو سم بسم شجر فصلى فيه لا بأس؛ لأنه ليس من الأنجاس وان سم بسم حية أو ودك ميتة فصلى فيه أعاد الصلاة إلا أن يطهره. فَرْعٌ آخرُ لو سمت الحديدة ثم أحميت بالنار ولا يطهر شيء إلا بالماء خلافاً لأبي حنيفة، ولو كان نجساً يغسله بدهن لئلا يصدأ الحديد أو مسحه بتراب لم يطهر. فرع قال في "الأم": لو أحمي ثم صب عليه سم نجس أو نجس فيه فقيل: قد شربته الحديدة ثم غسلت بالماء طهرت، لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر لا على الأجواف.

وقال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن الشيء إذا تنجس ظاهره وباطنه يغسل ظاهره طهر وجازت الصلاة معه، وهذا خلاف نص الشافعي في الآجر إذا نجس ظاهره وباطنه ثم نجس ظاهره طهر الظاهر دون الباطن، وجازت الصلاة عليه، ولا تجوز فيه فعلى هذا تجوز الصلاة على هذا السيف ولا يجوز إذا كان حاملاً له، وهذا [173 ب/ 3] هو الصحيح الذي لا يحتمل على المذهب غيره عندي. فرع لو صلى بعض الصلاةء ثم انتضح عليه دم قبل أن يكملها. قال في "الأم": أعاد الصلاة فإن طرح الثوب عن نفسه ساعة ما مسه الدم ومضى في الصلاة أجزأه، قال: وإن انحرف يغسل عنه الدم كرهت ذلك له وأمرته أن يعيد، وقد قيل: يجزيه أن يغسل الدم ولا آمره بهذا القول وأمره بالإعادة، وان كان عذر من مطر أو غيره يجوز وضع السلاح بلا إشكال. مسألة: قال: ولو سها في الأولى أشار إلى من خلفه بما يفهمون سهوه. الفصل وهذا كما قال: إذا صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة وسها فيها، فإن الطائفة إذا قاموا وصلوا الركعة الأخرى سجدوا سجدتي السهو في آخر صلاتها، ثم سلمت؛ لأن الإمام إذا سها بحق المأموم حكم سهوه. فإذا ثبت هذا قال الشافعي رحمه الله: أشار الإمام إلى من خلفه بما يفهمون أنه سها. واختلف أصحابنا في هذا قال أبو إسحاق رحمه الله: هذا إذا كان قد سها بأصل خفي لا يظهر للمأمومين مثل أن يتكلم خفياً على طريق السهو، أو [174 أ/ 3] شك هل سجد سجدتين أم سجدة واحدة، فسجد أخرى للبناء على اليقين، فعليه سجود السهو والمأمومون لم يرد منه إلا سجدتين أو قرأ في موضع التشهد، أو تشهد في موضع القراءة، فيومئ إلى المأمومين بما يوقفهم على سهوه، وذلك يمكن بأن يقول للمأموين: إذا سهوت أشرت بإشارة كذا فاعلموا، فإما إن كان سهواً ظاهرا لا يحتاج إلى الإشارة، وهذا لأن الإشارة عمل في الصلاة فلا يجوز إلا عند الحاجة. وهذا نصه في "الإملاء". ومن أصحابنا من قال: يشير إليهم بكل حال، لأنهم ربما جهلوا أن عليهم أن يسجدوا لسهو الإمام فإن ذلك لا يعرفه إلا أهل العلم وربما ينسون ذلك، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمة الله عليه هاهنا: لأنه أطلق السهو ولم يفصل؛ ولأنه قال في "الأم": وان اغفل الإشارة إليهم وعلموا بسهوه، سجدوا لسهوه، فدل انه يشير إليهم ثم علمهم بسهوه، وان لم يسنه الإمام وسهت الطائفة فإن كان في الركعة الأولى فإنهم لا يسجدون لسهوهم، لأن الإمام يتحمل عنهم، وان كان في الركعة [174 ب/ 3] الثانية

يسجدون سجدتي السهو لأنهم خرجوا من إمامة الإمام في الركعة الأولى والثانية وانفردوا لصلاتهم. ولو سها الإمام في الركعة الأولى وسهت الطائفة في الركعة الثانية ففيه وجهان: هل يكفي سجدتان أم أربع سجدات؟ وقد ذكرنا وإن سها في الركعة الأولى، ثم جاءت الطائفة الثانية وأحرمت خلفه فقد تعلق بهم حكم سهوه. فإذا صلى الإمام الركعة الثانية بأن قلنا: إنهم يفارقون الإمام قبل التشهد فارقوه وصلوا الركعة الثانية، فإذا قعدوا للتشهد تشهد بهم، وسجد سجدتي السهو وسلم، وإن قلنا: الإمام يتشهد ولا ينتظر جلوسهم قال الداركي رحمه الله: إذا تشهد الإمام هل يسجد سجدتي السهو؟ وجهان. قال أبو إسحاق رحمه الله: لا يسجد إلا يومئ الأفعال الظاهرة فلا يفوتهم إياه. وقال ابن أبي هريرة رحمه الله: يسجد سجدتين في السهو منفردا كما يتشهد منفرداً، فإذا جلسوا للتشهد تشهدوا وسجد سجدتي السهو ثم سلم الإمام بهم، وإن قلنا: يفارقون الإمام عند السلام، فالإمام يتشهد [175 أ/ 3] ويسجد للسهو ويسجدون معه على طريق التبع لأنه يلزم على المأمومين إتباع الإمام في الأفعال الظاهرة، فإذا قعد الإمام من السجدتين لم يسلم وتقوم الطائفة فيصلون الركعة الثانية، فإذا تشهدوا قال الشافعي رحمه الله: سجدوا، لأن سجدتي السهو، وقد تقدم فيه ذكر القولين وانه لم يسنه الإمام، وقامت الطائفة الثانية ليصلوا الركعة الثانية فسهوا. قال الداركي قال ابن خيران رحمه الله: إنهم يسجدون لسهوهم لأنهم سهوا في الركعة التي انفردوا بها كما يقول في الطائفة الأولى. وقال أبو إسحاق وغيره: إنهم لا يسجدون وهو المذهب، لأنا بينا أنهم لم يخرجوا من صلاة الإمام حكماً ولهذا إنهم لا يجهرون بالقراءة، فإذا سهوا، يتحمل الإمام عنهم، فإن سها الإمام والطائفة الثانية في الركعة الثانية سجدوا لسهو الإمام، فعلى قول الجماعة لم يسجدوا على قول ابن خيران. فرع ذكره ابن سريج رحمه الله قال: إذا قلنا: إنهم يفارقونه عقب السجود وقبل التشهد، فالإمام ينتظرهم حتى يسجدوا [175 ب/ 3] معه، فإن تركهم حتى جلسوا للتشهد ثم سجدوا، وهم لم يتشهدوا بعد هل يتبعونه في السجود؟ وجهان: أحدهما: يتبعونه لأنهم مؤتمون به. والثاني: لا يتبعونه، لأن هذا موضع تشهدهم فإذا قلنا: بهذا أتموا لأنفسهم، وإذا قلنا: إنهم يتبعونه فإذا قاموا وصلوا لأنفسهم هل يعيدون السجود؟ على ما ذكرنا، من القولين، وعلى قياس ما ذكرنا. قال أصحابنا في مسألة الزحام: إذا قلنا: إنه يشتغل بقضاء ما عليه فسها فلا سجود عليه؛ لأنه متابع للإمام حكماً. وذكر بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهاً آخر: قال: وكذا الوجهان إذا وصل صلاته بصلاة الإمام وجوزنا الفصل، وكان قد سها من قبل هل يسجد؟ وجهان.

فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": يقرأ الإمام بأم القرآن وسورة قدر {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} ونحوها في الطول للتخفيف في الخوف. ونقل السلاح، ولو قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وقدر ذلك لم أكره، وإذا قام في الركعة الثانية قرأ بأم القرآن وسورة طويلة لانتظار القوم وليس في الصلاة موضع تكون القراءة في الركعة الثانية [176 أ/ 3] أطول منها في الركعة الأولى إلا في هذه المسألة. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ويقنت في صلاة الصبح في صلاة الخوف ولا يقنت في غيرها، لأنه لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في صلاة الخوف خلاف قنوته في غيرها، فإن فعل فجائز؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قنت في الصلوات قبل قتل أهل بئر معونة. قلت: من هاهنا أقول: يجوز أن يقنت في الوتر في جميع السنة وان لم يستحب. قال في "الأم": لو صلى الإمام بطائفة ركعة وثبت قائماً وقاموا يتمون لأنفسهم فحمل عليهم عدو وحدث لهم خوف فحملوا على العدو منحرفين عن القبلة ثم أمنوا فقد قطعوا صلاتهم، وكذلك لو فرغوا فانحرفوا عن القبلة بلا قتال ولا خروج من الصلاة. وهم ذاكرون الصلاة حين استدبروا القبلة استأنفوا. قال أصحابنا: هذا لأنهم انحرفوا عن القبلة من غير ضرورة؛ لأن الذين في وجه العدو يحرسونهم وإنما لحقهم خوف لا يجوز ترك القبلة لأجله؛ لأنهم لو صاروا إلى شدة الخوف لوجب أن يجوز [176 ب/ 3] لهم ترك القبلة، وبنوا على ما مضى من صلاتهم؛ لأن في هذه الحالة لما جاز الاستفتاح إلى غير القبلة جاز الانتقال إليها والبناء عليها، كالمصلي إذا مرض قعد وبنى. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو حملوا عليهم مواجهين القبلة قدر خطوة فأكثر، كان ذلك قطعاً للصلاة بنية القتال وعمل الخطوة. قال أصحابنا: وهذا، لأن من نوى في الصلاة أن يعمل عملاً كثيراً وعمل شيئاً معه، وان قلَّ بطلت الصلاة. وعلى هذا لو نوى في الصلاة أن يمشي كثيراً ومشى خطوة بطلت صلاته، وكذلك لو حمل العدو عليهم فتهيأوا بسلاح أو بترس كان قطعاً للصلاة بالنية مع العمل، وهكذا لو أخذ السلاح بنية دفع العدو بطلت صلاتهم لما ذكرنا من التعليل ولا فرق بين أخذ السلاح بنية القتال وبين الحمل عليهم. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو حمل عليهم وخافوا فبنوا القنوت في الصلاة، وأن لا يقاتلوا حتى يكملوها

إلا إن يغشاهم العدو، فلا يكون قطعاً للصلاة: لأنهم لم ينووا في الحال القتال بل نووا القتال إن حدث غشيان العدو، وهذا لا يبطل الصلاة، وان تهيأوا سيراً خفيفاً مع هذه [177 أ/ 3] النية؛ لأن العمل اليسير لا يبطلها ولم توجد نية العمل الكثير. فَرْعٌ آخرُ لو تكلم من الخوف وهو ذاكر بطلت صلاته: لأن الكلام يحرم في صلاة الخوف أيضاً ولو نووا القتال ولم يحدثوا عملاً لا تبطل حتى يحدثوا عملاً وإن قل، وعلى هذا لو نوى رجل أن يتكلم في الصلاة في ثاني الحال لا تبطل صلاته في الحال، هذا هو المذهب: ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو فرق الإمام أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة لا تبطل صلاة الإمام حتى يزيد في الانتظار؛ وإن لم تبطل صلاته حين أحرم وهو نوى أن ينتظر انتظاراً يبطل الصلاة. فَرْعٌ آخرُ لو كانوا في المصر وأراد الإمام أن يصلي بهم الجمعة عند الخوف. ذكر الشافعي رحمه الله في "الأم" فيها أربع مسائل: إحداها: قال: فرقهم فرقتين يخطب بفرقة ويصلي بهم ركعة، ثم يثبت قائماً ويتموا لأنفسهم بقوله: يجهرون فيها ثم وقفوا بإزاء العدو. وتأتي الطائفة الأخرى فتحرم خلفه وتصلي معه ركعة ويثبت جالساً حتى يقضوا ما بقي عليهم، ثم سلم بهم الإمام: لأن شرائطها قد وجبت، وإنما تجهر الطائفة الأولى في الركعة [177 ب/ 3] الثانية لأنهم منفردون ولا تجهر الطائفة الثانية في الركعة الثانية لأنهم متابعون حكماً نص عليه، وقد ذكر القفال هذه المسألة عن الشافعي على هذه العبارة وأول بتأويل لا يساعده هذا اللفظ، والصحيح هو الذي ذكرنا، فإن قيل: إذا خطب بأحديهما وصلى بها ركعة، فإن هذه الطائفة تصلي الركعة الأخرى منفردة عن الإمام فينفرد المأموم عن الإمام، وينفرد الإمام عن المأمومين، ومن شرط صحة الجمعة بقاء العدو والجماعة من أولها إلى آخرها على أصح الأقوال حتى لو انفضوا لا تصح جمعتهم، قلنا: من أصحابنا من قال: إنما قال هذا على القول الذي نقول لا يعتبر العدد من أول الصلاة إلى آخرها، فأما على القول الأخر لا تصح الجمعة هاهنا، ومنهم من قال: هاهنا يجوز قولا واحداً للضرورة والعذر في فراق الإمام هاهنا، بخلاف الانفضاض، ولأنهم إذا انفضوا لا يتوقع من يحضره غيرهم، وهي الطائفة الأخرى، فلهذا [178 أ/ 3] يتمونها جمعة، فإن قيل: إذا انصرفت الطائفة الأولى بعد فراغها من الجمعة، ثم جاءت الأخرى كيف يحرمون بالجمعة، وقد أقيمت الجمعة بمصر مرة؛ قلنا: إنما منع ذلك إذا أتمها الإمام، وهاهنا لم يفرغ الإمام من الجمعة، وإنما أدركت الطائفة الأولى معه ركعة، وأصل الجمعة التي عقدها الإمام لم تتم فانعقد بها الثانية وجرت مجرى المستعين وهو كما لو

انعقدت الجمعة وصلوا ركعة، ثم وافى أربعون فأحرموا خلفه ينوون فإذا كانت الجمعة انعقدت قبل حضورهم كذلك هاهنا. واعلم أن الشافعي رحمه الله فرض المسألة إذا كانت الطائفة الأولى أربعين، فإن نقصت الأولى عن أربعين لم تجز جمعتهم؟ لأن الجمعة أقيمت بهم مع الأولى وهي أربعون فلا يضر نقصان الثانية بعد انعقادها، هكذا ذكر أبو حامد رحمه الله، ومن أصحابنا من قال: إذا انقضت الثانية عن أربعين فيه قولان وهو ضعيف. المسألة الثانية: قال: لو خطب بهم وهم أربعون، ثم خرجوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية فأحرم بهم لا تجوز الجمعة [178 ب/ 3] حتى يخطب بهم ويصلي بهم ركعة ثم يصلي بالطائفة الثانية الركعة الثانية. المسألة الثالثة: قال: لو صلى بالطائفة الأولى كمال الجمعة، ثم جاءت الطائفة الثانية فأراد أن يصلي بهم جمعة ركعتين لم يجز، لأنه استفتاح جمعة بمصر بعد انعقاد غيرها. المسألة الرابعة: قال: لو أقاموا هذه الجمعة في الصحراء لا في جوف البلد لم يجز، وحكي عن أبي إسحاق رحمه الله أنه يجوز وهو قول أبي حنيفة رحمه الله وليس بمذهب الشافعي رحمه الله. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو لم يمكنه صلاة الجمعة فصلى الظهر أربعاً ثم حدث الأمن، ويمكن من الجمعة لا تجب ذلك عليهم، ويجب على من لم يصل معه إن كانوا أربعين أن يقدموا رجلاً يصلي بهم الجمعة، فإن لم يفعلوا كرهت وأجزأهم، ولو أعاد هو ومن معه صلاة الجمعة مع إمام غيره لم أكره، وان أعادها هو إماماً لم أكره للمأمومين وكرهت لأنه يمكنه أن يتأخر حتى يتقدم من لم يصل الظهر فيحرم بفرض الجمعة، والمأمومون لا يمكنهم غير ما فعلوا فلا يكره لهم ذلك. قال أصحابنا: هذا ذكره [179 أ/ 3] على القول الذي يقول الواجب: يوم الجمعة فعل الظهر، فأما على القول الآخر لا يجيء هذا. فَرْعٌ آخرُ قال في:"الأم": ولو أجدب وهو محارب لا بأس أن يدع الاستسقاء وإن كان في عدد كثير ممتنع فلا يأمن أن يستسقي ويصلي صلاة الخوف في الاستسقاء كما يصلي في المكتوبات. فرع وإن كانت شدة الخوف لم يصل الاستسقاء لأنه يمكن تأخيرها ويصلي للخسوف

والعيدين؛ لأنه لا يصح له تأخيرها يريد بذلك أن صلاة الاستسقاء لا يتحقق فواتها وصلاة العيدين والخسوف يتحقق قراءتهما هذه بخروج وقتها وهذه بالتجلي. مسألة: قال: وإن كان خوفاً أشد من ذلك وهو المسابقة والتحام القتال. الفصل وهذا كما قال، هذه في الحالة الثانية من أحوال صلاة الخوف، وجملته: أنه إذا اشتد الأمر بالمسلمين بحيث يمكنهم أن يفترقوا فرقتين للصلاة والتحمت الحرب وصاروا إلى المسايفة والمصادمة لم يجز تأخير الصلاة عن وقتها، فيصلي كل واحد منهم على حسب حاله مضارباً ومطاعناً رجالاً وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قعوداً على دوابهم [179 ب/ 3] وقياماً على الأرض يومئون برؤوسهم للركوع والسجود، ويكون السجود أخفض من الركوع، ويتقدمون ويتأخرون. وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يؤخر الصلاة عن وقتها في هذه الحالة، وإن خرج وقتها، ويجوز أن يصلي قائماً على الدواب على كل حال ولا يجوز ماشياً على القدم وهذا غلط؛ لقوله تعالى: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة: 239]. وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي: هذا التفسير. وروى ابن المنذر وغيره من أصحابنا ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بالصلاة في هذه الحالة، والأمر على الوجوب، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الخندق وآخرها بهذه العلة، قلنا: قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: لأن ذلك قبل نزول صلاة الخوف، ويحتمل أن يكون شغله المشركون عن ذكرها فنسيها، ثم إذا صلوا على ما ذكرنا جازت صلاتهم ولا إعادة [180 أ/ 3] لظاهر الآية؛ ولأن ذلك يجوز في النوافل في حال الاعتبار فجاز مثله في الفرائض عند شدة الخوف. فرع إذا كانوا في شدة الخوف وأمكنهم الجماعة فالصلاة جماعة أفضل. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز جماعة، واحتج بأن بينهم وبين الإمام طريقاً وذلك يمنع الاقتداء، قلنا: لا نسلم؛ ولأن عندهم لا يجوز، وإن كان الإمام وسطهم، ثم يقول: كل ركوب لا يمنع فعل الصلاة في الانفراد لا يمنع فعل الصلاة في الجماعة كركوب السفينة. مسألة: قال: ولو صلى على فرسه في شدة الخوف ركعة ثم أمن نزل فصلى أخرى. الفصل وهذا كما قال. ذكر الشافعي رحمه الله حكم شدة الخوف والأمن إذا اشتركا في صلاة واحدة فقال: ولو صلى على فرسه في شدة الخوف ركعة، ثم أمن فنزل بنى،

وعكس هذا لو صلى آمناً ركعة، ثم صار إلى شدة الخوف فركب ابتداء .. وقال في "الأم" في المسألة الأولى: إذا نزل أحب أن يعيد فإن لم ينقلب وجهه عن جهته فلا إعادة؟ لأن النزول خفيف وإن انقلب وجهه عن جهته حتى يولى قفاه أعاد، لأنه تارك [180 ب/ 3] قبلته، وفي الركوب يلزم الاستئناف؛ لأن الركوب عمل أكثر من النزول واعترض المزني رحمه الله على هذا الفرق فقال: قد يكون الفارس أخف ركوباً وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس. قال أصحابنا: لم ينصف المزني في مقابلة ركوب الخفيف بنزول الثقيل، بل كان من حقه أن يقابل بل ركوب كل واحد منهما بنزوله بنفسه، ولا شك أن نزول كل واحد منهما إذا قوبل بركوبه كان عمل الركوب أكثر من عمل النزول. وقال بعض أصحابنا: خرج كلام الشافعي على العادة في الفارس الحاذق بترك أو بركب. فإذا صورت على الضد كان الجواب على الضد. وقيل: النزول أخف بكل حال لأنه وإن لم يكن فارساً يمكنه أن يرمي بنفسه عن الدابة، وينزل وهذا ليس بشيء، وقيل: نص في موضع من "الأم": على أنه إذا ركب بنى على صلاته ففي المسألة قولان: سواء كان لغير حاجة أو لحاجة، أحدهما: يبطلها، لأنه عمل كثير، والثاني: لا يبطلها لأن العمل الكثير لا يؤثر في صلاة شدة الخوف كالمشي. ومن أصحابنا من قال: هذا على [181 أ/ 3] اختلاف حالين، فإن كان لغير حاجة بطلت صلاته، وان كان للحاجة إلى الركوب للدفع عن نفسه أو للهرب عند الضرورة فلا تبطل الصلاة قولاً واحداً لأن الشافعي رحمه الله نص في "الأم" فقال: وإذا صلوا رجالاً وركباناً في شدة الخوف لم يتقدموا فإن احتاجوا إلى التقدم لخوف تقدموا ركباناً ومشاة، وكانوا في صلاتهم بحالهم وكذلك إن احتاجوا إلى ركوب ركبوا وهم في الصلاة، وان لم يحتاجوا إليه فركبوا ابتدؤوا الصلاة. وقال في موضع آخر من "الأم": لو تفرق العدو فابتدؤوا الصلاة بالأرض، ثم جاءهم طلب فلهم أن يركبوا، ويتمون الصلاة ركباناً، ويومؤون إيماء. وقال القاضي الطبري رحمه الله: نص في هذين الموضعين على أنه إذا أتى الركوب ركبه ومضى في صلاته. قال: وقرأت أن صلاة الخوف من "الأم" وغيره وأعدت نظري فيه كثيرا، والذي يقتضيه كلام الشافعي أن الركوب عمل طويل، فإذا فعله المصلي من غير حاجة بطلت صلاته، وإن فعله للحاجة بأن يشتد الخوف على ما ذكرنا يركبون ويمضون في صلاتهم [181 ب/ 3] ثم يعيدون على ما سنذكر من بعد إن شاء الله، وهذا يدل على بطلان قول من قال فيه قولان. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا تبطل عند الحاجة قولاً واحداً ولا إعادة وهذا أقيس.

مسألة: قال: ولا بأس أن يضرب في الصلاة الضربة. الفصل وهذا كما قال. نقل المزني رحمه الله أنه يجوز أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة وأراد عند الحاجة. فإما من غير حاجة فيكره، وإن كانت الصلاة لا تبطل لعلته، ثم قال: فإن تابع الضرب أو زود الطعنة أو عمل ما يطول بطلت صلاته، وقال في "الأم": على هذا الوجه ثم قال: وإن بطلت صلاته يمضي فيها، ثم إذا قدر على أن يصليها ولا يعمل فيها ما يقطعها أعادها لا يجزيه غير ذلك، ولا يدعها في هذه الحالة إذا خاف ذهاب وقتها ويصليها ويعيدها، وقال أيضاً: لا تقطع صلاتهم يوجههم إلى غير القبلة أو ضرب الضربة الخفيفة إن رهقه عدو أو يتقدم التقدم الخفيف، فإن أعاد الضرب وأطال التقدم قطع صلاته ومتى لم يمكنه صلى وهو يقاتل وعاد إذا أمكنه. فإذا ثبت هذا قال القاضي [182 أ/ 3] الطبري: الظاهر من كلام الشافعي أن الضربتين من العمل الكثير الذي يبطل الصلاة، وغلط بعض أصحابنا فجعل الضربتين قليلاً وأول الكثير ثلاث ضربات أو ثلاث طعنات، والأول هو الصحيح الذي نص عليه. وقال أبو حامد رحمه الله: لا نص في الضربتين، وقياس المذهب أنهما كالضربة، لأنه لا ينطلق عليها اسم الجمع المطلق. وقال مشايخ خراسان: الضربتان والخطوتان من القليل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في المار بين يدي المصلي: "فليدفعه فإن أبى فليقاتله" فأباح له فعلين، ودرأ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه شرطي مروان مرتين حين منعه من تحية المسجد، ولم تبطل صلاته، فإذا تقرر هذا فالقليل لا يبطل الصلاة بحال، وأما الكثير إذا عمله في صلاة شدة الخوف فإن لم يكن به حاجة إليه بطلت صلاته قولا واحداً، وان كان للحاجة. قال القاضي الطبري: الذي يقتضيه كلام الشافعي في "الأم" أنه يفعله ويمضي في صلاته، فإذا قدر أعاد، وغلط بعض أصحابنا، فقال: لا إعادة عليه، لأنه كان مضطرا إليه كما إذا صلى على فرسه بالإيماء إلى غير [182 ب/ 3] القبلة لا تلزمه الإعادة وهذا خلافه النص، والجواب عن الإيماء هو أن وقوع هذه الأفعال التي ليست من جنس الصلاة فيها أغلط من تغيير أركانها، ألا ترى أن المريض يستبيح تغيير الأركان ولا يستبيح فعل ما ليس من جنسها وكذلك المسافر يستبيح الإيماء في النوافل وفعلها في حال السير، ولا يستبيح فعل ما ليس من جنسها فيها فظهر الفرق، وهذا لأن هذا العمل ضاد الصلاة بكل حال فاستوى فيه حالة الأمن وحالة شاة الخوف كالحدث. وقال القفال رحمه الله قول واحد: لا تبطل الصلاة وان اضطر إلى الضرب والطعن من أول الصلاة إلى آخرها، وهذا اختيار ابن سريج رحمه الله، وهو القياس لكنه خلاف النص الذي ذكرناه.

والآخر من هذا عندي أن تخريج المسألة على قولين: ولا يقطع بخلاف المنصوص. وذكر أبو حامد رحمه الله فيه وجهين، ولا معنى لهذا أيضاً مع النص. وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي رحمه الله أنه لا تبطل، وخرج أبو حامد قولاً إنه تبطل وهذا أفسد من الكل. فرع قال بعض أصحابنا: مد القوس وتحلية [183 أ/ 3] السهم عمل قليل بمنزلة الضربة الواحدة. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": لو عمد في شيء من الصلاة كلمة عذر بها مسلماً أو يسترهب بها عدواً وهو ذاكر أنه في صلاته انتقضت صلاته وعليه الإعادة. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو أسر رجل ووضع من الصلاة فمقدر على أن يصليها مومئاً صلاها ولم يدعها وكذلك إن لم يقدر على الوضوء صلاها في الحضر متيمماً، وكذلك إن حبس تحت سقف لا يسوي فيه قائماً، أو ربط فلم يقدر على ركوع أو سجود صلاها ولم يدعها وعليه القضاء؛ لأنه عذر نادر. وكذلك إن منع الصوم فعليه قضاؤه، وهذا على القول الذي نقول: إذا دفع إليك فتناوله بيده مكرهاً أنه يفطره وإذا قلنا: لا يفطره فلا يصح المنع منه. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كمنوا في موضع وصلوا قعوداً وكانوا يخافون أنهم إن قاموا يرون فيصطلموا فعليهم الإعادة لأنه عذر نادر. فرع قال: ولو ضرب ضربة فتنجس سلاحه بالدم رمى به وأخذ غيره 0 فإن لم يجد أمسكه للدفع وأعاد الصلاة إذا قدر كالمصلي وعلى جراحته دم يعجز عن غسله وفيه وجه آخر [183 ب / 3] أنه لا إعادة وهو ضعيف. فرع قال بعض أصحابنا: لو جعله في الحال تحت ركابه فلا تبطل أيضاً؛ لأنه غير حائل للنجاسة، ويحتمل عندي أن يقال: تبطل لأنه يمكنه أن يطرحه من يده في الحال، فإذا أمسك إلى أن يجعله في ركابه فقد فرط، وإن كان له غمد فجعله في غمده بطلت صلاته. فرع قال في "الأم": إذا صلوا يومؤون إيماء فعاد عليهم العدو من جهة توجهوا إليهم

وهم في صلاتهم لا يقطعونها وداروا معهم أين داروا، لأن ترك القبلة جائز في صلاة شدة الخوف، وإن صلى صلاة شدة الخوف، ثم أمكنه أن يصلي صلاة الخوف الأدنى بنى على صلاة شدة الخوف، ولم يجزه إلا أن يصلي صلاة الخوف الأدنى، كما إذا صلى قاعداً ثم أمكنه القيام لم يجزه إلا القيام. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا صلوا صلاة شدة الخوف غير مستقبلي القبلة جاز لبعضهم أن يأتم بالبعض، وإن كان الإمام متوجهاً إلى جهة والمأمومون متوجهين إلى جهة أخرى أو كان وجه الإمام في وجه المأموم، لأن المأموم يعتقد أن إمامه في صلاة صحيحة كما قلنا في الجماعة [184 أ/ 3] حول البيت خلف المقام. فَرْعٌ آخرُ لو سقط عن دابته أو هبت ريح فأسقطته في الحرب عن القبلة أو الجهة التي كان متوجهاً إليها، انحرف إليها إلى القبلة في الحال على حسب الإمكان وأجزأته الصلاة؟ لأن انحرافه كان بغير اختياره. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا بأس أن يصلي الرجل في الخوف ممسكاً عنان دابته؛ لأنه عمل يسير فإن نازعته فجبذها إليه جذبة أو اثنتين أو ثلاثة أو نحو ذلك، وهو غير منحرف عن القبلة فلا بأس، وإن كثرت مجاذبته وهو غير منحرف عن القبلة قطع صلاته وعليه استئنافها وهذا صحيح، وقد جعل الشافعي رحمه الله جبذ الدابة ثلاث مرات ههنا من العمل اليسير، وقد قلنا: إن ثلاث ضربات عمل كثير والفرق أن الضرب والطعن أكثر من الجبذ لأنه يحط السيف ويرفعه ويرسل الرمح للطعن ويجذبه وليس كذلك جبذه لعنان دابته. فإنه لا يحتاج أن يعمل فيه أكثر من الجبذ فكان ذلك أخف وأسهل من ذلك وهذا يدل على أن الاعتبار بكثرة العمل لا بالعدد. فَرْعٌ آخرُ قال: وإن جبذته فانصرف وجهه عن [184 ب/ 3] القبلة فأقبل مكانه على القبلة لم يقطع صلاته، لأن انصراف وجهه عن القبلة حصل بغير اختياره، فإذا رجع إليها في أول حال الإمكان أجزأته صلاته، وان طال انحرافه ولا يمكنه الرجوع إليها انتقضت صلاته؛ لأنه يقدر على أن يدعها يعني ينزل عنها أو يتوجه إلى القبلة، فإذا لم يفعل ترك القبلة باختياره فبطلت صلاته. فَرْعٌ آخرُ قال: وإن ذهبت دابته فلا بأس بأن يتبعها، فإذا تبعها على القبلة شيئاً يسيراً لم تفسد

صلاته، وإن اتبعها كثيراً فسدت صلاته، وإن تبعها لا إلى القبلة قليلاً أو كثيراً بطلت صلاته. مسألة: قال: لو رأوا سواداً مقبلاً فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف. الفصل وهذا كما قال: إذا رأوا سواداً فظنوه عدواً وخافوا أن يظهر بهم فصلوا صلاة شدة الخوف بالإيماء، ثم بان لهم أنه لم يكن عدواً، وإنما كان إبلاً أو شجراً أو إظلالاً أو وحشاً، نقل المزني رحمه الله عن "الأم": أن عليه الإعادة ونقل عن "الإملاء": أنه لا إعادة. قال أصحابنا: هذا سهو منه، لأن الشافعي نص في "الإملاء" على وجوب الإعادة أيضا، وإنما [185 أ/ 3] سها عن مسألة قالها الشافعي في "الإملاء": وهي أنه لو أخرهم ثقة أن ذلك السواد عدو فلا إعادة، فنص في خبر الثقة أنه لا إعادة، ونص فيما ظنوه عدواً فصلوا أن عليهم الإعادة، فقال أصحابنا: كل واحدة من المسألتين على قولين لأنه لا فرق أن يصلوا برؤية العين، أو يخبر من يصدقونه. أحدهما: يلزم الإعادة وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني، لأن سبب جواز هذه الصلاة وجود الخوف من العدو ولم يوجد العدو هاهنا، وقيل: لم يذهب المزني رحمه الله إلى لزوم الإعادة، لأن عنده كل من صلى بالعذر لا إعادة عليه، ولكنه قال: الأشبه بقوله: يعني بمذهب الشافعي رحمه الله لزوم الإعادة. والثاني: لا يلزم الإعادة وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال: هذا أقوى القولين؛ لأن الاعتبار بوجود الخوف دون تحقيق المخوف منه، ألا ترى أنه لو كان المشركون بإزائهم وظنوا أنهم يكرون عليهم فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنهم يكونوا هموا بذلك فإنه تجزيهم الصلاة، وإن لم يتحقق المخوف منه، وكذلك لو شاهدوا العدو فصلوا صلاة شدة [185 ب/ 3] الخوف، ثم بان أنهم كانوا على المصالحة والمشاركة لا يلزم الإعادة قولا واحداً، لا الخوف متحقق. ومن أصحابنا من قال: تجب الإعادة فيما ظنوه بأنفسهم ولا تجب في خبر الثقة على ما نص عليه، والفرق أن الاعتماد على خبر الثقة أقوى من الاعتماد على الظن والتخمين فحصل التفريط هاهنا. ومن أصحابنا من قال: في خبر الثقة قولان، وفي الظن يجب قولاً واحداً. فرع لو كان هذا في بلد الإسلام فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان خلافه. قال في "الحاوي": لا نص فيه وقال أصحابنا: يلزمهم الإعادة قولاً واحداً، لأن ظنهم في أرض العدو أقوى من ظنهم في بلاد الإسلام.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص في "الإملاء": أنه إذا كان في دار الإسلام يلزم الإعادة دون دار الحرب، واعتبر في ذلك غالب العادة وظاهر الحال وهذا غريب. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": لو جاء خبر عدو فصلوا هذه الصلاة، ثم ثبت أن العدو كانوا يطلبونهم، ولكن لم يفرقوا منهم القريب الذي يخاف من غلبتهم عليهم في الحال يلزمهم الإعادة، وعلى قياس [186 أ/ 3] قوله في "الإملاء": لا إعادة فحصل قولان. فَرْعٌ آخرُ لو صلوا صلاة شدة الخوف، ثم وجدوا بين أيديهم خندقاً يعلم أن العدو لا يمكنه العبور إليهم ولا إفساد الصلاة عليهم فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان: وهو الصحيح، لأنهم علموا أنهم أخطؤوا في الخوف، وقال أبو إسحاق رحمه الله: تلزمهم الإعادة قولاً واحداً، لأن هؤلاء تمكنهم معرفة حقيقته ففرطوا فتلزمهم الإعادة. فرع لو صلوا صلا ة شدة الخوف في المسألة السابقة، ثم شكوا أنهم كانوا عدواً أم لا، يلزمهم الإعادة في قول الشافعي في "الأم"؛ لأنه على شك أن الصلاة مجزية عنهم والوجوب متيقن فوجبت الإعادة. فرع لو كان رجلاً وحده فرأى سواداً فظنه علج من علوج الروم أو سبعاً، فصلى صلاة شدة الخوف خوفاً أن يقله، ثم بان خلاف ذلك ففيه قولان، ولا فرق بين أن يقع الغلط في ذلك لجماعة أو لواحد. فَرْعٌ آخرُ لو ظنوا أن الكفار يزيدون على ضعف المسلمين فانهزموا وصلوا صلاة شدة الخوف، ثم بان خلاف ذلك يلزمهم الإعادة على قوله في "الأم"، وكذلك لو لحقهم مددد وعلموا أنهم لو لم يصلوا [186 ب/ 3] يلحقهم ذلك قبل لخوف الكفار إياهم، وازدادوا بذلك على ضعف الكفار نص عليه، وأصل القولين أن السبب المجوز للصلاة بالإيماء حقيقة وجود العدو أو وجود الخوف، ويقرب القولان من القولين فيمن نسي الماء في رحله فتيمم وصلى، ففي قول لا إعادة؛ لأن ظنه عدم الماء موجودء والثاني: يلزم الإعادة لأن الماء موجود. فَرْعٌ آخرُ لو صلوا صلاة ذات الرقاع في حال الأمن هل يجوز أم لا؟ من أصحابنا من قال:

صلاة الإمام يجوز قولا واحداً، وفي صلاة المأمومين قولان: أحدهما: تجوز صلاتهم؛ لأنه ليس فيه أكثر من الانتظار، والخروج من صلاة الإمام قبل التمام، وكل هذا لا يبطل الصلاة على القول الذي يقول الخروج من صلاة الإمام لغير عذر لا تبطل الصلاة، والثاني: صلاة الجميع باطلة على القول الذي يقول: الخروج من صلاة الإمام بغير عذر، والانتظار الطويل من غير حاجة يبطل الصلاة، هذه الطريقة هي اختيار ابن سريج رحمه الله وابن [187 أ/ 3] خيران. ومن أصحابنا من قال: هذا عند ابن سريج وابن خيران رحمهما الله أن الطائفة الثانية عندهم فارقت الإمام فعلاً وحكماً، فأما على المذهب الصحيح القولان في الطائفة الأولى لا تبطل صلا ة الطائفة الثانية قولاً واحداً لأنها تركت متابعة الإمام وهي غير خارجة من صلاة الإمام، وهذا هو الصحيح، وعندي هذا الاختلاف يحتمل في مسألة "الأم": عند توهم الخوف؛ لأن هذا المعنى هو موجود أيضاً. وقال القاضي الطبري رحمه الله: هذه المسألة في بطلان صلاة الإمام هي مبنية على القولين فيه إذا فرقهم أربع فرق، لأنه انتظر في غير موضع الانتظار فتبطل صلاته أيضاً على أحد القولين. فرع لو صلوا صلاة الخوف، كما قال أبو حنيفة رحمه الله برواية ابن عمر رضي الله عنهما هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأن ذاك صار منسوخاً بالمتأخر. والثاني: يجوز لأنه من الاختلاف المباح، وقد صح الحديثان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الأفضل ما ذكرنا لما بينا من الدلائل، وأما صلاة الإمام فتجوز [187 ب/ 3] قولاً واحداً لأن المشي والعمل إنما يحصل من الطائفتين دون الإمام، ولو صلى صلاة شدة الخوف في حال الأمن لا يجوز قولاً واحداً. مسألة: قال: وإن كان العدو قليلاً من ناحية القبلة والمسلمون كثيرون يأمنونهم. الفصل وهذا كما قال: هذه في الحالة الثالثة من أحوال صلاة الخوف التي وردت السنة بها، وهي صلاة الخوف الأدنى، ولا بد في هذه الصلاة من ثلاث شرائط: إحداهما: أن يكون العدو في ناحية القبلة. والثانية: أن يكون بالمسلمين كثرة بحيث ينظر بعضهم ويصلي بعضهم، فإذا وجدت هذه الشرائط فإنه يصلي صلاة الخوف فيقفون خلفه صفوفاً، ويحرم بجماعتهم، ويقرأ ويركع ويرفع بالكل، فإذا سجد سجد الكل إلا الصف الذي يليه، فإنه يثبت قائماً بعد

الركوع حتى يفرغ الإمام والباقون من الركعة الأولى، فإذا قاموا إلى الثانية سجد بعد هذا الصف الأول سجدتين، ويلحق الإمام قائماً ويصلي ويقرأ ويركع بالكل أيضاً، فإذا اعتدلوا عن الركوع سجد معه الذين حرسوه في الأولى، ووقف الباقون قائمين أو بعضهم، فإذا فرغ من السجود [188 أ/ 3] وجلس للتشهد سجد الباقون ولحقوا به جالساً فيتشهد ويسلم بالكل، هذا هو المختار. وقال الشافعي رحمه الله: فإن كانت المسألة بحالها: وصلى على ما قلنا: إلا أن الصف الأول تأخر في الركعة الثانية إلى مكان الصف الثاني، وتقام الثاني إلى مكان الأول ليكون من يحرسه أبداً هو الصف الأول فلا بأس، لأن ذلك عمل يسير، ويحصل بعمل قليل فإن يتخلل بين كل رجلين متقدماً أو متأخراً بخطوة أو خطوتين ولو لم يفعل هكذا بل حرس في الثانية من حرس في الأولى. قال في "الأم": رجوت أن يجزيهم ولا إعادة عليهم ولا أعاد ما كان أحب إلي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي رحمه الله: هاهنا أحببت له أن يعيد الركعة ثم قال أصحابنا: لا يجوز أن يعيد ركعة دون كل الصلاة فمعناه بطلانها هو حراستها في الركعة الثانية، لأنه ليس لها أن تحرس في الركعتين، بل يجب أن تحرس كل فرقة مرة واحدة وهذا يدل على أن صلاتهم تبطل، وهو قول بعض أصحابنا. ويمكن أن يقال: هذه عبارة عن استحباب إعادة كل الصلاة [188 ب/ 3] وعبر عنها بالركعة، والمذهب ما نص في "الأم": لأنه لا تلزمه الإعادة. وقال القاضي الطبري: إنما قال ذلك لأنه لم يكن لها الحراسة، وفي هذه الركعة الثانية فاستحب الإعادة، وفي هذا نظر عندي: لأن الاستحباب كيف يزاد في ركعات الصلاة فلا وجه إلا ما ذكرت والله أعلم، فإن قيل: لم استحب الشافعي أن يحرس أهل الصف الأول ويسجد مع الإمام أهل الصف الثاني؟ قلنا: كل واحد منهما جائز، وإنما استحب ذلك لأنه أحوط لهم وذلك لأن أهل الصف الأول يصيرون جنة لأهل الصف الثاني إذا سجدوا، فلا يصيبهم من العدو سهم، ولأنهم إذا حرسوا وليس بين أيديهم صف كانت الحراسة أمكن لكونهم أقرب إلى العدو من الصف الثاني؛ ولأن العدو لا يمكنهم الوقوف على عدو من ورائهم من الساجدين فكان أولى، ولو لم يفعل هكذا بل حرس أهل الصف الثاني وسجد أهل الصف الأول يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرسه أهل الصف الثاني. وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله: السنة المؤدية في هذا ترتيب الشافعي من كل طريق [189 أ/ 3]، فإن السنة تدل على أن الصف الثاني هو الذي يحرس أبداً وذلك أن أبا داود رحمه الله روى في سننه بإسناده عن أبي عياش الزرقي رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد رضي الله عنه فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر فلما حضر العصر قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة والمشركون أمامه فصف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يلونه وقام الآخرون

يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصف الذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً فسلم بهم جميعا وصلى هكذا [189 ب/ 3] يوم بني سليم ". وروي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال لأصحابه قد دخل عليهم وقت الصلاة: هي أحب إليهم من أهاليهم وأموالهم فنصبر حتى يسجدوا فيها. فنحمل عليهم حملة فنستأصلهم، فنزل جبريل عليه السلام، وأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وعلمه هذه الصلاة عن الله تعالى. قال أبو حامد: فيجب أن يكون المذهب هكذا، لأن الشافعي رحمه الله قال: إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنة فاطرحوه وعندي أن هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدل على الجواز، والأحسن والأفضل ما ذكره الشافعي لما ذكرنا العلة، وليس في هذا مخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحال. فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: في نقل المزني خلل، وذلك أنه قال في الركعة الثانية سجد معه الذين حرسوه إلا صفاً أو بعض صف تحرسه، وهذا الاستثناء يقتضي أن الحارسين في الركعة الثانية هم الحارسون في الركعة الأولى ولا يختلف المذهب أن الحراسة على التناوب في هذه الصلاة، ولفظ الشافعي في الكبير بخلاف ما نقل المزني وذلك أنه [190 أ/ 3] قال: فإذا سجد سجد معه الذين سجدوا أولاً إلا صفاً أو بعض صف يحرسه منهم، وهذا هو الصحيح بلا خلاف. مسألة: قال: ولو صلى في الخوف بطائفة ركعتين، ثم سلم بالطائفة الأخرى ركعتين ثم سلم. الفصل وهذا كما قال: إذا صلى الإمام بالناس صلاة الخوف والعدو في غير جهة القبلة، فصلى بطائفة ركعتين وسلم بهم أجزأته وإياهم؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها ببطن النخل هكذا وكانت صلاة الظهر مقصورة في رواية جابر رضي الله عنه. قال الشافعي رحمه الله: وأحب أن يصليها صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع، وهي أولي من صلاة بطن النخل، لأنها أعدل بين الطائفتين، ولأن في الفريضة خلف النافلة خلافاً بين العلماء. وقال أبو إسحاق رحمه الله: صلاته ببطن النخل أحب إلينا، لأن فيها تسوية بين الطائفتين، ويحصل لكل واحدة منهما فضيلة الجماعة على التمام، وهذا خلاف نص الشافعي.

باب من له أن يصلي صلاة الخوف

قال المزني رحمه الله: هذا عندي يدل على جواز الفرض خلف النفل [190 ب/ 3] وهذا الاحتجاج ذكره الشافعي رحمه الله أيضا فلا معنى لقوله عندي، وهذه الصلاة في الخوف لا تتم إلا بثلاث شرائط: إحداها: أن يكون المشركون في غير جهة القبلة وأن لا يأمن الكرة من جهتهم، وأن يكون بالمسلمين كثرة يمكن تفريقهم فرقتين كل فرقة تقاوم المشركين، ولو صلى الإمام بالناس هكذا في حال الأمن أجزأته وإياهم، لأن الفريضة خلف النافلة تصح، ولو صلى في الأمن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان لصح صلاة الإمام، وكذلك صلاة من لم يحرسه صحيحة أيضاً وفي صلاته من حرسه منهم وجهان: أحدهما: باطلة لأنهم تركوا متابعته حتى سبقهم بثلاثة أركان سجدتان وجلسة بينهما. والثاني: لا تبطل صلاتهم وهو ظاهر المذهب، واختاره أبو إسحاق؛ لأن السجدتين والجلسة بينهما كالركن الواحد، لأنه جنس واحد لأن الجلسة للفصل والجدتين كلتيهما واحد، ومن نصر القول الأول علل بعلة أخرى. وقال: التأخر عن الإمام ركن واحد إنما يجوز لعذر، وهو أن يقصد إتمام القراءة أو الركن الذي هو [191 أ/ 3] فيه، فأما إذا وقف من غير عذر وترك متابعته حتى ركع أو سجد بطلت صلاته وهذا أحسن وليس بمذهب. وذكر بعض أصحابنا بخراسان عن الشافعي أنه قال هاهنا: أحببت للطائفة الحارسة أن يعيدوا الصلاة، وهذا غريب وفيه نظر عندي والله أعلم. مسألة: قال: وليس لأحد أن يصلي صلاة الخوف في طلب العدو لأنه آمن وطلبهم تطوع. وهذا كما قال: إذا كانوا في طلب العدو فإن لم يكونوا خائفين، مثل إن خرجوا من بلاد الإسلام في طلب العدو وهم مستظهرون يأمنون الكرة عليهم لم يكن لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فإن كانوا خائفين من كمين أو مدد أو كرة عليهم أو فتحوا بلد من بلاد العدو فلم يأمنوا أن يلحق المدد بهم كان لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فإن كان الخوف أشد من ذلك صلوا صلاة شدة الخوف، وذلك أن يخاف أن تكون هزيمتهم هكذا منهم، ولم يكن في المسلمين كثرة فتهيأ لبعضهم أن يقوى بهم أو يخاف عود العدو إن تولوا عنهم نص على كل هذا في "الأم". باب من له أن يصلي صلاة الخوف مسألة: قال: كل قتال كان فرضاً أومباحاً لأهل الكفر والبغي. الفصل وهذا كما قال: جملته أن القتال على ثلاثة أضرب: قتال واجب، وقتال مباح، وقتال محظور.

فالواجب: كقتال المشركين وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية وفي معناه قتال أهل البغي لأن الله تعالى قال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9]، وقتال قطاع الطريق: فتجوز صلاة الخوف في كلها. وأما المباح: فهو الدفع عن حريمه وماله ونفسه، وكذلك عن نفس الغير وماله وحريمه فإن الصحيح من المذهب إن دفع المسلم عن نفسه مباح غير واجب، لأن حميته في قصده الإسلام بخلاف المسلم الظالم. وقد روي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فقال رجل: يا رسول الله إن أدركنا هذا الزمان كيف نفعل؟ فقال: "احتمل ذكرك وادخل بيتك"، قال: يا رسول الله [أفرأيت إن] دخل علي بيتي قال: إن أفرقك شعاع السيف فاجعل طوف ثوبك على رأسك ولتكن عبد الله المقتول [192 أ/ 3] ولا تكن عبد الله القاتل"،وروي "اتخذ سيفاً من خشب"، فتجوز صلاة الخوف في هذا القتال أيضاً؛ لأن كل رخصة تعلقت بالأمر الواجب فعلقت بالمباح كالقصر في السفر. قال صاحب "التلخيص": إذا قاتل في الدفع عن ماله هل يجوز له أن يصلي صلاة شدة الخوف؟ قولان: أحدهما: لا يجوز نص عليه في "الجامع الكبير"، وفي "الإملاء"؛لأن الدفع عنه غير واجب بل هو مباح. والثاني: يجوز وقال القفال رحمه الله: نص الشافعي رحمة الله عليه على قولين فيمن غشيه سيل فوجد ملجأ لنفسه دون ظهره وماله، هل له أن يهرب ويصلي صلاة شدة الخوف في هربه؟ والأصح له ذلك لأن في الدفع المباح يجوز القتال، وإن أتى على نفسه كما في النفس سواء فلا فرق. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان ماله ذا روح فعلى وجهين، وإن لم يكن ذا روح فهو مرتب على ذلك، وهو بناء على أن له أن يقتل في الدفع عن المال أم لا؟ فيه وجهان، والأصح له ذلك، وفي هذا نظر والاعتماد على ما سبق، وقد أدخل الشافعي حجة كلامه في خلال الفصل، وهو قوله: من قتل دون ماله فهو شهيد [192 ب/ 3] على أن له صلاة الخوف في الدفع عن المال وهذا من فصيح الكلام أن يذكر المسألة، ثم الحجة ثم الجواب. وأما المحظور: فهو القتال لقطع الطريق أو المعصية، أو لمنع الحق، أو أي وجه من وجوه الظلم فليس له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هذا القتال، وإن فعل يلزمه الإعادة لأن الرخصة لا تكون لعاص، ولو انهزم قوم من المسلمين وصلوا في حال انهزامهم صلاة شدة الخوف، فإن كان ذلك ليتحولوا من جهة إلى جهة أخرى ليتمكنوا

من القتال، أو يتحيزوا إلى فئة من المسلمين في مواضع أخرى ليتقووا بهم، فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا تجب الإعادة؛ لأن انهزامهم لهذا السبب مباح، وان انهزموا للعجز والفشل، فإن كان بإزاء كل واحد من المسلمين ثلاثة من المشركين فأكثر فهؤلاء لا تصح صلاتهم ولا إعادة عليهم لأن للواحد أن يفر من الثلاثة، وإن كان بإزاء كل واحد منهم واحد أو اثنان لا تصح صلاتهم: لأنه لا يجوز للمسلم أن يفر من مشركين وإذا فر منهما كان عاصياً وصلاة شدة الخوف رخصة ولا تستباح الرخصة بفعل هو معصية. وقال في "الحاوي" [193 أ/ 3] إذا عرفوا أنهم لا يطيقون قتال مثليهم من المشركين هل يجوز لهم أن يولوا من غير تحرف القتال أو تحيز إلى فئة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] الآية. والثاني: لا يجوز لأن لهم طريقاً إلى ما يجوز، إذ لا يعدم الانحياز إلى فئة قربت أم بعدت، وقال أبو حنيفة رحمه الله: جواز التولي الانحراف إلى القتال أو التحيز إلى فئة كانا في ابتداء الأمر ثم نسخا معاً وعليهم أن يقاتلوا ما أمكن. مسألة: قال: ولو غشيهم سيل ولا يحدون نجوة. الفصل وهذا كما قال: النجوة الموضع المرتفع يلتجأ إليه لينجو به، وجملته: أن الرخصة في صلاة الخوف لا تختص بخوف القتال، بل كل خوف كان المصلي غير عاص في سببه فهو مثله، فإذا كان الرجل في واد فغشيه سيل وخاف إن وقف للصلاة لحقه السيل وغرقه، فإن كانت نجوة يأوي إليها فعدا في طول الوادي من السيل وصلى في حال عدوه لم يجز وان لم يجد نجوة جاز، وهذا إذا كان بالالتجاء إلى النجوة لا ينقطع عن أهله، ولا يخاف من المقام هناك الجوع وهلاكه منه ونحو ذلك [193 ب/ 3]. قال الشافعي رحمه الله: وإن أمكنهم نجوة لا بد أنهم دون ركابهم فلهم أن يهربوا ويصلوا صلاة الخوف، لأن الخوف على المال هو بمنزلة الخوف على النفس ذكره القاضي الطبري رحمه الله، وقد ذكره رحمه الله على وجه آخر وقد ذكرنا ذلك. فرع قال في "الأم": ولو كان في الصحراء في موضع حشيش وحطب يابس، فوقعت فيه نار فاشتعلت فخاف إن ثبت يصلي يحترق، فإن كان يجد نجوة يأمن بها من الحريق لجأ إليها، وان لم يجد وصلى في حال عدوه تجوز صلاته، وهكذا لو طلبته حية أو غيرها من السبع وخاف على نفسه منها وهرب، وكذلك لو طلبه جمل صائل أو فيل، فإنه تجوز صلاة الخوف بالإيماء أينما توجه.

باب ما له لبسه وما يكره له والمبارزة.

وقال المزني رحمه الله: يلزم الشافعي على أصله أن يأمره بإعادة الصلاة، لأنه عذر نادر قلنا: لا يلزم ذلك، لأن الخوف معتاد وقد يكون عرضاً نادراً،، ولكن حكم نادره كحكم معتادة. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ولو خافوا الحريق على متاعهم أو منازلهم أحب أن يصلوا جماعة، ثم جماعة أو فرادى، ويكون من [194 أ/ 3] لم يكن معهم في الصلاة في إطفاء النار، ويكره أن يصلوا في هذه الحالة صلاة الخوف التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع: لأن هذه الصلاة شرعت في خوف القتال والحرب. فَرْعٌ آخرُ لو هرب من غريمه فإن كان معسراً فله صلاة الخوف في الهرب، لأن له الهرب وإلا فلا. ولو هرب من عليه القصاص من الولي له أن يصلي صلاة شدة الخوف في عدوه؛ لأنه يرجو العفو لأن العفو مندوب إليه فربما يرغب في العفو، ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وعندي ليس له ذلك إذا كان صاحبه يطلبه: لأنه عاص بالهرب، لأنه لا يجوز أن يمنع حقاً مستحقاً من مستحقه، فإن كان عليه حد فهرب لا يصلي هكذا. باب ما له لبسه وما يكره له والمبارزة. مسألة: قال: واكره لبس الديباج. الفصل وهذا كما قال القفال رحمه الله، أراد بالكراهة هنا التحريم، وجملته: أنه يحرم في حالة القتال من الملابس ما يحرم في غير حالة القتال إلا أن يكون حاجة وضرورة. وقال سائر أصحابنا: الديباج والحرير وسائر الثياب [194 ب/ 3] في العرف لا يحرم لبسها، لما روى أبو داود عن مولى لأسماء بنت أبي بكر، يقال له: عبد الله بن عمر قال: رأيت عبد الله بن عمر رضي الله عنه في السوق اشترى ثوباً شامياً فرأى فيه خيطاً أحمر فرده، فأتيت أسماء وذكرت ذلك لها، فقالت: يا جارية ناوليني جبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأخرجت جبة [طيالسة] مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج " وهدا نص. وروى بعض أصحابنا زيادة: أنه "كان يلبسها للقاء العدو"، وقال علي رضي الله عنه: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحرير إلا في موضع إصبعين أو ثلاث أو اربع ". فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء" و "الأم": لو لبس رجل قباء محشواً بالقز فلا بأس؛ لأن

الحشو باطن، وإنما أكره إظهار القز للرجال، ومشايخ خراسان ذكروه عن أصحابنا ولم يذكروا هذا النص. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": إذا كان منسوجاً بالقز، والقز غالب كرهته في الحرب وغير الحرب، وان كان قزاً خالصاً كان مباحاً في الحرب؛ لأن القز الخالص يحصنه، وإذا لم يكن خالصاً لا يحصنه تحصين الخالص، ويرجع المعنى إلى ما تقدم في الحقيقة [195 أ/ 3] وقيل: فيه وجه أنه يباح لبس ثوب القز؛ لأنه ليس من ثياب الزينة، وإن كان القز أصل الإبريسم. فَرْعٌ آخرُ الذهب حرام على الرجال قليله وكثيره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهي عن التختم بالذهب". وهو قليل، وكذلك أزرار الذهب والدرع المنسوج بالذهب حرام، وكذلك لو كان الذهب على سيفه أو حمائل سيفه أو منطقته أو كان مموهاً بالذهب، وكان ظاهراً فيه لا يجوز استعماله، ويخالف الديباج، لأنه لا يعمل فيه السلاح ولا حاجة في الذهب، وان كان في الدرع يجد بثمن ذلك درعاً جديداً والجديد أخص. فإن قيل: أليس أجزتم بيسير الحرير دون يسير الذهب فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن يسير الذهب يظهر كما يظهر كثيره ويحصل به السرف والخيلاء من طريق العادة بخلاف يسير الحرير. فَرْعٌ آخرُ إذا فاجأته الحرب فلا يكره لبسه، لأنه موضع ضرورة، ويحل في حال الضرورة ما يحرم في حال الاختيار، وكذلك لو كان له سيف عليه حلية ذهب ففاجأته الحرب لا بأس أن يتقلده، فإذا انقضت الحرب، قال الشافعي رحمه الله: "أحببت [195 ب/ 3] له نقضه"، وهكذا في حمائل سيفه وترسه ومنطقته، لأن كل هذا جنة أو صلاح جنة ولا يجوز لبس الخاتم من الذهب، وان فاجأته الحرب؛ لأنه لا جنة فيه. فَرْعٌ آخرُ يجوز لبس الحرير عند الحاجة إلى لبسه لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما في قميص الحرير في سفر من حكة كانت بهما"

فَرْعٌ آخرُ قال: لو نسخ الذهب المنسوخ في الذرع وصدئ حتى لا يظهر لونه حل لبسه؛ لأنه سرف فيه وكذلك لو كان مموها بالذهب ولا يظهر لونه فصار مستهلكا فيه، ويستحب تركه مع هذا وقيل: الذهب لا يصدأ. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا أكره للرجل لباس اللؤلؤ إلا من جهة الأدب فإنه لباس النساء وزينتهن لا للتحريم، وكذلك لا أكره لبس الياقوت والزبرجد إلا من جهة السرف أو الخيلاء، يعني: أنه لا يحرم أيضا، وهذا لأن الشرع لم يرد بتحريم لبسها ولكن كره الشرع التشبه بالنساء. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا: يكره للنساء البياض والفضة لما فيه من التشبه بالرجال وفي هذا نظر عندي "196 أ/3". فَرْعٌ آخرُ التختم باليمين واليسار جائز إلا أن المستحب التختم باليسار، لأنه الآخر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: اليمين أولى إلى الاحتراز من النسبة إلى البدعة والاشتهار بهم. فرع قال أصحابنا: المشي في نعل واحدة أو خف واحد مكروه للخبر في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. مسألة: قال: ولا أكره لمن يعلم من نفسه في الحرب بلاء أن يعلم ولا أن يركب الأبلق. وهذا كما قال: إذا علم المحارب من نفسه الشجاعة والشدة جاز له أن يعلم، وأراد بالبلاء الشجاعة، وهو أن يجعل في صدره ريش نعامة أو يشد على عمامته عصابة ملونة، أو يركب الأبلق من الخيل، وإن عرف من نفسه الضعف والفشل كره له ذلك؛ لأنه ربما يقصد فينهزم فإذا انهزم من ظهر بعلامة الشجعان كان ذلك قوة للمشتركين ووهنا على المسلمين فيؤدي إلى كسرتهم وهزيمتهم. وروي عن الحسن رحمه الله أنه كره الإعلام في الحرب، وهذا غلط، لأن حمزة رضي الله عنه أعلم يوم بدر بأن غرز ريش نعامة في صدره، أي في لحيته، وشدد أبو دجانة "196 ب/3" على عمامته عصابة حمراء، وركب أبو محجن الأبلق وكل هؤلاء كانوا أهل شدة وشجاعة. مسألة: قال: ولا أكره البراز.

الفصل وهذا كما قال، أراد بالبراز المبارزة، وجملته: انه إذا خرج رجل من المشركين ووقف بين الصفين وطلب البراز من المسلمين، لا يكره لمن يعلم من نفسه بلاء من المسلمين أن يخرج إليه فيقاتله، فإن كان مثله في الشجاعة والآلة والسلاح كان الخروج في مقاتلته مباحا وإن كان فوقه كان خروجا مستحبا، وإن كان دونه كان مكروها، وإن لم يطلب أحد من المشركين ذلك فهل يجوز للمسلم أن يبتدئ بطلب المبارزة وجهان: أحدهما: يكره له، وبه قال صاحب " الإفصاح"؛ لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما خرجوا للمبارزة عند الطلب منهم؛ ولأنه لا بأس أن يخرج من المشركين من هو أشجع منه. والثاني: يجوز ذلك وهو الأصح لما فيه من الرهبة في قلوب العدو. وذكر بعض أصحابنا على هذا الوجه الثاني أنه يستحب ذلك له. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره كل ذلك إلا بإذن الإمام، وقال الحسن رحمه الله: تكره "197 أ/3" المبارزة بكل حال. واحتج الشافي رحمه الله بما روي أن عبيدة وحمزة وعليا رضي الله عنهم بارزوا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه إشارة إلى قصة نذكرها، وهي: أن يوم بدر خرج من مصاف المشركين ثلاثة نفر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما أخوان، والوليد بن عتبة، وهو ابن أخي شيبة، وطلبوا البراز فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة وكانوا متلثمين فاستنسبوهم فنسبوا لهم، وقالوا: نحن الأنصار فقالوا: أكفاء كرام ولكنا نريد قومنا، ثم نادوا: يا محمد اخرج لنا قومنا من قريش، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبيدة بن الحارث بن عبد المطب وهو ابن عمه، ولحمزة بن عبد المطلب عمه، ولعلي بن أبي طالب ابن عمه رضي الله عنه: "اخرجوا لهم"، وكان عبيدة شيخا له سبعون سنة فخرجوا لهم، فقالوا: من القوم فاستنسبوا لهم، فقالوا: أكفاء كرام فدار حمزة مع عتبة فلم يمهله أن قتله، ودار علي مع الوليد فلم يمهله أن قتله، واختلف بين شيبة وعبيدة ضربتان فضرب عبيدة لشيبة ضربة على عاتقه "197 ب/3" الأيسر فأرخى كتفه، وضربه شيبة ضربة جزمت ساقه، فكر حمزة وعلي رضي الله عنهما على شيبة وقتلاه، ثم حملا عبيدة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومخ ساقه يسيل فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم مات بعد انقضاء الحرب بالصعواء عند منصرفه من بدر فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفن"، وروي أنه لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومخ ساقه يسيل قال: أشهيد أنا يارسول الله؟ فقال: "نعم"، فقال: ووددت أنا أبا طالب كان حيا ليعلم أنا نحن أحق بهذا البيت منه حيث يقول: ونسلم حتى ما نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل ثم أنشأ يقول: فإ تقطعوا رجلي فإني مسلم أرجي به عيشا من الله عاليا وأبسني الرحمن من فضل منه لباسا من الإسلام غطى المساويا

مسألة: قال: ويلبس فرسه وأداته جلد ما سوى الكلب والخنزير. وهذا كما قال. اختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن خيران رحمه الله: أراد به الشافعي رحمه الله الجلود التي لم تدبغ فيجوز له أن يلبس فرسه ذلك وإن كان نجسا؛ لأنه لا تعب على الفرس، وإنما لا يجوز للرجل لبسه، لأن عليه في نفسه "198 أ/3" تعبدا فلا يجوز له لبس النجاسات، وإنما استثنى الشافعي منها جلد الكلب والخنزير؛ لأن الانتفاع بالخنزير لا يحل حال. وأما الكلب فلا يجوز الانتفاع به إلا فيما أذن فيه من اقتنائه للصيد والماشية والزرع وهذا غيره فلا يحل استعماله. وحكى الداركي عن أبي إسحاق رحمه الله أنه قال: أراد به الجلود المدبوغة واستثنى جلد الكلب والخنزير، لأنهما لا يظهران بالدباغ، قال: وقول الشافعي رحمه الله لأنه جنة الفرس، ولا تعبد على قوس، أراد به أن لبس الجلود في الحرب مكروه للرجل، لأنا نحتاج أن ننزعها من الشهيد، والمستحب أن يدفن الشهيد على حاله بخلاف الفرس، فإنه لا تعبد عليه فلا يكره له أن يلبسه إياه، وأما غير المدبوغ من جلود الميتة فكما يلزمه لبسه في نفسه يكره لبسه في فرسه وأداته، ولو خالف لا يحرم إلا للصلاة، وذا غلط لأن الشافعي صرح في "الأم" فقال: ليس كل جلد طاهر، وهو جلد ما يؤكل لحمه إذا كان ذكيا، وإن كان جلد ميتة أو جلد ما لا يؤكل لحمه فإنه يلبسه فرسه، ولا يلبسه هو إلا أن يدبغ لأنه يكره للإنسان حمل النجاسة ولبسها "198 ب/3" بلا ضرورة. وأما إذا اضطر عند الحرب فيجوز لبس كله في نفسه وأدته، وإن كان جلد الكلب والخنزير.

كتاب صلاة العيدين

كتاب صلاة العيدين مسألةُ: قالَ: ومن وجَبَ عليه حضور الجمعة وجب ليه حضور العيدين. وهذا كما قال العيد في اللغة: لما اعتاد، أو عاد إليك، والأضحى: جمع أضحاة فقولنا: يوم الأضحى، أي: يوم الأضاحي والضحايا. والأصل في العيد: الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرِبِّكَ َواُنْحَرْ} " الكوثر: 2" ولا نحر بعد الصلاة إلا صلاة العيد. وأما السنة: فما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "ما هذا اليومان؟ " فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال: "إن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر". وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه. وعيد الفطر: هو أول يوم من شوال، وعيد الأضحى هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وجاء في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه " يوم الحج الأكبر"، وروي أن أول "199 أ/3" عيد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد يوم الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها فرضت زكاة الفطر وسمي عيدا، لأنه يعود كل سنة، وقيل: إن السرور يعود فيه إليهم. ويستحب لهم أن يقوم ليله كل واحد من العيدين. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من قام ليلتي العيد إيمانا واحتسابا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب"، وهذا هو أعظم الفضائل، كقوله تعالى في الشهادة: {ومَن يَكْتُمْهَا فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} " البقرة: 283" وهذا أشد الوعيد. فإذا تقرر هذا فالمذهب أن صلاة العيدين نافلة؛ وهي: سنة مؤكدة، وبه قال مالك لأن الشافعي قال: والتطوع وجهان نذكر في جملته صلاة العيدين، وقال في البويطي: صلاة العيد سنة لأهل الآفاق للرجال في المصلى وللنساء والعبيد والإماء في منازلهم، وأراد بما نقل المنزل من وجب عليه حضور الجمعة حتما وجب عليه حضور العيدين اختيارا وقصد الشافعي له أن حكم العيدين إنما يتوجه قصدا على من يخاطب بالجمعة. فأما النساء والصبيان والعبيد فل يتوجه عليهم "199 ب/3" بل هم تبع.

وقال الإصطخري: صلاة العيد فرض على الكفاية؛ لأن الشافعي قال: وجب عليه حضور العيدين فتقديره من وجب عليه حضور الجمعة عينا وجب عليه حضور العيدين كفاية، وبه قال أحمد وهذا غلط لما ذكرنا. وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرض الأعرابي الصلوات الخمس قال: هل علي غيرها؟ فقال: "لا إلا أن تتطوع"، وقيل: ما نقله المزني بهذا اللفظ لا يحفظ للشافعي في كتاب؛ ولأنها صلاة مؤقتة لم يشرع لها الإقامة فلا تجب كصلاة الاستسقاء، وقال أبو حنيفة في رواية: صلاة العيد واجبة وليست فرضا. فإذا تقرر هذا لو اتفق أهل بلد على تركها يقاتلون على قول الإصطخري، وعلى المذهب فيه وجهان: أحدهما: لا يقاتلون لأنهم تركوا نافلة كالوتر وركعتي الفجر. والثاني: يقاتلون لأنها من شعار الإسلام، وفي تركها تهاون بالدين وإخفاء الشعار بخلاف الوتر، فإنه لا يحصل بتركه التهاون في الدين وهذا أظهر وأوضح عندي، فإن قيل: فهذا يدل على أنه يأثم بتركها ويقضي، وهو قول الإصطخري، قلنا: يفضي بالتهاون "200 أ/3" بشعار الإسلام، ومثله يقول في ترك الأذان، وإن لم يكن واجبا فإن قيل: ما يقولون لو اتفق أهل بلد بأسرهم على ترك الوتر وركعتي الفجر؟ قلنا: ذاك يصلونه في منازلهم فلا يتوصل إلى اتفاق الكل على تركه، وإن علم ذلك منهم لا يقاتلون أيضا، لأنهم لم يندبوا إلى الجهات، فقلنا: بالإجماع لها فلم يكن في تركه تهاون بالدين. مسألةْ: قال: وأحب الغسل بعد الفجر للغدو إلى المصلى. وهذا كما قال. الغسل للخروج إلى العيد مستحب والمعنى فيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث سن الغسل في يوم الجمعة شبهه بالعيد، فقال: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا"، وروي عن علي رضي الله عنه أنه " كان يغتسل في الفطر والأضحى"، وروي نحوه عن ابن عمر رضي الله عنه ولأنه يوم سن فيه اجتماع الكافة للصلاة فاستحب فيه الغسل كالجمعة، وقد ذكرنا قولين في وقته. وقال القفال فيه وجهان: والنص هاهنا يدل على أنه بعد الفجر وفي هذه نظر، لأن القولين "200 ب/3" منصوصان على ما تقدم بيانه، والنص يدل على وقت الاستحباب والخلاف في وقت الجواز، وقال أحمد: لا يجوز إلا بعد الفجر. فرع إذا قلنا: إنه يجوز قبل الفجر، قال القاضي الطبري: يجوز في جميع الليل كما يقول في أذان الصبح: ولا يجوز قبله، ويحتمل أن يجوز في جميع الليل، ويفرق بينه وبين الأذان بأن النصف الأول وقت مختار لصلاة غيرها، فربما يظن أن الأذان لها وهذا المعنى لا يوجد هاهنا.

مسألة: قال: وأحب إظهار التكبير. الفصل وهكذا كما قال: وجملته أن التكبير مسنون في عيد الفطر، وبه قال مالك وأحمد وروي عن ابن عمر رضي الله عنه وروي لعلي بن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، وبه قال ابن عباس رضي الله عنه وروي عن أبي حنيفة مثل قولنا، واحتج من نصر القول بما روى سعيد بن جبير أن ابن عباس رضي الله عنه سمع التكبير يوم الفطر فقال "201 أ/3" ما شأن النس؟ فقلت: يكبرون، فقال: أمجانين الناس. وروي أنه سئل عن رجل كبر يوم الفطر، فقال ابن عباس: كبر إمامه فقيل: لا قال: ذاك رجل أجمق. وقال النخعي: التكبير يوم العيد عمل الحركة وهذا غلط لقوله تعالى: {ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} "الحج: 37" قال الشافعي في " الأم": سمعت من ارتضى من أهل العلم بالقرآن يقول: ولتكملوا عدة صوم رمضان ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم، وروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير". وأما قول ابن عباس يعارضه فعل علي وابن عمر، وأبي أمامة رضي الله عنه أنهم "كانوا يكبرون"؛ ولأن ابن عباس كان يقول يكبرون مع إمامهم ولا يكبرون منفردين" وهذا خلاف أصلكم. وقال داود: التكبير يوم الفطر واجب لظاهر الآية، وهذا غلط لأنه ليس بأمر بل هو إخبار عن إرادة الله تعالى لقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ} " البقرة: 185" "201 ب/3" ولأنه تكبير شرع في يوم العيد فلا يجب كالتكبير في عيد الأضحى، واختلف قول الشافعي أي العيدين آكد في التكبير، فقال: في القديم ليلة النحر هي أوكد لإجماع الناس عليها من السلف. وقال في " الجديد": ليلة الفطر أوكد لورود النص الذي ذكرنا فيها فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في وقته وصفته. فأما وقته: فأوله بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وزيد بن أسلم، واختلفت ألفاظ الشافعي في هذا، فقال في " الأم": إذا رئي هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، وقال في البويطي: وتظهر الناس التكبير حين مغيب الشمس من ليلة الفطر، وروى المزني: وأحب إظهار التكبير ليلة الفطر ومعناهما واحد وهو ما ذكرنا. فإن كان في السماء غيم ولم يروا الهلال عدوا رمضان ثلاثين يوما، فإذا غابت

الشمس ليلة الحادي والثلاثين ابتدئوا بالتكبير، وإن كانت السماء مصحية فطلبوا الهلال عشية التاسع والعشرين، فإن رأوا الهلال بعد غروب " 202 أ/3" الشمس كبروا، وإلا لم يكبروا لأن رمضان باق لم ينقص. وقال علي وابن عمر ومالك والأوزاعي والثوري: لا يكبر ليلة الفطر. ولكنه يكبر في يومه وروى هذا عن أحمد، وقال إسحاق وأبو ثور: يكبر إذا غدا إلى المصلى وهذا غلط، لأن الله تعالى قال: {ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} " الحج: 37" ولأنه عيد سن في التكبير في يومه فسن التكبير في ليلته أصله عيد الأضحى. وأما وقت قطع التكبير قال في "الأم": لا يزال وقته قائما حتى يخرج الإمام إلى المصلى، وقال في البويطي: حتى يفتتح الإمام الصلاة. وقال في "القديم": حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معا هكذا حكاه أبو حامد، وحكى غيره عن "القديم" حتى ينصرف الإمام من الصلاة. واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ثلاثة أقوال: إحداها: إلى خروج الإمام لأنه إذا خرج الإمام يستحب الاشتغال بالصلاة والتأهب لها فيقطع التكبير قبل الابتداء بالصلاة حتى يتأهب لها. والثاني: إلى افتتاح الصلاة وهو اختيار المزني، قال: هذا أقيس، لأن من لم "202 ب/3" يكن في صلاة ولم يحرم إمامه ولم يخطب، أي ولم يشرع في الخطبة فجائز أن يتكلم يعني فإذا جاز أن يتكلم في هذا الوقت فالأولى به أن يكبر، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا. والثالث: إلى انصراف الإمام من الصلاة، لأن فيها تكبيرا فإن قيل: فينبغي أن يعتبروا الفراغ من الخطبتين؛ لأن فيهما تكبيرا قلنا؟: تكبير الخطبة هو مسنون للإمام دون السامعين وأما على ما ذكر أبو حامد فوجهان: هذا التكبير هو من شعار الصلاة والخطبة فما دامت الصلاة والخطبة، موجودة لا يقطع التكبير، وهذا القول الثالث إنما يتصور في حق الغائب عن الإما فله التكبير حتى يعلم فراغ الإمام من الخطبتين. فأما من كان حاضرا معه فلا يكبر وهو يخطب، فيكون في حق الحاضر قولان، ومن أصحابنا من قال قول واحد إنه يكبر إلى أن يفتتح الإمام الصلاة وهذ الطريق هي أصح. والألفاظ هي عبارة عن معنى واحد يقوله حتى يخرج الإمام معناه تفتتح الصلاة؛ لأنه يفتتحها عقيب خروجه إذ ليس قبلها خطبة ولا أذان ولا إقامة. وقوله في "القديم": أراد "203 أـ/3" جنس التكبير لأن في الصلاة والخطبتين تكبيرا كثيرا، وإنما قال ذلك لأن الإمام إذا افتتح الصلاة يجب عليهم أن يفتتحوا، ولا يجوز لهم أن يشتغلوا بالتكبير فإذا سلم صعد المنبر للخطبة وعليهم الاستماع فلا يكبرون. وأما الكلام في صفته: فالمستحب أن يجهروا بالتكبير جماعة وفرادى في المسجد

والأسواق، والطرق، والمنازل، ومسافرين ومقيمين، وهذا معنى التكبير المرسل في جميع الأحوال. وروي ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كان يخرج في العيدين مع الفضل بن العباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد، وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن رافعا صوته بالتهليل والتكبير" ولأن في ذلك تذكيرا لغيره وإظهار شعار الإسلام. وروى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى" وأما التكبير المقيد وهو في إدبار الصلوات. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يستحب ذلك عقيب ثلاث صلوات صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح لأن كل "303 ب/3" عيد سن فيه التكبير المطلق سن فيه المقيد كعيد الأضحى. ومنهم من قال: لا يستحب ذلك ولكنه يكبر عقيب الصلوات وغير عقيبها على السواء ويكون تكبير الإرسال أبدا، لأنه لم يرو في عيد الفطر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر عقيب الصلوات ولو فعله لنقل كما نقل في عيد الأضحى، وهذا ظاهر المذهب، لأن الشافعي لم يذكر ذلك. وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يستحب ذلك كما في عيد الأضحى وأيام التشريق، ومن أصحابنا من قال: لا يستحب ذلك على الخصوص وهذا غريب دائما في أيام التشريق فلا يكبر من حيث السنة إلا خلف الصلوات، فإن كبر فيها تكبيرا مطلقا جاز. فإذا تقرر هذا بين الشافعي رحمه الله: أن ليلة النحر في ذلك مشبهة بليلة الفطر ومقيس عليها لغير الحاج، فقال: وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا تذكره التلبية، يعني: أن الحاج لا يقطع التلبية في عامة الأوقات ما لم يفتتح رمي الجمرة يوم النحر، فلما كانت التلبية في هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى التكبير، ولا كذلك من لم يكن حاجا فكذلك أمر بالتكبير في "204 أ/3 " هذه الليلة ذكره لم يؤمر بتركها إلى الكبير ولا كذلك من لم يكن حاجا، فكذلك أمر بالتكبير في هذه الليلة قياسا على ليلة الفطر لأنها ليلة أحد العيدين. مسألة: قال ويغدون إذا صلوا. وهذا كما قال يستحب التبكير إلى المصل من حين يصلي الصبح، لأن المنتظر للصلاة وهو كالمصلي ويكبر هناك، ولأن في ذلك خلو الطريق والمبادرة إلى أدنى المجالس من الإمام ليسمع الخطبة فكان أولى كما قلنا في الجمعة. الفصل وهذا كما قال. أراد به أنه يخرج بهم إلى أوسع مكان من البلد لأنها صلاة يجتمع

لها أهل البلد والقرى فلا يسعهم الجامع بخلاف الجمعة. وقال في " الأم": إذا كان المسجد يسعهم فصلاة العيد فيه أفضل من الصلاة في الصحراء، وإن كان ضيفا لا يسعهم فالصلاة في الصحراء أفضل، وعلى هذا المعنى، قال الشافعي في التكبير: لا يقام العيد في البلدان في المساجد، بل يخرجونإلى الجبان إلا بمكة فإنهم يصلون في المسجد، ولا أراهم يفعلون ذلك إلا لعظم المسجد، وقال بعض أصحابنا: "204 ب/3" في علته في مسجد مكة أنهم يستقبلون عين الكعبة حقيقة ولا يكون هذا في موضع آخر، وإن كان المسجد كبيرا مسجد مكة وبيت المقدس صلوا فيه، وهذا لأن المسجد هو أشرف البقاع وأفضلها وألطفها. وجملته: انه يجوز في الصحراء والمسجد بكل حال، والمسجد أفضل عند الاتساع وعند العذر من مطر أو غيره؛ لما روي أبو هريرة رضي الله عنه قال: أصابنا مطر فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد بالناس في المسجد، ولأن الناس يقلون في يوم المطر فلا يضيق المسجد عنهم، وإنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إلى الصحراء عند الصحو لضيق مسجده، فإن خالف في هذه الحالة وخرج إلى الصحراء وصلى الناس، قال: "لم أكره ذلك ولا بأس". وإن ضاق المسجد عن الناس فالأفضل الخروج إلى الصحراء، فإن خالف صلى في المسجد يكره ذلك، وإنما قال: يكره هاهنا ولم يقل: هناك يكره، لأن في هذا مخالفة السنة ولم يخالف السنة هناك، ثم إن كان الصحار قريبا لا يلحق الضعيف مشقة في حضوره فالأمر على ما ذكرنا، وإن كان الصحراء بعيدا استخلف من يصلي "205 أ/3" بضعفة الناس في المسجد، وفي المطر إذا ضاق المسجد على الناس صلى الإمام في المسجد الأعظم بمن يطيق الحضور معه، واسخلف من يصلي بباقي الناس في موضع آخر يكون أرفق بهم. ومن أصحابنا من قال: الأفضل الخروج إلى الصحراء عند الإمكان بكل حال، لأن فيه إظهار العيد الذي هو شعار الإسلام والسنة وهذا خلاف النص، ويستحب أن يمشي إلى صلاة العيدين ولا يركب إلا أن يضعف عن المشي سواء كان رجلا أو امرأة، ولو ركب من غير ضعف فلا بأس، ويكون سيره وصفة مشيه على ما ذكرنا في الجمعة. وأما إذا انصرف فهو بالخيار إن شاء ركب، وإن شاء مشى، لأن انصرافه ليس بطاعة خلاف الخروج إلا أن يتأذى الناس بركوبه فيكره لأجل الأذى بالناس. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يركب في أربعة مواطن: " العيدين والاستسقاء والجنازة وعيادة المريض". وقال أصحابنا: لو كان البلد ثغرا لأهل الجهاد يقرب من العدو فركوبهم وإظهار سلاحهم وزيهم في العيد أولى لما فيه من إعزاز الدين وتحصين "205 ب/3" المسلمين.

مسألة: قال: ويلبس عمامته. وهذا كما قال المستحب للإمام ولسائر الناس أن يلبسوا للعيد أحسن ما يجدون ويتنظفوا يتطيبوا، كما ذكرنا في الجمعة ويتعمموا وهذا الإمام هو آكد استحبابا. وقال في " الأم": أحب العمامة في الحر والبرد وفي جميع محافل الناس، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "أيعجز أحدكم أن يتخذ لعيده جمعته ثوبين سوى ثوبي مهنته"، وأراد بالثوبين الإزار والرداء، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس برد حبرة ويقيم في كل عيد، وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتطيب بأجود ما نجد في العيد". مسألة: قال: وأحب أن يكون خروج الإمام في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة. وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيدين حين تبرز الشمس، أي تظهر ويزول عنها التغير بأن ترتفع قليلا قيد رمح ولا يزال وقتها قائما ما لم تزل الشس، فإذا زالت خرج وقتها ويكون قد دخل وقت الظهر، فتكون هذه المدة ميقاتها؛ لأنه لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل "206 أ/3" وقت أخرى. والمستحب للإمام أن يؤاخي المصلى في هذا القت الذي يستحب فيه أداؤها حتى يحرم بالصلاة حتى يوافيه، فإن شاء قعد في بيته حتى يعلم أنه إذا خرج إلى المصلى وافاه في هذا الوقت، وإن شاء ضربت له خيمة في المصلى ليبكر إليها، ثم إذا كان أول وقت الصلاة خرج إليها، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج بالمدينة يوم العيد إلى المصلى للوقت الذي يبتدئ بالصلاة، ولأن الإمام هو المتبوع فالمستحب أن ينتظره الناس لا أن ينتظرهم هو، وهذا في عيد الأضحى، فأما في عيد الفطر قال الشافعي: يؤخر الخروج إلى الصلاة عن ذلك قليلا، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل الأضحى وأخر الفطر، وذكر الناس سريد به الخطبة في العيدين ورأيت خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه: " كان يصلي في عيد الفطر لقيد رمحين، وفي عيد الأضحى لقيد رمح، والمعنى الفارق في ذلك هو أن الاشتغال في عيد الأضحى بالذبح والتصدق والتناول يكون بعد "206 ب/3" الصلاة، وفي عيد الفطر يؤدون زكاة الفطر قبل الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: أغنوهم

عن الطلب في هذا اليوم" فيؤخر في الفطر ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، ويعجل في الأضحى ليصل إليهم لحم القربان سريعا. مسألة: قال: ويطعم يوم الفطر قبل الغد. الفصل وهذا كما قال. المستحب أن يأكل الناس قبل الخروج إلى الصلاة يوم الفطر ولا يأكلون في الأضحى إلا بعد الصلاة، ثم إن شاء أكل في بيته، وإن شاء في طريقه، فإن ترك الأكل في الفطر قبل الصلاة وأكل في الأضحى قبل الصلاة يكره له ذلك، وهذا لما ورى الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يطعم يوم الفطر قبل الغدو"، وروي أنه " كان يطعم قبل الخروج إلى الصلاة في يوم الفطر ولا يطعم في عيد الأضحى حتى يعود فيأكل من أضحيته". وقال ابن المسيب: كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر، والمعنى في ذلك أنه يطعم الناس في الفطر قبل الصلاة بأداء زكاة الفطر، فاستحب أن يطعم هو أيضا، وفي الأضحى: يؤخر الإطعام "207 أ/3" إلى ما بعد الصلاة، فيستحب أن لا يطعم هو أيضا، وأيضا فإن الفطر واجب في هذا اليوم وكان الصوم واجب قبلهفاستحب المبادرة إلى الأكل فيه ليتميز عما قبله، وفي يوم النحر: لم يتقدمه صوم واجب، فاستحب له الانتقال في هذا اليوم ليتميز يوم الفطر عنه، ثم المستحب أن يأكل التمر وترا، لما روي أنس رضي الله عنه قال: "قلما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر حتى يأكل تميرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا وأقل من ذلك وأكثر"، وهذا يدل على استحباب التمر وأن يكون وترا. وقال جابر بن سمرة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا كان يوم الفطر أكل قبل أن يخرج سبع تمرات أو سبع زبيبات، وإذا كان يوم الأضحى لم يطعم شيئا". فإذا تقرر هذا، فقد روي في "المختصر": بعد هذا أثرا عن ابن عمر رضي الله عنه في استحباب إظهار التكبير يوم الفطر عند الغدو إلى المصلى إلى أن يخرج الإمام وقوله: " ويكبر بالمصلى حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير" وأراد بجلوس الإمام فراغه من الصلاة وجلوسه على المنبر للاستراحة، وقيل: أراد بالجلوس "207 ب/3" السكون في مقام الصلاة، وقد مضت المسألة قبل هذا وهناك موضع رواية هذا الأثر، ثم أعاد المزني ها هنا ما ذكرنا

من استئناس الشافعي ببعض فقهاء التابعين. فقال: وعن عروة وأبي سلمة أنهما كانا يجهران بالتكبير حين يغدوان إلى المصلى، ولا فائدة في إعادة هذا الكلام ها هنا، إلا أنه إنما تكلم هناك في التكبير في ليلة الفطر، وهاهنا يتكلم في العدد يوم الفطر وما يستحب له فيه، ثم قال: وأحب أن يلبس أحسن ما يجد، يعني: من الثياب التي يجوز لبسها للرجال على ما ذكرنا وقد مضى ذلك. مسألةٌ: قالَ: فإذا بَلَغَ الإمام المصلَّى نُودِي: الصلاة جامعة. وهذا كما قال: لا يستحب لصلاة العيد أذان ولا إقامة، فإن أذن وأقام يكره له ولا إعادة عليه. وقال الزهري: ما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم لصلاة العيدين أذان حتى أحدثه معاوية بالشام. وأحدثه الحجاج حين ولي الإمامة بالمدينة، ثم ترك عليهما. وقال ابن سيرين: أول من أحدثه بنو أمية والحجاج، وقال أبو قلابة: أول من أحدثه ابن الزبير، وقال سعيد بن المسيب: أول من أحدثه معاوية وكيف ما هو "208 أ/3" فإنه بدعة، ولأن الإذان والإقامة من شعائر الفرائض المؤقتة في اليوم والليلة، وهذه ليست منها. فإذا تقرر هذا، فالمستحب أن يقول المؤذن: الصلاة جامعة، أي: عليكم الصلاة التي تجمعكم فقوموا إليها. قال في "الأم": ويستحب أن يتوقى قوله: حي على الصلاة لأنه من ألفاظ الصلاة، فإن قال: هلم إلى الصلاة لا أكرهه، لأنه ليس من ألفاظ الأذان فكان كقوله: الصلاة جامعة، وهذا لأنه لما كان الأذان مكروها يستحب أن يتوقى عن جميع كلماته، ولو قال: حي على الصلاة فلا بأس به، وإن كان المستحب غيره، وأراد أنه لا يكره ذلك، وإنما استحببنا ما ذكرنا لما روى الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان: "يأمر مناديه يوم العيد بذلك"، ولأن من سننها اجتماع الناس فليس هذا الذكر ليجتمعوا عند سماعه كما يسن الأذان. مسألةٌ: قالَ: ثُّمَّ يُحرِمُ بالتكبِيرِ فيرفعُ يَديهِ. الفصل وهذا كما قال: إذا نودي بالصلاة فأول شيء يعمله الإمام الإحرام بالصلاة بالتكبير لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تحريمها التكبير"، ويرفع يديه حذو منكبيه، ثم يأتي بدعاء الاستفتاح كما في المكتوبة ولا يتعوذ، ثم يكبر سوى تكبيرة الافتتاح "208 ب/3" والركوع سبع مرات يرفع يديه حذو منكبيه كلما كبر، وفي الركعة الثانية فيكون قدر الزيادة على التكبيرات الراتبة اثنتي عشرة تكبيرة سبعا في الأول، وخمسا في الثانية، وبه قال أبو بكر وعمر

وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وعائشة وابن عباس وأبو سعيد الخدري وعمار بن ياسر والأوزاعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله. وقال أبو حنيفة والثوري: يكبر في الأولى ثلاثا سوى تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الثانية ثلاثا سوى تكبيرة الركوع، لأن عنده أن يوالي بين القراءتين، ومعنى الموالاة بين القراءتين أنه يكبر التكبيرات في الركعة الأولى قبل القراءة، وفي الركعة الثانية: بعد القراءة وعندنا القراءة بعد التكبيرات في الركعتين جميعا. وروي هذا عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فتكون التكبيرات الزوائد ستة، ثلاثة في الأولى وثلاثة في الثانية، وروي عن أحمد رواية يوالي بين القراءتين. وقال مالك: مثل قولنا إلا أنه قال: سبع تكبيرات في الأولى مع تكبيرة الإفتتاح فالتكبيرات الزوائد إحدى عشرة، ستة في الأولى وخمس "209 أ/3" في الثانية، وبه قال أبو ثور والمزني، وروى هذا عن أحمد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: وهذا قول ابن عباس وعلى هذا فعل أهل الأمصار اليوم اتباعا للعباسية، وكان الحسن يكبر في الأولى خمسا وفي الأخرى ثلاثا سوى تكبيرتي الركوع. واحتج أبو حنيفة: بما روى عن سعيد بن المسيب أنه سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان عن التكبير في صلاة العيد كيف كان يكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربع تكبيرات، تكبيرة على الجنازة، فقال لحذيفة: صدق ثم قال أبو موسى: وهكذا كنت أكبر بالبصرة حين كنت واليا عليها، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات". وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر في العيدين في الأول سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة". ونحو هذا روى ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعمار روى عن أبي هريرة أنه صلى بالمدينة نحو هذا "209 ب/3"، وهو قول أهل المدينة. وأما خبرهم قلنا: رواية ضعيف ثم إن خبرنا أولي، لأن روايته أكثر وأفضل وأتقن، وروي ذلك قولا وفعلا وهو زائد والزوائد أولى. واحتج مالك: بما روت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكيرات سوى تكبيرة الركوع" قلنا: روينا أنها قالت: سوى تكبيرة الإفتتاح وتكبيرة الدخول في الركوع، وهذا أبين فيرتفع به الإجمال الذي في خبركم، وروي عن الثوري

ومالك وأبي يوسف، ومحمد أنه لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى التي هي الافتتاح، وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنه كبر في الأولى سبعا، وفي الثانية خمسا. ويرفع يديه عند كل تكبيرة في حال الانتصاب فيرفع اليد لها كتكبيرة الافتتاح. فإذا تقرر هذا، وفرغ في الأولى من سبع تكبيرات يتعوذ، ثم يقرأ لتتصل القراءة بالتعوذ وبه قال أحمد ومحمد، وقيل: قال محمد بن الحسن: يأتي بدعاء الاستفتاح بعد التكبيرات مع التعوذ. وقال أبو يوسف: يتعوذ عقب دعاء الاستفتاح ثم بعد التكبيرات يقرأ الفاتحة، ولا نص فيه لأبي حنيفة، وقد قيل: مذهبه مذهب أبي "210 أ/3" يوسف وهذا غلط لما ورى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يتعوذ قبل القراءة"؛ ولأن التعوذ تابع للقراءة فلا يفصل بينهما كما في سائر الصلوات. مسألةٌ: قالَ: ويقِفُ بينَ كل ِّ تكبيرتَينِ بقدرِ قراءةِ آيةٍ لا طويلةٍ ولا قصيرةٍ. وهذا كما قال. يستحب أن يأتي بهذه التكبيرات فيها مفرقا ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة، يهلل الله ويكبره ويحمده ويمجده. والتمجيد هو التعظيم مثل قوله: مالك يوم الدين، ولا إله إلا الله. والمراد به: أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن زاد على هذا جاز، ولا يقول هذا بين تكبيرة الإحرام والتي تليها، لأنه يكفيه فيما بينهما دعاء الافتتاح، ولو اتبع بعض التكبير بعضا، ولم يفصل بينه بذكر. قال الشافعي: كرهت له ذلك ولا إعادة ولا سجود السهو. وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات متواليات، وقال مالك: يقف بين كل تكبيرتين، إلا أنه لا يأتي بذكر بينهما وهذا غلط لما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه صلى صلاة العيد وكان يقف بين كل تكبيرتين يهلل ويكبر ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - "210 ب/3" وسأل الوليد بن عقبة عبد الله بن مسعود عن هذا، فقال: يقول: الله أكبر ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن أصحابنا من قال: عادة الناس قولهم: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على محمد وسلم تسليما وهذا حسن، ومنهم من قال: يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، قالوا: لو كان هذا مسنونا لنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نقل التكبيرات. قلنا: الظاهر أن ابن مسعود ذكره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأن هذا يخفى ولا يظهر بخلاف التكبيرات، ولأنها تكبيرات متكررة في حال القيام فاستحب أن يتخللها الذكر

كتكبيرات الجنازة، ثم إذا فرع من التكبيرات يقرأ بأم القرآن كما قلنا في سائر الصلوات، ثم يقرأ سورة {ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ}، وفي الثانية {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} بعد أم القرآن، وعند أبي حنيفة يكره تعيين سورة لبعض الصلوات وليس بعض السور بأولى من بعض، وقال مالك وأحمد: يقرأ بسبح، وهل أتاك. واحتجا بما روى النعمان "211 أ/3" بن بشر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وهذا غلط لما روى الشافعي بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل: أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر؟ فقال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بقاف والقرآن المجيد، واقتربت الساعة". وأما خبرهم: على الجوزا وخبرنا على الاستحباب، لأنه إخبار عن دوام فعله ولأن في هاتين السورتين ذكر الساعة، وصفتها، ويوم العيد يشبه يوم القيامة لاجتماع الناس في صعيد واحد، فاستحب قراءة هاتين السورتين فيها. قال الشافعي: وأحب أن يقرأ في الاستسقاء: {إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} "نوح: 1" أحببت ذلك، والسنة الخبر فيها بالقراءة في صلاة العيدين والاستسقاء لأن أبا واقد الليثي وصف قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما عرف ذلك بجهره. فرع لو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة ففيه قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يستحب له العود إلى التكبيرات، لأن محلها القيام وهو في القيام "211 ب/3"، فإذا قلنا بهذا فإن ذكر في خلال القراءة قطعها، وعاد إلى التكبيرات، فإذا فرغ منها استأنف القراءة؛ لأنه تعمد قطعها بغيرها، وإن ذكرها بعد الفراغ من القراءة عاد إلى التكبيرات، فإذا فرغ منها استحب أن يعيد القراءة، فإن لم يفعل أجزأه، لأن جميع القيام هو محل للقراءة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يعيد القراءة؟ جهان: وليس بشيء. والثاني: قاله في " الجديد" إنه لا يعود إلى التكبير، لأن هيئة موضعها قبل القراءة فإذا أخذ في القراءة فاتت، أو ذكر مسنون قبل القراءة فوجب أن يسقط بشروعه في القراءة كدعاء الاستفتاح، فإذا قلنا بهذا فقطع القراءة إلى التكبيرات. قال الشافعي: لا تبطل صلاته لأن ذكر الله تعالى لا يبطل الصلاة وإن تعمد في غير موضعه وإن ذكرها وقد فرغ من القراءة فعاد وكبر.

قال في " الأم": أحبت له أن يعيد القراءة ثانيا فإن لم يفعل لم يجب وإن لم يقطعها ومضى في القراءة وركع وسجد، فإذا قام إلى الثانية لا يكبر إلا خمسا بلا خلاف؛ لأنه لا يجوز أن يترك سنة التكبيرات في الركعة الثانية لأجل تركه إياها في الركعة الأولى، فيكون "212 أ/3" قد ترك السنة في الركعتين، وهذا كما لو ترك الرمل في الطواف في الثلاث لم يقض في الأربع. وقال أبو حنيفة: يأتي بالتكبيرات، وإن كان قد ركع، وبه قال محمد وهذا غلط لما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ لو أدرك المأموم الإمام في صلاة العيد وقد فاته بعض التكبيرات، ففي قوله" القديم" يكبر ما فاته. وبه قال أبو حنيفة ومحمد، وكذلك إذا أدركه وهو يقرأ وعلي قوله الجديد لا يكبر ما فاته، ولو أدركه راكعا يكبر ويركع معه، ولا يقضي التكبير وقلا واحدا، وبه قال أحمد وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: يكبر في الركوع تكبير العيد، وهذا غلط لما ذكرنا. فرع لو أدرك في الركعة الثانية كبر معه خمس تكبيرات، ثم إذا قام للقضاء كبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات؛ لأن ما أرك من صلاة الإمام فهو أول صلاته عندنا والإمام يتحمل عنه الزيادة التي عليه من التكبيرات. فَرْعٌ آخرُ قال: لو ترك التكبيرات فيها عامدا أو ناسيا لم يكن عليه سجود السهو ولو زاد على ذلك كرهته، ولا إعادة عليه ولا سجود للسهو عليه. فرع قال: لو استيقن أنه يكبر في الأولى أنه يكبر في الأولى سبعا أو أكثر أو أقل "212 ب/3" وشك هل نوى بواحدة منهن تكبيرة الافتتاح لم تجزه صلاته؛ لأنه لم يتيقن دخوله في الصلا فيلزمه أن يكبر تكبيرة الافتتاح ويكون ذلك ابتداء الصلاة ويأتي بما بعدها على الترتيب. فَرْعٌ آخرُ قال: لو استيقن أنه كبر سبعا أو أكثر أو أقل وتيقن أنه نوى بواحدة منها تكبيرة الافتتاح ولا يدر هلى نوى بالتكبيرة الأولى أم بالأخيرة؟ بالاحتياط أن يجعلها للأخيرة، ويبتدئ بقوله: وجهت وجهي، ثم يأتي بعده على الترتيب. فرع قال: لو شك بعد تكبيرة الافتتاح هل كبر واحدة أم أكثر أخذنا بالأقل لأنه اليقين،

وما زاد عليه شك. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كبر لافتتاح الصلاة وترك دعاء الاستفتاح حتى كبر للعيد، ثم ذك لم يكن عليه أن يدعو بدعاء الاستفتاح، فإن فعل أحببت أن يعيد التكبير سبعا حتى تكون كل واحدة منهن بعد دعاء الاستفتاح، فإن لم يفعل فلا إعادة ولا سجود للسهو. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا قنوت في صلاة العيدين والاستسقاء، فإن قنت عند نازلة لم أكرهه وإن قنت لغير نازلة كرهته، وأحببت له أن يسجد للسهو. فإذا تقرر هذا، قال الشافعي: هاهنا فإذا قام إلى الثانية "213 أ/3"كبر خمس تكبيرات سوى تكبيرة القيام من الجلوس، وهذا يدل على أنه يستحب أن يرفع رأسه من الجود ساكنا ويجلس جلسة الاستراحة، ثم يبتدئ بالتكبير والقيام لأنه قال: تكبيرة القيام من الجلوس، ولم يقل: من السجود، ود ذكرنا شرحه فيما سبق، ثم قال: ولا يقرأ من خلفه قد ذكرنا أنه أحد القولين. مسألة: قال: ثم يخطب. الفصل وهذا كما قال: أراد أنه يخطب بعد الصلاة، ويستحب أن يكون على المنبر. وجملة الخطب عشر: خطبة الجمعة، وخطبة الفطر، وخطبة الأضحى، وخطبة كسوف الشمس، وخطبة خسوف القمر، وخطبة الاستسقاء، وأربع خطب في الحج: إحداها: اليوم السابع بمكة، واليوم التاسع بعرفة، ويوم النحر بعد الزوال بمنى، ويوم النفر الأول بمنى. وكل هذه بعد الصلاة إلا خطبتين خطبة الجمعة، وخطبة عرفة فإنهما معا قبل الصلاة، وهذا إجماع المسلمين، وروي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر، وعمر، وعثمان كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة، فإن قيل: فما الفرق بين الجمعة والعيد في هذا الباب من طريق المعنى؟ قلنا: "213 ب/3" الجمعة فرض والعيد نفل، فخولف بين خطبتيهما ولا يلزم على هذا خطبة عرفة؛ لأنها ليست للصلاة، بل هي للوقت، وأيضا خطبة الجمعة شرط في الصلاة، فلهذا قدمت لتكمل شرائط الصلاة بخلاف خطبة العيد، ولأن وقت الجمعة يضيق فقدمت الخطبة عليها لتتكامل الناس للصلاة، وخطبة عرفة قدمت ليتعلم الناس مناسكهم وصلاتهم وما يفعلونه في حجهم وعمرتهم، ويشتغلوا عقيب صلاتهم بالدعاء، وهذا المعنى لا يوجد في خطبة العيد، وروي أن الأمر كان على هذا حتى آلى الأمر إلى مروان فقدم الخطبة على الصلاة، إذ الناس كانوا يبغضونه فيتفرقون بعد الصلاة ولا يجلسون لخطبته، فأخذ

أبو سعيد الخدري في بعض الأعياد بردائه حين أراد صعود المنبر وجذبه. وقال: غيرت السنة يا رجل خل عني فقد ذهب ما تعلم، فقال أبو سعيد: ما أعلم خير مما تعلم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي قبل الخطبة. فرع لو بدأ بالخطبة قبل الصلاة، قال في "الأم": رأيت أن يعيد الخطبة بعد الصلاة فإن لم يفعل لم يكن عليه إعادة صلاة ولا كفارة كما لو صلى ولم يخطب. مسألة: قال: فإذا ظهر على المنبر سلم ويرد الناس "214 أ/3" عليه. جواب السلام لقوله تعالى: {وإذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} " النساء: 86" واحتج الشافعي على أبي حنيفة حيث قال: لا تسلم، فإن قال: لأن هذا يروي عاليا، يعني: التسليم يروي عاليا قيل: أراد بإسناد عال. وقيل أراد به الجهر أي عاليا صوته بالتسليم، وقيل: أراد به سلم عاليا على المنبر في حال علوه، وقيل: أراد أن هذا مروي عن السلف، والعالي هو عبارة عن مقدم السلف، وقيل: أراد أنه يروي عن أعالي الصحابة أي كبارهم، ثم إذا فرغ من السلام هل يجلس قبل الخطبة أم لا؟ قال في "الأم": يجلس جلسة كجلوس الإمام يوم الجمعة للأذان، ثم يقوم ويخطب، وقال أبو إسحاق: لا يجلس ها هنا ويفارق الجمعة؛ لأنه ينتظر الأذان هناك وليس هاهنا أذان، وهذا غلط، لأن الجلوس في الجمعة لمعنيين أذان المؤذن والاستراحة حتى يكون أقدر على الخطبة، وقد وجد هنا أحد المعنيين، وهو الاستراحة فاستحب له الجلوس. وحكى بعض أصحابنا بخراسان عن الشافعي أنه قال في "الكبير": يجلس على "214 ب/3" المنبر هاهنا قدر ما يؤذن المؤذن يوم الجمعة، وهذا غلط، بل هو على ما ذكرنا من العبارة، ثم يقوم ويخطب قائما، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام في جميع خطبته إلا أن تكون به علة فخطب جالسا، فإن خطب جالسا عن عذر جاز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - " خطب على راحلته بعدما انصرف من الصلاة يوم الفطر ويوم النحر"، وذكر الإمام الجويني في "المنهاج": أنه لا يجوز أن يخطب جالسا، وهذا غلط، لأنها نفل كنفس صلاة العيد فيجوز جالسا، ثم إذا قام يخطب كبر قبل الخطبة تسع تكبيرات تسعا تترى لا كلام بينهن، وفي الخطبة الثانية يبتدئ بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهن بكلام، فإن أدخل بين التكبير الحمد والثناء والتهليل كان حسنا، ولا يكون حسنا وتركه مستحبا، وكان عمر بن عبد العزيز يفصل بين التكبيرات بحمد الله تعالى، وذكره وهذا التكبير ليس من الخطبة، والخطبة بعده، لأن الشافعي قال: ويكبر، ثم يخطب ويأتي بالخطبة

كما ذكرنا في الجمعة. وقد قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى "215 أ/3" لا يفصل بينهما بخطبة، ثم يخطب ثم يجلس ثم يقوم إلى الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينهما بكلام ثم يخطب ويعتمد على شيء وينصتون على ما ذكرنا، ثمذكر ما تختص به هذه الخطبة فقال: إذا كان يوم الفطر، ذكر زكاة الفطر، وحث عليها وحث على إخراجها وعرفهم وجوبها ومقداهرا وجنسها ومستحقها. وإن كان في الأضحى: عرفهم سنة الأضحية ووقتها وصفتها، وأن البقرة والبدنة يجزيان عن سبعة، والعيوب التي تمنع الجواز وعرفهم ما يأكلون وما يطعمون الناس، فإا فرغ من الخطبة، فإن كانت بالناس قلة، وقد سمعوا الخطبة انصرف إلى بيته، وإن كانت بهم كثرة وهناك نساء لم يسمعن الخطبة، قال الشافعي: لم أر بأسا أن يأتيهم فيخطب خطبة خفيفة ولا يجب عليه لأنه لم يرو ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا مرة واحدة، وقد خطب خطبا كثيرةولم يفعل ذلك، فدل أنه قد فعله وتركه، وكان الترك أكثر، وهذا ما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يوم فطر فصلى ركعتين، ولم يصل "215 ب/3" قبلها ولا بعدها، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها"، والخرص: الحلقة، والسخاب: القلادة. وفي رواية جابر بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل، فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه والنساء يلقين فيه صدقة تلقي المرأة فتحها، والفتح: هي الخواتيم الكبار واحدتها فتحة، ثم ذكر في "الأم" ما يؤمر به بعد الفراغ من الخطبة فقال: ثم ينزل فينصرف أي ينزل من حيث أراد. فرع قال: ويستحب للمساكين إذا حضروا أن يكفوا عن المسألة ويستمعوا إلى الخطبة حتى يفرغ الإمام، فإن لم يدعوا المسألة كره لهم، لأنهم تركوا الاستماع ومنعوا غيرهم منه؟. مسألة: قال: ولا بأس أن يتنفل المأموم قبل صلاة الإمام العيد وبعدها في بيته وفي المسجد. وهذا كما قال: ذكر الشافعي ما اختلفت فيه الصحابة من التنفل قبل صلاة العيد وبعدها على أربعة أوجه: فمنهم من شك قبلها وبعدها. وروي هذا عن أنس وأبي هريرة وسهل بن "216 أ/3" سعد الساعدي ورافع بن خديج والحسن.

ومنهم من لم يتنفل لا قبلها ولا بعدها، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة قالوا: يكره ذلك، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه. ونهم من يتنفل قبلها، ولم يتنفل بعدها، ومنهم من يتنفل بعدها، ولم يتنفل قبلها، واختار الشافعي القول الأول وهو جواز التنفل قبلها وبعدها في بيته، وفي المسجد وفي طريقه وفي المصلى، وحيث أمكنه إذا حلت صلاة النفل بأن تبرز الشم قال الشافعي: وكثرة الصلاة على كل حال هي أحب إلي فاستحب ذلك، لأن فعلها جزء من تركها، لوم يستحب لأجل صلاة العيد وليس لصلاة العيد نافلة لا قبلها ولا بعدها؛ لأنها نافلة بنفسها وليس للنافلة اتباع من النوافل كما يقول في صلاة الخسوف والاستسقاء، ولا يستحب هذا كما يستحب تحية المسجد وصلاة الضحى، لأن المكان ليس بمكان التحية وهو لا يريد به صلاة الضحى. وقوله: كما يصلي قبل الجمعة وبعدها، وهو تشبيه في الجواز لا في الاستحباب واختلاف الصحابة يدل على أن الكل مباح، وأما الإمام فلا يستحب له ذلك، لأن "216 ب/3" المستحب له أن يوافي الصلاة حين تفتتح الصلاة، وإذا فرغ منها بدأ بالخطبة، ثم إذا فرغ منها انصرف وهذا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - " لم يتنفل قبلها ولا بعدها"، ولأنه لو تنفل ربما يقتدي به الناس، ويعتقدون أن لهذه الصلاة توابع. وروي عن مالك في رواية أنه قال: إذا صلى العيد في المسجد يجوز التنفل، وفي الصحراء لا يتنفل. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: يكره قبلها ولا يكره بعدها، لما روي أن عليا رضي الله عنه راى قوما يصلون قبل العيد فقال: ما كان يفعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: ألا تنهي عن ذلك؟ فقال: "أكره أن ننهي عبدا إذا صلى"، وعن ابن مسعود وحذيفة أنهما كانا ينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد" وهذا غلط؛ لأن كل صلاة لا ينهي عن الصلاة بعدها لا ينهي عن الصلاة قبلها كسائر الصلوات، واما آثارهم فمعارضة بما رويناه عن الحابة رضي الله عنهم. فرع قال الشافعي: ونأمر المأموم بالنافلة قبل الجمعة وبعدها، ونأمر الإمام أن يبتدأ بالخطبة ثم "217 أ/3" بالجمعة ولا يتنفل وينصرف حتى تكون نافلته في بيته. فاستحب النافلة قبل الجمعة وبعدها للمأموم دون الإمام. قال القاضي الطبري: هذا عندي محمول على النوافل التي لا تتعلق بصلاة الجمعة؛ لأنه قال في "الأم": وجميع النوافل في البيت أحب إلى منها ظاهرا إلا في يوم الجمعة وهذا هو المذهب. مسألة: قال: ويصلي العجمعةيدين المنفردُ في بيتِه والمسافرُ.

الفصل وهذا كما قال: كل من وجبت عليه صلاة الجمعة فهو من أهل صلاة العيد، قال: ولا أرخص لأحد في ترك حضور العيدين ممن تلزمه الجمعة، وإذا حضر المسافر والعبد والمرأة مع أهل العيد صلوها معهم تبعا كما في الجمعة، ول صلاها الإمام بأهلها هل يصليها من لم يكن من أهل الجمعة أم لا؟ قال في " الأم":، و "الإملاء" يصليها المنفرد في بيته والمسافر والمرأة، وقال في "الإملاء و"القدي": في الصيد والذبائح: كل موضع وجبت فيه الجمعة صلى فيه العيدان، وكل موضع لم تجب فيه الجمعة لم يصل فيه العيدان، وقيل: إنه قال: ويجب إقامة العيد حيث يجب إقامة الجمعة ويسقط حيث يسقط. فاختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم "217 ب/3" من قال قول واحد: يجوز ذلك للمنفرد والمسافر، وما قال في القديم، أراد أن هذه الصلاة لا تقام في مساجد المحال كسائر الصلوات، أو أراد كل موضع وجبت فيه الجمعة سن فيه الإجتماع للعيدين والخطبة له، وهذا التأيل لا يساعده اللفظ الظاهر ومنهم من قال: وهو الصحيح فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز إلا أن توجد جميع رائط الجمعة، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، لأنها صلاة راتبة يخطب بها كالجمعة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل العيد بمنى كما لم يصل الجمعة، لأنه كان مسافرا. والثاني: وهو الصحيح يجوز للمنفرد وغيره، لأنها صلاة نافلة كسائر النوافل، وأما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا شتغالة بما هو أهم منها من أمور المناسك، وليس كالجمعة لأنها فرض بخلاف هذا. وإذا قلنا: بهذا فمن فاته ذلك يصليها منفردا، وإن شاء يصليها في جماعة إلا أنه لا يخطب إذا قام الإمام بالخطبة، ويقيمها أهل القرى وإن كانوا دون الأربعين وكذلك أهل البادية والسفر وخطب لهم أحدهم، وقال في "الأم": لا بأس أن يصلوها في مساجد "218 أ/3" الجماعات في الصر فإذا فعلوا لا أحب أن يخطب لأن فيه افتتانا على الإمام، وإذا قلنا بقوله: لا يصليها المنفرد ولا الجماعة بعدما صلى الإمام، ولا أهل السوق إذا كانوا دون الأربعين ولا يبلغهم النداء. وقال أبو حامد: ولكن ليس من شرطها الأربعون، ولا أن يكون الأربعون لصفة عدد الجمعة فإن كان بعضهم عبيدا أو مسافرين جاز بخلاف الجمعة، ومن أصحابنا من قال: ظاهر كلام الشافعي أنها بمنزلة الجمعة في العدد وصفتهم على هذا القول، ويجوز أن تصلى المرأة والمسافر تبعا مع العدو إذا تم، وهذا اختيار القفال، لأنه على هذا القول، على قياس الجمعة وقد ناقض الشيخ أبو حامد حيث قال عن القديم: لا تقان في القرى إذا كان فيها أقل من أربعين ثم قال: لا يشترط فيها العدد ولا شك أنه

ليس من شرطها الوطن لأنها تقام في الصحراء بخلاف الجمعة. مسألة: قال: وأحب حضور العجائز. الفصل وهذا كما قال: يستحب حضور العجائز من النساء وغيرهن العيد، وقال في "الأم": واحب شهود النساء العجائز، وغير ذوات الهيئة صلاة العيد وغيرها وأنا لشهودهن "218 ب/3" الأعياد أشد استحبابا من شهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات. وقال أبو حنيفة: لا يشهدن إلا في صلاة الصبح وصلاة العشاء، وإن حضرت امرأة حائض قال في "الأم": لم تصل ودعت ولا أكره لها ذلك، وأكره لها أن يحضرها غير حائض إلا طاهرة للصلاة، لأنها لا تقدر على الطهارة، وأما النساء اللاتي لهن هيئة وجمال يكره لهن حضور هذه المواضع لخوف الفتنة بهن، وإذا حضر غيرهن فإنهن لا يلبسن الشهرة من الثياب مثل المصبغات والبياض الذي له فعقعة وخشخشة من العال، ولكن تلبس البياض النظيف المغسول ولا يتطيبين ولكن يتنظفن بالماء والأصل في ذلك ما ري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج بناته ونساءه إلى العيدين". وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وليشهدن الذكر ودعوة المسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا لا جلباب لها، قال: "فتلبسها صاحبتها جلبابها" أي يدخلان معا في جلباب إحداهما، وقالت أم عطيه رضي الله عنها: "أمرنا رسول الله مسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا "219 أ/3" في العيدين بإخراج العجائز"، وروي العواتق وهذا أصح وذوات الخدور والحيض، قالت أم عطيه رضي الله عنها: أما الحيض فكن يعتزلن المصلى ويشهدن الذكر ودعوة المسلمين، والعواتق: جمع عاتق وهي التي قاربت الإدراك، وقيل: هي المدركة ولأنه موضع ريبة واجتماع فاستحب إخراجهن لتكثير الجمع. وقال القفال: يكره لهن الخروج إلى مجمع المسلمين، لأن الناس قد تغيروا ويروي مثله عن عبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري وقالت عائشة: "لو رأى النبي مسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل"، وروي أنها كانت تمنع النساء من الخروج إلى المساجد، وقيل لها: أليس كان النبي مسلمين وليخرجن تفلات". قيل يا رسول الله إن إحدانا يرخص في ذلك؟ فقالت: لو

عاش إلى زماننا هذا لنهي عنه، وروي أن النساء كن يحضرن المجلس على عهد أبي بكر رضي الله عنه للصلاة كما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج عبد الله بن عمرو بن العاص يوما وامرأته بين يديه تمضي إلى المسجد فأراد أن يمتحنها فجر بعض ثيابها فعلمت أن رجلا أخذ ببعض ثيابها فلم تلتفت إليه وانصرفت إلي بيتها، فلما رجع عبد الله إلى بيته قال لها: أحضرت "219 ب/3" المسجد؟ قالت: لا وقد عزمت أن لا أخرج أبدا، قال: وما بالك؟ قالت: أخذ رجل ببعض ثيابس فجره وقد تغير الزمان وتغير الناس، فقال عبد الله: أنا الذي فعلت ذلك، فقالت: الآن وجب علي أن لا أخرج إذا كان لا يتداخلك هذا مني في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا حسن، لكنه خلاف المذهب. فإذا تقرر هذا فيستحب إخراج الصبيان من الذكور والإناث أيضا. ويلبس كلهم في يوم العيد أحسن ما يقدر عليه من الثياب ويزينون بالصبغ والحلي، لأن ذلك يوم سرر وإظهار زينة وذا نص من الشافعي على أنه يباح أن يلبس الصبي حلي الذهب والديباج، وهذا لأنه لا يخاف الافتتان بهم ولا تكليف عليهم: قيل هل يجوز للصبيان لبس الحرير؟ قولان. وقال في "الحاوي": استحب بعض أصحابنا البغداديين حضور النساء الثيبات في العيد لخبر أم عطية وهو غلط، بل خروجهن مكروه لخوف الافتتان وخبر أم عطيه نسخ. مسألة: قال وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " كان يغدو من طريق ويرجع من أخرى". وهذا كما قال، روي الشافعي عن المطلب بن عبد الله بن "220 أ/3" حنطب "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد فلما بلغ مسجد الأعرج الذي عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل القبلة، ثم دعا وانصرف". قال الشافعي: فاحب أن يصنع الإمام هذا ويقف في موضع يدعو الله وهو مستقبل القبلة، فإن لم يفعل فلا كفارة ولا إعادة. واختلف أصحابنا في معنى الخروج من طريق والرجوع من طريق أخرى: فمنهم من قال وهو الأصح سلوك: الأبعد ذاهبا والأقرب راجعا، لأنه يمضي في عبادة فيكتب خطاه ويكثر له الثواب ويرجع تاركا للعبادة لا يثاب عليه، وقيل: كان يفعل هذا لتتشرف به البقاع من الجانبين وتعم بركته أهل الطريقيتين، وقيل: كان يفعل هذا لئلا يضيق على الناس، لأنهم كانوا ينتظرون انصرافه في ذلك الطريق ومعه جمع آخر من الناس فتكثر الزحمة. وقد قال ابن عمر رضي الله عنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يفعل ذلك ليتسع على الناس" وقيل: كان يفعل ذلك لتشهد له البقاع، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من مشى في خير أو بر شهدت له البقاع يوم القيامة"، وفيه "220 ب/3" تأويلان:

أحدهما: أن الله تعالى ينطقها فتشهد بذلك، والثاني: أنه تشهد له سكان الأرض والبقاع من الجن والإنس لقوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ} " الدخان: 29" يعني: سكان الأرض، وقيل: كان يفعل ذلك للتسوية بين السؤال في الدين، فسأله أهل هذا الطريق وأهل ذلك الطريق الآخر، وقيل: كان يفنى ما معه من الصدقة ويكره أن يسأل فلا يعطى فيفر منهم إلى الطريق الآخر؛ وقيل: إنما يفعل ذلك لمغايظة المنافقين إذا رأوا زينته وعلامته في كلا الطريقين، وقيل: كان يفعل ذلك مخافة المنافقين كما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد سفرا وي بغيره. فإذا تقرر هذا قال أبو إسحاق: إذا عقلنا معنى ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجوعه من طريق أخرى، وكان ذلك متعودا في زماننا مثل شرف البقاع ومغايظة المنافقين فإنه معدوم في زماننا رجع كيف شاء ولا يسن ذلك، وإن كان المعنى موجود في زماننا فالسنة الاقتداء به والإمام والمأموم في هذا سواء. وقال ابن أبي هريرة: بل يرجع من بعده من أمته من طريق أخرى بكل حال كما كان يصنع رسول الله "221 أ/3" - صلى الله عليه وسلم - وهو المنصوص، لأنه إذا فعل شيئا صار شرعا وإن زال المعنى كالدمل والاضطجاع. وقال أبو حنيفة: لا معنى لذلك. مسألة: قال: وإذا كان العذر من مطر أو غيره أمرته أن يصلي في المساجد. لم يرد به أن أهل بلد يتفرقون في مساجدهم، بل أراد أن أهل كل بلد يصلون في مسجدهم الأعظم وفيه قول آخر: يجوز أن يتفرقوا في المساجد، ولكن الأولى أن يصلوا جماعة في مسجد واحد، ثم قال: ولا أرى بأسا أن يأمر الإمام من يصلي بضعفة الناس في موضع من المصر، وأراد بالضعفة: الشيوخ والزمناء والمرضى الذين لا يمكنهم قطع المسافة إلى المصلى، وقد ذكرنا ذلك. مسألة: قال: ومن جاء والإمام يخطب جلس. الفصل وهذا كما قال: يستحب للناس استماع الخطبة، وإذا جاؤوا والإمام يخطب يوم العيد فإن كان في الصحراء يجلس ويسمع الخطبة، لأنه لا تكون ركعتا التحية في الصحراء فإن قيل: هلا قلتم يشتغل بقضاء صلاة العيد؟ قلنا: لأن صلاة العيد لا يخاف فوتها فإن وقتها واسع وسماع الخطبة يفوت، فكان الاشتغال بسماعها أولى "221 ب/3"، ثم إذا فرغ الإمام من الخطبة إن شاء صلى صلاة العيد في مكانه، وإن شاء صلاها في بيته، فإن الصلاة إذا فاتت مع الإمام فليس لبعض المواضع مزية على بعض وإن الإمام يصلي صلاة العيد في الجامع، فجاء رجل وقد فرغ من الصلاة وهو في الخطبة، فالمستحب أن يصلي ركعتين، ويخالف المسجد المصلى في الصحراء، لأن في

المسجد تحية بخلاف الصحراء. فإذا ثبت هذا، قال أبو أسحاق: يصلي صلاة العيد لأنها تتضمن تحية المسجد. فإنه يكون قد أتى بالأمرين، كما لو دخل المسجد وعليه صلاة فائتة يصليها ويجزي ذلك عن تحية المسجد، وكذلك إذا كان الناس في صلاة الفرض يدخل معهم في الفرض ويتضمن ذلك تحية المسجد. وقال ابن أبي هريرة: يصلي تحية المسجد ركعتين، ثم يسمع الخطبة، فإذا فرغ منها قام فصلى ركعتي العيد، لأن الإمام ما دام في الخطبة فكأنه في الصلاة، لأن الخطبة من توابعها فلا يستحب له أن ينفرد بقضاء صلاة العيد، والإمام لم يفرغ بعد منها، ولأن التحية ركعتان خفيفتان وصلاة العيد تطول ويمنعه ذلك من الخطبة، وهذا اختيار أبي حامد وهو الأقرب "222 أ/3" عندي والأول أظهر، وهو اختيار القفال والقاضي الطبري. وذكر القاضي أبو علي البندنيجي عن البويطي أنه قال: يصلي صلاة العيد قبل أن يدنو إلى المصلى، ويكبر في الأولى سبعا، ثم يوافي ليستمع الخطبة. فعلى هذا في المسألة قولان وهذا الذي ذكرنا على القول الذي نقول: إنها ليست كالجمعة، وإنها تقضي خلافا لأبي حنيفة. وقال أبو إسحاق: الأفضل في هذه المسألة الأخيرة أن يصلي في المسجد حيث صلى الإمام، وإن خيرناه في المسألة الأولى بين أن يصلي في بيته أو يصلي في المصلى؛ لأنه ليست الصحراء مزية على بيته والمسجد أفضل البقاع فصلاته فيه أفضل. وأكمل من صلاته في بيته، فإن قيل: أليست النوافل في البيت أفضل؟ قلنا: هذه الصلاة سنت لها الجماعة، وإن كانت نافلة يفعلها في المسجد أفضل .. فإن قيل: فينبغي أن يفعلها في المصلى في الصحراء أيضا ولا يرجع إلى بيته. قلنا: إن كان هناك جماعة فالأفضل أن يصلي معهم هناك أيضا، والتخيير بين الانصراف إلى البيت وبين الصلاة هناك إذا بقي وحده. ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما تخص "222 ب/3" به خطبة عيد الأضحى فقال: علمهم أن من نحر قبل أن يجب أي: يدخل وقت نحر الإمام أن يعيد، أي إن أراد أن يحصل له سنة الأضحية فإنها غير واجبة إلا أن يوجبها على نفسه، وبيان الوقت وما يجري من الأضاحي وما لا يجوز مذكور في كتاب الضحايا، وذكر أنه يجوز في يوم النحر وثلاثة أيام بعده خلافا لأبي حنيفة فإنه قال: لا يجوز في اليوم الثالث من أيام التشريق واستأنس الشافعي في ذلك بقول عطاء والحسن فقال: وكذلك قال: عطاء والحسن. مسألة: قال: ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة من الظهر يوم النحر. الفصل وهذا كما قال: قال في "الأم": ويكبر الحاج خلف صلاة الظهر من يوم النحر

إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق ثم يقطعون التكبير إذا كبروا خلف صلاة الصبح لو ابتدئوا التكبير خلف صلاة المغرب من ليلة النحر قياسا على أمر الله تعالى في ليلة الفطر من شهر رمضان بالتكبير مع إكمال العدد لم أكره ذلك، وقد سمعت من يستحب هذا وإن لم يكبروا وأخروا ذلك حتى يكبروا تكبير أهل منى فلا بأس إن شاء الله. وقد "233 أ/3" روي عن بعض السلف أنه كان يبتدئ التكبير خلف صلاة الصبح من يوم عرفة وأسأل الله التوفيق. واختلف أصحابنا في هذا منهم من قال: المسألة على قول واحد، وهو الذي نص عليه في أكثر كتبه أنه يكبر من أول الظهر يوم النحر، والباقي حكاية مذهب الغير لا أنه مذهبه، أو الذي قال: يبتدئ من صلاة المغرب أراد تكبير الإرسال. ومنهم من قال: في المسألة ثلاثة أقاويل لظاهر ما ذكر في "الأم" أحدها: يبدأ به بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق فيكون التكبير بعد خمس عشرة صلاة، وهو المروي عن عثمان وابن عباس وزيد بن ثابت، وابن عمر في رواية، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم، وبه قال مالك رحمه الله، ووجه هذا هو أن صلاة الظهر هي أول صلاة يستقبل الحاج بمنى، لأنهم يرمون الجمرة في هذا اليوم ويلبون في أول حصاة من الجمرة، ثم يتركون التلبية. ويأخذون في التكبير مع صلاة الظهر وآخر صلاة يصلونها بمنى هي الصبح من آخر أيام التشريق؛ لأنهم إذا رموا الجمرة بعد الزوال "223 ب/3" من هذا اليوم نفروا قبل أن يصلوا الظهر بمنى، وهذا هو السنة أن يصلوا الظهر في الطريق، فكان قطعهم التكبير خلف صلاة الصبح بمنى والناس بعد لهم تبع أو قياس عليهم. والثاني: يبتدئ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير بعد ثماني عشرة صلاها، وهذا لما أمر الله به من التكبير بعد إكمال عدة شهور رمضان وهو وقت المغرب ليلة الفطر. والثالث: يبتدئ به من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وبه قال عمر وعلي، وإحدى الروايتين عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهماوهو مذهب الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق، وهو اختيار ابن سريج والمزني وعليه يحمل الناس بالببلدان واختاره ابن المنذر، وبه أقول. ووجه هذا: ما روي جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا فقال: الله "أكبر ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق"، ونحو هذا رواه عمر رضي الله عنه وعمار أيضا، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - "224 أ/3" قال في أيام التشريق "إلى آخر النهار"، ولأن يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر والناس في هذا اليوم تبع للحاج، وحكى الداركي عن أبي إسحاق أنه قال: ليس ذلك باختلاف الأقاويل، ولا يختلف المذهب أنه

باب التكبير

يكبر بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وإنما ذكر الشافعي في ثبوت التكبير ثلاثة أسباب: فذكر في ثبوته إلى صلاة العصر عن آخر أيام التشريق قول بعض السلف، وذكر في ليلة النحر القياس على ليلة الفطر، وذكر بعد زوال الشمس من يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق الاقتداء بأهل منى، وهذا أضعف الطرق، وقيل في الابتداء ثلاثة أقوال: وفي وقت القطع قولان. فإذا قلنا: يبتدئ عقيب الصبح يوم عرفة يقطع مع العصر في آخر أيام التشريق والقول الآخر في القطع قول ابن سريج ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وهذا كله تخطيط، والذي يدل عليه كلام الشافعي في "الأم" ما حكيناه من المذهبين، والباقي كله ضعيف. وقال الأوزاعي: يكبر من الظهر من يوم النحر إلى "224 ب/3" العصر من آخر أيام التشريق وقال أبو حنيفة: يكبر عقب الصبح من يوم عرفة إلى العصر من يوم النحر، وذلك في ثمان صلوات، ويروي هذا عن ابن مسعود وهو رواية عن علي رضي الله عنه، وأما قول الشافعي والناس لهم تبع أراد أن الأصل في الذكر والتكبير الحاج، فإن الخطاب في حقهم أكثر قال الله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ} " البقرة: 198" وقال تعالى: {فَإذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} " البقرة: 200". فغير الحاج في الخطاب تبعا للحاج. فرع ليلة النحر، هي آكد من ليلة الفطر في التكبير، أو على العكس قولان: باب التكبير قال: التكبير كما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الفصل وذا كما قال، المستحب أن يكبر خلف الصلوات التي بيناها ثلاثا نسقا فيقول: الله أكبر، الله أكبر، وقوله: نسقا، أي: متتابعا وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة وأحمد: المستحب مرتان فيقول: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وروي هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه وهذا "225 أ/3 غلط، لما روي عن سعيد بن أبي هند قال: "صليت خلف جابر بن عبد الله رضي الله عنه في أيام التشريق فلما فرغ من صلاته قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثلاثا" وهذا لا يقوله إلا توفيقا ومثله عن ابن عباس رضي الله عنه. وقال عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا، وعن الحسن مثله. فإذا تقرر هذا قال الشافعي في "القديم":يكبر عقيب الصلوات ثلاثا، وظاهره أنه يقتصر عليها.

وقال في البويطي: يكبر ثلاثا ويقول بعدها: لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وقال في "الأم": استحب أن يبتدئ بثلاث تكبيرات لا يقدم عليها ذكرا ولا ينقص من ثلاث تكبيرات شيئا، وإذا بدأ بذلك، ثم زاد على الثلاث من جنس التكبيرات او من غير جنسها من الذكر وهو أن يوقل: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا الله أكبر ولا نعبد إلا أياه مخلصين له الدين لو كره الكافرون لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر، أحببته وكان حسنا، والعمل على ما قال في البويطي، والأصل في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "225 ب/3" قال: "هذا على الصفا في حجة الوداع"، وقال في موضع آخر: أنه يقول: "الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا والله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا". ومن أصحابنا من قال: هذا الذي ذكره في "الأم" يدل على أن الشافعي استحب أن يحدد التكبيرات ولا يزيد عليها من الذكر شيئا، ذكره أبو حامد وقال: السنة أن يكبر ثلاثا من غير أن يتخلل شيء آخر، فإن زاد من دعاء أو ذكر لم يكره ذلك ليس هو التكبير المسنون في العيد، وهو قول مالك وهذا غلط لأنه لا يفهم هذا من كلام الشافعي في "الأم" على ما شرحناه، فإن قيل: أليست السنة في التلبية أن لا يزيد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وهاهنا قلتم إن زاد فحسن، قلنا: العرف أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها وهاهنا يكبر دفعة واحدة فالزيادة عليها أولى من السكوت، ويستحب رفع الصوت بالتكبير لما في الخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع صوته بالتكبير والتهليل؛ ولأنه إذا رفع صوته سمع من لا يكبر فيكبر. مسألة: قال: ومن فاته شيء من صلاة الإمام قضى، ثم كبر. وهذا كما قال: "226 أ/3" إذا سبقه الإمام ببعض الصلاة فإن الإمام إذا سلم كبر والمأموم لا يكبر، ولكنه لا يكبر ولكنه يقوم ويقضي ما عليه من تمام الصلاة ويسلم ثم يكبر، وقال ابن أبي ليلى: يكبر معه ثم يقضي ما عليه كما يسجد معه للسهو، ثم يقضي. وحكى هذا عن مالك ولا يصح عنه عندي، والفرق بين سجود السهو وهذا، أن سجود السهو قبل السلام فما دام الإمام في الصلاة يلزمه اتباعه فيها والتكبير بعد السلام، فإذا سلم الإمام من الصلاة، فقد خرج من إمامته وسقط أتباعه عنه فلم يستحب له التكبير لمتابعته، ولهذا يقول الإمام: لو سلم ولم يسجد للسهو ولم يسجد معه بل يسجد في آخر صلاته. مسألة: قال: ويكبر خلف الفرائض وخلف النوافل. وهذا كما قال: المنصوص هاهنا أنه يكبر خلف الفرائض والنوافل، وقال المزني: الذي قيل: هذا أولى أنه لا يكبر إلا خلف الفرائض، وأراد به ما قال الشافعي قبيل

هذا الباب، ثم لا يزال يكبر خلف كل صلاة فريضة بمفهومه أنه لا يكبر خلف النوافل، فمن أصحابنا من أنكر هذا القول وترك ذلك المفهوم لهذا المنظوم، ولأن تخصيص الشافعي "226 ب/3" الفريضة بالذكر ليس لنفي التكبير خلف النوافل، بل لأنه أراد أن يبين الصلاة الفريضة التي يكبر بعدها ابتداء ويقطع عقبيها فقال: من ظهر كذا إلى صبح كذا، والذي يدل أنه نص في " الأم"، فقال: يكبر الحائض والجنب وغير المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار وهذا يدل على أنه يستحب خلف الفرائض والنوافل وفي سائر الأحوال، وأن من ليس من أهل الصلاة من الجنب والحائض والمحدث يستحب لهم التكبير أيضا. وهذا هو الصحيح. ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولين: أحدهما: وبه قال أكثر الفقهاء: يكبر خلف الفرائض لا غير، وبه قال أبو حنيفة حتى روى اللؤلؤي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يكبر خلف العيد، لأنها نافلة، وهو قول مالك وأحمد. والثاني: وبه قال أبو يوسف ومحمد: إنه يكبر خلف الفرائض والنوافل لقوله تعالى: {ولِتُكبرّوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} "البقرة: 185" ولم يفصل، ولأأنها صلاة مغفولة في يوم النحر فيستحب التكبير عقبها كالفرائض ويؤكده أنه من شعار العيد فالأولى أن يكون عقيب صلاة العيد. وقال بعض أصحابنا: إن كانت مما سن منفردا لا يكبر خلفها، وإن كانت مما تسن جماعة كالاستسقاء "221 أ/3" والخسوفين فيكبر خلفهما، ومن قال بهذا قال: هل يكبر خلف صلاة الجنازة؟ وجهان: أحدهما: يكبر لفعلها في جماعة. والثاني: لا يكبر لأنها ليست بصلاة معهودة ذات ركوع وسجود. فرع لو فاتته صلاة كان يكبر عقبيها فقضاها في غير أيام التشريق لا يكبر بعدها، لأن التكبير لأجل الوقت، قد فات الوقت ولهذا قلنا: يكبر من لا صلاة عليه. فَرْعٌ آخرُ لو فاتته صلاة كان يكبر عقبيها فقضاها في غير أيام التشريق فكبر عقبيها، وهل يكون أداء أو قضاء؟. قال القفال: فيه قولان: مبنيان على أنه هل يكبر خلف النوافل؟ فإن قلنا: يكبر خلف النوافل ففي الفائتة أولى وتكون أداء، وإن قلنا: لا يكبر خلف النوافل يكون قضاء، ومن أصحابنا من قال: هل يكبر خلف الفوائت التي فاتت في غير هذه الأيام؟ قولان: لأن منزلة الفوائت في هذا منزلة النوافل.

فرع لو نسي صلاة في أيام التشريق، ثم قضاها في أيام التشريق، هل يكبر خلفها؟ فيه وجهان: أحدهما: يكبر لأن وقت التكبير باق، والثاني: لا يكبر، لأن التكبير خلف هذه الصلاة يختص بوقتها، وقد فات الوقت، وقال القفال: يكبر وجها واحدا، وهل هو قضاء "227 ب/3" أم أداء؟ وجهان أحدهما: قضاء لأن الصلاة قضاء، والثاني: أداء لما ذكرنا. فرع لو نسي التكبير كبر حيث ذكره نص عليه ولفظه رحمه الله أنه قال: لو سلم وانتقل إلى مكان آخر كبر فيه ولا يعود إلى مصلاه بخلاف ما لو سلم عن ركعتين من الظهر ساهيا وانتقل إلى مكان آخر ولم يطل الفصل، فالمستحب أن يعود إلى مكان صلاته ويبني. وقال أبو حنيفة: إذا تكلم أو خرج من المسجد سقط، لأنه تابع للصلاة فسقط بتركه كسجود السهو وهذا غلط؛ لأن التكبير هو من هيئة أيام التشريق، فإذا كان الوقت باقيا أتى بها ويفارق سجود السهو؛ لانه من تمامها فلا يأتي به إذا طال الفصل. وقال القفال: هذا مببني على الوجهين أنه يكون قضاء أو أداء، فإن قلنا: يكبرقضاء كبر وإن قلنا: أداء لا قضاء عليه ولا يكبر هاهنا. فَرْعٌ آخرُ لو نسي الإمام التكبير أو تركه عامدا كبر المأموم، ومن صلى وحده كبر، وبه قال مالك والأوزاعي وقتادة والشعبي، وقال أبو حنيفة: لا يكبر المنفرد، واحتج بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى وحده أيام التشريق لم يكبر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ليس على الواحد والاثنين تكبيرا أيام التشريق، وهذا غلط لأن كل ذكر يستحب للمسبوق يستحب للمنفرد كالتسليمة الثانية، ولأن المنفرد يؤذن ويقيم كالجماعة كذلك في هذا يستوي المنفرد والجماعة، وأما ما ذكروه مقدم عندنا وأنتم لا تقولون: بقول ابن مسعود لأن الاثنين جماعة ويكبران. فَرْعٌ آخرُ لو اقتدى من لا يرى الإتيان به أو هو يرى ولا يرى ذلك خرج ابن سريج فيه وجهين: أحدهما: لا يتابع إمامه بل يعمل برأيه، والثاني: يتابعه والأول أصح لأنه بالسلام خرج من متابعته فلا يلزمه حكمه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو وقع مثل هذا في الصلاة تابعه في زيادة التكبيرات إن قال بذلك قائل وإلا فلا يتابعه. مسألة: قال: ولو شهد عدلان في الفطر بأن الهلال كان بالأمس.

الفصل وهذا كما قال: أول وقت صلاة العيد إذا طلعت الشمس إلى أن تزول، فإذا طلعت فقد دخل وقتها، فإن صلوا عقيب الطلوع أجزاتهم الصلاة نص عليه، وقال: ولكن المستحب أن يتوقفوا حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وتحل النوافل التي لا أسباب لها، وهذا كما يقول في العصر: إنه يفوت آخر وقتها بغروب الشمس، ولكنا نستحب له أن "228 ب/3" لا يؤخرها إلى اصفرار الشمس. ذكره القاضي الطبري وسئر أصحابنا أطلقوا بأن أول وقتها حين تبرز الشمس على ما ذكرنا، وليس هذا النص عند أصحابنا بخراسان، والصحيح ذاك، ولا اعتبار بالوقت المنهي عن الصلاة، لأن هذه نافلة لها سبب ظاهر. فإذا تقرر هذا فلو شهد شاهدان بأن الهلال كان بالأمس أي رأينا الهلال الأمس وهذا اليوم يوم عيد، فإن كان قبل زوال الشمس صلى بالناس وكان ذلك أداء وإن كان بعد زوال الشمس. قال الشافعي في كتاب العيدين: لم يصلوا لأنه عمل في وقت، فإذا جاوزه لم يعمل في غيره كعرفة، وقال في كتاب الصيام: وأحب إذا ذكر فيه شيء، وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغدو بعد الغدو وأراد به إذا روي فيه خبر، وهو أن ركبا قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الثلاثين من رمضان فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس بالفطر في هذا اليوم، وأن يصلوا صلاة العيد من الغد، إلا أن هذا ليس بثابت، فكذلك قال: وأحب إذا ذكر فيه شيء وإن لم يكن ثابتا أن يعمل من الغدو بعد الغد فحصل قولان: أحدهما: لا يقضي وبه "229 أ/3" قال مالك وأبو نور وداود، واختاره المزني وحكى الطحاوي عن ابن أبي عمران عن أبي حنيفة أنها لا تقضي، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي صلاة عيد الفطر في اليوم الثاني، ويقضي صلاة عيد الأضحى في اليوم الثاني والثالث. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: مذهبه أنها تقضى، ووجه هذا القول: أن هذه صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فلا يقضي بعد فوات وقتها كصلاة الجمعة والخسوف، وقال المزني: لو قضيت في عدد قومها لقضيت في يومها وكان أولى فإن قلتم: إن ضحى غد يشبه ضحى اليوم وما بعد الزوال لا يشبه الضحى، قلنا: فيجب أن يقولوا: يقضي هذا في ضحى غد بعد شهر. والقول الثاني: يقضي، وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق، قال أبو سليمان الخطابي: وهذا أصح والخبر فيه صحيح أورده أبو داود والسنة أولى بالاتباع، ولأنها صلاة أصل مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كالفريضة ولا يلزم الجمعة، لأنها مقصورة من الظهر وليست كالجمعة لأنها معدولة بها عن الظهر بشرائط، فإذا

فاتت واحد منها رجع إلى الأصل وليست كالخسوف " 229 ب/3" لأنها تتعلق بعارض فإذا زال سقطت، واما قول المزني لا يلزمنا لأن الشافعي قال: يقضي، من الغد إذا لم يمكن اجتماع الناس في بقية اليوم. وقد قال أصحابنا: إن كان البلد صغيرا يجتمع الناس في بقية اليوم من غير مشقة جمع الناس وصلى بهم، وكذلك إن كانوا في قرية أو حصن، وذكر القفال أن الشافعي نص عليه في كتاب الصيام وأنه قال: هذا أولى من تأخيرها إلى الغد، وإن لم يمكن جمعهم لتفرقهم في حوائجهم، فإن صلى بمن أمكنه جاز ولكنه أساء إلى ذلك؛ لأنه كان ينبغي أن لا يبدأ دون سائر المسلمين؛ لأن القصد منه الاجتماع وإظهار السرور لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استحب تأخير الظهر لاجتماع الناس إلى الصلاة فهاهنا أولى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يقضي في مثل وقته من الغد كالوقوف بعرفة؟ يقضي في الجملة ولكن في مثل وقته من القابل يوم النحر، وبه قال أحمد وأبو حنيفة في رواية وهذا ضعيف، والأصل ما ذكرنا. وأما القضاء بعد الغد فاعلم أن الشافعي قال: يقضون من الغد وبعد الغد، وذكر الداركي عن "330 أ/3" بعض أصحابنا أنه يقضي أبدا ولا يكون القضاء مؤقتا، ويتصور ذلك عند اشتغال الإمام بالحرب حتى يتأخر إلى شهر وشهرين، وهذا خلاف ظاهر المذهب، والمعنى في الغد أن ذلك الوقت قد يكون وقت العيد إذا خرج شهر رمضان ثلاثين يوما، وهذا لا يوجد فيما بعده والقياس ما حكاه الداركي. فرع لو شهدا برؤية الهلال يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، أو ليلة الحادي أنهم رأوه ليلة الثلاثين. قال أبو إسحاق: يصلي الإمام بالناس يوم الحادي والثلاثين قبل الزوال، ويكون أداء قولا واحدا لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون"، وهم لم يفطروا بالأمس وإنما يفطرون من الغد، فوجب أن يكون ذلك يوم فطرهم. قال القفال: ولا يسمع هذه الشهادة، لأنه لا فائدة فيها. فرع لو شهد شاهدان بالنهار وعدلا باليل: قال أصحابنا: الصلاة من الغد تكون فرضا وهل يقضي؟ قولان: على ما ذكرنا، وهذا لأن الاعتبار وقت الشهادرة دون التعديل "330 ب/3" ألا ترى أنه لو مات الشاهدان قبل أن يعدلا، ثم عدلا حكم الحاكم بشهادتهما وكذلك لو شهدا قبل الزوال وعدلا بعده، او عدلا في اليوم الحادي والثلاثين فإنها تفعل بعد ذلك قضاء على القولين.

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا عدلا من الغد بعد طلوع الشمس وهو اليوم الحادي والثلاثون يصلي الإمام بهم بلا خلاف وهو غير صحيح. فَرْعٌ آخرُ إذا اجتمع عيد وجمعة، قال في "الأم": صلى الإمام صلاة العيد حين تحل الصلاة، ثم أذن لمن حضر من غير أهل المصر أن ينصرفوا إن شاؤوا إلى أهليهم ولا يعودون للجمعة والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا فإن لم يفعلوا فلا حرج عليهم إن شاء الله، ولا يجوز هذا لأحد من أهل المصر، واحتج بما روى عثمان بن عفان رضي الله عنه خطب فقال: "قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أديت له" ولم ينكر عليه منكر، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: لا يجب على أهل السواد في هذا اليوم صلاة الجمعة بكل حال، بدليل ها "231 أ/3" الأثر عن عثمان رضي الله عنه، والمعنى فيه أنهم لو قعدوا في البلد لم يتهنوا بالعيد، وإن خرجوا ورجعوا كان عليهم في ذلك مشقة ظاهرة، والجمعة تسقط بالمشقة دون هذا من الأعذار مثل المطر ونحوه، وهذا ظاهر كلام الشافعي رحمه الله. ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي بما ذكر أهل السواد الذين هم في موضع يبلغهم النداء من البلد، فإنه تجب عليهم الجمعة، لأن كل من لزمهم الجمعة في غير يوم العيد لزمه في يوم العيد كأهل البلد، وهذا ضعيف وقد ذكرنا فيما قبل أن مذهب ابن الزبير وابن عباس وعطاء رضي الله عنهم أنهم قالوا: تسقط صلاة الجمعة في هذا اليوم عن الكل. وحكى عن ابن الزبير أنه صلى العيد وترك الجمعة، فعابه بعض بني أمية، فقال ابن الزبير: هكذا كان عمر بن الخطار يصنع. وبلغ ابن عباس فقال: أصاب السنة وروى أبو عبد الرحمن السلمي أنه اجتمع عيدان في يوم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " وصلى صلاة العيد وخطب وقال: أيها الناس إنه اجتمع عيدان في يوم "231 ب/3" فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد ومن أراد أن ينصرف فلينصرف"، وهذا غلط لقوله تعالى: {إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ} "الجمعة: 9" ولم يفصل ولأن الجمعة هي من فرائض الأعيان فلا يسقط بصلاة العيد التي هي نفل في قول، وفي قول هي فرض على الكفاية. وأما خبر أبي هريرة فمحمول على أهل السواد ولهذا قال: من أراد أن يشهد الجمع لأن أهل المصر يشهدونها، وقد بينه عثمان بن عفان رضي الله عنه فخص أهل العالية بالذكر، وقيل أهل العوالي: هم على ثلاثة أضرب: منهم من يلزمهم الجمعة بأنفسهم وهو أن يكونوا أربعين في قرية فحكمهم في هذه

باب صلاة الكسوف

المسألة حكم أهل المصر. ومنهم من لا يلزم الجمعة لا بأنفسهم ولا بغيرهم، وهو أن يكونوا دون الأربعين ولا يبلغهم النداء، فإذا حضروا العيد كان لهم الانصراف من غير جمعة، ولا يكره لهم ذلك ولكن إن دخلوا البلد يوم الجمعة بغير صلاة العيد يكره لهم أن ينصرفوا قبل صلاة الجمعة، فإن قال قائل: هلا قلتم: يلزمهم الجمعة كالمريض إذا حضر فإنها تلزمه؟ قلنا: لأن سقوطها عن المريض للمشقة، وإذا حضر زالت المشقة، وسقوطها عن أهل هذه البرية في أوطانهم لصفته فيهم هناك "232 أ/3" وإذا حضروا وكانوا مسافرين غير مستوطنين فلا يلزمهم. ومنهم من تلزمهم الجمعة بغيرهم، وهو أن يكونوا دون الأربعين ويسمعون النداء من البلد فحكمهم ما ذكرنا من المنصوص والتخريج. باب صلاة الكسوف مسألة: قال: في أي وقت خسفت الشمس في نصف الهار أو بعد العصر فسواء. وهذا كما قال: اعلم أنه يقال: كسفت الشمس تكسف وخسفت تخسف، وذلك يقال في القمر أيضا ولأهل اللغة في معنى ذلك قولان. أحدهما: قال الفراء: وغيره كسفت معناه: نقص ضوئها وقوله تعالى: {وخَسَفَ القَمَرُ} " القيامة: 8". يعني نقص ضوءه ويقال: عين خاسفة إذا ذهب ضوءها أو نقص ورجل خاسف إذا كان مهزولا جائعا، وخسف بالرجل إذا ساخ في الأرض، وقال آخرون: معناه التغطية يعني حال دون ضوءها حائل ومنه قول جرير: الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وأراد ليست بمتغطية، فإذا تقرر هذا فلاأصل في صلاة الكسوف الكتاب والسنة والإجماع: فأما الكتاب: فقوله تعالى: {ومِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ "232 ب/3" والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} "فصلت: 37" الآية. وأراد صلاة الكسوف صلوا لكسوفها لان الله تعالى ذكر آيات كثيرة ولم يذكر عندها السجود، وخص هاتين الأثنتين بالسجود عند ذكرهما، فدل أنه أراد به الصلاة فيها، وقيل: يحتمل انه أراد به الصلاة للكسوف، ويحتمل أنه أراد عبادة الله دون عبادتهما، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عند كسوفهما، فكان كذلك منه بيانا لما تناولته الآية. وأما السنة: فما ورى ابن عباس رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى والناس معه ثم قال: "أيها الناس إن الشمس

والقمر آيتان من آيات الله سبحانه لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى" وروى ابن مسعود البدري رضي الله عنه قال: كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: "أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف بهما عبادة لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم "233 أ/3" ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة"، والعم أنه لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكسوف القمر ولكنه نبه بما ذكر في كسوف الشمس عليه حيث قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف .... " الخبر. وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فوقت هذه الصلاة، أي: وقت وجد سببها من ليل أو نهار سواء كان ذلك الوقت المنهي عن الصلاة فيه، أو في غيره لأن لها سببا ويخاف فوتها لو أخرها خلافا لأبي حنيفة ومالك على ما مضى بيانه، فإن قيل: قلتم: صلاتا العيد والاستسقاء لا يؤديان في الوقت المنهي؟ قلنا: لأن وقتهما واسع فجرى ذلك مجرى النوافل التي لا سبب لها، وهذا وقته يضيق فإنه ربما يزول بزوال العارض. واعلم أن هذه الصلاة سنة مؤكدة وليست بفريضة بلا خلاف، وكل من وجبت عليه الصلوات الخمسة سنت له صلاة الكسوف، الرجل والمرأة والحر والعبد والمسافر والمقيم والحضري والبدوي فيها سواء، وسواء صلى الإمام أو تركها، وسواء صلاها منفردا أو في جماعة، فإن خرج الإمام صلوا معه، وإن لم يخرج طلبوا من يصلي بهم، فإن لم يجدوا وخافوا إنكار الإمام "233 ب/3" صلوا فرادى. مسألة: قال: ويتوجه الإمام إلى حيث يصلي الجمعة. وهذا كما قال: المستحب أن يصلي صلاة الخسوف في المسجد الجامع دون الصحراء؛ لأن صلاة العيد إنما تستحب في الصحراء إذا كان المسجد لا يسعهم؛ لأن الناس من الصغار والكبار من أهل المصر والسودان ندبوا إلى حضور صلاة العيدين، فكان الأرفق بهم أن يصلي بهم في الصحراء بخلاف صلاة الخسوف فإنه لا يسن لها من الاجتماع ما يسن لصلاة العيدين، وأيضا وقت صلاة الخسوف يضيق فربما تجلت الشمس قبل بلوغهم المصلى فتفوت الصلاة فاستحب فعلها في المسجد، بخلاف صلاة العيد فإن وقتها موسع لا يخاف فوتها، ولهذا لم يصلها قط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في المسجد بخلاف صلاة العيد. مسألة: قال: ويأمر بالصلاة جامعة ثم يكبر.

وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية صلاة الخسوف، فأولا يأمر من ينادي الصلاة جامعة، ولا يؤذن لها، قالت عائشة رضي الله عنها: "كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر رجلا فنادى الصلاة جامعة"، ثم إذا افتتح الإمام صلاة جماعة يكبر تكبيرة الإحرام ويأتي بدعاء الاستفتاح والتعوذ "234 أ/3" بعده، ويقرأ بأم القرآن، ثم يقرأ سورة البقرة إن كان يحفظها أو بقدرها من القرآن إن كان لا يحفظها، ثم يركع بقدر مائة آية من سورة البقرة ولا يقرأ فيه القرآن بل يسبح في الركوع، ولكن التسبيح فيه يكون بقدر قراءة مائة آية من البقرة ثم يرفع رأسه من الركوع، ويقرأ بأم القرآن أيضا وقدر مائتي آية من البقرة، ثم يركع بقدر ما يلي ركوعه الأول من ثمانين إلى تسعين آية، ثم يرفع فيعتدل قائما ثم يسجد فيطيل السجود فيها ثم يقوم من سجوده قائما إلى الركعة الثانية فيقرأ بأم القرآن وقدر مائة وخمسين آية من البقرة، ثم يركع فيسبح قدر سبعين آية من البقرة، ثم يرفع فيعتدل قائما ثم يسجد سجدتين بقدر طول الركعتين فيحصل له ركعتان في كل ركعة ركوعان. وجملته أنه يقوم فيها ست قراءات يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو بقدرها، وفي الثاني مائتي آية من البقرة أو قدرها، وفي الثالثة لا يقرأ شيئا بل يعتدل ويسجد وهما في القيام الرابع وهو القيام الأول من الركعة الثانية مائة وخمسين آية من البقرة أو بقدرها، وفي القيام الثاني من هذه الثانية مائة "234 ب/3" آية من البقرة أو قدرها ولا يقرأ في القيام الثالث من هذه الثانية مائة آية من البقرة أو قدرها ولا يقرأ في القيام الثالث عن هذه الثانية شيئا بل يرفع ثم يسجد ويرجع فيها أربع مرات يسبح في الركوع الأول قدر مائة آية وفي الركوع الثاني قريبا منها وفي الركوع الثالث قدر سبعين آية وفي الركوع الرابع قدر خمسين آية، وفي بعض نسخ المزني يركع في الثانية بقدر ثلثي ركوعه الأول، وهكذا قال في " الأم"، وهذا غلط لان مبنى هذه الصلاة على أن كل ركوع يكون أقصر مما قبله كالقومة الثانية هي أقصر من الأولى وقد قال في الركوع الثالث: يسبح بقدر سبعين آية، وعلى هذه الرواية يكون الثالث أطول من الثاني؛ لأن ثلثي المائة يكون ستة وستين آية، وقيل: إن المزني لم يروا هذا، وإنما رواه الربيع وهو غلط لما ذكرنا، والمشهور أن الغلط هو في نقل المزني، والشافعي لم يقل ذلك وقد صحف الكاتب وأسقط كلمة ما. وقال في البويطي: يقرأ في القيام الأول سورة البقرة، وفي الثانية آل عمران، وفي الثالثة سورة النساء، وفي الرابعة المائدة وليس هذا باختلاف القول؛ بل "235 أ/3" هو قريب مما ذكرناه وقال: في الركعة الأولى يسجد سجدتين طويلتين ويسبح في كل سجدة بنحو ما سبح في ركوعه، فالسجود الأول قدر الركوع الأول، والثاني كالركوع الثاني، وفي الركعة الثانية يسجد سجدتين تامتين طويلتين يسبح في كل سجدة نحو ما

يسبح في ركوعه. وحكى عن مالك أنه قال: لم يسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف وهذا غلط لما روى ابن عمر أنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف فلم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد، وهذا يدل على أنه طول السجود كما طول الركوع. ومن أصحابنا من قال: المذهب أنه يسجد كما يسجد في غيرها لأن الشافعي لم يذكر وقال ابن سريج: يطيل السجود وليس بشيء وهذا ضعيف عندي، وقال فيه أيضا: في الركوع الأول يركع طويلا نحوا من قراءته وكذلك في الركوع الثاني والثالث والرابع وهذا يدل على أنه قدر الركوع بقدر القيام الذي قبله بخلاف ما قال في الأم فحصل قولان "235 ب/3"، وجه ما قال في البويطي إن الركوع موضع التضرع والدعاء والخشوع فإن لم يزد على القيام يجب أن لا ينقص منه. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنه يسبح في الركوع بقدر نصف القيام، وهذا ليس بشيء، ووجه ما قال في " الأم": أن القيام في سائر الصلوات هو أطول من الركوع لأن أقل ما يجزئ منه مقدار فاتحة الكتاب، وأقل ما يجزئ من الركوع مقدار الطمأنينية، وذلك القراءة المسنونة في أطول من التسبيح المسنون، فوجب أن يكن الركوع أقل من القيام الذي قبله، وبقولنا قال عثمان بن عفان وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم. وقال النخعي والثوري وأبو حنيفة: يصلي ركعتين كصلاة الصبح. وحكى عن أحمد وإسحاق أنه يصلي ركعتين في كل ركعة ثلاث قومات وثلاثة ركوعات، وهذا غلط لما احتج الشافعي بما روى ابن عباس رضي الله عنه قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج وصلى والناس معه فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا ثم قام قياما طويلا، وهو بعض "236 أ/3" القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الذي قبله، ثم قام قياما طويلا، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم سجد فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات ثم انصرف" يعني: سلم من صلاته، وقد تجلت الشمس أي في حال انصرافه كانت الشمس قد تجلت، فقال: يعني: خطب وفي خطبته قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته" الخبر، وإنما قال هذا لأن إبرايهم ابنه كان قد مات في ذلك اليوم، ولم يكن الوقت وقت الخسوف إذ الشمس في الغالب إنما تنخسف في اليوم الثامن والعشرين من الشهر أو التاسع والعشرين. فقالوا: إنما خسفت لموت إبراهيم، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إشكالهم.

واحتج أيضا بأثرين: أحدهما: عن ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى في كسوف القمر ركعتين في كل ركعة ركعتين، ثم ركب يعني ركب البعير فخطب إذ لم يكن هناك منبر فقال: أي قال في خطبته إنما صليت بكم "236 ب/3" كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، يعني صليت بكم في خسوف القمر كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في خسوف الشمس؛ لأنه لم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى في خسوف القمر. والثاني: ما حكاه بلاغا فقال: وبلغنا أن عثمان رضي الله عنه صلى في كل ركعة ركعتين يعني ركوعين وقيامين، فغن قيل: فقد روى جابر أنه قام ثلاث قيامات، وروى خمس قيامات، وروى ثمانية قيامات، وروى أنه ركع ركعتين في عشر ركعات، وأربع سجدات. قلنا: أجمعنا على ترك هذه الروايات ولم يحصل الإجماع في ترك ما رويناه، أو يقول، قال بعض أصحابنا: شبه أنه صلاها مرات وكرات فكانت إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته وزاد في عدد الركوع وإذا قصرت نقص من ذلك، فيصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة. ومن أصحابنا من قال: لا يزيد على ما ذكرنا وهو الظاهر، وبه قال ابن عباس ولم يصح ما رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن صح فقد نسخ"، واحتجوا بما روى النعمان بن بشير قال: "خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ركعتين، وروى "237 أ/3" أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة"، قلنا: نحمله على الجواز أو نحمله على أنه صلى ركعتين عددا، وإن كان في كل ركعة قيامان وركوعان. وقال أبو إسحاق: قال بعض أصحابنا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركع ركوعا واحدا ليدل على الجواز، فالسنة والأولى أن يركع ركوعين في طويل الخسوف وقصره وقال بعض أصحابنا: ركع ركوعا واحدا لقصر الخسوف، فالسنة في طويل الخسوف ركوعان وفي قصره ركوع واحد. وقال ابن سريج: كل ذلك من الاختلاف المباح وليس بعضه بأولى من بعض. واعلم أن هذا التطويل غير واجب، فإن زاد على هذا أو نقص منه واقتصر على الفاتحة أجزأه والمستحب أن يطول على حسب امتداد الخسوف حتى إن قصر الخسوف قصر الصلاة أيضا. فرع قال: لو ترك أم القرآن في ركعة من صلاة الخسوف لم يعيد تلك الركعة، بل يصلي ركعة أخرى ويسجد للسهو كما يقول في سائر الصلوات. فَرْعٌ آخرُ لو أدرك الإمام في هذه الصلاة، وقد رفع رأسه من الركوع الأول، فإنه يكبر خلفه

"237 ب/3" ولا يكون مدركا لهذه الركعة، فإذا سلم الإمام أي بالركعة الأخرى على التمام بقيامين وركوعين نص عليه في البويطي، ولفظه: فإذا سلم الإمام فإن بقى الكسوف قام وصلى ركعة بقيامين وركوعين على طولهما، وإن كانت قد تجلت خفف فيهما. وقال صاحب التقريب: يقضي قياما واحدا وركوعا واحدا وهذا غلط، لأن الركوع الثاني هو تبع للأول، فهو كالسجدتين لا يحصل له بإدراكهما ولا بإدراك واحدة منهما شيء، ولو كان يحصل له بذلك الإدراك لما لزمه قضاء شيء من تلك الركعة لمن أدرك جزءا من الركوع كفاه، وقيل فيه: إنه يصير مدركا للركعة، لأنه أدرك ركوعا صحيحا معتدا به. فَرْعٌ آخرُ هل يتعوذ في القومة الثانية؟ وجهان. فرع قال في "الأم": لو فرغ من صلاة الخسوف والخسوف باق لم يزد في الصلاة واشتغل بالخطبة لأنه لم ينقل عن النبي أنه صلى في الخسوف إلا ركعتين فلا يزيد على ذلك. قال القفال: هل يعود إلى الصلاة؟ وجهان: بناء على أنه هل يزيد على ركوعين عند طول الخسف، فإن قلنا: يزيد هاهنا يعود إلى الصلاة، وإن قلنا لا يزيد فلا يعود إلى الصلاة "238 أ/3" وهذا لا معنى له مع النص الذي ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ لو تجلت الشمس وهو في القيام الأول، فإنه يتمها ويخفف نص عليه، وقال القفال: فيه وجهان، فإن قلنا: يزيد إذا امتد فهاهنا يقتصر على ركوع واحد، وإن قلنا: لا يزيد فهاهنا لا يقتصر وفيه نظر أيضا والله أعلم. مسألة: قال: ويسر في خسوف الشمس. وهذا كما قال: المستحب أن يسر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس، لأنها من صلاة النهار لها نظر بالليل. وهو الصلاة لخسوف القمر فلا يجهر فيها كالظهر والعصر وبه فارق صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء. وقال أبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: يجهر فيها بالقراءة، وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى وجهر في صلاته بالقراءة"، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه "قال كنت إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما سمعت منه

حرفا". قال الشافعي: لأنه أسر أي أن ابن عباس لم يسمع القراءة لإسراره، ثم أيد ذلك، فإن قال: ولو سمعه ما قدر قراءته أي "238 ب/3" ما احتاج إلى أن يقول: قرأ نحوا من كذا، بل كان يقول: قرأ كذا وكذا، وقال سمرة بن جندب: "قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة خسوف الشمس أطول قيامه في صلاة قط ولم أسمع له حسا"، وروى ولم أسمع له صوتا. وأما خبر عائشة قلنا: اختلفت الرواية عنها، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: تحرزت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فرأيت أنه قرأ في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة آل عمران"، وهذه الرواية هي أولى لانها تعاضد ما رويناه. فإذا تقرر هذا فإنه يخطب في الخسوف بعد الصلاة على المنبر ليلا كان أو نهارا، ويجلس بين الخطبتين ويأتي بأركان الخطبة ويحضر الناس على الخير ويأمرهم بالتوبة، والتقرب إلى الله تعالى، فإن كان في الموقف بعرفة خطب راكعا ويصلي بين الخطبتين بسكتة قدر الجلسة لو كان على المنبر، ولو تركها أو خطب على غير ما أمر به كرهت ولا إعادة ويستمع الناس لها فإن انصرفوا كرهته، ولا إعادة. وقال في "الأم" وأحب "239 أ/3" للقوم بالبادية والسفر أن يخطب بهم أحدهم ويذكرهم إذا صلوا هذه الصلاة، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف: لا تسن الخطبة في الكسوف واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو خطب لنقل نقلا ظاهرا كما نقلت خطبة العيد. وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: لما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخسوف انصرف وخطب الناس، وذكر الله تعالى فأثنى عليه، وقال " يا أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وانصرفوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما أحدا أعز من الله تعالى أن يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا" قال ابن المنذر: ما خالف هذا الخبر أحد من أصحابنا إلا مالك وهذه غفلة منه؛ لأنه روى الحديث ثم تركه، لانه لم يشتهر وعدم الاشتهار لا يمنع صحة الخبر لأن النقل يكون على حسب الدواعي، ألا ترى أن الأذان لما توفرت الدواعي عليه نقل نقلا ظاهرا حتى لا يختلف "239 ب/3" أحد أنه شفع، واختلفوا في الإقامة هل هي شفع أو وتر، ولم ينقل مثل ذلك النقل، وإن صلى منفردا لم يخطب لأن الخطبة هي للوعظ والتذكير للغير.

مسألة: قال: وإذا اجتمع خسوف وعد واستسقاء. الفصل وهذا كما قال: جملته أنه إذا اجتمع في يوم واحد صلوات بدأ بالأهم، فإذا اجتمع خسوف وعيد واستسقاء وجنازة بدأ بالأهم وهو صلاة الجنازة، لانها من فرائض الكفايات، وتتعلق بحرمة الميت مع حق الله تعالى، ثم نقل المزني أن الشافعي قال: فإن لم يكن حضر الإمام أمر من يقوم بها وبدأ بالخسوف وتداخل المزني بالنقل والشافعي لم يقل هكذا، بل قال في "الأم": فإن لم يكن حضرت: يعني: الجنازة ولكنها تنتظر فالإمام يأمر جماعة لينتظروها ويقوموا بها إذا حضرت ويبدأ الإمام مع الآخرين بصلاة الخسوف، وإن كانت صلاة العيد آكد منها، لأنه يخاف فوتها بالتجلي، ولا يخاف فوت العيد، ثم إذا فرغ من صلاة الخسوف، وقد صلى أولئك على الجنازة بذلك وإلا هو صلى عليها إن كانت حضرت ثم "240 أ/3" قال الشافعي: وتركها، أي: لا يتبعها حتى تدفن ويشتغل بصلاة العيد وقيل: ما نقل المزني صحيح أيضا، ومعناه: فإن لم يرد الإمام أن يصلي على الجنازة أولا يريد حضورها بل من يصلي عليها وبدأ الخسوف، وقيل: معناه فإن لم يكن حضر الإمام يعني إمام الجنازة وهو الولي، لأنه أولى فتترك جماعة ليصلوا مع الولي إذا حضر، وهذا ضعيف بعيد. وقال الشافعي في كتاب العيدين: إذا انكسفت الشمس يوم الجمعة ووافق ذلك يوم الفطر بدأ بصلاة العيد، ثم بصلاة الخسوف إن لم تنجل قبل الدخول في صلاة الكسوف، قال أصحابنا: ليست المسألة على قولين: بل هي على اختلاف الحالين، فالذي قال في العيدين: إنه إذا خاف صلاة العيد فيبدأ بصلاة العيد، لأن فواته متحقق وفوات الكسوف غير متحقق والذي قال هاهنا: إذا كان في وقت صلاة العيد سعة لا يخاف فوتها، ثم إذا فرغ منها بدأ بصلاة العيد وقدمها على صلاة الاستسقاء، لأنه لا يخاف فوتها ومجئ المطر ليس مما يسرع، وإذا جاء المطر لا يفوت الصلاة لأنا "240 ب/3" نقول: يستحب الصلاة بعد للشكر ولهذا قال الشافعي: يؤمر الناس قبل الاستسقاء يصوم ثلاثة أيام، ثم إذا فرغ منها فإن أمكنه أن يصلي صلاة الاستسقاء في ذلك اليوم، ولم تشق على الناس صلاها، وإن شق على الناس أخرها إلى الغد ثم صلاها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اجتمع عيد وخسوف صلى أيهما شاء، وهذا ليس بشيء، واعترض ابن داود قوم ممن يتعاطون علم النجوم فقالوا: إنه يستحيل اجتماع الخسوف والعيد، لأن خسوف الشمس لا يكون في العادة إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من الشهر، وخسوف القمر لا يكون إلا في ليلة الرابع

عشر والخامس عشر، فكيف يجتمع ذلك مع العيد. قلنا: الشافعي بينه على أنه لو كان، كيف يكون حكمه على طريق التوسع في التفريط والتبسط في العلم، وهذا كما قال أهل الفائض: إذا خلف مائة حبة وأكثر كيف يكون تنزيلها وحكمها وذلك لا يكون في العادة القائمة، ولكنهم ذكروها على المعنى الذي ذكرنا، وعلى هذا قال أبو حنيفة: لو ضرب رأس رجل بأبي قبيس فقتله فلا قصاص، والثاني: هذا "241 أ/3" عندنا أنه من الآيات يخوف الله تعالى بها عباده وبما أظهرها في غير هذا الوقت إذا علم المصلحة فيه بدليل ما روي عن الزبير بن بكار أنه قال في كتاب النسب: إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول، وكسفت الشمس في ذلك اليوم. وروي أنه مات يوم الثالث عشر من ربيع الأول سنة عشر، فإذا تقرر هذا، ذكرنا أنه إذا خاف فوت العيد بدأ بها ويخفف، ثم يصلي الخسوف وإذا فعل كذلك يخطب لهما جميعا خطبة واحدة يذكر فيها ذكر العيد والخسوف جميعا ولا يضر تأخير صلاة العيد إلى ما بعد الزوال، لأن الخطبة هي غير مؤقتة وإنما هي تابعة لصلاة العيد في وقتها فلا يضر تأخيرها. فرع لو اجتمع صلاة الخسوف وصلاة الجمعة يبدأ بصلاة الخسوف، لما ذكرنا أن بقاءه غير متحقق ويقرأ في كل قيام بأم القرآن وقل هو الله أحد، فإذا فرغ من الصلاة خطب للجمعة وذكر فيها الخسوف، ثم يصلي الجمعة ولم يقل هاهنا يخطب لهما كما "241 ب/3" قال هناك؛ لأنه لو خطب لهما هاهنا لم يجز إذ الخطبة للجمعة فرض فلا يجوز أن يجعلها مشتركة بين الفرض والنفل. وذكر أصحابنا أنه ينوي بالخطبة للجمعة، وإن خاف فوت الجمعة بدأ بها لأنها آكد من غير إشكال، ثم إذا فرغ منها فإن كانت الشمس كاسفة بعد صلاة الكسوف وإلا فقد فاتت ولا تقضى. قال الشافعي: وهكذا يضع في كل مكتوبة ويخطب بعد المكتوبة، لأنه لا وقت للخطبة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو خسفت الشمس بعد العصر وهو في الموقف صلى الخسوف؟، ثم خطب على بعيره ودعا، وإن كان بعرفة قبل المضي إلى الموقف صلاها ولم يدعها للوقوف وخفف الصلاة والخطبة، وإن خسف القمر بالمزدلفة بعد طلوع الفجر صلى للخسوف وإن حبسه ذلك إلى طلوع الشمس ويخفف لئلا يحبسه إلى طلوع الشمس، وإن كان الخسوف بمكة عند رواح الإمام للصلاة بمعنى صلى الخسوف، وإن خاف أن تفوته صلاة الظهر بمنى صلاها بمكة.

فَرْعٌ آخرُ قال: لو خسفت الشمس، ثم حدث خوف صلى الإمام صلاة الخسوف صلاة خوف، كما يصلي المكتوبة صلاة "242 أ/3" خوف وكذلك يصلي صلاة شدة الخوف إيماء حيث يوجد راكبا ماشيا فإن أمكنه الخطبة مع الصلاة خطب وإلا ترك الخطبة. مسألة: قال: وإن خسف القمر صلى كذلك. الفصل وهذا كما قال السنة أن يصلوا في خسوف القمر جماعة مثل ما ذكرنا في خسوف الشمس إلا أنه يجهر فيها بالقراءة. وقال أبو حنيفة فرادى في بيوتهم، لأن خروجهم ليلا مع الانكساف مشقة. وقال مالك: لا يصلي أصلا، وهذا غلط لما روينا عن ابن عباس فيما تقدم وما قالوا: ينتقض بصلاة التراويح ثم فرع الشافعي على هذا مثل ما فرع على خسوف الشمس من اجتماع هذه الصلاة مع غيرها في وقت واحد، فقال: وإن خسف به القمر في وقت قنوت أي في وقت قيام الليل من تراويح أو غيرها بدأ بالخسوف قبل الوتر وقبل ركعتي الفجر وإن فاتتا، أي: وإن أدى البداية بصلاة الخسوف إلى فوات هاتين الصلاتين وهما الوتر وركعتا الفجر وعلل، فقال: لأنها صلاتا انفراد، وأراد أن التطوع الذي سن له الجماعة هو آكد من صلاة الانفراد وإن كانت "242 ب/3" مؤكدة وقيل: العلة أن الوتر وركعتي الفجر .... بعد .... بخلاف هذه وهذا ينتقض بصلاة العيد فالعلة الصحيحة ما ذكرها الشافعي قبل هذه العلة، ثم بين أن خطبة خسوف القمر يجوز أن تقع في النهار بعدما كانت الصلاة في الليل، فقال: يخطب بعد صلاة الخسوف ليلا ونهارا. وأما النساء: فيستحب لهن أن يحضرن إذا كن عجائز أو غير ذوات الهيئة، وقالت أسماء بنت أبي بكر فزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم كشفت الشمس فقام قياما طويلا، فرأيت المرأة التي هي أكبر مني والمرأة التي هي أصغر منهي قائمة، فقلت: أنا أحرى بالصبر على طول القيام. وقال في "الأم": لا أكره لمن لا هيئة له شهود هذه الصلاة ويكره للشباب وذوات الهيئة ويصلي هؤلاء في بيوتهن إما فرادى أو جماعة، وإذا فرغن لم يخطبن لأن الخطبة ليست من رتبة النساء. وقال في "الأم": وإن قامت إمامتهن فذكرتهن ووعظتهن كان حسنا، ولو حصل

رجل معهن، ولا رجل هناك سواه، فإن كن ذوات محارم له صلى بهن وإلا يكره له ذلك، فإن خالف وصلى "243 أ/3" بهن صحت صلاتهن، ثم بين أين تصلي هذه الصلاة وقد مضى بيانه في خسوف الشمس. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل تصلى صلاة الخسوف في كل مسجد أم لا تصلى إلى في جماعة واحدة؟ وجهان مخرجان بناء على القولين في صلاة العيد، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا فيما تقدم. مسألة: فإن لم يصل حتى تغيب كاسفة. الفصل وهذا كما قال. إذا غفل عن صلاة الخسوف حتى تجلت كلها لم يصل وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في رواية جابر رضي الله عنه: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة حتى تنجلي" فجعل الانجلاء غاية الصلاة ولأن الصلاة إنما شرعت ليدعو الناس الله تعالى حين يرد إليها الضوء للانتفاع به، فإذا تجلت زال هذا المعنى فإن قيل: قد قلتم: الاستسقاء إذا مطروا صلوا الاستسقاء، فلم لا تقولون هاهنا إنه يصلي بعد التجلي، قلنا: لانهم يصلون هناك لاستزادة المطر وإتمام المنفعة. وهاهنا لا معنى للصلاة لاستزادة الضوء فلهذا لم يصلوا. فرع لو تجلى بعضها صلى ليرد الله تعالى "243 ب/3" ضوء ما انكسفت منها ولهذا لو انكسف بعضها في الابتداء فإنه يصلي كذلك. مسألة: قال: فإن غاب خاسفا صلى صلاة الخسوف بعد الصبح ما لم تطلع الشمس. وهذا كما قال: إذا انخسفت الشمس وغابت خاسفة قبل أن يحرموا بالصلاة لا يصلون؛ لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب سلطانها وذهب الوقت الذي دخل فيه ضوئها منفعة للناس فلم يكن للصلاة معنى، ولو خسف القمر ففيه ست مسائل: أحدها: أن ينجلي ليلا قبل الصلاة فلا يصلي مما ذكرنا في الشمس. والثانية: أن ينجلي بعضه فإنه يصلي. والثالثة: أن يغطيه السحاب منخسفا فإنه يصلي. والرابعة: أن يغيب القمر منخسفا في بعض الليل قبل أن يصلوا صلاة قولا واحدا ويخالف غروب الشمس كاسفة؛ لأن زمان الليل هو وقت لسلطان القمر وبقاء ضوئه في بعض الليالي فإن غاب في بعضها، وغيبوبة الشمس لا يختلف زمانها وليس لها في

الليل سلطنة بوجه، وقيل في القمر: إن القمر قد يكون باقيا بعد طلوع الشمس فلا يكون لطلوعه وبقائه حكم مضئ الليل فكذلك "244 أ/3" إذا غاب مع بقاء الليل وجب أن لا يكون لغيبوبته حكم مع بقاء الليل وليس كذلك الشمس؛ لأنه لا يسقط حكمها مع بقائها فكذلك لا يبقى حكمها مع غيبوبتها. والخامسة: أن تطلع الشمس وهو منكسف فإنه لا يصلي، لأن وقته قد فات وسلطانه قد ذهب فهو بمنزلة غيبوبة الشمس. والسادسة: أن يطلع الفجر وهو منكسف ففيه قولان: قال في "القديم": لا يصلي لأن القمر من آية الليل والشمس من آية النهار، فكما لا يصلى لخسوف الشمس بالليل لا يصلى لخسوف القمر بالنهار، وقبل الفجر حاجب الشمس. وقال في "الجديد": يصلي وهو الصحيح، لأن قبل طلوع الشمس سلطان باق لقوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} الإسراء: 12" فما لم تطلع الشمس فالسلطنة له وقد يقع لضوئه في هذا الوقت. فرع لو خسف القمر بعد طلوع الشمس، هل يبتدئ الصلاة؟ فيه قولان بناء على هذين القولين ولو ابتدأ خسوف القمر بعد طلوع الشمس لا يصلي قولا واحدا. مسألة: قال: فإذا طلعت أو أحرم فتجلت أتموها. وهذا كما قال أراد به إذا طلعت الشمس في خلال صلاة خسوف القمر إذا أحرم بصلاة خسوف الشمس، ثم تجلت الشمس "244 ب/3" أتموها، وهذا لأن القصد بهذه الصلاة إعظام الله تعالى ما رأوا من الآيات التي يخوفهم بها، ومسألة تجليها وإعادة ضوءها إليها، فإذا افتتحوا الصلاة ثم حصل المقصود لم يجز إبطال الصلاة بل إتمامها أحسن لعبادته. وأتم لشكر نعمته. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه أراد يتجوز فيها ويطرح الزوائد التي خصت بها، وقد ذكرنا وجهين، والنص الظاهر أنه يتمها كما شرع فيها إلا أنه يخفف. فرع لو كسفت الشمس، ثم تغيبت السماء، وتغيبت الشمس في السحاب يصلون صلاة الخسوف؛ لأن الخسوف يقين وتجليها مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، ولو طلعت الشمس في غمام أو غيابة فتوهمها خاسفة فلا صلاة حتى يستيقن ذلك، ثم ذكر في "المختصر": مسألتين مضى بيانهما: إحداهما: قال: فإذا اجتمع أمران فخاف فوات إحداهما بدأ بالذي يخاف فوته. والثانية: قال: فإن لم يقرأ بأم القرآن أجزأه، وهذا لأن الفريضة تجزئ بأم القرآن فالنافلة أولى، ثم بين أن الجماعة وإن كانت مسنونة لهذه الصلاة فليست بواجبة بخلاف

الجمعة، فقال: ولا يجوز عندي تركها لمسافر على "245 أ/3" ما ذكرنا وأراد أنه لا يجوز من طريق السنة. وحكى عن الثوري، ومحمد بن الحسن أنه لا يجوز هذه الصلاة منفردا، وهو غلط لأنه روى أن ابن عباس صلى صلاة الخسوف على ظهر زمزم وذلك الموضع لا يتسع للجماعة ولأنه ليس من شرطها الوطن فكذلك الجماعة. مسألة: قال: ولا آمر بصلاة جماعة في آية سواهما. وهذا كما قال: لا تسن في غير آية الخسوف من الزلازل والريح الشديدة والظلمة ونحو ذلك؛ لأن هذه الآيات كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تنقل الصلاة لها. قال الشافعي: ويستحب التكبير والدعاء، فإن صلى للناس منفردين لئلا يكونوا على غفلة جاز، وحكى عن الشافعي هاهنا أنه قال: وآمر بالصلاة منفردين، وقال بعض أصحابنا: لم يستحب الشافعي هذا بل أمر لئلا يكون على غفلة وحدث حادث فيكون على أفضل القرب وهي الصلاة، لأن الصلاة هي خير موضوع ولم يذكر في " الحاوي" غيره، ويحتمل أنه استحب ذلك لها منفردا اعتمادا على ظاهر قوله/ ولا إشكال أن هذه الصلاة هي كسائر الصلوات. وقد روى عن النبي "245 ب/3" - صلى الله عليه وسلم - أنه كان: "إذا سمع صوت رعد أو صاعقة يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك"، وروى أنه كان إذا هبت ريح شديدة يستقبلها جاثيا على ركبتيه ويقول: "اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أرسلت فيها"، وهذا لأن في كل موضع ذكر الله تعالى الريح فهو للعذاب وهو موضع ذكر الرياح فهو للرحمة، هذا ذكره ابن عباس قال الله تعالى: {وأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} " الحجر: 22" وقال: {وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا} "الأعراف: 57" الآية وقال {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} "الحاقة: 6" وقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} "القمر: 19" وقال ابن مسعود رضي الله عنه يصلي في جماعة كل آية، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال أهل العراق: يصلون فرادى الزلازل والرياح سنة. وحكى عن الشافعي أنه قال في كتاب اختلاف العراقيين: صلى علي رضي الله عنه جماعة في زلزلة ثم قال: فإن صح قلت به، فمن أصحابنا من قال: أراد إن صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: به وإلى وقتنا هذا لم يصح، ومنهم من قال: إن صح عن علي قلنا به فمن "246 أ/3" قال بهذا اختلفوا على

باب صلاة الاستسقاء

وجهين: أحدهما: أراد إن صح قلنا: في الزلزلة وحدها. والثاني: أراد إن صح قلنا به في سائر الآات مثله باب صلاة الاستسقاء مسألة: قال: ويستسقى الإمام حيث يصلي العيد. وهذا كما قال. اعلم أن معنى الاتسقاء مسألة الله تعالى سقيا عبارة عن حاجتهم إليه وذلك هو سنة لا خلاف فيها، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وإذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ} "البقرة: 60" الآية وقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا} "نوح: 10 و 11". وأما السنة: فما روي ابن عباس رضي الله عنه أنه خرج في الاستسقاء متبدلا متذللا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى، فدعا على المنبر ولم يخطب كخطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما صلى في العيدين. وروى أنس رضي الله عنه قال: أصاب أهل المدينة قحط فقام رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب فقال: "هلك الكراع والشاء فاسأل الله أن يسقينا فمد يده ودعا "246 ب/3" فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابا، ثم اجتمع فأرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، والعزالى: هي جمع العزلا، وهم فم المزادة وروى أنه لما قال الأعرابي هذا وهو في خطبة الجمعة كانت السماء كمثل الزجاجة فمد يده ودعا فلم تزل السماء تمطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره؟ فقال يار سول الله: تهدمت البيوت فادع الله لنا أن يحبسه فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا" فنظرت إلى السحاب ينصدع حول المدينة كأنه إكليل، وهذا الخبر يدل على أنه يستحب الاستسقاء عند الجدب والدعاء على صرفه إذا خيف ضرره. وأما الإجماع: روى أن العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسقى، وروي أن عمررضي الله عنه استسقى بالناس عام الرمادة فأخذ بضبعي العباس وأشخصه قائما وأرمى به نحو الشمال. وقال: "اللهم إنا جئناك نستسقيك ونستشفع إليك بعم نبيك" فما انقضى قوله والناس ينظرون إليها وإلى السحاب حتى نشأت سحابة فلم تلبث أن طبقت الأفق، ثم أرسلت السماء "247 أ/3" عزاليها فما رجعوا إلى حالهم حتى بلغهم الغيث، فأفرغ الله به الجنان، وأخصب به البلاد وذلك أبلغ المعجزات لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعظم

ما يكون من الآيات، ولا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا فقد قال في " الأم": إذا انقطعت الأمطار وقت الحاجة إليها وغارت العيون والأنهار أو جفت الآبار أو ملحت في بعض المواضع مياه الأنهار لا أحب للإمام أن يتأخر عن الاستسقاء، فإن تخلف عنه فقد أساء بترك السنة ولا قضاء عليه ولا كفارة، وإن لم يفعلها الإمام فعلها الرعية والمستحب أن يستسقي الإمام مع الناس في الصحراء؛ لأن المستحب أن يخرج له الرجال والنساء والصبيان، فالصحراء هي أوسع وأرفق وروى عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج بالناس إلى المصلى يستسقي، ولأن في الصحراء يوقف على سحابة إن نشأت أو نقط من المطر فيستبشرون به، ولأن المطر يصيبهم في الصحراء والبروز للمطر مستحب. مسألة: قال: ويخرج متنظفا بالماء وما يقطع الروائح. الفصل وهذا كما قال في السنة: "247 ب/3" أن يخرج متنظفا بالماء، فإنه يغتسل ويستاك على ما سبق بيانه ويلبس ثيابا نظيفة غير جديدة ولا مطيبة، وهذا لئلا يتأذى بروائحه الكريهة، وقال في " الأم": ولا يتطيب ويكون مشيه وجلوسه وكلامه كلام تواضع واستكانة، وكذلك سائر الناس، وهذا لأنه موضع مسألة وطلب بخلاف يوم العيد، فإنه يوم سرور وزينة، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزين للعيد وخرج للاستسقاء متذللا متواضعا متضرعا. مسألة: قال: وأحب أن يخرج الصبيان ويتنظفوا للاستسقاء. الفصل وهذا كما قال: ويستحب أن يخرج الصبيان والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة له من غير العجائز ليكثر الجمع، والاستحباب في خروج الشيوخ والصبيان أشد لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لولا رجال ركع"، وروي "شيوخ ركع" وروي "صبيان رضع وبهائم رته لصب عليكم العذاب صبا" وروي ثم يرص رصا؛ ولأن الصبيان لا ذنب لهم وفي الشيوخ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الرجل ثمانين سنة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، وروي أن عمر رضي الله عنه "استسقى بالعباس" على ما ذكرنا. قال "248 أ/3" ويستحب لسيد العبد أن يخرجه ويخرج الأمة العجوز ليكثر التضرع والدعاء، ولا يجب ذلك على السيد؛ لأن الرقيق مستحق الخدمة.

قال: ولا آمر بإخراج البهائم وأراد لا يستحب ذلك ولا أكرهه؛ لأن بحضورها أثرا في الرحمة، وروي أن قوم يونس - صلى الله عليه وسلم - لما أظلهم العذاب وطلبوا يونس - صلى الله عليه وسلم - ليسلموا هرب منهم فخرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين النساء وأولادهن وبين البهائم وأولادها، فضجت الأمهات وضج الأولاد وكثر الدعاء فرفع الله تععالى عنهم العذاب، وإنما قلنا: لا يستحب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخرجها في الاستسقاء. وقال أبو إسحاق: يستحب إخراج البهائم لعل الله تعالى أن يرحمها ولا يؤاخذها بذنوب بني ءادم، لأنها تستضر بالجدب أيضا كبني ءادم، ومن قال بهذا قال: تأويل ما قال في "الأم"، " ولا آمر بأخراج البهائم كما آمر بإخراج الصبيان والشيوخ" فجعل حضورهم آكد وأفضل. وحكى القفال عن الشافعي أنه قال: أحب إخراج البهائم وإيقافها في جانب بين الناس للخبر الذي ذكرنا وهذا غريب. وقال في "الحاوي" "248 ب/3" قال ابن أبي هريرة: إخراج البهائم أولى من تركها. وقال سائر أصحابنا: إخراجها مكروه لما فيه من تعذيبها واشتغال الناس بأصواتها، وإنها من غير أهل التكليف، وهذا خلاف النص الذي ذكرنا، وحكى أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام خرج يستسقي فرأى نملة قد استقلت على ظهرها تستسقي فقال: ارجعوا فقد سقيتم بعيركم. مسألة: قال: وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء في موضع مستسقى المسلمسن وأمنعهم من ذلك. وهذا كما قال: لا يجوز للإمام أن يخرج أهل الذمة وسائر الكفار للاستسقاء؛ لأن اللعنة تنزل عليهم. قال أصحابنا: وربما كانوا هم سبب القحط لقوله تعالى: {وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا} "الجن: 16" فإن خرجوا متميزين عنهم، قال الشافعي: لا أمنعهم لأنهم مسترزقة والله تعالى يضمن رزق العباد المؤمنين والكفار فقوله تعالى: {وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً} " البقرة: 126" الآية. وهذا إذا أرادوا أن يخرجوا في غير يوم المسلمين، فأما إن أرادوا الخروج في يوم المسلمين إلى موضع آخر متميزين عن المسليمن فيه "249 أ/3" وجهان: أحدهما: يمنعون لأن الشافعي قال في " الأم": وأكره إخراج من خالف الإسلام للاستسقاء مع المسلمين في موضع مستسقى المسلمين وغيره، وأراد به في ذلك اليوم لأن في غيره لا يمنعون، ولأنا لا نأمن إذا استجيبت دعوة المسلمين أن يدعوها لأنفسهم.

والثاني: وهو الأصح لا يمنعون لأن الشافعي، قال: وإن خرجوا متميزين لم أمنعهم، والذي قال في " الأم": إنما أكره إخراج من خالف الإسلام وهاهنا لا يخرجهم، بل هم خرجوا بانفسهم. وقال الشافعي: لا أكره إخراج صبيان أهل الذمة ما أكره من رجالهم، لأن غير البالغ لم يعاند ولم يعتقد، بل هو تابع. وأما خروج نساء أهل الذمة كخروج رجالهم إن خالطن المسلمين منعن وإلا فلا كما قلنا في الرجال. وقال مكحول: لا بأس بإخراج أهل الذمة مع المسلمين، وقال إسحاق: لا نأمرهم بالخروج ولا ننهاهم، وقال الأوزاعي: كتب يزيد بن عبد الملك إلى عماله بإخراج أهل الذمة للاستسقاء فلم يعب عليهم أحد في زمانه. واحتجوا بأن الله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المؤمنين وهذا غلط؛ لأن الكفار أعداء "249 ب/3" الله تعالى فلا يحتاج إلى دعائهم وشفاعتهم فلا يخرجهم ولا يمنعهم. مسألة: قال: ويأمر الإمام الناس قبل ذلك أن يصوموا ثلاثا. الفصل وهذا كما قال: إذا أراد الإمام الخروج للاستسقاء يستحب له أن يتقدم إلى الناس، بان يصوموا قبله ثلاثة أيام متتابعة، وأن يتقربوا إلى الله تعالى بأداء ما يلزمهم من المظالم من دم أو مال أو عرض؛ لأن القحط عقوبة المظالم. قال عبد الله بن مسعود: "إذا بخس المكيال، حبس القطر" ويأمر بالصلح مع المتشاحن والمهاجر وبالتطوع وبالتصدق والصلاة والذكر وغيرها من البر، والأصل فيها ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصدقة تطفئ غضب الرب والدعاء يرد البلاء"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم والمريض والمظلوم"، ثم يأمرهم أن يخرجوا في اليوم الرابع صياما نص عليه في "الأك"؛ لأنا إذا استحببنا لهم أن يقدموا الصيام فالأولى يوم المسألى والدعاء. فإن قيل: أليس يستحب الفطر يوم عرفة ليتوفروا على الدعاء فقولوا: مثله هاهنا قلنا: هناك الغالب هناك "250 أ/3" السفر الطويل وأقلهم سفرا من يخرج من مكة، فإذا كان صائما ضعف عن الدعاء وهاهنا لا يوجد هذا المعنى. قال: ويخرج بهم إلى أوسع ما يجد يعني من الصحراء، وينادي الصلاة جامعة ثم يصلي بهم ركعتين كما يصلي في العيدين، ويقرأ فيهما ما يقرأ في العيدين في الركعة

الأولى بسورة ق وفي الركعة الثانية بسورة اقتربت، ومن أصحابنا من قال: يقرأ في الثانية سورة نوح لأنها بالحال أشبه كما في صلاة الجمعة الأول أولى لما روى ابن عباس رضي الله عنه عنه قال: "صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الاستسقاء ما صنع في صلاة عيد الفطر والأضحى"، ويجهر فيها بالقراءة ويصلون قبل الخطبة وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وهي أشهر الروايتين عن أحمد، وروى ذلك عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب، ومكحول رضي الله عنهم. وقال الزهري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا يصلي الاستسقاء والصلاة فيه بدعة، وربما يقول أبو حنيفة وأصحابه: إنها لا تكون بدعة ولا سنة، وحكي عن مالك أنه يصلي ركعتين بلا [250 ب/3] تكبير زائد وهي رواية عن أحمد. وقال الليث بن سعد: يخطب قبل الصلاة، ويروى هذا عن ابن الزبير وكذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهذا غلط لما روي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها سبعا وخمساً. وروي أنهم كانوا يخطبون بعد الصلاة ويقيس على صلاة العيد ووقت هذه الصلاة وقت صلاة العيدين ولا يزال وقتها قائماً ما لم يصل العصر، فإذا صليت العصر، ظاهر كلامه في "الأم" أنها لا تفعل لأنه قال فيه: لو صلاها بغير طهارة أعاد في يومه بعد الظهر وقبل العصر، وليست كصلاة العيد التي يفوت وقتها بزوال الشمس، وهذا لأن وقتها موسع لا يخاف فوتها فلا يجوز أن يقصدها في الأوقات المنهية. مسألة قال: ثم يخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ثم يقوم فيخطب يقصر الخطبة الأخرى. الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن في صفة الخطبة، وجملته أنه يستحب أن يخرج المنبر إلى الصحراء ليخطب عليه، وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي [251 أ/3]- صلى الله عليه وسلم - أخرج المنبر للاستسقاء ولم يرو عنه أنه أخرج المنبر في العيد ولكنه خطب على بعيره، وقيل: لا يستحب ذلك في العيد، وقال الشافعي: فإن لم يخرج المنبر ولكنه خطب على حائط أو ربوة جاز؛ لأن الغرض أن يكون عالياً ليبلغ خطبته، فإذا صعد سلم وجلس كما قلنا في خطبة العيد، ولا تختلف هذه الخطبة وخطبة العيد، إلا أنه يستحب أن يدعو في هذه الخطبة الأولى لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا استسقى قال اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً غدقاً مجللاً عاماً ماسحاً دائماً، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من

اللأواء والجهد والضنك ما لا يشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنزل علنا من بركات الأرض اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً فأرسل السماء علنا مدراراً" فإذا دعا بهذا الدعاء [251 ب/3] ويصل بن الخطبتين بجلوس، فإنه يبتدئ بالخطبة الثانية"، وذكر ابن قتيبه في حديث أنس أنه قال:" اسقنا غيثاُ مغيثاً وحياً رتيعاً وحداً طبقاً غدقاً موقعاً عاماً هنيئاً مرياً مريعاً مونقاً وابلاً سائلاً مسيلاً مجللاً ديماً دراراً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث غيثاً. اللهم تحيي به البلاد وتغيث به العباد وتجعله بلاغاً للحاضر منا والباد، اللهم أنزل علمنا زينتها، وأنزل علينا في أرضها سكنها اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهوراً فأحيي به بلدة ميتاً واسقه مما خلقت لنا أنعاماً وأناسى كثيراً". وروى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند كثره المطر: "اللهم اسقنا رحمة ولا سقياً عذاب ولا محق ولا بلاء ولا هدم ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا" والغيث: المطر، مغيثاً أي: يغيث الخلق عن الشدة هنيئاً مريئاً، أي: ذا هناء ومراء مريعاً، أي: مخصباً ذا مراعة، مربعاً، أي: منبتاً للربيع وهو الكلأ، وهل: هو من ربعت بمكان كذا إذا أقمت به، مجللاً أي: مغطياً، سحاً: أي صباً والغدق هل: غذقاً وغَدَقاً ومغدقاً وهو الكثير المطر والحياء هو الذي تجيء به [252 أ/3] الأرض والجد المطر العام، ومنه أخذ جد العطية والجدوى مقصور والمونق: المعجب والسائل من السيل فقال: سئل سائل كما يقال: مطر ماطر والرايث: البطيء وسكنها فوتها، وإنما قيل: له سكن لأن الأرض سكن به والظراب: هى التلال الصغار. قال الشافعي: وأحب أن مكون أكثر كلامه الاستغفار ومفصل به كلامه ويختتمه به هكذا روي عن عمر رضي الله عنه ويكثر من قوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)} [نوح: 10 و 11] ويستحب أن يدعو بدعاء الأنبياء، فإنه أسرع إلى الإجابة. وروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى ميمون بن مهران: إني كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء وأمرتهم بالصدقة والصلاة فإن الله تعالى قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)} [الأعلى: 14 و 15] وأمرتهم أن يقولوا: كما هال أبوهم أدم - صلى الله عليه وسلم - {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف: 63] وأن يقولوا: كما قال موسى عليه السلام: {ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص:16] وأن يقولوا: كما قال يونس [252 ب/31] {أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فإن قصر من هذا أو

زاد على هذا فلا بأس، ويستحب أن يأتي بهذا الاستغفار في الخطبة الثانية ثم إذا بلغ إلى هذا المكان في الخطبة الثانية حول وجهه إلى القبلة، وهو على المنبر وظهره إلى الناس، فإن كان عليه طيلسان مقور وهو الذي نسخ مقوراً حوله ولم يقلبه؛ لأن تقليبه لا يمكن، وتحويله هو أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على الأيسر وما على عانقه الأيسر علي الأيمن. وقيل: ويجعل باطنه ظاهراً وظاهره باطناً ولو كان رداء مربعاً فإنه يحول قولاً واحداً، وهل ينكسه فيجعل الأعلى على الأسفل والأسفل على الأعلى؟. قال في "القديم": لا ينكسه؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكس، وقال في "الجديد": ينكسه وهو الصحيح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد التنكيس فثقلت عليه فترك، فإذا أمكن ما أراد يكون مستحباً فإن ثقل عليه حوله، ولم ينكسه كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفعل المأموم مثل هذا وهو جالس والفائدة في قلب الرداء وتنكسه التفاؤل، وهو أن ينتفل من جدب إلى [253 أ/3] خصب. وقال أبو حنيفة: لا يستحب التحويل، لأنه دعاء فلا يستحب فيه تغيير الثياب. وحكي الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يحول الإمام رداءه دون المأمومين، وروي مثله عن محمد وعروة وسعيد بن المسيب والثوري وهذا غلط، لما روي في خبر عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "استقبل القبلة وحول رداءه، وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله". وأصل العطاف الرداء وانما أضاف الانعطاف إلى الرداء، لأنه أراد أحد شقي العطاف الذي عن يمينه وعن شماله. وقال أحمد: يجعل اليمين على الشمال والمال على اليمين، وعن مالك قريب منه، ثم إذا فعل ذلك يدعو لهم مستقبل القبلة سراً فيقول: "اللهم أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم إن كنت أوجبت إجابتك لأهل طاعتك وكنا قد فارقنا، أي أذنبنا وأجرمنا ما خالفنا فيه الذين محضوا طاعتك، فامنن علينا بمغفرتك وإجابتك في سقياك، أو يقول: اللهم فامنن [253 ب/3] علينا بمغفرة ما فارقنا وإجابتك في سقيانا، وسعة رزقنا ويدعو بعد هذا بما شاء من أمر الدنيا والآخرة" ويدعو الناس معه سراً أيضاً في هذه الحالة، ثم يقبل على الناس بوجهه ويحضهم على طاعته ويأمرهم بالخير ويملي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنين والمؤمنات ويقرأ آية أو أكثر ويقول: أستغفر الله لي ولكم، ثم ينزل. فإن قيل: قلتم في الخطبة الثانية: إنه يدعو سراً. ويدعو الناس معه سراً، وفي الخطبة الأولى: لا يأمرون الناس بالدعاء، قلنا: لأن في الخطبة الأولى يجهر بالدعاء فيؤمنون هم وفي الثانية يسر هو بالدعاء فلا يسمعون دعاءه فلا بأس أن يوافقوه في الدعاء سراً، وإنما أمرناه أن يسر لهذا الدعاء ليجمع بين الإسرار والجهر في الدعاء، ويكون أقرب إلى الإجابة قال الله تعالى في قصة نوح عليه السلام {ثُمَّ إنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إسْرَارًا (9)} [نوح:5] وقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً} [الأعراف: 255].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي" فرع لو استقبل في الخطبة الأولى لم يكن عليه أن يعود لذلك في الخطبة [254 أ/7] الثانية نص عليه في "الأم". فرع قال: لو ترك عنهم تارك التحويل والتنكيس والإمام أوكلهم كرهت تركه لمن تركه ولا يحول رداءه إذا انصرف من مكانه الذي يخطب فيه. فرع إذا حولوا أرديتهم أقروها محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوها على العادة. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو اقتصر رجل على تحويل ردائه ولم ينكسه أجزأه إن شاء الله وكذلك إذا اقتصر على تنكيسه رجوت أن يجزيه. فَرْعٌ آخرُ يرفع يديه في حال الدعاء لما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان لا يرف يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه". وروى جابر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اللهم اسقنا غيثاً" الخبر وقوله: يواكئ معناه: التحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء ومنه التوكؤ على العصا وهو التحامل عليها. فَرْعٌ آخرُ قال: لو اقتصر على خطبة واحدة يجوز لأنها سنة غير واجبة. فَرْعٌ آخرُ المنصوص أنه يبدأ بالخطبة بالتكبير كما في العيد، وقال بعمى [54 ب/31] أصحابنا بخراسان: يبدأ بالاستغفار بدل التكبير في العيد، وعندي أن هذا القائل غلط من قوله هاهنا ويبدؤون ويبدأ الإمام بالاستغفار ويفصل به كلامه بالاستغفار.

فَرْعٌ آخرُ يستحب أن يستسقى بمن يعرف أن له منزلة عند الله تعالى في الظاهر كما فعل عمر رضي الله عنه فإنه استسقى بالعباس رضي الله عنه، وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك وإنا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك العباس"، وروي أنه قال: "اللهم إن هذا عم نبيك فاحفظنا وعم نبيك لأنك تقول وقولك الحق: {وأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف:82] فحفظتهما بصلاح أبيهما فاحفظنا بعم نبيك". وروي أن معاوية رضي الله عنه "استسقى بيزيد بن الأسود وكان رجلاً صالحاً فقال: "اللهم إنا نستسقي إليك بخيرنا وأفضلنا. اللهم إنا نستسقي إليك بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى" فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كان الناس [255 أ/ 3] أن لا يبلغوا منازلهم". وقال القفال: قال الشافعي: يذكر كل واحد في نفسه ما فعل من خير فيعرضه على ربه سراً، ثم يسأل الحاجة كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "ذكر ثلاثة نفر من بني إسرائيل خرجوا لحاجة فآواهم المطر إلى غار، ثم انحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فقالوا: ما ينجينا من هذا الغار إلا الله تعالى، فقام أحدهم، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم وكانت أحب الناس إلي، فدعوتها إلى نفسي فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فاكتسبت مائة دينار وجئتها بها، فلما قعدت بين شعبها الأربع قالت لي: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركت الدنانير، اللهم إن كنت تعلم أني لم أفعل ذلك إلا خوفاً منك فنجنا من هذا الغار فانحدرت الصخرة حتى رأوا شعاع الشمس، ولم يروا السماء. فقام الآخر، وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان وكانت لي غنم أرعاها فكنت لا أطعم ولا أشرب ما لم أشبعهما، فأبطأت عليهما ذات ليلة فوجدتهما قد ناما، فحلبت اللبن وقمت به على رأسهما وصبياني [255 ب/ 3] حولي جياعاً فلم أشرب، ولم أسقهم ولم أوقظهما حتى استيقظا فشربا ثم شربت وسقيت أهلي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا فانحدرت الصخرة حتى رأوا السماء، فقام الثالث فقال: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجراء كل واحد منهم بصاع من أرز، فأبطأ أحدهم ذات يوم فجاء عند ارتفاع الضحى فدفعت إليه مثل ما لأصحابه فقال واحد منهم: لا أرضّ أن تسوي بيني وبينه، فإنه جاء بعدي فقلت له: هل نقصتك من أجرتك شيئاً. قال لا، قلت: هو مالي أعطيه من أشاء فغضب وترك لي أجوه، وذهب فزرعت ذلك ثم حصدت، ثم زرعت ثم حصدت حتى اجتمع منه مال كثير، واشتريت به عبيداً أكرة له فأصابته خصاصة فعاد، وقال: أتعرفني؟ قلت من أنت؟، فقال: أنا الذي راجعتك في أجري ذلك اليوم، وقد مستني الحاجة إليه فأعطني حقي فأمبته تلك الليلة، فلما أصبحت طفت به على تلك الأموال، وقلت: هذه لك، فقال: لي يا عبد الله لا تسخر بي وأعطني حقي، فأخبرته بما فعلت وسلمت إليه الأموال. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فنجنا. فانفتح [256 أ/3]

باب الغار وخرجوا". فيستحب مثل هذا في الشدائد ورفح الحوائج إلى الله تعالى. مسألة: قال: فإن سقاهم الله تعالى وإلا عادوا من الغد للصلاة والاستسقاء. وهذا كما قال: إذا خرجوا للاستسقاء فلم تستجب دعوتهم يستحب أن يعودوا. وقال في "الأم": أحببت أن يعودوا ثم يعودوا حتى تمطر، وليس استحبابهم بعودة الثانية بعد الأولى لا الثالثة بعد الثانية كاستحباب الأولى لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستسق إلا مرة واحدة، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يحب الملحين في الدعاء"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سأل أحدكم ربه فليعزم المسألة ولا يقل إن شئت فإن الله لا يكره له" وقال في "البويطي": يخرج ثلاثاً نسقاً وقال "في القديم": وأحب كلما أرادوا العود إلى الاستسقاء أن يأمر الناس أن يصوموا قبل عوده ثلاثاً، فإذا استسقى موالياً أجزأه إن شاء الله. واختلف أصحابنا في هذا فقال ابن القطان: في المسألة قولان: وليس في الاستسقاء مسألة على قولين إلا هذه، وقال بعض أصحابنا: تقديم صوم [256 ب/3] الثلاثة على كل مرة مستحب، ولكنه في المرة الأولى آكد ويجوز متوالياً وهذا أصح، ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين، فالذي قال: يخرج من الغد هو إذا كان لا شغل لهم ولا ينقطعون عن معاشهم كأهل الرساتيق وإلا كره، والذي قال: يخرج بعد ثلاث هو إذا كان لهم أشغال ينقطعون عنها بذلك فيتركون حتى يتوفر قضاء أشغالهم، ثم يخرجون في اليوم الرابع. مسألة: قال: وإن كانت ناحية جدبة والأخرى خصبةً. الفصل هو كما قال. يستحب أن يستسقي أهل الناحية الخصبة لأهل الناحية الجدبة ولجماعة المسلمين، ويسألوا الله تعالى الزيادة لأنفسهم، ويكتب الإمام إلى من يقوم بأمر المجدبين في الاستسقاء لهم، فإن لم يفعل أحببت أن يستسقي رجل من بين أظهرهم، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أرجى الدعاء دعاء الأخ عن ظهر الغيب"، وقال تعالى: {والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ} [الحشر:10]. فأثنى عليهم بدعائهم للغير.

باب الدعاء في الاستسقاء

مسألة: قال: ويستسقي حيث لا يجمع من بادية وقرية. وهذا كما قال. صلاة [257 أ/ 3] الاستسقاء مسنونة لكل مكلف ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً، مقيماً كان أو مسافراً، حضرياً كان أو بدوياً، وأهل القرى والأمصار فيه سواء، لأن كلهم مشتركون في الاستضرار بالقحط والجدب، وقول الشافعي: لأنه سنة وليس بإحالة فرض أي: ليس كالجمعة التي أحيلت من الظهر إليها بشرائط، ويفعل هؤلاء ما يفعل أهل الأمصار عن الخطبة والصلاة، ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر: إنها لا تقام إلا في موضع تصلى فيه الجمعة وليس بشيء. مسألة: قال: ويجزئ أن يستسقي الإمام بغير صلاة وخلف صلاة. وهذا كما قال: الاستسقاء هو على ثلاثة أضرب: ضرب: هو الكامل وهو ما ذكرنا أن يخرج إلى الصحراء ويصلي ويخطب. والثاني: أن يستسقي قبل الصلاة وبعدها، وهذا دون الأول وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله. والثالث: أن يستسقي بغير صلاة ولا خطبة. وهذا دون الكل ويجوز ذلك، لأن المقصود من الاستسقاء الدعاء لله تعالى في إزالة القحط وقد حصل ذلك، وروى الشعبي أن عمر رضي الله عنه "خرج يستسقي فصعد المنبر فقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)} [نوح:10 - 11] استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل: يا أمير المؤمنين لو استسقيت فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر". باب الدعاء في الاستسقاء قال الشافعي: اخبرنا إبراهيم. . . الخبر. وهذا كما قال. هذا الباب يشتمل على نوعين من الدعاء: أحدهما: عند كثرة المطر واتصاله ومخافة تهدم البنيان، فيدعوه بما رواه المطلب بن حنطب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يقول: اللهم سقيا رحمة" إلى آخره. والنوع الثاني: هو ما ذكرنا في الخطبة الأولى فلا حاجة إلى الإعادة. فرع قال في "الأم": لو تهيأ الإمام للخروج فمطر الناس مطراً قليلاً أو كثيراً أحببت أن يمضي هو والناس فيشكرون الله تعالى على سقياه ويسألون الزيادة وعموم خلقه بالغيث، فإن كانوا ليمطرون في الوقت الذي يريد الخروج بهم فيه استسقى بهم في

المسجد أو أخر ذلك إلى أن يقع المطر. فرع قال: ولو نذر الإمام أن يستسقي ثم سقي الناس يجب عليه أن يخرج ويفي بنذره وإن [258/ 3] لم يفعل فعليه قضاؤه، وليس عليه أن يخرج بالناس، لأنه لا يمكنهم ولا له أن يكرههم على أن يستسقوا في غير جدب، وكذلك لو نذر رجل أن يخرج يستسقي عليه أن يخرج، وهذا لأن الاستسقاء طاعة فيلزم بالقدر كعيادة المريض. فرع لو نذر الإمام أن يستسقي بالناس. قال في "الأم": عليه أن يستسقي ويخرج بالناس ويصلي ويخطب بهم بأن سقوا قبل أن يخرج خرجوا وكان قضاء، كما إذا نذر أن يصوم يوماً ففاته بصومه قضاء. قال القفال: هذا في الجدب فإن كان في الخصب يحتمل أن لا يلزم شيء، لأنه لا حاجة إليها ويحتمل أن يلزم ويطلب زيادة السعة والخصب. فرع لو نذر غير الإمام أن يستسقي مع الناس كان عليه أن يخرج بنفسه ولم يكن عليه أن يخرج بالناس؛ لأنه لا يملكهم والواجب عليه إخراج من يطيعه من أهله وولده وغيرهم، وهذا استحباب وإن عبر بالواجب وقد قال في بعض الروايات: وأحب أن يخرج بمن أطاعه منهم. فَرْعٌ آخرُ قال: فإن كان في نذره أن يخطب فيخطب ويذكر الله تعالى ويدعوه جالساً إن شاء؛ لأنه ليس في قيامه إذا لم يكن [258 ب/3] والياً ولا معه جماعة طاعة، وإن نذر أن يخطب على المنبر يجوز أن يخطب جالساً وليس عليه أن يخطب على المنبر، لأنه لا طاعة في ركوب المنبر إلا ليستمع الناس، فإن كان إماماً معه ناس لزمه ذلك إلا أن يخطب على منبر أو جدار أو قائماً ويجزيه، ولا يتعين المنبر والطاعة إذا كان معه ناس أن يخطب قائماً. فرع ولو نذر أن يخرج إلى الصحراء يجوز أن يستسقي في المسجد، وكذلك في بيته، لأنه لا يقيد في الصلاة في الصحراء فلا يلزم بالنذر. فرع لو نذر أن يستسقي في مسجد المدينة أو في بيت المقدس، هل يتعين ذلك؟ قولان: كما يقول في نذر الصلاة فيها.

فَرْعٌ آخرُ لو خاف قوم من غرت لأجل سيل أو نهر دعوا الله تعالى لصرف الضرر عنهم، كما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويلتمس من الله تعالى أنه يجعل حيث ينفع ولا يضر كالجبال والصحارى، قال: ولا أمر بصلاة جماعة في ذلك، وأمرت الإمام والعامة يدعون بذلك في خطبة الجمعة وبعد الصلوات وكذلك في سائر النوازل لغلاء الأسعار وضيق المعاش ونحو [259 أ/ 3] ذلك. فَرْعٌ آخرُ الاستمطار مسنون، وهو أن يتجرد لأول مطر ليصيبه منه، وهذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمطر لأول مطر حتى يصيب جسده، ويقول: "هذا قريب عهد بربه" ويستحب أن يقول: "اللهم صيباً هنياً"، وروت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك إذا رأي المطر، وروي أن الماء مطرت فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه لغلامه: أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر، فقال أبو الجوزاء: لم تفعل هذا يرحمك الله؟ فقال: أما تقرأ كتاب الله تعالى: {ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا} [ق:9] فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي، وروي أن سعيا بن المسبب رضي الله عنه كان جالساً في المسجد فمطرت السماء فخرج إلى وحبة المسجد وكشف عن ظهره للمطر حتى أصابه ثم رجع إلى مجلسه. فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ويتوضأ منه، لما روي أنه حرا الوادي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اخرجوا بنا هذا الذي سماه الله طهوراً حتى نتوضأ منه ونحمد الله [259/ 3] تعالى عليه"، وروى الشافعي فيتمطر منه، وروي حتى ينظر فيه ويحمد الله تعالى. فَرْعٌ آخرُ المستحب أن يطلب استجابة الدعوة في ثلاثة مواطن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بها فيه وهي عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث. قال: ويستحب أن يكثر الدعاء عند نزول الغيث، وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تفتح أبواب السماء ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن عند التقاء الصفوف، وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة".

فَرْعٌ آخرُ روى الشافعي في "الأم " عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا [260 أ/ 3] وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". قال الشافعي: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي عربي واسع اللسان يحتمل قوله هذا معان وإنما قال هذا؛ لأنهم مطروا بين ظهراني قوم أكثرهم مشركون، وكان هذا في غزوة الحديبية، ومعناه أن من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله تعالى، ولأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله تعالى، ومن قال: مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك، يعتقد من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النوء هو وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ومن قال: مطرنا بنوء كذا أي وقت نوء كذا فإنما ذلك لقولهم: مطرنا في شهر كذا فلا يكون كفراً وغيره من الكلام أحب إليّ منه وأحب أن يقول: مطرنا في وقت كذا. وقيل الأنواء: هي منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً تطلع كل ثلاثة عشر يوماً، فتنزل بالمشرف فإذا طلح غاب رقيبه من المغرب فسميت أنواء لهذا المعنى يقال: ناء إذا طلح وناء إذا غرب [260 ب/3] فهو من الأضداد، وقد أجرى الله تعالى العادة بالمطر عند طلوع كل نجم منها، كما أجرى العادة بالحر في الصيف والبرد في الشتاء، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "يوم الجمعة على المنبر: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال العباس رضي الله عنه لم يبق منه شيء إلا العراء فدعا الناس حتى نزل عن المنبر فمطرت مطراً أحيا الناس منه فاستجازوا، هذا القول والعراء في أحد المنازل فدل أنه لا بأس به على معنى ما ذكرنا، قال: وبلغني عن بعض أصحاب رسول الله رضي الله عنه أنه كان إذا أصبح وقد مطر الناس قال: مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر:2]. فرع اعلم أن الرياح المعروفة هي أربع: الشمال، والجنوب، والقبول، والدبور،

فالجنوب أن تأتي عن يمين المتوجه إلى القبلة والشمال عكسها، والدبور هي من المغرب، والقبول عكسها والتي تدل على المطر هي الجنوب منها روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما هبت جنوب قط إلا أسالت واديًا". وقال ابن مسعود [261 أ/3] رضي الله عنه: إن الله تعالى أرسل الرياح فتحمل الماء من السماء، ثم يمر به السحاب حتى يدر كما تدر اللقحة، ثم يمطر، ويستحب إذا هبت الرياح أن يصنع كما كان رسول الل - صلى الله عليه وسلم - يصنع، وهو أن يجثو على ركبتيه على ما قدمناه، ويقول ما قاله. ولا يجوز أن يسب الريح، لأنها من خلق الله تعالى وهي جند من أجناده يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء، وقد شكى رجل إلى وسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفقر فقال: "لعلك تسب الريح " وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فلا تسبوها وسلوا الله خيرها وعودوا إذا أتت بحرية، ثم استحالت شامية، فهي أمطر لها"، وروي "فهي غير غدقة" يعني كثيرة. ومعناه إذا نشأت من ناحية البحر وأخذت نواحي الشام دلت على المطر. فرع إذا نشأت السحاب فالمستحب أن يصنع ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع قالت عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أبصر شيئاً من السماء" يعني من السحاب "ترك عمله واستقبله، وقال: "اللهم إني [261 ب/3] أعوذ بك من شر ما فيه فإن كشفه حمد الله تعالى" وإن مطرت قال: "اللهم سقياً نافعاً. فَرْعٌ آخرُ إذا شاهد البرق أو الودق لا يشير إليه قال الشافعي: لم أزل أسمع عدداً من العرب يكره الإشارة إليه، فإذا رأي البرق فينبغي أن يفزع منه وكذلك الرعد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رعدت السماء أو برقت عرف ذلك في وجهه، فإذا أمطرت سُرَّيَ عنه، فسأل عن ذلك فقال: إني لا أدري بم أرسلت بعذاب أو برحمة". قال الشافعي: وقال مجاهد: الرعد ملك والبرق أجنحة الملك تشقق السحاب. قال: ما أشبه ما قال بظاهر القرآن وهو قوله تعالى: {ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ

باب تارك الصلاة

بحمده والْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد:13] وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تعالى بعث الحاب فنطقت أحسن المنطق وضحكت أحسن الضحك" فالرعد نطقها والبرق ضحكها. والمستحب: إذا سمع حنين الرعد أن يقول: سبحان من يسبح له الرعد بحمده. قال الشافعي: قال ابن عيينة: قلت لابن طاوس ما كان أبوك يقول: إذا سمح الرعد فقال: كان يقول: سبحان من سبحت له [262 أ/ 3]، قال الشافعي: ذهب إلى قول الله تعالى {ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} [الرعد:13] فثبت أن الرعد ملك يسبح به، فأما الصواعق فنستعيذ بالله منها، فإنها ربما أهلكت وأحرقت وقتلت قاله مجاهد، وقال: هي غير هذا يعني غير البرق والرعد، وروي عن ابن عباس قال: كنا مع عمر رضي الله عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب: من قال حين سمع الرعد: سبحان من سبح الرعد بحماه والملائكة من خيفته ثلاثاً. عوفي من ذلك الرعد فقلنا فعرقنا. باب تارك الصلاة مسألة: قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بغير عذر. الفصل وهذا كما قال. إذا ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فقال له: لم تركتها فإن قال: لأنها غير واجبة، وأنا لا أعتقد وجوبها فهو مرتد يقتل ويكون ماله فيأ، ويدفن في مقابر المشركين، وإن قال: ما علمت أنها واجبة وكان قريب عهد بالإسلام، فقال له: فاعلم أنها واجبة فقتل تاركها وإن اعتقد بعد هذا وجوبها وصلاها تركناه، وإن لم يعتقد [262 ب/ 3] وجوبها فهو مرتد أيضاً؛ لأن الصلاة تشبه الإيمان، لأنها قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ولا يختص هذا الحكم بالصلاة في الحقيقة؛ لأن كل من جحد وجوب فرض من طريق الضرورة كالزكاة والحج والوضوء، فإنه يكفر بذلك قال: قال: الصلاة واجبة عليّ ولكني لا أمليها فهو في معنى الكافر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصلاة عماد الدين" فمن تركها متعمداً فقد كفر، وإذا قتل فهو مسلم مقتول بحق، كالمقتول بالزنا يغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ورثته من المسلمين ويرجى له العفو، وليس أحد يقتل بترك عبادة مع صحة الاعتقاد إلا تارك الصلاة لما

ذكرنا من تشبيه الصلاة بالإيمان، وأشار الشافعي إلى المعنى فقال: يقال له: هذا العمل لا يعمله غيرك أي: لا تجري فيه النيابة ولا يمكن استخراجه منك إلا بك كالإيمان وهكذا لو قال: أعتقد وجوبها، ولكني أقبل عنها لما فيها من المشقة ولا أشط فيها، ولو قال: نسيتها [263 أ/ 3] أو تركتها لشغل عارض أمرناه بقضائها متى زال العذر وتذكر والقضاء موسع، وإن قال: أنا مريض قلنا له: صل كيف أطقت. وبهذا قال مالك وجماعة من السلف. وقال أحمد وإسحاق: يكفر بتركها عمداً ويخرج عن الملة، فإذا قيل: لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وتوبته أن يصلي، ويروى هذا عن عمر وعلي رضي الله عنهما وقيل: هذا قول بعض أصحابنا ذكره في "المهذب"، وقال صاحب "التلخيص": يسوي عليه التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبراً عقوبة له. وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض أصحابنا أنه لا يصلى عليه واحتجوا بظاهر الذي ذكرنا وهذا غلط لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى على عباده في اليوم والليلة فمن جا، بهن لم يضع منهن شيئاً كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"، ولأنها من فروع الإيمان فلا يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالصوم. وأما خبرهم: أراد به [263 ب/3] فحكمه حكم الكافر كما قال - صلى الله عليه وسلم - "قتال: المسلم كفر"، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقتل تاركها ويحبس حتى يصلي وقال بعضهم: لا يتعرض له لأنها أمانة فيما بينه وبين الله تعالى. وقال بعضهم: يضرب حتى يصلي وبه قال المزني، واحتجوا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق". وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فمن ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة" رواه مكحول فدل على إباحة قتله. فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في وقت وجوب القتل، فقال الإصطخري: إذا ترك ثلاث صلوات وضاق وقت الرابعة قتل، ولا يقتل بترك صلاة واحدة وصلاتين، لأنه يجوز أن يكون قد تركها لعارض عذر، فإذا تكرر منه الترك علمنا أنه تركها تهاوناً بها واستخفافاً. وقال أبو إسحاق: إذا ترك صلاة واحدة وتضيق وقت الثانية وامتنع من أدائها يقتل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: [264 أ/ 3] إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها من غير عذر أمر بقضائها، فإن لم يفعل قتل، ولا يقتل ما لم يخرج وقت العذر والضرورة، مثل

أن يترك الظهر فلا يقتل حتى تغيب الشمس، وفي ترك صلاة المغرب لا يقتل حتى يطلع الفجر، ويجب قتله إذا لم يقض، وإن كان يصلي الصلاة الأخرى في وقتها، لأنه تركها عمداً بلا عذر بخلاف من تركها ناسياً، أو عذر، ويصلي بعد ذلك ولا يقضي تلك فلا يقتل لأنه قضاء في ذمته، ولم يحصل منه قصد في ترك الأداء وهو اختيار القفال. وهذا كله هو خلاف النص؛ لأن الشافعي قال، يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها ولم يعتبر التكرار ولا خروج وقت العذر والضرورة لا يضيق وقت الصلاة الثانية، فمذهب الشافعي أنه إذا تضيق وقتها لما بيناه بفعلها، فإن فعل وإلا قلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك فيستوجب القتل بإخراجها عن وقتها كما يستوجب القتل بالخروج من الإيمان، وفعل القتل والزنا لا يعتبر تضيق وقت الصلاة الثانية، وهذا هو اختيار صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة [264 ب/ 3]. فإن قيل: إذا قتلتموه قبل أن يتضيق وقت الصلاة الثانية لا يخلو إما أن يكون قتله للأولى أو للثانية لا يجوز أن يكون للأولى، لأنها صارت فائتة وصارت في ذمته ولا يجوز قتله لترك الفائتة، ولا يجوز أن يكون للثانية، لأنه قد وسع له في تأخيرها إلى أخر الوقت، قلنا: نحن نقتله لامتناعه عن فعلها في وقتها فإذا خرج وقتها استوجبه القتل كما يستوجب بالكفر، فإن قيل: هذا خلاف قول الشافعي؛ لأنه قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر وأنتم تقولون ذلك إذا تضيق وقتها ولم يقل حتى خرج وقتها، فدل أنه أراد إذا تركها حتى يضيق وقتها فقال له: هذا عمل لم يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك فإن تبت وإلا قتلناك، وقد غلط بعض أصحابنا، فقال ظاهر "المختصر": إنه يقتل بالفائتة ولا خلاف أن لا يقتل بالفائتة، وإنما قال: يقتل بالصلاة الواحدة إذا تضيق وقتها على ما ذكرنا أو بالصلاة الرابعة عند [265 أ/3] تضيق وقتها عند الاصطخري أو بالصلاة الثانية إذا تضيق وقتها عند أبي إسحاق، لأنه يعلم به تحقيق عزمه على الترك. فإذا تقرر هذا، فإنه يستتاب قبل القتل، لأنه ليس بأشد من الردة، وهناك يستتاب، وهل يتأتى به ثلاثة أيام؟ قولان: أحدهما: يتأنى به ثلاثة أيام نص عليه في البويطي، فقال: وان استنيب ثلاثا كان حسناً ولم يستحسن ذلك في "الأم" فحصل قولان وكذا القولان في استتابة المرتد ثلاثاً واختار المزني للشافعي أنه لا يتأنى به ثلاثاً؛ لأن مذهبه أنه لا يقتل تارك الصلاة على ما ذكرنا، واحتج بالمرتد، وفي المرتد نص على قولين أيضاً فلا معنى لهذا. ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: يمهل المرتد فهذا أولى، وإن قلنا: إنه لا يمهل المرتد فهل يمهل تارك الصلاة؟ قولان تغليظاً للردة، ثم إذا أردنا قتله المنصوص في "البويطي" أنه تضرب رقبته؛ لأنه شبهه بالمرتد. وقال ابن سريج: لا يزال يضرب وينخس بشيء فيه حديد حتى يصلي، أو يأتي الضرب عليه، كما إذا قصد دم غيره أو ماله فإن المقصود أن يدفعه عن نفسه ولا يقصد قتله فإن لم [265 ب/ 3] يمتنع حتى إذا أتى الدفع إليه لم يلزمه ضمانة كذلك هاهنا وهذا خلاف النص.

فرع من وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها، والمستحب أن يقضيها على الفور، فإن أخر قضاءها جاز، لما روي "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي"، وقال أبو إسحاق: إن تركها بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور، لأنه مفرط في تأخيرها وهذا عندي حسن. فَرْعٌ آخرُ إذا امتنع من الوضوء هل يُقتل؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يقتل لأنه غير مقصود في نفسه، والصحيح عندي أنه يقتل لأنه لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا به وفي الامتناع منه امتناع من الصلاة. فَرْعٌ آخرُ إذا أخر الصلاة المنذورة عن وقتها المعين لها عمدا لا نص فيه ويحتمل أن يقال: يقتل لأنها كالشرعية. فرع لو ترك التشهد والاعتدال قال بعض أصحابنا: إن رأي الإمام أن يقتل تارك الصلاة يجوز قتله وإلا فلا، كما شرب المطبوخ له أن يحد، ومن أصحابنا من قال: لا يقتله، لأن هذا غير ممتنع من الصلاة أصلاً [266 أ/ 3].

كتاب الجنائز

كتاب الجنائز باب إغماض الميت مسألة: قال: أول ما يبدأُ به أولياءُ الميت أن يتولى أرفقهمْ به إغماضَ عينيه. الفصل وهذا كما قال. قال: اعلم أن بعض أهل اللغة قالوا: الجنازة بكسر الجيم. هي: اسم لما يحمل عليه الميت، وبفتح الجيم نفس الميت. وقال الأزهري: الجنازة بكسر الجيم لا تسمى حتى يشد الميت مكفناً عليها، يقال: جنز الميت تجنيزاً، إذا هيئ أمره وجهر وشد على السرير، ثم اعلم أن الشافعي ذكر هاهنا ما يفعل بالمؤمن بعد موته. وذكر في البويطي: ما يفعل به قبل موته ونحن نقدم ذلك. وجملته: أنه يستحب للإنسان أن يكثر ذكر الموت، ويجعله من عينيه، وهذا في الدنيا وإطراحها، لما ووى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: يا رسول الله وما حق الحياء؟ قال: "من عرف الرأس _ وروي من حفظ الرأس _ وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وأكثر ذكر الموت والبلى، فقد استحيى من الله حق الحياء" [266 ب/ 3]. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره"، وروي مثل هذا عن عمر رضي الله عنه وكان نقش خاتم عمر "كفي بالموت واعظاً يا عمر"، وينبغي أن يستعد لموته كما يستعد لسفره الطويل. وروى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أبصر جماعة مجتمعين، فقال: على ما اجتمع القوم؟ فقالوا: على قبر يحفرونه فابتدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرعاً بين يدي الناس حتى أتى القبر وحثا عليه التراب، فابتدرت فاستقبلته لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى دموعه، وقال: "إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا" الاستعداد للموت، الخروج من المظالم، والإقلاع عن المعاصي والإقبال على الطاعات وهذا لأنه لا يؤمن من موت الفجأة [267 أ/3]

ويستحب أن يكون منه هذا الذي ذكرنا في مرضه أكثر منه في حال الصحة، قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] الآية. فأراد سبب الموت وهو المرض الذي هو نذير الموت ويريده. وعلى كل حال يستحب أن يكون حسن الطريقة حسن الظن بالله عز وجل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل"، قال جابر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا قبل موته بثلاث. قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: إنما نحسن الظن بالله تعالى من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن الله ظنكم بالله فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون حسن الظن بالله تعالى من ناحية الرجاء وتأميل العفو، وروى واثلة بن الأسقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي ما شاء". وقيل: المستحب أن يستوي في خوف العبد المؤمن ورجاؤه، ويكون خوفه في الصحة أكثر ليزداد عملاً صالحاً، وأما عند الموت فيستحب أن يكون رجاؤه لرحمة الله [267 ب/ 3] أكثر ليموت وهو حسن الظن بالله تعالى ذكره القفال. واعلم أن من مرض يستحب له أن يصبر، لما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" قالت: أصبر ولا حساب علي، وقال بعض أصحابنا: يكره للمريض الأنين والتأوه وكثرة الشكوى لما روي من الخبر، ولأن طاوس رضي الله عنه كان يكره أنين المريض، وقال أيضاً: يستحب أن يتداوى لما روى أبو الدر داء رضي الله عنه أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام". ويستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإتباع الجنائز وعيادة المريض وإجابة الداعي ونصر المظلوم وإبرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس. وقال زيد بن أرقم: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجع كان بعيني وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عائد المريض في مخرف من مخاريف الجنة حتى يرجع إلى [268 أ/ 3] أهله" وأراد بالمخرف البستان، يعني: أنه يستوجب به الجنة

ومخارفها. وروى ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة"، وروي عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه قال: أخذ علي رضي الله عنهب يدي، فقال: انطلق بنا إلى الحسن نعوده فوجدنا عنده أبا موسى فقال علي: أعائداً جئت يا أبا موسى أم زائراً، فقال: لا؟ بل عائداً، فقال علي رضي الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة. أورده أبو عيسى الترمذي رحمه الله وقوله: خريف أي: مخروف من ثمر الجنة. وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جابراً وسعداً وكان يحب زيارة المريض حتى أنه عاد غلاماً يهوديا مرض فأسلم ببركته - صلى الله عليه وسلم -. ويستحب إذا رجا برؤه أن يدعو له بما قال في رواية ابن عباس رضي الله عنه: "من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال: عنده سبع مرات أسأل الله العظيم [268 ب/3] رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله تعالى من ذلك المرض. وروي أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا محمد اشتكيت قال: نعم، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسدة، بسم الله أرقيك والله يشفيك". وروى عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت فقال أنس: أفلا أرقيك رقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بلى، قال: قل "اللهم رب الناس، مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقماً". وقال بعض أصحابنا: يكره للمريض أن يتمنى الموت وان اشتد مرضه، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضيق نزل به، فإن كان متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا ليّ" وقال حارثة بن مضرب: دخلت على خباب وقد اكتوى في بطنه فقال: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي من البلاء ما لقيت لقد [269 أ/ 3] كنت وما أجد درهماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ناحية من بيتي الآن أربعون ألفاً ولولا أن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن نتمنى الموت لتمنيت، وإن رآه ميؤوساً من البرء يستحب أن يوجهه إلى القبلة لتخرج الروح وهو متقبل القبلة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "خير المجالس ما استقبل به القبلة"، فإن كان الموضع واسعاً فالمستحب أن يجعل على جنبه الأيمن ليكون وجهه وصدره ومقدمه نحو القبلة كما يصلي المريض، وكما يوضع في اللحد. قال عليه الصلاة والسلام: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه"، وإن كان الموضع ضيقاً جعل على ظهره وبطون قدميه إلى القبلة ويكون تحت رأسه مرفقه، ثم يستحب أن يلقن قول: لا إله إلا الله ثلاث مرات إذا حضر الوفاة، فإذا قالها لم يتكلم بعدها ليكون آخركلامه هذا. قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" فإن تكلم بعدها بشيء أعيد التلقين ليكون التوحيد آخر كلامه. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله" [269 ب/3] أي من قرب موته. وقال القفال: لا يستحب أن يقول له قل: لا إله إلا الله أو يلح عليه بذلك، لأنه ربما يضجر فيرده فيهلك به، بل يذكر بين يديه ليتذكر. وروي عن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل وجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال له عبد الله: إذا قلت: مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام. ويستحب أن يتولى تلقين الشهادة للميت من ليس بوارث حتى لا يسبق إلى قلبه أنه يستعجل موته فيغتاظ من ذلك فيجحد، فإن لم يكن عنده إلا الورثة، فالأولى أن يتولى ذلك أبرهم به وأحبهم إليه حتى لا يسبق إلى قلبه تهمة الاستعجال فتحمله المغايظة على الجحود، ويستحب أن يقولوا: خيراً لما روت أم سلمة قالت: قال وسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة مات. قال: فقولي: "اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبة حسنة"، قالت: فقلت فأعقبني الله منه من [270 أ/ 3] هو خير منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستحب أن يقرأ عنده سورة "يس" لما روى معقل بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قال: اقرؤوا على موتاكم" يعني يس.

وقال بعض التابعين: يقرأ عنده سورة الرعد لما روي عن جابر بن يزيد قال: إذا قرئ عنده سورة الرعد فإنه يكون أسرع لخروج الروح، فيستحب أن يقرأ عنده هذا إذا رأي اشتداد الأمر، فإن رأى أمارات السلامة فإنه يدعو له وينصرف. وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله برسول الله، واني أخاف ذنوبي. فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما يرجوه وآمنه مما يخاف"، وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللهم أعني على غمرات الموت أو سكرات الموت". وأما ما يفعل به بعد موته، فاعلم أن الشافعي [270 ب/3] ذكر هنا وفي "الأم" أنه يفعل به سبعة أشياء: أحدها: أن يتولى أرفقهم به إغماض عينيه بأسهل ما يقدر عليه، وأراد به أقرباؤه ومحارمه، وهذا لما ووت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمض عينيه وقال: أغمضوا عيون موتاكم فإن الروح إذا خرجت تبعها البصر"، ولأن ذلك هو أحسن في هيئة الميت من أن يكون مفتوح العينين، ويشبه النائم بعد إغماضها. وإذا لم يغمض عند وجود حرارة الروح فيه لم تتغمض بعدما برد ويقبح منه ذلك بهيئة الميت، ويدخل فيها الهوام. والثاني: قال: وأن يشد لحييه الأسفل بعصابة عريضة ويربطها من فوق رأسه لئلا يسترخي لحيه الأسفل فيفتح فوه فلا ينطبق وهذا صحيح قريب المعنى من إغماض عينيه، ولأنه إذا لم يفعل ذلك دخل الهوام جوفه ويقبح به منظره. والثالث: يلين مفاصله ما دامت حرارة الحياة فيه، فيرد ذراعه إلى عضديه ثم يردهما ويلين أصابع يديه بطونها، ثم يردها ويرد ساقه إلى فخذه، ثم يرده ويرد فخذه إلى بطنه ثم يرد [271 أ/ 3] ويتعاهد منه هذا ليتأتى لينه على غاسله وقت غسله وتكفينه. والرابع: تجرده من ثيابه فيخلع عنه ثيابه المخيطة من الجبة والقميص وغيرهما، وهذا لئلا يحمى فيها فتفسد، ولأنه لا يخلو في الغالب عن نجس أو قذر. والخامس: أن يجعل على بطنه حديدة فإن لم يكن فطيناً مبلولاً لئلا يربو جوفه. وروي أن مولى أنس رضي الله عنه مات فقال: "ضعوا على بطنه حديدة لأنه ينتفخ". والسادس: يسجى بثوب يغطى به جميع جسده ووجهه لأنه بعد الموت يأخذ في

التغير فينبغي أن يستر ويوارى عن الأبصار، وقالت عائشة رضي الله عنها: "سجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوب حبرة". والسابع: يجعل على لوح وسرير لئلا تدب إليه الهوام، وليكون أبعد من الأرض ولا يوضع على الفراش لأنه أسرع لانتفاخه ولا يجمع عليه أطباق الثياب لهذا، ويجعل جوانب الثوب تحت رأسه ورجله لئلا ينكشف. فرع قال في "الأم": وأحب إذا مات أن لا يعجل أهله غسله، لأن قد يكون يغشى عليه فيخيل إليهم أنه قد [271 ب / 3] مات حتى يرى فيه علامات الموت، وهو أن يسترخي قدماه فلا ينتصبان، ويميل أنفه ويفترق زنداه وتفترج المفاصل ويمتد جلدة الولد، يعني: جلدة الخصية، لأن الخصية تتعلق بالموت ويتدلى جلدها. وقال بعض أصحابنا: وينخسف صدغاه، قال: وإن مات فجأة مصعوقاً أو بحريق أو غرق أو مات غماً أو محمولاً عليه أو تردى من جبل أو في بثر، استوفى بموته يوما أو يومين أو ثلاثة ما لا يخاف بغيره، فإذا تحقق موته تعجل غسله، ودفنه لأنه عبادة، فكانت المبادرة إليها أفضل، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: "ثلاث لا تؤخرها الجنازة إذا حضرت" الخبر، وأراد بالمصعوق الذي تصيبه السكتة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على طلحة بن البراء يعوده، فقال: "ما أرى الموت إلا وقد ذهب بطلحة فإذا مات فآذنوني وبادروا به فما ينبغي لميت مسلم أن يكون بين ظهراني أهله" قلت: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "موت الفجأة أخدة آسف"، والآسف الغضبان [272 أ / 3] من قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55]. ومعناه أنه نقل ما أوجب الغضب عليه. وروى أنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "موت الفجأة رحمة للمؤمنين وعذاب على الكافرين". وهذا يفسر ما قبله من الخبر. فَرْعٌ آخرُ أول ما ينبغي أن ينظر في أمره أنه إن كان على الميت ومن قضى عنه أنه كان في تركته من جنسه، فإن لم يكن فيها من جنسه احتال بها الولي على نفسه وسأله أن يبرئ الميت منه، وإن لم يخلف تركه بحال يسأل من له الدين أن يبريه منه، فإن لم يفعل كان في قضاء دينه ثواب عظيم وأجر كثير فربما بما يضمنه ضامن ويؤدي ذلك وإنما قلنا هذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه"، وروي أن

باب غسل الميت

النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل ليصلي عليه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً". قال أبو قتادة: هو علي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بالوفاء" قال: بالوفاء فصلى عليه، وقال أبو هريرة [272 ب / 3] رضي الله عنه كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيقول: "هل ترك لدينه من قضاء؟ " فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا. وقال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته"، ثم إن كانت له وصية تفرق على ما أوصى وبدأ بأقاربه وجيرانه ليقدم الخير بين يديه فيجده إذا ورد عليه. فرع قال بعض أصحابنا: يكره النداء على موته ولا نص فيه، وهذا لإخفاء أمره والمبادرة به، وقال بعضهم: يستحب الإنذار به وإشاعة موته في الناس بالنداء والإعلام، ليكثر المصلون عليه والداعون له فينادي: قد مات فلان ابن فلان. وبه أقول. وقال أحمد: لا بأس به، وبه قال أبو حنيفة وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب ولا يستحب لغيره وبه قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لأن في الغريب إذا لم يناد لا يعلم به. وقد روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً [273 أ / 3] فإني أخاف أن يكون نعياً، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النعي". وروى عبد الله بن مسعود إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية". قال عبد الله: والنعي: أذان بالميت وهذا دليل القول الأول ويمكن أن يؤول على ما لو لم يكن الفرض تعريف الإخوان وكثرة المصلين عليه والداعين. باب غسل الميت مسألة: قال: ويفضى بالميت إلى مغتسله. وهذا كما قال. أواد بنقل الميت إذا أريد غسله إلى الموضع الذي يغسل عليه وغسل الميت هو من فرائض الكفايات كالصلاة عليه سواء، وأصل هذا أن علياً والفضل بن العباس رضي الله عنهما توليا غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره ووصيته، وقال علي رضي الله عنه: ". . . . على غسله، وروي أن علياً رضي الله عنه رأى في عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قراءة فأدخل لسانه فأخرجها، وقد روي في خبر المحرم [273 ب / 3] الذي وقعت به ناقته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اغسلوه بماء وسدر" فأمر بالغسل ولأنه لا خلاف بين المسلمين فيه. فإذا تقرر هذا ذكر كيفيته فقال: ويفضى إلى مغتسله ويكون كالمنحدر قليلاً وهو أن يكون موضع وأسه أعلى حتى ينحدر الماء عنه ولا يقف عنه، ويكون ملقىً على ظهره وتكون رجلاه إلى القبلة. مسألة: قال: ثم يعاد تليين مفاصله. وهذا كما قال، قال أصحابنا: لا يعرف هذا للشافعي في شي، من كتبه، ولا يستحب ذلك لأن تليين المفاصل إنما يفيد عقيب الموت لبقاء حرارة الروح فيه، فأما عند الغسل فقد بردت المفاصل فلا يفيد التليين شيئاً وقيل: إنه نص على هذا في "الأم": حكاه البندنيجي ففي المسألة قولان، وهذا غير صحيح وينبغي أن يؤول إن صح أنه ذكره في "الأم". مسألة: قال: ويطرح عليه ما يواري بين ركبتيه إلى سرته. وهذا كما قال أراد به أن يستر عورته، وهو ما كان يستره في حال حياته من نفسه، والأولى أن يستر جميع بدنه، وهذا إن لم يغسل في قميص [274 أ / 3]، والسنة عنانا أن يغسل في قميص، وهو أن يلبس قميصاً عند غسله ولا تخرج منه يداه ويصب الماء فوق القميص ونص على هذا بعد هذا، وبه قال أحمد. وقال مالك وأبو حنيفة: المستحب أن يجرد عن ثيابه وتلقى خرقة على فرجه ويكون فخذه مكشوفا وهذا لأن الحي إذا اغتسل تجرد فالميت أولى. وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غسل في قميصه" فإن قيل: يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصاً بهذا، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا، ما كان سنة في حقه ففي حق غيره كذلك ما لم يثبت دليل التخصيص. وروي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما حضره الموت قال: "إذا أنا مت فامنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ولم ينكر ذلك أحد، وعندنا يجب ستر الفخذ منه، ولا يجوز النظر إليه من غير ضرورة لأنه عورة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلى رضي الله عنه: "لا تكشف عن فخذك ولا تنظر إلى فخد حي ولا ميت". فإذا [274 ب / 3] ثبت هذا. قال: "أحب أن يكون القميص خلقاً سخيناً"، يعني خلقا ينزل الماء عنه ولا يكون جديداً صفيقاً ينشف الماء ويتعذر غسله فيه، ثم ينظر في القميص، فإن كان واسعاً أدخل الغاسل يده في كمه وغسله من تحته ويكون على يده خرقة، وان كان ضيقا لا يمكنه إدخال اليد فيه. قال أصحابنا: يفتق رؤوس التحاريس ثم يدخل يده من موضع الفتق، فإن لم يمكن فعل ما ذكرنا إذا

لم يجد القميص. مسألة: قال: ويستر موضعه الذي يغتسل فيه فلا يراه أحد إلا غاسله. وهذا كما قال. إذا أراد غسله جعله في موضع لا يطلع أحد عليه، إما في بيت أو تحت سقف ويستر موضعه في البيت بأن يسبل الستر على الباب، وهذا لأجل أنه في حال حياته يستتر عن الناس عند غله فيفعل به بعد موته كذلك، ولأنه ربما تظهر به علامة لا ينبغي أن يطلع عليها الناس ولا يدخل هناك إلا الغاسل والمعين والولي إن شاء فالغاسل يفض بصره ما أمكن ولا ينظر إلى شي، منه إلا أن يكون له بد [275 أ / 3] من النظر للوقوف على قدر ما غسل وما لم يغسل، وأما المعين فيغض بصره بكل حال إلا أن يكون ضرورة ويشتغل بصب الماء، وقيل: إن الذي ولي غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس وعلي والفضل يغسلانه وأسامة يناول الماء، والعباس واقف. وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في أنه هل يختار غسله تحت سقف أو سماء؟ فقال بعضهم: يختار غسله تحت سقف، لأن ذلك أصون له وأخفى، وقال بعضهم: يختار تحت السماء لتنزل عليه الرحمة. فرع قال الشافعي: لو أن رفقة في طريق من سفرهم مات منهم ميت فلم يواروه، فإن كان في طريق أهل تخترقه الناس والمارة، أو بقرب قرية أساؤوا بتركهم الفصل، وكان على من يقرب منه من المسلمين أن يواروه، وأن يتركوه في صحراء أو في موضع لا يمر به أحد، ولا يجتاز به أهل قرية أثموا وعصوا الله تعالى، وعلى السلطان أن يعاقبهم عليه لتضييعهم حق الله تعالى، واستخفافهم بما يجب عليهم من حق أخيهم المسلم، وان كان على هذا الميت [275 ب / 3] أثر الغسل والكفن والحنوط فإنهم يدفنونه، فإن اختاروا الصلاة عليه صلوا على قبره، لأن الظاهر أنه صلي عليه. مسألة: قال: ويتخذ إناءين إناء يغرف به الماء المجموع. الفصل وهذا كما قال. الكلام الآن في كيفية غسله، فالمستحب للغاسل أن يتخذ ثلاثة أواني. إناء يجمع فيه الماء الكثير كالمرجل والحب، ويكون بالبعد من الميت بحيث إذا تطاير من غسله ماء لا يصيبه فإن فسد ماء هذا الإناء الصفير الذي بقربه كان ما يأخذه من الإناء الكبير كافياً، وإناء يغرف به من الماء المجموع: كالكوز والقمقمة، وإناء يلي الميت، يصب به الماء عليه ولا يغرف به لأنه ربما يترشش عليه الماء من غسل الميت إليه فيتنجس به، ثم يتنجس به الماء المجموع، فيكون أحد هذين الإناءين في يد

الغاسل، والثاني في يد المعين ويغرف المعين منه ويصبه على الذي في يد الغاسل، وأراد الشافعي بالإناءين غير الإناء الكبير، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن بدن الميت نجس لأن الشافعي [276 أ / 3] أمر بحفظ الماء كي لا يتطاير إليه غسالة الميت فدل على نجاسته، وقيل: إنه نص على هذا في البويطي: فقال: ولا يصلي على الثوب الذي ينشف به الميت حتى يغسل ثانياً والمذهب الصحيح أن بدنه طاهر لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" عليكم في مسلم غل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس حسبكم أن تغسلوا يديكم". رواه ابن عباس وبه قال عامة أصحابنا، وإنما أمر بحفظ الماء هاهنا مخافة أن يخرج منه نجاسة فيصيبها الماء ثم يصيب الماء المجموع فينجسه أيضا إذا مر به تنظيفاً وتطييباً للنفس، وهذا هو اختيار أبي إسحاق والصيرفي. وذكر أبو حامد عن ابن سريج والأنماطي: أنه اختار القول الأول، وقال أبو حنيفة: الآدمي ينجس بالموت ولكنه يطهر بالغسل وقالت عائشة لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جاء أبو بكر من قبل رأسه فقبل جبهته ثلاثاً، ثم انحدر عليه فقبله، فقال في الأولى: وانبياه، وقال في الثانية: واصفياه، وقال في الثالثة: واخليلاه". مسألة: قال: وغير المسخن من الماء أحب إلي. وهذا كما قال. إذا كان الزمان صيفاً أو معتدلاً ولم يكن بالميت [276 ب / 3] حاجة إلى الماء المسخن، فغير المسخن أولى به وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: الماء المسخن أولى، لأنه ينقي ما لا ينقي البارد وهذا غلط: لأن الماء البارد يمسكه ويقويه ويشده والمسخن يرخي البدن فيسرع إليه الفساد، ولهذا يطرح في الماء الكافور ليشده ويبرده، فإن كان الزمان زمان برد شديد أو كان بالميت ما لا بد فيه من المسخن وكذلك إذا احتاج إلى تليين شيء من بدنه بالدهن لينه به ثم غسله بالماء، ثم قال: ("ويغتسل في قميص" وقد ذكرنا. ومن أصحابنا من قال: وجه الجمع بين هذا اللفظ وبين ما سبق من قوله، ويرح عليه ما يواري ما بين ركبتيه إلى سرته إن الميت بين موته إلى أن ينقل إلى مغتسله يكون متجرداً عن القميص، فإذا أضجعه الغاسل على مغتسله ألبسه القميص ولا ينبغي أن يكشف عورته في هذه الحالة، ولكن يسترها بإزار ويدفع عنه الثوب الذي سجي به جميع بدنه، ثم يلبسه القميص فوق إزاره، ثم ينتزع الإزار من تحت قميصه. ومن أصحابنا من قال: الغسل في [277 أ / 3] القميص للأشراف وذوي المروءات وهذا لا يصح، بل الصحيح أن الكل فيه سواء ثم قال: ولا يمس سائر بدنه أيضاً بيده إلا بخرقة لأنه إنما يمسه للغسل والتنظيف ومسه بالخرقة أنظف.

مسألة: قال: ويعد خرقتين نظيفتين كذلك. أي: يغسل عورته قبل غسله فيغسلها بإحداهما، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، وإنما استحب ذلك لأنه إذا كانت معه خرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج أن يصبر حتى تغسل ويأخذها فيطول ذلك، وإن فعل هذا بخرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج جاز وإن طال. فإذا تقرر هذا، قال أبو حامد: ظاهر ما قال في "الأم": إنه يستعمل كل واحدة منهما في جميع بدنه في الأعالي والأسافل، فيأخذ إحداهما ويبدأ بغسل وجهه ورقبته وصدره وبطنه وساقه وفخذيه وفرجيه، ويؤخر الفرج حتى إن تنجست لا يستعملها في موضع أخر تنجس بها، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، فيفعل مثل ذلك. وقال في "القديم": يغسل بإحداهما ما بين الإليتين والفخذين ثم يلقيها ويغسل بالأخرى جميع بدنه. قال أبو حامد: وليست المسألة على [277 ب / 3] قولين بل لا خلاف أنه يغسل بكل واحدة منهما جميع بدنه. والذي قال في "القديم": أراد غير هاتين الخرقتين، بل يعد أولا خرقة سواهما يغسل فرجه وما بين الإليتين ثم يلقيها ثم يستعمل الخرقتين الأخرتين في جميع البدن. وقال القاضي الطبري: هذا الذي قاله أبو حامد لا أعرفه للشافعي في شيء من كتبه والمنصوص في "الأم": أنه يضع إحدى الخرقتين على يده ويشدها، ثم يبدأ بسفليه فينقيهما، ثم يستنجي الحي ثم ينظف يده ويأخذ خرقة أخرى نقية يشدها على يده، ثم صب عليها وعلى الميت الماء، ثم أدخلها في فيه وبين شقيه ويمر على لسانه بالماء ولا يفغر فاه، ويدخل طرف إصبعه على منخريه بشيء من ماء فينقي شيئا إن كان هناك وهذا أصح. وهكذا ذكره أبو يعقوب الأبيوردي أيضاً، وما ذكره أبو حامد هو اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: الخرقتان هما للفرجين وسائر البدن لا يحتاج إلى الخرقة إذ لا نجاسة عليه، وهذا خلاف المنصوص، وقال بعض [278 أ / 3] أصحابنا: ولو غسل كل عضو بخرقة كان أولى. مسألة: قال: ويلقي الميت على ظهره، ثم يبدأ غاسله. الفصل وهذا كما قال. أراد أن يلقيه على ظهره على مغتسله في ابتداء غسله، ثم أول ما يفعل به الغاسل أن يجلسه إجلاساً رقيقاً ويمر يده على بطنه إمرارا بليغاً، وإنما يكون الإجلاس رقيقاً لئلا يخرج من جوفه شيء في تحريكه، وإجلاسه قبل صب الماء عليه فيتأذى برائحته وإنما يفعل هكذا لأن عادة الحي أنه يتغوط ويبول قبل الغسل. وقال القاسم بن محمد: توفي عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضاً شديداً وعصره عصراً شديداً، ثم غسله، ويكون إجلاسه كالمنحرف قليلاً على صورة المتكئ

فيسند الميت إلى رجله اليمنى ويمر يده اليسرى على بطنه، وإنما يحرفه ليخرج الخارج منه وإنما يصب عليه ماء كثيراً حتى يخفى لون الخارج منه ورائحته في كثرة الماء، ثم قال: وعلي يده الأخرى إحدى الخرقتين يعني: اللتين أعدهما لما ذكرنا فيغسل فرجيه من النجاسة وهو كاستنجاء الحي ثم يلقيها ثم يغسل يده بأشنان وغيره، ولو كان قد أصابها [ب / 278 - 3] شيء، ثم يأخذ الخرقة الأخرى فيشدها على يده ويدخل أصابعه بين شفتيه فيمسح الأسنان مسحاً بليغاً كالسواك للحي، ثم يدخل أصبعيه في منخريه وينظف ما هناك تنظيفاً بليغاً، فإذا فعل هذا فقد غسل ما به من الأذى، ثم يوضئه وضوءه للصلاة ولم ينص الشافعي على المضمضة والاستنشاق إلا أن إطلاق قوله: ويوضئه وضوءه للصلاة يدل على ذلك فهما مسنونان فيه. ومن أصحابنا من قال: قوله: يدخل أصابعه في فيه وأنفه هما إشارة إليها، ويفغر فاه فيقتصر على ما بين الشفتين والأسنان؛ لأنه لو صب الماء في فيه احتاج إلى تنكيسه لخروجه، وقال أبو حنيفة: لا يسن ذلك وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن غسل: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها"، ولأن ما يسن في غسل الحي يسن في غسل الميت كالتكرار، ثم إذا وضأه ابتدأ بالرأس فيغسله بماء وسار ثم وجهه ولحيته وقال النخعي: يبدأ بلحيته وهذا غلط لأنه إذا بدأ بغسل الرأس ثم باللحية لم يحتج إلى إعادة غسلها، ثم ينظر في اللحية، فإن كانت كثيفه ملبدة قال في "الأم": لا بأس أن يسرحها بأسنان مشط تكون منفرجة الأسنان لا ينتف [279 أ / 3] شعره، وإن كانت خفيفة أفاض الماء عليها كالحي سواء. وقال أبو حنيفة: لا يسرح أصلاً، لأنه يؤدي إلى نتف شعره، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعروسكم"، وأما ما ذكره لا يصح لأنه إذا رفق بالتسريح أمن ذلك، ولهذا يجوز للمحرم أن يسرح لحيته، ثم يبدأ بغسل بدنه فيبتدئ بغسل شقه الأيمن مما دون رأسه إلى أن يغسل قدميه ويحرفه حتى يغل ظهره كما يغسل بطنه، ثم يتحول إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك. ومن أصحابنا من قال: يضجعه على قفاه ثم يبدأ بميامنه فيغسله من صفحة عنقه وشق صدره وجيبه وفخذه وساقه ثم يعود إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك، فإذا فعل هذا صار ميامنه ومياسره مما يلي صدره وبطنه مغسولة مع صدره وبطنه، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويجعل الغاسل ساقي نفسه عماداً لصدره كي لا ينكب الميت على وجهه ولا يستلقي على ظهره فيغسل ظهره وقفاه وفخذه وساقه اليمنى وهو يراه متمكنا، ثم يلقيه على ظهره، ثم يحرفه على شقه الأيمن ويغسل مياسره من خلفه كما منع بميامنه [279 ب / 3] ويغسل ما تحت قدميه مستقصياً وما بين فخذيه بالخرقة، ثم يصب عليها الماء القراح وإذا حرفه وغسله هكذا يغسل ما تحته من المغتسل ليكون أنظف له وهذا

هو المذكور في جميع الكتب. وذكر القاضي الطبري: أنا لا نعرف هذا الترتيب عن الشافعي، ونصه في كتبه ما ذكرنا أولاً وهذا الغسل يكون بالماء والسدر، وقال الشافعي: إن كان هناك وسخ يحتاج إلى قلعه بأشنان استعمله، وقال أبو حنيفة: لا أعرف السدر وهذا غلط لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمن غسل ابنته "اغسليها بماء وسدر وابتدئي بميامنها"، وإذا صب عليه الماء القراح قال الشافعي: "يلقى فيه شيئاً من كافور"، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أعرف الكافور، وحكي عنه أنه قال: يغسل المرة الأولى بالماء القراح، ويغسل الثانية بماء وسدر، والثالثة بالماء القراح وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر أم عطية "واجعلي في الأجرة كافوراً أو شيئاً من كافور"، ثم للاحتساب إنما يقع بهذه الغسلة التي فيها الكافور وقيل ذلك بالماء والسدر تنظيف وقد تغير الماء به، لأن قليله [280 أ / 3] لا ينظف، وكثيره بغير الماء فلا يحتسب به، لأنه ليس بطهور وهذا هو المذهب المنصوص. وحكي عن أبي إسحاق: أن الغسلة الأولى هي التي يعتد بها دون الثانية، وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: لا تجزيه هذه الفسلة أصلاً وإن صب عليه الماء القراح لأنه إذا صب خالطه الدر الذي هو باق من الغسلة الأولى، فصار كالماء الذي خالطه السدر ذكره في "الشامل". وهذا ليس بشي، عندي فإن قيل: هلا قلتم الكافور إذا غير الماء أبطل تطهيره؟ قلنا: قال الشافعي: يغيره بالمجاروة لا بالمخالطة فلا يضر وأراد به اليسير الذي لا يخالطه ولا يمازجه، بل يتروح به الماء قليلاً، والمعنى في ذلك أنه أنقى للميت وأطيب له وأما قوله: وهو يراه متمكناً أراد الغاسل ينظر في غسل ظهره إليه نظر متمكن، أي نظر من يتمكن من غله ما يجب غله كما قال قبل ذلك: ويغضون أبصارهم عنه إلا فيما لا يمكن لغيره ليعرف الغاسل ما غسل وما بقي، وقيل: متمكناً يرجع إلى الميت وقال: ويستقصي ذلك وأراد غسل عورته، لأنه [280 ب / 3] موضع خروج الحدث منه. مسألة: قال: وأقل غسل الميت فيما أحب ثلاثاً. الفصل وهذا كما قال. الواجب: النية وغسله مرة واحدة كما في غسل الجنابة، والمستحب أكثر الأمرين من الثلاثة أو الإنقاء فإن أنقته الثلاث من الوسخ والدرن وإلا غسله خمساً أو سبعاً ويقف على الوتر وقال مالك: الاعتبار بالإنقاء، ولا معنى للعدد، وهذا غلط لما روي عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اغسلنها وتراً ثلاثاً

أو خمساَ أو أكثر من ذلك إن رأيتن، واغسلنها بماء وسدر واجعلن في الأجرة كافوراً أو شيئاً من كافور فإن فرغتن فأذنني"، فلما فرغن أذناه فألقى إلينا حقوه وقال: "اشعرنها به" قالت: وضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها. وبهذا قال أحمد وإسحاق والحقو: هو الإزار. وقوله: أشعرنها إياه: أراد اجعلنه شعاراً لها وهو الثوب الذي يلي جسدها، والضفر أصله الفتل. ولأنه لما استحب التكرار في غسل الجنابة استحب هاهنا، ثم قال: ويجعل في كل ماء قراح كافوراً، وإن لم يجعل إلا في [281 أ / 3] الأجرة أجزأه ذلك، وقد ذكرنا ذلك. مسألة: قال: ويتبع ما بين أظافره بعودٍ لا يجرح. وهكذا كما قال. قال بعض مشايخنا: هذا من عند المزني وهو حسن، ولم يوجد للشافعي ذلك وقيل: هذا ذكره الشافعي وزاد وقال الشافعي: ومن ظاهر أذنيه وصماخيه، وإنما قال هذا على القول الذي يقول: لا يقلم أظفاره فأما على القول الذي يقول: يقلم أظفاره لا يحتاج إلى هذا وإنما قال: بعود لا يجرح لقول عائشة رضي الله عنها: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي"، ويروى هذا مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأراد فيه الحرمة. قال أصحابنا: ولو شد على رأس الخلال قطناً ويتبعها به كان أولى، وإنما يؤمر بهذا للتنظيف ويكون ذلك قبل الغسل؛ لأنه من جملة إزالة الأذى فيفعله في الوقت الذي يفعل فيه السواك وغيره، فإن ترك ذلك في ذلك الوقت أتى به بعد ذلك والمزني أخل بالنقل حيث ذكره هاهنا. وكان من حقه أن يذكر قبل البداية بالغسل، ثم قال: وكلما صب عليه الماء [281 ب / 3] القراح بعد السدر حسبه غسلاً واحداً" وأراد أنه يستحب غله بعد الدر بالماء القراح ثلاثاً على ما ذكرنا، وقد ذكرنا في الغسلة بعد السدر وجهين، وظاهر كلام الشافعي يدل على أنه يحسب غسلاً، ومن قال بذلك الوجه البعيد تأول كلام الشافعي على أنه أراد إذا نظف السدر، ثم غسله بالماء القراح والسدر حتى يخرج من جوفه ما يريد أن يخرج، ومن الغسلة الأخيرة لا يمر يده على بطنه ولكنه يجلسه لينشفه، وقال بعض أصحابنا: في المرة الأولى يبالغ في ذلك وبعد ذلك برفق ولا يبالغ. مسألة: قال: ويقعده عند أخر غسلةٍ، فإذ خرج منه شيء أنقاه بالخرقة وأعاد عليه غسله" .. وهذا كما قال: اختلف أصحابنا فيما لو خرج شيء من دبره أو قبله على ثلاثة

أوجه: فمنهم من قال: لا يعاد الغسل واجباً بل يعاد مستحباً، والواجب أن ينقي المكان الذي خرج منه الخارج النجس، ولأنه خارج من الميت بعد سقوط فرض الغسل فلا تجب إعادة الغسل، كما لو أدرجه في الكفن، ثم خرج [ق 283 ب] وهذا هو القياس، وبه قال أبو حنيفة، والثوري وهو اختيار المزني وقرئ ههنا: وأعاد عليه غسله بفتح الغين لا بضمها فيكون غسل ذلك المكان. وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يقال: يجب الوضوء؟ لأنه خروج الحدث بعد الغسل كما في الحي يوجب الوضوء، وقال ابن أبي هريرة: يعاد الفسل واجباً ويقرأ بالضم، وأعاد عليه غسله، وهذا لأن الموت يوجب الغسل وليس فيه أكثر من زوال التكليف، ومثل هذا من الحي يوجب الوضوء، فكذلك خروج الحدث منه يوجب الغسل، وإن كان من الحي يوجب الوضوء، ولأن القصد أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة. وقال أحمد: يعاد غله إلى سبح مرات، ثم إذا فرغ من جميع ذلك، قال الشافعي في "الأم": "أعاد تليين مفاصله". وإنما قال ذلك لأنها قد لانت بالماء فتلين ليبقى لينه ويسهل على الدافن دفنه، فإنها إذا تركت هكذا جفت ويبست فيصعب دفنه كما قلنا في عقيب موته، وقيل: هذا غلط كما قيل فيما تقدم، وليس كذلك، لأن وجه هذا ظاهر، ثم قال: "ثم ينشفه في ثوب" أي [ق 284 أ] يمسح عنه البلل؛ لأن هذا عادة الحي ولئلا يتسارع الفساد إلى الكفن. وقال في كتاب الجنائز من "المختصر الصغير": وألصق بدنه بجنبيه وصف ما بين قدميه وألصق إحدى كعبيه بالأخرى وضم إحدى فخذيه إلى الأخرى ثم ينشف بعد ذلك. مسألة: قال: ومن أصحابنا من رأى حلق الشعر إذا طال. الفصل وهذا كما قال. الشعور ضربان: شعر يحلق تنظيفا، وشعر يحلق زينة، فالذي يحلق تنظيفاً هو ما يحلق فطرة من شعر العانة والإبط وفي معناه حف الشارب وتقليم الأظفار. قال في "القديم": وأكره إزالته منه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري، وهو اختيار المزني لأنه قطع جزء من يديه فيكره، كما لو كان أقلف لا يختن بالإجماع. وكذلك لو مات وعليه القطع في الرقة لا تقطع يد. وكذلك إذا وصل بعظمه عظم ميتة ومات لا يقطع بعد موته. وقال في "الجديد": لا بأس به، وبه قال الحسن وأحمد وهو الأصح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اصنعوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم [282 أ / 3] وروي أن سعد بن أبي وقاص

حلق عانة ميت ولأن القصد به التنظيف فأشبه الغسل، ولا خلاف أنه لا يستحب والقولان في أنه هل يكره أم لا يكره؟ وقال المزني: تركه أعجب إلي لأنه يصير إلى بلى عن قريب ويمكن أن يجاب عن هذا فإنه لما لم يكن هذا عذراً في ترك تنظيفه بالغسل وتطييبه وتحسين كفنه كذلك في حلق شعره فإذا قلنا: لا يكره، ففي شعر الإبط بالخيار إن شاء نتفه وإن شاء أزاله بالنورة. وأما شعر العانة لا يزال إلا بالنورة لئلا يشاهد العورة هكذا ذكره أصحابنا، وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في شعر العانة فقال: أحدنا نحكم أو بالموسى أو نورة فإن نورة غسل النورة ويقص الأظافير بالمقص، وأما شعر الشارب: يقص بالمقراض ولا يحلق بالموسى فإن حلقه مكروه في حق الحي والميت، وأما الشعر الذي يحلق زينة وهو شعر الرأس، فإن كان ذا جمة لم يحلق قولاً واحداً، وإن كان يحلق في حياته وقد طال في مرضه [282 ب / 3] هل يحلقه؟ قال أبو إسحاق: فيه قولان: وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي أنه يكره حلقه، لأنه لا يحلق فطرة، وإنما يحلق زينة أو نسكاً بقول واحد إنه لا يحلق وهذا أصح، وأراد الشافعي بحلق الشعر [...] هذا، وقال الأوزاعي: يحلق رأسه ويقلم أظفاره ويدفن ذلك معه. فرع هل تجب النية في غسل الميت؟ اختلف أصحابنا فيه. فمنهم من قال: يجب وهو الصحيح عندي، لأنه يستحق تعبد الله عز وجل كالغل من الحيض، ولأن الشافعي نص أنه يجب غسل الغريق ثانياً، وقد مر الماء عليه بعد موته فدل أنه أمر به لأنه لم يجز غسله لعدم النية. ومن أصحابنا من قال: لا يجب لأن الشافعي نص على أن الذمية إذا غسلت زوجها المسلم فإنه يكره وتجزيه ولا نية للذمية. وأما ما ذكر في الغريق ثلاثاً أمرنا بإيقاع فعل [...] فيه ولم يوجد ذلك في الغريق، وهذا ظاهر المذهب فإذا قلنا: إنها تجب نوى الغسل الواجب أو الفرض أو غسل الميت. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: في الكافر إذا غسل المسلم هل يجوز أم لا؟ فيه [283 أ / 3] وجهان. وقالوا أيضاً: إذا قلنا: لا تجب النية لورود ما على الميت عند الغرق لا يجب غسله ثانياً، ولكنه يستحب لأن الخطاب به على الأحياء فيظهر به الأمر، وهو غلط ظاهر لما ذكرنا من المعنى والنص. مسألة: قال: ولا يقرب المحرم طيباً في غسله ولا حنوطه.

الفصل وهذا كما قال: إذا مات المحرم لا يبطل إحرامه، وقال في "الأم": غسل بماء وسدر وكفن في ثيابه التي أحرم فيها أو غيرها ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يعقد عليه ثوب كما لا يعقد الحي المحرم، ولا يمس طيباً ويخمر وجهه ولا يخمر رأسه. وقال في موضع آخر: "ولا يطرح الكافور في ثيابه ويصلى عليه ويدفن" وبه قال عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، وهو مذهب عطاء والثوري وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يبطل إحرامه بالموت وهو كالميت الحلال وبه قالت عائشة وابن عمر رضي الله عنهما، واحتج الشافعي على أبي حنيفة بخبر الأعرابي وتمامه: أن اعرابياً كان واقفاً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات محرماً فوقصت به ناقته في أخافيق [283 ب / 3] جردان فاندقت عنقه فمات فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تخمروا وأسه ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" وروي ملبداً، أي محرماً على هيئة المحرمين، وقوله: وقصت به ناقته، أي: صرعته فدقت عنقه، وأصل الوقص: الدق والكسر. فرع المعتدة المحدة إذا ماتتء قال أبو إسحاق: لا يبطل حكمها كالإحرام سواء، وقال سائر أصحابنا: وهو الصحيح يبطل حكمها، والفرق أن المعتدة إنما منعت من الطيب والزينة لئلا تدعو نفسها إلى النكاح، وهذا معدوم بعد الموت، والمحرم منع من ذلك بحق الله تعالى تعبداً محضا فلا ينقطع بالموت. مسألة: قال: وأحب أن يكون بقرب الميت مجمرة. الفصل وهذا كما قال. المستحب أن يكون بالقرب من غسله بخور من عود أو عطر لا ينقطع حتى يفرغ من غسله؟ لأنه وبما يخرج منه شيء تظهر رائحته، وربما تضعف نفس الغاسل يشم ذلك فيدفعه البخور. وقال بعض أصحابنا: إنما ذكر في هذا الموضح ليعلم أن الميت، وإن كان محرماً فهو كغير المحرم في هذا، لأن [284 أ / 3] الشافعي قال في المحرم: له أن يجلس عند العطار فجوز أن يحمر بالعود بقربه للمعنى الذي ذكرنا. مسألة: قال: وان رأى من الميت شيئاً لا يتحدث به.

الفصل وهذا كما قال. يستحب للغاسل والذي يعاونه إذا رأوا من الميت خيراً أن يرفعوه ويتحدثوا به، كالنور والأحوال الحسنة، وان شاهد التغير والأحوال القبيحة أو رأى كأن به مكتمة في حياته يستره ولا يحدث به، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ستر على أخيه ستر الله عورته يوم القيامة ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله". وروى أبو رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة"، ولأنه وبما يرى عليه اسوداد الوجه لغلبة الدم، أو التواء العنق للتشنج الذي قد أصاب عصبة فلا يكون ذلك لشقاوة فإذا حدث الناس به فإنهم يظنون به ظن السوء. ومن أصحابنا من قال: لا يتحدث بما يراه خيراً أيضا، لأنه قد يكون عنده محاسن وعند غيره مساوئ، وهذا لا يصح [284 ب / 3] لأن في ذلك ثناء يبعث على ترك الدعاء له والترحم عليه. مسألة: قال: وأولاهم بغسلة أولاهم بالصلاة عليه. الفصل وهذا كما قال. حكم الغسل والدفن في هذا واحد. فإن كان الميت رجلاً كان أولى الناس بالصلاة عليه أولى الناس بغسله ودفنه، فيكون الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث، وهو مراد الشافعي هاهنا، لأن لفظه لفظ التذكر وهل تقدم زوجته على عصابته؟ فيه وجهان: أحدهما: تقدم، لأن لها النظر إلى ما لا ينظر العصبات إليه، وهو ما بين السرة والركبة قال هذا القائل. وأراد الشافعي إذا لم يكن هناك زوجة. والثاني: يقدم العصبات عليها، لأنهم أحق بالصلاة عليه فكذلك في الغسل، وهذا ظاهر المذهب. فإن كان الميت امرأة فلا يختلف المذهب أن النساء مقدمات على الأقرباء من الرجال لأن عورة المرأة مع المرأة أخف من عورتها مع الرجل، ولهذا أنه يجوز للمرأة أن تغسل المرأة الأجنبية. واختلف أصحابنا في الزوج هل هو مقدم في غسلها على النساء والأقرباء من [285 أ / 3] الرجال أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يقدم الزوج، لأنه أوسع في النظر إليها وهو الأقيس وقال: وهو اختيار القفال قال: وقصد الشافعي بما قال الرد على أبي حنيفة حيث قال: الوالي أولى

بالصلاة من الولي. والثاني: يقدم النساء والقرابات من الرجال عليه، وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي نص على أن نساء القرابة أولى بغسلها من الزوج، فإذا قلنا بهذا فإن ذوات المحارم من النسا، أولى من سائر القرابات والأجنبيات. وإن لم يكن محرماً لها، وان لم يكن هناك امرأة، فإن كان هناك عصبات من غير ذوي المحارم وذوي المحارم من غير العصبات مثل الخال وأب الأم فالمحارم أولى، والذين ليسوا بمحارم بمنزلة الأجانب. وعلى هذا لو ماتت المرأة وخلفت أبوين فالأب أولى بالصلاة والأم أولى بغسلها. وقال بعض أصحابنا: إذا كان مع الزوج قرابات رجالاً ونساء أسقط الرجال القرابات بالنساء، ثم يبقى النساء والزوج فأيهما تقدم فيه وجهان. فرع لو مات رجل وهناك نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة وهناك [285 ب / 3] رجال لا نساء معهن، ففيه وجهان: أحدهما: وبه قال أكثر أصحابنا لا يغسل، ولكنه يتيمم ويدفن وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأن في غله النظر إلى من ليس بمحرم، ولأن الغل تعذر لهذا، فأقيم التيمم مقامه كما في الحي. والثاني: يغسل في قميص ويلف على يده خرقة كي لا يمسها ويغض بصره، وبه قال النخعي. قال في "الحاوي": وهذا أصح وذكر أن الشافعي نص في الميت إذا كان رجلاً وليس هناك إلا نساء أجانب يغسلنه، ولا يجوز أن يتيمم، وكأذلك يجب غل المرأة أيضا إذا لم يكن هناك إلا الرجال وهذا غريب، وقد روى سنان بن عرفة، وكان صحابياً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يموت مع النساء والمرأة تموت مع الرجال ليس لواحد منهما محرم ييممان بالصعيد ولا يغسلان، وعن أحمد روايتان وقال الأوزاعي: يدفن من غير غسل ولا يتمم وهو قول بعض أصحابنا وليس بشيء؛ لأن الفسل أو بدله من التيمم ممكن على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: يلف على يده خرقة ويغسلها [286 أ / 3] ذكره بعض أهل خراسان وليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ الخنثى المشكل إذا مات، فإن كان له ذو رحم محرم من الرجال أو النساء جاز له غسله، وإن لم يكن ينبغي أن يكون فيه وجهان: كما ذكرنا في المرأة إذا لم يكن هناك محرم أو لا امرأة. أحدهما: يتمم، وبه قال أهل العراق والمزني؛ لأن الوجه واليدين ليسا بعورة في الرجال ولا في النساء فجاز لكلا الفريقين النظر إليه ولم يجز لهما النظر إلى جسده للاحتياط.

والثاني: يجب غسله وهو اختيار كثيرون من أصحابنا، فعلى هذا المستحب أن ينل في قميص ويكون موضع غسله مظلماً ويتولى غسله أوثق من يقدر عليه من الرجال والنساء، قال هذا القائل ولو جاز أن يمتنع هذا الإشكال لامتنع التيمم أيضاً، لأن ذراعي المرأة عورة ولأن الوجه والكف ليسا بعورة في جواز النظر، ولكنها عورة في المباشرة وتحرم مباشرتهما كسائر الجسد، فإذا تساويا فالغسل أولى. وقال بعض أصحابنا: يشتري له جارية من ماله، وإن لم يكن له مال فمن مال بيت المال فتغسله الجارية وقال [286 ب / 3]. الشيخ أبو زيد المروزي هذا خطأ؛ لأن الرجل لا تغسله جاريته إذا مات فكيف تغسله الجارية التي تشترى بعد موته؟، قال: وينبغي أن يقال: يغسله إما رجل أو امرأة أيهما كان، لأنه قد ثبت إن قبل البلوغ لو احتيج إلى غسله حياً أو ميتاً، فأي هذين غسله جاز، فيستحب ذلك الأصل، وإنما يؤخذ من أمر الخنثى المشكل باليقين، ولهذا لو مس أحد فرجيه فلا وضوء، وإن غطى وجهه أو رأسه في الإحرام فلا فدية عليه حتى يغطيهما معاً. مسألة: قال: ويغسل الرجل امرأته والمرأة زوجها. وهذا كما قال: لا خلاف أن المرأة تغل زوجها، لأن أسما، بنت عميس - رضي الله عنها - "غسلت زوجها أبا بكر رضي الله عنه لوصيته"، ولأن الزوجية باقية من التوارث والعدة فكان لها غسله، وروي عن أحمد أنها لا تغسله والرواية الصحيحة عنه خلافه، واحتج الشافعي على هذا بقول عائشة - رضي الله عنها - لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نساؤه": وإنما قالت ذلك لأنها ظنت أن أبا بكر الصديق هو الذي غسل رسول الله [287 أ / 3]- صلى الله عليه وسلم - فلما أخبرت أن علياً وغيره غسلاه ذكرت هذا متحسرة. وأما الزوجة إذا ماتت، هل يغسلها زوجها؟ وبه قال علي رضي الله عنه: وهو مذهب حماد وعطاء وجابر بن الشعثاء، ومالك وإسحاق وزفر وأحمد في أصح الروايتين. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز له أن يغسلها وهذا غلط لما روته عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً وأقول وارأساه فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه، ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك ولكفنتك وصليت عليك ودفنتك". وروي أن فاطمة _ رضي الله عنها _ ومسته أن تغسلها أسماء بنت عميس فكان علي ورضي الله عنه يصب الماء عليها". وقالت عائشة: توفيت فاطمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر فغسلها علي رضي الله عنه

ودفنها ليلاً". وقال جابر: الزوج أحق بغسل المرأة من أخيها، فإن قيل: أنكر عليه ابن مسعود فقال سمعت رسول الله في يقول: "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي". قلنا: هذا لم يذكره واحد من [287 ب / 3] أصحاب الحديث والدليل على عام صحته أن نكاحه ينقطع بموته لنكاح غيره، ولهذا تزوج عثمان رضي لله عنه ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة بعد واحدة، ثم بين الشافعي أن ما فضل به أبو حنيفة بينهما من أمر العدة لا معنى له، فقال: وليس للعدة معنى يحل لأحدهما فيها ما لا يحل له من صاحبه، يعني: كما قلنا في حال الحياة، ولأن المطلقة قبيل موته لا تغسله، وإن كانت في عدته. فرع لو ماتت المرأة وتزوج الرجل في الحال بأختها أو بأربع سواها، قال الإمام أبو عبد الله الحناطي رحمه الله: هل يغسلها؟ وجهان: والصحيح عندي أنه يغسلها لأنه حكم ثبت بالموت فلا يبطل بعده بنكاح آخر ولا معنى للوجهين، وقيل: إلى متى يغسلها زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى انقضاء العدة وبه قال أبو حنيفة. والثاني: إلى أن يتزوج، لأنها استباحت رجلاً أخر. والثالث: تزوجها إبداء لبقاء الميراث. فَرْعٌ آخرُ لو مات الرجل وامرأته حبلى فوضعت قبل دفن الزوج لها أن تغسله وإن انقضت العدة، ولو تزوجت بزوج [288 أ / 3] آخر، قال الإمام الحناطي في "المجرد": لا تغسل زوجها الأول وسائر أصحابنا قال: لها أن تغسله وهو الصحيح عندي لما ذكرته ولا يقال: أنه يؤدي إلى النظر إلى الزوجين؛ لأنها تنظر إلى أحدهما بالشفقة والصلة والى الآخر بالشهوة فلا بأس. فرع لو كانت مطلقة رجعية فماتت قبل المراجعة، روى المزني عن الشافعي في "الجامع الكبير": أنه لا يغسلها. ونقله القاضي أبو حامد إلى جامعه لأنه حرم وطئها قبل الموت والنظر إليها، وإنما يجوز غسلها إذا تمسك بزمام النكاح إلى أن فرق الموت بينهما. وقال بعض أصحابنا: يغسلها لبقاء الزوجية إلى الموت وليس بشيء وهكذا لو مات الزوج لا يجوز لزوجته الرجعية أن تغسله على ما ذكرنا. فَرْعٌ آخرُ لو كانت له امرأتان ثم مات فإنه يقرع بينهما فمن خرجت لها القرعة غسلته.

فَرْعٌ آخرُ لو ماتت الأمة القن فسيدها يغسلها خلافاً لأبي حنيفة، وهذا لأنه تلزمه مؤنتها بحكم الملك كالزوجة، ولو مات السيد فأمته لا تغسله لأنها صارت بموته ملكاً للغير، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [288 ب / 3] فيه وجهان وليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ لو ماتت الأمة في مدة الاستبراء فيه وجهان: أحدهما: لا يباح غلها لأنها محرمة للاستمتاع. والثاني: يباح بحق الملك. وإنما منعنا الاستمتاع صيانه لمائه حتى لا يختلط بماء، الغير، وليس في إباحة الغسل خوف الفساد. فَرْعٌ آخرُ لو ماتت أم الولد فسيدها يغسلها قولاً واحداً؛ لأنها ماتت في ملكه، ولو مات السيد هل لأم الولد غسله فيه وجهان: أحدهما: ليس لها ذلك، وبه قال أبو حنيفة لأنها عتقت بموته فصارت كالأجنبية. والثاني: تغسله كما تغسلها كالزوجة، وهذا البقاء حرمة الولاء بينهما. مسألة: قال: ويغسل المسلم قرابته من المشركين. الفصل وهذا كما قال. إذا كان للمشرك قرابة مسلمون ومشركون، فإن قرابته المشركين أولى بغسله، لأنهم استووا في القرابة وانفرد المشركون بالولاية والموالاة بالشرك، فإن رضوا بأن يغسله المسلم جاز، ولا يجب على المسلم غسله ولا يكره له ذلك. وقال مالك: يكره له ذلك. واحتج الشافعي على جواز غسله بخبر علي رضي الله عنه وتمام الخبر: أن أبا طالب لما مات جاء علي رضي الله عنه إلى [289 أ / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله مات عمك الشيخ الضال فقال: "اذهب فاغسله وادفنه ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني"، ففعل ثم رجع إليه، فقال: قد فعلت فقال: "اذهب فاغتسل". وأما الصلاة عليه فلا تحل بحال لقوله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} [التوبة: 84] الآية؟ ولأن القصد بالصلاة الترحم والاستغفار والقصد بالغسل التنظيف فافترقا، وأما الدفن فلا خلاف أنه يجوز لستر العورة ولئلا يتأذى به الناس. ولو ترك التكفين والدفن في الكفار جاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأصحاب بدر من الكفار حتى جروا إلى القليب بعد ثلاث وطرح عليهم التراب. فرع قال الشافعي: إذا ماتت امرأته النصرانية، فإن شاء الزوج المسلم غسلها وشهدها وأدخلها قبرها ولا يصلي عليها، وأكره له أن تغسله هي فإن غسلته جاز وقد ذكرنا هذا.

باب عدد الكفن وكيف الحنوط

فرع إذا مات في معدن وتعذر إخراجه لا يصلي عليه؛ لأنه تعذر غسله. فَرْعٌ آخرُ المحترق إذا خيف عليه التهري يترك غسله واقتصر على التيمم فيه، وقال الأوزاعي: [289 ب / 3] لا يجب التيمم أيضاً. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: الآدمي لا ينجس بالموت لو تفسخ ونتن، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تنجس لا لعينه، بل لحدوث التفسخ وظهور القيح والصديد ومنهم من قال: لا ينجس وهو كاللحم إذا نتن هل ينجس؟ وجهان. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: ينبغي أن يكون الغاسل أميناً لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا يغسل موتاكم إلا المأمونون". ولأنه إذا لم يكن أمينا لم يأمن أن لا يستوفي الغسل ويستر ما يرى من الجميل ويظهر ما يرى من القبيح. باب عدد الكفن وكيف الحنوط مسألة: قال: وأحب عدد الكفن إلى ثلاثة أثواب بيض رياطٍ. الفصل وهذا كما قال. الكلام في الكفن في خمس فصول: في القدر الواجب، والمستحب، والمباح، والمكروه، والصفة. فأما الواجب: فقد قال في "الأم": ما يستر به العورة يعني بين السرة والركبة، لأنه ليس بأكد حالاً من الحي، والواجب في الحي هذا القدر، ومنهم من قال: الواجب ثوب واحد يستر جميع بدنه لأن فيما دونه ما وتا بحقه، وأشار الشافعي إليه والصحيح الأول، ومن أصحابنا من قال: الواجب ثلاثة [290 أ / 3] أثواب، وهذا لأن أدنى كمال الثياب للحي ثلاثة: قميص، وسراويل، ولباس الرأس وهذا لا يصح وتأويله إذا تشاجرا في المستحب من الكفن لا في الواجب والمستحب هو للثلاثة. فإذا تقرر هذا بأن كان له ثوب يستر جميع بدنه ستره به، مران كان يستر بعضه ستر به رأسه وعورته، وجعل على رجليه التراب أو شيئاً من الإذخر والشجر، وإن كان لا يستر إلا العورة فقط ستروها وأجزأه، ويجعل على وأسه ورجليه ما ذكرنا، وهذا لما روي أن مصعب بن عمير رضي الله عنه قتل يوم أحد، وكانت له نمرة إذا غطى بها رأسه بدت قدماه، فإذا غطيت به رجلاه بدى رأسه،

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غطوا بها رأسه واجعلوا على قدمه شيئاً من الإذخر"، والنمرة: ضرب من الأكسية ذكوه الإمام أبو سليمان، وقال بعض أصحابنا: النمرة هي ثوب الحبرة، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كفن حمزة في نمرة في ثوب واحد"، وأما المستحب: فثلاثة أثواب: لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة، لأنها ثياب الليل عند النوم. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[290 ب / 3] كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة"، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة. والحولية: هي من ثياب اليمن منسوبة إلى سحول وهي مدينة بناحية اليمن يعمل فيها ثياب يقال لها: الحولية، وهذا بفتح السين والسحول بضم السين: هي الثياب البيض. وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كفن في ثلاثة أثواب ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه، وقالت عائشة رضي الله عنها: لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، فإن قيل: روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي مات بالوقص "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما" قلنا: يحتمل أنه لم يكن له ثالث فلهذا قال ذلك، فإن قيل: روى ابن المغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في قميص. قلنا: راوي خبرنا عائشة وهي أعرف بذلك وأقرب إليه، فإن قيل: روى مقسم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب ثوبان وحلة حمراء وقميصه الذي كان عليه. وروي أنه كفن في ثوبين وبرد حبرة. قلنا [291 أ / 3] روى القاسم بن محمد عن عائشة أنها قالت: "أدرج وسول الله - صلى الله عليه وسلم - في برد ثم أخذت عنه فعلمت عائشة في ذلك ما لم يعلموا"، وروي أنها قالت: "أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه". وقال مالك: تستحب العمامة رجلاً كان أو امرأة. واحتج بأن علياً رضي الله عنه كفن وعمم في كفنه، وهذا لا يصح، لأن تلك لم تكن عمامة بل كانت عصابة سد بها رأسه للضربة. وأما قول الشافعي: بيض رياط: جمع الريطة وهي الملاءة البيضاء التي ليست ملفقة من ثوبين. وأما المباح فخمسة أثواب. قال الشافعي: فإن كفن في خمسة أثواب فلا بأس به؛ لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه "كان يكفن أهله في خمسة أثواب". ولأن ذلك من كمال لباس الحي فإنه يلبس قميصاً وسراويلاً وعمامة ورداء، وقال في "الأم": فإن عمم وقمص جعلت العمامة والقميص دون الثياب والثياب فوقهما، وليس في ذلك ضيق إن شاء الله، والدليل على أن القميص لا يكره ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن عبد الله بن أبي ابن سلول في قميص نفسه، وقال: لا يعرف [291 ب / 3] ما بقي

عليه من سلك، فإن قيل كان عبد الله هذا منافقاً، فكيف فعل هذا به؟ قلنا: أراد به تألف ابنه وإكرامه، فإنه كان مسلماً برياً من النفاق، وروي أنه لما مات عبد الله أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات فأعطني قميصك ألقيه فيه، فندع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه فأعطاه إياه، وقيل: كان عبه الله بن أبي قد كسا العباس بن عبد المطلب قميصاً، وذلك أن الأنصار طلبت للعباس رضي الله عنه ثوباً يكسونه فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله فكساه إياه، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، وأما المكروه فما زاد على الخمسة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً"، ومثله عن علي رضي الله عنه ولأنه سرف وهو مكروه. وأما صفته: فيستحب أن يكون أبيضاً لما ذكرنا من الخبر، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم"، وروى ابن سمرة "البسوا الثياب البيض فإنها اطهر وأنقى وكفنوا فيها موتاكم" وفي لفظ: "أحب الثياب إلى الله تعالى البيض يلبسها أحياءكم ويكفن فيها موتاكم"، ويستحب أن تكون جدداً لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كفن في ثلاثة أثواب بيض جدد"، وقال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها. فرع يستحب أن تستجاد الثياب التي يكفن فيها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وروى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وقال سلام بن أبي مطيع: أراد به الوسط لا المربع. وقال أصحابنا: إن كان موسرأ فثلاثة أثواب جياد، وان كان متجملاً فثلاثة أثواب وسط، وإن كان فقيراً فثلاثة أثواب دون، وكل ما جاز للرجل أن يلبسه في حياته جاز أن يكفن فيه بعه موته، وكذلك المرأة. فإن قيل: فما تأويل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه لما حضره الموت دعا بثياب جاد فلبسها، ثم قال: سمعت [292 ب / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها"، قلنا: معنى الثياب هاهنا العمل، كنى بها عنه يريد به أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح، أو عمل شيء والعرب تقول: فلان طاهر الثياب ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك على هذا

المعنى، والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحشر الناس حفاة عراة"، وقيل: الحسن، فيجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: لا يستحب للرجل أن يعد كفنه في حياته لئلا يحاسب عليه، وعندي أنه يستحب ذلك ليعرف خلوه عن الشبهة. مسألة: قال: ويجمر بالعود حتى يعبق بها. وهذا كما قال: يبخر الكفن بالعود قبل أن يدرج فيه، لأن عادة الحي أنه إذا لبس ثيابا جدداً بنحوها، ولأنه وبما يظهر من الميت رائحة كريهة فتخفيها رائحة العود، فإذا ثبت هذا نجعل الأكفان على مشجب أوعود ثلاث خشبات أو قصبات رؤوسهن مثقوبة مشدودة بخيط ويلف عليها هذه الأثواب، ويوضع [293 أ / 3] المجمر تحتها حتى يعبق بها رائحته. وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثاً" ويكون البخور عوداً. قال في "القديم": يبخر بالعود غير المطري دائماً قال: هكذا لأنه ربما تطرى بالخمر، فإن كان مطرا وهو الذي عليه أخلاط العنبر والمسك فلا بأس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يتطيب بالمسك"، وقال: "المسك خير الطيب"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المسك فقال: "هو من أطيب طيبكم"، وبه قال أحمد وإسحاق، وقيل: إنما منع من المطري لأن المطري يكون من المسك والعنبر ولا يستحب ذلك، لأنه حار يحمى لحم الميت فيسرع إليه الفساد، ولأن ابن عمر رضي الله عنه كره المسك أن يستعمل في الميت، فاستحب الشافعي الخروج من الخلاف. مسألة: قال: ثم يبسط أحسنها. الفصل وهذا كما قال. السنة أن يبسط على الأرض أوسعها وأحسنها، ويذر عليه الحنوط ثم يبسط الذي عليه ويذر عليه الحنوط، ثم يحمل الميت مستوياً مسجى بثوب، فيوضع فوق الأثواب مستلقياً ويكون ما يفضل [293 ب / 3] من الأثواب من جانب الرجلين أقل مما يفصل منها من جانب رأسه، وهذا لأن عادة الحي أن يظهر أحسن الثياب، ويجعل الدون تحته وعادة الحي أن ما على رأسه يكون أكثر مما على رجليه وقيل: ظاهر ما نقله المزني يقتضي أن لا يذر الحنوط على الثالث؛ لأنه قال: يذر فيما بينهما،

وأصحابنا لا يختلقون أنه يذر عليه لأنه أولى بذلك فإنه يلي الميت وربما ظهرت من الميت نجاسة في حال تحريكه فهو غلط. وقيل: قوى، ويذر فيما بينها وقرى فيما بينها فعلى القراءة الأولى الآن على ما ذكرنا وعلى القراءة الثانية أراد إذا قل الحنوط يذر فيما بينهما يعني الميت والريطة التي تليه. مسألة: قال: ثم يأخذ شيئاً من قطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط. الفصل وهذا كما قال: إذا تركه على الكفن مستلقياً مستوراً، فأول ما يصنع به أن يأخذ شيئاً من القطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط والكافور، ثم يدخله بين إليتيه إدخالاً بليغاً ويكره أن يكثر من ذلك القطن ليرد شيئاً إن جاء منه عند تحريكه ويشد عليه، أي: فوق ذلك خرقة مشقوقة [294 أ / 3] الطرفين تأخذ إليتيه وعانته، ثم يشد عليه، ثم يشد التبان الواسع والتبان مثل السراويل له حزة وليس له بايكه، أو يقول: ليس له كمان، وقيل: يشد عليه بالخيط ولا يحتاج إلى شق طرفيها. قال المزني: لا أحب ما قال من إبلاغ الحشو لأن في ذلك قبحاً يتناول به حرمته، ولكن يجعل كالنورة من القطن ما بين إليتيه وشفره قطن تحتها تضم إلى إليتيه، ويكون الشداد فوق ذلك كالتبان يشد عليه فهذا أحسن في كرامته عن انتهاك حرمته، قال أصحابنا: لم يرد الشافعي بهذا إلا بلاغ ما توهمه المزني من مجازة المثوبة ولكن أراد المبالغة في إلصاقه بذلك الموضع كما فسره واختاره فغلط في هذا الوهم ولا نعرف هذا الذي ذكره الشافعي، وما زاد على مراد الشافعي إلا سفرة قطن ونحن لا ننكر هذه الزيادة لو فعل، والدليل على أن مراده هذا لا يتوهم أنه قال: ليرد شيئاً إن خرج منه فلو كان إبلاغاً في الحشو لقال: ليمنع أن يخرج منه شيء، وقد بين في "الأم" فقال: إدخالا بليغاً يبلغ به [294 ب / 3] الحلقة. وقال فيه أيضا: فإن خيف أن يخرج منه شيء لعلة كانت به أو حدث حادث منه أو كان مبطوناً أدخلوا بينه وبين كفنه لبداً ثم شدوه عليه، أو ثوباً صفيقا أقرب الثياب باللبد شبها وشدوه عليه خياطة، فإن تركوا ذلك تركوا الاحتياط، وأرجو أن تجزيهم. وقال بعض أصحابنا بخراسان: ليس كما قال أصحابنا، لأنه نص وصرح بإبلاغ الحشو وهذا وإن كان عند المزني مستقبحاً فإن المصلحة بأجمعها فيه؛ لأن القطنة بين الإليتين إذا لم يكن في إدخالها إبلاغ لم تكن دافعة للخارج، فربما يخرج خارج فيجب استئناف غسله وربما يتسارع التغيير إلى جثته، وحكي عن المزني أنه قال: يشق طرفيها وتشد في وسطه، وهذا لا يحتاج إليه في الميت، وإنما ذكره الشافعي في المستحاضة؛ لأنها تمشي وتتصرف في حوائجها فتحتاج إلى ذلك لئلا يبخل بخلاف الميت. مسألة: قال: ثم يأخذ قطناً فيضع عليه الحنوط والكافور فيضعه على فيه ومنخريه وعينيه وأذنيه.

وأراد به لينشف الرطوبة الخارجة من هذه المنافذ، ولأتته الهوام بسرعة، ثم قال: وموضع سجوده [295 أ / 3]، يعني: يؤخذ القطن ويجعل عليه الكافور والحنوط ويترك على مساجده من الجبهة والأنف والكفين والركبتين والقدمين؛ لأن هذه مواضع شريفة شرفت بالجود وهكذا ذكره أصحابنا. وقال القفال: لم يرد أنه يضع القطن على أعضاء السجود كما يضع على المنافذ، بل أراد الحنوط والكافور فقط، وهذا هو أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى. قال الشافعي: وإن ذر على جميع بدنه الحنوط كان أولى، لأن الحنوط تصلب بدنه وتشده، وإن كانت به جراحة نافذة وضع عليها الحنوط والكافور عليه، فقال: ويحنط رأسه ولحيته بالكافور، لأن هذا عادة العي وعلى مساجده وأراد مواضع سجوده على ما ذكرنا. وقال في البويطي: ولا بأس أن يحنط بالمسك والعنبر، وهذا يدل على أن الكافور أولى ويجوز غيره، ولا يستحب، وبه قال علي رضي الله عنه والفقهاء أجمع، وقال مجاهد وعطاء: يكره المسك في الحنوط، وهذا غلط لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: اجعلوا في حنوطي المسك فإنه بقية حنوط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي [295 ب / 3] أنه لما مات سعيد بن زيد قالت أمه لعبد الله بن عمر: أحنطه بالمسك؟، فقال: وأي طيب أطيب من المسك. وقد قال بعض أصحابنا: يستحب المسك لهذا الخبر، ثم بين كيف يلف في أكفانه فقال: ويوضع الميت في الكفن بالموضع الذي يبقى من عنه رجليه منه أقل مما يبقى من عند رأسه فما عند رأسه يستحب أن يجمع جمع العمامة ويجعل على وجهه، ثم في القبر يجعل تحت رأسه وما عند رجليه يعطف على قدميه إلى حيث بلغ، وإنما استحب أن يبقى من الكفن من عند رأسه أكثر مما عند رجليه، لأن الحي يكثر الثياب على رأسه من العمامة والبرنس وغير ذلك، ثم بين بأي جانب من الكفن يبدأ عند اللف عليه، فقال: ثم يثني عليه صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن ثم يثني صنفة الثوب الآخر على شقه الأيسر كما يشمل الحي بالساج، وأراد شيئاً أق ل ما يلي شقه الأيسر على شقه الأيمن، ثم ما يلي شقه الأيمن على شقه الأيسر، فيبدأ من الجانب الأيسر وهو المنصوص في "الأم"، ثم أوضح ذلك بقوله كما يشمل الحي بالساج والحي يشمل بالساج على ما فسرناه ويكون على جانبه الأيسر [296 أ / 3] هو الظاهر، والساج: هو الطيلسان. وقال في "الأم": يبدأ من الجانب الأيمن فيثني على الأيسر ثم من الأيسر على الأيمن فيكون ما على جانبه الأيمن هو الظاهر وهو اشتمال الحي الساج، ومن أصحابنا من قال في المسألة قولان، ومنهم من قال قول واحد إنه يبدأ من الجانب

الأيسر: لأن الجانب الأيسر من الطيلسان تحت الذي بدأه من الجانب الأيمن، ومنهم من قال: يبدأ من الجانب الأيمن، وفي رواية المزني إضمار وهو أنه أراد: ثم يئني صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر أي الجانب الذي هو شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر والجانب الذي على الشق الأيسر على الشق الأيمن. فحينئذ هو عين ما قاله في "الأم"، ثم يضع بكل لفافة مثل ذلك، ثم يجعل ما فضل عند رأسه ورجليه على ما ذكرنا، فمان خافوا انتشار الأكفان عقدوها عليه، ثم إذا أدخلوه القبر حلوها يعني العقد لئلا يكون معه في القبر شيء معقود فإنه يكره ذلك ولهذا يستحب أن لا يكون معه مخيط: ولأن العقد إنما كانت لخوف الانتشار والستر للميت وقد أمن ذلك عند [296 ب / 3] إدخاله القبر. فرع قال في "الأم": لو مات ميت في السفينة في البحر منع به ما ذكرنا، فإن قدروا على دفنه في الساحل لقربهم منه دفنوه، وإلا أحببت أن يجعلوه بين لوحين ويربطوهما به فيحملاه إلى أن يلقيه البحر بالساحل فلعل المسلمين يجدونه فيواروه، وهو أحب إلي من طرحه في البحر للحيتان يأكلوه، فإن لم يفعلوا وألقوه في البحر رجوت أن يسعهم، وقال أيضاً: لم يأثموا إن شاء الله، وإنما قال ذلك لأنه إذا شده بين لوحين منعه ذلك من الانتفاخ وألقاه البحر بالساحل، قال المزني: إنما قال الشافعي هذا إذا كان الذين على سواحل البحر مسلمين، فأما إذا كانوا مشركين فإنه يثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار لئلا يأخذه المشركون فيدفنوه إلى غير قبلة المسلمين. وقال بعض أصحابنا: لا بأس بما قاله المزني، وقال القاضي الطبري: هذا لا أعرفه للمزني وطلبته في "الجامع الكبير" فوجدت المسألة على ما ذكره الشافعي دون هذه الزيادة ولعله ذكرها في موضع أخر، ومن أصحابنا من قال: هذا هو قول عطاء وأحمد أنه يثقل ويطرح في البحر بكل حال إذا لم يمكنهم دفنه، وينتهي [197 أ / 3] الموتى في هذا، لأن ما من بحر إلا وفي ساحل من سواحله مسلمون، وما قالوه غلط لما ذكرنا أنه ربما يلقيه البحر فيدفنوه إلى القلة. فرع قال الشافعي: ولا أرى أن يصبوا الذواق في أذنه وأنفه ومنخريه. وأراد به الزئبق، ولا أن يضعوا المرتك على مفاصله وذلك شيء يفعله الأعاجم ويريدون به إبقاء الميت، ولا أحب شيئاً من هذا، بل يمنع به ما يصنع بأهل الإسلام وهو الغسل والكفن والحنوط والدفن، فإنه صائر إلى الله تعالى والكرامة له برحمة الله وعمله الصالح.

فرع قال: ولا أحب أن يجعل الميت في صندوق من خشب وهو التابوت عندنا. وبلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شيئاً كأنه الصندوق، فقال: لا بل اصنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصبوا علي اللبن نصباً وأهيلوا علي التراب. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": وأكره أن يتبع الجنازة بنار بين يديه المجامر للبخور بين يديها إلى القبر على ما هو العادة اليوم ولا يصاح خلفها لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار"، ولان فيه قال: [197 ب / 3] السوء فيكره. وروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن معقل ومعقل بن يسار وعائشة وأبو سعيا الخدري رضي الله عنه أنهم أوصوا أن لا يفعل ذلك. مسألة: قال: وأضجعوه على جنبه الأيمن. وهذا كما قال. ذكر المزني الإضجاع قبل أن يبين كيفية حفر القبر وكيفية الصلاة عليه. وأما الصلاة عليه: فلها باب منفرد. وأما حفر القبر: فإنا نتكلم عليه نعود إلى مسألة الكتاب وجملة ذلك أنه يستحب تعميق القبور. قال الشافعي: قدر بطة، والبطة: الباع وهي قامة وقدر ذلك أربعة أذرع ونصف وذلك قامة وبسطة، والدليل عليه: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "احفروا وأوسعوا وعمقوا". وقال عمر رضي الله عنه "عمقوا قبري قامة وبسطة"، ولأنه إذا كان كذلك كان أقدر أن لا تناله السباع، وهو أبعد على من ينبشه، وأقطع لرائحته، وأي قدر أعمق ووارى جاز، ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للحافر: "أوسع من قبل رجليه وأوسع من قبل رأسه"، ثم قال في "الأم": فإن [298 أ / 3] كانت الأرض صلبة شديدة فالسنة اللحد وصورته: أنه إذا انتهى إلى أرض القبر حفر مما يلي قبلة القبر لحد وهو معروف وهو أن يكون الحفر على صفة يحصل الميت تحت قبلة القبر، قال: ثم نصب على اللحد اللبن نصباً، ويتبع

مزج اللبن بكبار اللبن والطين، ثم أهيل التراب عليه، وإن كانت الأرض رخوة رقيقة، فالسنة الشق، وهو أن يبني من جانبي القبر بلبن أو مخر أو خشب، ويترك وسط القبر كالحوض في صورة التابوت ويرفع في بنائه حتى إذا سقف فوق الميت لم يباشر السقف الميت، فإذا جعل الميت فيه سقف عليه وروعي الخلل إن كان فيه، ويطين المكان بطين، قال: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الإذخر ويضعون عليه التراب، وفي بلدنا بطبرستان ويضعون على السقف الإذخر، ويضعون عليه التراب أو الطين، ثم يهيلون التراب وهكذا يستحب عند علمائنا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: الشق أولى من اللحد. وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا". وروى "والشق ليس لنا"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات بعثوا إلى رجل يلحد والى رجل يشق، وقالوا: اللهم اختر لنبيك فسبق أبو طلحة اللحد فلحد له"، وقال عمر رضي الله عنه: "إذا جعلتموني في اللحد فاقصوا لحدي إلى الأرض"، وحكي عن مالك أنه قال: لا حد في لحد القبر فيحضر بقدر ما يغيب عن الناس. وقال عمر بن عبا العزيز: يحفر إلى السرة، وهذا غلط لما روينا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. فإذا تقرر هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، وجملة ذلك أن الميت على جنبه الأيمن يريد إلى حيث يكون وجهه إلى القبلة، فيكون رأسه نحو المغرب إن كان بالمدينة أو بتلك البلاد، هكذا فعل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه" ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة أو حجر كما توسد الحي إذا نام، ثم قال: وأسندوه لئلا يستلقي على ظهره، وأدنوه إلى اللحد من مقدمه لئلا ينكب على وجهه، يريد أنه يوضع منحنياً مقوساً كالدالع لئلا ينكب ولا يستلقى ويجعل خلفه لبنة. وقال بعض أصحابنا: ويفضي بخده إلى التراب كما وصى [299 أ / 3] عمر رضي الله عنه. وقال أبو موسى الأشعري: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً"، وقال أبو يعقوب: نص الشافعي أنه لا يكون بينه وبين الأرض إلا الكفن، ولعل ذلك القائل أواد فخذه مع الكفن. قال الشافعي: ويكره أن يجعل تحته مضربه وتحت رأسه بمخدة: لأن ذلك لم ينقل عن السلف، ولأن ذلك للتنعم ويربو به جسد الميت، ثم بين الشافعي كيف يسد بعد ذلك باب اللحد فقال: وينصب اللبن على اللحد، أي: يوضع اللبنات منصوبة على باب اللحد، ثم قال: ويسد فرج اللبن بإذخر أو حشيش أو بكسار اللبن لئلا يصيبه التواب، قال: ثم يهال عليه التراب. ثم بين سنة الإهالة فقال،

والإهالة: هي أن يطرح من على شفير القبر التراب بيديه جميعاً، ثم يهال بالمساحي. وأراد أنه يستحب لمن على شفير القبر أن يبرك بالإهالة بيديه ثلاثا، هكذا جاء عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، حتى روينا عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما نفضنا أيدينا من تراب قبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استنكرنا قلوبنا. وإنما أمر بأن يطرح التراب أولا قليلا قليلاً برفق حتى لا يزال إلى الميت، ثم قال: ولا أحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه [299 ب / 3] وفي نسخة أن يرد ومعناهما متقارب وهو ما أشار إليه لئلا يرتفع جداً فيضيق على الناس ولأنه يقال: إن الملائكة يأخذون تراب القبر فإذا زيد فيه غير ترابه يبقى تراب كثير يظن الظان أن الملائكة لم يأخذوا من ترابه فيسئ الظن به. قال في "الأم": فإذا زادوا على ذلك فلا بأس، وأراد كراهة فيه وإن كان الأولى أن لا يزاد على ترابه، ثم بين كم يستحب أن يشخص عن وجه الأرض، فقال: ويشخص عن وجه الأرض قدر شبر ليعرف أنه قبر إلا أن يكون في داو الحرب فيخفيه بحيث لا يظهر مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروجهم بسوء، ويرش عليه الماء، لما روى جابر أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - "رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه من حصباء العرصة"، فيستحب وضع الحصباء الصغار وإنما يفعل هذا لتلتزق الحصباء بالتراب، وتختلط رطوبته فيبقى أثر القبر عليه ويوضح عند رأسه علامة من صخرة منقوشة أو حشيشة حتى لا يشكل، لما روي أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه لما مات ودفن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع فقام [300 أ / 3] إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسر عن ذراعيه، ثم حملها ووضعها عند رأسه، ثم قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي". وقال الشافعي في موضع: أكره أن يرفع إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه، وروي أن علياً رضي الله عنه قال لأبي الهياح الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته. وقيل: لم يرد به التسوية مع الأرض بل أراد أن يسطحه، وقال جابر: ألحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصب عليه اللبن نصباً ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. وهذا نص فإن قيل: أليس، قال جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذي ألحد قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران، وقال شقران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر، وقال ابن عباس: جعل في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطيفة حمراء، قلنا: لم يكن هذا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بمشورة الصحابة ويحتمل تخصصه به. فرع قال في "الأم": وإن مات ميت [300 ب / 3] بمكة أو المدينة أحببت أن يدفن في

مقابرهما، وكذلك إذ مات بلد قد ذكر في مقبرته خيراً أحببت أن يدفن فيها فإن كان ببلد لم يذكر فيها أحب أن يدفن في المقابر لحرمة المقابر والداعي لها وأنه مع الجماعة وأشبه أن لا يتغوط ولا يبال على قبره ولا ينبش وحيث ما دفن الميت فحسن إذ شاء الله. قال: واختار أن يكون الدفن في الجبان والصحراء لا في البيوت والمساكن؛ لأنه أقرب إلى رحمة الله تعالى لكثرة الداعي له إذا درس قبره. فإذ قيل: أليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دفن في حجرة عائشة؟ فكيف استحب الشافعي الدفن في المقابر. وقلنا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدفن أصحابه في المقابر، وفعله أولى من فعل غيره، وأنهم رأوا ذلك تخصيصاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صيانة له عن رحمة الناس والابتذال وفي غير لا يوجد هذا المعنى. قلت: وقالت عائشة لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر الصديق: سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ما نسيته بعد قال: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يدفن فيه" ادفنوه [301 أ / 3] في موضع فراشه. رواه أبو عيسى الترمذي. ورأيت خبراً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الميت ليتأذى بجار السوء". فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي في القراءة عد القبر: رأيت من أوصى بذلك وهو عندنا حسن والرحمة تنزل عند ختمة القرآن. قال أصحابنا: ويختار لمن حضر دفنه أن يقرأ سورة "يس" ويدعو له ويترحم عليه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يدفنون ميتاً فقال: "ترحموا عليه فالآن حين يسأل". فَرْعٌ آخرُ يستحب أن يجمع بين قبور ذوي القرابات، والأصل في بقعة واحدة ليكون أسهل للزيارة والتعهد، ويكون الأب إلى القبلة أقرب، ثم الأسن فالأسن أبداً وكيف ما دفنوا جاز في خبر عثمان بن مظعون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" وقيل: إن ترتيب قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه رضي الله عنه أن رأس أبي بكر بين كتفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأس عمر بين كتفي أبي بكر ليكون كل واحد منهما دون مرتبة صاحبه، قلت: وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[301 ب / 3]، "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد".

فَرْعٌ آخرُ قال: ولا أحب إذا مات في بلد أن ينقل إلى غيره، اللهم إلا أن يكون بالقرب من مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قبر بالمدينة كنت عليه شاهداً وله شافعاً، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، ونقل الميت إلى بلد آخر حرام ولو أوصى به لا تصح الوصية. فَرْعٌ آخرُ لو استعار موقعاً للدفن جاز، وللمعير أن يرجع في ذلك ما لم يدفن الميت، فإذا دفن لزمت العارية للعارة في ذلك، كما لو أعار للغراس فإنه لا يقلع، فإذا هلك الميت وصار رفاتً تصرف المعير في البقعة كيف شاء، فالزرع والحفر والبناء نص عليه ذكره القاضي الطبري وغيره، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا مضى علي حول فازرعوا الموضع. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ويفرد كل ميت بقبر هذا من السنة في حال الاختيار، فإن اتفقت حاجة أو ضرورة مثل إن كثرت الموتى. وقل [302 أ / 3] من يدفنهم جاز أن يدفن الواحد والثلاثة في قبر واحد، ولكنه يحفر القبر على قدر عددهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد لأصحابه: "احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآناً"، فإذا دفنوهم جعلوا أفضلهم يلي القبلة، ثم الذي يليه ثم الذي يليه أبداً، ويجعل بين كل رجلين حاجز من تراب. فَرْعٌ آخرُ قال: وأحب أن لا يدفن الرجل مع المرأة بحال، فإن دعت الحاجة واجتمع رجال ونساء وصبيان وخناثى كانوا في القبر على ترتيبهم في الصلاة، فالرجال يكون القبلة ثم الصبيان يلونهم، ثم الخناثى، ثم النساء آخرهم ويجعل بينهم حاجز من تراب ثم تقدم الأم، على البنت، والأب على الابن، ولا تقدم الأم على الابن. فَرْعٌ آخرُ لو ماتت له امرأتان أقرع بينهما أيتهما تقدم ذكره في "الجامع الكبير"، وقال صاحب "التقريب": فإن كانت امرأتان لا زوج لهما تقدم أفضلهما ولا يقرع بينهما.

فَرْعٌ آخرُ لو كانت الأرض من خلقه الأصل مباحة لم يدفن فيها بعد فإنه يدفن فيها كيف شاء، ولو كانت مقبرة مسبلة للدفن فيها، وإن تشاح [302 ب / 3] اثنان في الدفن في موضع منها كان السابق أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مناخ من سبق"، وإن بادر إلى المكان اثنان معاً فتشاحا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته دفن قبل الأخر. فَرْعٌ آخرُ قال: إن كان المكان مما قد تكرر فيه الدفن لم يحفر إلا في مكان يعلم في العادة أن الميت قد هلك وصار رميماً، وهذا يختلف باختلاف البلد إن قرب بلد يهلك فيه الميت سريعاً، ورب بلد يبقى فيه الميت كثيراً لحرارة البلد وبرده، وإذا هلك الميت لا يجوز أن يبني على قبره صورة القبر الجديد، بل يتركه حتى يدفن فيه غيره. فَرْعٌ آخرُ إذا حفر الموضع فإذا كان الميت قد هلك وصار رفاتاً دفن في مكان غيره وإن كان قد بقي منه أو من عظامه شيء، قال في "القديم" و "الجديد": أعيدت في القبر قال أصحابنا: ويرد التراب عليها كما كانت، ولا يدفن الميت معه بل يحفر له غير ذلك القبر لا حاجة بنا إلى ذلك، ويخالف هذا دفن اثنين في قبر واحد على ما ذكرنا؛ لأنه لحاجة وإن دعت الحاجة هنا أيضاً يدفن مع العظام في ذلك المكان، وهذا [303 أ / 3] لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي". فَرْعٌ آخرُ لو فرغ من القبر، ثم ظهر فيه شيء من العظام لم يضيق أن يجعل في جانب اللحد ويدفن الثاني فيه. فَرْعٌ آخرُ لو دفن في ملك غيره بغير أمره فهو غصب، قال الشافعي: وأكره أن ينقله لأنه يهتك حرمته، فإن نقله جاز. ولو غصب كفناً وكفن به ميتاً ودفن. قال أبو حامد: لم يخرج وعلى الغاصب قيمته. والفرق أن حرمة الأرض أوكد، لأن الانتفاع بها مؤيد بخلاف الثوب، ولأن الكفن ربما يتعين على صاحبه تكفين الميت به، وفي انتزاعه هنا هتك حرمته بخلاف الأرض المملوكة لأنها لا تتعين قط لوجود المباح، ولا يكون في نقله هتك حرمته، ولأن الحاجة من التكفين تبيح غصب الثوب ولا تبيح غصب الأرض. وقال صاحب "الحاوي": ويحتمل غير هذا القول ويمكن قلب الفروق بما هو

أولى منه أنا وأنت. عن بعض أصحابنا أنه قال: إن لم يستهلك ينبش ويذع ويرد إلى صاحبه وهذا أقيس. فَرْعٌ آخرُ قال: لو اتفقت الورثة أن يدفنوا الميت في بعض ملك الميت جاز ذلك وإن تشاحوا فقال بعضهم [303 ب/3] يدفن في المقبرة، وقال بعضهم: يدفن في ملكه فإنه يدفن في المقبرة يعني المسلة، فإنذ بادر واحد منهم فدفنه في الملك المشترك فقد تعدى وأثم، وكرهنا للباقين نقله عن الملك ويقر في مكانه حتى إذا هلك عاد الملك إلى تصرفهم على الإطلاق، وليس هذا كالغراس في ملك الغير، حيث قلنا له: إن يأمر الغاصب بنقله ولا يكره ذلك له لأنه لا حرمة للغراس ولا لمالكه وهاهنا للميت حرمة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو اختلفوا في الكفن، فقال بعضهم: أكفنه من مال نفسي، وقال: لا بل من تركة الميت كفن من التركة؛ لأن في ذلك منة فلا يجبر سائر الورثة على تحملها، وتخالف المقبرة المسلة، لأنه لا منة فيها فتقدم قول من قال: يدفنه في المقبرة، وعلى هذا ينبغي أن يقال: إذا قال أحدهم: أنا أدفنه في شيء لا يلزمهم قبوله للمنة، فإن بادر دفنه في ملك نفسه أو كفنه من ماله، ثم دفنه لم يذكره الشافعي ولا أصحابه المتقدمون. وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا ينقل ولا يبدل، كفنه لأنه ليس في تنقيته إسقاط حق أحدهم وفي نقله هتك حرمته. فَرْعٌ آخرُ لو دفنوه في ملكه [304 أ/3] بالاتفاق لا يجوز تحويله ولا التصرف فيه حتى يهلك الميت، سواء كان الملك ورثوه عن هذا الميت أو عن غيره، فإن أراد كلهم أو بعضهم نقله لم يجز ذلك، ولا يحل نقل الميت عن مكانه إذا كان الدفن يحق أبداً. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": وأكره الوطأ على القبر والجلوس عليه والاتكاء إليه فإذ لم يمكنه أن يصل إلى قبر له إلا بالوطء على القبر رجوت أن لا يأثم. قال أصحابنا لزيارة أو لغيرها وروى الشافعي بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً على قبر فقال: "انزل عن القبور"، وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يجلس على القبور وأن يصلى إليها"، وروي عن عمارة بن حزم الأنصاري أنه قال: "رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً جالساً على قبر، فقال: انزل لا تؤذي صاحب القبر"، وروي أيضاً بإسناد عن أبي هريرة أنه قال: "لأن أجلس على جمرة ليحرق ردائي، ثم تفضي إلى جلدي أحب إلي

من أن أجلس على قبر امرئ مسلم"، وروى أصحابنا عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأن يجلس على جمرة فتحترق ثيابه حتى تخلص [304 ب/3] إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر"، وقال مالك: إن جلس على القبر للبول أو الغائط يكره وإلا فلا يكره، وهذا غلط لما ذكرنا، ويكره عن أحمد أنه يكره دخول المقابر بالنعال ولا يكره بالخفاف والشمشكات. فَرْعٌ آخرُ قال: يكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة على البايت. فَرْعٌ آخرُ قال: يكره أن يسوى القبر مسجداً فيصلى فوقه أو يبنى عنده مسجداً، فيصلى فيه إلى القبر، فإن فعل أجزأه وقد أساء، وهذا لأن القبر هو مستودع الموتى وغير هذا الموضع أنظف، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلي على قبر ولا إلى قبر"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد"، وقال أيضاً: "لا تتخذوا قبري وثناً يعبد فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قال الشافعي: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. مسألة: قال: وإذا فرغ من القبر فقد أكمل وينصرف من شاء. وهذا كما قال. جملة هذا أن الانصراف هو على أربع مراتب: أفضلها أن يقف حتى يفرغ من الدفن والقبر [305 أ/3] ويستغفر الله تعالى ويدعو له بالرحمة والتثبيت، ويجوز بهذا جميع الثواب المتعلق بها، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا دفن ميتاً وقف، وقال: استغفروا الله له وسلوا الله له التثبيت فإنه يسأل الآن". رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال بعض أصحابنا: يستحب تلقين الميت بعد مواراته بالتراب، لأن الخبر ورد بسؤال منكر ونكير. وروي أنه لما دفن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"قل الله ربي ورسوله أبي، والإسلام ديني"، فقيل له: يا رسول الله أنت تلقنه، فمن يلقننا؟ فأنزل الله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم:27] الآية. والمستحب في التكفين أن يقول من يتولى التكفين أن يقول: يا فلان ابن أمة الله أو يا فلان ابن حوا اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً، وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً، قال: وبلغني عن بعض من مضى أن امرأته تقعد عند قبره إذا دفن قدر [305 ب/3] ما ينحر جزور وهذا حسن، ولم أر الناس يصنعونه عندنا، وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تبع جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط"، وكان ابن عمر إذا صلى على جنازة انصرف عنها ولم يقف على الدفن، ثم سمع أن أبا هريرة يروي زيادة في هذا الخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن تبعها حتى يدفن له قيراطان. أصغرهما مثل أحد"، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة فكان لا ينصرف بعد ذلك عن الجنازة حتى يدفن. قلت: وقد روى أبو هريرة في سؤال الميت في القبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟: فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه ثم يقال له: نم يقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حيث يبعثه الله من مضجعه [306 أ/3] ذلك. وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". والثانية: أن ينصرف إذا فرغ من القبر من غير أن يقف للدعاء فأجره دون الأول، وقيل: يحصل حيازة أجر القيراطين بالانصراف إذا ووري لقول الشافعي: ومن أراد أن ينصرف إذا ووري فذلك له واسع، ومن أصحابنا من قال: لا يكمل أجر القيراطين إلا بالفراغ من القبر وهو الأشبه، ولكن ظاهر المذهب ما ذكرنا. والثالثة: أن ينصرف إذا سوي عليه اللبن قبل أن يهال عليه التراب فأجبره دون ما تقدم. والرابعة: أن ينصرف إذا صلي عليه فأجره دونما تقدم وقيل: من تبعها حتى صلي عليها كان له قسط من الأجر، ومن أقام حتى يوارى كان له قسطان من الأجر، ومن

أقام حتى سوي القبر وجعل عند رأسه صخرة فقد أكمل الأجر زيادة على الأول والثاني، ومن أراد الانصراف لا يحتاج إلى أدنى من ولي الميت. وقال بعض السلف: لا يجوز الانصراف حتى يأذن ولي الميت [306 ب/3] وهذا محال فإن قيل: قد تقرر من المذهب أن المنصرف لو انصرف عقيب الفراغ من الصلاة فذلك واسع له، فما معنى قوله: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، قلنا: مراد الشافعي أن من أراد تحصيل القيراطين فواسع له أن ينصرف عقيب مواراته، فإن انصرف قبل ذلك ومراده القيراطين فغير جائز له، فإن قيل: فما فائدة تكرار الشافعي مسألة واحدة في سطرين وذلك أنه قال: فإذا فرغ من القبر بعد أن أكمل ومعناه إكمال القيراطين، ثم قال في السطر الثاني: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، ومعناه أن القيراطين حصلا والمسألتان واحدة، قلنا: مراده بالثانية أن الميت إذا ووري بلبنات اللحد، ثم القيراطان، ولا يتوقف تمامها على تمام تسوية القبر فمن انصرف بعد وضع اللبنات انصرف بقيراطين ومن صير إلى تسوية القبر انصرف بقيراطين. مسألة: قال: وبلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سطح قبر ابنه إبراهيم. الفصل وهذا كما قال. السنة تسطيح القبور لا التسنيم، وهو أن يكون دكة لا سنام عليها، لا مغيراً ولا كبيراً، وقال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" [307 أ/3] السنة التسطيح والأولى في زماننا أن يسنم، لأن التسطيح هو من شعار الروافض. وأهل البدع وقال ابن أبي هريرة: أحب أيضاً ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لأنه صار من شعارهم. وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد والثوري: السنة التسنيم، وهذا غلط؛ لأن السنة قد صحت فيه فلا يضرموا فقه أهل البدعة فيه. وذكر الشافعي الأخبار في هذا وفي جملتها خبر القاسم بن محمد وتمامه ما روي عن القاسم بن محمد أنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا عمتاه أتستطيعين أن تكشفي لي عن قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه فقالت: نعم فكشفت لي عن ثلاثة قبور مسطحة لا مشرفة ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء"، وروى الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سطح قبر ابنه إبراهيم، وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة كلها مسطحة. قالوا قال إبراهيم النخعي: "أخبرني من رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه مسطحة" قلنا خبرنا أولى لأنه شاهد ذلك. مسألة: قال: ولا تبنى القبور ولا تجصص. وهذا كما قال: أما التجصيص [307 ب/3] فمكروه سواء كان القبر في ملكه أو في

أرض مسلة: لأنه للزينة والخيلاء وليس الميت بموضع واحد منهما، وكذلك اللبنة عليه. وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يقعد على القبر وأن تقصص وأن يبنى عليه"، وفي لفظ: "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن تبنى وأن توطأ"، والتقصص هو التجصيص والقصة شيء شبيه بالجص. وأما في القعود عليه: قيل: أراد القعود عليه للحدث وقيل: إنه كره أن يطأ القبر بشيء من بدنه فمد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: رأى رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له: "لا تؤذ صاحب القبر". وأما البناء عليها، فإن كان في أرض مسلة لم يجز ذلك وقال في "الأم": رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني عليها ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك؛ ولأن فيه تضييقاً على سائر الناس وتحجراً عليهم، وإن كان في الملك فلا يكره ذلك ولهم أن يبنوا فوقه ما شاؤوا، وقيل: معنى قول الشافعي لا يبنى أي لا يرفع عن وجه الأرض أكثر ما ذكرنا من قدر شبر ولا تضرب عليها خيمة ولا قبة، لما روي أن النبي [308 أ/3]- صلى الله عليه وسلم -: رأى خيمة فربت على قبر ظلل بها فهتكها وقال: "دعوه ليظله عمله". مسألة: قال: والمرأة في غسلها كالرجل. الفصل وهذا كما قال: غسل المرأة والرجل يتساويان هاهنا كما في حال الحياة وينعقد في شعرها أكثر مما ينعقد في شعر الرجل كما قلنا في حال الحياة، ويسن تطهير شعر رأسها ثلاثة قرون ويلقى خلفها وهو شعر ناصيتها وقرنيها، وبه قال أحمد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجعل ثلاثة أقسام ثم يفتل ضفيرة واحدة، وأصحابنا بالعراق قالوا: يجعل شعرها ثلاث ذوائب وهو ظاهر خبر أم عطية قالت في ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، ثم ألقيناها خلفها، ولأن عادة المرأة أن تفعل هكذا في حال حياتها. وقال أبو حنيفة: لا تضفر ويترك شعرها محلولاً على كتفها أمامها، واحتج بأنه إذا ضفره فلا بد من تسريحه وإذا سرح انتتف وتقطع وذلك مكروه وهذا لا يصح: لأنه يمكن ضفره من غير تسريح أو بتسريح خفيف لا ينتتف به الشعر. وحكي عن أبي حنيفة أنه [308 ب/3] يجعل ضفيرتين ويلقيان على صدرها. مسألة: قال: وتكفن المرأة في خمسة أثواب: خمار، وإزار، وثلاثة أثواب.

الفصل وهذا كما قال. لا شك أن كفنها خمسة أثواب ويزاد لها على الرجال ثوبان استحبابا قال الشافعي: وأحب أن يكون أحدها درعاً، وقال المزني: قد قال به الشافعي ثم خط عليه قال أصحابنا: فيه قولان، ولعله خطأ لا لأنه لم يقل به، ولكن لأنه لم يثبت عنده السنة أحدهما: يكفن به وهو الصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفن ابنته أم كلثوم بالدرع" في جملة أكفانها، قالت أم عطية: أول ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحقو ثم الدرع، ثم الخمار، نم الملحفة، ثم الثوب الآخر، وكان يناولها واحداً واحداً؛ ولأن المرأة في حال حياتها تخالف الرجل في اللباس فكذلك بعد الموت. والثاني: لا يكفن به كما في الرجل، وهذا لأن القميص يحتاج إليه الحي لتصرفاته وحركاته ولا حاجة بالميت إلى ذلك، وقال في "الأم": ويشد على صدرها ثوب يضم ثيابها واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: ليس هذا الثوب من جملة [309 أ/3] الأكفان، وإنما أمر به ليشد أكفانها عليها فلا يتحرك في أكفانها، فإذا أضجعت في القبر حلت، وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال ابن سريج: هو من جملة الأثواب الخمسة، لأن الشافعي أمر به ولم يأمر بحله، وظاهر كلام الشافعي الأول لأنه قال: يجمع عليها ثيابها. وهذا يدل على أنه يكون فوق جميع الكفن، فإذا قلنا: بقول أبي إسحاق، وقلنا: يستحب الدرع فالترتيب فيه أن تؤزر وتدرع وتخمر، ثم يشد على صدرها وثدييها ثوب ثم تروح في الخامس. وإن قلنا: الدرع لا يستحب فإنها تؤزر وتخمر ويشد على صدرها خرقة ثم يروح في لفافتين وهذا ذكره ابن أبي أحمد. مسألة: قال: ومؤنة الميت من رأس ماله. الفصل وهذا هو كما قال. مؤنة الميت مقدمة على الميراث والديون والوصايا، لأن ذلك مما استغرقته حاجته في نفسه فهو كالمفلس في حياته يترك له من ماله ما لا غناء به عنه، وقال خلاس بن عمرو: ويكون من الثلث بكل حال، وقال طاوس: إن كان موسراً فمن رأس ماله وإن كان معسراً [309 ب/3] فمن ثلثه، وهذا غلط لما روي في خبر الأعرابي الذي وقصت به ناقته "كفنوه في ثوبيه" ولم يسأل عن ثلثه، ولو أوصى رجل أن يكون كفنه ثلث ماله جازت. مسألة: قال: فإن اشتجروا في الكفن فثلاثة أثواب. الفصل وهذا كما قال. إذا اختلقت الورثة في الكفن اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يكفن في ثلاثة أثواب لا ينقص منها، كالحي المفلس يترك عليه ثلاثة أثواب قميص

وسراويل ومنديل، وهو ظاهر كلامه هاهنا، ومنهم من قال: يكفن في ثوب واحد؛ لأن ذلك يعمه ويستره وهو الأقل، وتأويل ما ذكر هاهنا أنهم اشتجروا في الأجمل وعلى كل حال يعتبر الجنس والغلظ والرقة بحال الميت. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن لم يكن عليه دين لا ينقص عن ثلاثة أثواب، وإن كان عليه دين فاختلف الغرماء والورثة فقال الغرماء: نكفنه في ثوب واحد وقال الورثة: بل في ثلاثة أثواب، فيه وجهان: أحدهما: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه ليس لمحل التجمل والمباهاة مع الدين، وأما إذا اشتجروا [310 أ/3] في الحنوط، قال أصحابنا: فيه قولان: أحدهما: ما قال في "الأم" و "القديم" وكفن الميت وحنوطه ومؤنته من رأس المال وليس لورثته ولا لغرمائه منع ذلك. فظاهره أنه واجب، لأن العادة جارية به كالكفن ويرجع في صفته إلى العرف والعادة لمثله، ولا يجب الكافور على هذا القول لأنه لا حاجة به إليه. والثاني: لا يجب الحنوط، وإنما هو استحباب؛ لأنه يجري مجرى الطيب ولا يترك للمفلس الطيب كذلك هاهنا، فعلى هذا عند الاشتجار يترك، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا. فرع كل من كانت مؤنته ونقضه في ماله في حياته كانت مؤنته في تركته بعد وفاته من المناسبين والمملوكين قولاً واحداً، وأما الزوجة قال أبو إسحاق: مؤنتها على زوجها موسرة كانت أو معسرة، وبه قال مالك، كما قلنا: في السيد مع عبده والأب مع ابنه، لأن كفايتها عليه في حياته وهو القياس. وقال ابن أبي هريرة: يكون في تركتها فإن لم يكن لها تركة فهي كالتي لا زوج لها يكون كفنها على من تجب عليه نفقتها، وهم الوالدون والمولودون [310 ب/3] فإن لم يكن لها قريب فمن بيت المال، وهذا لأن النكاح قد زال بالموت، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وهذا أصح عندي. قال في "الحاوي": وهذا ظاهر مذهب الشافعي، لأن النفقة في حياتها تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولهذا سقط بالنشوز والبينونة ويخالف المملوك، لأنه نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع، بدليل أنه يجب نفقة الآبق، والموت لا يبطل أحكام الملك، لأن السيد هو أحق بدفنه وتوليه. فرع لو سرق كفنه من القبر يستحب للورثة أن يكفنوه ثانياً، ولا يجب لأنه يؤدي إلى ما لا

يتناهى ذكره في "الحاوي". وقال بعض أصحابنا؛ قياس مذهبنا أنه يكفن ثانياً كابتدائه، لأن الميت عورة فلا به من ستره. وقال الكرخي: إن تفسخ دفن من غير كفن وإلا كفن. فَرْعٌ آخرُ لو مات ولا كفن له، فإنه يكفن من بيت المال وفي العدد وجهان: أحدهما: ثلاثة، والثاني: ثوب واحد وهو اختيار القفال لأن مصعب بن عمير "كفن في ثوب واحد" قال: وكذلك لو مات عن ثوب واحد ليس على المسلمين أن يتمموه ثلاثة، ولكن لا بد [311 أ/3] من ثوب سابع ولا يكتفي بقدر ستر العورة، لأن فيه إزراء بحق الميت. فَرْعٌ آخرُ لو مات ولا كفن له وهناك من معه فضل ثوب لزمه بذله بالقيمة، فهو كالمضطر إلى طعام الغير سواء. فَرْعٌ آخرُ لو مات جماعة من أقاربه دفعة واحدة بهدم أو غرق أو نحو ذلك فإنه يقدم من خيف فساده فإن لم يخف بدأ بالكبير وهو الأب، ثم الأم، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان أخوين قدم أسنهما، وإن كانت له زوجتان وقلنا: المؤنة عليه أقرعنا بينهما ولم ينظر إلى شيء ولا إلى غيره لأنه لا مزية لأحدهما بحال. فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: إذا ماتت المرأة الناشزة، وقلنا: كفن الزوجة على الزوج يحتمل أن يقال: يلزم كفنها عليه؛ لأن النشوز قد زال بالموت فصار كزواله بالعود إلى الطاعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزم عليه لأن الطاعة لا توجد منها الآن كما لا يوجد النشوز فاعتبرت الحالة المتقدمة. فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: إذا طلق امرأته ثلاثاً وهي حامل فماتت فإنه يلزم كفنها على الزوج؛ لأن النفقة واجبة [311 ب/3] لها في حياتها فهي كالزوجة. وعندي يحتمل وجهاً آخر لا يلزم خاصته إذا قلنا: إن النفقة للحمل. فَرْعٌ آخرُ قال أيضاً: لو ماتت زوجته الصغيرة، فإن قلنا: نفقتها على الزوج فكفنها على الزوج، وإن قلنا: لا نفقة لها على الزوج لصغرها فهل يجب كفنها على الزوج؟ وجهان: والأصح أنه يجب وعندي الأصح أنه لا يجب.

فرع لو ماتت نصرانية وهي حبلى من مسلم وتحققنا موت الولد في بطنها قال المزني: القياس أن الحكم لها دون الحمل كما كان في حياتها فتدفع إلى أهل دينها ليتولوا غسلها ودفنها، ومن أصحابنا من قال: يدفن بين مقابر المسلمين ومقابر المشركين أو على طرف مقابر المسلمين؛ لأن للحمل أحكاماً في الشرع، وقيل: على هذا القول: يجعل ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين يكون إلى ظهرها فيحصل به وجه الصبي إلى القبلة وكذلك إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين يدفنون في مثل هذا الموضع. ومن أصحابنا من قال: يدفنون في مقابر المسلمين تعليناً بحكم الإسلام وتجعل الأم كأنها [312 أ/3] صندوق الولد وهو الأصح عندي. وروي أن نصرانية ماتت وفي جوفها ولد مسلم "فأمر عمر رضي الله عنه بدفنها في مقابر المسلمين. الذمي إذا مات ولا مال له ولا قرابة هل يكفن من بيت المال؟ وجهان: أحدهما لا يكفن، والثاني: يكفن كما يطعم إذا جاع. فَرْعٌ آخرُ إذا لمس الرجل امرأة بعد غسلها أو غسل الميت فلمسته المرأة ففيه ثلاثة أوجه مخرجة مما لو خرج من الميت حدث بعد الغسل. مسألة: قال: ويغسل السقط ويصلى عليه إن استهل. الفصل وهذا كما قال: إذا ألقت المرأة جنينها فاستهل صارخاً، ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه ويدفن كالتكبير، وبه قال عامة العلماء، وقال سعيد بن جبير: لا يصلى على الميت غير البالغ، لما روت عائشة أن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات وكان ابن ثمانية عشر شهراً فلم يصل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أورده أبو داود. ولأن هذا لا يحتاج إلى الشفاعة لأنه لا ذنب له والصلاة شفاعة. وقال بعض العلماء: كان قد صلى عليه وإلا فلا. وهذا غلط لما روى جابر وابن عباس رضي الله [312 ب/3] عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا استهل السقط صلي عليه"، وروي "وروث" وروى المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يصلى على المولود"، وروي "على السقط"، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ولأنه ثبت له أحكام الدنيا فأشبه البالغ.

وأما خبرهم قلنا: روى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى عليه. وروى عطاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى على ابنه إبراهيم" أورده أبو داود، وقال الخطابي: وهذا أولى وإن كان مرسلاً وقيل: إن الشمس كسفت يوم وفاته فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه وأمر من يصلي عليه. وقيل: إنه استغنى بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قربة الصلاة كما يستغنى الشهيد بقربة الشهادة عن الصلاة عليه، وهذا ليس بشيء، وأما قولهم: إنه لا ذنب له يبطل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - والمجنون. وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى على المنفوس، ثم قال: "اللهم أعذه من عذاب القبر"، وروى البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أحق ما صليتم عليه أطفالكم" وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [313 أ/3] "صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم"، وروى ابن عباس: لما مات إبراهيم صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "إن له مرضعاً يرضعه في الجنة، ولو عاش لعتقت أخواله القبط وما استرق قبطي"، وإن لم يستهل صارخاً ينظر، فإن بانت فيه الحياة مثل إن اختلج أو تحرك أو تنفس فهو بمنزلة الاستهلال يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلى عليه إلا أن يطول ذلك ويتيقن حياته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشترط الاستهلال، وهذا غلط، لأنه ظهرت فيه علامات الحياة فتجب الصلاة عليه كما لو استهل، وإن لم تبن فيه آثار الحياة فإن كان له دون أربعة أشهر لا يصلى عليه ولا يغسل، ويلف في خرقة ويدفن، وإن كانت له أربعة أشهر فأكثر، وقد تخلق وتصور ولكنه لا روح فيه بحال فلا بد من الكفن والدفن قولاً واحداً. وأما الغسل والصلاة قال البويطي: لا يغسل ولا يصلى عليه وقال في "الأم" و "القديم": يغسل ويكفن ولم يذكر الصلاة. وقيل: ذكر في "القديم": ويصلى عليه وقال أبو حامد: قرأت القديم كله فما رأيت هذا، وقال القاضي الطبري: قال في كتبه الجديدة: يغسل السقط ويصلى عليه إن استهل أو استكمل [313 ب/3] أربعة أشهر، فإنه أول ما ينفخ الروح، فصح القولان، وهذا أشهر. أحدهما: يصلى عليه [لحديث] المغيرة بن شعبة. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا بقي الولد في بطن أمه أربعة أشهر نفخ فيه الروح" ولأنه ثبت له حكمة الحي بوجوب الغرة فيه. والثاني: لا يصلى عليه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط الاستهلال وهذا لم يستهل، ولأنه لم يثبت له حكم الدنيا، لأنه لا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه. فإذا قلنا: يصلى عليه

غسل، وإذا قلنا: لا يصلى عليه هل يغسل؟ قولان: أحدهما: لا يغسل كالشهيد. والثاني: يغسل نص عليه في "الأم"؛ لأن حكم الغسل أوسع، لأن الكافر يغسل ولا يصلى عليه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد يغسل وفيه قول مخرج وهذا غلط لما ذكرنا من النص في البويطي. وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه، فإذا قلنا: بهذا تكفيه خرقة تواريه، لأنه لم يثبت له حكم الأحياء. فَرْعٌ آخرُ إذا بلغت البنت حذا شهر لا يغسلها إلا النساء، وقيل: ذلك يغسلها الرجال أيضاً. فَرْعٌ آخرُ لو تحرك ولم يستهل ولم تعلم حياته بالحركة قال بعض أصحابنا [314 أ/3] بخراسان: فيه قولان: أحدهما: الحركة هي علامة الحياة كالاستهلال فحكمه حكم الكبير. والثاني: لا يثبت بها حكم الحي لأن الحي قد يختلج بعد الموت ويضطرب فلا حكم له، وقيل: هذا يغسل قولاً واحداً وهل يصلى عليه: قولان وليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ قال: ولا بأس أن يدفن الميت ليلاً، ويستحب أن يدفن نهاراً وقال الحسن: يكره وهذا غلط لما روي أن مسكينة امرأة سوداء كانت تقم المسجد فتوفيت ودفنت ليلاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا آذنتموني بها" فقالوا: كرهنا أن نوقظك وحقروا شأنها. فقال: "دلوني على قبرها" فدلوه فصلى على قبرها. وقوله: تقم أي: تكنس وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج فأخذ من قبل القبلة، وقال رحمك الله، وقال: إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعاً"، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دفن ليلاً وقالت عائشة رضي الله عنها: توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء فما أصبحنا حتى دفناه. وروي أنه دفن يوم الثلاثاء. فَرْعٌ آخرُ قلت: يكره الذبح عند الميت بدليل ما روى أنس أن [314 ب/3] النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسله

"لا عقر في الإسلام". وأراد أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك يعقرون الإبل عند قبر الميت الجواد، يقولون: تجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره ليأكلها السباع والطير فتكون مطعماً بعد مماته كما كانت مطعماً في حياته، ومنهم من قال: إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في يوم القيامة راكباً، وكان هذا على مذهب من يرى البعث بعد الموت، وعندنا في الجبال يذبحون الشياه ويجمعون الناس ويتكلفون في ذلك مع لحوق المشقة بالورثة لفقرهم واحتياجهم، وهذا أيضاً مكروه. باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسله مسألة: قال: والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام. الفصل وهذا كما قال. وجملته أن الشهيد المعروف: هو الذي يقتل في معترك المشركين بغير حق، يدفن بثيابه ودمه، هكذا السنة. فإن شاء الأولياء بتبديل ثيابهم بأكفان حسنة كان لهم ذلك وهم بالخيار في ذلك لأن ما على بدنه صار ملكهم، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة ومالك: لا تذع عنه ثيابه ويكفن فيها، وهذا غلط لما روي [315 أ/3] أن صفية بنت عبد المطب أنفذت ثوبين ليكفن بهما حمزة رضي الله عنه، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً فعل به مثل ما فعل بحمزة فكفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوب وكفن حمزة في ثوب؛ ولأن الكفن لا يتعين كما في غير الشهيد ولا يغسل هذا الشهيد ولا يصلى عليه عندنا، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق. وقال أبو حنيفة والثوري: إنه لا يغسل واختاره المزني، وروي ذلك عن ابن محمد رضي الله عنه، واحتج بما روى شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واتبعه، وقال: أهاجر معك؟ فأوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به بعض أصحابه ثم غزا معه غزوة غنم فيها فقسم له، فقال يا رسول الله: ما هذا؟ قال: "قسمت لك"، فقال ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هنا وأشار إلى عنقه بهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن يصدر الله تعالى يصدقه" فلبثوا قليلاً ثم نهضوا إلى العدو فحمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأعرابي وقد أصابه سهم حيث أشار إليه بيده فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -[315 ب/3]: "أهو هو" قيل: نعم يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق الله فصدقه" وكفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدمه وصلى عليه. وهذا غلط لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في

شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة". وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا، وروى أنس نحو ذلك، وروي أنه قال: "زملوهم بكلوئهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماء اللون لون الدم والريح ريح المسك"، فإن قيل: قد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين" قلنا: خبر ابن عباس رواه الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث، وأنكر شعبة روايته لهذا الحديث أو نحمله على الدعاء لأنها لا تؤخر الصلاة الواجبة ثماني سنين ولا تتكرر الصلاة على الميت، وقال أنس: "لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أحد من الشهداء غير حمزة"، وقال: لما رأى المثلة به لولا أن صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشو من بطونها والعافية السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها فإن قيل: [316 أ/3] إذا سقط الغسل والصلاة وجب أن يسقط التكفين، قلنا: التكفين ضرب من الستر والمواراة، وفي تركه هتك حرمته فلم يسقط كالدفن والغسل للتطهير والصلاة للشفاعة وهو مستغن عن التطهير، لأن السيف قد طهره فلا يحتاج إلى شفاعة أحد. فرع لا فرق في الشهيد بين البالغ والصبي، والرجل والمرأة والعاقل والمجنون والحر والعبد. وقال أبو حنيفة: لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال ولا يحتاج إلى الشهادة، لأنه لا ذنب له وهذا غلط، لأنه مسلم قتل في معترك المشركين فأشبه البالغ وما قاله يبطل بالمرأة. فَرْعٌ آخرُ القتل الذي يثبت حكم الشهادة هو أن يقتل المسلم في معترك المشركين بسبب من أسباب قتالهم، مثل أن يقتله المشركون أو يحمل على قوم منهم فيتردى في بئر أو يقع من جبل، أو يسقط من فرسه أو يرفسه فرس غيره، أو يرجع سهم نفسه فيقتله، أو سهم مسلم أخر أو أكرمه الله فقبض روحه في حال اشتغاله بالجهاد فيكون حكم المقتول بسلاح الكافر. فَرْعٌ آخرُ لو انكشف الصفان عن ميت من المسلمين فالظاهر أنه مقتول بسبب من أسباب القتال سواء كان [316 ب/3] عليه أثر الدم أو لم يكن حكمه حكم الشهيد، وقال أبو حنيفة وأحمد: إن لم يكن به أثر غسل وصلي عليه وإن كان به أثر فحكمه حكم الشهيد

ثم قال أبو حنيفة: فإن كان به أثر فإن كان قد خرج الدم من عينيه أو أذنيه لم يغسل، وإن خرج من أنفه ذكره أو دبره يغسل وهذا غلط؛ لأن الظاهر أنه مقتول بسبب الحرب فأشبه إذا كان به أثر. فَرْعٌ آخرُ لو أسر المشركون رجلاً وقتلوه بأيديهم صبراً ففي غسله والصلاة عليه وجهان: أحدهما: يغسل ويصلى عليه، لأن خروج روحه لم تكن في المعترك. والثاني: لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه قتل ظلماً بيد المشرك الحربي ذكره في "الحاوي". فرع لو كان الشهيد جنباً قال أكثر أصحابنا: لا يغسل ولا يصلى عليه وهو ظاهر المذهب، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد. وقال ابن سريج: يغسل ولا يصلى عليه وبه قال ابن أبي هريرة وأحمد وهذا غلط لظاهر الخبر الوارد فيه، ولأنه غسل ينوب عند التيمم فيسقط بالشهادة كغسل الميت. وقال أبو حنيفة: يغسل ويصلى عليه، واحتج بما روي أن حنظلة الراهب قتل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهله [317 أ/3] "ما شأن حنظلة، فإني رأيت الملائكة تغسله فقالوا: إنه جامع ثم سمع هنة فخرج إلى القتال". ولأنه غسل واجب فلا يسقط بالموت كغسل النجاسة قلنا: لا حجة في الخبر، لأنه لو كان واجباً لم يسقط بغسل الملائكة، وأما إزالة النجاسة فيه وجهان: ولئن سلمنا فلأنه ليس من جنس الغسل، وغسل الجنابة يشبه بغسل الميت، فإذا سقط غسل الميت سقط الغسل الأخير، ولأن النجاسة ليست من آثار العبادة وهذا هو المذهب والوجه الآخر أنها تراد للصلاة وسقطت بالشهادة. فرع قال والدي رحمه الله: ولو قتلت الحائض قبل انقطاع الدم، فإن قلنا: إن الجنب يغسل ففي الحائض وجهان مبنيان على أن الغسل يتعلق برؤية الدم أو بانقطاعه فيه وجهان، والأصح أنه يتعلق بوجوده ويتأخر أداؤه. فَرْعٌ آخرُ لو خرج في المعترك وعاش حتى انقطعت الحرب، ثم مات غسل وصلي عليه كغيره من الموتى أكل أو شرب، أو لم يأكل، ولم يشرب، أوصى أو لم يوص، وبه قال أحمد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان سواء طعم وتكلم أو لم يطعم ولم يتكلم،

وقال أبو حنيفة: إن خرج عن صفة القتلى وصار إلى حالة الدنيا فذلك حكم [317 ب/3] الشهادة مثل أن يأكل أو يشرب أو يوصي وإلا فلا يزول حكمه، ويسمى هذا المرئت، وقال مالك: لا اعتبار بنقض الحرب وإنما يعتبر أن يأكل أو يشرب أو يبقى يومين أو ثلاثة فيغسل ويصلى عليه وهذا غلط؛ لأنه مات بعد تقضي الحرب فلم يثبت له حكم الشهادة كما لو أوصى أو بقي يوماً كاملاً، وإن مات قبل تقضي الحرب فلا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان قد تكلم بعد الجرح أو أكل أو شرب، وقال أبو حنيفة: إن أكل لا يكون حكمه حكم الشهيد هاهنا أيضاً. واعلم أن المزني نقل لفظاً غير مستقيم، فقال: والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام وبقوا مدة ينقطع فيها الحرب وإن لم يطعموا كغيرهم من الموتى، وقوله في أول المسألة: وأكلوا الطعام مع قوله في آخرها: وإن لم يطعموا متناقض، وكان ينبغي أن يقول: وأكلوا الطعام أو بقوا مدة تنقطع فيها الحرب وإن لم يطعموا حتى يكونا مسألتين. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا زاد الولي أو غيره الصلاة على الشهيد هل له ذلك وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنا لا نوجب لاشتغالهم بالحرب فيجوز ذلك للفارغ من الحرب [318 أ/3]. والثاني: ليس له ذلك؛ لأن السيف طهره، وهذا أصح عندي والأول ليس بشيء. فَرْعٌ آخرُ سائر الشهداء بغير سبب القتال مثل: المبطون، والغريق، والمحرق، وصاحب الهدم، والمولدة إذا ماتت في الطلق يغسلون ويصلى عليهم، وقال الحسن: إذا ماتت المرأة في النفاس لا تغسل ولا يصلى عليها، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال لا إله إلا الله". فَرْعٌ آخرُ إذا قتل في غير المعترك ظلماً حكمه حكم سائر الموتى، سواء قتل بحديد أو غيره وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن قتل ظلماً بحديد لا يغسل. وإن قتل بمثقل غسل؛ لأنه يوجب المال، وهذا غلط لما قال الشافعي وعمر رضي الله عنهما: كان شهيداً لكنه غسل وصلي عليه، لأنه لم يقتل في معترك الكفار، ولم ينكر أحد فصار إجماعاً، وقال الشافعي: الغسل والصلاة سنة، أي شريعة وطريقة لا يخرج إلا من أخرجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرج عن جملتهم المقتول في معترك الكفار والباقي باق على حكم الأصل.

فرع إذا خرج قوم من المسلمين على الإمام العادل وقاتلوا، فإن كان المقتول [318 ب/3] من أهل البغي غسل وصلي عليه وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه عقوبة له، وهذا غلط لأنه مسلم قتل بحق فوجب أن يغسل ويصلى كالزاني والقاتل، وأما قولهم: إنه عقوبة فينبغي أن لا يدفن أيضاً ولا يكفن عقوبة له. فَرْعٌ آخرُ لو كان المقتول من أهل العدل فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه قاله في "القديم"، و"الجايد" وبه قال مالك، وقال في كتاب أهل البغي: لا يغسل ولا يصلى عليه وعن أحمد روايتان. وقال أبو حنيفة: لا يغسلون واحتج بأن علياً -رضي الله عنه- لم يغسل من قتل معه، وأوصى عمار بن ياسر أن لا يغسل. ووجه القول الأول أن أسماء بنت أبي بكر غسلت عبد الله بن الزبير ولم يذكر ذلك منكر، وأما ما روي عن علي قلنا: لم ينقل أنه صلى فكل جواب لهم عن الصلاة فهو جوابنا عن الغسل وحديث عمار روينا خلافه. فَرْعٌ آخرُ لو قاتل أهل القافلة قطاع الطريق، فإن كان المقتول من قطاع الطريق كان بمنزلة المقتول من أهل البغي، فإن قلنا: إنه يصلب أبداً [319 أ/3] فعل به قبل الصلب وإن قلنا: يصلب ثلاثاً ثم ينزل فبعد الثلاث يغسل ويصلى عليه. وعند أبي حنيفة لا يغسل ولا يصلى عليه كما قال في الباغي، وإن كان المقتول في القافلة هل يكون بمنزلة الشهيد؟ وجهان بناء على القولين في المقتول من أهل العدل. فَرْعٌ آخرُ من قتل قصاصاً أو رجماً بالزنا غسل وصلي عليه، وقال الزهري: لا يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلي الإمام ويصلي غيره، وهكذا عنده حكم كل من مات في حد، واحتج بأن ماعزاً لما رجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل عليه، قال الزهري: ولم ينقل أنه أمر بالصلاة عليه، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم الغامدية وصلى عليها. فقال له عمر: ترجمها وتصلي عليها؟ فقال: لقد "تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"، وروي أن علياً رضي الله عنه لما رجم شراحة الهمدانية جاء أهلها إليه، فقالوا: ما نصنع بها؟ فقال: "اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم"، وقال عبد الله بن مسعود أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن أصبح يوم صومك [319 ب/3] رضياً مرضياً ولا تصبح يوم صومك عبوساً، وأجب دعوة من دعاك من المسلمين وصلي على من مات من أهل قبلتنا، وإن كان مصلوباً أو مرجوماً. ولأن تلقى بمثل قراب الأرض ذنوباً خير

لك من أن تثبت الشهادة على أحد من أهل القبلة، فإن سألك عز وجل: من أفتاك فأقبل علي، فإذا أقبلت علي أقبلت على الأمين جبريل - صلى الله عليه وسلم - "، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على زانية ماتت هي وابنتها في نفاسها ونقول: على مالك: إذا لم يكره لغير الإمام لا يكره الإمام كما في سائر الموتى. وأما خبر ماعز فنحمل أنه أمر غيره ويجوز ذلك، ثم يقابل بما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه أنه صلى على مرجومة. فَرْعٌ آخرُ من قتل نفسه يغسل ويصلى عليه، وقال الأوزاعي: إنه لا يغسل ولا يصلى عليه وكان عمر بن عبد العزيز يكره أن يصلى على من قتل نفسه، وحكي عن أحمد: لا يصلي عليه الإمام ويصلي غيره، واحتج بما روى جابر بن سمرة أن رجلاً قتل نفسه بمشقص وهو نصل عريض، فلم يصل عليه النبي [320 أ/3]- صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط لأنه مسلم مقتول في غير معترك الكفار فأشبه إذا قتله غيره، وأما الخبر فنحمله على أنه صلى غيره. فَرْعٌ آخرُ إذا مات ولد الزنا فإنه يغسل ويصلى عليه وقال قتادة: لا يغسل ولا يصلى عليه وهذا غلط لما ذكرنا فيما تقدم. مسألة: قال: وينزع عنه الخف والجلود. وهذا كما قال: إذا كان على الشهيد آلة الحرب من الجلود والفرو والخف وما لم يكن من عام لباس الناس فإنه ينزع عنه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: لا ينزع عن ذلك واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء: "ادفنوهم بثيابهم" وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم وهذا أخص مما روي يقدم عليه. فرع إذا غرق قوم أو أصابهم هدم أو حريق وفيهم مشركون كانوا أكثر من المسلمين أو أقل غسل الكل وصلي عليهم، وينوي بالصلاة المسلمون منهم، ويقال في الدعاء: اللهم اغفر له إن كان مسلماً. ويصلى على واحد فواحد أو يقول عنه [320 ب/3] الجمع: اللهم اغفر للمسلمين منهم وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة إن كان عدد المسلمين أكثر صلى عليهم وإن كان أقل سقط الغسل والصلاة، وهذا غلط لأنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه فوجبت الصلاة عليه بالقصد والنية إلي المسلمين كما لو كان المسلمون أكثر قال الشافعي: وإذا جاز أن يتثني مشركاً واحداً من مائة مسلم جاز أن يستثني أكثر المائة، قال أصحابنا: وكذلك إذا اختلط الشهيد بغير الشهيد غسل الجميع وصلي عليهم ونوى بالصلاة غير الشهيد.

فَرْعٌ آخرُ كل من غسلنا كله إذا وجد بعضه غسل ذلك البعض وصلي عليه قليلاً كان أو كثيراً، إذا علم أن صاحبه مات، وهذا بأن يأكله سبع ولم يبق منه إلا هذا القدر، وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر صلي عليه وإلا فلا. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال إذا وجد نصفه سواء، فإن قطع عرضاً فوجد النصف الذي فيه الرأس غسل، وصلي عليه وإلا فلا، وإن وجد طولاً لم يغسل واحداً منهما ولا يصلى عليه، وهذا غلط لما روي: أن طائراً ألقى يداً بمكة من وقعة الجمل فعرفت [321 أ/3] بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة بعدما غلوها، ولم يذكره واحد من الصحابة، وروي عن أبي عبيدة بن الجراح: أنه صلى على رؤوس قتلوا بالشام من المسلمين، وصلى عمر رضي الله عنه على عظام بالشام. وقال الشعبي: بعث عبد الملك بن مووان برأس ابن الزبير إلى أبي حازم فكفنه وصلى عليه. فَرْعٌ آخرُ لو وجد شعره أو أظفاره لا نص فيه، وقال بعض أصحابنا: لو قلنا: يغسل ويصلى عليه جاز لأنه جزء منه، والمذهب أنه لا يصلى عليه ولا يغسل، لأنه لا حرمة له كحرمة الأعضاء وبيان تعبداً. فَرْعٌ آخرُ لو كان هذا في دار الإسلام ولا نعرف أنها يد مسلم أو يد كافر غسلت، وصلى عليها، لأن الظاهر بالدار الإسلام. فرع اختلف أصحابنا أنه كيف سوى على وجهين: أحدهما: ينوي الصلاة على ما وجب بعد غسل العضو وتكفينه، فإن لم يكفنه جاز إلا أن يكون العضو من عورة الميت فلا بد من تكفينه ودفنه بعد الصلاة عليه. والثاني: ينوي بالصلاة عليه جملة الميت لأن حرمة العضو [312 ب/3] لزمت كحرمة جملته، إلا أن يعلم أن جملة الميت قد صلي عليها فتختص الصلاة بالعضو الموجود وجهاً واحداً. ذكره في "الحاوي". فرع العضو المقطوع من الحي مثل يد السارق ونحوه لا يغسل ولا يصلى عليه، لأنه انفصل من جملته فلا يصلى عليها. ذكره جميع أصحابنا، وقال في الحاوي: فيه وجهان: أحدهما: يغسل ويصلى عليه كما على عضو الميت وهذا غريب. فَرْعٌ آخرُ لو ماتت نصرانية وفي جوفها ولد مسلم وقد تحقق ذلك قال القاضي الطبري: إن قلنا بقوله القديم: إن السقط الذي لم يستهل يصلى عليه، فهاهنا يصلى عليها، وينوي بالصلاة الولد الذي في جوفها.

باب حمل الجنازة

باب حمل الجنازة مسألة: قال: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين". وهذا كما قال: القصد من هذا الباب كيفية ما يستحب حمل الجنازة وإن حملها بين العمودين عند كثرة الناس مستحب وهو الأفضل من حملها من الجوانب الأربعة، وقال أحمد: التربيع أفضل، وقال النخعي والحسن وأبو حنيفة والثوري: يكره الحمل [322 أ/3] بين العمودين وروي عن الشافعي أنه قال: لم يرض أبو حنيفة إن حمل ما كان ينبغي أن يعلم حتى غاب على فعل وعلم، وقال مالك: التربيع وبين العمودين سواء، واحتج بما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع بعد أو ليذر" فإنه من السنة، وهذا غلط لما ذكرنا من حديث سعد بن معاذ. وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه حمل سرير ابنه بين العمودين، وعن سعد بن أبي وقاص أنه حمل سرير عبد الرحمن بن عوف بين العمودين، وعن أبي هريرة أنه حمل سرير سعد بن أبي وقاص كذلك، وحمل ابن الزبير سرير المسور بن مخرمة، وأما ما رووه رواه أبو عبيدة عن أبيه، ولم يلقه ثم نحمله على الجواز، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ذكر الشافعي هذه الأخبار لا لأنه أولى من الحمل بين الجوانب، ولكن ليتبين الجواز، فإن أبا حنيفة ينكره ويقول: ليس بشيء. وقيل: الأفضل الجمع بين العمودين والتربيع تارة تارة، فإن أراد الاقتصار بالحكم على ما ذكرنا، وقال المزني: أرى أن الأولى من مذهب الشافعي أن يدخل بين العمودين وليس كذلك؛ بل الأولى [322 ب/3] أن يجعل أحد العمودين على منكبه، فإن كثر الناس فلا بأس أن يدخل بين العمودين، فإذا تقرر هذا، فيكفيه حملها بين العمودين أن ينتصب رجل أمامها ويأخذ عموديها بيديه، والجنازة كأنها على كاهله، يعني ما بين العمودين وينتصب وراءها رجلان فيأخذ كل واحد بعمود واحد فيكون محموله بثلاثة، فإن ضعف الأول فمشى تحت الجنازة من يعينه فلا بأس، وإنما قلنا في المؤخر: يحتاج إلى رجلين لأنه لو أدخل رأسه تحت الجنازة لم ير بين يديه ولا يمكن الشيء وإن جعل وجهه إلى ورائه لا يمكن المشي أيضاً. وقال بعض أصحابنا: يجعل العمودين على عاتقيه وليس هذا باختلاف، بل إن أمكن هذا فعل وإن لم يمكن، فإن كانت الجنازة عريضة واسعة فعل ما ذكرنا أولاً، وقال بعض أصحابنا: فإن لم يمكنه ذلك جعل واحد الخشبة المعترضة بين العمودين من مقدم الجنازة على كاهله ويأخذ آخران العمودين فيحصل الحمل بخمسة ويكون الحاملون في الحملة وتران. قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مراد الشافعي في كل حال. وأما صورة الحمل على التربيع لمن أراد التبرك بحمل الجنازة من جوانبها كلها [323 أ/3] هو ما قال في

"الأم": يضع بأسرة السرير المقدمة على عاتقه الأيمن، لان فيه يمين الميت ويمين الحامل وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "ابدؤوا بميامنكم" ثم ياسرته المؤخرة على هذا العاتق أيضاً، وأراد يسلم ياسرته المقدم إلى غيره ويتقدم فيأخذ ياسرته المؤخرة ثم يأخذ يامنة السرير المقدمة ويضعها على عاتقه الأيسر أي يسلم ياسرته المؤخرة إلى غيره وتتقدم الجنازة فتتحول إلى اليامنة فيأخذ يامنته المقدمة، ثم يسلمها إلى غيره ويتأخر فيأخذ يامنته المؤخرة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال إسحاق: يدور عليها، فيأخذ بعد ياسرة المؤخر يامنة المؤخر، ثم يامنة المقدم، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والثوري رضي الله عنهم وروي ذلك عن أحمد لأنه أخف وهذا غلط لأنه أحد الجانبين فوجب أن يبدأ المقدمة كالجانب الأيسر، فإن ثقل عن أن يحمل أربعة أدخلوا تحت السرير عموداً فيصير من يحمله سبعة، وإن أدخلوا عمودين صار من يحمله ثمانية، وعلى هذا ذكره في "الأم" ثم بين أنه إذا كثر الزحام وشق عليه أخذ الجوانب وأحب أن يترك بالحمل ماذا يفعل فقال: إن كثر الناس [323 ب/3] أحببت أن يكون أكثر حمله بين العمودين. فرع حمل الرجال والنساء في ذلك سواء لا يختلف، ولا تحمل النساء الميت ولا الميتة. فَرْعٌ آخرُ يختار للنساء إصلاح النعش كالقبة على السرير لما فيه من الستر والصيانة، وهو الذي يسمى في وقتنا المكية، وقيل: أول جنازة وضع النعش عليها جنازة فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه لما حضرتها الوفاة قالت: إني لا أحب أن يراني الرجال، فقالت لها أم سلمة أو أسماء: إن بالحبشة نعوشاً للنساء فاتخذوا لفاطمة النعش وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع النعش على ابنته التي ماتت في حياته، وأمر بذلك وأيهما كان فهو سنة. وقيل: الأصل فيه أن زينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ماتت في خلافة عمر بن الخطاب وكانت خليقة ذات جسم، فلما أخرجوها رأى الناس جثتها فاشتد ذلك علي عمر، فقالت أسماء بنت عميس: قد رأيت في بلاد الحبشة نعوشاً لموتاهم فعملت نعشاً لزينب فلما عمل، قال عمر رضي الله عنه: نعم جفا الظعينة، وعندي هذا أصح. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": ويحمل الميت على السرير وهو [324 أ/3] الجنازة التي لها في كل رأس عمودان، فإن تعذر ذلك حمل على لوح، وفي محمل فإن كان في موضح عجلة حاجة أو خيف عليه التغير قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه حمل على الأيدي والرقاب.

باب المشي بالجنازة

فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي: وليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة بل ذلك مكرمة وثواب وبر، وهو فعال أهل الخير قد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الصحابة ثم التابعون. باب المشي بالجنازة مسألة: قال: والمشي بالجنازة هو الإسراع. الفصل وهذا كما قال: يستحب الإسراع بالجنازة وهو فرق سجية المشي لا الإسراع الذي يشق على ضعفه الناس ممن يتبعها، إلا أن يخاف بغيرها أو إنجاسها فيسرعوا بها ما قدروا وزادوا في الإسراع، وهذا لأن عادة الحي إذا دعاه السلطان أن يبادر إليه مسرعاً، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسرعوا بالجنازة فإن كانت خيراً فإلى خير تقدمونها، وإن كانت شراً فشر تضعونه عن رقابكم". وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المشي [324 ب/3] مع الجنازة فقال: "ما دون الخبب" وإن خيف من الإسراع الانبجاس والتفجر لعلة كانت من الطاعون أو غيره فالأفضل التأني به والمشي على ما فيه الاحتياط. مسألة: قال: والمشي أمامها أفضل. وهذا كما قال: عندنا الأفضل المشي أمامها، ولا خلاف أنه يجوز خلفها وأمامها وعن جانبيها. وروي ذلك عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة والقاسم بن محمد وشريح وسالم والزهري، وبه قال ابن أبي ليلى وأحمد ومالك، وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل. وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وسعيد بن جبير والأوزاعي وإسحاق، وقال الثوري: إن كان راكباً مشى خلفها، وإن كان ماشياً مشى كيف ما أراد وبه قال أنس رضي الله عنه، واحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدرى قال: سألت عليا رضي الله عنه فقلت: أخبرني. يا أبا الحسن عن المشي مع الجنازة فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع. فقلت: تقول: هذا برأيك [325 أ/3] أو سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: لا بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط لما روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال الزهري: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة وروي ويقولون: هذا أفضل، ولأنهم شفعاء للميت فينبغي أن يتقدموا المشفوع له، وأما خبرهم فلم يذكره أصحاب الحديث وقالوا:

هو ضعيف، وقد نقل عن الحسن بن علي خلافه، ثم نحمله على من تقدمها وتبعها إلى موقع الصلاة أو الدفن وهكذا الجواب إذا رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منا من تقدمها". فرع المستحب والأكمل أن يمشي قدامها قريباً منها، فإن تقدم وجلس قبل أن يؤتى بالجنازة فلا بأس ذكره في "الأم" وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره له ذلك ولا يجلس حتى يوضح وبه قال الثقفي والنخعي وروي عن أبي حنيفة [325 ب/3] لا يجلس حتى يوضع في اللحد، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس وعبيد بن عمير رضي الله عنهما أنهما مشيا أمام الجنازة فتقدما وجلسا يتحدثان فلما جازت بهما قاما، وروي عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس حتى يوضح في اللحد، ثم نسخ ذلك فقعد وأمر بالقعود وروي أنه قيل له: إن اليهود يفعلون ذلك فجلس وقال: "خالفوهم". فرع قال: إذا مرت الجنازة بقاعد لا يقوم لها، بل يستحب له أن يدعو ويقول: لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت، وقال في "الأم": لا يقوم للجنازة من يشهدها والقيام لها منسوخ، وعن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم، ثم جلس وأمر بالجلوس، ومن أصحابنا من قال: يستحب القيام لها، وإذا كان معها فلا يقعد حتى توضع الجنازة، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع" ولا يكره ترك القيام ولا الجلوس قبل وضعها وهذا خلاف النص الذي ذكرنا. وروي أن الحسن بن علي رضي الله عنهما مرت به جنازة فقام [326 أ/3] أصحابه فقال: ما لكم قمتم إنما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأذياً بريح اليهود. وقال جابر: إنما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نتن ريحها فإنها كانت جنازة يهودي، وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: لا بأس بالقيام والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي عن ابن مسعود البدري وجماعة أنه يجب القيام لها إذا مرت به لما روى عامر بن ربيعة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع عن أعناق الرجال"، وهذا صار

باب من أولى بالصلاة على الميت

منسوخاً على ما ذكرنا وحكي عن أحمد أنه قال: إن شاء قام، وإن شاء لم يقم، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه قام ثم قعد" وهكذا قال إسحاق. فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب أن لا يركب ويكره الركوب لما روي عن ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فرأى ناساً ركباناً فقال: "ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم [236 ب/3] وأنتم على ظهور الدواب"، وروى جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "اتبع جنازة أبي الدحداح ماشياً ورجع على فرس". فرع يكره للمسلم إتباع جنازة أقاربه من الكفار، ويستحب إتباع جنازة المسلم لما روي عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإتباع الجنازة وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الداعي ونصر المظلوم". وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات، فقد قضى ما عليه من حقها" وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعود المريض ويشهد الجنازة، ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد". باب من أولى بالصلاة على الميت مسألة: قال: والولي هو أحق بالصلاة عليه من الوالي. وهذا كما قال: إذا لم يكن هناك مناسب فالوالي أحق بالصلاة إذا حضر، فإن حضر المناسب دون الوالي كان المناسب أولى، وإن اجتمعا معاً فالمذهب الذي نص عليه في القديم، والجديد أن المناسب أولى، وبه قال مالك، وقال في موضع من القديم: الوالي أولى به وبه قال أبو حنيفة وأحمد [327 أ/3] وإسحاق ويحكى عن مالك أيضاً، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقد قال أبو حنيفة: إمام الحي والمحلة أولى قياساً على سائر الصلوات، وأشار الشافعي إلى الفرق بينهما فقال: لأن هذا من الأمور العامة، واحتجوا بما روي عن أبي حازم قال: شهدت حسيناً حين مات الحسن رضي الله عنه وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول: تقدم فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد كان أمير المدينة. قلنا: يحتمل أنه أراد بذلك إطفاء النايرة وتسكين

الفتنة وهو من السنة. مسألة: قال: وأحق قرابته الأب ثم الجد. الفصل وهذا قال. الكلام الآن في ترتيب المناسبين فالأب أولى من كل أحد، ثم الجد أبو الأب، ثم الابن، ثم ابن الابن على ترتيب العصبات، وقال مالك: الابن أحق من الأب، لأن الابن أقوى تعصيباً من الأب، وهذا غلط لأنهما في الإدلاء سواء، فإن كل واحد منهما يدلي نفسه إلى الميت ودعاء الأب أرجى للإجابة، فإنه أحن وأرق وأشفق، فكان بالصلاة أولى والجد أولى من الأخ، وقال مالك: [327 ب/3] الأخ أولى من الجد، لأنه يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة، والبنوة عنده أولى من الأبوة، وهذا غلط لما ذكرنا. والأخ من الأب والأم هو أولى من الأخ للأب. قال في أكثر كتبه: وقال بعض أصحابنا فيه قول أخر: إنهما سواء ذكره القاضي أبو حامد "صاحب الإفصاح" واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال فيه قولان: كما في ولاية النكاح، هل يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب؟ قولان. لأنه لا مدخل للنساء فيها فلم يكن لقرابة الأم في ذلك تأثيراً كما لا مدخل للنساء في ولاية النكاح، ولا يقدم الأخ من الأب والأم فيها في قول، ومن أصحابنا من قال قول واحد: يقام هاهنا الأخ من الأبوين، لأن النساء تدخل في الصلاة على الميت عند الانفراد أو عند الائتمام ولها الإمامة بالنساء فيها، ولا مدخل لهن في ولاية النكاح أصلاً. قال القاضي الطبري: هذا ليس بمشهور، لأن الشافعي قال: تصلي النساء إذا لم يكن الرجال، فلم يجعل لهن مدخلاً إلا لضرورة، وقال القفال: الأشبه بالمذهب هذا، لأن لمن يدلي بالنساء مدخلاً فيها كالخال والأخ من [328 أ/3] الأم، وهذا غلط، لأنه لا ولاء به للأخ من الأم، ولا للخال فيها ذكره أهل العراق أجمع. فإذا قلنا: هما سواء فأولادهما سواء، وإذا قلنا: يقام ذو القرابتين فابنه مقدم ثم العم إن لم يكن له أخ، وهل يقدم العم للأب والأم على العم من الأب؟ على الطريقين وكذلك إذا اجتمع أبناء عم أحدهما أخ من الأم هل يقدم على الطريقين أيضا؟ فإن لم يكن أحد من العصبات فالمولى المعتق كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب". مسألة: قال: فإن اجتمع له أولياء في درجة واحدة فأحبهم إلي أسنهم. وهذا كما قال. إذا اجتمع جماعة من الأولياء في درجة واحدة كالإخوة وبني الإخوة ونحوهم وتشاحوا قدم الأسن، وفي الإمامة في سائر الصلوات قدم الأقرأ والأفقه على المسن، والفرق أن القصد من سائر الصلوات حق الله تعالى فتقام فيها الأعلم والقصد

من صلاة الجنازة حق الميت والدعاء له، فكان الأشفق أولى بالإجابة، والأشفق هو الأسن ودعاؤه أرجى، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة [328 ب/3] المسلم. ومن أصحابنا من قال هاهنا أيضاً: يقدم الأفقه والأقدر على الأسن كما في سائر الصلوات وهو ضعيف. وقال بعض أصحابنا بالعراق: نص في سائر الصلوات أنه يقدم الفقيه والقارىئ. ففي كلتا المسألتين قولان: أحدهما: يقدم الأسن في الكل، وهذا غلط ظاهر؛ لأن في سائر الصلوات نص الشافعي أنه يقدم الفقيه والقارئ على الأسن من غير إشكال، فإذا تقرر ما ذكرنا، قال الشافعي: فإن لم يحمد حاله، فأفضلهم وأفقههم. وأراد فإن كان هذا الأسن فاسقاً أو غير مرض، فإن كان مبتدعاً أو يهودياً أسلم الآن، فحينئذ يقدم أفضلهم وأفقههم، وإن كان شاباً. وإن استووا بكل حال ولم يترجح بعضهم على بعض، ولم يتفقوا على تقديم واحد أقرع بينهم كما في ولاية النكاح. فرع إذا أوصى أن يصلي عليه رجل بعينه من غير أوليائه. روي عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن سيرين وأحمد: أنه أحق بالصلاة عليه من الولي والوالي وهو قياس قول مالك لأنه [329 أ/3] حقه تنفذت فيه وصيته وعندنا الولي أولى؛ لأنه حق الولي، ولا تنفذ وصيته لانقطاع ولايته ويدخل به النقص على وليه كما يقول في ولاية النكاح. مسألة: قال: والولي الحر أولى من الولي المملوك. وهذا كما قال: إذا كان له وليان في درجة وأحدهما عبد والأخر حر، فالحر أولى بالصلاة من العبد، لأن للحر ولاية وليست للعبد ولاية، فكان من له الولاية أولى كالقريب والأجنبي، وعلى هذا قال أكثر أصحابنا: وإن كان العبد أقرب درجة فالولي الحر، فإن كان العبد فالعم الحر أولى من الأخ المملوك وهو مراد الشافعي لما ذكرناه أنه لا ولاية للعبد أصلاً. فإن قيل: فلم سماه الشافعي ولياً؟ قلنا: هذا من كلام المزني والشافعي قال: والحر أولى من المملوك أو سماه ولياً بمجاز الوجود. والسبب الذي يستحق به الولاية فيه، وليس هذا هو بولي حقيقة. ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي عند استوائهما في الدرجة، فإذا كان العبد أقرب فيه قولان مخرجان، والأول أصوب، وهو اختيار القفال. فرع قال الشافعي: ولا بأس [329 ب/3] بصلاة المملوك على الجنازة؟ لأن الفريضة

والنافلة تجوز خلفه، وكذلك الصبي الذي يعقل الصلاة. فَرْعٌ آخرُ وقال والدي رحمه الله: لو صلى الصبيان على الميت، هل يسقط الفرض بصلاتهم؟ ينبغي أن لا يسقط، لأنه لا مدخل للصبي في فرض الكفاية فلا يسقط بفعله الفرض، وهذا كما لو سلم وجل على وجل فرد عليه غيره جواب السلام، لم يسقط عنه الفرض، لأن الراد لم يدخل في الفرض، ويحتمل أن يقال: يسقط الفرض بصلاته، لأنه لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في أخر الوقت، فإنه لا تلزمه الإعادة على الصحيح من المذهب. فَرْعٌ آخرُ قال: إذا حضر صبي ولي أو غير ولي مع نسوة نقلاه سواء كان الميت رجلاً أو امرأة فهو أحق بالصلاة من النساء إذا عقل الصلاة، وإن لم يبلغ مملوكاً أو غير مملوك يقدم الصبي والرقيق على النساء، وإنما قدم لأنهما قد استويا في عدم الولاية، وانفرد هو بالذكورة، ولو اجتمع مملوك بالغ وصبي فالمملوك أولى، لأنه مكلف وتجوز إمامته إجماعاً بخلاف الصبي. فرع لو لم يكن هناك مملوك [330 أ/3] ولا صبي يعقل، صلت النساء على الميت صفاً منفردات، فإن أمتهن إحداهن قامت وسطهن، لم أر بذلك بأساً، فلم تجز صلاتهن إلا عند الضرورة، ولم يستحب لهن الجماعة في صلاة الجنازة، قال: ولو حضر الرجال بعد لا يلزمهم إعادة الصلاة. وقال أبو حنيفة: يصلين جماعة لأنهن من أهل الجماعة. وهذا غلط، لأن النساء لم يسن لهن الصلاة على الجنازة، فلم يشرع لهن الجماعة بخلاف سائر الصلوات. فرع قال في "الحاوي": تصلي النساء على المرأة، لأنه يجوز أن تتقدم النساء على النساء إذا لم يكن هناك رجال، وإنما: نص الشافعي أنهن يصلين فرادى بغير إمام في جنازة الرجال. فَرْعٌ آخرُ قال: وسنة وسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموتى والأمر المعلوم بعده إلى اليوم أن يصلى عليهم بإمام ولو صلي عليهم أفراداً أجزأهم إن شاء الله قد صلى الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفراداً لا يؤمهم أحد، وذلك لعظم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي، وتنافسهم لئلا يتولى الإمامة في الصلاة عليه واحد. ومن [330 ب/3] أصحابنا من ذكر وجهاً يجب فيها جماعة وهو ضعيف. فَرْعٌ آخرُ فرض الكفاية في صلاة الجنازة لا يقع بأقل من ثلاثة إذا وجدوا، لأن الشافعي قال

في "الأم": لو صلى الإمام عليها وهو غير متوضئ، ومن خلفه متوضئون تجوز صلاتهم، فإن كان كلهم غير متوضئين أعادوا، فإن كان منهم ثلاثة متوضئون جازت فاعتبر أقل الجمع. وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: عندي إن صلى واحد أجزأه. فالظاهر أن المسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: يكفي أن يصلي عليها واحد، لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة فلم يكن من شرطها العدد. وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه ثلاثة أوجه: والوجه الثالث: لا بد من أربعة نفر، وهذا ليس بشيء. فرع قلت: الأولى كثرة المصلين عليها بالجماعة وأن لا يكون أقل من ثلاثة صفوف لما روى مالك بن هبيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب". وكان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فاستقل الناس [331 أ/3] جزأهم ثلاثة أجزاء. وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفعوا فيه"، وروي: مائة فما فوقها. وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه". وروى أن ابناً له مات بعسفان، فقال لكريب: انظر ما اجتمع له من الناس، فأخبره باجتماع الناس فقال: أربعون؟ فقال: نعم قال: أخرجوه. فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر هذا الخبر. فَرْعٌ آخرُ قال في "الأم": وأحب أن تكون الصلاة على الميت صلاة واحدة ولا يحبس بعد الفراغ منها لصلاة من فاتته الصلاة عليه، ويصلي على القبر، اللهم إلا أن يرجى حضور الوالي فلا بأس أن يحبس حتى يحضر ويصلي عليه، وهذا إذا لم يخف التغير. وأصحابنا لا يختلفون أن من لم يصل عليها يجوز له أن يصلي، وأما من صلى هل يصلي ثانياً؟ وجهان: أحدهما: يستحب أن يصلي مع الجماعة كما في سائر الصلوات. والثاني: أنه لا يصليها، لأنه لا ينتقل بها وإذا صلى جماعة آخرون ينوون الفرض، لأن [331 ب/3] فعل غيرهم ما أسقط الفرض عنهم، بل أسقط الحرج. وعند أبي حنيفة لا يصلى عليها إلا مرة واحدة.

باب وقت صلاة الجنازة

فَرْعٌ آخرُ يجوز أن يصلى على الميت في المسجد. وبه قال أحمد، وذكر بعض أصحابنا أنه أفضل وهذا ليس بمشهور، وقال في "الحاوي": لا يكره؛ بل يستحب، وقال أبو حنيفة ومالك: تكره الصلاة عليه في المسجد لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". أورده أبو داود وهذا غلط لما روي أن سعد بن أبي وقاص لما مات قالت عائشة: أدخلوه المسجد ليصلي عليه، فأنكروا عليها ذلك فقالت: "والله لقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء، سهيل وأخيه في المسجد"، وروي أنها قالت: ما أسرع ما نسيتم، والله ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد. وثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صلى عليهما في المسجد ولم ينكر منكر. وأما خبرهم فراويه صالح مولى التوءمة وهو ضعيف، ثم أراد به نقصان الأجر، لأن الغالب أن من صلى عليها في المسجد ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجبان وصلى عليها حتى يشهد دفنها يكون له قيراطان من الأجر، [332 أ/3] فصار من صلى عليها في المسجد كمن لا أجر له، بالإضافة إلى من صلى عليها في الصحراء. باب وقت صلاة الجنازة مسألة: قال: ويصلى على الجنازة في كل وقت. وهذا كما قال. لا يكره الصلاة على الجنازة في وقت، ويجوز في جمع الأوقات. وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة: يكره في ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند استوائها وعند اصفرارها حتى تغرب، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي: يكره فعلها في الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها. وبه قال ابن عمر وعطاء والنخعي وابن المبارك وقال أبو سليمان: هذا أول الخبر وأنه قول الأكثرين واحتجوا بما روي عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، وقوله: تتضيف أي: تميل وقوله: نقبر فيهن موتانا: أراد الصلاة على الجنازة. وهذا غلط، لما روي

أن عقيل بن أبي طالب صلى عليه علي رضي الله عنه حين اصفرت الشمس. وقالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [332 ب/3] صل على الجنازة أي ساعة كانت. وروي أن أبا هريرة صلى على جنازة والشمس على أطراف الجدر؛ لأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في الوقت المنهي عنه، كالعصر عند اصفرار الشمس، وأما ... فنحمله على التحري، وعندنا لا ينبغي أن يتحرى بها الأوقات المنهية، ولكن إذا اتفق حضورها في الوقت المنهي جاز فعلها فيه. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن تحري هذه الأوقات لصلاة الجنازة وغيرها. مسألة: قال: وإذا اجتمعت جنائز الرجال. الفصل وهذا كما قال: إذا اجتمعت جنائز الرجال والصبيان والنساء فإن لم يكن هناك عجلة فالسنة أن يصلى على كل ميت على الانفراد، وإن كانت هناك عجلة ومبادرة فإنه يصلى عليهم دفعة واحدة، وتقدم المرأة إلى القبلة ثم الصبي ثم الرجل. فإن كان هناك خنثى فالخنثى يجعل بين المرأة والصبي، فالذي يلي الإمام هو الرجل، ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة كما في صلاة الجماعة، وإنما قدم الصبي على الخنثى لجواز أن تكون امرأة، وقدم الخنثى على المرأة لجواز أن يكون رجلاً. وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب. يقدم [333 أ/3] الرجل إلى القبلة ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة تلي الإمام كما لو أرادوا الدفن في مكان واحد فإنه يقدم الرجل إلى القبلة. وهذا غلط لما روى عمار بن ياسر قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، وفي الجنازة الحسن والحسين وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وثمانون رجلاً من الصحابة فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الإمام والمرأة وراءه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذه السنة. وروي عن ابن عمر أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة. وأما الدفن قلنا: الفرق هو أن الرجال يلون الإمام في الصلاة، وقرب الإمام أفضل فجعلنا الرجل أقرب إليه والمرأة أبعد منه، وعند الدفن لا يوجد هذا المعنى. وإنما الفضيلة هناك هي في القرب من القبلة، فقدمنا الرجل إلى القبلة. وقال المزني هاهنا: والخناثى في معناه يعني في قياس قول الشافعي، ولا معنى لهذا، لأنه نص عليه في "الأم". فرع قال القفال: إذا كان هناك جنائز الرجال والنساء والخناثى، يوضع بعضها خلف بعض، فيلي الإمام الرجال واحداً واحداً، ثم الناس واحدة واحدة، وتجعل [333 ب/3]

الخناثى صفاً واحداً لا يوضع بعضهم خلف بعض، لاحتمال أن يكون المتقدم امرأة والمتأخر رجلاً. وقال أبو حنيفة: تجعل جنائز الرجال صفاً واحداً، ويقف الإمام عند أخرها لتكون الجنائز عن يمينه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان كذلك وقال: يوضع رأس كل واحد عند رجل الآخر. فَرْعٌ آخرُ لو تشاح ولاة الجنائز صلى ولي الجنازة التي سبقت. قال في "الأم" والقديم: ثم إن شاء ولاه ما سواها أن يستغنوا بتلك الصلاة فعلوا. وإن شاء كل واحد أن يعيد الصلاة على ميته فعل. قال أصحابنا: هذا هو الدليل على تكرير صلاة الجنازة أنه يجور. وقال بعض أصحابنا: معنى هذا أنه لم يكن ولي المسبوق صلى مع ولي السابق، فإن كان قد صلى لا يجوز له أن يعيد الصلاة: لأن صلاة الجنازة لا يجوز أن يكررها الواحد. ولعل القائل الأول أراد بما ذكر هذا فإنه محتمل، ولا يحصل الخلاف. فإن لم يكن أحدهما سابقاً قال أصحابنا: يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فحكمه حكم من تقام بالسبق، وإن تشاحوا في المكان فقال كل واحد منهم: جنازتي تلي الإمام، فإن كانوا رجالاً فالسابق أولى، فإن استووا في [334 أ/3] السبق قال الشافعي: قدم أفضلهم إلى الإمام، وإن كانوا رجالاً ونساء فالرجال يلون الإمام سواء سبق النساء أو تأخرن لأن هذا ترتيب الصلاة. ولو كانوا رجالاً وصبياناً فالسابق أولى. فإن اختار ولي الرجل أن تكون جنازته خلف الصبي وإلا ذهب به إلى موضع غيره. فإن قيل: سويتم بين الرجل والصبي هاهنا وقلتم: الصبي والرجل إذا استويا في السبق فإنه يقدم الرجل من غير قرعة، وفي المرأة قدمتم عليها الرجل في كلتا الحالين فما الفرق؟، قلنا: الفرق أن الصبي قد يكون مساوياً للرجل، فيقف مع الرجل في الصف الواحد، فإذا سبق وليه ووضعه بين يدي الإمام لا يجوز تنحيته وإزالته بخلاف المرأة. فَرْعٌ آخرُ قال: لو كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين، ثم وافت جنازة أخرى فوضعت فرغ من الصلاة على الأولى، ثم استأنف هو أو غيره الصلاة على الثانية، لأنه ما نوى الصلاة على الثانية. ولو نوى في أثنائها بطلت صلاته، لأن نيته تعينت في الأولى. فرع قال والدي رحمه الله: لو يمم الميت عند عدم الماء وصلي عليه، ثم وجد الماء قبل الدفن، يلزمه غسله به. وهل تلزم إعادة الصلاة؟ وجهان. وعندي أنه لا يلزم [334 ب/3] غسله كما لا يلزم الصلاة عليه ثانياً في وجه.

فرع قال والدي رحمه الله: إذا صلي على ميت وحي دفعة واحدة، فإن كان عارفاً بالحال لا تصح صلاته على الميت. وإن كان عنده أنهما ميتان جازت صلاته على الميت والنية في الحي ملغاة، كما لو صلى العصر قبل وقته وهو عالم بالحال لم تصح، وإن كان عنده أن الوقت داخل صح عن النفل، ويجئ أن يقال: تصح الصلاة في حق الميت عند العلم أيضاً ويفارق مسألة العصر، لأن نية الفرض مضادة لنية النفل، فإذا نواها فيما يعلم أنه نفل كان قاطعاً لاستدامة نية الصلاة التي هو فيها متعمداً، فبطلت عليه كما لو صرف نيته إلى الفرض في صلاة النفل يبطل عن النفل أيضاً، وهاهنا نية الصلاة على الميت فتلغيها وتجوز الصلاة على الميت. فَرْعٌ آخرُ وقال أيضاً: إذا صلى على ميتين ثم نوى في أثناء صلاته قطع صلاته على أحدهما دون الآخر، بطلت هذه الصلاة في حق أحدهما، وفي الآخر وجهان: أحدهما: يبطل أيضاً لأنها إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي، كما لو نوى في صلاته إبطال [335 أ/3] إحدى الركعات تبطل كلها. والثاني: لا تبطل لأنه كان يجوز له في الابتداء أن يصلي على أحدهما دون الآخر، فإذا نوى قطع الصلاة على أحدهما صار كأنه أحرم بالصلاة على أحدهما في الابتداء ويفارق ما ذكر. ولأنه لا يجوز له في الابتداء أن يحرم بالظهر بنية ثلاثة ركعات، فإذا نوى إبطال ركعة بطل الكل والأول أظهر. وهذا الفرق يبطل بمن افتتح النافلة ركعتين ثم نوى إبطال إحدى الرطعتين مطلقاً، وإن كان يجوز في الابتداء إفراد إحداهما عن الأخرى. فَرْعٌ آخرُ قال أيضاً: إذا صلى على أموات كثيرين دفعة واحدة ولا يعلم عددهم، ولكنه يشاهد لهم صح، لأن المشاهدة هي مغنية عن معرفة العدد، ولو صلى عليهم وعنده أنهم عشرة فإذا هم أحد عشر أعاد الصلاة على جميعهم؛ لأن فيهم من لم يصل عليه بالنية، ويحتمل أن يقال: إنه يعيد على الحادي عشر عينه، وينوي الصلاة على من لم يصل عليه أولًا. وأصل هذا أنه إذا كان بين يديه أموات فصلى على البعض منهم بغير نية هل تصح أم لا؟ يحتمل وجهين، وإن كان عنده أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم كانوا عشرة يحتمل وجهين. أحدهما: لا تصح لأنه نوى فعل [335 ب/3] هذه الصلاة على ميت لم يحضر، ولا نعرفه بوجه أو على معدوم، والنية إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي. والثاني: تصح وهو الأظهر. فَرْعٌ آخرُ قال: ولو دخل في صلاة الجنازة وفي الثاني والمصلون عليها كثرة ليس له الخروج قبل إتمامها، لأنها تلزم جميع الناس في الابتداء ما لم يقع الفراغ من بعضهم. فإذا

شرع فيها لم يجز الخروج من جهة أن تركها في الابتداء لا يسوغ له على كل وجه، لأنه لو لم يحضره غيره يلزمه الحضور وأداء الصلاة، فهو كالجمعة في حق العبد. فَرْعٌ آخرُ وقال: لو شرع في صلاة الجنازة بعدما صلى عليها من نية الكفاية، هل له الخروج؟ يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك. والثاني: ليس له ذلك. ولهذا أصل وهو أن هذه الصلاة تقع فرضاً أم لا؟ وفيه جوابان، والقياس عندي أنها لا تقع فرضاً، لأن الفرض ما لايجوز تركه على الإطلاق. فَرْعٌ آخرُ لو صلى رجل على جنازة وعنده أن الميت الفلاني عليها، ونوى الصلاة عليه ثم ظهر أن الميت الذي هو صلى عليه مات في بلد آخر ودفن فيه أو ذلك هل تصح الصلاة على ذلك أم لا؟ لاعتقاده أن الميت الذي يصلي على هذه الجنازة يحتمل أن [336 أ/3] يقال: يجوز لأن اعتبار عين الميت أولى من اعتبار المكان، لأن العين لا تتبدل والمكان يتبدل كما لو قال: زوجتك ابنتي الصغيرة فاطمة وسامها عائشة وفاطمة اسم الكبيرة، يصح النكاح على الصغيرة؛ لأن الاسم يتبدل بخلاف الصغير. فرع إذا صلى على جنازة الرجل وقف الإمام عند صدره، وإذا صلى على جنازة المرأة وقف الإمام عند عجيزتها، وبه قال أحمد وهو اختيار أصحابنا بالبصرة وصاحب "الإفصاح" ولا نص فيه للشافعي. وقال البغداديون من أصحابنا: يقف عند رأس الرجل وعند عجز المرأة وهو وسطها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهذا أولى عندي. وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الرجل والمرأة، وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه ومن المرأة عند منكبها، لأن الوقوف في أعالي المرأة أمثل وأسلم، وروي عن ابن مسعود في الرجل ما قال مالك، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها"، وروى أبو غالب عن نافع قال: "صليت خلف أنس بن مالك رضي الله عنه على جنازة عبد الله بن عمير، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات ثم [336 ب/3] صلى على امرأة فقام عند عجيزتها فقيل له: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعاً ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم". وهذا خبر صحيح أورده أبو داود وغيره. ولأن المرأة تخالف الرجل في موضعها مع الإمام في الصلاة فجاز أن يختلفا هاهنا.

فَرْعٌ آخرُ يجوز أن يصلي على الميت بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو غيرها، فلو صلى أهل العراق على ميت بمكة، أو صلوا على ميت بخراسان جاز، ويكون الاعتماد على النية وصفة الصلاة كأن الجنازة موضوعة بين يديه. وقال الساجي: سمعت الربيع يقول: مات رجل بالصعيد، فخرج بنا أبو يعقوب البويطي وصلينا عليه فعاب علينا أصحاب مالك فقلنا: السنة معنا. ولا فرق بين أن تكون المسافة قريبة أو بعيدة، تقصر فيها الصلاة أم لا، وقال مالك وأبو جنيفة: لا يجوز ذلك بحال وهذا غلط، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات"، فإن قيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخصوصاً به، فإنه كان في حكم المشاهدة للنجاشي [337 أ/3] وقد روي أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى أبصر مكانه، قلنا: هذا تأويل باطل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة فإنه يلزمنا متابعة والاقتداء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، وكيف يقال هذا وقد خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم وصلوا معه وهم لم يشاهدوه بحال، فإن قيل: النجاشي كان رجلًا مسلماً آمن بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، وكان هو بين ظهراني الكفار ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي عليه إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، قلنا: أبو جنيفة لا يقول بهذا؛ لأنه قال: لو غرق واحد في البحر لا يصلى عليه أصلًا، ولأن النجاشي كان ملك الحبشة ويستحيل أن يسلم هو ولا يوافقه أحد على دينه يصلى عليه إذا مات، وذهب أبو سليمان الخطابي رحمه الله إلى هذا التأويل وقال: إذا مات الآن مسلم ببلد، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق، فالسنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، وإن علم أنه قد صلى عليه لم يصل عليه من كان غائبا عنه وهذا عندي حسن [337 ب/3]. فرع لو كان الميت في طرف البلد لم تجز الصلاة عليه حتى يحضره، وكذلمك إن كان في أحد جانبي البلد لم تجز حتى يحضره، لأنه يمكنه الحضور من غير مشقة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهما كالقولين في حواز تقديم المأموم على الإمام قالوا: وهكذا لو كانت الجنازة موضوعة فصلى أمامها وهي خلفه، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غير مشهور. فَرْعٌ آخرُ لو صلى على أموات غائبين عن بلده وكان أقرباؤه غابوا عن البلد وماتوا ولا يعرف عددهم، فصلى عليهم دفعة واحدة جاز؛ لأنهم صاروا كالمتعينين بسمة القرابة، وهكذا لو

باب التكبير على الجنازة

صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في بلده كذا دفعة واحدة ولا نعرف عددهم جاز أيضاً، لأنهم صاروا كالمعنيين بالإضافة إلى ذلك البلد، ذكره والدي رحمه الله. فَرْعٌ آخرُ هل تصج الصلاة على الجنازة في حال حملها قبل أن توضع؟ فيه وجهان، ولو افتتح وهي موضوعة بين يديه فرجعت هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا تبطل لأن حكم الاستدامة أضعف، والثاني: تبطل لأنه لا يجوز الافتتاح في هذه الحالة. باب التكبير على الجنازة مسألة: قال: [338 أ/3] أخبرنا إبراهيم بن محمد .... الخبر. وهذا كما قال. الكلام الآن في صفة صلاة الجنازة، ولا تجوز إلا بطهارة والقيام فيها شرط عند القدرة. قال في "الأم": لو صلوا جلوساً من غير عذر أو ركباناً أعادوا. وذكر بعض أصحابنا أن القيام جوازها قاعداً، ولكن لم يجوزوها. وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزم القياس فيها ويكبر تكبيرة الإحرام يرفع بها يديه حذو منكبيه، وجملة تكبيراتها أربع تكبيرات لا يزاد عليها ولا ينقص، وكل تكبيرة هي ركن منها، ولهذا قال عمر وابن عمر والحسن بن علي ومحمد ابن الحنفية ويزيد بن ثابت وجابر وأبو هريرة والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وعطاء وجماعة الفقهاء. وقال محمد بن سيرين وأبو الشعثاء وجابر بن زيد: يكبر ثلاثا وروي ذلك عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما ذكره في "الحاوي"، وقال حذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وابن أبي ليلى يكبر: خمساً وبه قالت الشيعة، وقال ابن مسعود رصي الله عنه يكبر ما شاء من غير حصر وقال: "كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز تسعاً وخمساً وسبعاً وأربعاً" فكبر وما كبر الإمام، وقال إسحاق: يكبر ما يكبر الإمام ولا يزيد على سبع وقد روي [338 ب/3] عن علي رضي الله عنه أنه كبر على أبي قتادة سبعاً وكان بدرياً، وكبر على سهيل بن حنيف ستاً وكان بدرياً، وروى عنه عبد خبر أنه كان يكبر على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أهل بدر خمساً وعلى سائر الناس أربعاً، وقال ابن سريج: هذا هو من الاختلاف المباح وليس بعضه أولى من بعض وهذا قريب من قول ابن مسعود، قال: وقد روى الكل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال إبراهيم النخعي: اختلفت الصحابة فيه فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة فاستشارهم فأجمعوا على أن يكبروا أربعاً، فانعقد الإجماع وزال به ما تقدم من الخلاف، والدليل على ما قلناه ما رواه الشافعي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، وأيضاً خبر النجاشي وعثمان بن مظعون وخبر المسكينة التي دفنت ليلًا، وخبر أنس أنه صلى على عبد الله بن عمير بالبصرة.

وروى أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الملائكة صلت على آدم - صلى الله عليه وسلم - وكبرت أربعاً وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم". وقال أنس رضي الله عنه: صلت الملائكة على آدم وكبرت أربعاً وقالت ما ذكرنا، وكبر الحسن [339 أ/3] بن علي على علي رضي الله عنه أربعاً وقال ابن عباس وابن أبي أوفى رضي الله عنه: آخر ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعاً، وروي عن إبراهيم النخعي قال: صليت مع ابن أبي أوفى على ابنته فكبر أربعاً، ثم قام حتى ظننا أنه يكبر الخامسة، ثم انصرف فقال: أظننتم أني أكبر الخامسة، لا ولكن هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع، وروى ابن عمر قال: آخر ما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز أربعاً وكبر أبو بكر على فاطمة أربعاً، وكبر الحسن بن علي على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه أربعاً، وكبرت الملائكة على آدم أربعاً وكبر ابن الحنفية على ابن عباس بالطائف أربعاً. وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه وصلوا على موتاكم أربعاً"، واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً، فكبر يوماً خمساً، فسألناه عن ذلك فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر خمساً. قلنا: ما رويناه هو أولى لكثرة روايتها وصحة أسانيدها وأنها متأخرة أو ما ذكرنا يدل [339 ب/3] على أن ما رووا صار منسوخاً. فرع لو كبر الإمام خمساً لا نتابعه في الزيادة، لأنها ليست بمسنونة للإمام، وقال أحمد: يتابعه إلى سبع وهذا غلط، لأنه وافقنا أنها لا تسن للإمام فصار كما لو قنت الإمام في الركعة الأولى فإنه لا يقنت معه. فإذا تقرر هذا، هل يسلم أو ينتظر سلامه؟ وجهان: أحدهما: يسلم لأنه اشتغل بما ليس من صلاته. والثاني: أنه ينتظر فراغه ليسلم معه حتى يكون خروجه بخروجه وهو الأشهر، وليس كما لو قام إلى الخامسة لا ينتظر تسليمه، لأن في الأفعال لا يمكن إلا متابعته بخلاف الذكر الزائد، ومن أصحابنا بطبرستان من قال: تبطل صلاة الإمام بالتكبيرة الخامسة، لأن كل تكبيرة هي بمنزلة ركعة من الركعات، ولو زاد ركعة تبطل الصلاة ولو كان ناسياً لا يسجد للسهو، لأنه لا سجود فيه ورأيته عن جماعة من أصحابنا. مسألة: قال: ويرفع يديِه حذو منكبيهِ. وهذا كما قال. المستحب أن يرفع يديه في كل تكبيرة منها، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وروي عن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة"،

وروي مثله عن [340 أ/3] الحسن بن علي وأنس رضي الله عنهما، وقال زيد بن ثابت: وقد رأى رجلًا فعل ذلك فقال: أصابه السنة، والسنة أن يقبض بيمينه على شماله، وقال ابن المبارك: لا يقبض بيمينه على شماله فيها. وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كبر على جنازة زرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى". أورده أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - وينوي الصلاة على الميت مع التكبير لا قبله ولا بعده، وهل يلزم نية الفرض؟ فيه وجهان كما قلنا في سائر الصلوات والأصح وجوبها، وذكر بعض أصحابنا أنه ينوي الفرض مطلقاً ولا ينوي الفرض على الكفاية، وبه أفتى، ولا يحتمل غيره لأنه إذا اختار أداءها كانت فرضاً في حقه، وإن كانت فرضاً على الكفاية في الجملة. مسألة: قال: ثم يقرأ بفاتحة الكتاب. وهذا كما قال. ظاهر ما قال هاهنا: إنه يبتدئ بعد التكبيرة بقراءة الفاتحة يبتديها ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يأتي بالتعوذ ودعاء الاستفتاح، وبه قال أكثر أصحابنا؛ لأن مبنى هذه الصلاة على الحذف والاختصار، فلا يحتمل التطويل والإكثار. ومن أصحابنا من قال: يستحب كلاهما ذكره القفال وهو اختيار القاضي الطبري، لأن الذكر المستحب في غير [340 ب/3] صلاة الجنازة إذا وجد محله كالتأمين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن التأمين لا يطول الصلاة بخلاف هذا. وحكى عن القاضي الطبري أنه قال: عندي لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولكنه يأتي بالتعوذ؛ لأن التعوذ هو من سنة القراءة كالتأمين بخلاف دعاء الاستفتاح فهو مالسورة لا يستحب، فإن أتى بهما جاز وهذا حسن عندي. وقال صاحب "الحاوي": يتعوذ عندنا وفي دعاء الاستفتاح، وجهان، ولا يجوز الإخلال بالفاتحة لأنها ركن فيها، وقد قال الشافعي في "الأم": وأحب إذا كبر على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى وهكذا نقل المزني في "الجامع الكبير"، وهذا يدل على الاستحباب إلا أن أصحابنا أجمعوا على وجوبها بتأويل قوله: إنه يستحب أن يقرأ بعد التكبيرة الأولى فإن أخرها إلى التكبيرة الثانية جاز. فرجع الاستحباب إلى موضعها، وروي ذلم عن ابن الزبير وابن مسعود وابن عباس والحسن رضي الله عنهم، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا تجب فيها القراءة ولا يسن فيها قراءة القرآن، وقال أبو حنيفة: لو قرأ القرآن كان دعاء، ويوريه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال مالك: يكره [341 أ/3] فيها قراءة القرآن. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وجهر بها وقال:

"إنما جعلت ذلك لتعلموا أنها سنة" يعني إنما جهرت بقراءة الفاتحة ليعلموا أن القراءة هي طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشريعته، ولم يرد به أنها غير واجبة؛ ولأن الجهر بها سنة والمستحب أن لا يجهر بقراءتها ليلًا ونهاراً، لأن القراءة إذا كانت مقصورة على الفاتحة لا يجهر كما في الركعتين الأخريين ظاهر النص، قال: ويخفي القراءة والدعاء، وقال الداركي: إن كان بالليل جهر فيها وغن كان بالنهار أسر فيها؛ لأنها صلاة تفعل ليلًا ونهاراً فيجهر فيها إذا كان ليلًا، قال أبو حامد: لا يجئ على المذهب غير هذا، وهذا لا يصح؛ لأن صلاة الليل التي يجهر فيها هي صلاة راتبة في وقت من الليل، ولها نظير راتب في وقت النهار وسن في نظيرها الإسرار فسن فيها الجهر، وصلاو الجنازة صلاة واحدة ليس لها وقت يختص به من ليل أو نهار، ولهذا إنه يسر بالدعاء فيها بلا خلاف، وهذا اختيار القاضي الطبري. مسألة: قال: ثم يكبر الثانية [341 ب/3] ويحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنينَ والمؤمناتِ. وهذا كما قال في "الأم": إذا كبر الثانية صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. وقال في "الجامع الكبير": ويدعو جملة للمؤمنين والمؤمنات ولم يذكر الاستغفار ونقل المزني أنه يحمد الله تعالى ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات يذكر ثلاثة أشياء، قال أصحابنا: أما التحميد فلم يحكه عن الشافعي ولم يذكره في المختصر الكبير، وقيل: رواها سماعاً من لفظه فلا خلاف أن التحميد في التكبيرة الثانية لا يجب، وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب فيقول: الحمد لله والصلاة على محمد وآله، والثاني: لا يستحب، وقال يعقوب الأبيوردي: لم يذكره الشافعي، ولكن لو أتى بما ذكره المزني كان حسناً، فيقول نحو ما ذكرنا. وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فواجبة لأن كل صلاة كان من شرطها القراءة فمن شرطها الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كسائر الصلوات، ولأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه" [342 أ/3]- صلى الله عليه وسلم -، وأما الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فيها فلا خلاف أنه لا يجب بل هو استحباب فيقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسليمن والمسلمات الأحياء منهم والأموات، تابع بيننا وبينهم في الخيرات، وألف بين فلوينا وقلوبهم على الخيرات، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - إمك مجيب الدعوات. وإنما اخترنا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقيب الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون أسرع للإجابة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إذا سأل أحدكم ربه تعالى في حاجة فليبدأ بالصلاة عليّ، فإن الكريم إذا سئل حاجتين لم تجب إحداهما ويترك

الأخرى" ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وحده لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا الدعاء له: وكان القصد منه الدعاء للميت فيجب ذلك. وقال في: الأم": يخلص الدعاء وليس في الدعاء ش ئ مؤقت ولا دعاء معين وأحب أن يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك. وروي وابن عبديك وروي وابن عبدك وأمتك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها [342 ب/3] إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولمك، وأنت أعلم به. اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له. اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه والقه برحمتك إلا من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين، رواه أبو قتادة. وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة فقال: "اللهم اعفر لحينا وميتنا صغيرنا وكبيرنا ذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره" وقيل: "لا تفتنا بعده"، وذكر ابن أبي احمد هذا وزاد: اللهم اغفر لأولنا وآخرنا وحينا. إلى آخره وعلى هذا أكثر أهل خراسان. وروي عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اعفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم [343 أ/3] نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلًا خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. وروى: وقه فتنة القبر وعذاب النار. ولو كان الميت طفلًا دعا لوالديه فيقول: "اللهم اجعله لهما فرطاً وسلفاً وذخراً، وعظة واعتباراً وشفقة لهما وثفل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره" وإنما اخترنا هذا الدعاء لأنه مأثور عن السلف، وإن كان الميت امرأة قال: هذه أمتك وابنة عبدك وأمتك بالتأنيث، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه وشماله، ولم يذكر

الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في "الأم". وقال في "البويطي": يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده وقيل: ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله ثم يسلم، وروى أبو هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول نحو ذلك بعد التكبيرة الرابعة، وقال في "الحاوي" قال في "البويطي": إذا كبر الرابعة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا (343 ب/ 3) وشاهدنا وغائبنا. قال أصحابنا: ليس هذا باختلاف القول بل هو بالخيار إن شاء سلم عقيب الرابعة، وإن شاء ذكر هذا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول هذا، وهذا أحسن عندي ولكن عمل مشايخنا على الأول. وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة: ربنا آتنا في الدنيا جسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وليس هذا عن الشافعي فإن نقل كان حسنا. وأنا السلام فقال في "الأم": يسلن تسليمة يسمع من يليه، وإن شاء يسلم تسليمتين وقال في "الجامع الكبير": يسلم تسليمتين، وهكذا قال في البويطي وقال في "القديم": إنه إن كان إماما والناس كثيرون يسلم تسليمتين، فإن قل الناس أو كان منفردا أو مأموما كفاه تسليمة وتحدة يبدأ بيمينه ويختم بشماله، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال قول واحد يسلم تسليمتين استحبابا ويجب تسليمة واحدة. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " كان يسلم في صلاة الجنازة مثل التسليم في سائر الصلوات". والذي يدل على وجوب السلام أنها صلاة يجب لها [344 أ/3] الإحرام فيجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات. ومن أصحابنا من قال: المستحب هاهنا تسليمة واحدة قولا واحدا؛ لأنها بنيت على الاختصار، وقال أحمد: يحرج بتسليمة واحدة عن يمينه وأقل ما يجزي عن عمل هذه الصلاة أنه يكبر مع النية ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر فيقول: اللهم صل على محمد، ثم يكبر ويدعو للميت بمايقع عليه الاسم، وهو أن يقول: اللهم ارحمه، ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليمة واحدة فيقول: السلام عليكم، وعند أبي حنيفة لا تجب الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا الدعاء للميت. وأما قراءة السورة فالمذهب المشهور أنها لا تستحب، ومن أصحابنا من قال: يستحب قراءة سورة قصيرة، وروي ذلك عن المسنون وابن عباس رضي الله عنهما. ذكره القاضي الطبري قال الشافعي: ويجهر بالتسليم وأراد إذا كان إماما ليقتدي به من خلفه كما يجهر بالتكبيرات. مسألة: قال: ومن فاتته بعض الصلاة مع الإمام افتتح ولم ينتظر تكبير الإمام، ثم يقضي مكانه. وهذا كما قال. إذا أدرك المأموم الإمام في أثناء الصلاة كبر ودخل معه فيها ولا

ينتظر تكبيرة الإمام ليدخل معه فيها مكبرا، وبه [344 ب/3] قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: إنه ينتظر تكبيره حتى يكبر معه، وعن مالك روايتان، واحتج بأن التكبيرات تجري مجرى الركعات، بدليل أنه يقضيها بعد فراغ الإمام، فإذا فاتته ركعة مع الإمام، وهذا غلط، لأنه أدرك الإمام في أثناء صلاته، فوجب أن يدخل معه فيها في الحال كما في سائر الصلوات، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه لو كان يجري مجرى الركعات لكان إذا حضر وكبر الإمام قبل أن يكبر المأموم لا يكبر حتى يكبر أخرى، كما لو حضر ولم يدخل مع الإمام حتى صلى ركعة، فإنه لا يشتغل بقضائها، فإن كبر هو ثم كبر الإمام التكبيرة الثانية في الحال. قال بعض أصحابنا: تبعه وسقطت القراءة عنه، وإن أدرك بعض القراءة قرأ ذلك القدر وسقط الباقي إذ كبر الإمام ثانيا والأول أصح، وقال بعض أصحابنا: على هذا، هل يأتي بالقراءة بعد التكبيرة الثانية؟ يحتمل أن يقال: يأتي بالقراءة بعد الثانية، لأن بعد التكبيرة الثانية محل القراءة؛ لأنه لو أدركه في التكبيرة الثانية قرأ المأموم، ويخالف هذا إذا ركع الإمام قبل إتمام المأموم قراءة [345 أ/3] الفاتح لا يقرأ الباقي، لأن الركوع ليس بمحل القراءة أصلا ويحتمل أن يقال: لا يأتي بها لأنه لما أدرك قراءة الإمام صار محل القراءة ما قبل التكبيرة الثانية في حقه فلا يأتي بها بعد الثانية، ولو أدركه وقد كبر التكبيرة الثانية فإنه يكبر في ال حال ويكون ذلك تكبيرة الافتتاح ويشتغل بالفاتحة، وإن كان الإمام يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا إن أدركه في الثالثة يكبر ويقرأ، وإن كان الإمام يدعو لأن ما أدركه يكون أول صلاته عندنا فيأتي بالتكبيرات على الترتيب، ولو أدركه في الرابعة كبر معه، فإذا سلم أتى بهن متواليات، لأن الجنازة ترفع قبل أن يفرغ من الصلاة فلا فائدة لدعائه بعد غيبة الميت. وقال في البويطي: يقضي ما فاته من التكبيرات تسعا متتابعات، ثم يسلم ثم قال: فقد قيل: يدعو بينهما للميت. وحكى القاضي أبو علي الزجاجي الطبري أن الشافعي قال في "كتاب الجنائز": إذا سلم الإمام قضى من خلفه من صلاته، وإن زال الخسوف وانقطع المطر يعني عند الجمع في المطر فالظاهر أن المسألة على [345 ب/3] قولين، ولا فرق بين أن ترفع الجنازة أو لا ترفع، غابت عنه أو لم تغب، وتكون، نيته تمام الصلاة عليه وهذا بخلاف ما لو صلى والجنازى خلفه لا تجوز على أجد الوجهين؛ لأن هذا هو إتمام الصلاة الصحيحة وحكم الإتمام أخف فيجوز، وإن رفعت الجنازة قولا واحدا، وقال أبو جنيفة: يقضي كما فاته إلا أن ترفع الجنازة تبطل الصلاة. فرع قال في "الأم": ولو أحدث الإمام انصرف وكبر من خلفه ما بقى فرادى. قال: ولو كان موضع وضوءه قريبا فانتظروه فجاء وبنى على التكبير رجوت أن لا يكون به بأس. قال الربيع: مذهب الشافعي الذي مات عليه أنه إذا أحدث لا يبني عليه، وأراد بالحدث هاهنا

أن يكون مسبوقا به، وفيه قولان مشهوران، والصحيح أنه رجع عن البناء. مسألة: قال: ومَنْ لَمْ يدركْ صلى على القبرِ. وهذا كما قال: يستحب أن تكون الصلاة على الجنازة دفعة واحدة، فإن كررت الصلاى عليها جاز، نص عليه في اجتماع الجنائز وقال في "الأم": ولا بأس أن يصلي على القبر بعدما يدفن بل يستحب، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمر وأبي موسى الأشعري [346 أ /3] وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن سيرين، وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة: لا يصلي على القبر ولا يصلي على الجنازة مرتين. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يصلي على القبر ولي الميت إذا كان غائبا وقت الدفن، قال محمد: إلى ثلاثة أيام، وقال أبو يوسف: إلى أيام وأطلق، واحتج بأنه لو جازت الصلاة على القبر لجازت على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما روينا من خبر المسكينة التي توفيت ليلًا، وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرها. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وقد وصلا له فقبل الوصية"، وصلى على قبر رجل كان يقم المسجد ودفن ليلًا". وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وجد الميت قد دفن فليصل وحده وليقم عند رأس القبر"، فإن قيل: لأن صلاة الجنازة لم تكن تسقط فرضها إلا بصلاته ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلي على ميت ما دمت بين أظهركم أحد غيري، فإن صلاتي عليه رحمة". قلنا: لم [346 ب/3] تكن الصلاة على الجنازة متعينة عليه، وإنما كان يقصد الفضيلة بها، ولهذا أنه لم يصل على جنائز كثيرة، وقال في الرجل الميت المديون: "صلوا على صاحبكم"، وقال القوم في المسكينة: كرهنا أنو نوقظك. ولم يقل لهم: الصلاة عليها من دوني لا تجوز، وأما قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أكثر أصحابنا: لا خلاف على المذهب أنه لا يجوز والنبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوص بذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتخذوا قبري مسجدا كما جعلت اليهود قبور أنبيائهم مساجد". وروي "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم". ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على الأقوال إلى متى تجوز الصلاة على القبر، ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة عليه إلى شهر ذكره ابن أبي أحمد، ولعله أخذ ذلك من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي النجاشي وكان بينهما مسافة شهر، وهذا غلط لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر البراء بن معرور بعد شهر". ولم ينقل أكثر من ذلك. وروي، أنه صلى على أم سعد [347 أ/3] ابن عبادة بعدما دفنت بشهر. وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر بعد شهرين. وروى ابن عباس بعد شهر، ومن أصحابنا من قال: يجوز حتى يعلم أنه بلي في قبره فلا يجوز جينئذ لأنه ذهبت حرمته، وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا من قال: يجوز أبدًا؛ لأن القصد الدعاء حتى يجوز اليوم أن يصلي على قبر آدم عليه السلام وعلى قبر جميع

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومن أصحابنا من قال: هو الأظهر، واختيار الشيخ أبي زيد المروزي: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم مات، فأما من ولد بعده أو كان صبيا فبلغ بعده فلا يصلي عليه؛ لأنه يكون متبوعا، ولا يجوز أن يتطوع لصلاة الجنازة وإذا كان يوم موته من أهل الفرض كان من جملة من يؤدي الفرض؛ لأن المؤدي الفرض على الكفاية وإن كثر ويوصف كلهم بأنهم يؤدون الفرض، وإن كان الفرض يسقط بدونهم. ومن أصحابنا من لم يقيد بالفرض هاهنا، وقال في الصبي: إذا بلغ: تجوز الصلاة عليه ذكره أهل العراق، وهو اختيار القاضي الطبري، ومن أصحابنا من قال: تجوز إلى ثلاثة أيام ذكره والدي رحمه الله، وعندي أن هذا أخذه مما قال أبو حنيفة: إنه إن دفن [347 ب/3] قبل الصلاة عليه صلى على قبره إلى ثلاثة أيام فقط. فحصل من الحمالة ستى أوجه عند القائل فإن، قلنا بالأول: كانت تجوز الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شهر وقد مضى، وإن قلنا: بالثاني فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبلى ولكنه قال: لا أترك في قبري. فلا تجوز الصلاة على قبره، وإن قلت بالثالث ففيه وجهان: أحدهما: لا تجوز الصلاة على قبره لما ذكرنا. والثاني: تجوز ولكن يصلون أفرادًا كما صلت الصحابة أفرادًا. فرع لو ترك الصلاة على الميت ودفن، فإنه لا ينبش بل يصلي على القبر، ولو دفن من غير غسيل أو لغير القبلة قال في "الأم": لا بأس عندي أن يحاط عنه التراب ويحول وجهه إلى القبلة، وأن يخرج فيغسل ويصلى عليه ما لم يتغير، قال أصحابنا: الغسل فرض فإذا ترط مبش وغسل، وقال أبو حنيفة: إذا أهيل عليه التراب لا ينبش؛ لأن النبش مثلة، وقد نهى عن المثلة وهذا غلط؛ لأن الميت إذا كان بحاله لا يكون النبش مثلة، وأما التوجيه إلى القبلة فهو سنة مؤكدة، فالأولى أن ينبش ويرد إلى السنة إلا أن يكون قد [348 أ/3] تغير فلا ينبش؛ لأن القصد الستر وقد حصل الستر بالتراب ونبشه هتك لستره. والثاني: ينبش لأن التكفين فرض كالغسل. فَرْعٌ آخرُ إذا وقع في القبر ش ئ له قيمة كان لصاحبه أن يكشفه عنه حتى يأخذ ما سقط فيه. وروي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: خاتمي ففتح موضعًا منه، وأخذ خاتمه وكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه يمكن إيصال المال إلى صاحبه فوجب إيصاله إليه. فَرْعٌ آخرُ لو بلع جوهرة لغيره، ثم مات فإنه تشق بطنه وترد إلى صاحبها إلا أن تضمن ورثته مثلها أي قيمتها فلا يخرج، ذكره أصحابنا من غير خلاف، والمثل يكون للدنانير ونحوها وينطلق عليها اسم الجوهر، ولو بلع جوهرة لنفسه ومات هل تخرج منه

وجهان: أحدهما: للورثة إخراجها لأنها صارت ملكهم بموته. والثاني: ليس لهم ذلك، لأنها ماله استهلكه في حياته فهو كما لو اشترى به الشهوات وأكلها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال القاضي الطبري: الأول بمذهب الشافعي أن لا يشق جوفه في المسألة قبلها [348 ب/3] ويضمن له قيمتها من تركته، كما في الخيط إذا خاط به الغاصب وأخرجه لا ينزع، وعلى هذا قلت: إذا بلى الميت في القبر ونفقت الجوهرة فيما بين التراب ترد إلى صاحبها وتسترجع القيمة، ومن قال بالأول أجاب وقال: ليس هي كالخيط، لأنه يجوز له ابتداء غصبه بحال ليخبط خرجه لقلة خطره وعظم حرمة الآدمي، ولا يجوز ابتلاع جوهرة الغير بجال وهي الآن ملك الغير مقدور على ردها من غير إيلام حيوان فيلزم الرد عند الإمكان. فَرْعٌ آخرُ لو ماتت امرأة وفي بطنها جنين متحرك، قال ابن سريج: يشق بطنها ويخرج الجنين، لأن مراعاة الحي أولى، لهذا يجوز للحي أن يأكل الآدمي الميت عند الضرورة، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قالت القوابل الثقات: أن مثله يعيش متى أخرجنا فيخرج، وإن كان لا يعيش مثله تركناه فمن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: يشق وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا يشق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي". وهذت الولد لا يعيش في العادة. ومن أصحابنا من قال: وهو الصحيح مراد ابن سريج [349 أ/3] مراد هذا القائل أيضًا والذي له ستة أشهر، فإنه لا يخرج بحال. وذكر شيخنا الإمام ناصر رحمه الله وجهًا في رؤوس المسائل أنه لا يشق أصلًا؛ لأنه لا يتحقق وفيه هتك حرمتها وهو بعيد لم يذكره غيره. وحكي عن أحمد أنه قال: تصطلمه القوابل، فإن خرج وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن، وهذا غلط، لأن هذا شبه القتل فلا يجوز ذلك بحال، فإذا قلنا: يشق فينبغي أن يشق إذا وضعت في اللحد فإنه أستر لها ذكره أصحابنا. وعندي أنه يشق قبله لأنه ربما يموت بضيق النفس. وحكي أن محمد بن عجلان ولدته أمه في القبر فجاء نباش فوجده فأخرجه. وقيل: إذا قلنا: لا يشق تمسح القابلة بطنها فربما يخرج، فإن لم يخرج صبر حتى يسكن. مسألة: قال: "ولا يُدخِلُ الميتَ قبرَهُ إلًّا الرجال ما كانوا موجودين". الفصل وهذا هو كما قال. وجملته أن ينوي دفن الميت وإدخاله القبر إلا الرجال ما كانوا موجودين، سواء كان الميت رجلًا أو امرأة، لأن هذا فعل يحتاج إلى البطش والقوة، والرجال أقوى على ذلك في نقله ووضعه في اللحد، ولأن المرأة عورة ولا [349 ب/3] يمكنها ذلك إلا بكشفها وجهها وذراعيها. فإذا تقرر هذا، فإن كان الميت رجلًا وله عصبات تساووا في الفقه فإن يتولى ذلك الأقرب فالأقرب على ما بينا في الصلاة عليه، فإنه لم يكن له عصبة فالأجانب، وإن كان أحدهم أفقه قدم الأفقه، لأن الوضع في اللحد وتناول الميت

إليه يحتاج إلى الفقه، ودعاء الفقيه أسرع إلى الإجابة نص عليه في "الأم"، وإن كان الميت امرأة قال في "الأم": استحب أن يكون الذي يحملها من المغتسل إلى الجنازة ومن الجنازة إلى من يحملها إلى القبر النساء، وأما إدخلها القبر فإن كان لها زوج فالزوج أحق لأنه يتعلق بمباشرتها والنظر إليها، وإن لم يكن لها زوج فعصباتها المحارم فيقدم الأب ثم الجد على الترتيب، وإن لم يكن لها خادم فخصيان الرجال أولى من الفحل، وإن كانوا أجانب فإن لم يكونوا فعصابتها الذين ليسوا بمحارم مثل ابن العم ونحوه، فإن لم يكونوا فسائر القرابات الذين ليس لهم تعصيب فإن لم يكونوا فالأجانب للضرورة. وأما النساء فلا مدخل لهن [350 أ/ 3] في ذلك ولكن إن كانت أكفانها مشدودة يجوز أن يتولى كل ذلك النساء عتد الضرورة، ومن أصحابنا من قال: عطف الشافعي قوله: وأقربهم به رحما على الزوج بحرف النسق وهذا يدل على أنه لا يقدم الزوج على ذي الرحم ولكن أيهما أدخلها قبرها حسن. وقال أبو حامد: يقدم من كان محرما لها من ذوي الأرحام كأب الأم والخال والعم من الأم على الخادم. وهذا أصح عندي، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أن الشافعي نص على الخادم والخصيان وهو غريب. مسألة: قال: "ويسترُ عليها بثوبٍ". وهذا كما قال. هذا لا يوهم أن قبر المرأة مخصوص بالستر بثوب وليس كذلك بل الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة، هكذا نص في "الكبير" وقال في "الأم": يستر القبر بثوب نظيف حتى يستوي على الميت لحده، وستر المرأة أوكد من ستر الرجل. وقال أبو حنيفة: إن كان رجلًا فلا يستر بخلاف المرأة، وهذا غلط لما روي أن سعد بن معاذ لما دفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال سعد بن مالك: كنت متمسكاً بحافة ثوبه، فأصغى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أسامة بن زيد، فقلت له: ما قال لك [350 ب/3] فقال: قال: صرت قوائم العرش لموت سعد بن معاذ، وقال ابن عباس: جلل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبر سعد بن معاذ بثوب. وإنه ليعظم قدر الميت وهو كاستحباب أن يكون موضع مغتسله مستورا فالرجل والمرأة فيه سواء، والمستحب أن يكونوا وتراً إما ثلاثة أو خمسة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال إن الله وتر يجب الوتر". وروي أن عبد الرحمن بن عوف كان رابعهم وأنه الذي نزل القبر، فإن صح هذا دل على أن الشفع جائز، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان، وذكر مشايخ العراق أنه دفنه العباس وعلي واختلفوا في الثالث، فقيل: كان الفضل بن

باب ما يقال إذا دخل الميت قبره

العباس وقيل: كان أسامة بن زيد وهذا أظهر وأصح عندي. مسألة: قال: ويسلُّ الميتُ مِنْ قبلِ رأسهِ سلًا. وهذا كما قال. عندنا يسل الميت من قبل رأسه، وذلك أن يوضع رأس السرير عند رأس القبر، ثم يسل سلَا، لأن القبر منزله، والحي إذا دخل منزله أدخل رأسه فيه من قبل رجليه، وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقبلة [351 أ/3] ويدخل الميت القبر مغترضاً ويرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل معترضاً من قبل القبلة وهذا من أفحش الغلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبره ملصقاً بجدار القبلة حتى كان لحده تخت الجدار، فلم يكن هناك بين القبر والقبلة موضع يمكن وضع الجنازة فيه. وروينا عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سل من قبل رأسه سلًا. ولأن عليه عمل أهل الحرمين فكان أولى، لأنه يستحيل أن يجمعوا على ترك السنة الظاهرة إلا بسلطان ظالم قاهر، ولم يكن ش ئ من ذلك. باب ما يقال إذا دخل الميت قبره مسألة: قال: وإذَا أُدخِلَ الميتُ قبرَهُ. الفصل وهذا كما قال الشافعي. جمع في هذا الباب أذكاراً ودعوات يستحب أن يقولها الذين يدخلون الميت قبره، أي: يدعو كل واحد منهم بذلك، وهو أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي بسم الله، وبالله اللهم أسلمه إليك الأشحاء- أي: المشفقون عليه من [351 ب/3] ولده وأهله وقرابته وإخوانه-، وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنبه وإن عقوت فأنت أهل العفو، أنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك. اللهم اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك إلا من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة. اللهم أخلفه في تركته في الغابرين - أي: كن خليفته فيمن تركه من الباقين من أهل قرابته - وارفعه في عليين - أي: وارفع درجته في الجنة - وجد عليه أن يفضل عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين. وهذا كله مما قد جاءت به الأخبار. وقال بعض أصحابنا: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم وعلى ملة رسول الله إلى آخره. ولا وقت في الدعاء، وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة فضج ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه الغابرين، واغفر له يارب العالمين اللهم افسح له في قبره ونور له فيه" [352 أ/3].

باب التعزية

باب التعزية مسألة: قال: وأحبُّ تعزيةَ أهلِ الميتِ رجاءَ الأجرِ بتعزيتهمْ. وهذا كما قال. معنى التعزية هو ترغيب المصاب في الصبر وحثه عليه، والعزاء هو الصبر، والتعزية: هي التصبر، وهي سنة لأهل المصيبة، والأصل في ذلك ما روي أنه قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءت التعزية، فسمعوا صوتاً من ناحية البيت وهو يقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله ثقوا، وإياه فارجو، فإن المصاب من حرم الثواب، ويقال: إنه كان الخضر - صلى الله عليه وسلم - جاء يعزي زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأهل قرابته، فسمعوا صوته ولم يروا شخصه يعزي الناس بعضهم بعضاً. قال الشافعي: فأحب أن يقول: قائل هذا، ويترحم على الميت يدعو له ولمن خلفه، ثم الكلام فيها ثلاثة فصول: في وقتها وفي المعزي وفي لفظ التعزية. فأما وقتها: فإنه من حين الموت في المنزل والمسجد وطريق القبر وبعد الدفن ومتى عزى فحسن. قال: وإذا [352/ 3] شهد الجنازة أحببت أن يؤخر التعزية إلى أن يدفن الميت؛ لأن بعد الدفن يكون الجزع أعظم والحزن أشد، فهو أولى بالتعزية. قال بعض أصحابنا: التعزية ثلاث إلا أن يكون صاحب المصيبة غائباً، واتفق رجوعه بعد الثلاث، فلا بأس بالتعزية، وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا دفن انقطعت التعزية، وأن الشافعي قال: وأكره التعزية بعد الدفن. وأراد به التعود للعزاء اليوم واليومين على ما عليه الناس اليوم، وأما عقيب الدفن فلا يكره، وليس هذا بخلاف، قال سفيان الثوري: لا يعزى بعد الدفن بحال لأن الدفن خاتمة أمره، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من عزى مصاباً فله مثل أجره". رواه ابن مسعود ولم يفصل؛ ولأن الخوف عقيب الدفن أشد فكان بالتعزية أولى، وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من عزى ثكلى كُسِي برداً في الجنة" وهذا خبر غريب أورده أبو عيسى. وأما من يعزي: قال: ويعزي الصغير والكبير والمرأة، إلا أن تكون شابة فلا أحب مخاطبتها، وتعزي الشابة [353 أ/3] محارمها، وينبغي أن يخص بها من الأهل من كان أضعف قلباً، وأضعفهم عن حمل المصيبة كيلا يتكلم بما يحبط أجره، ويعزي الأفاضل منهم والمنظور إليه فإنه إذا تعزى تبعه من دونه. قال في "الأم": وأحب مسح رأس اليتيم وتدهينه وإكرامه وأن لا ينهر ولا يقهر فإن الله تعالى قد أوصى به، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التصافح في التعزية فقال: "هو سكن للمؤمن ومن عزى مصابا فله مثل أجره".

وأما لفظ التعزية: قال: إذا عزى مسلم مسلماً قال له: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك وغفر لميتك وخلف عليك، يعني صار لك خليفة عنه. وإن عزي مسلماً بنصراني قال: أعظم الله أجرم وأحسن عزالك وأخلف عليك، وإن عزي نصرانياً بنصراني قال: أخلف الله عليك ولا نقص عددك، وينوي كثرة عدده لتكثر الجزية، وإن عزي نصرانياً بمسلم قال: غفر الله لميتك وأحسن عزاءك وأخلف عليك بالخير، أو جبر مصيبتك فخرج من هذا أربع مسائل: إحداها: أن يكون الميت والمعزي مسلمين فيدعو للمعزى بالأجر وللميت بالمغفرة. والثانية: أن يكونا كافرين فلا يجوز [353 ب/3] أن يدعو للمعزى بالأجر ولا للميت بالمغفرة؛ لأنه لا يجو زالدعاء للكافر بالمغفرة. قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] الآية. والثالثة: أن يكون المعزي مسلماً والميت كافراً فيدعو له بالأجر والإخلاف عليه، ولا يدهو للميت. والرابعة: على عكس هذا، فيدعو للميت بالمغفرة وللمعزى بجبر المصيبة والإخلاف عليه. قلت: ويستحب إذا كان الميت طفلًا أن يقول عند التعزية: وجعله فرطاً لك. وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة"، فقالت عائشة رضي الله عنها: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: "ومن كان له فرط يا موفقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك قال: "فأنا فرط أمتي لم يصابوا بمثلي" وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لايموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم". مسألة: قال: وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما. الفصل وهذا كما قال. أراد أن يتخذ في [354 أ/3] الوقت الذي مات فيه ميتهم طعاماً لتبعهم فإنه سنة، وهو فعل أهل الخير، وأراد بالسنة ما روي في قصة عروة في موته، لما قتل جعفر بن أبي طالب، وبلغ النعي أهل جعفر، دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهله فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد نزل بهم ما يشغلهم" يعني عن الطعام. قال: وهو من فعل الخير. وهذا لأنه من باب الجود والإفضال والإعانة على نوائب الحق، فإن أهل الميت لا يتفرغون لاتخاذ الطعام لأنفسهم في الغالب، ويعيرون لو اشتغلوا به

باب البكاء على الميت

فكان إنفاذ الطعام إليهم من باب الخير والتعاون على البر والمعروف، وأراد الشافعي بقرابة أهل الميت الأبعدين منهم، وأما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس غليه كما يفعل في جبال طبرستان فلم ينقل فيه ش ئ وهو بدعة غير مستحب. باب البكاء على الميت مسألة: قال: وأرخصُ في البكاء بلا ندبٍ. الفصل وهكذا كما قال: جملته أنه يكره البكاء بالنوح والندب والتعديد، ونشر الشعور، وخمش الوجوه وتخريق الثياب، وهذه الكراهة هي [354 ب/3] كراهة تحريم. قال الشافعي لما في النوح من تجديد الحزن ومنع الصبر وعظيم الإثم، وهذا يدل على أن قوله: وأكره النياحة هي كراهية تحريم. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنها كم عن صوتين فاجرين صوت مزمار عند نغمة، وصوت عند حادث مصيبة"، وقالت أم عطية: أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس منهن أم سليم وأم العلا، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ وقالت: أيضاً لما نزل قوله تعالى: {إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} إلى قوله: {ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة:12] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا آل فلان. وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة والطعن في الأنساب، والعدوى أجرب بعير فأجرب مائة بعير من أجرب البعير الأول [355 أ/3] والأنواء مطرنا بنوء كذا". وروى أبو مالك الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران" وروي عن علي بن ربيعة الأسدي قال: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة بن شعبة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال النوح في الإسلام أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من نيح عليه عذب ما نيح عليه". وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس منا من شق الجيوب وضرب الخدود ودعا بدعوى الجاهلية". وقال أيضاً: "ليس منا من حلق

أو سلق" والسلق: النياحة لقوله تعالى: {سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] ويقال: خطيب مسلق. وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن النائحة والمستمعة". وأما البكاء المجرد يجوز ويباح لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات ابنه إبراهيم أخذه في حجره وهو يدمع فقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون". وروى أسامة بن زيد أن بنت رسول [355 ب/3] الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إليه أن ابني أو بنتي قد حضر فاشهد فأرسل يقرأ السلام. وقال: لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل ش ئ عنده إلى أجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال ذلك: فأرسلت ثانياً تقسم عليه ليأتينها فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقام معه سعد بن عبادة. ومعاذ بن جبل فأتاها فوضع الصبي في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال له سعد بن عبادة: نا هذا يا رسول الله؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: شكا سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال: قد مضى قالوا: لا يا رسول الله فبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأي القوم بكاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكوا فقال: "ألا تسمعون أن الله لا يعذب بأدمع الغير ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم". قال الشافعي: ويكره المأتم [356 أ/3] وهو الذي يجتمع فيه النساء والرجال، وإن لم يكن بكاء، وإنما كرهناه، لما جاء فيه من الإثم وتكلف المؤنة وتجديد الحزن، وقال في "الأم": فإذا مات أمسكن فاستحب قطع البكاء بعد الموت. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب، فصاح به فسلم لحينه، فاسترجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "غلبنا عليم يا أبا الربيع" فصاح النسوة يبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهن فإذا وجبت فلا تبكين باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول الله فقال: "الموت". قال أصحابنا: والفرق بين ال حالين هو أن الذي شارف الموت إذا كان يرى علامات الموت على نفسه، ورأى فيمن حوله لا يبكون فربما ساءه ذلك، وإذا مات زال هذا المعنى، فإن علبه الدمع فذلم مما لا يملكه البشر، فلا يدخل تحت النهي، كما روي في خبر إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا تنفس الصعداء وحزن القلب. وانكسار النفس لا بد منه بل ضد ذلك قسوة في القلب. وروي

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون [356 ب/3] اللهم عندك أحتسب مصيبتي فاجرني عليها وأبدلني بها خيراً منها". والندب: قول النسوة: وافلاناه واسيداه واجبلاه ونحو هذا من تعداد فضائل الميت على وجه التأسف عليه، والنياحة: هي كلمات منظومة تشبه الشعر. وروي أن خالد بن الوليد لما أشرف على الموت ندبه بعض من حضره يقول: واكفهاه واجبلاه واسنداه، وكان يعشى عليه ويفيق فأفاق فقال: ما ندبتموني بش ئ إلا خوفت به، وقيل لي: أنت هكذا. فإذا تقرر هذا، فقد ذكر الشافعي بعد هذا ما جاء في التشديد في البكاء على الميت، وروى حديث عمر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، وقال: "حسبكم القرآن"، وهذا إشارة إلى قصة وهو أنه لما طعن عمر رضي الله عنه خرج أمعاؤه في مواضع كان يغشى عليه ويفيق، فأقبل صهيب رضي الله عنه وهو يتأوى ويندبه فيقول: واجبلاه واكهفاه واسنداه وأميراه، فأفاق عمر فسمع صوته فقال له: أتبكي علي وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فسمع ابن عباس فحفظه فلما توفي عمر ومضى زمان فتوفي بعض آل عمر وكان عبد الله بن [357 أ/3] عم روابن عباس رضي الله عنهما جالسين على باب حجرة عائشة ينتظران تلك الجنازة، فلما أقبلوا بالجنازة كان النساء يبكين، فقال ابن عباس لابن عمر: هلا نهيتهن فإني سمعت أباك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فسمعت عائشة ذلك من وراء الستر فقالت: رحم الله عمر والله ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا وإنما قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ثم قالت حسبكم القرآن قال الله تعالى: {ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ثم قال ابن عباس: عند ذلك تصديقاً لقول الله: {هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكَى} [النجم: 43] أي ما ذنب الميت في بكاء أهله عليه. هذا شرح القصة مع أن الشافعي مال إلى ما قالت عائشة ورجح روايتها على رواية عمر. قال: ما روت عائشة أشبه بدلالة الكتاب ثم السنة، ثم فسر دلالة الكتاب بما ذكرت عائشة من قول الله تعالى {ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وزاد عليها فقال: وقال تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15] وقال: {وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39] ثم فسر دلالة السنة فقال قال النبي [357 ب/3]- صلى الله عليه وسلم - لرجل في ابنه "أما أنه لا يجني عليم ولا تجني عليه" وتمام هذا الخبر هو أن رجلين دخلا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أكبرهما سناً فقال: ما هذا منك؟ فقال: هذا ابني فقال: "أما أنه لا

يجني عليك ولا تجني عليه" أي لا يؤاخذ أحدكما بذنب الآخر، فهذا هو وجه ترجيح رواية عائشة على رواية عمر رضي الله عنهما، ثم اعلم أنه لا بد من تأويل حديث عائشة أيضاً، فإن فيه بعض ما في حديث عمر وذلك أنه كما لا يجوز أن يعذب المسلم ببكاء أهله عليه لا يجوز أن يزيد في عذاب الكافر ببكاء أهله عليه؛ لأنه كما لا يظلم المسلم لا يظلم الكافر مثقال ذرة. فأول الشافعي هذا القدر تأويلًا مجملًا فقال: وما يزيد في عذاب الكافر فباستجابه أي باستحقاقه لا بذنب غيره، وهذا يحتاج إلى بيان فبيانه ما ذكره المزني فقال: بلغني أنهم كانوا يوصون بالبكاء أو بالنياحة عليهم أو بهما وهي معصية، وإذا أمر بها وعملت بعده كانت له ذنباً، فيجوز أن يزداد بذنبه [358 أ/3] عذاباً كما قال الشافعي لا بذنب غيره، ولا فرق بين أن هذه الوصية من مسلم أو كافر، وهذا موجود في أشعارهم: إذا مت فانعوني بما أنا أهله وشقي عليَّ الجَيْبَ يا أم معبد ومن أصحابنا من قال الصحيح من رواية عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الميت ليعذب وأهله يبكون عليه"، وذكر مسلم في صحيحه عن عائشة أنه ذكر لها هذا الخبر، عن ابن عمر رضي الله عنهما فقالت: "رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئاً فلم يحفظه إنما مرت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة يهودي، وهم يبكون عليه فقال: "إنهم يبكون وإنه ليعذب" وقالت أيضا: إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، وقالت: إنما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهودية يبكي عليها فقال: "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في فبرها" ومن أصحابنا من قال معناه: أن بكاءهم عليه يكون سبباً لمؤاخذة الله هذا الكافر أو العاصي بذنب نفسه، وأنه كان في [358 ب/3] معلومه أنهم لو لم يبكوا عليه لكان لا يؤاخذه بذنبه وقيل: معناه أن الميت ليعذب عند بكاء أهله كما يقال: عتق المكاتب بالأداء - أي عند الأداء بالقول السابق - وقيل: إنهم كانوا ينوحون عليه ويعددون أفعالهم التي هي قيل .... والغارات، فأراد أنهم يعذبون بما يبكون به عليهم. ويكره مرثية الميت بذكر أيامه وفضائله وأفعاله، والأولى الاستغفار له، لما روى ابن أبي أوفى سمع نسوته يرثين ميتاً فنهاهن وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ينهي عن المراثي". فرع يستحب زيارة القبور للرجال، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت"، وروى بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور

فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة"، وقال في "الأم": لا بأس بزيارة القبور، فإنك إذا زرت القبور تستغفر للميت [359 أ/3] ويرق قلبك" وتذكر أمر الآخرة فهذا مما أحبه، وبهذا قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق. فَرْعٌ آخرُ قال أصحابنا: يكره زيارة القبور للنساء لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لعن زوارات القبور" وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لعن زائرات القبور أو المتخذين عليها المساجد والسرح". قال القاضي الطبري: لا أعرف هذا للشافعي. قلت: قال في بعض أصحابنا: يحتمل أنه كره لهن ذلك لعلة صبرهن وكثرة جزعهن. وقيل: كان هذا قبل أن يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وهذا أصح عندي إذا أمنت الافتتان والتعدي عما فيه رضي الله تعالى. فَرْعٌ آخرُ قلت: يكره لها اتباع الجنازة والخروج إلى المقبرة مع النساء لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً ميتاً فلما فرغنا انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرفنا معه فلما جاؤوا بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة فعرفها فكانت فاطمة رضي [359 ب/3] الله عنها فقال لها: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فلعلك بلغت معهم الكدى قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال: "لو بلغت معهم الكدى" وذكر تشديداً. والكدى: هي القبور قاله ربيعة: وقيل الكدى جمع الكدية: وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار. فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا اجتاز بالمقبرة أن يسلم على أهلها فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. قال الشافعي: يقول: اللهم اغفر لنا ولهم يدعو بعد هذا بما يريد، وقالت عائشة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" وقالت أيضا للجماعة: "ألا أحدثكم عني وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجه فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وانتقل رويداً أو فتح الباب وخرج، ثم أجافه رويداً وجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فقام فطال القيام ثم

رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فاحتضرت فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: ما لك يا عائشة؟ قلت: لا ش ئ فقال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: "أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله" قلت: مهما يكتمه الناس يعلمه الله. قال: نعم، قال: فإن جبريل أتاني حتى رأيته فناداني فاخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أنك قد رقدت فكرهت أن أوقظك [360 ب/3] وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم فقلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله للاحقون"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بقبور أهل المدينة فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" وروي في خبر آخر أنه قال: "أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم نسأل الله لنا ولكم العافية" وقوله: إن شاء الله بكم لاحقون ليس على معنى الاستثناء للشك والارتياب، ولكنه لتحسين الكلام كما يقول القائل: إن أحسنت إلى شكرتك إن شاء الله، وقيل: كان معه قوم يظن بهم النفاق فاستناده ينصرف إليهم، ومعناه: اللحوق بهم في الإيمان وقبل الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الوقت. فَرْعٌ آخرُ قلت: يجوز له زيارة قبر الوالدين والأقارب وإن كانوا مشركين، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم [361 أ/3] يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي"، وروي أنه زار قبر أمه فبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لكم فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي". فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب الثناء الحسن على الميت لما روى أنس بن مالك قال: مر بجنازة فأثنى عليها خيراً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وجبت وجبت وجبت". فقال عمر رضي الله عنه: قداك أبي وأمي ما معناه؟ فقال: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض"، وقال أبو الأسود الدؤلي: قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال عمر: وجبت فقلت لعمر: ما وجبت؟ قال: أقول كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا

وجبت له الجنة" قلنا: واثنان قال: واثنان قال: ولم نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الواحد، وقال: أيضا "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم". فَرْعٌ آخرُ قلت: قال الله تعالى: {وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} [البقرة: 155 و 156] [361 ب/3] الآية والصبر عند الصدمة حتى يستحق ما وعد الله تعالى، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" أو قال عند أول صدمة. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قدم ثلاثة لم بيلغوا الحنث كانوا له حصنا حصيناً" قال أبو ذر: قدمت اثنين قال: واثنين قال أبي بن كعب سيد القراء قدمت واحداً قال: وواحداً، لكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى، وروى أبو موسى الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي فيقولون: حمدك واسترجه فيقول الله تعالى: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه [362 أ/3] بيت الحمد". فرع قلت: يستحب له أن يقصد جنازة الشهداء وزيارتهم إذا دفنوا أكثر مما يكون في غيرهم، وقد روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله"، وروي أنه قال لأصحابه: "ما تعدون الشهادة؟ قال: القتل في سبيل الله، فقال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد، والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة" وهي أن تموت وفي بطنها ولد. وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتله بطنه لم يعذب في قبره".

فَرْعٌ آخرُ قلت: يكره الفرار من الطاعون لما روى أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الطاعون فقال: "بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا، وإذا وفع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا فيها". وقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[362 ب/3] يقول: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً" وقوله: "لا تقدموا عليه" إثبات الحذر والنهي عن التعرض للتلف، وقوله: "ولا تخرجوا فراراً منه" فيه إثبات التوكل والتسليم لأمر الله تعالى وقضائه، فأحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض. فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب إذا مات في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أو في يوم عاشوراء أو يوم في يوم عرفة أن يتفاءل له خيراً ويرغب في حضور جنازته، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله وحشة القبر". فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب إذا نزل به آيات الموت أنه لا يجزع من الموت، ولا بأس أن يجزع من الذنوب، وروى عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال ذلك، قالت عائشة: يا نبي الله كلنا نكره الموت فقال: "ليس كذلك ولكن المؤمن إذا [363 أ/3] بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والكافر إذ بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه". وقال عبد الله بن مسعود: "إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، فمن كان حاله هذا ينبغي أن يستأثر الموت ويختاره، اللهم ارزقنا هذا برحمتك". فَرْعٌ آخرُ قلت: يستحب إذا أراد أن يسأل من الله تعالى حاجة أن يفعل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليجسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثنين على الله تعالى وليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعافية من كل بر، والسلامة من كل إثم، ثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك

رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" قلت: ويتحرى غداة يوم السبت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من عدا [363 ب/3] غداة يوم السبت في حاجة عمل طلبها فأنا ضامن لقضائها". فَرْعٌ آخرُ يستحب إذا أراد أن يبتدئ أن يقدم صلاة الاستخارة وهي ما روى جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعيشتي، وعاقبة أمري، فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعيشتي، وعافبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه واقدر لي الخير كان، ثم أرضني، ويسمي حاجته". فصل اعلم أن الخبر ورد بصلاة التسابيح وهي صلاة مرغوب فيها ويستحب أن يعتادها كل حين ولا يتغافل عنها وهكذا قال ابن المبارك وجماعة العلماء وقال ابن وهب: سألت عبد الله بن المبارك عن صلاة التسابيح فقال: يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله [364 أ/3] غيرك ثم يقول خمس عشرة مرة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم يتعوذ ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وسورة ثم يقول عشر مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم يركع فيقولها: عشراً، ثم يرفع فيقولها: عشراً ثم يسجد فيقولها: عشراً ثم يرفع رأسه فيقولها: عشراً ثم يسجد الثانية فيقولها: عشراً، يصلي أربع ركعات على هذا فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة يبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة ثم يقرأ ثم يسبح عشراً، وقال: يبدأ في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا اسبح التسبيحات وقيل لعبد الله بن المبارك: إن سهى فيها يسبح عشر عشراً قال لا إنما هي تسبيحة والله أعلم. تم الجزء الثاني من كتاب بحر المذهب حسب تقسيم المحقق ويتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى كتاب الزكاة

بَحْرُ المَّذْهَبِ في فرُوع المذْهَب الشّافعي تأليف القاضي العلاّمة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي 502 تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الثالث يحتوي على الكتب التالية: الزكاة- زكاة الفطر- الصيام- الاعتكاف- الحج

كتاب الزكاة

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم كتاب الزكاة اعلم أن الزكاة الصدقة من [مال مخصوص] هو ما يخرجه من ماله, أي: المختار إلى المحتاجين تطهيرًا لماله وتنمية له, ثم قد يكون فرضًا, وقد يكون تطوعًا. والزكاة ركن من أركان الدين, والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى في غير موضع: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ} (البقرة: 43) وقوله تعالى: {ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [التوبة: 71] , وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وقوله: {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] الآية. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كلُّ مال لم تؤدَّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض" (¬1). فقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا جارت الولاة قحطت السماء, وإذا منعت الزكاة هلكت المواشي, وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة, وإذا أخفرت الذمة أديل الكفر" (¬2). وقال صلى الله عليه وسلم: "ما خالطت الزكاة مالاً إلا أهلكته" (¬3)، وقال صلى الله عليه وسلم: "مانع الزكاة في النار" (¬4). وروي أن رجلًا قال يا رسول الله ما الإسلام؟ فقال: أن تعبد الله ورسوله ولا تشرك به شيئًا, وتقيم الصلاة المكتوبة, وتؤدي الزكاة المفروضة, وتصوم شهر رمضان". ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [2 أ/ 4] "ردوا علي الرجل" فلم يروا أحدًا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا جبريل جاء ليعلِّم الناس دينهم" (¬5). وأما الإجماع, فلا خلاف بين المسلمين في وجوبها. واعلم بأن معنى الزكاة في اللغة: النماء والزيادة, يقال: زكاة الزرع, إذا نما وزاد. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7230). (¬2) أخرجه الحكيم الترمذي, والبزار, وابن خزيمة والديلمي في الفردوس كما في فيض القدير (4/ 142). (¬3) أخرجه الحميدي (237) , وابن عدي في "الكامل" (6/ 2214). (¬4) انظر: "مجمع الزوائد" (3/ 64) , وعزاء للطبراني, وهو في "الصغير" له (2/ 58) (¬5) تقدم تخريجه.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما نقص مال من صدقة" (¬1) , وقال الله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ الله وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ} [الروم: 39] , فالشرع وافق مقتضى اللغة. واختلف أصحابنا في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ} [النور: 56] ونحوه من الآيات, هل هي مجملة أو عامة على وجهين. . . . (¬2) كقوله تعالى: {والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} [المائدة: 38] فيكون حجة في كل مختلف إلا ما أخرجه الدليل. والثاني: هي مجملة, وهو للمذهب, كقوله تعالى: {. . . .} (¬3) لأنه. . . . (¬4) إلى. . . . (¬5). . . . (¬6) المراد به بخلاف آية السرقة, فعلى هذا الزكاة المفروضة زكاتان: زكاة الأموال, وزكاة الأبدان. فأما زكاة الأبدان فهي زكاة الفطر ويجيء بيانها إن شاء الله تعالى, وأما زكاة الأموال فهي تجب في عين الأموال وأكثرها نماء وأعظمها منفعة, وهي ثلاثة أجناس الماشية والزرع. . . . (¬7). . . . . . . (¬8) ومنها الأجل [2 ب/ 4]. . . . . (¬9) وفي الزرع والثمار, يجب في أعظمها منفعة, وهي: القوت, وفي الجواهر في النقدين: الذهب والفضة, ولا يجب فيما عداهما إلا بالتجارة, وهذا لأن الله تعالى أوجبها على طريق المساواة, وهذا اعتبر فيه النصاب والحول. ثم اعلم أن الناس في الزكاة على ثلاثة أضرب: ضرب يعتقد وجوبها ويؤديها, فهو المشكور والمدعو له على ذلك. قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103] أي: ادع لهم. وضرب يعتقد وجوبها ولا يؤديها, فهذا مسلم فاسق, فيطالبه الإمام بأدائها أو الأخذ من ماله كرهًا, فإن كان ربّ المال في منعه لا يقدر عليه كان للإمام قتاله, وعلى الرعية معاونته حتى يؤديها. وضرب لا يعتقد وجوبها بعد استقرارها, فإن كان جاهلاً بالوجوب لقرب عهده بالإسلام, عرف حكمها, وعلم فرضها, ليعلم أنها من أركان الإسلام, وإن كان عالمًا بالوجوب فإن نشأ في دار الإسلام بين المسلمين, فقد كفر ويقتل لردته؛ لأنه خلاف إجماع الخاصة والعامة, وفيه تكذيب الله تعالى, وتكذيب رسوله صلى الله عليه وسلم, فإن قيل: أليس القوم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه على منع الزكاة, لم يكفر, فكيف كفَّرتهم هؤلاء؟ [3 أ/ 4] قلنا: الزكاة في ذلك الوقت لم يستقر وجوبها؛ بل كانت عليها أدلة ظاهرة يمكن تأويلها, ثم استقر فرضها بالإجماع, فكفر من جحدها بعد ذلك, وهذا كما أن عمرو بن معد يكرب وقدامة بن مظعون اعتقدا أن الخمر مباحة, فكانا يقولان: ما قطع الله بتحريمها لأنه قال: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91] ولم يقل: بلى, ولا نعم عند الاستفهام. وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي (2325) , والطبراني في "الصغير" (1/ 54). (¬2) و (¬3) و (¬4) و (¬5) و (¬6) و (¬7) و (¬8) و (¬9) موضع النقط بياض بالأصل.

باب الإبل السائمة

جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآية, فنحن نعمل الصالحات لله تعالى وقطع ما نريد. فقال لهم الصحابة: ذلك فيما طعموا قبل الإسلام لأن الله تعال لما أنزل تحريمها قالت الصحابة فأنزل الله تعالى هذه الآية, فلم يكفرا لأنهما قالاه لقرب من التأويل, ولم يكن انعقد الإجماع فيه, ثم رجعا, وصار بعد ذلك إجماع الخاصة والعامة, فمن أباحها بعد ذلك كفر, فهي كالزكاة سواء. باب الإبل السائمة مسألة: قال (¬1): أخبرنا القاسم بن محمد, وذكر الخبر. وهذا كما قال. بدأ الشافعي رحمة الله عليه بزكاة الإبل اتباعًا للخير, وذلك لأنها أجلُّ الأموال وأنفسها عند العرب, وقيّد بالإبل السائمة لأن الزكاة لا تجب في المعلوفة منها. وقيل بيان زكاتها نتكلم على أسبابها [3 ب/ 4] حتى يكون أسهل لمعرفة زكاتها, فإذا ولدت الناقة وانفصل عنها فهو فصيل, ويقال له: فإذا استكمل السنة ودخل في الثانية فهو ابن مخاض, والأنثى بنت مخاض, وإنما سميت بنت مخاض لأن أمها حامل في الغالب, ويسمى بهذا, وإن لم تكن أمها حاملًا اعتبارًا بالأغلب, والمخاض اسم جنس لا واحد له من لفظه, وإنما الواحد منها خلفة, فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ابن لبون, وإنما سميت بهذا الاسم لكون أمها لبون أو ذاك, فإذا استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة فهو حق, والأنثى حقة, لأن من حقها بهذا جاء الخبر, وقيل: سميت حقة؛ لأن من حقها أن يحمل عليها أو تركب. فإذا استكمل أربعًا ودخل في الخامسة فهو جذع -بفتح الذال- والأنثى جذعة, وسميت جذعة لتكامل أسنانها, وقيل: لنبات سن لها في هذه الحالة, وهو قريب من الأول, وقيل: لسقوط مقدم أسنانها, وهذا آخر أسنان فرائض الإبل, ولا يجب فيها أكبر من الجذعة. فإذا استكمل خمسًا, وذلك في السادسة, فهو ثني, والأنثى نية, وهما يجزيان في الأضحية, فإذا استكمل ستًا ودخل في السابعة فهو رباع, والأنثى رباعيّة, فإذا استكمل سبعًا ودخل في الثامنة فهو سديس, وسدس لغتان, واللفظ (4 أ/ 4) في الذكر والأنثى واحد, فإذا استكمل ثمانيًا ودخل في التاسعة فهو بازل, لظهور نابه, ثم بعد هذا يقال: بازل عام, وبازل عامين, ويسمى بهذا الاسم وإن كانت أنثى؛ لطلوع بازله, وهو الناب. فإذا تقرر هذا فلا شيء فيها حتى تبلغ خمسًا, فإذا بلغتها ففيها شاة, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرًا, فإذا بلغتها ففيها شاتان, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرين, فإذا بلغتها ففيها أربع شياه, فالواجب إلى العشرين من غير جنسها, ثم ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 188)

الواجب من بعد هذا جنسها, فلا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمسًا وعشرين, فإذا بلغتها ففيها بنت مخاض. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: فيها خمس شياه, وفي ست وعشرين بنت مخاض, فاتبع أحد النصابين الآخر من غير وقص بينهما, ولم يتابعه أحد على هذا, وقيل: إنه رجع عنه. ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستًا وثلاثين, فإذا بلغتها ففيها بنت لبون, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستًا وأربعين, فإذا بلغتها ففيها حقة, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ إحدى وستين, فإذا بلغتها ففيها جذعة, وقد انتهت الزيادة في السن, فلا يجب سن أكبر منها وإن كان كلها أكبر منها, فأكبر سن الفريضة الجذعة, وأصغرها بنت مخاض, ولا يعودان بعد الانتقال [4 ب/ 4] عنهما, ويكون الواجب حقاقًا وبنات لبون, فتكون الزيادة تارة في السن, وتارة بالعدد, ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين, فإذا بلغتها ففيها ثلاث بنات لبون, وقد استقرت الفريضة فيكون في كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة, ويتغير الفرض بكل .... (¬1) لو زاد على مائة وعشرين جزءًا من بعير, فإنه لا يتغير الفرض به, وقال أبو سعيد الإصطخري: يتغير ويجب فيها ثلاث بنات لبون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زادت الإبل على عشرين ومائه واحدة, ففيها ثلاث بنات لبون" (¬2)، ولأن الوقص إذا انتهى لا يتغير الفرض إلا بزيادة واحجة كما في سائر الوقاص, ثم إن هذه الواحدة الزائدة على مائة وعشرين هل لها قسط من الفريضة, أو عفو؟ اختلف أصحابنا فيه, المذهب - وهو قول الأكثرين- لها قسط منها لأنه لا يجوز تغيير الفرض بما لا قسط له منه. وقال بعض أصحابنا, وهو اختيار الإصطخري: إنه [5 أ/ 4] لا قسط لها منها, لأنه يؤدي إلى إيجاب بنت لبون في أربعين وثلث وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو تلفت هذه الواحدة بعد الحول قبل إمكان الأداء هل يسقط شيء من الواجب أم لا؟ ثم إذا اجتمعت بنات لبون في عدد, فاجعل بعد هذا مكان كل بنت لبون حقة, وإذا اجتمعت الحقاق وانتقلت عنها, فاجعل بعددها بنات لبون وزد واحدة, وهذا يجزي ولا ينكر فيكون في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون, ثم في مائة وثلاثين بنتًا لبون وحقة, ثم في مائة وأربعين حقتان وبنت لبون, ثم في مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون, ثم في مائة وثمانين حقتان وبنت لبون, ثم في مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون, ثم في مائتين اجتمع أربع خمسينات وخمس أربعينات, فتأخذ ما هو الأفضل من خمس ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض الأصل. (¬2) انظر نصب الراية (2/ 343).

بنات لبون وأربع حقاق, وبه قال الأوزاعي وإسحاق والخرقي عن أحمد, ووافقنا مالك إلا في فصل وهو أنه قال: يجب في إحدى وتسعين إلى مائة وثلاثين حقتان, ثم تستقر الفريضة بعده على ما ذكرنا, وبه قال أحمد في رواية, وأبو عبيد. وروي عن مالك: إذا زادت واحدة يتغير الفرض إلى تخيير الساعي بين ثلاث بنات لبون, وبين الحقتين. وقال حماد والحكم: لا شيء في الزيادة (5 ب/ 4) على مائة وحتى تبلغ خمسا, (فتبلغ مائة وخمسًا وعشرين) ثم يلزم حقتان في مائة، وابنه مخاض في خمس وعشرين. وقال أبو حنيفة والنخعي والثوري: وروي ذلك عن علي وعبد الله، ولكن قال ابن المنذر: لا يثبت عنهما إذا زادت الإبل على مائة وعشرين, فإذا بلغت مائة وخمسًا وأربعين ففيها بنت المخاض مع الحقتين, فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها حقاق, فترقى بنت المخاض إلى الحقة, خلاف الأصول أيضًا, ثم يستأنف الفريضة, ففي كل خمس شاة إلى مائة وخمس وسبعين, فيلزم بنت لبون مع ثلاث حقاق إلى مائة وست وثمانين, فيلزم بنت لبون مع ثلاث حقاق إلى مائة وست وتسعين, وفيها أربع حقاق, وفي المائتين أربع حقاق أيضًا, ثم يستأنف هكذا في كل خمسين. وقال ابن جرير الطبري: إن الساعي بالخيار بين أن يأخذ بما قال الشافعي, وبين أن يأخذ بما قال أبو حنيفة, وينسب هذا القول إلى ابن خيران, وهو غلط عندي, وهذا خطأ فاحش؛ لأنا أسقطنا ما رواه أبو حنيفة, وأسقط أبو حنيفة ما رويناه, وأسقط ابن جرير الخبرين معًا, والأصل الذي اعتمد عليه الشافعي في هذا الباب الخبر الذي بدأ به ورواه عن المثنى بن أنس أو ابن فلان ابن أنس, شك الشافعي فيه, فقال: أنا شككت عن أنس بن مالك [6 أ/ 4] وروى الشافعي هذا الخبر من طريقة أخرى هذا الخبر, قال (¬1): أخبرني عدد من الرجال الثقات حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس, وهو معنى قول الشافعي في آخر هذا الجزء؛ وحديث أنس ثابت من جهة حمّاد بن سلمة وغيره دفعًا للوهم بما شك الإسناد الأول, أي: هو غير مشكوك فيه من هذه الجهة, وإن كنت شككت فيه من جهة غيره, ثم قال: هذه الصدقة, كأنه أشار إلى نسخة كتاب فيه بيان الصدقة, فقال (¬2): هذه الصدقة, ثم قرأها باسم الله الرحمن الرحيم, هذه فريضة للصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين, التي أمر الله بها, يريد به قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [التوبة: 103] الآية. وقيل: معناه هذا تقدير ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 3) (¬2) انظر الأم (2/ 3)

الصدقة التي قدرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها, التي أمر الله بها أي: أوجبها الله, فأضاف الإيجاب إلى الله تعالى [6 ب/ 4] والبيان والتقدير إلى نفسه؛ لأن الله تعالى أمر بالزكاة في القرآن مجملا غير مبين ولا مقدر, ثم بينها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم, وهذا أصح. ثم قال (¬1): فمن سألها على وجهها فليعطها, أي: فمن سئل هذه الصدقة على ما ورد به الشرع فليعطها ولا يمنعها, ومن سئل فوقها, فلا يعطه, أي: من سئل فوق الواجب فلا يعطي ما زاد على الواجب. ومن أصحابنا من قال: معناه فلا يعطه شيئًا أصلاً؛ لأنه صار معتديًا, بطلت الزيادة, وبطلت أمانته كالحاكم, والصحيح الأول لأن الوالي لا ينعزل بالجور على الصحيح من المذهب وإن كان القياس أنه منعزل, ولأن المراد به الإعطاء إلى الساعي, والساعي وكيل أهل السهمان, والوكالة لا تبطل بطلب الزيادة, والهاء في قوله: فلا يعطه, هي كناية عن الفرق في قوله: فمن سئل فوقها, وليس بكناية الساعي الطالب للصدقة, لأنه لم يؤنث, وقال: فلا يعطه, ثم قال (¬2): فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين, ففيها بنت مخاض, فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر, تأكيدًا للكلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر" (¬3)، وقيل: إنما بالذكر لئلا تؤخذ الخنثى, لأنه يقال له: ابن لبون أيضاً, ولا يقال: ذكر [7 أ/ 4] وقيل: ليس في شيء من الحيوانات خنثى إلا في الآدمي والإبل. ثم قال (¬4): فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين, ففيها بنت لبون أنثى, وإنما قيد بالأنثى للتأكيد, كما يقال رأيت بعيني, وسمعت بأذني, ونحو ذلك, فإذا بلغت ستًا وأربعين إلى ستين, ففيها حقة طروقة الحمل, ويقرأ طروقة الجمل -بالجيم- وقد روي طروقة الفحل, أي: استحقت أن يركب ويحمل عليها, والأول أصح, فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين, ففيها جذعة, فإذا بلغت ستًا وسبعين إلى تسعين, ففيها بنتا لبون. وإنما كان كذلك لأن هذا العدد هو ضعف نصاب بنت لبون واحدة, وليس وراء الجذعة سن يؤخذ فأوجب بنتي لبون. ثم قال: فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة, ففيها حقتان طروقتا الحمل, وهذا لأن العدد هو ضعف نصاب حقة واحدة ثن قال: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون, وفي كل خمسين حقة. واعلم أن نصيب الإبل إلى هاهنا كانت مختلفة, وكانت في الابتداء حين كان الواجب الغنم خمسًا خمسًا, فلما صار الواجب من جنسها في خمس وعشرين بعد ذلك عشرًا عشرًا, ثم ثلاثة أوقاص بعد ذلك خمسة عشر, ثم الوقص بعد ذلك بلبون ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 3). (¬2) انظر الأم (2/ 3). (¬3) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (4/ 390). (¬4) انظر الأم (2/ 3).

وهو وقص الحقتين إلى أن ينتهي إلى (7 ب/ 4) عشرين ومائة, ثم يطرد إلى أوقاص بالعشرات, ثم قال: ومن بلغت صدقته جذعة, وليست عنده جذعة, وعنده حقة, فإنها تقبل منه, ويجعل معها شاتين, يعني: رب المنزل يعطي مع الحقة شاتين إن استيسرتا ما عليه, أو عشرين درهمًا, يعني: أن هذا حيران لما بين السنتين الواجبتين عليه, والتي يعطيها. ثم قال: ومن بلغت صدقته جذعة, وليست عنده جذعة, وعنده حقة, فإنها تقبل منه الجذعة, ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين. وقال مالك: إذا لم يكن في ماله السن الواجب, يلزمه الحيران بشاتين أو عشرة دراهم, لأن قيمة كل شاة في الزكاة بنصاب الدراهم خمسة دراهم, وبه قال حمّاد والثوري وأبو عبيد, وإحدى الروايتين عن إسحاق, وهذا غير صحيح, لما ذكرنا من النص الصريح. ثم قال الشافعي: وحديث أنس ثابت من جهة حمّاد وغيره, أراد بقوله: وغيره, محمد بن عبيد الأنصاري, يرويه عن ثمامة بن عبد الله بن أنس, بل شك على ما ذكرنا, ثم أيّده بحديث آخر رواه عن ابن عمر أن: هذه نسخة كتاب عمر في الصدقة التي كان يأخذ عليها, ثم قرأها, فحكي هذا المعنى, يعني حديث أنس من أوله إلى قوله: ففي كل أربعين بنت لبون (8 أ/ 4) وفي كل خمسين حقة, يعني وليس في حديث ابن عمر ذكر الجيران كما كان في حديث أنس, ولكن في حديث أنس, ولكن في حديث ابن عمر زيادة ليست في حديث أنس, ولم ينقلها المزني, وهي أنه قال: ولا يؤخذ في الصدقة هَررِمة ولا ذات عُوار, ولا يتبين إلا ما شاء المصدق, ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسويّة, ثم قال الشافعي: وبهذا كله نأخذ, أي: بكل ما جاء في حديث أنس, وحديث ابن عمر نأخذ, وبه نعمل. مسألة: قال: (¬1): "ولا تَجِبُ الزَّكاةُ إلاَّ بالحَولِ". وهذا كما قال: الأموال هي على ثلاثة أضرب: مال لا ينمى هو مرصد النماء, كالثياب, فلا زكاة فيها إلا بالتجارة وحولان الحول من يوم التجارة. ومال هو نماء في نفسه كالثمار والزروع والذهب والفضة المستخرجين من المعدن, فلا يعتبر فيه الحول في وجوب الزكاة فيه. ومال ليس ينمي في نفسه, ولكنه مرصد لطلب النماء منه كالإبل والبقر والغنم والنقدين: الذهب والفضة, إذا ملكها ببيع أو ميراث فلا زكاة فيه إلا بحلول الحول عليه. وقال ابن عبّاس: تلزم الزكاة في المستفاد بهبة أو إرثٍ أو عطاءٍ من غير حول. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تلزم في العطاء وحده دون غيره من غير حول, وكان إذا قبض العطاء أخرج زكاته في الحال, وهذا غلط [8 ب/ 4] لقوله ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 190).

صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (¬1) , فإذا تقرر هذا, فهل الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان؟ قولان. وقال في "الأم" (¬2) و"القديم": ثم تجب بالنصاب والحول والإمكان, فيكون شرائط الوجوب ثلاثًا, وبإمكان الأداء يتعلق الوجوب والضمان معًا, وبه قال مالك, وهو ظاهر المختصر, ووجهه أنه لو هلك المال قبل الإمكان لم يضمن زكاته, فلا تكون الزكاة واجبة قبله. وقال في "الإملاء": لا تجب الزكاة إلا بالنصاب والحول, والإمكان شرط في الضمان, وبه قال أبو حنيفة, وهو القياس, فعلى هذا الشرط الوجوب اثنان, ثم إذا وجبت فهي أمانة في يده حتى يمكنه الأداء, فإذا أمكنه الأداء ولم يؤدها ضمنها, كما لو تعدى في الوديعة, ووجه أنه لو كانت الزكاة غير واجبة لَمَا ضمنها بالإتلاف كما قبل الحول. وقد قال الإمام أبو الطيب رحمه الله: هذا القول ضعيف لهذا السؤال, ويمكن أن يجاب عنه بأنه إذا لم يبق من شرائط الوجوب .... (¬3) فأتلفه قصد منع حصول .... (¬4) بفعله, فلم يعذر فيه, وأما قبل الحول فهي من شرائط الوجوب غير الإمكان, فلهذا لا يضمنها بهذا الإتلاف, ولا خلاف أن ابتداء الحول الثاني من يوم تمام الحول لا من يوم الإمكان. مسألة: قال (¬5): وليسَ فيما دونَ خمسٍ [9 أ/ 4] منَ الإبِلِ, ولا فيما بينَ الفريضَتَينِ شيءٍ. وهذا كما قال: أما فيما دون خمسٍ فلا زكاة بلا خلاف. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل دقة" (¬6)، وأما فيما بين الفريضتين, وهو الوقص, وقيل: الوقس - بالسين- والأول أشهر, فلا خلاف أنه لا يتعلق به زيادة واجب لا يجب في النصاب, ولكن الواجب في النصاب هل يقتصر عليه أم يتعلق به وبما زاد عليه؟ فيه قولان: إحداهما: يتعلق بالنصاب وما زاد عفو, وهو المشهور من المذهب, ذكره في كتبه الجديدة والقديمة, وبه قال أبو حنيفة والمزني وابن سريج. والثاني: قال في الإملاء والبويطي, وبه قال محمد: الفرض يتعلق بالكل, والمأخوذ مأخوذ عن الجميع ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (1/ 148) , وأبو داود (1573) , والدارقطني (2/ 91) , والبيهقي في "الكبرى" (7273) , وفي "معرفة السنن" (2273). (¬2) انظر الأم (2/ 14). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) موضع النقط بياض بالأصل. (¬5) انظر الأم (1/ 190) (¬6) أخرجه أحمد (2/ 403, 3/ 30, 45, 74, 79) , وأبو داود (1558) , والترمذي (626, 627) , والنسائي (2445) , وابن ماجه (1794).

وجه الأول أنه وقص قبل النصاب كالأربعة الأول، ووجه الثاني: أنه حق الله تعالى يتعلق بالنصاب، فيتعلق بما زاد عليه، كالقطع في السرقة، فإذا تقرر القولان فإذا ملك تسعًا من الإبل فحال عليها الحول، ثم تلف منها أربع قبل إمكان الأداء وبقيت في يدع خمس، اختلف أصحابنا فيه، قال أبو إسحاق: يجب عليه شاة على كلا القولين، لأن الوقص هو تابع للنصاب بلا خلاف، فإذا كان المتبوع باقيًا لم يسقط من الفرض شيء بتلف التابع، ولأن في خمس من الإبل شاة، وبزيادة الأربعة لا يزيد الواجب، فلا ينقص أيضًا [9 ب/4] بتلفها. وقال سائر أصحابنا: الجواب في هذه المسألة ونظائرها يبني على الأصلين الذين أصحابنا: الجواب في هذه المسألة ونظائرها ينبني على الأصلين الذين تقدم ذكرهما: إحداهما: أن الإمكان من شرائط الوجوب أو من شرائط الضمان. والثاني: هذا يتعلق الفرض بالوقص أم هو عفو. فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب فعليه في الخمسة الباقية شاة، لأن الأربع تلفت قبل تعلق الواجب بها، وحصلت شرائط الوجوب وفي يده خمس من الإبل فيلزمه شاة، وإن قلنا: الإمكان من شرائط الضمان، فإن قلنا: إن الفرض يتعلق بالنصاب والوقص وعفو، فعليه أيضًا شاة، لأنه لم يتعلق الفرض بالتالف. وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل فعليه خمسة اتساع شاة، لأن تعلقت بجميع التسع، وانقسمت على أجزائها فقابل خمسًا منها خمسة اتساعها. وإن كانت المسألة بحالها إلا أن التالف منها خمس والباقي أربع، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا زكاة، لأنها نقصت عن النصاب قبل وجوب الزكاة فيها، وإن قلنا: من شرائط الضمان، وقلنا: الفرض يتعلق بالنصاب دون الوقص، فعليه أربعة أخماس شاه، لأن الشاة تعلقت بالخمس وانقسمت على أجزائها فقابل أربعًا منها أربعة أخماسها. وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل فإنه يلزم فيها أربعة اتساع شاة. فرع [10 أ/4] لو كانت له خمس وثلاثون من الإبل، فتلف منها بعد الحول وقبل إمكان الأداء خمس عشرة وهي عشرون، فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فعليه أربعة شياه، وإن قلنا: من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فعليه أربعة أخماس بنت مخاض. فرع لو كانت له خمس وعشرون من الإبل، فتلفت منها خمس بعد الحول قبل إمكان الأداء، فإن قلنا: إنه من شرائط الوجوب فيلزمه أربع شياة، وإن قلنا: من شرائط الضمان، يلزمه أربعة أخماس بنت مخاض، ولا شيء على الأصل الآخر، لأنه ليس فيها وقص.

فرع آخر لو كانت له ثمانون شاه فتلف منها أربعون بعد الحول قبل إمكان الأداء، فإن قلنا: أنه من شرائط الوجوب، فيلزمه شاة، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فيلزمه شاة، وإن قلنا: الفرض يتعلق بالكل، فيلزمه نصف شاة، ولو كانت المسألة بحالها، فتلفت منها إحدى وأربعون، فإن فيها الإمكان من شرائط الوجوب، فلا زكاة، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان، فإن قلنا: الوقص عفو، فيلزمه تسعة وثلاثون جزءًا من أربعين جزءًا من شاه، وإن قلنا: إن الفرض يتعلق بالكل، فيلزمه تسعة وثلاثون جزءًا من ثمانين جزءًا من شاه. مسألة: قال (¬1): وإن وجبت عليه بنت مخاض فلم [10 ب/4] تكن عنده فابن لبون ذكر. وهذا كما قال: أراد به إذا لم تصل يده إلى بنت مخاض، ليدفعها إلى الساعي، يؤخذ منه ابن لبون، ولا يكلف شراء بنت مخاض، للخبر الذي ذكرنا، وهذا لأن في بنت المخاض فضيلة الأنوثة، لما فيها من الذر والنسل، وفي أثر اللبون فضيلة زيادة سن، فتقابلت الفضيلتان، وجعل هذا عوضًا عنها، ولا تعتبر فيه القيمة عندنا. قال أبو حنيفة: لا يوجد ابن اللبون إلا بقيمة بنت مخاض، وهذا غلط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قص عليه من غير اعتبار القيمة، وكان الوقت وقت الحاجة إلى البيان، ولو جاء بابن لبون وعنده مخاض، لا يجوز أخذه، وإن كان أكثر قيمة منها. وقال أبو حنيفة: يجوز هذا بالقيمة، وهذا غلط للخبر، ولو أعطى نصف ابن لبون سمين بقيمة بنت مخاض لا يجوز قبوله، خلافًا لأبي خنيفة، ولو قدر على شراء بنت مخاض لا يلزمه شراؤها، فإن قيل: أليس في الكفارة يلزمه شراء الرقبة إذا ..... (¬2) العدول عنها إلى الصوم، وكذلك يلزمه الوضوء بالماء، ولا يجوز العدول عنه إلى التيمم، فما الفرق؟ فإن قلنا: الشرع هنا اعتبر القدرة، لأنه تعالى قال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} [النساء: 92] وقال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] ومن وجد الثمن فإنه يسمى واجدًا، وهاهنا اعتبر الشرع أن لا يكون في ملكه، لأنه قال: فإن لم يكن [11 أ/4] فيها بنت مخاض فابن لبون، فإذا وجد الثمن لا تكون بنت مخاض في ملكه، وأيضًا لما جاوز العدول إلى ابن لبون مع القدرة على خمس وعشرين من الإبل، وتعلم ضرورة أنه يقدر على تحصيلها بواحدة منها أو ببعضها، علمنا ضرورة أنه لم يرد بحجره على تحصيلها بخلاف الكفارة. فرع لو لم يكن في إبله بنت مخاض ولا ابن لبون، فإن شاء اشترى بنت مخاض، وإن شاء ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 190). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

اشترى ابن لبون. وقال مالك: يلزمه شراء بنت مخاض، فإن اشترى ابن لبون لم يوجد منه، وبه قال صاحب التقريب، لأنهما تساويا فصار كما لو كانا في ماله، وهذا غلط، لأنه بعد ما اشتراه ليست في ماله بنت مخاض، وعنده ابن لبون، فيؤخذ لظاهر الخبر. فرع آخر إذا أراد الساعي مطالبته بالواجب في هذه المسألة، ففيه وجهان: إحداهما: خيره في المطالبة بين بنت مخاض وبين ابن لبون، لأنه يتخير في تحصيلها. والثاني: يطالبه بابنه مخاض، لأنها الأصل، ثم إن جاء بابن لبون أخذ منه. فرع آخر لو جاء بحق مكان ابن لبون أخذناه، وهو الأولى، لأن ابن اللبون إذا جاز فالحق أولى بالجواز، لأنه أكبر منه سنة، كما لو وجبت عليه بنت مخاض، فجاء بابنة لبون، أخذناها، وفيه وجه ضعيف لا يؤخذ [11 ب/4] لأنه لا مدخل له في الزكاة، فإن قيل: فهل يجوز أخذه مع الجبران؟ قلنا: لا يجوز لأن بنت لبون جعلت بدلًا من بنت مخاض، والجبران يدخل في الأصل دون البدل. فرع آخر لو لم يرد شراء واحد منهما، بل أراد العدول إلى بنت لبون، ويأخذ الجبران، فيه وجهان: المذهب أنه لا يجوز لأنه قادر على الأقرب المنصوص. والثاني: يجوز. فرع عنده ابن لبون، فاشترى بنت مخاض أو ورثها بعد الحول، عليه إذا بنت مخاض وإن لم تكن موجودة عنده يوم الوجوب، لأنها في ملكه عند إخراج الزكاة. وفيه وجه آخر حكاه والدي رحمه الله: يجوز لجوازه في حالة الوجوب، وهو ضعيف. فرع آخر لو أخرج ابنتي لبون بدل حقة، وفيه وجهان: إحداهما: يجوز. قال بعض أصحابنا: وهذا ظاهر المذهب، لأنه يجوز ذلك عن ست وسبعين، فلأن يجوز عن ست وأربعين أولى. والثاني: لا يجوز، لأن في الحقة معنى لا يوجد في ابنتي لبون، فاعتبرنا إخراج ما ورد به النص، بخلاف ما أراد به النص، بخلاف ما إذا أخرج حقة بدل بنت لبون، وهذا ظاهر المذهب عندي. فرع آخر لو كانت له خمس وعشرون من الإبل مهازيل، وفيها بنت مخاض سمينة، وابن لبون مهزول، قال أكثر أهل العراق [12 أ/4] المنصوص أنه يجوز إخراج ابن لبون، لأنه لا يلزم إخراج بنت مخاض هذه، فوجودها كعدمها. ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك، وهو المذهب، لان بنت مخاص موجودة في ماله، وإنما جوز إخراج ابن لبون

بشرط عدم بنت مخاض، وعلى هذا لا يجوز أن يطالب بنت مخاض التي في ماله، لأنها كريمة ماله. وقال صلى الله عليه وسلم: "إياك وكرائم أموالهم" (¬1) فيقول رب المال: أنت بالخيار بين أن تعطي بنت لبون بشبه مالك، أو تتبرع بهذه التي في مالك وملك، فإن قال: أعطى بنت لبون، وآخذ الجبران، فالذي يقتضي المذهب أنه يجوز، لأنه قال في "الأم": وإذا ضرب الفحل السن التي وجبت فلم يدر أحالب أم لقحت، قيل له: لا يأخذها منك، فأت بغيرها من تلك السن أن شئت، أو أدفع السفلى، ورد علينا، أو العليا ونرد عليك، فأجاز أخذ الأسفل منها هاهنا مخافة الحمل، وهو لا يتحقق ذلك فلأن يجوز هاهنا ويتحقق الثمن أولى. وأعلم بأن من ذكر النص في الوجه الأول، استنبطه من هذا الموضع، فقال: جعل الشافعي المشكوك في حملها كالمعدومة والانتقال إلى سن أخرى، فيجب أن يجعل السمينة كالمعدومة في جواز الانتقال إلى ابن لبون، والجواب [12 ب/4] عن هذا أن نقول: الانتقال إلى ابن لبون أغلظ حكمًا، وأضيق طريقًا، لأنه يترك الفرض إلى ما لا مدخل له في فرائض الإبل، وهو الذكر، وليس كذلك في الصعود والنزول، فإنه يصعد وينزل إلى أنثى لها مدخل في فرائض الإبل، فكان حكمه أسهل، ولهذا لو أعطانا حقًا بدل لبون، وطلب الجبران، لا يدفع الجبران، فدل هذا على صحة الفرق، وبطلت دعوى النص في الوجه الأول. فرع آخر لو كانت في إبله ابنة مخاض معيبة وسائر الإبل صحاح، يجوز أن يؤخذ ابن لبون صحيح، لأن المعيبة بمنزلة المعدومة، فإن قيل: جعلتم المعيبة كالمعدومة، فاجعلوا السمينة كالمعدومة، قلنا: الفرق أن السمينة تجزئ في الفرض، فكان وجودها مانعًا من إخراج ابن لبون لأنه لو تبرع بها أخذناها، والمعيبة لا تجزئ في الفرض بحال، فكان وجودها وعدمها سواء في جواز ابن لبون. فرع آخر لو كانت معه ست وثلاثون من الإبل، ففيها بنت لبون، فإن لم يكن في ماله بنت لبون، فجاء بحق لم يجز أخذه، وقيل: فيه وجه آخر، أنه يجوز، وهو خطأ، ويفارق ابن اللبون من وجهين: إحداهما أن بنت مخاض فاضلة من [13 أ/4] جهة الأنوثة ناقصة من جهة الصغر، فإنها لا تقوى على الرعي من الأشجار، ولا تتمكن من الشرب من الأنهار لكونها قصيرة العنق، ولا يمتنع من صغار السباع، وابن اللبون ناقص بالذكورة فاضل بالقوة والكبر، فقوبلت فضيلة إحداهما بفضيلة الآخر، وليست كذلك بنت لبون، فإنها فاضلة من وجهين: فضل الأنوثة، وفضل القوة، والحق فاضل بالقوة ¬

_ (¬1) أخرجه ابن خزيمة (2275)، والبيهقي في "الكبرى" (4/ 96، 7/ 7).

ناقص فلا يجوز أن يقام الحق مقام بنت لبون. والثاني: أن للمتصدق في بنت لبون خيارين بالنزول مع دفع الجبران، أو بالصعود مع أخذ الجبران، فغلا يجوز إثبات خيار ثالث: بإخراج الحق، وها هنا ليس فيها إلا خيار واحد، وهو الصعود مع أخذ الجبران، وليس له النزول إلى أصغر من بنت مخاض، فجعل له إخراج ابن لبون مكان بنت مخاض ليحصل له خياران قياسًا على ذلك، فإن قيل: يبطل هذا بما لو وجبت عليه جذعة وهو لا يملكها، وهو يملك الشيء، لا يجوز إخراج الشيء مكانها، وإن لم يكن له إلا خيار واحد في بابها، وهو النزول دون الصعود، قيل: لا شك أنه لا يجوز إخراج الشيء مكانها، وأما هل له الصعود إلى الثنية مع أخذ الجبران كما له النزول وبذل [13 ب/4] الجبران؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز، لأن الثنية لا مدخل لها في زكاة الإبل، فلم يجز قبولها مع الجبران، كما لو أعطى حقًا مكان ابن لبون في خمس وعشرين من الإبل، وطلب الجبران، لا يجوز، وهذا هو اختيار القفال. ومنهم من قال: يجوز، وهو الصحيح، وقد نص عليه الشافعي، فقال: ومن وجبت عليه جذعة وليست معه إلا ما خض، فإن تطوع بها قبلناها، وإلا نزلنا وأخذنا، أو صعدنا وبذلنا، حكاة أهل العراق. ووجهه أن الثنية في صفة الجذعة وأكبر منها بسنة، فهي مع الجذعة بمنزلة الحقة مع بنت لبون، وبنت لبون مع بنت مخاض، ويخلف الحق مكان ابن لبون، لأن الذكر لا مدخل له في زكاة الإبل إلا في موضع الضرورة، ولم يرد به الشرع، فإذا بذل الحق مكان ابن اللبون، وطلب الجبران، لا يدفع الجبران، ومن قال بالأول أجاب عن هذا فإن الثنية ليست في صفة الجذعة بل هي أنقص، لأن كل ما في الثنية من الذر والنسل والحمل موجود في الجذعة، وفي الجذعة ما ليس في الثنية، وهي الحداثة والطراوة، لأن الجذعة هي .... (¬1) ولهذا لم يجز إخراج الشيء بلد جوزت في الضحية، وعلى هذا قال القفال: لو دفع مكان بنت لبون ثنية، فيه وجهان: إحداهما: لا يلزم الجبران أصلًا، لأنها ليست من السن المفروضة. والثاني: وهو الأصح، أنه يلزم جبران سنين، لأن لهما مدخلًا، وهو متبرع بزيادة سن واحدة. فرع آخر لو وجبت عليه ابنة لبون وليست عنده، فأعطى ابن لبون مع الجبران، فيه وجهان: إحداهما: يجوز، لأن ابن اللبون في حكم ابنة المخاض عند عدمها. والثاني: لا يجوز، لأن ابن اللبون أقيم مقام ابنة المخاض إذا كانت هي الفرض، والفرض هاهنا ابنة لبون، فلم يجز أن يؤخذ مكانها ذكر وجبران، وهذا أقرب. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

فرع آخر لو كانت لديه إحدى وستين ابنة مخاض، فأعطى واحدة منها، وهي ابنة مخاض، ففيه وجهان: إحداهما: تؤخذ ولا يكلف غيرها جبرانًا، لما فيه من الإجحاف. والثاني: لا يؤخذ لأنها فرض بعض هذه الجملة، إلا أن يعطي جبران من الجذعة، فيؤخذ حينئذ مع الجبران. فرع آخر لو كانت معه ست وثلاثون من الإبل ذكور، فإن قلنا: في خمسة وعشرين ذكرًا يطالب الأنثى، فهاهنا يطالب، وإن قلنا: هناك يخرج ابن مخاض ذكر، فهاهنا وجهان: إحداهما: لا يجوز ابن لبون ذكر، لأنه يجوز عن خمسة [14 ب/ب] وعشرين، فيؤدي إلى التسوية، لأن هناك فيؤدي ابن لبون عن الإناث، وها هنا فيؤدي عن الذكور. مسألة: قال (¬1): وإبانَةُ في كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ، وفي كل خمسين حقه إلى قوله: فإذا بلغت مئتين. الفصل وهذا كما قال: أراد وأبانة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، إن الأمر على ما في الزيادة على مائة وإحدى وعشرين إلى أن تبلغ مائتين، فإذا بلغتها يخير الساعي بين أربع حقاق وخمس بنات لبون، وعلى الساعي أن يختار لأهل السهمان، ولا يحل له غير ذلك، وقال في القديم: يجب فيها أربع حقاق. وأطلق بعض أصحابنا المسألة على قول واحد، كما ذكر هاهنا، والذي قال في القديم، لأن الأفضل الحقاق عنده، وعلى الساعي أن يأخذ الأفضل. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان: إحداهما: يأخذ الحقاق فقط، لأنه إذا أمكن الزيادة بالسن، فلا يزداد بالعدد، كما في سائر المواضع. والثاني: وهو الأصح، أنه يتخير لظاهر الخبر، وقد وجهه هاهنا الأربعينيات والخمسينات يتعلق بهما كلا الفرضين، فإذا قلنا بقوله القديم، فإن كانت موجودة أخذناها، وإلا فهو بالخيار بين الصعود والنزول مع الجبران، فإذا قلنا بقول الجديد ولم يكن [15 أ/4] في ماله إلا أخذ الفرضين، تعين ذلك، لأن من خير بين شيئين فتذعر إحداهما يعين الثاني، وإن كان الفرضان موجودين، فالمنصوص أن الخيار إلى الساعي. وقال ابن سريج: الخيار إلى رب المال، كما قال الشافعي في الشاتين والعشرين ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 189).

وزيهما في الجبران إلى رب المال، وقال: وقول الشافعي الخيار إلى الساعي، أراد به إذا خير رب المال، وهذا غلط، والمعروف بينهما أنه لما كان الخيار إلى المعطي في أصل الجبران، كان الخيار إليه في جنسه، وها هنا لا خيار له في أصل الفرض، فلا خيار له في جنسه. فرع لو كان في يد ولي اليتيم بيان في الإبل لليتيم، فحال الحول عليها، وجاء المصدق، وفي المال الفرضان جميعًا، فعند الشافعي يأخذ الساعي أجود الفرضين. وعلى قول ابن سريج: لا يجوز للولي أن يدفع إلا أدون الفرضين، لأنه لا يجوز له أن يفعل إلا ما هو الأحظ لليتيم. مسألة: قال (¬1): "فإن أخذ منْ ربَّ المال الصِّنْفَ الأدنَى، كانَ حَقًّا عليهِ أنْ يُخْرجَ". الفصل وهذا كما قال هذا التفريغ على قول الشافعي في الجديد، وفيه ثلاث مسائل، إحداها: أن يكون كاملين، أو إحداهما كاملًا والآخر ناقصا، أو كلاهما ناقصين، فإن كان كاملين، فإن كان كلاهما سواء [15 ب/4] أخذ الساعي ما شاء من الفرضين، وإن كان إحداهما أفضل يلزمه أخذه، فإن أخذه فلا كلام، وإن أخذ الأدون. قال الشافعي: كان حقًا على رب المال أن يخرج الأفضل. واختلف أصحابنا في معنى هذه المسألة، فقال أصحابنا: فمنهم من قال: معناها أن يأخذ الساعي أحد الصنفين باجتهاده، ويعلم رب المال أنه أدونهما، فإن الصدقة تقع موقعها، لأنه مجتهد فيه، فلو قلنا: لا يجوز، نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وذلك لا يجوز، فإن أخذ من غير اجتهاد، أو كتم رب المال الصنف الأجود، لا يجزئه، وعليه رده إلى رب المال إن كان قائمًا أو قيمته أن كان تالفًا، وعلى رب المال أن يخرج الصنف الأجود. ومن أصحابنا من قال: هذا الضمان يجب في مال المساكين، لأنه بخس بحق المساكين، فضمنه في مالهم، كالإمام يخطئ في قضائه فيضمن في بيت المال. ومن أصحابنا من قال: يجزئه كيف ما أخذه المصدق، لأن كل واحد في الفرضين منصوص عليه، وأخذ الفضل وجب من طريق الاجتهاد، فلا يبطل به المنصوص، والأول أصح. فإذا قلنا: يجزئه، فإخراج الأفضل هل هو واجب أم مستحب؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو مستحب، لأن المأخوذ أجزأه وسقط به الفرض، وإنما استحب الشافعي ذلك الاحتياط خاصة إذا [16 أ/4] اجتهد الإمام، فإنه لو اجتهد وأخذ منه القيمة في الزكاة، وقع الموقع، ولا يلزمه شيء آخر. ومنهم من قال - وهو الأصح -: أنه يلزمه إخراج الفضل، لأن الشافعي قال: كان حقًا عليه، وهذه العبارة لا تستعمل إلا في الواجب، ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 192).

وهذا لأن ما بين السنين من الفضل من الواجب عليه، فإذا تركه لزمه إخراجه، ثم إذا وجب إخراج الفضل، إن كان يسيرًا لا يمكنه أن يشتري به جزءًا من الفرض يجزئه، أو يتصدق به من الدراهم والدنانير، ويجوز هذا للضرورة، وإن كان كثيرًا يمكنه أن يشتري به جزءًا من الفرض، فهل يلزمه أن يشتري به؟ فيه وجهان: إحداهما: يلزمه، ولا تجوز القيمة، لأنه يمكنه إخراج أصل الفرض. والثاني: لا يلزمه ذلك، وتجوز القيمة، لأنا لو كلفناه ذلك أدى إلى المشقة، فجوز العدول إلى غيره للضرورة، كما جوز أخذ الشاة في خمس من الإبل للضرورة، وإن لم يكن من جنس الفرض، ولأن هذا تلافي النقص، وليس بقيمة، فعلى هذا لا يجوز أن يعدل عن النقص إلى العروض، ولكن لو عدل إلى الجبران يجوز بلا خلاف، فإذا قلنا بالأول ينبغي أن يعرف القيمة ليعرف الأفضل، فإن كان قيمة الحقاق مثلًا خمسمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسين [16 ب/4] يلزمه أن يخرج بقدر خمسين من حقه لابن بنت لبون، وذلك خمسًا حقة، أو قيمة كل حقة مائة وخمسة وعشرون. ومن أصحابنا من قال: إن شاء صرفه إلى شاة أو بعير أو جزء منه. وكان الشيخ أبو الحسن الماسرجسي يقول: إن قدر على أن يشتري به ابنة مخاض يلزمه ذلك، لأنها من الفرائض، فهي أقرب إلى الفرض الواجب في المائتين من التقدير. ومن أصحابنا من قال في أصل المسألة: إن فرق الساعي على أهل السهمان يلزمه إخراج الفضل، لأنه لا يمكن استرجاعه سواء كان بالاجتهاد أو بغير الاجتهاد، وإن لم يكن فرق يسترد ما أخذ ودفع الأفضل، وهذا ضعيف، وإن كان إحداهما ناقصًا والآخر كاملًا فإن كانت عنده ثلاث حقاق وخمس بنات لبون. فالفرض بنات اللبون، فلو قال هاهنا: خذ مني ثلاث حقاق وبنت لبون مع الجبران، لم يقبل منه، لأنه يعدل عن المنصوص، وإن كانا ناقصين بأن يكون عنده أربع بنات لبون وثلاث حقاق، فإن أعطى أربع بنات لبون وحقة وطلب الجبران، كان له، وإن أعطى ثلاث حقاق وبنت لبون معها الجبران، أخذنا أيضًا، ولو قال: خذوا حقة وثلاث بنات لبون مع كل واحدة جبرانها حتى تتم أربعة حقاق هل يجوز؟ فيه وجهان: إحداهما: يجوز، كما يجوز الذي [17 أ/ب] قبله. والثاني: - وهو المذهب - أنه لا يجوز، لأنه يترك ابنة لبون في ماله، ولا يجوز أن يترك ابنة لبون في ماله، وهي من جنس الفرض، إلى الجبران، ولأنه يمكن أن يعطي ثلاث حقاق وبنت لبون وجبرانًا واحدًا، فلا يجوز جبرانان، ولو كان في ماله أحد الصنفين لا نكلفه شراء الصنف الآخر، ولو كان أنفع، لأن في تكليفه مشقة عليه. ثم قال المزني: ولا نفرق الفريضة ونقل الربيع، ولا نفارق الفريضة، فمعنى التفريق أنه لو وجد نصف أحد الصنفين وكل الصنف الآخر، مثل حقتين وخمس بنات لبون، فقال الساعي أريد أن آخذ الحقتين وبنتي لبون ونصفًا، ليس له ذلك، وإن كان ذلك جبرًا

لأهل السهمان، بل عليه أخذ الصنف الموجود بكمالة، وأما مفارقة الفريضة هي أن يدع الصنف الموجود ويأخذ الجبران، فليس له ذلك، لأنه مفارقة للفريضة الموجودة فصار كما لو كانا معًا موجودين يفارقهما إلى سن أعلى إذا سفل. ومن أصحابنا من غلط المزني في هذا النقل وقال: افتتح المسألة في مفارقة الفريضة، وختمها بلفظ التفريق والمفارقة والتفريق مفترقان، فإن المفارقة أن يجد أحدى السنين دون الأخرى فيعرض عنها ويصعد أو يترك، والتفريق أن ببعض المأخوذ على [17 ب/4] ما ذكرنا والشافعي رحمه الله فرق في "الكبير" مسألة: الفارقة عن مسألة التفريق. فضرب المزني إحداهما في الأخرى، وهذا ظلم من أصحابنا على المزني، لأنه نقل المسألتين بلفظ مختصر، فقال: وإن وجد أحد الصنفين دون الآخر، أخذ الذي وجد، فهذا مفارقة الفريضة. ثم استأنف الكلام بحرف العطف فقال: ولا يفرق الفريضة، فأفرد مسألة التفريق عن مسألة المفارقة فتفهم. فرع لو كانت له أربعمائة من الإبل، فأراد الساعي أن يأخذ منها خمس بنات لبون وأربع حقاق، فإنه يجوز، وهو المذهب. وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يجوز، لأن الفرض إذا أمكن أخذه من جنس واحد لم يجز أخذه من جنسين كما في المائتين، وهذا غلط، لأن أربعمائة جملتان، لو انفردت كل واحدة منها جاز أن يأخذ منها كل واحد من الجنسين، إما خمس بنات لبون، وإما أربع حقاق، فإذا جتمعتا جاز أن يأخذ فرضها من جنسين مختلفين، وليس كذلك المائتان، فإنهما حملة واحدة فيهما فرض واحد، لأنهما إذا جعلتا نصفين لم يجز أن يؤخذ من كل نصف منهما كل واحد من الجنسين، كما يقول في كفارة يمينين يجوز التفريق، ولا يجوز في كفارة واحدة. مسألة: قال: وإنْ كانَ الفَرْضَانِ مَعِيبينِ [18 أ/4] بمَرَضٍ أو هُيامٍ أو جَرَبٍ. الفصل وهذا كما قال: الهيام - بضم الهاء-: داء يعتري الإبل في أجوافها، فلا تزال تكرع الماء عطشًا حتى تموت، يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء وإبل هيم لأنها حينئذ في معنى المفقودين، إذ لا يجوز أخذهما، فيقال له: أنت بالخيار بين أن تصعد في السن أو تترك مع الجبران، لأن كون الفرض معيبًا بمنزلة عدمه، فإن أعطانا أربع جذاع بدل أربع حقاق، أخذناها ورددنا عليه لكل جزعة شاتين أو عشرين درهمًا، وإن أعطانا خمس بنات مخاض بدل خمس بنات لبون أخذناها، وأخذنا مع كل واحد منها شايتن أو عشرين درهمًا، فإن قال: خذوا مني خمس جذاع بدل خمس بنات لبون وردوا على لكل جذعة أربع شياه أو أربعين درهمًا، لم يأخذها، لأنا إذا أمكننا أن نصعد من الفرض الأعلى وهو الحقاق، لم يجز أن يصعد من الفرض الأدنى وهم خمس بنات لبون. ولو قال رب المال: أنا أشتري [18 ب/4] لكم خمس بنات لبون أو أربع حقاق

ولا أعطيكم شيئًا أعلى من الفرض ولا دون الفرض، كان ذلك له، وكان ذلك يجب عليه أن يأتي بالفرض على ما يشبه بماله بالقيمة، وطريق معرفته أن يقال: لو كانت المائتان مراضًا كم كانت قيمة خمس بنات لبون منها؟ فيقال: عشرة دنانير، ولو كانت كلها صحاحًا كم كانت قيمة همس بنات لبون منها؟ فيقال: عشرون دينارًا،/ ثم يقول كم المراض من المائتين؟ وكم الصحاح؟ فإن قيل: نصفان أخذنا نصف قيمة العشر ونصف قيمة العشرين، فتكون خمسة عشر دينارًا، فنقول لرب المال: ائت بخمس بنات لبون تساوي خمسة عشر دينارًا، وإن قيل: ثلث المائتين مراض، وثلثاها صحاح، أخذنا ثلث العشرة وثلثي العشرين، وعلى هذا الحساب إذا قل عدد المراض من المال وكثر عدد الصحاح، أو كان على العكس. فرع الجبار في موضع الجبران هو إلى المعطي، فإن كان المعطي رب المال فالخيار إليه، إن شاء أعطى شاتين وإن شاء أعطى عشرين قال في "الأم": والاحتياط لرب المال أن يعطي ما هو الأحظ لأهل السهمان منهما. وقال الثوري: الجبران شاتان أو عشرة دراهم، وروي ذلك عن على رضي الله عنه، لأن قيمة الشاة في الشرع [19 أ/4] خمسة دراهم، لأن نصاب الغنم أربعون، وهذا غلط، لأنه لا تقوم الإبل أربعة دنانير على هذا القياس، فكذلك فيما ذكرتم. ومن أصحابنا من قال: قال في "الإملاء": الخيار إلى الساعي، ففيه قولان، وهذا غلط، والذي قال في "الإملاء"، أراد إذا كان الساعي هو المعطي، ولا شك هاهنا أن الخيار إليه، ولا يجوز له أن يختار إلا ما هو خير لأهل السهمان كما قلنا في فرض المائتين، وهذا لأنه وكيل لهم، فلا يفعل إلا ما فيه حظهم. فرع آخر لو كان مع الساعي أغنام وليست معه دراهم، والشاتان أكثر قيمة من العشرين الدراهم، فإنه يبيع من الشاتين بقدر عشرين درهمًا، ويدفع إلى رب المال، وإن كانت العشرون درهمًا أكثر من الشاتين، دفع الشاتين. فرع آخر لو نزل سنين أو صعد سنين، فإن كانت السن التي تلي الفرض معدومة، جاز النزول بسنين ويجعل جبرانين، بكل سن جبرانًا واحدًا، فتكون أربع شياه أو أربعين درهمًا، وإن كان ثلاثة أسنان، يلزم ثلاث جبرانات، ست شياه أو ستون درهمًا، وإن كان السن التي تلي الفرض موجودة، فذكرنا أنه لا يجوز النزول منها، وهو المذهب، وفيه وجه آخر أنه يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "قدر جبران كل سن بشاتين أو عشرين [19 ب/4] درهمًا"، فيجوز أخذه هاهنا عن سنين، وهو ضعيف. وهكذا الخلاف لو وجد سنًا أعلى منه بسنة وسنًا أعلى منه بسنتين. وقال ابن المنذر: لا يجوز النزول إلا إلى سن واحدة لأن الشرع لم يرد الجبران إلا في سن واحدة، وهذا غلط لأن فيها ذكر سنها على ما ذكرنا.

فرع آخر لو وجبت ابنة لبون وعنده ابنة مخاض وجذعة، هل له إخراج الجذعة؟ وجهان: إحداهما: لا يجوز بل عليه إخراج بنت مخاض، لأنها أقرب إلى الواجب. والثاني: وهو الأصح، ما هذا يجوز له ذلك، لأنها استويا في القرب، هذا من طريق الانخفاض وذلك من طريق الارتقاء، لأنه ليس في إبله ما قبل الجذعة، ولم تجب عليه إخراج حقة، لكونها معدومة في ماله. فرع آخر إذا وقع الجبران لسن واحدة فليس له أن يبعض فيعطي شاة وعشر دراهم، وإذا دفع جبران سنين، له أن يبعض فيدفع شاتين وعشرين درهماً، كما قلنا في الكفارتين والكفارة الواحدة. فرع آخر لو لم يكن في ماله الفرض وفي ماله سن دونه وسن فوقه فاختلفا، فقال رب المال: أنزل وأعطى الجبران، وقال الساعي: أصعد وأعطى الجبران، أو كان على العكس، قال الشافعي في "الأم" (¬1): الخيار في ذلك إلى الساعي لأن السن الأعلى [20 أ/4] والسن الأسفل صارتا بمنزلة الفرضين عند عدم الفرض في ماله، ولو وجد الفرضان كان الخيار إلى الساعي، فكذلك هاهنا. قال الشافعي: فإن لم يقل المصدق الخير لهم، كان عى رب المال أن يخرج فضل ما بين ما أخذ المصدق لهم وبين الخير، ثم يعطيه أهل السهمان. وعند ابن سريج الخيار في هذا إلى رب المال كما قال في الفرضين. ومن أصحابنا من قال: الخيار هاهنا إلى رب المال، بخلاف الفرضين، والفرق أن له تركهما وتحصيل الواجب، بخلاف الفرضين في المائتين، وهذا خلاف النص الذي ذكرناه، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين الخيار في الشاتين أو العشرين فإنه إلى رب المال إذا كان هو المعطي؟ قلنا: الفرق أن ذلك جعل جبراناً على سبيل التخفيف، فكان ذلك إلى المعطي، وهذا التخفيف في الفرض، فكان إلى الساعي. وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك باعتبار القيمة، ويجوز حقه بتثمينه بقيمة الجذعة من دون الجبران، ولا يتقدر الجبران في موضع الحاجة بعشرين درهما أو شاتين بل يراعي القيمة، وهذا غلط الذي ذكرنا. فرع آخر لو أعطى بين سنين ابنة مخاض بدل شاتين، قال بعض أصحابنا: يجوز، وهو غلط مسألة: قال (¬2): ولا يأخذ [20 ب/4] مريضاً وفي الإبل عد صحيح. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 6). (¬2) انظر الأم (1/ 193).

وهذه كما قال. ومعنى المسألة: إذا كانت إبله مراضاً، وعدد الفرض منها صحاحاً، وهذه المسألة هي مخالفة للمسألة المتقدمة، لأن هناك الفرضين معيبان، وهذا الفرض صحيح، وسائر الإبل مراض، والجواب فيهما واحد إلا في الصعود والنزول، فإنا لا نجوز هاهنا أن يصعد إلى فرض مريض، ولا أن ينزل إلى فرض مريض، ويترك في مالك فرضاً صحيحاً، بل يقول له: إن تبرعت بالفرض الصحيح الموجود في مالك، وإلا فائتنا بفرض يشبه مالك بالقيمة، وطريق التقويم على ما تقدم بيانه. وقال في "الأم" (¬1): ولا يأخذ مريضاً وفي الإبل عدد صحيح من دون الهاء، وأراد إذا كان في جملتها صحاح مراض، لم تؤخذ المريضة، بل تؤخذ الصحيحة على ما ذكرنا لأنا لو أخذنا المريضة وقع الأخذ شائعاً فتكون قد أخذنا المريضة عن الصحيحة، وهذا لا يجوز. مسألة: قال (¬2): فإن كانتْ كُلَّها مَعِيبةً لمْ يُكَلِّفْهُ صَحيحةً من غَيرِهَا، ويأخذُ جَبْرَ المعُيبِ. وهذا كما قال: إذا كانت ماشيته مراضاً كلها، تؤخذ الزكاة منها، ولا يطالب بالصحيح، وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم لما "إياك وكرائم أموالهم" (¬3) ولأنه مال تجب الزكاة فيه من جنسه، فلا يكلف الجيد من الرديء كالحبوب، فإذا تقرر هذا [21 أ/4] نقل المزني ويأخذ خير المعيب، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: أراد أنه يأخذ خير الفرضين المعيبين، وهو الصحيح، وعليه يدل ظاهر كلام الشافعي رحمه الله عليه في "الأم" (¬4)، لأنه قال: ويأخذ جبر المعيب من السن التي وجبت له. ومن أصحابنا من قال: أراد من المال إذا خيره رب المال وأذن له أن يأخذ خيره. ومن أصحابنا من قال: أراد بالخير الوسط ويعبر عن الخير بالوسط. قال تعالى: {وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا} [البقرة: 143]، وقال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] وأراد وسطاً. ومن قال بهذا اختلفوا، فمنهم من قال: أراد الوسط بالقيمة على ما تقدم بيانه، ومنهم من قال: أراد بالوسط من عدد العيوب، فيترك ما فيه عيب واحد وما فيه ثلاثة عيوب، ويؤخذ ما فيه عيبان. فرع آخر لو كانت له ست وثلاثون من الإبل مراض، وفيها بنت لبون صحيحة، فإن تبرع بها أخذناها، وإن امتنع منها نقول له: الذي يجب عليك بنت لبون صحيحة تشبه مالك، وطريق ذلك التقويم على ما تقدم بيانه، وعلى هذا لو لزمته شاتان وإحداهما صحيحة في ماله، والأخرى مريضة وباقي مريضة كلفناه واحدة صحيحة، وقبلنا الأخرى مريضة، ولا تتعين هذه الصحيحة بل يأتي بشاة أخرى على ما يليق بماله أو [21 ب/4] ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 5). (¬2) انظر الأم (1/ 193). (¬3) أخرجه البخاري. فتح (3/ 377)، ومسلم. نووي (1/ 196). (¬4) انظر الأم (2/ 5).

يعطي الموجودة. ولو قال: أنزلوا إلى سن دونها، أو إلى سن فوقها مع الجبران في المسألة الأولى، لم يجز، لأن سائر الأسنان مريضة ولا يجوز أخذ المريضة وفي المال صحيحة. فرع آخر لو كانت له ستة وثلاثون من الإبل مراض، وليست فيها بنت لبون، فإن قال: أعطي بنت مخاض مريضة معها الجبران أخذناها، لأنه زيادة، وإن قال: أعطي حقة وردوا على الجبران شاتين، لا يجاب إليه، لأنه هذا جبران ما بين السنين الصحيحتين، فلا يجوز أن يجعل جبران ما بين السنين المريضتين، لأنه يؤدي إلى الإضرار بالفقراء، ولا يجوز للساعي أن يفعل إلا ما هو الاحتياط لهم، ولا يجوز أن ينقص الجبران كما قدره الشرع. مسألة: قال (¬1): وإذا وَجَبتْ عليه جَذَعَةٌ لم يَجُزْ لنا أن نأخذُ منهُ ماخِضاً. وهذا كما قال: إذا كانت له إحدى وستون من الإبل، يلزمه جذعة حائل، فإن كانت جذعة ما خض أي: حامل، لم يجز للساعي مطالبته بها، وإنما قيد الشافعي رحمه الله بالجذعة، لأن ما دونها لا يحمل فإن تطوع رب المال بها، أخذناها، فإن قيل: أليس لو جاء الجاني بغرة حامل لا يؤخذ. فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الحمل في بنات آدم نقص، وهو في البهيمة زيادة [22 أ/4] ولهذا لو اشترى بهيمة فوجدها حاملاً، لم يكن له ردها، ولو اشترى جارية فوجدها حاملاً كان له ردها. وحكي عن داود أنه قال: لا يجوز أخذ الحامل، لأن الحمل عيب، ولا السن الأعلى عن الأداء، واحتج بنهيه عن أخذ الشافع في الزكاة، وأراد به الحامل، وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ففيها جذعة" ولم يفصل بين الحامل والحابل، ولأن الحمل زيادة، بدليل أنه غلط الدية بالحمل، فصار كما لو أخرج السمينة بدل المهزولة، والدليل على أن الأعلى يقبل إذا تطوع به، ما روى أبي بن كعب أنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً، فمررت برجل فجمع إلى ماله، فوجدته تجب عليه ابنه مخاض، فقلت: يجب عليك بنت مخاض، فقال: إنه لا ذر لها ولا ظهر، وهذه ناقة سمينة عظيمة فخذها، فقلت: لا آخذ مات لم أومر، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب منا، فإذا أردت أن نأتيه فنعرضها عليه، فإن أخذها أخذتها، وأن ردها رددتها، فخرج إليه وذكر له، فقال: "ذاك هو الواجب فإن تطوعت بخير منه قبلنا منك" (¬2)، فقبلها، فقبلتها منه. فرع لو ضرب الفحل فلم يدر، أحملت أم لا؟، لا يأخذها جبراً على ما تقدم بيانه ولو ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 193). (¬2) أخرجه أحمد (5/ 142)، وابن خزيمة (4/ 24)، والحاكم (1/ 399)، والبيهقي في "الكبرى" (7279).

جاء الجاني [22/ب 4] بغرة وطيب قبلناها، لأن الغالب في البهائم من الضراب الحمل، بخلاف بنات آدم. مسألة: قال (¬1): وإنْ كانتْ إبِلُةُ مَعِيبة فَريضَتُها شاةً. الفصل وهذا كما قال: إذا كانت له خمس من الإبل مراضاً أو معيبة، نقول له: أنت بالخيار بين أن تعطينا منها بعيراً، فإن أعطانا شاة لا نقبل المعيبة والمريضة. ومن أصحابنا من قال: في خمس من الإبل شاة، ما يطلق عليه اسم الشاة، وهذا غلط، لأن مطلق الاسم في الشرع يتناول ما قيد وصفه في الضحايا. وروي عن سويد بن غفلة أنه قال: أتانا مصدق رسول الله صلى عليه وسلم فقال: نهينا عن الأخذ من راضع لبن، وإنما حقنا في الجذعة والثنية وقال ابن خيران: يؤخذ منه شاة صحيحة، يجوز في الأضحية بالقيمة فيقال: خمس من الإبل الصحاح كم تساوي؟ فيقال: ألف درهم، فيقال: وكم تساوي شاة يجوز أخذها منك؟ فيقال: عشرون، ثم يقال: لو كانت مراضاً كم كانت قيمتها؟ فيقال: خمسمائة، فيقال: ائتنا بشة صحيحة تجوز في الأضحية تسوي عشرة دراهم، فإن لم تؤخذ قسم العشرة على الفقراء وأجزأته الضرورة، والأول ظاهر مذهب الشافعي، لأن الشاة هي أقل الواجب فيها، فلا يجوز أن ينقص عنها، كما نقول [23 أ/4] في شاتي الجبران إذا كانت الإبل مراضاً، ولم يكن فيها الفرض لا يجوز أخذ الأدنى مع شاتين مريضتين فيها الفرض، لأن ذلك أقل الجبران بالشرع، كذلك هاهنا، ولأنه لا تعتبر فيه صفة المال، فلم يختلف بصحة المال ومرضه كالأضحية، ولو قال: أعطيك بعيراً منها أخذناه وأجزأه، وهكذا إذا كانت معه خمس من الإبل الصحاح، فأعطانا بعيراً منها أجزأه، لأن الأصل في الفرض إخراج الجنس من ماله, وإنما عدل إلى الشاة هاهنا رخصة ورفقاً برب المال، فإذا اختار الأصل كان له، كما لو اختار غسل الرجل بدل المسح على الخف كان أولى. فرع إذا أخرج الإبل هاهنا، فيه وجهان: إحداهما: وهو الأظهر، الكل فرضه فيكون في الخمس من الإبل فرضان: أعلى، وأدنى، فالأعلى هو البعير، والأدنى هو الشاة، وصاحبها بالخيار، وإن شاء أسقط الفرض بالأعلى، وإن شاء أسقط الفرض بالأدنى، كما تقول في أنواع كفارة اليمين. والثاني: أن الفرض منه خمسة والباقي تطوع، لأن أقل ما يجب فيه الإبل خمسة وعشرون من الإبل، فتكون في مقابلة كل خمس بعير، ونظير هذا التمتع إذا نحر بدنة، فهل جميعها فرض أم لا؟ وجهان: ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 193).

إحداهما: الجميع فرضه. والثاني: السبع منها فرضه، والباقي تطوع. [23 ب/4] فرع آخر لو أعطانا بعيراً منها أكثرها عيوباً، قبلناه، نص عليه في "الأم" (¬1)، فإن قيل: أليس قال الشافعي: ويأخذ خير المعيب؟ قلنا: أراد به إذاً الفرض من جنسها، لان المعيب لا يكون أكثر من الواجب، وهاهنا الفرض من غير جنسها، فأي شيء أعطانا من الجنس فهو أكثر من الواجب، فافترقا. فرع آخر قال القفال: لو أعطى بعيراً عن خمس من الإبل الصحاح، ولا تساوي هذه الإبل شاة، لا يجوز، ولو أعطى من الإبل المراض يجوز، وإن كان أقل قيمة من قيمة شاة، نص عليه الشافعي (¬2)، والفرق أن في الصحاح إذا أعطى إبلاً فهو غاية التطوع، وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وفي المراض، إذا أعطى إبلاً فهو غير متطوع، وإنما نعطيه للضرورة، فلا حاجة إلى اعتبار القيمة وأعلم أن هذا النص غريب لم يذكره أهل العراق. وقال بعض أهل خراسان: لم يوجد هذا للشافعي رحمه الله، وقد ذكر الإمام أبو محمد الجويني عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لو أعطى ثوراً من ثلاثين ثوراً، وهو خير من تبيع قبلنا، قال: وقوله وهو خير، إنما اشترط، لأن هذه المنزلة هي منزلة تبرع، فلا ينبغي أن ينقص التبرع عن درجة الواجب، والواجب يتبع .... (¬3) التبرع [24 أ/4] أن يكون زائداً على الفرض ..... (¬4) أن الإمام القفال ذكر ذلك النص تخريجاً من هذا الموضع. وقال مالك: لا يجوز البعير عن الخمس إلا أن تسوي شاة بكل حال، وهو قول أبي حنيفة. وقال داود: لا يجوز البعير أصلاً، ويروي هذا عن مالك أيضاً في المعيب، ذكر في "الحاوي" (¬5)، وقد ذكرنا الدليل على بطلانه. فرع آخر لو كانت عنده عشر من الإبل، هل يرضي منه ببعير واحد أم يحتاج إلى بعيرين؟ فيه وجهان: إحداهما: يكفي واحد، لأنه يجوز عن خمس وعشرين، فلا يجوز عن عشر أولى، ولا يجوز أن يؤخذ خمس بعير، ولا همساه بدل شاة، وإن كان فيه ثنية، لأن التبعيض عيب. والثاني: لابد من بعيرين مكان شاتين. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 6). (¬2) انظر الأم (2/ 6). (¬3) (4) موضع النقط بياض بالأصل. (¬5) انظر الحاوي للماوردي (3/ 101).

فرع آخر قال بعض أهل خراسان: الإبل المخرج هل هو بدل عن الواجب أم أصل؟ وجهان: إحداهما: أنه بدل، ولكنه يجوز للنص. والثاني: أنه أصل، وهو الصحيح فرع آخر لو أخرج كبشاً هل يجزئه؟ قال أبو إسحاق: يجزئه، لأن هذه الشاة لا تتعلق بعين المال ... (¬1) الذكر والأنثى كالأضحية، وهو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز، إلا الأنثى، لأن فرائض الإبل كلها إناث. وفيه وجه ثالث: أنه كانت الإبل إناثاً لا يجوز إلا أنثى، وإن كانت ذكوراً [24 ب/4] يجوز الذكر والأنثى اعتباراً لصفة المال، وعلى هذا لو أخرج الذكر في الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان أيضاً. فرع آخر سن هذه الشاة إن كانت ضأناً فجذعة، وإن كانت معزاً فثنية، وأما صفتها فمن نوع غنم البلد، فإن كانت ضأناً فضأنا، وأن كانت معزاً فمعزاً، وإن كانت منهما، فمن أيهما شاء، ولا فرق بين أن يكون إحداهما أغلب من الآخر، أو يكون سواء. وقال مالك: الاعتبار بأغلب غنم البلد في النوع، كما في الجنس، فإن كان غالب غنم البلد الضأن، لم يجز أخذ المعز، وإن كان الغالب المعز، لم يجز أخذ الضأن، وهذا غلط، لأن الشرع ورد بتجديد؟ النوع والتسوية بين جميع الأنواع، فلم يحتج مع ورود الشرع به إلى اختيار أهل البلد، والأغلب فيها، بخلاف الجنس المطلق، ذكره في الشرع، فاعتر فيه الأغلب، وقد قال الشافعي في "الكتاب". ولا أنظر إلى الأغلب في البلد، وعلل الشافعي لإبطال قوله نقله، أخل المزني بنقلها حيث نقل فقال: لأنه إنما قيل: إن عليه شاة من شياه بلده، أي: لم تقيد تلك الشاة في الخبرة بشاة من أغلب عنهم بلده، فإذا أعطاه شاة من شياه بلده جاز، فاستأنف هذا الكلام من جهة نفسه، لا إدراجاً له في متن الخبر كما أوهم المزني، وأما جنسها قال [25 أ/4] الشافعي في "الأم" (¬2): إن كان في بلده جنس من الغنم فجاء بجنس آخر، نظر، فإن كان مثله في القيمة، أو خيراً منه أجزأه، وإن كان دونه لم يجزه، فعلى هذا، إذا كان بمكة، فأخرج شاة مكية أجزأته، وأن أخرج من غيرها، وكان دونها في القيمة، لم يجز، وإن كان مثلها جاز ولو كانت له أربعون شاة مكية ببغداد، فأخرج من غنم بلدة شاة، لم يجز، ولا يعتبر فيها غنم البلد، لأن الشاة الواجبة من الأربعين هي مستحقة من جنس النصاب، فلم يجز إخراجها من غير جنسه إلا أن يكون خيراً من جنسه أو مثله فيجزئه، وليس كذلك في الشاة المأخوذة من خمس من الإبل، لأنها ليست من جنس النصاب، فاعتبرتا بغنم ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 8).

البلد، وإذا أراد أن يعدل عن جنس غنم البلد فهو بمنزلة عدولة عن جنس النصاب في الأربعين. فرع إذا ملك نصاباً من الضأن فأراد أن يخرج ماعزاً أو على العكس، قال القاضي: فيه وجهان: إحداهما: يؤخذ كما لو كانت بعضها ضأناً، وبعضها ماعزا، فإنه يأخذ من الكل الضأن أو المعز. والثاني: يؤخذ الضأن من المعز، ولا يؤخذ المعز من الضأن، لأن الضأن خير النوعين، وإذا قلنا: يؤخذ المعز من الضأن، لا يؤخذ إلا ثنية، وإذا قلنا: يجوز [25 ب/4] إخراج الضأن من المعز، فإن أخرج ثنية فقد زاد، وإن أراد أن يخرج جذعة بدل ثنية من المعز فيه وجهان، إحداهما: يجوز لأنها تجوز عن نصاب من الضأن. والثاني: لا يجوز لأنها ناقصة السن كما لو أخرج حقة سمينة بدل جذعة لا يجوز. مسألة: قال (¬1): وإذا كانت إبِلُهُ كِراماً لم يأَخُذْ منهُ الصَّدَقَةَ دُونَهَا. الفصل وهذا كما قال قيل: الكرام من صفي الناس، وإنما يقال في الإبل كرائم ولا يقال كرام، إلا أن الشافعي رحمه الله استعمله في الإبل وقوله حجة في اللغة وجملته أنه إذا كانت إبلة كراماً من حيث الجنس مثل أن يكون معه خمسة وعشرون بختياً فعليه أن يخرج بنت مخاض بختية، ولو أعطى من العراب لا يجوز، وكذلك لو كانت إبلة مهرية أو مجيدية لم يجز إخراج الفرض من جنس دونه وهذا للعدل بين رب المال وأهل السهمان، وإن كانت إبلة كراماً من جهة السن مثل أن يكون كلها ثنايا أو بُزلاً أو جذاعاً لا نكلفه أن يعطي بعيراً منها بل نطالبه ببنت مخاض من جنسها والفرق بين كرم الجنس وكرم السن من وجهين: إحداهما: أن سن الفرض منصوصة مبنية بياناً لا يحتمل التأويل، حتى قال صلى الله عليه وسلم: "فمن سئل فوقها فلا [26 أ/4] يعطه" وليس كذلك جنس الفرض فإنه غير منصوص عليه فاعتبر بالجنس النصاب الذي وجب الفرض منه. والثاني: أن الزيادة في السن تجري مجرى الزيادة في العدد، ألا ترى أن فرائض الإبل تارة بالسن وتارة بالعدد فلما لم يجز أن يزاد في عدد الفرض لم يجز أن يزاد في السن لئلا يؤدي إلى الأخذ من القليل مثل الأخذ من الكثير، فإنه لو أخذ من خمس وعشرين جذعة مثلاً جذعة فقد أخذنا في إحدى وستين وهو محال وهناك لا يؤدي إلى هذا المعنى فافترقا، وعلى هذا لو كانت له إحدى وستون حوامل لا يكلف ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 194).

حاملاً لأن الحامل اثنان ولو كانت معه خمس وعشرون من الإبل سماناً أو أربعون شاة أكولة وجبت سمينة مثل ماله كما يؤخذ من الهازيل مهزولة. مسألة: قال (¬1): وإذا عَدَّ عليهِ السَّاعي فَلَمْ يأخُذْ منهُ شيئاً حتَّى نَقَصَتْ. الفصل وهذا كما قال هذه المسألة مبنية على أن الإمكان من شرائط الوجوب، أو من شرائط الضمان، وإن قلنا: من شرائط الوجوب وهو ظاهر المذهب فعد عليه الساعي ماشيته بعد حولان الحول فلم يأخذ منه شيئاً حتى نقصت عن النصاب فلا شيء عليه وعلى القول الآخر عليه بحصة ما بقي واختلف قول الشافعي [26 ب/4] رحمة الله عليه في كيفية الإمكان فقال في الجديد: الإمكان هو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان سواء كان ماله من الأموال الظاهرة كالمواشي أو كان من الأموال الباطنة، كالذهب والفضة، ومن أصحابنا من قال: لو أخرها على هذه القول عن أهل السهمان ليوصلها إلى الإمام لا يضمن، لأن له غرضاً صحيحاً في الدفع إلى الإمام لدفع الخلاف، وهذا خلاف النص، وقال في "القديم": إن كان من الأموال الباطنة فهو الوصول إلى الساعي أو إلى أهل السهمان وأن كان من الأموال الظاهرة فهو الوصول إلى الساعي دون أهل السهمان، وتجب الزكاة على الفور عند الإمكان، وبه قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، وقال أبو بكر الداري: على التراخي لأنها لو هلكت عند أبي حنيفة لا يضمن .... (¬2) على ..... (¬3) وإذا وجد الإمكان على ما بيناه فلم يخرج الزكاة حتى تلف المال فإنه يلزمه ضمان الزكاة، وقال أبو حنيفة لا يضمنها وإن أخرها سنين لا يطالبه إلا بمطالبة الإمام وهذا غلط، لأنها أمانة حصلت في يده بغير اختيار من له الحق فيضمن بالإمكان كما لو ألقت الريح ثوباً في داره ضمن بالإمكان. مسألة: قال (¬4): وما هَلَكَ أو نَقَصَ في يدَيَ [27 أ/4] السَّاعي. فلم يفرقها حتى تلفت في يده سقط الفرض عن رب المال بقبض الساعي منه فإن كان الساعي لم يمكنه أن يفرقها بين أهل السهمان حتى تلفت فلا ضمان على الساعي وإن أمكنه ذلك فإن آخر تفريقها لعذر مثل إن كان مشغولاً بتثبيت أسمائهم وإحصائهم وتعرف أحوالهم أو انتظار مال آخر من الصدقات، يحمل إليه فيضيفه إلى ما تحصل عنده ليعم الجميع به فلا ضمان عليه وإن أخرها لغير عذر، فإنه مفرط ويلزمه الضمان فإن قيل: إذا وكل رجلاً في قبض ماله من رجل فقبضه وأمكنه أن يدفع إليه فلم يدفع حتى تلف لا يلزمه الضمان، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الزكاة مستحقها غير متعين فلم يجعل سكوت مستحقها رضي فتركها في يده فتعلق الضمان بالإمكان، وهاهنا المال الذي في يد الوكيل مستحقة متعين فجعل سكوته عن المطالبة بتسليمه إليه رضي منه. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 194). (¬2) (3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) انظر الأم (1/ 194).

باب زكاة البقر السائمة

بكونه في يده، وتعلق الضمان بمطالبه وامتناعه. فرع لو أوصى إلى رجل بتفرقة ثلاثة على الفقراء ومات الموصي وأمكنه تفريقه عليهم فلم يفعل حتى تلف ضمن لأن المستحق غير معين كالزكاة سواء، ولو وجد لقطة فأخذها وهو يعرف صاحبها لزمه إعلامه [27 ب/4] بها فإن أخر الإعلام مع الإمكان ضمن لأن مستحقة متعين ولذلك لو هبت الريح بثوب في داره. فرع لو قال له: سلم هذا المال إلى رجل فأخذه ... (¬1) التسليم فلم يسلمه حتى تلف هل يضمن وجهان: إحداهما: أنه يضمن كالزكاة. والثاني: لا يضمن لأنه لا يلزمه أمره بخلاف أمر الشرع وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا، والصحيح عندي القول الأول لأنه ألتزمه باختياره فلزمه الوفاء به. باب زكاة البقر السائمة قال: أخبرنا مالك عن حميد، وذكر الخبر. وهذا كما قال: الأصل في زكاة البقر الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، وأما السنة: فما رواه الشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر معاذاً أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعاً ومن كل أربعين مسنة" ثم روى فعل معاذ موافقاً لهذا فقد روى طاوس أن معاذاً أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً ومن أربعين مسنة (¬2)، وروى في خبر علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وأما الإجماع: فما قال الشافعي لا أعلم فيه من أحد من أهل العلم لقيته خلافاٌ (¬3). فإذا تقرر [28 أ/4] هذا فقبل أن يشرع في حكم زكاتها يقدم ذكر أسنانها، فإذا ولدت البقرة فهو عجل وعجول، فإذا استكمل سنة ودخل في الثانية فهو جذع، وجذعة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، فإذا استكمل ثلاثاً ووجد في الرابعة، فهو رباع ورباعية، فإذا استكمل خمساً ودخل في السادسة، فهو صالغ، ثم لا اسم له بعد هذا إلا صالغ (¬4) عام وصالغ عامين. وأما التبيع فقال أبو عبيد: لا يدل على سن، وقال غيره: يسمى تبيعاً لأنه يتبع أمه في الرعي، وقال الأزهري (¬5): التبيع هو الذي أتى عليه حول ولا شك أنه المراد ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أخرجه أبو داود (1576)، الترمذي (623)، والنسائي (2451)، وابن ماجة (1803). (¬3) انظر الأم (2/ 7). (¬4) انظر: فقة الله (63)، الفرق لقطرب (104). (¬5) انظر: "الزاهرة في غرائب ألفاظ الشافعي" (ص 98).

بالخبر، وقيل: إنما سمي تبيعاً لأن قرنه يتبع لونه حتى صارا سواء، وأما المسنة: فجمعها سنات ومسنات، وهي الثنية. وقال الإمام أبو الحسن الماوردي في تصنيفه "الحاوي" (¬1): من غير خلاف التبيع ما له ستة أشهر فصاعداً وسمي تبيعاً لأنه قوي على إتباع أمه، والمسنة هي التي لها سنة كاملة ودخلت في الثانية، وهذا غريب فإذا تقرر هذا فلا صحت الزكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغتا، ففيها تبيع، وهو قول كافة العلماء، وقال سعيد بن المسيب والزهري وجابر بن زيد وابن شبرمة، تجب في كل خمس منها شاة إلى ثلاثين لأن البقرة تجزي عن سبعة كالإبل، وقال [28 ب/4] أبو قلابة: في كل خمس شاة إلى عشرين ففيها أربع شياه ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين فيكون فيها تبيع، حكى عن سعيد بن المسيب أنه قال: نصها كالإبل في كل خمس شاة وفي خمس وعشرين بقرة بدلاً من ابنة مخاض ثم لا شيء فيها حتى تبلغ ستاً وسبعين فيكون فيها بقرتان بدلاً من بنتي لبون، وهذا غلط لما روى الحكم عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تسعاً أو سبعة جذعاً ومن كل أربعين مسنة فقالوا: الأوقاص، فقال: ما أمرني فيها بشيء وسأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدمت عليه فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن الأوقاص فقال: "ليس فيها شيء" وروي أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم معاذ، وروى الشافعي أن معاذ أتى بوقس البقر أو وقص البقر فقال: لم يأمرني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وفسر الشافعي رحمه الله الوقس فقال: والوقس ما لم يبلغ الفريضة أي: ما دون النصاب. ثم قال: فبهذا كله نأخذ أي: لا يوجب إلا فيما أوجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم [29 أ/4] لأن المقادير لا تؤخذ توفيقاً وكذلك امتنع معاذ من الأخذ فيما لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم فيه بشيء، وأيضاً الواجب في الزكاة الإناث فلما استفتحت فريضة البقر بالذكر دل أن ما قبلها لا يحتمل واجباً، فإذا تقرر هذا فلا شيء في زيارتها حتى تبلغ أربعين فإذا بلغتها ففيها مسنة وهي التي تجزي في الأضحية، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ستين فإذا بلغتها ففيها تبيعان ويستقر النصاب بعد ذلك فيكون النصاب عشرة عشرة والوقص تسعة تسعة والفرض في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة والوقص يحرم إيقاف عند الفقهاء، وقال بعض أهل اللغة هو بتحريك القاف كالشنق، وأما الشنق بتحريك النون، فروى البويطي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: هو ما بين الستين من الإبل والبقر والغنم وأراد به ما بين الفريضتين، ولكنه يختص بالإبل والوقص يختص بالبقر، وقال أبو حنيفة في إحدى الروايات مثل مذهبنا والرواية الثانية عنه أنه قال في خمسين مسنة وربع مسنة والرواية الثالث: عنه أنه قال يجب فيما زاد على أربعين جزء من مسنة، وإن ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 107).

باب صدقة الغنم السائمة

كانت الزيادة واحدة وهذا غلط، ظاهر لأنه يؤدي إلي إيجاب جزء من الجبران ابتدأ في الزكاة وهذا [29 ب/4] لا نظير له في الأصول، وفي هذا احتراز من ثلاث مسائل علي أصلنا يجب فيها الجزء إحداها: الخلطة، والثانية: إذا هلك البعض بعد حلول الحول قبل الإمكان، والثالثة: المستفاد ثم إذا بلغت مائه وعشرين اجتمع أربع ثلاثينات وثلاث أربعينات فيجب أخذ الفرضين، إما ثلاث مسنات أو أربعة أتبعه، وشرح هذا الفصل كما ذكرنا في الإبل، إلا أنه لا يجوز الصعود فيها ولا النزول مع الجبران وتفارق الإبل من وجهين، إحداهما: أن الجبران تقويم الشرع فيجب قصره علي الموضوع الذي ورد فيه الشرع، والثاني: أن في الإبل يجوز العدول من جنسها إلي غير جنسها في الابتداء للرفق بصاحبها فجاز إلي غير جنسها في الجبران للتخفيف والرفق بخلاف البقر، وبقولنا قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد. فرع لو كانت له ثلاثون من البقر ووجب فيها تبيع فأعطانا تبيعته كانت أفضل، لأن الأنثى أفضل من الذكر ولو أعطي مسنة بدل التبيع قبلنا لأنه اكبر من غير نقصان ولكن لا يجبر عليه بخلاف ابن لبون مكان بنت مخاض، لأن التبيع الواجب ذكره أيضاُ، ولو كانت له أربعون من البقر ووجبت عليه مسنة فأعطى تسعين أخذناها لأنه يجوز أخذهما في [30 أ/4] الستين ففيما دونهما أولي. باب صدقة الغنم السائمة مسألة: قال (¬1): ثابت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في صدقة الغنم معني ما اذكره إن شاء الله. الفصل وهذا كما قال: الأول في زكاة الغنم الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فما تقدم. وأما السنة: فما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "في الغنم صدقتها" الخبر، وأما الإجماع: فلا خلاف فيه وإنما قال الشافعي رحمه الله: ثابت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم ينقل لفظ الخبر لأنه لم يحفظ اللفظ فنقل المعني واحتاط بذكر الاستثناء، وهو قوله: إن الله، وقيل: إن لفظه وافق لفظ الخبر إلا في موضع واحد وهو أنه قال: حتى يبلغ مائتين وشاه، فإذا بلغت ففيها ثلاث شياه إلي ثلاثمائة ثم في كل مائة شاه فإذا تقرر هذا فلا صدقه في الغنم حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاه وقد ورد النص في هذا وهو ما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" إذا نقصت سائمة الرجل من الأربعين شاه فلا شيء فيها" ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائة وإحدى ¬

_ (¬1) أنظر الأم (1/ 194).

وعشرين، فإذا بلغتها ففيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ [30 ب/4] مائتي شاة وشاة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه ثم في كل مائه شاة وما نقص عن مائه فلا شيء فيه، هكذا نقله المزني والربيع، وروى البويطي عنه أنه قال: في مائتي شاة وشاة ثلاث شياه إلي ثلاثمائة ثم زاد بعد ذلك ففي كل مائه شاة فجعل الوقص إلي ثلاثمائة، ثم استأنف بعده اعتبار نصاب مستقر علي عدد واحد فقال: ثم في كل مائه شاة وهذا لفظ السنة المروية فيها والذي تقدم روي في بعض الألفاظ، فقدمناه لموافقة الأصول إياه، وذلك أنه يؤدي إلي الموالاة بين الوقصين وهو خلاف الأصول. وقال الحسن بن صالح بن حي والنخعي: إذا زادت علي ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه، وحكي القاضي الإمام أبو الحسن الماوردي (¬1) عنهما أنهما قالا: في مائتي شاة هذا بذكر أسنان الغنم قبل الشروع في المسائل فأول ما تلد الشاه يقال سلخة ذكراً كان أو أنثى والمعز والضأن في هذا سواء، ثم يقال: للكل ثم إذا أربعة أشهر يقال للمعز جفر وجفرة، وجمعها جفار، ويقال للضأن: حمل ثم [31 أ/4] يقال بعد هذا للمعز عريض وعتود، ويقال له جدي وغياق إلي هذا الوقت من حين الولادة ثم إذا استكمل سنه يقال له: عنز وتيس، فإذا دخل في الثانية، يقال له: جذع وجذعة، فإذا دخل في الثالثة، فهو ثني وثنية، فإذا دخل في الرابعة، فهو رباع ورباعية، فإذا دخل في الخامسة، فهو سديس وسدس، فإذا دخل في السادسة، فهو صالغ ثم يقال صالغ عام وصالغ عامين، وفي الضأن، إذا بلغ سبعة أشهر إن كان من بين شاتين فهو جذع، وإنما قيل جذع لأن له نزواً وضراباً، وإن كان من بين هرمين، فلا يقال جذع حتى يكمل له ثمانية أشهر ثم هو جذع حتى يدخل في الثالثة فيقال ثنى وثنية والمعز لا ينزو حتى يصير ثنياً بخلاف الضأن ثم علي ما ذكرناه في المعز، وقيل: الجذعة من الضأن ما له ستة أشهر ودخل في السابع والثنية من المعز هي التي استكملت سنة ودخلت في الثانية، وهذا هو اختيار صاحب الحاوي (¬2) وحكي الأزهري (¬3) عن ابن الأعرابي انه إن كان من هرمين فعلي ما ذكرنا، وإن كان من شاتين فهو جذع لستة أشهر إلي سبعة أشهر، وحكي عن الأصمعي أنه قال: الجذع من الضأن هو لثمانية أشهر، ومن المعز لسنة، وقال ابن فارس: الجذع من [31 ب/4] الضأن هو ما أتي عليه حول، والثني ما ذكرنا وهذا اختيار بعض أصحابنا، وهو الاحتياط. مسألة: قال (¬4): ويَعُدَّ علَيهِمْ بالسَّخْلَةِ. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 111) (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 112) (¬3) انظر الزاهر في غرائب ألفاظ الشافعي (ص 99). (¬4) انظر الأم (1/ 196)

الفصل وهذا كما قال: إذا ملك نصاباً من الغنم فتوالدت في أثناء الحول تحي صارت نصابين فإنه يجب فيها شاتان، وكذلك إذا بلغت ثلاثة نصب يجب ثلاث شياه، وتضم السخال إلي الكبار ويعد معها في حولها وكن لا بد من ثلاثة شرائط، أحدها: أن تكون متولدة منها. والثانية: أن تكون الأمهات نصاباً. والثالثة: أن تكون الدلالة في الحول، فأما إذا كانت من غيرها فلا يضم إليها، وعند أبي حنيفة يضم المستفاد إلي ما عنده من النصاب إذا كان من جنسه، وإن كان غير هذا من الأموال الزكاتية، وبه قال عنده من النصاب إذا كان من جنسه، وإن كان غير هذا من الأموال الزكاتية، وبه قال مالك وهذا غلطـ، لأنه النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول"، وأما إذا كانت الأمهات أقل من البنات فولدت وتمت بالسخال نصاباً استأنف الحول من حين تمت نصاباً، وقال مالك: وهي رواية عن احمد يضم إليها وتجب شاة عند الحول واحتج بأنه لو ملك مائة درهم أحد عشرا شهراً ثم وجد مائة درهم ركازاً فزكاهم لأنهما نصاب، وهذا غلط لقوله صلي الله عليه وسلم: "لا زكاة في [32 أ/4] مال حتى يحول عليه الحول" ونقيس علي ما لو استفاد من غيرها سخالاً فإن عنده يستأنف الحول إذا تمت نصابا به، وأما مسألة الركاز ففيها وجهان، إحداهما: أنه يجب في المائة الركاز دون غيرها لأنه يعتبر فيها النصاب دون الحول، وفي المائة الأخرى يعتبر النصاب، والحول فلا يجب فيها لعقد الحول. والثاني: زكتهما واجبة لأن النصاب فيهما موجود، والحول فيما يعتبر فيه الحول موجود فوجد شرط الإيجاب فيمها وهذا إذا مضي شهر آخر علي هذه الثانية، وأما إذا كانت الولادة بعد الحول والإمكان فلا يضم إليها في زكاة الحول الماضي قولاً واحداً، لأن الأمهات جارية في زكاة الحول والثاني، وفي حكم الزكاة الثانية: فلا يجوز أن يضم إليها في جميع زكاة الحول الأول، ولو جاز هذا لوجب إذا آخر زكاة سنين أن يضمها إليها في جميع ما عليها من زكوات الأمهات، ونوجب في السخال زكوات سنين وهذا خلاف الإجماع، وإن كانت الولادة بعد الحول قبل الإمكان فيه طريقان إحداهما: أنه يبني علي القولين فإن قلنا: إمكان الأداء من شرائط الوجوب يضم الأولاد إليها لان زكاة الحول الماضي لم تجب بعد فيزكي الكل بعد الإمكان، وإن قلنا الإمكان [32 ب/4] من شرائط الضمان، وهو قوله الجديد لا يضم إليها إلا في الحول الثاني، لأنه حصلت الأولاد بعد الوجوب وهي جارية في الحول الثاني، والطريق الثاني: في المسألة قولان من غير بناء علي القولين إحداهما: يضم إليها لقول عمر رضي اله عنه اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي علي يديه، والسخلة التي يروح بها الراعي علي يديه لاتكون إلا بعد الحول، لأن ما تولد قبل الحول يمشى بعد الحول بنفسه، والثاني: وهو الصحيح لا يضم إلي ما عنده لأن الزكاة قد وجت في الأمهات والزكاة لا تسرى إلي الولد لأنها لو سرت بعد الوجوب لسرت بعد الإمكان، لأن الوجوب في مستقر وحال استقرار الوجوب هو آكد من حال الوجوب فلما لم تسر الزكاة إليه في حال الاستقرار فلأن لا تسري قبله

أولى، وقال الحسن البصري والنخعي وداود: إنه يستأنف الحول أبداً، وهذا غلط لخبر عمر رضي الله عنه، وتمامه ما روى ان سفيان ساعي عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجع إليه فقال: إن هؤلاء يعنى أرباب المواشي يزعمون أنا نظلمهم نعد بالسخلة عليهم ولا نأخذها منهم فقال له عمر رضي الله عنه مبيناً: إنه ليس بظلم بل هو عدل اعتد بالسخلة يروح بها [33 أ/4] الراعي أي: وإن كانت السخلة في الصغر بحيث لا تقوى علي المشي فيحملها الراعي فيروح بها، ثم قال: ولا يأخذها ولا يأكل الأكولة ولا الربي ولا المخاض ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية (¬1).وذلك عدل بين غدي المال وخياره والغدي جمع الغدي وهو الصغير، ومعناه انك ما لا تأخذ السخلة وتعدها، كذلك تعد عليهم النفيس من الأكول والربي والماخض ولا تأخذها، وإنما تأخذ الجذعة والثنية فإذا ليس بظلم بل هو عدل عن الصغار والكبار والنفيس والخسيس، ثم فسر الشافعي رحمه الله الربي والماخض والأكولة فقال: الربي هي التي يتبعها ولدها، وهي قريبة العهد بالولادة ما بينها وبين خمسة عشرة ليلة، فقال: هي في ربابها كما يقال في المرأة هي: في نفاسها، وقيل: جمع الربي رباب، وإنما قيل ذلك لأنها تربي ولدها وقيل ذلك إلي خمسين يوماً، ولا تؤخذ هذه لفضلها لأنها ذات الذر الغزير في هذه الأيام في أخذها إضرار بالسخلة فإن تبرع بها صاحبها أخذناها، ومن أصحابنا من قال: لا يؤخذ لنقصها لأنها في هذا الوقت تكون مهزولة وهو خلاف النص، وأما الأكولة: هي التي تعلف وتسمن للذبح وليست بسائمة [33 ب/4] والماخض: الحامل والشافع، والماخض والمخاض رجع الولادة، قال الله تعالي: {فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} [مريم:32] وقيل: هي التي في بطنها ولد وخلفها ولد آخر ولا تؤخذ هاتان لفضلهما، فإن تطوع قبلنا. وأما فحل الغنم: فهو الذي يعد في القطيع للضراب والكفاح ينظر في الغنم فإن كانت كلها ذكوراً لا يؤخذ لفضله فإن تبرع به أخذناه، وإن كانت لكنها أناثاً أو بعضها ذكوراً وبعضها إناثاَ لا يجوز أخذه لنقصانه بالذكورة، ثم اعلم أن الجذعة عندنا إنما تؤخذ إذا كانت الغنم ضانية ولا تؤخذ إذا كانت الغنم ما عزة، وإنما يؤخذ من المعز الثنية، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة: لا يقبل فيها إلا الثنية، وروى الحسن بن زياد عنه مثل مذهبنا، وقال مالك: تجوز الجذعة فيهما واحتج الشافعي رحمه الله باحتجاج حسن، فقال: ولما لم يختلف أهل العلم فيما علمت مع ما وصفت يريد بقوله: فيما علمت فيما بلغني من الاختلاف مع ما رويت في حديث عمر رضي الله عنه من اخذ الجذعة والثنية، ولا مخالفة له في أن لا يؤخذ أي فرض الغنم أقل من جذعه أو ثنية أي: لا يؤخذ دون هذه السن إذا كانت في غنمه أي: إذا كانت [34 أ/4] هذه السن موجودة في غنمه أو اعلي منها أي: إذا كانت الأعلى منها موجودة لم يؤخذ دون هذا ¬

_ (¬1) أخرجه مالك في " الموطأ" (1/ 265)، والشافعي في " المسند" (651).

السن دل علي أنهم أرادوا يجوز أضحية يريد به أنه لا خلاف أن الجذع من الضأن يجوز أضحية، والجذع من الماعز لا تجوز أضحية، وما دون الجذع من الضأن وما دون الثنية من الماعز لا تجوز أضحية، دل ذلك علي أن المطلوب في فرض الغنم سن تجوز أضحية وهو ما قلناه وتحرير هذا علي مالك أن يعلل للجذعة الماعز فنقول هذه سن لا تجوز أضحية فلا تجوز في صدقة الغنم كما دونها ونعلل علي أبي حنيفة للجذعة الضأنية فنقول: هذه سن تجوز أضحية كالثنية. مسألة: قال (¬1): ولا يُؤخَذُ أعلى إلاَّ أنْ يتَطَوعَ ويختارَ السَّاعي السَّنَّ التَّي وَجَبَتْ. الفصل وهذا كما قال: إذا ثبت أن الواجب إحدى هاتين السنين فلا يخلو الغنم من أربعة أحوال، إما أن يكون دون السن المأخوذة، أو كلها فوق السن المأخوذة، أو بعضها من السن المأخوذة، وبعضها من غيرها فإن كانت دون السن المأخوذة وهي أن تكون سخالاً دون الجذعة أخذت الزكاة منها ويتصور ذلك إذا ماتت الأمهات وبقيت السخال، وإن كانت كلها نفس السن المأخوذة جذاعاً إن كانت ضأناً أو ثنايا [34 ب/4] إن كانت معزى وصفتها متقاربة لا يكون بعضها أكرم من بعض اختار الساعي منها أية واحدة إن شاء والخيار إليه كما إذا وجبت عليه حقه والجميع حقاق، يأخذ أية حقه شاء منها، قال في "الأم": ولا يفرق فرقتين ولا ثلاث فرق وقصد به رداً علي الزهري حيث قال: يفرق ثلاث فرق فرقه لرب المال وفرقتان يختار الساعي منهما، وروى عن عمر رضي الله عنه هذا، وقال عطاء وسفيان الثوري: يفرق فرقتين فرقه لرب المال وفرقه يختار منها الساعي ماشاء، وهذا غلط، لأنه ربما يؤدي إلي إخراج الدون الذي فيه ضرر بالمساكين وقد قال تعالي {ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] الآية، وإن كان بعضها أكرم من بعض لا يجوز له أن يأخذ من الكرام ولكنه يترك الأدنى والأعلى، ويأخذ من الأوسط نص عليه في "الأم) (¬2)، وقال أبو إسحاق في"الشرح": إذا وجبت عليه حقه وفي ماله حقاق جيدة ووسط وروى يأخذ الوسط، فإن قيل: أليس قلتم في المائتين يختار الساعي ماهو الأفضل من خمس بنات لبون، وأربع حقاق فما الفرق بين المسألتين، قلنا: الفرق إنا إذا تركنا الخبر هاهنا فقد تركنا بإزائه الردى فجاز وهناك لو أخذنا الحقاق [35 أ/4] وفيها بنات لبون خير من الحقاق فلم نأخذ من بنات اللبون شيئاً وتركنا جنسا مما يؤخذ في الزكاة ولم نأخذ منها شيئاً فيكون داخلاً في معني من تيمم الخبيث من ماله، وذلك لا يجوز، وإن كانت كلها فوق السن المأخوذة مثل أن تكون أكبر من الجذاع والثنايا نقول لرب المال: الذي يجب عليك جذعه من الضأن، إن كانت غنمك ضأنا أو ثنيه إن كانت غنمك معزى وأنت بالخيار إن شئت أعطنا الفرض من غيرها، وإن شئت طوعت بواحدة منها، فإن قيل هلا كلفتموه ¬

_ (¬1) أنظر الأم (1/ 197). (¬2) أنظر الأم (2/ 6).

واحدة منها لأن غنمه إن كانت صغاراً أخذتم منها صغيرة، فإذا كانت كباراً وجب أن يأخذ منها كبيرة قيل: نحن نأخذ من الصغار صغيرة رفقاً برب المال، ولا نكلفه في الكبار كبيرة، وإنما نأخذ قدر الفرض رفقًا برب المال فيلحق الرفق به في زيادة السن ونقصانها كما تقول في العدد وهو إذا كانت غنمه اقل من النصاب لا يؤخذ منه شيء، وإذا كانت أكثر من النصاب لا يؤخذ من الزيادة شيء فيلحق به الرفق فيما نقص عن النصاب وفيما زاد عليه كذلك هاهنا فإذا تقرر هذا فإن أعطانا الفرض من غيرها أخذناه وهو الذي وجب عليه، وإن تطوع بواحدة منها أخذناها إذا لم يكن بها عيب يمنع [35 ب/4] جوازها في الأضحية فلا يقبلها، وإن كانت قيمتها أكثر من قيمة الفرض الجائز في الأضحية، وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد ملا يجوز أضحية وتنقص القيمة بسبب ذلك الغيب، فأما إذا لم تنقص القيمة والمنفعة مثل قطع بعض الإذن أو الأسنان لا يضر، وإن كان مثله لا يجوز في الأضحية وهذا غريب، فإن قيل: هلا قبلتموها وجعلتم زيادة قيمتها في مقابلة نقصها بالعيب، قيل: لأن الفرض لما لم يجز تركه جنساً إلي جنس آخر، وإن كان أكثر قيمة منه ألا ترى منه، فكذلك لا يجوز ترك صفته إلي صفة غيره، وإن كان أكثر قيمة من إلا ترى أن الغرة لما لم يجبر الولي علي أخذ غير العبد والأمة، وإن كان أكثر قيمة لم يجبر علي أخذ الخصى أو المعيب، وإن كان أكثر قيمة، وإن كان بعضها بعد السن المأخوذ وبعضها اكبر وأدون يأخذ الواجب فإذا تقرر هذا قال الشافعي: إلا أن تكون تيساً يعين فوق السن الواجبة ذكراً من المعز فلا يقبل بحال لأنه ليس في فرض الغنم ذكور وقصد به الرد علي أبي حنيفة فإنه قال: يقبل الذكر في فرض الغنم وجملته أن الحيوان ثلاثة إضراب: أحدها: الغنم ولا يخلو من ثلاثة أحوال، إما ان يكون كلها [36 أ/4] ذكوراً أو كلها إناثاً أو بعضها إناثاً وبعضها ذكوراً فإن كان كلها ذكوراً جاز اخذ الذكر منها، فإن أعطانا تيساً أخذناه إذا كان ثنيا فما فوقه ولا يقبل ما دونه إلا أن يكون الغنم دون الثنايا فأعطانا تيساً منها قبلناه، وهذا لأن التيس من خيال المال نص عليه الشافعي في"الأم" (¬1) فقال: ولا يؤخذ التيس لنقصه وهو أنه لا ضرار له ولا نزو وهذا خلاف النص، وإن كانت كلها إناثاً أو بعضها إناثا وجب أخذ الأنثى منها ولا يجوز أخذ الذكر نص عليه في"الأم" (¬2). والثاني: في البقر فكل موضوع وجب الفرض من التبيع فيؤخذ ذكر سواء كانت البقر ذكوراً أو إناثاً للنص فيه وكل موضع وجبت فيه السنة، فإن كانت البقر إناثاً أو ذكوراً وإناثاً لم يجز إلا الأنثى، وإن كانت كلها ذكوراً ففيه وجهان، قال أبو إسحاق: لا يجوز إلا الأنثى لأن الفرائض كلها إناث إلا في موضع النص ولا نص هاهنا فعلي هذا يقوم النصاب من الإناث والفرض الذي فيها ثم يقوم النصاب من الذكور ويؤخذ أنثى ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 9). (¬2) انظر الأم (2/ 9).

بالقسط حتى لا يؤدي إلي التسوية بين الذكور والإناث، وقال أبو علي بن خيران: يجوز أخذ الذكر هاهنا وهو المنصوص في"الأم" لأن الزكاة وضعت علي الرفق والمواساة فلو أوجبنا [36 ب/4] الإناث من الذكور أجحفنا برب المال. والثالث: الإبل إذا وجب الفرض من جنسها فإن كانت إناثاً كلها أو ذكوراً وإناثاً وجب الفرض أنثى، وإن كانت كلها ذكوراً قال أبو إسحاق: لا يجوز إلا الأنثى، قال وهو مذهب الشافعي، وقد بينه في "الأم"، وإنما انغلق كلام المزني لشدة اختصاره، قال: والفرق بينه وبين الغنم أنا إذا قلنا: أنه يأخذ الذكر هاهنا لأدى إلي أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير لأن النبي صلي الله عليه وسلم أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض فإن لم يكن فابن لبون وهذا يؤخذ من ست وثلاثين أيضاً إذا قلنا: يؤخذ الذكر في هذا الموضع، وفي الغنم لا يؤدى إلي هذا المعني. قال: والفرق بين الغنم والبقر أن في البقر يتفاوت النصاب الذي يتعلق به الذكر والذي تتعلق به الأنثى، ففي اخذ الذكر مكان الأنثى تسوية بين النصابين في البقر بخلاف الغنم، وقال ابن خيران: يجوز أخذ اذكر هاهنا أيضاً لأن المزني نقل عن الشافعي أنه قال: في الإبل بهذا المعني لا يؤخذ ذكراً مكان الأنثى إلا أن تكون ماشيته كلها ذكوراً وهذا نص وقيل: إنه منصوص في "الأم" (¬1) من غير إشكال وعلي هذا يؤخذ علي قدر المال حتى لا يؤدى [37 أ/4] إلي ما قله أبو إسحاق فيقال: كم قيمة خمس وعشرين جملاً فيقال خمسمائة ثم يقال كم قيمة ابن مخاض منها؟ فيقال خمسون فيؤخذ هاهنا ابن لبون قيمة خمسون ولا يؤخذ ابن مخاض، وذا كانت ستاً وثلاثين يؤخذ ابن لبون بقيمة ست وثلاثين حتى يكون عدلاً وعلي هذا القياس أبداً. وحكي بعض أصحابنا عن ابن خيران انه قال: ها هنا لا يؤخذ ابن لبون ولا ابن مخاض فتؤخذ ابنه مخاض عنه خمس وعشرين جملاً كما قال أبو إسحاق وهذه مناقضة لأن ابن لبون إنما أقيم مقام بنت مخاض في الإناث، فإذا كانت كلها ذكوراً يجب أن يجوز ابن مخاض وإلا لزمنه المناقصة وهذا غير صحيح عن ابن خيران، وعلي قول أبي إسحاق يؤخذ بالقيمة أيضاً ليكون المأخوذ من الذكر أقل قيمة من المأخوذ من الإناث فقال: لو كانت الست والثلاثون إناثاً كم كانت قيمتها؟ فيقال: مائة دينار فيقال: وكم قيمة بنت لبون منها فيقال: عشرة دنانير فيقال: ولو كانت كلها ذكوراً كم قيمتها فيقال: خمسون ديناراً فيلزم ابنه لبون قيمتها خمسة دنانير وعلي هذا أبدا، وهذا اقرب إلي الصواب إن شاء الله [37 ب/4]. مسألة: قال (¬2): ولا يُعَتَدٌ بالسَّخلَةِ علي رَبِّ الماشية إلاَّ بأنْ يكونُ السَّخْلُ من غَنَمِه. الفصل إلي قوله: والقول في ذلك قول رب الماشية وهذا كما قال: قد ذكرنا أن السخال ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 10) (¬2) انظر الأم (1/ 198)

إنما تضم إلي الأمهات بثلاث شرائط، فو اختلف رب المال والساعي في هذه الشرائط فقال رب المال: اشتريت السخال ولم تتولد من الكبار التي عندي، أو قال: توالدت ولم تكن الأمهات نصاباً، أو قال: توالدت بعد الحول، قال الشافعي، القول قول رب المال، ولا يمين عليه لأنه مؤتمن علي ما في يده وما يجب عليه من زكاته، فان قيل: أليست الوديعة أمانه في يد المودع؟ ثم يلزمه اليمين عند الخصومة في التلف، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن حكم الزكاة أخف وأسهل من الوديعة لان الزكاة مواساة من جهته بخلاف الوديعة، ولأن الزكاة المغلب فيها حق الله تعالي دون حق العباد، وحق الله تعالي مبني علي المسامحة والمتساهلة بخلاف حق الآدمي، وهكذا لو اختلفنا فقال رب المال: لم يخل عليه الحول، وقال الساعي: بل حال عليه الحول فالقول قوله، فلا يمين فإن اتهمه في هذه المسائل عرض عليه اليمين لإزالة الريبة عن قلبه، لا علي طرق الوجوب بأن لم يحلف لا يلزمه شيء وقد [38 أ/4] قال في "الأم" (¬1):وإن كذبه احلفه بالله تعالي وأراد ما ذكرنا، وأما إذا شهد شاهدان أن له هذه الغنم بأعيانها من أول السنة إلي آخرها، وهذه الشهادة تجوز قبل الاستشهاد لأنها تتعلق بحق الله تعالي، فقال المشهود عليه: بعتها في وسط الحول ثم اشتريتها من غير علم الشاهد، أو قال: أديت زكاتها إلي ساع غيرك، أو أديت زكاتها في بلد آخر، فقلنا: يجوز نقل الصدقة فهل يلزمه اليمين؟ وجهان ذكرهما أبو إسحاق. إحداهما: لا تلزمه اليمين كما في المسائل الأربع. والثاني: تلزمه اليمين لأن الظاهر ها هنا وجوب الزكاة وهو يدعي سقوطها فلا يسقط من غير يمين، الأول اصح وأشبه بكلام الشافعي في "الأم" لأنه لو كانت اليمين واجبة إذا كانت الدعوي تخالف الباطن وجبت وإن كانت تخالف الظاهر كما في المودع، وهكذا الخلاف لو وجد في يده أربعين شاه فقال رب المال: لي ببلد آخر أربعون أخرى فلا أؤدي إلا نصف شاة ها هنا صدقة، فإن اتهمه هل تلزمه اليمين؟ وجهان، ولو قال: هي كانت في يدي من أو السنة إلي آخرها ولكنها وديعة في يدي أو ضوال فلا زكاة علي فيها، اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هاتان المسألتان من جنس المسائل الأربع [38 ب/4] المتقدمة فلا يجب اليمين وجهاً واحداً، ومن أصحابنا من قال في هاتين المسألتين وجهان كما في المسائل الثلاث، لأن الظاهر من اليد الملك فالأصل وجوب الزكاة عليه وهذا لا يصح لأن الشافعي جمع في الأم بين قوله لم يحل عليه الحول، وبين قوله: هي وديعة أو ضوال، أو قال: صدقه، وأنه مع إنكاره لا اعتبار بيده، فإذا قلنا: إن اليمين واجبة فإن حلف برئ، وإن نكل لم ترد اليمين علي الساعي لأنه وكيل الفقراء، والوكيل لا يجوز أن يحلف عن الموكل وهل ترد اليمين علي الفقراء؟ قال ابن خيران في "الإفصاح": إن كان الفقراء معينين ردت ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 10)

عليهم اليمين، وإن لم يكونوا بمعينين لا ترد عليهم ويحكم عليه بالزكاة، فإن قيل: حكمتهم بالنكول ها هنا وهو خلاف أصلكم قلنا: من أصحابنا من قال القضاء بالنكول يجوز في حقوق الله تعالي والصحيح ان يقال: إن هذا ليس هو حكماً بالنكول ولكن الزكاة وجبت عليه في الظاهر، وللمدعي إسقاطها والتخلص منها باليمين، فإذا لم يحلف ألزمناه بالظاهر كما نقول في الزوج القاذف إذا نكل عن اللعان نقيم عليه الحد بالقذف ..... (¬1) ومن أصحابنا من قال إن قلنا: إن نقل الصدقة يجوز لا ترد اليمين [39 أ/4] نصاً واحداً، وإن قلنا: لا يجوز النقل هل ترد اليمين عليهم؟ وجهان، ومن أصحابنا من قال: إذا قال: هي وديعة في يدي ينظر، فإن اخبر عن مالكها ووقع في قلب الساعي صدقة لم يحلف، وإن ارتاب احلفه استظهاراً وجهاً واحداً لأنه أمين استند قوله إلي ظاهر ولو امتنع من الأخبار عن مالكها فيه وجهان، والأصح انه لا يجب اليمين أيضاً. فرع لو شهد فقيران من أهل الصدقة أن له هذا المال من أول الحول إلي آخره، فإن كانا من جبران المال لا تقبل التهمة، وإن كان بعيدين عن تلك البلدة فيها وجهان: إحداهما: تقبل شهادتهما لأنهما لا يجران لأنفسهما نفعاً. والثاني: لا يقبل خوفا من التهمة بأن تؤول الصدقة إليهما، وقال القفال: الأصح أن تصور رب المال بصورة المدعي فإن قال: أديب إلي ساعٍ آخر أو بعت المال ثم اشتريت تؤخذ منه الزكاة إذا نكل بظاهر الوجوب، وإن تصور بصورة المدعي عليه بأن قال: هي وديعة إذ لم يحل الحول يقضي بالنكول، لأن الأصل براءة الذمة وهذا حسن ولكنه خلاف النص. مسألة: قال (¬2): ولو كانتْ لهُ أربعونَ فأَمكَنهُ أنْ يُصدَّقَهَا. الفصل وهذا كما قال: إذا أمكن إخراج الزكاة عن أربعين شاة [39 ب/4] بعد الحول فلم يخرج حتى تلف الكل ضمن الزكاة علي ما ذكرنا، وإن لم تكن حتى ماتت منها شاة فالأربعة في الباقي هكذا ذكر في "المختصر" وأجاب علي القول الذي يقول: إن الإمكان من شرائط الوجوب فإن قلنا: إنه من شرائط الضمان فيجب فيما بقي بحصته ثم ذكر أنه لو أخرجها وعزل زكاة ماله فلم يمكنه دفعها حتى تلف الذي عزله لرجع إلي ما تفرق له فإن كان أولي من النصاب فلا يلزمه شيء وهذا إذا قلنا إن الإمكان من شرائط الوجوب فإن قلنا: من شرائط الضمان يجب فيما بقي ....... (¬3) أنه لو ......... (¬4) عن مالك وابن شبرمه إنهما قالا: لا يجوز ما عزل وتلف عن ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (1/ 199) (¬3) موضع النقط بياض بالأصل (¬4) موضع النقط بياض بالأصل

الزكاة ...... (¬1) تلف في .......... (¬2) وهذا غلط لأن الساعي هو نائب المساكين .... (¬3) ورب المال وإن كان ما بقي نصاباً ....... (¬4) معه احدي وأربعون شاه فعزل منها بعد الحول شاه فلم يمكنه دفعها إلي الفقراء والمساكين ولا إلي الساعي حتى تلفت هذه الواحدة منها فإن قلنا: الوقص ليس بعفو والوجوب تعلق بالكل، فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب فعله شاه ها هنا وبه أجاب [40 أ/4] ها هنا، وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان لا يلزم عليه جزء من أحد وأربعين جزئ من شاة ويلزم الباقي. مسألة: قال (¬5): وكل فائدة من غير نتاجها لحولها. وهذا كما قال: قد ذكرنا ان المستفاد من الأموال بشراء أو هبة أو ميراث لا يضم إلي ما عنده في حولها خلافاً لأبي حنيفة ويفارق مال التجارة إذا باع العرض بدراهم فإنه يبني حولها علي حول العرف، لأن الدراهم متولدة من العرض ضرباً من التولد والحول فيه يتعلق برأس المال، وهو الدراهم والدنانير، إلا أنها تخفي مرة وتظهر أخرى فتكون قيمة تارة زيادة عيناً بخلاف ذاك، فلهذا افترقا. فروع لو كانت له ثلاثون من البقر فأمسكها احد عشر شهراً ملك عشراً من البقر بشراء أو هبة أو إرث فإنه يخرج إذا تم الحول عن الثلاثين من البقر تبيعاً ثم إذا تم حول العشر من حين ملكها فإن كان قد اخرج التبيع منها لا يجب في العشر بشئ، لأن جملتها أقل من أربعين، فلم يتم النصاب الثاني، وإن أخرجه من غيرها فإن قلنا: تجب الزكاة في العين فكذلك لأن مقدار الزكاة صار مستحقاً للمساكين، وإن قلنا: يجب في الذمة فعليه في العشر بع مسنة لان العشر هي مضمونه إلي ...... (¬6) في [40 ب/4] النصاب فيتم بها النصاب الثاني، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً انه لا يضم المستفاد إلي ما عنده في النصاب كما لا يضم اله في الحول، ذكره ابن سريج والطيبي من أصحابنا، وهذا غلط، لان النصاب للكثرة واحتمال المواساة وهو موجود في المستفاد والحول للاستمناء ولم تحصل القدرة علي الاستمناء في المستفاد، ثم إذا تم حول الثلاثين ثانياً تلزمه ثلاثة أرباع مسنة لان العشر قد اجتمعت مع الثلاثين في الحول الثاني من أوله إلي آخره، فلزمه أن يخرج بحصتها من فرض الأربعين، وليس كذلك في السنة الأولي، لأن الثلاثين قد انفردت عن العشر في بعض الحول فثبت لها حول التبيع لانفرادها عن الشعر فإذا تم الحول لم يجب فيها غير التبيع. فرع آخر لو كانت معه أربعون شاة مدة ثم ملك أربعين شاة ثانية بعدها ثم ملك بعده مدة ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل (¬2) موضع النقط بياض بالأصل (¬3) موضع النقط بياض بالأصل (¬4) موضع النقط بياض بالأصل (¬5) انظر الأم (1/ 199) (¬6) موضع النقط بياض بالأصل

أربعين شاة ثالثة فصار جميعها مائة وعشرين فيه قولان, قال في القديم: يجب قي الكل شاة في كل أربعين ثلثها بحولها لأن كل واحدة من الأربعينات مخالطة للثمانين في حال الوجوب فكانت حصتها ثلاث شياه, وقال في الجديد: يجب في الأربعين الأول شاة لأنه ثبت لها حكم الانفراد في شهر ثم في الثانية وجهان, إحداهما: يجب في شاة [41 أ/4] لأن الأولى لم ترتفق بخلطتها فلم ترتفق هي وهو اختيار ابن سريج, والثاني: يجب فيها نصف شاة لأنها خليطة الأربعين من حين ملكها, وفي الثالثة وجهان, إحداهما: تجب لأن الأولى والثانية لم يرتفقا بخلطتهما فلم ترتفق والثاني يجب ثلث شاة فيها لأنها خليطة الثمانين من حين ملكها فكانت حصتها ثلث شاة, ومن أصحابنا من قال: في الأربعين الأولى شاة ولا شيء في الثانية والثالثة ويكونان تبعًا لأنهما لم يبلغا نصابًا ثانيًا فلا تنفردان بالزكاة, وذكر بعض المحققين من أصحابنا: أن هذا هو الصحيح من المذهب, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ضعيفًا: أنه إن أخلط الجميع وأسامة في مرعى واحد كانت تبعًا, وإن فرقها فلكل واحدة حكم نفسها, فإذا قلنا: يجب في الأربعين الثانية نصف شاة فإنما يكون ذلك إذا أخرج الزكاة عن الأربعين الأولى وهي شاة من غير الأربعين, وقلنا: الزكاة في الذمة فأما إذا أخرجها منها أو أخرجها من غيرها, وقلنا: إن الزكاة استحقاق جزء من العين فعليه أربعون جزءًا من تسعة وسبعين جزءًا من شاةٍ, وكذلك إذا قلنا: يجب في الأربعين الثالثة ثلث شاة فإنما هو إذا أخرج الزكاة الواجبة من غيرها [41 ب/4] وقلنا: الزكاة في العين فعليه أربعون جزءًا من مائة وثمانية عشر جزءًا ونصف جزء من شاة, ثم يستوي الحساب فعند انقضاء كل حول على الأربعين يلزم ثلث شاة إذا لم ينقص بإخراج الزكاة وعلى ما ذكرنا, لو ملك ستًا وثلاثين من الإبل ثم ملك بعد ستة أشهر عشرًا من الإبل ثم تم الحول الأول يجب ابنة لبون, ثم إذا تم حول المستفاد فإنه يؤدى عشرة أجزاء من حقه من ستة وأربعين جزءًا على المذهب الصحيح. مسألة: قال (¬1): ولو نَتَجَتْ أربعينَ قَبْلَ الحَولِ ثُمَّ ماتَتِ الأمَّهَاتُ. الفصل وهذا كما قال: جملة هذا الفصل أنه لو كانت عنده خمسون شاة ستة أشهر فتوالدت أربعين سخلة كان حولها الأمهات, فإن هلك من الأمهات عشر فالحول بحاله قولاً واحدًا, وإن هلك أكثر فالمذهب أن الحول بحاله, وإن لم يبق من الأمهات شيء تجب فيها الزكاة إذا تم حول الأمهات, وبه قال أبو يوسف ومحمد وزفر ومالك, وقال أبو القاسم الانماطي من أصحابنا: إذا تلفت من أربعين أمهات واحدة بطل حول السخال لأن السخال تجري في حول الأمهات بشرط أن تكون الأمهات نصابًا, وقد زال هذا ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 199).

الشرط فوجب أن [42 أ/4] ينقطع الحول وهذا غلط, لأنها جملة جارية في الحول هلك بعضها ولم ينقص الباقي عن النصاب فلم يقطع الحول كما لو بقي نصاب من الامهات, وقال أبو حنيفة: إن بقي من الأمهات واحدة وجبت الزكاة في السخال وإلا فلا زكاة فيها, وقول الأنماطي هو أقيس من هذا وهذا أيضًا غلط, لأن ما صلح للوصل في حكم الزكاة صلح للأصل كالكبار, وحكي أن أبا حنيفة أجاب عن هذه المسألة بثلاثة أجوبة في مجلس واحد, فقال: أولاً: في أربعين سخلة سخلة فقال السائل أليس قد أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاة في أربعين شاة, وأنت توجب سخلة؟ فقال: فيها شاة, فقال السائل: إنما أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاة في أربعين شاة لا في أربعين سخلة؟ فقال: لا شيء فيها, وهكذا الخلاف فيما لو ملك أربعين جديًا يتم الحول وهي جدًا لم تزول سن الزكاة فقد تجب الزكاة عندنا خلافًا أبي حنيفة ولا يتصور هذا في الضأن عندنا, لأن الضأن تجذع في أقل من حول فإذا تقرر هذا أخذنا من الأربعين سخلة سخلة ومن مائة وإحدى وعشرين سخلة سخلتين, ومن مائتين وسخلة ثلاث سخال, ومن أربعمائة سخلة أربع سخال [42 ب/4] وعلى هذا قال مالك وزفر: تؤخذ الكبيرة ولا تؤخذ السخلة بحال, وقال بعض أهل خراسان: هذا هو قول الشافعي في القديم ولم يذكره أهل العراق, وأما الفصيل والعجول قال أصحابنا: فيه ثلاثة أوجه, أحدها: وهو اختيار ابن سريج وأبي إسحاق وجماعة: يلزم في خمسة وعشرين فصيًلا ابنة مخاض وهي ستة وثلاثين ابنة لبون وعلى هذا سواء كان الفرض يتعين بالسنين أو بالعدد, فعلى هذا يأخذ بالقسط, فيقال لو كانت الخمسة والعشرون كبارًا كم قيمتها فيقال مائة فيقال وكم الفرض المأخوذ منها وهو بنت مخاض؟ فيقال: عشرة وهذه الصغار التي هي خمسة وعشرون كم قيمتها؟ فيقال: خمسون فيقال أعطنا ابنة مخاض قيمتها خمسة فيكون قد أخذنا الفرض على ما يشبه ماله ولم نسويه بين فرض الصغار وبين فرش الكبار, ومن أصحابنا من قال: إن كان يتعين الفرض فيه بالسن يؤخذ الفرض المنصوص لأنه يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير, وإن كان مما يتغير الفرض فيه لا بالعدد يؤخذ الفصيل فمن ستة وسبعين يؤخذ فصيلان لأنه لا يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير فأشبه صغار الغنم وهذا [43 أ/4] غلط, لأنه يؤدي إلى هذا فإنه يؤخذ من أحد وتسعين فصيلاً فصيلان أيضًا, كما يؤخذ من ستة وسبعين على سواء, وأيضًا ما قلناه لا يؤدي إلى ما قاله هذا القائل للتقسيط الذي ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: تؤخذ الفصال كما في الأغنام ولا يكلف الكبيرة فيها كما لا يكلف الصحيح في المريض. قال القاضي أبو علي البندنيجي: هذا هو المذهب, وهذا غلط, والمذهب الأول والفرق بينه وبين الغنم أنه يؤدي إلى التسوية بين النصابين بخلاف الغنم, وهكذا الفرق في البقر إذا كان ثلاثون وأربعون عجلاً ومن اختا هذا القول أجاب عن هذا بأني أعتبر العدل فيجتهد الساعي حتى يأخذ من أحد وستين فصيلاً

فصيلًا خيرًا مما يأخذ من خمسة وعشرين فصيلاً فلا يؤدي إلى التسوية بين النصابين, فإذا تقرر هذا رجعنا إلى تفسير ألفاظ المزني فنقول أراد بالجدي أولاد المعز وبالبهيمة أولاد الضأن, وقوله أو بين جدي وبهيمة أي: بعضها أولاد معز وبعضها أولاد ضأن, والفصال جمع الفصيل وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه يقال له فصيل بمعنى مفصول, كقولهم قتيل بمعنى مقتول, والعجول بالتشديد هو العجل والعجل ولد البقر. ثم قال: أخذ من كل [43 ب/4] صنف من هذا أي: لا يبطل حكمها في حول بتلف الأمهات خلاف قول أبي حنيفة ولا يكلف الكبيرة كما قال مالك, ثم بين أنه وإن كان يؤخذ الصغير يراعى صفة الذكورة والأنوثة كما في الكبار فقال: وأخذ من الإبل والغنم أنثى ومن البقر ذكرًا إذا كانت ثلاثين من بين أنه إذا لم يؤخذ الذكر من البقر ماذا يفعل؟ فقال: قيل له: إن شئت فأت بذكر مثل أخذها يعني صغيرة, وإن شئت أعطيت منها أنثى تطوعًا ثم احتج بعد ذلك عليهما بفصيل واحد ولم يميز أحد الكلامين من الآخر, فقال: لما لم يبطل عن الصغار الصدقة أي: حول الصدقة لأن حكمها حكم الأمهات في هذا الكلام تقديم وتأخير, فكأنه قال: لما لم يبطل عن الصغار حول الصدقة مع الأمهات أي: مع بقاء الأمهات فكذلك إذا حال عليها حول الأمهات, أي: بعد تلف كل الأمهات وجب أن لا يبطل أيضًا, ثم احتج على مالك فقال: ولم نكلفه كبيرة من قبل أنه لم لي دع الربى والماخض وخذ الجذعة والثنية, فقلت: إنه قيل لي دع له خيرًا مما تأخذ إذا كان عنده خير منه ودونه, أي: إذا كان عنده النفيس والخسيس والوسط فدع الخير والدون وخذ العدل من الصغير والكبير [44 أ/4] وما يشبه عشر ماله وهذا في أربعين من الغنم أو البقر لأن الواجب فيهما واحد, وهو ربع العشر وليس على الإطلاق, فإذا كانت عنده أربعون تسوي عشرين وكلفته شاةً تسوي عشرين درهمًا فلم آخذ عدلاً بل أخذت قيمة ماله كله ثم توجه له سؤال وهو أنه لو بقيت واحدة من الأمهات لم تؤخذ صغيره ويطالب الكبيرة فهذا لا يكون عدلاً أيضًا؟ فأجاب الشافعي رضي الله عنه عن هذا فقال: لا آخذ صغيرًا وعنده كبير فإن لم يكن إلا صغير يعني أن الكل صغارًا أخذ الصغير وشبه هذا بزكاة التمر فقال: كما آخذ الوسط من التمر ولا آخذ الجعرور فإن لم يكن إلا جعرور أخذت منه الجعرور, وهو التمر الرديء, ثم بين وجه الاستدلال فقال: ولم ينقص من عدد الكيل ولكنا نقصنا الجودة لما لم نجد الجيد أي: أخذنا الرديء لما لم نجد الجيد لذلك نقصنا من السن إذا لم نجدها, وأخذنا الصغير ولم تنقص من العدد وفي الجملة نحن وإن طالبناه بالكبيرة مع بقاء بعض الأمهات نأخذ كبيرة تشبه عشر ماله ولم نكلفه أكثر منها, ثم قال بعض أصحابنا بخراسان: إن لم توجد كبيرة بهذه القيمة أخذنا منه القيمة للضرورة. فرع لو توالدت أربعون من الغنم أربعين سخلة [44 ب/4] ثم ماتت الأمهات بعد الحول فإن قلنا: إن الإمكان من شرائط الوجوب وجبت سخلة وإن قلنا: لنه من شرائط

الضمان قال أبو حامد: تجب الكبيرة, وقال بعض أصحابنا: تجب صغيرة لأن الكبار إذا تلفت قبل الإمكان لم يضمن زكاتها, فإذا سقط جميع زكاتها بتلفها وإن وجبت بالحول فكذلك يسقط وجوب الكبيرة إلى الصغيرة لبقاء نصاب الصغار وتصير كأن كلها صغار عند الحول. مسألة: قال (¬1): ولو كانتْ ضَأنًا ومَعِزًا كانتْ سواءً. الفصل وهذا كما قال: إذا كان له أربعون من الغنم بعضها ضأن وبعضها معز يضم إحداهما إلى الآخر لأن الجنس واحد كما تضم الكرام إلى اللئام, ثم ينظر فإن كان إحداهما أكثر من الآخر قال في الأم: فيه قولان, إحداهما: نخرج الفرض من الأكثر اعتبارًا بالغالب, والثاني: يؤخذ بقدر حصته وطريقه إن كان الضأن ثلاثين والمعز عشرة أن يقال: كم قيمة جذعة من الضأن فيقال: ثمانية فتؤخذ ثلاثة أربعاها وهي ستة ثم يقال: كم ثنية معز فيقال: ستة فيؤخذ ربعها وهو درهم ونصف فيضم إلى الستة فتكون سبعة ونصفًا فيقال له: أعطنا جذعة من الضأن أو ثنية من المعز تساوي سبعة دراهم ونصفًا, ومن أصحابنا من [45 أ/4] قال: يؤخذ بالحصة, ولكن يكون الفرض منن أعلى الأنواع كما قلنا في المراض والصحاح, نأخذ بالحصة ولكن من الصحاح ذكره في "الشامل": وإن كان عددهما سواء. وقال في "الأم" (¬2): يأخذ المصدق من أيهما شاء, ووجهه أنهما إذا تساويا فقد استوى الفرضان الجذعة والثنية فكان الخيار إلى الساعي كما قلنا في أربع حقاق وخمس بنات لبون, قال أصحابنا ويجيء فيه وجه آخر: أنه يؤخذ من كل منهما واحد بقدره كالتمر إذا كان نوعين سواء فإنه يؤخذ من كل نوع بقدره, وذكر أبو إسحاق في الشرح: أنه يعطى رب المال من أيهما شاء, ولا وجه له مذهب الشافعي رحمه الله, ولو كانت له أربعمائة من الغنم مائتان من الضأن, أخذ الساعي جذعتين من الضأن وثيتين من المعز بلا خلاف, ولو كانت له أنواع مختلفة من الإبل والبقر والغنم بعضها أجود من بعض كالأغنام العربية والمكية واللأزية والبلدية في ناحية طبرستان, والإبل المهرية والأرحبية والعيدية وهي المنسوبة إلى بلدان اليمن وقيل النجدية بدل العيدية والعقيلية ويقال نجابتها تعيسة بحيث يبلغ عن الواحد ثلاثين دينارًا إلى مائة دينار والقرملية وهي إبل الترك وقيل: المهرية منسوبة [45 ب/4] إلى قوم وأعظمها أجسامًا, والدربانية هي التي تنقل الأحمال عليها, والعرابية جرد ملس حسان الألوان كرام فيضم بعضها إلى بعض بلا إشكال, ثم كيف يؤخذ الفرض؟ ذكر الشافعي فيه أقاويل. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 200). (¬2) انظر الأم (2/ 12).

قال في"الأم": فيه قولان, إحداهما: يؤخذ من النوع الأكثر, والثاني: يؤخذ من كل نوع بقدر حصته, وقال في موضع آخر من"الأم" (¬1): إذا اختلفت غنم الرجل فكان منها أجناس بعضها أرفع من بعض أخذ من وسط أجناسها لا من أعلاها ولا من أسفلها, فحصل ثلاثة أقاويل: فإذا قلنا: يؤخذ من كل بقدر حصته وهو الصحيح لأن الوجوب يتعلق بكل واحد من الأنواع, فكان لكل نوع مدخل في أخذ الزكاة منه وأيضًا هذا يكون أعدل من الأكثر, والأوسط يقول: يقوم الفرض من كل نوع منها ثم يؤخذ من قيمته مقدار ما اجتمع منها من أي نوع كان وبيان ما ذكره الشافعي هاهنا فقال: كان إبله خمسًا وعشرية عشر مهرية وعشر أرحبية وخمس عيدية فتؤخذ بنت مخاض بقيمة خمس مهرية وخمس أرحبية وخمس عيدية, لأن كل عشر [46 أ/4] من خمس وعشرين خمساها والخمس خمسها فتكون قيمة المهرية عشرة وقيمة الأرحبية عشرة وقيمة العيدية خمسة عشر فيجمع بين خمسي قيمة المهرية وهو أربعة وخمسي الأرحبية وهو أربعة فذلك ثمانية وخمس عيدية وهو ثلثه فلذلك أحد عشر فنطالبه ببنت مخاض, إما من المهرية وإما من الأرحبية وإما من العيدية قيمتها أحد عشر درهمًا, وعلى هذا القياس أبدًا, فإذا قلنا: إنه يؤخذ من الأكثر بأي نوع كان أكثر منه فإن لم نجد في الأكثر السن الواجب كلفنا رب المال تحصيلها ولا تنخفض ولا ترتفع هكذا نص الشافعي, وأراد أنه لا يجوز أن يأخذ من النوع الأدنى مع الجيران أو من الأعلى مع دفع الجبران إليه, ولكن لو أخذ من السن الأكثر أو الأدنى مع الجبران فإنه يجوز بلا إشكال, وإن قلنا: يؤخذ من الوسط فإن لم يجد في الأوسط السن التي وجبت قال لرب المال: إن تطوعت بالأعلى منها أخذتها, وإن لم تتطوع كلفتك أن تأتي بمثل شاة وسط ولا تأخذ من الآخر فإن استوت الأعداد في المقدار يجيء فيه قولان ويسقط القول الثالث. مسألة: قال (¬2): ولو أدَّى في أحدِ البَلَدَينِ عنْ أربعينَ شاةً مُتفرِّقةً كَرِهتُ ذلكَ. الفصل وهذا كما قال: [46 ب/4] إذا كانت له أربعون شاة عشرون منها في بلد آخر فأخرج منها شاة في أحد البلدين نص هنا أنه يجوز واختلف أصحابنا في هذا, فمنهم من قال: هذا على القول الذي نقول: يجوز نقل الصدقة من بلد إلى بلد, فأما على القول الآخر: فعليه أن يخرج نصف شاة في البلد الآخر, ومن أصحابنا من قال: يجوز هاهنا قولاً واحدًا, لأن على رب المال مشقة في إخراج نصف الشاة, فإنه يؤدي إلى اشتراك الأيدي في الشاة الواحدة وفيه ضرر عليه وعلى أهل السهمان وهذه الطريقة اختارها القفال رحمه الله, والصحيح الطريقة الأولى, لأنه قال: كرهت ذلك وأجزاه فدل على أنه أحد القولين, ولو كان قولاً واحدًا لم يقل كرهت, وقال القفال: إذا جوزنا اختلف أصحابنا في العلة فمنهم من قال: هي المشقة فعلى هذا لو كان له في بلد مائة ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 9). (¬2) انظر الأم (1/ 201).

وفي بلد مائة فأدى شاتين في بلد لا يجوز, وإن أدى في كل واحد من البلدين شاة يجوز, لأنه لا مشقة هاهنا, ومن أصحابنا من قال: العلة هي أن البلدين جعلا في حقه كالبلد الواحد في الحكم بدليل أنه ضم أحد ماليه إلى الأخرى في استكمال النصاب, فكذلك في حق إخراج الزكاة كالقريتين من بلدة واحدة فعلى [47 أ/4] هذا الوادي شاتين في بلد واحد في هذه المسألة فإنه يجوز, فإذا تقرر هذا فأتاه الساعي في أحد القولين وطالبه بزكاة هذا المال أخرجتها في البلد الآخر فإن قلنا: لا يعتد به أخذ منه نصف شاة ولا يلتفت إلى قوله, وإن قلنا: يعتد به القول قول رب المال, وهل تجب عليه اليمين أم يستحب ذكرنا وجهين. مسألة: قال (¬1): ولو مرَّتْ به سَنَةٌ وهيَ أربعونَ فنَتَجَتْ شاة. الفصل وهذا كما قال: إذا كان لرجل أربعون شاة فأمسكها ثلاثة أحوال لم يخرج زكاتها فإن كانت تنتج في أول كل سنة شاة فعليه فيها ثلاث شياه قولاً واحدًا, لأنها لم تنقص عن النصاب في الأحوال الثلاثة, وإن لم تنتج فهذه المسألة مبنية على أصلين, إحداهما: أن الزكاة كيف تجب في المال؟ قال في القديم: تجب في الذمة والعين مرتهنة بما في الذمة فكان جميع المال رهن ما وجب من الزكاة في ذمته, وقال في الجديد: إن كانت الزكاة من جنس المال فقد استحق منه مقدار الزكاة, وإن كانت الزكاة من غير جنسه ففيه قولان, إحداهما: تجب في الذمة, والثاني: يستحق منه مقدار الزكاة وهذا أصح لأنه حق يتعلق بالمال سقط بهلاكه قبل الإمكان بعد [47 أ/4] الحول بلا خلاف يتعلق لعينه كحق الضارب والأصل, والثاني: إذا كان له مال وعليه مثله دين فالدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ قولان: فإذا تقرر هذان الأصلان رجعنا إلى المسألة فإن قلنا بقوله القديم: إن الزكاة في الذمة ووجهه أنها لو تعلقت بالعين لم يقدر رب المال على إخراجها من غير هذا المال فتلزمه شاة للسنة الأولى, وهل عليه شاة لما بعدها من الحولين؟ يبنى على القولين الآخرين, فإن قلنا: الدين الذي لا يمنع وجوبها وهو المذهب فيلزمه لكل حول شاة حتى لو بقيت عنده أربعون شاة أربعين سنة وجبت أربعون شاة, وإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة فإن لم يكن له مال غيرها فيجب في السنة الأولى شاة واحدة ولا يجب فيما بعدها, وإذا قلنا بقوله الجديد: لا يلزمه لما بعد السنة الأولى شيء لأن النصاب قد انتقص, ومن أصحابنا من جمع وقال: في هذه المسألة أربعة أقاويل, أحدها: يلزمه زكاة سنة, والثاني: يلزمه زكاة ثلاث سنين, والثالث: إن أخرج الزكاة منها وجبت عليه زكاة سنة, وإن أخرجها من غيرها وجبت عليه زكاة السنين الثلاث, وإن كان معسرًا بغيرها فإنه يجب زكاة سنة واحدة؛ لأن [48 أ/4] الذين يمنع وجوب الزكاة. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 203).

وفرّع الشافعي رحمه الله على هذا ثلاث مسائل في"الأم", إحداها: إذا كانت لرجل خمس وعشرون من الإبل فحالت عليها ثلاثة أحوال ولم يخرج ولم يخرج منها فإنه يلزمه في السنة الأولى ابنة مخاض, وفي السنة الثانية أربع شياه, وكذلك في السنة الثالثة والثانية إذا كانت له إحدى وتسعون من الإبل أمسكها ثلاثة أحوال يلزمه في السنة الأولى حقتان, وفي السنة الثانية بنتا لبون, وفي الثالثة بنتا لبون, والثالثة: إذا كانت له مائتان وشاة فله ثلاثة أحوال يلزمه في السنة الأولى ثلاث شياه, وفي الثانية شاتان, وفي الثالثة شاتان, وعلى قوله القديم: إن قلنا: إن الدين يمنع وجوب الزكاة فعلى ما ذكرنا, وإن قلنا: لا يمنع فعليه في المسألة الأولى ثلاث بنات مخاض, وفي الثانية ست حقاق, وفي الثالثة تسع شياه. مسألة: قال: ولو ضَلَّتْ أو غَصَبَهَا أحوالاً فوَجَدَهَا زّكَّاها لأحوَالِهَا. وهذا كما قال: إذا كان له مال من النقد فضاع أو غصب عليه أو جحده المودع أو سرق أو وقع في بحر أو دفنه في موضع ونسي موضعه لا يجب عليه إخراج الزكاة عنه قولاً واحدًا, لأنه لا يجوز أن يكلف [48 ب/4] إخراج مال حاضر مقدور عليه عن مال هو يحول دونه ولا يتمكن منه وهل تجب فيه الزكاة أم لا؟ فيه قولان: قال في "الجديد": يجب وبه قال أحمد في رواية وهي الصحيح, لأنه من جنس الأموال النامية فتجب الزكاة فيه, وإن لم يحصل النماء لذكر المواشي, وقال في"القديم": لا تجب لأنه لا نماء والزكاة تجب بمعنى النماء ولأنه ناقص التصرف فيه فلا زكاة فيه كمال المكاتب, وبه قال أبو حنيفة, إلا أنه قال: إذا دفنه ونسي موضعه يلزمه الزكاة لأنه مفرط, وقال القاضي أبو حامد: هذا أشبه القولين: ومن أصحابنا من قال: يلزم الزكاة في المدفون إذا نسي موضعه قولاً واحدًا, لأنه منسوب إلى التفريط في غفلته وإليه يميل ابن أبي هريرة, ومن: بهذا هل يلزمه إخراج زكاته قبل وجدانه؟ فيه وجهان, والصحيح أنه لا يلزمه ذلك لأنه في حكم المغصوب ولا اعتبار بالتفريط كما في البضائع والتائه مفرط أيضًا على هذا الوجه, ومن أصحابنا من قال: يجب قولاً واحدًا وهو الذي نص هاهنا, وإنما قال في "القديم": في المال الضال لا يجوز إلا واحدًا من قولين على ما نقل المزني بعد هذا ردًا [49 أ/4] على مالك حيث قال: تجب للعام الأول دون ما بعده من الأعوام فقال الشافعي: القياس ما قلت أو ما قال أبو حنيفة, وقول مالك لا وجه له وهذا على أصله صحيح لأنه يقول: الوجوب هو بحلول الحول, وإمكان الأداء ولا يبتدي الحول الثاني إلا من يوم إمكان الأداء, وهاهنا لم يحصل إمكان الأداء إلا بعد الأحوال فلم تجب الزكاة إلا مرة. وذكر القاضي الإمام علي الزجاجي الطبري في"زيادة المفتاح" هذا القول لنا وجعل في المسألة ثلاثة أقوال وانفرد هو بهذا فإذا قلنا: لا تجب زكاته خرج من ملكه فمتى عاد إليه استأنف الحول, وإذا قلنا: يجب فالحول بحاله فمتى عاد إليه أخرج الزكاة بجميع ما مضى, وإن كان في أثناء الحول زكى المال بعد تمام الحول ومن أصحابنا من قال: على القول الأول إذا عاد إليه لا يستأنف الحول بل يبنى فلو مضت

ستة أشهر أخرى يلزمه الزكاة, وهذا هو أقرب عندي, لأن ملكه في الحقيقة لم يزل وإن [49 ب/4] كان ماله ماشيًة فضاعت أو غصبها غاصب حتى تم الحول ثم رجعت إليه فإن رجعت من دون نمائها فالحكم على ما ذكرنا, وإن رجعت بتمامها من الذر والنسل قال ابن سريج: يلزمه زكاة ما مضي قولاً واحدًا، لأنها سقطت في أحد القولين لعدم النماء وهاهنا حصل له النماء وترفه بسقوط مؤنها عنه مدة, وقال أبو علي بن أبي هريرة: فيه قولان أيضًا, وهو الصحيح لأن نقصان الملك بالخروج عن تصرفه ويده قد وجدوا بالرجوع لم يعد ذلك فأشبه مال المكاتب إذا رجع إلى الولي بالعجز من الأرباح لا زكاة فيه, وإن غصبها أحوالاً فالزكاة في السنة الأولى على ما ذكرنا, وفي السنة الثانية والثالثة لا يجب على قوله الجديد والقديم, أما على قوله الجديد فلأن الزكاة تجب في العين فينقص المال عن النصاب. وأما على قوله القديم فلأن المال كان محولاً دونه وأراد بما في الكتاب هاهنا إذا وجدها بتمامها زكاها أحوالها وهذا إذا أسامها ربها وأسامها الغاصب, فأما إذا أسامها المالك ثم غصبها وعلفها بقية السنة ففيه طريقان, إحداهما: لا زكاة قولاً واحدًا, وهو الصحيح, لأن شرط الزكاة عدم فيها وهو السوم فأشبه إذا [50 أ/4] ذبح شاة منها ونقص عن النصاب ومن أصحابنا من قال: فيه قولان, إحداهما: هذا والثاني: لا تسقط الزكاة بعلف الغاصب كما لو غصب دراهم فصاغها حليًا لم تسقط الزكاة عنها بصياغته وهذا غلط, والفرق أن صياغة الغاصب محرمة فلا يتعلق بها سقوط الزكاة كما لو صاغها المالك صياغة محرمة لا تسقط الزكاة, والعلف مباح بل واجب وإنما إمساكها محرم فصار كعلف المالك فسقط الزكاة ولو علفها المالك وأسامها الغاصب اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا زكاة فيها, لأن حكم السوم لا يثبت إلا بقصد المالك واختباره, ومنهم من قال: فيه قولان, إحداهما: هذا, والثاني: يثبت حكمه وتجب الزكاة فيه كما لو غصب طعامًا وزرعه في أرضه فالعلة لصاحب الطعام وجيب علي فيها العشر كما لو زرعه صاحبه باختياره, فإن قيل: يلزمكم إذا رعت الغنم بنفسها من غير قصد صاحبها واختياره تجب الزكاة فيها, قيل: لو جاز أن يدوم سنة هكذا لم يبعد أن يجب على قول هذا القائل ذكرها الإمام أبو الطيب الطبري, وقال الشيخ أبو حامد: لا تجب هاهنا قولاً واحدًا وقول هذا القائل غلط لهذا السؤال وحصل الفرق [50 ب/4] بين السوم والزرع وهل فيه وجهان؟! فرع لو غصب ماشية ثم تاب فسلمها ثم تاب فسلمها إلى الإمام فأسامها حولاً وجبت الزكاة. فرع آخر إذا قلنا: يلزم الزكاة على المالك بإسامة الغاصب, قال بعض أصحابنا: لا خلاف على المذهب إن قرار الضمان على الغاصب لأنه أوقعه فيها.

فرع آخر هل للمالك أن يطالب الغاصب بإخراجها؟ وجهان, بناء على أصل وهو أن الحلال إذا حلق شعر محرم وهو نائم فقرار ضمان الجزاء على الحلال وهل يؤمر الحلال بالإخراج فيه خلاف. فرع آخر لو كانت له أربعون من الغنم فضاعت واحدة منها ثم وجدها قبل الحول على القول القديم يستأنف الحول وعلى القول الجديد: يبني وإن وجدها بعد حلول الحول وباقي المال سالمًا فقد ذكرناه, وإن وجدها بعد الحول وتلف باقي المال بعد الإمكان فعلى القول القديم لا شيء وعلى قوله الجديد لم ينقطع حكم الحول, وقد يمكن أداء الزكاة فعليه شاة, قال الشافعي: إن شاء أخرج هذه وإن شاء أخرج غيرها. فرع لو كان له عبد فأبق أو غصب ثم أهل شوال, نص الشافعي رحمة الله عليه أن يخرج زكاة الفطر عنه فمن أصحابنا من قال: هذا على قول واحد والفرق أن هذا الزكاة تجب بمجرد الملك لا بمعنى النماء [51 أ/4] بخلاف الزكاة الأخرى, ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا, لأنه ناقص التصرف فيه, وبه قال أبو حنيفة. فرع آخر لو أسر الرجل عن ماله ثم أطلق فالمذهب أن عليه الزكاة لما مضى قولاً واحدًا, والفرق بين هذا وبين غصب المال أن من غصب ماله يصير ممنوعًا من التصرف فيه لأنه لو باعه ممن يقدر عليه أو وكل وكيلاً بالبيع وهو في الأسر فإنه يجوز, ومن أصحابنا من خرج فيه قولين لأن الحيلولة موجودة بينه وبين ماله. فرع لو كانت له أربعون شاة فماتت واحدة وولدت واحدة ففيها ثلاث مسائل, إن ولدت واحدة ثم ماتت واحدة ثم حال الحول فإنه تجب شاة, لأن الحول حال على نصاب, وإن ماتت واحدة أولاً ثم ولدت واحدة ثم حال الحول فلا شيء, وإن حصل الموت والولادة في حال واحدة فال الحول تجب شاة, لأن المال لم ينقص عن النصاب بحال, ولو خرج بعد الولادة ثم ماتت واحدة ثم انفصل الباقي فلا زكاة أيضًا, لأنه لا حكم له ما لم ينفصل الكل. مسألة: قال (¬1): وكذلكَ الإبِلُ التي فَرِيضَتُهَا منَ الغَنَمِ. الفصل وهذا كما قال: نقل المزني مسألة الأربعين من [51 ب/4] الغنم يحول عليها ثلاثة ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 203).

أحوال وتزيد في الحول الأول والثاني, وقال فيها ثلاث شياه ثم عطف عليها مسألة الضال والغصب ثم عطف عليها هذا فقال: وكذلك الإبل التي فريضتها من الغنم فيها قولان, وقد أفسد ترتيب كلام الشافعي رحمه الله وراث أشكالاً بليغًا والشافعي حين ذكر مسألة الأربعين وفرغ منها قال: ولو حال عليها ثلاثة أحوال ولم تزد بالنتاج ففيه قولان, ثم قال: وكذلك الإبل التي فرضيتها من الغنم ففيها قولان, ومسألة الإبل لا تنعطف إلا على هذا المسألة التي فيها زيادة المال مع تكرار الأحوال, وأسقط المزني هذه المسألة وأدخل مسألة الضال والغصب بين المسألتين, ومن قال في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة: والإبل التي فريضتها من الغنم ولم ينقل وكذلك وإنما ذاك في رواية ابن عيدان وهذا أصح, لأن الشافعي ذكر هذه المسألة عقيب مسألة الغنم إذا مرت بها أحوال ولم يخرج زكاتها ولم تزد في عينها ففيها على القول الذي نقول تتعلق الزكاة بالعين شاة قولاً واحدًا بلا معنى لما نقل ابن عيدان, وكذلك الإبل لأن هذا إنما يصح [52 أ/4] أن لو كان أجاب في الإبل بمثل جوابه في الغنم, فأما فرق بينهما في الجواب نقطع في الغنم بقول واحد هاهنا, وإن كان فيها قول آخر ونص في الإبل التي فريضتها من الغنم على القولين فلا وجه لقوله, وكذلك فإذا تقرر هذا جعنا إلى المسألة, فإذا حال ثلاثة أحوال على خمس من الإبل ولم يؤد زكاتها ففي الحول الأول تلزمه شاة, ثم إن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة وكان له مال سواها أو لم يكن, وقلنا: إن الدين لا يمنع الزكاة تجب في كل حول شاة, وإن قلنا: إنها تتعلق بالذمة ولم يكن له مال سواها, وقلنا الدين يمنع الزكاة لا شيء عليه للحول الثاني والثالث, وإن قلنا: إنه استحقاق جزء من العين فيه قولان منصوصان, إحداهما: تجب الشاة في عين الإبل فلا تجب للحول الثاني والثالث بشيء لانتقاض الخمس من الإبل بوجوب الشاة الأولى, ولهذا علل يقال لأن الشاة التي فيها رقابها يباع منها إن لم يأت بها واختار الشافعي هذا القول, وقال: وهذا أشبه القولين يعني أشبه بالصواب, والثاني: أنها تجب الشاة في الذمة لا في عينها فتجب ثلاث شياه لأن الواجب ليس هو من جنس [52 ب/4] المال حتى ينتقص بوجوبه النصاب بخلاف مسألة الغنم. وقال القفال: إذا قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين ففيه قولان, إحداهما: يتعلق فيها كتعلق الجناية برقبة العبد وبه قال أبو حنيفة, والثاني: يتعلق بها على معنى الشركة فكان السكاكين ملكوا جزءًا منه غير أن هذه الشركة لا تتحقق من جهة أن له يؤدي الزكاة من مال آخر, فإن قلنا: على معنى الشركة تجب في كل حول شاة هاهنا لأن الشركة في الجنس لا في غيره, وإن قلنا: على معنى الجناية فحكم الإبل والغنم سواء, ثم إن المزني اختار القول الذي اختاره الشافعي أيضًا, فقال: الأول أولى به أي: بالشافعي, وعلل بأن الشافعي قال في خمس من الإبل لا يستوي واحدها شاه لعيوبها إن سلم واحدًا منها فليس عليه شاة وهذه هي إشارة من المزني إلى المسألة التي مضت ووجه استدلال المزني منها هو ان الشاة أقيمت في هذا الموضع مقام جزء من بعير,

ولهذا جاز أن يسلم رب المال بعيرًا منها مكان شاة فثبت بهذا أن النصاب قد انتقض بوجوب الزكاة في السنة الأولى فلا تجب فيها بعد ذلك شيء ما لم يتخير النقصان بالزيادة فإن كان عنده من الإبل فحال أحوال يجب في كل حول شاة [53 أ/4] بكل حال لأنه يؤدي إلى نقصان المال عن النصاب. مسألة: قال (¬1): ولو ارتَدَّ فحالَ الحَوْلُ على غَنَمِهِ. الفصل وهذا كما قال: إذا ارتد رب المال فإن كان بعد وجوب الزكاة لا يسقط عنه بردته, وقال أبو حنيفة: يسقط بناء على أصله أن الزيادة بنفسها تحبط العبادة وتجعل بالردة كالكافر الأصلي, وإذا أسلم لا يلزمه قضاء العبادات كما لا يلزم الكافر الأصلي إذا المتلفات فإذا تقرر هذا فيؤخذ من ماله قدر الزكاة ويصرف إلى أهل السهمان قتل أو مات, وإن كانت الردة وجوب الزكاة فتم الحول وهو مرتد اختلف أصحابنا فيه, قال أبو إسحاق: في ملكه ثلاثة أقاويل: وحكم الزكاة مبني عليه أحدها: أنه موقوف فإن قتل تبينًا أن ملكه قد زال بالردة ولا تجب الزكاة وهذا أصح, والثاني: أنه زال الملك بنفس الردة فإن قتل أو مات فلا شيء, وإن تاب استأنف الحول والملك, والثالث: أن الملك لا يزول إلا بالموت وقبل ذلك هو على ملكه وتؤخذ الزكاة منه كل سنة. وقال ابن سريج: ليس في الملك إلا قولان, إحداهما: أنه موقوف, والثاني: [53 ب/4] أنه لا يزول إلا بالموت وكذلك في الزكاة قولان, إحداهما: أنها واجبة, والثاني: موقوفة وهذا لأن مذهب الشافعي لا يختلف أن أروش جنايات المرتد ونفقات من تلزمه نفقاته تؤخذ من ماله فلو كان ملكه يزول بالردة لوجب أن لا يؤخذ ذلك, قال هذا القائل ومعنى قول الشافعي في كتاب المرتد: لأن ماله خارج منه أي: من تصرفه فإنه يصير محجورًا عليه في ماله بردته لتعلق حق أهل الفيء, قال الإمام: ظاهر كلام الطبري هذا أصح, ونص الشافعي على هذين القولين في باب صدقة الورق كان القول الثالث ثابتًا لا يشبه أن يكون قد ذكره في موضع خاصة, والشافعي قال في كتاب المرتد: وهذا أسند الأقاويل فدل أن المراد به أنه خارج من تصرفه دون ملكه ومن أصحابنا من قال: أصل الاختلاف في الملك مأخوذ من تصرفه, وفي تصرفه نص الشافعي على ثلاثة أقوال لو دبر عبده فيه ثلاثة أقوال فقال أبو إسحاق: الملك والتصرف سواء, وقال ابن سريج: في الملك قولان, وفي التصرف ثلاثة أقوال. مسألة: قال: ولو غَلَّ صَدَقَتَهُ عُذِّرَ إنْ كانَ الإمامُ عَدْلاً. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 204).

الفصل وهذا كما قال: إذا غل صدقته بأن [54 أ/4] يكتم المال الظاهر من الساعي ثم علم الساعي بغلوله فإن كان الساعي والإمام عارفين يسألانه عن غلوله وتغيب ماله عنه, فإن قال: لم أعلم وكان عندي أن ذلك جائز نظر في حاله فإن كان قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بادية نائية عن المسلمين فإنه يعذر فيما يدعيه من الجهل ويعرف وجوب الزكاة ووجوب دفعها إلى الأمام عند المطالبة, وإن كان بعيد العهد بالإسلام وقد نشأ بين المسلمين فلا يقبل منه ذلك ويعزره على الغلول, وكذلك إن قال: تعمدت ذلك ولم يذكر عذرًا يعزر ويأخذ صدقته ولا يأخذ شطر ماله وقد قال الشافعي في "القديم": إن صح حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قلب به ولكن بهز بن حكيم ضعيف ولفظ الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا من منع فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد فيها شيء" (¬1) فقيل فيه قولان, والصحيح أنه على قول واحد لقوله صلى الله عليه وسلم"ليس في المال حق سوى الزكاة" ولأنها عبادة فلا تجب بالامتناع منها أخذ شطر ماله كسائر العبادات وبظاهر هذا الخبر قال مالك وأحمد: وأما عندنا فإن [54 ب/4] هذا الخبر منسوخ إن صح, وكان ذلك حين كانت العقوبات في المال ونسخ ذلك وكيف يقال هذا ولو دفع ثم سرق لم يغرم شطر ماله, فإذا منع أولى وإن كان الإمام فاسقًا لا يعزر قولاً واحدًا, لأن له شبهة في الغلول بأن تقول: أردت أن أقسم بنفسي فأوصل إلى المستحقين في علمي ولو أخذ الفاسق زكاته قال بعض أصحابنا: سقط عنه الفرض لأن الشافعي نص فقال: وإذا غلبت الخوارج على بلد وأخذوا صدقات أهلها سقط فرضها عنهم, ومن أصحابنا من قال: إذا جار الإمام وفسق خرج من الإمامة ولا يجيء على أصل الشافعي غير هذا, وإنما ذاك قول أحمد وعامة أصحاب الحديث, ذكره القاضي أبو علب البندنيجي وجماعة وهذا أقيس ولكن الأول أصح. مسألة: قال (¬2): ولو ضُرِبَتْ غَنَمُهُ فحُوِّلَ الظِّباء لم يكنْ حُكْمُ أولادِهَا حُكْم الغَنَم. وهذا كما قال الأولاد المتولدة من بين الظباء والغنم لا زكاة فيها سواء كانت الأمهات من الغنم والفحل من الظباء ويسمى هذا المتولد رقلة ًوجمعها رقال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن كانت الأمهات من الغنم حكمها حكم الغنم في جميع الأحكام وإلا فلا, وقال أحمد: يجب بك حال, وإن كانت الأمهات من [55 أ/4] الظباء, وقال في رواية: يجب في بقر الوحش لأنه يسمى بقرًا وهذا لا يصح لأنه يقيد فيقال بقر الوحش, واحتج الشافعي عليه بسهم فقال: لا يكون للبغل سهم من الغنيمة وإن كان متولدًا من خيل والحمار ولم يعتبر الأم في الاستحقاق السهم فكذلك في ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (5/ 2,4) , وأبو داود (1575) , والنسائي (2444) , والبيهقي في "الكبرى" (7328) , وفي "معرفة السنن" (2254) , والحاكم (4/ 398). (¬2) انظر الأم (1/ 205).

باب صدقة الخلطاء

الزكاة لا يكون حكمه حكم الأم فإن قيل: أليس في الولد الخارج من بين الوحش والأهلي يلزم الجزاء إذا قتله المحرم تغليبًا للإيجاب فما الفرق؟ قيل: لأن في الزكاة مغلب الإسقاط, ألا ترى أنه لو اجتمع السوم والعلف في المواشي أو الملك وعد الملم في بعض السنة غلب إسقاط الزكاة وفي الجزاء إذا اجتمع ما يوجب ويسقط فغلب الإيجاب, ألا ترى أن الصيد الواقف بين الحل والحرم إذا قتله قاتل فإنه يلزمه الجزاء بقتله وعلى ما ذكرنا لا يجوز أن يضحي بالرقلة ولا يجوز للمحرم أن يزكيه نص عليه في الأم, وأما المتولد بين السائمة والمعلوفة إذا كانت سائمة يلزم الزكاة فيها بلا إشكال. باب صدقة الخلطاء قال الشافعي رحمه الله: جاء الحديث "لا يجمع بين مفترق" الخبر. وهذا كما قال: أعلم أن الخلطاء جمع [55 ب/4] خليط والخليط والمختلط وقد يقع هذا الاسم على الشركة لأنها حقيقة الخلطة وهي اختلاط الملكين أو الأملاك بحيث لا يتميز إلا بالقسمة وقد يقع هذا الاسم على خلطة المجاورة وهي اجتماع ماشية الاثنين والثلاثة في موضع واحد, ومرافقهما واحدة والأصل في معرفة حكم الخلطاء في الزكاة ما صدر به الشافعي هذا الباب فقال: جاء الحديث "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" (¬1)، وروي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فيه زيادة وهي أنه قال: "والخليطان ما اجتمعا في الفحل والراعي والحوض", فإذا تقرر هذا فإذا كان بين رجلين نصاب من الماشية إذا كثر إما خلطة الملك أو خلطة المجاورة, فإنهما يزكيان زكاة المال الواحد سواء اختلف نصيبهما في الكثرة والقلة أو استويا وبه قال عطاء والاوزاعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق, وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: لا تؤثر الخلطة في الزكاة بحال وحكمها حكم المنفرد ووافقنا أن خلطة الأعيان تؤثر في جواز الأخذ حتى يأخذ الساعي الزكاة الواجبة في المال من الوسط ثم يرجع صاحب الأقل على صاحب الأكثر بالزيادة [56 أ/4] وقال مالك: إن كان كل واحد منهما يملك نصابًا كاملاً زكيًا زكاة الانفراد, وإن كان كل واحد منهما يملك دون النصاب لا تؤثر الخلطة كما قال أبو حنيفة. مسألة: قال: والذي لا أشك فيه أن الشريكين ما لم يقتسما الماشية خليطان. الفصل وهذا كما قال: هذا هو إشارة إلى ما ذكرنا أن حقيقة الخلطة إنما هي الشركة وتسمى هذه خلطة الأعيان ثم بين بعد ذلك أن الخلطة من جهة المجاورة تدخل تحت ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2/ 145) , وأبو داود (1571) , وابن ماجه (1805) , وابن أبي شيبة (3/ 121) , وعبد الرزاق (6804) , والبيهقي في "الكبرى" (7305, 7329) , والدارقطني (2/ 105).

ذلك أيضًا في الحكم وهي التي تسمى خلطة الأوصاف فيكون مال كل واحد منهما معلومًا والخلطة في أوصافه بأن يريحان معًا على ما نذكر فقال: وقد يكون الخليطان الرجلين يتخالطان بماشيتهما, وإن عرف كل واحد منهما ماشيته وهذا صحيح على ما قال, ومن أصحابنا من قال في الخبر وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وهذا يتبين بذكر المذهب, فاختلف قول الشافعي في الخلطة المطلقة ما هي؟ قال في"الأم" (¬1): المطلقة هي خلطة الأعيان, وهي التي ذكر هاهنا, وقال في "القديم": المطلقة خلطة الأوصاف لأنه ذكر الخبر ثم قال: والخليطان أن يعرف كل واحد عين ماشيته ويريحا, وذكر الفصل ولا خلاف أن الاسم يقع عليهما وأن [56 ب/4] اختلاف القولين لمعرفة المراد بالتراجع المذكور في الخبر لا بحكم آخر يتغير به, فإذا قلنا بقوله القديم: فالتراجع واضح, فإذا أخذ الساعي من مال إحداهما شاة أو أكثر بالحق رجع على شريكه بقدر ما أدى, وإذا قلنا بقوله الجديد: ففي أربعين شاة مشتركة إذا أخذ شاة فلا تراجع, وهكذا في أكثر وإنما يتصور التراجع في خمس من الإبل بينهما فأخذ من إحداهما شاة من ماله فإنه يرجع بنصف المأخوذ على شريكه, وكذلك إذا لم يكن عين الفريضة في المال المشترك مثل إن وجبت بنت مخاض أو بنت لبون وليست في المال فأخذها من أحد الشريكين يرجع بنصفهما, فإذا تقرر هذا قال (¬2): ولا إلى عشر شرائط. إحداها: أن يكون مسرحهما واحدًا وهو المرعى فيكون مرتعهًا واحدًا. والثانية: أن يكون مراحهما واحدًا, وهو المبيت فيردان عشاء إلى مراح واحد. والثالثة: أن يكون السقي واحدًا وهو أن يكون موضعهما أو منهليهما واحدًا فلا يميزان عند السقي, وقال بعض أصحابنا: هذا إذا كان بين المنهلين أو الحوضين مسافة فإن لم يكن بينهما مسافة فيهما كالحوض الواحد. والرابعة: أن يكون [57 أ/4] راعيهما واحدًا. والخامسة: أن يكون فحولهما مختلطة وهو أن يكون الفحل الذي يطرق عنهما واحدًا, إما أن يكون مشتركًا أو ملكًا لإحداهما أو مستعارًا, ولكن لا يحص به إحداهما بحيث لا يرسله إلا في أغنامه. والسادسة: أن يكون مال الخلطة نصابًا. والسابعة: أن يكون كل واحد من الخليطين من أهل الزكاة حتى لو كان إحداهما ذميًا أو مكاتباً وكان الآخر حرًا مسلمًا لا يؤثر الخلطة في مالهما فهذه سبع شرائط لا خلاف فيها بين جمهور أصحابنا, وفي ثلاث شرائط منها خلاف, إحداهما: الحلاب نقل المزني وعليًا معًا ولم يذكر الشافعي في "الأم" فمن أصحابنا من غلط المزني في ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 12). (¬2) انظر الأم (1/ 205).

نقله, وقال: لا يصح هذا الاعتبار ولأنه يؤدي إلى الربا فإنهما إذا خلطا اللبن ثم اقتسما فإنه يؤدي إلى الربا لأنه لا يجوز أن يكون لبن إحدى الماشيتين أغرز من الأخرى. وقال أبو إسحاق: ما نقله المزني فهو صحيح ونقل حرملة مثله ومعناه: أن الماشيتين لا يفرق بينهما للحلب كما لا يفرق بينهما للسقي فيحلبان في موضع واحد, وإن كان لكل واحد محلب على حدة يحلب فيه ماشيته خاصة ولم يرد به أنهما يحلبان في إناء واحد, ومن أصحابنا من قال: يشترط أن يكون الحالب والمحلب [57 ب/4] واحد فيحلبان في إناء واحد ولا يتميز إناء إحدى الماشيتين عن الأخرى, ولكن لا يجمع بين اللبنين ولا يخلط إحداهما بالآخر, ومن أصحابنا من قال: يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحد فيحلبان في إناء واحد ثم يقتسمان على قدر الماشية ويجوز ذلك عن طريق المسامحة لما يجوز أن يخلط الرفقة في السفر أزوداهم ويأكلون معًا, وإن كان إحداهما أكثر أكلاً والآخر أقل أكلاً فحصل من هذا أن أصل الحلاب هل يشترط؟ وجهان, إحداهما: لا يشترط فكل واحد منهما يحلب ماشيته فكيف شاء لأن الأخلاط تعتبر في الأصل لا في النماء كما لا يعتبر في جز الصوف, والثاني: يشترط ذلك ليحصل رفق الخلطة فإذا قلنا بهذا ففي كيفيته ثلاثة أوجه, أحدها: أن يكون الحلاب على موضع واحد فقط, والثاني: أن يكون المحلب واحدًا ولا يشترط أن يكون الحالب واحدًا ولا خلط اللبن, والثالث: يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحدًا ويخلطان اللبن وهذا هو أضعف الوجوه, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا رابعًا فقال: لا خلاف أن خلط اللبن لا يشترط ومن اشترطه فقد سها ولكن يشترط أن يكون الحالب والمحلب واحدًا, ومن أصحابنا بخراسان من قال: [58 أ/4] الصحيح في الفحل أنه لا يشترط أن يكون واحدًا مشتركًا بل يشترط فيه من ذكرنا في الحلاب وهو ان يكون الأنزاء في موضع واحد. وإن كان لكل واحد فحل على حدة ينزيه على ماشيته خاصة, وهذا غريب والشرط الثاني من الشرائط الثلاث فيه الخلطة فهل يعتبر ذلك وجهان كما قلنا في نية السوم إحداهما: أنه شرط كما يشرط النية في أصل الزكاة, والثاني: لا يشترط وهو المذهب لأن المقصود حقه المؤنة ويجعل ذلك من دون النية, والثالثة: وجود هذه الشرائط في جميع السنة, قال الشافعي في الحديث: يعتبر من أول السنة وليس هذا بمشهور, ومن أصحابنا من قال: لا يشترط أن يكون الراعي واحدًا ويكفي أن يكون المرعى واحدًا وادعى أن هذا هو المذهب وهو غلط, لأن تخفيف الخلطة إنما يحصل بأن لا ينفرد الراعيان في التعهد والمراعاة ولا تكثر المؤنة باتخاذ كل واحد منهما راعيًا على حدته ويجوز أن يكون الراعي عشرة نفر وأكثر بعد أن يكونوا على الاشتراك في العمل, فإذا تقرر هذا رجعنا إلى سواد المختصر وبيانه قال: ويكونان خليطين أي: لا يثبت لهما في الزكاة حكم الخلطة حتى توجد الشرائط ثم ذكر [58 ب/4] بعض الشرائط, قال: فإذا كانا فإنهما يصدقان صدقة الواحد

أي: يؤخذ منهما كما يؤخذ من المالك الواحد سواء, وقوله: بكل حال أي: سواء استويا في عدد الماشيتين أو ... (¬1) فيه بقليل أو كثير ثم ذكر شرطين بعد ذلك فقال: ولا يكونان خليطين حتى يحول الحول على ما ذكر وأراد أنهما إذا خلطا في خلال الحول ثم تم الحول زكيًا الآن زكاة الانفراد لأنهما كانا في أول هذا الحول الذي وجبت فيه الزكاة منفردين, ثم إذا مضى حول آخر بعد ذلك وهما خليطان حينئذٍ زكيا زكاة الواحد ثم بين انه فقد شرط من هذه الشرائط بطل حكم الخلطة في حق الزكاة. فقال: فإن تفرقا في مراح. الفصل إلى أن قال: فليس بخليطين. أي: في حكم الزكاة ويُصدّقان صدقة الاثنين ثم قال: وهكذا إذا كانا شريكين وأراد, وهكذا إذا كانا شريكين فاقتسما قبل الحول وتفرقا في شيء مما ذكرنا بطل حكم الخلطة فإن لم يقتسما فلا يضر تفريق الماشية ولا يؤثر في حكم الزكاة, وقال مالك: شرائط الخلطة ثلاث الرعي والفحول والسعي فقط فإن فقد واحد منهما صحت الخلطة وإن فقد شرطان لا تصح الخلطة [59 أ/4] وهذا غلط, لأن تخفيف المؤنة يحصل بما عداهما على ما ذكرنا ثم بعد هذا احتج على مالك فقال: ولما لم أعلم مخالفًا يعني من أهل المدينة إذا كان ثلاثة خلطاء لو كانت لهم مائة وعشرون شاة, أي: لكل واحد منهم نصاب كامل وهو أربعون أخذت منهم واحدة أي: كما لو كانت في ملك رجل واحد وصدقوا صدقة الواحد فنقصوا أي: أهل المدينة نقصوا في هذه المسألة المساكين شاتين من مال الخلطاء الثلاثة الذين لو تفرق مالهم كانت فيه ثلاث شياه لم يجز إلا أن يقولوا: بإزاء هذه المسألة إذا كانت أربعون شاة بين ثلاثة كانت عليهم شاة حتى تنفع الخلطة المساكين في هذا المسألة بإزاء ما ضرهم في تلك المسألة, ثم ذكر المعنى الجامع فقال: لأنهم صدقوا الخلطاء صدقة الواحد يعني أن الخلطة تصير الأملاك في حكم الملك الواحد في حق الزكاة قياسيًا لهذه المسألة على تلك المسألة. فرع لو تفرقت الماشيتان في المرعى بأنفسهما من غير قصد المالكين أو إحداهما إن كان لأغنام كل واحد منهما هادٍ قد ألفته الأغنام فافترقا وتبعتهما الأغنام فإن علم الملاك وسكنوا انقطعت الخلطة, وإن لم يعلموا حتى المواشي بعده فإن [59 ب/4] لم يكن امتد الزمان لا تنقطع الخلطة, وإن امتد الزمان فالحكم كما لو فرق الراعي أو اجتبى بغير إذن المالك وفيه وجهان, إحداهما: لا تنقطع الخلطة بعدم قصد المالكين, والثاني: ينقطع لافتراق مالهما بناء على أن الغاصب إذا أسام المواشي المعلوفة أو علف السائمة ففي المسألة وجهان. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

مسألة: قال (¬1): وبهذا أقولُ في الماشيةِ كُلِّهَا والزَّرعِ والحَائطِ. وهذا هو كما قال اختلف قول الشافعي في الخلطة فيما عدا المواشي من الأموال التي يجب فيها الزكاة من الحبوب والثمار والنقد هل يثبت فيها حكمها؟ قال في القديم: لا يثبت وبه قال مالك والفرق بينهما وبين النعم هو أن النعم أوقصًا متفاوتة ومتفقة فالخلطة تارة تنفع رب المال وتارة تضر ولا وقص فيما عداها فإثبات الخلطة فيها إضرار برب المال ولا يحصل في مقابلة الضرر منفعة وتخفيف من وجه آخر فلهذا لا يثبت حكمها فيها, والثاني: يثبت حكم الخلطة فيها نص عليه هاهنا, وفي الجديد: وهو الصحيح قياسًا على المواشي, وقد اختلفت الرواية عن أحمد وهذا لأن الخلطة إنما في المواشي لما فيها من تخفيف المؤنة والإرفاق برب المال, وهذا موجود في غيرها [60 أ/4] لأن في الزروع يقتصران على ناطور واحد وهو الحافظ ونهر واحد وساق واحد, وفي النقد يقتصر على صندوق واحد وخازن والميزان والوزان المنادي والمتقاضي والنقد واحد, وفي النخيل العامل والملقح والجذاذ واحد, فإذا قلنا: بهذا القول اختلف أصاحبنا فيه على ثلاثة أوجه, أحدها: يثبت فيها خلطة الاشتراك دون خلطة المجاورة, والثاني: يثبت كلتا الخلطتين وهو الصحيح المذهب وعليه أكثر أصحابنا, والثالث: ذكره أبو إسحاق أنها تثبت في الثمار والزروع كلا الوجهين ولا يثبت في الدراهم والدنانير إلا خلطة الاشتراك والفرق أن الارتفاق بالخليط لا يتحقق في الدراهم والدنانير إذا كانت مجاورة لأن دراهم كل واحد منهما هي في كيس منفرد عن كيس صاحبه يتصرف كل واحد منهما بانفراده كيف شاء, لو أراد ولا يمكن إحداهما أن يتصرف في مال صاحبه, ولكن يتحقق الارتفاق في الثمار والزروع بما ذكرنا من الأسباب, فاقترقا وهو اختيار القفال. فرع لو وقف بستانًا على قوم فإن كان على قوم غير معينين فلا عشر عليهم في ثماره كمال بيت المال, وكذلك إذا أخذ الساعي الصدقات ولم يقسما حتى [60 ب/4] حال عليها الحول لم تجب فيها الزكاة, وإن كان على قوم معينين فإن كان يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا يجب العشر عليهم, وإن كان جميعها نصابًا وينقص نصيب كل واحد عن النصاب فإن قلنا: لا تثبت فيما عدا المواشي فلا عشر عليهم وإن قلنا: تثبت فيجب العشر عليهم ولو وقفه على المسجد أو القنطرة لا يجب العشر في ثماره وزرعه لأن ليس له ملك معين. فرع آخر لو وقف أربعين شاة أو خمسًا من الإبل فإن كان على عير معينين لا يلزم الزكاة فيها ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 206).

قولاً واحدًا, وإن كان على معينين فإن قلنا: ملك الموقوف لله تعالى فلا زكاة فيها, وإن قلنا: الملك للموقوف عليهم فهل تجب الزكاة فيه وجهان, إحداهما: تجب الزكاة لأنها ملكه, والثاني: لا تجب لأن ملكهم ناقص إذ لا يجوز لهم أن يتصرفوا فيه على الإطلاق فأشبه مال المكاتب وهذا أصح وعلى كلا الوجهين لا يخرج الزكاة من عينها لأنها وقف فلا يعطي المساكين, وإذا تقرر هذا فقد ذكر في المختصر فصلاً بعد هذا فقال: أرأيت لو أن حائطًا صدقته مجزأة يريد موقوفة على مائة إنسان ليس فيه إلا عشرة أوسق, أما كانت فيه صدقة الواحد وأراد بهذا أن مالكًا سلم في هذا المسألة [61 أ/4] أن عليهم صدقة الواحد, وإن كان حصة كل واحد منهم لم تبلغ نصابًا, فكذلك في المواشي وجب أن يلزم ذلك واعتذر محمد بن سلمة المالكي عن هذه فقال: تلك الثمرة باقية على ملك الواقف لا تدخل, وفي ملك الموقوف عليهم إلا بالقسمة فلهذا أوجب فيها الصدقة, لأن الملك لواحد وهو تمام النصاب, وهذا خطأ لأن الواقف قد زال ملكه عنه, وقد يكون وقت وجوب الصدقة ميتًا أو على صفة تجب في ملكه الزكاة فدل أنها وجبت على الموقوف عليهم لا على الواقف, ويؤكده أنه إن أمكن أن يقال هذا في الأصل فلا يمكن أن يقال إن الثمار ملك الواقف وهي لم تكن في جبانة, وحديث حين كان ترابًا في القبر وقيل قصد بهذا الكلام الرد على مالك من وجه آخر, وهو أنه قال: لا خلطة فيما عدا المواشي أصلاً. ثم قال في هذه المسألة: أن عليهم الزكاة وقيل: قصد به الرد على أبي يوسف ومحمد, لأنهما منعا الخلطة, وقالا بالتوسيق وأوجبا العشر هاهنا, وهذه متناقضة ثم قال الشافعي: وما قلت في الخلطاء معنى الحديث نفسه ثم هو قول عطاء وغيره, فاستأنس بقولهم قال: ويروى عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن الاثنين أو النفر كأنه شك في هذين اللفظين [61 ب/4] يكون لهم أربعون شاة, قال: عليهم شاة والشك من الشافعي ثم جاء الشافعي إلى بيان أو الحديث فقال: ومعنى قوله: لا يفرق بين مجتمع ولا بجمع بين مفترق خشية الصدقة لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة وإنما عليهم شاة واحدة, فغنها إذا افترقت تجب ثلاث شياه وليس للساعي أن يفرقهما خشية نقصان الصدقة بل يقررها على الخلطة ولا يجمع بين مفترق, رجل له مائة شاة وشاة ورجل له مائة شاة فإذا تركا متفرقتين فكليهما شاتان, وإذا جمعتا يلزم ثلاث شياه فليس للساعي أن يجمع لتكثر الصدقة, ولا لرب المال أن يفرق لتفك الصدقة, ثم قال: فالخشية خشيتان خشية الساعي أن تقل الصدقة وخشية رب المال أن يكثر الصدقة فأمر أن يقر كل على حاله وعلى هذا لو كانت منهما أربعون شاة مشتركة فرب المال لا يفرقها حتى تسقط الصدفة, وإذا كانت مائتان وشاة مشتركة فليس له أن يفرقها حتى تجب شاتاتن وهذا كثير فإن فعل فبعد الحول لا يؤثر وقبل الحول إن قصد به نقص الزكاة فيكره, وإن لم يقصد نقصها فلا يكره. مسألة: قال: ولو وَجَبتْ عليهِمَا شاةٌ وعدَّتُهُما سواءٌ, فظَلَمَ السَّاعي فأَخَذَ منْ غَنَمِ إحداهما عنْ [62 أ/4] غَنَمِهِ وعنْ غَنَمِ الآخرِ شَاةُ رَبِّي.

الفصل وهذا كما قال: هذا تفريغ على تراجعهما بالسوية والخلطة خلطتان خلطة أوصاف وخلطة أعيان, ففي خلطة الأعيان, لا يثبت التراجع إلا في التراجع إلا في موضعين على ما ذكرنا, والساعي يأخذ المشترك في الزكاة, وأما خلطة الأوصاف, فالكلام فيها في فصلين, إحداهما: في جواز الأخذ, والثاني في التراجع, فأما جواز الأخذ إذا جاء الساعي هل يجوز له أن يأخذ جميع الصدقة من نصيب إحداهما مثل أن يكون بينهما أربعمائة شاة لكل واحد مائتان فوجب على كل واحد منهما شاتين, وإن لم يمكن ذلك بأن يكون بينهما أربعون شاة لكل واحد منهما عشرون يأخذ شاة من نصيب أيهما شاء, لأنه يتعذر عليه أن يأخذ نصف شاة من كل واحد منهما, وهكذا إذا كانت بينهما أربعمائة إلا أن الفرض موجود في نصيب إحداهما, ونصيب الآخر أعلى سنًا من الواجب يأخذ من النصيب الذي وجد فيه الفرض ولو كانت بينهما ثلاثمائة شاة فإنه يجب ثلاث شياه على كل واحد شاة ونصف فيأخذ من نصيب كل واحد شاة والشاة الأخرى يأخذ من نصيب من شاء منهما ثم يرجع من يؤخذ من نصيبه على صاحبه بقيمة نصفها, وقال ابن أبي [62 ب/4] هريرة يجوز للساعي أن يأخذ الفرض من نصيب أيهما شاء بكل حال, لأن الخلطة تجعل المالين بمنزلة المال الواحد وهذا هو المذهب الصحيح, وعليه يدل كلام الشافعي في"الأم" فإذا تقرر هذا فإذا كانت بينهما أربعون شاة فجاء الساعي وأخذ من نصيب إحداهما فإن أخذ مقدار الفرض رجع المأخوذ من نصيبه على صاحبه بقيمة نصفها وجازت الزكاة عنهما ولا يرجع بنصف شاة فإن قيل: أليس لو أتلف مال الزكاة لزمته الزكاة من جنس المال لا قيمتها فما الفرق؟ قيل: الفرق هو أن ما دفع إحداهما وقع موقع الزكاة عن الدافع وعن شريكه وصاحبه لا يؤدي الزكاة, بل يغرم لصاحبه ما أدى من قبله كما لو أمر رجلاً ليخرج عنه الزكاة ففعل فإنه يكون الرجوع بالقيمة إذا كان المؤدي من غير ذوات الأمثال كذلك هاهنا, وهناك يريد أن يؤدي الزكاة فيلزمه جنس مال الزكاة وعلى ما ذكرنا, لو كانت بينهما ستون شاة لإحداهما عشرون والأخر أربعون فثلثاها على صاحب الأربعين وثلثها على صاحب العشرين فإن أخذها من صاحب العشرين رجع على صاحب الأربعين بثلثيها, ولو أخذ من صاحب الأربعين رجع على صاحب العشرين بثلثها ولو [63 أ/4] كانت ثلاثمائة شاة بين اثنين ثلثاها لواحد وثلثاها لآخر فأخذ ثلاث شياه من صاحب المائتين لا يرجع صاحب المائتين على صاحب المائة بقيمة شاة بل يرجع بثلث قيمة الشاة الثلاث لأنها قد تفاوتت وقد حصل الكل مأخوذًا من الجملة على الشيوع, وإن أخذ ذلك من صاحب المائة رجع على صاحبه بثلثي قيمة الشياه الثلاث لا بقيمة شاتين من جملة الثلاث وعلى هذا القياس أبدًا, وإن أخذ الساعي من إحداهما أعلى من الفرض فإن كان قد أخذه بتأويل شائع مثل أن يكون مالكيًا يرى أخذ الكبار من الصغار يحتسب به ويرجع على صاحبه بنصف قيمته لأن الساعي كالحاكم, فإذا اجتهد في مسألة فيها خلاف, وحكم بقول

بعض الفقهاء لم يجز أن ينقض حكمه, وإن أخذ فوق الثنية أو أخذ الماخض أو الربى أو ذات الذر أو شاتين بدل شاة لم يكن له أن يرجع على صاحبه إلا بنصف قيمة الفرض ولا يرجع بالزيادة على صاحبه, لأنها ظلم لحقه من جهة الساعي فلا يرجع بالظلم إلا على الظالم وهذا دليل على أن الإمام لم ينعزل بالجور, وإن كان الساعي [63 ب/4] يذهب مذهب أبي حنيفة في جواز أخذ الغنم فأخذ من إحداهما قيمة الشاة, قال أبو إسحاق: لا يجوز لأنه خلاف النص الوارد فيه ولا يرجع على شريكه بشيء, لأنه جور وظلم بحقه والمنصوص فيه وهو المذهب أنه يجوز ويرجع على خليطه بحصته من القيمة لأنها مسألة اجتهاد, فإذا حكم فيها بالاجتهاد لا يجوز نقض حكمه. فرع لو أخذ من غنم إحداهما شاة وغنمهما سواء في العدد فتداعيا في قيمة الشاة فالقول قول من يؤخذ منه القيمة نص عليه في "الأم", لأنه هو الغارم فأشبه الغاصب والمتلف, وإن كان مع المأخوذ منه بينة فالبينة أولى. فرع آخر لو وجدهما مفترقين فقال الساعي: افتراقهما بعد الحول ووجوب الزكاة, وقالا: كان ذلك قبل الحول فالقول قولهما في الوقت الذي افترقا فيه. فرع آخر لو كان لإحداهما أربعون من البقر والآخر ثلاثون فجاء الساعي فأخذ من صاحب الأربعين مسنة ومن صاحب الثلاثين تبيع لا نقول أعطى كل واحد ما عليه فلا تراجع بل كل واحد أدى ما أدى عن نفسه وشريكه فيرجع صاحب الأربعين على صاحبه بثلاثة أسباع مسنة وصاحبه يرجع عليه بأربعة أسباع تبيع وعلى عكس هذا لو اخذ من صاحب الأربعين تبيعًا [64 أ/4] ومن صاحب الثلاثين مسنة رجع صاحب الأربعين على صاحبه بثلاثة أسباع تبيع وصاحبه يرجع عليه بأربعة أسباع مسنة, وكذلك لو كانت لواحد مائة من الإبل وللآخر ثمانون وهما خليطُا فأخذ من صاحب المائة حقتين ومن صاحب الثمانين بنتي لبون رجع صاحب المائة على صاحبه بأربعة أتساع حقتين ورجع صاحب الثمانين عليه بخمسة أتساع بنتي لبون. مسألة: قال (¬1): ولو كانتْ لهُ أربَعُونَ شاةَ فأقامَتْ في يدِهِ شهرًا ثم باعَ نِصفَهَا ثمَّ حالَ الحَوْلُ عليهَا أخَذَ منْ نصيبِ الأوَّلِ نِصْفَ شاةٍ. الفصل وهذا كما قال: إذا كانت له أربعون شاة فأقامت في يده ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعًا فإن الحول قد بطل في النصف الذي لم يبعه فالمذهب أنه لا يبطل, وقال ابن ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 208).

خيران: فيه قولان, إحداهما: هذا, والثاني: أنه يبطل الحول كما لو اتلف نصفها, وإذا بطل الحول في النصف التالف بطل في النصف الباقي, قال: وهذا مخرج مما قال الشافعي في رجلين لكل واحد منهما أربعون من الغنم ستة أشهر ثم خلطاها وحال الحول هل يزكيان زكاة الخليطين أم زكاة الانفراد؟ فيه قولان: هناك يزكيان زكاة الانفراد انقطع [64 ب/4] الحول هاهنا لأنه لا يمكن بناء حول الخلطة على حول الانفراد وهذا ليس بشيء, لأن النصف الذي لم يبع انتقل من خلطة إلى خلطة, فإن كان خليطًا يملك نفسه بما صار خليطًا لملك غيره فلم ينفك طول السنة من نصاب كامل فلم يسقط حوله وهذا التخريج فاسد, لأن الشافعي خرج ذلك على القول الذي ذكره في الجديد, والشافعي نص في الجديد في"الأم" في هذه المسألة: أن حول البائع لا ينقطع فكيف يخرج في الجديد ما نص في الجديد على خلافه, فإذا تقرر هذا فإذا مضت ستة أشهر من حين باع فقد تم الحول على النصف الذي لم يبع فعليه نصف شاة, ثم إذا حال الحول على العشرين التي في يد المشتري من حين ملكه ينظر فإن كان البائع قد أخرج النصف من عين المال فلا يلزمه شيء, لأن مال الخلطة نقص عن النصاب, وإن كان قد أخرجه من غيرها فإن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة فيلزمه نصف شاة في حصته, وإن قلنا: يجب في العين لا يلزمه شيء لأن نصف شاة قد صار للفقراء, وانتقض مال الخلطة عن النصاب, ولا يجوز أن يقال [65 أ/4] الفقراء إذا ملكوا النصف صار المال خلطة بينهما وبين الفقراء, لأن الفقراء غير معينين فلا تلزمهم الزكاة ومن زكاة عليه لا يثبت حكم الخلطة معه, وقال أبو إسحاق: تلزمه الزكاة في قول لأنه إذا أخرجها من غيرها تبينًا أن الزكاة لم تتعلق بالعين, ولهذا قال الشافعي: إذا باع مال الزكاة ثم أخرج الزكاة من غيره صح البيع وهذا غلط, ولا يعرف للشافعي ما قاله ولم يحكه سائر أصحابنا, وكلهم قالوا: إذا أخرج الزكاة من غيره عاد ملكه إليه بعد الزوال وعلى هذا لو نتجت واحدة مع حول البائع أو قبله فالحول بحاله في حقهما بلا إشكال, لن النصاب لم ينتقص وإن باع نصفها مفرزًا وأخرجها من المراح يبطل حولها جميعًا, فإن ردها بعد ذلك إلى المراح كان استئناف للخلطة فيعتبر الحول من حين اختلطتا, وإن لم يخرجها من المراح, ولكن أفرزها من الجملة نقل أصحابنا فيه فمنهم من قال: هو اختيار ابن أبي هريرة أنه لا تبطل الخلطة وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة, ومنهم من قال تبطل الخلطة [65 ب/4] وهو المذهب لأنه لم يزل الاختلاط فلم يزل حكمه كما لو باعها مشاعة, ومنهم من قال: تبطل الخلطة بالتفرقة بينهما وبه قال أبو إسحاق, ومن أصحابنا من قال: لو فرز منها عشرين ثم باعها منه ثم سلمها مفرزة ثم خلطها في الحال هل ينقطع الحول؟ وجهان, لأن زمان الانفراد كان يسيرًا فلا يضر, وإن أعلم علتها ولم يفرزها من الجملة لم يبطل حكم الخلطة بلا إشكال, ومن أصحابنا من ذكر وجهًا هاهنا أنه يبطل لزوال الملك على الانفراد وهو غلط.

فرع لو كان لكل واحد منهما عشرون شاة مختلطة من أول الحول ثم نصف الحول جاء ثالث بعشرين وخالطهما ثم أخذ الشريكين السابقين ميز ماله من الجملة فالذي بقي وكان خليطًا من أوله يلزمه عند تمام حوله نصف شاة, لأن الخلطة له حصلت في جميع الحول, إلا أن في بعض الحول كان خليطًا لزيد وفي بعضه كان خليطًا لعمرو. فرع آخر لو كانت له أربعون شاة في بلد وأربعون في بلد آخر فلما مضت ستة أشهر باع نصف إحدى الأربعين مشاعًا ثم حال حول البائع [66 أ/4] من حين ملك فما الذي يجب؟ قولان, إحداهما: يجب ثلاثة أرباع شاة لأنه في أول الحول خليط نفسه وفي باقيه خليط غيره, ثم إذا تم حول المشتري يلزمه ربع شاة, والثاني: على البائع شاة, لأنه إذا باع نصف الأربعين انقطع حول الأربعين وصار كأنه لا يملك إلا الأربعين الأخرى, ثم إذا حال حول المشتري على العشرين فإنه يلزمه نصف شاة نص عليه في باب افتراق الماشية (¬1)، قال القاضي أبو علي البندنيجي قال: ومن هاهنا خرج ابن خيران ذلك القول وثبت القولان. مسألة: قال (¬2): ولو كانتْ لهُ غَنَمٌ يَجِبُ فيها الزَّكاةُ فخَالَطَهُ رَجُلٌ بغَنَمٍ يَجِبُ فيها الزَّكَاةُ. الفصل وهذا كما قال: إذا ملك رجل أربعين شاة في أول المحرم وملك آخر أربعين في أول المحرم وأمسكا ستة أشهر ثم خلطا فعلى قوله الجديد: لا خلطة بينهما في السنة الأولى ويخرج كل واحد منهما شاة كاملة عن ماشيته, وقال في القديم: تعتبر الخلطة في آخر السنة وهو مذهب مالك وهذا غلط, لأن ماشيتهما قد انفردتا في بعض السنة فوجب عليهما أن يزكيا زكاة الانفراد, كما لو كانتا مختلطتين في أول السنة منفردتين [66 ب/4] في آخرها, وأيضًا وجدت في هذه السنة حالة الاختلاط وحالة الانفراد فاعتبار حالة الانفراد أولى لأنها مجمع على حكمها وحكم الخلطة مختلف فيه ولأنها اليقين, فكان اعتبارها أولى, وأما في السنة الثانية: يزكيان زكاة الخلطة لأن الخلطة حصلت في السنة الثانية فيها من أولها إلى آخرها, وقول الشافعي ولم يكونا تبايعًا زكيت ماشية كل واحد منهما على حولها دليل على أنهما لو تابعيًا استأنف كل واحد منهما الحول على ما ملك من ماشية صاحبه ثم لا يخلو إذا تبايعا, إما أن يتبايعا الكل بالكل أو البعض بالبعض, فإن تبايعا الكل بالكل بأن قال بعتك غنمي هذه بغنمك هذه يستأنفان الحول من حين التبايع, فإن خلطا حين تبايعا زكيا زكاة الخليطين, ولو مضت ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 16). (¬2) انظر الأم (1/ 208).

مدة ثم اختلطا زكيا الزكاة المنفرد ويجيء فيه قوله القديم, وإن تبايعا البعض بالبعض مثل أن باع إحداهما نصف غنمه بنصف غنم صاحبه فإنه يصح مشاعًا ومفرزًا فالمشاع أن يقول: بعتك نصف غنمي هذه بنصف غنمك هذه والمفرز هو أن يعلم على كل واحد [76 أ/4] من العشرين علامة, ويقول: بعتك المعلم من غنمي بالمعلم من غنمك فإذا فعلاً هكذا حول المبيع على الطريقين, فإذا قلنا: لا ينقطع فحال الحول على غير المبيع وهو أربعون بينهما فعليهما فيها شاة, لأنه قد ثبت لهما حكم الانفراد في أول الحول, وكان خليط نفسه فيها وخليط غيره في باقيها وعلى قوله القديم: يجب عليهما نصف شاة لأنهما خليطان حال الوجوب بثمانين, ثم إذا حال حول المبيع هل تجب الزكاة؟ فيه وجهان: فإذا قلنا: لا يجب فلا كلام, وإذا قلنا: يجب فما تلك الزكاة؟ فيه وجهان, إحداهما: شاة كاملة عليهما كالأربعين غير المبيعة, لأن كل واحد منهما لم يرتفق على التمام بالخلطة, والثاني: نصف شاة عليهما على كل واحد ربعها لأنها أربعون خلطها مع أربعين طول الحول هذا على قوله الجديد, وعلى قوله القديم: تجب نصف شاة عليهما. فرع لو كان لكل واحد ثمانون فتبايعا فإن تبايعا الكل بالكل استأنفا الحول, وإن تبايعا البعض بالبعض مشاعًا أو مفرزًا على ما ذكرنا انقطع الحول في المبيع, والمبيع ثمانون لكل [67 ب/4] واحد أربعون, وفي غير المبيع لا ينقطع قولاً واحدًا, وبه قال ابن خيران, لأن الباقي نصاب بعد البيع في حق كل واحد منهما, ولكن إذا حال حول غير المبيع فعلى قول ابن خيران يزكي كل واحد منهما زكاة الانفراد فعليه في ملكه شاة, لأن عنده خلطة آخر الحول لا يسقط حكم الانفراد, وعلى قول الشافعي: عليهما شاة على كل واحد منهما نصف شاة لأن ماله ما انفك عن الخلطة طول الحول في أوله خليط نفسه وما فيه خليط غيره, ثم إذا حال حول المبيع ففيه الزكاة قولاً واحدًا, لأنا إن اعتبرنا الانفراد فهي كالأولى زكاتها شاة, وإن اعتبرنا الخلطة فهي ثمانون إلى ثمانين ففيها شاة. فرع آخر لو باع مال الزكاة من آخره وتأخر القبض عن وقت العقد زمانًا ثم حصل القبض هل يحتسب بذلك الزمان من حول المشتري؟ اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: لا يحتسب لعدم تصرفه, وأن الملك لا يتم إلا بعد قبضه, ومنهم من قال: يحتسب لثبوت ملكه عليه في ذلك الزمان وهو الأقرب. مسألة: قال (¬1): ولو كانتْ ماشيتِهُما سواء [68 أ/4] وحَوْلُ إحداهما: في المُحَرَّمِ وحَوْلُ الآخَرِ في صَفَرِ. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 208).

الفصل وهذا كما قال: إذا اشترى رجل أربعين في المحرم واشترى آخر أربعين في صفر وأمسكاهما متفرقين فلما كان أول الربيع خلطا المال فإنهما يزكيان في السنة الأولى زكاة الانفراد, إلا أن حول صاحب المحرم أسبق, فإذا تم حوله أخرج شاة, وإذا جاء صفر فقد تم حول الثاني فيخرج شاة, وأما في السنة الثانية فإنهما خليطان من أولها إلى آخرها فيخرج نصف شاة من المحرم ويخرج الآخر نصف شاة في صفر وهو مراد الشافعي هاهنا بقوله: أخذ منهما نصف شاة من المحرم ونصف شاة في الصفر, وفي قوله القديم: يثبت هذا الحكم أيضًا في الحول الأول, لأنهما خليطان حال الوجوب, وقال ابن سريج: إذا اختلف حولهما لا يثبت حكم الخلطة أبدًا فتجب في الحول الثاني عليهما ما يجب في الحول الأول, وهذا غلط, لأن الخلطة وجدت من أول الحول إلى آخره فيها فيجب أن تكون زكاة هذا الحول زكاة الخلطة. فرع لو ملك أربعين شاة من أول المحرم وملك آخر أربعين شاة [68 ب/4] من أول صفر (¬1) ... ملك ولم يثبت للثاني حكم الانفراد فإن .... (¬2) خرج في السنة الأولى شاة, لأنه ثبت له حكم الانفراد, وأما صاحب صفر إذا دخل صفر فيه وجهان, إحداهما: يزكي زكاة الانفراد شاة كاملة لأنه لما لم يرتفق صاحبه بخلطته لم يرتفق هو أيضًا بخلطة صاحبه, والثاني: عليه نصف شاة وهو الصحيح لأنه كان خليطًا من أول الحول ولا يصح اعتبار الرفق لأن في هذه المسألة يؤخذ في الحول الثاني .... (¬3) الأول نصف شاة ولو تفرقا واقتسما المال قبل ان يتم حول الثاني لزمته شاة كاملة فارتفق الأول بالثاني, ولم يرتفق الثاني بالأول وهذا كله على القول الجديد وفي قوله القديم: يجب على الأول نصف شاة في السنة الأولى وعلى الثاني نصف شاة إذا حال حوله. فرع آخر لو ملك أربعين في المحرم ثم ملك إحدى وثمانين في صفر فحال حول الأولى يلزمه زكاة الانفراد شاة, ثم إذا تم حول الثانية تلزمه شاة أخرى بلا خلاف, لأن الكل مائة وإحدى وعشرون وقد أخرج شاة فبقيت عليه شاة [69 أ/4] أخرى فإن قيل: أليس المستفاد لا يضم إلى ما عنده عندكم فكيف ضممتم هاهنا؟ قيل: نحن تعبر حولها بنفسها ولا تضم إلى ما سبق في الحول, ولكن يضم في اعتبار النصاب وهذا مذهبنا. مسألة: قال (¬4): ولو كانُ بَيْنَ رَجُلَينِ أربَعُونَ شاةٌ ولإحداهما ببلدٍ آخَرَ أربعونَ شاةً. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) انظر الأم (1/ 109).

الفصل وهذا كما قال: إذا كان بين رجلين أربعون شاة ولإحداهما في بلد آخر أربعون شاة كانت عليهما شاة ربعها على صاحب العشرين وثلاثة أرباعها على صاحب الستين لأن ملك الرجل يجب ضم بعضه إلى بعض, وإن كان متفرقًا في مكان فيضم الأربعون الغائبة إلى العشرين التي له في الخلطة فيصير كأن مال الخلطة ثمانون لإحداهما وعشرون للآخر, وهذا هو المذهب المنصوص في كتبه, وقال ابن أبي هريرة: يجب على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين ثلاثة أرباع شاة لأنه يضم ماله الغائب إلى ماله الحاضر في حقه دون حق صاحبه لأنا إنما نضم بعضها إلى بعض بالملك دون الخلطة ثمانون منها ستون له ويصير في حق صاحب العشرين كأن [69 ب/4] مال الخلطة أربعون له نصفها فيلزم الأول ثلاثة أرباع شاة بحساب الثمانين, وعلى الثاني نصفها بحساب الأربعين (¬1)، وهذا لا يعرف للشافعي رحمه الله. وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي زيد المرزوي يلزم صاحب الستين شاة إلا نصف سدس شاة ويلزم صاحب العشرين نصف شاة لأن لصاحب الستين أربعين منفردة فيزكي زكاة الانفراد, فكأنه منفرد بستين شاة عليه فيها شاة فتخص الأربعين منها ثلثا شاة وله عشرون مختلطة فيزكي زكاة الخلطة فكان جميع الثمانين مختلط فيخص العشرين منها ربع شاة فتكون شاة إلا نصف سدس شاة, وأقل عدد يخرج منه ربع وثلثان منها ثمانية والربع منها ثلاثة فلذلك أحد عشر سهمًا فيجب عليه أحد عشر سهمًا من اثني عشر سهمًا من شاة, ويجب على صاحب العشرين نصف شاةٍ لأن الخلطة ثبتت في حقه في الأربعين الحاضرة, قال بعض أصحابنا: ونسب إلى ابن سريج يلزم على صاحب العشرين نصف شاة وعلى صاحب الستين شاة وسدس شاة وهذا لأن في الأربعين ثلثي شاة لما ذكرنا من العلة [70 أ/4] وفي العشرين نصف شاة لوجوب نصفها على شريكه إذ لا تجوز المخالفة بين الشريكين, وهذا ضعيف. وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار الإمام أبي بكر الأردني يجب على صاحب الستين شاة وعلى صاحب العشرين نصف شاة, لأنه اجتمع في ملكه الاختلاط والانفراد فصار كما لو كان في بعض الحول منفردًا, وفي بعضه مختلطًا فيغلب حكم الانفراد, فأما صاحب العشرين فمخالط لعشرين فيلزمه نصف شاة فحصلت خمسة أوجه, وقال القفال: حكم المسألة مبني على القولين, أن الخلطة خلطة ملك أ, خلطة عين ومعنى هذا أن من خالط بعض ماله بمال رجل هل يجعل كأنه خالط جميع ماله أم لا حكم للخلطة إلا في القدر الذي خالط؟ فأحد القولين أنها خلطة ملك وبه أجاب هاهنا لا يختلف أصحابنا فيه, وإذا قلنا: هي خلطة عين تجب على صاحب العشرين نصف شاة بلا خلاف, وفي صاحب الستين أربعة أوجه, إحداهما: يلزم شاة إلا نصف سدس شاة, ¬

_ (¬1) انظر الحلوي للماوردي (3/ 150).

والثاني: شاة وسدس شاة, والثالث: شاة, والرابع: شاة ونصف شاة وهذا لأنه يجعل ملكه كملك المالكين لأن ملكيه اختلف حكمهما بالاختلاط الانفراد [70 ب/4] فيلزم في الأربعين المنفردة شاة, وفي العشرين نصف شاة إذ لو كان صاحب العشرين غير صاحب الأربعين لكان الحكم هكذا فعلى هذه الطريقة يكون في المسألة ستة أوجه, وفرع أصحابنا على هذا أنه لو كانت لرجل ستون شاة ولثلاثة أنفس لكل واحد منهم عشرون شاة فخالط صاحب الستين كل واحد من الثلاثة بعشرين شاة فعلى المذهب المنصوص تجل عليهم شاة نصفها على صاحب الستين لأن له نصف المال ويجب النصف على الثلاثة على كل واحد منهم ثلاثة وهو سدس الجميع وعلى قول ابن أبي هريرة لا يمكن ضم أملاك الثلاثة بعضها إلى بعض بالملك, ولا يمكن ضم كل عشرين منها إلى واحد من الثلاثة فيقال لصاحب الستين قد انضمت غنمك بعضها إلى بعض فضم الستين إلى غنم من شئت منهم فتصير ثمانين فتجب فيها شاة ثلاث أرباعها على صاحب الستين وعلى كل واحد من الثلاثة نصف شاة, لأن الخلطة هي ثلث في حق كل واحد منهم في الأربعين وعلى القول الذي اختاره أبو بكر الأردني يجب هاهنا على صاحب الستين شاة لأن غنمه يضم بعضها إلى بعض وتجعل كأنها منفردة فيجب فيها شاة ويجب على كل واحد من الثلاثة [71 أ/4] نصف شاة لأن الخلطة في حق كل واحد منهم ثابتة في العشرين التي له وفي العشرين التي لخليطه وعلى القول الذي اختاره أبو زيد المروزي يلزم على صاحب الستين نصف شاة وعلى كل واحد من أصحاب العشرين نصف شاة, لأن كل ماله خلطة وعلى ما حكي عن ابن سريج على صاحب الستين شاة ونصف شاة وعلى كل واحد من أصحاب العشرية نصف شاة. فرع لو كانت له خمس من الإبل ولخمسة أنفس عشرون من الإبل لكل واحد أربعة فخالط صاحب الخمسة كل واحد من الخمسة إلا نفس ببعير واحد يجد عليهم بنت مخاض فمنها على صاحب الخمس وعلى كل واحد من الخمسة أربعة أجزاء من خمسة وعشرين جزءًا من ابنة مخاض, وعلى قول أبي هريرة: يجب على الخمسة على كل واحد منهم أربعة أخماس شاة وعلى صاحب الخمسة خمس بنات مخاض وعلى هذا لو كانت مع رجل أربعون شاة فخالط رجلاً له أربعون بعشرين شاة منها وخالط آخر معه أربعون بالعشرين الأخرى على كل واحد منهم ثلثاه, وعلى قول أبي هريرة: يجب على الذي فرق ماله ثلث شاة وعلى كل شاة وعلى كل واحد منهما ثلثا شاة. فرع لو كان مع رجل عشر من الإبل فخالط رجلاً معه عشرون من الإبل بخمس وخالط [71 أ/4] رجلاً آخر معه عشرون بخمس ففيه ثلاثة أوجه أحدها: وهو المذهب على صاحب العشرة خمس حقه باعتبار جمع جميع الأملاك حتى يصير خمسين, وعلى هذه

باب من تحب عليه الصدقة

الطريقة يجب على كل واحد من صاحب العشرين خمسا حقه, والثاني: يجب عليه ثلث بنت مخاض باعتبار جمع ملكه إلى ملك أحد خليطيه فعلى هذا على كل واحد من خليطيه ثلثا ابنة مخاض, والثالث: عليه خمس بنت مخاض وهذا على قولنا الخلطة خلطة عين لأن المجتمع في المكان خمسة وعشرون فيجب في كل جملة بنت مخاض ويلزمه الخمس فيها ويجب على كل واحد من صاحبه أربعة أخماس بنت مخاض. باب من تحب عليه الصدقة قال (¬1): وتَجِبُ الصَّدَقَةُ على كُلَّ مالِكٍ تامِّ المُلْكِ. وهذا كما قال: إذا كان المالك حرًا مسلمًا وجبت الزكاة في ماله صغيرًا كان أبو كبيرًا عاقلاً كان أو مجنونًا, ويجب على الوالي إخراج الزكاة من مال الصغير والمجنون, وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق, وقيل: لا تجب على الصبي ولكن تجب في ماله وهو غلط, لأن الصغر لا يمنع وجوب المال [72 أ/4] كالغرامة, وقال سفيان الثوري والاوزاعي: يجب الزكاة في مالهما, ولكن لا يخرجها الولي فإذا بلغ الغلام وعقل المجنون أعلمهما الولي قدر ما وجب في مالهما حتى يؤديا, وروى ذلك عن ابن مسعود, وقال أبو حنيفة وابن شبرمة: يلزمهما زكاة الفطر دون زكاة المال, وروي ذلك عن ابن عباس واحتج الشافعي في هذا بسائر الحقوق, فقال: كما تجب في مال كل واحد منهم ما لزم ماله بوجه من الوجوه جناية أو ميراث أو نفقة على والد أو ولد زمن محتاج وسواء في ذلك الماشية والزرع وزكاة الفطر, ثم احتج بالخبر وهو لقوله صلى الله عليه وسلم:"ابتغوا" يعني اتجروا في مال اليتيم أو قال في أموال اليتامى شك فيه الشافعي لا تأكلها الزكاة، وقي نسخة"لا تهلكها الزكاة", ثم احتج بالأثر عن عمر وابن عمر وعائشة وروي أيضًا عن علي رضي الله عنه. مسألة: قال (¬2): فأمَّا مالُ المكَاتَبِ فخَارجٌ من مِلْكِ مَولاهُ. الفصل وهذا كما قال: لا زكاة على المكاتب في ماله, وقال عكرمة وأبو ثور: يلزمه ذلك وهذا غلط, لأن ملكه غير تام لوجود الرق فيه ولهذا لا تجوز هبته ولا تلزمه نفقة الأقارب من ماله, ولا يرث ولا يورث ولا يعتق عليه قريبه بالملك بخلاف الحر ولا تجب على سيده في ماله أيضًا, لأنه [72 ب/4] لا يملكه ولا يعود إلى ملكه إلا بالعجز فكأنه متردد بين مالكين فأيهما تم ملكه استأنف به الحول. فرع لو ملك عبده نصابًا من الإبل فإن قلنا: لا يملك بالتمليك وهو المذهب الصحيح فالزكاة على المولى, لأنه ملكه, وإن قلنا: إنه يملك بالتمليك في قوله القديم لا زكاة ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 209). (¬2) انظر الأم (1/ 210).

باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة

على واحد منهما بخروجه من ملك مولاه ونقصان ملك العبد, لأن المولى ينتزع من يده متى شاء فكان أسوأ حالاً من المكاتب. فرع من نصفه حر ونصفه عبد إذا ملك نصابًا بنصفه الحر اختلف أصحابنا فيه, منهم من قال: لا زكاة عليه قولاً واحدًا, وهو الظاهر لأن الرق الذي فيه يمنع كمال ملكه, ومنهم من قال: تلزمه الزكاة لأنه يملك بنصفه الحر ملكًا تامًا فوجبت عليه الزكاة كالحر وهذا اختيار والدي رحمه الله وهو الصحيح عندي الآن, لأن الشافعي نص أنه يلزمه زكاة الفطر في نصيبه. فرع آخر لو أن رجلاً أوصى بحمل امرأة بمال تجب فيه الزكاة ومات فوضعت حملها لأربع سنين ملك المال وفي زكاة ما مضى اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: يخرج الزكاة عن ما مضى لأنه ملك من ذلك الوقت, ومنهم من قال: يستأنف الحول من وقت الوضع ذكره القاضي أبو الحسن في "الحاوي" (¬1) [73 أ/4] قال ويشبه أن يكون مخرجًا من الوصية هل يملك بالموت أو بالقبول مع الموت؟ وأصحابنا بخراسان قطعوا أنه يستأنف الحول من وقت الوضع لأنه لا يتحقق ملكه في حالة الاستجنان بل الحكم موقوف. باب الوقت الذي تجب فيه الصدقة قال (¬2): وأحِبُّ أنْ يبعَثَ الوالِي المُصَدِّقَ. الفصل هذا الباب يشتمل على ثلاثة فصول, أحدها: بيان الوقت الذي يبعث الوالي فيه السعاه إلى أرباب الأموال لجباية الصدقات, والثاني, الموضع الذي تعد فيه المواشي, والثالث: كيفية العد. فأما الوقت: فالمال ضربان, ضرب لا يعتبر فيه الحول مثل الزروع والثمار والمعادن فالوالي وقت إدراكها وإدراكها يتقارب بجميع الناس ولا يتفاوت تفوتًا بعيدًا وينبغي أن يبعث الساعي قبل وجوبها ليوافيها عند وجوبها. وضرب: يعتبر فيه الحول ولا يتفق أحوال الناس فيه ويتفاوت تفاوتًا بعيدًا وفي بعث الساعي إلى كل واحد منهم عند تمام حوله مشقة, قال الشافعي: أحب أن يكون بعثه في المحرم, قال: وهكذا رأيت السعاة عندما كان المحرم شتاءًا أو صيفًا, وهو احتجاج بقول العلماء فإنهم يخرجون بقول العلماء لا من عند أنفسهم [73 ب/4] وهذا لأن المحرم استفتاح السنة الجديدة العربية, وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للمارودي (3/ 154). (¬2) انظر الأم (1/ 211).

قال في المحرم: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليزك بقية ماله" (¬1). والمستحب أن يبعث قبل المحرم بحيث يوافي بلد الصدقة مع أول المحرم فلا يتأخر إخراج الزكاة عن أول السنة ثم إذا دخل البلد الصدقة اشتغل هو بمعرفة أهل السهمان وقدر حاجاتهم واشتغل أصحابه بإحصاء المواشي والأموال فإذا فرغوا من ذلك فكل من تم حوله أخذ زكاته وكل من لم يتم حوله سأله أن يعجل زكاته فإن عجلها أخذها وفرقتها على أهل السهمان, وإن لم يعجلها فإن شاء وكل من يأخذها منه إذا وجبت عليه وإن شاء أخرها حتى يعود في القابل, وإن شاء فوض تفرقتها إلى رب المال إن كان ثقة أمينًا, وقيل: إن المزني أخل بالنقل لأن الشافعي قال: واجب على الوالي أن يبعث المصدق وهو الصحيح لأن جمع الصدقة وتفريقها على مستحقيها واجب على الأئمة والمزني نقل وأحب ويستحب لأرباب الأموال أن يعجلوا أدائها إذا حضرهم الساعي كيلا يشق عليه الأمر, وأما الموضع الذي تعد فيه الماشية إن كانت ترعى وترد الماء فلا يكلف الساعي أن يتبعها راعية لما فيه من المشقة عليه لتبددها [74 أ/4] في المرعى وليس للساعي أن يكلف رب الماشية ردها إلى فناء القرية أو المدينة, ولكن يمضي الساعي إلى موضع الماء فإنها تجتمع فيه فيحصيها عليه, وقال في"الأم" (¬2): لو كان للماشية ماءان فلرب المال أن يردها إلى أيهما شاء وهذا لأنه أسهل على أرباب الماشية وأقل كلفة ومؤنة وهذا في الغالب يكون في وقت الصيف فأما الربيع الذي تستغني فيه الماشية بالكلأ الرطب عن الماء أيامًا كما قال الشافعي (¬3) فإن جزأت الماشية بالكلأ الرطب عن الماء فإنها ترد إلى أفنيتها لبورها, أو إلى بيوتهم, ولا يكلف رب المال إيرادها الماء لأنه يشق في الغالب ذلك لتباعدها عنه ولا يلزمه أن يتبعها راعية لما عليه في ذلك من المشقة وعلى رب المال أن يجمعها بحضرته لبعدها, وهو معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جلب ولا جنب" (¬4) أي: لا تجلب الماشية من البادية إلى الساعي وليس على الساعي أن يجنب أي: يبعد في إتباع المواشي, وروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تؤخذ صدقات المسلمين عند مياههم وعند أفنيتهم" (¬5) وأما كيفية العد قال (¬6): "ويحصرها إلى ¬

_ (¬1) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 253) , والشافعي في "المسند" (620) , والبيهقي في "الكبرى" (7606). (¬2) انظر الأم (2/ 15). (¬3) انظر الأم (2/ 15). (¬4) أخرجه أحمد (4/ 429, 443) وأبو داود (2581) , والترمذي (1123) , والنسائي (3335) , وابن حبان (3256). (¬5) أخرجه أحمد (2/ 185) , وابن الجارود في "المنتقى) (346) , والطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (3/ 79). (¬6) انظر الأم (2/ 17).

باب تعجيل الصدقة

مضيق" أي: يحضر الماشية [74 ب/4] إلى حظيرة يجمعها ويحيط بما يخرج منها واحدة واحدة بأن يجعل لتلك الحظيرة منفذًا واحدًا لا يسع لخروج واحدة ليكون أسهل في العد, فيعدها كذلك حتى يأتي على عدتها, أي: حتى يعدها كلها, وقيل: يستحب أن يكون في يد الساعي, وفي يد رب المال أو نائبه وهما على باب المضيق, قضيب أو خشبة معترضة يسيران بها إلى كل واحدة تخرج ويجعل في ذلك المنفذ خشبة معترضة يثب فوقها كل واحدة تريد أن تخرج ليكون ذلك أسهل في العدد, وأبعد من الغلط, ويجوز أن يضطر الغنم إلى جدار أو جبل أو شيء قائم حتى يضيق الطريق فيخرج ثنيتين ثنيتين, وإن ادعى رب الماشية أنه أخطأ عليه أعيد عليه العدد, وكذلك إذا ظن الساعي أن عاده أخطأ العدد, وهكذا إذا كان اختلافهما مؤثرًا مثل أن يقول إحداهما مائة وعشرون, وقال الآخر: لا بل زيادة على ذلك بواحدة, فأما إذا لم يكن مؤثرًا بأن لا يكون هناك تكميل نصاب فلا معنى له .. باب تعجيل الصدقة قال الشافعي (¬1):أخبرنا مالِكٌ عن زيدٍ بن أسلَمَ .... الخبر [75/أ 4]. وهذا كما قال: كل زكاة تجب بحول ونصاب وهي زكاة الإيمان والتجارات والمواشي يجوز تقديمها بعد وجود النصاب قبل الحول وبه قال: كأنه أنفقها, وهكذا يجوز عندنا تقديم الكفارة بالمال على الحنث قياسًا على الزكاة, وقال ربيعة وداود وأبو عبيد بن حربويه: لا يجوز كلاهما, وقال مالك: يجوز تقديم الكفارة دون الزكاة, وروي عن مالك أنه قال: يجوز تعجيلها في قرب الحول بيوم أو يومين واحتج الشافعي بما روى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم:"أستسلف" يعني: استقرض من رجل بكرًا وهو الفتى من الإبل فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضيه إياه قال والعلم يحيط أنه لا يقضي من إبل الصدقة فالصدقة لا تحل إلا وقد تسلف لأهلها ما يقضيه من مالهم يعني ما ثبت أن الصدقة لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يظن به أنه يستقرض شيئًا لنفسه, ثم يقضي ذلك من مال الصدقة فثبت أنه إنما استقرض لأهل الصدقات ما يقضيه من مال الصدقات فإن قيل في الخبر: "أنه اقترض بكرًا فرد رباعيًا " وذلك زيادة لا تجوز من الصدقة قلنا: [75 ب/4] يجوز أن يكون النقص في الجودة فيقابله زيادة السن أو يجوز أن يكون الرجل ممن تحل له الصدقة فالزيادة صدقة عليه, أو يجوز أن يكون فعل ذلك ليرغب الرجل ممن تحل له الصدقة فالزيادة صدقة عليه, أو يجوز أن يكون فعل ذلك ليرغب الناس في قرض الفقراء, ويجوز للإمام أن يفعل هذا للمصلحة العامة, فإذا تقرر هذا فأعلم أن من أصحابنا من قال: ليس في هذا الخبر دليل على جواز تعجيل الصدقة ولا استدل به الشافعي كما أوهمه المزني, بل استدل به على جواز استقراض الحيوان خلافًا لأبي حنيفة فإنه لا يجوزه, وأما حجة تعجيل الزكاة فغير هذا, وقد ذكره بعد ذلك من جهة الأثر والنظر, أما الأثر فقد روى أن ابن عمر رضي الله عنه "كان يبعث ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 211, 212).

بصدقة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين" (¬1). فإن قيل: أنا أجوز هذا القدر من التقديم قيل: إذًا نقيس ما لا يسلم على ما يسلم فإنه ليس في هذا الفرق معه خبر ولا فيما روينا من الأثر في قريب التقديم منع من بعيده، وإذا ثبت القريب بالأثر أو بتسليمهم ثبت البعيد ولا فرق، وأما النظر فهو أنه قاسه على كفارة اليمين فقال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحالف بالله: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" (¬2) فأمر بالحنث [76 أ/4] قبل التكفير لأن سبب وجوبها اليمين والحنث هو وقت لوجوبها، كما أن سبب وجوب الزكاة نصاب والحول وقت لوجوبها فكما جاز ذلك جاز هذا، وروي عن بعض الصحابة أنه كان يحلف فيكفر عن يمينه ثم يحنث ويقيس مع أبي حنيفة الكفارة على الزكاة كما قسنا مع ملك الزكاة على الكفارة، ومن أصحابنا من يستنبط منه الاستدلال على تعجيل الصدقة فقال: لما جاز أن يستعمل ممن لا تلزمه الزكاة قبل استحقاق هذا المسكين الزكاة ليقضي ما استعجل له مما يستحقه بعد ذلك من الزكاة فلأن يجوز أن يستعجل له الزكاة ممن تلزمه الزكاة ليحتسب ذلك عليه عند وجوب الزكاة، واستحقاقه أيامًا أولى، وأيضًا للزكاة طرفان موجب عليه وهو رب المال وموجب له وهو المسكين، فلما جاز أن يعجل للموجب له حقه قبل استحقاقه بأن يستقرض له ليقضي من ماله فكذلك يجوز أن يستعجل من الموجب عليه قبل الوجوب ما يحتسب له عند الوجوب، وأيضًا للزكاة طرفان موجب عليه وهو رب المال وموجب له وهو المسكين، فلما جاز أن يعجل للموجب عليه قبل الوجوب ما يحتسب له عند الوجوب، وأيضًا الفرض المعجل هو بدل والزكاة مُبدل فلما جاز تعجيل البدل عن الزكاة كان تعجيل المبدل وهو الزكاة أولى لأن المبدل أكمل حالًا من البدل فكان في هذا الخبر دلائل جواز تعجيل الصدقة وجواز قرض الحيوان والسلم، وأنه يجب عند القرض رد مثله ثم اعلم أنه [76 ب/4] المزني استبعد هذه الدلائل فقال: ونجعل في هذا الموضع ما هو أولى به أي: ما هو أقرب إلى الدلالة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف صدقة العباس قبل حلولها (¬3) فقال له: هذا الخبر استدل به الشافعي في هذه المسألة وسبقك إليه وتمامه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ساعيًا على الصدقات فلما رجع إليه شكا من ثلاثة نفر من عمه العبّاس وخالد بن زيد رضي الله عنهما وعبد الله بن جميل فذكر أنهم منعوا الزكاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العباس عمي استسلفنا منه صدقة عامين"، وروى له علي مثلها وأراد صدقة عامين، "وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا فإنه قد حبس أذراعه وأفراسه في سبيل الله" يعني أنه وقفها وكان ذلك مال زكاة يتجر فيها فلما وقفها لم تلزمه الزكاة بعد فيها، وأما ابن جميل فما ينقم من الله إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ¬

_ (¬1) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 285)، والشافعي في "المسند" (682)، والدارقطني (2/ 152)، وابن حبان (3288)، والبيهقي (4/ 164). (¬2) أخرجه مسلم (17/ 1651)، وأحمد (2/ 185، 204، 211)، وابن حبان (4332). (¬3) أخرجه الطبراني في "الكبير" (9985)، والبراز (1482) - البحر

وفيه نزل قوله تعالى: {ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75] الآيات، فلما بلغه نزول الآيات في شأنه أتى بصدقته فلم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى [77 أ/4] بها أبا بكر الصديق فلم يقبلها ثم أتى بها عمر فلم يقبلها ومات في خلافته منافقًا، وروى على بن أبي طالب رضي الله عنه أن العبَّاس رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعجل زكاة ماله فرخص له (¬1). فرع هل يجوز تقديم زكاة عامين وأكثر أصحابنا اختلفوا فيه قال أبو إسحاق: وهو ظاهر المذهب يجوز لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس رضي الله عنه صدقة عامين، ولأن ما جاز تعجيل حق العامين كدية الخطأ، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز، لأنَّ تعجيل زكاة الحول الثاني تقديم لها على السببين الحول والنصاب، إذ هذا المال لزكاة هذا المقام فلا يجوز ذلك وتأويل الخبر أراد أنا استعجلنا مرتين منه صدقة مالين مختلفي الحول .... (¬2) استعجلنا مرتين، استعجلنا وتم الحول ثم استعجلنا ثانيًا لعام آخر. فرع آخر مسألة: لو كانت له مائتا شاة فعجل عنها وعما يتوالد من سخالها أربع شياه فتوالدت وصارت أربعمائة أجرأته زكاة المائتين وفي زكاة السخال وجهان، إحداهما: لا يجوز لأنه تقديم زكاة على النصاب، والثاني: يجوز لأن السخال جعلت كالموجودة في الحول في وجوب زكاتها فجعلت كالموجودة في [77 ب/4] تعجيل زكاتها والأول أصح، ومن أصحابنا من قال: هذا مرتب على المسألة المتقدمة، فإن قلنا: بوجوب تعجيل زكاة عامين فهذا أولى، وإن قلنا: لا يجوز ذلك بقي هذا وجهان، والفرق أنه انعقد الحول على نصابين لأن النتائج إذا حدثت يبني حولها على حول الأصل ولم ينعقد الحول الثاني قبل تمام الحول الأول. فرع آخر لو ملك أربعين شاة فعجل عنها شاة ثم توالدت أربعين سخلة وتماوتت الأمهات وبقيت السخال فهل يجزيه ما أخرج عن الأمهات عن زكاة السخال فيه وجهان، إحداهما: لا يجزيه عن زكاة السخال لأنه يؤدي إلى تقديم الزكاة على النصاب وهذا أقرب، والثاني: يجزيه لأنه لما كان حول الأمهات حول السخال كانت زكاة الأمهات زكات السخال، ولو كان معه نصاب فعجل زكاة نصابين لم يجز فيما زاد على النصاب ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (1/ 104)، وأبو داود (1624)، والترمذي (678)، وابن ماجه (1795)، والحاكم (3/ 332)، والدارقطني (2/ 123)، والبيهقي (4/ 111). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

الموجود وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز بناء على أصله بضم المستفاد إلى ما عنده في الحول وهذا غلط، لأنه عجل زكاة مالٍ ليس في ملكه. فرع آخر لو أشترى بمائتي درهم عرضًا للتجارة ثم أخرج عنها زكاة أربعمائة درهم ثم حال الحول ..... (¬1) تساوي أربعمائة ....... (¬2) لأن [78 أ/4] الاعتبار في زكاة التجارة تأخر الحول وينعقد الحول في الابتداء على ما دون النصاب بخلاف زكاة العين وخالفه ابن سريج فقال: لا يجوز لأنه يعتبر النصاب في عرض التجارة من أول الحول إلى آخره. فرع آخر إذا أراد تعجيل عشر الثمار والزروع قال ابن أبي هريرة: يجوز إذا علم أن فيها على غالب العادة خمسة أوسق وهذا إذا كان الزرع قصيلًا، أو كان الثمار بلحًا أو طلعًا لم يتشقق، وقال أبو إسحاق: وهو المذهب الصحيح لا يجوز لأنه يجب زكاتها بسبب واحد وسائر الزكوات تجب بسببين، ولأن في الحال قصيل أو بلح وليس من مال الزكاة بخلاف غيرهَا. فرع آخر مسألة: يجوز تقديم زكاة الفطر على هلال شوال إذا دخل شهر رمضان وأول وقت جوازها بعد طلوع الفجر من اليوم الأول من رمضان، وقيل: فيه وجه أنه لا يجوز تعجيلها وحكي عن أبي حنيفة: أنه يجوز تقديمها على شهر رمضان وهذا غلط، لأنه لم يوجد سببها بوجه فلا يجوز. فرع آخر إذا نذر أضحية لا يجوز ذبحها قبل وقتها بلا خلاف، لأن ذبحها عمل البدن وهو مقصود لأنه لو فرق اللحم لم يجز. فرع آخر [78 ب/4] لو أحرم بالحج ثم أراد تقديم الجزاء على قتل العبد، فإن كان خرجه فالمذهب أنه يجوز ذلك وبه قال أبو حنيفة لأن وجود سبب القتل هو بمنزلة وجود القتل، وإن لم يكن خرج فالمذهب أنه لا يذهب لأنه لم يوجد شيء من أسبابه، والإحرام ليس بسبب لوجوب الجزاء، ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهًا آخر: وهو ضعيف وعلى ما ذكرنا لو جرح آدميًا ثم قدم الكفارة على موته يجوز، وإن لم يكن جرحه لا يجوز. فرع يجوز تقديم كفارة الظهار على العود ولا يجوز تقديمها على الظهار، وقيل: فيه وجه آخر لا يجوز تقديم كفارة الجماع في صوم رمضان على الجماع بلا خلاف. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) كلمة غير واضحة بالأصل.

مسألة: قال (¬1): وإن تَسَلَّفَ الوالي لَهُمْ فهَلَكَ منهُ قَبْلَ دفعِهِ إليهِمْ وقد فَرَّطَ أو لمْ يُفَرَّطْ فهُوَ ضَامِنٌ. وهذا كما قال: إذا استقرض الوالي للمساكين من لا يلزمه أو استعجل لهم قبل الحلول ممن يلزمه الزكاة بالحول لا يخلو من أربعة أحوال، أحدها: أن يكون من غير مسألة رب المال وغير مسألة أهل السهمان، ولكنه رأى بأهل السهمان حاجة وفاقة فلا يخلو إما أن يتلف في يده أو يدفعها إليهم فإن تلفت في يده فهي من ضمانه يلزمه في خاص ماله ويستقر عليه [79 أ/4] الضمان ولا يرجع الإمام به على المساكين فرّط أو لم يفرّط فيه لأن المساكين هم أهل رشد لا يولى عليهم فلا يجوز أن يتعجل لهم حقهم برأيه إلا بشرط السلامة والضمان، وليس لولي اليتيم إذا استقرض له عند علمه بحاجته فهلك في يده من غير تفريط فلا ضمان لأنه مولى عليه ولهذا يتصرف فيه له ولا يتصرف الإمام في مال الزكاة للمساكين من غير ضرورة، ومن أصحابنا من أهل خراسان من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يضمن لأن حاجاتهم كمسألتهم من الإمام ذلك وليس بشيء، وإن دفعها إليهم فإن حال الحول ولم يتغير الحال فقد وقعت الزكاة موقعها وإن حال الحول وقد تغير حال الدافع أو المدفوع إليه، رجع رب المال على الإمام ورجع الإمام على المساكين، وقال أبو حنيفة: الضمان على المساكين فقط وهذا غلط به ما كان له أن يحل لهم حقهم برأيه. فرع لو رأى الإمام بأطفال المساكين حاجة إلى التعجيل وكانوا يتامى فاستسلف لهم فتلف في يده من غير تفريط ففيه وجهان، إحداهما: وبه قال أبو إسحاق: ليس له ذلك فإن فعل كان ضامنًا لأن لهم حقًا في خمس الخمس وسهمًا فيه يستغنون به غن غيره، [79 ب/4] والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: له ذلك ولا ضمان عليه لأنهم ممن يستحقون الزكاة عند وجوبها وهم في ولايته والحالة الثانية: أن يكون ذلك التسلف بمسألة أهل السهمان دون رب المال، فتغيرت حالهم أو حاله فإن بلغها من ضمان المساكين سواًء تلف في يد الإمام أو في أيديهم لأنه وكيلهم ولكن رب المال يطالب الإمام لأنه هو الآخذ منهم حتى يطالب الإمام المساكين، وقال القفال: إذا علم المالك أنه أخذ بمسألة المساكين لا يطالب الإمام بحال بخلاف الوكيل يطالبه التابع بالثمن، لأنه طريقه والتزم ذلك بالعقد بخلاف الإمام وهذا أقيس، والحالة الثالثة: أن يكون ذلك بمسألة أرباب الأموال دون المساكين، فالإمام وكيل أرباب الأموال دونهم فإن تلفت في يده فهي من ضمان رب المال، فإن تلفت في أيديهم رجع عليهم ولا يرجع على الإمام لأنه لا ضمان على الوكيل، والحالة الرابعة: أن يكون بمسألتهما جميعًا على الإمام لأنه لا ضمان على الوكيل، والحالة الرابعة: أن يكون بمسألتهما جميعًا فأيهما تغلب فيه وجهان، إحداهما: تغلّب جنبة رب المال لأن جانبه ..... (¬2) لأنه ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 213). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

يملك الدفع والمنع. والثاني: تغلب جنبة المساكين، لأن المنفعة ترجع إليهم وقد ذكرنا حكمها فإن قيل: إذا ضمن الإمام في الحالة الأولى [80 أ/4] وجب أن لا يجوز له القبض أصلًا، قلنا: إنما جاز لأن اختياره يؤدي إلى ذلك لما رأى بهم من الفاقة والخلة فيجوز ذلك على شرط السلامة، كما لو كانت عند رجل وديعة فجاء رجل وقال: أنا وكيل فلان يقبضها منك فصدقه يجوز له تسليمها إليه بشرط السلامة حتى لو أنكر المالك الوكالة فإنه يضمن، كذلك هاهنا فإذا تقرر هذا فكل موضع قلنا: يرجع إليهم فإن كانت تالفة استرجع قيمتها هكذا أطلق أصحابنا، وقال بعض أصحابنا بالعراق: إن خرج المدفوع إليه من استحقاق الزكاة يسترجع منه مثلها وجهًا واحدًا، وإن خرج الدافع ممن تجب عليه الزكاة فيه وجهان، كوجهي أصحابنا فيمن أقرض حيوانًا هل يجب على المستقرض رد مثله؟ أو قيمته ويفارق المسألة قبلها، لأن هناك يسترجع في حق الفقراء فيسترجع المثل لأنه لا يجوز في حق الزكاة غير الحيوان وهاهنا يسترجع في حق نفسه فتجب القيمة ذكره في "الحاوي" (¬1) ثم إذا رجع بالقيمة حتى يقوم فيه وجهان: إحداهما: حين الدفع إليهم لأنهم ملكوا حينئذٍ كما يقول في الصداق وهو الصحيح. والثاني: حين التلف كالعارية وهذا لأنه لو كان موجودًا رجع به فإذا كان تالفًا رجع بقيمته في تلك الحالة، وإن كانت باقية بحالها [80 ب/4] لم تزد ولم تنقص يسترجع عنها ثم إن كان العارض موت المسكين فرأى الرائي أن يرده على وارثه وهو جاز، وإن كانت زائدة فإن كانت الزيادة غير متميزة رجع بها مع الزيادة فإن كانت الزيادة متميزة كانت الزيادة لوارث المسلمين لأنه ملك بالقبض، وإن كانت ناقصة فإن كان النقصان غير متميز كالهزال رجع بها ناقصة ولا يستحق أرش نقصانها كالمفلس إذا انتقص المباع في يده لا يضمن النقصان عند رجوع البائع في المبيع بعيب الإفلاس، نص عليه في "الأم"، وقيل: هل يغرم النقص؟ وجهان: إحداهما: يغرم لأن ما يضمن عينه يضمن نقصه هو غلط، فإن رأى الوالي أن يرده على وارثه لم يجز للنقص إلا أن يكون بعد النقص على وصف مال الدافع فيجوز، وإن كان النقصان متميزًا كبعيرين تلف إحداهما وبقي الآخر يرجع بالباقي وبمثل الثالث في أحد الوجهين، وبقيمته في الوجه الآخر، ومن أصحابنا من أهل خراسان من قال: هو كالقرض يملك يوم الإتلاف في أحد القولين فيغرم النقصان ويرد الزيادة مع الأصل على هذا القول وهذا غلط. فرع لو استعجل مسألة رب المال وهي باقية في يد الوالي له أن يسترجع قبل الحول ما لم يفرقها الوالي، فإن فرقها فلا [81 أ/4] رجوع إلا أن يتغير الحال على ما ذكرنا ولو ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 166).

استعجل بمسألة المساكين وكانت باقية في يد الإمام ليس لرب المال استرجاعها، لأن يد الوالي هاهنا يد أهل السهمان، وهناك يده يد رب المال. فرع آخر لو تعدى الإمام فيها يضمن قيمة الحيوان وجهًا واحدًا لأنه يضمنها ضمان غصب بخلاف ما تقدم. فرع آخر .. (¬1) رب المال أن يتعجل الزكاة منه لهم ففعل وصرفها إليهم ثم عند الحول كان الدافع من يجب عليه الزكاة والمدفوع إليه من لا يستحق الزكاة قد ذكرنا أنه يسترجع فإذا استرجع هل يتعين عليه دفعها في الزكاة فيه وجهان، إحداهما: يتعين لأنه عينها بالتعجيل، والثاني: هو بالخيار بين دفعها أو دفع غيرها لأنها بعد الاسترجاع من جملة ماله هذا أصح عندي. مسالة: قال (¬2): ولو استَسْلَفَ لرجُلَيْنِ بَعِيرًا فأتلَفَاهُ وماتَا قَبْلَ الحَوْلِ فَلَهُ أنْ يأخُذَ منْ أموالِهِمَا لأهلِ السَّهمَانِ. وهذا كما قال: اعلم أن في تعجيل الزكاة يعتبر ثلاثة أشياء صفة المعجل له وهو المسكين وصفة المعجل هو رب المال وصفة المعجل منه وهو النصاب فأما صفة المعجل له فهي معتبرة في حالين: حالة الدفع وهي حالة التعجيل لصلة النية، وحالة احتساب المدفوع [81 ب/4] عن القرض لهذين، وأما صفة لمعجل منه فهي معتبرة من وقت التعجيل إلى وقت الاحتساب في مسائل ذكرها هاهنا منها هذه المسألة، وأراد به لو استسلف الإمام لرجلين من المساكين بغير أمر رب المال قبل الحول ولا تأثير لذكر الرجلين إلا تحسين العبارة به في لسان العرب، وقوله: فأتلفاه وماتا قبل الحول لا تأثير للإتلاف أيضًا في هذه المسألة إلا المبالغة في بيان حكم المسألة، فله أن يأخذ من أموالها أي: الإمام أن يأخذ هذا البعير المعجل إليهما إن كان قائمًا وقيمته إن كان تالفا من أموالهما بغيرهما من أهل السهام للعلة التي ذكرها وهي أنهما لمّا لم يبلغا الحول .... (¬3) أنه لا حق لهما في صدقة خلت في حول لم يبلغاه أي: وإن وجد فيهما منعة الاستحقاق عند الدفع إذا لم يوجد وقت الاحتساب عن الفرض لم يكن لهما حق في هذه الصدقة تطوع وهذا غلط، لأنه دفع الزكاة على أن تقع موقع الفرض [82 أ/4] فإذا لم تقع استرجع كما لو دفع إلى من ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) انظر الأم (1/ 213).

ظاهره الإسلام ثم بان له كفره استرجع، ويؤكده أن المقصود بتعجيلها إسقاط الفرض، فإذا لم يسقط استرجع. فرع لو شك في موته هل كان قبل الحول أم بعده ففيه وجهان، إحداهما: يسترجع اعتبارًا بالنفس في التعجيل والشك في الجواز، والثاني: لا يسترجع اعتبارًا بأنه ملك بالقبض فلا يجوز الاسترجاع بالشك، فعلى هذا يجزي عن فرض رب المال لأن الاسترجاع إذا لم يجب الإخراج ثانيًا، وهذا أقرب. مسألة: قال (¬1): ولو أيْسَرا قَبْلَ الحَوْلِ. الفصل وهذا كما قال: أبدل الشافعي ها هنا تصوير موتهما بيسارهما قبل الدخول فينظر فإن كان اليسار مما دفع هؤلاء يسترجع شيئًا لأنا دفعنا إليه ذلك يستغني به، هكذا لو تصرف فيه واستغني بذبحه ونمائه لا يسترجع منه ووقعت الصدقة موقعها، وإن كان اليسار من غير ما دفع هو إليه إما بميراث أو هبة من الغير تسترجع منه ذلك، لأنه خرج عن أن يكون مستحقًا للصدقة قبل تمام الحول فصار كما لو مات. فرع لو أيسر ثم افتقر فحال الحول وهو فقير فيه وجهان، إحداهما: يسترجع لأنه خرج بالغني من أن يكون من أهل الصدقة فبطل الدفع الأول، والثاني: وهو الصحيح لا يسترجع لأن الاعتبار [82 ب/4] بآخر الحول. فرع آخر لو عجل إلى غني على أنه إن افتقر عند الحول كان عن زكاته وإلا استرجعها منه لا يجوز ذلك، لأن الزكاة إنما رخص في تعجيلها رفقًا بالفقراء، ولا فرق في تعجيلها للغني وإنما هو عبث ولهو فلم يسقط به الفرض، فإن قيل: إذا كان الاعتبار بآخر الحول يجب أن يجوز هاهنا كما قلتم: إذا أوصى لوارثه ثم صار غير وارث تصح الوصية لأن الاعتبار في الوصية بحالة الموت، قلنا: بالوصية يقصد الرفق بعد الموت لأنه حالة زوال ملكه عنه وها هنا القصد من التعجيل الرفق بالفقراء حال إخراجه وتعجيله، فإذا كان غنيًا فلا رفق فيه فلا يجوز. مسألة: قال (¬2): ولو عَجَّلُ زكاةَ مائَتَي دِرْهَمٍ قَبْلَ الحَوْلِ ثمَّ هَلَكَ مالهُ قَبْلَ الحَوْلِ ثمَّ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ المُعطي لمْ يَكُنْ لهُ الرُّجوعُ بهِ. وهذا كما قال: إذا تولى رب المال تعجيل زكاته إلى الفقير قبل تمام الحول ثم تغير حاله فإن كان شرط أن عجلها رجع عليه بها، وإن لم يكن شرط تعجيلها لم يكن له أن ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 123). (¬2) انظر الأم (1/ 214).

يسترجعها، لأنه متهم في قوله: إني كنت عجلتها ويجوز أن يكون قد أدى واجبًا عليه أو تطوع به ويفارق الإمام، فإن له أن يسترجع، وإن لم يقل ذلك لأنه وليهم ثابت الولاية عليهم ولا يتهم في بابهم، فإن قيل: [83 أ/4] أليس إذا دفع إلى رجل مالًا ثم اختلفا؟ فقال الدافع أقرضتك وعليك مثله، وقال المدفوع إليه: وهبته فالقول قول الدافع فقولوا مثله ها هنا قلنا: الفرق أن قوله هذه زكاتي وصدقتي الظاهر منه زكاة الدافع فقولوا مثله ها هنا قلنا: الفرق أن قوله هذه زكاتي وصدقتي الظاهر منه زكاة واجبة في الحال أو صدقة واجبة أو صدقة تطوع، فإنما ادعى أنه عجلها لم يقبل وليس كذلك إذا دفع إليه مالًا وقال: تصرف فيه فإنه لا ظاهر يدل على أنه هبة فرجعنا إلى قول الدافع في ذلك ولا يعتبر أن يشترط الرجوع بل يكفي أن يذكر التعجيل، لأن حكم التعجيل الرجوع عند تلف ماله، ولو لم يذكر التعجيل ولكن صدقه الفقير أنه كان تعجيلًا فله الاسترجاع أيضًا، فإن لم يصدقه وقال: لا أعلم ذلك فالقول قوله إن كان حيًّا وقول وارثه إن كان ميتًا وهل عليه اليمين أنها واجبة عليه فهو مكذب لنفسه فيه الآن فلا يجب عرض اليمين لأجل. والثاني: وبه قال أبو يحي البلخي: يلزمه اليمين لأن الدعوى محتملة وما في يده مدع فافتقر دفع الدعوى إلى يمين فعلى هذا يحلف هو أو رارثه على نفي العلم ولو اختلفا في الشرط فقال رب المال: شرطتُ التعجيل فلي الرجوع [83 ب/4] فأنكر الفقير الشرط فيه وجهان، إحداهما: القول قول رب المال مع يمينه وله الرجوع لأنه على أصل ملكه لم يقر بما يزيله عنه والمدفوع إليه هو مقر له بالملك مدع لما يزيله، والثاني: القول قول الفقير مع يمينه على البت وجهًا واحدًا: لأنه ملك الأخذ وادعى عليه الاستحقاق فكان على أصل تملكه ما لم يُقم بينة، ومن أصحابنا من أهل خراسان من ذكر فيه طريقة أخرى فقال: نص في "الأم" أنه يسترجع ونص في رب المال أنه لا يسترجع، وعلق القول فيه في حرملة ولم يفصل بين الإمام ورب المال ففيه ثلاث طرق، إحداها: كلتا المسألتين على قولين، والثانية: الفرق على ما ذكرنا، والثالثة هما على حالين فحيث قال في "الأم": يسترجع هو إذا أعلم المسكين أنها صدقة مفروضة وهذا الحكم لو أعلم رب المال وحيث قال: ليس لرب المال الاسترجاع أراد إذا لم يعلمه ذلك وهكذا الإمام قال هذا القائل وهذه الطريقة هي أصح والأمر عندي على ما تقدم، ذكره وهذا كله غير صحيح. فرع لو عجل خمسة دراهم عن مائتي درهم فلما قرب الحول أتلف درهمًا منها لم تلزمه الزكاة، وهل له أن يسترجع ما عجله فإن لم يكن شرط التعجيل لم يكن له استرجاعه [84 أ/4] وإن كان شرط الاسترجاع فقد خرّج أبو سعيد الإصطخري فيه وجهين، إحداهما: له أن يسترجع كما لو تلف بنفسه لأن الزكاة سقطت عنه في الحالتين، والثاني: ليس له ذلك لأنه متهم في إتلاف درهم لاسترجاع خمسة.

مسألة: قال (¬1): ولو ماتَ المُعطي قَبْلَ الحَوُلِ وفي يَدِ رَبِّ المالِ مائتا دِرهمٍ إلاَّ خَمْسَةَ دَرَاهمٍ فلاَ زَكَاةَ عليه. وهذا كمًا قال: إذا عجل زكاة ماله فمات المعطي قبل الحول فإن لم يكن اشترط أنه زكاة ماله عجلها لم يكن له أن يسترجعها عي ما ذكرنا، ورجع إلى ما بقي من ماله فإن كان نصابًا زكى، وإن كان دونه فلا زكاة عليه. قال الشافعي (¬2): وما أعطى كما يصدق به أو أنفقه في هذا المعنى يعني كما لا يسترد في حياته لأنه تطوع به، فكذلك بعد وفاته، وإن كان قد شرط أن زكاة ماله عجلها قبل وجوبها استرجعها فإن كان أقل من النصاب وقد تمَّ بهذا الذي استرجع النصاب قال أصحابنا: هل يستأنف الحول؟ وجهان: إحداهما: لا يستأنف لأن الزكاة المعجلة في الحكم كأنها عى ملكه بدليل جوازها عن فرضه في آخر الحول ولأن حكم الحول ثابت بحاله كما كان لم ينقطع بتعجيلها فكيف يجوز أن يقال يستأنف الحول. والثاني: إن كان المال دراهم أو دنانير لا يستأنف [84 ب/4] الحول، وإن كان حيوانًا يستأنف لأن الحيوان الذي عجله يصير بمنزلة ما في الذمة ولا زكاة في الحيوان الذي في الذمة بخلاف النقد وهذا غلط، لأنه لا فرق على ما ذكرنا أن حكم الحول جاز عليها، ومن أصحابنا من قال: إن كان ما استرجعه دراهم عن دراهم فعليه الزكاة سواًء استرجع عين ماله أو مثله لأن التعجيل لما لم يحز صار فرضًا في ذمة الفقير والقرض ومن يجب ضمه إلى المال الناقض ويزكيان، وإن كان ما استرجعه ماشية عن ماشية فإن استرجع مثله أو قيمته فلا زكاة ويستأنف الحول، لأن البدل المأخوذ عن التعجيل هو كالبدل المأخوذ عن المبيع ولو كان باع منها شاة بشاة استأنف الحول، وإن استرجع ما عجله في وجوب الزكاة وجهان: إحداهما: يجب لأن ما عجله مضموم إلى ما بيده على ما ذكرناه. والثاني: يستأنف الحول لأن ما عجله، إما أن يكون زكاة لا ترتجع أو قرضًا يرتجع فلما بطل كونه زكاة ثبت كونه قرضًا، ومن أقرض حيوانًا لم يلزمه زكّى به بخلاف من أقرض الدراهم وهذا لأن زكاة الماشية لا تجب إلا بالسوم والسوم لا يتصور فيما في الذمة والأول أصح. مسألة: قال (¬3): ولو كانَ لرجلٍ مالٌ لا تَجِبُ في مِثِلهِ الزَّكاة. الفصل وهذا كما قال: [85 أ/4] إذا أخرج خمسة دراهم ولا نصاب عنده فقال: إن ملكت مائتي درهم فهذه زكاتها لم يجز لأن الزكاة تتعلق بالحول والنصاب وقدمها في السببين ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 214). (¬2) انظر الأم (1/ 214). (¬3) انظر الأم (1/ 214).

فلا يجوز كما لو قدم الكفارة على اليمين والحنث لا يجوز. فرع لو شك هل استفاد مالًا من أنبيه الغائب بموته فأخرج خمسة دراهم فقال: إن كان مائتي درهم حصلت في ملكي عنه فهذه زكاته لم يجز لأنه شاك في حصول السبب فنيته لا تصح، بخلاف ما لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، فإنه يجوز لأن الأصل بقاء المال، وفي المسألة الأولى الأصل العدم. فرع آخر لو عجل زكاة ماله ثم مات قبل الحول قال في القديم: تبنى الوراثة حولهم على حول الميت لأنهم يردون المال بما تتعلق به الحقوق كما يرثون التبعض بما تتعلق به من حقوق الشفعة وغيرها، وقال في الجديد: وهو الصحيح يستأنفون الحول لأنه يجدد ملكهم كما لو ملك بسائر وجوه الملك، فإذا قلنا: بالأول يجزي ما أخرجه عن زكاتهم، وإن قلنا بالثاني فهل يجزي ما أخرجه الميت عن زكاتهم، قال في "الأم": وبه قال أصحابنا: يجزيهم لأنهم لما قاموا مقامه في قضاء دينه واقتضائه قاموا مقامه في تعجيل زكاته ومن أصحابنا: يجزيه لأنهم لما قاموا مقامه في قضاء دينه واقتضائه قاموا مقامه في تعجيل زكاته ومن أصحابنا من [85 ب/4] قال: لا يجزيهم لأنهم لما استأنفوا الحول يصير تعجيلًا قبل وجود النصاب والحول، ثم على المذهب إن كان نصيب كل واحد منهم نصابًا أجزاهم ولا كلام، وإن كان نصيب كل واحد منهم أقل من النصاب فإن اقتسموا قبل الحول سقطت الزكاة عنهم ونظر فيما عجله المورث، فإن كان قد شرط أنه زكاة عجلها قبل الوجوب كان لهم الاسترجاع، وإن لم يشرط ذلك لم يكن لهم الاسترجاع وهذا حكم الاسترجاع، إذا قلنا: لا يجوز ما أدى عن الوارث وإن لم يقتسموا مال الميت حتى تم الحول فإن كان حيوانًا يثبت فيه حكم الخلطة قولًا واحدًا والزكاة واجبة عليهم فيه، وإن كان غير الحيوان ففي ثبوت حكم الخلطة قولان، فإذا قلنا: لا يثبت سقطت الزكاة وحكم الاسترجاع على ما ذكرنا، وإن قلنا: يثبت فما عجله الميت يجزي عنهم. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: لو كان عنده خمس وعشرون من الإبل ولم يكن عنده بنت مخاض فجوز له إخراج ابن لبون فمات قبل إخراجه فأراد الوارث ابن لبون وعنده بنت مخاض جاز له ذلك، لأنَّ الزكاة وجبت على المورث وهو نائب عنه في الإخراج فلم يعتبر حال الوكيل [86 أ/4] بخلاف ما لو حال الحول بعد موته. فرع آخر ذكر والدي رحمه الله: لو عجل زكاة خمس وعشرين فأخرج ابن لبون لأنه لم يكن في ملكه ابنة مخاض ثم استفادها قبل تمام الحول جاز ذلك ولا يلزمه دفع بنت مخاض، ولا استرجاع ابن لبون لأن الاعتبار بوقت الإخراج بدليل أنه لو حدث عيب

باب النية في إخراج الصدقة

يمنع الجواز ابتداء في ابن لبون الذي أخذه المسكين قبل الحول جاز، وإن لم يجز دفع المعيب ابتدأ عن الزكاة، قال ويحتمل وجهًا آخر: عليه إخراج ابنة مخاض والأولى أولى، وقال القاضي الإمام الحسين: الأصح الوجه الثاني، لأن الإبدال لا يصار إليها قبل وجوب المبدل كالتيمم لا يجوز قبل دخول الوقت. مسألة: قال (¬1): ولو عَجَّل شاتَيْن مِنْ مائَتَيْ شاةٍ فحَالَ الحَوْلُ وقد زَادَتْ شاهٌ أَخَذَ مِنها شاةً ثالثةً. وهذا كما قال جملة هذا الفصل أنه إذا وجد سبب وجوب الزكاة فأخرجها معجلا فلا اعتبار في قدر ما يجب عليه من الزكاة بوقت الاحتساب والمعجل في هذا الاعتبار هو في حكم القائم في ملكه المضموم إلى ما له فإذا عجل شاتين من مائتي شاة فحال الحول وقد زادت شاة أخذت منها شاة ثلاثة، لأن الشاتين المعجلتين كالقائمتين في ملكه بدليل احتسابهما عن [86 ب/4] الفرض وقت الحول وإذا كان كذلك فيكون له عند الحول مائتا شاة وشاة ففيها ثلاث شياه وقد عجل شاتين فعليه شاة ثالثة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تقديمه الشاتين يسقط عنه وجوب الشاة الثالثة لأنه ليست في يده وقت الحول إلا مائة وتسع وتسعون شاة وفيها شاتان، وقد عجلهما فرد عليه الشافعي فقال: لا يسقط تقديمه الشاتين الحق عليه في الشاة الثالثة لأن الحق إنما يجب بعد الحول ويحتسب له ذلك المعجل عن الواجب عليه بعد الحول فدل أن ذلك المعجل كالقائم في ملكه وقت الحول، وإن كان تالفًا مشاهدة فيجعل كالقائم في وجوب الثالثة حكمًا أيضًا، ثم استشهد بالعكس فقال: كما لو أخذ منها يعني من المائتين قبل الحول شاتين فجاء الحول وليست فيها إلا شاة فإن تلفت منها مائة ردت عليه شاة اعتبارًا بوقت الاحتساب لا بوقت التعجيل، وإنما لم يعجله في هذه المسألة متطوعًا بما عجل من الشاة الثانية لأنه صور المسألة في الإمام دفع إليه الشاتين، والإمام في الظاهر لا يأخذ إلا الفرض، ولا يدفع إليه إلا الفرض، فلهذا كان له استرداد إحدى الشاتين عند تلف نصف ماله وأيضًا لو قلنا: لا يلزمه شاة أدى إلى الضرر [87 أ/4] بالمساكين وقد جوز التعجيل رفقًا لهم فيستحيل أن يكون مؤديًا إلى هذا الضرر. باب النية في إخراج الصدقة مسألة: قال (¬2): وإذا وَلي الرَّجلُ إخراجَ زَكاتِهِ لم يُجْزِهِ إلاَّ بنِيَّةِ أنَّهُ فَرَضٌ. وهذا كما قال الزكاة تفتقر إلى النية كسائر العبادات إلا أنه تجري النيابة في نيتها كما تجري في إخراجها، وقال الأوزاعي: لا تفتقر الزكاة إلى النية أصلًا كالدين وهذا غلط، لأنها عبادة تسوغ نقلًا وفرضًا كالصلاة فإذا تقرر هذا فالكلام في ثلاثة فصول فيمن ينوي وفي وقت النية وكيفية النية، فأما الناوي فإن كان يخرجها رب المال نوى، وإن كان يخرجها ولي المحجور عليه لصغر أو جنون نوى وليه، وإن كان الوالي ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 214). (¬2) انظر الأم (1/ 215).

يخرجها نوى الوالي، وأما وقت النية فالعبادات على أربعة أضرب، منها: ما لا يجوز تقديم النية عليه ومن شرطه، إن تقارن النية أوله كالصلاة والطهارة والحج والعمرة، ومنها: ما يجوز تقديمها على أوله ولا يجوز تأخيرها عن أوله وهو صيام الفرض، ومنها: ما يجوز تقديمها وتأخيرها عنه وهو صيام التطوع، ومنها: ما اختلف القول فيه وهو الكفارة والزكاة فقد قال في كتاب الأيمان: ولا تجزيه [87 ب/4] كفارة حتى يقدم قبلها النية أو معها ولا فرق فيها بين الكفارة والزكاة، فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إن قدم النية عليها واستصحبها إلى وقت إخراجها يجوز، وإن غربت عنه لا يجوز وأراد الشافعي بما قال في الكفارة: أن ينوي قبلها ويستصحبها قال القاضي الطبري: وهذا أشبه بمذهب الشافعي في "الأم"، لأنه لا يتعذر عليه أن ينوي عند ابتدائها فيلزم، ومن أصحابنا من قال: يجوز فيهما كما نص عليه في الكفارة، لأنه يدخلهما النيابة فلو قلنا: لا يجوز تقديم النية لما جاز أن يوكل في إخراجهما لأنه إذا وكل كانت نيته متقدمة عليها، والاعتبار بنية الموكل دون الوكيل وهذا أصح عندي واختاره مشايخ خراسان، وكما يمكنه أن ينوي في ابتدائهما يمكنه أن لا يوكل في أدائهما حتى لا تقدم النية أو تعتبر نية الوكيل عند ابتدائهما، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا: أنه يعتبر نية الوكيل عند الدفع لتقارن النية إخراج الزكاة ذكره القاضي الطبري وهو ضعيف عندي، فإن قيل في الحج: تدخل النيابة أيضًا ثم لا يجوز تقديم النية عليه، قلنا: هناك نية النائب شرط فلا يعرى أوله عن النية ونية الوكيل في الزكاة ليست بشرط وربما لا يعرف الوكيل [88 أ/4] أنها زكاة، ولا تصح منه النية بأن يكون كافرًا بخلاف الحج فدل على الفرق، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر: أنه لا يجوز أن يوكل كافرًا في أداء الزكاة ويجوز أن يوكل صبيًا لأنَّ نيته صحيحة، وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز لأنه غير مكلف كالمجنون حكاه والدي رحمه الله وهو ضعيف. وأما كيفية النية فهي: أن ينوي نية يتميز المخرج عن النافلة مثل أن ينوي أنه زكاة ماله أو فرض تعلق بماله فإنه نية الزكاة في الحقيقة نص عليه في "الأم"، ولو قال: هذه زكاتي مطلقًا قال أصحابنا: يجوز وذكر بعض أهل خراسان: أنه لا يجوز، والأول أصح، لأن هذه عبارة عن الفريضة، ولو قال: فرضي ظاهر ما نص عليه الشافعي أنه يجوز وليس على ظاهره بإجماع أصحابنا، ومعنى النص إذا قال: صدقة مالي فريضة ولو نوى بقلبه ولم يتلفظ بلسانه لا شك أنه يجوز ولو تلفظ بلسانه ولم ينو بقلبه قال في "الأم" (¬1): سواء نوى في نفسه أو تكلم بأن ما أعطى فرضي فأقام الكلام مقام النية كما أقام أخذ الإمام مقام النية وعلل في "الأم" فقال: وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة لافتراق الصلاة والزكاة في بعض حالهما إذ يجوز الزكاة قبل وقتها ويجوز أن يأخذها [88 ب/4] الوالي من غير طيب نفسه فتجزي عنه وهذا لا يجوز في ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 19).

الصلاة، وهذا اختيار القفال وجماعة أصحابنا، واستدلوا بأن إخراج الزكاة يجوز في حال الردة والمرتد ليس من أهل نية القوية فدل أنه يكفي القول فيه، وقال بعض أصحابنا: وهو اختيار صاحب "التقريب" يحتاج أن ينوي بقلبه وأولوا النص بأنه أراد بقول هذا مع النية بالقلب لأن محل النية في جميع العبادات القلب وهذا التأويل خطأ لما ذكر من صريح العلة. فرع لو تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة لم يحزه عن الزكاة، وقال أصحاب أبي حنيفة: يجزيه استحسانًا وهذا لا يصح لأنه لم ينو الفرض كما لو صلى مائة ركعة بنية التطوع لا يجزيه عن الفرض ولو تصدق ببعضه قال محمد: أجزأه عن زكاة ذلك البعض، وقال أبو يوسف: لا يجزيه لأنه لم يزل ملكه عن جميعه. مسألة: قال (¬1): ولا يُجْزِئهُ ذَهَبٌ عن وَرِقٍ. الفصل وهذا كما قال: إذا أخرج غير ما وجب عليه باعتبار القيمة لا يجوز سواًء أخرج الدراهم عن الدنانير أو الدنانير عن الدراهم، أو ما لا إخراج عنهما بالقيمة، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يخرج بقيمته كل مال، وقال مالك: يجوز الذهب عن الورق والورق عن الذهب [89 أ/4] ولا يجوز غير ذلك من الأموال وبه قال أحمد في رواية وهذا غلط، لما قال الشافعي، لأنه غير ما وجب عليه فلا يجوز كما لو أخرج السكني لا يجوز. مسألة: قال (¬2): ولو أَخَرَجَ عشرةَ دراهمٍ فقالَ: إنْ كان مالي الغائبُ سَالمًا فهذه من زكاتُهُ أو نافِلةٌ. الفصل وهذا كما قال: إذا كان له مال غائب زكاته عشرة دراهم فأخرج العشرة إلى أهل السهمان، وقال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته أو نافلة فكان ماله سالمًا لم يجزه ذلك عن زكاته وكانت الزيادة باقية عليه لأنه جعل النية مشتركة بين النفل والفرض، ولو رتب النية فقال: إن كان مال الغائب سالمًا فزكاته، وإن كان تالفًا فنافلة، صحت النية فإن كان سالمًا كان عن فرضه، وإن كان تالفًا كان نافلة، قال الشافعي (¬3): لإن أعطاه عن الغائب هكذا وإن لم نقله يعني لو قطع في نيته بأن هذا عن مالي الغائب لا يكون إلا هكذا فيكون عنه إن كان سالمًا وإلا فيكون نافلة، فإذا لم يقطع بنية يجوز أيضًا فإن قيل: أليس نقل الصدقة لا يجوز عندكم في أحد القولين، ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 215). (¬2) انظر الأم (1/ 215). (¬3) انظر الأم (1/ 216).

وجوزتم هاهنا نقل الصدقة عن بلد المال، قيل: الشافعي ذكر هذا على القول الذي جوّز نقل الصدقة أو إذا كانت [89 ب/4] المسافة قريبة أو لم يكن في بلده أهل السهمان. فرع لو قال: إن كان مالي الغائب سالمًا فهذه زكاته، وإن لم يكن سالمًا فهذه زكاة مالي الحاضر يجوز لأنه قطع نية الفرض وإنما رتب المال فلم يمنع ذلك جوازها، ولو قال: هذه زكاة مالي الغائب إن كان سالمًا ولم يزد عليه فكان ماله تالفًا فأراد أن يصرفها إلى الحاضر لم يجز، لأنه عينها في مال بعينه فلا يجوز أن يصرفها إلى غيره، وقال في "الشامل": يحتمل أن يجوز لأنها لم تصر زكاة بعد. فرع آخر لو أخرج خمسة ونوى بكلها الزكاة والتطوع لم يجزه عن الزكاة وكانت تطوعًا وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: يجزيه عن الزكاة وهذا غلط، لأنه يشرك بين النفل والفرض. فرع لو لم يعلم أن ماله الغائب ذهب أو ورق أو ماشية فأخرج خمسة دراهم أو نصف دينار أو شاة على الظن لم يجز، وإن أخرج جميع ذلك ونوى به الزكاة جاز، وإن لم يعين. فرع آخر لو كانت له مائتا درهم وعرض للتجارة بمائتي درهم فأخرج خمسة ونوى فرض الزكاة ولم يعين إحدى المائتين يجوز، وكذلك لو قال: هي عن الدراهم فإن كانت تالفة فعن الفرض فإنه يجوز، وإن قال هي عن [90 أ/4] إحداهما ثم عين بعد ذلك بقلبه أو لم يعين يجوز وهذا لأنه لا يحتاج إلى تعيين النية كالكفارة سواء. مسألة: قال (¬1): ولو أخرَجَها وهيَ خمسةُ دراهم لتقسيمها فهَلَكَ مالُهُ - يعني المخرج منه قبل إمكان الأداء - كانَ لهُ حبسُ الدَّراهم. وهذا على القول الذي يقول إمكان الأداء هو من شرائط الوجوب وقد تقدمت هذه المسألة، وكذلك ما ذكر بعد هذه المسألة إذا تلفت هذه الخمسة بقي أصل المال ولو أخرجها إلى الوالي ثم بان له أن المال كان هالكًا ليس له الرجوع إلا أن يكون باقيًا عنده لم يصرفها إلى أهل السهمان فيستردها منه أو يصرفها في زكاة مال سواه. مسألة: قال (¬2): وإذا أخذَ الوالي منْ رجلٍ زكاةَ بلا نيةٍ في دفعها إليه أجزأت عنه. وهذا كما قال: إذا أراد إخراج الزكاة فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يليها بنفسه أو يدفعها إلى وكيله أو إلى الساعي فإن وليها بنفسه فقد ذكرنا النية، وإن دفعها إلى وكيلة فإن نويا معًا رب المال عند الدفع والوكيل عند الإيصال أجزأه، وإن لم ينو واحد منهما لم يجز، وإن نوى الوكيل دون الموكل لم يجز، وإن نوى الموكل دون ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 216). (¬2) انظر الأم (1/ 216).

الوكيل ففيه طريقان، قيل: قوله واحد يجوز وقيل: هو بناء على [90 ب/4] ما ذكرنا من جواز تقديم النية على الدفع فإن قلنا: لا يجوز ذلك لا يجوز هاهنا، وإن دفعها إلى الوالي فإن نويا معًا أو نوى رب المال دون الوالي أجزأه قولًا واحدًا، لأن يد الإمام يد المساكين فإنه يسقط فرضه بالدفع إليه، ولو دفع الزكاة إلى المساكين ولم ينو المساكين جاز فكذلك إذا لم ينو الإمام وإن نوى الوالي دون رب المال المذهب أنه يجوز، لأنه لا يدفع إليه إلا الفرض فاكتفي بالظاهر عن النية، ومن أصحابنا من قال: وهو الأقيس لا يجوز لأن الإمام كالوكيل في أنه نائب الفقراء، وتأؤل هذا القائل نص الشافعي على أن من امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام منه قهرًا فإنها تجزيه لأنه تعذرت النية من جهته فقامت نية الإمام مقام نيته، ومن أصحابنا من قال: في الحكم يجوز وفي الباطن لا يجوز وهو ضعيف، وإن لم ينو الإمام ولا رب المال نص في "الأم": أنه يجوز لأنه قال: وإذا أخذ الوالي من رجل زكاة بلا نية من الرجل في دفعها إليه طائعًا كان الرجل أو مكرهًا ولا نية للوالي الأخذ في أخذها من صاحب الزكاة أو له نية تجوز وهذا لأن أخذ الإمام أو دفعه إلى الإمام الظاهر منه أنه [91 أ/4] فرضه لأنه لا يأخذ إلا الواجب ولا يدفع إليه إلا الصدقة الواجبة فقام ذلك مقام النية بخلاف ما إذا وكل ولم ينو لا الوكيل ولا الموكل لا يجوز لأنه ليس في دفعه إلى الوكيل ظاهر يدل على أنه فرضه، فلابد من نية الموكل وهذا النص يمنع التأويل السابق، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هاهنا لأنه نفذت النية المشروطة في الأداء، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا أخذ بالإكراه لا يجوز فيما بينه وبين الله تعالى وهل يجوز في الحكم وجهان، وهذا خلاف النص، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الإمام الزكاة من الممتنع بل يحبسه حتى يؤدي، قال الشافعي (¬1): كما ينوب عنه في القسم ينوب عنه في النية. مسألة: قال (¬2): وأُحِبُّ أنْ يَتَوَلَّى الرَّجلُ قسمَتَهَا عنْ نَفْسِهِ. الفصل وهذا كما قال: هذه المسألة تنبني على أصل وهو أن المال ضربان، باطن وظاهر، وإن شئت قلت: صامت وناطق فالباطن يجوز أن يقسم زكاته بنفسه، وأما الظاهر فهل له أن يقسم زكاته بنفسه؟ فيه قولان، قال في القديم: ليس له ويجب دفعه إلى الإمام فإن فرقها بنفسه ضمن لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال في الجديد: له ذلك وبه قال الحسن [91 ب/4] والنخعي ومكحول: لأنها زكاة واجبة كزكاة أمواله الباطنة، فإذا قلنا بقوله القديم لا يقال في هذا أفضل ولا غير أفضل، لأنه لا يجوز إلا وجهًا واحدًا، فإذا قلنا بقوله الجديد: هل للإمام المطالبة؟ منهم من قال: لا يطالب إذا علم أنهم يؤدونها بأنفسهم كما لو علم أنهم يصلون لا يطالبهم بها، ومنهم من قال: له المطالبة إذا أدى اجتهاده إليه لا على ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 19). (¬2) انظر الأم (1/ 216).

وجه الولاية بل جهة النيابة عن المستحقين وحثا عن الخروج عن حقوقهم لأنهم من أهل الرشد ولا تثبت عليهم الولاية وهل الأفضل أن يفرقها بتقسط أم يدفعها إلى غيره ليفرقها عنه؟ ينظر فإن كان ذلك الغير وكيلًا فالأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه على يقين من فعل نفسه وهو في شك من فعل غيره ومعناه أن فعل الدفع إلى من هو مستحق لها في الظاهر يقين، فأما أن تكون وقعت موقعًا يقينًا فلا لأنه يعمل فيها بغالب الظن في الظاهر وزاد الشافعي في قسم الصدقات فقال: يجوز لأنه المحاسب بها والمسئول عنها، وإن كان الغير هو الإمام لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون عادلًا أو جائرًا فإن كان عادلًا، فالمذهب إن دفعها إليه أفضل لأن ذمته تبرأ [92 أ/4] بذلك عن الزكاة قطعًا والإمام أبعد من الخطأ في قسمها وأعرف بحال المستحقين وأراد الشافعي بما ذكر هاهنا إذا أراد الدفع إلى الوكيل أو أراد أن يتولى الدفع إلى الإمام بنفسه ولا يكله إلى غيره، ومن أصحابنا من قال: الأفضل تفريقها بنفسه أيضًا كما نص عليه هاهنا ليكون له إجراء التفريق والتكلف، كذلك بنفسه وهذا ليس بشيء لأنه علل فقال: لأنه على يقين من أدائها وهذا في الدفع إلى الإمام موجود وزيادة على ما ذكرنا، وإنما يقع الشك في الدفع إلى الوكيل، ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي هاهنا زكاة أمواله الباطنة فأما زكاة أمواله الظاهرة فالأفضل دفعها إلى الإمام، لأن الشافعي قال في آخر قسم الصدقات: ويعطي الولاة زكاة الأموال الظاهرة الثمر والزرع والمعدن والماشية، فإن أعطاهم زكاة التجارة والفطر والركاب أجزأتهم إن شاء الله. وإن كان الإمام جائرًا فاسقًا. قال صاحب "الإفصاح": فيه وجهان، إحداهما الأفضل أن يفرقها بنفسه لأنه ليس بموضع الأمانة لما ظهرت منه الجناية، والثاني: يدفعها إليه أيضًا وليس عليه من إثمها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم [92 ب/4] قال: "سيكون بعدي أمورًا تنكرونها فقالوا: يا رسول الله فما تأمرنا قال: أدوا حقهم وسلوا الله حقكم" (¬1) وقال في "الحاوي" (¬2): للإمام أربعة أحوال، أحدها: أن يكون عادلًا في الزكاة وفي غيرها، فالأفضل دفعها إليه، والحالة الثانية: أن يكون عادلًا في الزكاة جائرًا في غيرها فيه وجهان، إحداهما: دفعها إليه أولى أيضًا لأنه روى عن سهل بن صالح عن أبيه أنه قال: سألت سعيد بن مالك وقلت: عندي مال مجتمع يعني من مال الصدقة وهؤلاء القوم كما ترى فما أصنع به؟ قال: ادفعه إليهم، قال: وسألت أبا سعيد الخدري فقال مثل ذلك، وسألت أبا هريرة فقال مثل ذلك، وسألت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، والثاني: يفرقها بنفسه أولى، وإن كان جائرًا في الزكاة وغيرها أو جائرًا في الزكاة عادلًا في غيرها لا يجوز دفعها إليه وتفريقها بنفسه فإن دفعها إليه لم يجز، لأنه لم يصل إلى المستحق وهذا حسن. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (4/ 241)، وأحمد (1/ 384)، والبيهقي في "الكبرى" (16615). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 186).

باب ما يسقط الصدقة عن الماشية

فرع إذا قلنا بقوله القديم: فلم يبعث الإمام الساعي أو لم يقدر على الإمام يجب على رب المال أن يفرقها بنفسه وهو المذهب، لأنه حق الفقراء والإمام نائبهم [93 أ/4] فإذا ترك النائب قبض الحق لا يجوز أن يترك أداءه، ومن أصحابنا من قال: أنه يتوقف حتى يطالبه الإمام لأنه مال حق القبض فيه إلى الإمام فإذا لم يطلبه الإمام لم يفرق هو كالخراج. فرع إذا علم الإمام أنه لا يؤدي الزكاة فقاتل فقتل إنما يقاتل لأن الزكوات كلها كانت تحمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن عثمان فرض إلى أرباب الأموال باجتهاده فإذا ظهر منهم التقصير كانت له المطالبة، وقيل: لأن الزكاة حق الله تعالى وهو نائب الله تعالى ويتفرع على هذا أنه لو كان عليه كفارة أو منذور فامتنع من الأداء هل يطالبه الإمام وجهان مبنيان على هاتين العلتين. باب ما يسقط الصدقة عن الماشية قال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: "في سائمةِ الغنمِ زَكَاةٌ" (¬1). وهذا كما قال: السائمة هي الراعية وسميت سائمة لأنها تسوم أي: ترعى فكل ماشية يجب الزكاة فيها لا تجب إلا إذا كانت سائمة للذر والنسل فإن كانت للعمل كالنواضح ونقل المتاع من بلد إلى بلد فلا زكاة فيها، كما يجب في السائمة، وقال داود في معلوفة الغنم لا يلزم الزكاة، وفي معلوفة الإبل والبقر يجب الزكاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم [93 ب/4] خص الغنم وهذا غلط، لما ذكر الشافعي من الخبر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في سائمة الغنم زكاة" فدل على أنه لا زكاة في غير السائمة وهذا استدلال منه بمفهوم الخطاب واحتج بالأثر فقال: روي عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه ليس في البقر والإبل العوامل صدقة" (¬2)، ومن أصحابنا بخراسان من قال: أراد به إذا كانت العوامل معلوفة فإن كانت سائمة يلزم فيها الزكاة لأن منفعتها أكثر فكانت أولى بوجوب الزكاة فيها وهذا خلاف ظاهر نص الشافعي، لأنه قال: فإن كانت معلوفة أو مستعملة فلا زكاة فيها، فأفردهما وهو قول أهل العراق أجمع ودليل ذلك أن نماء الرعي للذر والنسل لا يتم إذا كانت مستعملة، وإن لم تكن معلوفة فلا زكاة ثم أن المزني فصل بهذا الأثر قوله: حتى تكون سائمة فوهم أنه ن جملة الأثر وليس كذلك بل هو من كلام الشافعي وهو أنه ذكر هذا الأثر في البقر والإبل عطف عليه فقال: وكذلك الغنم لا صدقة فيها حتى تكون سائمة فأخل المزني بالاختصار كما بيناه، ثم بين ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (3/ 372)، وأبو داود (2/ 97). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 103) عن ابن عباس.

الشافعي النكتة المفرقة بين السائمة والمعلوفة فقال (¬1): والسائمة الراعية [94 أ/4] وذلك أن يجتمع فيها أمران إن لا يكون لها مؤنة في العلف ويكون لها نماء الرعي فتجتمع قلة المؤنة وكثرة النما لأنهما سببًا وجوب الزكاة التي هي مواساة، وإذا علفت فالعلف مؤنة يحيط بفضلها، وقال في "المختصر الكبير": يحيط بكلها أو بعضها أي: العلف ربما يحيط بجميع نمائها وربما يحيط ببعض نمائها فيخرج به عن احتمال المواساة ثم رجح ذلك بقوله، وقد كانت النواضح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفائه فلم أعلم أحدًا روى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ منها صدقة ولا أحذًا من خلفائه ثم في آخر الباب رجع إلى الرد على مالك أيضًا فقال: من مذهب مالك أنه لا زكاة في الذهب والورق إذا كانت مصوغة عن جهة النماء مع قوله صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر (¬2)، فجاز أن لا يلزم الزكاة في المعلوفة مع قوله صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة، وفي خمس من الإبل شاة (¬3). إذ لا فرق بينهما، وأما قول داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الإبل السائمة: "في كل أربعين بنت لبون" (¬4). مسألة: قال (¬5): وإن كانتِ العَوَامِلُ تَرعَى مُدَّةً وتَترُك أُخرى. الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن في [94 ب/4] العلف الذي يسقط به حكم السوم وينقطع به حكم الحول اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: إذا علف اليوم واليومين لا يسقط الزكاة فاعتبر العلف في مدة لو لم يعلف فيها لتلفت وذلك ثلاثة أيام فأكثر، ومن أصحابنا من قال: قليل الزمان وكثيره فيه سواء قصد المالك أو علفه الغير ليلة من غير علمه لظاهر قول الشافعي، وهذا لأن السوم شرط في وجوب الزكاة فإذا عدم في قليل المدة أو كثيرها سقط حكم الحول كالنصاب والأول هو المذهب الصحيح، ومن أصحابنا من قال: إذا علفها دفعنة ونوى القطع انقطع الحول نص عليه في الأم، وقد قال: في موضع آخر: لا زكاة حتى يسميها دهرها وهذا لأن النية قارنت الفعل المسقط للزكاة فسقطت، وإن قل الفعل ذكره القاضي أبو علي البندنيجي وهذا غريب، ومن أصحابنا بخراسان من قال: ينظر إلى أكثر الحول فإن علف في أكثر الحول سقطت وإلا فلا، وهذا ليس بشيء ويحكى هذا عن أبي حنيفة. فرع لو كان الرعي يكفيها ولكنه يعلفها أيضًا لا يتغير حكمها به، وإن كان الرعي لا ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 217). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7518). (¬3) أخرجه البخاري (1454)، وأبو داود (2/ 98)، والدارقطني (2/ 16)، والحاكم (1/ 393). (¬4) أخرجه أحمد (5/ 2، 4)، والنسائي (5/ 15)، وابن خزيمة (2266)، والحاكم (4/ 389)، والبيهقي في "الكبرى" (7390). (¬5) انظر الأم (1/ 218).

باب المبادلة بالمشاشية

يكفيها يتغير حكمها بالعلف، وقد ذكر القفال: أنه لو كان يسرحها كل يوم وأراد ردها بالليل إلى المراح فألقي إليها [95 أ/4] شيئًا من العلف لا ينقطع الحول وأراد به ما ذكرت ثم اعلم أن بعض أصحابنا قال: معنى لفظ المختصر وإن كانت العوامل ترعى مرة وتترك أخرى عن الرعي فتعلف وهذا خطأ، بل معناه وتترك أخرى عن الرعي فتستعمل، وإن لم يعلف بدليل أنه عطف عليه قوله أو كانت غنمًا تعلف في حين وترعى في أخرى وحكم في هاتين المسألتين بأنه لا زكاة تغليبًا للعطف على الرعي والاستعمال على السوم. مسألة: قال (¬1): "ولا صَدَقَةَ في خيلٍ". الفصل وهذا كما قال: عندنا أنه لا صدقة في الخيل إلا أن تكون للتجارة، وبه قال عمر وعلي ابن عمر رضي الله عنه، وأما مالك والليث والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو يوسف وعمر بن عبد العزيز وعطاء والنخعي والشعبي والحسن وأحمد وإسحاق ومحمد رحمهم الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يلزم في إناثها وإناثها وذكورها إذا اجتمعت ولا زكاة في ذكورها إذا انفردت وبه قال حماد، ثم هو بالخيار إن شاء أخرج عن كل فرس دينارًا أو عشرة دراهم، وإن شاء قومها وأخرج ربع عشر قيمتها، وقد قال الشافعي (¬2): لا زكاة بدلالة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وأراد بالسنة ما رواه وهو قوله صلى الله عليه وسلم "عفوت [95 ب/4] لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (¬3)، وقال علي رضي الله عنه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجوّزنا لكم عن صدقة الخيل" (¬4) وروي: "قد تجاوزت لكم عن صدقة الخيل" (¬5) وقال يزيد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخيل فيها شيء، قال: "لا إلا ما كان منها للتجارة" وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (¬6)، وروي في خبر آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الجارة ولا في الثجة ولا في الكسعة صدقة" (¬7) والجارة الخيل والثجة الدقيق والكسعة الحمير لأنها تقتني للزينة والتجمل لا للنماء كالبغال. باب المبادلة بالمشاشية قال (¬8): وإذا بادَلَ إبٍلًا أو غَنَمًا بغَنَمٍ. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 218). (¬2) انظر الأم (1/ 218). (¬3) أخرجه أحمد (1/ 21، 45)، وأبو داود (1574)، والترمذي (620)، والنسائي (5/ 37)، وابن ماجه (1790). (¬4) أخرجه الشافعي في "المسند" (637)، والبيهقي في "الكبرى" (6/ 327). (¬5) أخرجه الحميدي (54)، وابن أبي سيبة (3/ 152)، وعبد الرزاق (6880). (¬6) أخرجه البخاري (3/ 383)، ومسلم (7/ 55. نووي). (¬7) أخرجه الطبراني في "الصغير" (1/ 67). (¬8) انظر الأم (1/ 219).

الفصل وهذا كما قال: كل مال يجب في عينه الزكاة كالإبل والبقر والغنم، والأثمان فبادله بنصاب يجب فيه الزكاة استأنف الحول سواء كانا جنسًا واحدًا إبلًا بإبل أو بقرًا ببقر أو جنسين كإبل ببقر أو بقر بغنم أو ذهب بفضة، وقال أبو حنيفة: إن كان ذلك ي الأثمان لا يستأنف الحول، وإن كان في غير الأثمان استأنف الحول وهذا على أصله أن وجوب الزكاة في الأثمان في معانيها لا في أعيانها ولهذا [96 أ/4] قال يضم الذهب إلى الفضلة، وقال مالك: إن بادل جنسًا بجنس آخر يستأنف الحول، وإن بادل جنسًا بجنسه يبنى على الحول الأول وهذا غلط، لأنه بادل ما يجب الزكاة في عينه بما تجب الزكاة في عينه فوجب أن يستأنف الحول قياسًا على موضع الوفاق ولو بادل بعض النصاب بمثله حتى كان الباقي في ملكه أقل من النصاب انقطع الحول، وقال أبو حنيفة: لا ينقطع الحول بناء على أصله أن نقصان النصاب في خلال الحول لا يضر وأن المستفاد يبني على حول الأصل. فرع اختلف أصحابنا في مال الصيارفة فمنهم من قال يستأنفون الحول كلما بادلوا دراهم بدنانير وهو الصحيح، ونص في "الأم": على استئناف الحول ولم يفرق بين الصيارفة وغيرهم، وقال ابن سريج في هذا بشروا الصيارفة في أنه لا زكاة عليهم والتعليل ما ذكرناه ويؤكده أن الحلاب إذا اشترى بدراهم أربعين شاة استأنف الحول، وإن كان ذلك عارية لا يختلف المذهب فيه ومنهم من قال: لا ينقطع حولهم بالمبادلة لأن مقصودهم التجارة، فالنقود في حقهم كالعروض للتجارة لسائر الناس، قال في "الشامل": وهذا ظاهر المذهب وهذا غلط، لأنا لو أوجبنا الزكاة هاهنا بحول الأصل يوجب في عين المال [96 ب/4] بخلاف مال التجارة، وقال القفال وأبو حامد: هذا مبني على أصل وهو أنه إذا اجتمعت زكاة العين وزكاة التجارة هل تغلب زكاة العين أم زكاة التجارة قولان فإن قلنا: يغلب زكاة التجارة فلا ينقطع الحول هاهنا، لأن حول التجارة لا ينقطع بالمبادلة، وإن قلنا: تغلب زكاة العين ففيه وجهان، إحداهما: ينقطع، والثاني: لا ينقطع لأنه عدم بالمبادلة شرط زكاة العين وهو دوام الملك في العين حولًا كاملًا فصار إلى زكاة التجارة كما لو كان له ثلاثون من الغنم للتجارة وبلغت قيمتها نصابًا يجب زكاة التجارة قولًا واحدًا والله أعلم. مسألة: قال (¬1): وأكرَهُ الفِرَارَ منَ الصَّدَقَةِ. وهذا كما قال: إذا قارب تمام الحول أو لم يقارب فأراد أن يسقط الزكاة عن نفسه ببيعه فهذا فرار من الصدقة فيكره ذلك فإن فعل فالبيع صحيح ولا يكون عاصيًا به، ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 219).

وقال مالك وأحمد: هو محرم ولا يسقط فيه الصدقة وهذا غلط، لما قال الشافعي، وإنما تجب الصدقة بالملك والحول لا بالفرار يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وهذا المال بعد المبادلة لم يحل عليه الحول، وإن لم يقصد به الفرار بل كله أو بعضه بحاجة من قضاء دينه أو أهداه لم يكره [97 أ/4] ولا زكاة بلا إشكال. مسألة: قال (¬1): "ولو رَدَّ إحداهما بعيبٍ قَبْلَ الحَوْلٍ". الفصل وهذا كما قال: المبادلة في الحقيقة هي بيع يثبت فيه الرد بالعيب فإذا تراد بعيب أو غيره استأنف كل واحد منهما حوله من ذلك الوقت لتبدل الملكين وهذا لأن الرد بالعيب هو فسخ في الحال، وليس بدفع للعقد من الأصل، وقال أبو حنيفة: إن رد بالعيب وإن وجد العيب بعد تمام الحول فإن كان أخرج الزكاة من غيرها كان له الرد بالعيب قولًا واحدًا سواء قلنا: إن الزكاة في الذمة أو قلنا: إنها في العين ومن أصحابنا من قال: فيه وجه آخر: أنه لا يرد إذا قلنا: إن الزكاة في العين لأنه زال ملكه ثم عاد الملك بأداء الزكاة من غيرها كما لو اشترى وباع ثم ملك ثم وجد عيبًا قديمًا لا يرد في أحد الوجهين وهذا لا يصح، لأنه استدرك الظلامة بالبيع ولم يستدرك هاهنا، وقد تحقق زوال الملك هناك حتى لا يعود إلا بالرضا من آخر أو بسبب يوجب الملك وهاهنا لا يتحقق لأن له أداء الزكاة من موضع آخر، وقال القفال: إن قلنا: إنَّ الزكاة في الذمة أو تتعلق بالعين تعلق الجناية فله الرد كما لو رهنه ثم فكه ثم وجد به عيبًا آخر أو جنى العبد ففداه السيّد ثم وجد به عيبًا [97 ب/4] فله الرد فإن قلنا: على معنى الشركة ففيه وجهان، إحداهما: الرد لأن هذه الشركة لا تتحقق على ما ذكرنا، والثاني: لا يرد لأنه زال ملكه عن شاة لا بعينها ثم عاد ملكها، ومن أصحابنا بخراسان من قال: وإن قلنا: يتعلق تعلق الجناية وجهان أيضًا، لأن في مسألة الجناية وجهين وهو ضعيف، فإذا قلنا: يرد رد الكل واستأنف الحول فيما عاد إليه وإذا قلنا: لا يرد شيئًا هاهنا قولًا واحدًا سواء قلنا: الصفقة تفرق أو لا تفرق لأن التي سقط ردها بالعيب غير متعينة فلا يمكن رد ما عداها ويمتنع الرد في الكل، ومن أصحابنا من قال: يرد ما عدا الزكاة إذا قلنا: الصفقة تفرق وهو غلط ظاهر وإن كان قد أخرج الزكاة من عينها قال الشافعي: لم يكن له ردها ناقصة كما أخذه ويرجع بأرش العيب من أصل الثمن وهذا إذا قلنا: إن الصفقة لا تفرق، فأما إذا قلنا: إن الصفقة تفرق رد ما بقي بقسطه من الثمن فحصل قولان فإن اختلفا في قيمة التالف قال الشافعي القول قول البائع لأنه هو المأخوذ منه الثمن، قال الربيع: في قول آخر: إن القول قول المشتري لأنَّ الشيء تلف في يده فكان القول قوله، والأول أصح، وأجود فإذا قلنا: لا يرد يرجع [98 أ/4] ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 219).

بأرش العيب كما نص عليه هاهنا لأنه لحقه الضرر بالعيب والرد متعذر في الحال وهذا دليل لأحد الوجهين في مسألة اختلف فيها أصحابنا وهي أن الرجل إذا اشترى عبدًا ومات وخلف اثنين فوجدا بالعبد عيبًا فأراد إحداهما رد نصيبه بالعيب وأبى الآخر هل لمريد الرد وجهان، فإذا قلنا: ليس له ذلك هل يرجع بالأرش لهذا النص فإنه أثبت له الأرش مع توهم العود إلى ملكه، ومن أصحابنا من قال: إن تلفت الشاة في يد المساكين يرجع بالأرش، وإن كانت باقية لا ترجع بالأرش لأنه لا ييأس من الرد لتوهم رجوع الشاة المخرجة إلى ملكه فيتمكن من رد الكل وهذا اختيار كثير من أصحابنا، وإن لم يكن إخراج الزكاة أصلًا لا منها ولا من غيرها وأراد ردها ليس له ذلك لأن بعضها مستحق لغيره أو مرتهن بحق غيره كما لو رهن المبيع ثم وجد به عيبًا لا يرد وهو ظاهر "المختصر"، قال: لم يكن له ردها ناقصة عمَّا أخذه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: إذا قلنا: إن الزكاة في الذمة له ردها لأنه ردها كما أخذ وهذا غلط، لما ذكرنا وأيضًا لا يؤمن أن يتعلق به الساعي فيأخذ منه الزكاة إذا لم يقدر على المشتري فهو عيب [98 ب/4] من هذا الوجه. فرع لو رضي البائع بها فردها عليه صح ويطالب الساعي المشتري بزكاتها لأنها وجبت عليه في ملكه نص عليه في "الأم" (¬1)، فإنه لم يقدر على المشتري قد ذكرنا. فرع آخر لو وجد عيبًا بعد الحول فبادر إلى إخراج الزكاة من غيرها عند ظهور العيب حتى يتخلص عن حق الغير ولم يتطاول الزمان هل له الرد فيه وجهان، إحداهما: يرد لقرب الوقت ووجود الرد عقيب العيب، والثاني: لا يرد لأن إخراج الزكاة هو اشتغال بغير الرد وهذا كله إذا كانت المبادلة صحيحة، فإن كانت المبادلة فاسدة فكل واحد منهما يزكي مال نفسه لأن ملكه لم يزل وهو قادر على انتزاعه من يد صاحبه، وإن كان قد سلم إليه ويخالف المغصوب لأنه محول دونه بيدٍ غالبةٍ، وقال أبو حنيفة: إذا باع وأقبض انقطع حول بناء على أصله أن البيع الفاسد يوقع الملك إذا اتصل بالقبض. فرع ذكره بعض أصحابنا بخراسان أنه لو أسامها المشتري بشرًى فاسد هل يلزم فيها الزكاة؟ وجهان: كالغاصب فإذا قلنا: يلزم هل يرجع على المشتري بها وجهان، بناء على الحلال إذا حلق شعر المحرم تلزم الفدية وهل يغرمها المحرم ثم يرجع بها على الحالق أم يطالب [99 أ/4] الحالق بها ابتداء قولان، وفي هذا نظر. مسألة: قال (¬2): ولو حَالَ الحوْلُ عَلَيْهَا ثمَّ بادَلَهَا أو بَاعَهَا. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 21). (¬2) انظر الأم (1/ 220).

الفصل وهذا كما قال: إذا كان له مال يجب الزكاة في عينه فباعه رب المال بعد وجوب الزكاة فيه هل يصح البيع في الكل أم في البعض؟ هذه المسألة هي مبنية على أصلين، إحداهما: أن تجب الزكاة وقد ذكرنا ذلك، والثاني: تفريق الصفقة فإذا جمعت بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز بطل البيع فيما لا يجوز وهل يجوز في الباقي قولان، فإذا تقرر الأصلان رجعنا إلى المسألة فلا يخلو إما أن يبيع الكل أو يبيع البعض فإن باع الكل اختلف أصحابنا في ترتيب المسألة فقال ابن أبي هريرة: إن قلنا: إن الزكاة في العين لا تجوز في قدر الزكاة لأن المساكين ملكوا ذلك القدر فقد باع ملك الغير بلا إذن وهل يجوز في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فإذا قلنا: يفرق يجوز في الباقي، وإذا قلنا: لا يفرق لا يجوز في الباقي فإذا قلنا: يجوز فالمشتري بالخيار بين أن ينقص البيع لنقصانه وبين أن يجيزه فإن أجاز بكم نأخذ قولان إحداهما: بكل الثمن، والثاني: بحصته من الثمن وعلى هذا هل يثبت للبائع الخيار لانتقاض الثمن،؟ وجهان، وإن [99 ب/4] قلنا: الزكاة في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها صح البيع في الكل وإن أخرجها منها بطل البيع في ذلك القدر وهل يبطل فيما عداه قولان، على ما قدمناه، وقال أبو إسحاق: إن قلنا: الزكاة في العين هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان إحداهما: باطل لما ذكرنا وعلى هذا لو أخرج البائع الزكاة من غيرها لا يصح البيع لأنه ملكها من هذا الوقت فلا يصح البيع السابق الذي صادف ملك غيره وهل يصح البيع في الباقي؟ قولان، بناء على تفريق الصفقة. والثاني: وبه قال أحمد البيع جائز لأن المساكين لم يملكوا ملكًا مستقرًا وهو على ملك رب المال، ولهذا له أن يدفع إليهم حقهم من موضع آخر من غير رضى أحد فإن أدى الزكاة من غيره علمنا أن ملكه لم يزل عن شيء منه، وإن البيع صحيح ولا خيار للمشتري لأنه بمنزلة عيب وجده ثم ارتفع ذلك قبل فسخ البيع وهذا القول هو الذي نص عليه هاهنا، وإن قلنا: إن الزكاة في الذمة والعين مرهونة بها ففيه قولان مخرجان إحداهما: البيع في مقدار الزكاة باطل لأنه بمنزلة من باع شيئًا مرهونًا ثم قضي الدين لا يصح البيع حتى يجدده بعد فك الرهن، والثاني: أنه صحيح لأن حق المساكين [100 أ/4] تعلق بغير اختيار رب المال، فلا يمنع صحة البيع كبيع العبد الجاني يجوز في أحد القولين، وعلى هذا يكون موقوفًا فإن أدّى من غيره تم البيع وإن أدى من غيره بطل البيع في قدر الصدقة وهل يبطل في الباقي قولان، بناء على تفريق الصفقة فسّوى أبو إسحاق بين القول الذي يقول: الزكاة في العين والقول الذي يقول: الزكاة في الذمة في أن في إفساد البيع في قدر الزكاة قولين، وقال بعض أصحابنا: إذا جوّزنا البيع ثم أدى الزكاة من عينها أبو بطل البيع في مقدار الزكاة لا يبطل في الباقي قولًا واحدًا لأن هذا فساد طرأ بعد صحة العقد والفساد الطارئ بعد القبض هل يجعل في حكم الفساد الموجود عن العقد وجهان، فإن قلنا: لا يجعل يصح البيع هاهنا في الباقي قولًا

واحدًا، ومن أصحابنا بخراسان من قال: في محل الزكاة طريقان إحداهما: قولان إحداهما: تجب في الذمة ولها تعلق بالعين، والثاني: يتعلق بالعين وفي كيفيته ثلاثة أقوال، أحدها: على معنى الشركة، والثاني: كتعلق الجناية، والثالث: كتعلق حق المرتهن بالرهن، والطريقة الثانية ذكرها ابن سريج قول واحد يتعلق بالعين وفي كيفيته قولان، فإما أن تجب في [100 ب/4] الذمة فليس بمذهب الشافعي هذا إذا كانت الزكاة من جنس المال فإن كانت من جنس آخر كالشاة في خمس من الإبل فإن قلنا هناك أنها تجب في الذمة فهاهنا أولى وإلا فقولان فإذا قلنا: في الذمة فبيع كل المال لصح وللمشترى الخيار فلو أخرج رب المال الزكاة من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، إحداهما: يسقط لأنه لم يزل ملكه. والثاني: لا يسقط لأنه يقول لا آمن أن أخرج ما أخرج مستحقا فيرجع إلّي الساعي ويأخذ من الواجب وإن قلنا يتعلق بالعين على معنى الشركة بطل البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلا أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الباقي قولًا تفريق الصفقة إلى أنَّ الصحيح هاهنا أنَّ يبطل في الكل لأن الواحد المستحقة هي غير متعينة، وإن قلنا: كتعلق أرش الجناية هل يصح البيع في قدر الزكاة قولان، كبيع العبد الجاني فإذا قلنا يصح له الخيار فلو أخرج من موضع آخر هل يسقط خياره قولان، على ما ذكرنا. وإن قلنا كتعلق حق المرتهن لا يصح البيع في قدر الزكاة قولًا واحدًا وهل يبطل في الباقي على ما ذكرنا وهذا كله في المواشي فأما المعشرات فكل موضع أجزنا البيع في المواشي فهاهنا أولى وكل موضع أبطلنا البيع هناك فهاهنا قولان بناء على التعليلين [101 أ/4] في منع تفريق الصفقة فإن قلنا: العلة أن اللفظة الواحدة جمعت حرامًا وحلالًا فغلب الحرام لا يجوز هاهنا أيضًا في الكل وإن قلنا إن العلة أنه يؤدي إلى جهالة الثمن حالة العقد يجوز هاهنا لأن ما يقابل قدر الزكاة من الثمن معلوم وهو العشر فإن الأجزاء لا يختلف ثمنها. فرع لو وجبت الزكاة في ماله فباع بعضه فإن قلنا بيع الكل يجوز فهاهنا أولى أن يجوز وإن قلنا لا يجوز هناك فهاهنا وجهان، إحداهما: يجوز لأن قدر الزكاة غير مبيع. والثاني: لا يجوز لأن حق المساكين متعلق بكل المال وشائع فيه لا يختصر ببعض دون بعض كحق الجناية يشيع في رقبة العبد وهذا أصح عندي. فرع آخر لو وجبت الزكاة في أربعين شاة فقال بعتك هذه الأربعين إلا شاة منها ولم يشر إليها فإن اختلفت الشياه فالبيع باطل للجهل وإن تساوت في الأسنان وتقاربت في الأوصاف ففيه وجهان، إحداهما: يجوز البيع لأنَّها إذا كانت بهذا الوصف شابهت الحبوب. والثاني: وهو الأظهر لا يجوز لأنها تختلف في السمن والحبوب متماثلة الأجزاء. وهذان الوجهان هما مخرجان من اختلاف قولي الشافعي في جعل إبل الدية صداقا

ذكره في "الحاوي" (¬1). مسألة: قال (¬2): ولو [101 ب/4] قال أصدقها أربعينَ شاةٍ. الفصل وهذا كما قال إذا أصدق امرأته أربعين شاة معينة فقبضتها أو لم تقبضها فقد ملكتها بعقد النكاح ملكًا صحيحًا فإذا حال الحول عليها وهي في يدها أو في يده وجبت عليها فيها شاة، وقال أبو حنيفة لا زكاة في الصداق غير المقبوض لا عليها ولا على الزوج قبل الدخول ووافقنا أنه لو اشترى أربعين شاة فلم يقبضها حتى حال الحول وهي في يد البائع تجب الزكاة فيقيس عليه. ومن أصحابنا من قال في المبيع قولان كالمال المغصوب لأنه لا يتمكن من التصرف فيه وهذا غلط لأنه يمكن التصرف فيه بدفع الثمن كالوديعة، فليس فيه إلا قول واحد وحكي عن القفال أنه قال: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه ناقص الملك فيه بدليل أنه لو تصرف فيه بإذن البائع أو أذن للبائع بالتصرف فيه لا يجوز بخلاف المغصوب فإنَّه لو أذن المالك الغاصب بالتصرف فيه يجوز، وكذلك لو باعه ممن تقدر عليه يجوز وهذا خلاف النص. فإذا تقرر هذا فلو طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف الغنم فإن كانت المرأة أخرجت الشاة من غيرها رجع بنصفها قولًا واحدًا. فإن قيل: قلتم إذا وهب لابنه شيئًا فخرج عن ملكه ثم عاد إليه [102 أ/4] ملكها لما أخرجت الزكاة من غيرها قيل: هاهنا لو قلنا لا يرجع بنصفها فلا حاجة أن يرجع بنصف قيمتها والعين أقرب إلى حقه من القيمة لأن طريق القيمة هو الاجتهاد وقد يخطئ المجتهد ويصيب فكانت العين أولى وليس كذلك الواهب لأنَّه إذا لم يرجع لم يحتج أن يرده إلى القيمة فافترقا، ولأن حق الزوج في الرجوع لأنه لو تلفت العين لا يسقط حقه وحق الوالد يسقط بالتلف فافترقا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا تتعلق الزكاة على طريق الشركة هل يبطل حقه من العين وجهان، بناًء على ما لو زال ملكها ثم عاد الملك إليها ثم طلقها هل ترجع بنصف العين وجهان، ألا أن الشاة التي أعادها إلى ملكه غير متعينة فأحد الوجهين حقه في نصف قيمة الكل. والوجه الثاني: حقه في نصف العين باق وإن أخرجت الشاة منها فبماذا يرجع عليها، فاعلم أن الشافعي قال: في رجل أصدق امرأته عبدين فهلك إحداهما ثم طلقها بماذا يرجع قولان، إحداهما: يرجع بالموجود ويكون التالف من ملكها. والثاني: نقله الربيع أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف. وقال لو أصدقها إناءين فانكسر إحداهما [102 ب/4] ثم طلقها قبل الدخول فيه قولان، إحداهما: يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف أو يرد ويأخذ نصف القيمة من الموجود والتالف، فحصل في مسألتنا ثلاثة أقوال: أحدها: يرجع الزوج بعشرين شاة وهو ظاهر النص هاهنا وهذا إذا كانت قيمة الشياه متساوية، فأما إذا تفاوتت فإنه يرجع بنصف الشياه من الموجودة على التقسيط ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 199). (¬2) انظر الأم (1/ 220).

باب رهن الماشية

بالقيمة. والثاني: يرجع بتسع عشرة شاة ونصف شاة ونصف قيمة شاة وهي التي أخرجتها لأن الصداق كله لو كان موجودًا لأخذ نصفها، ولو كان مفقودًا كله لأخذ نصف قيمتها فإذا كان بعضه موجودًا وبعضه تالفًا يكون حكم كل واحد منهما كما لو انفرد. والثالث: أنه بالخيار بين أن يرجع بنصف قيمة الجميع ويترك الكل أو يرجع بنصف الموجود من الشياه ونصف قيمة التالف لأنه قد مضت الصفقة عليه فكان الخيار وإن طلقها ولم يكن أخرجت الزكاة منها ولا من غيرها واقتسماها نصفين فإن قلتا إن الزكاة استحقاق جزء من العين فهي بمنزلة المال بين ثلاثة شركاء اقتسمه شريكان دون الثالث فلا تصح القسمة فعلى هذا يصير كأنهما لم يقتسما ويصير الحكم موقوفًا على أداء الزكاة منها أو من [103 أ/4] غيرها على ما بيناه. وإن قلنا إن الزكاة تجب في الذمة والمال مرهون بها فالقسمة صحيحة لأن قسمة المال المرهون تصح إذا لم يدخل بها ضرر على المرتهن وليس على الفقراء ضرر في ذلك فإذا جاء الساعي أخذ من نصيب المرأة لأنها وجبت عليها فإن لم يجد في يدها شيئًا ووجد في يد الزوج ما أخذه فإنه يأخذ منه شاة لأن الجميع كان مرهونًا به، فإذا أخذها فهل تبطل القسمة وجهان، إحداهما: لا تبطل وهو الصحيح لأن هذا الاستحقاق طارئ بعد القسمة الصحيحة فعلى هذا يرجع الزوج عليها بقيمة الشاة. والثاني: تبطل القسمة لأنه استحق ذلك بسبب سابق فيصير الاستحقاق حال القسمة فتبطل القسمة ويصير كأنه وجد تسع عشرة شاة. فالحكم على ما ذكرنا ولو طلقها قبل الدخول قبل عام الحول ولكن لم يقتسما حتى تم الحول فعليها نصف شاة لأن ما بقي بها كان مخالطًا في بعض الحول بملكها وفي البعض بملك الزوج. والزوج يستأنف حولًا من يوم عاد إليه النصف بالطلاق، وهكذا لو أصدقها نصابًا من سائر ما يجب في عينه الزكاة. فرع لو أصدقها أربعين شاة بغير أعيانها لا صدقة عليها لأنه لا زكاة [103 ب/4] في الحيوان إلا بشرط السوم وذلك لا يوجد فيما في الذمة. ولو أصدقها نصابًا من النقد فحال الحول وجبت الزكاة عليها لأنه يثبت في الذمة على الوصف الذي يجب فيه الزكاة فكان كالغير. باب رهن الماشية قال: ولو رَهَنَ ماشِيةً وجَبتْ فيها الزَّكَاةُ. هل يصح الرهن في مقدار الزكاة؟ فعلى قول أبى إسحاق قولان: سواء قلنا: أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذمة. وعلى قول ابن أبي هريرة: إن قلنا: إنها تتعلق بالعين لا يصح الرهن، وإن قلنا: إنها تجب في الذمة فإن أخرج الزكاة من غيرها جاز الرهن وإن أخرجها منها بطل الرهن في قدر الزكاة وقيل يبطل في الباقي. إن قلنا: إن الصفقة تفرق لا يبطل في الباقي وإن قلنا: لا تفرق، فإن قلنا: إن العلة الواحدة جمعت حرامًا.

وحلالًا بطل الرهن في الكل ولا فرق بينه وبين البيع، وإن قلنا: إن العلة في جهالة الثمن فلا يكون في الرهن ثمن فيصح عقد الرهن في الباقي، فحصل هاهنا على أحد القولين قولان، فإذا قلنا الرهن صحيح في الكل نظر فإن كان للراهن مال غيرها كلف إخراج الزكاة من غيرها حتى يسلم للمرتهن جميع الرهن [104 أ/4] وتجري الزكاة مجرى مؤن الرهن فكما أن سائر المؤن على الراهن فكذلك الزكاة عليه يخرجها من سائر ماله، وقيل يؤخذ من الرهن وإن لم يكن له مال غيرها فإن الزكاة تؤخذ من الرهن. فإذا أخذت منه انتقص الرهن فيه والباقي يكون رهنا بحالة، وإذا قلنا: إن الرهن باطل في الكل فإن كان الرهن في عقد البيع هل يبطل البيع قولان، إحداهما: يبطل. والثاني: لا يبطل ولكن للبائع الخيار إن شاء أجاز البيع بلا رهن وإن شاء فسخ البيع لأنه لم يسلم له ما شرط من الرهن. وإذا قلنا الرهن باطل في قدر الزكاة فالحكم على ما بيناه إذا كان الرهن باطلًا في الكل إلا أنا إذا جوزنا البيع نخيره بين أن يفسخ البيع وبين أن يجيزه بما بقي من الرهن. ومتى أثبتنا له الخيار في فسخ البيع فأدى الزكاة من موضع آخر هل يبطل الخيار. قال القفال: إن قلنا: إنه يتعلق بمعنى الشركة لا يبطل خياره وإن قلنا بمعنى الجناية أو بالذمة سقط خياره وإن كان الرهن بدين في الذمة فبطلانه أنه لا يؤثر في الدين بحال. مسألة: قال (¬1): ولو حالَ عليها حَوْلٌ وجَبَتْ فيها الصَّدقَةُ. وهذا كما قال إذا رهنها قبل وجوب [104 ب/4] الزكاة ثم تم الحول في يد المرتهن وجبت الزكاة فيها لأن الرهن لا يمنع وجوب الزكاة وهذا على القول المشهور أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة. ثم إن كان له مال غيرها فإن قلنا الزكاة هي استحقاق جزء من العين فالزكاة مقدمة على حق المرتهن لأن حق المرتهن يتعلق بالذمة والمال مرهون به فاختصاص الزكاة بالعين أكثر فكانت مقدمة. وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة والمال مرهون بها فهنا استويا في كيفية التعلق بالعين فاختلف أصحابنا فيه منهم من قال: حق المرتهن معدوم لأنه سابق، ومسألة الأقاويل إذا لم يكن حق الآدمي سابقًا فأما إذا كان سابقًا فله مزية فيقدم، وقال في "الإفصاح": فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: يقدم حق الله تعالى. والثاني: يقدم حق الآدمي. والثالث: يقسط على قدر الحقين كالدينين لآدميين. قال ويدل على هذا أن الشافعي قال في "الأم" فإن حلت الصدقة ولم يؤخذ له مال كان فيها قولان، إحداهما: تباع الإبل فيأخذ صاحب الرهن حقه فإن فضلا منها فضل أخذت منه الصدقة وإلا كان دينًا عليه حتى أيسره أدّاه. والثاني: يبعث في الصدقة وكان لمرتهنها الفضل [105 أ/4] عن الصدقة وبهذا أقول هذا لا يجوز أن يكون إلا على القول الذي يقول الزكاة في الذمة فإذا ذكر الشافعي فيه قولين وجب أن يذكر القول الثالث في حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمعا أنهما سواء وأما سائر ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 222).

باب زكاة الثمار

الغرماء لا يشاركون المرتهن ولا الزكاة في هذه العين لأن حقوقهم لا تتعلق بها. فرع إذا كان معسرًا فأدى الزكاة من عين المرهون ثم استفاد مالًا هل يغرم الراهن للمرتهن ويكلف أن يأتي بقدر الزكاة فيجعله رهنًا مكان ما أخرج؟ فإن قلنا: الزكاة في الدَّية والمال خالٍ أو المال كالمرهون فيلزمه بدله ويكلف ذلك لأن حق المرتهن أسبق وإن قلنا في العين ففيه وجهان كالوجهين في الزكاة إذا أخرجت من مال القراض يحسب ذلك من الربح كسائر مؤن المال أو يحسب ذلك على رب المال حتى يجعل كأنه استرد طائفة من المال فإن قلنا: من الربح لم يكلف الراهن هاهنا عوضًا وإن قلنا: على رب المال فها هنا يكلف ذلك وكذلك إن قلنا: الزكاة تلزم على الشركة أو هي لحق الجناية لا يغرم بدله لأن حق المال والجناية يتقدم على الرهن، ثم قال الشافعي (¬1): فإن كانت إبلًا فريضتها من الغنم بيع منها [105 ب/4] فاستوفيت صدقتها يعني من الغنم وهذا دليل على أنه لو أراد أن يتبرع فيعطي منها بعيرًا فإنه لا يجوز لتعلق حق المرتهن بها ثم قال وكان ما بقيت رهنًا أي: ما فضل عن ثمن البعير المبيع رهن بجميع الحق مع الباقي من الرهن ثم قال: وما نتج منها خارج من الرهن وأراد به خلاف قول أبي حنيفة: فإن عنده أن ولد المرهون رهن وموضعه كتاب الرهن، ثم قال: ولا تباع ما خص منها حتى تضع إلا أن يشاء الراهن لأن الحق في ذلك له وهذا أيضًا هو من كتاب الرهن وجملته أن في الحمل قولين، إحداهما: أنه يجري مجرى السن لا يأخذ قسطًا من الثمن. والثاني: أنه يجري مجرى الزيادة المنفصلة يأخذ قسطًا من الثمن. فإذا قلنا بالأول يباع في حق المرتهن، وإذا قلنا بالثاني ينظر فيه إن كان قد رهنها حائلًا ثم حملت عنده لا تباع حتى تضع إلا أن يشاء المرتهن لأن استثناء الحمل لا يمكن وبيعه لا يجوزه لأنه لم يدخل في الرهن وإن كان قد رهنها حاملًا فالحمل دخل في الرهن ووجب بيعه مع الأم في حق المرتهن فخرجت من هذا أربع مسائل، مسألتان لا يختلف القول فيهما وهو إذا رهن وهي حامل [106 أ/4] وحل الحق وهي حامل تباع مع الحمل قولًا واحدًا. وإذا أحبلت بعد الرهن وولدت ثم حل الحق فالولد لا يباع في حقه قولًا واحدًا ومسألتان فيهما قولان إذا رهن وهي حامل وولدت، وإذا رهن وهي حائل وحل الحق وهي حامل ففيها قولان. باب زكاة الثمار قال (¬2) أخبرنا مالكُ بن أنس ..... الخبر. وهذا كما قال الأصل في وجوب الزكاة في الثمار، الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: {وهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ} إلى قوله {وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 222). (¬2) انظر الأم (1/ 222).

وأما السنة: فما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما سقت السماء ففيه العشر" (¬1)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليست فيما دون ستة أوسق من التمر صدقة". وأما الإجماع: فلا خلاف فيه فإذا تقرر هذا فلا يجب العشر فيها ما لم يبلغ نصابًا والنصاب خمسة أوسق من التمر لا من الرطب. فإذا بلغ قدرًا إذا شمس يكون مشمسه خمسة أوسق، فقد وجب النصاب ولا يعتبر أن يبلغ ذلك حال وجوب الزكاة لأنها تجب ببدو الصلاح وفي الزرع بالاشتداد بل يعتبر أن يبلغ ذلك حالة الادخار، والوسق ستون صاعًا هكذا روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم [106 ب/4] أنه قال: "ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة، والوسق ستون صاعًا" (¬2) فتكون خمسة أوسق ثلثمائة صاع كل صاع أربعة أمداد يكون ألفا ومائتي مد والمد رطل وثلث فيكون ألفا وستمائة رطل ويكون ثمانمائة منًا بالبغدادي فإن نقص عن ذلك فلا زكاة وبه قال ابن عمر وجابر رضي الله عنهما ومالك والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر النصاب في المعشرات أصلًا ويجب العشر في قليلها وكثيرها إلا أن فيما دون خمسة أوسق لرب المال أن يفرق عشره بنفسه ولا يدفعه إلى الإمام بخلاف ما إذا بلغ خمسة أوسق فإنه يلزمه دفع عشرها إلى الإمام. وقال داود: ما يوسق من مكيل أو موزون فلا زكاة فيه ما لم تبلغ خمسة أوسق وما لا يوسق يجب العشر في قليله وكثيره والدليل على أبي حنيفة ما ذكرنا من الخبر والدليل على داود أن ما لا يوسق لا تعظم منفعته فإنه لا يقتات فلا حق فيه ولو ثبت لكم الحق في بالدليل. واعتبر الوسق فيما يصف أعلى منه فلأن يعتبر فيما هو أدون منه أولى فإذا تقرر هذا هل هو بقريب أم تحديد اختلف أصحابنا فيه. قال أبو حامد: هذا الذي حققه أصحابنا من اعتبار الوزن معناه إذا وافق الوزن الكيل وكان كل صاع خمسة أرطال [107 أ/4] وقلنا بالبغدادي فأما ما يختلف كيله ووزنه مثل أن يكون التمر مكتنزًا .... (¬3) فيكون ألفا وستمائة رطل منه دون ثلاثمائة صاع فلا زكاة فيه ولو كان خفيفًا يكون ثلاثمائة صاع منه كيلًا دون ألف وستمائة رطل يلزم الزكاة فيه لأن الأصل فيه المكيل قال صلى الله عليه وسلم: "المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة" (¬4)، وهذا يدل على أنه على التقريب في الوزن وعلى التحديد في المكيل وهو اختيار القاضي الطبري، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بخمسة أوسق ومقدارها كان معلومًا عندهم على ما ذكرنا فوجب تقديره بها كما وجب تقدير الدراهم بخمس أواق، ومن أصحابنا من قال: هو تقريب فإن نقص منه شيء يسير لم تسقط الزكاة، وهذا لأن الوسق حمل الناقة عندهم وتقدير حمل الناقة ستون ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1483)، وأبو داود (1596)، والنسائي (2488)، وابن حبان (3274). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 98). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) أخرجه أبو داود (3340)، والنسائي (5/ 7054/284)، والطبراني في "الكبرى" (12/ 393)، والبيهقي في "الكبرى" (4/ 170).

صاعًا على التقريب وهذا اختيار القفال ومشايخ خراسان ثم اعلم أنه روى عن النبي صلى الله عليه ولم أنه "نهى عن جداد الليل" (¬1) وهو صرام النخل ليلًا وهذا ليكون الصرام في النهار فينال الناس من ثمرها فيستحب ذلك، وحكي عن مجاهد والنخعي والشعبي أنهم قالوا تجب الصدقة من الزرع والثمار وقت الصرام والحصاد ثم يجب [107 ب/4] العشر بعد التصفية لقوله تعالى: {وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم "ليس في المال حق سوى الزكاة"، وأراد بالآية الزكاة والاستحباب. مسألة: قال (¬2): والخليطانِ في أصلِ النَّخلِ يُصدقانِ صَدَقَةَ الواحدِ. وهذا كما قال: إذا كان له أقل من النصاب قد ذكرنا أنه لا زكاة عليه فإن كانت له خلطة مع آخر وتم نصيبها نصابًا فقد ذكرنا في الخلطة فيما عدا المواشي قولين والمشهور ما ذكر هاهنا أنه يثبت حكمها في الزكاة فإذا تقرر هذا فرّع الشافعي على هذا مسألة: وهي أن الرجل إذا مات وخلف نخلًا فورثه ورثته واقتسموا الثمرة بعد وجوب الزكاة فنفرض المسألة فيه إذا مات وخلف اثنين ونخلتين فورثاهما حتى تتضح المسألة فإذا ورثا نخلتين وهما مثمرتان أو كانتا غير مثمرتين فأثمرتا فالثمرة مشتركة بينهما فإن قلنا: إن الخلطة لا تصح بكل واحد منهما يخاطب بالزكاة في حقه على الانفراد فإن نصيبه نصابًا زكاة وإلا فلا زكاة وإن قلنا: إن الخلطة تصح نظر فإن اقتسما قبل وجوب الزكاة في الثمرة وهو قبل بدو صلاحها سقط حكم الخلطة ويزكيان زكاة الانفراد وإن كانا خليطين فيما قبل كما [108 أ/4] لو كانت لهما أربعون شاة من الغنم في أول الحول ثم اقتسما قبل الحول لا زكاة على واحد منهما حتى بدا الصلاح في الثمرة نظر، فإن لم يبلغ قدر الثمرة خسمة أوسق لا زكاة، وإن بلغ خمسة أوسق ففيها الزكاة ثم القسمة هل تصح قبل إخراج الزكاة عنها على ما تقدم بيانه من البناء على القولين أنها استحقاق جزء من العين أو في الذمة من الموجود ورجع المأخوذ منه على شريكه بنصف ما أخذ منه وعلل الشافعي هذه المسألة فقال (¬3): لأن أول وجوبها كان وهم شركاء أراد أن وقت وجوب الزكاة في الثمار هو عند بدو الصلاح فتلك الحالة هي بمنزلة قولان جميع الحول في النقود والمواشي فإذا تقرر هذا فقد اعترض المزني على هذا فقال: هذا عندي غير جائز في أصله لأن القسم عنده كالبيع ولا يجوز بيع الثمرة جزافًا ومع الجذوع لا يضر وإنما يضر ذلك إذا انفردت الثمرة قلنا مذهب الشافعي أن تبيع الذهب مع عرض بعرض وذهب لا يجوز وكذلك التمر بالتمر وكل ما فيه الربا مع غيره لا يجوز وهاهنا تمر وجذع بثمر وجذع فلا يجوز وإنما قال عنده وقيد به لأن عن أبي حنيفة يجوز ذلك والجواز عن هذا إنما ذكره الشافعي على القول [108 ب/4] الذي يقول القسمة إفراز حق. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (9/ 290)، والطبراني كما في "مجمع الزاوئد" (3/ 77، والخطيب في "تاريخه" (12/ 372). (¬2) انظر الأم (1/ 223). (¬3) انظر الأم (1/ 224).

والثاني: قال الشافعي في "الأم" (¬1) فاقتسماها قسمة صحيحة فحذف المزني صحيحة ثم اعترض عليه ومن حقه أن يستخرج وجه صحة القسمة لا أن يعترض, ولصحة هذه القسمة وجوه فإن كانت بعد بدو الصلاح تصح من وجوه أحدهما كانت إحدى النخلتين حائلًا والأخرى حاملًا فقال أحدهما لشريكه: بعتك نصيبي من هذه النخلة التي لا ثمرة عليها هو نصفها بنصيبك من جذع هذه النخلة وثمرتها لتكون هذه الحائل كلها لك والحاملة كلها لي, فأجابه إلى ذلك فإنه تصح لأنه اشترى النخلة بثمرتها بجذع نخلة حائلًا فصار كما لو اشتراها بدراهم, وإن كانت النخلتان حاملتين صحت القسمة من أربعة أوجه وتصورها في نخلتين شرقية وغربية, أحدها: أن يقول بعتك نصيبي من الشرقية وهو نصفها ونصف ثمرتها بخمسين درهمًا فقبل ذلك فيكون له على شريكه خمسون ولشريكه كل النخلة, ثم قال اشتريت منك نصيبك من الغربية وهو نصف النخلة ونصف ثمرتها بخمسين درهمًا ليكون لي كل الغربية, فإذا فعلًا ذلك حصل لأحدهما كل الشرقية بثمرتها وللآخر كل الغربية بثمرتها ولكل واحد منهما على صاحبه [109 أ/4] خمسون درهمًا يكون قضاها وصحت القسمة ولا يجب شرط القطع في ذلك لأن الثمرة بدا صلاحها. والثاني قال لشريكه: بعتك نصيبي من جذع الشرقية بنصيبك من ثمرة الغربية ليكون لي كل ثمرة الغربية ولك كل جذع الشرقية واشتريت منك نصيبك من جذع الغربية بنصيبي من ثمرة الشرقية لتكون الغربية وثمرتها لي والشرقية وثمرتها لك وذلك يصح أيضًا لأنه بيع ثمره بجذع بعد بدو صلاحها وهذا أصح الوجوه. والثالث: قال له بعتك نصيبي من جذع الشرقية بنصيبك من ثمرتها ليكون جذع الشرقية كله لك وثمرتها كله لي وثمرتها كلها لك فإنه يصح أيضًا لأن بيع ثمرة بجذعها. والرابع: لا يختلف مذهب الشافعي أنه يجوز بيع العرايا وهو بيع الرطب على رؤوس النخل خرصًا بتمر مكيل على الأرض ولا خلاف أنه يجوز خرص الثمار ليعلم قدر الزكاة فيها ويضمن أرباب الأموال نصيب المساكين بالخرص. واختلف قوله في قسمة الرطب على رؤوس النخل خرصًا على قولين, أحدهما: لا يجوز, والثاني: نص عليه في الصرف أنه يجوز, فنقول للمزني يجوز أن يكون الشافعي فرعًها على هذا القول. وأما بدو الصلاح فأولًا الكلام في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها فينظر فإن باعها [109 ب/4] مفرجة عن النخل مطلقًا لا يجوز وإن كان بشرط القطع يجوز وإن باعها مع جذعها يجوز قولًا واحدًا وإن باعها ممن يملك جذعًا مطلقًا هل يجوز؟ وجهان, فإذا تقرر هذا فباع الحائل بالحامل ثمرها وجذعها يجوز وإن كانتا عاملتين فتبايعا بالدراهم يجوز أيضًا. وأما على الوجه الثالث: هل يجوز؟ فيه وجهان لأنه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من صاحب الجذع, وأما على الوجه الخامس: قسمتها خرصًا قبل بدو صلاحها هل يجوز؟ قولان أيضًا, وذكر القفال وجهًا آخر فقال: يقول زيد بعتك نصيبي ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 26).

من جذع الشرقية بنصيبك من ثمرها, ويقول عمرو اشتريته وذكر القطع فيجوز لأن شرط القطع في نصف الثمرة واجب وهو النصف الذي تناوله البيع وشرط القطع في النصف الثاني جائز وهو الذي لم يبع بيع جذعة فإذا حصل ذكر القطع في الكل لم يؤد إلى التعذر وهو قطع النصف ولا إلى المحال وهو أن يشترط على البائع قطع ماله مع الميبع ثم إذا فعلًا ذلك فالجذع بين هذه النخلة خلص لعمرو والثمرة خلصت لزيد ثم يقول عمرو لزيد في النخلة العربية بعتك نصيبي من جذعها بنصيبك من ثمرها ويذكر القطع [110 أ/4] أيضًا كما ذكرنا فيخلص جذعها لزيد وثمرتها لعمرو ثم إن شاءا تركاهما على ذلك وإن شاءا باع زيد بعد ذلك من عمرو كل ثمرة النخلة الشرقية بكل جذع النخلة الغربية بشرط القطع ويبيع منه عمرو كل ثمرة النخلة الغربية بكل جذع النخلة الغربية بشرط القطع ويبيع منه عمرو كل ثمرة النخلة الغربية بكل جذع النخلة الشرقية فيه ليخلص لزيد النخلة الغربية بأسرها ولعمرو كل النخلة الشرقية بأسرها. مسألة: قال: (¬1) وثمر النخل يختلف فثمر النخل تجد بتهامة وهي بنجد بُسر وبلح. الفصل وهذا كما قال إطلاع الثمار وإدراكها يختلف باختلاف البلدان والأنواع وإن كان المكان باردًا وهو من قيد إلى المدينة وهي بلاد نجد تأخر الإدراك والإطلاع وفي العراق ثمر النخل يتقدم بالبصرة لشدة الحر بها على ثمر النخل ببغداد واختلافه باختلاف الأنواع أن الشكر أولها والعروس والإبراهيمي يتأخران إلى آخر الصيف ويتصلان بالشتاء ففيه أربع مسائل, إحداها: أن يتفق الإطلاع والإدراك كالنخيل ببغداد فلا إشكال أنه يضم بعضها إلى بعض لأنها ثمرة عام واحد من جنس واحد, والثانية: أن يختلف الإطلاع ويتفق الإدراك, والثالثة: أن يختلف الإدراك ويتفق الإطلاع فيضم بعضها إلى بعض أيضًا لما ذكرنا, والرابعة: أن يختلف الإدراك [110 ب/4] والإطلاع معًا, فالكل يضم أيضًا سواء أدركت الأخرى قبل أن تجد الأولى أم بعد جذاذها, قال الشافعي (¬2): فإن كانت له نخيل في بعضها رطب وفي بعضها بسر وفي بعضها بلح وفي بع 1 ها طلع فأدرك الرطب فجذ ثم أدرك البسر فجذ ثم أدرك الطلع فجذ ثم أدرك البلح فجذ فالكل ثمرة واحدة ولا فرق بين أن يكون ما بينهما زمان قريب أو زمان بعيد لما ذكرنا من المعنى, ولأن الله تعالى أجرى العادة أن الثما لا يتفق إدراكها في وقت واحد بل يختلف اختلافًا متباينًا فلو قلنا لا يضم أدى إلى إسقاط الزكاة في الثمار حتى قال أبو إسحاق: إذا رطبت التهامية وجذت ثم اطلعت النجدية ضمت إحداهما إلى الأخرى. وقال صاحب "الإفصاح": إذا كانت الثمرة في البلاد الحارة صارت رطبًا وبلغت أوان الجداد ثم اطلعت في البلاد الباردة ولم يضم إحداهما إلى الأخرى ويكونان بمنزلة الحملين من نخلة واحدة في سنة واحدة وهذا اختيار القفال وهو خلاف النص, ثم قال ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 224). (¬2) انظر الأم (2/ 27).

في "المختصر": وإذا أثمرت في عام قابل لم تضم وصورته أن يكون له نخل بتهامة ونخل بنجد فاطلع التهامي وبلغ وجذ ثم أطلع النجدي فقيل: إن جذ النجدي أطلع التهامي ثانيًا لا يضم إلى النجدي لأنها ثمرة عام آخر إذ الله [111 أ/4] تعالى لم يجر العادة بأن النخل تحمل حملين في سنة واحدة ثم قال بعد ذلك: وإذا كان آخر إطلاع ثمر أطلعت قيل تجد فإطلاع التي بعد بلوغ الآخرة كإطلاع تلك النخلة عامًا آخر لا يضم إطلاعه إلى العام قبلها. قال أبو إسحاق: تأويل هذا الكلام ما ذكرنا أن الحمل الثاني من التهامية لا يضم إلى الثمرة النجدية ويكون بمنزلة طلع التهامية في العام الآخر ويقرأ قبل تجذ بالتاء والضم وأراد به القطع فكأنه قال: وإذا كان آخر إطلاع ثم اطلعت تهامة يعني الحمل الثاني قبل أن يجذ الثمرة بنجد فإطلاع التي بعد بلوغ الآخرة يعني. فإطلاع الثاني من التهامية بعد بلوغ الثمرة الآخرة يعني النجدية هي بمنزلة ثمرة تلك النخل يعني التهامية عامًا آخر فلما لم يضم إطلاع التهامية في العامل القابل إلى النجدية كذلك الإطلاع الثاني لا يضم إليها, وإذا قوي قبل نجد بالنون فكأنه يقول إذا طلعت النجدية وهي آخر الثمار فإن التهامية قد سبقته ثم أطلعت التهامية ثانيًا وهو آخر الإطلاع لا يضم إلى النجدية والقرابات محتملتان والفقه لا يختلف بهما. وقال صاحب "الإفصاح": أراد به إذا اطلعت نخل بعد بلوغ ثم نخل أخر أطلعت قبله لا يضم أحدهما إلى الآخر على ما ذكرنا من قبل وما ذكرنا أصح وأليق [111 ب/4] بهذا الكلام لأن ذلك إلى القائل لا يمكنه أن يحمل قوله بعد بلوغ الآخرة على فائدة صحيحة فإن الآخرة والأولة فيما قاله سواء. مسألة: قال (¬1) ويترك لصاحب الحائط جيد التمر من البردي والكبيس. الفصل وهذا كما قال إذا كان لرجل نوع من الثمرة أخذت الزكاة من ذلك النوع جيدًا كان أو رديًا أو وسطًا فالجيد كالبردي والكبيس والعقلي والردي كالجعرور ومصران الناقة وعدق من حبيق بفتح العين فأما عذق بكسر العين فهو الكباسة هكذا ذكره الأزهري والأوسط كالخسرواني ويجوز ذلك ونحو ذلك وإن كانت أنواعًا فإن كانت يسيرة مثل نوعين وثلاثة فلا يختلف المذهب أنه يؤخذ من كل واحد منهما بقدره نص عليه في "الأم" (¬2) لأنه لا يعتذر ضبط ذلك جميعًا لأن ذلك مما يتبعض فيؤخذ ما يخصه بالكيل من غير مشقة ويخالف الحيوان لأنه يشق هناك فيخرج من الوسط وإن كانت أنواعًا [112 أ/4] كثيرة متفاوتة. قال صاحب "الإفصاح": فيه ثلاثة أوجه, أحدها: يؤخذ من كل بقدره, والثاني: من الوسط لأنه يشق فإن تحمل المشقة وأخرج من كل بقدره جاز, والثالث: من الأغلب وقال أبو إسحاق توجد ها هنا من الوسط قولًا واحدًا, قال القفال: وهذا إذا لم ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 225). (¬2) انظر الأم (2/ 28).

باب كيف تؤخذ صدقة النخل والعنب

يكثر كل نوع من الأنواع فإن كثر كل نوع بحيث لا يشق للأخذ من كل واحد بحصته يؤخذ بالحصة وهو على ما ذكر رحمه الله. مسألة: قال (¬1): وإن كانتْ لهُ نَخْلٌ مُختَلِفَةٌ تحمِل في وقتٍ والأخرى في وقتٍ أو في سَنة حملَينِ فهُما مُختِلفَانِ. وهذا كما قال أما الحملان في وقتين من نخلة واحدة لا يضمان كثرة عامين والحملان من نخلتين هل يضمان على ما ذكرنا وقيل قل ما يكون هذا في النخل وإنما يكون ذلك في الكرم وقيل لا يكون ذلك في الكرم أيضًا وإنما يحمل حملين ما ليس بزكاتي كالتين والنبق, والشافعي ذكر هذا على معنى التجويز أن لو كان كيف الحكم فيه وقيل: إنه يوجد ذلك نادرًا والله أعلم. باب كيف تؤخذ صدقة النخل والعنب قال (¬2): أخبرنا عبد الله بن نافع ... وذكر في الخبر. وهذا كما قال وقت وجوب الزكاة في الثما إذا جاز ببيعها مطلقًا من غير شرط القطع وهو إذا بدا الصلاح [112 ب/4] فيها بأن تحمر أو تصفر وفي العنب أن يتموه ويحلو شيء منه إن كان أبيض أو يسود إن كان أسود فإن جاء هذا الوقت وجبت الزكاة وهو وقت توجيه الساعي بخرصها فيبعث الإمام من يخرصها على أربابها فيعلم بالخرص قدر الزكاة فيها لأنه إذا عرف ما يجيء منها تمرًا أو زبيبًا عرف مقدار العشر ثم إذا خرص عليه قال لرب المال أنت بالخيار بين أن تأخذها أمانة أو ضمانًا فإن اختار إمساكها أمانة كان له غير أنه لا يجوز له أن يتصرف في شيء من الثمرة ببيع ولا يأكل غير حفظها كالمال بين شريكين في يد أحدهما فإن خالف فأكل أو أتلفه فقد أثم وعليه الضمان فإن اختار أن يقبلها ضمانًا جاز واعلم أن أصحابنا اختلفوا في معنى الضمان. قال ابن سريج: إن قلنا: إن الزكاة تجب في الذمة والعين مرتهنة بما في الذمة كان معنى الضمان فكها من الرهن ليستفيد رب المال التصرف وإن قلنا: إن الزكاة استحقاق جزء من العين كان معنى الضمان القرض فكأنه قال: أقرضناك هذا الرطب من نصيب المساكين بما يجيء منه تمرًا ويجوز هذا القرض لموضع الحاجة, وقال الشيخ أبو حامد: وأجود من هذا عندي أن يقال خذها بكذا وكذا [113 أ/4] تمرًا فإن لرب المال أن يعطي العشر منها أو مثله من غيرها تمرًا فإنه إذا قال خذه بما يجيء منه تمرًا فقد أعطاه يعني الزكاة وموجبها وسواء قلنا: أمانة أو تضمين لا يلزم الضمان إذا هلكت بغير تفريط وإنما يفيد التضمين جواز التصرف على الإطلاق كيف شاء لا وجوب الضمان, وقال القفال: الخرص عبرة أو تضمين قولًا, أحدهما: أنه عبرة فلا يأكل رب المال من الثمرة إلا بقدر ما يفضل عن الزكاة ولكن له أن يبسط في الثمار. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 225). (¬2) انظر الأم (1/ 225).

والثاني: أنه يضمن فعلى هذا له التبسط في الكل والزكاة في ذمته, وروي نحو قولنا في جواز الخرص التضمين عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعطاء والزهري ومالك وأبي ثور رحمهم الله, وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: لا معنى للخرص إلا أن أصحاب أبي حنيفة هربوا من الأخبار المروية في الخرص, فقالوا يجوز لتخويف رب المال أن تبسط فيه فيتلف شيئًا منه فأما .... (¬1) فلا. واحتج الشافعي بخبر عتاب بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم: "يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدي زكاته زبيبًا كما تؤدى زكاة النخل تمرًا" (¬2) , فدل أن خرص النخيل كان معروفًا عندهم معمولًا به ولذلك شبه رسول الله [113 ب/4] صلى الله عليه وسلم الكرم فيه بالنخل إذ الكرم لم يكثر عندهم كثرة النخل ثم احتج بقصة خيبر وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود حين افتتح خيبر: "أقركم على ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم", وبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خارصًا وتمام هذه القصة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة وأحلى منها اليهود وقسم تلك النخيل بين الغانمين من المسلمين فلم يهتدوا إلى إصلاحها ونقصت ثمارها فجاءت اليهود مستأمنين وقالوا: نحن أعرف بأمر هذه النخيل فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أقركم" أي: في هذه النخيل "ما أقركم الله" أي: ما لم يأمرني الله بإخلائكم وإخراجكم, وإنما قال ذلك لأنهم كانوا لا يرون النسخ فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لهم حجة غدًا إن أراد إخراجهم بأن يقولوا بيننا وبينكم أي: ساقاهم على هذا الشرط وهو أن تكون الثمرة بين المسلمين وبينهم نصفين فأخذوا على هذا الشرط فلما طابت الثمار بعث إليهم عبد الله بن رواحه ليخرصا عليهم وكانت أم عبد الله خيبرية فلما سمعت اليهود بأنه مقدم عليهم ليخرص استقبلوه وأهدوا إليه حلى نسائهم ليخفف [114 أ/4] عليهم في الخرص فلم يقبل عبد الله هديتهم وقال: هذا سحت في ديننا فأرادوا أن يستدرجوه بالكلام, فقالوا له: أن أحب من تقدم علينا من هذه الجهة, فقال عبد الله: أما أنا فقد قدمت من عند من هو أحب من نفسي التي بين جنبي وقدمت على قوم هم أبغض على من القردة والخنازير فقالوا له: إذًا لا يمكنك أن تعدل بيننا فقال عبد الله حبي إياه لا يطلق إلى الميل إليه وبغضي إياكم لا يحملني أن أجور عليكم إني إنما أحبه في ذات الله وأبغضكم في ذات الله, فقالوا بهذا قامت السموات والأرض ثم إنه خرص عليهم أربعين ألق وسق وروي أكثر فقالوا له: أجحفت بنا أي ثقلت الخرص علينا, فقال لهم: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي يعني إن شئتم أخذت منكما بهذا الخرص ورددتم نصف ما خرصته من الثمن وإن شئتم أخذت منكم بهذا الخرص ورددت نص ما خرصت من الثمن فقالوا بهذا قامت السموات والأرض أي ¬

_ (¬1) مضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أخرجه أبو داود (1603) , والترمذي (644) , والنسائي (2618) , وابن حبان (3267) , والدارقطني (2/ 132).

بالعدل فقيل إنهم أحصوا تلك الثمار التي أخذوها فلم يكن عبد الله غلط بقدر عشرة أوسق ثم إنه صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قال: "إن عشت إلى قابل لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب", [114 ب/4] فمات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتفرغ لذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلما كان زمان عمر رضي الله عنه سحرت اليهود ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه فتكوعت يده فأجلاهم عمر فقالوا كيف تخرجنا وقد تركنا أبو القاسم فقال: ألم يقل أقركم على ما أقركم الله وأقبل على رجل منهم فقال: أنشدك الله ألم يقل لك رسول الله "كأني أنظر إليك وقد حملت متاعك على عاتقك لتخرج من خيبر وأخرجهم". مسألة: قال (¬1) وَوَقْتُ الخَرْصِ إذا حَلَّ البَيْعُ. وهذا كما قال قد ذكرنا أن الوقت الخرص حين يحل بيع الثمار مطلقًا وذلك حين يبدو الصلاح وإن بدا ذلك في زمرة واحدة وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يبعث عبد الله بن راوحة خارصًا حين يطلب أو الثمرة" ولأن الخرص إنما يراد ليعرف رب المال قدر الزكاة ويملك التصرف لله وهذا إنما يحتاج إليه إذا حدث ما يمنع التصرف وهو تعلق الزكاة, فأما قبل ذلك فهو مطلق التصرف فلا يحتاج إلى الخرص فيه ولأن الساعي يحصي المواشي بعد وجوب الزكاة فكذلك الخرص بعد وجوب الزكاة. وقوله يتموه العنب أراد حين يجمع الماء الحلو وقيل أراد حين يتغير [115 أ/4] لون إلى الصفرة من قولهم موهب الفضة إذا طليتها بالذهب, وأما قوله ويوجد فيه ما يؤكل أراد يؤكل مستطابًا لأن الحصرم والبلح يؤكلان أيضًا, وقد صرح في موضع آخر فقال: ويوجد فيه ما يؤكل طيبًا ثم أعلم أن الشافعي ذكر خبر سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا فقال: "إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" (¬2) ثم قال في "الأم" في آخر بيع العرايا: تأويله أنه يدع لرب الحائط وأهلها من الثمرة قدر ما يأكلون ولا يخرصه ليؤدي زكاته, وقال في بعض كتبه: تأويله يدع ثلث الزكاة أو ربعها عد رب المال ليتولى تفرقتها على فقراء قرابته وجيرانه لأنهم يطعمون في ذلك منه ذكره صاحب "الإفصاح" وهذا أقرب وقيل هل يفعل ذلك وجهان. فرع لو كان لرجل حائطان بدا صلاح أحدهما دون الآخر فيه وجهان, أحدهما: يخرصان معًا ويكون حكم الصلاح جاريًا عليهما, والثاني: يكون لكل واحد منهما حكم نفسه فيخرص ما بدا صلاحه إلا أن يكون أقل من خمسة أوسق فلا يخرص حتى يبدو صلاح الأخر يخرصان معًا. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 226). (¬2) أخرجه أحمد (4/ 2, 3) , وأبو داود (1605) , والترمذي (643) , والنسائي (2491) , وابن حيان (3269) , والحاكم (1/ 402).

مسألة: قال (¬1): ويأتي الخارصُ النخلةَ فيطيف بها [115 ب/4] حتى يرى كل ما فيها. الفصل وهذا كما قال أعلم أن الصحابة وعلماء الأمصار أجمعت على أن خرص ثمار البصرة لا يجوز لكثرتها وما تلحق المشقة والمؤنة في خرصها فرأى السلف أن تؤخذ صدقتها في الكرش عند دخول ثمرها البصرة فيكون ذلك أرفة بأربابها وأحظ للمساكين. وأما الكرم فهم وغيرهم فيه سواء يخرص عليهم ثم إذا أراد أن يخرص الثمرة على ربها فإنه يجيء إلى كل نخلة من نخيل ذلك الحائط فينظر في شماريخها ويقدرها رطبًا ثم يقدرها تمرًا فيقول يبلغ رطبها كذا وكذا وإذا جف وصار تمرًا نقص كذا وكذا ويثبت مكيلتها من التمر, وقيل يكتبها حتى لا ينساها ولا يغلط فيها ثم يعمل ذلك بكل نخلة حتى يأتي على جميعها ولا يكفي أن ينظر في صف من النخيل أو في عريش من الكرم فيقول خرجها كذا وقيل فيه ثلاثة أوجه, أحدهما: أن هذا الذي ذكرنا احتياط ولا يجب لأن فيه مشقة خاصة عند كثرة النخل, والثاني: أنه شرط لأن الخرص اجتهاد فيلزم بذل المجهود له, والثالث: وهو الأصح إن كانت الثمرة بارزة من السعف على ما جرت به عادة الحجاز كان شرطًا وقال في البويطي يقدرها بسرًا ثم يقدرها تمرًا. [116 أ/4] والأول أولى لأنه ليس ما بين البسر والرطب تفاوت فإذا قدره رطبًا فقد قدره بسرًا. وقال أبو إسحاق: فإن اختار أن يحصي جميع ما في الحائط من الرطب ثم يسقط منهم قدر ما نقص إذا يبس كان أسهل وهذا غلط على الإطلاق لأن أنواع التمر تختلف فما قل ماؤه وكثر لحمه مثل المعقلي والبزي كثر تمره وما كثر ماؤه وقل لحمه كالسكر والهلبات قل تمره فيتفاوت ذلك ولذلك يحتاج أن يأخذ من كل واحد من الأنواع بحصته فلا يعرف ذلك فإن كان نوعًا واحدًا, قال بعض أصحابنا يجوز ذلك ولكن الاحتياط هو فيما ذكر الشافعي رحمه الله ويخرص العنب كما ذكرنا في الرطب لأنهما في وجوب العشر سواء. مسألة: قال (¬2): ثم يخلي بين أهله وبينه. وهذا كما قال: إذا خرص الخارص التمرة على ربها فإنه يخلي بينه وبينها لأنه مؤنه اللقاط والتجفيف على رب المال فوجب أن يخلي بينه وبينها فإذا خلى بينه وبينها وقيل خرص الخارص حل له التصرف في التمرة على الإطلاق على ما ذكرنا والأظهر من هذا النص هذا فالحرص يستفيد النصين وبالنصين يستفيد التصرف وبالتصرف يلزمه الضمان ثم إذا أتلفهما ضمن عشر تمرًا على حساب ما خرص عليه [116 ب/4] من أوسطهما فإن اختلف في وسطها فالقول قول رب المال مع يمينه. قال أصحابنا: ويجب أن يكون اليمين ها هنا استحبابًا لأن قول رب المال لا يخالف الظاهر فإن كان ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 226). (¬2) انظر الأم (1/ 227).

المساكين معينين في البلد ونكل هو عن اليمين هل يحلفون قد ذكرنا إن أوجبنا اليمين إلا أن يأتي الساعي ببينة وأقلها شاهد وامرأتان هذا إذا سلمت إليه بالضمان وإن سلمت إليه أمانة ففيه وجهان, أحدهما: يطالب بأكثر الأمرين من قيمتها رطبًا أو مكيلتها تمرًا لأن لهم أوفر الحقين من الرطب أو التمر كمن أوجب على نفسه أضحية ثم أتلفها لزمه أكثر الأمرين من قيمتها أو مثلها, والثاني: أن يطالب بمكيلتها تمرًا لأن هذا هو الواجب عليه وهذا هو ظاهر المذهب المنصوص, وقال بعض أصحابنا: إن قلنا: إن الخرص عبرة يضمن قيمة العشر لأنه لا مثل للرطب وهذا غلط لأن الثمرة إن كانت مما تصير تمرًا لم يجز إخراج العشر منه إلا من التمر وليس هذا كما لو أتلف الأجنبي الرطب تلزمه قيمته حين أتلفه لأن ضمان المتلف يختلف باختلاف التلف كالصيد المملوك إن أتلفه محرم فإنه يلزمه الجزاء والقيمة وإن أتلفه حلال فعليه القيمة وكذلك إذا [117 أ/4] عين أضحية إن أتلفها آخر ضمن قيمتها وإن أتلفه المضحي فعليه أكثر الأمرين من مثلها أو قيمتها, وكذلك إذا وطئت امرأة بشبة فعليه مهر مثلها فإن كان من العشرة خفف عنه, وإن كان من غير العشرة غلظ عليه, وإن أتلفها قبل مجيء الخارص خرصها فالقول قوله في مقدارها لأنه أمين في الزكاة, ويأثم بما فعل وللإمام أن يعزره إن تعمد ذلك لئلا يعود إلى مثله ويلزمه عشرة تمرًا على ما ذكرنا من المذهب, وقال القفال: فيه وجهان, أحدهما: هذا لأنه منع الخرص فصار كما لو خرص عليه ثم أتلفه, والثاني: تجب القيمة لأن التمر إنما يلزم في ذمته بالخرص وهذا غير صحيح على ما ذكرنا. فرع قال بعض أصحابنا: إذا أتلف نصاب الغنم فإنه يضمن للفقراء السن الواجبة عليه وهو المذهب, وقال القاضي حسين: يضمن قيمة الشاة كما إذا أتلف الرطب فإنه يضمن للفقراء ثمن عشرها وهذا صحيح على قولنا إن الزكان تجب على الشركة فإنه متلف شاة مملوكة للفقراء فيضمن قيمتها. مسألة قال (¬1): وإن ذكر أهله أنه أصابته جائحة أذهبته. الفصل وهذا كما قال: إذا دعي رب المال أن الثمرة أصابتها جائحة فإن ادعى ذهاب الكل [117 ب/4] نظر فإن ادعى بسبب ظاهر مثل مجيء الجرار ونزول العسكر أو وقوع الحريق في الجرين فلا يقبل منه إلا أن يعلم السبب لأن مثل ذلك يظهر في الغالب ولا يخفي أمره ولا يحتاج فيه إلى اليمين وإن ادعى ذهابها بسبب خفي بأن قال سرق بعد اللقاط أو على رؤوس النخل فالقول مع يمينه كما يقول في المودع إذا ادعى تلف ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 227).

الوديعة بسبب ظاهر لا يقبل منه حتى يعلم السبب وإن ادعى تلفها بسبب خفي قبل منه وإنما يحلفه ها هنا إذا اتهمه وهل اليمين واجبة أو مستحبة على القولين لأن هذه الدعوى تخالف الظاهر وهكذا لو ادعى شيئًا ظاهرًا ولكن لم يعلم أنه أصابها ويحتمل خلاف ذلك وإن ادعى ذهاب البعض فالكلام فيه على ما بيناه, وأما الباقي فإن كان نصابًا وجبت الزكاة فيه وإن كان أقل من النصاب فإن قلنا إن الإمكان من شرائط الوجوب فلا زكاة, وإن قلنا من شرائط الضمان وجبت في الباقي بقدره. فرع قال في "الأم" (¬1): لو قال أخذنا منه شيئًا وذهب شيء لا أعرف قدره قيل له: ادع فيما ذهب ما شئت واتق الله ولا تدع إلا ما أحطت به علي واحلف ثم يؤخذ العشر منه كما بقي إن كان في عشر ويجب [118 أ/4] أن يكون في هذه اليمين وجهان هل هي واجبة أو مستحبة وإن لم يذكر شيئًا معلومًا قال الشافعي: أخذنا منه العشر على ما خرصنا عليه. مسألة: قال (¬2): فإن قال: قد أحصيت مكيله ما أخذت وهو كذا وما بقي كذا. الفصل وهذا كما قال إذا قال رب الثمرة: قد نقصت الثمرة عما خرص الخارص وقد أخطأ في الخرص فإن ادعى كثيرًا لا يقع مثله في الخرص مثل النصف أو أكثر منه لم يقبل وطالبناه بعشر ما خرص عليه وان ادعى يسيرًا يقع مصله في الخرص يقبل منه وهل يحلف لم يذكر الشافعي في "الأم" اليمين بل صدق لأنها زكاة وهو فيها أمين وذكر في البويطي اليمين في هذه المسألة فقال: ومن ادعى أن الخارص أخطأ عليه حلف على ذلك وأسقط عنه, قال ابن أبي هريرة لا فرق في اليمين بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة ففي وجوبها وجهان, لأن الظاهر أن الخرص صحيح ودعوى الخطأ خلاف الظاهر وإن ذكر نقصانًا وقال وجدت كذا وكذا ولم يذكر سبب النقصان, قال ابن سريج: القول قوله مع يمينه لأنها قد تهلك بأنه لا يعلمها وليس فيه تكذيب الخارص وإن تفاوت ما ذكره وإن وجد فضلًا عما [118 ب/4] خرص الخارص عليه أدى زكاة الفضل. فرع قال القفال: إذا ادعى غلطَا متفاحشًا وقلنا لا يقبل فهل يقبل المحال في هذه الحالة مثل خمسة أوسق في مائة وسق ونحو ذلك ينبغي أن يقبل ويحط عن هذا القدر المحتمل ... (¬3) ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 27). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) انظر الأم (1/ 227).

هذا ما قال الشافعي في امرأة ادعت انقضاء عدتها بالأقراء في أقل من اثنين وثلاثين يومًا وساعتين فكذبناها فأصرت على دعواها حتى بلغت هذه المدة من يوم الطلاق حكمنا بانقضاء عدتها باثنين وثلاثين يومًا وساعتين وإن كانت تقول انقضت عدتي في عشرين يومًا ونحن نعرف كذبها في دعواها. فرع آخر قال القفال: لو ادعى نقصانًا بقدر ما يقع في التفاوت بين الكيلين هل يحط عنه ذلك وجهان, أصحهما: أنه يحط عنه لكن الكيل والخرص ظن وتخمين, والثاني: لا يحط كما لو اشترى طعامًا مكايلة وباع مكايلة فإنه لا يرجع بالنقص بين الكيلين على البائع الأول لأنه كما يحتمل أن يكون لنقص في الأول يحتمل أنه لزيادة في الثاني أو لمبالغة في فعل الكيال فيه كذلك ها هنا يحتمل أنه خطأ في الخرص ويحتمل أنه وقع [119 أ/4] رجحان في الكيل. فرع آخر لو ادعى أن الخارص ظلمه عمدًا لا دعواه كما لو ادعى على الحاكم الظلم لا يسمع إلا أن يدعي أمرًا لا يخفي على أحد ويشهد له المشاهدة لأنه على اصل الأمانة فإنه ادعى أنه أقر بالجور يسمع ويطالب بالبينة ولا يحلف كما لا يحلف الحاكم إذا ادعى عليه أنه أقر بظلم الحكم. مسألة: قال (¬1): وإن قال سرق بعد ما صبرته إلى الجرين. الفصل وهذا كما قال إذا قال رب الثمرة سرقت الثمرة بعد ما صيرتها إلى الجرين فالجرين هو الموضع الذي تجفف فيه الثمرة وتسمى الجوخان ويسميه أهل البحرين الفدا, والفدا هو الثمر الكثير المجتمع فسمي الموضع ويسميه أهل بغداد المسطاح ويسمى بخراسان وبالشام البيدر, فإذا ثبت هذا فإن سرقت بعد ما جفت وأمكن إخراج العشر منها صار مفرطًا وعليه ضمانها وإن سرقت قبل الإمكان فإنه تسقط الزكاة فيما سرق وينظر فيما بقي فإن كان نصابًا أخرج عشره وإلا فقولان على ما ذكرنا وإن الثمرة في غير الجرين في موضع ليس بحرز للثمرة فسرقت فعليه ضمان العشر فيما سرق لأنه مفرط في حفظه وإن صيرها في الجرين يستجفها [119 ب/4] فرش عليها ماء أو أحدث فيها شيئًا فتلفت بذلك أو نقصت فهو ضامن لأنه هو الجاني عليها وإن لم يحدث فيها إلا ما يعلم به إصلاحها فتلفت لم يضمن. مسألة: قال (¬2): وإن استهلكه رطبًا أو يسرًا بعد الخرص ضمن مكيلة خرصه. وهذا كما قال قد ذكرنا أنه إذا استهلكها وهي رطب يجب عليه العشر على ما ¬

_ (¬1) انظر الام (2/ 27). (¬2) انظر الأم (1/ 227).

خرصه الخارص وكذلك إن استهلكها بسرًا فإن قيل يوجب أن لا يلزم العشر إذا قلتم إن الإمكان من شرائط الوجوب لأنه لم يتمكن من إخراج العشر قبل قد سبق الجواب وهو انه إذا لم يبق من شرائط الوجوب إلا الإمكان وهو تيسير الفعل ثم أتلف فهو الذي منع الإمكان وتيسير الداء فكان الإمكان قد وجد ذكر كيفية الضمان. مسألة: قال (¬1): وإن أصابَ حائطَه عَطَشٌ. الفصل وهذا كما قال إذا أصاب نخيل عطش وعليها ثمرة قد بدا صلاحها فقال أهل البصر بها إن تركت الثمرة عليها حتى تصير رطبًا أدى إلى يبسها وجفافها لأنها تحتلب ماء النخيل فيجب أو ينقص ثمرها في مستقبل الأعوام وإن قطعت الثمرة عنها لم يضرها العطش ولكن يبطل كثيرًا من ثمنها إذ [120 أ/ 4] لا يرغب في شراء غيرها كان لرب الثمرة قطعها. قال الشافعي (¬2): يؤخذ ثمن عشرها أو عشرها مقطوعًا وأراد لا يكلف في هذا الموضع عشرها تمرًا. فإن قيل: هلا قلتم أنه يقطعها ويلزمه عشرها تمرًا كما لو قطع باختياره من غير عطش قبل الفرق أن به حاجة إلى قطعها فكان معذورًا فلا يلزمه العشر تمرًا وصار بمنزله الرطب الذي لا يجئ منه تمرًا ويجوز أخذ العشر من عينة وليس كذلك إذا استهلكها باختياره لأنه كان يمكنه أن يتركها حتى تترطب وتبلغ أوان الجذاذ فيجفف ويؤدي التمر فإذا لم يفعل لم يكن معذورًا وفرط في ذلك فلزمه ما وجب عليه صرفه إلى المساكين, فإذا تقرر هذا, قال أصحابنا: لا يجوز له قطعها ما لم يحضر الساعي, فإذا حضر الساعي قال أبو إسحاق: إن قلنا إن قسمة الرطب على رؤوس النخل بالخرص يجوز على أحد القولين يقاسمه بالخرص فإذا قسمه وتميز نصيب أهل السهمان في نخلات بعينها لحفظ الجميع وأخذ نصبيهم ونظر فإن رأي المصلحة في قسمته بينهم فعل, وإن رأي المصلحة في بيعه وقسمة ثمنه باعه وقسم ثمنه بينهم وإن قلنا [120 ب/ 4] إن قسمة الثمار على رؤوس النخل بالخرص لا يجوز .... (¬3) إلى تمييز حق أهل السهمان في عشر هذه الثمرة بعينها فإن رب المال بالخيار بين أن يعطي ثمنها أو من غيرها فإذا قبضه مشاعًا استقر حقهم في عشر هذه الثمرة بعينها وانقطع خيار المال وجاز للساعي التصرف فيه فإذا أثبت هذا وقبضه فإن شاء باعه من رب الثمرة وإن شاء باعه من الأجنبي وإن شاءا باعا الجميع من واحد واقتسما الثمن على قدر حقيهما وقبل أن يقبضه مشاعًا لا يجوز أن يأخذ ثمنه من رب المال لأنه يكون إخراج القيمة في الزكاة وإن شاء فوض البيع إلى رب المال إذا كان أمينًا وهذا هو المذهب. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 228). (¬2) انظر الأم (2/ 27). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل.

وقال ابن أبي هريرة: لو رأى الساعي الحظ في أخذ حصتهم من الثمرة فإنهما يقطعانها ويقتسمانها كيلاً أو وزنًا واستظهر رب المال على نفسه ليعلم أن الذي أخذه الساعي لا ينقص عن حق المساكين. فإن قيل كيف أخذتهم القسمة كيلاً أو وزنًا ولم تجيزوها خرصًا على رؤوس النخل لأنكم جعلتم القسمة على هذه الطريقة وبيع الثمرة بعضها ببعض لا يجوز كيلاً ولا وزنًا كما لا يجوز على رؤوس النخل خرصًا قيل إنما لا يجوز خرصًا [121 أ/ 4] على رؤوس النخل لأن الساعي لا يتيقن أن أخذه تمام حق أهل السهمان لا من أجل الربا لأنه لا ربا بين الساعي وبين رب المال في مقاسمة العشر وإنما الربا في البيع أو في قسمة الثمرة التي بين الشريكين فإذا كان كذلك فتقاسما كيلاً أو وزنًا واستظهر .... (¬1) السهمان بحيث يتيقن استيفاء حقهم جاز ولهذا قال الشافعي: ويؤخذ عشر ثمنها أو عشرها مقطوعة فخير بينهما على ما هو الأنفع للمساكين وهذا خلاف مذهب الشافعي لأنه بعد هذا والعشر مقاسمة كالبيع بلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على الشجرة. وقوله ويؤخذ عشر ثمنها أو عشرها مقطوعًا أراد يأخذ عشر ثمن عشرها إذا باع العشر مشاعًا بعد القبض على ما ذكرنا أو يأخذ عشرها مقطوعة مشاعًا ثم يتصرف في العشر على ما يجوز في الشرع وقيل: معناه يأخذ عشرها إن كانت باقية أو قيمة العشر إن كانت مستهلكة وعبر بالثمن عن القيمة ونص في "الأم" على هذا وقيل يأخذ عشر قيمتها وإن كانت باقية وهو ضعيف لما بينا أنه لا يجوز أخذ القيمة في الزكاة وإن احتاج إلى قطع البعض للعطش دون الكل لا يقطع إلا قدر الحاجة. مسألة: قال (¬2): ومن قطع من ثمر نخلة [121 ب/ 4] قبل أن يحل بيعه لم يكن عليه فيه عشر. وهذا كما قال إذا قطع ثمر النخل قبل وجوب العشر فيها لم يكره ذلك إلا أن يقصد به الفرار من الصدقة فيكره ولا زكاة مع هذا خلافًا لمالك على ما تقدم بيانه. قال في "الأم" (¬3): وكذلك أكره له من قطع الطلع إلا ما أكل أو أطعم أو تخفيفًا عن النخل. فرع لو كانت النخيل فحولاً لم يكره قطعٍ طلعها بكل حال لأنه لا زكاة في طلع الفحال إذ لا يخفي منه رطب ولا تمر بل يؤكل رطبًا كالخضروات, نص عليه ثم قال الشافعي (¬4) وإن أكل رطبًا ضمن عشرة تمرًا مثل وسطه وقد ذكرنا هذه المسألة وأراد أنه يضمن قبل الخرص تمرًا إذ العبرة بوقت الخرص لا بنفسه وأراد به إذا كانت أنواعًا مختلفة فإنه يؤخذ زكاتها من الوسط فيضمن الوسط وهل يجوز الأكل ولم يضمن تقدم بيانه. مسألة: قال (¬5): وإن كانَ لا يكونُ تَمرًا أَعَلَمَ الوالي ليَأمُر من يَبيعُ عُشرَة رَطباً. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 28). (¬3) انظر الأم (1/ 228). (¬4) انظر الأم (1/ 228). (¬5) انظر الأم (1/ 228).

الفصل وهذا كما قال إذا كان له تمر لا يجفف في العادة مثل السكر والهليان والإبراهيمي التي تفرق قشورها وتقل لحومها ويكثر ماؤها فإذا جففت تخشبت وقوله لا يصير تمرًا أراد به أن لا يعمل منه في العادة [122 أ/ 4] تمر لأنه لابد وأن يحصل منه تمر وإن كان حشفًا فأكل كان كذلك فإنه يجب فيه العشر فإن قيل إذا كان لا ييبس ولا يدخر وحبس الرطب والعنب ييبس ويدخر وهذا نادر منه فألحق بجنسه فإذا ثبت هذا فاختلف أصحابنا في مقداره فمنهم من قال يعتبر نصابه بنفسه وهو أن يبلغ يابسة خمسة أو سق وإن كان حشفًا لأن الزكاة تجب فيه فاعتبر النصاب ثمنه ومنهم من قال يعتبر بغيره فينبغي أن يكون مقدار ما لو كان يجيء منه الثمن يحصل خمسة أوسق لأنه يعذر اعتباره بنفسه فيعتبر بغيره كما تقول في حكومة الحر يراعي التقويم للحاجة ثم الكلام فيه في أربعة فصول في كيفية الإخراج والتصرف والواجب بالإتلاف يصير تمرًا لأن ثمره حشف ومعظم منفعته في حال رطوبته فعلى هذا يلزمه أن يعلم الوالي الحال ثم الحكم في مقاسمته على ما بيناه في مسألة العطش ومن أصحابنا من قال يجوز قسمة هذا الثمرة كيلاً أو وزنًا بخلاف غيرها ويكون بمنزلة الألبان والخلول وهذا لا يعرف للشافعي والفرق أن أصل العنب والرطب أنهما يصيران تمرًا أو زبيبًا وما لا يصير [122 ب/ 4] كذلك فقليل نادر, فكان حكمه حكم الأصل بخلاف اللبن والخل ومن أصحابنا من قال: قال الشافعي ها هنا: إن أخذ عشرة وزنًا كرهته وأجزأه. وقال في موضع آخر رده فالموضع الذي قال رده هو إذا قلنا إن القسمة تبع والموضوع الذي قال أجزأه إذا قلنا: إنها إفراز حق ومن أصحابنا من قال: حين قال أجزأه إذا أخذه على الاحتياط وتيقن أنه استوفي حق المساكين وحين قال رده إذا أخذه بغير احتياط فأما التصرف فعلى ما مضى. وأما المضمون إذا استهلكه المنصوص أنه قيمة عشرة رطبًا لأن هذا لا يصير تمرًا ولا يخرص بل تؤخذ صدقته في الحال ومن أصحابنا من ذكر وجها أنه يضمن عشرها رطبًا لأن رب المال إذا أتلف الزكاة ضمن الزكاة الواجبة كما لو أتلف أربعين شاة وجبت فيها شاة يجب الضمان بالشاة وهذا ضعيف. وأما النوع هل يضمن من الوسط أو من كل نوع بحصته على ما ذكرنا. مسألة: قال (¬1): وفي كل أحب أن يكون خارصان. وهذا كما قال يستحب أن يكون الخارص خارصين وأكثر ليكون أبعد من الخطأ وأحوط [123 أ/ 4] للجميع وأما الواجب فقال أكثر أصحابنا يجوز خارص واحد قولاً واحدًا لأنه كالحاكم في أنه يجتهد وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه خارصًا وحده ومن أصحابنا من قال فيه قولان, وبه قال صاحب "الإفصاح" وتعلق بقول الشافعي وقيل يجوز خارص واحد كما يجوز حاكم واحد وهذا ¬

_ (¬1) أنظر الأم (1/ 228).

يدل على أن فيه قولاً وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث مع ابن رواحة غيره ولأن في التقويم لابد من اثنين كذلك ها هنا والصحيح الأول. ومن أصحابنا من قال إن كانت الثمرة لابد من اثنين كذلك ها هنا والصحيح الأول. ومن أصحابنا من قال إن كانت الثمرة لصغير أو سفيه أو غائب فلابد من خارصين, وإن كانت لغيرها ولا يكفي واحد وهذا غلط لأن الشافعي سوى في "الأم" بين الجميع وإنما فرق بينهم في التخيير, فقال: يخير البالغ العاقل الحاضر ولا معنى للتخيير الصغير والسفيه والغائب الذي لا وكيل له. وفي القسمة إن كان فيها رد يحتاج إلى اثنين وإن يكن ففيه طريقان كما قلتا في الخارص وفي الغائب طريقان أيضًا. فرع إذا قلنا يكفي خارص واحد لا يجوز أن يكون امرأة ولا عبدًا كالحاكم, وإذا قلنا إنه لابد من خارصين لا يجوز [123 ب/4] أن يكونا امرأتين أو عبدين وهل يجوز أن يكون إحداهما امرأة أو عبدًا ليكون الرجل مختصًا بالولاية والمرأة والعبد مشاركًا له في التقدير والحرز؟ وجهان, إحداهما: يجوز كما يجوز أن يكون كيالاً أو وزانًا. والثاني: لا يجوز لأنه يحتاج إلى الاجتهاد كالحكم. فرع آخر لا يجوز للساعي أن يقبل من أرباب الأموال هدية لأنهم يفعلون ذلك لترك حق أو لدفع ظلم فيصير مرتشيًا (¬1) , وأراد بالرائش المتوسط بينهما. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أخذ العامل من عمالته فهو غلول" (¬2) فإن قبل الساعي هدية على ترك حق أو دفع ظلم يلزمه ردها وإن قبلها لشكره في إنعام كان منه, قال الشافعي: كانت في الصدقات لا يسعه عندي غيره إلا أن يكافيه عليها بقدره فيسعه تمولها والله أعلم وهذا عند أصحابنا على الاستحباب والاحتياط. مسألة: قال (¬3): ولا تُؤخَذُ صَدقةُ شَيءٍ منَ الشَجَرِ والعِنبِ. وهذا كما قال هذا الذي ذكره هو قوله الجديد وبه قال ابن أبي ليلى قال: وهذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصداقة منهما [124 أ/ 4] وكلاهما قوت يشير بهذا إلى أن علة وجوب الزكاة فيهما أنهما مقتاتان من بين الثمار, وقال في القديم: يجب العشر في الزيتون إذا بلغ خمسة أو سق, وبه قال مالك والزهري والأوزاعي ثم قال في القديم وأحب أن يعشر زيتًا فجوز أن يعشر زيتًا لأنه أكمل وإنما أجاز الزيتون لأنه يدخر. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (2/ 164, 190, 387, 388) , وأبو داود (3580) , والترمذي (3580) , وابن ماجه (2313) , وابن حبان (5053). (¬2) أخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (2296) , وابن عدي في "الكامل" (1/ 281). (¬3) انظر الم (1/ 228).

باب [صدقة الزرع]

قال أصحابنا: وهذا في الشامي الذي يكون منه الزيت فأما الزيتون الذي لا يكون منه الزيت فإنه يعشر إذا نضج وطاب ويؤخذ عشرة إذا بلغ خمسة أوسق ومن أصحابنا من قال يجب أن يعشر زيتًا لأنها منتهاه كالثمر وهذا خلاف النص. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه جعل في الزيت العشر (¬1). وروي عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال في الزيتون الزكاة فجمعنا بينهما على ما ذكرنا وإذا أوجبنا الزكاة فيه فوقت الوجوب إذا بدا صلاحها بأن يسود كما يسود العنب ور يجوز خرصه قولاً واحدًا. وأما الورس قال الشافعي: هو شجرة صغيرة ينبت أصلها تحمل الورس طيب هل فيه العشر؟ قولان قال في "القديم": فيه العشر وذكر خبرًا قال: أخبرنا هشام بن يوسف أن أهل خفاش أخرجوا كتابًا من أبي بكر [124 ب/ 4] الصديق رضي الله عنه في قطعة أديم يأمرها أن يؤدوا عشر الورس. وقال: لا أدري أثابت هذا أم لا؟ فإن كان ثابها عشر قليله وكثيره لأنه ليس مما يكال, وقال في "الجديد": لا عشر فيه كما لا عشر في سائر المشمومات من الورد والبنفسج ونحو ذلك وهذا اصح وأما الزعفران قال في القديم: فإن قال قائل فقس عليه الزعفران لأنهما معًا طيب فهو وجه. وإن فرق بأن للورس أصلاً بخلاف الزعفران فإنه ليس له أصل ثابت فهو مذهب. قال أصحابنا إن قلنا: إنه لا شيء في الورس فإن الزعفران أولى, وإن قلنا: في الورس العشر ففي الزعفران قولان وإذا أوجبنا لا يعتبر النصاب لأنه لا يوسق ثم قال الشافعي: لو قال قائل: في حب العصفر العشر لأنه مما ينبته الناس ويأكلونه في بعض الأحوال كان مذهبًا. ولو قال بالورس عشر قليله وكثيره وأراد بحب العصفر القرطم فهذه إشارة إلى قولين. وروي. عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يأخذ العشر منه ولم يثبت والصحيح لأن لا زكاة فيه لأنه ليس بقوت, وقال بعض أصحابنا: في عصفره قولان أيضًا كما في القرطم ذكره في "الحاوي" (¬2). وأما العسل فقال في [125 أ/4] "القديم": الحديث الذي فيه العشر غير ثابت والذي روي فيه أنه لا عشر فيه غير ثابت فكأنه لم يقطع بحكمه وعلى القول فيه والخبر المروي فيه أن بني شبابة كانوا يؤدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحل كان عندهم العشر من كل عشر قرب قربة ورجع في الجديد عن ذلك. وقال أحمد وإسحاق والأوزاعي في العسل العشر, وقال أبو حنيفة: إن وجد في غير أرض الخراج يجب العشر وهذا غلط لأنه بقوت فلا يجب فيه العشر كالبيض. باب [صدقة الزرع] مسألة: قال (¬3) في قول الله تعالى: {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] , فيه دلالة على انه إنما جعل الزكاة في الزرع. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7455). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 236). (¬3) انظر الأم (1/ 229).

وهذا كما قال لا خلاف في الجملة في وجوب الصدقة في الزرع والأصل فيه ما تقدم من الآية والخبر وأيضًا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] , ثم اختلفوا في الزرع الذي يجب فيه الزكاة فعندنا لا تجب إلا في الزرع هو قوت. فأما في الفواكه من التفاح والسفرجل وغير ذلك من الخضروات لا عشر فيها, وبه قال الليث بن سعد, وابن أبي ليلى وسيفان [125 ب/ 4] الثوري وأبو يوسف ومحمد وحكي عن أبي يوسف أنه قال يجب العشر في الثمار التي تخرج كل سنة ولا تجب في الخضروات. وروي عنه أيضًا أنه قال: يجب في الحبوب المأكولة والقطن أيضًا. وقال مالك: يجب العشر في الحبوب المأكولة غالبًا من الزرع, وروي عنه يجب فيما يعظم منفعة فليزم في القطن. وقال أبو حنيفة: يجب في جميع الثمار والخضروات إلا في الحشيش حتى تجب في عشر كراثات كراثة. وقال الحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح لا زكاة إلا في الحنطة والشعير, وزاد أبو ثور والذرة, وقال عطاء بن أبي رباح يجب في كل زرع ينبت من بذره ويؤخذ من زرعه وهذا كله غلط لأن أنفس الزروع القوت والزكاة بأنفس الأجناس كما في الجواهر ثم أعلم أن المزني أوهم أن الشافعي احتج بهذه الآية على أبي حنيفة أن لا زكاة في الخضروات فنقل عن الشافعي أنه قال في هذه الآية دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزروع وليس كما أوهم بل إنما استدل بهذه الآية على وقت وجوب الصدقة في الزرع الذي يجب فيه الصدقة وذلك أن المراد بالآية: والتزموا زكاة الزرع يوم حصاده أي: يوم يبدو الصلاح فيه ويمكن حصاده كما قلنا في الثمار تجب الزكاة فيها وقت بدو الصلاح. مسألة: قال (¬1): فَمَا جَمَعَ أن يَزرعَهُ الآدميُونَ. الفصل وهذا كما قال .... (¬2) الشافعي: الزرع الذي تجب فيه الصدقة, فقال فما جمع أن يزرعه الآدميون ويبس ويدخر ويقتات مأكولا خبزًا وسويقًا وقيل: طحينًا وليس بشيء ففيه الصدقة وأراد بقوله: "فما جمع", أي: فما حصل من الزروع هذه الأوصاف التي حملتها أن يزرعه الآدميون ويقتات في حال الاختيار بأي وجه كان ففيه الصدقة إذا كان نصابًا ونصابه ما ذكرنا في الثمار خلافًا لأبي حنيفة. فأراد بقوله: "يزرعه الآدميون" أنه من جنس ما تقصد زراعته في الغالب فإنه لو نقل الحنطة من البذر فانتشرت منها في أرضه فنبت ما يبلغ خمسة أوسق وجب العشر فيه, وإن لم يقصد زراعته كما يجب في زرع الغاصب على مالكه ومن أصحابنا من قال يشترط فيه أربع شرائط أن يزرعه الآدميون ويكون مما يبس بعد حصاده ويدخر بعد يبسه ويقتات حال ادخاره وهذا كله داخل فيما تقدم ومعنى القوت ما تقوم به النفس في غالب العادة لبقاء نقله في المعدة ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 230). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

فإذا تقرر هذا فجملة ما يجب فيه [126 ب/ 4] العشر من الحبوب البر وأنواعه البيضاء والسمرا والحمرا والبغدادية والموصلية والشامية وهي أجودها, والشعير وأنواعه الأبيض والأحمر والأسود والحلو منه والحامض, وأما السلت فجنس بانفراده لا يضم إلى الشعير ولا إلى الحنطة وهو حب كالحنطة في الملامسة ويشبه الشعير في طوله وطبعة طبع الشعير وفيه حموضة يسيرة نص عليه في "الأم" (¬1) والبويطي, وذكر القفال هكذا أنه صنف بانفراده ولكنه قال: هو نوع من الشعير غير أنه لا عشر له, وطبعة حار كطبع الحنطة وهذا غلط لما ذكرنا وقال صاحب "الإفصاح": هو نوع من الشعير يضم إليه على الظاهر من مذهب الشافعي وأنكره أصحابنا على ما ذكرنا ويجب العشر في الأرز والذرة والقطنية كلها وهي الباقلا والحمص والعدس والدجر وهو: اللوبيا والجاورس والدخن والخلو وهو الماس والملك وهو الهرطمان وإنما سميت قطنية لأنها تقطن في البيوت للقوات أي تقيم فيه وتمكث عندهم مدخرة وقيل الخلو هو الترمس, قال الشافعي: لا زكاة في الترمس, قال الشافعي: لا زكاة في الترمس لأنه يؤكل أدمًا وقيل: إنه حب يدخل في العقاقير والأدوية. وقال في القديم ولا أضم حنطة إلى شعير ولا شعير إلى سلت ولا سلتًا إلى ترمس وهذا [127 أ/ 4] يدل على أن فيه الزكاة فحصل قولان والصحيح أن لا زكاة فيه نص عليه في "الأم" (¬2) والبويطي. وقال بعضُ أهل اللغة: الترمس حب عريض أصغر من الباقلاء وهو تقدير نواة التمر الهندي إلا أن نواة التمر الهندي مربعة وهذا مدور حسن التدوير, هو كالدينار الصغير وقيل: إنه يهيج الباءة. وقال في البويطي: لا زكاة في الحلبة لأنها ليست بقوت في حال الاختيار فإذا تقرر هذا فلا زكاة في صنف من هذه الأصناف حتى تبلغ خمسة أوسق ولا يضم صنف آخر, وقال مالك: يضم القطنيات وبه قال أحمد في رواية وهذا غلط لأن كل منهما يخالف صاحبه في الطعم والخلقة وينفرد كل واحد منهما باسم خاص لا يشاركه الآخر فيه فإن قيل: أليس العدس يفارق الحنطة في الاسم ويضم إلى الحنطة؟ قيل الفرق هو أن كليهما حنطة في الصورة والطبع وإن افترقا في الاسم فلهذا يضم إحداهما إلى الآخر بخلاف هذا ثم إن الشافعي ألزم نفسه سؤالاً من جهة مالك وانفصل عنه في آخر مسألة أخرى فقال: فإن قيل: فاسم القطنية العدس والحمص فلم يضم إحداهما إلى الآخر قيل ثم [127 ب/4] ينفرد كل واحد منهما باسم أي: وإن كان يجمعهما اسم عام فقد انفرد كل واحد منهما باسم خاص ثم أوضح ذلك فقال: وقد يجمعهما اسم الحبوب يعني جميع القطنية مع الحنطة والشعير اسم الحبوب ثم لا يضم الحنطة ولا الشعير إلى القطنية لما ذكرنا كذلك هشام لزمه سؤالاً آخر فقال: فإن قيل فقد أخذ عمر رضي الله عنه العشر من النبط في القطنية دل ظاهره أنه ضم بعضها إلى بعض ثم انفصل عنه فقال: وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العشر من التمر ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 30). (¬2) انظر الأم (2/ 30).

والزبيب وأخذ عمر رضي الله عنه من القطنية والزبيب أفيضم ذلك كله أي: هذا الذي رويتم في القطنية عن عمر رضي الله عنه لا يدل على الضم ولا ما روي من أخذ عمر رضي الله عنه من القطنية والزبيب فنقول: اسم الحبوب يجمع الكل ولا يضم على ما سبق بيانه واسم النعم يتناول أجناسها واسم النقد يتناول الذهب والفضة ولا يضم فالقول على الجواب الأول الذي هو دليل بنفسه وعند مالك يضم البر إلى الشعير أيضًا فيبطل به مذهبه وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس فيما دون [128 أ/ 4] خمسة أوسق من البر صدقة", وهو دليل عليه ونقيس على التمر لا يضم إلى الزبيب. مسألة: قال (¬1): ولا يَبينُ لي يُؤخَذَ من الغَثَ وإن كانَ قُوتًا. وهذا كما قال المزني الغث هو حب الغاسول يعني حب الأشنان فيفسخ فتكون فيه حموضة ومرارة ويؤكل عند المجاعة. وقال غيره وهو حب أسود يدفن حتى يلين قشره ثم يؤخذ عنه القشر ويطحن ويقتاته أعراب طيء وهذا أشبه بكلام الشافعي لأنه قال: وإن كان قوتًا وحب الأشنان لا يقتات بحال, وإن كان فيؤكل وأيهما كان فلا زكاة فيه وكذلك لا زكاة في حب الحنظل ولا في حب شجرة برية وهو البلوط والفص مما لا يزرعه الآدميون ولا يجب في الوحشي كالظباء وحمار الوحش وبقر الوحش وغير ذلك, ثم اعلم أن بعض أصحابنا تعسف وأطلق فقال متى قال الشافعي ولا تبين لي كذا فهو تعليق القول وغلط فيه لأنه قال ذلك في الغث وليس بتعليق القول فإن المسألة إجماع. وقال في كتاب الصلاة حيث أمر بالرش على بول الصبي ولا يبين لي فرق بين الصبي والصبية وليس بتعليق القول, وقال في باب ما يُسقط الفرض عن الماشية: وإن كانت [128 ب/4] العوامل ترعى مرة وتترك أخرى لا تبين لي أن في شيء منها صدقة وليس بتعليق القول نظائر ولا زكاة في الجُلجان وهو في السمسم ولا في بزر الكتان والحرير والقثاء والقرع والفجل والكزبرة والكراويا والكمون وجميع توابل القدر من الفلفل والدار صيني والثوم والبصل والجزر والثلجم والثفا وهو حب الرشاد والأفيوش وهو بزر قطونا والعربرب وهو السماق والأدوية كلها الهليج والأملج والأبلج والمن وسكر القصب والترنجبين وغير ذلك والأصل في ذلك ما روى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فيما سقته السماء والبعل والسيل العشر, وفيما سقي بالنضج نصف العشر" (¬2) يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب فأما القثاء والبطيخ والرمان والخضر فعفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد تجب في كل الثمار والحبوب التي تكال وتدخر وإن نبت بنفسه فأوجب الزكاة في اللوز دون الجوز لأنه لا يكال الجوز. ¬

_ (¬1) انظر الم (1/ 230). (¬2) أخرجه البخاري (1483) , وابن خزيمة (2285, 2288) , والدارقطني (2/ 97) , والحاكم (1/ 401) , والبيهقي في "الكبرى" (7485).

مسألة: قال (¬1): ولا يُؤخَذُ زَكَاةُ شيئٍ مما يَيَبسُ حتى ييبسَ ويُدرَسَ. وهذا كما قال قد ذكرنا وقت وجوب الزكاة في الثمار [129 أ/4] فأما في الحب فإنه تجب إذا اشتد قال ابن سريج: إذا اشتد الحب واصفر الزرع وحان حصاده, وقال في القديم وقت الوجوب قبل وقت الحصاد وقيل عند الحصاد والمذهب ما ذكره ابن سريج وأما وقت الإخراج فلا يخرج إلا في أكمل الأحوال فإن كان مما يبقى مثل الحبوب فإذا داسوه وذروه وصفوه يبحث يطحن على جهته أخرجوا عشرة وإن كان مما ييبس ويجفف كالرطب والعنب فإذا ردوه إلى الجرين وجففوه وأخرجوا عشره ويكون مؤنة ذلك على رب المال والأصل فيه خبر عتاب بن أسيد "ثم يؤدي زكاته زبيبًا" كما يؤدي زكاة النخل تمرًا, وقال عطاء تحتسب المؤنة من أصل المال ثم يؤدي العشر من الباقي وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر", وعلى قوله يجب أقل من العشر ولأن مؤنة الحيوان السائمة الزكاتية على رب المال من أجره الراعي ونحو ذلك كذلك ها هنا فإذا تقرر هذا فإن سأل أهل الحنطة أن يؤخذ منه العشر في سنبلها لم يكن له ذلك لأنه ليس في حال يدخر عليه في الغالب ولأنه مجهول المقدار قيل أليس يأخذون العلس في قشرته [129 ب/4] وكذلك الأرز في قشره فما الفرق؟ قلنا الفرق أن هناك يعلم ما ينقص منه بالتقشير من طريق العرف والعادة فلا يؤدي إلى الجهل بمقداره بخلاف هذا وأعلم أن العلس هو نوع من الحنطة يخالف أنواعها لأنه إذا دس بقيت حبهان في كمام ولا يزول حتى يدق أو يطرح في رحى خفيفة فيقشر كالأرز وإذا قشر لا يبقى بقاء الحنطة في كمامها ويبقى بعد الدراسة قشرتان فإذا أرادوا الخبر نحوا عنها القشرة العليا وطحنوها في الثانية لأن القشرة الثانية مثل قشرة النوع الآخر من الحنطة فإن كان قد نحى عنها القشرة العليا اعتبر أن يكون مقداره قدر خمسة أوسق وإن كانت عليه القشرة العليا اعتبر أن يكون مقداره عشرة أوسق وإلا لا تجب الزكاة وكذلك الرز عليه قشرة لا ينتفع بها مثل العلس سواء, فإن أخرجه من قشرة اعتبر أن يكون وإذا لم يخرجه اعتبر أن يكون عشرة أوسق هكذا قال بعض أصحابنا وهو اختيار القاضي الطبري. وحكي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: يذهب من الأرز الثلث إذا قشر فلا زكاة فيه حتى يكون سبعة أوسق ونصفًا غير مقشرًا ويكون خمسة أوسق مقشرًا والأول أصح لأن جريبًا [130 أ/4] واحدًا من الأرز على التقريب أربعون ثمنًا فيذهب عنه عشرون ثمنًا ويبقى عشرون ثمنًا. فرع هل يعتبر أن يكون الباقلى خمسة أوسق بعد التصفية عن العشر التحتاني وجهان: إحداهما: لا يعتبر لأنه مدخر معه ويطحن معه ولا تزال تلك القشرة إلا عند الأكل. ¬

_ (¬1) انظر الأم (1/ 230).

باب الزرع في الأوقات

والثاني: ... (¬1) قشر غليظ يظهر أثره في الكيل وليس بمقصود وهو الصحيح عندي ويضم العلس إلى الحنطة لأنهما نوعا جنس واحد كالضأن والمعز فلو كانت عنده ثلاثة أوسق من الحنطة وأربعة أوسق من العلس وجب العشر وهو بالخيار إن شاء دفع العشر من العلس في طبرستان بستين ثمنًا فلا دانق بالتمر المحمدي وتوجد زكاة الذرة في قشرها لأنه يطحن مع قشرها وقشرها لا يظهر في الكيل ظهورًا ظاهرًا فإذا تقرر هذا فلو أخذ العشر رطبًا كان عليه رده إن كان قائمًا أو رد قيمته إن كان تالفًا لأنه لا مثل له ويطالب باليابس لأن حق الفقراء في اليابس ومن أصحابنا من قال يضمن المثل لحق الله تعالى وهو غلط فإن جف عند الساعي نظر فيه فإن كان قدر الزكاة أجزأه وإن كان أقل رجع بالباقي عليه وإن كان أكثر الفضل ثم بين الشافعي [130 ب/4] العلة في أنه لا يجوز أخذه في حالة الرطوبة فقال: القسمة في هذه الحالة غير جائزة لأن القسمة كالبيع وبيع بعضه ببعض في هذه الحالة لا يجوز وهو معنى قوله لاختلاف نقصانه وهذا من كتاب البيوع وقال والعشر مقاسمة كالبيع, وقال أيضًا: لو أخذه من عنب لا يصير زبيبًا أمرته برده لما وصفت من أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض رطبًا ذكره في "الأم" (¬2) وهذا كله يدل على بطلان قول من قال من أصحابنا إنما منع من ذلك أنه لا يتحقق استيفاء الحق على التمام حتى لو تيقن جاز وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ثم قال الشافعي بعد هذا: ولو قسمه عنبًا موازنة كرهته ولم يكن عليه غرم وهذا على القول الذي يقول إن القسمة إفراز النصيبين ومن ذهب على قول ابن أبي هريرة تعلق به وقال غنما أجازه لأنه .... (¬3) وهذا غلط لأن ما قلناه من التأويل يمكن ولا يمكنه التأويل فيما ذكرنا من اللفظ والتعليل فصح ما قلناه وأعلم أن المزني أوهم في النقل أنهما مسألتان هذه والتي قبلها وليس كذلك بل هما مسألة واحدة فإن قوله ولو قسمه عنبًا موازنة أراد به في هذا العنب الذي [131 أ/4] لا يصير زبيبًا والرطب الذي لا يصير تمرًا فأجاز ها هنا أخذ عشرة مقاسمة مع الكراهة ولم يجزه قبل ذلك وهما قولان نقلهما المزني من موضعين فأوهم أنهما مسألتان وإنما كره لأجل الربا ومسامح للضرورة في أحد القولين. باب الزرع في الأوقات مسألة: (¬4): الذُرَةُ تُزرَعُ مَرًة فتَخرُجُ فتُحَدُ ثمَ تُستَخلَفُ في بعض المواضعِ. الفصل وهذا كما قال إذا زرع الصنف الواحد في ثلاثة فصول في خريف وربيع وصيف وقيل في أربعة فصول والفصل الرابع الشتاء ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعتبر اجتماع الحصاد في فصل واحد وإن اختلفت الزراعة وهو الأصح لأنه حالة إدراكه ووجوب العشر فيه فكان اعتباره أولى أو ما لا يعتبر فيه الحول يعتبر فيه حال وجوب الزكاة كنصاب مال التجارة. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 31). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) انظر الأم (2/ 31).

باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض

والثاني: يعتبر اجتماع الزراعة في فصل واحد وإن اختلف الإدراك في فصول لأن الزراعة هي الأصل والحصاد فرع. والثالث: كل زرعين اتفق في الحصاد في فصل واحد واتفق في الزراعة في فصل واحد ثم أخذها إحداهما إلى الآخر وإلا فلا يضم فيعتبر الطرفان، كما في زكاة المواشي يعتبر الطرفان. وذكر أبو إسحاق [131 ب/ 4] قولاً مخرجاً أن زرع العام الواحد يضم بعضه إلى بعض اختلفت أوقات زراعته وحصاده أو اتفقت كما قلنا في زكاة الثمار وقيل: بالعام ستة أشهر لأن الزرع لا يبقى اثني عشر شهراً فعام الزرع هذا القدر ذكره ألو حامد وقيل: أطول شنة الزرع ثمانية أشهر وأقصرها خمسة أشهر، فالأول يزرع في الخريف ويحصد في الصيف، والثاني: يزرع في الربيع ويحصد في الصيف، وقال بعض أصحابنا أراد اثني عشر شهراً فيعتبر الإدراك فيها أو الزراعة فيها والصحيح أن المراد بالسنة التي ذكر في "المختصر" في قوله: إنه زرع واحد وإذا زرع في سنة واحدة وبعد ذلك أيضاً الفصل، وهو أربعة أشهر ولم يرد به اثني عشر شهراً وفيه قول خاص لم يحكه المزني أن الاعتبار بجميع السنة أحد الطرفين: إما الزرعان وإما الحصادان. وأما الذرة قال الشافعي (¬1) إنها تزرع مرة فتخرج م يستخلف في بعض المواضع فتحصل أخرى فهو زرع واحد، وقال أبو إسحاق هذا هو على القول الذي يعتبر اتفاق الزراعة، فأما إذا قلنا: يعتبر الحصاد أو الطرفان لا يضم ما استخلفه إلى ما حصد منه. ومن أصحابنا من قال: إنها تضم قولاً واحداً لأنهما كالزرع [132 ا،4] الواحد فإنه قيل: على هذا ليس الحمل الثاني في النخل لا يضم إلى الأول فيجب أن لا يضم هاهنا لأنهما بمنزلة الحملين قلنا: الفرق أن في النخل كل حمل منه متفرد عن غيره فإنه يتوالى عادة وهو ثابت الأصل وهذا غير ثابت الأصل ولا هو مزروع للبقاء وإنما زرع لأخذه بعد تكامله وهما زرع واحد فكان بمنزلة العلة الواحدة وهكذا الخلاف، إذا لم يستخلف وضمهم بعضه بعضاً فأسرع إدراك البعض فلما حصد نبت الباقي وأخرج السنابل يضم إلى ما أسرع إدراكه في ظاهر المذهب وسلمه أبو إسحاق وفيه قول أخر لا يضم لاختلافهما في زمان الإدراك وقيل: صورة المسألة في الذرة الهندية تستبل فتحصد ثم تستخلف مرة وأخرى على أصولها في بعض المواضع فتحصل أخرى والأرز عندنا هكذا في بعض النواحي، وقيل: صورته أن الذرة إذا أدركت بما يقع عليها العصافير فتتناثر من سنابلها ثم تسقى الأرض فينبت في أصولها فيدرك مرة أخرى فتضم لأنه زرع سنة واحدة وهذا بعيد. باب قدر الصدقة فيما أخرجت الأرض قال: بلغنا أنًّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولاً معناه " ما سقى بنصحٍ أو غربٍ ففيهِ نصفُ ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 22)

132 ب/4 [العُشْرِ" الخبر وهذا كما قال: الأرض ضربان، ضرب: يشرب من ماء مباح مثل النهر والعين يصل الماء إليه من غير تب ومؤنة فيكون في غلته العشر وهكذا أرض الجبل يقع الثلج عليها فإذا انكشف عنها تحرث وتزرع ولا يحتاج بعد ذلك إلى ماء وهذا ما سقته السماء، وهكذا إذا مرت السيول على أرض ثم انصب الماء فيها ثم تزرع كأراضي العراق والشام ولا يحتاج بعد ذلك إلى الماء ولا فرق في أرض الأنهار بين أن يفتح الماء إليها من النهر العظيم أو يسد النهر العظيم حتى يصعد الماء إليها أو يشق ساقية ويساق الماء إليها وكل هذا يسمى سيحاً ولا فرق في ماء العيون من أن ينبع الماء في جوف الضيعة أو بعيداً منها والعين التي بخراسان تنفق عليها نفقة كثيرة حتى يجري الماء فيصير سيحاً لأن المؤنة الثقيلة عليها حتى تستخرج، فإذا استخرج فهي عين قائمة ومن أصحابنا من قال: إذا احتيج إلى مؤنة عظيمة هكذا أو احتيج إلى نابق من الجص والآجر يلزم نصف العشر ورأيته عن الشيخ الخليل أبي عبد الله الخياطي رحمه الله، والمنصوص الصحيح ما ذكرنا ومن جملة هذا البعل وهو النخل التي تشرب بعروقها [133 أ/4] وكذلك الغيل. وقال الأزهري: البعل من التخل هو ما يشرب بعروقه من غير سقي ماء ولا نضح وذلك أن يغرس النخل في مواضع قريبة من الماء فإذا تفرقت استغنت بعروقها الراسخة في الماء عن السقي، وأما الغيل والغلك فهو الماء الجاري على وجه الأرض، وأما العثري فقيل: هو كالبعل وقيل: هو ما يجتمع في مصنع أو بركة من ماء الشتاء فإذا اجتيج إليه في الصيف فتح فجرى وسقي منه فكل هذا سيح وأصله ما شرب بغير آلة وسمي عثرياً، لأن الماء شيء يتعثر به، وضرب: لا يصل إليه الماء إلا بتعب ومؤنة وآلة وهي الدلو الصغيرة منها والكبيرة والنضح ما يغترف به من النهر إلى ساقية كالجفنة ويسمى بالعراق الشارون أو يستقى به من البئر من السانية وغيرها والغرب هو الدلو الكبير التي لا ينزعها إلا الجمل وجمعه غروب ومنه الدالية وهي جذع طويل يجعل تحته على النصف منه بناء وتعلق برأسه الباطنة من قصب مقير يغترف به الماء فإذا امتلأ يصعد الرجل على الرأس الآخر من هذا الجذع فينزل رأسه ويصعد الرأس .... (¬1) فتقلب إلى الأرض ومنه الدولاب وهو على ضربين، سندي وغراف فالسندي ما تعلق به حبال وتعلق بالحبال دلاً كبيرة من خشب مقير ويديره [133 ب/4] ثور أو بعير والغرّاف معروف ومنه الناعور وهو الدولاب غير أن الذي يديره الماء كدولاب الأرحية ففي كل هذا يجب نصف العشر وهذا لأن المؤن تجب في ذلك، وإن كان يديره الماء بنفسه فاختلف مقدار الزكاة فيهما لاختلاف المؤن ولهذا المعنى اختلف حكم الزكاة بالسوم والعلف والأصل فيه الخبر الذي رواه الشافعي بلاغاً ثم روي عن ابن عمر رضي الله عنهما معنى ما روي في الخبر ثم بيّن أن ذلك إجماع قال: ولا أعلم في ذلك مخالفاً ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

أي: لا يحتاج مع الإجماع إلى الاحتجاج وقيل: جملة ما يتعلق بالمستفاد من الأرض أربعة أوجه نصف العشر وتمام العشر والخمس في الركاز وربع العشر في المعدن في أظهر الأقوال. مسألة: قال (¬1): وإن سُقِيَ من هذا بنهرٍ أو سيل أو ما يَكونُ فيهِ العُشْرُ فَلَمْ يُكْتَفَ بهِ حتَّى يُسقَى بالغَرْبِ. الفصل وٍهذا كما قال: إذا سقي بالنوعين سيحاً ونضخاً ففيه ثلاث مسائل: أحدها: أن يكونا نصفين سقي ثلاثة أشهر بالسيح وثلاثة أشهر بالنضج فتؤخذ زكاته بحساب ذلك فيلزم ثلاثة أرباع العشر وهذا لأنه يؤخذ عشر نصفه ونصف عشر نصفه يكون في أربعين عشرها أربعة وثلاثة أرباع الأربعة ثلاثة. والثانية: [134 أ/4] أن يسقى بإحداهما أكثر وكان معلوماً مضبوطاً ففيه قولان: إحداهما: يقسط على مقدارهما. والثاني يعتبر الغالب وبه قال أبو حنيفة وأحمد، والأول أصح وأقيس كما لو كانت له قطعتا أرض سقيت إحداهما بالنضح والأخرى بالسيح فعلى هذا لو سقى ثلثاه بالسيح وثلثه بالدولاب أخذ من ثلثيه العشر ومن ثلثه نصف العشر. والثالثة: إذا أشكل فلم يعلم مقدار ما شرب من كل واحد منهما قال ابن سريج يحمل الأمر على التسوية فيجعل نصفين ويوجد ثلاثة أرباع العشر كما قلنا في دار بين رجلين فأشكل نصيبهما جعلت بينهم نصفين، ومن أصحابنا من قال: هذا على ضربين: إحداهما: أن يعلم أن إحداهما أكثر وشك في أيهما الأكثر فإن قلنا: بمراعاة الأكثر يلزم نصف العشر لأنه اليقين، وإن قلنا: بمراعاتهما واعتبار حسابهما فلسنا على يقين من قدر الواجب غير أنا نعلم أنه ينقص عن العشر ويزيد على نصف العشر فيأخذ قدر اليقين ويتوقف في الباقي حتى يستبين. والضرب الثاني: أن يشك هل هما سواء أم إحداهما أكثر فإن اعتبرنا الأكثر ففيه نصف العشر لأنه اليقين وإن قلنا: باعتبارهما ففيه وجهان: إحداهما: قاله بأن سريج [134 ب/4] فيه ثلاثة أرباع العشر لأنه أعدل الحالين وأثبت لحكم السقيين. والثاني: تؤخذ زيادة على نصف العشر بشئ، وإن قل وهو قدر اليقين ويتوقف في الباقي حتى يستبين اعتباراً ببراءة الذمة ذكره في "الحاوي" (¬2)، وقال القفال: هل يعتبر عدد السقيات أو المدة وجهان، مثل أن يكون من يوم الزراعة إلى إدارك ثمانية أشهر مثلاً فاحتاج في ستة أشهر وهو زمان الشتاء والربيع إلى ثلاث سقيات وفي شهري ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 32) (¬2) أنظر الحاوي للماوردي (3/ 251)

الصيف إلى ثلاث سقيات فأحد الوجيهين أنه يعتبر عدد السقيات فيلزم نصف العسر ونصف نصف العشر بلا توزيع العشر. والثاني (¬1): ..... ثلاثة أرباع العشر ونصف ربع العشر، ومن أصحابنا من قال: يعتبر بما وقعت الزراعة به فإن زرعت بماء السماء فيلزم العشر، وإن زرعت بماء الدولاب فنصف العشر لأن الزراعة هي الأصل وما بعدها تبع وليس بمذهب. فرع لو اختلف رب المال والساعي فقال رب المال: كان النضح الأكثر، وقال الساعي: كان السيح أكثر فالقول قول رب المال وهل تجب اليمين؟ فهذا يخالفه ظاهر الحال وقد مضى حكمه. [135 أ/4]. فرع آخر لو زرع بالماء الجاري ثم انقطع في الأثناء فاحتيج إلى السقي بالنضج فسقي به هل يثبت حكمه فيه وجهان، إحداهما: يثبت لأنه سقي بهما مشاهدة، والثاني: أنه لا حكم له لأن هذا سقي بالسيح، ولأن الاحتياج إلى النضخ نادر ولا حكم له وهذا القدر غير مقصود فلا يؤثر فلا يؤثر وهذان الوجهان يقربان من الوجهين فيما لو علفت السائمة ساعة ثم أعاد على السوم هل يبطل حكم السوم حتى يستأنف الحول من وقت الإعادة إلى السوم، ومن الوجهين في الخليطين في الماشية إذا ميزا ماشيتهما لحظة ثم خلطا هل يبطل حكم الخلطة أم لا. وهكذا ورع النواضح إذا سقته السماء مرة أو مرتين والصحيح أنه لا اعتبار به لأنًّه غير مقصود. مسألة: قال (¬2): وأخذُ العُشْرِ أن يُكَالَ لرَبِّ المالِ تِسْعَةٌ. الفصل وهذا كما قال: إذا أراد الساعي أخذ العشر من المعشرات فكال لرب المال تسعة والساعي واحد ونصف العشر أن يكال لرب المال تسعة عشر والساعي واحد، وأن .... (¬3) ثلاثة أرباع العشر يكال لرب المال سبعة وثلاثون وللساعي ثلاثة وإنما بدأ بجانب رب المال لمعنيين إحداهما: أن حقه أكثر، والثاني: أن حق المساكين إنما يتبين [135 ب/4] به ولو بدأ بجانب المساكين وكيل لهم واحد فلعل الباقي لا يفي بحق رب المال فيحتاج إلى رد ما كيل للمساكين إليه ولا يكال لرب المال عشرة وللساعي واحد لأنه حينئذٍ يكون جزءاً من أحد عشر ويكال لرب المال والساعي كيلاً واحداً إلا بكشف منه شيء على رأس المكيال ولا تهر ولا يزلزل المكيال ولا يحركه لما فيه من الميل وأخذ الفضل ولا يضع يده فوق المكيال ويرسل على رأسه فما أخذ رأسه أفرغ به لأن ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أنظر الأم (2/ 32). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل.

ذلك أصح الكيل ولا يمسح المكيال لأن المسح يختلف، وإن جعل التمر في قواص أو قلال ثم دعا الساعي إلى أن يأخذ الصدقة عنها عدداً أو وزناً لم يكن عليه ذلك بل عليه أن يأخذه كيلاً على الخرص فوجد في يده تمر أخذه كيلاً وصدق رب المال على مبلغ كيله وهكذا في الحبوب نص (¬1) على هذا كله. مسألة: قال (¬2): وهكذا نصف العشر ويؤخذ العشر مع خراج الأرض. وهذا كما قال: أراد على ما ذكرنا يؤخذ نصف العشر ولا يمنع خراج الأرض من وجوب العشر أو نصف العشر وبه قال ربيعة والليث والزهري والأوزاعي وسفيان الثوري وأحمد [136/ 4] وإسحاق، وقال أبو حنيفة: لا يلزم العشر في الأرض الخراجية والعشر والخراج لا يجتمعان وأصل هذا هو أن العشر عنده هو حق الأرض لأن من حق الزرع حتى لو أجر الرجل أرضاً من رجل بدرهم ..... (¬3) المستأجر فأدرك من الزرع ما يبلغ عشرة ألوفاً يجب العشر كله على المكري والزرع للمكتري وليس عليه إلا كري الأرض وهو درهم وعندنا العشر حق الزرع والخراج حق الأرض فلا يتمانعان في الوجوب والدليل عليه أنه يختلف قدره بقدر الزرع ويجب عندنا على المكتري دون الكري فإذا تقرر هذا فأعلن أن أرض الخراج هي سواد الكوفة وهي من القادسية إلى حلوان عرضاً ومن تكريت إلى الأهواز طولاً. وقيل: هي من تخوم الموصل إلى عبادان طولاً وهو قريب من ذاك ومن أصحابنا من قال: ظاهر هذه المسألة أنها خلاف فإذا كشفنا عن المذهب تبين أنها وفاق وذلك أن الإمام إذا فتح أرضاً عنوة فعليه أن يقسمها بين القائمين ولا يجوز أن يقرها على ملك المشركين ولا خلاف أن عمر رضي الله عنه فتح السواد عنوة ثم اختلفوا فيما صنع فعندنا أنه قسمها بين الغانمين واستغلوها سنتين أو ثلاثاً ثم رأى أنه إن أقرهم على القسمة تشاغلوا بالعمارة [136 ب/4] عن الجهاد فيتعطل الجهاد وإن تشاغلوا بالجهاد تخرب السواد فرأى المصلحة في نقض القسمة واستنزل المسلمين عنها فمنهم من ترك حقه بعوض، ومنهم من ترك حقه بغير عوض فلما حصلت الأرض لبيت المال وقفها على المسلمين ثم أجرها منهم بقدر معلوم يؤخذ منهم في كل سنة عن كل جريب من الكرم عشرة دراهم ومن النخل درهم ومن الرطبة ستة ومن الحنطة أربعة ومن الشعير درهمان فأرض السواد عند الشافعي وقف لا تباع ولا توهب ولا تورض، وقال ابن سريج ما وقفها عليهم ولكنه باعها من المسلمين بثمن معلوم يجب في كل سنة عن كل جريب وهو ما قلناه، فالواجب فيها في كل سنة ثمن وأيهما كان يجب العشر معه وعند أبي حنيفة إذا فتح الإمام أرضاً عنوة فعليه قسمة ما ينقل منها، وفي الأرض بالخيار بين ثلاثة أشياء بين أن يقسمها بين القائمين أو يقفها على المسلمين أو يقرها في يد أهلها ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 32). (¬2) أنظر الأم (2/ 32). (¬3) موضع النقط بياض الأصل

المشركين ويضرب عليهم الجزية بقدر ما يجب على رؤوسهم، فإذا فعل هذا تعلق الخراج بها إلى يوم القيامة ولا يجب العشر في غلتها أبداً فمتى أسلم واحد منهم أخذت تلك الجزية منه باسم الخراج وهكذا [137 أ/4] فعل عمر رضي الله عنه عندهم وعندنا مثل هذا يسقط بالإسلام لأنه جزية فلا يحتمل الخراج والعشر على هذا وعاد الكلام معه إلى فعلين، إحداهما: أن هذه التجربة تسقط بالإسلام أم لا؟ والثاني: هل يجب على الإمام قسمة الأراضي بين الغانمين أم لا؟ فرع لو وجد الإمام أرضاً في طرف من أطراف بلاد الإسلام يؤخذ منها الخراج جاز له أخذ الخراج لأن الظاهر أنه يؤخذ باستحقاق لجواز أن يكون الإمام صنع فيها كما صنع عمر رضي الله عنه نص عليه الشافعي، وإن علم سببه وهو ظلم أو جزية لا يجوز له أخذه. فرع آخر كل بلد أسلم أهله أو فتح عنوة وقسم بين الغانمين لا خراج على أهله وكل بلد فتحٍ على أن يكون قد ملك الأرض المسلمين ويؤدون إليهم الخراج عن كل جريب شيئاً معلوماً كان ذلك خراجاً لا يسقط بإسلامهم ولا يجوز للكافر بيعه فإن باعه لم يصح فإن صالحهم على أن يكون الملك لهم ويؤدون ذلك فيكون جزية فسقط بإسلامهم ولو باع هذا الكافر من المسلم صح البيع ويسقط المال عنه وبلاد خراسان على هذا لأن بعضها أسلم أهله وبعضها فتح عنوة وقسم بين الغانمين. [137 ب/4]. فرع آخر قال بعض أصحابنا: الأخرجة التي في البلاد على القاعدة التي وضعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ظلم عندنا، ولكن إذا أخذها السلطان ينظر فإن لم يقصد أن يكون بدلاً من العشر لا يسقط العشر عن مالكه، وإن قصد أن يكون بدلاً من العشر كان كما لو أخذ القيمة مجتهداً فإن كان المأخوذ بقدر قيمة العشر سقط الفرض عنه، وإن كان دونه يخرج الباقي. فرع آخر لو اشترى ذمي من مسلم أرضاً من أرض العشر صح الشراء ولم يجب على الذمي فيه عشر وخراج، وقال في القديم: أعجب إلى أن يفسخ عليه أو يجبر على البيع لأنه يستقطع مزرعة في دار الإسلام من غير حق يتعلق بها، وأصحابنا لم يجعلوا هذا قولاً آخر بل المسألة على قول واحد، وإذا صح أن ملكها لا حق عليه فيها، وقال مالك: لا يصح الشراء وهذا غلط، لأن كل أرض يملكها المسلم يملكها الذمي بالشراء أصلع أرض الخراج، وقال أبو يوسف: يجب على الذمي عشران، وقال محمد: يجب عشر واحد، وهذا غلط، لأنه حق مال مصروف إلى أهل السهمان فلا يجب على الذمي كزكاة المواشي، وقال أبو حنيفة: إن [138 ا/4] كان الذمي من غير نصارى بني تغلب

الذين أضعف عمر رضي الله عنه عليهم الصدقة تنقلب الأرض خراجية فيؤخذ الخراج وهذا غلط، لأنه قال: يتعلق به حق الله تعالى في ملك المسلم فإذا انتقل إلى الذمي ..... (¬1) إلى وجه آخر كالمواشي ...... (¬2) فرع آخر لو كان الذمي من بني تغلب وبهذا قال أصحابنا: يؤخذ عشران لأنه يؤخذ منهم مضاعفاً باسم الصدقة على ما عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك ضاعف عليهم سائر الزكوات وهذا وفاق بيننا وبين أبي حنيفة، فإن أسلم هذا الذمي أو باع أرضه من مسلم سقط عنه أخذ العشرين ونفي الآخر، وقال أبو حنيفة: لا يسقط ويؤخذ عشران وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء العشر" فأوجب عشراً واحداً ولم يفضل، ولأن حق يتعلق بزرع مسلم فلا يزيد على العشر كما لو ورث. فرع آخر لو حمل السيل الحب من دار الحرب ونبت في دار الإسلام لا يلزم العشر، وهكذا لا عشر في النخيل المباحة في الصحراء، لأنه لم يدرك في ملك مسلم. فرع قال ابن الحداد: لو كانت له تمرة يجب فيها الزكاة فباعها من ذمي قبل بدو الصلاح بشرط القطع فلم يقطع حتى بدا صلاحها [138 ب/4] ثم اشتراها البائع منه أو رد عليه بالعيب فلا زكاة فيها لأن وقت الوجوب جاء وهي لمن لا يجب عليه الزكاة، وكذلك لو اشتراها مكاتب وهذا لأنه لا عشر عندنا على المكاتب في زرعه، وكذا إذا ملك السيد عنه أرضاً وقلنا: تملك بالتمليك فزرع لا يجب العشر، وقال أبو حنيفة: يجب العشر في زرع المكاتب ووافقنا في الذمي في أنه لا عشر عليه. فرع آخر لو كانت له نخل وعليه بقيمتها دين ثم مات المالك قبل قضاء الدين انتقلت النخيل إلى ملك ورثته وتعلق الدين بها كما يتعلق حق الرهن بها وقال الإصطخري: الدين لا يمنع انتقال التركة إلى الوارث ويكو متبعاً على حكم ملك الميت والتفريغ على المذهب .... (¬3) إلى الورثة فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يطلع بعد وفاة من عليه الدين أو قبل وفاته، فإن اطلعت بعد وفاته كانت الثمرة لوارثه لا يتعلق الدين بها وعند الإصطخري يتعلق الدين بها وهو فائدة الخلاف معه فإن بلغت نصاباً والوارث واحد ففيها الزكاة، وإن كانوا جماعة فبلغت حصة كل واحد نصاباً يلزم الزكاة وإلا فقولان بناء على الخلطة [139 أ/4] في غير الماشية، وإن اطلعت قبل وفاته وكان موته قبل أن بدا صلاحها ثم مات وبدا صلاحها فقد تعلق الدين بالنخل وثمارها ثم وجبت الزكاة ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض الأصل (¬2) موضع النقط بياض الأصل (¬3) موضع النقط بياض الأصل.

باب صدقة الورق

فيها فقد تعلق بالتركة حقان زكاة ودين فأيهما تقدم يبني على القولين فإن قلنا: الزكاة استحقاق جزء من العين قدمنا الزكاة لأن ما اختص بالعين أولى، وإن قلنا: تجب في الذمة فهما سواء في أنهما تساويا في الذمة والعين معاً فنقدم الدين على الزكاة لأنه سابق وعلى الوارث إخراج الزكاة من غيره فإن لم يكن له مال سواه أخرج الزكاة، إذا أيسر من ماله، لأن الزكاة وجبت في ملك الورثة فعليهم إخراجها إذا قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة فإن بدا صلاحها ثم مات كانت الزكاة مقدمة على الدين على القولين جميعاً، لأن الحق تعلق بالذمة دون العين والزكاة تعلقت بالعين أو بالعين والذمة قبل الوفاة فكانت مقدمة على الدين. فرع آخر إذا وجب العشر فيما أنبتت الأرض مرة لا يجب مرة أخرى ولو بقي عنده سنين، وقال الحسن البصري: يجب عليه العشر في كل عام وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم " فيما سقت السماء العشر" فأوجب [139 ب/4] عشراً واحداً، ولأن الزكاة إنما تجب في الأموال النفسية وهذا المال لا يتكرر نماؤه فلم يتكرر الوجوب فيه. مسألة: قال (¬1): وما زادَ ممَّا قَلَّ أو كّثُرَ أو كَثُرَ فبِحِسَابهِ. وهذا كما قال: إذا زاد الحب أو التمر على خمسة أوثق يجب العشر في قليله وكثيره بالإجماع، لأن الوقص في الابتداء اعتبر ليبلغ المال حداً يحتمل المواساة واعتبر في أثنائه احترازاً من الضرر بسوء المشاركة وهذا لا يوجد في الزيادة على خمسة أوسق لأنها تتبعض ولا يشق أخذ العشر من قليلها وكثيرها. باب صدقة الورق قال (¬2): أخبرنا مالِكٌ عن عمرو بنِ يَحيَى المازِنيِّ .... الخبر. وهذا كما قال الفضة والورق والرقة هي عبارة عن معنى واحد وقيل: الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة وهي من الحروف الناقصة كما قالوا في الوصل: صلة وفي الوزن زنة ويجمع الرقين والعرب قالوا: إن الرقين تغطي أفن الأفين أي: الدراهم تستر حمق الأحمق والأصل في وجوب الزكاة فيها قوله تعالى: {والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم " في الرقة ربع [140 أ/4] العشر (¬3) " فإذا تقرر هذا فلا زكاة فيما دون خمس أوراق منها لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس فيما دون خمِس أواق من الورق صدقة" (¬4) والأوقية أربعون درهماً وجمعها أواق بالتخفيف وأواقَّي بالتشديد، وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان الورق تسعة ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 32). (¬2) أنظر الأم (2/ 32). (¬3) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (3518) (¬4) أخرجه البخاري (1405)، ومسلم (6/ 980).

وتسعين ومائة فلا شئ فيه فإذا بلغ مائتين ففيه خمسة دراهم" (¬1)، وقال المعرفي: الاعتبار بمائتي درهم عداً لا وزناً حتى لو كانت معه مائة درهم وزنها مائتا درهم فلا زكاة وهذا جهل ببعض الأخبار والإجماع، فإذا تقرر هذا فجملة خمس أواق مائتا درهم بدراهم الإسلام وكل عشرة من دراهم الإسلام هي وزن سبعة مثاقيل ذهباً ويريد بدراهم الإسلام وزن مكة دون ما أحدثه الناس، وكذلك بريد بالمثاقيل وزن مكة دون غيرها من البلدان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "الميزان ميزان مكة والمكيال مكيال المدينة" وقيل: إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب لأن الذهب هو أوزن من الورق فكأنهم جربوا خثة من الورق ومثلها من الذهب فوزنوهما فكان وزن الذهب زائداً على وزن الفضة بمثل ثلاثة أسباعها فكذلك [140 ب/4] جعلوا كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل. قال أبو القاسم بن سلام في "كتاب الأموال": سمعت شيخاً من أهل المعرفة بهذا الشأن يعني بأصل الدراهم وسبب ضربها في الإسلام فقال: إنَّ الدراهم كانت على وجه الدهر نوعين هذه السوداء البعلية الوافية وهذه الطبرية الخفيفة أي: طبرية الشام فكانت الزكاة تجب في صدر الإسلام في مائتين منهما فلما كان في زمان بني أمية أرادوا ضرب الدراهم فنظروا في المتعقب وأنهم إن ضربوا من الوافية التي في كل درهم منها درهم ودانقان، أضر ذلك بالمساكين وإن ضربوا من هذه الطبرية الخفيفة أضر ذلك برب المال فحملوا زيادة هذه على نقصها من هذه، لأن المقصود سكته وعينه لا قدر الفضة منه، ولهذا جاز البيع بالدراهم الغطرفية ببخاري وسمرقند، ولم يختلف فيه العلماء أو نقول صارت بحملتها مقصودة مع الأخلاط بعد الضرب فضارت كالغالية والأودية المعجونة، وقال بعض أصحابنا: ينظر في المغشوش فإن كانت الفضة غير ممازجة للغش من النحاس بل الفضة على ظاهرها والنحاس في باطنها لا يجوز المعاملة بها لا معينة ولا في الذمة، لأن الفضة وإن شوهدت فالمقصود الأخر غير معلوم ولا مشاهد [141 أ/4] كما لا يجوز المعاملة بالفضة المطلية بالذهب، وإن كانت الفضة ممازجة للغش لم تجز المعاملة بها في الذمة للجهل وهل يجوز بالعين؟ وجهان، إحداهما: لا يجوز لجهل بالمقصود، والثاني: هو الأظهر أنه يجوز كما يجوز بيع الحنطة المختلطة بالشعير إذا شوهدت، وإن لم يجز السلم فيها، وإن كان الغش غير مقصود فإن كانا ممتزجين لا يجوز المعاملة بها لا معينة ولا في الذمة، لأن مقصودها مجهول بمخالطة ما ليس بمقصود، وإن كانا غير ممتزجين بل الفضة على ظاهرها والغش في باطنها كالزرنيخية يجوز المعاملة بها إذا كانت حاضرة لا معينة، لأن المقصود منها مشاهد ولا يجوز في الذمة للجهل ولو أتلفها رجل فإنه يلزمه رد قيمتها ذهباً وهذا كله ذكره في "الحاوي" (¬2) ويحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن كان الأكثر فضة جازت المعاملة وإلا فلا يجوز، وأما لفظ "المختصر": قرئ لئلا يغريه أحداً ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داوود (1573)، والترمذي (620). (2). (¬2) أنظر الحاوي للماوردي (3/ 260، 261)

وقرئ لئلا يغريه أحد وقرئ لئلا يعذية أحد فاللفظة الأولى هي محمولة على مباشرة التغرير والتدليس. واللفظة الثانية محمولة على مباشرة وازنه التغرير بعده جاهلاً بأنها مغشوشة. واللفظة الثالثة هي أحج عند من لا يجوز به التصرف أًصلاً، لأن من يعلم أنه مغشوش لا ينهي عنه كي لا يغير [141 ب/4] وإنما ينهي عنه، لأن تصرفه باطل، وأما حكم الزكاة فلا زكاة فيها حتى يعلم أنها إذا صفيت بلغت نصاباً ثم يجب فيها الزكاة، وقال أبو حنيفة: إن كان الغش أكثر فلا زكاة، وإن كان الغش أقل من نصفها تلزم الزكاة بناء على أن أصله أن الغش إذا نقص عن النصف سقط حكمه حتى لو اقترض رجل عشرة دراهم فضة لا غش فيها فرد عشرة فيها أربعة دراهم غش يلزم المقرض قبولها ويجوز أن يخرجها عن الفضة الخالصة في الزكاة على سواء، وهذا ظاهر الفساد يخالف ظاهر الخبر الذي رويناه، فإذا تقرر هذا فإن كان عنده ألف درهم مغشوشة فإن أخرج خمسة وعشرين درهماً فضة خالصة أجزأته لأنه تطوع بالفضل، وإن أراد إخراج الزكاة منها نص في "الأم" (¬1) على ثلاث مسائل، أحدها: أنه أحاط العلم بقدر الغش منها فكانت منها خمسة وعشرين أجزاته لأن الفضة ستمائة وقد اخرج ربع العشر منه، والثانية: أن لا يحيط علمه بالمقدار ولكنه إذا استظهر عرف أنه أخرج الواجب وزيادة ففعل ذلك أجزأه، والثالثة: قال: لا أعرف المبلغ ولا استظهر [142 أ/4] قلنا: فعليك التصفية لتعلم المقدار فتخرج منه هذا إذا أخرجها رب المال بنفسه إلى أهل السهمان فإن دفعها إلى الساعي وقال له: قد اجتهدت حتى أحاط علمي بالمقدار وهذا كل الواجب أو أكثر كان القول قول رب المال مع يمينه على الاستظهار، لأنه لا يخالف الظاهر فإن قال رب المال: لا أعرف المبلغ قطعاً لكن اجتهدت فأدى اختياري إلى هذا لم يكن للساعي أن يرجع إليه ولا يقبل منه حتى يشهد شاهدان من أهل الخبرة أن الأمر على ما حكاه، ولو أخرج الدراهم المغشوشة عن الدراهم الجيدة لم يجز وعليه أن يخرج خمسة دراهم لا فش فيها وهل له أن يرجع فيما أخرج من المغشوش قال ابن سريج فيه مثل ما قال فيما لو أخرج الرديء عن الجيد، وقد ذكرنا ما يقتضيه مذهب الشافعي إلا أنّا نقول: وها هنا إذا لم يذكر أنه عن فرصة لا يرجع وما أخرجه يجزيه بالقدر الذي فيه من القصد وعليه أن يخرج الباقي. مسألة: قال (¬2): ولو كانتْ لهُ فِضَّةٌ خَلَطَهَا بذَهَبٍ كانَ عليهِ أنْ يُدخِلَهَا النَّارَ حتَّى يَمِيزَ بَينَهُما. الفصل وهذا كما قال: إذا كانت معه فضة مختلطة بذهب وقدر كل واحد منهما يبلغ [142 ب/4] نصاباً فإنه تجب الزكاة فيها، وإذا أراد إخراجها فإن تيقن مقدار كل واحد ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 33، 34) (¬2) أنظر الأم (2/ 34)

منهما أخرج زكاة كل واحد منهما بقدره، وإن لم يعرف مقداره وأراد أن يستظهر فيخرج كل ما يعلم أنه قد أدّى الواجب أجزأه، والاستظهار أن يخرج من كل واحد منهما أكثر ما يتوهم مثل أن يكون للكل وزن ألف درهم ويحتمل أن وزن خمسمائة منها فضة وخمسمائة ذهب ويحتمل أن وزن ستمائة فضة وأربعمائة ذهب فلا يكفي في الاحتياط أن يجعل قدر الشك ذهبًا فيخرج زكاة خمسمائة ذهبًا وخمسمائة فضة لأن عندنا لا تجزي القيمة في الزكاة ولا يجزي الذهب من الفضة، وان أخرج منه بوزن الفضة بل الاحتياط بقدر وزن خمسمائة وستمائة وإن لم يفعل ذلك .... (¬1) بالنار ليخرج من كل واحد منهما ما وجب وفي مؤنة السبك وجهان، إحداهما: من وسط المال لأن المساكين يتزكانه في المال قبل السبك فلم يجز أن يختص بمؤنته دونهم، والثاني: وهو الأظهر المؤنة على رب المال لأنه لا يمكن أخذ الزكاة إلا بها فهي كأجرة الحصاد في الزرع، وقال بعض أصحابنا: يمكن معرفة مقدار كل واحد منهما من غير التمييز بالنار بأحد [143 أ/ب] طريقين إحداهما: أن يأتي بإناء فيه ماء وتطرح فيه السبيكة المخلوطة فيعلو الماء لا محالة فيعلم على رأس الماء في الإناء علامة ثم يخرج السبيكة ويطرح بوزنها من النقرة الخالصة في الماء فيعلو الماء أكثر لأن الفضة أكثر جثة وأخف وزنًا ويعلم على الموضع الذي ارتفع الماء إليه علامة نم يخرج الفضة من الماء ويطرح في الإناء بقدرها ذهبًا فيعلو الماء أقل لأن الذهب هو أصغر جثة وأكثر وزنًا فتعلم على رأس الماء علامة أخرى فيحصل ثلاث علامات تعرف بمقدار تفاوت العلامات قدر كل واحد منهما، مثاله ارتفع الماء بألف مثقال فضة قدر أصح وبألف مثقال ذهب قدر ثلثي أصبع وبالمخلوط خمسة أسداس الأصبع فتعلم أن المخلوط نصفه ذهب ونصفه فضة فعلا الماء فيه نصف الإصبع بخمسمائة مثقال فضة وقدر ثلث أصبع بخمسمائة مثقال ذهب والطريقة الثانية: أن يطرح السبيكة المخلوطة في الإناء حتى يعلو الماء ويعلم على الموضع الذي ارتفع إليه علامة ثم يخرج المخلوط ويطرح فيه من الفضة الخالصة حتى يعلو الماء إلى موضع العلامة ويخرجها ويزنها نم يطرح فيه الذهب الخالص حتى يبلغ الماء إلى موضع العلامة وتخرجه وتزنه فتكون النقرة أقل [143 ب/ (4)] من الذهب لا محالة فتعرف بقدر التفاوت قدر المخلوط مثاله ارتفع الماء إلى موضع العلامة بثمانمائة مثقال من الفضة ولما طرحنا الذهب لم يرتفع الماء إلى موضع العلامة إلا بألف ومائتين وخمسين مثقالًا فعلمنا أن كل مثقال من الفضة يشغل مكان مثقال ونصف ذهب، وان المخلوط نصفه فضة فشغل مكان سبعمائة وخمسين مثقالًا من الذهب وفيها خمسمائة ذهب. فرع لو كان عليه ألفين من الدراهم وليس له من أن يزن به يقضي الدين بهذا الطريق فإنه يجوز، ولو كان عليه دين من المكيلات فقض الدين بطريق الخرص فإنه يجوز، ولو ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

باع النقرة بالنقرة بهذا الطريق فإنه لا يجوز فإنه يعتبر في الربا تقدير مخصوص، ولهذا لو باع الحنطة بالحنطة وزنًا بوزن فإنه لا يجوز. مسألة: قال (¬1): ولو كَانَتْ لهُ فِضَّةٌ مَلطوخَةٌ على لجامٍ أو مُمَوَّهٌ بِهَا سَقْفُ بيته. الفصل وهذا كما قال: صورة السقف بالذهب والقفة حرام لأنه من السرف والخيلاء، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز لأنه يصير تابعًا لمباح ولو فعل ذلك فإن كان متهلكًا لا يحمل منه شيء فلا زكاة فيه، وإن كان يحصل عنه شيء فالحكم فيه كالمسألة قبلها، وفي حلية اللجام كلام وظاهر [144 أ/4] نصه هاهنا أنها محرمة وتجب الزكاة فيها. مسألة: قال (¬2): وإذا كانَ في يديهِ أقلٌ من خمسِ أواقٍ وما يُتمَّ خمَْسَ أواقٍ دينًا لَهُ أو غائبًا عَنهُ أحصَى الحاضِرَةً. الفصل وهذا كما قال؛ صورة المسألة أن يكون له عين ودين أو يكون له مال حاضر ومال غائب قال الشافعي: يضم بعضه إلى بعض فيذكر أولًا وجوب الزكاة في الدين .... (¬3)، ثم نرجع إلى حكم المسألة، أما الدين فقال الشافعي في عامة كتبه: فيه الزكاة وقال في باب الزكاة في الدين من القديم الذي نقله الزعفراني: لا أعرف في الزكاة في الدين أمرًا صحيحًا يأخذ به ولا يتركه وأرى والله أعلم أن ليست، فيه زكاة وهذا نص منه على أن لا زكاة في الدين ولم ينقل هذه الرواية سواه من أصحابنا فمن أصحابنا من قال: فيه قولان ومنهم من قال: قول واحد، يجب فيه الزكاة فإذا تقرر هذا فالدين على ضربين، حال ومؤجل، فالحال: على ثلاثة أضرب، أحدها: أن يكون الدين على مليء مقربه أي: وقت طالبه دفعه إليه فتجب الزكاة فيه لأنه في ملكه، ومقدوره كالوديعة ويجب عليه إخراجها قبضه أو لم يقبضه، وقال أبو حنيفة: تجب فيه الزكاة [144 ب/4 [ولكنه لا يلزمه إخراج ما لم يقبضه، والثاني: أن يكون على مليء باذل في الباطن جاحد في الظاهر ويخاف أن يطالبه بغير حجة ويمنعه أو على مقر ملئ مماطل مدافع لم يجب عليه إخراجها إذا حال الحول لأنه ممنوع، ولكن متى قبضه زكاه لما مضى قولًا واحدًا، وكذلك إن كان الدين على ملئ غائب، والثالث: أن يكون على مليء جاحد في الظاهر والباطن لهو كما لو كان على معسر ولو كان على معسر كان كالمغصوب فلا يجب الإخراج في الحال، وإذا رجع إليه هل يزكيه لما مضى قد بيناه من قبل، وإن كان الدين على مليء مؤجلًا إلى سنة فإذا حل الدين هل يستأنف الحول؟ قال ابن أبي هريرة: يستأنف الحول قولًا واحدًا لأن عنده الدين المؤجل غير مملوك حتى قال لو حلف لا دين لي عليه قبل حلول الأجل لا يحنث ولو حلف أنه لا يستحقه ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 34) (¬2) انظر الأم (2/ 34) (¬3) موضع النقط بياض بالأصل

كان بارًا بالإجماع، وقال أبو إسحاق: هو كالدين الحال على معسر أو مليء جاحد فيكون على قولين والصحيح هذا لأن الدين المؤجل هو مملوك لكن تتأخر به المطالبة كما تتأخر المطالبة عند المعسر للاعتبار، والدين على أنه مملوك أنه يصح [145 أ/4] الإبراء عنه قبل محله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا جاء الحول قبل حلول الأجل يزكي في الحال في أحد الوجهين وفي الوجه الثاني: يزكي لما مضى عند الاستيفاء وقبله لا يلزمه الإخراج وهذا غلط، وإن كان الدين غير لازم كمال الكتابة لا يلزمه زكاته لأن ملكه لم يتم عليه لأن له أن يعجز نفسه، ولو كان على مليء وله بينة أو يعلمه الحاكم فالذي يقتضيه المذهب أنه تجب الزكاة فيه، وقادت إن علمه الحاكم يجب، وإن كان ببينة لم تجب لأنه ربما لا يقبلها الحاكم وهذا غلط، لأن البينة هي حجة كعلم القاضي، وروي عن سهل بن قيس المازني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على من أسلف مالًا زكاة" (¬1) وقيل: المذهب أنه يلزم وهل يلزم الإخراج؟ وجهان، إحداهما: لا يلزم لأن يده قاصرة عن ماله، والثاني: يلزم لأن تأخير حقه كان برضاه ولم يوجد الرضا من المساكين، وأما المال الغائب فإن كان لا يعرف موضعه أو كان يعرف موضعه ولكن لا يصل هو إليه فهو بمنزلة المدفون الذي لا يعرف موضعه والمغصوب، وإن كان يعلم موضعه وهو مقدور [145 ب/4] عليه مثل أن يكون مع مضاربه في بلد آخر أو في بلد آخر أو مع وكيله أو مع عبده المأذون له في التجارة، قال بعض أصحابنا: يلزمه إخراج زكاته في الحال كالوديعة نم إما أن يأمر بإخراج زكاته في بلد المال فيجزيه قولًا واحدًا أو يخرجها في بلده فتجريه في أحد القولين، وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه وجهان: إحداهما: هذا، والثاني: أنه لا يلزمه الإخراج في الحال، فإذا استوفاه زكاه لما مضى والأول أصح. ومن أصحابنا من قال: إن المال الغائب ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون مستقرًا في بلد تعرف سلامته فيلزمه إخراج زكاته في البلد الذي هو فيه. والثاني: أن يكون سائرًا غير مستقر ويعرف سلامته فلا زكاة قبل وصوله إليه فإذا وصل زكاه لما مضى قولًا واحدًا. والثالث: أن يكون سائرًا ولا يعرف سلامته فهو كالمال الضال والمعصوب فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب إذا كان ماله عينًا ودينًا فإن كانت في يده مائة درهم عين ومائة درهم دين له على رجل أو غائب عنه، فإن كان الدين أو الغائب بحيث يلزمه [146 أ/4] إخراج الزكاة عنه في الحال يلزمه أن يخرج من المائة في الحال، وإن كان بحيث لا يلزمه إخراج الزكاة عنه في الحال ويلزمه إذا رجع إليه في أحد القولين لم ¬

_ (¬1) أخرجه ابن عدى في "الكامل" (6/ 2211)

باب زكاة الذهب

يلزمه أن يخرج الزكاة من الحاضرة ولا من الغائبة حتى يرجع إليه ثم يخرج زكاتهما، فإن قيل: كان يجب أن يقولوا: يخرج زكاة المائة الحاضرة لأن الزكاة قد وجبت عليه وإنما لا يلزمه إخراجها في الحال لتعذر الوصول إليه والمائة الحاضرة مقدور عليها فلزمه إخراج زكاتها بمقدارها، قلنا: المائة الحاضرة غير منفردة بحكمها لأنها نصاب مع المائة الأخرى فإذا لم يجب إخراج الزكاة عن إحدى المائتين كذلك لا يجب إخراجها عن المائة الأخرى ولأن هذه المائة لما كانت متصلة بالأخرى في الوجوب فكذلك في الإخراج، وقال بعض أصحابنا: وهذا إذا قلنا: إمكان الأداء من شرائط الوجوب فأما إذا قلنا: إنه من شرائط الضمان فالإمكان فيما في يده حاصل فعليه أن يؤدي منه بقدره ثم كلما وصل إليه من الغائب أو الدين شيء زكاه بقدره لأن أكثر ما في الباب أن يجعل ذلك كالتالف وهذا صحيح. فرع مسألة: قال (¬1): وما زاد ولو [146 ب/4] قيراطًا فبحسابه. وهذا كما قال: عندنا لا وقص للدنانير والدراهم بعد الوجوب، وقال أبو حنيفة: للدراهم أوقاص بعد المائتين كل وقص أربعون درهمًا وللذهب أوقاص كل وقص أربعة دنانير، وبه قال الحسن وعطاء وطاوس والشعبي ومكحول والزهري رحمهم الله، وبقولنا قال علي وابن عمر رضي الله عنهما، والنخعي وسفيان وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد ومالك وأحمد وأبو عبيد، ثم ذكر الشافعي بعد هذا حكم المرتد واختار قول الوقف وقد ذكرنا ثم ختم المزني الباب بمسألة ذكرها من عند نفسه فقال: وحرام أن يؤدي الرجل الزكاة من عشر ماله لقوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] يعني لا تعطوا في الزكاة الخبيث الذي لا تطيب أنفسكم به ولو دفع إليكم بل عليكم إعطاء الطيب مما أخرجت الأرض ومن الكسب والأمر على ما ذكره المزتي، وقوله: {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} [البقرة: (267)] أراد إلا أن تكونوا مسامحين في ذلك ومواسين، فأما إذا أردتم الانتصاف واستيفاء الحق فلا تأخذوه، وقيل: أراد إلا أن يأخذوه بنقصان وبخس أراد أنه ولا يأخذوه بمثل القيمة التي يؤخذ فيها الجيد. باب زكاة الذهب [147 أ/4] قال (¬2): ولا أعلم اختلافًا في أن ليس في الذهب صدقة. في جميع أنواعه مضروبًا كان أو تبرًا. والتبر: هو كسارة الذهب والفضة مأخوذ من قولهم تبرت الشيء إذا كسرته جيدًا كان أو رديًا، ويريد به الرداءة من جهة الجنس لا من جهة الغش ولا يجب ذلك حتى يبلغ عشرين مثقالًا نم يجب نصف دينار فإن نقص عنه لا يلزم الزكاة، وإن كان فيه خلافًا لمالك وأحمد وقال عمر بن عبد العزيز: إن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 34) (¬2) انظر الأم (2/ 34)

نقص ربع مثقال تلزم الزكاة، وإذا نقص ثلث مثقال لا تجب الزكاة، وقال الحسن في رواية: لا زكاة في الذهب حتى يبلغ أربعين مثقالًا فيجب مثقال لأنه لا يجوز الكسر فيها، وقال عطاء والزهري وطاوس ومجاهد وأيوب السختياني: نصاب الذهب يعتبر بقيمته من الورق فإن كان عشرون مثقالًا قيمتها أقل من مائتي درهم فلا زكاة وهذا غلط، لما روى عاصم بن محمرة عن علي رمحي الله عنه أنه قال: "ليس في أقل من عشرين دينارًا ثم حتى يكون لك عشرون دينارًا فيها نصف دينارا" (¬1). وربما يروى مرفوعًا والوقف أصح، وروى عمرو عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولا في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب شيء"، (¬2) ثم بقاء النصاب [147 ب/ (4)] فيه شرط من أول الحول إلى آخره، وقال أبو حنيفة يعتبر في أوله وآخره، وقال مالك: يعتبر في آخره كما في زكاة التجارة وهذا غلط، لما ذكرنا من الخبر. مسألة: قال (¬3): ولو كانت لهُ مَعَها خمسُ أواقٍ فضَّةٍ إلاَّ قِيراطًا أو أقَل لمْ يكن في واحد منُهَما زكاةِ. وهذا كما قال: عندنا لا يضم الذهب إلى الورق ويعتبر نصاب كل واحد منهما بنفسه فإن ملك عشرين دينارًا غير حبة ومائتي درهم غير حبة لا زكاة فيها وبه قال شريك وابن أبي ليلى والمش بن صالح وأحمد في رواية وأبو عبيد وابن شبرمة، وقال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأبو يوصف ومحمد: يضم إحداهما إلى الآخر ثم اختلفوا في كيفية الضم فقال أبو حنيفة: يضم من طريق القيمة ويعتبر أسرعها في الإيجاب عند التقويم مثل أن يكون له مائة درهم وخمسة دنانير لو قومنا الدراهم بالدنانير لم تبلغ نصابًا من الذهب، ولو قومنا الدنانير الخمسة بالدراهم بلغت قيمتها مائة درهم فتكون نصابًا قوّمت الدنانير بالفضة لتجب الزكاة، وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر بالأجزاء فإذا كان عنده نصف نصاب فضة ونصف نصاب ذهب وجبت الزكاة وربما يقولان [148 أ/4] يعتبر بالقيمة الشرعية وهو أن الدينار بعشرة فيكون في الحقيقة اعتبار الأجزاء أيضًا واحتج الشافعي بأنه إذا لم يجمع التمر إلى الزبيب وهما يخرصان ويعسران وهما حلوان معًا، وأشد تقاربًا في الثمن أي: في القيمة والخفة والوزن، ويروى مكان الخفة الخلقة فلأن لا يجمع الذهب إلى الفضة أولى وهذا لا يلزم أبا حنيفة وإنما يلزم الآخرين، لأن عنده لا يعتبر النصاب في العشرات حتى يتصور الضم، وقيل: يتصور على مذهبه ذلك في حكم وهو أن عنده لرب المال أن يغرف بنفسه عشرهما دون خمسة أوسق دون ما زاد ثم قال: ومن فعل هذا فقد خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" فأخذها في أقل أي: في أقل من خمس أواق ثم التزم من جهتهم سؤالًا فقال: فإن قال أي: فإن اعتذر عن ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7534). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 93) بإسنداد ضعيف. (¬3) أنظر الأم (2/ 34).

باب زكاة الحلي

مخالفة الخبر بأني ضممت إليها غيرها فتمت، خمس أواق قيل فضم إليها بقرًا ليتم نصابها أيضًا فإن اعتذر بأن البقر ليس هو من جنس الدراهم فكذلك الذهب ليس من جنس الدراهم فلا يضم أيضًا. باب زكاة الحلي [148 ب/4] قال (¬1): الشافعي رحمه الله: أخبرنا مالك ... وذكر الخبر عن عائشة رضي الله عنها. وهذا كما قال: الحلي ضربان: محظور ومباح، فإن كان محظورًا فإنه تجب الزكاة فيه قولًا واحدًا، وإن كان مباحًا ففيه قولان إحداهما: وهو الأشبه والصحيح أنه لا زكاة فيه، وبه قال ابن عمر وجابر وعائشة وأسماء رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومالك وعطاء وابن سيرين ومجاهد والزهري وأحمد وإسحاق ووجه هذا ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وليس في الحلي زكاة" (¬2)، والقول الثاني: يجب فيه الزكاة وقيل: إن الشافعي استخار الله تعالى فيه واختاره وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر وان عباس وان مسعود رضي الله عنهم والشعبي والحسن والقاسم بن محمد والزهري وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: ووجه هذا ما روي أن امرأة من اليمن جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها مسكتان غليظتان من ذهب: فقال: "أتعطين زكاة هذا" فقالت: لا، فقال: "أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار فخلعتهما وألفتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: هما لله ولرسوله" (¬3) فإذا تقرر هذا فاعلم أن الشافعي [149 أ/4] احتج في أول الباب بخبر عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحلي بنات أخيها أيتامًا في حجرها ثم لا تؤدي زكاتها، وأصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما لا تؤدى زكاتها (¬4)، لأنها كانت للأيتام ولا زكاة في مال اليتامى والجواب هو أن مذهب عائشة وجوب الزكاة في مال اليتيم فدل أنها لا تخرج زكاتها لاعتقادها أن لا زكاة في الحلي والظاهر أنها اعتقدت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أنس (¬5)، وابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في الحلي زكاة إذا كان يعار وينتفع به"، وقال ابن مسعود قلت يا رسول الله إن لامرأتي حليًا من عشرين مثقالًا قال: " فأد زكاته نصف مثقال" وهذا محمول على الاستحباب، ثم اعلم ما المباح منه وما المحظور منه فالمباح للرجال الخاتم من الفضة وحلية السيف والمصحف والمنطقة نص الشافعي رحمه الله ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ (34)). (¬2) أخرجه البيهقي في " الكبرى" (7537)، وفي معرفة السنن" (3/ 298). (¬3) أخرجه أبو داود (1563)، والنسائي (2479)، والبهيقي في " الكبرى" (7549)، وفي " معرفة السنن" (2358). (¬4) أخرجه مالك في "الموطأ" (586)، والبيهيقي في " الكبرى" (7535)، وفي "معرفة السنن) (2351). (¬5) أخرجه البيهقي في " الكبرى" (7540)، وفي "معرفة السنن" (2356).

على هذه الأربعة ولم يزد والشرح فيه أن يقال: الخاتم من الذهب حرام عليه واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأول خاتمًا من ذهب ثم ألقاه واتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه محمد سطر رسول الله سطر قال أصحابنا: وينبغي أن لا يثقله بالفضة بل يتخذه على حسب العرف [149 ب/4] للتجمل وقيل: لو كانت له خواتيم فلبس كل يوم واحدًا وللمرأة أسورة تلبس كل يوم واحدًا منها لا تمنع ولا زكاة ولو كانت له خواتيم يعدها للذخيرة وتفضل عن اللبس فإنه يلزم فيها الزكاة قولًا واحدًا، وأما السيف لا يجوز أن يحلى بالذهب ويجوز بالفضة، روي أنه كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة (¬1) ونعل سيفه من فضة وما بين ذلك حلق الفضة ولأن فيها مغايظة المشركين فحل ذلك قال أصحابنا: وفي معنى هذا السكين والخنجر والدشتي والترس وأطراف الرماح والمهام، لأن كلها سلاح، وقد روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه كان له جمل في أنفه برة من فضة يغيظ بها المشركين"، وقال الإمام أبو بكر القفال: السكين الذي يتخذ لمهنة البيت لا تكون في معنى هذا فتحليته حرام، وكذلك السكين المقلمة، وأما المصحف فظاهر المذهب أنه يجوز تحليته بالفضة ولا يجوز بالذهب، وقيل: أنه أري في حرملة قولين: إذا كانت بالفضة، ومن أصحابنا من قال: يجوز بالذهب أيضًا لأن فيه تعظيمً للقرآن، والدين فجعلت فيه ثلاثة أوجه أحدها يجوز بهما، والثاني: لا يجوز بهما كتحلية [150 أ/4] سائر الكب لا يجوز. والثالث: يجوز بالفضة دون الذهب لأن حلية مصحفه بمنزلة حليته ولا يجوز للرجل أن يتحلى بالذهب ويجوز بالفضة في حال وقال هذا القائل ونص الشافعي (¬2) رحمة الله عليه: على أنه إذا كانت علاقة مصحفه من الذهب فإنه يلزم فيها الزكاة، ومن قال بالأول؛ فرق بينه وبين العلاقة بأن العلاقة ليست من المصحف، ألا ترى أنه إذا باع المصحف فإنه يدخل فيه العلاقة، وأيضًا العلاقة ليت من مصالح المصحف وإنما هي لتعلقه الإنسان بها على نفه فافترقا ثم قال بعض أصحابنا: هذا إذا كان للرجل فأما إذا كان المصحف للمرأة فإنه يجوز لها تحليته بالذهب وهو صحيح عندي، وأما المنطقة فتحليتها بالذهب لا تحل وبالفضة تحل قال أصحابنا: وفي معنى هذا يجوز إن على الزرع والجوشن والخف والرانين ولا ينبغي أن يثقل شيئًا من هذه الأشياء بالفضة فإن ثقل وخرج عن إمكان اللبس في العادة تلزم الزكاة بلا خلاف. فروع إذا حلى لجام دابته وثغرها وأطراف السيور بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه، قال أبو العباس وأبو إسحاق وغيرهما: هو محرم لأن الشافعي جمع بينه وبين [(150) ب/ (4)] تمويه السقف في وجوب الزكاة فيهما وتمويه السقف محرم، فكذلك هذا ولأن الشافعي ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7570، 7571، 7572). (¬2) انظر الأم (2/ 35)

قال في البويطي: تجب فيه الزكاة ومذهبه في البويطي أنه لا زكاة في الحلي المباح ولأن ذلك من حلية الدابة لا من حليته فهو كحلية السرير والكرسي لا يجوز لما فيها من الترف والخيلاء، بخلاف المنطقة والسيف فإنه يتحلى بهما في الحرب فحل ذلك وهذا هو المذهب، وقال أبو الطيب بن سلمة وجماعة من أئمة خراسان؛ هو مباح لأن فرمه من آلة الحرب كالسيف وزينة الفرس زينة لصاحبها كحلية الجوشن، وإن كان ذلك من الذهب فلا شك في تحريمه، وأما التثقيل بالفضة على ما نشاهد في زماننا أو لمن لا يجاهد عليها فهو حرام بلا إشكال. فرع آخر لو حلَّى رداءه بذهب كانت محرمة، وأما بالفضة قال بعض أصحابنا: في الميل إذا اتخذه من ذهب أو فضة على وجه التداري بحلاء عينه فإنه يحل وهو صحح عندي. فرع آخر التحلي بالياقوت واللآلئ هل يجوز للرجل؟ وجهان مبنيان على أنه هل يجوز اتخاذ الآنية منها فإن قلنا: إنه لا يحرم يباح، وإن قلنا: إنه يحرم كان الحكم كما ذكرنا في الفضة لأن نفاستها [151 أ/4] لا تظهر لكل أحد فكل محل يجوز استعمال الفضة فيه يجوز استعمال هذه الجواهر فيه ذكره بعض أصحابنا، وقد ذكرنا قبل هذا أيضًا في هذا الباب. فرع آخر الخنثى إذا ملك حلي النساء أو الرجال وقلنا: لا زكاة في الحلي المباح ففيه وجهان، إحداهما: يلزمه الزكاة لأنه لا يمكن استباحتها بالشك، والثاني: لا زكاة لأنا في الصغير نبيح له أن يلبس حلي الرجال والنساء ولا نوجب الزكاة فبقينا على ما كان في حال الصغر. فرع آخر في الدنانير بالعُرى إذا طرحتها في القلادة فلبستها لم يكره. فرع آخر قال جمهور أصحابنا: لا يجوز أن يموه محراب المسجد بالذهب ولا بالفضة ولا أن يتخذ قناديل من الذهب أو الفضة ولا فرق في ذلك بين الكعبة وبين سائر المساجد لأنه لم ترد به السنة ولا عمل به أحد من الأئمة، وفيه إضاعة المال، ومن أصحابنا من قال: يباح كل ذلك في جميع المساجد كما أبيح ستر الكعبة بالديباج فإذا قلنا: بالأول إن وقف عليها فلا زكاة لأنه ليس لمالك من المسلمين، لأن كان حرامًا، وان لم يجعل وقفًا فإنه يلزمه الزكاة، وإذا قلنا: بالقول الثاني: إن جعله وقفًا لا زكاة وان كان ملكًا له فيه قولان. فرع آخر إذا موَه السقوف بالذهب [151 ب/4] أو الفضة فقد فعل محرمًا، وهل يحل

استدامته انظر فإن كان مستهلكًا لا تحرم استدامته، فإذا قلنا: لا تحرم استدامته فلا زكاة لأنه مستهلك، وإذا قلنا: تحرم استدامته تلزم الزكاة فإن كان إذا خرج بلغ نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا ففيه الزكاة، وإن كان بخلاف هذا فلا زكاة. فرع آخر لو اتخذ الرجل حلي الذهب للصبيان اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: وهو المنصوص في باب العيد يجوز لأنه تعيد عليهم ومنهم من قال: لا يجوز لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والإبريسم "هذان حرامان على ذكور آمتي حل لإناثها". فرع آخر يجوز أن يشد السن بالذهب فعل ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم إن نشب في العضو وتراكب عليه اللحم صار كالمستهلك لا زكاة فيه ولو قطع أنفه فاتخذ لنفسه أنفًامن ذهب أو فضة جاز والأولى الذهب لأن الفضة تنتن وتصدأ والذهب لا ينتن ولا يصدأ والأصل فيه ما روي أن رجلًا جدع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اجعل مكانه ذهبًا" (¬1)، وإن قطع [152 أ/4] إصبعه فاتخذ إصبعًا من فضة لا يجوز لأنه لا يعمل عمل الإصبع فلم يكن إلا مجرد الزينة فلا يجوز ولو اتخذ منها أنملة جاز لأنها تعمل عمل الإصبع فيمكن تحريكها بالقبض والبسط ذكره القفال، ولو انقلعت سنه فاتخذ شأ من ذهب يجوز وتلزم الزكاة في أحد القولين في الأنف ولا تلزم في السن لما ذكرنا أن السن يصير متهلكًا بتراكب اللحم عليه بخلاف الأنف. فرع آخر المضبب من الأواني على أضرب: أحدها: أن يكون التضبيب يسيرًا للحاجة فهو مباح ومن جملته الحلقة للقصعة وهذا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم الثاني: أن يكون كثيرًا لغير الحاجة فهو حرام، والثالث: أن يكون كثيرًا للحاجة أو قليلًا لغير حاجة فهما مكروهان، ولا يحرمان والكراهة في الأول هي للكثرة، وفي الثاني لعدم الحاجة ونفي التحريم في الأول للحاجة، وفي الثاني للقلة وفيه وجه آخر كلاهما حرام وهو ضعيف، ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا على شفة الإناء بحيث يلاقيه فم الشارب يحرم وإلا فلا، ويروى هذا عن مالك والمرجع في الكثير واليسر إلى العرف والحالة، ومن أصحابنا من راعى فيه ما يراعى في الحرم في اليوم في الثوب العنابي، ومن أصحابنا من قال الكثير أن يكون [(152) ب/ (4)] جزء كامل منها معيبًا كفها أو أسفلها ونحو ذلك، والأول أصح فإذا قلنا؛ يجوز فهو كالحلي المباح، وإذا ثلنا؛ يحرم فهو كالحلي ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (5/ 23)، وأبو داود (4232)، والترمذي (1770)، والنسائي (5161)، وابن حيان (5438).

المحظور، وإذا قلنا: يكره ولا يحرم، قال أصحابنا: يلزم فيه الزكاة قولًا واحدًا ولا تباح على الإطلاق فسقط حكم فعله وعاد إلى أصله، وقال بعض أصحابنا: حكمه حكم الحلي المباح لأنه لا يحرم. وأما الضبيب بالذهب فال أهل العراق: لا يجوز أصلًا لأن حكم الذهب أغلظ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق بين الذهب والفضة لي ذلك والمذهب الأول لأنه لم يرد به الخبر وقد ورد ذلك في الفضة، روى أنس رضي الله عنه "أن قدح رسول الله صلى الله عليه انكسر فاتخذ مكان الشفة سلسلة من فضة". فرع آخر لا يجوز للرجل أن يتخذ لنفسه شيئًا من حلى النساء كالخلخال وا لسوار ونحو ذلك، وان اتخذه لبناته أو جواريه أو نسائه فإنه يجوز، وكذلك إن أرصده لبعيره للنساء أو يكريه منهن يجوز، ويكون في زكاته قولان، وقال مالك: لا تجب وقال بعض أصحابنا: يباح للرجل التحلي بالفضة ولا يختص بالخاتم لأن الأعضاء كلها سواء فيلبس الدملج من الفضة في عضده والطوق في عنقه حتى قال بعضهم: لو اتخذ سوارًا من [153 أ/ب] فضة جاز وهذا بعيد عندي ومن أصحابنا من قال: إذا أرصده للكراء تجب الزكاة قولًا واحدًا، وان كان مباحًا لأنه معد لطلب النماء كما لو اتخذه للتجارة وبه قال أحمد: وهذا لا يصح لأنه أعده للاستعمال المباح، والنماء المقصود وقد فقد وما يحصل من الأجرة هو قليل غير مقصود فلا اعتبار به كأجرة العوامل من الإبل والبقر لاعتبارتها. وقال الزبير من أصحابنا: اتخاذه للتكرار والإعارة حرام لأنه خرج عن عرف اللف بالإجارة وعدل عما وردت به السنة في الإعارة والحلى إذا عدل به عما وضع له كان محظورًا وزكاة المحظور واجبة ولم يتابعه أحد، وان كان له وجه والدليل على بطلان هذا القول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: وزكاة الحلي إعارته" ولأنه أعده لاستعمال مباح وهو علة الشافعي. فرع آخر الاختيار أن يكرى حلي الذهب بالفضة وحلي الفضة بالذهب فإن أكرى حلي الذهب بالذهب أو حلي الفضة بالفضة ففيه وجهان، والأصح يجوز لأنها أجرة والثاني: لا يجوز خوف الربا وهذا غلط، لأن عقد الإجارة لا يدخله الربا ولو صح هذا لما جاز أن يؤاجره بدراهم مؤجلة خوف الربا. فرع آخر [153 ب/4] لو أتلف على رجل حليًا وزنه ألفًا وقيمته ألفان فيه وجهان: إحداهما: في مقابلة الصنعة، والثاني في مقابلة أصله، والثاني يضمن الصنعة بالذهب لئلا يأخذ ألفين مكان ألف والأول أصح لأنه يأخذ الألف والثاني للصنعة فلا يؤدي إلى الربا، ألا ترى أنه لو كسره فأذهب صنعته لم ينقص وزنه ضمن ألف درهم.

فرع آخر لو اشترى حليًا مباحًا للتجارةً فإن قلنا: لا زكاةً في الحلي المستعمل ففي هذا زكاةً التجارةً ويعتبر قيمةً الصنعةُ وإن قلنا: في الحلي المستعمل يلزم الزكاةَ فهل يزكي عن هذا زكاةَ التجارةً أم زكاةَ العين لأن إحداهما يزكي زكاةً العين فعلى هذا لا اعتبار بالصنعةً، والثاني: يزكي زكاةَ التجارةً فتعتبر الصنعةُ فيها. فرع آخر لا يجوز للمرأةَ اتخاذ الحلي المعد للرجال لنفسها مثل حليةً السيف والمنطقةَ والفرس ونحو ذلك، ولو اتخذت ذلك لغلامها حل ولا اعتبار بالملك بل الاعتبار بما اتخذ الحلي له ولا يحل لها اتخاذ المدخنةً والمشط ونحو ذلك ويحل لها اتخاذ المحانق والحلق والسوار والخلخال وخواتيم الذهب والجلجل والطوق وقيل: لو اتخذت حمشكًا من ذهب أو أديمًا أو خرز بخيوط من ذهب جاز، وأما التاج فقد أطلق أصحابنا في [154 أ/ 4] الإباحةً لهن ومن أصحابنا من قال: إن جرت به عادةَ النساء يحل وإن لم تجر به عادةَ النساء لكن يلبه عظماء الفرس لا يحل وهذا أقرب، وآما تعاويذ الذهب فهي حلال لهن ونعال الذهب والفضة حرام عليهن، وآما الثياب المثقلةُ بالذهب المنسوجة فيه وجهان، إحداهما: تباح كالحلي، والثاني: لا تباح لما فيه من كثرةُ الإسراف والخيلاء. فرع آخر الدراهم والدنانير المنقوشةَ التي يجعلها في القلادةَ هل هي من جملةَ الحلي المباح الذي لا زكاة فيه في أحد القولين، اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هي من جملته ومنهم من قال: لا يكون من جملته لأنه لم يخرج بالصنعةً عن النقديةً وهذا أشبه. فرع آخر لو ملك أو ملكت حليًا مباحًا ونوى الغيبةً فإنه يلزم فيه الزكاة قولًا واحدًا، وإن لم ينو شيئًا فقد اختلف أصحابنا فيه منهم من قال: هو على حكم أصله ولا يتغير حكمه إلا بنيةً الاستعمال فيما يباح كالسلعةً لا تصير مال التجارةً بالتصرف ما لم ينو التجارةً ومنهم من قا: لا تعتبر النية لأنه بالصياغةً خرج عن الاستنماء به ومنهم من قال: المرآةُ في حليها لا تحاج إلى النيةً إذا صاغته والرجل يحتاج في حلي الماء إلى النيةً لأن حلي النساء حلال لهن فقد [154 ب/4] تعين بمجرد الصباغةً استعماله بنفسها والرجل لا يتعين لاستعماله فيحتاج أن ينوي اتخاذه للجواري أو للبنات أو نسائه والأقرب الأول. فرع أخر لو كان له حلي مباح فمات ولم يعلم به الوارث حتى مضى حول فإنه يلزمه زكاةَ الحول الماضي قولًا واحدًا، وقال والدي رحمهُ الله يحتمل وجها آخر: لا يلزمه الزكاةً

لأن الوارث قائم مقام الموروث وقصده كنيته. مسألة: قال (¬1): وَإِنَّ اِتَّخَذَ رَجُلُ أَوْ امرأة إناء مِنْ ذَهَبِ أَوْ وَرِقَّ. الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا في كتاب الطهارةَ أن استعمال أواني الذهب والفضةً لا يجوز وهل يجوز اتخاذها قيل فيه وجهان، وقيل: قولان أشار في كتاب الغصب إلى جوازه ونص هاهنا أنه لا يجوز وهو الصحيح لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالمزمار والبربط وعلى كل القولين تلزم قيمةَ الزكاةً قولًا واحدًا، فإذا كان له إناء من فضةً وزنه ألف درهم وقيمةُ الصنعةً التي فيه ألفان تلزم زكاته على وزنه لا قيمته، فإذا أراد إخراج زكاته فإن قلنا: اتخاذه محرم فلا قيمةَ للصنعةً التي فيه ويجب كسره فيؤمر يكسره لإخراج الزكاةً من فضته أو يسلم قدر الزكاة منه مشاعًا ولا يجوز إخراج الذهب عنه بحال، لأن قلنا: يحل اتخاذه برب المال [154 أ/4] بالخيار إن شاء ملك الفقراء ريع عشر مشاعًا وقبضوه ثم إن شاءوا باعه منه أو من غيره بذهب أو ثياب أو غيرها مما لا ربا بينهما وإن شاء أعطى فضةً جيدة نقيةً من غيرها خمسةً وعشرون درهمًا قيمتها من نقد البلد الذي هو قرب اللسان خمسون درهمًا، قال: القفال: أو يخرج إناء صغيرًا فيه مثل هذه الصنعةً التي في الإناء الكبير يسوي خمسين درهمًا من نقد البلد، قال ابن سريج: يجوز للضرورة لأنه يشق تسليم بعضه مشاعًا عليه وعلى المساكين، وقال سائر أصحابنا: وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقفال: لا يجوز ذلك لأنه إخراج القيمةً في الزكاةً ويجوز تكليف هذا القدر من الضرر كما قلنا في الرطب الذي لا يجيء منه تمر ولو أعطى خمسين درهمًا من نقد البلد. قال ابن سريج: كرهت ذلك لأنه يؤدي إلى الربا، وقال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على المذهب تكليف ذلك أيضًا، لأنه لا ربا بينه وبين المساكين، وهذا غير صحيح عندي لأنه تكليف الزيادةَ في القدر ولا نظير له في الأصول ويمكن أداء الواجب على ما ذكرنا فلا حاجةً إلى هذا، ولو قال: اكسر هذا الإناء وأعطيكم زكاته منه فإنه يمنع منه لأنه إذا كسره نقصت قيمةً الصنعة [155 ب/4] التي فيها ويؤدي إلى الإضرار بأهل الجمان وبه أيضًا، وهذا الحكم في الحلي المباح إذا أوجبنا فيه الزكاةً، وأما عبارة الشافعي (¬2) هاهنا فإن كان وزنه ألفًا وقيمته مصوغًا ألفين تجوز منه ومعناه قيمته من الذهب ما يتقوم ألفين من الورق. فرع لو ملك خلخالًا وزنه دون المائتين وقيمته مائتان فلا زكاةً عليه لأن الزكاةً تتعلق بالعين لا بالقيمةً، ولو كان وزنه مائتين وقيمته من نقد البلد ثلاثمائةُ لجودة جوهره لا ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 35). (¬2) انظر الأم (2/ 35).

للصنعة فإن كسر ربع عشره وأعطانا قبلنا، وإن أعطانا خمسةً قبل جوهره قبلنا أيضًا، وإن أعطانا ربع عشره مشاعًا قبلنا، وإن أعطانا ذهبًا لم يقبل، وإن أعطانًا خمسةً من غالب نقد البلد لم يقبل، لأنه دون الواجب، وإن أعطانا تسعة ونصفًا لم نقبل بحال لأنه ربا على ما ذكرنا. مسألة: قال (¬1): وإذا انكَسَرَ حُليَها فلا زَكَاةَ فيهِ. الفصل وهذا كما قال: إذا انكسر حليها لا يخلو من ثلاثةً أحوال: إحداها: أن يكون يسيرًا لا يمنع من لبسه مثل أن يعوج أو يفسخ موضعه منه أو يشق الخلخال طولًا فحكمه حكم الحلي الصحيح، والثانية: أن يكون كسرًا لا يمكن لبسه حتى يصلح، ولكن لا يحتاج إلى السبك والإعادةً فقال صاحب "الإفصاح": حكمه حكم التبر [165 أ/ 4] لأنه خرج عن كونه حليًا، وقال أبو إسحاق: إن نوت أن تكسره خرج عن كونه حليًا ويفارق السائمة إذا نوى علفها لا يتغير حكمها لم تعف وفي المعلوفةُ أيضًا لا يتغير الحكم بنية السوم ما لم يضمها لأن ذلك لخفةَ المؤنةً وكثرتها، ولا يختلف ذلك بالنيةً وهاهنا سقطت الزكاة لكونه معدا لاستعمال مباح، والأصل وجوب الزكاةَ فيه فبهذه النيةً عاد إلى الأصل وإن نوت إصلاحه فحكمه حكم الحلي، وإن لم تنو الإصلاح ولا الكسر قال في "الأم" (¬2): لا زكاة فيه في قول من قال: لا زكاة في الحلي ووجهه أن الزكاةً سقطت عنه بالصياغةً وإعداد، لاستعمال مباح فلا يعود إلى وجوب الزكاةً عن دون النيةً كالعروض التي للتجارةً لا تعود إلى أصلها بترك التجارةً حتى ينوي العينةً، كذلك هاهنا وعلى قول صاحب "الإفصاح": تجب فيه الزكاةً لأنه خرج عن كونه حليًا ملبوسًا وهذا أقيس فحصل قولان: فإن قيل: قول صاحب "الإفصاح" يخالف نص الشافعي في "الأم"؛ لأنه قال (¬3): وإذا انكسر حليها فأرادت إصلاحه أو لم ترده فلا زكاةً في قول من قال: لا زكاةً في الحلي إلا أن تريد أن تجعله مالًا تكنزه فتزكيه قلنا: المراد به الكسر اليسير الذي لا يمنع استعماله، والحالة الثالثة: أن يترضغن [(156) ب/4] بحيث لا يمكن إصلاحه إلا بإعادةُ صياغته، قال أصحابنا: يعود إلى أصله قولًا واحدًا، وهذا يدل على صحةُ قول صاحب "الإفصاح" ويمكن الاعتذار بأن هاهنا خرج من أن يكون مصوغًا وصار كقراضةَ الذهب فلا يحتاج فيه إلى النيةُ بخلاف ما إذا أمكن إصلاحه فإنه يعد مصوغًا فلا يرجع إلى أصله إلا بنية الكسر يسيرًا، ومن أصحابنا من قال هذا أيضًا كالحالة الثانية وليس بشيء. مسألة: قال (¬4): وَلَوْ وَرَثَّ رَجُلُ حَلِيَاً أَوْ اشتراه فأعطاه امرأةً مِنْ أَهَلِّهِ. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 35). (¬2) انظر الأم (2/ 35). (¬3) انظر الأم (2/ 35). (¬4) انظر الأم (2/ 36).

باب ما لا زكاة فيه

الفصل وهذا كما قال قد ذكرنا ما يتعلق بهذه المسألةَ فلا فائدةً في الإعادةً، ثم اعلم أن المزني ختم الباب بترجيح القول المشهور أنه لا زكاةً فيه فقال: هذا أشبه بأصله لأنه يجب الزكاةً في الماشيةً وليست في المستعمل منها زكاةً فكذلك هاهنا وتحريره لأصحابنا أن قالوا: لأنه مصروف في نماء سائغ إلى استعمال سائغ فأشبه السائمةُ المستعملة لا زكاةً فيها. باب ما لا زكاة فيه قال (¬1) الشافعي: وما كانَ من لؤلؤٍ أو زَبَرْجَدٍ أو ياقوتٍ. الفصل وهذا كما قال: لا تجب الزكاةَ فيما عدا الذهب والفضةً من الجواهر من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والفيروزج والمرجان والصفر والنحاس [157 أ/ 4] والرصاص والحديد ولا زكاةً في عنبر ولا مسك ونحو ذلك، وقال أبو يوسف: في المسك والعنبر الخمس، وقال الحسن وعمر بن عبد العزيز (¬2) وعبد الله العنبري وإسحاق: يلزم الخمس في جميع حليةُ البحر والعنبر وحكي عن أبي يوسف هذا القول واحتج الشافعي عليهم يقول ابن عباس - رضي الله عنهما- في العنبر: "إنما هو شيء دسره البحر" (¬3) أي لفظه وليس هو بمعدن حتى يجب فيه الخمس وروي عنه صريحًا أنه قال: لا زكاةً فيه بعد ما قال هذا القول، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا زكاةً في حجر" (¬4) واللؤلؤ حجر، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "العنبر ليس بغنيمةً" وهذا ينفي وجوب الخمس فيه وروي عن عائشةً -رضي الله عنها- أنها قالت: لا زكاةً في اللؤلؤ ولأنه مقوم مستفاد من البحر فلا حق فيه كالمسك وأكثر الفقهاء على أن العنبر طاهر، وقال الشافعي (¬5): سمعت من قال: " ورأيت العنبر نابتًا في البحر ملتويًا مثل عنق الشاة". وقيل: إن أصله ينبت في البحر وله رائحة كريهةً، وفي البحر دويبةً تقصده لذكاء رائحته وهو سمها فتأكله فيقتلها ويلفظ البحر فيخرج العنبر من بطنها، والدسر هو الدفع، ولو وجد في البحر ذهبًا فإن كان ركازاً فحقه الخمس، وإن كان [157 ب/ (4)] معدنًا فيجب فيه حق المعدن، وإن كان من ضرب الإسلام فهو لقطةً وحكمه حكمها. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 36). (¬2) أخرجه عبد الرزاق ((6979))، وابن أبي شيبةَ (3/ (143)). (¬3) أخرجه البيهقي في "الكبرى" ((7593)، (7594))، وفي "معرفة ُالسنن" ((2363))، وابن أبي شيبة (3/ (142))، وأبو عبيد في "الأموال" ((885)، (886)). (¬4) أخرج، البيهقي في "الكبرى" ((7590))، وابن عدي في "الكامل" (5/ (22)) (¬5) انظر الأم (3/ 100).

باب زكاة التجارة

باب زكاةَ التجارةً قال (¬1) الشافعي رحمه الله: أخبرنا سفيان وذكر الأثر. وهذا كما قال نص الشافعي في كتبه القديمة والجديدةً: على وجوب الزكاةً في عروض التجارةً، وقال في موضع من القديم: من الماس من قال: لا زكاةً فيها وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه وهو القياس، ومنهم من قال: لا زكاةَ فيها إلا إذا نضً فإذا نض أخرج منها زكاةً سنةً، وإن كانت عنده سنتين ومنهم من قال: فيها الزكاةً وبه قال ابن عمر رضي الله عنه وهذا أحب الأقوال إلينا فمن أصحابنا من قال: له قولان: لأنه قال في "القديم": قول ابن عباس وهو القياس، ومن أصحابنا من قال: قول واحد فيها الزكاةً لأنه قال قول ابن عمر أحب إلينا فدل أن القول الآخر ليس باختياره وبه قال عمر وجابر وعائشةَ رضي الله عنهم، ومن الفقهاء سفيان الثوري والأوزاعي وأبو حنيفةَ وأصحابه وبقول ابن عباس قال داود وجماعةً من أصحاب الظاهر وبالقول الثاني في "القديم": قال عطاء وربيعةَ ومالك رحمهم الله، وروى ابن المنذر [158 أ/4] عن ابن عياض نحو قولنا واحتج الشافعي رضي الله عنه عليهم بما روي عن عمرو بن حماس أن أباء حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عنقي أدمةً أحملها فقال: "ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه واهبةٍ في القرط يقرأ أهبةٍ بالرفع والخفض جميعًا ومعناهما متقارب فقال: ذاك مال فضع قال: فوضعتهما بين يديه فحبها فوجدها قد وجبت فيها الزكاةً فأخذ منها الزكاة (¬2)، ووجه الدليل أنه لا يحتمل أنه أخذ، زكاةَ العين فدل أنه أخذ زكاةَ التجارةً وروى أصحابنا ما هو أولى من هذا في الاحتجاج وهو ما روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته" (¬3) قال بالزاي معجمه وأراد به زكاةَ التجارةً وروي عن سمرةً بن جندب أنه قال: "أما بعد فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا أن نخرج الصدقةً من الذي يعد للبيع"، (¬4) ولأن التجارةً يطلب بها نماء المال فتتعلق بها الزكاةً كالسوم في الماشية. مسألة: قال (¬5): وَإذاً اِتَّجَرَ فِي مَائَتَيِ دِرْهُمْ فَصَارَتْ ثلاثمائةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ. الفصل وهذا كما قال: إذا كانت معه مائتا درهم أو عشرون ديناراً [158 ب/ (4)] ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 39). (¬2) أخرجه الشافعي في "الأم" (2/ 39)، وابن أبي شيبة (3/ (183))، وعبد الرزاق ((7099))، والدارقطني (2/ 125) (¬3) أخرجه الدارقطني (2/ 101)، والحاكم ((3888)). (¬4) أخرجه أبو داود (1562)، والدارقطني ((1278)، (128)). (¬5) انظر الأم (2/ 39).

فأقامت في يده ستةَ أشهر ثم اشترى بها سلعة للتجارةً فإن حول السلعةَ ينبني على حول الدراهم فإذا حال الحول من يوم ملك الدراهم وجبت الزكاةَ، لأنه لما كانت معه الدراهم فالزكاةً تجب فيها وهي معينةً، فإذا اشترى بها السلعةً فالزكاةً لا تجب في عين السلعةً وإنما تجب في قيمتها والقيمةَ هي تلك المائتان إلا أنها كانت معينةً فصارت مبهمةً فيبني حول المبهم على المعين كما لو كانت مع رجل مائتا درهم فأقامت في يده مدةً نم أقرضها مائةً فإنه تجب الزكاة فيها ويبني حولها على حول تلك المائتين ويفارق، هذا ما إذا بادل دراهم بدراهم يستأنف الحول لأن الزكاةً في عينها والعين تبدل، وفي العرض وإن كان غير العين السابقةً ولكن الزكاةَ تجب في قيمته والقيمةَ في تلك المائتان إلا أنها صارت مبهمةً فافترقا، فإذا تقرر هذا فإذا حال الحول لا يخلو إما أن يكون العرض باقيًا أو كان قد باعه وقبض ثمنه، فإن كان العرض باقيًا يقومه ويخرج زكاته على قيمته ويبني حول الربح على حول الأصل قولًا واحدًا، لأن النصاب في مال التجارة يعتبر من القيمةُ ويشق اعتبارها في جمح الحول فاعتبر في آخره ويصير الريح في التقدير [159 أ/ 4] كأنه كان موجودًا في جميع الحول فإذا زادت قيمةَ السلعةً فصارت تساوي أكثر من ثلاثمائةُ وعند الحول كانت تساوي ثلاثمائةَ فإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول وبعد إخراج الزكاةً لا يضم إليها وتكون الزيادةً للسنة الثانيةً، وإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول والإمكان وقبل إخراج الزكاةً ففيه وجهان ذكرهما ابن أبي هريرة وجماعة، إحداهما: وهو الأصح يكون للسنة الثانيةً لأنها زيادةً بعد الحول فلا فرق بين أن يكون بعد إخراج الزكاةَ أو قبله كالسخال. والثاني: يضم إليها لأن زيادةً قيمةَ السلعةً غير مميزة بخلاف السخال وهو كما لو كانت له أربعون شاةً فحال عليها الحول وهي مهازيل فسمنت قبل إخراج الزكاةً منها لؤمه أن يخرج منها سمينةً، وكذلك لو كانت كلها معيبةً فزال عيبها، وإن كانت الزيادةَ حدثت بعد الحول وقبل إمكان الأداء فإن قلنا: إمكان الأداء ليس من شرائط الوجوب ففيه وجهان على ما ذكرنا، وإن قلنا: من شرائط الوجوب يضم إليها في قول أكثر أصحابنا، وقيل: نص عليه في أو الجديدةً وقيل: المذهب أنه لا يضم إليها لأنها جاريةً في الحول الثاني وهو غلط. وإن زادت قبل الحول ساعة [159 ب/ (4)] فلا شك في ضمها إليها كالسخال، وإن نقصت قيمتها فإن أمكنه بيعها وإخراج زكاتها فأخرها صار مفرطًا وعليه زكاةً ما نقص، وإن لم يمكنه فعلى ما تقدم بيانه، وإن باعه فلا يخلو من أربعةً أحوال؛ إما أن يبيعه بثمن مثله، أو بنقصان يتغابن الناس بمثله، آو بنقصان لا يتغابن الناس بمثله أو بزيادةً على ثمن مثله، فإن باعه بثمن مثله أو بنقصان يتغابن الناس بمثله يخرج الزيادةً من قدر ثمنه، لأن ذلك مثل القيمةَ ولم يحصل منه تفريط في البيع، وإن باعه بنقصان لا يتغابن الناس بمثله يلزمه الضمان لأن المحاباةَ هي تجري مجرى الهبةً فلا تسقط زكاتها بها، ويمكن الاحتراز من هذا فهو مفرط، وإن باعه بالزيادةً على ثمن مثله كأنه كان يساوي

مائتين فباعه بثلاثمائةً لرغبة أو عيبه فيه وجهان: إحداهما: يزكي الكل لأنه استفاد الزيادةً بالعرض وقلةُ ثمنه، والثاني: لا زكاةً في الزيادة على الصحةَ ويستأنف لها الحول كالمال المستفاد بإرث أو هبةً هذا كله إذا حال الحول على العرض، فأما إذا نض ثمن العرض قبل الحول قال الشافعي: زكى المائتين بحولها والمائةً الزائدة بحولها، وقال في القراض: ما يدل على [160 أ/ (4)] أنه يبني حول الربح على حول الأصل فاختلف أصحابنا فيه، قال ابن سريج: هو على اختلاف حالين وليس على قولين فالذي قال في القراض: إذا دفع المال حين تملكه وصرف العامل في الحال إلى السلعةً فحصل الربح حين الشراء وهو ابتداء الحول وكان حول الربح والأجل واحدًا، والذي قال في زكاةً التجارةً أراد إذا حصل الربح وقت البيع فحصل من هذا أنه تعتبر الزيادةً من حين حدثت قولًا واحدًا وهذا ظاهر في كلام الشافعي في القراض، لأنه قال: فاشترى بها سلعة تساوي العين يعني في الحال وقيل: القصد بما قال في القراض أن يبين على رب المال زكاة حصته من الريح وعلى العامل زكاةً حصته أو يجب الكل على رب المال ولم يرد به أن يزكي عن كل ما في الحال، وقال أبو إسحاق: المسألةً على قولين: إحداهما: يستأنف الحول وهو الصحيح لقوله- صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاةً في مال حتى يحول عليه الحول" ولأنه أصل في نفسه تجب الزكاةً في عينه وكان حوله معتبرًا به كالمستفاد بإرث بيع وهذا هو معنى قوله في "المختصر" لأن الربح ليس منها أي: أنه لم يتولد من نفسها كما يتولد السخال بل حصل هذا بتصرفه وتكسبه، وليس هذا كما لو ملك: [160 ب/ (4)] مائتي درهم ستةَ أشهر ثم يشتري بها عوضًا فإذا حال الحول يقدم العرض بزيادته أو نقصه أي: لا يستأنف الحول بتلك الزيادة لما ذكر من العلة وهي أن الزكاة تحولت في العرض، آي ت تحوك من النقد إلى العرض وصار العرض كالدراهم التي هي أصل العرض وثمنه، فيحب ربح العرض لحول الدراهم، والقول الثاني: يبني حولها على حول الأصل قياسًا على السخال، فإذا قلنا: يستأنف الحول اختلف أصحابنا فيه منهم من قال حولها من حين ينص لأنه لا يتحقق وجودها قبل ذلك ومنهم من قال حولها من حين ظهر لأنه إذا نص علمنا أنه ملك في ذلك الوقت، وقال الشيخ أبو حامد: كنت أقول بهذا ولكن الصحيح الأول والأقيس عندي الوجه الثاني. فرع لو اشترى سلعةً بمائتي درهم فلما مضت ستةَ أشهر باعها بثلاثمائةً واشترى بثلاثمائةً سلعةً فلما حال الحول كانت قيمتها ستمائةً فإن قلنا: لا يستأنف الحول بالزيادةً ويزكى عن الستمائة كلها، وإن قلنا: يستأنف الحول بها يزكي ثلثي السلعة فيخرج الزكاةً عن أربعمائةً ثم إذا مضت ستةَ أشهر أخرى يزكي ثلث السلعةً الباقي. فرع لو اشتراها بعشرين دينارًا مغربيةً فحال الحول وقيمتها عشرون [161 ب/ (4)] ديناراً

نيسابوريةً زكاها ويحتمل آن لا زكاةَ فيها ولو أخرج نصف دينار نيسابوريًا بدل نصف دينار مغربي قال بعض أصحابنا أجزأه وأخرج الفضل وفي هذا عندي نظر. مسألة (¬1): قال: ولو اشترى عَرضًا للتَّجارَةً بعرضٍ. الفصل وهذا كما قال: أراد به إذا كان في يده عرض للعينيةً فاشترى به عرضًا للتجارةً فابتداء الحول على العرض الثاني من حين ملكه فإذا تم الحول يلزمه الزكاةً، وقال مالك: لا زكاةً فيه اعتبارا بأصله وهذا غلط؛ لأنه مال اشتراه للتجارةً فأشبه إذا اشتراه بذهب فإذا تقرر هذا قوَّمه عند حول الحول بنقد البلد فإن كان في البلد نقد واحد يقوَّم به فإن بلغت قيمته نصابًا وجبت الزكاةَ وإلا فلا تجب وإن كانت تبلغ نصابًا بالنقد الآخر لا يجب تقويمه به وإن كان في البلد نقدان تعملان إحداهما أغلب يجب القويم به دون الآخر، لأنه ليس بغالب النقد فيه فلا اعتبار وإن استويا في الاستعمال وليس إحداهما أغلب من الآخر، فإن بلغ بإحداهما نصابًا ولا يبلغ بالآخر نصابًا قوم بما يبلغ به نصابًا لأنه وجد نصاب تتعلق به الزكاة فوجب التقويم به، وإن كان يبلغ يكل واحد منهما نصابًا فيه أربعة أوجه: أحدها: وهو الأصح [161 ب/ (4)] أنه يقوم بما شاء منهما لأنه لا مزيةً لإحداهما على الآخر فيخير بينهما. والثاني: يقوم بما هو الأنفع للمساكين كما إذا اجتمع في النصاب فرضان فإنه يؤخذ الأنفع. والثالث: وهو اختيار ابن أبي هريرةً يقوم بالدراهم لأنها أكثر استعمالًا وأسهل تصرفًا لأنه يشترى بها التافه وغير التافه، ولأن وجوب الزكاةَ في الدراهم ثبت بالتواتر بخلاف المذهب وهذا ضعيف، لأن وجوب الزكاةً في المذهب إجماع فهو كالتواتر في بعض البلاد الدنانير أكثر استعمالًا. والرابع: يقوم بأغلب نقد أقرب البلاد إليه لأن النقدين تساويا فجعلا كالمعدومين، فإذا تقرر هذا فمن أي شيء يخرج الزكاةً؟ قال في "الأم" (¬2) ونقله المزني: أنه يخرج من الذي قوم به، وقال في القديم: فيه قولان، إحداهما: يخرجها من الذي قوم به، والثاني: يخرج عوضًا بقدر ربع عشر القيمةَ وبه قال أبو يوسف ومحمد ثم قال بعد ذلك بأسطر: يخرج الزكاةً دراهم أو دنانير أو عرضًا منها فاختلف أصحابنا فيه على طرق. قال أبو إسحاق: فيه قولان إحداهما: يلزمه إخراجها من الذي قوم به حتمًا لأن ما وجبت الزكاةً فيه أخرجت الزكاةً منه كالمواشي وهو الصحيح، والثاني: هو [162 أ/ (4)] بالخيار بين هذا وبين إخراج العرض، وبه قال ابن أبي هريرةً وصاحب "الإفصاح" وأبو حنيفةَ بظاهر خبر سمرةَ بن جندب، وذلك لأن الذي يعد للبيع هو العرض ولأن كل مال ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 39). (¬2) انظر الأم (2/ 40).

تجب الزكاةَ لأجله يجوز إخراجها منه كالماشية، وقال ابن سرج: فيه ثلاثة أقوال: إحداها: تخرج مما قوم به حتمًا، والثاني: يخرج من العرض حتمًا، والثالث: هو بالخيار وهذا لا يصح، لأن الذي قال في "القديم" من العرض أراد نحو ذلك ولم يمنع من إخراج غيره فليس فيه إلا قولان، وقال بعض أصحابنا: فيه قولان، إحداهما: تخرج مما قوم به، والثاني: من العرض ويحكى هذا عن ابن أبي هريرةَ ولا يصح عنه وهو ضعيف وعن أصحابنا من قال: هذا يبني على أصل وهو أن هذه الزكاةً هل تجب في العين أو في القيمة؟ وجهان: فإن قلنا: تجب في القيمةً فلو أخرج من العين جاز، وإن قلنا: يجب في العين لو أخرج من القيمة قولان، فإذا قلنا: بالقيمة أخرجها منها، وإذا قلنا: بالعين يخرج من عينه فلو عدل عنه إلى جنسه وأخرج عرضا مثله من غيره، وقال بعض أصحابنا: المذهب أنه لا يجوز، ومن أصحابنا من قال: يجوز كما في المواشي والأثمان [162 ب/ (4)]. وقال بعضهم: المذهب أنه يجوز لأن الشافعي قال في "القديم": ينظر كم قدر زكاته فيشتري به عرضًا ويخرجه وهذا نص صريح والصحيح عندي، فإذا تقرر هذا فقد فرع أبو العباس بن سريج على هذا مسائل، إحداها: أنه لو اشترى مائتي قُفيز من طعام بمائتي درهم للتجارةً فحال الحول وقيمته مائتان وجبت الزكاةَ وكان وجوبها في القيمة قولًا واحدًا، ومن أين يخرجها على الأقوال، فإن قلنا: يخرجها من القيمةً أخرج خمسةً دراهم، وإن قلنا: من العرض أخرج خمسةَ أقفزة، وإن قلنا: بالخيار بين أن يخرج خمسةَ أقفزة من غيرها أو من عينها وبين أن يخرج خمسةَ دراهم لأن كل واحد منهم يخرج العشر فإن عدل من هذا الطعام إلى أربعةَ أقفزة من طعام جيد ساوي خمسةَ دراهم فهو على الأقوال أيضًا، فإن قلنا: إن الإخراج من القيمةَ واجب لا يجوز هذا ويكون مقطوعًا لأنه إخراج الزكاةَ بالقيمةً فيلزمه إخراج خمسةَ دراهم، وإن قلنا: يخرج من العرض تجزيء أربعةَ أقفزة عن أربعةَ أقفزة ويكون متطوعًا بالفرق وبقي عليه قفيز فيخرجه، وإن قلنا: بالخيار سألنا عن نيته فيما أخرج، فإن قال: نويت بها عن خمسةً [163 أ/ (4)] دراهم لم يجزه لأنه عدل عن المنصوص إلى القيمةً وإن قال: نويت بها عن خمسة من الأصل قلنا ت قد تطوعت بالفضل الذي هو الجودة وعليك قفيز آخر يلزمك إخراجه، ولو حال الحول على هذا الطعام وقيمته مائتان حين الحول ثم تغيرت الحال بعد الحول ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن تنقص قيمته لنقصان السوق فصار يساوي مائةً فإن كان ذلك بعد إخراج الزكاةً منها فهذا المقصان لا يؤثر فيه، وإن كان بعد الإمكان قبل إخراج الزكاة فإن الزكاةً وجبت بالحول والإمكان واستقرت فلا يسقط بالنقصان كما لا يسقط بالتلف فإن قلنا: تخرج من القيمةَ فعليه إخراج خمسةَ دراهم، لأن التقويم حين الوجوب فإذا لم يؤد ضمن النقصان، وإن قلنا: تخرج من العرض أخرج خمسةَ أقفزة فيها أجزأته، وإن كانت تساوي درهمين ونصفًا لأن نقصان القيمةً لنقصان السوق لا يضمن بالتعدي كما يقول في الغصب، وإن قلنا: بالخيار نظر فإن

اختار إخراج القيمةً أخرج خمسةَ دراهم وإن اختار إخراج العين أخرج خمسةَ أقفزة وتجزيه وإن كان ذلك بعد الحول قبل إمكان الأداء [163 ب/ (4)] فإن قلنا إمكان الأداء من شرائط الوجوب فلا زكاةً عليه لأن وقت الوجوب كان ولم يكن عنده نصاب وإن قلنا: هو من شرائط الضمان لؤمه أن يخرج زكاة مائة درهم وما نقصن نقصى منه ومن المساكين، فإن قلنا: الإخراج من القيمة أخرج درهمين ونصفًا، وإن قلنا: من العين أخرج خمسة أقفزة منه لأنه هو الواجب عليه، وإن قلنا ت بالخيار إن شاء أخرج من القيمة درهمين ونصفًا وإن شاء أخرج من العين خمسةَ أقفزةً لأنه وإن انتقصت قيمته فهو نقصان منها ليس عليه غير الطعام وهو ربع عشرها. والمسألةَ الثانيةً: أن تزيد قيمتها لزيادةَ السوق فبلغت قيمتها أربعمائةَ درهم فإن كانت الزيادةً بعد إخراج الزكاةً فلا اعتبار بها، وإن كانت قبل الإخراج بعد الإمكان فقد ذكرنا وجهين، والصحيح أنه لا اعتبار بها أيضًا، إلا في زكاةَ السنة الثانيةً، فإن قلنا: إن الإخراج من القيمةَ أخرج خمسةَ دراهم وإن قلنا: إن الإخراج من العين أخرج خمسةَ أقفزة منها أو من غيرها يكون قيمتها عشرةَ دراهم لأن الحق تعلق بالعين فما زاد فيها كان للمساكين لأن زيادةً قيمةَ العين في العين بمنزلةُ الزيادةً التي لا تتميز ويكون حكمه حكم زكاة العين إلا في النصاب فقط فإنه يعتبر نصابه [164 أ/ (4)] بالقيمةً، وإن قلنا: بالخيار فيخير بين أن يخرج خمسةَ دراهم وبين أن يخرج خمسةَ أقفزة منها أو من غيرها قيمتها عشرةَ دراهم، هذا إذا كانت الزيادةَ بعد الإمكان أو قبل الإمكان وبعد الحول، وقلنا: الإمكان من شرائط الضمان وحكي ابن أبى هريرة: وجهًا أنه يجب خمسةَ أقفزةً قيمتها خمسةَ دراهم لأن هذه الزيادةً حدثت بعد وجوب الزكاةً وهي محتسبةً في الحول الثاني وهذا غلط؛ لأن على هذا القول المستحق خمسة َأقفزة أو مثلها من غيرها، وأما إذا قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فزادت قبل الإمكان عليه أن يخرج عشرةَ دراهم على قوله الجديد، أم خمسةَ أقفزة على قوله القديم منها أو من غيرها تكون قيمتها عشرةَ دراهم، وإن قلنا: بقول الخيار إن شاء أخرج عشرةَ دراهم أو خمسةَ أقفزة قيمتها عشرةَ دراهم، ولو كانت معه مائتا قفيز حنطةً للتجارةً فحال الحول وأمكنه إخراج الزكاةً فلم يخرج حتى تلف وكانت ساوي مائتي درهم فلما كان بعد تلفها بغير السعر فصارت تساوي أربعمائةً فإن قلنا: بقوله الجديد أخرج خمسةَ دراهم ولا زكاةً في الزيادةً، وإن قلنا: بقوله القديم أخرج خمسةَ أقفزة قيمتها عشرةً؛ لأنه إذا لؤمه أن يخرج من عينها أو مثلها [164 ب/ (4)] فإن مثل ما تلفت قيمته في الحال إخراج الزكاةَ عشرةً. والمسألةَ الثالثةٌ: إذا نقصت قيمته بعيب حدث به كالسوس والنداوةً بالماء ونحو ذلك فإن كان هذا قبل إمكان الأداء فإن قلنا: بقوله القديم إن الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء عليه لأن وقت الوجوب جاء وليس معه نصاب، وإن قلنا: هو من شرائط الضمان فما نقص نقصُ منه ومن المساكين فهو على الأقوال فإن قلنا: الإخراج من القيمةً أخرج درهمين ونصفًا وإن قلنا: الإخراج من العين أخرج خمسةَ أقفزةً، لأن

العيب دخل عليه وعلى المساكين، وإن قلنا بالخيار يتخير بين أن يخرج درهمين ونصفًا أو خمسةً أقفزةً منه، وإن كان هذا العيب بعد إمكان الأداء يضمن ما نقص هاهنا، ثم إن قلنا: إن الإخراج من القيمةً أخرج خمسةً دراهم لأن عليه ضمان ما نقصت القيمة، وإن قلنا: إن الإخراج من العرض أخرج خمسةً أقفزة منها ومنها درهمان وهذا لأن عليه ضمان ما نقص وحكمه في قدر الزكاةً كالغاصب. فإن قيل: قلتم في المسألةَ الأولى: يخرج خمسةً أقفزة من غير أرش النقصان وهاهنا توجبون الأرش فما الفرق؟ قلنا: لأن الغاصب ضمن نقصان بغير العين ولا يضمن بغير السوق فافترقا هاهنا أيضًا. مسألةْ (¬1): قال: ولو كان [165 أ/ 4] في يده عَرَضَّ للتجارَةً تجبُ في قيمته الزكاةً. الفصل وهذا كما قال: إن كان في يده عرض قيمته قدر النصاب أقام في يده ستةَ أشهر ثم اشترى به عرضا للتجارةً فأقام في يده ستةَ أشهر فقد حال الحول على المساكين معًا وقام أحدهما مقام الآخر لأن الزكاةً تجب في القيمةً لا في العين والقيمةَ مستدامة في العرض الثاني، وبهذا فارق ما إذا باع ما تجب الزكاةً في عينه فيستأنف الحول لأن الزكاةَ تجب في أعيانها فلم تكن العين الأولى مستدامةً في الثاني، ويفارق المسألةَ الأولى، لأن الثمن هناك لم يكن زكاتيًا فحول العرض كان من يوم اشترى بالعرض الأول بخلاف مسألتنا. فرع لو ملك العرض للتجارة ستةَ أشهر ثم باعه بثمن من غير جنس ما اشترى به الأصل كأنه اشترى بدراهم وباعه الآن بدنانير فيه وجهان: أحدهما: يستأنف الحول لأن الزكاةَ انتقلت من قيمةُ العرض إلى عين لا تعتبر في العرض وحكاه الربيع في "الأم" (¬2) عن الشافعي، وهو بالقياس، والثاني: وهو ظاهر المذهب وعليه أصحابنا أنه يبني لأن التغليب لا يحصل إلا بالأثمان وبه وجبت الزكاة في العرض فلم يجز أن يكون سببًا لإسقاط الحول وهذا أحوط. مسألة: قال (¬3): ولو اشترى [165 ب/ (4)] عرضًا للتجارةِ بِدَرَاهِمِ أَوْ دَنانيرَ أَوْ بِشَيْءِ تَجِبُ فِيه الصَّدُقَةَ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَكَانَتْ إفادة مَا اِشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرْضَ مِنْ يَوْمِهُ لَمْ يُقَوَّمْ الْعُرْضُ حَتَّى يَحْوَلَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَ ثُمْنُ الْعَرَضِ. وهذا كما قال: إذا اشترى عرضًا بنصاب من الدراهم أو الدنانير للتجارةً فإن حول العرض ينبني على حول الثمن بلا خلاف لأنهما معدتان لشراء العروض فجاز أن ينبني حول العرض على حولهما، وأما إذا اشتراه بماشيةً سائمةً فقد نقل المزني عن ¬

_ (¬1) انظر الآم (2/ 40). (¬2) انظر الآم (2/ 41). (¬3) انظر الآم (2/ 40).

الشافعي: أنه جعلها في حكم الدراهم في ابتناء حول العرض على حولها ثم اعترض فقال: إذا كانت فائدته نقدًا فحال العرض من حين أفاد النقد وأراد بالنقد الدراهم والدنانير وعلل بأن معنى قيمةَ العرض للتجارةً والنقد في الزكاةً ربع العشر أي: هما متفقان في قدر الواجب فيهما فجاز أن يبنى حول أحدهما على الآخر وليست كذلك زكاةُ الماشيةَ مع زكاةَ العرض لأنهما مختلفان في قدر الموجب ثم أوضح بأن في خمس من الإبل السائمةً شاةُ أفيضم ما في حوله زكاةً شاةً إلى ما في حوله زكاة ربع العشر أي: لا يجوز ابتناء الحولين عند اختلاف الموجبين ثم أيد هذا بأن قال: ومن قوله لو أبدل إبلًا ببقر أو بقراً بغنم لم يضمها في الحول لأن معناهما في الزكاة [166 أ/ 4] مختلف فكذلك هاهنا والجواب عن هذا من وجوه: أصحها أن الحكم على ما ذكره المزني ولكن ليست العلةُ ما ذكرها من اتفاق الموجبتين أو اختلافهما إذ لو كان كذلك لكان أداء بازل الدراهم بالدنانير أو ماشيةُ بجنسها وجب أن ينبني حول أحدهما على حول الآخر لاتفاق الموجبين بل العلةً ما أشرنا إليه من كون الدراهم أو الدنانير معدتين لشراء عروض التجارةً بخلاف المواشي فإذا تقرر هذا بقي الآن علينا الاعتذار للشافعي في الجمع بين أن يكون وبين أن يكون ماشيةً فنقول: إنما جمع بينهما يجوز إلا أنه صور المسألةً في استفادةً ثمن العرض ووقت الشراء وصرح به فإذًا لا فرق في هذا العرض بين أن يعبر بحولان الحول من يوم اشترى العرض وبين أن يعبر بحولان الحول من يوم أفاد ثمن العرض إذ كلا اليومين يوم واحد ثم إذا صرنا إلى التحقيق والتدقيق يعبر بما عبر به المزني، ومن أصحابنا من اعتذر بأن الشافعي جمع بين ثلاث مسائل: إذا اشترى بدنانير أو بدراهم أو بالماشيةً ثم أجاب عن المسألتين الأولتين دون الثالثةً، والشافعي قد يجمع بين مسائل ويجيب عن بعضها وهذا بين في كلامه لأنه قال: حتى يحول الحول من يوم أفاد ثمن العرض [166 ب/ 4] والثمن يطلق على التقدير دون الماشيةً ومن أصحابنا من اعتذر بأنه أراد إذا اشترى أربعين شاةً بنيةَ التجارةُ بما لا يجب الزكاةً فيه ثم اشترى بها عرضًا فإنه يبني حول العرض عليها على القول الذي يقول تجب في الماشيةُ زكاةُ التجارةً، وقال أبو يوسف الإصطخري: إن اشترى عرضًا بماشيةً يبني على حول وادعي أن هذا مذهب الشافعي وخالف المزني واستدل بأن العرض فرع، والماشيةً أصل فأشبه الأثمان بخلاف ما إذا بادل أصلًا بأصل وهذا غلط، لما ذكرنا. فرع إذا كان يبتاع النيل ليصغ به ثياب الناس أو شحمًا ليدهن به الجلود ويبيع أو ما يبقى له عين في المعمول فيبقى في يده حولًا تجب زكاةُ التجارةً فيه لأن عين المال يبقى بعد الاستعمال ويقابل بالعرض ويجري مجرى بيع العين إلا أنها لا تفرد بالعقد، ولهذا قلنا في المفلس: إذا اشترى ثوبًا ونيلًا ثم صبغه ثم رجعا جميعًا فيه وإن كان مما لا يكون له عين في المعمول فيه كما لو اشترى الصابون والأسنان ليغسل به ثياب

الناس بالعرض أو ملحًا ليستعمله في الخبز وبقي في يده حولًا فلا تتعلق به الزكاة لأن هذه [761 أ/ 4] الأشياء لا يبقى عينها حالةً المقابلةً بالعوض ولا يقابلها شيء من أجرةَ العمل ولكن يبقى أثرها. فرع آخر إذا اكترى منازل ودورا ليكريها بزيادةً ويريح عليها ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه زكاةَ التجارةً لأن المنافع مال، والثاني: لا يلزمه لأن المنافع ليست بأموال حاصلةً بل هي بعرض أن تحمل أو تفنى وعلى هذا لو كان يملك عرض التجارةً فصرفها في كراء منازل ودور ليكريها بزيادةً ويربح عليها يقطع الحول على ما ذكرنا من الوجهين. مسألة (¬1): قال: ولو كان اشترى العرَضَ بمائتي درهم لم يقوم إلا بدراهمِ. الفصل وهذا كما قال: الكلام الآن فيما يقوم به مال التجارةً ولا يخلو إما أن يشتري بغير جنس الأثمان أو بجنس الأثمان، فإن اشترى بغير جنس الأثمان مما فيه الزكاةً أو مما لا زكاةً فيه قومناه بنقد البلد على ما ذكرناه، وإن اشتراه بجنس الأثمان لا يخلو إما أن يكون بقدر النصاب أو بدون النصاب فإن كان بقدر النصاب فإنه يقوم بما اشتراه سواء كان غالب نقد البلد أو لم يكن وسواء كان ذلك خيرًا لأهل السهمان أو غيره، وقال أبو حنيفة وأحمد: يقوم بما هو الأنفع للمساكين وهذا غلط؛ لأن نصاب العروض مبني [167 ب/ (4)] عليه فيعتبر به ولا يعتبر الأنفع مع بقائه كذلك مع وجود ما بني عليه، وقال ابن الحداد: يقوم لغالب نقد البلد دون الذي اشتراه به كذلك هاهنا وهذا غلط؛ لأن العرض فرع لثمنه وتقويم الفرع بأصله إذا كان له في القيمةً مدخل هو أولى من تقويمه بغيره، ولهذا يبني حوله على حوله ويخالف المتلف لأنه لا يتعلق بما اشترى به فلم يقوم به وإن كان الشراء بدون النصاب ولم يكن له مال غيره، قال ابن أبي هريرة: فيه وجهان: أحدهما: يقوم بجنس ما اشترى به العرض لأن اعتبار رأس المال أولى إذا أمكن فإنه أقرب إليه وهذا أصح. والثاني: يقوم بنقد البلد لأنها ما دون النصاب هو في معنى العرض ولأنه لا يتعلق بما اشتراه به إذ ليس له حول يبنى عليه، وبه قال أبو إسحاق. فرع لو اشتراه بمائة درهم وعشرةً دنانير فيه ثلاثةَ أوجه أحدها: يقوم بغالب نقد البلد، والثاني: بثمنه فما قابل الدراهم يقوم بالدراهم، وما قابل الدنانير يقوم بها، والثالث: ذكره في "الحاوي" (¬2) يقوم بالدراهم لأنها أصل وطريقها النص والدنانير تبع وطريقها الاجتهاد. [168 أ/ 4] ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 294).

فرع لو لم يعرف بماذا اشتراه يقوم بنقد البلد ذكره أصحابنا لأنه تعذر اعتبار أصله. فرع آخر إذا اشترى عروض التجارةً بالتبر والسبائك فيه وجهان: أحدهما: لا يُقَومِ عند الحول بالتبر لأنه ليس بقيمةً، ولكن يقوم بجنسه من النقد، والثاني: لا يقوم بجنسه ولكن يقوم بنقد البلد لأنه ليس بقيمة أصلًا فلا يقوم بجنسه. فرع آخر لو اشترى عرضا بدين في ذمة البائع، وقلنا: تجب الزكاةُ في الدين فيه وجهان: أحدهما: تقوم بجنس الدين لأن حوله مبني على حول الدين. والثاني: يقوم بنقد البلد لأن الدين ملك ناقص أو لا يجوز فيه التصرف إلا مع من عليه الدين فكان بمنزلةُ العرض الذي لا يعد التصرف والمشتري بالعرض يقوم بنقد البلد. فرع آخر إذا اشترى بدراهم في ذمته ثم صرف إلى البائع الدراهم التي في يده هل يقوم بالدراهم آو بنقد البلد؟ وجهان: أحدهما: لا يقوم بالدراهم لأن الدراهم قيمةُ وهي المال أقرب فكان التقويم بها أولى. مسألة: قال (¬1): ولو باعَهُ بعد الحَولِ بدنانير قُوَّمتْ الدَّنانيرُ الدَّراهم. الفصل وهذا كما قال: نقل المزني ولو باعه بعد الحول بدنانير، وقال في "الآم": لو باعه قبل الحول بدنانير [168 ب/ (4)] وهذا أصح وذاك غلط؛ لأنه لا تأثير لبيعه بعد الحول في حكم زكاةً ذلك الحول ولأنه يقوم العرض حالةَ الوجوب، ومن أصحابنا من تأول ما قاله المزنى على أنه باعه بثمن مثله فتكون قيمته وقيمةُ العرض سواء؛ فإذا تقدر هذا وكان اشتراه بمائتي درهم ثم باعه في آخر الحول بدنانير قومت الدنانير بالدراهم، وأخرج الزكاةً من الدراهم، وإن كان اشترى بدنانير وباعه بدراهم قومت الدراهم بالدنانير ويعتبر التقويم يوم حلول الحول لا ما بعده وأخرج الزكاة ًمن الدنانير، وإن كان اشترى بنصابين عشرين دينارًا أو مائتي درهم قوم ما اشتراه بالذهب بالذهب وما اشتراه بالدراهم بالدراهم وبيانه أن ينظر إلى قيمةُ الذهب فإن كانت قيمةَ الذهب أربعمائةُ درهم والدراهم مائتان فإن مكث العرض يقوم بالدرهم وثلثيه بالدنانير، فإن باع كل واحد منهما نصابًا أخرج الزكاةً فإن قصر كل واحد منهما عن النصاب فلا زكاةً، وإن بلغ أحدهما نصابًا والآخر أقل من نصاب أخرج الزكاةً من النصاب، ولم يخرج ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41).

الزكاةً من الآخر، ثم قال في المزني: ولو باعه بدراهم وعرض أي: قبل الحول باع هذا [169 أ/ (4)] العرض الذي اشتراه بدنانير بدراهم وعرض قوّم بالدنانير أي: قوم العرض والدراهم جميعا عند الحول بالدنانير لأنها هي الأصل الذي انعقد عليه الحول وهو على ما ذكر وعلى هذا لو كان في أكثر الحول عرض التجارةً أو في أقل الحول وفي الباقي ناض بلغ نصابًا فحول الناض مبني على حول عرض التجارةً ثم هذا الناض يقوم بما وقع به الشراء حتى لو كان الشراء بنصاب من الدنانير قد مضى عليه شهر مثلًا ثم مرت بالعرض خمسةً أشهر ثم باعه وقد مضت ستةُ أشهر أخرى فالدراهم تقوم بالدنانير فإن كانت نصابًا زكاها وإلا فلا، وإن كانت هذه الدراهم في نفسها نصابًا وعلى هذا لو كان في أول السنةَ وآخرها عرضان وفيما بينهما ناض هو دراهم وشراء العرض الأول كان بالدنانير فلا اعتبار بهذه الدراهم بل يقوم العرض في آخر الحول بالدنانير. فرع لو باع في خلال الحول بأقل من مائتي درهم وكان الأصل دراهم فالحول ينقطع لأنها لا تقوم لخيرها بل هي أصل بنفسها وقد انتقص نصابها بخلاف ما لو بح بعرض لا ساوي نصابا أو العرض الأول انتقص عن نصاب لأن العرض أبدًا مقوم فلا [169 ب/ (4)] اعتبار بنقصان قيمته في خلال الحول كما لا اعتبار بنقصانه في أول الحول فإن الحول ينعقد على عرض ناقص من النصاب ذكره القفال، وفيه وجه آخر: أنه لا ينقطع الحول كما لو باع بجنس آخر دون النصاب ذكره في ألصغاري وهذا غلط، ولو وقع الشراء بمائتي درهم ثم بيع بعشر دنانير أو أكثر لا ينقطع الحول سواء كانت قيمةُ الدنانير تبلغ نصابًا أم لا لما ذكرنا، أن الدنانير هاهنا هي كعرض من العروض وليست بأصل، فإذا تمَّ الحول على الدنانير وهي تساوي مائتي درهم وجبتا الزكاةً وإلا فلا تجب. فرع آخر إذا باع عرض التجارةً بعد وجوب الزكاةً فيه طريقان، أحدهما: أن الحكم فيه كما لو باع ما تجب الزكاةً في عينه بعد وجوب الزكاةَ، والثاني: يصح البيع هاهنا قولًا واحدًا لأن الزكاةً لا تجب في عينه وإنما تجب في قيمته والقيمةُ موجودةً في العرض بخلاف ما تتعلق الزكاةُ بعينه. مسألة: قال (¬1): وَلَوْ أَقَامَتْ عِنْدَه مائة دِينارَ أَخَذَ عُشْرَ شَهَّرَا ثَمَّ اِشْتَرَى بِهَا أَلَفَّ دُرِّهُمْ أَوْ مائة دِينارَ فَلَا زَكاةَ فِي الدَّنانيرِ الأخيرةِ الفصل وهذا كما قال: هذه المسألةَ تتأوله ما تجب الزكاة في عينه من جنسه أو غير جنسه وقد ذكرنا: [170 أ/ (4)] ذلك وبينا الحكم في الصيرفي وهو أن ينوي التجارةً ومطلق نصه ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41).

هاهنا يدل على أنه لا فرق بين الصرفي وغيره. مسألة: قال (¬1): ولو اشترى عرضًا لغير تجارةً فهو كما لو ملك بغير شراء. وهذا كما قال: إذا اشترى عرضًا بنيةَ التجارةً فإنه يصير للتجارةً بهذه النية ويعتبر الحول من حين الشراء لخبر سمرةً بن جندب رضي الله عنه، فإن قيل: أليس قد قلتم: لو اشترى شاةً بنية الأضحيةً فإنها لا تصير أضحيةً فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن جعلها أضحيةً إزالةُ ملك والبيع جلب ملك فلا يجوز أن يجتمع البيع وإزالةً الملك بخلاف مسألتنا ولو اشتراه لا بنيةَ التجارةً أو نواه لغير التجارة مثل الإمساك للفرش أو اللبس لا يصير للتجارةً فإن نوى التجارةً بعده لا يصير للتجارةً ولا زكاةً حتى يبيعه ثم يشتريه ثانيًا بنيةَ التجارةً وبه قال جماعةُ العلماء، وقال إسحاق وأحمد في روايةً: إنه يصير للتجارةً بهذه النية وبه قال أبو ثور والحسين الكرابيسي من أصحابنا، وهذا غلط؛ لأن كل ما لا تجب الزكاةً في أصله لا تجب الزكاةً فيه بمجرد النية كالماشيةً المعلوفةً إذا نوى أن يجعلها سائمةً. فإن قيل: أليس لو اشترى العرض بنيةَ التجارةً ثم نوى آن يكون للقنيةً سقطت [170 ب/ (4)] الزكاةً فما الفرق؟ قلنا: قال مالك في رواية: هاهنا لا يصير باليةَ للتجارةً وهو غلط، والفرق ظاهر؛ وذلك أن الأصل فيه الفنية وأن لا زكاةً فيه فيرجع إلى الأصل بمجرد النيةَ ولا ينتقل عن الأصل بمجرد النيةَ وهذا كما يقول في المقيم؛ إذا نوى السفر فلا يصير مسافرًا وإذا نوى المسافر الإقامةً فإنه يصير مقيمًا، وإن لم يترك المشي لأن المقيم قد يمشي وأيضًا إذا نوى القنيةً فقد حصلت النيةَ وترك التصرف فانضم إلى النيةً غيرها فهو كما لو اشترى سلعةً بنية التجارةً تصير للتجارةَ وتنتقل عن حكم الأصل لحصول الفعل مع النية، ثم قال الشافعي (¬2): هاهنا وأحب لو فعل، أي: واجب لو أخرج الزكاةً ولم يقل هذا في المسألةً المقدمة استصحابًا للحالةُ المتقدمةً في كل واحدةً منهما في المسألةَ الأولى: لم يكن العرض في الأصل زكاتياً فلم يصر بمجرد نيته زكاتيًا، وفي المسألة الثانية: كان الحول قد انعقد وقد أبطله بنيته بعد انعقاده فكذلك استحب له إخراج الزكاةً منه ثم بين الشافعي أن نيةَ التجارةً فيما كان للقنية ونيةَ القنيةً فيما كان للتجارةً يفارق نيةُ السوم في المعلوفةً ونية العلف في السائمة فقال: ولا يشبه هذا السائمة أي الذي قد ذكرنا لا يشبه هاتين [171 ب/ (4)] المسألتين ولم يذكر المعنى المفرق لوضوحه وهو أن الإمامةً والعلف كل واحد منهما فعل مباشر والأفعال لا تحصل بالنيات من غير مباشرةً، وهاهنا التجارة التصرف والقنيةً ضدها وهو ترك التصرف فما كان للقنيةَ لا ينقلب للتجارةً حتى يحصل مباشرةً التصرف وما كان للتجارةَ ينقلب للقنية بمجرد النية، لأنه في الحال غير متصرف فيه فيمر للقنيةً بترك ذلك التصرف. فرع لو نوى قنيةَ بعضه فإن حد ذلك البعض فحكمه يتغير، وإن لم يحد ذلك البعض فيه ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41). (¬2) انظر الأم (2/ 41).

وجهان، أحدهما: لا حكم لنيته للجهل ويكون كله على حكم التجارةً، والثاني: يجعل نصفه للتجارةً تسويةً بين البعضين وبعد ثلاثين الحكمين. فرع آخر لو اشترى عرضًا عند بائعه للقنيةً بعرض للتجارةً عنده فيه وجهان: أصحهما أنه يكون للتجارةً لأنه وجدت نيةً التجارةً فيغلبه عن أصله، والثاني: يكون للقنيةً ولا زكاة فيه استدامةُ بحكم العرض في نفسه قبل شرائه وهذا غلط؛ لأنه لو اشترى بعرض الفنية عرضًا عند بائعه للتجارةً بكون للقنيةً بلا خلاف ولا يستلزم حكمه قبل شرائه كذلك هاهنا. فرع لو ملك بغير عوض كالإرث والهبةً والوصيةً لم تكن للتجارة وإن [171 ب/ (4)] نوى بتملكه التجارةً لأن العرض إنما يصير للتجارةً بفعل التجارةً مع النيةً وهذه التمليكات ليست من التجارةً، ولو كانت الهبةً بشرط الثواب وجوزناها في أحد القولين تصير للتجارةً إذا نوى التجارةً لأنها معاوضةً. فرع لو ملكته بالصداق ونوت به التجارةً أو خالفته على مال أو صالحته على مال ونوى به التجارةً يصير للتجارةً ودخل في حولها لأن كل هذا معاوضة، وهكذا لو ملك بالإجارة أو السلم أو الشفعة. وقال بعض أصحابنا في الصداق وبدل الخلع ومال الصلح عن دم العمد: لا يفر التجارةً؛ لأن الخلع والنكاح ليسا بمعاوضةً على الحقيقةً فإنهما يصحان بدون ذكر العوض ذكره في الصغاري وهكذا ذكر صاحب "الحاوي" (¬1)، وقال: لا يجب فيما ملك بالإجارةً أيضًا، لأن كل هذا ليس من التجارةً ولم يذكر وجهًا آخر وهذا أقيس والأول ظاهر الذب وقيل: هذا بناء على أن المأذون هل يؤاجر عبده وفيه وجهان. ولو ملك بسبب حادث مثل الإفلاس والإقالةً فهذا العشر بحكمه قبل خروجه من ملكه، كان للتجارةً كان بعد رجوعه إلى ملكه للتجارةً، وإن كان للقنية كان بعد رجوعه للقنيةً، ولو كان للقنيةُ [172 أ/ (4)] فنوى للقنيةً والفسخ ليس بتجارةً، ولو اقترض بنية التجارةً عند القبض لا يصير للتجارةً، لأن طريقة الإرفاق، وكذلك لو اغتنم بنيةً التجارةً لا يكون للتجارةً، ولو باع ثوبًا بثوب وثوبًا التجارة ثم ترادا بالعيب لم تبطل التجارةً لأن العقد الذي انعقدت به التجارةً لم يبطل من أصله. فرع آخر إذا ملك الديباج كوى الفنية ليقطعه ويلبسه أو كان يملك سيوفًا للتجارة فنوى القنيةً ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 299).

ليقطع بها الطريق هل ينقطع الحول؟ وجهان: أحدهما: ينقطع لأن نيةُ الإمساك موجودةً، والثاني: لا يتقطع لأنها نيةً فاسدةً. مسألة: قال (¬1): وَلَوْ كَانَ تَمَلُّكُ أَقَلُّ مِمَّا تَجِبُ فِيه الزَّكاةَ زَكَّي ثَمَنَ الْعُرْضِ مِنْ يَوْمِ مُلَّكِ الْعَرْضِ. الفصل وهذا كما قال: نصاب مال التجارةً قيمةً المال فإن قوّم الدنانير فعشرون دينارًا محل وإن قوّم بالدراهم فمائتا درهم، والواجب ربع العشر وما زاد فبحسابه. وهل يعتبر النصاب طول الحول فيه طرق؟ إحداها: يعتبر في آخر الحول فقط قولًا واحدًا كما نص عليه هاهنا وبه قال مالك قال: لأن الزكاةً تحولت فيه بقنيةً أي: حول الزكاةً انعقد على هذا العرض يقنية إذا لم يكن منعقدًا على ثمنه فأقل ما في الباب أن يجعل كما لو اشترى عرضًا للتجارةً [172 ب/ (4)] يعرض للقنيةً ثم أوضح بأنه لو اتجاه بعشرين دينارًا وكانت قيمته يوم تحول الحول أقل سقطت الزكاةً عنها لأنها تحوك فيه والفرق بينه وبين زكاة النقد هو أن زكاة النقد تتعلق بالعين فلا يشق مراعاة العين، ونصابه في أول الحول ووسطه وآخره وزكاة التجارة تتعلق بقيمة العين فيشق مراعاةً النصاب كل ساعةً. وقال ابن سريج: يعتبر النصاب فيه من أول الحول إلى آخره وبه قال أحمد قال: وهذا هو المذهب، وتأول قول الشافعي: على أنه أراد إذا اشترى بأقل هن النصاب عرضًا يساوي نصابًا يعتبر حينئذٍ الحول من حين اشترى العرض الأول وقد ذكر الشافعي قبل هذه المسألةَ ما يدل على هذا فقال: ولو كان في يده عرض للتجارةً يجب في قيمته الزكاةً أقام في يده ستةَ أشهر على ما تقدم بيانه فشرط أن يكون قيمته نصابًا ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد أنه اشترى عرضًا للتجارةً حتى لو تم الحول عليه لوجبت في قيمته الزكاةً إذا كانت نصابًا، قال أبو إسحاق: الأول هو المذهب وخالف ابن سريج الشافعي: في هذه المسألة، ومن أصحابنا من [173 أ/ (4)] قال فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: خرجه ابن سريج، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أقوال. والثالث يعتبر النصاب في أول الحول وآخره وبه قال أبو حنيفةَ وهذا ليس بشيء فإذا تقرر هذا مع أصحابنا على المذهب فقالوا: لو كانت معه مائةَ درهم ثم اشترى بها بخمسين درهمًا عرضًا للتجارةً فحال الحول وهو يساوي مائةً وخمسين درهما ضمها إلى الخمسين ويخرج زكاةً الكل، وإذا كان اشتراه بكل المائةَ ثم استفاد بعد ذلك بشهر مائةً أخرى فإذا تم حول العرض الأول من حين اشتراه فإن كان يساوي درهم زكاه، وإن كان يساوي أقل من ذلك لا يلزم فيه الزكاةً، ثم إذا تم حول المائةً فإن كانت إذا ضمت إلى قيمةَ العرض نصابًا زكاه لأن الثاني يضم إلى الأول في النصاب دون الحول ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41).

ولو تم حول العرض الأول وقيمته مائتا درهم وزكاةً ثم تم حول المائةً ضمها إلى قيمةَ العرض، فإن كانت نصابًا أخرج زكاةَ المائةَ وإلا فلا يلزمه بشيء، ولو كانت معه مائةً درهم اشترى بها عرضًا للتجارةً، ثم استفاد بعد ذلك مائة أخرى واشترى بها عرضًا للتجارةً، فإن كل واحد منهما يعنى من [173 ب/ (4)] من العرض عند تمام الحول من حين اشتراه يبلغ قيمته نصابًا زكاه، وإن لم يبلغ قيمةً الأول نصابًا عند تمام حوله فإذا تم حول العرض الثاني أضافها إلى الأول وزكى الجميع، وإن لم يبلغ لمجموعها نصابًا فإذا تم حول العرض الثاني أضاف إلى العرض الأول، والثاني، فإذا بلغت قيمةُ الجميع نصابًا فأكثر زكى الجميع والطريق في الكل واحد. فرع آخر لو كانت معه مائة درهم فاشترى بها عرضًا للتجارةً فتم الحول من حين اشترى العرض وقيمته أقل من النصاب فلما كان بعد شهر بلغت قيمته نصابًا فيه وجهان. أحدهما: قاله ابن أبي هريرة يلزمه إخراج زكاته وهو اختيار الماسرجسي وهو الأصح وبه قال أكثر أصحابنا، فقط شهرًا من أول الحول حتى يصير عند بلوغ النصاب كأنه آخر الحول. والثاني: ذكره أصحابنا عن أبي إسحاق لا زكاةً عليه وتكون الزيادةً للحول الثاني فإذا تم الحول الثاني وجمعت، الزكاةً وقيل: هذا أصح، وعلى هذا لو اشترى سلعة بدراهم ثم باعها بعشرين دينارًا فحال الحول والعشرون دينارًا في يده قومت العشرون على [174 أ/ (4)] ما تقدم بيانه لأنها كالعروض فإن بلغت نصابًا من الدراهم تلزمه الزكاةً، وإن لم يبلغ نصابًا هل يسقط حكم الحول على ما ذكرنا من الوجهين فإذا قلنا: يسقط هل ينتقل وجوب الزكاةً إلى عين العشرين دينارًا كسلعةُ اشتراها بورق للتجارةً فيستأنف الحول، فإذا حال الحول الثاني قومت العشرون دينارًا مرة أخرى بالدراهم التي هي الأصل، والثاني: ينتقل وجوب الزكاةً إلى عين هذه العشرين ديناراً فمن أي وقت يحتسب حول العشرين ديناراً؟ وجهان، أحدهما: من وقت التقويم لأن حول الدراهم إذا بطل عند تقويم الدنانير بعد حولان الحول فلما بطل ذلك الحول انتقلت الزكاةً إلى الدنانير فيحسب حولها من ذلك الوقت، والثاني: من وقت ما نقصت في يده العشرون دينارًا لأنه ملك العشرين من ذلك الوقت. فرع آخر لو كان عرضه الأول ناقصًا من المصاب في أول الحول فصار في خلال الحول نصاباً ثم بيع يعرض آخر فلما تم الحول كان الثاني نصاباً أيضاً فلا شك أن الحول الثاني يبني على الحول الأول ولو بقي العرض الأول على النقصان حتى بيع بعرض ثانٍ هل يسقط [174 ب/ (4)] حكم العرض الأول؟ وجهان، أحدهما: لا يسقط بل الحول من يوم ملك العرض الأول أيضًا لأن العرضين كعرض واحد في حق التجارةً ولا يعتبر

النصاب إلا في آخر الحول، والثاني: أنه لما بقي على النقصان حتى خرج من ملكه على ذلك سقط حكمه فالحول من يوم ملك العرض الثاني والأول أصح. مسألة: قال (¬1): ولا تمنع زكاة التجارةً وزكاةَ الفطر يجتمعان. فإذا ملك رقيقاً للتجارةً فأهل هلال شوال فأخرج زكاةَ الفطر إذا حال حول التجارةً أخرج زكاة التجارةً وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: تجب زكاة التجارةً ولا زكاةً الفطر لقوله: "لا ثُنيا في الصدقة" وهذا غلط؛ لما قال الشافعي رحمة الله عليه، أنهما زكاتان مختلفتان الموجب والموجَب فيه ألا ترى أن زكاةَ الفطر على الأحرار الذين ليسوا بمال، أي ليست هي زكاةَ المال وإنما هي زكاة البدن للمسلمين، وزكاةَ التجارةً تجب في المال لأنها لا تجب فيما ليس بمال فجاز أن يجتمعا. مسالةً: قال (¬2): وإذا اشترى نًخْلًا للتَّجارةِ أو وَرِثَها زكَّى زَكَاةَ النَّخلِ. الفصل وهذا كما قال: آما إذا ورث نخيلًا [175 أ/ (4)] فأثمرت أو أرضًا للتجارةً فزرعها أو اشترى خمسًا من الإبل السائمةَ للتجارةَ أو أربعين شاةً سادةً للتجارةً لا يجب إخراج الزكاتين بلا خلاف لأنهما جميعاً زكاتا مال مختلفان بقلةً المال وكثرته بخلاف زكاةَ الفطر والتجارةً فإنهما يجتمعان لأنهما زكاتان مختلفتان ثم أيتهما يقدم؟ قال في "الأم" (¬3): يقدم زكاة العين، وقال في "القديم": فيه قولان، أحدهما: ما ذكرنا وبه قال مالك، والثاني يقدم زكاة التجارةً وبه قال أبو حنيفة وأحمد ووجه هذا خبر سمرة بن جندب وقد ذكرنا أن زكاةَ التجارةً أعم لأنها تتعلق بالثمار والأرض والنخل وزكاة العين أخص وزكاةَ التجارةً أحوط لأنها تزيد بزيادة قيمةُ المال بخلاف زكاةَ العين فكان تقديمها أولى، والأول أصح، ووجهه قوله - صلى الله عليه وسلم - "في خمس من الإبل شاة" ولم يفصل ولأن زكاةَ العين ثبتت بالنص ويكفر جاحدها بخلاف زكاةَ التجارةً، ولأن العين أصل والقيمةَ فرع فاعتبار الأصل أولى. فإذا تقرر هذا فمسألةَ القولين إذا اتفق النصابان والحولان معاً مثل إن ملك أربعين شاة بنية [(170) ب/ (4)] القنيةً أو بما هو دون النصاب من الأثمان أو بنصاب من الأثمان ولكن اشتراها حين ملك الثمن فإذا حال الحول من حين اشترى وهي أربعون شاةً قيمتها نصاباً فقد اتفق الحولان والنصابان فإن اختلف النصابان واختلف الحولان فإنه يخرج الزكاةً مما هو نصاب ولا اعتبار بالآخر مثل إن اشترى ثلاثين شاةً للتجارةَ فحال الحول وقيمتها نصاب أخرج زكاة التجارة قولًا واحدًا، ولو كانت أربعون شاةً فحال الحول وقيمتها أقل من نصاب أخرج زكاةً العين قولًا واحدًا، لأنه إنما إحدى الزكاتين عند الاجتماع وهاهنا لم يجتمعا. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41). (¬2) انظر الأم (2/ 41). (¬3) انظر الأم (2/ 41).

ولو اتفق النصابان واختلف الحولان مثل أن كانت عنده مائتا درهم ستة أشهر ثم اشترى بها أربعين شاه سائمة للتجارة فإنه بني حول الماشية على حول الأصل فيسبق حول التجارة حول العين وقد تسبق زكاة العين زكاة التجارة ففيهما طريقان أحدهما: قال أبو إسحاق: إنه يقدم ما سبق وجوبه قولًا واحدًا كما قدم ما تم نصابه وهذا هو اختيار القاضي (176 أ/ 4) الطبري. واحتج بأن الشافعي قال: لو باع العرض بالدنانير قبل الحول قدمها برأس المال إذا كان دراهم وهذا تقديم لزكاة التجارة على زكاة العين، لأن حول التجارة سابق. والثاني: فيه قولان أيضًا هو اختيار القاضي أبي حامد وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه لم يفصل وقد فرض الشافعي الكلام في الثمرة ويبعد أن يوافق آخر جزء من الحول في التجارة أول بدو الصلاح وبهذا قال أحمد ومن أصحابنا من قال: فيه طريقة أخرى وهي أنه يعتبر بما هو الأحفظ للمساكين وأوفر لهم فيحمل رب المال عليه وهذا بعيد وعلى ما ذكرنا إذا كانت عنده أربعون شاة للتجارة ستة أشهر فاشترى بها أربعين شاه سائمة للتجارة هل يبني أم يستأنف الحول؟ على قولين: فإن قلنا: يقدم زكاة التجارة بني، وإن قلنا: يقدم زكاة العين استأنف الحول وعلى قول أبي إسحاق: يخرج زكاة التجارة قوم الكل وأخرج الزكاة سواء كانت الأموال ماشية أو غيرها من الثمار والنخيل والزرع والأرض، وإن قلنا: يقدم زكاة [176 ب/4] العين نظر فإن كان المال ماشية أخرج زكاة العين، وإن كان نخيلًا فأثمرت أو أرضًا فزرعت أخرج عشر الثمار والزرع، وما الذي يصنع برقبة الأرض والنخل؟ فيها قولان، وقال في القديم: يقومها ويخرج زكاة التجارة عنها لأن ما أخرجه من الزكاة عن النماء دون الأصل فلا يتنافيان وهذا ظاهر المذهب، والثاني: أنه لا يخرج عنها شيئًا وهو القياس لأن الثمرة والحب نماء الأصول فما أخرج يكون عن الجميع أو الأصل تبع كالأربعة الزائدة على خمس من الإبل تبع لا تنفرد بالزكاة، وقال القفال إذا قلنا: في الجذوع تتبع الثمار ففي الأرض هل تتبع؟ وجهان، والفرق أنه لا تكون الثمرة إلا من غير النخلة ولا تكون من عين الأرض بل الأرض محله ومحل الزرع فافترقا. فرع آخر إذا قلنا: يقدم زكاة العين فانتقص النصاب في خلال الحول هل يبطل حكمه وتجب زكاة التجارة؟ فيه وجهان، أحدهما: لا تبطل لأنها أثبتتا زكاة العين فإذا انتقص النصاب سقطت الزكاة، والثاني: تجب زكاة التجارة لأنا نقدم زكاة العين عند تصور وجوب الزكاتين وانعقاد الحولين لهما (177 أ/4) فإذا انتقص نصاب العين بأن الحول للعين أنه لم يكن منعقدًا وبقى حول التجارة، وكذلك إذا أوجبنا زكاة التجارة ثم انتقص نصاب التجارة ونصاب العين باق فيه وجهان، وبعض أهل خراسان.

باب زكاة مال القراض

فرع آخر لو اشترى سائمة للتجارة وأوجبنا زكاة التجارة فيها لنقصان نصاب العين فبلغت بالنتاج نصابًا فلما تم الحول كان نصاب التجارة ناقصًا قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستأنف من الآن حول، أما للتجارة، وإما للسوم على اختلاف القولين، والثاني: مقيمًا بلغت قيمة المال نصابًا أوجبنا زكاة التجارة، والثالث: يحسب حول العين من يوم تم نصاب العين بالسخال وقد تقدم أصل هذه الوجوه. فرع آخر لو كانت له حنطة للتجارة فزرعها في أرض القنية وأدرك الزرع هل يلزم العشر أم زكاة التجارة قولان. فرع آخر لو اشترى أرضًا للتجارة، وزرع يبذر للقنية فعليه في الزرع العشر، وفي الأرض زكاة التجارة بلا خوف، ولو كانت الأرض والبذر كلاهما للتجارة ففي الزرع قولان، على ما ذكرنا ولو اشترى غراسًا لا تحمل بنية التجارة أو أرضًا مغروسة غراسًا لا تحمل أو (177 ب/ 4) تحمل ولكن يكون أقل من خمسة أوسق أو أرضًا مزروعة زرعًا لا زكاة فيه من الخضراوات، قال الشافعي (¬1): عليه أن يزكي كل ذلك زكاة التجارة لأنه ليست فيها زكاة العين. فرع لو اشتري شقصًا للتجارة بعشرين دينارًا فحال عليه الحول وهو يساوي مائة دينار وجبت عليه زكاة مائة فإذا قدم الشفيع وطالب بالشفعة أخذها بعشرين لأنه يستحق أخذه بالثمن الأول، ثم قال الشافعي في "المختصر": والخلطاء في الذهب والورق كالخلطاء في الماشية وأراد بالخلطاء الشركاء وقد مضى بيانه. باب زكاة مال القراض مسألة: قال (¬2): وإذا دفع إلى رجل ألف درهم قراضًا على النصف. الفصل وهذا كمان قال: إذا دفع رجل إلى رجل قراضًا على أن ما رزق الله تعالى من الربح كان بينهما نصفان فاشترى العامل سلعة فحال عليها الحول وهي تساوي العين وجبت الزكاة في الكل لأن الربح في التجارة هو تبع للأصل في الحول إذا نض حين حال الحول، وعلى من تجب الزكاة؟ فيه قولان منصوصان أحدهما: تجب زكاة الكل على رب المال، وهو اختيار المزني، قال الشافعي: وهذا أشبه القولين، والثاني: على رب المال زكاة (178 أ/ 4) الأصل وزكاة حصته من الربح وعلى العامل زكاة حصته من ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 41). (¬2) انظر الأم (2/ 41).

الربح وبه قال أبو حنيفة، وأصل هذه المسألة أن العامل متى تملك نصيبه من الربح؟ فيه قولان. أحدهما: أن يملك بالمقاسمة والقبض بعد المقاسمة وهو اختيار الشافعي والمزني ووجهه ما ذكر المزني في آخر الباب، قال: أو ملكه زائدًا لملكه ناقصًا كالشريكين في المال ثم لو خسر حتى لم يبق للعامل في المال حق يعلمنا أنه لا حق من حيث الملك قبل الخسران. والثاني: يملك بالظهور نصيبه من الربح لأنه عقد على أصل يقتضي اشتراك المتعاقدين في النماء فإذا صح العقد وحصل النماء كان النماء مملوكًا لهما كالمساقاة وهذا أقيس القولين، ومن نصر هذا أجاب عما قال المزني بأنه يبطل بجانب رب المال فإن الربح عند الزيادة ولا شيء له من ذلك عن التراجع، وإنما يكون له ما كان من قبل وهو رأس المال، لأن الشرط هو الشركة في الربح لا غير فمتى ذهب الربح ذهبت الشركة فإذا تقرر هذا فالكلام في ثلاثة فصول، الحول، ووجوب الزكاة، والإخراج [178 ب/ 4]. وجملته أنه لا يخلوا حال رب المال والعامل من ثلاثة أحوال: إما أن يكونا مسلمين أو نصرانيين أو أحدهما مسلمًا والآخر نصرانيًا فإن حال الحول وجبت الزكاة عليه عن الكل فلما حال الحول كذلك فهو بالخيار بين أن يخراج الزكاة من غير هذا المال وبين أن يخرج من غيره، فإن أخرج من غيره بالقراض بحاله، وإن اختار إخراجها من عينه أخرج خمسين درهمًا، ومن أين يحتسب فيه ثلاثة أوجه. أحدهما: وهو الأصح يحتسب من أصل رأس المال ألفًا إلا خمسين، والثاني: يكون من الربح كالنفقة والمؤنة من أجرة الجمال والبيت والدلال ونحو ذلك، والثالث: يكون مقسومًا على رأس المال والربح لأن الزكاة تجب فيهما فعلى هذا ينفسخ القراض في خمسة وعشرين درهمًا، وهذا أقيس. وقال بعض أصحابنا بخسران: هذا مبنى على أن الزكاة في العين أو في الذمة فإن قلنا: في العين فهو كسائر المؤن وهذا أصح، لأن الشافعي قال في عبد التجارة: عليه زكاة الفطر وهو من مؤن المال، وإن قلنا في الذمة: كصبي كأنه استرد طائفة من [179 أ/ 4] رأس المال فهي من أصل المال، وإذا قلنا: على رب المال زكاة الأصل وزكاة حصته من الربح يكون قدر الزكاة عليه سبعة وثلاثين درهمًا ونصف درهم وحكمها ما ذكرنا، وزكاة الباقي على العامل والكلام فيه في الفصول الثلاثة في الحول والوجوب والإخراج. أما الحول: فمن حين الظهور نص عليه في "الأم" لأنه على هذا القول يملك الربح بالظهور ومن أصحابنا من قال: أومأ الشافعي على قولين في "الأم" أحدهما: هذا، والثاني: من حين التقويم لإخراج الزكاة منه لأن الربح مظنون وإنما يتحقق ذلك

بالتقويم، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا ثانيًا: أنه يعتبر من حيث المقاسمة لأن ملكه قبل ذلك غير مستقر بل هو متردد بين أن يسلم له أو لا فأشبه مال المكاتب فإذا قلنا: بالأول ينعقد ... (¬1) للعامل إذا ظهر أدنى شيء من الربح ولا يعتبر بلوغه نصابًا لأن اعتبار النصاب في زكاة التجارة في آخر الحول، ومن أصحابنا بخسران من ذكر وجهًا رابعًا: أن حوله حول أصل المال لأن الحول حين انعقد على هذا المال انعقد على ما يتولد منه أيضًا فإنه تابع الأصل وهذا غلط فاحش، لأنه إنما يكون حول النماء حول الأصل إذا كان [179 ب/4] الأصل ملكًا لمن ملك النماء والعوامل لا تملك شيئًا من الأصل فكيف يكون حول ما ملك من النماء حول الأصل وقيل في نصيب العامل: طرق إحداها: حكم المال المغصوب لأنه غير متمكن من الضبط في المال وإن قلنا: ملك بالظهور، والثانية: يجب في الزكاة قولًا واحدًا لأنه يمكن طلب القسمة، والثالثة: لا زكاة فيه قولًا واحدًا لأنه وقاية لملك رب المال فملكه ناقص فيه. وأما الوجوب فإن قلنا: ابتداء الحول من حين الظهور أو من حين التقويم فحال الحول نظر فإن كانت حصته نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا وجبت الزكاة وإن كانت حصته لا تبلغ نصابًا وليس له غيرها أو له غيرها ولكن بالإضافة إليها لا تبلغ نصابًا بنيت على الخلطة، فإن قلنا: لا تصح الخلطة في غير الماشية فلا شيء عليه، وإن قلنا: تصح فعليه الزكاة، فإذا قلنا: ابتداء الحول من حين المقاسمة فهذا رجل انفرد بهذا القدر من المال فإن كان نصابًا حين الحول ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه، لأنه لا خلطة له. وأما الإخراج قال أصحابنا: الزكاة وإن كانت واجبة لا يلزمه إخراجها لأنه يدري هل يسلم له المال أم لا فهو كما لو كان [180 أ/4] له دين على مليء يعترف به باطنًا لا ظاهرًا. وقال صاحب "التقريب": يجب عليه إخراجها لأنه تصل يده إلى هذا المال، فإن المقاسمة إليه متى شاء فهو كالدين على مليء مقر به ظاهرًا وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا بخراسان من ذكر وجهًا آخر: أنه لا زكاة في هذا المال على العامل أصلًا كالمغصوب لأن العامل لا يقدر على التصرف فيه كيف شاء فيبقى على رب المال زكاة ألف وخمسمائة، فإذا قلنا: لا يلزمه الإخراج في الحال فلا شك أنه بالخيار بين أن يخرج أو يؤخر، فإن أخر إلى القسمة أخر زكاة ما مضى إلى هذا الوقت، وإن اختار تقديم الإخراج أو قلنا يلزمه الإخراج في الحال فإن أخرج من غير هذا المال فلا كلام وإن أراد إخراجها من عينه هل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك كما لرب المال لأنهما دخلا على حكم الإسلام ووجوب الزكاة وقيل: هذا هو منصوص الشافعي، والثاني: ليس له ذلك لأن حصته هي وفاؤه لأصل ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة

المال وأصل هذين الوجهين ينبني على القولين في محلها فإن قلنا: إن الزكاة في الذمة لم يخرج منه، وإن قلنا: في العين تعلق الوجوب هاهنا بالقيمة فكان له أخراجها من القيمة هذا إذا كانا [180 ب/ 4] مسلمين فإن كانا نصرانيين فلا زكاة على واحد منهما، وإن كان أحدهما مسلمًا والآخر نصرانيًا نظر فإن كان رب المال هو النصراني، فإن قلنا: زكاة الكل على رب المال فلا زكاة في هذا المال أصلًا. وفرَّع الشافعي على هذا في "الأم" (¬1) فقال: فإن استرد رب المال رأس المال وبقى الربح بينهما فيكون ألف بين مسلم ونصراني فعلى المسلم زكاة نصبيه، وإن قلنا: على رب المال زكاة الأصل وحصته من الربح فلا زكاة في هذا القدر وبقى الكلام في حصة العامل فالكلام في الفصول الثلاثة. أما الحول فابتداؤه على وجهين، ولا يجيء فيه قول التقويم لأن رب المال مشرك لا تقويم له. وأما الوجوب: فإذا حال الحول فإن بلغت حصته نصابًا أو بالإضافة إلى ما معه يبلغ نصابًا فعليه زكاة وإلا فلا زكاة، لأنه لا خلطة لرب المال لكفره. وأما الإخراج: فلرب المال منعه من إخراجها قولًا واحدًا لأنه دخل على أن رب المال لا تلزمه الزكاة فكيف يخرج العامل الزكاة، وإن كان العامل هو النصراني فهو على القولين، فإن قلنا: زكاة الكل على رب المال فهو كما لو كانا مسلمين، وإن قلنا: على رب المال زكاة الأصل وزكاة حصته من الربح فالحكم [181 أ/ 4] في رب المال كما لو كانا مسلمين أيضًا ولا شيء على العامل لأنه نصراني، والمكاتب في كل ما قلناه كالنصراني. فرع لو كان القراض فاسدًا واستحق العامل أجره المثل قدر النصاب وقبضه زكاه لما مضى إن حال حول منذ ملكه وقيل فيه وجه آخر: أنه إذا جعل قدره فلا زكاة ويستقبل الحول من يوم علم قدره. فرع آخر لو كان مال القراض عبدًا فزكاة الفطر على من تكون؟ المنصوص أنها على رب المال، قال أصحابنا: هذا على القول الذي نقول: زكاة المال كلها على رب المال، فأما على القول الآخر: يلزم ها هنا على العامل زكاة الفطر في نصيبه من الربح ثم فيه وجهان أحدهما: يكون من رأس المال، والثاني: أنها تكون من الربح. باب الدين مع الصدقة وزكاة اللقطة قال (¬2): وإذا كانت له مائتا درهم وعليه مثلها. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 42). (¬2) انظر الأم (2/ 42).

الفصل وهذا كما قال: إذا ملك نصابًا من الأموال الزكاتية خمسًا من الإبل أو أربعين شاه أو خمسة أوسق من الزرع أو عشرين مثقالًا من الذهب أو مائتي درهم من الورق، وعليه دين يستغرق النصب نظر فإن كان له مال غير هذا النصاب (181 ب/ 4) فيه قولان. قال في "الأم" (¬1): لا يمنع بل يخرج الزكاة ويقضي الدين مما بقى بعد أداء الزكاة وهو الصحيح، وبه قال ربيعة وحماد وابن أبي ليلى ووجهه أنه حر مسلم ملك نصابًا من السائمة حولًا فأشبه إذا لم يكن عليه دين، وقال في القديم: واختلاف العراقيين من الجديد يمنع وجوبها كما يمنع وجوب الحج وبه قال سليمان بن يسار والحسن والليث والثوري وأحمد وإسحاق رحمهم الله، وقيل: لا فرق بين الدين المؤجل والحال في ذلك وروي عن أحد رواية في الأموال الظاهرة أنه لا يمنع وجوب زكاتها. وقال مالك والأوزاعي: إن كان معه دراهم أو دنانير وعليه مثلها دين فلا زكاة، وإن كانت مواشي أو ثمار فإنه يلزمه الزكاة وكذر بعض أهل خراسان: أن الشافعي قاله في موضع فيكون قولًا ثالثًا، ووجهة: أن في النقد يؤدي إلى اجتماع زكاتين على رب الدين ومن عليه الدين وفي غيره لا يؤدي إلى هذا، ومن أصحابنا من أنكر هذا وقال: قول الشافعي في القديم لمعنى وهو أن في قوله القديم: يجب دفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام فلا نصدقه أنه مديون فإن صح عنده ذلك لم يجز له أخذ الزكاة، وقيل: موضع القولين (182 أ/ 4) إذا كان الدين وما في يده جنس واحدة فإن كانا جنسين فقول واحد يلزم احترازًا من إيجاب زكاتين وهذا كله غير معتمد وقد روى أصحاب مالك عن عمير عن عمران عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه"، وقال أبو حنيفة: الدين الذي تتوجه المطالبة به يمنع وجوب الزكاة في الأموال إلا في الحبوب والثمار، وقال: لو كان عليه مائتا درهم دينًا وله مثل ذلك ومن العروض ما يسوي ألوفًا فلا زكاة في المائتين التي له فخالف جميع ما ذكرنا من العلماء واحتج بأنه تحل له الصدقة فلا تجب عليه الصدقة وهذا غير صحيح فيما صورنا لأنه لا تحل له الصدقة وتبطل بابن السبيل فإنه تحل له الصدقة وتجب عليه الصدقة في ماله الذي في بلده، وإن كان له أكثر من نصاب واحد فإن كان ما زاد على النصاب يفي بالدين لزمته الزكاة في النصاب قولًا واحدًا، وإن كان لا يفي بالدين كمسألة القولين، وأما قوله في "المختصر": فاستعدي عليه السلطان أي: رفع إليه قبل الحول وإنما ذكر ذلك مبالغة في حكم المسألة لا شرطًا إذ لا حكم [182 ب/ 4] للاستعداء عليه ما لم يقض عليه. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 42).

مسألة: قال (¬1): ولو قضي عليه بالدين وجعل لهم بماله حيث وجدوه قبل الحول ثم حال الحول قبل أن يقبضه الغرماء. الفصل وهذا كما قال: في بعض النسخ قبل أن يقضيه الغرماء وقد بينا أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة ثم لا يخلوا رب المال من أحد أمرين: إما إن حجر عليه الحاكم أو لم يحجر فإن لم يحجر فكلما حال الحول أخرج الزكاة وقضي الدين بما بقى بعد الزكاة، وإن كان قد حجر عليه فحال الحول عليه وهو محجور عليه فيه ثلاث مسائل: إحداها: حال الحول بعد تفرقة ماله بين غرمائه فلا زكاة لأن الحول حال وليس له مال. والثانية: حال الحول بعد قسمة المال بينهم وتعيين كل ذي حق شيئًا من ماله فقيل لواحد: هذا لك بمالك وقيل لآخر: هذا لك بمالك فقبلا ذلك من غير قبض فلا زكاة أيضًا لأنه الملك، وإن لم يحصل القبض، وقال الكرخي في الموضع: أباح الشافعي للغرماء نهب مال المفلس وهذا غلط، لأن معناه عرف الحاكم الديون ومقدار مال المفلس وقسطه على الديون وجعل لكل واحد منهم من ماله عينًا بقدر دينه ورضيه الغرماء وقبلوا ذلك فلا يكون هذا نهبًا وكان ملك المفلس زائلًا [183 أ/ 4] عنه. والثالثة: أن يعفي عليه العافي بالديون ووقف ماله ومنعه من التصرف ثم حال الحول قبل أن يقبضه الغرماء هل يلزمه زكائه؟ قولان، بناء على المغضوب لأنه ممنوع من التصرف فيه، وقال أبو إسحاق: إن كان ماله ماشية وجبت الزكاة قولًا واحدًا وفي غيرها قولان، لأن نماءها تم بعد وقف المال بخلاف غيرها وهذا غلط، لأنها وإن كانت نامية ولكنه يحول بينها وبينه. وقال صاحب "الإفصاح": يلزمه الزكاة في الكل لأن الحجر لا يمنه الزكاة كالحجر على السفيه وهذا أيضًا غلط، لأن وليه ينوب عنه في التصرف وها هنا ليس له نائب في التصرف فافترقا، ومن أصحابنا من قال: إن سلطهم على أخذ ماله بديونهم حيث وجدوه فلا زكاة عليه، وإن لم يملكهم كرهًا ملكه ومعنى قوله لأنه صار لهم دونه أو صاروا أحق به منه إذا أخذوا لا أنهم ملكوا قبل الأخذ، وإن لم يسلطهم تجب الزكاة وهذا غير صحيح أيضًا بل تجب الزكاة قبل أن يملك الغرماء وهو ظاهر تعليل الشافعي، لأنه صار لهم دونه. فرع لو كان عليه دين من جنس الدراهم وفي يده أربعون شاه وثمره وأراد الحاكم أن يبيع (183 ب/4) أحداهما بدينه يبيع الثمرة لأن الأنفع للمساكين تبقية الماشية على ملكه لتكرر الزمان في عينها. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 42).

فرع آخر لو كان له مائتا دينار وألف درهم وعليه ألف درهم دين وقلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة قال ابن سريج: قال الشافعي في كتاب اختلاف العراقيين: ينظر في قيمة الدنانير فإن كانت قيمتها ألفًا جعلنا الدين في مقابلة ما فيه الحظ للمساكين فإن كان الحظ في جعله في مقابلة الورق فعلت وإن كان الحظ في جعله في مقابل الذهب فعلت. وقولنا: أحظ يريد أكثر استعمالًا في البلد من الآخر، وإن كان في الحظ سواء جعلت الدين في مقابلة الورق لأنه من جنسه وأخذت لزكاة الدناير، وإن كانت المسألة بحالها وكانت قيمة الذهب تسعمائة قال الشافعي: جعلت الدين في مقابلة العين، قال ابن سريج: يجعل في الدين في مقابلة الأقل فيكون الدين في مقابلة العين، وما به من الورق ويبقى من الورق تسعمائة فأخذ الزكاة منها هذا إذا كان ماله أجناسًا زكاتية إبل وبقر وغنم وورق وتجارة. قال ابن سريج: جعلت الدين [184 أ/4] في مقابلة العين أو الورق أو التجارة لأنه من جنسه وأخذت الزكاة من غير ذلك، وقال أبو حامد: هذا إطلاق فاسد وينبغي أن يقال: يجعل الدين في مقابلة ما هو الأحظ للمساكين وقد يكون الأحظ أن يكون في مقابلة الماشية دون الدنانير والدراهم، وهذا لا يصرف إلى غير مال الزكاة طلبًا لحظ المساكين، كذلك هاهنا ومن أصحابنا من قال: إذا كان الدين من جنس أحدها فإنه يصرف إلى الجنس بكل حال وهذا أصح عندي، وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كانت له خمس من الإبل وعليه خمس من الإبل ومائتان درهم يجعل الدين في مقابلة الدراهم لأنها من جنس الأثمان وهذا غلط، لأن الإبل إلى الإبل أقرب والمطالبة بها دون غيرها صرف الدين إليها أولى. فرع آخر إذا اعترف المحجور عليه بالفلس أن ماله حال عليه الحول وفيه الزكاة أو حالت عليه أحوال وفيه زكوات فإنه يصدق بلا خوف، ولكن هل يشارك الغرماء في ذلك، أو يقدم سائر الغرماء؟ قولان (184 ب/ 4) كما لو أقر بسائر الديون. فرع لو كانت له مائتان درهم ولا مال غيرها فقال لله على أن أتصدق بهذه المائة بعينها صح نذره وتعلق بها، ولزمه أن يتصدق بها فلو حال الحول قبل أن يتصدق بها فعل يمنع النذر وجوب الزكاة؟ فإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة فهذا أولى لأنه يتعلق بالعين واستحق بهذا النذر عينه بخلاف دين الآدمي، وإن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة ففي هذا وجهان، لأن المال صار مستحقًا لله تعالى قبل الحول فإن قلنا: لا يمنع يتصدق بخمسة عن المائتين على وجه الزكاة ويتصدق بالمائة التي نذرها، وإن قلنا يمنع وجوب الزكاة تصدق بالمائة التي نذرها ولا زكاة.

فرع آخر لو نذر مطلقًا فقال: لله على أن أتصدق بدرهم وله مائتا درهم فإن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة فها هنا أولى أن لا يمنع، وإن قلنا: يمنع ففيه وجهان: أحدهما: يمنع أيضًا، والثاني: لا يمنع لأنه دين لا مطالب به ويؤتمن على أدائه وضعف في بابه فلا يمنع وجوب الزكاة بخلاف دين الآدمي (185 أ/ 4) وهكذا لو قال: لله على أن أتصدق بمائتي درهم. فرع آخر لو قدمه غرماؤه إلى القاضي فجحدهم وحلف ففيه وجهان أحدهما: وهو قول جمهور أصحابنا جحوده ويمينه غير مؤثر فتكون زكاة ما بيده على قولين، والثاني: جحوده مع يمينه أسقط عنه المطالبة وإن لم يسقط عنه الدين فصار في حكم من لا دين عليه لسقوط المطالبة عنه فلزم زكاة ما في يده قولًا واحدًا ذكره في "الحاوي" (¬1). فرع آخر لو أقرض ألف درهم ولا مال للمستقرض سوى ألف درهم ورهنه عند المقرض فقط حصل له ألفان ألف رهن وألف في يديه وعليه ألف المقرض وحال الحول أما المقرض فهل تجب عليه الزكاة في الدين؟ قولان: وإما المستقرض فهل تجب عليه الزكاة فله ألفنا وعليه ألف درهم دين فإن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة زكي الكل، وإن قلنا: يمنع زكي الألف ولم يزك الآخر. فرع آخر لو كانت له أربعون شاه سائمة فاستأجر رجلًا يرعاها حولًا بشاة موصوفة في الذمة صحت الإجارة وملك الأجير الشاه في ذمة رب المال فإذا حال الحول عليها فعلى رب المال شاه (185 ب/ 4) في ذمته فإن لم يكن له مال غير هذا الغنم هل يمنع الدين عليه وجوب الزكاة في الغنم قولان: وإن كان له مال غيرها فإنه تجب الزكاة قولًا واحدًا، ولو كانت الإجازة على واحدة شاه بعينها صحت الإجازة، وإذا حال الحول فإن كانت مختلطة بغنم المستأجر كان حكمها حكم الخليطين في نصاب واحد فيلزم الزكاة عليهما بالقسط، وإن كان ميزها وعزلها لم يضمنها إلى ما عنده من الغنم ولا زكاة عليهما، وهكذا إذا استأجر بثمره نخلة بعينها أو نخلات لا يختلف هكذا قال الشافعي. قال أصحابنا: أراد إذا ظهرت الثمرة ولم يكن يريد إصلاحها وشرط القطع أو كانت الإجازة بالنخلة وثمرتها فإذا بدا الصلاح فإن كان نصيب كل واحد منهما نصابًا زكيًا هنا، وإن كان أقل من نصاب ولكن الجميع يبلغ نصابًا فهو مبني على الخلطة فيما عدا ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 312).

المواشي وهذه هي خلطة أوصاف لا أعيان، ونص الشافعي ها هنا يدل على ثبوت حكمها فيها بكل حال. فرع آخر إذا قلنا: الدين يمنع الزكاة فدين الكفارة ودين الزكاة سواء على الطريقة الصحيحة، وقال زفر: كلاهما [186 أ/ 4] يمنع وقال أبو يوسف: إن كانت الزكاة واجبة في العين تمنع الزكاة، وإن كانت واجبة في الذمة فإن أتلف مال الزكاة وانتقلت الزكاة إلى ذمته لا يمنع، وقال أبو حنيفة: الزكاة تمنع بخلاف الكفارة لأنها دين واجب كدين الآدمي والله تعالى أعلا المطالبين بإخراجها. فرع لو حال الحول على مائتي درهم فحال الحول عليها ووجبت الزكاة فيها فتصدق بكلها ولم ينو الزكاة فقد ذكرنا أنه لا يسقط عنه الزكاة على ظاهرة المذهب، وقال ابن سريج: ينظر فإن كان له مال سواها يلزمه إخراج هذه المائتين منه لأنه لما تصدق بكل المائتين علمنا أنه قصد أن يخرج الزكاة من غير هذا المال فيخرجها من غيره واجبًا، وإن لم يكن له مال سواها ففيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يقع خمسة عن الفريضة لأنها تتعلق بعينها والباقي عن التطوع ويشبه أن يكون الوجهان بناء على القولين في بيع مال الزكاة بعد وجوبها، فإن قلنا: يفقد البيع في الكل فقدت الصدقة في كله وعليه زكاة ماله، وإن قلنا: يصح فيما عدا قدر الزكاة فهاهنا صحت الصدقة تطوعًا [186 ب/ 4] فيما عدا قدر الزكاة وكانت منها واقعة موقعها. فرع آخر ذكره والدي الإمام رحمه الله لو ضمن عن آخر مالًا بإذنه فهذا الدين هل يمنع وجوب الزكاة؟ إذا قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة لا نص فيه ويحتمل وجهين أحدهما: لا يمنع وجوبها لثبوت حق الرجوع له بعد الأداء فصار كأنه لا دين عليه حيث يصل إليه عوضه عقيب أدائه، والثاني: يمنع لأن الدين عليه في الحال ولا شيء له على المضمون عنه قبل الأداء فصار كسائر الديون. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو حال الحول على ماله فقبل إمكان الأداء توجه عليه الدين من قبل الله تعالى لا بإيجاب من جهته كنفقة الزوجات هل يسقط الزكاة عنه على القول الذي يقول الدين يمنع وجوب الزكاة، فإن قلنا: إمكان الأداء من شرائط الضمان لم يسقط، وإن قلنا: أنه من شرائط الوجوب فإن كان العقد منه لم يسقط أيضًا، وإن كان من وليه يحتمل وجهين: أحدهما: يسقط كما لو كان وجوبها قبل الحول لأن وقت الوجوب جاء وعليه دين،

والثاني: لا يسقط وهذا أصح لأن [187 أ/ 4] عقد وليه له كعقده بنفسه إذا كان من أهله والفرق بين هذا وبين ما قبل الحول هو إن الدين هناك لو وجب بسبب منه لم يمنع وجوب الزكاة، وإن لم يكن متعديًا في السبب فكذلك إذا وجب لا بسبب منه وهذا بين ثم ذكر في "المختصر" الزكاة في المرهون والزكاة في الدين على ملئ وقد مضى شرح ذلك. مسألة: قال (¬1): وإذا عرف لقطة سنة ثم حال عليها. الفصل وهذا كما قال: إذا التقط لقطة وكانت نصابًا تجب فيه الزكاة فعليه أن يعرفها حولًا فإذا فعل ذلك هل يدخل في ملكه عقيب الحول بغير اختياره المذهب أنها لا تدخل في ملكه بغير اختياره. ومن أصحابنا من قال: إذا اختار تملكها متى نملك؟ فيه قولان: كما في القرض أحدها: لا يملك ما لم يتصرف فإذا تصرف حكمنا بدخوله في ملكه قبيل التصرف، والثاني: يملك بنفس الاختيار قبل التصرف ثم إذا تملكها فإن كانت من الأثمان كان في ذمته مثلها لأنها عرض عليه وإن كانت ماشية حصلت في ذمته قيمتها من غالب نقد البلد. وأما حكم الزكاة فإذا حال الحول من حين الالتقاط فلا زكاة على الملتقط لأنه لا يملكها [187 ب/4] وأما ربها فعلى قولين أحدهما: لا زكاة، والثاني: عليهم الزكاة لأنها كالمغصوب فإذا حال الحول الثاني وجاء ربها لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون يملكها أو لا، فإن لم يكن تملكها فلا زكاة عليه لأنه لم يملكها، وأما ربها فإنه مرتب على القولين في المغصوب فإن قلنا: لا زكاة هناك فهاهنا أولى، وإن قلنا: فيه الزكاة فهاهنا قولان لأن ملكه هنا أضعف لأنه يعرض أن يملكه الملتقط وهذا أصح، لأن الشافعي قال: ويشبه أن لا يكون عليه الزكاة فيها قولًا واحدًا وهذا اختيار أبي إسحاق ويفارق المغصوب لأن ملك صاحبه مستقر عليه، وهكذا لو اختار تملكها وقلنا: لا يملك ما لم يتصرف ولم يكن تصرف وإذا قلنا: إنه يملك باختيار التملك فاختار التملك أو قلنا: يملكها بمضي السنة فإن للملتقط تملكًا على هذا اللقطة وعليه قيمتها دينًا فإن كان له مال سواها يفي بالدين فعليه زكاتها، وإن لم يكن له مال سواها فهل عليه الزكاة؟ قولان: وأما صاحب القطة فقد ملك في ذمة الملتقط قيمتها والدين يجري مجرى العين في وجوب الزكاة وهذا دين غير مقدور [188 أ/ 4] عليه هل يجب الزكاة فيه؟ قولان: كما قلنا في العين المغصوبة، ومن أصحابنا من قال: إنه يختلف بيسار الواحد وإعساره على ما تقدم بيانه في الدين فإن قيل: إذا كانت اللقطة مما لا تجب فيه الزكاة ولا مثل له فالمالك لم يختر قيمته في ذمته فيجب أن لا زكاة قيل: ما يجب فيه زكاة العين لا يعتبر فيه قصد المالك كما لو كانت له حنطة فذرتها الريح في أرضه فنبتت خمسة أوسق يلزمه ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 44).

عشرها ثم أن المزني اختار وجوب الزكاة هاهنا، وكذلك في المغصوب. واحتج بأن الشافعي نص في باب صدقات الغنم على هذا ثم قال: فقضي ما لم يختلف من قوله أي: من نصه في هذا لأحد قولين وهذا الذي اختاره المزني وهو الأصح، ولكن يقال له: وإن نص في موضع على أحد قوليه لا يمنع القولين في موضع آخر فإن قال قائل نص الشافعي في المسألة السابقة وهي إذا جحد ماله أو غصب عليه قولين ثم فرع على القول بالوجوب فما قصده بذلك قلنا: قيل: قصده ترجيح قبول الوجوب على .... (¬1) السقوط وعلامة الترجيه تخصيصه بالتفريع وقيل: قال بعض أصحابنا: يجب الزكاة لما مضى هناك [188 ب/ 4] قولًا واحدًا. وقوله: فلا يجوز إلا واحد من قولين قصد به إبطال قول مالك على ما ذكرنا فتخصيصه قول الوجوب بالتفريع كالدليل على صحة هذه الطريقة، وأما قوله في اللقطة (¬2) والقول فيها كما لو وصفت في أن عليه الزكاة لما مضى لأنها ماله أو في سقوط الزكاة عنه في مقامها في يد الملتقط بعد السنة لأنه أبيح له أكلها تشبيه للقطة المغصوب وهذا التشبيه وهذه العبارة تقوى طريقة من أدعى القولين في الجحودة. فرع لو أودع عند رجل وديعة ثم قال: إن احتجت إليها فخها قرضًا فنوى أن يتخذها قرضًا لم يدخل في ضمانه ما لم يستعمل، وفي اللقطة إذا نوى بعد الحول التملك دخلت في ضمانه وإن لم يتصرف على المذهب الصحيح والفرق أن يد المالك على الوديعة هي ثابتة فلا تتبدل إلا بالاستعمال وفي اللقطة فلا يد للمالك عليها فمتى حفظها لنفسه واختار تملكها دخلت بذلك في ضمانه ذكره القفال. مسألة: قال (¬3): ولو أكرى دارًا أربع سنين بمائة دينار. الفصل وهذا كما قال: إذا أكرى داره أربع سنين [189 أ/ 4] بمائة دينار بأن أطلق العقد أو اشترط تعجيل الأجرة كان الكراء كله حالًا وإن اشترط أجلًا كان على ما شرط خلافًا لأبي حنيفة ومالك، فإن عندهما لا تتعجل الأجرة عند الإطلاق فإذا تقرر ما ذكرنا فقد ملك المكري جميع المائة فإذا حال الحول عليها وهي في يده وجبت الزكاة بلا إشكال وكم الذي يجب عليه أن يخرجه؟ قال في "الأم" (¬4): يلزمه إخراج خمسة وعشرين دينارًا وهكذا كل سنة يخرج زكاة ما استقر ملكه عليه، وقال المزني والبويطي: يخرج زكاة الكل في السنة الأولى وهكذا في كل سنة يخرج زكاة ما في يده منها لأنها ملكه، وإن لم يكن مستقرًا كالصداق فاختلف ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 44). (¬3) انظر الأم (2/ 44). (¬4) انظر الأم (2/ 44).

أصحابنا فيه، فمنهم من قال: المسألة على قولين، وما ذكره المزني والبويطي هو قول ثان للشافعي، وقد رواه البويطي عنه، وبهذا قال عامة أصحابنا. وحكي عن ابن سريج أنه قال: هذا القول الذي ذكره البويطي أصح، وقيل: هذا غلط، لأن ابن سريج ذكر في كتاب "الانتصار": إن هذا هو مذهب البويطي، قاله من عنده ولا يرويه أحد من الشافعي، فالمسألة على قول واحد، وهو ما ذكره في [189 ب/ 4] "الأم" ووجهه أن ملكه غير تام على كلها لأنه يتضمن بشرط سلامة المنفعة للمكتري وذلك يوجب نقصًا في ملكه فهو كالدين المجحود إذا لم يأمن أن يحلف عند المطالبة عليه لا زكاة عليه ويفارق الصداق لأنها لم تقبضه بشرط سلامة المنفعة للزوج بدليل أنها لو ماتت استقر كله وإن هلكت المنفعة، وأيضًا إذا طلقها فإنه يعود الصداق إليه حين الطلاق بتصرف جديد فلا يستدل من ذلك نقصان ملكها قبل ذلك. وهاهنا إذا انهدمت الدار تنفسخ الإجارة ويرتفع من غير تصرف جديد، فيظهر نقصان ملكه على الأجرة وعدم استقرار مكله عليها، وقيل: الصداق مضمون على الزوج ضمان العقد في حول فإذا حال الحول عليه وهو في يد الزوج فحكمه حكم المبيع إذا حال الحول عليه في يد البائع وقد ذكرنا الاختلاف فيه وقال القاضي الطبري وحده في وجوب الزكاة قولان كما في وجوب الإخراج قولان، وهذا لا يصح لأنه لو كانت لا تجب فيه الزكاة على أحد القولين لعدم استقراره لكان إذًا يستأنف حوله ولا مضى كمال الكتابة فلما نص على هذا [190 أ/ 4] القول أنه يزكي لما مضى دل على أن عدم الاستقرار لا يمنع الوجوب، وإنما منع الإخراج فإذا تقرر هذا وقلنا بالمذهب الصحيح فالحكم في السنة الثانية وما بعدها مبني على أن الزكاة تجب في الذمة أو استحقاق جزء من العين، فإن قلنا: في الذمة فحال الحول الثاني وجبت زكاة خمسين دينارًا لأن الملك استقر عليها وقد أخرج في الحول الأول زكاة خمس وعشرين منها وحال عليها الحول الثاني، فإن كان قد أخرج الزكاة من غيرها زكاها، وإن كان قد أخرج من عينها زكى ما بقى في هذا الحول الثاني، فإذا حال الحول الثالث وجبت زكاة خمسين وسبعين دينارًا خمسون منها قد زكاها حولين وقد حال عليها ثالث فيزكيها وبقيت خمسة وعشرون حال عليها ثلاثة أحوال ولم يخرج زكاتها فيخرج زكاتها، فإذا حال الحول الرابع وجبت الزكاة في المائة كلها خمسة وسبعون منها قد زكاها ثلاثة أحوال وقد حال عليها الحول الرابع فيزكيها لهذا الحول وبقيت خمسة وعشرون حال عليها أربعة أحوال ولم يزكها فيزكي زكاة أربعة أحوال فإن قلنا: الزكاة في العين فإذا حال الحول الأول [190 ب/4] زكي خمسة وعشرون دينارًا وهو بالخيار بين أن يخرج من عينها أو من غيرها، فإذا حال الحول الثاني وجبت زكاة خمسون خمسة وعشرين وقد أخرج الزكاة عنها في الحول الأول، وقد حال عليها حول ثان بأن كان قد أخرج الزكاة عنها في الحول الأول وقد حال عليها حول ثان فإن كان قد أخرج الزكاة من غيرها أخرج زكاتها، وإن كان قد أخرج من عينها زكى ما بقى وبقيت خمسة

وعشرون حال عليها حولان لم يخرج الزكاة منها وقد استحق المساكين زكاة الحول الأول ربع العشر من عينها فلا يجب عليه زكاة نصيب المساكين فيزكي الخمسين إلا قدر نصيب المساكين في الحول الأول وعلى هذا في الحول الثالث والرابع، ويدق الحساب وهكذا إذا قلنا: إن الزكاة في الذمة والعين مرتهنة بها والدين يمنع وجوب الزكاة يخرج الزكاة إلا عن القدر الذي هو نصيب المساكين لأن عليه دينًا وهو الزكاة قدر الواجب في الذمة من الدين يمنع من الزكاة بقدره كما لو استحق المساكين جزءًا من العين. وقال القفال الشافعي - رحمه الله -: وضع المسألة فيمن أكرى دارة أربع سنين بمائة دينار ونصور نحن في مسألة [191 أ/ 4] أسهل من هذا وهي أن يكري أربع سنين بمائة وستين دينارًا فحصة كل حول أربعون دينارًا فعلى هذا يؤدي في الحول الأول دينار، وفي الحول الثاني بأن أن ملكه كان مستقرًا على ثمانين دينارًا فعليه أربعة دنانير غير أنه أدى دينارًا فيؤدي ثلاثة دنانير، ثم إذا مضى الحول الثالث بأن أن ملكه كان مستقرًا على مائة وعشرين دينارًا ثلاثة أحوال وزكاتها تسعة دنانير وقد أدى أربعة دنانير في دفعتين فيؤدي خمسة دنانير، ثم إذا مضى الحول الرابع بأن استقر ملكه على جميع الكراء وزكاته في أربع سنين ستة عشر دينارًا وقد أدى تسعة فيؤدي سبعة دنانير وعلى هذا يرتب مسألة الكتاب فإنه يدق الحساب فإذا تقرر قال المزني: هذا خلاف أصله في كتاب الإجارات أشبه بأقاويل العلماء في الملك أراد كان من حقه إذا جعلها حالة كالثمن أن يوجب الزكاة بمضي الحول في الكل فإن هذا هو الأشبه بأقاويل العلماء في ملك الإنسان، ولم يراد به الاستثناء تأويل العلماء أن الكراء حال لأن أكثر العلماء على أن الكراء في مطلق الإجارة لا يكون حالًا فثبت أنه أراد به ما بينا. وقوله: لا على ما عبر في الزكاة أي: ليس [191 ب/4] الأمر على ما عبر به في الزكاة والجواب عن هذا أن يقول: عبارته في الزكاة لا يخالف عبارته في الإجارة لأن الشافعي جعله في الإجارة كثمن السلعة في جواز التصرف فيه لا في كمال ملكه وقوته وجواز التصرف في الملك لا يدل على استقرار ملكه في حكم الزكاة كمال المكاتب فبطل بما قال الزمني، وأيضًا هاهنا في الزكاة أثبت له الملك وإن لم يستقر ولهذا قال: زكاها لما مضى إذا استقر فلولا أن الملك حصل بالعقد لأمر باستئناف الحول فيدل على أن هذا لا يخالف ما ذكر في الإجازة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأحرى هل يملك بنفس العقد أم هي موقوفة؟ قولان: وهذا غير صحيح. فرع لو كانت المسألة بحالها فقبض الأجرة ولم يسلم الدار حولًا بعد حول حتى انقضت المدة فالإجارة قد بطلت وعليه رد الأجرة. فأما وجوب زكاتها عليه فإن قلنا: بالمذهب فلا زكاة عليه في شيء منها لأنه حكمًا مضى من مدة الإجارة شيء قبل التسليم بعد زوال ملكه عما قابله من الأجرة ومن زال

ملكه عن الشيء لم تلزمه زكاته، وإن قلنا بالقول الآخر فالجواب: بعكس ما تقدم فإذا مضت السنة الأولى قبل التسليم كان ملكه على مائة دينار وزال ملكه عن خمسة وعشرين دينارًا [192 أ/ 4] فيزكي الباقي وهو خمسة وسبعون دينارًا لسنة فإذا مضت السنة الثانية فقد زال ملكه عن خمسين فيزكي الباقي لسنة وهو خمسون دينارًا إلا قدر ما أخرج منها في زكاة السنة الأولى فإذا أمضت السنة الثالثة فقد زال ملكه عن خمسة وسبعين دينارًا فيزكي الباقي لسنة وهو خمسة وعشرون دينارًا إلا قدر ما أخرج منها في زكاة السنة الأولى والثانية، فإذا مضت السنة الرابعة فقد زال ملكه عن المائة كلها فلا زكاة عليه فيها ولا رجوع له بما أخرج من زكاتها لأن ذلك حق لزمه في ملكه فلا يرجع به على غيره. فرع ذكره والدي رحمه الله إذا قلنا: بالمذهب الصحيح في هذه المسألة لو عجل زكاة ما زاد على خمسة وعشرين في الحول الأول لم يجز، وإن علمنا عند انقضاء الحول أن زكاة الجميع هي واجبة بالحول الأول ولو عجل زكاة عشرين قبل تمام الحول الأول نظر فإن كان قد مضى لدفعه أخماس الحول جاز وإلا فلا يجوز والأصل فيه أن ما لم يعلم وجود النصاب الذي يلزمه به الزكاة في ملكه فتعجيلها غير جائز، وكذلك ما لم يعرف ملكه للمال لا يجوز إخراج زكاته إلا ترى أنه لو كانت له دراهم ولا يعرف كمال [192 ب/ 4] نصابها فأخرج خمسة دراهم ثم علم أنها كانت نصابًا لم يجز ما أخرجه عن فرضه فكذلك فيما نحن فيه وفي كل هذا وجه آخر: إنه يجوز إذا ظهور في الثاني وجود الشرط. فرع آخر لو باع شيئًا بمائة دينار وقبض الثمن والمبيع قائم في يده بعينه فحال الحول على الثمن هل يلزمه إخراج الزكاة عنه؟ قولان وهل يلزم المشتري إذا كانت السلعة للتجارة أن يخرج الزكاة عنها قبل قبضها؟ قولان، لأنه يخاف طروء الفسخ عليه كما في الأجرة بانهدام الدار. فرع آخر لو تبايعًا سلمًا بمائة دينار إلى أجل وقبض البائع الثمن في حال الحول قبل إقباض المسلم فيه قال الشافعي: أخرج زكاتها، قال أصحابنا: هذا مبني على أنه إذا عدم المسلم فيه عند محله هل ينفسخ العقد؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينفسخ فعلى هذا يلزمه إخراج زكاتها قولًا واحدًا، والثاني: ينفسخ فعلى هذا هل يلزمه إخراج زكاتها؟ قولان: كما قلنا في الأجرة، وأما مشتري المسلم فلا يلزمه إخراج زكاته إن كان للتجارة قولًا واحدًا، لأن تأجيل الشيء يمنع من وجوب الزكاة فيه فإذا قبضه بعد محله استأنف حوله. مسألة (193 أ/4): قال (¬1): ولو غنموا فلم يقسمه الوالي حتى حال الحول. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 44).

الفصل وهذا هو كما قال: الكلام في الغنيمة في فصلين أحدهما: في القسمة، والثاني: في الملك. فأما القسمة: فالمستحب للإمام أن يقسم الغنيمة حيث غنمها في دار الحرب كانت أو في دار الإسلام، إلا أن يكون له عذر مثل أن يخاف لحوق المشركين بهم إن اشتغل بقسمتها بينهم وانقطاع الميزة عنهم وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقسمها في دار الحرب. وأما الملك: فإذا حصلت أموال أهل الحرب في أيدي المسلمين نظر فإن كانت الحرب قائمة لم يملكوها ولا ملكوا أن يتملكوا، فلو قالوا: اخترنا التملك أو اقتسموها بينهم لم يملكوها، وإن انقضت الحرب وانصرف العدو فقد ملكوا أن يتملكوا كالشفيع لا يملك ولكن يملك أن يتملك، وإنما يملكوها بأحد أمرين: أحدهما: أن يقولوا: اخترنا الملك، والثاني: أن يقسمها الإمام بينهم فيتعين لكل واحد نصيب منها. وقال بعض أصحابنا بخراسان: يملكون ملكًا ناقصًا وإن لم يختاروا التملك ولا اقتسموا لأنه لو وطئ جارية من الغنيمة لا يلزم الحد وهذا غلط، لأنه لا خلاف أن من ترك حقه من القسمة سق حقه ويرجع إلى الباقين [193 ب/ 4] ولا يحتاج إلى قبولهم والحد يسقط بشبهة الملك كما لو وطئ جارية ابنه لا يلزمه الحد، وإن لم يتملك فإذا ثبت حكم الملك بني عليه حكم الزكاة فكل موضع قلنا: ملكوا أو قلنا: ملكوا أن يملكوا فلا زكاة لأنهم لم يملكوا وكل موضع قلنا: ملكوا بالاختيار نظر فإن كانت الغنيمة أصنافًا فلا حول ولا زكاة سواء كانت ماشية زكاتية وأثمانًا زكاتية وغير زكاتية ... (¬1) ثم يقسم بينهم قسمة بحكم وهي أن يجعل الإبل لقوم والبقر لقوم والدراهم لقوم على حسب اختياره ورأيه، فإذا لم يتعين ملكه فلا زكاة عليه، وإن كانت الغنيمة صنفًا واحدًا من الذي تجب فيه الزكاة نظر فإن بلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا دار في الحول لأنه استقر ملكه على نصيبه كما لو ورثوه. وقال في "الحاوي" (¬2): هل تجب زكاتها والخمس باق؟ فيها وجهان أحدهما: وهو قول البصريين لا زكاة وهو بنص الشافعي أشبه، والثاني: وهو قول البغداديين وهو الأصح أنه تجب الزكاة لأن مشاركة أهل الخمس لا تمنع وجوب الزكاة عليهم كمشاركة المكاتب والذمي لا يمنع وجوب الزكاة على الحر المسلم [194 أ/ 4] وإن لم يبلغ نصيب كل واحد منهم نصابًا لم يضم ما لهم إلى الخمس لأنه لا زكاة على أهل الخمس في نصيبهم من هذا المال لأنهم غير معينين وينظر إلى ما بعد الخمس فإن كانت ماشية صحت الخلطة قولًا واحدًا، وإن لم يكن ماشية فقولان، فكل موضع قلنا: ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض الأصل. (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 322).

باب البيع في المال الذي فيه الزكاة بالخيار وغيره

لا تصح الخلطة فلا زكاة وكل موضع قلنا: تصح الخلطة جرت في الحول من حين الملك فإن قيل: ما الفرق بين الورثة يملكون التركة من غير القسمة واختيار التملك؟ قيل: الفرق أن بعض الورثة لو أتلف من التركة شيئًا لم يلزمه قيمته ولكن يسقط بمقداره من حصته فملكته مستقر وبعض الغانمين لو أتلف شيئًا من الغنيمة يلزمه قيمته وترد في المغنم فافترقا. فرع لو جمع الوالي ألفي دراهم أو ذهبًا فأدخله بيت المال فحال الحول عليها أو كانت ماشية ترعى في الحمى فحال عليها حول فلا زكاة فيها لأن ملاكها لا يحصون ولا يعرف كلهم بأعيانهم ثم نص عليه في "الأم" (¬1). فرع آخر لو عزل الإمام صنفًا من القسمة من المال الزكاتي لقوم غائبين فلا زكاة لأنهم ما ملكوا فإنا لا نعلم قبولهم نص عليه في "الأم" (¬2) (194 ب/ 4). باب البيع في المال الذي فيه الزكاة بالخيار وغيره مسألة: قال (¬3): ولو باع بيعًا صحيحًا على أنه بالخيار أو المشتري أو همًا أو قبض أو لم يقبض. الفصل وهذا كما قال: الكلام هاهنا في فصلين أحدهما: في زكاة القطر، والثاني: في زكاة المال وكلاهما مبنيان على أن الملك في زمان الخيار لمن يكون؟ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: للبائع وهو اختيار المزني، والثاني: للمشتري، والثالث: موقوف فإن فسخا البيع تبينا أن الملك لم يزل عن البائع وإن أتما البيع تبينا أن المشتري ملكه بالعقد ولا فرق بين خيار المجلس وخيار الشرط، ولا بين أن يكون الخيار للبائع أولهما أو للمشتري. وقال القفال: الأصح أن الخيار إن كان للبائع فالملك له وإن كان للمشتري فالملك له وإن لهما فموقوف. وروى الربيع إن كان الخيار للبائع أولهما فالملك للبائع وإن كان الخيار للمشتري فقولان، أحدهما: للبائع ونقل المزني في أول هذا الباب أن الملك للبائع بكل حال ثم حكي قولين آخرين: أحدهما قال: وقال في زكاة الفطر: إن الملك يتم بخيارها أو بخيار (195 أ/ 4) المشتري وحده، يعني: أن الخيار إنما يمنع وقوع الملك للمشتري إذا كان البائع وحده ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 45). (¬2) انظر الأم (2/ 45). (¬3) انظر الأم (2/ 45).

دون أن يكون لهما أو للمشتري وحده والثاني قال: وفي الشفعة أن الملك يتم بخيار المشتري وحده أي: لا يقع الملك للمشتري إلا أن يكون الخيار له وحده دون أن يكون الخيار لهما وللبائع ثم اختار المزني هذا القول فقال: وهذا عندي أشبه بأصله. وفي بعض النسخ قال: الأول، يعني: القول الأول إذا كانا جميعًا بالخيار .... يعني أن الملك أنما يكون للبائع إذا كانا بالخيار أو البائع وحده بالخيار فأما إذا كان الخيار للمشتري وحده والملك له في زمن الخيار واحتج على هذا من أجل الشافعي لم يختلف قوله في رجل حلف بعتق عبده أن لا يبيع فباعه أنه عتيق لأن السنة عند الشافعي أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا فلولا أنه ملكه يعني في وقت الخيار ما عتق عبده المشتري عل البائع وأجاب أصحابنا عن هذا بأنه عتق لا لأن الملك للبائع ولكن لأن له فيه حق الفسخ للخيار ولو أنشأ العتق في زمان الخيار لعتق بانفساخ البيع به فيه (195 ب/4) وكذلك إذا وجدت الصفة التي علق العتق بها جاز أن يفسخ فيه البيع ويترتب عليه العتق رد وقوع العتق بالصفة أمضى في الأحوال من وقوع عتق المباشرة، فإن قيل: هذا تعليق الفسخ بالحظر وذلك لا يجوز لأنه لو قال: إن بعتك فقد فسخت البيع لم يجز قلنا: نعم، ولكن يجوز في ضمن العتق الذي يقبل التعليق بالحظر والغرر كما أن إبراء المكاتب لا يتعلق بالصفة، ولكن عتقه تعلق بالصفة وفي ضمنه إبراء فإذا تقرر هذا رجعنا إلى حكم الزكاة. أما حكم زكاة الفطر إذا أهل هلال شوال في مدة الخيار فإن قلنا: الملك للمشتري فإنه ينتقل إليه بنفس العقد فالفطر على المشتري، وإن قلنا الملك للبائع فإنه ينتقل إلى المشتري بشرطين: بالعقد وبانقضاء الخيار فالفطرة على البائع. وإن قلنا: مراعي ينظر فإن تم البيع فالفطرة على المشتري لأنه بأن أن الملك انتقل إليه وإن فسخا البيع فالفطرة على البائع، وأما زكاة المال إذا باع ما لا يجب فيه الزكاة قبل الحول فحال الحول في مدة الخيار بأن قلنا: الملك للبائع فالزكاة عليه، وإن قلنا: الملك للمشتري فإن أجاز البيع فلا زكاة على [196 أ/ 4] البائع ويستأنف المشتري الحول من حين اشتراه وإن فسخا البيع استأنف البائع الحول لأن ملكه قد تحدد عليه. وذكر بعض أصحابنا من المتأخرين أنه يلزم الزكاة على البائع بحوله لأن هذا الفسخ استند إلى العقد بالشرط المذكور فيه وهذا غريب، وإن قلنا: الملك موقوف فإن أجازا البيع استأنف المشتري الحول من حين العقد، وإن فسخاه وجبت الزكاة على البائع لأن تبينا أن الملك لم يزل عنه، ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: أن الملك للبائع وينتقل إلى المشتري بشرطين فإن كان الخيار لهما أو للبائع فالزكاة على البائع، وإن كان الخيار للمشتري وحده فهل تجب على البائع الزكاة وجهان، لأن الملك انتقل بهذا البيع كالقولين في المغضوب. أحدهما: لا يجب وانقطع الحول، والثاني: يجب ولا ينقطع الحول فإذا تقرر هذا وقلنا: إن الزكاة على البائع فإن أخرج الزكاة من غيرها فالبيه بحاله ولا خيار

للمشتري، وإن أخرجها منها بطل البيع في قدر الزكاة وفيما عداه مبني على تفريق الصفقة، فإذا قلنا: يصح البيع فيما عدا الزكاة فللمشتري الخيار وقد [196 ب/ 4] ذكرنا هذه المسألة فإن قيل: لم قال: ولو باع بيعًا صحيحًا ولو باع بيعًا فاسدًا فالزكاة على البائع أيضًا فما الفائدة في تقييده بالصحيح قيل: الفائدة هي قطع التوهم إن يظن ظان أن إيجاب الزكاة على البائع هي لفساد في البيع بل هي لعدم تمام زوال الملك لأنه تملك فقال: لأنه لم يتم خروجه من ملكه وفي الفاسد لا يخرج المبيع من ملكه وأيام الخيار وما بعدها سواء في ذلك. مسألة: قال (¬1): ومن ملك ثمرة نخل ملكًا صحيحًا قبل أن ترى فيها الصفرة. الفصل وهذا كما قال: إذا ملك ثمرة تبلغ نصابًا قبل بدو صلاحها بميراث أو هبة أو وصية ولم يرد بالشراء هاهنا لأنه لا يصح تملكها بالشراء قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع، فلذلك نال ملكًا صحيحًا ثم بدا صلاحها فالزكاة عليه لأن الحول لا يعتبر فيها فهي كزكاة الفطر أو بدو الصلاح في الثمار كحولان الحول في الأموال التي يعتبر فيها الحول فكل من كان في ملكه ذلك وهو من أهل وجوب الزكاة عليه فعليه زكاته، وإن كانت من قبل أو من بعد في ملك غيره، وإن ملكها بالشراء فلا يصح إلا بشرط القطع فإن قطع قبل بدو الصلاح فلا زكاة، وأن توانى حتى بدا صلاحها وجبت الزكاة ثم لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن يطالب بالقطع، أو يتفقا عليه، أو يتفقا على التبقية، أو يرضي البائع بالتبقية، فإن طالب بالقطع فسخنا البيع وعادة الثمرة إليه وكانت الزكاة عليه فإن قيل: كيف تكون الزكاة على البائع وإنما وجبت في ملك المشتري؟ قلنا: هذا الفسخ، وإن كان قطعًا في الحال يستند إلى شرط قارن العقد فكان الملك البائع لم يزل فلهذا كانت الزكاة على البائع وقال القفال فيه قولان: أحدهما: أن الزكاة على البائع وهذا أغمض، والثاني: على المشتري لأن الملك له يوم بدو الصلاح والزكاة تتبع الملك كما لو اشترى عبدًا فأهل هلال شوال ثم رد البيع بإقالة أو بيع جديد يلزمه إخراج الزكاة فعلى هذا يتخير الساعي بين أن يأخذ الزكاة من عين الثمرة، وبين أن يطالب المشتري بها، فإن طالبه بها فدفعها من موضع آخر، فذاك وإن أخذ الزكاة من غير هذه الثمرة فللبائع أن يرجع على المشتري بالقدر الذي أخذ (197 ب/ 4) بالزكاة. ومن أصحابنا بخراسان من ذكر قولًا آخر: أنه لا ينفسخ البيع والزكاة على المشتري ويلزمه أن يقطع يؤخذ عشر ثمنه مقطوعًا وهذا ليس بشيء، وإن اتفقا على القطع فالحكم ما ذكرنا أيضًا، وإن اتفقا على التبقية بقي العقد بحاله والزكاة على المشتري، ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 46).

وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر ينفسخ البيع، وإن اتفقا على التبقية وعلى جميع الأحوال أنه لا يمكن إجبار المشتري على الوفاء بموجب العقد، وكذلك البائع لا يجبر على الترك لوجوب الزكاة لأجل القطع فلم يبق إلا الفسخ فتعود الثمرة إلى ملك البائع وتجب الزكاة عليه والمنصوص هو الأول، وإن رضي البائع بالتبقية وقال المشتري: أنا أقطع ففيه قولان: أحدهما: يجبر المشتري على التبقية لأن الحق للبائع فإذا رضي بإسقاط حقه أجبر المشتري على الرضا به وهو الصحيح. والثاني: لا يجبر لأن رضاه ليس مما أوجبه العقد وإنما هو متبرع به فلا نأمن أن يرجع فيه ولأن المشتري يقول: إذا قطعتها حصلت لي وإذا تركتها لا آمن أن تجتاح وتهلك فينفسخ البيع بينهما وهذا اختيار المزني، قال: أشبه هذين القولين بقوله أنه بنصه [198 أ/ 4] أن يفسخ البيع بينهما قياسًا على فسخ المسألة قبلها: أي قياسًا على ما لو طالب البائع بالقطع لأن الكل واحد منهما في القطع المشروط، والجواب عن هذا هو أن البائع إذا طلب بالقطع يؤدي إلى إدخال الضرر على المساكين فيفسخ البيع وإذا رضي بالتبقية فقد زاد المشتري ومنفعة للمساكين فلم يفسخ البيع. فرع لو قال المشتري: اخرصوا الثمرة على وضمنوني الزكاة حتى أقطع الثمرة وكان موضعًا للأمانة وتضمين الزكاة، فإنها تخرص عليه وتضمن الزكاة حتى تقطع الثمرة ويرد النخيل على البائع مفروغة. فرع لو باع النخل من الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط الخيار فبدا الصلاح في زمان الخيار فهو مبني على أقوال الملك في زمان الخيار، والحكم على ما ذكرنا في زكاة الفطر فرع آخر لو أوصى له بثمرة فبدا صلاحها بعد موت الموصي قبل القبول فيه قولان بناء على أقوال الملك في الوصية، فإن قلنا: يملك بنفس الموت أو يتبين بالقبول أنه ملك بالموت فالزكاة على الموصي له، وإن قلنا: لا يملك إلا بالقبول فالزكاة على وجهين بناء على أن الملك فيما بينهما إلى من (198 ب/ 4) يضاف فإن قلنا: يضاف إلى الورثة فعليهم وإن قلنا: إلى الميت لا تجب الزكاة أصلًا إذ لا يجب على الميت ابتداء. مسألة: قال (¬1): ولو استهلك رجل ثمرة وقد خرصت أخذ بثمن عشر وسطها. وهذا كما قال: صورة المسألة أن تكون ثمرة لا تصير تمرًا فيلزمه ثمن عشرها وسطًا إن كانت أجناسًا كثيرة وثمن عشر كل واحدة منها وإن كانت أجناسًا كثيرة فإن كانت ثمرة ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 46).

تصير تمرًا فالواجب عليه عشرها تمرًا من الوسط وقد بيناه من قبل، وقال بعض أصحابنا في هذه العبارة خلل من المزني وإنما عبر الشافعي بما معناه أخذ بعشر وسطها تمرًا وأجاب على القول الذي يقول: الخرص تضمين، فأما إذا جعلناه عبرة فعليه عشر قيمة ما استهلك لا عشر ثمن وسطها وذكر التمر هو سهو من المزني وقال صاحب [الإفصاح] إذا خرص عليه ولم يضمنه ويصير تمرًا فإنه يلزمه أكثر الأمرين من ثمن عشرها رطبًا أو عشرها تمرًا وهذا لا يصح لأنه هذا لا يصح، لأنه أخذ القسمة ولأن اعتبار الأكثر لا معنى له وإنما الواجب عليه عشرها تمرًا ومعنى المسألة ما تقدم، ولا يحتمل غيره ثم قال (¬1) [199 أ/ 4] الشافعي والقول في ذلك قوله مع يمينه أي: في قدر مكليه ما استهلك لأنه غارم وقد ذكرنا أن مثل هذه اليمين هل تجب أم لا؟ فيه وجهان. مسألة: قال (¬2): ولو باع المصدق شيئًا فعليه أن يأتي بمثله. وهذا كما قال: إذا جمع الساعي الصدقات فلا يجوز أن يبيع منها شيئًا لأن المساكين أهل رشد فلا يجوز التصرف في حقوقهم من غير حاجة فإن كانت به حاجة إلى أن البيع مثل أن تكون بلد ليس فيه أهل السهمان فيريد نقلها إلى بلد آخر والطريق مخوف فيبيعها ويجعل ثمنها مستحقة إلى بلد آخر، وكذلك إن لم يكن الطريق مخوفًا ولكن يحتاج في نقلها إلى ملك البلد إلى مؤنة عظيمة أو احتاج إلى دفع الجبران بين السنين دراهم ولا يجد في الصدقات دراهم فيجوز في البيع لأنه ناظر في هذا المال فيفعل ما يؤدي إليه نظره فإن باع في غير موضع الحاجة فالبيع باطل فإن كان يقدر على استرجاعه استرجع، وإن لم يقدر عليه لزمه مثله إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل ورجع على المشتري إذا قدر عليه بما غرم، وقول الشافعي هاهنا فعليه [199 ب/ 4] أن يأتي بمثله يعني فعليه أن يغرم للمساكين مثله صورة أو قيمة وقوله: وأفسخ بيعه إذا قدرت عليه أي: أحكم بالإفساح ولم يرد به مباشرة الفسخ. مسألة: قال (¬3): وأكره للرجل أن يشتري صدقته. الفصل وهذا كما قال: إذا أخرج زكاة ماله يكره له أن يشتريها من الذي دفعها إليه وقوله إذا وصلت إلى أهلها أراد إذا لزمت بقبض المساكين أو بقبض باقيهم وهو الساعي والدليل على الكراهة ما روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمل رجلًا على فرس في سبيل الله ثم رأى الفرس تباع في السوق فأراد أن يشتريه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نقد في صدقتك" (¬4) وهذا لأنه ربما يحابيه في الثمن إذا عرف أنه تبرع به فكأنه يعود في قدر المحاباة، وإن لم يعرف البائع الحال قال القفال: الكراهة أقل ولكن الأولى تركه ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 46). (¬2) انظر الأم (2/ 47). (¬3) انظر الأم (2/ 48). (¬4) أخرجه البخاري (2970)، ومسلم (2/ 1620).

باب زكاة المعادن

أيضًا لأنه أخرجه من ملكه لله تعالى، فالأولى أن لا يعود فيه فإن فعل لم يفسخ البيع لأن هذه الكراهة هي كراهة تنزيه لا تحريم، وقال مالك: هذه هي كراهة تحريم فإن اشترى تبطل وهي رواية عن أحمد وبعض أصحاب [200 أ/ 4] مالك ينكره عن مالك، وقال أيضًا لو جعل: ما على الفقير من دينه قصاصًا من زكاته جاز وعندنا لا يجوز هذا وهذا عجب لأنه منع من ابتياعها بعوض عاجل وجوز أن يكون قصاصًا بدين هالك والدليل على جواز البيع ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا بخمسة" (¬1) وذكر منها رجل ابتاعها بماله ولأن ما صح أن يملكه إرثًا صح أن يملكه ابتياعًا كسائر الأموال. باب زكاة المعادن مسألة: قال (¬2): ولا زكاة في شيء من المعادن إلا ذهب أو ورق. الفصل وهذا كما قال: المعدن في اللغة هو اسم للمكان الذي خلق الله تعالى فيه الجواهر من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها، وهو مشتق من اللبث والإقامة قال الله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72] أي: مكان لبث وإقامة ويقال: عدن الشيء بالمكان إذا مكث فيه، والعدن الإقامة فإذا تقرر هذا فالأصل في وجوب الحق فيه قوله: {أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ومِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] والمعدن هو مما أخرج من الأرض وروى عن رسول الله [200 ب/ 4] صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الرقة ربع العشر" (¬3)، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم "أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح للزرع من قدس؟ ولم يقطعه حق مسلم" (¬4) وأخذ منه الزكاة، وروى فما كان يأخذ منه إلا الزكاة وقوله: قبلية نسبة إلى ناحية من ساحل البحر بين المدينة وبينها مسيرة خمسة أيام، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إلى زماننا هذا يؤخذ منها الزكاة وجليسها: نهديها وغورينها نسبة إلى غور وقوله: من قدس وهو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة، فإذا تقرر هذا فلا يجب عندنا الحق في المعدن إلا في الذهب والفضة، وأما الحديد والنحاس ونحوهما فلا شيء فيها سواء كان جوهرًا ينطبع أو لا ينطبع كالياقوت والزجاج والعقيق، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: يجب الحق في كل ما يستخرج من المعدن مما ينطبع مثل الرصاص والنحاس والحديد، وكذا الزئبق في إحدى الروايتين، لأنه ينطبع مع غيره، وأما الفيروزج والبرام ونحو ذلك فلا يتعلق به حق المعدن، وقال أحمد: يتعلق الحق بجميع ما يستخرج منه كحق القسمة [201 أ/ 4] وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في حجر" (¬5) ولأنه مقوم مستفاد من المعدن ¬

_ (¬1) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 268)، وأبو داود (1635). (¬2) انظر الأم (2/ 36). (¬3) تقدم تخريجه. (¬4) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 190 - 191)، وأبو داود (3063). (¬5) تقدم تخريجه.

فلا يتعلق به حق المعدن كالفيروزج والطين والآجر الأحمر مع أحمد وما قاله أحمد يبطل بالدواب والأرض. مسألة: قال (¬1): وإذا خرج منها ذهب أو ورق فكان غير متميز حتى يعالج بالنار. الفصل وهذا كما قال: إذا ثبت أنه لا يجب الحق فيما عدا الذهب والفضة فالكلام في فصلين أحدهما: في بيان وقت الوجوب، والثاني: في بيان وقت الإخراج، فأما وقت الوجوب: فهو وقت الإخراج من المعدن وحصوله في يده لأنه استيقن ملكه في تلك الحالة وهذا على القول الذي لا يعتبر فيه الحول، وأما وقت الإخراج فهو بعد الطحن والتحصيل والتصفية كما يقول في الثمار والحبوب وقت الوجوب حتى يبدو الصلاح ويشد الحب، والإخراج بعد الجفاف والتصفية، فإن أخرج بعد التصفية فلا كلام، وإن أخرج قبل التصفية لم يجزه ولم تقع الصدقة موقعها كما لو أخرج الرطب في الزكاة قبل التشميس ثم ينظر فإن كان التراب قائمًا رده، وإن كان تالفًا رد بدله وإنما قلنا ذلك لأنه أعطى على أنه يكون زكاة فإذا لم يجز عن [201 ب/ 4] زكاته استرجع ويلزم الرد إليه ثم إن اتفقا على قدر القيمة فإن كان ذهبًا رد قيمته فضة وإن كان فضة رد قيمته ذهبًا وإن اختلفا في قدر القيمة فالقول قول الساعي، لأنه أمين وغارم، وإن اختلفا في قدر المقبوض فالقول قول الساعي، لأن الأصل أن لا قبض، وإن كانت المسألة بحالها فأخذها الساعي التراب وطحنه وقال أمسكه بمالي فله ذلك ويجزيه عن فرضه كما لو دفع إليه رطبًا فصيره تمرًا فما حصل من التمر يجزيه ثم ينظر فإن كان وفق الحق فلا كلام، وإن كان أكثر رد الفصل وإن كان أقل طالب بالتمام. مسألة: قال (¬2): ولا يجوز بيع تراب المعادن بحال. وهذا كما قال أوضح بهذا الكلام أنه لا يجوز أخذه في حالة الاختلاط وذلك أنه لا يجوز بيعه في هذه الحالة لأن المقصود منه مجهول فكذلك أخذه لا يجوز بهذا وليس كبيع .... (¬3) والغالية لأنها على حالتها التي هي الآن عليها مقصود بجملتها وهاهنا التراب غير مقصود بل المقصود ما فيه، قال القفال: ولهذا القول لا تجوز المعاملة بالدراهم [202 أ/ 4] المغشوشة لأن المقصود منها الفضة وهي مجهولة وهذا وجه ظاهر قوي فقيل له: أيجوز بيع الفواكه المختلطة؟ فقال: نعم، لأن جميعها مقصود، وقال مالك: يجوز تراب المعادن ولا يجوز بين تراب الصاغة وهذا غلط لما ذكرناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الغرر" وفي هذا غرر وأما التراب الذي لا ذهب فيه ولا فضة من تراب الصاغة يجوز بيعه لأنه ينتفع به بأن يجلية به الحلى والصفر ونحو ذلك. مسألة: قال (¬4): وذهب بعض أهل ناحيتنا إلى أن في المعدن الزكاة. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 36). (¬2) انظر الأم (2/ 36). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) انظر الأم (2/ 36).

وهذا كما قال: أراد بأهل الناحية أهل المدينة، وأراد بالزكاة ربع العشر واختلف أهل العلم في القدر الواجب فيه فالذي نص عليه الشافعي في "الأم" (¬1) و"القديم" و"الإملاء": أن الواجب فيه ربع العشر وبه قال أحمد وإسحاق وهي رواية عن مالك وهذا هو المذهب ووجهه ما روينا من خبر بلال بن الحارث، ولأنه مستفاد من الأرض لم يملكه غيره فلا يجب فيه الخمس كالزرع، وقال مالك والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز: يختلف الواجب فيه باختلاف [202 ب/ 4] المؤنة فما وجد منه في أثر السبيل أو كان مجتمعًا لا يحتاج إلى طحين وتحصيل وتحمل مؤنة ففيه الخمس، وما كان بخلاف ذلك ففيه ربع العشر، وأومأ إلى هذا في "الأم" وهو الرواية الظاهرة عن مالك، ووجه هذا أنه مستفاد من الأرض يتعلق به حق الله تعالى فيختلف باختلاف المؤنة كالزرعة وقيل: هذا أحسن الأقوال للجمع بين الأخبار المختلفة فيه، وقال الزهري وأبو حنيفة: يجب فيه الخمس بكل حال، وحكي عن المزني: أنه اختاره، فمن أصحابنا من قال: ليس للشافعي ما يدل على هذا القول، ولكن أصحابنا خرجوه قولًا آخر وقيل: أومأ الشافعي في "الأم" إلى الأقاويل الثلاثة والمسألة مشهورة بالأقوال ووجهه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الركاز الخمس" وقيل: يا رسول الله وما الركاز؟ فقال "هو الذهب والفضة والمخلوقان في الأرض يوم خلق الله تعالى السموات والأرض" (¬2) وقد روى ما يعارض هذا وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: "في الركاز الخمس وفي المعدن الصدقة" (¬3). مسألة: قال (¬4): وما قيل فيه الزكاة فلا [203 أ/ 4] زكاة فيه حتى يبلغ الذهب منه عشرين مثقالًا. الفصل وهذا كما قال: النصاب عندنا هو معتبر فيما يؤخذ من المعدن ولا يجب الحق فيما دون النصاب قولًا واحدًا، هكذا ذكره أهل العراق ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون عشرين دينارًا من الذهب شيء" وقال القفال وجماعة: إذا أوجبنا الخمس هل يشترط فيه النصبا؟ قولان أحدهما: لا يشترط ويجب في قليله وكثيره وهو قول أبي حنيفة. والثاني: يشترط وبه قال مالك وأحمد وسحاق. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 36). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7640)، وفي "معرفة السنن" (2379)، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف جدًا، خرجه أحمد بن حنبل بن معين وجماعة من أئمة الحديث. (¬3) قال ابن حجر في "التلخيص": لم أجده هكذا، لكن اتفقا على الجملة الأولى من حديث أبي هريرة. انظر التلخيص (864). (¬4) انظر الأم (2/ 36).

مسألة: قال (¬1): ويضم ما أصاب في الأيام المتتابعة. الفصل وهذا كما قال: هذا تفريع على القول الأول وهو أن النصاب فيه معتبر دون الحول، فإن وجد نصابًا دفعة واحدة فلا كلام، وإن كان يجب شيئًا فشيئًا ففيه ثلاث مسائل أحدها: أن يتصل النيل والعمل واتصاله على ما جرت العادة وهو أن يكون على العمل نهارًا ولا يعمل ليلًا ولا يعمل أيضًا من أول النهار إلى آخره بل على العادة، واتصال النيل أن يخرج ما فيه ذهب أو ورق فيضم بعضه إلى بعض حتى يبلغ الكل [203 ب/ 4] نصابًا، والثانية: أن يتصل النيل دون الكل فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون لعذر أو لغير عذر مثل أن سرقت آلته أو هرب عبده أو خاف الخروج إليه، فإذا عاد إلى العمل يبني على ما مضى، وإن كان لغير عذر بالتواني والاشتغال بعمل آخر وطال الفصل ثم عاد العمل استأنف ولا يجب عليه أن يضم ما يستخرج الآن إلى ما مضى مكانه الآن بدأ به وبدا به وذكر بعض أهل خراسان من أصحابنا: أنه إذا طال الفصل وإن كان عذرًا يستأنف ولا يبني كما لو تعمد القطع بغير عذر. والثالث: أم يتصل العمل وينقطع النيل فكان العمل دائمًا ولكن لا يخرج غير التراب ثم عاد النيل هي تبني عليه أم لا؟ فيه قولان، قال في القديم: يستأنف لأن العمل إنما يراد للنيل ولو انقطع العمل لا يضم فالنيل إذا انقطع أولى إذ لا يضم، وقال في الجديد: يبني وهو الأصح ووجهه أن العادة لم تجز أن المعدن ينيل أبدًا بل ينيل في وقت وينقطع في وقت فلو قلنا: إذا انقطع نيله لا يضم أدى إلى أن لا تجب الزكاة في المأخوذ [204 أ/ 4] ومن المعدن بحال ولا سبيل إلى ذلك، وقوله: المعدن غير حاقد أي: غير مانع لنيله، يقال: حقد المعدن إذا منع وأنال إذا أعطى وهذا إذا امتد الزمان، فإن لم يمتد الزمان لا ينقطع حكم الضم وكم قدر الفاصل فيه وجهان، أحدهما: يقدر الكبير بثلاثة أيام لأنها آخر حد القلة، والثاني: يقدر بيوم كامل لأن العادة العمل كل يوم فترك نوبه كامله فصل كبير. مسألة: قال (¬2): وقد قال في موضع آخر: والذي أنا فيه واقف الزكاة في المعدن. وهذا كما قال في بعض النسخ الزكاة في المعدن والتبر المخلوق في الأرض والأصح الأول، فكأنه قال: أنا متوقف في إيجاب الخمس في ذلك فاختار المزني له إيجاب الزكاة وهو ربع العشر دون الخمس فقال: إذا لم يثبت فيه أصل يعني خبر فأولى به أي: بالشافعي أن يجعله فائدة تزكي بحولها وقيل: أراد به التوقف لاعتبار الحول لأنه قطع بأن الواجب فيه الزكاة قبل هذا فلا معنى للتوقف في قدر الواجب فيه بعد ذلك ثم قال المزني: الأولى عندي أن نجعل فائدة يعتبر فيها [204 ب/ 4] الحول وهذا أولى من الأول والمنصوص في كتبه القديمة والجديدة أن الحول لا يعتبر فيه وقال ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 36). (¬2) انظر الأم (2/ 36).

المزني: رويي لي عنه من أثق به أن الحول يعتبر فيه، وإنما لم يذكر اسم من أخبره به عنه لأن امرأة أخبرته به عنه وهي أخت المزني وأومى إلى هذا في "مختصر البويطي" فقال أصحابنا في المسألة قولان: أشهرهما: أنه لا يعتبر فيه الحول وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ووجهه: أنها زكاة واجبة فيما يستفاد من الأرض فلا يعتبر فيه الحول كالزرع وهذا لأن الحول إنما يعتبر للتمكن من تنمية المال وتمييزه، والمستخرج من المعدن نما في نفسه فلا معنى لاعتبار الحول فيه كما في النتاج، ويفارق النصاب فإنه اعتبر لبلوغ المال حدًا يحتمل المواساة فيعتبر هاهنا، والثاني: يعتبر فيه الحول لأنها زكاة في مال يتكرر فيه فاعتبر فيها الحول كسائر الزكوات. فرع لا يجوز صرف حق المعدن إلى من وجب عليه وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز واحتج بما روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [205 أ/ 4] فجاء رجل بمثل بيضة من ذهب فقال: يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتاه من قبل ركبته الأيسر فقال مثل ذلك فأعرض عنه ثم أتاه من خلفه فأخذها فحذفه بها وقال: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد فيستكف الناس خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" (¬1). قالوا: فصرف ذلك إليه فدل على جوازه وهذا غلط، لأنه حق واجب عليه فلا يصرف إليه كالعشر. والخبر مجهول على أنه كان أقل من النصاب ويحتمل أنه كان قد أدى حق المعدن منها ويحتمل أن يكون ردها إليه إكثارًا للمتصدق بجميعها دون اجتهاد. فرع آخر إذا عمل رجلان في معدن فوجدا نصابًا قال في "الأم" (¬2): من أثبت الخلطة غير المواشي أوجب عليهما الزكاة، ومن لم يثبت لم يوجب عليها. فرع آخر المكاتب والذمي إذا استخرجا من المعدن لم يجب عليهما فيه شيء وقال أبو حنيفة: يجب، وقال في الحربي: إذا لم يأذن له الإمام من العمل لم يملكه، وإذا أذن له أخذت الخمس، وفرق فإن الحربي ليس من [205 ب/ 4] أهل الغنيمة الذمي وهذا باطل بما لو أذن للحربي ولا يجوز اعتباره بالغنيمة لأنه لا يسهم لهما، وقد قال الشافعي في "الأم" (¬3): الذمي هو ممنوع من أن يعمل في المعدن فإن عمل فوجد شيئًا يملكه ولا يملك المكان وهو كالاحتطاب والاحتشاش ويفارق إحياء الموات لأنه يتأيد ضرورة فلا يملك في دار الإسلام. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) انظر الأم (2/ 37). (¬3) انظر الأم (2/ 36).

باب في الركاز

فرع العبد المأذون له في التجارة إذا عمل فيه فوجد نصابًا فإن كان قد ملكه فهو على القولين: فإذا قلنا: لا يملك فالزكاة على السيد. وإذا قلنا: يملك فلا زكاة عليهما. فرع آخر ما يتكلفه من المؤن لا يحتسب به من حق المعدن بل يكون من نصيبه كما قلنا في المؤن الواجب عليه في الحصاد. وأبو حنيفة لا تلزمه المؤنة كلها ويكون على الشركة تشبيهًا بالغنيمة. فرع آخر قال ابن الحداد: لو وجد دينارًا في معدن ومعه تسعة عشر دينارًا زكاة [206 أ/4] في الحال وهذا على القول المشهور أنه لا يعتبر فيه الحول، وفيه قول مخرج لا شيء في الدينار لأن حكمها مختلف فلا يضم ولو أتلف ما أخذه في اليوم الأول ثم أخذ في اليوم الثاني، وبلغ الأول مع الثاني نصابًا زكاه لأنا لو قلنا: لا يضم أدى إلى سقوط الزكاة عن المعدن لأنه لابد من وقوع مهلة بين النيل. فرع آخر المعدن إن كان في ملكه فالمالك أحق به من كل أحد وإن كان في الموات فمن سبق إليه كان أحق بالعمل فيه، وإن أستوي اثنان في السبق يقرع بينهما. فرع آخر وقال أصحابنا: هذه المسائل التي ذكرناها عن الشافعي تدل على أن الذي تحصل من المعدن يملكه كله ثم يملك المساكين في ملك رب المال كسائر الزكوات ولا يكون للمساكين شركة فيما يستخرجه مقارنًا لملكه بخلاف الغنيمة ولهذا لم يوجب في حق المكاتب والذمي ويلزمه الحق إذا وجده في ملكه خلافًا لأبي حنيفة. فرع آخر الحق الواجب في المعدن مصرفه مصرف الزكوات بكل حال ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: يجب فيه الخمس في مصرفه قولان، أحدهما: أن مصرفه مصرف الفيء ذكره القاضي أبو علي الزجاجي. [206 ب/ 4]. باب في الركاز أعلم أن هذا الباب لم ينقله المزني وذكره الشافعي في القديم والجديد من "الأم" والركاز في اللغة هو عبارة عن المال المدفون في الأرض أي مال كان، واشتقاقه من ركز يركز، إذًا يعني دفن يدفن، ومنه يقال: ركز الرمح في الأرض إذا غرزه فيها، ولا فرق في اللغة بين أن يدفنه مسلم أو مشرك وهو في الشرع: عبارة عن دفين الجاهلية

فإذا وجد مالًا مدفونًا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون الموضع مواتًا أو غير موات فإن كان مواتًا لا يخلو الموجود من ثلاثة أحوال: إما أن يكون من ضرب الجاهلية أو الإسلام أو منهما فإن كان من ضرب الجاهلية وهي الدراهم الكسروية التي عليها الصورة والتماثيل فهو الركاز الذي أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيه الخمس لأن الظاهر أنه ملك الجاهلية وأنه لم يزل عن ملكهم وإنما أوجب الخمس لأنه يوجد دفعة واحدة من غير مؤنة في تحصيله فكثر فيه الواجب، وإن كان من ضرب الإسلام الذي عليه اسم الله تعالى واسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لقطة يعرفها حولًا وإن كان مبهمًا [207 أ/ 4] لا سكة عليه من ضرب الجاهلية أو غيره فالمذهب المنصوص أنه لقطة لأنه مملوك لا يستباح إلا بتعين هذا ذكره البغداديون من أصحابنا، وقال البصريون: المنصوص أنه يكون ركازًا لأن النفقة تشهد له وهي الموات والإسلام وطارئ، وقيل: إن الشافعي قال في "الأم": أحب أن يعرفه ويخمسه ولا أجبره على التعريف، ولو كان لقطة لم يجز أن يخمسه، وإن كان الموضع مملوكًا لا يخلو من أحد أمرين: أما أن يعرف مالكه أو لا يعرف فإن لم يعرف مالكه لا ابتداء ولا انتهاء مثل الأراضي العادية والأراضي الجاهلية الذين بادوا وفنوا فإن ما يجده فيها من الذهب والفضة هو بمنزلة ما يجده في الموات لأن ما لا سبيل له إلى معرفة مالكه فهو بمنزلة ما لا مالك له ومن جملة ذلك ما نجد في قبورهم فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما خرجنا إلى الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هذا قبر أبي رغال خرج إلى هاهنا فأصيب كما أصيب أصحابه فدفن هاهنا رأيت ذلك أنه دفن ومعه غصن من ذهب فمن نبشه وجده" فابتدره الناس فأخرجوه. وروى [207 ب/ 4] عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا وجد كنزًا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل متباعد فعرفه، وإن وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" وإن كانت الأرض إسلامية فإن عرف مالكها ففي ظاهر الحكم ملك صاحبها فإن كانت لمسلم أو ذمي لم يتعرض له لأنه لا يجوز التصرف في ملكهما وإن كانت لحربي .... (¬1) لأخل الخمس والباقي .... (¬2) وقال أبو حنيفة: إذا وجده في موات دار الحرب فهو غنيمة وكله له بناء على أصله فيمن دخل دار الحرب وحده فأصاب مالًا فكله له، وقال أبو يوسف وأبو ثور: هو ركاز وعلى هذا عن أبي حنيفة: ولا يصح وهذا غلط، لأن الظاهر أنه لصاحب الأرض لأن يده عليها وإن لم يعرف مالكها، وقال أصحابنا هو لقطة، وقال في "الحاوي" (¬3): وهو اختيار القفال هو لبيت المال ولا يكون لقطة لأنه وجد في الملك فلا يكون لقطة وإنما يكون إذا وجد في غير ملك وضاع من صاحبه. ¬

_ (¬1) (2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) انظر الحاوي للماوردي (2/ 342).

قال القفال: وهكذا لو كان عليه آيات القرآن التي هي علامة الإسلام (208 أ/ 4) على هذا الخلاف وهذا أحسن لو وجده في ملك فهو أولى به فلا يمين عليه إذا قال: هو لي وملكي لأنه الظاهر فإن لم يدعه لنفسه فإن كانت الأرض ابتاعها سئل بائعها فإن ادعاه سلم إليه، وإن لم يدعه يرجع إلى بائع البائع وعلى هذا أبدًا، وإن كانت موروثة كان مقسومًا على فرائض الله تعالى، فإن لم يدع رجع إلى ورثة من ورث مورثه عنه فإن ادعوا وإلا وقف أمره حتى ينكشف ولا فرق في كل ما ذكرنا بين الرجل والمرأة والصبي والبالغ والمجنون والعاقل، وقال سفيان الثوري لا يملكه إلا رجل عاقل وهذا غلط، لأنه اكتساب كالاصطياد والعبد إذا وجد كان لسيده. وحكي عن الأوزاعي والثوري وأبي عبيد أنهم قالوا: يرضخ للعبد منه ولا يعطيه كله وهذا غلط، لأنه كسب عبده فكان لسيده كالصيد والكافر إذا وجد ركازًا كان له، وقال بعض أصحابنا: لا يملك الكافر الركاز ولا المعدن أيضًا كما لا يملك بالإحياء وهذا غلط، وقد تقدم الفرق، ولو أدعى رب الدار والمستأجر في الركاز فالقول قول المستأجر نص عليه الشافعي كما يكون القول [208 ب/ 4] قوله في المتاع الذي في الدار وقال المزني: القول قول رب الدار وعلى المستأجر التنبيه لأن الدفين تابع للأرض وهذا غلط، لأنه مودع فيها وليس بتابع. وقال أصحابنا بخراسان: المستعير في ذلك كالمستأجر، قال: ولو بنى مشرك حصنًا أو قرية ودفن تحتها كنزًا فبلغته الدعوة فعاند ولم يسلم حتى مات وخربت القرية ثم وجد مسلم ذلك الكنز لا يكون ركازًا بل يكون فيئًا، لأنه مال مشرك معاند رجع إلينا من غير قتال، وإنما يكون كنزًا إذا لم يعرف حاله وهل بلغته الدعوة فعاند يحل محل ماله أم لم تبلغه الدعوة فلم يحل ماله، وأعلم أن الركاز ما جمع وصفين أن يكون من ضرب الجاهلية وذلك مشهور في مجراه فهو ركاز، وإن لم يكن كذلك فيكون لقطة ولو شك هل أظهره السيل أم لا؟ كما لو شك هل هو ضرب الجاهلية أم لا؟ فيه وجهان، فإذا تقرر ما ذكرنا فالكلام في الركاز في خمسة فصول: في المال الذي يتعلق به الحق ثم النصاب ثم الحال ثم قدر الواجب فيه ثم المصرف، فأما المال ينظر فيه فإن كان [209 أ/ 4] من الإيمان ذهبًا أو فضة تعلق الحق به قولًا واحدًا، وفيما عداهما من الرصاص والنحاس والصفر والحديد قولان، قال في الجديد: لا شيء فيه قياسًا على الزكاة تختص ببعض الأجناس، وعلى المعدن وعلى قوله في القديم: يخمس الكل ولو كان فخارًا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وهي رواية عن مالك قياسًا على الغنيمة. وأما النصاب: فهل يعتبر؟ فيه قولان، قال في "القديم": لا يعتبر، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأصح الروايتين عن مالك لأنه قال: يجب تخميسه كالغنيمة، وقال في

الجديد: يعتبر لأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النصاب كحق المعدن والمستحب أن يزكيه قليلًا كان أو كثيرًا، قال الشافعي: لو كنت أنا الواجد لخمست قليله وكثيره، وقيل قول واحد: النصاب يعتبر والقول الآخر مخرج مما ذكر الشافعي لو كنت أنا الواجد لخمست قليله، وهذا الاحتياط لنفسه كما قال: وأما أنا فلا أحب أن أقصر في أقل من ثلاثة أيام، فإذا قلنا بقوله القديم يجب في كل جنس الخمس قليله وكثيره ولا يعتبر فيه الحول قولًا واحدًا، وقدر الواجب فيه الخمس بلا خلاف على ما ذكرنا. وإذا قلنا [209 ب/4] يعتبر النصاب فإن وجد نصابًا أخرج الخمس وإن كان أقل من نصاب نظر فإن لم يكن له مال سواه أو كان ولكن بالإضافة إليه لا يبلغ نصابًا فلا شيء عليه كما لو ورث أو أتهب، وإن كان له مال من غير جنسها فلا شيء فيه أيضًا لأنه لا يضم جنس إلى جنس، وإن كان معه ما إذا ضم إليه يبلغ نصابًا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أم يجد الركاز مع حؤول الحول على ما عنده أو بعده أو قبله فإن كان مع حؤول الحول على ما عنده، وإن كان الذي عنده نصابًا مثل إن كان عنده مائتا درهم وقد وجد مائة أخرى زكي الكل خمس المائة وعشرون وربع عشر المائتين خمسة، لأن المائتين حال عليها الحول والركاز في حكم ما حال عليه الحول فوجب ضم أحدهما إلى الآخر، وإن كانت الإصابة بعد الحول فالحكم فيه كما لو كان مع الحول على ما مضى. ولفظ الشافعي في "الأم" (¬1): لو حال الحول على ماله في المحرم ثم أصاب ركازًا في صفر خمسة وإن كان دينارًا، رأوا إن كانت الإصابة قبل الحول قال أبو حامد: لا يضم إلى ما في يده ولا يجب فيه الخمس في الحال فيستأنف الحول واحتج بأن الشافعي [210 أ/ 4] قال في "الأم" (¬2): لو أفاد اليوم ركازًا لا تجب فيه الزكاة وغدًا مثله ولو جمعا معًا وجبت فيهما الزكاة لم يكن في واحد منهما خمس وهذا نص لأنه استفاد الثاني وكمل به النصاب ولم يوجب شيئًا، وقال أيضًا: لو وجد مائة ركازًا أو ورث مائة استأنف الحول وهذا لأن الركاز هو في حكم ما حال عليه الحول، والذي معه من المائتين لم يحل عليها الحول فكان حكمها مختلفًا فإذا تم حول المائتين أخرج زكاتها ثم إذا حال الحول على الركاز أخرج ربع عشره، قال: وقول الشافعي في "الأم": إذا كان له مال يجب فيه الزكاة أو قال: إذا ضم إليه الركاز وجبت فيه الزكاة ولم يعتبر أن يكون حال الحول على ما عنده من المال محمول على أن قصده به إيجاب الضم إلى ما عنده من العين فلم يتعرض لحكم الحول، ومن أصحابنا من قال: يلزمه إخراج حق الركاز في الحال قياسًا على ذكر الشافعي إذا وجده بعد تمام الحول يزكيه، وإن كان الحول الثاني لم يتم على ماله ولا حكم للحول الذي مضى قبل ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 38). (¬2) انظر الأم (2/ 37).

وجود الركاز، وهذا بمنزلة من كان معه عشرون دينارًا أحد عشر شهرًا ثم بازل تسعة .... (¬1) بمثلها انقطع [210 ب/4] الحول فيها ولم ينقطع الدينار وقد قال الشافعي: مثل ذلك فيمن كانت معه أربعون من الغنم ستة أشهر ثم باع نصفها مشاعًا فإن الحول ينقطع فيما باعه ولا ينقطع في الباقي، قال هذا القائل وهذا ظاهر كلامه في "الأم"، فإنه قال: فإن كان ماله الغائب كان في يد من وكّله فهو ككينونة المال في يده، وأخرج زكاة الركاز ولا يعتبر وجوده في آخر جزء من أجزاء الحول أو بعده قال هذا القائل: وأما ما قاله في "الأم": إذا واجد ركازًا لا يتم نصابًا ثم وجد ما يتم به نصابًا لم يضم يحتمل أن يكون قصد بذلك أن الركاز لا يضم بعضه إلى بعض كما يضم المستخرج من المعدن بعضه إلى بعض، لأن الركاز لا يوجد شيئًا بعد شيء ويحتمل أنه أراد إذا تلف الأول لا يضم الثاني إليه يدل على هذا أنه قال في هذه المسألة: وكانا كالمال يستفيد في وقت فتمر عليه سنة لا تكون فيه الزكاة، والقاضي الطبري ذكر في الأول أن المذهب ما قاله الشيخ [211 أ/4] أبو حامد ثم مال إلى هذا القول الآخر فحصل قولان في المسألة، وهذا كله إذا كان المال في يده نصابًا فإن كان أقل من نصاب ويتم بالركاز مثل إن كانت عنده مائة لها حول تام وأصاب هذه المائة ركازًا فإنه يضمها إليه نصابًا، وما الذي يزكى فيه وجهان، أحدهما: يزكي ربع عشر التي عنده وخمس التي وجدها، لأن المائة التي معه حال عليها الحول والمائة الركاز في حكم ما حال عليه الحول فصار كأنهما معه سنة فوجب أن يخرج زكاتها وهذا اختيار صاحب "الإفصاح"، وادعى أنه ظاهر المذهب، والثاني: أنه يخرج خمس التي وجدها دون المائة التي كانت عنده وهذا هو الصحيح لأن الحول لا ينعقد على ما دون النصاب، والركاز لا يعتبر فيه الحول فلا يجري مجرى ما حال عليه الحول، وقال بعض أصحابنا: الأصح أنه لا شيء عليه ويستأنف الحول من حين نما نصابًا لاختلاف حكمهما ذكره في "الحاوي" (¬2)، والمنصوص في "الأم" (¬3) خلاف هذا لأنه قال: لا فرق بين أن يكون نصابًا أو يتم بالركاز نصابًا، وإن كانت الإصابة قبل الحول مثل إن أصاب مائة وعنده مائة منذ سنة مثل ستة [211 ب/4] أشهر وقال الشيخ أبو حامد: لا نص فيه والذي يجيء على المذهب أنه لا شيء عليه في الحال وقد كمل النصاب فيستأنف الحول وقد بينا أن ظاهر كلام الشافعي يدل على أنه يجب في الركاز الزكاة، وفي المسألة قولان مخرجان. فرع إذا وجد ركازًا فالمؤنة لا تحتسب من أصل المال، وعليه إخراجٍ الحق من أصل المال كما قلنا في المعدن، وقال في القديم: وعلى كل من وجد كنزًا إظهاره ولا يحل ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 344). (¬3) انظر الأم (2/ 38).

باب ما يقول المصدق إذا أخذ الصدقة لمن يأخذها منه

كتمانه فإن كتمه كان الحق واجبًا عليه فيه حتى يخرجه وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: هو بالخيار إن شاء أظهره فيؤخذ منه الخمس وإن شاء كتمه إذا كان فقيرًا فلا يجب فيه شيء وهذا غلط، لأن بالكتمان لا يسقط الحق كسائر الحقوق، وأما المصرف المنصوص أن مصرفه مصرف الصدقات كحق المعدن سواء. وقال المزني وابن الوكيل من أصحابنا وهو رواية عن أحمد مصرفه مصرف الفيء، وقال أبو إسحاق: يحتمل ما قال المزني يقبل فيه قولان، وقيل: قوله واحد، وقال أبو حنيفة: مصرفه مصرف الفيء وهذا غلط، لأنه حق يجب في مال لصاحب المال [212 أ/4] أن يتولى تفرقته بنفسه فلا يكون مصرفه مصرف الفيء لزكاة النقد. فرع إذا وجد ركازًا وحمله إلى الإمام يجب على الإمام أخذ الخمس منه ولا يجوز له تركه به، وقال أبو حنيفة: الإمام بالخيار إن شاء أخذه، وإن شاء تركه به وهذا غلط قياسًا على العشر. فرع آخر لو وجده المكاتب لا يؤخذ منه الحق لأنه يعتبر عندنا أن يكون الواجد من أهل الزكاة خلافًا لأبي حنيفة ولو أقطعه الإمام أرضًا فيها ركاز فهو لقطع الأرض سواء كان هو الواجد أو غيره لأنه يملك الأرض بالإقطاع كما يملكها بالابتياع. باب ما يقول المصدق إذا أخذ الصدقة لمن يأخذها منه قال: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا وصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103]، وهذا كما قال: المستحب للساعي بقاء أخذ الزكاة من رب المال أن يدعو له لهذه الآية وفسر الشافعي (¬1) قوله تعالى: {وصَلِّ عَلَيْهِمْ} فقال: أراد به الدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم، وهذا وإن كان خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسائر الولاة له تبع فيه وهذا كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [212 ب/4] قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل وإن كان صائمًا فليصل" (¬2)، أي: فليدع لهم بالبركة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لآل أبي أوفي حين أتاه بالصدقة فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفي" (¬3)، ولأنه إذا فعل يكون تطييبًا لقلبه وترغيبًا له ولغيره في مثله. وقال أصحابنا: لو قال: اللهم صل عليهم لم يكن به بأس لأنه ظاهر الكتاب ونص السنة، وقال أهل التفسير: الصلاة من الله تعالى هي الرحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدعاء. وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: الصلاة التي هي بمعنى الدعاء والتبريك يجوز ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 51). (¬2) أخرجه مسلم (106/ 1431). (¬3) أخرجه البخاري (1497)، ومسلم (176/ 1078).

على غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما الصلاة التي هي تحية لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها بمعنى التعظيم والتكريم تختص به لا يشركه فيها إلا الله، والدعاء لا يتعين والأحسن ما قال الشافعي (¬1)، وهو أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورًا وبارك لك فيما أبقيت لأنه جمع في دعائه ثواب ما أعطى والبركة فيما أبقى وبأي شيء دعا بما يليق بحالة جاز، قال الشافعي: وكان طاوس واليًا على صدقات [213 أ/4] بعض البلاد فكان يقول أدُّوا زكاتكم رحمكم الله لا يزيد على هذا. وقال القفال: لا يقول صلى الله عليه وسلم على فلان لأنه ليس من الأدب أن يصلي أحد على غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز تبعًا فيقول اللهم صلِ على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه، والنبي مخصوص بأن له أن يصلي على غيره وهذا كصاحب الدار يرفع من أراد إلى مجلسه وليس لغيره في داره ذلك دون إذنهن ومن أصحابنا من قال: إذا سأل رب المال الدعاء له هل يجب عليه وجهان أحدهما: يجب لظاهر الآية، والثاني: لا يجب وهو الأصح لأنه مؤد لعبادة واجبة عليه فلا يجب الدعاء له كالمصلي ونقيس على ما لو لم يسأل رب المال الدعاء له لا يجب بالإجماع، وقال داود: يجب الدعاء له وهو غلط ظاهر لأنه حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات كثيرة فلم ينقل أنه دعا لغير آل أبي أوفي. ويستحب للمسكين إذا دفع إليه رب المال الزكاة بنفسه أن يدعو له بمثل ما ذكرنا وينبغي لرب المال أن يؤديها عن طيب القلب كما ورد في الجن ولا يدافع الوالي إذا كان عدلًأ [213 ب/4] وقد روى عبد الله بن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافده عليه كل عام ولم يُعط االهرمة ولا الدَّرِنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط المال، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره" (¬2) وقوله رافدة أي: معينة وأصل الرفد الإعانة والدرنة هي الجرباء وأصل الدرن الوسخ والشرظ هي رد آلة المال. فروع متفرقة ذكرها والدي رحمه الله أحدها: رجل له عشرون دينارًا أحد عشر شهرًا ثم استفاد خمسة عشر دينارًا وتلفت من العشرين الأولى خمسة عشر وبقيت الخمسة ثم تمَّ حول العشرين فعليه زكاة الخمسة ولا زكاة عليه في الخمسة عشر المستفادة ما لم يتم حولها من وقت الاستفادة والمعنى أن فيه الخمسة بقيت على ملكه إلى تمام الحول وبيده في جميع الحول ما يبلغ الخمسة معه نصابًا وهو قياس ما قلنا فيمن وجد دينارًا من المعدن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 51). (¬2) أخرجه أبو داود (1582)، والطبراني في "الصغير" (1/ 201)، والبيهقي في "الكبرى" (7275)، والبخاري في التاريخ الكبير" (5/ 31).

وعنده تسعة عشر دينارًا سواها فإنه يلزمه [214 أ/4] أداء الزكاة من الدينار في الحال إذا قلنا: لا يعتبر الحول في زكاة المعدن، وأوجبنا الزكاة فيها، وإن لم نوجبها في الدنانير المضمومة إليها لتكميل النصاب وفيه وجه آخر" أنه لا يلزمه زكاة الخمسة ما لم يتم الحول من يوم استفاد الثاني. والفرع الثاني: قال: إذا اشترى عصيرًا للتجارة وكان يتجر فيه فصار العصير للمشتري فيه إقبال الحول خمرًا ثم عادت خلاَ لم تبطل التجارة ويبني على الحول المتقدم وفيه قول مخرج إن الحول انقطع ولا يصير للتجارة إلا أن يبيعه ثم يشتريه ثم يشتريه بنية التجارة وهذا بناء على مسألة الرهن إذا رهن عصيرًا فصار في يد المرتهن خمرًا ثم صارت خلاَ هل يعود، وأصحابنا يذكرون فيها قولين، والأصح أنه لا يعود رهنًا. والفرع الثالث: قال: إذا اشترى عرضين بمائتي درهم وقبضهما ثم تلف أحدهما قبل الحول وكان الابتياع بنية التجارة هل يعتبر حول العرض الباقي من يوم ملك المائتين أو من يوم اشترى العرض وجهان، والأصح أنه يعتبر من يوم الشراء. والفرع الرابع: قال: إذا كانت له على آخر دراهم هي نصاب فلم يوجد مثلها [214 ب/4] حتى مضت أعوام ثم وجد المثل فقبضه فهل عليه أداء الزكاة للأعوام الماضية؟ على القول الذي يوجب الزكاة في المغصوب لا نص فيه ويحتمل وجهين أحدهما: يلزم وهو الأصح لأن بوجود المثل يعلم أن الدراهم كانت هي الثابتة في الذمة إلى هذه الغاية، ولهذا صار مطالبًا بالمثل وبين هذا أنه لا يلزمه زكاة الدنانير التي يقوم بها الدراهم بالإجماع، فلولا أن الواجب ما ذكرناه أدَّى زكاة الدنانير وهذا لا يقوله أحد، والثاني: لا يلزم لأن الملك ضعيف في الدراهم لسقوط المطالبة بها عمن عليه الدين فلا زكاة كما في مال المكاتب. والفرع الخامس: قال: لو كانا خليطين وهما كافران في الزرع فقيل الإدراك بساعة أسلما ثم أدرك الزرع وقلنا: تصح الخلطة فيما عدا المواشي يجب أن يقال عليهما زكاة الخلطة لأن الاعتبار بحالة الإدراك بخلاف زكاة الماشية إذا أسلما قبل الحول بساعة. والفرع السادس: قال: إذا وجد الركاز فلم يؤد خمسه حتى حال عليه الحول والباقي عن الخمس ليس بنصاب هل يلزم فيه الزكاة؟ إن [215 أ/4] قلنا: تتعلق الزكاة بالعين فالخمس هو الواجب دون غيره، وإن قلنا: إن الزكاة في الذمة ففي هذا وجهان، أحدهما: أن الخمس أيضًا يلزم في الذمة فعلى هذا يلزم الخمس والزكاة معًا على القول الذي يقول: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة وهذا إذا قلنا: إن الخمس زكاة، والثاني: أنه يلزم

الخمس في العين فعلى هذا لا يلزمه سوى الخمس شيء وهذا إذا جعلنا الخمس كخمس الغنيمة فيتعلق بالعين قولًا واحدًا. والفرع السابع: قال: إذا ضمن الزكاة عن غيره هل يصح الضمان؟ قال الشيخ أبو حامد: يصح بإذن من عليه، وقال والدي رحمه الله: فيه وجهان أحدهما: كالديون، والثاني: لا يصح لأنها حق اله تعالى وهو كالكفالة يتعين من عليه الشهادة لا يجوز لإحضاره مجلس الحكم ولصح بنفس من عليه المال في أصح القولينن فإذا قلنا: يصح فهل يصح بغير إذن من عليه، وجهان أحدهما: لا تصح لأن أداء الزكاة عن الغير لا يصح إلا بإذنه فكذلك ضمانها لا يجوز بخلاف الدين، والثاني: يصح لأن الضمان ليس هو بأداء بل هو إيجاب [215 ب/4] للحق في الذمة ويصح منه هذا الإيجاب بغير إذن، ثم يقع الأداء بإذن من عليه الزكاة وأصل هذا أن الضمان إذا كان بالإذن والأداء بغير إذن هل للضامن الرجوع وجهان أحدهما: أن الضمان بإذن هو كالأداء والأداء بغير إذن هل للضامن الرجوع وجهان أحدهما: أن الضمان بإذن هو كالأداء بإذن فيرجع، والثاني: أن الضمان إيجاب وليس بأداء فلا يرجع فحصل في ضمان الزكاة ثلاثة أوجه، أحداها: لا يجوز بحال، والثاني: يجوز بالإذن ولا يجوز من دون الإذن، والثالث: يجوز في الحالين وإذا ضمن بالإذن وجوزناه هل يعتبر الإذن عند الأداء؟ وجهان على ما ذكرنا فإذا قلنا: له الرجوع لا يعتبر الإذن هاهنا، وإن قلنا: لا رجوع فإنه يعتبر وهذا مليح. والفرع الثامن: قال: إذا حال الحل وتمكن من أداء نصيب الفقراء من زكاته دون سائر الأصناف مع كون جماعتهم موجودين في بلده فلم يؤد حتى تلف المال فعليه ضمان ثمن الزكاة وهو القدر الذي حصل فيه الإمكان ثم هل يفرقه على جماعتهم ام على الفقراء فقط؟ يجيء أن يقال: يفرقه على جماعتهم كالمال بين شريكين إذا تلف جميعه أو بعضه كان التالف [216 أ/4] عليهما والباقي لهما، وكذلك الزكاة المشتركة بين جماعة الأصناف ويجيء أن يقال: يفرقه على الفقراء فقط لأن هذا القدر إنما وجب ضمانه لإمكان الدفع إلى الفقراء فوجب أن يجعل ذلك حقًا لهم فحسب إذ لو كان لجماعتهم لسقط من الثمن نصيب الباقين لعدم الإمكان في الدفع إليهم، والقول في الباقي كالقول في هذا إلى ما لا غاية له معقولة فلما وجب ضمان هذا القدر وجب فعل ذلك حقًا للفقراء على الاختصاص. والفرع التاسع: قال: لو دفع الزكاة إلى مسكين وهو غير عارف بالمدفوع يجوز أن يكون مشدودًا في كاغد أو خرقة ولا يعرف قدره وجنسه وتلف في يد الفقير هل يسقط فرض الزكاة عن الدافع؟ يجيء أن يقال: يسقط لأن معرفة القابض بذلك ليست بشرط، فكذلك معرفة الدافع بخلاف المعاوضة فإن المعرفة هناك هي معتبرة في حق كل واحد من المتعاقدين

ويحتمل خلاف هذا لأن الشافعي قال (¬1) في زكاة المعدن: لو دفع شيئًا قبل التحصيل فالمعدن ضامن. والفرع العاشر: قال: لو دفع الزكاة إلى مسكين وواعده أن يردها [216 ب/4] إليه، إما بالبيع أو بالهبة أو ليصرفها المزكي في كسوة المسلمين ومصالحه هل يكون قبضًا صحيحًا عن الزكاة؟ يجيء على أن لا يكون هذا قبضًا لأن التحلية لم تحصل على التمام ويحتمل أن يكون قبضًا لحصول القبض المشاهد فيه وأصل هذين الاحتمالين إذا أطعم الغاصب منه الطعام الذي غصب منه فأكله المالك مع جهله بالحال ففي سقوط الضمان عن الغاصب قولان، والأصح بقاء الضمان. والفرع الحادي عشر: قال: لو كان بين يديه قفيزان فأخرج الزكاة، وقال: سلمتها إلى أحدكما من زكاتي فليأخذ واحد منكما أي واحد كان ثم إن أحدهما أخذها هل تصح عن زكاة الدافع؟ يحتمل أن يقال: يجوز لأن معرفة المدفوع إليه بعينه هي غير معتبرة بعد ما كان القابض من أهل قبض الزكاة كما لا يعتبر معرفة المسكين بالمقبوض على ما ذكرناه، وإن كانت المسألة بحالها إلا أن أحد المخاطبين غني غير أن الفقير أخذها يحتمل أن يجوز عن الزكاة لأن القبض حصل من أهل الزكاة وحصل التمكين من المالك [217 أ/4] فوجب القول بالجواز. والفرع الثاني عشر: المرأة إذا كانت تستعمل الحلي في المباح تارة وفي المحظور تارة هل يلزم فيه الزكاة على القول الذي لا توجب الزكاة في الحلي وهل يعتبر حال الاتخاذ لماذا صنعت؟ الجواب: هو أن الاتخاذ إن وقع للمحرم ولكنها تستعمله تارة في المحرم ففي وجوب الزكاة احتمال وجهين، وإن وقع الاتخاذ لهما وجبت الزكاة قولًا واحدًا تغليبًا للحظر على الإباحة ويجيء أن لا يلزم تغليبًا للمسقط على الموجب كالسوم والعلف. والفرع الثالث عشر: قال: إذا وقف على الفقراء وهناك امرأة فقيرة إلا أن لها زوجًا قال بعض أصحابنا: لا يعطي لها منه لأنها غنية بزوجها كما لا يجوز دفع الزكاة إليها بحق الفقر وقيل: يجوز ذلك من الوقف بخلاف الزكاة وهكذا لو أوصى بتفريق ثلاثة على الفقراء لا يجوز أن يدفع إليها في أصح الجوابين، ولو كانت ذات زوج إلا أنها ناشزة، هل يجوز دفع الزكاة إليها أو الوقف في أصح الوجهين وجهان، أحدهما: لا يجوز لأنها إذا لم تستحق عند الطاعة فعند العصيان أولى، [217 ب/4] والثاني: يجوز لأنها لا تستحق النفقة في هذه الحالة فصارت كالخالية من الزوج، وقال الشيخ أبو حامد: لا يجوز وإن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 37)

كانت ناشزة لأنها تتمكن من ترك النشوز، فإذا لم يفعل صارت راضية بسقوط حقها فلم تستحق من الزكاة، قال: ولو خرجت مسافرة بغير إذن الزوج جاز أن تُعطى هناك من سهم الفقراء لأنها لا تتمكن من الرجوع إلى الطاعة في الحال، فكانت مضطرة إلى ما تأخذه، ولو كانت المرأة كبيرة الزوج والزوج صغير ففي وجوب نفقتها عليه قولان، فإن قلنا: تجب لا يجوز دفع الزكاة إليها، وإلا فيجوز لأنها غير عاصية بخلاف الناشزة. فروع ذكرها القاضي الإمام الحسين رحمه الله قال: لو اجتمعت على رجل زكوات فمات فهل للإمام صرفها إلى أقربائه الفقراء؟ إن كانوا ممن يجوز له صرفها إليهم في حال حياته فيجوز وإلا فلا يجوز، قلت: ويحتمل أن يقال يجوز ذلك لأن شبهة استحقاق النفقة هي غير موجودة وللآن في حياته أن يعطيه سهم الغارمين والغزاة من الزكاة لأنه لا يستحقه على أبيه، وقال أيضًا: لو ملك مائتي درهم فاشترى [218 أ/4] بها السمسم بنية التجارة فحال الحول عليه من يوم ملك الدراهم يلزمه زكاة التجارة ولو طحن السمسم وعصره ثم باع الدهن هل تنقطع الزكاة؟ يحتمل وجهين: أحدهما: ينقطع لأن الطحن والعصر ليسا من التجارة بل يكونان للقنية في العادة، والتجار لا يطلبون الربح بهذا بل يطلبونه بالتصرف، ألا ترى أنه لو قارضه على أن يشتري بمال القراض السمسم ثم يطحن ويعصر ويبيع الدهن كان القراض فاسدًا، والثاني: لا ينقطع الحول وهو الأظهر والأحوط لأنهم يفعلون ذلك لاستزادة الربح، وقال أيضًا: لو كان في بستانه عنب لا يترتب أو رطب لا يتتمر وعنب آخر يترتب لا يبلغ ثمانمائة منًا فما لا يترتب هل يضم إليه في تكميل النصاب؟ يجب أن يبني على هذا ما لو باع الرطب الذي لا يتتمر بما يتتمر هل يجوز وهو مرتب على ما لو باع ما لا يتتمر بما لا يتتمر هل يجوز؟ فيه وجهان: فإن قلنا: بيع أحدهما بالآخر لا يجوز فكمل نصاب أحدهما بالآخر لأنها جنس واحد، وإن قلنا: يجوز لا يضم لأنا جعلناهما جنسين. فروع أُخَر ذكرها غيره الشاة في خمس من الإبل على التقريب بقيمة [218 ب/4] خمس ابنة مخاض فإن كانت إبله معيبة فلا يجوز إلا شاة صحيحة تقرب هذه القيمة من صفة إبله فإن كان لا يؤخذ بخمس قيمة بنت مخاض شاة فلا بد من شاة صحيحة تجري في الأضحية، ومن أصحابنا من قال: يتصدق بالدراهم هاهنا للضرورة ولا تجوز شاة معيبة بلا خلاف بخلاف الذكر في أحد الوجهين، لأن الزكاة ليست بعيب بخلاف المرض فإنه عيب ذكره بعض أصحابنا. فرع آخر لو كانت الشاة وجبت في خمس مراض فأخرج إبلًا منها قيمتها دون قيمة الشاة، قال ابن سريج: لا يجوز، وقيل: إنه قول الشافعي ذكره في الكبير، والمسألة بناء على

أصل وهو أن الشاة هي أصل أو بدل فإن قلنا: هي أصل لا يجوز لأنه ناقص عن الأصل، وإن قلنا: إنه بدل يجوز لأنه أخرج. فرع آخر وإذا ملك أجناسًا من أنواع الزكاة، وعليه دين لا من جنس الأموال التي في يده، فإن كان بعض الأجناس لا يبلغ نصابًا جعل الدين في مقابلته نظرًا للمساكين، وإن كان كل جنس يبلغ نصابًا فمن أصحابنا من قال: يقسم الدين على الأموال [912 أ/4] كلها لأن ليس بعض الأجناس بأن يقابل الدين أولى من البعض ثم كل جنس بقي منه نصاب وراء المقابل بالدين يجب الزكاة وفيما زاد قولان، وكل جنس لم يبق منه نصاب ففي جميعه قولان والصحيح أنه إذا كان لو قسم الدين على الأنواع لم يكن الباقي من كل نوع نصابًا لا يقابل الدين بالأجناس، لأن فيه تفويت حق المساكين، ولكن يقابل بنوع أو نوعين حتى يتوفر حق المساكين على قولنا الدين يمنع وجوب الزكاةن ولهذا فإنه لو كان يملك نصابًا من المال الزكاتي وعروضًا تقابل الدين العروض لمراعاة حق المساكين. فرع آخر إذا كان يملك نصابين من المال وعليه دين من جنس أحدهما فالدين يقابل بالجنس أو يفرض عليهما وجهان بناء على أصل وهو إذا امتنع من أداء الدين وظفر صاحب الدين بأمواله وفي الأموال من جنس الحق وغير الجنس له أن يأخذ الجنس، وهل له أن يأخذ غير الجنس؟ فيه وجهان: فإن قلنا: له أن يأخذ غير الجنس يقابل الدين بهما، وإن قلنا: لا يأخذ إلا الجنس فيجعل الدين في مقابلته والصحيح أن الدين يجعل في مقابلة [219 ب/4] الجنس لأنه أقرب إليه. فرع آخر إذا نذر أن يفرق دراهم فترك تفريقها مع الإمكان فهذا مبني على أنه يسلك بالمنذور مسلك الواجب بالشرع أو التطوع فإن مسلك الواجب يضمن، وإن قلنا: مسلك التطوع فإنه لا يضمن وعلى هذا لو نذر أن يضحي بشاة وتمكن فلم يضح حتى تلفت هل يضمن وجهان. فرع آخر إذا حنث في يمينه ولا يجد الرقبة ويجد الكسوة والإطعام هل يكون الإمكان شرطًا في وجوب الكفارة عليه قولان كما قلنا في الزكاة، ووجه المشابهة أنه لا ينفرد بأدائهما ولا بد ممن يقبل منه كليهما. فرع آخر لو كانت عنده دراهم جيّدة فأدى الردئ فإن فرق على المساكين بنفسه فهو متبرع لا يسقط الفرض به، وإن لبس على الإمام، وقال: ما لي من هذا النوع لا يسقط الفرض،

فإذا علم الإمام فإن كان باقيًا يرده ويطالبه بالفرض، وإن كان هالكًا يرد مثله ويأمره بإخراج الفرض ولو أخذ منه قدر النقصان يكون كما لو أخذ القيمة في الزكاة باجتهاده فيه وجهان، وإن لم يلبس على الإمام ولكنه أخذ منه الأردأ [220 أ/4] فإن أخذه من غير اجتهاده لا يسقط الفرض الحكم كما لو أخرج رب المال إلى الإمام بنفسه، وإن أخذ باجتهاده على ظن أنه أصلح للمساكين فبان الخطأ، فإن كان المأخوذ باقيًا رده، وإن كان هالكًا فالمأخوذ يقع زكاة ويؤمر بإخراج الفضل، وهل هو مستحق أو مستحب كما ذكرنا في مائتين من الإبل إذا أخرج رب المال الصنف الأدنى. فرع آخر إذا قلنا: يعتبر في آخر الحول نصاب التجارة فاشتري بمائة درهم عرضًا للتجارة ثم مضت ستة أشهر فاستفاد خمسين درهمًا فلما تم حول العرض بلغت قيمته مائة وخمسين لا زكاة في المستفاد حتى يتم حوله وفي عرض التجارة وجهان: أحدهما: تجب الزكاة لأن المستفاد مضموم إلى أصل المال في حكم النصاب وفي زكاة التجارة يعتبر النصاب في آخر الحول وهو موجود، والثاني: أنه لا زكاة لأنا أسقطنا اعتبار النصاب في أول الحول للمشقة حتى يكمله مما يحصل من فوائد المال والمستفاد ليس من فوائد المال.

كتاب زكاة الفطر

كتاب زكاة الفطر باب من يلزمه زكاة الفطر [220 ب/4] قال (¬1): أخبرنا مالكٌ .... الخبر. وهذا كما قال: اعلم أنه يقال: زكاة الفطر وزكاة الفطرة فمن قال بالأول: فلوجوبها بدخول وقت الفطر، ومن قال بالثاني: فلوجوبها على الفطرة، والفطر هي الخلقة، قال الله تعالى: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، أي: خلقته التي جبل الناس عليها واختلف أصحابنا هل وجبت ابتداء بما وجبت به زكاة الأموال أم بغيره فقال البغداديون من أصحابنا: وجبت بالظواهر التي وجبت بها زكاة الأموال من الكتاب والسنة لعمومها في الزكاتين، وقال غيرهم: وجوبها أسبق لما روي عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكوات، فلما نزلت آية الزكوات لم يأمرنا، ولم ينهنا" (¬2)، ومن قال بهذا اختلفوا هل وجبت بالسنة أم بالكتاب؟ والسنة مبنية على وجهين، أحدهما: بالسبنة لخبر قيس فعلى هذا الدلالة على وجوبها من طريق السنة خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهو أنه قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من [221 أ/4] شعير على كل ذكر وأنثى حر وعبد من المسلمين" (¬3)، وروي على كل حر وعبد، لأن العبد لا يلزمه، وإنما تجب عنه، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" (¬4)، والوجه الثاني: أنها وجبت بكتاب الله تعالى، وإنما البيان مأخوذ من السنةن ومعنى قوله فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: قدرها ثم بأية آية وجبت فيه قولان، أحدهما: بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى: 14]، قال سعيد بن المسيب (¬5) وعمر بن عبد العزيز: هي زكاة الفطر، والثاني: بقوله تعالى: {وأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 53). (¬2) أخرجه النسائي (2506، 2507)، وابن ماجه (1828)، والبيهقي في "الكبرى" (7671)، وقال: وهذا لا يدل على سقوط فرضها وإن اختلفوا في تسميتها فرضًا فلا يجوز تركها. (¬3) أخرجه البخاري (1503،1504، 1511، 1512)، ومسلم (12/ 984). (¬4) أخرجه أبو داود (1609)، وابن ماجه (21827)، والدارقطني (2/ 138)، والحاكم (1/ 409)، والبيهقي في "الكبرى" (7692). (¬5) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7667).

الزَّكَاةَ} [البقرة: 277]، ثم اعلم أنها مفروضة عندنا والفرض والواجب سواء. وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفريضة، وقال: الفرض هو اسم لما وجب بدليل معلوم لا يسوغ الاجتهاد في نفيه وهذا خلاف لا يفيد شيئًا، والدليل على بطلانه الخبر الذي ذكرنا، فإنه قال/ فرض، وقال: زكاة، والزكاة مفروضة وقال الأصم وابن علية وقوم من أهل البصرة [221 ب/4] إنها ليست بواجبة وهو اختيار أبي الحسين اللبان الفرضي، واحتجوا بحديث قيس فلما نزلت آية الزكوات لم يأمرنا، ولم ينهنا. وهذا غلط؛ لأن تركه للأمر ثانيًا لا يسقط حكم الأمر الأول، وروي في بعض الألفاظ عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال داود: زكاة الفطر تجب على العبد وعلى السيد إن يخليه ليكتسب ويؤديها وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا صدقة الفطر في الرقيق" ولأنه شخص من أهل الطهرة يلزمه نفقة شخص من أهل الطهرة فليزمه فطرته مع القدرة كالولد مع والده. مسألة: قال الشَّافعيُّ (¬1): "فَلَم يَفْرضِهَا إلا على المُسْلِمينَ". وإنما قال ذلك للخبرين اللذين ذكرناهما، فإنه نص فيهما على المسلمين، ومن قال من أصحابنا أن الكفار غير مخاطبين بالشرائع احتج بهذا الكلام ومن قال هم مخاطبون قال: أراد الشافعي فرض الأداء؛ لأنه لا يصح أداؤها من الكافر. مسألة: قال (¬2): "والعبَيدُ لا مَالَ لَهُم". وقد ذكرنا [222 أ/4] هذا وهل تجب على السيد ابتداء أم تجب على العبد ثم يتحملها السيد؟ وجهان: أحدهما: تجب عليه لأن وجوبها في ماله فكانت عليه كفطرة نفسه، وأما المدبر والمعتق نصفه وأم الولد قال في "الأم": هؤلاء في حكم العبد القن، وقال في المكاتب: لا يلزمه أن يزكي عنه ولا يلزمه أن يزكي نفسه وهذا لأن المكاتب ناقص الملك، ولهذا لا تلزمه الزكاة في ماله، فكذلك زكاة الفطر ويجري مع سيده مجرى الأجنبي فلا يلزمه زكاة فطره بحكم الملك، وروى أبو ثور عن الشافعي قولًا في القديم: إن فطرته على سيده لقوله صلى الله عليه وسلم: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (¬3) ولأن أكثر ما فيه ضعف ملكه، وذلك لا يوجب سقوط فطرته كالآبق وهذا غلط، لأن الآبق لم يصر في حكم الأجنبي معه في شيء من الأحكام. وقال أحمد: يجب زكاة فطره في كسبه كنفقته، وقال ابن سريج: يلزمه أن يؤدي عن نفسه ويلزمه أن يزكي عن عبده أيضًا، تشبيهًا بالنفقة. فرع لو ارتد عبده عن الإسلام في هلال شوال ثم أسلم فيه ثلاثة أوجه [222 ب/4] ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 53). (¬2) انظر الأم (2/ 53). (¬3) أخرجه مالك في "الموطأ" (2/ 787)، وأبو داود (3926، 3927)، والنسائي (2526)، والحاكم (2/ 218).

أحدها لا شيء، إذا قلنا: رب المال إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام استأنف الحول في ماله، والثاني: وهو الأصح ذكره في "الحاوي" (¬1) عليه زكاة فطره وإن لم يسلم إذا قلنا: على رب المال الزكاة عاد إلى الإسلام أم لا، والثالث: أنها موقوفة على إسلامه، فإذا عاد يجب إذا قلنا: زكاة رب المال المرتد موقوفة على إسلامه وهذا أظهر عندي. وقال والدي رحمه الله: الأظهر أنها لا تلزم لأنها تراد للطهره والردة تضادها، ثم قال بعد هذا: ويؤدي السيد عن رقيقه وهذا إذا قلنا: لا يملك بالتمليك فيلزم سيده ذلك، وإذا قلنا بقوله القديم: لا يجب على سيده فطرته ولا يجب على سيده أيضًا، لأنه ناقص الملك وقد زال ملك السيد، ومن أصحابنا من قال: على هذا القول قولان، والقول الذي يجب على سيد سيده، وقال الشيخ أبو حامد: هذا ظن من أصحابنا، وبئس ما ظنوا فقول واحد لا يجب على أحد إذا قلنا: يملك بالتمليك. مسألة: قال (¬2): وكل من لزمته مؤنة أحد حتى لا يكون له تركها أدى زكاة الفطر عنه. وهذا [223 أ/4] كما قال: جملته أن زكاة الفطر عند الشافعي هي تابعة للنفقة فكل من كانت نفقته في ماله يفطر به في ماله، وكل من وجبت نفقته على غيره وجبت فطرته على ذلك الغير، والنفقة تجب على الغير بالسبب والنسب، فأما ذوو الأسباب: فالكلام عليهم يأتي، وأما ذوو الأنساب: فإنما تجب نفقتهم إذا كانوا من عمود الولادة وهم الوالدون والمولودون فكل من وقع عليه اسم اب حقيقة أو مجازًا لزمه نفقته وكل من وقع عليه اسم حقيقة أو مجازًا لزمته نفقتها وارثة كانت أو غير وارثة أولى بأب أو أم، والبنون والبنات وأولادهم ما توالدوا وتناسلوا وولد الإناث والذكور سواء، فالولد لا يخلو: إما أن يكون معسرًا أو موسرًا فإن كان موسرًا ففطرته ونفقته في ماله، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد: نفقته في ماله وفطرته على أبيه، وبه قال زفر وإن تطوع الأب فأخرجها من مال نفسه يجوز ولو كان وصيًأ أو أمين حاكم فتطوع لم يجز، والفرق أن الأب يحتج به وولايته كاملة لأنه يتولى طرفي العقد فنيته تقوم مقامة نيته للولاية فجاز أن يتطوع بزكاة فطره [223 ب/4] بخلاف الوصي هكذا قال أصحابنا، وفي هذا الفرق نظر وعندي انه لا فرق بينهما في الجواز، وإن كان معسرًا فنفقته وفطره على أبيه، وهذا إجماع لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خبر ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تجب إلا على من أطاق الصلاة والصيام، وروى الحسن وسعيد بن المسيب: لا تجب إلا على من صلى وصام، وإن كان كبيرًا ففيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يكون موسرًا فنفقته وفطرته في ماله. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 351). (¬2) انظر الأمك (2/ 54).

والثانية: أن يكون زمنًا معسرًا فنفقته وفطرته على أبيه خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا تلزمه فطرته لأنه لا ولاية له عليه وهذا غلط، لأن تشبيهها بالنفقة أولى، وقوله في "المختصر": من ولده الصغار والكبار الزمني الفقراء فصفة الفقراء هي راجعة إلى الصغار والكبار جميعًا وصفة الزمني راجعة إلى الكبار خاصة دون الصغار. والثالثة: أن يكون صحيحًا معسرًا فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا تجب نفقته ولا فطرته على والده قولًا واحدًا وهو الصحيح من المذهب [224 أ/4] لأن الشافعي شرط الزمانة، وحين أطلق الشافعي الفقر ولم يشترط الزمانة محمول على ما قيد فيه من الزمان في ...... (¬1) ومن أصحابنا ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، والحكم في ولد ولده وإن سفل فالحكم في ولده لصلبه على سواء، وقال أبو حنيفة: لا تجب الفطرة على الجد وهذا غلط لما ذكرنا من العلة، وأما الأب إن كان موسرًا ففطرته ونفقته في ماله، وإن كان معسرًا زمنًا فنفقته .... وفطرته على ولده وإن كان صحيحًا معسرًا فطريقان: أحدهما: قول واحد يلزمه نفقته وفطرته ولا يشترط فيه الزمانة والفرق بينه وبين الأب هو: أن حق الأب آكد وأقوى بدليل أن على الابن أن يعف أباه وليس على الأب أن يعف ابنه فافترقا، والثاني: فيه قولان، قال: في الزكاة نفقته وفطرته على ولده، وقال في النفقات: لا تجب نفقته على ولده، وقال القاضي الطبري: فيه طريقة ثالثة: وهي أنه شرط فيه الزمانة قولًا واحدًا كما قلنا في الابن وهو الصحيح من المذهب، ووجه هذا أنه لا تحل له الصدقة كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا حظ فيها لغني ولا ذي مرة" فلا تجب [224 ب/4] فطرته ونفقته على غيره وحكم الأم والجدة حكم الأب، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرة هؤلاء على الابن لأن الفطرة عنده هي تبع الولادة وهذا غلط، لأن الأب المجنون لا ولاية له ويجب في ماله فطرة ابنه وفطرة نفسه وللحاكم ولايته على الصغير ولا يؤدي عنه زكاة الفطر من مال نفسه والدليل على ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "ممن تمونون" وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "جرت عليك نفقته فأطعم عنه نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير"، ولا مخالف له، ووافقنا أحمد فيما ذكرنا إلا أنه يوجب النفقة للأخ على الأخ والأب الصحيح ويوجب فطرتهما أيضًا، وقال القفال وأبو حنيفة: خالف المروي في زكاة .... (¬2) من عشرة أوجه: أحدها: أنه لا يجعل زكاة الفطر فريضةن والثاني: أنه قد روي في بعض الألفاظ صاعًا من بر، وروي صاعًا من طعام وعنده يجب نصف صاع من بر، والثالث: مال من المسلمين وعنده يزكي عن عبده الكافر، والرابع: أوجب على كل مسلم ولم يشترط الغني وعنده لا يجب إلا على من يملك نصابًا. والخامس: [225 أ/4] قال: "ممن تمونون" فجعلها تابعة للمؤنة وظاهرة يوجب فطرة الزوجة صدقة فطر الزوجة على ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

زوجها وعنده لا يجب، والسادس: ظاهره يوجب صدقة الأب على أبيه خلافًا له، والسابع: ظاهره يوجب صدقة الابن الكبير المعسر على أبيه وعنده لا يجب، والثامن: ظاهرة يوجب في العبد المشرك خلافًا له، والتاسع: ظاهره أن إخراج الحب واجب وعنده تجوز القيمة، والعاشر: لم يفصل يبن عبده للتجارة وبين عبد القنية وهو يفصل. فرع لو احتاج الأب إلى مال الطفل له أن ينفق من ماله على نفسه ويخرج فطرة نفسه أيضًا من ماله، ولا يجوز للأجنبي أن يؤدي عن الصغير فطرته من ماله، ولو فعل ضمن، وإنما يجوز ذلك للقيم. فرع آخر لو تطوع الأب بإخراج زكاة الفطر عن نفسه فإنه يجوز، وإن كانت تجب على ابنه لأنها تجب في حقه للمواساة، وإذا تطوع ارتفع وجه المواساة، ولو تطوعت الزوجة بغير إذن الزوج وأدت عن نفسها زكاة الفطر لا يجوز في أحد الوجهين، لأنها تجب على طريق المعاوضة ولهذا تجب مع غناها، هكذا ذكر في "الحاوي" (¬1)، وقال سائر أصحابنا: فيها [225 ب/4] وجهان بناء على وجوبها ابتداء، فإن قلنا: تجب على المؤدي فلا يجوز لهما بغير الإذن، وإن قلنا: تجب على المؤدي عنه يجوز بغير الإذن وهو ظاهر المذهب. فرع آخر لو كان له أب فقير بحيث يلزمه نفقته ونفقة زوجته هل تلزمه زكاة فطرة زوجته؟ وجهان: أحدهما: يلزم كنفقتها، والثاني: لا يلزم لأن ذلك لا يلزم أباه، وإنما يلزمه ما يلزم أباه وهذا أشبه بالمذهب وقال أصحابنا بخراسان: المذهب أنها تلزم، وتلزم زكاة فطر خادمة زوجة الأب أيضًا إن كانت لها مخدومة، وأما فطرة امرأة ابنه لا تجب كنفقتها بلا إشكال. فرع لو ملك الابن الصغير قوت يومه وليلته حتى لم تجب نفقته على ابنه كذلك اليوم تجب فطرته عليه ولو ملك الابن الكبير الزمن قوت يومه وليلته لم تجب على أبيه فطرته كما لا تجب نفقته، والفرق أن نفقة الابن الكبير لا تثبت في الذمة بحال فهي لكفاية الوقت، ونفقة الصغير إذا وجبت ثبتت في الذمة فهي آكد، ألا ترى أن الأم تستدين على الأب نفقة الصبي ثم تطالب الأب فيه فصارت كنفقة نفسه وفطرته لفطرة الأب نفسه وعليه [226 أ/4] أن يكتسب لنفسه النفقة فكذلك لابنه الصغير، وفيه نظر عندي. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 355).

فرع آخر قال الشافعي في القديم: إذا كان الابن الصغير عبد فإن لم يكن محتاجًا إلى خدمته لأنه مستقل بنفسه ويمكنه أن يخدم نفسه يباع من العبد بمقدار زكاة الفطر، وإن كان محتاجًا إلى خدمته لا يباع منه شيء، وقال الداراكي: إذا كان يحتاج إلى خدمته فيه وجهان: أحدهما: هذا وتكون زكاة الفطر في ذمته، والثاني: يباع منه بقدر الزكاة والأول أصحن وهكذا في العبد المرهون وجهان: أحدهما: يباع منه كأرش الجناية، والثاني: في مال الراهن كالمؤنةز وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يباع منه شيء بحال ويشترط في زكاة الفطر أن يملك سواه شيئًا والصحيح المنصوص ما ذكرنا من التفصيل، وقد قال الشافعي: لو وهب لابنه الصغير عبدًا وليس للأب مال وهو محتاج إلى خدمته فعلى الأب أن ينفق على ذلك العبد ويخرج عنه صدقة الفطر وهذا يدل على ما ذكرنا. فرع آخر قال القفال تفريعًا على ما تقدم: لو ملك الابن الكبير قوت يوم العيد فإن أكله فليس على الابن الصدقةن وإن تصدق به فعلى الأب النفقة [226 ب/4]. مسألة: قال (¬1): أو زَوْجَتِه وخادمٍ لَهَا. وهذا كما قال: قد ذكرنا الفطرة التي تتحمل بالنسب والكلام الآن في تحملها بالسبب والسبب ضربان: نكاح، وملك يمين، أما ملك اليمين فسيأتي حكمه، وأما النكاح: فيلزم فطرة زوجته عليه وبه قال مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: وهو اختيار ابن المنذر لا يلزمه بل يلزمها في مالها وهذا غلط لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم "فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد ممن يمونون" والزوجة يمونها ولا فرق بين أن تكون موسرة أو معسرة، وأما فطرة خادمها فالكلام في المخدومة أولًا والمرجع فيه إلى العرف والعادة فإن كانت ممن تخدم مثلها وجبت عليه أن يخدمها وإلا فلا، ولكن من الذي يخدمها قال أبو إسحاق: الزوج هو بالخيار بين أربعة أشياء: بين أن يخدمها بنفسه، أو يكتري لها خادمًا، أو يشتري من يخدمها، أو يكون لها خادم فينفق على ذلك الخادم، وقال .... (¬2) أشياء فليس .... (¬3) بنفسه لأنها تحتشم أن تستوفي خدمته فإن خدمها بنفسه فهو يخرج فطرة نفسه وإن [227 أ/4] اشترى من يخدمها أو يكون لها خادم فعليه فطرته ونفقته معًا، وإن اكترى من يخدمها فلا نفقة عليه ولا فطرة لأنه يأخذ الأجرة لا النفقة. فرع لو كان الزوج غائبًا فلها أن تستقرض على الزوج لنفقتها وليس لها أن تستقرض ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 54). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) موضع النقط بياض بالأصل.

لفطرتها، والفرق أن عليها في انقطاع النفقة عنها مضرة لأن النفس لا تقوم إلا بها بخلاف الفطرة، لأن الزوج هو المخاطب بإخراجها ولا ضرر على بدنها ولا على دينها في تركها. فرع لو كان الزوج حاضرًا هل لها أن تطالب الزوج بإخراجها؟ وجهان بناء على أن الوجوب هو على الزوج ابتداءً أو عليها ثم يتحمل الزوج عنها وهو كما لو حلق حلال شعر محرم مكرهًا هل له أن يطالب الحالق بإخراج الجزاء فيه قولان، وهكذا الحكم في الأب الزمن. فرع آخر لو نشزت سقطت نفقتها وفطرتها فإذا عادت إلى الطاعة عادت النفقة والفطرة ويفارق العبد الآبق لأن نفقة العبد هي لازمة في حال الإباق لحكم الملك لأن كسبه مال السيد فمتى أنفق على نفسه ففي الحقيقة كأنَّ السيد قد أنفق عليه من مال نفسه، ونفقة [227 ب/4] الزوجة تلزمه بحكم الطاعة فيسقط بالنشوز ثم بسقوطها تسقط زكاة الفطر. فرع لو طلق امرأته وهي حامل، قال المزني: عليه الزكاة في قياس قول أصحابنا، لأن عليه نفقتها وهي تابعة للنفقة، وقال أصحابنا: هذا مبني على أن النفقة هل هي للحمل أو للحامل، وإن قلنا: إن النفقة لها لزمه زكاة فطرها وإلا فلا يلزم. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أنه لو أدى زكاة الفطر عن عبده قبل هلال شوال بعد دخول شهر رمضان ثم باعه فإنه يلزم المشتري أداء زكاة الفطر عنه ولا يصح ما دفعه البائع، ولو مات السيد فانتقل إلى وارثه هل عليه الإخراج قولان مخرجان، ونص في زكاة المال إذا عجلها ثم مات يجوز عن ورثته. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: لو اعترف أحد عبديه بغير عينه ثم أهل شوال ثم عين الجزية في أحدهما فيه وجهان: أحدهما: عليه زكاة فطرهما، والثاني: عليه زكاة فطر المحكومة برقه دون الآخر، وأصل ذلك أن الجزئية تقع من وقت التعيين أو من وقت القول وفيه وجهان. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: إذا دخل وقت [228 أ/4] الوجوب ثم أقر أنه كان أعتق هذا العبد وأنكره العبد لم تسقط عنه زكاة الفطر لأن زكاته وجبت عليه في الظاهر وقوله على غيره لا تقبل بوجه في زكاة المال، إذا قال: كنت وقفته على رجل قبل الحول أو

كنت بعته من كافر قبل قوله لأنه لا ينقلها إلى غيره بل يدوم إسقاط الزكاة عن نفسه وهو أمين فيها. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: وهو إذا كان في بيت المال عبد هل تلزم زكاة فطره؟ يحتمل وجهين: أحدهما: تلزم لأنها تجب لطهرة العبد، والثاني: لا تلزم كزكاة المال وهذا أظهر، ورأيت الوجهين عن سائر أصحابنا، وهكذا لو كان موقوفًا على المسجد والمذهب أنه يلزم في مال المسجد وهناك يلزم في بيت المال، ولو وقف عبدًا على رجل فإن قلنا: ملك الموقوف زال لا إلى أحد لا تلزمه فطرته، وإن قلنا: زال إلى الموقوف عليه ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه لنقصان ملكه وهو كما ذكرنا في زكاة المال. فرع آخر ليس للزوجة مطالبة الزوج بأدائها عنها لأنها واجبة على الزوج، ووجوبها إن كان يجري مجرى الحوالة أو [228 ب/4] مجرى الضمان فليس للمحيل المطالبة ولا للمضمون عنه المطالبة، وقد ذكرنا الخلاف فيه والمذهب هذا. مسألة: قال (¬1): ويؤدي عن عبيدهِ الحضور والغيب. وهذا كما قال: إذا كان له عبد غائب فإن كان يعلم موضعه ويتيقن حياته تلزمه زكاة فطره سواء كان آبقًا أو غير آبق وسواء كان في بلد الإسلام أو في بلد الشرك لأن زكاة الفطر تجب بالملك ولا يعتبر حصول النماء ويجب إخراجها في الحال بخلاف المال المغصوب إذا أوجبنا فيه الزكاة لا يجب إخراجها في الحال، وهذا هو المذهب الصحيح، ومن أصحابنا من قال: وهو أبو حامد نص في "الإملاء" على قولين أحدهما: هذا، والثاني: لا يلزمه إخراجها حتى لا يرجع وهذا لا يصح، لأنا لا نراعي في صدقة الفطر إمكان الأداء، ولهذا لو تلف ماله قبل إمكان أداء الفطرة عن نفسه لم تسقط الفطرة بخلاف زكاة المال، وقيل: في الوجوب قولان كما في زكاة المال والآبق، وفيه وجه آخر ضعيف: أنها تسقط بتلف المال قبل الإمكان كزكاة المال، وإن لم يعلم حياته، ظاهر ما نقل المزني أنه لا تلزم فطرته لأنه قال: وإن لم ترجع رجعتهم بأن غابوا عنه أو افتقدهم ولا [229 أ/4] يسمع خبرهم إذا علم حياتهم وقال في موضع من "الأم" (¬2): تلزم فطرته، وإن لم يعلم حياته فمن أصحابنا من قال: فيه قولان أحدهما: يلزم لما ذكرنا من المعنى والأصل بقاء الملك، والثاني: لا يلزم لأنه لو كان له مال غائب ولا يعلم سلامته لم تلزمه زكاته، والأصل براءة ذمته عن الزكاة، والأول أصح والفرق بينه وبين زكاة المال أنه يراعى فيه حصول النماء بخلاف الفطرة فإنه يكفي ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 54). (¬2) انظر الأم (2/ 55).

فيها الملك، والأصل بقاؤه، وقال القفال إن قلنا في الآبق: لا يجب فهاهنا أولى، وإن قلنا: هناك يجب فهاهنا قولان: وأما جواز إعتاق هذا العبد عن الكفارة فيه قولان بناء على أن الأصل حياته أو بقاء اشتغال ذمته بالكفارة، ومن أصحابنا من قال قول واحد: لا يجزي في الكفارة واعتبار الاحتياط يوجب الفرق بينها وبين زكاة الفطر، ومن أصحابنا من قال قول واحد: تلزمه زكاة في فطره أيضًا، كما نص عليه في "الأم"، كما يلزم عن الابن الزمن وإن كان عاقًا والذي قال إذا علم حياتهم فليس بشرط بل نص على أحد المسألتين وسكت [229 أ/4] عن الأخرى ثم ذكرها في موضع آخر وهذا هو اختيار المزني، ومن أصحابنا من قال: هو على اختلاف حالين إن آيس عن رجوعهم لم يجب، وإن لم ييأس يجب وهذا أحسن عندي، وأما المرهون فيلزمه زكاة فطره لأن ملكه تام عليه، وأما المغصوب فالحكم فيه ما ذكرنا في الآبق، وقرئ في "المختصر" أو مغضوبًا بالغين غير المعجمة والضاد أراد به الزمن المقطوع، ولا خلاف في وجوب فطرته وفي بعض نسخ المزني: والمغضوب لا منفعة فيه، ثم قال: ورفيق رفيقه ورفيق التجارة والخدمة سواء، وقد ذكرناهما. فرع إذا ملك عبدًا وهو يحتاج إليه ولا مال له سواه هل يلزمه فطرته وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه يستغرقه حاجته كما لا يلزمه عتقه في الكفارة. والثاني: يلزمه لأنه يباع في دينه ويفارق الكفارة لأن لها بدلًا بخلاف الفطرة. فرع آخر إذا ملك عبدًا وصاعًا وهو محتاج إلى العبد للخدمة وقلنا: إذا ملك عبدًا للخدمة ولا مال له سواه يلزمه فطرة نفسه فأخرج الصاع عن نفسه هل نجعل ملكه للعبد غنيً عن حق العبد حتى يبيع جزءًا منه لفطرته [230 أ/4] وجهان: أحدهما: لا نحكم بغناه ولا نلزمه ذلك لأن العبد يزكي عنه فلا يستحق صرفه في الزكاة، والثاني: يلزمه لأن الخطاب متوجه على السيد وهو غني بملكه العبد والأول أصح. مسألة: قال (¬1): وَإِنْ كَانَ فِيمنْ يُمَوّنُ كافر. الفصل وهذا كما قال: إذا ملك عبدًا كافرًا وله زوجة كافرة لا فطرة عليه، وقال أبو حنيفة: يلزمه الفطرة عن عبده الكافر وبه قال الثوري وإسحاق، وبقولنا قال مالك وأحمد وهذا غلط، لأنها تراد للطهرة ولا يطهر بالزكاة إلا مسلم. فرع إذا كان لنصراني عبد فأسلم في آخر رمضان أو كانت له أم ولد فأسلمت ثم أهل ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 55).

هلال شوال فيه وجهان: أحدهما: عليه زكاة فطره لأن هذا العبد من أهل الطهرة فيؤدي عنه زكاة الفطر وبه قال أحمد، فيأخذ الإمام من ماله كما يأخذ من الممتنع الزكاة لأنه ليس من أهل القربة، والثاني: لا يلزمه زكاة فطره وبه قال أبو حنيفة لأنه كافر فلا يكلف زكاة الفطر وهذا مبنيان على أن الزكاة هل تجب على السيد ابتداء أم على العبد؟ [230 ب/4] ثم يتحمل السيد وفيه قولان، فإن قلنا: تجب على السيد ابتداء لا تجب هاهنا، وإن قلنا: تجب على العبد ثم يتحملها السيد يجب هاهنا لأن السيد من أهل التحمل، وقال القاضي الطبري: الوجهان محتملان، ولكن البناء على القولين لا يصح لأنه لو جاز هذا لجاز أن يقال: إذا كان للمسلم عبد كافر أن يكون في وجوب فطرته وجهان، بناء على القولين فإن قلنا: تجب على السيد ابتداءً يجب هاهنا وهذا لا يصح فكذلك ما قاله. فرع آخر لو كان له ابن كافر زمن وولد مسلم فعليه نفقته دون الفطرة، وإن كان الابن مسلمًا والوالد كافر غني هل يلزمه فطرته؟ يخرج على وجهين كما ذكرنا في المسألة قبلها ثم قال (¬1): وإن كان ولده في ولايته ولهم أموال زكى منها عنهم وقد ذكرنا هذه المسألة، وقوله في ولايته أي: في حجره وهو قيم عليه ولو كان لابنه الصغير عبد أخرج زكاة الفطر عنه في مال ابنه، فإن لم يكن له مال سواه، فإن كان الابن يحتاج إليه لزمانته أو صغره فإنه يجب على الأب نفقته وفطرته، وإن كان مستغنيًا عنه كانت زكاة الفطر في قيمته [231 أ/4] فيبيع منه ويزكي فإن تعذر بيه جزء باع الكل ثم قال (¬2): فإن تطوع حر فيمن يمون فأخرجها عن نفسه أجزأه وقد بينا هذه المسألة وهذا هو الصحيح في الزوجة والوالد والولد، ويتصور ذلك فيهما بأن يستقرضا صاعًا ليلة الفطر وأدَّيا. مسألة: قال (¬3): "وَإِنَّما يَجِبُ عَليهِ أَنْ يُزَكِّي عَمّن كان عندهُ مِنْهُم في شيءِ من نهارٍ آخر يومٍ منْ شهرِ رمضانَ". الفصل وهذا كما قال: اختلف قول الشافعي في وقت وجوب زكاة الفطر فقال في الجديد: بغروب الشمس من آخر شهر رمضان فإن تزوج أو ولد له ولدًا وملك عبدًا أو كان كافرًا فأسلم قبل الغروب ثم غربت الشمس وجبت الفطرة، فإن ماتوا قبل الغروب فلا شيء عليه، وإن ماتوا بعد الغروب لم تسقط الفطرة، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وهو رواية عن مالك، ووجهه ما روي في الخبر المعروف فرض زكاة الفطر من رمضان وأراد وقت الفطر منه وهو عند غروب الشمس من آخر يوم من رمضان ..... (¬4) وفي ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 55). (¬2) انظر الأم (2/ 55). (¬3) انظر الأم (2/ 56). (¬4) موضع النقط بياض بالأصل.

سائره نام قبله إنما كان ذلك ..... (¬1) وقت الفطر في رمضان لا من رمضان، وقال في القديم: تجب بطلوع الفجر الثاني من [231 ب/4] يوم الفطر فإن تزوج أو ولد له ولد أو ملك عبدًا وماتوا قبل الطلوع فلا فطرة لأنهم لم يمر بهم وقت الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وهو رواية أخرى عن مالك، ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" (¬2) فخص يوم وهذا غلط، لأن الإغناء يحصل بتقديم الدفع في ليلته، فخص يوم وهذا غلط، لأن الإغناء يحصل بتقديم الدفع في ليلته، وفيه قول ثالث مخرج، تجب بإدراك غروب الشمس وطلوع الفجر معًا حتى لو ولد له ولد قبل غروب الشمس ثم مات قبل الطلوع لا فطرة عليه، ذكره صاحب "التلخيص"، وهذا لا يعرف للشافعي، وروي عن مالك وهو الصحيح عنه في الولد تجب زكاة الفطر بطلوع الفجر، وفي العبد بغروب الشمس ولا يلزم بأداء الفطرة عن الجنين بلا خلاف. مسألة: قال (¬3): "وإنْ كَانَ عَبْدٌ بينهُ وبينَ آخر فعلى كُلِّ واحدٍ منهما بقدرِ مَا يملك". الفصل وهذا كما قال: إذا كان عبد بينه وبين آخر فعلى كل واحد منهما بقدر ما يملك وهكذا لو كان بينه وبين جماعة وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تجب زكاة فطرة عليهما حتى لو ملك رجلان مائة عبد بينهما فلا يجب عليهما زكاة فطرهم ولا يحتسب [232 أ/4] كل نصفين عبدًا كاملًا بخلاف ثمانين شاة مشتركة بين رجلين يجب عليهما شاتان عنده وهذا غلط، لأنه شخص من أهل الطهرة كالعبد الخالص فإذا تقرر هذا فإن كان قوتهما واحدًا أخرجا منه صاعًا واحدًا، وروي عن أحمد: أنه يخرج كل واحد منهما صاعًا كاملًا لأنها لا تتبعض ..... (¬4) لأنها تتبع النفقة والنفقة تتبعض فكذلك هذه، ولأنه يؤدي إلى زيادة صاع آخر عن شخص واحد وهذا خلاف النص، وإن كان قوت أحدهما حنطة وقوت الآخر شعيرًا ففيه أوجه أحدها: ذكره أبو إسحاق أخرج كل واحد منهما ما وجب عليه من قوت نفسه وليس ذلك بتبعيض الصاع، وإنما يكون تبعيضًا إذا وجب على كل واحد وهذا أصح، والثاني: حكاه أبو غانم عن ابن سريج أنه قال: لا يجوز من جنسين ولا يجبر من قوته الشعير على إخراج الحنطة فيخرجان صاعًا من شعير لأن من يقتات البر يقدر على الشعير وهذا كالمنفرد إذا فضل من قوته نصف صاع حطة ونصف صاع شعير أخرج من الشعير، ولا يجوز التبعيض، والثالث: يعتبر قوت العبد لأنها طهرة ب 232 ب/4] العبد، والرابع: يخرجان من غالب قوت البلد إن كان في بلد واحد، وإن كانا في بلدين أخرج من غالب قوت البلد الذي فيه العبد ذكره أبو حامد. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 152. 153)، والبيهقي في "الكبرى" بلفظ: "اغنوهم عن طواف هذا اليوم". (¬3) انظر الأم (2/ 56). (¬4) موضع النقط بياض بالأصل.

مسألة: قال (¬1): "وَلَو كانَ لَهُ نِصْفَهُ ونصفهُ حرُّ فعليهِ في نصفهِ نصفُ زكاتهِ". الفصل وهذا كما قال: إذا كان نصفه عبدًا ونصفه حرًا فنصف الفطرة عليه بنصفه الحر ونصفها على السيد بنصفه المملوك سواء كانت بينهما مهايأة أو لا، ولا تدخل الفطرة في المهايأة لأن المهايأة معاوضة فإن كل واحد منهما يترك حقه من كسبه في يوم ليأخذ حق صاحبه من كسبه في الغد والزكاة لا تدخل في المعاوضة ولأنه إنما يدخل في المهايأة ما هو من حقوق الآدميين والزكاة من حقوق الله تعالى وبه قال أحمد. ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر: يدخل زكاة الفطر في المهايأة تبعًا للنفقة. فعلى هذا إن أهلَّ هلال شوال في شهر السيد يلزمه زكاة فطره كاملة، وإن كان في شهر العبد تلزم العبد كاملة، وما تقدم هو أصح، قال القفال: وهكذا الخلاف في العبد بين الشريكين إذا كانت بينهما مهايأة [233 أ/4] ولا خلاف أن العبد إذا جنى في أحد يومي المهايأة لم يكن للمهايأة في أرش الجناية حكم والفطرة هي كأرش الجناية فالصحيح أن المسألة على قول واحد، وروي عن مالك: يجب على السيد بقدر ما يملك ولا شيء على العبد، وقال أبو حنيفة: لا فطرة عليهما لأنه في معنى المكاتب لوجوب الاستغناء، فإذا تقرر هذا فإن كانت بينهما مهايأة تعتبر فيما يلزم العبد أن يفصل نصف صاع عن قوت ليلته ويومه إن وافق ليلة العبد في يومه، وإن كان وافق في يوم السيد اعتبر أن يملك نصف صاع ولا يلزمه نفقته في ذلك اليوم، وإذا لم يكن بينهما مهايأة يعتبر أن يفصل نصف صاع غير نصف قوته لأن نصف قوته عليه ونصف قوته على سيده وأراد في "المختصر" أنه إذا كانت بينهما مهايأة، لأنه قال: إذا كان للعبد ما يقوته ليلة الفطر ويومه وجميع نفقته لا يكون عليه إلا عند المهايأة. مسألة: قال (¬2): "وَلَوْ بَاعَ عبدًا على أنهُ بالخِيَارِ". الفصل وقد ذكرنا هذه المسألة فلا معنى للإعادة، وقال ابن خيران: إذا اشترى أباه ولم يقبضه ولا دفع ثمنه حتى أهلَّ شوال زكى [233 ب/4] عنه زكاة الفطر ولم يعتق عليه للعلقة التي بقيت للبائع فيه، وهي حق الاحتباس لأجل الثمن وهذا خلاف نص الشافعي. مسألة: قال (¬3): "وَلَو ماتَ حينَ أهلَّ شوالُ ولهُ رقيقٌ فزكاةُ الفطرِ عنهُ وعنهم في مالِهِ مُبْدأةٌ على الدَّين". الفصل وهذا كما قال: إذا كان له مال وله عبد وعليه دين ووجبت عليه زكاة الفطر عن نفسه ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56). (¬2) انظر الأم (2/ 56). (¬3) انظر الأم (2/ 56).

وعن عبده ثم مات ينظر فيه فإن كان المال يفي بالدين وزكاة الفطر ففي الدين وزكاه وإن كان لا يفي بهما فزكاة فطر نفسه وجبت في ذمته كالديون فيكون فيها الأقاويل الثلاثة أحدها: يبدأ بدين الله تعالى. والثاني: يبدأ بدين الآدمين والثالث: يقسط على قدر الحقين وهو الأقيس، وأما زكاة فطر العبد فخرجها أبو إسحاق على وجهين: أحدهما: كزكاة نفسه تثبت في ذمته، والثاني: يبدأ بزكاة فطره قبل الدين قولًا واحدًا لأنها متعلقة برقبة العبد والدين يثبت في الذمة فوجب تقديمها عليه كما يجب تقديم زكاة المال عليه ويقدم زكاة الفطر على الوصايا لأن الغرض أولى من التبرع ويقدمه على الميراث لأنها مما يحتاج إليه الميت، وقال أبو الطيب بن سلمة: زكاة [234 أ/4] الفطر تقدم على الدين قولًا واحدًا لقلتها في الغالب وتعلقها بالرقبة وهو المنصوص هاهنا، وقال أبو حنيفة: تسقط الزكوات كلها بالموت وهذا غلط، لأنه دين مستقر عليه في حياته فلا يسقط بموته كدين الآدمي فإذا تقرر هذا فلو أخرج الوارث الزكاة عن الميت من ماله يجوز ولو أخرج الأجنبي قال أصحابنا: المذهب أنه يجوز كما قال في الحج الواجب: لو حج عنه بعد موته أجنبي فإنه يجوز وهل يأثم بتأخيرها، إن وجد الإمكان وأخر أثم، وإن لم يتمكن فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء، وإن قلنا: هو من شرائط الضمان يقضي عنه. فرع لو مات العبد قبل أن يمكنه إخراج الفطرة عنه قال ابن سريج: فيه قولان، أحدهما: لا يلزمه إخراجها كما لو تلف المال قبل الإمكان لا يلزم زكاة المال، والثاني: وهو الأصح يلزمه إخراجها لأنها تعلقت بذمة السيد دون رقبة العبد، ألا ترى أنه إذا ظاهر من امرأته وعاد فقبل إمكان إخراج الكفارة ماتت المرأة لم تسقط الكفارة لأنها لم تتعلق يعني المرأة كذلك هاهنا ويفارق زكاة المال لأن تلك تجب مواساة [234 ب/ب] من المال فإذا تلف المال خرج عن أن يكون من أهل المواساة بغير تفريط منه وهاهنا يجب تطهيرًا فلم تسقط كالكفارة. مسألة: قال (¬1): "وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ شوال وعليهِ دينٌ زكَّى عنهُ الورثة". وهذا كما قال: إذا مات قبل وجوب زكاة الفطر وعليه دين يستغرق جميع ماله فإن العبد وسائر المال يكون للورثة ويجب زكاة الفطر على الورثة في مالهم والدين لا يمنع من مالك الورثة لتركه عند الشافعي كما نص عليه هاهنا. وقال الإصطخري: لا يملك الورثة التركة إذا كان على الميت دين يستغرق ولا يجب عن هذا العبد زكاة الفطر أصلًا هكذا ذكر أصحابنا، وقال القاضي الطبري هذا خطأ على الإصطخري ويجب أن يكون بمنزلة العبد الموصى به فيجب زكاة الفطر في تركة الميت في أحد القولين وهذا غلط، لأنه يلزم الإصطخري أن يقول إذا خلَّف مالًا ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56).

وعليه دين وخلف اثنين فمات أحدهما قبل قضاء الدين وحلف أبناءهم ثم أن صاحب الدين أبرأ الميت كان المال كله للابن دون ابن الابن وأجمعنا أنه يكون بين الابن [235 أ/4] وابن الابن نصفين فعلمنا أن الملك انتقل إلى الاثنين بالموت ولأنه لا خلاف أن لهم أن يقضوا دينه من مال آخر فدل أنه لهم واحتج بأنه لو كان في التركة من يعتق على الوارث لم يعتق مع الدين المستغرق بلا خلاف، فدل أنه لم يملك، قلنا: إنما لا يعتق لأن التركة كالمرهونة بالدين فلا ينفذ العتق لئلا يؤدي إلى إبطال حق الغرماء، وقال القفال: نقل المزني أن عليهم زكاة الفطر يعني على الورثة ونقل الربيع: أن عليهم أن يؤدوا زكاتهم إن بقوا لهم فمفهومه يدل على أنه إذا لم يبق لهم لم يجب عليهم الزكاة فحصل قولان. مسألة: قال (¬1): "وَلَوْ أَوْصَى لرجلٍ بعبد] ٍ يخرجُ من الثلثِ فماتَ، ثمَّ أهلَّ شوال". الفصل وهذا كما قال: إذا أوصى بعبده لرجل فأهلَّ شوال ثم مات الموصي فزكاة الفطر على الموصي في تركته، وإن مات الموصي ثم أهلَّ هلال شوال فإن كان الموصى له قد قبل قبل غروب الشمس فالفطرة عليه قولًا واحدًا لأنه ملكه قبل الغروب، وإن قبل الموصى له بعد الغروب كانت الفطرة على من الملك له حين الغروب [235 ب/4] وقد اختلف أصحابنا فيما ينتقل به ملك الوصية إلى الموصى له على طريقين: منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: بشرطين الوصية والقبول، والثاني: مراعى فإن قبل الوصية بان أن الملك قد انتقل إليه عن الموصي بالوفاة وإن رد بان أن الملك انتقل إلى الوارث بوفاة الموصي ومنهم من قال فيه ثلاثة أقوال، والثالث: أنه ينتقل إلى الموصى له بوفاة الموصي كالميراث فعلى هذه الطريقة الأقوال نظيرة إلا قولك في الملك في مدة الخيار لمن تكون؟ فإذا قلنا: ينتقل بالموت فالفطرة عليه قَبِلَ أو رد لأن الملك له حين الوجوب. وإذا قلنا: بشرطين فيه وجهان قبل أو رد أحدهما: أن الفطرة في تركة الموصي وبه قال أبو إسحاق ولم يذكر أهل العراق غير هذا، والثاني: لا يجب على أحد لأن الموصي قد زال ملكه والموصى له لم يملك، وقال القفال: على هذا القول في الملك بين الموت ..... (¬2) وجهان أحدهما: للوارث حتى يكون النماء له ولا يجب عليه ..... (¬3) على الوارث، والثاني: يكون باقيًا على [236 أ/4] ملك الموصي حكمًا فعلى هذا يصرف النماء إلى ديون ووصاياه ولا زكاة على أحد وهذا فيه نظر، وإن قلنا: هو مراعى نظر فإن قبل: فالفطرة عليه وإن رد فالفطرة على الورثة فإن كانت المسألة بحالها فمات الموصى له قبل القبول وخلف ابنًا قام هذا الابن مقامه في القبول والرد ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56). (¬2) موضع النقط بياض الأصل. (¬3) موضع النقط بياض بالأصل.

فإن قبل ملك أبوه ذلك ثم انتقل إلى القابل ميراثًا وإن رد فكأن أباه رد ذلك وهو يبنى على الأقوال أيضًا فإن قلنا: يدخل في ملك ابنه بغير اختياره فقد ملك أبوه الوصية ثم مات وورثها هذا الابن فإن كان أبوه مات بعد الغروب فالفطرة في تركة أبيه، وإن كان موت الأب قبل الغروب فالفطرة على وارثه، وإن قلنا: ينتقل بشرطين فكذلك وارثه يملك بشرطين فعلى هذا الفطرة على من يكون فيه وجهان على ما ذكرنا، وإن قلنا: مراعى فإن قبل بان أن أباه ملك بموت الموصى وانتقل إلى الوارث ميراثًا فينظر متى ورث فإن كان أبوه مات قبل الغروب فالفطرة على الوارث، وإن كان بعد الغروب فالفطرة في تركة [236 ب/4] أبيه وإن رد فالفطرة على الوارث، وإن كان بعد ذلك بوفاة الموصي والمشهور قول الوقف وعند أبي حنيفة: إذا مات الموصى له قبل القبول لزمته الوصية. فرع قال في "الأم" (¬1): لو وهب لرجل عبدًا قبل الغروب فقبله قبل الغروب ولكن قبضه بعد الغروب فالفطرة على السيد لأن الهبة لا تملك بالقبول وإنما تملك بالقبض ومن أصحابنا من قال: نص في موضع من "الأم" (¬2): أن الفطرة على الموهوب له هنا وكل أصحابنا قالوا: يجيء هذا على قوله: وإنما فرعها على مذهب مالك أنه يملك الهبة بنفس القبول من غير قبض، وقال في "الحاوي" (¬3): فيه وجهان مبنيان على قوليه في الملك في الهبة، فإن قلنا: يملك بالقبض فزكاة فطره على الواهب، وإن قلنا: القبض ينبني عن ملك سابق من وقت الهبة فزكاة فطره على الموهوب له وأشار القفال أيضًا إلى هذا، وفرّع أصحابنا على هذا مسألة وهي: إذا قبل الموهوب له ومات قبل القبض وقبل الغروب فقبل وارثه ذلك وقبضه فالفطرة على الواهب لأن الملك له عين الوجوب. فرع لو أوصى [237 أ/4] بعبده لرجل وبعتقه لآخر فقبلا الوصية ثم أهلَّ هلال شوال فالفطرة على من أوصى له بالرقبة نص عليه في "الأم" (¬4)، وقال الداركي: النفقة عليه أيضًا لأن الشافعي لم يذكر النفقة إلا أنه اكتفي بذكر زكاة الفطر فإنها تابعة للنفقة، ومن أصحابنا بخراسان من قال في النفقة ثلاثة أوجه، أحدها: هذا، والثاني: أنها على مالك المنفعة، والثالث: في بيت المال وهذا تخليط. مسألة: قال (¬5): " وَمَنْ دخلَ عليهِ شوالٌ وعندهُ قوتُهُ وقوت من يقوته ليومه". الفصل وهذا كما قال: إذا دخل وقت وجوب الفطرة ومعه قوت يومه وليلته ويفضل عن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 54). (¬2) انظر الأم (2/ 56). (¬3) انظر الحاوي للماوردي (3/ 371). (¬4) انظر الأم (2/ 55). (¬5) انظر الأم (2/ 56).

ذلك صاع يلزمه إخراجه في الفطرة وإن كان معه من تجب نفقته يعتبران بفضل عن نفقتهم ذلك وجملته أنه يجب عندنا على الغني والفقير ولا يعتبر نصاب الزكاة في وجوبها، وقال به أبو هريرة رضي الله عنه وابن سيرين والشعبي وعطاء والزهري وأبو العالية ومالك وأحمد وأبو ثور وابن المبارك. وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا أن يملك نصابًا أو ما قيمته قيمة النصاب وهذا غلط لما روى ابن أبي صعير [237 ب/4] عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صاع من بر عن كل صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى". مسألة: قال (¬1): "وَإنْ لَم يكنْ عِندهُ بعدَ القوتِ ليومه إلا ما يؤدِّي عن بعضهم". وهذا كما قال: إذا فضل عن قوته وقوت عياله فضل نظر فإن فضل ما يؤدي به الفطرة عن نفسه وعنهم أخرجها كيف شاء من غير ترتيب وقدم من شاء وإن لم يفضل ذلك لا يخلو الفاضل من أحد أمرين، إما أن يكون صاعًا أو أقل من صاع، فإن كان صاعًا نظر فإن لم يكن هناك من يلزمه فطرته سواه أخرج عن نفسه، وإن كان هناك غيره كالزوجة والأولاد والوالدين أخرج ذلك، ولكن هل فيه ترتيب؟ اختلف أصحابنا فيه على وجوه: أحدها: يخرج ذلك عمن شاء من غير ترتيب وهو ظاهر نصه؛ لأن واحد منهم لو انفرد تلزمه فطرته، فإذا اجتمعوا تساووا. والثاني: لا بد من الترتيب كما في النفقة وعليه أكثر أصحابنا. فإذا قلنا بهذا اختلف أصحابنا في كيفية الترتيب؛ فمنهم من قال: [238 أ/4] يبدأ بنفسه قبل كل أحد لقوله صلى الله عليه وسلم: "ابدأ بنفسم ثم بمن تعول" (¬2) ولأن في النفقة يبدا بنفسه ثم بغيره كذلك في الفطرة وكذلك إذا أصابته وأهله جنابة ووجد ماء يكفي لواحد يبدأ بنفسه ومن أصحابنا من قال: يبدأ بفطرة زوجته قبل نفسه. لأن نفقتها مقدمة على فطرته وفطرتها تجري مجرى نفقتها فوجب أن يقدم على فطرته والمذهب الأول، وعليه التفريع فإن كان هناك صاع آخر اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: أخرج ذلك عن زوجته وقدمها على كل أحد لأن نفقتها تجري مجرى المعاوضة فتقدم على المواساة ومن أصحابنا من قال: فطرتها مؤخرة عن جميع الأقارب. قال ابن أبي هريرة: لأن المسب هو أقوى من الزوجية فإنه يمكن رفعها بخلاف النسب والمذهب الأول فإن كان هناك صاع آخر قال أبو إسحاق: أخرج عن ولده الصغير الفقير قبل الكبير وقيل: الأب لأن نفقته تجري مجرى نفقته ويثبت والنص، قال الله تعالى: {وعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ} [البقرة: 233] الآية، ولآن نفقته تلزم الذمة فإن الأم تستدين ذلك ثم ترجع على الأب. ومن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56). (¬2) أخرجه مسلم (41/ 997)، والنسائي (5/ 70)، والبيهقي في "الكبرى" (7755).

أصحابنا من قال: الأب أولى [238 ب/4] لأن حرمته أعظم ذكره القفال والأول أصح، فإن كان هناك صاع آخر وله ولد كبير زمن وليس له والد أخرجه عنه، وإن كان له والد ولا ولد له كبيرًا أخرجه عنه، وإن اجتمعا ففيه وجهان أحدهما: الولد أولى لأنه بعضه فهو كنفسه. والثاني: الوالد أولى وهو المذهب، فإذا قلنا بهذا فإن كان هناك مع الأب امرأتيهما تقدم فهو مبني على نفقتيهما إذا اجتمعنا وفيه ثلاثة أوجه أحدها: الوالد أولى، والثاني: أن الأم أولى، والثالث: يقسم بينهما فإن قلنا: إن الوالد أولى بالنفقة قدمناه في الفطرة، وإن قلنا: أن الأم قدمناها، وإن قلنا: يقسم هناك قال أبو حامد أخرجه عمن شاء منهما، وإن شاء قسمه بينهما. قلت: ينبغي أن يقال: يخرج عمن شاء منهما ولا يقسم لأن هذا التفريع على قول الترتيب، وأداء التمام لا على قول القسمة وترك الترتيب والصحيح أن الأب أولى لأن هذا الابن لو كان محتاجًا وهما موسران يقوم بكفايته الأب دون الأم فحصل من المذهب الصحيح أنه يبدأ بنفسه ثم بزوجته ثم بابنه الصغير ثم بأبيه ثم [239 أ/4] بأمه ثم بأبيه الكبير الزمن، والوجه الثالث: أن يخرج ذلك الصاع الواحد عن نفسه وعنهم فيكون قد أخرج البعض عن كل واحد مهم كما لو لم يجد إلا بعض صاع يخرجه على أحد الوجهين ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وهذا أبعد الوجوه، والرابع: يخرجه عن أحد الجماعة لا بعينه يحتسل الله به عمن شاء لأنه لو كان واجد الفطرة كلهم لم يلزمه أن يعينها عن أحدهم ذكره في "الحاوي" (¬1)، والخامس: يبدأ بنفسه ثم إن فضل صاع أخرجه عن أيهم شاء لأنهم يستوون في إخراجها عنهم لو وجد الكل، قال: وقول الشافعي أدى عن بعضهم أراد أخرجها عن نفسه، وإن فضل معه أقل من صاع هل يلزمه إخراجه فيه وجهان، قال أبو إسحاق: لا يلزمه إخراجه ويكون كالمعدوم كما لو وجد بعد الرقبة في الكفارة لا يلزمه إعتاقه وهذا أصح، وقال ابن أبي هريرة: وهو ظاهر المذهب يلزمه إخراجه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (¬2) لأن الفطرة تتبعض ولهذا [239 ب/4] تجب في العبد المشترك متبعضة بخلاف الرقبة في الكفارة فإذا قلنا: عليه إخراجه فالحكم فيه كما لو فضل صاع فإن لم يفضل شيء فلا شيء عليه فإن وجد يوم الفطر لم يلزمه إخراجه لأن الفطرة قد سقطت بالاعتبار وقت الوجوب ويستحب أن يخرجه، نص عليه في "الأم" (¬3)، وقال مالك: يلزمه إخراجه وهذا غلط قياسًا على من وجد بعد أيام وعلى من أسلم بعد وقت الوجوب. مسألة: قال (¬4): فإن كان أحدٌ ممن يقوت واجدًا لزكاة الفطر لم أرخص له في ترك أدائها عن نفسه. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 373). (¬2) أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (412/ 1337)، وأحمد (2/ 313، 314). (¬3) انظر الأم (2/ 57). (¬4) انظر الأم (2/ 56).

وهذا كما قال هذه المسألة إنما تتصور في الزوجة فقط لأن نفقتها تجب مع الغني بخلاف القريب ولفظ "المختصر" يوهم أن هذه المسألة تتصور في مواضع وليس كذلك بل لا يتصور إلا فيما ذكرنا، وإنما ذلك لمجاز في العبارة، وقال: ولا يتبين لي أن تجب عليه لأنها مفروضة على غيره فدل على أن اللفظ لقوله تعالى: {ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ} [الأحزاب: 31]، وقوله تعالى: {مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ} [الأحزاب: 30] الآية، فإذا تقرر هذا فجملته [240 أ/4] أنه إذا كانت الزوجة واجدة الفطرة وكان الزوج معسرًا يستحب لها إخراج الفطرة عن نفسها، ونص هاهنا أنه يجب عليها ذلك وقال في آخر هذا الباب (¬1): لو زوّج أمته من مكاتب أو عبد أو حر معسر فعلى السيد إخراج الفطرة هاهنا والسيد مع أمته كالحرة مع نفسها، وأسقطها عن الحرة إذا تزوجت ولم يسقطها عن السيد إذا زوّج أمته من هؤلاء فاختلف أصحابنا فيه على طرق أحدها: بنقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وفيهما قولان: أحدهما: لا يكون على الحرة دون زوجها ولا على السيد دون زوج أمته لأن المخاطب هو الزوج بها فإذا عجز لم يجب على غيره. والثاني: يجب على الحرة عن نفسها وعلى السيد عن أمته لأن الفطرة في الأصل كانت واجبة على السيد وعلى الحرة، وإنما تنتقل بالزوجية فإذا لم يكن الزوج من أهل أن ينتقل إليه بقيت على الأصل، ومنهم من قال في المسألتين قولين ولكن التعليل ليس ما ذكر القائل الأول وإنما هما مبنيان على أن الفطرة على من تجب ابتداء فإن قلنا: تجب [240 ب/4] على الزوجة ثم يتحمل الزوج على وجه الضمان عنها يجب على الزوج ابتداء وتصير بالزوجّة كأنها أحالت بالفطرة وهو كالمحال عليه لا يجب هاهنا على الزوجة ولا على السيد لأن الذي عليه الحق هو معسر به ومهم من قال: المسألتان على ظاهرهما والفرق بينهما أن الحرة يلزمها تسليم نفسها ولا اختيار لها في ذلك وليس كذلك السيد فإنه لا يلزمه تسليم أمته إلى زوجها، فإذا اختار تسليمها في حال اعساره لم تقسط الزكاة عنه لاختياره إسقاط الحق الذي يجب عليه ذكره أبو إسحاق، وهكذا لو كان زوجها موسرًا ثم أعسر فإنه لا فرق بين أن يتزوج ابتداء وهو معسر أو يتزوج وهو موسر ثم يصير معسرًا. مسألة: قال (¬2): وَلاَ بأسَ أَنْ يَاخُذَهَا بَعدَ أدائهَا إذا كانَ مُحْتَاجَاً. الفصل وهذا كما قال: إذا دفع صدقة الفطر إلى الفقير وكان ذلك الفقير من يجب عليه صدقة الفطرة فأخرج صدقة نفسه إلى هذا الدافع يجوز وله أن يأخذ عين ما أعطى ممن أعطاه [242 أ/4] قاله نصًا، وكذلك لو دفع الصدقة إلى الإمام فرد الإمام إليه ذلك مع ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56). (¬2) انظر الأم (2/ 56).

باب مكيلة زكاة الفطر

غيره تجوز الصدقة إليه من غير الوجه الذي خرجت من ملكه ولا فرق في هذا بين زكاة الفطر وزكاة المال فيجوز له أن يؤدي ويأخذ فإن أحد الخلطاء ربما لا يملك إلا شاة فيلزمه من الزكاة بقدرها ثم يأخذ، وكذا من عليه الدين إذا أدّى الزكاة فأخذ من سهم الغارمين وعند أبي حنيفة لا يجوز أن يجتمع له حق الأخذ والإعطاء إلا في ابن السبيل، وقال مالك: لا يجوز أن يأخذها بعينها، وإن كان محتاجًا. مسألة: قال (¬1): وَإِنْ زوَّجَ أَمَتُهُ عَبَداً أو مُكَاتَباً. الفصل وهذا كما قال: قد ذكرنا هذه المسألة وقال القفال: هذا في العبد صحيح، وأما في المكاتب فوجهان، في أن زكاة فطر زوجته الأمة عليه أو على سيدها بناء على أن المكاتب هل يلزمه في نفسه زكاة الفطر وفيه قولان أحدهما: لا تجب لأنه لا ملك له فعلى هذا امرأته المملوكة على سيدها، والثاني: تجب عليه لأنه بين الحر والعبد وفي كل واحد يلزم الفطرة غير أن [241 ب/4] إكسابه له فالفطرة عليه لا على سيده، قال القفال: وعندي يقرب القولان من القولين في هيئات المكاتب بإذن سيده، قال القفال: وعندي يقرب القولان من القولين في هيئات المكاتب بإذن سيده فعلى أحد القولين يجوز لأن الحق لا يعدوهما فكذلك يلزم الفطرة لأن الحق لهما في ذلك لا غير فهو كعبد مشترك بين اثنين، والثاني: لا تجوز هبته وإن رضي السيد فعلى هذا لا تحصل كحر ولا كعبد وإنما له رتبة ثالثة. مسألة: قال (¬2): فَإنْ كَانَ زَوَّجهَا حُرًّا فعلى الحرِّ الزكاةُ عَنْ امرأتِه. وأراد به الحر الواجد للزكاة ينظر فإن بوأها السيد مع زوجها بيتًا فعليه فطرتها وإن لم يمكنه منها إلا عند فراغها عن خدمة السيد فهل يجب على الزوج نفقتها وصدقة فطرها؟ وجهان أحدهما: لا تجبان لأن التمكين التام لم يوجد فهي كالناشزة، وإن لم تكن عاصية كالمجنونة إذا امتنعت، والثاني: تجبان على الزوج لأنه لما تزوّج بها عالمًا أن سيدها لا يلزمه أن ينوبها معه بيتًا فكأنه رضي بهذا القدر من التمكين هذا ذكر بعض أهل خراسان [242 أ/4] والوجه المعروف أنه يلزم نصف النفقة على الزوج فجيء أن يقال: يلزمه نصف الفطرة. باب مكيلة زكاة الفطر قال (¬3) أخبرنا مالك .... وذكر الخبر. وهذا كما قال: أراد بالمكيلة مقدار ما يجب في زكاة الفطر من الطعام بالكيل وجملته أنه إذا أخرج في صدقة الفطر تمرًا أو شعيرًا يخرج صاعًا بلا خلاف، وأما إذا أخرج برًا أو زبيبًا فالواجب عندنا صاع لا يجزيه أقل من ذلك وبه قال الحسن والشعبي ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56). (¬2) انظر الأم (2/ 56). (¬3) انظر الأم (2/ 57).

ومالك وأحمد وإسحاق، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة: الواجب من البر نصف صاع، وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومعاوية وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن العزيز وعروة بن الزبير واختلفت الرواية عن علي وابن عباس والشعبي فروي صاع وروي نصف صاع، وعن أبي حنيفة في الزبيب روايتان إحداهما: نصف صاع، والثانية: صاع، وبه قال أبو يوسف ومحمد واحتجوا بما [242 ب/4] روى ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صاع من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير" وهذا غلط، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج وكان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير أو كبير حر أو مملوك صاعًا من طعام أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أنه قال: إني أرى مدين من تمر الشام يعدلان صاعًا من بر فأخذ الناس بذلك (¬1)، وأما خبر ثعلبة قال ابن المنذر: لا يثبت نصف صاع به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخبرنا أولى لأنه زائد. مسألة: قال (¬2): وَبَيَّنَ فِيْ سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ زكاةَ الفطرِ من البَقْلِ وممَّا يَقْتَاتُ الرجلُ ومَا فيه الزَّكَاةُ. وهذا كما قال: البقل عند العرب هو ما يقتات به وأراد أن زكاة الفطر يتعلق بما يقتاته الآدميون [234 أ/4] على الدوام في بعض البلدان فيما يبقى له في المعدة ثقل بقى ممتدًا حتى يقوم بها الأبدان، وهاهنا إشكال وذلك أن هذا اللفظ بظاهره يدل على التنويع وليست هاهنا أنواع ولكن كلما كان قوتًا معتادًا ففيه صدقة الفطر. وفي بعض نسخ "المختصر" حذف الواو عن قوله وما يقتات الرجل والحذف هو أقطع لهذا الإشكال، ولكن الواو ثابتة في قوله: وما فيه الزكاة فيكون الإشكال ثابتًا في تلك اللفظة ثم قطع هذا الإشكال أن يقال: قد حد الشافعي ما تجب فيه صدقة الفطر بثلاثة حدود أحدها: ما كان ثقلًا وهذا أيضًا حد كامل لأن الصدقة لا تجب إلا في الأقوات، والحد الثالث: قوله وما فيه الزكاة وهذا حدثًا منه لأن زكاة الفطر لا تتعلق إلا بما يتعلق به العشر سوى الأقط فإن فيه كلامًا سنذكره، فإذا تقرر هذا نقول يجوز إخراج البر والشعير والتمر والزبيب والحبوب التي يلزم فيها العشر، وقال الشافعي في الباقلاء: لا أحسبه يقتات فإن كان قوتًا أجزأه إذا أدّى منه صاعًا وأجمع أصحابنا أنه قوت يجب [234 ب/4] فيه الزكاة ويخرج منه زكاة الفطر، وأما الدقيق من الحب الذي يجزي في الفطرة، المذهب أنه لا يجوز، وقال مالك: يجوز بدلًا من الحب مع دقاقه ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1506/ 1508)، ومسلم (18/ 985). (¬2) انظر الأم (2/ 57).

أن القيمة لا تجوز وبه قال الأنماطي من أصحابنا، وروي عن مالك مثل مذهبنا. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ويكون أصلًا وهذا غلط، لأنه ناقص المنفعة عن الحب ولا يكون أصلًا فيه كالخبز واحتجوا بما روي في خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أو صاع من دقيق" قلنا: قال أبو داود روى سفيان الدقيق ووهم فيه ثم رجع عنه وهل يعتبر غالب قوت البلد أو غالب قوت نفسه ظاهر قول الشافعي وهو الصحيح، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق يعتبر غالب قوت البلد لا قوته، وبه قال مالك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" وإنما يحصل الاستغناء بغالب قوت البلد، وقال أبو عبيد بن خربويه يعتبر غالب قوت نفسه وادعى أن هذا ظاهر المذهب لأن الشافعي قال (¬1): وأي قوت كان الأغلب على رجل أدّى منه زكاة الفطر ولأنه [244 أ/4] لما وجب إذا فضل عن قوته وجب أن يجب من موته، ومن قال: بالأول قال: أراد به إذا كان يقتات هو من غالب قوت البلد. قال القفال: وهو الأصح عندي أنه يلزمه أن يخرج مما يقتاته من هو في مثل حاله في الغالب أو خيرًأ منه فإن كان مثله يقتات الحنطة ولكنه يقتات الشعير لشحه لم يجزه إلا الحنطة، وإن كان مثله يقتات الشعير ولكنه يقتات الحنطة إسرافًا فله أن يؤدي الشعير، وإن ادعى الحنطة فهو أولى، وإن كان مثله يقتات كليهما وهو يقتات كليهما فإن كان أحدهما هو الأغلب اعتبرنا الأغلب، وإن استويا فهما سواء يؤدي من أيهما شاء، والأفضل أن يؤدي من خيرهما. ومن أصحابنا من قال: يتخير بين أجناس الأقوات فيخرج من أيهما شاء، وبه قال أو حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "صاعًا من نمر أو صاعًا من شعير" ولفظة أو إذا لم تكن شكًا ولا تنويعًا كانت للتخيير وهذا غلط، لأن معنى الخبر صاعًا من تمر إن كان القوت هو التمر أو صاعًا من شعير إن كان القوت هو الشعير [244 ب/4] فإذا قلنا بقول عامة أصحابنا، فإن كان قوته غالب قوت البلد ففيه ثلاثة مسائل: أحدها: أن يخرج من الغالب فيجوز، فإن أخرج أعلى منه مثل إن كان غالب قوت البلد الشعر فأخرج تمرًأ أو بُرّاً فيجوز قولًا واحدًا وعلى هذا لو أخرج التمر بطبرستان يجوز قولًا واحدًا بلا إشكال، وقال في "الحاوي" (¬2): فيه وجه آخر لأصحابنا: أنه لا يجوز لأنه غير ما وجب عليه، وإن كان خيرًا كمن أخرج البر عن الشعير أو الدينار عن الدرهم لا يجوز وهذا خلاف المنصوص ونظيره أن يخرج في زكاة الإبل أعلى سنامًا وجب عليه يجوز وإن أخرج دونه مثل إن كان الغالب حنطة فأخرج شعيرًا لا يجوز في ظاهر المذهب، وقال أبو إسحاق: فيه قول آخر أنه يجوز وهو عين ما ذكرنا أنه يتخير بين أجناس الأقوات، وقال القاضي الطبري: وهذا هو الصحيح عندي لظاهر السنة ولا خلاف على هذا أن التمر والبر أولى من غيرهما وفي أولادهما وجهان أحدهما: التمر ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 58). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 378).

أولى وبه قال ابن عمر وأحمد لأن الرسول صلى الله عليه وسلم [245 أ/4] كان يخرج منه وعمل أهل المدينة عليه. والثاني: وإليه مال الشافعي: البر أولى وبه قال علي رضي الله عنه وإسحاق، قال علي رضي الله عنه: الآن قد أوسع عليكم فأخرجوا البر ولأن التمر مجمع على أنه لا يجوز أقل من صاع، وفي البر اختلفوا ولا يصلح التمر للزراعة بخلاف البر ولأنه أصلح القوت وأطيبه، ومن أصحابنا من قال: يعتبر الأفضل بكثرة الثمن وبه قال أحمد وقيل: قال الشافعي في "الأم" (¬1): الأفضل البر، وقال في البويطي: الأفضل البر والتمر ولو قيل: يختلف هذا باختلاف البلاد كان مذهبًا وله وجه وهذا صحيح عندي وإن كان أهل البلد يقتاتون أقواتًا مختلفة، فالمستحب أن يخرج الأفضل ويجوز أن يخرج من أيهما شاء لتساوي الكل وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجوز إلا من الأجناس الخمسة المنصوصة وهذا لا يصح لأنها تجب في الفاضل عن قوته وربما يكون قوتهم الذرة ويحصل الإغناء بذلك فجاز. د مسألة: قال (¬2): وَمَا أَدَّى مِنْ هَذَا أَدَّى صَاعَاً بِصَاعِ [245 ب/4] رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كما قال: صاع النبي صلى الله عليه وسلم هو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال واحتج بما روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع" (¬3) والمد رطلان. وهذا غلط، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة في فدية الأداء: "أطعم ثلاثة آصع بين مساكين" (¬4) والفرق بتحريك الراء هو ستة عشر رطلاً وهو بسكونها مائة وعشرون رطلاً، فدل أن ثلاثة آصع ستة عشر رطلاً. وقال أحمد بن حنبل: عبرت صاع رسول الله صلى اله عليه وسلم بالمدينة فكان خمسة أرطال وثلثًا والطريق الواضح في ذلك نقل أهل المدينة خلفًا عن سلف فإنه لما اجتمع الرشيد مع مالك بالمدينة ومعه أبو يوسف اختلفا في قدر الصاع فحمل مالك قومًا كثيرًا معهم آصع نقلوها عن آبائهم أنهم كانوا يؤدون بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم [246 أ/4] فعبرت فكانت خمسة أرطال وثلثًا فرجع أبو يوسف إلى ذلك، وأما خبرهم فلم يصح قوله والمد رطلان ويحتمل أنه كان مد الطهارة أكثر من الزكاة، ثم اعلم أن الأصل هو الكيل في ذلك وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارًا لئلا تختلف المكاييل والأولى إخراجها بالصاع إتباعً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الشافعي في "القديم": وصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أرطال وثلث زيادة ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 58). (¬2) انظر الأم (2/ 58). (¬3) أخرجه مسلم (51/ 325)، والترمذي (56، 609)، والنسائي (1/ 180)، وابن ماجه (267)، وأحمد (6/ 121، 133). (¬4) أخرجه البخاري (1814، 1815)، ومسلم (83/ 1201).

شيء أو نقصانه وغلط جماعة منت أصحابنا حيث قالوا: يعتبر الوزن وليس كذلك فقد عبر بعض المتقدمين من أصحابنا وزن المعشر الذي يخرج في زكاة الفطر بطبرستان فذكر أنه يزيد وزنه على وزن الحنطة في كل مدٍ عشرون درهمًا فالمد منه مائة وثلاثة وتسعون درهمًا وثلث درهم، وقال الطحاوي: الصاع ثمانية أرطال فيما يستوي كيله ووزنه والذي يستوي كيله ووزنه الزبيب والعدس والماش. مسألة: قال (¬1): وَلاَ تُقَوَّمُ الزَّكَاةُ. الفصل وهذا كما قال: قصد به أبا حنيفة حيث جوز [642 ب/4] إخراج القيمة وعندنا لا يجوز لظاهر الخبر، وقال الشافعي (¬2): ولو قومت لكان إذا أدى ثمن صاع زبيب ضروع أي: نفيس، كثير القيمة جيد وهو جنس من عنب الطائف أدى ثمن آصع حنطة وأراد أن هذه الأجناس من الأقوات مختلفة القيم متفاوتة تفاوتًا متباينًا فلو كان الاعتبار بالقيمة لأدى واجبًا ووافقنا أنه لو أراد أن يؤدي عن ثلاثة أشخاص صاعًا من زبيب ضروع قيمة ثلاثة أصع من حنطة فإنه لا يجوز فلو جازت القيمة لجاز هذا أيضًا. مسألة" قال (¬3): وَأَحَبُّ إِلَيَّ لأَهْلِ البَادِيَةِ أَنْ لاَ يُؤَّدُوْا أقِطَاً. وهذا هو كما قال الكلام الآن في القوت الذي لا يجد فيه الزكاة وعلل في الأقط فقال: لأنه وإن كان قوتًا فألقت قوت وقد يقتات الحنظل يعني يحتاج مع كونه قوتًا إلى وصف آخر وهو وجوب الزكاة ثم بين أن أهل البادية إذا كان قوتهم الأقط يؤدون من قوت أقرب البلدان إليهم وهذا كما يعتبر [247 أ/4] في إبل الدية إبل أقرب البلدان إلى العاقلة إذا لم يكن للعاقلة إبل، وإذا قلنا: يتخير بين الأجناس أخرج إلى الأجناس شيئًا من الأقوات ها هنا ثم استثنى فقال: إلا أن يقتات ثمرة لا زكاة فيها يعني أهل أقرب البلدان إليهم فيؤدوا من ثمرة فيها زكاة وهذا كله تعليق القول في الأقط ثم أوضح ذلك فقال: ولو أرادوا أقطًا لا شيء أن أرى عليهم الإعادة يعني اعتبر القوت الذي فيه الزكاة قبل هذا ثم قال: أو يجيز القوت، وإن لم يكن فيه زكاة أي: نجيز القوت من الثمار في أقرب البلدان، وإن لم يكن فيها الزكاة كما أجاز الأقط ها هنا واعتذر أصحابنا عن هذا بأن الأقط من الأقوات العامة لأهل البادية، فكذلك جوزنا لهم خاصة بخلاف الثمار وقد ورد به الخبر أيضًا بخلاف الثمار التي لا زكاة فيها واختلف أصحابنا فيه على طرق، قال أبو إسحاق: يجوز قولاً واحدًا نص عليه في "القديم" و"الأم"، وبه قال مالك وأحمد، وإنما علق القول حين لم يصح الخبر عنده [247 ب/4] فلما صح الخبر عنده قطع به. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 57). (¬2) انظر الأم (2/ 57). (¬3) انظر الأم (2/ 58).

ومن أصحابنا من قال: فيه قولان وعند أبي حنيفة: لا يجوز على طريق الأصل، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أهل الحضر، وإن كان لهم قوتًا قولاً واحدًا، لأنه نادر وفي أهل البادية قولان: فإن قيل: أليس قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نخرج وهو كان حضريًا، قلنا: أنه قد صح إنه كان يسكن البادية كثيرًا وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا كنت في باديتك فارفع صوتك بالأذان" فإذا قلنا: أنه يجوز الأقط فيجوز اللبن مع وجوده لأن اللبن أكمل منه لأنه يجيء منه الأقط وغيره، ويجوز الجبن أيضًا لأنه مثله ولا يجوز المصل والكشك، وإن كان قوتًا لهم لأنه لا يمكن اقتناؤه مفردًا، وأخرج منه الزبد، وقال أبو حامد: يجوز اللبن إذا لم يجد الأقط لأن الأقط أكمل منه فإنه بلغ حد الادخار، وقيل: قال في "القديم": إن أخرج اللبن عند عدمه أجزأه وقيل: إذا جوزنا الأقط ففي اللبن وجهان بكل حال، لأنه لا يدخر والأقط الذي يمكن [248 أ/4] اقتناؤه أن لا يكون مالحًا شديد الملوحة فإن شدة الملوحة فيه عيب ولو ملح الحنطة لا يجوز أيضًا، وقال أصحابنا بخراسان: لا يجوز الجبن بحال لأنه لا يقتات والأصح ما تقدم، ذكره القاضي الطبري وقيل: إن كانوا يقتاتون اللحم فالحكم فيه كالحكم في اللبن لأنه منفصل عن أصل تجب فيه الزكاة وفيه معنى القوت بخلاف الحبوب البرية. وأما أهل جزائر البحر الذين يقتاتون السمك وأهل الفلوات النائية الذين يقتاتون البيض ولحوم الصيد لا يجوز ذلك في زكاة الفطر بحال لأن ذلك نادر وقولهم غير راجع إلى أثر وحكي عن الزهري وربيعة وعطاء أنهم قالوا: لا تجب زكاة الفطر على أهل البادية لأنه لا قوت لهم وهذا خلاف الإجماع ونص السنة. مسألة: قال (¬1): وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ نِصْفَ صاعٍ حِنْطَة وَنِصْفَ صَاعٍ شعير. الفصل وهذا كما قال: إذا كان الموجب عليه واحدًا والمخرج عنه واحدًا لا يجوز إلا صاع كله من جنس واحد، وقال أبو حنيفة يجوز أن يخرج نصف صاع تمر ونصف صاع [248 ب/4] شعير كما يجوز في كفارة اليمين أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة وهذا غلط، لأنه إثبات تخيير لم يثبته الشرع ولو ملك رجل نصفين من عبدين وقوته شعير فاخرج من أحد النص 2 فين شعيرًا ومن الآخر قوتًا آخر لا يجوز لأن المخرج عنه اثنان، وغن كان المخرج واحدًا ولو كان يزكي زكاة الفطر عن جماعة فأخرج عن بعضهم جنسًا غير الجنس الذي أخرج عن البعض يجوز ثم قال (¬2): وإن كان قوته حنطة لم يكن له أن يخرج شعيرًا وهذا يدل على أنه لا يتخير خلاف ما اختاره القاضي الطبري ثم قال (¬3): ولا يخرجه من مسوس ولا معيب وهذا لا خلاف فيه لقوله تعالى: {ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267] الآية، ثم بين أنه إذا لم يكن من القدم ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 58). (¬2) انظر الأم (2/ 58). (¬3) انظر الأم (2/ 58).

تغير لا يكون عيبًا فقال: وغن كان قديمًا لم يتغير طعمه ولا لونه أجزأه، وغن نقصت قيمته لقدمه وغيره أولى وغن تغير طعمه لا ريحه لا يجوز ثم قال (¬1): وغن كان قوته حبوبًا مختلفة فاختار له خيرها ومن أين أخرجه أجزأه، قال الإمام أبو محمد الجويني: هذا نص يدل على انه إذا أخرج [249 أ/4] الأدون يجزيه لان اللفظ في حديث ابن عمر هو لفظ تخيير. مسألة: قال (¬2): ويَقُسِّمُهَا عَلَى مَنْ تُقَسَّم عَلَيْهِ زَكَاةُ المَالِ. وهذا كما قال: أراد زكاة المال الباطن وهم الأصناف الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه سوى العاملين وقال الشافعي في "الأم" (¬3): فرقها في ستة أصناف وسقط سهم العاملين والمؤلفة لفقد [ما استحقا به من الحاجة]، وقال أصحابنا: فقد الرقاب أيضًا، فيقسم على خمسة أصناف، ويفرق على ثلاثة من كل صنف فيكون أقل من يفرق عليهم خمس عشرة نفسًا للفقراء، والمساكين، والغارمون، والغزاة، وأبناء السبيل، وقال الإصطخري: إن تولى إخراجها بنفسه يجوز أن يقتصر على صنف واحد فيصرفها إلى ثلاثة من أي الأصناف شاء، ولا يجوز في أقل من ثلاثة وإنما جاز ذلك للضرورة، وإن دفعها إلى الإمام لم يضعها إلا في جميع الأصناف لأنه قادر عليه من غير ضرر وبه يفتي كثير من أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: إن عند الإصطخري أنه يصرفها إلى الفقراء فقط فلو صرفها إلى الغارمين أو أبناء السبيل فإن قلنا: سقوط الفرض [249 ب/4] هناك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصهم بالذكر فقال: "صدقة الفطر طعمة للمساكين" لا يجوز وإن قلنا: للمشقة يجوز وللإصطخري هاتان العلتان هناك، وعند أبي حنيفة يجوز أن يدفعها إلى واحد كما قال في زكاة المال، وأنا أفتي به وفصل الضرورة يبطل بما لو وجب عليه جزء من شاة في الخلطة لا يفرقه في صنف واحد ولأنه لا ضرورة لأنه يمكنه أن يجمع زكاة الفطر عند رجل حتى إذا اجتمعت فرقها. مسألة: قال (¬4): وَأَحَبُّ إلى ذَوو رَحِمِه. وهذا كما قال: الأقارب ضربان، تلزمه نفقته فلا يجوز له صرف الصدقة إليه لأنه مستغني بوجوب نفقته عليه، وضرب لا يلزمه نفقته فالمستحب أن يخصهم بالصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة وذو رحم محتاج" وروى سلمان بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي القربى صدقة وصلة" (¬5) وروت أم كلثوم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" (¬6) ثم الاختيار بعد الأقارب [250 أ/4] أن يصرفها إلى الجيران فإن لم يكن جيران صرف ذلك كيف ¬

_ (¬1) نظر الأم (2/ 58). (¬2) نظر الأم (2/ 59). (¬3) نظر الأم (2/ 59). (¬4) نظر الأم (2/ 59). (¬5) أخرجه أحمد (4/ 17، 18، 214)، والترمذي (658)، والنسائي (2582)، وابن ماجه (1844)، وابن حبان (3333)، والحاكم (1/ 407). (¬6) أخرجه أحمد (3/ 402).

شاء على من يستحقها وإن ترك الأقارب والجيران مع الفدية فقد ترك الأفضل وأجزأه ويقدم الرضاع والمصاهرة على الولاء فيها لأن الولاء يثبت المحرمية ولا يجوز أن يصرفها إلى أهل الذمة خلافًا لأبي حنيفة وهذا غلط، قياسًا على زكاة المال. مسألة: قال (¬1): وَإِنْ طَرَحَهَا عِنْدَ مَنْ تَجْمَعُ عِنْدَهُ أَجْزَأَِهُ إِنْ شَاءِ اللهُ. وهذا كما قال: صدقة الفطر من زكاة الأموال الباطنة فله أن يفرقها بنفسه وإن دفعها إلى الإمام أجزأه وبينا الكلام في الأفضل، وهذا نص على أن الأول أن يباشر بنفسه وهذا أولى عند كثير من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: هذا أحب إليه إذا لم يكن الوالي نزيهًا لأن الشافعي روى في "الأم": أن رجلاً سأل عطاء عن ذلك فقال: ادفعها إلى الوالي فجاء الرجل إلى ابن أبي مليكة فسأله فقال: أخرجها بنفسك فقال له الرجل: قال عطاء كذلك فقال أفتاك العلج بغير مذهبه لا تدفعها إليهم فإنما يعطيها [250 ب/4] هشام حرسه وبوابه ومن شاء من غلمانه، وقال بعض أصحابنا: هي جارية مجرى زكاة الأموال الظاهرة فيها قولان كما هناك وقيل: إنما قال الشافعي: إن شاء الله لتعلم كراهيته مع إجازته ولهذا استدل بخبر سالم فقال: سأل رجل سالمًا يعني به ابن عبد الله بن عمر فقال له: ألم يكن ابن عمر يعني أباه يدفعها إلى السلطان قال: بلى ولكني أرى أن لا يدفعها إليه أي: كان السلطان إذ ذاك عدلاً واليوم بخلافه ولم يرد به ابن عمر أن أخطأ في ذلك. فرع لو أدت الزوجة زكاة فطرة نفسها إذا قلنا: بالوجوب عليها عند افتقار الزوج ويسارها إلى زوجها يجوز والاختيار لها أن تخصه لأنه في معنى أهلها وأقاربها، وإن أدى هو زكاة فطر نفسه إليها فوجهان أحدهما: يجوز كالزوجة، والثاني: لا يجوز وهو المنصوص لأنها عينه بوجوب نفقتها عليه وهذا حكم زكاة المال، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك في كل واحد من الزوجين وهذا غلط، لأنه لا يقضيه بينهما كبني الأعمام. فرع آخر الأفضل أن يخرج صدقة [152 أ/4] الفطر يوم الفطر قبل الصلاة نص عليه في القديم، وإن أخرجها قبل ذلك في شهر رمضان أجزأه ولا يجوز تقديمها على شهر رمضان، وقال أبو حنيفة: تجوز لأنها مخرجة عن بدنه وبدنه موجود وهذا غلط، لأن سبب هذه الزكاة الصوم والفطر عنه فإذا بقي لوجوبها سببان لم يجز تعجيلها كما لو بقي الحول والنصاب وقولهم: إنها مخرجة عن بدنه قلنا: هو المؤدي فلا يجوز إذا بقي سببان وإن وجد سبب كما لا يجوز تقديم الظهار إذا وجد عقد النكاح، ولو أخرها عن الصلاة وأخرجها في يوم الفطر أجزأته ولم يأثم، وإن أخرجها عن يوم الفطر أثم به وأجزأته وبه قال أحمد وحكي عن ابن سيرين والنخعي أنهما كانا يرخصان في تأخيرها ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 59).

باب الاختيار في صدقة التطوع

عن يوم الفطر وهذا غلط، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وقال صلى الله عليه وسلم: "ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات". باب الاختيار في صدقة التطوع قال: أخبرنا أنس بن عياض ... الخبر. وهذا كما قال: جملة هذا أنه إذا كانت عليه نفقة واجبة [152 ب/4] لنفسه أو عياله فلا يجوز له أن يتصدق حتى يقيم بذلك للخبر الذي ذكره وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وليبدأ أحدكم بمن يعول" (¬1)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كفي بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" (¬2)، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله عندي دينار فقال له: "أنفقه على نفسه" فقال: عندي آخر، فقال: "أنفقه على ولدك" فقال: عندي آخر، فقال: "أنفقه على أهلك" فقال: عندي آخر، فقال: "أنفقه على خادمك" فقال: عندي آخر، فقال: أنت أعلم به" (¬3)، وكذلك إذا كان عليه دين فإنه يلزمه أن يبدأ به لأنه ربما يتعذر قضاؤه فيصير مرتهنًا بدينه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله النوافل إلا بعد إحكام الفرائض". وله تأويلان: أحدهما: لا يقبلها كاملة إلا بعد إحكام الفرائض، فإذا كملت الفرائض [252 أ/4] تقبل النوافل، ثم إذا أدى الواجبات يستحب له أن يتصدق بشيء من ماله تطوعًا، واختلف العلماء في قدر المستحب فقال قوم: جميع ماله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، وقال قوم: بنصفه كما فعل عمر رضي الله عنه، وقال قوم: بثلاثة كما فعل عبد الله بن عمر والذي عند أصحابنا: أنه يعتبر بحال المصدق فإن كان حسن اليقين قنوعًا لا يقنطه الفقر ولا يسأل عند الفقد فالأولى التصدق بجميع ماله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، قيل: لا يستحب ذلك ولا يكره، وإن كان بخلاف ذلك فليتصدق على حسب حاله ويكره له الزيادة، وروي في ذلك أخبارًا مختلفة منها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليتصدق الرجل من ديناره وليتصدق من درهمه وليتصدق من صاع بره وليتصدق من صاع تمره" (¬4)، وقال صلى الله عليه وسلم: "أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما رجل سقى مسلمًا على ظمأ [252 ب/4] سقاه الله من الرحيق المختوم" (¬5)، وقال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردد عنك مذمة السائل ولو بمثل رأس الظفر من الطعام"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعكم ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1426، 1427)، ومسلم (95/ 1034). (¬2) أخرجه أبو داود (1692)، وأحمد (2/ 160، 195)، والحميدي (599)، والحاكم (1/ 145). (¬3) أخرجه أحمد (2/ 251،471)، وأبو داود (1691)، والنسائي (2535)، وابن حبان (4219)، والحاكم (1/ 415). (¬4) أخرجه مسلم (69/ 1017). (¬5) أخرجه أبو داود (1682).

من معروف صغره وقال صلى الله عليه وسلم: "أطعموا الطعام وافشوا السلام وصلوا بالليل والناس نيام:، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الصدقة أفضل، فقال: "جهد المقل" (¬1) وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "حث رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على الصدقة فقلت: والله لأسبقن أبا بكر هذا فعمدت إلى نصف مالي فأخذته وعدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت أبا بكر قد سبقني فقال لي: ما حملت فقلت: نصف مالي وقال لأبي بكر: ما حملت فقال: جميع مالي فقال: ما أعددت لأهلك فقال: الله ورسوله فقلت لأبي بكر: والله لا أسابقك أبدًا" (¬2)، ولم يمنعه من التصدق بكل ما له حتى عزب منه صحة التوكل واليقين، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم [253 أ/4] قال: "رحم الله إمرأً أمسك فضل لسانه وبذل فضل ماله ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة ولم يدعها إلى بدعة" (¬3) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل لرجل فتصدق عليه بثوبين فلما كانت الجمعة قابلة سأل سائل فألقى إليه الرجل أحد الثوبين فزجره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "خذ ثوبك إن أحدكم يتصدق بجميع ما عنده ثم يقعد يتكفف الناس خير الصدقة عن ظهر غنى" (¬4) أي: ما فضل عن حاجته في نفسه وذويه، وفيه الخبر الذي ذكرنا أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من ذهب (¬5) وقد ذكرناه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال إن لله عبادًا لا يصلح لهم إلا الغني فلو أفقرهم لأطغاهم ولله تعالى عبادًا لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم لأطغاهم"، وروي أن غيلان بن سلمة أراد أن يوصي بماله كله للمساكين فأكرهه عمر رضي الله عنه حتى رجع فيه، وقال: لو مت على رأيك لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبي رغال، وكان بلال من أهل اليقين والقوة فدخل عليه رسول الله [253 ب/4] صلى الله عليه وسلم فرأى عنده كسرة خبز فقال: "ما هذا يا بلال. فقال: أفطرت الليلة على نصف قرص كان عندي وتركت النصف لأفطر عليه اليوم. فقال: أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً" قال أصحابنا: ولا ينبغي أن يمتنع من الصدقة باليسير فإن قليل الخير كثير قال الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] ويستحب البداءة بالخير في أقاربه وأهله، واحتج الشافعي بما روي أن امرأة ابن مسعود كانت صناعة -أي مشاطة عاملة بيديها- وليس له مال- يعني لبعد الله - فقالت له - أي لزوجها - شغلتني أنت وولدك عن التصدق إلى غيركم، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لك في ذلك أجران فأنفقي عليهم". ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (2/ 358)، وأبو داود (1677)، والنسائي (2526)، والبيهقي في "الكبرى" (7772)، وفي "معرفة السنن) (1235). (¬2) أخرجه أبو داود (1678)، والترمذي (3675)، والحاكم (1/ 414)، والبيهقي في "الكبرى" (7774). (¬3) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (5/ 1891)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 251). (¬4) أخرجه أبو داود (1675)، وابن حبان (840)، والحاكم (1/ 285، 413)، والبيهقي في "الكبرى" (7777). (¬5) أخرجه أبو داود (1673)، وابن حبان (3361)، والحاكم (1/ 413)، والبيهقي في "الكبرى"، (7643).

وهذا مختصر من قصة وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في يوم عيد، فلم يسمع النساء، فلما انصرف أرسل النساء إليه يشتكين أنهن لم يسمعن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فواعدهن يخطب لهن يومًا، فلما كان ذلك اجتمع النساء [254 أ/4] فغي خطبته فخطبهن وحثهن على الصدقة حتى قال تصدقن ولو من حليكن فجعل النساء يتصدقن وبسط بلال كساء فكانت المرأة تلقي الخرص والسوار والخلخال، وكانت امرأة ابن مسعود تنظر وتخاف على زوجها وأولادها الضياع لو تصدقت فلما رجعت إلى زوجها قالت له قد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة فقال عبد الله: لك في ذلك أجران فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت ذلك كله وأخبرته بقول عبد الله فقال: "صدق عبد الله إنه لفقيه، لك في ذلك أجران، فأنفقي عليهم" (¬1). وأراد بالأجرين أجر الصدقة وأجر صلة الرحم. وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: "أمك". ثم أعاد فقال: "أمك" مرات، ثم قال: "أباك، ثم أختك، ثم أخاك ثم أدناك فأدناك" (¬2). وينبغي أن يختار السر (¬3) وذوي الفضل لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يأكل طعامك إلا مؤمن". فإن تصدق على كافر فإنه يجوز لقوله تعالى: {ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا (8)} [الإنسان:8] والأسير لا يكون إلا كافرًا. ويستجيب للفقير أن يتعفف عن السؤال، روى عبد الله بن [254 ب/4] مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم يسد الله فاقته ومن أنزلها بالله تعالى أوشك الله تعالى له بالغنى أو يموت عاجلاً" (¬4) فإن سأل لم يحرم إذا كان محتاجًا ويقصد بسؤاله أهل الخير والصلاح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كنت لابد سائلاً فاسأل الصالحين" (¬5)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يد الله العليا ويد المعطي الوسطى، ويد المستعطي السفلى" (¬6) فأما من سأل وهو غني عن المسألة بمالٍ، أو بصناعة فهو بسؤاله آثم، وما يأخذ عليه محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل وهو غني جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو خموشًا أو كدوحًا في وجهه" قيل: وما غناه، قال: "خمسون درهمًا أو عدلها من الذهب" (¬7) واراد بهذا عندنا إذا ما كان وفق كفايته وكفاية من يمونه. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2/ 149)، وأحمد (2/ 173)، وابن خزيمة (1809)، والحاكم (3/ 460). (¬2) أخرجه البخاري (5971)، ومسلم (1/ 2548)، وأبو داود (5139)، والترمذي (1897). (¬3) كذا بالأصل. (¬4) أخرجه أحمد (1/ 407)، وأبو داود (1645)، والدارمي (2/ 34)، والحاكم (1/ 408)، والبيهقي (7869). (¬5) أخرجه أحمد (4/ 334)، وأبو داود (1646)، والنسائي (2587). (¬6) أخرجه ابن حبان (809)، والطبراني في "الكبير" (17/ 110)، والبيهقي في "الكبرى" (7885). (¬7) أخرجه أحمد (1/ 441)، وأبو داود (1626)، والنسائي (2592)، وابن ماجه (1840)، وابن أبي شيبة (3/ 180)، وابن عبد البر في "التمهيد" (4/ 101).

كتاب الصيام

كتاب الصيام فصل الأصل في وجوب الصيام الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب: فقوله تعالى: {اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] معناه فرض عليكم وإنما قال: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تسلية للقلوب وتهوينا للخطب ولم يعين الصوم [255 أ/4] في هذه الآية ثم عين في آية أخرى فقال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وأما السنة: فما روي ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بني الإسلام على خمس" (¬1)، ... الخبر إلى أن قال: "وإيتاء الزكاة وصوم رمضان"، وروي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لصوته دوي لا يفقه ما يقول فدنا منه فإذا هو يسال عن الإسلام فذكر له إلى أن ذكر له صوم شهر رمضان فقال: هل عليَّ غيره قال: "لا إلا أن تطوع" (¬2)، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها قلوبكم وحجوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم" (¬3). وأما الإجماع: فلا خلاف بين المسلمين فيه فإذا تقرر هذا فاعلم أن معنى الصوم والصيام واحد وهما في حقيقة اللغة الكف عن الشيء والإمساك، ولهذا سمي الساكت صائمًا قال الله تعالى: {إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] أي: صمتًا ويقال: صام النهار إذا استوت الشمس للزوال لأن لها وقفًا عن السير ويقال: خيل صائمة إذا وقفت عن [255 ب/4] السير، ومنه قول النابغة (¬4): خيلٌ صيامٌ وخيلُ غيرُ صائمةٍ ... تحت العجاجِ وأُخْرىَ تَعْلِكُ اللُّجَما ومعناه في الشرع الإمساك عن أشياء مخصوصة مثل الطعام والشراب، والجماع واستنزال المني فكأنه نقل من اللغة على الشريعة وهو أخصر من اللغوي ولكنه ضمت إليه النية، ثم اعلم أن عند الشافعي المراد بقوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] شهر رمضان وصوم رمضان هو أول ما فرض وليس هو بمنسوخ بل بين بقوله ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (8)، ومسلم (1/ 8). (¬2) أخرجه البخاري (46)، ومسلم (8/ 11). (¬3) أخرجه أحمد (5/ 215، 262). (¬4) البيت من البسيط، وهو للنابغة في ملحق ديوانه (ص 240)، ولسان العرب (10/ 470. علك، 12/ 351. صوم)، وتهذيب اللغة (1/ 313. 12/ 259)، وجمهرة اللغة (ص 899)، وكتاب العين (1/ 202)، ومقاييس اللغة (3/ 323)، ومجمل اللغة (3/ 251)، والمخصص (13/ 90)، والمعاني الكبير (ص 915)، والكامل (ص 992)، وتاج العروس (علك. صوم).

تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وهذه الآية الثانية بيان لا ناسخة، وقيل: أول ما فرض صوم يوم عاشوراء، وروي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: فرض الله تعالى أولاً صوم يوم عاشوراء ثم نسخه بشهر رمضان (¬1) وقيل: أول ما فرض صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهو المراد بقوله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184] ثم نسخ بشهر رمضان وقيل: أول ما فرض صيام أيام البيض وفي وجهان: أحدهما: أنه الثاني عشر وما يليه والثاني: أنه الثالث عشر وما يليه وهو الأصح ثم نسخ [256 أ/4] بقوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وقيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم شهر رمضان إلا أن اليهود تركوه إلى يوم واحد من السنة، والنصارى نقلوه إلى وقت وزادوا عشرة أيام ثم مرض ملكهم فزادوا عند شفائه عشرة أيام شكرًا لله تعالى فيصومون الآن خمسين يومًا، ولهذا قال تعالى: {ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. يعني هداكم لهذا الشهر وضل عنه من كان قبلكم. واعلم أن صفة الصوم في ابتداء الإسلام هو أن يمسك من حين يصلي العشاء الآخرة أو ينام إلى أن تغيب الشمس فإذا غربت الشمس حل الطعام والشراب إلى أن يصلي العشاء أو ينام والأصل في ذلك ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثله. وإن صرمة بن قيس الأنصاري أتى امرأته وكان صائمًا فقال: عندك شيء فقالت لا ولكني أذهب فأطلب لك فذهبت وغلبت عينه فنام فجاءت فقالت: خيبة لك وصام من الغد فلما انتصف النهار غشي عليه وكان يعمل في أرض فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} [256 ب/4] إلى قوله: {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ} [البقرة: 187] الآية (¬2)، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن رجلاً اختان نفسه فجامع امرأته وقد صلى العشاء فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 187] تفتعلون من الخيانة (¬3). وقال أبو هريرة رضي الله عنه: أصاب عمر بن الخطاب أهله بعد العشاء الآخرة ونام حمزة رضي الله عنه قبل أن يشبع من الطعام ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فأكل وشرب ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبراه فأنزل الله تعالى هذه الآية فكأن ذلك عفوًا من الله تعالى ورحمته. واختلفوا لما سمي رمضان فقال ابن عمر: سمي بذلك لأن وجوبه وافق رمضان الحر فسمي رمضان من قولهم رمضت الفصال ورمضت الأرض إذا حميت، وقيل وهو الأولى: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها، قاله أنس رضي الله عنه. ثم اعلم أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء [257 أ/4] على التخيير بين الصوم والإفطار بالفدية فقال ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (7895). (¬2) أخرجه البخاري (1915)، والبيهقي في "الكبرى" (7900). (¬3) أخرجه البيهقي في "ألكبرى" (7901).

تعالى: {وَعَلَى اّلَّذِينَ يُطِيقُونِهُ فِدّيَةُ} [البقرة: 184] , وقال تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] , هكذا قاله ابن عباس وسلمه بن لأكوع رضي الله عنهما. وقيل: إن هذا للشيخ الهرم يتخير بين الفطر والفدية, وبين تكلف الصوم ولم يكن القادر مخيراً قط والأول أصح, واعلم أنه نزل فرض صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة لليلتين خلتا منه وفي هذا الشهر فرض استقبال الكعبة واختلف السلف في الأفضل فقال بعضهم: الصلاة هي أفضل من الصيام لتقدم فرضها ومقارنتها للإيمان, وقال آخرون: الصيام أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله: "كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى عليه" (¬1)، وقال آخرون: الصلاة بمكة أفضل من الصيام والصيام بالمدينة أفضل من الصلاة مراعاة لموضع نزول فرضهما فإذا تقرر هذا فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا [257 ب/4] رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان" (¬2)، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬3)، وذكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "جاء رمضان شهر مبارك" (¬4)، قال أصحابنا وجه الجمع بينهما أنه يلفظ بذكر رمضان ولم يعرف به ما يدل على أن المراد به الشهر يكره ذلك, وإذا قرن به ما يدل على أن المراد به الشهر لا يكره ذلك. مسألة: قال (¬5): وَلاَ يُجوزُ لِأَحَدٍ صيامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضان. الفصل وهذا كما قال: نية الصوم شرط في صحته ولا يصح شئ من الصيام من غير نية سواء صام في الحضر أو في السفر وسواء كان صحيحاً أو مريضاً وسواء كان فرضاً أو تطوعاً, وقال زفر: صوم رمضان لا يفتقر إلى النية أصلاً إذا كان متعيناً فإن لم يكن متعيناً مثل أن يكون مريضاً أو مسافراً يفتقر إلى النية [258 أ/4] وكذلك غير صوم عطاء ومجاهد واحتجوا بأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى النية أصلاً كرد المغضوب وهذا غلط, لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" (¬6). ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1904) , ومسلم (161/ 1151) , وأحمد (2/ 228) , والنسائي (4/ 164). (¬2) أخرجه البيهقي (7904) , وابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 187) , وابن أبى حاتم في "العلل" (834) , وابن عدى في "الكامل" (7/ 2517). (¬3) أخرجه البخاري (1901) , ومسلم (175/ 760) , والنسائي (4/ 156) , وابن ماجه (1641) وأحمد (2/ 233 , 241). (¬4) أخرجه أحمد (2/ 230 , 425) , وأورده في إتحاف السادة المتقين (4/ 192). (¬5) انظر الأم (2/ 2). (¬6) أخرجه أحمد (6/ 287) , وأبو داود (2454) , والترمذي (730) , والنسائي (4/ 196) وابن ماجه =.

وروى "لمن لم ينو" وروي "لمن لم يعزم"، وروي "لمن لم يفرض"، وروي "لمن لم يجمع", وروي "لمن لم يبيت"، وروي "لمن لم يورض"" أورده الدار قطنى رحمه الله, والتوريض هو التمهيد, وروي "لا صيام لمن يورضه قبل الفجر" أي: لم يهيئه, يقال أرضت المكان إذا سويته وهيأته, وروت ميمونة بنت سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم" (¬1) ولأنه عبادة لا تصح بعض أنواعه بغير نية فلا يصح شئ منه بغير نية كالصلاة والزكاة, وأما رد المغصوب فمن باب المعاملات لأن باب العبادات بخلاف هذا فافترقا فإذا تقرر هذا فالكلام في وقت النية فالفرض لا يصح إلا بالنية من الليل سواء كان صوم [258 ب/4] رمضان أو قضاء غير رمضان أو صوم نذر أو صوم كفارة, ويه قال مالك وأحمد, وقال أبو حنيفة: صوم رمضان يجوز بالنية قبل الزوال واحتج بأن هذا يدل عن صوم عاشوراء وصوم عاشوراء جاز بالنية قبل الزوال لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالى يوم عاشوراء, وقال: "من أكل منكم فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم" (¬2)، وهذا غلط لما ذكرنا من الأخبار, ولا نسلم أنه بدل عن صوم عاشوراء ولم يكن صوم عاشوراء واجباً قط في قول بعض أصحابنا بدليل أنه قال: "من أكل فليمسك" ولم يأمر بالقضاء ومن أصحابنا من قال: كان واجباً ولكنه وجب في بعض النهار فوجبت النية من ذلك الوقت بخلاف صوم رمضان فإذا تقرر هذا تجب النية لكل يوم ولا تجزيه أن ينوى في أول ليلة رمضان لجميع صوم رمضان, وقال مالك: يجوز ذلك, وروى ذلك عن أحمد واحتجا بأن صوم كل شهر رمضان هو كعبادة واحدة لأن له حرمة واحدة كل يوم هو ركن منها [259 أ/4] وهذا غلط, لأنه صوم يوم مفروض فيفتقر إلى النية من ليلته كاليوم الأول وقولهم إنه كعبادة واحدة غلط, لأن إفساد بعضه لا يفسد الباقي وقد يلزم بعضه دون بعض إذا أسلم الكافر في أثناء شهر رمضان وبلغ الصبي, وأما كيفية النية عندنا صوم الفرض يفتقر إلى تعيين النية ويه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يفتقر صوم رمضان إلى التعيين ولو نوى صوماً مطلقاً يجوز عن صوم رمضان ولو نوى صوم التطوع يقع عن رمضان, وإن نوى صوم القضاء أو صوم ألمذر أو صوم الكفارة وقع ما نوى ويلزمه قضاء رمضان وقال أبو يوسف ومحمد: حكم المسافر حكم المقين ولو نوى النفل في السفر فعن أبى حنيفة روايتان فإذا تقرر هذا فكيفية التعيين قال أبو إسحاق: ينوى أن يصوم غداً عن رمضان صوم الفرض وقيل: هل يلوم أن يقول لله تعالى وجهان, وقال ابن أبى هريرة: لا يحتاج إلى نية الفرض وهذا هو المذهب، لأن صوم رمضان ممن عليه الفرض لا يكون إلا فرضاً [259 ب/4] ¬

_ (¬1) = (1700) , والدارقطني (2/ 172). () ... أخرجه الدارقطني (2/ 173). (¬2) أخرجه البخاري (2007) , ومسلم (136/ 1136).

وهو كالاختلاف في كيفية تعيين نية الصلاة ثم إذا نوى من الليل صحت نيته سواء نوى في أول الليل أ, في أخره, أو فيما بينهما وسواء أكل بعد النية أو جامع أو نام وانتبه بعد ذلك وإذا بقى عليه من الليل قدر النية تعينت عليه كما إذا بقى من وقت الصلاة يتعين فعلها وهذا هو المذهب. ومن أصحابنا من قال: لا تصح النية في النصف الأول من الليل وتصح في النصف الثاني لأن النصف الأول هو تابع لليوم الماضي لا للمستقبل, وحكي عن أبى إسحاق أنه إن نوى ثم أكل بعده أو جامع فسدت نيته وعليه أن يستأنف النية, وحكي عن الاصطخرى أنه لما بلغه عنه هذا قال: استثنيت من قال هذا فإن تاب وإلا قتلته لأنه خلاف الإجماع وهو خلاف نص الشافعي أيضاً لأنه قال: طلع الفجر وفي فيه طعام لفظه فإن ازدراده أفسد صومه, وإن كان مجامعاً أخرجه مكانه ونيته تكون قبل ذلك ولأن الله تعالى قال: {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ} [البقرة: 187] , [260 أ/4] فأباح الأكل إلى أخر الليل, فلو اشترطت النية بعد الطعام لبقى جزء من أجزاء الليل يجب فيه الإمساك والصحيح أن هذا حكي عنه حكايته ولا يوجد ذلك في كتبه وليس بمذهب له وقيل: رجع عنه عام حجته وأشهد على نفسه. فرع لو نوى فكان انتهاء النية مع انتهاء الليل أجزأته وإن كان انتهاء الليل قبل انتهائها مثل إن كان بعضها بعد الفجر وبعضها قبله لم يجزئه, ولو وافقت مع الطلوع حتى وقعت النية والطلوع معاً ولم يفت من النهار جزء لا يجوز لأنه يمضى جزء من النهار عند الطلوع فيكون بغير كمال النية وهذا هو المذهب, وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز لأنه استغرق النهار بالنية والنية والنية تجرى مع أول العبادة وإنما رخص في تقديمها للمشقة, قال القفال: وهذا أقيس. فرع آخر لو قالت الحائض: نويت ان أصوم غداً إن انقطع حيضي فاتفق انقطاعها قبل الفجر فإن لم يكن انضم إلى نيتها ما يدل على انقطاعها لا يجوز, وإن انضم دليل إلى [260 ب/4] نيتها فإن كانت مبتدئة يتم لها خمسة عشر في تلك المدة يصح, وإن كانت معتادةً وهى أخر عادتها فيه وجهان: أحدهما: يجوز لان العادة دلالة, والثاني لا يجوز لأن العادة قد تتغير والأصل بقاء الحيض. فرع آخر لو قام في أخر الليل وقال: أتسحر لأقوى على الصوم فهذا لا يكفي في النية بلا خلاف. فرع آخر إذا كان رمضان في سنة سبعين فقدر أنها سنة تسع وستين أو إحدى وسبعين فنوى

في صومه ذلك لا يصح لأنه ... (¬1) من السنة التي قبلها ولم ينو الصوم الواجب ولو نوى ليلة الثلاثاء أن يصوم غداً واعتقد أنه يوم الاثنين أو يوم الأربعاء فنوى صوم ذلك اليوم قال الثاضى الطبري: الصحيح عندي أنه يصح صومه ولأنه عين صوم الغد وخطأه في اعتقاده أنه يوم أخر لا يضره كما لو نوى أن يصوم غداً من هذه السنة التي هو فيها واعتقد أنها سنة سبعين فكانت سنة إحدى تصح نيته وصومه لأنه عين نيته أن يصوم غداً سنته فكان اعتقاده لغواً كذلك هاهنا وليس كذلك في المسألة المتقدمة، لأنه نوى أ، يصوم غداً [261 أ/4] عن نية ماضية أو مستقبلة ولم ينو عن السنة التي هو فيها فلم يجز, وقال والدي رحمة الله: فيه وجهان, وقال في "الشامل": عندي أنه يجوز هذا أيضاً لأن تعينه الغد هو بمنزلة تعيين هذه السنة. فرع آخر لو كان عليه قضاء أ, ل يوم من رمضان فقال: أصوم قضاء عن اليوم الثاني لا يجوز ذكره القاضي, وأبو حامد من غير خلاف ووجهه أنه نوى غير ما عليه كما لو كانت عليه كفارة اليمين فأعتق عن الظهار ويحتمل وجهاً أخر يجوز لأن تعيين الصوم غير واجب, وقال أبو حنيفة: إن كان عليه قضاء أ, ل يوم نوى قضاء الثاني منه جاز, وإن كان عليه قضاء اليوم الثاني فنوى قضاء اليوم الأول لا يجوز. فرع لو نوى أن يصوم غداً وقال بلسانه إن شاء الله لا يضره لقوله تعالى: {ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 24,23] , وإن نوى ذلك بقلبه لا يضره ذلك أيضا, لأن معناه في نيته أنه يقف فعله على مشيئته وتمكينه وتوفيقه فإن ذكره على وجه الاستثناء والشك فلا يجوز صومه حينئذ, وقال في "الحاوي" (¬2): إن قال: إن [261 ب/4] شاء زيد لم يجز, ولو قال: إن شاء الله فالصحيح أ، هـ لا يجوز, لأ، هـ استثناء يرفع حكم مانيط عليه, ومن أصحابنا من قال: يجوز لان قوله: إن شاء الله قول باللسان فلا يؤثر في اعتقاد القلب وهذا باطل بمشيئة زيد. وربما يقولون: إن الله تعالى شاء صومه لأنه خير وهذا يبطل بما لو قال: أ، ت حر إن شاء الله لا يقع والتحرير خير. فرع لو اعتقد ترك صومه هل يبطل صومه؟ وجهان: احدهما: يبطل صومه وهذا أصح, لأن النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقى بغير نية فبطل لأنه لا يتبعض, والثاني: لا يبطل ويه قال أبو حنيفة: لأ، هـ عبادة تلزم الكفارة بإفسادها فلم تبطل بنية الخروج كالحج وهذا لا يصح لأنه لا يخرج من الحج بالفساد بخلاف الصوم. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أنظر الحاوي للماوردى (3/ 404).

فرع آخر إذا قلنا: يبطل صومه ففي زمان فطره وجهان أحدهما: في الحال, والثاني: إذا مضى من الزمان قدر الأكل أ, الجماع إن نوى تركه بالجماع يفطر وقبله لا يفطر. فرع آخر لو نوى أن يفطر بعد ساعة لم [262 أ/4] يكن مفطراً وكان على صومه وقيل: فيه وجها أخر: ولو نوى أن يكون غير مصلٍ بعد ساعة يحتمل وجهين. فرع آخر لو نوى في صوم النذر نقله إلى صوم الكفارة لا ينتقل إلى الكفارة وهل يبطل أصلاً أو يبقى نافلة؟ فيه قولان ذكره أصحابنا بخراسان. مسألة: قال (¬1): فَأَمَّا التطَوع فَعلاَ بأسَ إِنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُطْعَمْ شَيْئَاً أَنْ يَنْوى الصَّوْم قَبْلَ الزًوَالِ. وهذا كما قال: صوم التطوع يجوز بالنية من النهار ويه قال أحمد وجماعة العلماء, وروى ذلك عن أبى طلحة والأصل أن ينويه من الليل, وقال مالك والمزني وداود: لا يجوز إلا بالنية من الليل, وروى ذلك عن عبد الله بن عمر وجابر بن زيد أبى الشعثاء رضي الله عنهما قال القفال: وهذا أقيس, ولكنا جوزنا للخبر واحتجوا بأن ما بقى من النهار كيف يصير عبادة بنية متأخرة, ولأن محل نية النفل ونية الفرض سواء كما في الصلاة ولأنه أحد طرفي النهار فلا يجوز فيه نية الصوم كما بعد الزوال وهذا غلط لما روى عن عائشة [262 ب/4] رضي الله عنها أنها قالت: دخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هل من غداء" فقلت: لا, فقال: "إني إذا صائم" (¬2) , وروى أنه كان يدخل على أزواجه ويقول ذلك الخبر ولا يجوز أن يقال هذا محمول على أنه أصبح صائماً ثم أفطر إذا وجد طعاماً لأن المداومة على هذا لا تستحب, وفي الخبر كان إخباراً عن المداومة ولأنه لو كان على هذا الوجه لقال: إني إذا لا أفطر إذا تمم الصوم, وروى إني إذا صائم, فلا يحتمل ما قلتم, وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار" (¬3)، ولأنه لا بد من أن يدخل الرخصة في النقل كما في صلاة النفل فإن قيل: قد دخلت الرخصة على أن الكفارة لا تجب بالفطر فيه قلنا: هذا موجود في أكثر الصيام المفروضة من القضاء وصوم النذر والكفارة ولا يختص به التطوع. ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 2). (¬2) أخرجه مسلم (170/ 1154) , وأبو داود (2455) , وأبن حبان (3620) , والدارقطني (2/ 176) , والبيهقى (7913, 7914). (¬3) انظر تذكرة الموضوعات للقيس (1084).

وأما دليلهم الأول قلنا: اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: إذا نوى في النهار يجعل صائما من أ, ل الليل ويثاب على صوم جميع النهار لأنه [263 أ/4] لا يتبعض كمن أدرك الإمام يكون له ثواب كل الركعة وهذا هو المذهب الصحيح. وقال بعضهم: يجعل صائما من وقت النية ويثاب من هذا الوقت وهو اختيار القفال, وقال: هذا هو المذهب, لأن الإمساك عن الطعام لا يصير قربة إلا بالنية, ولا ترجع النية قهقرى ولو أكل في أول النهار ثم نوى الصوم في بقية النهار لا يصح الصوم نص عليه في "الأم", وحكي صاحب "الإفصاح" عن بعض أصحابنا أنه خرج فيه وجهاً أخر: أنه يجوز ويه قال ابن جرير وابن سريج وأبو زيد المروزى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا هو القياس لأنا نجعله صائماً من وقت النية فلا اعتبار بما قبله وهذا غلط, لأن من الشروط أن يكون غير أكل في أ, ل النهار لتتميز العادة عن العبادة, فإن عادة أكثر الناس الغداء والعشاء فترك الأكل شرط وليس ذلك بصوم, وإنما الصوم هو من وقت ما نوى على ما ذكر القفال ويجوز أن يشترط تقدم شرط على وقت العبادة كما لو أدرك [263 ب/4] الجمعة فصلاته من وقت الشروع في الصلاة ويشترط تقدم الخطبة على ذلك الوقت كذلك هاهنا, وأما الصلاة فتؤدى بأفعال فما خلا عن النية لا يكون عمل الصلاة وما ليس بعمل الصلاة هو يفسدها بخلاف الصوم, وألا بعد الزوال قال في حرملة: في أي وقت من النهار نوى الصوم جاز, وقال في القديم والجديد: لا يجوز بالنية بعد الزوال, فالمسألة على قولين والصحيح أنه لا يجوز, ويه قال أبو حنيفة ومحمد لأنه لم يستغرق معظم النهار بالنية بخلاف ماذا نوى قبل الزوال وهذا كما لو أدرك الإمام راكعاً فإنه يصير مدركا للركعة ولو أدرك ساجداً لا يصير مدركاً لفوات المعظم. فرع إذا دخل في الصوم تطوعاً ثم أفطر هل يثاب على ما مضى؟ المذهب أنه لا يثاب لأنه لم يتم العبادة, وحكي عن الشافعي أنه قال: يثاب عليه ..... (¬1) له أجر ما أحتسب. فرع آخر لو نسى النية في صوم رمضان حتى طلع الفجر عليه إمساك بقية نهاره [264 أ/4] وهل يكون صوماً شرعياً؟ قال أبو إسحاق: يكون صوما شرعيا والمذهب أنه لا يكون صوماً شرعياً لا يحتسب به. فرع آخر لو كان كافراً في أول النهار ثم أسلم فنوى الصوم فإن قلنا بالإفساد: لا يجوز, وإن ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

قلنا: الصوم من وقت النية فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه لم يوجد عند الشروع في العبادة ولا بعدها ما يضادها, والثاني: لا يجوز لأنه يشترط خلو أول النهار عما بضاده. مسألة: قال (¬1): وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ رمضانَ حَتّى يَسْتَيْقِنَ أَنّ الهلالَ قَدْ كَانَ. الفصل وهذا هو كما قال: صوم شهر رمضان لا يجب عندنا إلا بأحد شرطين: إما برؤية الهلال, وإما يعد شعبان ثلاثين يوماً, وقيل: إن المزني أخذ ينقله عبارة الاستيقان والشافعي لم يقل ذلك بل قال: حتى يعلك وهذه العبارة هي أصح لأن اليقين هو عبارة عن القطع والتحقيق, وذلك ليس يشرط فيه وجوب الصوم إذ لا يحصل ذلك إلا برؤية كل أحد والعلم يقع ظاهراً وإن لم يكن مقطوعا به ويجب به الصوم [264 ب/4] ويمكن أن تؤول هذه الكلمة بأنه أراد به يقين الشاهد الذي يخبر عنه ولم يُرد في حق كل أحد, وقال بعض العلماء: يجب بهذين الشرطين ويجب بشرط أخر وهو أن يكون عارفا بالنجوم أ, يشهد شاهدان من أهل المعرفة بالنجوم أن الشهر قد دخل, وعندنا أنه لا يقبل قول المنجمين في ذلك بحال, وإن أكثروا والدليل عليه ما احتج الشافعي فقال: قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (¬2): "لا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة", وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقته فيما يقول فقد كفر بما انزل على محمد" (¬3)، فإن احتجوا بقوله تعالى: {وعَلامَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] قلنا: أراد بالاهتداء بالنجم معرفة الطرق والمسالك والبلدان لا ما قلتم وحكي عن بعض الشيعة أنه قال: يعتبر العدد في شهر رمضان ولا يعتبر الهلال وهو غلط ظاهر. مسألة: قال (¬4): وَقَدْ كَانَ ابنُ عُمَرَ يَتَقَدَّمُ الصيامَ [265 أ/4] بيوم. الفصل وهذا كما قال: صوم يوم الشك مكروه سواء صامه عن رمضان أو عن غيره من فرض أو تطوع إلا أن يوافق يوماً جرت العادة منه بصومه فلا يكره ويه قال عمر وعلى وعمارة بن ياسر رضي الله عنهم, والعبى والنخع ومالك والأوزاعى, وروى عن ابن عائشة وأسماء رضي الله عنه أنه إذا كان صحواً يكره, وان كان غيماً لا يكره عن رمضان, ويه قال أحمد وقال الحسن وابن سيرين: الناس في صومهم تبع لإمامهم فإن صامه الإمام ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 2). (¬2) أخرجه أبو داود (2326) , والنسائي (2126) , والبيهقى في "الكبرى" (7951). (¬3) أخرجه أحمد (4/ 68) , والحاكم (1/ 8) , والبيهقى في (16510) (¬4) أنظر الأم (2/ 3).

صاموا, وإن أفطر أفطروا, وروى هذا عن أحمد وعنه رواية ثالثة مثل قولنا. واختلف أصحابنا في قيام ليلة الشك, وقال أبو حنيفة: إن نوى التطوع فيه لا يكره, وإن نوى عن رمضان يكره, ويه قال مالك في رواية وهذا كله غلط, لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: " نهى عن صيام ستة أيام: يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق واليوم [265 ب/4] الذي تشك فيه من رمضان" (¬1)، وروى ربعى بن حراش رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا ثم ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا" (¬2)، وروى عن صلة بن زفر أنه قال كنا عند عمار بن ياسر رضي الله عنه في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فأتى بشاة مصيله فتنحى بعض القوم وقال: أنى صائم, فقال عمارك من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم (¬3)، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقدموا هلال رمضان بيوم ولا يومين إلا ان يوافق صوما كان يصومه أحدكم" (¬4)، وقال سماك: دخلت على عكرمة في يوم وقد أشكل على أمن رمضان هو أم من شعبان فأصبحت صائماً فقلت: إن كان من رمضان لم يسبقني, وان كان من شعبان كان تطوعاً فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزاً وبقلاً ولبناً فقال: هلم إلى الغداء فقلت: إني صائم, فقال أحلفت بالله لتفطرنه قلت: سبحان الله قال: أحلف بالله لتفطرنه [266 أ/4] قال: فلما رأيته لا يستثنى أفطرت قم قلت: هات فقال: ابن عباس يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت بينكم وبينه كآبة أ, غيمة فكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان" (¬5). قال أصحابنا: فإن وافق يوم عادة صومه فصامه عن فرض عليه لا يكره لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعاً له سبب فلئن يجوز الفرض فيه أولى كما في الوقت المنهي عن الصلاة فيه إذا جاز أن يصلى تطوعاً له سبب يجوز الفرض, وقال القاضي الطبارى: يكره ذلك عن فرضه, وقال أيضاً: لو كان عليه يوم من رمضان فقد ضاق وقت القضاء في هذا اليوم فيكره له أن يصوم فيه لأن الفرض به القربة ولا قربة في ذلك, وقال غيره: يجوز هاهنا أن يصومه, وإن لم يكن يوم عادته لأنه ضاق وقت القضاء, وهذا ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 157) , والبيهقى في "الكبرى" (4/ 208). (¬2) أخرجه أبو داود (2326) , والنسائي (2126) , وابن حبان (5/ 190) والبيهقى في "الكبرى" (7950). (¬3) أخرجه أبو داود (2334) , والترمذي (686) , والنسائي (2188) , وابن ماجه (1645) , وابن حبان (5/ 239) , والحاكم (1/ 424) , والدارقطني (2/ 157) , والبيهقى في "الكبرى" (7952) , وفى "الصغرى" (1305). (¬4) أخرجه أحمد (2/ 513) , والدارمى (2/ 4) , والدارقطني (2/ 160). (¬5) أخرجه النسائي (2189) , وابن خزيمة (3/ 204) , وابن حبان (5/ 239) , والحاكم (1/ 424, 425).

أصح عندي, وأما قول الشافعي: كان ابن عمرو رضي الله عنه يتقدم الصيام بيوم قال القفال: لم يُرد به الأخبار عن عادته لأنه نهى عنه [266 ب/4] كما ورد ... (¬1) يخالفه ولكنه روى أنه لما كبر وضعف بصره يبعث من ينظر له الهلال من علمائه وأمنائه إلى الصحراء حتى ينظروا إلى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن رأوه كان يصوم وإن لم يروه, وكانت السماء مصحية أصبح مفطراً وان كانت السماء متغيمة أصبح متلوماً أي: ممسكاً عن المفطرات منتظراً ثبوت رؤية الهلال لئلا يكون اكلأ في شهر رمضان, وان لم يجز صومه والدليل عليه ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: لو صمت الدهر لأفطرت يوم الشك (¬2)، وأيضاً فإنه كان يفطر على هذا الحساب في أخر الشهر إذا تم ثلاثون بل كان يصوم يوماً أخر سوى اليوم الأول وعلى هذا ما رواه الشافعي بعد هذا عن على رضي الله عنه قال: لئن أصوم يوماً من شعبان أحب إلى من أفطر يوماً من رمضان (¬3) أي: لئن أمسك في يوم من شعبان فلا أطعم فيه أحب الى من ذاك واحتج بما روى في خبر ابن عمر رضي الله عنه, وإن كانت السماء متغيمة أصبح صائماً, قلنا: أراد ممسكا أو يحتمل أنه كان ذلك اليوم يوم عادته في الصوم وشاهد [267 أ/4] للراوي يفعل ذلك مرتين على الموافقة فحكي فعله بلفظ كان. فرع لو شرع في صوم يوم الشك هلي ينعقد وجهان والمذهب أنه لا ينعقد. مسألة: قال (¬4): وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الهلالَ رُئيَ قَبْلَ الزَوُالِ أَوْ بَعْدَهُ فهو لِلَّيْلَّةِ المُسْتَقْبِلةِ وَوَجَبَ الصيامُ. يعنى: من الغد وهذا كما قال: إذا أهل الهلال في يوم الشك فهو لليلة المستقبلة دون الماضية سواء كان قبل الزوال أو بعده, وسواء كان في أول رمضان أو في أخره فإن كان في أوله فإنه يصوم من الغد, وإن كان في أخره فالعيد من الغد ويه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد, وقال ابن أبى ليلى وسفيان وأبو يوسف: إن كان قبل الزوال فهو لليلة السالفة, وإن كان في أخره ففيه روايتان إحداهما: الليلة الماضية .... (¬5) الثانية للمستقبلة احتياطياً للصوم, وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" فيجب الصوم عليهم برؤيته, وان ما قبل الزوال هو أقرب الى الماضية وهذا غلط لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن [267 ب/4] بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس ويه قال على بن أبى طالب وابن مسعود رضي الله عنهما ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أخرجه البيهقى في "الكبرى" (7958) (¬3) أخرجه البيهقى في "الكبرى" (7981) , وفى "الصغرى" (81308). (¬4) انظر الأم (2/ 3) ز (¬5) موضع النقط بياض بالأصل.

ولا مخالف لهم وخبرهم يقتضى وجوب الصوم بعد الرؤية وعندهم أنه يصوم جميع اليوم, وأما القرب قلنا: هو في أ, ل النهار أقرب إلى الليلة المستقبلة منه إلى وقت طلوعه من أول الليلة الماضية وما ذكره أحمد من الاحتياط في وجه له لأن هذا ان كان لليلة الماضية ثبت فيها, وان كان للمستقبلة في دليل فيه فلا يحتاط مع عدم الدليل على أنه يبطل به إذا اشتبه الفجر فإنه لا يجب الإمساك احتياطا. مسألة: قال (¬1): وَإِنْ شَهِدَ عَلى رؤيتِهِ عَدْلٌ وَاحِدٌ رَأَيْتُ أن أَقْبَلْهُ لِلأَثَرِ فيهِ والاحتياطِ. ٍ وهذا كما قال: إذا رأى الهلال وحده فإنه يلزمه الصوم لأنه علم قطعا ويقيناً وإذا شهد شاهد واحد قال في "الأم": رأيت أن [268 أ/4] أقبل عدلاً واحداً للأثر والاحتياط وأراد بالأثر خبراً, روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما روى ابن عباس رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إليه من الحرة فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله" قال: نعم, قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم [268 ب/4] .................... (¬2) [269 أ/4] ثم قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غداً" (¬3)، وقال ابن عمر رضي الله عنه: "ترى أي الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنى رأيته فصام وأمر الناس بالصيام" (¬4)، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قبل شهادة الواحد, قال: يكفي المسلمين أحدهم (¬5)، ويه قال على بن أبى طالب رضي الله عنه قالت فاطمة بنت الحسين بن على رضي الله عنه: أن رجلاً شهد عند على رضي الله عنه على هلال رمضان وأراد بالاحتياط قاله على رضي الله عنه, ويه قال ابن المبارك وأحمد وهو الصحيح, وقال في "الويطى": ولا يصام رمضان ولا يفطر منه بأقل من شاهدين حرين مسلمين عدلين فحصل قولان وبهذا قال مالك والأوزاعى والليث وإسحاق واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: صحبنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمنا منهم وأنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا" (¬6) قلنا هذا احتجاج بدليل الخطاب والنطق [269 ب/4] أولى منه فإن قاسوا على هلال الفطر قلنا: قال أبو ثور: يقبل فيه قول الواحد أيضا لأن هذا خبر يستوي فيه المخبر والمخبر فأشبه أخبار الديانات وقيل: هذا قول مخرج ولا يصح وهذا لما روى طاوس قال: شهدت المدينة ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 3). (¬2) هكذا يوجد صفحتان بيضاوان بالمخطوط. (¬3) أخرجه أبو داود (2340) , والترمذي (691) , والنسائي (2112) , وابن ماجه (1652) , والحاكم (1/ 424) , وابن حبان (5/ 187). (¬4) أخرجه أبو داود (2342) , والدارقطني (2/ 156) , والحاكم (1/ 423) , وابن حبان (3438) , والبيهقى في "الكبرى" (7978). (¬5) أخرجه البيهقى في "الكبرى" (7979). (¬6) أخرجه أحمد (4/ 321) , وأبو داود (2338) , والنسائي (2116).

وبها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما فجاء رجل إلى واليها فشهد عنده على هلال رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته [فأمره] أن يجيزه وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلا رمضان، قالا: وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين (¬1)، فنقول: السنة فرقت بينهما ولأن الاحتياط للصوم في كل واحد من الموضعين يفرق بينهما. وقال أبو حنيفة: بين أول الشهر وآخره، فإن كانت السماء متغيمة فإنه يقبل فيه شهادة واحد، وإن كانت السماء مصحية فلابد من الاستعاضة وقد يحصل ذلك بالخمسين في البلد الكبير مثل مصر وبغداد. واحتج بأنه يجوز أن ينظر الجمع الكثير والجمع الغفير إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة والموانع مرتفعة فيراه واحد ولا يراه الباقون. قلنا [270 أ/4] يجوز هذا مع لطافة المرئي وبعده ويحتمل أن يختلف موضع قصدهم ولهذا لو حكم برؤيته حاكم بشهادة واحد جاز ولو حكم على ما قلتم لما صح فيه حكم الحاكم فإذا قلنا: بالمذهب اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: لو شهد عبد أو امرأة فإنه يقبل لأن طريقه طريق الخبر دون الشهادة بدليل سقوط العدد فيه وبه قال أبو حنيفة، وقال سائر أصحابنا، لا يقبل وهو المذهب ونص عليه في "الأم". ونص أيضًا على أنه يعتبر أن يقيد لفظه بلفظ الشهادة حتى يقبل منه، ولو جرى مجرى الخبر للزم فيه قبول قول واحد عن الواحد فيقول أخبرني فلان عن فلان. وقيل: لا يعتبر فيه لفظ الشهادة من وجه ولا شك أنه يعتبر فيه العدالة. وقال بعض أهل خراسان: لا تعتبر العدالة الباطنة فيه. وهو غلط، وإذا قلنا بالقول الثاني وهو القياس كما قال، والقياس أن لا يقبل على مغيب أي على أمر خفي إلا شاهدان، وأراد به القياس على هلال شوال لا يقبل إلا ذكرين حرين بالغين عاقلين مسلمين بلا إشكال، فإن قيل: كيف قال الشافعي: "يصوم بشهادة الواحد للاحتياط" [270 ب/4] وليس من الاحتياط يجري يوم الشك للصوم، قلنا: هذا سؤال من لا يعرف صوم يوم الشك وذلك أن الشاهد الواحد متى شهد فقد خرج اليوم عن حد الشك إلى حد الاحتياط أو حد الوجوب، وكذلك إذا كانت السماء كلها متغيمة فاليوم ليس بيوم الشك، فأما إذا كانت السماء قطع سحاب متفرّع بحيث يحتمل الرؤية في مكان وإن تعذرت في مكان، ولم يشهد على رؤية الهلال شاهد فمن أصبح في هذا اليوم كرهنا له الصوم لأنه صبيحة يوم الشك، وقال القفال: صورة يوم الشك أن يقول بعض الناس رئي الهلال ولا يقول عدل منهم: أنا رأيت وسواء ذكر الفساق ذلك أو الصبيان أو الكفار فإن قيل: ظاهر ما حكي عن علي رضي الله عنه يوهم أنه كان يستحب صوم يوم الشك، قلنا: ليس كذلك بل الظن بعلي رضي الله عنه أنه لا يخالف السنة، وقد قال عمران بن الحصين رضي الله عنه يوم الشك: "من صام هذا اليوم فقد عصى أبا ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 156)، والبيهقي في "الكبرى" (7980).

القاسم" والمراد بما ذكرنا ما قدمنا إذا شهد واحد وإذا شهد واحد خرج اليوم عن الشك ولو أراد المزني [271 أ/4] قطع هذا الإشكال في اختصاره لأمكنه ذلك بحذف الواو من قوله: وقال علي، ورواه عن علي لئن أصوم يومًا من شعبان فيكون معناه، ورواه الشافعي كما روينا ثم نختصر من تلك القصة قول علي فلما أدخل الواو أوهم أن قول علي منفصل عن رواية الشافعي وروايته منفصلة عن قوله فيفهم. فرع قال في "الأم" (¬1): لو غُمَّ الشهران معًا فصاموا ثلاثين ثم جاءتهم البينة بأن شعبان قبل صومهم بيوم قضوا يومًا لأنهم قد أفطروا أول يوم من رمضان، وإن جاءتهم البينة بأنهم صاموا يوم الفطر أفطروا أية ساعة منه وصلوا العيد. فرع آخر الشاهد الواحد إذا شهد بإسلام ذمي لا يقبل في الإرث وهل يقبل في حكم الصلاة عليه وجهان بناء على هلال رمضان ووجه المقاربة أنها شهادة تقتضي إيجاب عبادة. فرع آخر لو صاموا بشاهدين فعدوا ثلاثين ولم يروا الهلال وكانت السماء مصحية كان لهم الفطر نص عليه في "الأم"، و"أمالي حرملة"، وقال ابن الحداد في تفريعه: لا يجوز لهم الفطر لأن عدم الهلال [271 ب/4] يقين والحكم بشهادة شاهدين مظنون واليقين مقدم على المظنون وهذا خطأ في المذهب وقوله: أنه من تفريعه خطأ أيضًا لأن الشافعي نص عليه وما قاله مذهب مالك والدليل عليه أنه لو شهد الآية برؤيته جاز الفطر فجاز الفطر أيضًا بناء على شهادتهما وإذا جاز أن يراه الواحد والاثنان دون غيرهما جاز أن لا يراه الجماعة فلا يتحقق كذلك الشاهدين. فرع آخر لو صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا وكانت السماء متغيمة فلم يروا الهلال نص في "الأم" (¬2): أنهم يفطرون وبه قال أبو حنيفة، ومن أصحابنا من قال: وبه قال محمد يصومون يومًا آخر لأنهم لو أفطروا كان إفطارًا بشهادة واحد وهو غلط، لأن الإفطار يثبت على طريق التبع كشهادة النساء تثبت الولادة ثم يثبت الميراث والنسب تبعًا. فرع آخر إذا رأى الهلال أهلّ بلد دون أهل بلد آخر نظرت فإن كان البلدان بينهما مسافة قريبة لا يختلف المطلع لأجلها كبغداد والبصرة تجب على أهل البلد الآخر برؤيتهم الصوم، وإن كان البلدان [272 أ/4] متباينين كالعراق والحجاز أو الشام وخراسان قال أبو حامد: لا يلزم أهل أحدهما رؤية أهل الآخر لأن الهلال يجوز أن يهل في إقليمه ولا ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 82). (¬2) انظر الأم (2/ 82).

يهل في إقليم آخر واختاره القاضي أبو حامد والدليل عليه ما روي عن كريب مولى ابن عباس رضي الله عنه قال: بعثني أم الفضل بنت الحارث إلى الشام في حاجة عرضت لها عند معاوية رضي الله عنه فرأى الناس الهلال ليلة الجمعة وصاموا وصمت فرجعت إلى المدينة فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة فقال: أما نحن فقد رأينا ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو ستكمل العدة ثلاثين فقلت: أما يكفيك رؤية أمير المؤمنين والناس فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أصحابنا: يحتمل أنه كان عنده نص في ذلك ويحتمل أنه أراد به قوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته" وبهذا قال أبو حنيفة. قال أبو حامد: وحكي لي ثقة أن من البلاد ما لا يزيد الليل فيه عن النهار ومنها ما تكون الشمس طالعة فيه ولا تكون في غيره فإذا كان [272 ب/4] كذلك كان لكل بلد طلوع نفسه وغروب نفسه ورؤية نفسه، وقال القاضي الطبري وجماعة: هذا غلط، وإذا رآه في بلد وجب على أهل سائر البلاد الصوم وحكي هذا عن أحمد لأن الأرض مسطحة مبسوطة فإذا رُئي في بلد عرفنا أن المانع في بلد آخر عارض يمنع الرؤية لأن الهلال لم يستهل والأول أظهر عندي فإذا قلنا بهذا فلو رأى الهلال ليلة السبت فحكمه حكم البلد الذي انتقل إليه وليس له أن يفطر قبلهم لما روي في حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه أمر كريبًا أن لا يفطر وأن يقتدي بأهل المدينة ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل فيه وجهان، والأصح أنه لا يفطر لئلا يخالف أهل تلك البلدة وذكروا أيضًا أنه يعتبر القرب والبعد بمسافة القصر في هذا الحكم وهو غلط، بل الاعتبار في أحد الوجهين بالإقليمين. فرع آخر لو أن واحدًا من أهل البلد الذي لم يرقبه الهلال سافر إلى البلدة التي رأوا فيها الهلال ثم هم أفطروا في آخر الشهر فإن أفطروا برؤية الهلال أفطر معهم [273 أ/4] وإن أفطروا بكمال العدد ثلاثين يومًا فإن قلنا: حكمهم يلزمهم أهل البلاد يفطر معهم لا يلزم فيه وجهان على عكس المسألة الأولى، فإن قلنا: هناك لا يفطر تبعًا لأهل البلدة التي هو فيها فهاهنا يفطر، وإن قلنا: هناك يفطر لاعتبار حكم البلدة التي سافر عنها فهاهنا لا يباح له الفطر حتى يرى الهلال أو يكمل العدد. مسألة: قَالَ (¬1): وَمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا من جِمَاعٍ أَوِ احْتِلاَمٍ. الفصل وهذا كما قال: إذا جامع بالليل وأصبح وهو جنب لم يضر صومه، وكذلك إذا احتلم في النهار اغتسل وأتمّ صومه، وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 4).

وعائشة وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وأبو ذر رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يفطرون الصائم الحجامة والقيء والاحتلام" (¬1) وكذلك الحائض إذا طهرت قبل الفجر ولم تغتسل حتى أصبحت صح صومها وليس من شرط الصوم الطهارة لا من الحدث ولا من الجنابة ولا من الحيض وحكي عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله والحسن بن صالح بن حي يبطل صومه إذا أصبح جنبًا من جماع وبه قال [273 ب/4] الشيعة، وقال طاوس وعروة: إن كان علم بجنابته ففرط في الاغتسال حتى أصبح لم يصح صومه، وإن لم يعلم حتى أصبح لم يجب قضاؤه وقال النخعي يجزيه في التطوع ويقضي في الفريضة، واجتجوا بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أصبح جنبًا فلا صوم له" (¬2) وهذا غلط لما روي خبر عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله يصبح جنبًا من جماع (¬3)، ثم يصوم" أي: كان لا يحتلم فإن الأنبياء لا يحتلمون. وأما خبر أبي هريرة قلنا: روي أن عائشة لما روت هذا الخبر رجع أبو هريرة وقال: أخبرني به الفضل بن عباس وروي أن عيسى بن أبان طعن فيه وقال: روى أبو هريرة خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما روجع فيه أحال به على ميت يعني على الفضل، فإنه كان يومئذٍ ميتًا وهذا الطعن فيه أحق لأنه ثبت كثير من أحكام الشرع برواية أبي هريرة ولم يقل هو سمعت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكون بقوله سمعت الفضل مناقضًا للأول بل قال: من أصبح جنبًا أفطر قاله محمد ورب الكعبة [274 أ/4] وهذا يحتمل أنه ذكر ذلك برواية الفضل، وروي عن جابر رضي الله عنه قال: ليس كل ما يروى سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن سمع بعضنا بعضًا ونحن لا نكذب وروي أن مروان بعث إلى أبى هريرة أن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم فقال: "أهما قالتاه، قال: نعم، قال: فهما أعلم" (¬4) ويحتمل أنه منسوخ فإن الخبرين إذا تعارضا ولم يعلم التاريخ ورأينا الصحابة تلقوا أحدهما بالقبول وعملوا به دل على أنه ناسخ للحديث الآخر الذي تركوه أو يكون تأويله من أصبح مجامعًا أفطر وقد يسمى الشيء باسم ما هو سبب فسمى الجماع جنابة وهذا بعيد. مسألة: قال (¬5): وَإنْ كَانَ يَرَى الفَجْرَ لَمْ يَجِبْ وَقَدْ وَجَبَ أَوْ يَرَى أنَّ اللَّيْلَ قَدْ وَجَبَ وَلَمْ يَجِبْ أعاد. وهذا كما قال: إذا أكل ظانًا أن الشمس قد غربت ولم تكن قد غربت يلزمه القضاء بلا خلاف على المذهب، وبه قال عامة الفقهاء، وقال إسحاق وأهل الظاهر: لا قضاء ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي (719)، والدارقطني (2/ 183)، والبيهقي في "الكبرى" (8033). (¬2) أخرجه البخاري (1925)، ومسلم (75/ 1109). (¬3) أخرجه البخاري (1926)، ومسلم (78/ 1109). (¬4) أخرجه البخاري (1925)، ومسلم (75/ 1109). (¬5) انظر الأم (2/ 4).

عليه ويمسكوا بقية [274 ب/4] النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وعطاء وعروة واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: كنت جالسًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنا فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة فعجل الناس يقولون: تقضي يومًا مكانه فقال عمر: والله لا نقضيه ما تجانفنا الإثم (¬1)، ولأنه بمنزلة الناسي لأنه أكل وعنده أنه غير صائم وهذا غلط، لما روي أبو أسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا يومًا في رمضان في غيم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة: قلت لهشام: أمروا بالقضاء قال: وبد من ذلك أورده أبو داود في سننه وروي أصحابنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء وأما خبر عمر قلنا: روى حنظلة قال كنا بالمدينة في شهر رمضان وفي السماء شيء من السحاب فظننا أن الشمس قد غابت فأفطر [275 أ/4] الناس فأمر عمر رضي الله عنه من كان قد أفطر أن يصوم يومًا مكانه، وروي مالك في الموطأ أنه قال: الخطب يسير وقد اجتهدنا قال مالك: أراد به حقه وجوب القضاء، وروي أصحابنا أنه قال: الخطب يسير يقضي يومًا مكانه، وأما الناسي فلا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيًا وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس فالنسيان خطأ في الفعل، وهذا خطأ في الوقت، والتحرز منه ممكن، وقال القفال: أما في آخر النهار فيلزمه القضاء بلا خلاف، وأما في أول النهار فقد نقل المزني أنه يقضي، وما نقله ليس هو من لفظ الشافعي بل لفظه واجب تأخير السحور فإذا صار إلى وقت يخشي طلوع الفجر أمسك وأحب تعجيل الفطر فإن خاف أن يكون النهار باقيًا أمسك فإن أفطر فبان أن النهار كان باقيًا فعليه القضاء ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه، فمن أصحابنا من صوّب المزني في هذا التخريج وسوى بين أول النهار وآخره، وقال: لعل المزني سمعه منه، ومن أصحابنا من غلط المزني وقال: في أول النهار [275 ب/4] لا يبطل صومه وبه قال مجاهد وهو اختيار المزني لأن الأصل بقاء الليل فهو معذور وفي آخر النهار الأصل بقاء النهار فعليه أن يحتاط ويؤخر فإذا لم يفعل أفطر ولم يساعده على هذا أحد من أهل العراق. مسألة: قَالَ (¬2): وَإِنْ طَلَعَ الفَجْرُ وَفِيْ فِيهِ طَعَام لَفَظَهُ فإنْ ازدَرَدَهُ أَفْسَدَ صَوْمَهُ. وهذا كما قال: العرب تسمي فجر الصبح خيطًا كما قال الله عز وجل فاعلم أنه يدخل في الصوم بطلوع الفجر ويخرج منه بغروب الشمس لما روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغابت الشمس ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8012)، وفي "معرفة السنن" (2473). (¬2) انظر الأم (2/ 5).

من هاهنا فقد أفطر الصائم" (¬1) ويجوز أن يأكل ويشرب ويباشر إلى طلوع الفجر لقوله تعالى: {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وإذا طلع الفجر وفي فيه طعام أخرجه كما طلع الفجر فإن ازدرده أي: ابتلعه بعد طلوع الفجر أفسد صومه إذا كان ذاكرًا للصوم، وحكي عن ابن سريج وأبي إسحاق أنهما قالا: هذه [276 أ/4] المسألة لا تتصور إلا في رجل كان على سطح أو ربوة من الأرض يراقب الفجر فانشق عموده وفي فيه بقايا طعامه لفظها وصح صومه، وأما إن كان مطلع الفجر متواريًا عن بصره يستره حائل يأكل حتى يخبر بطلوع الفجر فعليه قضاء اليوم لا ينفعه أن يلفظ ما في فيه عند اتصال الخبر به لأن الطعام لا محالة قد وصل إلى جوفه بطلوع أوائل الفجر إلى أن يسمع الخبر اللهم إلا أن يتصور إمساك لقمة في الفم قبل طلوع الفجر واتصال الخبر به قبل ازدراد شيء مها فيلفظها بجملتها بعد طلوع الفجر إن تصور ذلك. فرع لو طلع الفجر وفي فيه طعام فسبقه الطعام ودخل جوفه من غير اختيار لازدراده وهو ذاكر لصومه هل يفطر؟ وجهان مخرجان من المضمضة إذا شق منها الماء وأصحهما أن عليه القضاء. مسألة: قال (¬2): وَإِنْ كَانَ مُجَامِعًَا أخْرَجَهُ مَكَانَهُ. وهذا كما قال: إذا أولج قبل طلوع الفجر فوافاه الفجر مجامعًا نظر فإن وقع النزع والطلوع معًا بأن كان الفجر يطلع وهو شرع لم يقدح ذلك في صومه وإنما يتصور ذلك على [276 ب/4] ما صوره أبو إسحاق وابن سريج قال ابن سريج: وسواء أنزل في حال الإخراج أو لم ينزل لم يفسد صومه لأنه متولد من مباح، وقال مالك وأحمد وزفر والمزني: يفسد صومه، وعن أحمد أنه يلزمه الكفارة أيضًا، واحتجوا بأن النزع هو جماع يلتذ به كما يلتذ بالإيلاج فيفسده وهذا غلط، لأن النزع ترك الجماع وترك الفعل ليس بفعل، ألا ترى أنه لو حلف أنه لا يلبس ثوبًا وهو لابسه فنزع في الحال لا يحنث، وأما الالتذاذ فلا يتعلق به الفساد بل يتعلق بالوطئ وهذا ليس بوطء ولهذا لا يتعلق بالمباشرة دون الفرج إذا لم ينزل وإن التذ. مسألة: قال (¬3): فَإِنْ مَكَثَ شَيْئًَا أَوْ تَحَرَكَ لِغَيْرِ إِخْرَاجِه أَفْسَدَ صَوْمَهُ وَقَضَى وكفَّرَ. وهذا كما قال: إذا مكث على الجماع كما ذكرنا مع العلم والقدرة على إخراجه أو تحرك لغير إخراجه فسد صومه وعليه القضاء والكفارة وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والمزني: يجب القضاء ولا كفارة وذكره والدي رحمه الله عن بعض أصحابنا ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (3/ 46)، ومسلم (862)، والترمذي (698)، وأحمد (1/ 35)، والدرامي (2/ 7)، والحميدي (20). (¬2) انظر الأم (2/ 5). (¬3) انظر الأم (2/ 5).

وهذا غلط لأنه مع الانعقاد بالجماع فصار كما لو أفسد بالجماع [277 أ/4] ولو كان جاهلًا بطلوع الفجر فلا كفارة وعليه القضاء وإن مكث بعد ذلك متعمدًا وليس على قولنا جماع يمنع صحة الصوم ولا كفارة إلا هذا واختلف أصحابنا إذا مكث متعمدًا فمنهم من قال: لم ينعقد صومه أصلًا والكفارة تجب بمنع الانعقاد بالجماع ومنهم من قال: انعقد صومه ثم فسد إذا أحرم مجامعًا انعقد ثم فسد والأول أولى عندي وقال الإمام أبو محمد الجويني: لو اشتغل عند الطلوع بالإخراج ولكن قصد بالحركة للإخراج طلب اللذة صار كالمكث على الجماع لأن اللذة تلتمس بالإيلاج مرة وبالإخراج أخرى فليكن قصده ترك الجماع لا يشوبه ابتغاء اللذة حتى لا يبطل صومه. فرع لو طلع الفجر وهو مجامع وظن أن صومه قد بطل وإن أقلع فمكث ممسكًا عن خراجه يلزمه القضاء ولا كفارة لأنه غير قاصد لهتك الحرمة ذكره في "الحاوي" (¬1)، فإن قيل: أليس إذا قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا فوطئها طلقت ثلاثًا وإن مكث مع القدرة عن النزول عنها لا يجب الحد ولا المهر فما الفرق؟ قلنا: اختلف أصحابنا فيه فقال صاحب "الإفصاح" [277 أ/4] لا نص فيه للشافعي والذي يقتضيه نصه في كتاب الصوم أنه يلزمه الحد إذا كان عالمًا بتحريمها فإن لم يكن عالمًا فلا حد ويلزمه مهر مثلها فلا سؤال ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الحد ولا المهر لأن الشافعي قال في كتاب الإيلاء: ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثًا فإذا غابت الحشفة طلقت ثلاثًا فإن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها فاشترط أن يخرج ثم يدخل فدل على أنه إذا مكث أو تحرك لغير إخراجه لا شيء عليه والفرق أن في الصوم لم يتعلق بابتداء الوطئ غرم لأنه كان قبل طلوع الفجر فجاز أن يتعلق باستدامته بعده غرم وفي الإيلاء يتعلق بابتدائه غرم وهو البينونة واستقرار المهر المسمى فلم يتعلق باستدامته بعده بشيء. مسألة: قال (¬2): وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أسْنَانِهِ مَا يَجْرِيْ بِهِ الرَّيقُ. وَلاَ يُمْكِن الاحترازُ مِنْهُ لا يفطر، وإن كانت جسمًا يقدر على لفظه من فيه وإلقائه عنه فازدرده أفطره. وبه قال أحمد، ومن أصحابنا من قال فيما يجري به الريق نقل الربيع أنه يفطر ففيه قولان وهذا لا يصح [278 أ/4] وقد بينه الشافعي في "الأم" على ما ذكرنا فالنصان على حالين ولا معنى لتخريج القولين فيه. وقال القفال: أراد إذا جرى به الريق من غير قصد فإن قصد ابتلاعه وأمكنه دفعه عن أن يجري به الريق فلم يفعل بطل صومه وصغره لا يكون عذرًا خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إن كان قدر سمسمة فابتلعه عمدًا لا يفطره لأن الاحتراز عنه مثله لا يمكن وهذا لا يصح، لأنه إذا لم يمكنه الاحتراز يكون معذورًا عندنا أيضًا وكلامنا إذا أمكن ذلك وفسّره الربيع على هذا الوجه الذي حكاه القفال ولو صح فقال: إن تعمد ازدراده فطر. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 417). (¬2) انظر الأم (2/ 5).

فرع آخر في الريق والنخامة إذا بلع الريق الذي يجتمع في فيه على العادة لا يفطره لأنه يمكنه الاحتراز منه فإن الريق لو انقطع جف حلقه وفسد وإن بزق في كمه ثم أخذه وبلعه فطره، وهكذا إذا أخذه بإصبعه ثم رده إلى فمه وبلعه فطره وهكذا لو رمى به فتدلى من فيه ثم رده وبلعه فطره ولو جمع الريق في فمه حتى كثر ثم بلغ فيه، وجهان: أحدهما: يفطره لأنه خرج عن العادة ويمكنه الاحتراز منه [278 ب/4]. والثاني: لا يفطره وهو الأصح لأنه لم يفارق محله ولم يوجد منه غير الجمع ومجرده لا يوجب الفطر ولو أخرج لسانه وعلى رأسه ريق ثم رده إلى فمه لا يفطره لأنه لم يفارق محله ولو مص ريق غيره وبلعه فطره فإن قيل: "روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها" (¬1) قلنا: يحتمل أن يكون مص اللسان في غير الصوم ويحتمل أنه لم يبتلغ فإن مجرد المص لا يفطره قد جرت عادة الخياطين أنهم يبلون الخيط بالريق ثم يردون الخيط إلى الفم ويفتلون فإن لم يكن على الخيط من الرطوبة ما ينفصل عنه لا يبطل صومه بلا خلاف، فإن كانت تنفصل عنه فابتلعها عالمًا أنه يبطل الصوم بطل صومه وإن كان جاهلًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يبطل صومه لأن مثل هذا يخفي ويشتبه على العوام. والثاني: يبطل صومه لأنه علم أن الواصل إلى الجوف مبطل للصوم وإذا علم ذلك كان من سبيله أن يحترز عن كل واصل إلى الجوف فإذا لم يحترز بطل صومه ولو أخرج البلغم من صدره إلى فيه ثم بلعه فطره قاله صاحب [279 أ/4] "الإفصاح" وغيره لأنه كالقيء وعلى هذا لو جذبه من رأسه فدخل في فيه ثم بلعه يجب أن يفطره قولًا واحدًا ذكره القاضي الطبري، وقال في "الحاوي" (¬2):فيه وجهان والصحيح أنه إذا أخرجه من حلقه أو دماغه لم يفطره كالريق ولو لم يحصل في فيه ولكن وصل إلى حلقه ومن هناك نزل إلى جوفه لا يفطره عندي لأنه نزل من الجوف إلى الجوف. مسألة: قال (¬3): وَإِنْ تَقَيَأَ عَامِدًا أَفْطَر، وَإِنْ ذَرَعَهُ القَيءُ لَمْ يُفْطِرْ. وهذا كما قال: إذا تقيأ عامدًا أفطر وعليه القضاء ولا كفارة كما لو أكل عامدًا، وإن غلبه القيء لم يفطره كما لو كان ناسيًا وقال ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: القيء لا يفطر بحال، وقال عطاء وأبو ثور: إن تعمد يلزمه القضاء والكفارة وبقولنا قال مالك وأبو حنيفة، وروي ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهما والدليل عليه ما روى محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فليقض" (¬4). واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُفطر من ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (2386). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 419). (¬3) انظر الأم (2/ 9). (¬4) أخرجه أبو داود (2380)، والترمذي (720)، والنسائي (3130)، وابن ماجه (1676)، وابن حبان =

قاء [270 ب/4] أو احتجم أو احتلم" (¬1). قلنا: أراد به إذا ذرعه القيء بدليل خبرنا وحكي عن الحسن البصري أنه قال في رواية يفطره، وإن غلبه وهو خطأ لما ذكرنا. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفطر فقال ثوبان: صدق أنا صببت له الوضوء (¬2). وذكر المزني واحتج في ذلك بابن عمر وفي بعض نسخ المزني وقد رويناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ذلك مرفوعًا من رواية أبى هريرة على ما ذكرنا واختلف أصحابنا إذا تعمد القيء كيف يفطر فمنهم من قال: إنما يفطر لأنه لا يقيء أحد إلا ويترادّ منه شيء إلى جوفه ولولا ذلك لم يفطره لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: الصوم مما دخل والوضوء مما خرج ومنهم من لا يعتبر ذلك لأنه لو قاء منكسًا رأسه بحيث يعلم أنه لم يرجع إلى جوفه شيء يفطره وهذا أصح فإذا تقرر هذا قال المزني بعد هذا أقرب ما يحضر لي للشافعي فيما يجري به الريق أنه لا يفطره ما غلب الناس من الغبار في الطريق وغربلة الدقيق وهدم الرجل الدار وفي نسخة الجدار وما يتطاير من ذلك وفي نسخة وما يتكاثر من ذلك أي: يغلب بالكثرة [280 أ/4] في العيون والأنوف والأفواه فيصل إلى الحلق حتى يتنخمه فيدخل في فيه أي: فيجد لونه في نخامته التي يخرجها من فيه فيشبه ما قال الشافعي في قلة ما يجري به الريق، والأمر على ما ذكر وهذه الجملة هي تشتمل على خمس مسائل إحداها: أن الرجل إذا مشى في طريق وهو صائم فيصعد غبار الطريق إلى جوف رأسه أو ينزل إلى أقصى حلقه لم يبطل صومه لأنه مغلوب به، والثانية: لو غربل دقيقًا كان كالغبار ولو غربل الدقيق وفتح فاه عمدًا حتى وصل إلى جوفه فيه وجهان كمن تعمد جمع الريق وبلعه، والثالثة: لو لم يلتئم عند الهدم حتى وصل التراب إلى الجوف لم يضره، والرابعة: أن العين والأنف والفم في هذه المسائل فلا يفسد صومه ما يصل من هذه السبل إلى الجوف، والخامسة: أن الصائم إذا تنخم فانقلعت النخامة وخرجت إلى فيه وهو غير قاصد لم يفسد صومه، وإن كان قاصدًا قلعها عن حد الباطن بالتنخم اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا يفسد صومه وهو ظاهر كلام المزني واختياره، ومنهم من قال: يفسد صومه كما لو قصد الاستقاءة ولا فرق إذ لا فرق في الاستقاءة بين قلع الشيء من المعدة وبين قلعه من الصدر فإن كل ذلك جوف وإن كانت [280 ب/4] به سلعة فانقلعت النخامة من غير قصده فهو كمن ذرعه القيء وهذا هو القياس الواضح ذكره أصحابنا بخراسان، وقيل: جملة هذا هو أن الفم يقع الفطر بالواصل إلى الجوف منه ¬

_ (¬1) = (3509)، والدارقطني (2/ 184)، والحاكم (1/ 427). () أخرجه أبو داود (2376)، وعبد الرزاق في "المصنف" (7538، 7538)، والبيهقي في "الكبرى" (8033)، وفي معرفة السنن" (2476). (¬2) أخرجه أحمد (5/ 195)، وأبو داود (2381)، والترمذي (793)، والنسائي (3123)، والدارقطني (2/ 181)، والحاكم (1/ 426).

والخارج إليه، وكذلك القبل من الرجل والمرأة يقع الفطر بالداخل فيه والخارج منه، وأما الدبر فإنه يقع الفطر بالداخل فيه دون الخارج منه، وكذلك الأنف والأذن، وأما العين فلا يقع الفطر بالداخل فيها ولا الخارج منها، وقال أبو حامد: أخطأ المزني في "المختصر" حيث عد العين من جملة منافذ البدن وشبهها بالأفواه والأنوف وعلى هذا لو تثاءب إنسان إلى فوق فقطرت في حلقه قطرة ماء المطر لا يفطره كالذباب سواء ولو صب في حلقه ماء وهو نائم أو حبر مكرهًا أو وطئت نائمة مكرهة لا يفطره، وقال أبو حنيفة: يفطره كلها وهذا غلط، لأنه مغلوب عليه فأشبه ما ذكرنا ولو أكره وخوف بالسيف حتى شرب أو أكل بنفسه فيه قولان أحدهما: لا يفطره وهو المذهب الصحيح لأن هذا أشد من عذر النسيان، والثاني: يفطر لأن التناول حصل بفعله. فرع لو أعمي عليه فعولج بدواء يصل إلى جوفه قال القفال: فيه وجهان [281،4] أحدهما: لا يفطره كما لو أولج لغير علة، والثاني: يفطره لأنه فعل لمصلحته فصار ما لو باشر باختياره وهكذا المحرم إذا أغمي عليه فعولج بدواء فيه طيب هل يلزم الفدية على المداوي فيه وجهان. مسألة: قال (¬1): وَإِنْ أَصْبَحَ لاَ يُرَى أَنَّ يَوْمهُ مِنُ رَمَضَانَ وَلَمْ يُطُعَمْ ثُمَّ اسَتَبانَ. الفصل وهذا كما قال: إذا أصبح يوم الثلاثين من شعبان وهو يراه من شعبان ولم ينو الصوم من الليل ثم بان في أثناء النهار أنه من رمضان فإن قامت البينة فلزمه إمساك لحرمة الوقت كما لو نوى الصوم ثم أفسده بالجماع أو بالأكل فإنه يلزمه إمساك البقية ويفارق هذا الحائض إذا طهرت في بعض النهار لا يلزمها إمساك بقية النهار، لأنا أبحنا لها أن تأكل مع علمها بأنه يوم من رمضان فجازت لها الاستدامة على الأكل وهاهنا لا يجوز به أن يأكل الطعام مع العلم بالحال، وإنما أبحنا على أنه ليس من رمضان فإذا بان ذلك حرمنا عليه الأكل ومن أصحابنا من قال: هل يلزم الإمساك في المسألة الأولى [281 ب/4] قولان أحدهما: لا يلزمه الإمساك لأنه قال في البويطي: أحببت له أن يمسك لأنه أبيح له الفطر فلا يلزمه الإمساك بعده ولا فرق بين أن يكون أكل أو لم يأكل وإنما صور الشافعي المسألة فيمن لم يطعم لقصد الخلاف مع أبي حنيفة، فإنه يقول: إذا لم يطعم ونوى الصوم قبل الزوال يجوز صومه لا لأن وجوب الإمساك يختلف بذلك عندنا، وإذا أمسك على ما ذكرنا يلزمه القضاء لأنه لم ينعقد الصوم وهل يثاب عليه فيه وجهان: أحدهما: لا يثاب عليه لأنه لا يعتد به كما لو أكل متعمدًا ثم أمسك في الباقي. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 6).

والثاني: يثاب عليه وهو الصحيح لأنه لو تركه استحق العقاب وهو مطيع بإتيانه فإذا أتى به يثاب عليه، وإن لم يكن ثواب الصوم وقال أبو حامد: قال أبو إسحاق: يكون صائمًا صومًا شرعيًا لأنه لا يجوز في شهر رمضان أن يصوم غير رمضان وهذا أصح، ولأنه لا يجوز أن يقع نقلًا في رمضان ونحن نوجبه عليه فهذه العبارة خطأ فينبغي أن يعتبر بما ذكرنا. مسألة: قال: (¬1): وَإِنْ نَوَى أَنْ يَصُومَ غَدًا فَإِنْ كَانَ أَوَّلَ الشهرِ فَهْوَ فَرْضٌ وَإِلاَّ فَهْوَ تَطَوُّعٌ. الفصل [282 أ/4] وهذا كما قال: إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان ولم يثبت رؤية هلال رمضان فنوى أن يصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان وإن لم يكن من رمضان فهو تطوع فكان من رمضان لا يجوز لأن الأصل بقاء شعبان ودخول رمضان مشكوك فيه فلا يصح الدخول في العبادة بالشك، وإن كان ذلك في آخر رمضان فإنه يجزيه أن يقول أصوم غدًا من رمضان إن كان من رمضان فإن لم يكن من رمضان فأفطر لأن الأصل بقاء رمضان ودخول شوال مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك. وقال أبو حنيفة والمزني: يجوز في المسألة الأولى أيضًا قياسًا على المسألة الثانية، وعند أبي حنيفة يجوز صوم رمضان بمطلق النية ولو نوى أن يصوم غدًا من رمضان أو نافلة لم يجز سواء كان في أول رمضان أو في آخره لأنه لم يقطع النية بأحدهما، وإنما يترك بين النفل والفرض فلم يجز. وقال بعض أصحابنا: نظير هذه المسألة في صلاة الجمعة إذا قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة أو نافلة لم يجز، وإن بان بقاء الوقت لأنه شرك بين جمعة ونافلة، ولو قال: إن كان الوقت باقيًا فهي جمعة [282 ب/4] وإن كان خارجًا فهي نافلة فبان أنه لم يكن خرج الوقت كانت جمعة لأنه بني على أصل ولم يشرك وفي هذا نظر لأن من شك في وقت الجمعة هل خرج أم لا لا يجوز له أن يحرم بالجمعة على الصحيح من المذهب لأنه لم يتيقن وجود شرط جواز الجمعة ولابد من اليقين في ذلك. فرع لو نوى في غير رمضان فقال: أصوم غدًا عن قضاء رمضان أو نافلة فإنها تنعقد نافلة وبه قال محمد، وقال أبو يوسف: تنعقد قضاء لأن التطوع لا يفتقر إلى التعيين فكأن نوى القضاء وصومًا مطلقًا وهذا غلط، لأن زمان القضاء يصلح للتطوع، فإذا سقطت نية الفرض بالشك بقيت نية الصوم فوقع تطوعًا، وما قاله لا يصح لأن التطوع ينافي الفرض ونية الصوم لا تنافي الفرض، فإذا نواه نافي به الفرض في يوم شك. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 6).

مسألة: قال (¬1): وَلَوْ عَقَدَ رَجُلٌ على أنَّ غدًا عَندَهُ من رَمَضانَ في يَومِ شَكِّ ثُمَّ بان له أنه كان من رمضان أجزأه. الفصل وهذا كما قال: إذا عقد الرجل على أن غدًا عنده من رمضان عقدًا صحيحًا غير ممرض، إما بشهادة شاهد واحد يشهد عنده على رؤية الهلال أو بإخبار من يثق بخبره من امرأة أو عبد يغلب على ظنه صدقه أجزأته نيته وصح صومه لأن غلبة [283 أ/4] الظن في جواز الدخول في العبادة تجري مجرى اليقين، ألا ترى أنه إذا سمع أذان المؤذن فغلب على ظنه دخول وقت الصلاة جاز له أن يصلي، وكذلك إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة بورده أو عمله يجوز له أن يصلي، وكذلك لو كان يعرف منازل القمر وتقدير سيره فعلم أن الهلال قد أهل هل يجوز له أن يصوم به؟ قال ابن سريج: يجوز، واختاره القاضي الطبري لأن علمه الحاصل من جهة الحساب هو آكد من غلبة الظن بخبر غيره فجاز أن يصوم به وهو اختيار القفال أيضًا، ومن أصحابنا من قال: لا تصح نيته به لأن الحساب ليس بطريق شرعي ولا يتعلق به وجوبه، وإنما الطريق الرؤية أو العدد، وهكذا الوجهان فيمن لا يعرف الحساب لكنه أخبره به من يثق هو بخبره فصام على ذلك، ولو عرف ذلك بالنجوم ففيه طريقان: أحدهما: قول واحد لا تجوز نيته به، والثاني: فيه وجهان أيضًا لأنه استند إلى دلالة علم والصحيح الأول لأن النجوم لا مدخل لها في أحكام الشرع. فرع هل يلزمه الصوم به إما بالحساب أو النجوم فلا خلاف أنه لا يلزمه به لأنه يكفي في الجواز ما لا يكفي في الجوب [283 ب/4] كما قلنا في وقت الصلاة: يجوز أن يدخل فيها بغلبة الظن، ولكن لا يجب وقيل: إذا كانت السماء متغيمة فقال أهل العلم بالحساب: لو لم يكن غيم أمكنت رؤية الهلال من طريق الحساب سير القمر فمن لا يعرف الحساب لا يعتمد ذلك ومن عرفه هل يلزمه أن يصوم وجهان والصحيح أنه لا يلزمه حتى يثبت عند الحاكم. فرع لو أخبره صبي عاقل برؤيته فغلب على ظنه صدقه، قال أبو حامد: يجوز أن ينعقد الصوم به وقال سائر أصحابنا بخراسان: لا يجوز ذلك لأنه لا حكم لقوله. فرع لو عقد من غير دليل وقال: غلب على ظني أنه من رمضان لا يجوز له أن يصوم ولو ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 7).

صام لا يجوز، وإن أصاب ولو قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأخبرني أنه من رمضان وقال لي: صم لا يجوز العمل عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم أنه لا يجب إلا برؤية الهلال أو استكمال العدة ذكره القاضي الحسين رحمه الله ثم أعلم أنه في لفظ "المختصر" أو في إشكال، وذلك أنه قال: لو عقد رجل ولم يبن سبب العقد [284 أ/4] وأطلق قوله ثم بان ومعناه بان للناس لا لهذا الرجل لأن هذا الرجل بان له بالأمس ما بان للناس اليوم. مسألة: قال (¬1): وَإِنْ أَكَلَ شَاكًَّا فِْي الفّجْرِ فَلاَ شَيءَ عَلَيْهِ. وهذا كما قال: وقت الصوم هو ما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس كما أن وقت تركه ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني وليس للفجر الأول تعلق بعبادة بحال فما لم يطلع الفجر الثاني فله الأكل فإن كان شك في طلوعه فالمستحب أن لا يأكل فإن أكل ولم يتبين له طلوع الفجر وبقي على الشك فلا شيء عليه وصومه صحيح، وقال مالك: فسد صومه وعليه القضاء ولا يذكر أصحابه هذا وهذا غلط، لأن الليل يقين وطلوع الفجر شك فلا يزال حكم اليقين بالشك ومتى تحقق الليل أفطر ويستحب له تعجيل الفطر، وإن لم يتحقق وغلب على ظنه دخوله نظر فإن كان غير دليل فالمستحب أن لا يأكل حتى يغرر بالصوم فإن أكل ونفي الأمر على ذلك فلا قضاء عليه، وإن غلب على ظنه بغير دليل فأكل وبقي على الشك يلزمه القضاء لأنه لا يجوز له الأكل مع هذا الشك إذ الأصل تحريم الطعام وهو شاك في إباحته [284 ب/4] فلا يجوز استباحته بالشك فإذا أكل يجب القضاء، وإن بان أن الشمس كانت قد غربت فلا قضاء عليه، فإن قيل: قال الشافعي نصًا: إذا شك الناس عند افتتاح الجمعة أن الوقت باقٍ أو لا، لا تجوز جمعتهم والأصل بقاء الوقت فخالف هذا الأصل الذي ذكرتم قلنا: لم يخالف وذلك أن الشك وقع هاهنا حين لم يبق من الوقت إلا قليل وذلك القدر لا يمتد حتى يصلى فيه جميع الصلاة بل يتيقن خروج الوقت قبل فراغه منها فلهذا لم ..... (¬2) أن تبتدئ الجمعة حتى .... (¬3) عرض الشك في خلال الصلاة نص الشافعي أنهم يتمونها جمعة إذ يمكن الفراغ قبل خروج الوقت والأصل بقاء الوقت وصحة الجمعة ذكره القفال. مسألة: قال (¬4): وَإِنْ وطِئَ امْرَأَتَهُ فَأَوْلَجَ عَامِدًا الفصل وهذا كما قال: الجماع محرم على الصائم فإذا جامع في الفرج عامدًا في صوم رمضان أفسد صومه وعليه القضاء بكل حال، وحكي أن الشافعي قال في "الأم": إذا كفر الواطئ يحتمل أن لا يكون عليه القضاء، وإن القضاء هو داخل في الكفارة ويحتمل ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 7). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) انظر الأم (2/ 7).

أن يكون عليه القضاء ولكل وجه وأن يصوم أحب إلّي فأومأ إلى قولين، أحدهما: لا قضاء [285 أ/4] وهو بعيد ولا فرق بين أنواع الكفارة ففيه وجهان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي بالكفارة ولم يأمره بالقضاء، والثاني: يلزمه القضاء وقد روي أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "وصم يومًا مكانه" والصحيح أن المسألة على قول واحد يلزمه القضاء، وقال بعض أصحابنا: إن كفَّر بالعتق والإطعام يلزمه وإن كفَّر بالصيام فقولان ووجه أن قضاء اليوم دخل في صوم شهرين. وهذا غلط لأن هذا من مذهب الأوزاعي ولا يصح، لأن الصوم نوع من أنواع الكفارة فوجب معه القضاء كالعتق، ولأن هذا الصوم وقع عن الكفارة فيستحل أن يدخل فيه قضاء رمضان وتجب الكفارة وهي عتق رقبة، ولا فرق بين الزنا وغيره. وقال سعيد بن جبير، وقتاده، والشعبي، والنخعي: لا تلزم الكفارة كما في الأكل، وحكي عن سعيد بن جبير أنه إذا زنى لا كفارة وإذا ....... (¬1) ورد من وطئ الزوجة، وهذا غلط لخبر الأعرابي المذكور في المختصر وتمامه وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا [285 ب/4] في المسجد يومًا بين أصحابه إذ أقبل أعرابي ينتف شعره ويضرب صدره ويقول: ألا هلك الأبعد ألا هلك الأبعد يريد نفسه حتى دخل المسجد فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لك يا أعرابي"، فقال: هلكت وأهلكت، فقال: "ماذا فعلت" فقال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: "أعتق رقبة" فضرب يده على رقبته وقال: والذي بعثك بالحق لا أملك غيرها، فقال: "صم شهرين متتابعين" فقال: وهل أتيت إلا من الصوم أي: هل وقع إلا من قلة الصبر من الصوم، فقال له عليه الصلاة والسلام: "أطعم ستين مسكينًا". فقال: لا أجد، فقال له: "اجلس" فجلس فأتى بعرق فيه تمر فقال: "خذها فتصدق بها" فقال: أعلى أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فوالله ما بين لابتيها - أي جبلي المدينة - أهل بيت أحوج من أهل بيتي، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال له: "كل وأطعم عيالك" فحمل الأعرابي المكتل على كاهله ورجع إلى قومه وقال لهم: خوفتموني من محمد فقد ذهبت وأعطاني هذا التمر (¬2). فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في قدر الكفارة وفيمن تجب [286 أ/4] عليه فأما قدر الكفارة قال في "القديم": كفارة واحدة وهو الصحيح لأنه صلى الله عليه وسلم أوجب كفارة واحدة، وبه قال أحمد وقال في الإملاء: يجب كفارتان كفارة عليه وكفارة عليها، وحكي عن ابن أبي هريرة من أصحابنا أنه قال: قال الشافعي: هذا في مناظرة جرت بينه وبين مالك وليس بمشهور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ثور واختاره ابن المنذر وروي هذا عن أحمد، وإذا قلنا: تجب كفارتان فعلى كل واحد منهما أن يكفر عن نفسه على حسب حاله من عتق أو صيام أو إطعام وإذا قلنا: كفارة واحدة ففي كيفية ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أخرجه البخاري (6087، 6089)، ومسلم (81/ 1111)، وأحمد (6/ 276).

الوجوب قولان أحدهما: تكون الرقبة عليهما وعلى الزوج تحملها عنها في ماله لأنهما اشتركا في هتك حرمة الصوم فاشتركا في وجوب الكفارة وهو ظاهر قول الشافعي عنه وعنها، والثاني: يكون عن الزوج خاصة ولا مدخل لها في وجوب هذه الكفارة كما لا مدخل لها في وجوب المهر وهو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: إنما لا تجب الكفارة عليها بالجماع لن فطرها سبق جماعها وهذا لا يصح لأنه يتصور فطرها بالجماع من ثلاثة [286 ب/4] أوجه: أحدها: أن تكون نائمة فتنبهت بعد الإيلاج ومكثت على الجماع. والثاني: أن تكون ناسية للصوم فتتذكر في أثناء الجماع وتمكث عليه. والثالث: أن يكرهها في الابتداء ثم ترضى، فأول الإيلاج ما حصل به الفطر وإنما حصل بدوامه وقول الشافعي عنه وعنها أراد يجري عن فعله فعلها فلا يجب شيء آخر، وقيل: حصل ثلاثة أقوال: أحدها: كفارتان، والثاني: كفارة عنهما، والثالث: كفارة عليه خاصة وقال والدي رحمه الله قول التحمل باطل لأنه لو صح لوجبت كفارتان تامتان، ألا ترى أنه لما تحمل زكاة الفطر عنها يجب صاعان صاع عن نفسه وصاع عنها ويستحيل إيجاب نصف رقبة ثم تحمله وهو على ما ذكر، وقال القفال في كيفية التحمل: وجهان: أحدهما: أنه يجب نصف الكفارة عليها ويتحمل الباقي. والثاني: على كل واحد منهما كفارة تامة ثم يتحمل عنها ثم يتداخلان وهذا ضعيف لأن التداخل لا يجري في الكفارة عندنا، وذكر بعض أصحابنا بالعراق: أنه يجب على كل واحد منهما كل الكفارة ولكن إذا أخرجها الزوج [287 أ/4] سقطت عنها كما لو كان عليها دين هو ألف وضمنه الزوج عنها فالدين متعلق بكل واحدة من الذمتين فإذا أدى ذلك برئت الذمتان، كذلك هاهنا فإذا قلنا: لا يجب عليها أصلًا تعتبر حالة فيها فإن كان واجدًا للرقبة أعتقها، وإن لم يكن واجدًا لها صام شهرين متتابعين، وقال ابن أبي ليلى: يجوز متفرقًا فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا وهذه الكفارة هي على الترتيب عندنا، وحكي عن الحسن البصري أنه قال: يتخير بين أن يعتق أو ينحر بدنة لما روى ابن المسيب مرسلًا "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي بعد الرقبة هل تستطيع أن تهدي بدنة فقال: لا" وهذا غير مشهور فلا يعتمد عليه، وقال مالك: على التخيير بين هذه الثلاثة واحتج بما روي في خبر الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينًا" ولأنها كفارة تجب بالمخالفة في موجب عقد فكانت على التخيير ككفارة اليمين وهذا غلط للخبر الذي روينا وروايته اختصار من خبرنا بعينه ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة [287 ب/4] ككفارة القتل، وليست كاليمين ولأنها خفف الأمر فيها بقلة المقدار وغيرها فخفف بالتخيير أيضًا وإذا قلنا بقول التحمل فلا يخلو حالهما من أحد أمرين: إما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا نظر فإن كان من أهل العتق أعتق الزوج رقبة واحدة تجزي عنهما ويقع حكمنا

عن كل واحد منهما، فإن كانا من أهل الصيام صام كل واحد منهما شهرين متتابعين، لأنه لا يدخل التحمل في الصيام ولا يتبعض، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ستين مسكينًا يقع عن كل واحد منهما كالعتق سواء، وإن اختلف الحالان فلا يخلو الزوج عن أحد أمرين: إما أن يكون أعلا أو أدنى فإن كان أعلا نظر فإن كان من أهل العتق وهي من أهل الصيام أعتق وأجزأهما وسقط عنها الصيام، لأن معنى التحمل أن ينقلها إلى مثل حاله ويكفر عنه وعنها هذا إذا كان العتق عنها فإن كانت فيمن لا تكفر بالعتق وهي الأمة أعتق عنه نفسه وصامت عن نفسها لأنه لا يقدر أن ينقلها إلى منزلته في العتق، وقيل: إذا قلنا: يملك بالتمليك يجزي العتق وحكمها حكم الحرة المعسرة، وإن كان من أهل [288 أ/4] الصيام وهي من أهل الإطعام صام عن نفسه وأطعم عنها فإن تكلف العتق نقلها إلى مثل حاله وأعتق وسقطت الكفارة عنها فإن لم يفعل ذلك ولكنه اختار الصيام وصام عن نفسه ولا يصح فيه التحمل ويطعم عنها على ما ذكرنا إن قدر وإلا فلا يلزمه، وإن كان الزوج من أهل العتق وهي من أهل الإطعام أعتق وسقط عنها الإطعام لأنه نقلها إلى مثل حاله فصارت كأنها من أهل العتق، وإن كانت هي أعلا من الزوج فإن كانت من أهل العتق وهو من أهل الصيام صام عن نفسه وكان العتق في ذمته يعتق عنها متى قدر لأن من هو من أهل العتق لا يكفر بالصيام، وإن كانت من أهل الصيام وهو من أهل الإطعام أطعم عن نفسه وصامت عن نفسها لأن من كان من أهل الصيام لا يكفر بالإطعام ولا يدخل التحمل في الصيام، وإن كان من أهل الصيام وهي من أهل العتق أطعم عن نفسه وكان العتق عنها في ذمته حتى يقدر فيعتق عنها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا اختلف الحالان على هذا القول فيه وجهان: أحدهما: عليها [288 ب/4] كفارتان لأن الكفارتين إذا كانتا من جنسين لم يتداخلا، والثاني: يتداخلان وهو الأصح وفي هذا نظر. فرع لو قدم من سفر وقد طهرت زوجته من حيض فجامعها لا كفارة على واحد منهما، وإن كانت صائمة دونه نظر فإن أكرهها فعلى الوجهين لا كفارة لأن الإكراه اسقط الكفارة في حقها وهو مفطر فلا كفارة عليهما، وإن طاوعته لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تغره أو لا تغره فإن لم تغره ولكنها طاوعته مع العلم بذلك فعلى الوجهين، فإن قلنا: إن الكفارة عليه وحده لا كفارة هاهنا لأنه مفطر، وإن قلنا: عليهما فعليهما الكفارة ويتحملها عنها فيعتبر حالها فإن كانت من أهل العتق أعتق عنها، وكذلك إن كانت من أهل الإطعام أطعم عنها، وإن كانت من أهل الصيام صامت عن نفسها لأنه لا يحمل في الصيام. ولو غرته مثل أن قالت: أنا مفطرة ثم بانت صائمة فإن قلنا: الكفارة عليه وحده فلا كفارة، وإن قلنا: بالقول الآخر قال أبو إسحاق: يحتمل وجهين: أحدهما: الكفارة عليها لأنها غرته فلا يلزمه أن يتحمل عنها [289 أ/4] والثاني: لا كفارة على أحد

منهما لأن الزوج معذور في قبول قولها والمرأة لا يلزمها إخراج هذه الكفارة إذا كانت ...... (¬1) والأول اختيار أبي حامد ....... (¬2) لم يذكر غيره وإن هددها فطاوعته لا تجب الكفارة وفي إفطارها قولان. فرع آخر لو كان الرجل نائمًا فجاءت امرأته فاستدخلت ذكره لا يفطر قولًا واحدًا، وأما المرأة فإن قلنا: إن الكفارة عليهما تجب الكفارة في مالها، وإن قلنا: عليه واحده لا شيء عليهما ولو كانت هي نائمة لا يلزمها القضاء ويلزمه القضاء والكفارة، وقال مالك: عليها القضاء والكفارة، وقال أبو حنيفة: يلزمه القضاء دون الكفارة وهذا غلط، لأن هذا أكثر من النسيان فلا يفطرها. فرع آخر لو كان الزوج مجنونًا والمرأة عاقلة فمكنته من نفسها فإن قلنا: لا كفارة على المرأة لا شيء هاهنا، وإن قلنا: على المرأة الكفارة هل يتحمل فيه وجهان: قال أبو إسحاق: يتحمل لأنها وجبت بوطئه والوطء يجري مجرى الجناية وما يجب بجناية المجنون يجب في ماله، وقال ابن سريج: لا يتحمل عنها ويلزم في مالها لأنه لا قصد له ولا حكم [289 ب/4] لفعله ولأنه معذور دونها وهذا أظهر عندي وقيل: هذان الوجهان مبنيان على القولين فيمن أحرم بالحج ثم جن فجامع هل تلزمه الكفارة قولان، ولو أكرهها المجنون فلا كفارة قولاً واحدًا. فرع آخر لو أصبح صائمًا مقيمًا ثم جن فجامع وقلنا: لا يبطل صومه بالجنون قال ابن سريج: لا كفارة، وقال أبو إسحاق: عليه الكفارة ذكره بعض أصحابنا بخراسان وفيه نظر. فرع آخر لو أكره زوجته على الوطئ فإن لم يوجد منها تمكين فإن شدها ووطئها لا تفطر قولًا واحدًا تلزمه والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة وإن هددت بالضرب أو الطلاق حتى مكنته من نفسها هل تفطر، قولان: أحدهما: لا تفطر والحكم على ما ذكرنا. والثاني: تفطر ولا كفارة عليها قولًا واحدًا، لأنها معذورة في هذا الفطر غير عاصية به والزوج يفطر وعليه القضاء والكفارة، ولو أكره الرجل على الوطء بأن شدت يداه وأدخل ذكره في فرجها فإن لم ينزل فهو على صومه، وإن أنزل فيه وجهان: أحدهما: يفطر لأن الإنزال لا يحدث إلا عن قصد، والثاني: لا يفطر لأنه مكره فإذا قلنا: [290 أ/4] بالأول هل تلزمه الكفارة وجهان أحدهما: لا كفارة للشبهة، والثاني: تلزمه ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

الكفارة ذكره في "الحاوي" (¬1)، وعند أحمد تلزمه الكفارة لأن الانتشار بالاختيار. فرع لو زنا رجل بامرأة فإن قلنا: تلزمه الكفارة وحده تجب على الزاني وحده ولا شيء عليها سوى القضاء، وإن قلنا: إن الكفارة عليهما وتتداخل أو لا تتداخل ولكنه يتحمل عنها وجب على كل واحد منهما أن يعتق رقبة لأن التحمل إنما يجب على الزوج دون الزاني، وقال القاضي أبو حامد: لا خلاف في هذا لأن الخبر لم يرد فيه ولا الزاني في معناه. فرع (¬2) لو وطئ أربع زوجت له في يوم واحد فإن قلنا: الكفارة عليه فتكفيه كفارة واحدة، وإن قلنا: عليهما يلزمه أربع كفارات، ولو كانت له زوجتان مسلمة وذمية فوطئهما في يوم واحد فإن وطئ الذمية أولًا ثم المسلمة فعليه كفارتان في أحد الوجهين، وإن وطئ المسلمة أولًا ثم الذمية فليس عليه إلا كفارة واحدة. فرع لو وطئ زوجته هل يجب عليه ثمن الماء لغسلها من هذا الجماع، قال القاضي الطبري: لا أعرف هذه المسألة لأصحابنا والذي عندي أنه بمنزلة النفقة لقضاء [290 ب/4] الحج إذا وطئها الزوج فأفسده عليها وقد قال الشافعي على الزوج إن حج بها من قابل والظاهر من المذهب أنها في ماله، ومن أصحابنا من قال: تجب في مالها وقول الشافعي: عليه أن يحج بها من قابل أراد عليه أن يأذن لها في الحج ولا يمنعها من الخروج فيكون ثمن الماء بمنزلة نفقة الحج الذي أفسده عليها. واعلم أن الشافعي ذكر خبر الأعرابي وتكلم عليه فقال: قوله خذ هذا فتصدق به يحتمل أمرين: أحدهما: أنه لم يملكه إياه وإنما تطوع بالتكفير عنه من ماله فلما أخبره بحاجته صرف إليه، والثاني: أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به فلما أخبره بحاجته أذن له في أكله قال: وفي قوله أطعمه عيالك ثلاثة تأويلات: أحدها: أمره بأن يطعم عياله ويكون الفرض في ذمته باقيًا وهذا أحب إليَّ وأقرب إلى الاحتياط، وإن لم يكن مذكورًا في الخبر، والثالث أمره أن يطعم عياله ويسقط الفرض عنه بعجزه فهي خمس تأويلات ولكل واحد منها فائدة، فأما الأول يدل على أن من وجبت عليه كفارة يجوز لغيره أن يكفر عنه من ماله بإذنه لأنه دفع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم [291 ب/4] ولم يملكه إياه ولكنه أمره بالتصدق به ليسقط الفرض عنه. والتأويل الثاني: يدل على أن الكفارة لا تلزم إلا في الفاضل عن الكفاية لأنه لما أخبره بالاحتياج أجاز له أكله ولم يأمره بالتكفير. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 429). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 429).

وأما الثالث: ففائدته أن من تطوع بالتفكير عن غيره يجوز له أن يدفع الكفارة إلى عيال المفكر عنه إذا كانوا محتاجين. وأما التأويل الرابع: فائدته أن من وجبت عليه كفارة فعجز عنها فإنه يسقط فرضها عنه. فحصل من التأويل الرابع والخامس قولان وهما: أن من عجز عن الكفارة هل تسقط عنه؟ قولان قال أصحابنا: حقوق الله تعالى المتعلقة بالمال هي على ثلاثة أضرب: حق يجب لا بسبب من جهته ولا هو على جهة البذل مثل زكاة الفطر فلا خلاف أنها تجب في حال الوجوب عند القدرة ولا تجب عند العجز ويسقط رأسًا، وحق يجب بسبب من جهته على جهة البذل كجزاء الصيد فلا خلاف أنه يجب إخراجه عند القدرة ويثبت في الدية عند الإعسار إلى أن يجد، وحق يجب بسبب من جهته لا على وجه البذل ككفارة الجماع [291 ب/4] والقتل واليمين والظهار فإن كان قادرًا في الحال يلزمه إخراجه، وإن كان عاجزًا هل يسقط؟ قولان: أحدهما: يسقط كزكاة الفطر، والثاني: وهو الصحيح أنه لا يسقط كجزاء الصيد ولا تجب الكفارة إذا وطاء في قضاء رمضان، وقال قتادة وأبو ثور: تجب الكفارة وهذا غلط، لأنه ليس لزمان القضاء حرمة رمضان فلا كفارة. مسألة: قَالَ (¬1): وَإنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في أَكْلِ النَّاسي. وهذا كما قال: إذا أكل ناسيًا لم يفطر ولا قضاء عليه وليس في الصيام ما يقضي إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا إلا في الناسي لطلوع الفجر وإن جامع ناسيًا فقد نقل المزني أنه لا كفارة قياسًا على أكل الناسي للخبر في ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من أكل أو شرب في الصوم فليتم صومه فالله أطعمه وسقاه" (¬2). وروي عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الذي صام ثم جامع أشياء مثل الذي يأكل ناسيًا وبقولنا قال على وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة [292 أ/4] ومن أصحابنا من غلط المزني فيه وقال: لا نص فيه الشافعي فيحتمل أن يخرج على قولين كما نقول في جماع الناسي في الحج قولان ذكره أهل خراسان وحدهم أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأنها تسقط. والثاني: تلزمه الكفارة لأن الأعرابي جاهل بحكم الفطر والرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة عليه والناسي هو مثل الجاهل وهذا أصح، ومن قال بالأول فرق بين الحج وهذا بأن المحظورات هناك تنقسم إلى ما هو استمتاع كاللباس وإلى ما هو إتلاف كالحلق ويستوي في هذا حكم العامد والناسي دون ذاك فجاز أن يلحق الجماع بما يستوي فيه السهو والعمد ومحظورات الصوم كلها على قسم واحد لا تختلف وكلها ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 7). (¬2) أخرجه البخاري (1933)، ومسلم (171/ 1155).

تفترق بالسهو والعمد فيختلف هذا أيضًا، وقال مالك وربيعة: عليه القضاء في الأكل والجماع ولا تلزم الكفارة، وقال أحمد: تجب بالجماع الكفارة والقضاء ولا تجب بالأكل شيئًا، وقال في "الحاوي" (¬1): عن أحمد إذا أكل ناسيًا فإنه يلزمه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء والأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون أكل ولا كفارة فيهما [292 ب/4] واحتج مالك بأنه قاس على ترك النية وهذا غلط والفرق أن النية مأمور بها والأكل منهي عنه فيختلفان كما في الصلاة لو تكلم ناسيًا لا تبطل، ولو ترك الركوع ناسيًا بطلت واحتج أحمد بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل المجامع في رمضان هل كان عامدًا أو ناسيًا وهذا غلط، لأنه روي أنه قال: "هلكت وأهلكت" وروي أنه قال "احترقت" فدل أنه كان عامدًا. فرع لو أكل ناسيًا فظن أنه قد أفطر ثم جامع عامدًا أو أكل عامدًا حكي القاضي أبو علي البندنيجي عن الشيخ أبي حامد أنه قال: لا يبطل صومه كمن سلم من اثنتين من الظهر فتكلم فاعتقد أنه خرج من الصلاة لم تبطل صلاته، ونص الشافعي في "الأم" (¬2): أنه لا كفارة ولم يتعرض للقضاء، وكذلك لو احتجم أو اغتاب أو قبل ولم يُنزل واعتقد أنه يفطره أو اعتقد أنه نسي النية من الليل فوطئ ثم تذكر النية الباب كله واحد، وقال سائر اصحابنا: يلزمه القضاء ولا كفارة لأن الكفارة تسقط بالشبهة دون القضاء، ولم يذكر صاحب "الحاوي" (¬3) [293 أ/4] غيره والمسألة معروفة بالوجهين والأقيس الأول، وقال القاضي الطبري: يحتمل عندي أنه يلزمه الكفارة، لأن الذي ظنه لا يبيح له الوطء بخلاف ما لو جامع طانًا أن الشمس غربت لأن ظنه هاهنا يبيح الوطء، ولو علم أنه على صومه فجامع فإنه تلزمه الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا كفارة وجعل المتقدم شبهةً وهذا غلط، لأن كل وطء يوجب الكفارة إذا لم يتقدمه بعفو عنه يوجب الكفارة، وإن تقدمه معفو عنه كالوطئ في الحج. فرع آخر لو استكثر الأكل ناسيًا قيل: فيه وجهان لأنه نادر. فرع آخر لو تقيأ عامدًا وهو جاهل ببطلان الصوم قال القاضي الحسين رحمه الله: يبطل صومه إلا أن يكون حديث العهد بالإسلام وهكذا المحرم إذا تطيب جاهلًا تلزمه الفدية إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام قلت: ويحتمل أن يقال لا يفطره لأن هذا مما يشتبه على من نشأ في الإسلام أيضًا. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (3/ 432). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (3/ 431). (¬3) انظر الأم (2/ 85).

مسألة: قال (¬1): وَالكَفَّارةُ عِتْقُ رَقَبَة. وهذا كما قال: أراد سليمة مؤمنة خلاف قول أبي حنيفة لأنه أجاز الكفارة وهي على الترتيب [293 ب/4] عندنا على ما ذكرنا وحكي عن الحسن أنه قال: يتخير بين عتق رقبة وبين أن ينحر بدنة واحتج بما روى ابن المسيب في حديث الأعرابي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل تستطيع أن تُهدي بدنة" وروي عطاء بن أبي رباح عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر يومًا من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعًا" (¬2)، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر المشهور وخبر الجماعة أولى من خبر عطاء الخراساني، وحديث جابر رواية الحارث بن عبيدة هو ضعيف، ثم قال: فإن لم يجد أي: فإن لم يجد الرقبة ولا ثمنها فصيام شهرين متتابعين لايفطر في شيء منها نهارًا من غير عذر ذكر بعد هذا أن لكل مسكين مدًا بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: لكل مسكين مدان من الحنطة ومن الشعير والتمر صاع وقد وجد في خبر الأعرابي أنه أتى بعرق قال سفيان: والعرق هو المكتل [294 أ/4]. قال الشافعي: والمكتل خمسة عشر صاعًا وهي ستون مدًا، وروي هذا في الخبر فدل على صحة قولنا، ثم قال: وإن دخل في الصوم ثم وجد الرقبة فله أن يتم صومه وقصد به خلاف قول أبي حنيفة والمزني: يلزمه العود إلى الرقبة ويستحب أن يعتق نص عليه وفي التيمم إذا رأى الماء هل يستحب له الخروج من الصلاة وجهان والأصح أنه يستحب والفرق على الوجه الآخر أنه يخير المسافر في الصوم بعد الشروع بخلاف الصلاة، وإن وجد الرقبة قبل الشروع في الصوم فيه قولان بناء على أن الاعتبار بحال الوجوب أو بحال الأداء والأظهر أنّ الاعتبار بحال الأداء. مسالة: قال (¬3): وَنْ أَكَلَ عَامِدًا فِيْ صَوْمِ رَمَضَانَ فَعَليْهِ الْقَضَاءُ وَالعُقُوبَةُ. الفصل وهذا كما قال: إذا أفطر بالأكل أو الشرب أو بما دون الجماع لا يلزم الكفارة ويلزمه القضاء والعقوبة يعني التعزيز ولا تلزم الكفارة العظمي عندنا إلا بجماع تام دون غيره ولو وطئ دون الفرج فلا كفارة أنزل أو لم ينزل وبه [294 ب/4] قال سعيد بن جبير والنخغي ومحمد بن سيرين وحماد وأحمد وداود وقال الأوزاعي والثوري والحسن والزهري وإسحاق وعطاء وأبو حنيفة: إنه تلزم الكفارة في صوم رمضان بالجماع التام والأكل التام وتفسيره عند أبي حنيفة أن يكون الفطر بمتبوع الجنس وهو الجماع التام أو ما يقصد به التغذي أو التداوي. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 7). (¬2) أخرجه ابن عساكر (تهذيب تاريخ دمشق) (7/ 5)، وانظر تنزيه الشريعة لابن عراق (2/ 147). (¬3) انظر الأم (2/ 9).

فأما إذا ابتلع حصاة أو لؤلؤة أو جوزة فلا كفارة، وقال: ولو ابتلع لوزة رطبة بقشرها يلزمه الكفارة لأنها تؤكل بقشرها، ولو ابتلع جوزة رطبة بقشرها فلا كفارة لأنها لا تؤكل بقشرها في العادة، وقال مالك: كل من أفطر بمعصية تلزمه الكفارة فدخل في هذا الفطر بالجماع دون الفرج إذا أنزل والقبلة إذا كان معها إنزال والنظر بالشهوة عمدًا حتى ينزل وابتلاع الحصاة والقيء عمدًا، وبه قال أبو ثور وناقض فقال: لو ارتد لا تلزم الكفارة، وقالت طائفة: أنه يغلّط فيه بالقضاء دون الكفارة ثم اختلفوا في قدر التغليظ فقال ربيعة: يصوم اثنى عشر يومًا مكان يوم وقال ابن [295 أ/4] المسيب: يصوم شهرًا مكان يوم، وقال النخعي: يصوم ألف يوم عن كل يوم، وروي عنه ثلاثة آلاف يوم وهو الصحيح عنه، وقال علي وابن مسعود رضي الله عنهما: لو صام الدهر لم يقض حرمة ذلك اليوم. واحتج ربيعة بأن السنة اثنا عشر شهرًا، وصوم رمضان يجزي عنها وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي: "وصم يومًا مكانه" وروى أبو داود: وصم يومًا واستغفر الله ولأن قضاء العبادة لا يختلف بالترك بعذر وغير عذر كقضاء سائر العبادات، وحكي عن مالك أنه قال: لو تقيأ عمدًا لا كفارة واعتذر أصحابه بأن في الاستقاءة مشقة وأذى فلا يفعله لغرض صحيح وضرر كبير حتى لو أن ماجنًا استقاء من غير حاجة .... (¬1) فإذا تقرر هذا فظاهر المذهب أنه لا فدية عليه أيضًا، وقال ابن أبي هريرة تلزمه الفدية فقال بعضهم: مد من طعام عن كل يوم، وقال بعضهم: يلزمه أن يطعم فوق فدية الحامل دون كفارة المجامع [295 ب/4] لأن هذا غير معذور والحامل معذور، وحكي هذا عن أبي هريرة وهذه آراء لا ترجع إلى خبر ولا قياس فإذا تقرر هذا فكل وطء أوجبنا فيه الكفارة نظر فإن تكرر منه في يوم واحد فعليه بالأول ولا كفارة عليه بالثاني، وقال أحمد: إن كفَّر عن الأول وجبت بالثاني كفارة، وإن لم يكفر لم يجب ويوقف في اليومين إذا لم يكفر عن الأول واختلف أصحابه فيه واحتج بأنه وطء محرَّم كالأول وقاس على الحج إذا وطئ فيه مرتين، وقال: يلزمه الإمساك كما يلزمه قبل الجماع وهذا غلط، لأن الوطء الثاني لم يصادف الصوم فأشبه إذا كان ليلًا، وأما الأول فقد خالف الصوم وأفسده فلا يصح القياس عليه، وأما الحج فالوطء لا يرفع لإحرامه ولا يخرج عنه بالفساد بخلاف هذا، وأما الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة، ألا ترى أنه لو لم ينو من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليلة يلزمه الإمساك فلحرية الوقت لا لبقاء العبادة ألا ترى أنه لو لم ينوِ من الليل [296 أ/4] يلزمه الإمساك ولا صوم وإن تكرر ذلك في كل يوم فعليه بكل وطء كفَّارة حتى قال في البويطي: لو جامع ثلاثين يومًا فإنه يلزمه ثلاثون كفارة سواء كفَّر عن الوطء الأول أو لم يكفر، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة: إن لم يكفر عن الأول فلا كفارة للثاني، وإن كفر عن الأول ففيه روايتان، قال: ولو ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

كان في رمضانين ففيه روايتان والأشهر أنها تتكرر وهذا غلط لأن كل يوم ....... (¬1) مسألة: قال (¬2): وَإِنْ تَلَذَّذَ بامرأتهِ حَتى يَنْزلَ فَقَدْ أَفْطَرَ وَلاَ كَفَّارَةَ. وفي ذكرنا الخلاف فيه مع مالك، وقال أحمد: تجب الكفارة بالوطء دون الفرج وفي القبلة واللمس إذا أنزل روايتان وهذا غلط، لأنه وطء غير تام كما لو قبّل. فرع لو حك ذكره لعارض فأنزل هل يلزمه القضاء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه لأنه لم يتعمد، والثاني يلزمه لأنه اختار سببه ذكره في "الحاوي". فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو لمس شعرها فأنزل هل يبطل [296 ب/4] صومه وجهان: أحدهما: يبطل لأنه جزء من بدنها، والثاني: لا يبطل لأن لمس شعرها كالنظر، ولهذا فإنه لا ينتقض الوضوء ولو لمس أذنها الملصقة بالدم فأنزل فإنه يحتمل وجهين، ولو أنزل عن لمس العضو المنفصل عنها لم يبطل الصوم بلا خلاف. مسألة: قال (¬3): وَإِنْ أَدْخَلَ فِيْ دُبُرِهَا. الفصل وهذا كما قال: إذا لاط بغلام أو أتى امرأة في الموضع المكروه فإنه يفسد صومه ويلزمه القضاء والكفارة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: في أشهر الروايتين لا تلزمه الكفارة وذكر شيخنا الإمام ناصر رحمه الله قولًا مخرجًا: أنه يعزر به ولا يحد وفي وجوب الكفارة على هذا القول وجهان وهذا غير صحيح، وأما إذا أتى بهيمة فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، كما في اللواط أحدهما: يلزمه القتل بكل حال، والثاني: أنه كالزنا يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصنًا ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أقوالٍ [297 أ/4] ..... (¬4) والثالث: يجب به التعزيز فإذا أوجبنا الحد أوجبنا الكفارة، وإذا أوجبنا التعزيز هل تلزم به الكفارة؟ وجهان أحدهما: لا يجب لأنه جماع لا يوجب الحد كالجماع دون الفرج، والثاني: يجب لأنه فرج يلزم بالإيلاج فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر فيه الغسل كفرج المرأة ومن أصحابنا من قال قول واحد: تجب الكفارة لأن لا يعتبر بالحد كما في وطء زوجته في رمضان تلزم الكفارة ولا يتصور به وجوب الحد، وقال أبو حنيفة: تلزم الكفارة به وربما يقولون: لا يلزم به الغسل إذا لم ينزل. مسألة: قال (¬5): وَالحَامِلَ والمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَليْهِمَا القَضَاءُ. وهذا كما قال: الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم فإن كان خوفهما على أنفسهما يلزمهما القضاء ولا فدية عليهما كالمريض والمسافر، وإن كان خوفهما على ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 9). (¬3) انظر الأم (2/ 9. (¬4) موضع النقط بياض بالأصل. (¬5) انظر الأم (2/ 9).

ولدهما قال الشافعي: أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم مدّ من حنطة، وأراد إذا كان قوت مثلهما الحنطة وإلا فمن قوتهما إلا أن يتطوعا بالحنطة وصامتا إذا أمنتا على [297 ب/4] ولديهما وبه قال مجاهد وأحمد، إلا أن أحمد يقول: مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير وهذا هو الصحيح. وقال في البويطي: يجب على المرضع القضاء والفدية ويجب على الحامل القضاء دون الفدية والفرق أن حملها متصل بها فصارت كأن العذر في نفسها كالمريضة بخلاف المرضع، وبه قال مالك في أصح الروايتين والليث بن سعد، وقال صاحب "الإصلاح": قال الشافعي في موضع الكفارة عليهما استحباب وبه قال الحسن وعطاء والزهري وربيعة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأبو عبيد وداود وهو اختيار المزني وابن المنذر وهو قول أبي حنيفة، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا: عليهما الفدية ولا قضاء وهو الأصح، لأن القضاء لزم المريض بالنص ففيه تنبيه على وجوبه على الحامل وقد روي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم نصف صاع". وقال [298 أ/4] القفال قول واحد في المرضع: يلزمها الفدية والقولان في الحامل والفرق ما ذكرنا وأيضًا الضرر الذي تخاف الحامل لو لحق ربما يتصل بالأم فإن الحمل هو جزء منها والأصل الضرر من ولد المرضع إلى بدنها، فليس فيها معنى المرض بل هي رخصة مخصوصة بشرط الفدية، واحتج المزني فقال: كيف يكفَّر من أبيح له الأكل والإفطار ولا يكفر من لم يبح له الأكل فأكل وأفطر؟ قلنا: من أصحابنا من لم يسلم ذلك الأكل عمدًا على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من سلم وهو المذهب والفرق أن االمستمتع بالفطر شخص واحد فلم يلزم بذلك الفطر إلا بدل واحد وهو القضاء وهاهنا المستمتع بالفطر شخصان الأم والولد، فجاز أن يتعلق بهذا الفطر بدلان القضاء والفدية كما لو جامع؛ ولأن مدار الكفارة ليس على الإثم لأن المحتقن والمستعط وتارك النية عامدًا من الليل هو مأثوم ولا كفارة عليه، ثم قال المزني: وفي القياس أن الحامل كالمريض والمرضع كالمسافر، وكل مباح له [298 ب/4] الفطر وأراد به أن المريض إنما يفطر لضعف في نفسه لا لعجز عن أمر كان يباشره، كذلك الحامل، وأما المسافر فإنما يفطر لا لضعف في نفسه ولكن لعجز عن أمر يباشره وهو قطع المسافة، وكذلك المرضع إنما تفطر للعجز عن الإرضاع فهو في القياس سواء والجواب ما ذكرنا من الفرق ثم احتج أيضًا بما حكاه عن الشافعي فقال: واحتج بالخبر من استقاء عامدًا هل عليه القضاء؟، قال عليه القضاء قال المزني: ولم يجعل عليه أي: على المستقيء عامدًا هل أحد من العلماء علمته فيه كفارة وقد أفطر عامدًا، وكذلك قالوا: في الحصاة يبتلعها الصائم والجواب من وجهين: أحدهما: أنهم إنما لم يوجبوا هناك الكفارة العظمى، فأما الفدية فغير مسلمة، والثاني: مثل ما قلنا إن المستمتع بالفطر هناك شخص واحد وهاهنا بخلافه.

فرع إذا كانت ترضع ولد الغير بالأجرة لها أن تفطر وتفتدي كما في السفر إذا كان قبيحًا له أن يفطر. فرع آخر إذا أفطر ليخلص الغريق فيه [229 أ/4] وجهان، والظاهر أنه لتزمه الفدية لأن العذر في غيره. فرع آخر لو كانت حبلى بولدين هل يلزم فديتان؟ وجهان: أحدهما: تلزم فديتان لارتفاق شخصين عاجزين عن الصوم، والثاني: وهو الأظهر يلزم فدية واحدة لأنه تحصل المزية بها على فطر المريض. مسألة: قال (¬1): وَمَنْ حَرَّكَتِ القُبلةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتُهَا لَهُ. الفصل وهذا كما قال: إذا كان الصائم شابًا لا يأمن من القبلة الإنزال فإنه تكره القبلة ولا تباح وهل تطلق أنها حرام فيه وجهان: أحدهما: أنها حرام لأنه يخاف الفطر كالخلوة بالأجنبية هي حرام، والثاني: أنها إن أفضت إلى إنزال الماء كانت حرامًا وإلا فلا يكون حرامًا، وهذا أصح لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة: "أرأيت لو تمضمضت" فإن قبَّل ولم ينزل لم يفسد صومه، وإن كان شيخًا يأمن الإنزال لم يكره له ذلك والأفضل له تركها، قال الشافعي في "الأم" ومالك يكره في الحالين جميعًا عنها أفضل لأنه مع شهوة يرجى من [299 ب/4] الله تعالى ثوابها وفيما نقل المزني خلل لأنه قال: كرهتها له فإن فعل لم ينتقض صومه وتركها أفضل، لأن من تحرك القبلة شهوته لا يقال تركها أفضل لأن فعلها مكروه وسقط عن المزني نقل الشافعي ومن لم تحرك القبلة شهوته فلا بأس وترك هذا أفضل على ما ذكرناه من لفظه، وقال القاضي الطبري: هذه الكراهة في الحالة الأولى هي كراهة تحريم لأنه إذا كان يخاف منها إنزال الماء يخاف إفساد الصوم فلا يجوز له أن يعرض الصوم للإفساد في الغالب من حاله. وقال محمد ابن الحنفية وابن شبرمة: القبلة تفطر الصائم بكل حال، وقال مالك: القبلة مكروهة للصائم بكل حال، وعند أحمد روايتان، وروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنه لا تكره القبلة للصائم سواء كانت تحرك الشهوة أو لا، وهذا كله غلط، لما روي "أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن قبلة الصائم فنهاه ثم أتاه آخر فسأله فأباحها له" قال أبو هريرة رضي الله عنه فنظرنا فإذا الأول [300 أ/4] شاب والآخر شيخ (¬2)، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل وهو صائم" وبينت عائشة رضي الله ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 10). (¬2) أخرجه أبو داود (2387)، وأخرجه ابن ماجه (1658) من حديث ابن عباس.

عنها أن ذلك إنما كان منه لأنه لا يخاف على نفسه فقالت بعد رواية الخبر:- وكان تعني النبي صلى الله عليه وسلم - أملككم لإربه بأبي هو وأمي، أي: أنه كان يملك حاجته ولا تغلبه نفسه وشهوته فقيل لها نظن أنك هي فضحكت (¬1) فعلموا أنها إنما تعني نفسها، ويقال: أرب مفتوحة الألف والراء وإرب مكسورة الألف ساكنة الراء معناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها والإرب الوضوء أيضًا، وروي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل عائشة ويمص لسانها وهو صائم"، وقالت عائشة رضي الله عنها: "تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم مني قبلة وأنا صائمة فقلت: إني صائمة فقال: ناوليني قرصًا فناولته كسرة فوضع على فيه ثم قال: ترى هذا فطرني". وقالت أم سلمة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلني وهو صائم وأنا صائمة"، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الصائم يقبل قال: "ذاك ريحانة [300 ب/4] تشمها ولا بأس بذلك" وروي أنه قال: "لا بأس إنما هي ريحانة تشمها" (¬2)، وروي عن جابر رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال: "هششت يومًا فقبلت وأنا صائم قال: فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم قال: أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم، وروي أنه قال لو تمضمضت أيضرك؟ قال لا قال ففيم إذاً" (¬3) يعني: أن القبلة الخالية من الإنزال كمضمضة خلت عن سبق الماء إلى الجوف وهذا دليل على أن القياس حجة وروي أن امرأة أتت أم سلمة رضي الله عنها فقالت: بعثني زوجي لأسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم، فقالت أم سلمة: إنه كان يقبل إحدانا وهو صائم فرجعت إلى زوجها فلم تزده إلا شرًا وقال: إنه ليس مثلنا إنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة فأخبرته به أم سلمة فقال: [301 أ/4] ألم تخبريها أني أفعل ذلك وأنا صائم قالت: نعم رجعت إلى زوجها فما زاد إلا شرًا وقال: كذا وكذا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إني أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (¬4). وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما لي فقال: إنك تقبل وأنت صائم". وروي عن أبي هريرة وعائشة مثل قولنا وبه قال عطاء والشعبي والحسن. وروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما كرهاها للشاب ولم يكرهاها للشيخ وهذا لأنه يخاف لتحرك الشهوة في الشباب دون الشيخ في الغالب وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه: من فعل ذلك يصوم يومًا مكانه (¬5). أورده الإمام البيهقي وهذا أصح مما تقدم. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1928)، ومسلم (1106). (¬2) اخرجه الخطيب في "تاريخه" (14/ 113). (¬3) أخرجه أحمد (1/ 21، 51). وعبد الرزاق في "المصنف" (20534)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 61)، والبيهقي في "الكبرى" (8018). (¬4) أخرجه مسلم (74/ 1108)، والبيهقي في "الكبرى" (8105). (¬5) أخرجه البيقهي في "الكبرى" (8106).

عن ابن عمر وابن مسعود وتلك الرواية رواها أهل العراق وحكم الملامسة حكم القبلة. فرع لو قبل فوق خمار فأنزل لا يفطره. فرع آخر لو قبل امرأته وفارقها ساعة أو ساعتين، ثم أنزل فيه وجهان، والأصح أنه يفطره إن [301 ب/4] كانت الشهوة مستصحبة والذكر قائمًا حتمًا أنزل. ولو قليل، أو يمسح فأمذى لم يفطر خلافًا لأحمد، لأنه خارج لا يوجب الغسل كالبول، ويفارق المني لأنه يلنذ بخروجه ويوجب الغسل. مسألة: قال (¬1): "وإِنْ وَطاءَ دُونَ الفَرْج فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ وَلَم يُكَفَّر". الفصل وهذا كما قال، قد مضت هذه المسألة، وهل أراد بقوله ولم يكفر الكفارة العظمى أو الكل من العظمى والصغرى؟ فيه خلاف بين أصحابنا، ثم قال: "وإِنْ تَلَذَّذ بِالنَّظَر [فَأَنْزَل] لَمْ يُفْطِر" وقصد به الرد على مالك حيث قال: إن أنزل في أول النظر قضي ولم يفكر، وإن كرر النظر حتى أنزل قضى وكفر. واختلف أصحاب مالك فيمن أنزل بالفكر وهل يفطر أم لا؟ وأكثرهم يسلمون ذلك وعندنا لا يفطر بحال، لأنه حديث النفس من غير مباشرة كالاحتلام. وأما الإثم فإنه جاءه نظر فأنزل لم يأثم، وإن كرر النظر أثم ولو استنزل الماء بكفه أفطر وعليه القضاء دون الكفارة خلافًا لمالك، والأصل ما ذكرنا أنه لا كفارة في غير الجماع. وقد روي عن عمر - رضي الله عنه -[302 أ/4] أنه أتي بسكران في رمضان فعاقبه وقال للمنخرين والفم أو لليدين والفم ولو أننا صيام وأنت مفطر ولم يأمره بكفارة ولا أحد من الصحابة أمره بها. مسألة: قال (¬2) الشافعي: وَإِذا أُغْمٍىَ عَلَى رَجُلٍ فَمَضَى لَهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ مِنْ شَهْرِ رمضانَ وَلَم يَكُنْ أَكَلَ وَلاَ شَرِبَ فعليه القضاءُ. إِلى آخر كلام المزني. وهذا كما قال: أراد به إذا أغمي على صائم لا أن الرجل يختص به وجملته أنه إذا أغمي على إنسان في رمضان في الليل ولم يفق إلا في النهار لم يصح صومه من الغد لأنه لم ينو من الليل وإن أغمي عليه بالنهار وكان قد نوى من الليل فإن استغرق النهار كله لم يصح صومه قولًا واحدًا. وقال أبو حنيفة والمزني يصح صومه كما لو نام في كل النهار وهذا غلط لأن النية قد انفردت عن الإمساك فلم يجز كما لو انفرد الإمساك ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 11). (¬2) انظر الأم (2/ 11).

عن النية وأما النائم فقال أبو سعيد الإصطخري: لا يصح صومه إذا نام في كله. وقال عامة أصحابنا يصح صومه والفرق أن النوم جبلة وعادة لا يزيل العقل لأنه متى نبه تنبه ويلزم [302 ب/4] قضاء الصلوات بخلاف الإغماء وإن لم يستغرق جميع النهار. قال في كتاب الصوم إذا أفاق في بعض النهار أجزأه، وقال في كتاب الظهار إن كان في أول النهار مفيقًا صح صومه وإن لم يكن مفيقًا في أوله لم يصح صومه. وقال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: إن أغمى عليها وهي صائمة أو حاضت فإنه يبطل صومها فجعل الإغماء منافيًا للصوم كالحيض واختلف أصحابنا فيه على طرق فقال أبو إسحاق: فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يحتاج أن يكون مفيقًا في أوله وبه قال مالك لأن الصوم يفتقر على الإفاقة كما يفتقر إلى النية ثم محل النية ابتداء الصوم كذلك الإفاقة. والثاني: إذا كان مفيقًا في جزء من الصوم أجزأه لتحصل النية مع الإفاقة في جزء منه كما لو أفاق في أوله. والثالث: أنه إذا أغمي عليه في جزء من الصوم بطل صومه لأنه معنى يُزيل العقل، ويفسده إذا وجد في جميعه فكذلك في بعضه كالجنون. والطريق الثاني: قال ابن سريج المسألة على قول واحد يحتاج [303 أ/4] أن يكون مفيقًا في أوله على ما ذكر في الظهار وما قال في الصيام أجمل ولم يفصل وبينه في الظهار وأما ما قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى فله تأويلان، أحدهما: أنه ذكر الحيض والإغماء وأجاب عن الحيض. والثاني: أنه أراد بالإغماء الجنون. ثم خرج ابن سريج قولًا آخر أنه إذا اعتبرت في أوله اعتبرت في آخره لأنه أحد الطرفين كنية الصلاة تعتبر في طرفها أولها وآخرها. والطريق الثالث: المسألة على قول واحد تعتبر الإفاقة في جزء منه حتى يحصل القصد إلى الإمساك إلا أنه ذكر في الظهار أول النهار لأنه جزء منه ولم يرد أن الأول بخلاف الاثنان والذي ذكر قال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى تأويله ما ذكرنا وبه قال أحمد. والطريق الرابع: فيه أربعة أقوال ثلاثة منصوصة وواحد مخرج وهو ما خرجه ابن سريج. والطريق الخامس: فيه خمسة أقوال ثلاثة منصوصة وقولان مخرجان أحدهما ما ذكره المزني والثاني ما ذكره ابن سريج وهذا والذي قبله ضعيف. فرع لو شرب بالليل وبقي سكران طول نهاره يلزمه القضاء [303 ب/4] فإن صحا في بعض النهار فهو كالإغماء، وكذلك لو شرب دواءً سفاهة فزال عقله فهو كالسكران. فرع لو جن في أثناء الصوم فيه قولان، قال في الجديد: يبطل الصوم لأنه عارض يسقط فرض الصلاة فابطل الصوم كالحيض وهو الصحيح. وقال في القديم لا يبطله كالإغماء لأن كليهما يزيل العقل والولاية وهذا لا يصح لأن حكم الجنون أغلظ، فعلى قوله

القديم فيه طرق كما ذكرنا في الإغماء. وذكر القاضي أبو علي البندنيجي أن المذهب هو قوله القديم ذكره في البويطي أيضًا. وقيل في المسألة وجهان وكلاهما غلط ولو امتد الإغماء إلى الليلة القابلة واليوم بعد ..... (¬1) وإن أفاق في بعضه لفقد النية من الليل، وعند أبي حنيفة لو كان قبل الزوال فنوى فإنه يصح صومه. مسألة: قال (¬2): وَإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ فَلا صَوْمَ عَلَيْها فإذَا طَهُرَتْ قَضِيت الصَّومَ. وهذا كما قال لا يصح الصوم من الحائض ولكن يلزمها في ذمتها، ومعنى قوله فلا صوم عليها أي: لا يصح منها مباشرة الصوم [304 أ/4] في الحيض ولو قصدت الصوم تأثم ثم إذا طهرت قضت الصوم ولا تقض الصلاة إلا ما أدركت في وقت العذر والضرورة وهذا إجماع. وروت معاذة العدوية عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يصيبنا الحيض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" وإنما افترق حكم الصوم والصلاة في ذلك لأن الصوم لا يشق قضاؤه لأنه في السنة مرة واحدة والصلاة تكثر ويشق قضاؤها فافترقا. مسألة: قال (¬3): وأحبُّ تَعْجِيلَ الفِطْرِ وَتَاخِيرَ السّحورِ. وهذا كما قال: يستحب ذلك إذا تحقق الأمر وهو بقاء الليل أو دخوله لما روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور" (¬4) وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" (¬5)، وروي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "كنت أتسحر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [304 ب/4] ثم أقوم إلى الصلاة فقيل له كم كان بينهما قال قدر قراءة خمسين آية" (¬6). وروي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت رضي الله عنه تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فقيل لأنس كم كان بينهما فقال: "قدر ما بينهما قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" (¬7) وفي تأخير السحور تقوية على الصوم ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداء فقال لبعض أصحابه - وهو العرباض بن سارية-: "هلم إلى الغداء المبارك" (¬8). وفي تعجيل الفطر مخالفة اليهود والنصارى لأنهم يؤخرون الإفطار. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 12). (¬3) انظر الأم (2/ 13). (¬4) أخرجه البخاري (1957)، ومسلم (48/ 1098). (¬5) لم أجده بهذا اللفظ، لكن قال ابن حجر في "التلخيص" تعليقًا على الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ: "إنَّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر. . . " فذكره. انظر تلخيص الحبير (331). (¬6) أخرجه البخاري (1921)، ومسلم (47/ 1097). (¬7) أخرجه البخاري (576). (¬8) أخرجه أحمد (4/ 126)، وأبو داود (2244)، والنسائي (4/ 146، 181)، والطبراني في "الكبير" =

واعلم أنا نريد بتعجيل الإفطار الأكل والشرب لأن الإفطار يحصل بغروب الشمس من طريق الحكم لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أدبر النهار وأقبل الليل وغابت الشمس فقد أفطر الصائم"، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحقق الفطر بفعله حتى يوافق فعله الحكم ويحصل به الشارع إلى قبول الرخصة وإظهار الفرق بين الوقتين وقت الإمساك ووقت الفطر، فلو أخر قال في "الأم" (¬1): إذا تعمد [305 أ/4] ذلك ورأى الفضل في تأخيره كرهت ذلك وإن لم ير ذلك فلا بأس لأنه لا يصير صائمًا بالليل وإن نواه ولو شك في طلوع الفجر الثاني، قال في "الأم" (¬2): أستحب له قطعه والامتناع منه، قال أصحابنا: ويكره له الأكل ولكنه يجوز لأن الأصل بقاء الليل. وأعلم أن السحور سنة لما روي أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تسحروا فإن في السحور بركة" (¬3). وروي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استعينوا بقايلة النهار على قيام الليل وبأكل السحور على صيام النهار" (¬4). فرع قال في "سنن حرملة" أحب أن يفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء والأصل فيه لما روي سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان أحدكم صائمًا فليفطر على التمر فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور" (¬5)، وروي أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من الماء" (¬6). وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر [305 ب/4] على تمر زيد في صلاته أربع مائة صلاة" (¬7). فرع آخر يستحب في زماننا هذا أن يفطر بكف من الماء يأخذه بيده من نهر ليكون أبعد من الشبهة فإن الشبهات كثرت فيما في أيدي الناس قاله القاضي الحسين. ¬

_ (¬1) = (7/ 180373/252)، وعبد الرزاق (7600)، والبيهقي في "الكبرى" (8081). () انظر الأم (2/ 83). (¬2) انظر الأم (2/ 83). (¬3) أخرجه البخاري (1923)، ومسلم (45/ 1095). (¬4) أخرجه ابن ماجه (1693)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 425). (¬5) أخرجه أحمد (4/ 17)، وأبو داود (2355)، والترمذي (658)، وابن ماجه (1699)، والدرامي (2/ 27)، وعبد الرزاق (7586)، والبيهقي في "الكبرى" (8136، 8137)، وفي "معرفة السنن" (2507). (¬6) أخرجه أحمد (3 م 146)، وأبو داود (2356)، والترمذي (696)، والبيهقي في "الكبرى" (8130). (¬7) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 194)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2350)، والقيس في "تذكرة الموضوعات" (746).

فرع آخر قال في "سن حرملة": وأحب للصائم أن يدعو عند إفطاره فإن له دعوة مستجابة. روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" (¬1)، وكان يقول في رواية ابن عمر إذا افطر: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله" (¬2)، وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول إذا أفطر: "يا واسع المغفرة أغفر لي" (¬3)، وري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قدم أحدكم عشاه فليذكر أسم الله تعالى وليقل اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت سبحانك وبحمدك تقبل منا إنك أنت السميع العليم". فرع آخر قال أصحابنا: يستحب أن يفطر الصائم لما زيد بن خالد الجهيني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فطر صائمًا فله مثل أجره ولا ينقص من أجر الصائم [306 أ/4] شيء" (¬4).وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "من فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره" (¬5) هذا إن قدر عليه فإن لم يقدر يفطره على تمرة أو شربة من الماء أو اللبن، لما روى أن واحدًا من الصحابة قال: "يا رسول الله ليس كلنا نجد نفطر به الصائم فقال: يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن" (¬6). فرع آخر جرت عادة بعض الناس بترك الكلام في شهر رمضان وليس له أصل في الشرع، والرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يفعلوا إلا أن له أصلًا في شرع من قبلنا، قال الله تعالى لزكريا عليه السلام {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا} [مريم: 10]، وقالت مريم عليها السلام {إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنسِيًا} [مريم: 26]، وقد قال بعض أصحابنا إن شرع من قبلنا يلزمنا فيكون هذا قربة تستحب. ومن قال: إنه لا يلزمنا شرع من قبلنا قال: هذا لا يستحب. مسألة: قال (¬7): وإذا سافر الرجل بالمرأة [306 ب/4] سفرًا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي كان لهما أن يفطرا. ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (2358) من حديث معاذ بن زهرة، وهو مرسل. (¬2) أخرجه أبو داود (2357)، والنسائي (3229)، والدارقطني (2/ 185)، والحاكم (1/ 422) (¬3) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/ 44). (¬4) أخرجه أحمد (4/ 114، 115، 116)، والترمذي (807)، وابن ماجة (1746)، وابن حبان (795). (¬5) أنظر كشف الخفا للعجلوني (2/ 370) (¬6) أوده السيوطي في " الدار المنثور" (1/ 184)، والمنذري في الترغيب والترهيب (2/ 95، 145). (¬7) انظر الأم (2/ 13).

الفصل وهذا كما قال قد ذكرنا حد السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر فإذا خرج إلى مثل هذا السفر له أن يفطر فيأكل أو يجامع وهذا لقوله تعالى {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (¬1). وقال أحمد: لا يجوز الإفطار بالجماع وإن جامع وجبت عليه الكفارة لأنه أبيح له الأكل والشرب للحاجة إليه ولا حاجة به إلى الجمال وهذا غلط لأنه لو كان لا يحتاج إلى الأكل فأجل فجاز له صوم يجوز أن يفطر فيه بالأكل يجوز أن يفطر فيه بالجماع كصوم التطوع، وإن صام في سفره أجزاه. وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن صام في السفر قضى في حضر وبه قال داود وقال يحرم عليه الصوم. واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "ليس البر الصيام في السفر (¬2) كالمفطر في الحضر"، وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو الإسلامي قال للنبي صلى الله عليه وسلم [307 أ/4]: يا رسول الله إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر فقال: "صم إن شئت وأطر إن شئت" (¬3). وروى عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصام بعضنا وأفطر بعضنا فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم". وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة فر رمضان فلما انصرفنا قال لي:"ماذا فعلت قلت: صمت وما أفطرت وأتممت وما قصرت فقال: أحسنت" (¬4) ولأن من لا يترك الصلاة لا يكون فطره عزيمة كالمريض. وأما الخبر الأول قلنا روى ابن المنذر بإسناده عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاما على رجل قد ظلل عليه فقال: ما هذا؟ فقالوا: صائم فقال: هذا وعندنا إذا أضعفه الصوم لا يكون له الصوم برآ. وأما الخبر الأخر أراد من لم ير الفطر رخصة في السفر كمن لم ير الصوم في الحضر، وروى؟ أنهم كانوا في الحرب فأمرهم بالفطار ليتقووا على عدوهم في الحرب فصام قوم منهم فقال: هذا وقال أيضًا: أولئك العصاة وأما الأفضل فإنه إن كان يلحقه [307 ب/4] مشقة شديدة في الصوم فالأفضل له الفطر، وإن كان لا يلحقه ذلك فالأفضل له الصوم. وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري وأبو ثور وروى ذلك عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص. وروى عن ابن عباس وابن عمر المسيب رضي الله عنهم وأنهم قالوا: الفطر أفضل بكل حال، وبه قال الاوزعي والشعبي وأحمد وإسحاق كالقصر أفضل من الإتمام، وروى هذا عن مالك أيضًا وهذا غلط لما روى يلمه بن المحبّق رضي الله ¬

_ (¬1) أخرجه احمد (5/ 29)، والترمذي (715)، والنسائي (2267). (¬2) أخرجه البخاري (1946)، ومسلم (92/ 1115). (¬3) أخرجه البخاري (1942، 1943)، ومسلم (103، 1121). (¬4) أخرجه النسائي (1456)، والدارقطني (2/ 188).

عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من كانت له حمولة تتساوى غلى شبع فليصم حيث أدركه " (¬1)، ورزة أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أفطرت فرخصة الله، وإن صمت فهو أفضل"، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم في السفر أفضل" ولأن من خير بين الصوم والإفطار كان الصوم له الأفضل كالمتطوع". وأما القصر فيه قولان، أحدهما: الإتمام أفضل وإن سلمنا وهو الصحيح فإنه لا يلزم القضاء الركعتين المتروكتين يلزم القضاء ها هنا في الذمة في الذمة فافترقا. فرع قال بعض أصحابنا [308 أ/4] بخراسان: لو أفطر المسافر بالجماع غير مترخص به فيه وجهان: أحدهما: لا تلزمه الكفارة لأن هذا الصوم غير لازم فهو كالمترخص. والثاني: تلزمه الكفارة وبه قال أحمد لأنه إذا لم يترخص صار كمقيم جامع فأفسد صومه فهو كما لو نوى القصر مترخصًا جاز ولو بدا له أن يتم في خلال الصلاة فقام بنية الإتمام جاز، ولو قام متعمدًا لا بنية الإتمام بطلت صلاته، والأول أظهر وأصح. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أن الحامل إذا كانت سافرة فأفطرت نظر فإن كان للترخص برخصة السفر لا يلزمها الفدية، وإن كان للولد يحتمل وجهين، أحدهما: لا يلزمها أيضًا لأن الفطر جائز لها لا لأجل الولد. والثاني: يلزم كالشيخ الهرم إذا أفطر في السفر، والأول أصح. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أيضًا إذا وطئ امرأته الحامل وهي ممن يباح لها الفطر للولد فلا كفارة عليها وإن قلنا تلزم الكفارة على المرأة لأن الفطر مباح لها في الجملة كالمسافرة فإن قيل هل يباح لها الفطر على هذا الوجه قلنا الأوضح أنه مباح كحالة السفر ولا يصح أن يقال الفطر] 308 ب/4] إنما أبيح للولد فلا يباح إلا بما يعود نفعه إلى الولد وليس في الجماع نفعه لأن الفطر إذا أبيح بجهة فلا تخصيص، كما في المسافر أبيح له الفطر ليقوى على السفر ثم له أن يجامع. وإن لم يكن فيه هذا المعنى قلت: ويحتمل وجهًا آخر قياسًا على ما تقدم من الوجه في المسافر إذا جامع غير مترخص به. فرع آخر ذكره والدي أيضًا إذا شرع السافر في صوم رمضان ثم نذر الإتمام، قال: عندي لا يلزمه الإتمام لأن الإيجاب شرعًا هو أقوى من الإيجاب نذرًا وذلك لا يوجب الإتمام ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (3/ 476)، وأبو داود (2410)، والعقلي (3/ 83)، وابن الجوزي في "العلل" (2/ 48).

ولهذا أنه لو نذر المسافر أن يقصر الصلاة أو يتمها لم يتغير الحكم بهذا النذر لأن الإيجاب الشرعي إذا لم يوجب أحد هذين على التعيين لم يصح التعيين فيه بجهة النذر. وقال الشيخ الإمام أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله ويحتمل عندي ..... (¬1) أدخل المسافر في الصوم أن يفطر بعده لأنه دخل في فرض المقيم كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام ثم أراد القصر لا يجوز ولم يقله غيره. مسألة: قال (¬2) وليس لأحد أن يصوم في شهر رمضان نذرًا الفضل وهذا كما قال [309 أ/4] وفي نسخة دينا أراد بقوله دينًا صومًا كان عليه دينًا عن كفارة أو نذرًا وغيرهما ثم قال ولا قضاء لغيره وأراد قضاء رمضان غيره. وجملته: أن عندنا لا يجوز للمسافر أن يصوم عن غير رمضان بحال لأن زمان رمضان هو مستحق لصوم رمضان وحده فلو نوى المسافر صومًا آخر لا ينعقد له ذلك الصوم ولا صوم رمضان. وقال أبو حنيفة: له أن يصوم عن النذر والقضاء والكفارة وعن التطوع روايتان، وخالفه أبو يوسف ومحمد وقالا ت يقع عن رمضان وهذا غلط لأنه يجوز له الإفطار للعذر فلا يجوز له أن يصوم عن غيره كالمريض والشيخ الهرم. مسألة: قال (¬3): وإن قدم رجل من سفره نهارًا مفطرًا كان له أن يأكل حيث لا يراه أحد. وهذا كما قال الأصل في هذا الباب هو أن كل من لم يلزمه صوم أول النهار ظاهرًا وباطنًا لا يلزمه إمساك باقي النهار، فإذا قدم المسافر في نهار رمضان بلده أو بلدًا يريد المقام فيه غير بلده فإن كان مفطرًا أو تاركًا للنية يستحب له أن يمسك باقي النهار ولا يلزمه ذلك وهكذا المريض [309 ب/4] إذا بدأ في أثناء النهار والحائض والنفساء إذا طهرتا في أثنائه، والصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والكافر يسلم. وقال بعض أصحابنا بخراسان: الصحيح في الحائض أنه لا يلزمها التشبه لأن عذرها أعظم. ونص في "حرملة" أن الكافر إذا أسلم كان الكفر بمنزلة الأعذار. وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم "يجب ما قبله". وبه قال مالك وأبو ثور وداود وأحمد في إحدى الروايتين، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز لهم أن يأكلوا في بقية النهار وهذا غلط لأنه أبيح له الإفطار ظاهرًا وباطنًا فإذا أفطر كانت له استدامته إلى آخر النهار كما لو داوم عذره. ومن أصحابنا من قال: يجب الإمساك على الصبي والمجنون إذا بلغ وأفاق وكذلك على الكافر إذا أسلم لأنه لا يجب القضاء عليهم، ولأن الكافر كان مخاطبًا بالصيام مفرطًا بتركه. وقال القفال: هل يلزم قضاء ذلك اليوم على هؤلاء وجهان: فإن قلنا يلزمهم القضاء لا يلزمهم التشبه. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أنظر الأم (2/ 13). (¬3) انظر الأم (2/ 14).

وإن قلنا لا يلزمهم القضاء فيلزمهم التشبه، ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه أربعة أوجه، [310 أ/4] اثنان: وهو ما ذكرنا، والثالث: يلزم الكافر التشبه وحده دون الصبي والمجنون لأنه غير معذور. والرابع: يلزم الكافر والصبي ذلك دون المجنون لأنه يصح منهما الصوم إذا أتيا بالشرائط، بأن ينوي الصبي ويسلم الكافر وينوي، والمجنون لا يمكنه ذلك فكان معذورًا. ومن أصحابنا من فال في المريض: إذا صح أنه يلزمه الإمساك، بخلاف المسافر لأنه أبيح له الفطر لعجزه عن الصوم. فإذا زال العجز ارتفع معنى الإباحة فيلزم الإمساك والمسافر يفطر وإن أطاق الصوم وهذا هو اختيار البصريين من أصحابنا وقالوا: هذا أشبه ذكره في "لحاوي" (¬1) ونص في "البويطي" في المغمى عليه يفيق ليس عليه الإمساك فلا يصح هذا التخريج على المذهب. وحصل خمسة أوجه في الجملة والمنصوص ما تقدم. وقال الشافعي: وإن كانت امرأته حائضًا فطهرت أي امرأة هذا القادم قد طهرت في هذا اليوم كان له أن يجامعها ولو ترك ذلك كان أحب إلىَّ أيْ: للاحتياط أو الخروج من الخلاف ثم اعلم أن الشافعي قال: له أن يأكل حيث لا يراه أحد لا لأنه لا يجوز له الأكل حيث يراه الناس ولكن [310 ب/4] لئلا يتهم بأنه ترك فرض الله تعالى إذ ليس كل أحد يعلم إباحة الأكل له. فرع قال بعض أصحابنا؛ إذا تبين يوم الشك أنه من رمضان ولم يكن أكل فحكي البويطي عن الشافعي أنه قال: أحببت له الإمساك لأنه أصبح ولم يكن الفطر محرمًا عليه ولو كان أكل، فإن قلنا هناك لا يحرم الأكل فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك يحرم الأكل فهل يحرم هاهنا؟ وجهان، والصحيح أنه يحرم لأنه بان أنه لم يكن الأصل مباحًا وعلى هذا فإذا قلنا أنه يلزمه الشبه يلزمه القضاء على الفور، لأن قلنا لا يلزمه التشبه فالقضاء على التراخي. فرع لو دخل المسافر أو المريض في الصوم ثم زال العذر في أثناء النهار فظاهر ما ذكره في المختصر أنه يلزمه الإتمام ولا يجوز له أن يفطر لأنه قال. لأن قدم من سفره نهارًا مفطرًا فشرط أن يقدم مفطرًا، وبه قال أبو إسحاق وهذا لأن عذره زال قبل الترخص فهو كالمسافر إذا أقام قبل أن يقصر الصلاة لم يجز له القصر، وهذا هو الصحيح. وقال القفال: لا خلاف فيه، وقال ابن أبي هريرة: يجوز له الإفطار وهو القياس. [311 أ/4] وقيل نص عليه في البويطي لأنه لما أبيح له الإفطار في أول النهار مع علمه ¬

_ (¬1) أنظر الحاوي للمارودي (3/ 448).

بالحال بقيت الرخصة إلى آخر النهار كما لو أفطر ثم أقام فحصل قولان وقيل وجهان، وهو غلط. وقال يعض أصحابنا بخراسان: إن أصبحا تاركين للنية لم يكونا أكلا فزال العذر هل يلزم التشبه لأنه لم يلحقه الرخصة في السفر. لأن أكلا لم يلزم التشبه، وإن صاما فلا يجوز الفطر وهذا لا يصح لأنه إذا لم ينو من الليل كان مفطرًا، ولو شرع الصبي في المحرم ثم بلغ لا يلزمه الإتمام قولًا واحدًا. وفي هذا نظر لأنه ليس من أهل اللزوم وقت الشروع وذكر في "الشامل" في المريض إذا صام ثم زال المرض لا يجوز أن يفطر قولًا واحدًا ولا وجه للفرق بينه وبين المسافر عندي. فرع آخر هل يثابون على الإمساك في بقية النهار فيه ثلاثة أوجه: احدها: لا يثابون لأنه لا يعتد به، والثاني: وهو الأصح يثابون عليه لأنهم يستحقون العقاب بتركه، والثالث: أنهم لم يكونوا مفرطين بالفطر، فإنهم يثابون عليه وإلا فلا عقوبة على تعديه [311 ب/4]. مسالة: قال (¬1): ولو أن مقيمًا نوى الصوم قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرًا لم يفطر يومه. وهذا كما قال إذا أصح في رمضان وهو مقيم صائم ثم سافر ذلك اليوم لا يجوز له أن يفطر في بقية اليوم بخلاف ما إذا مرض لأن المرض ضرورة والسفر اختيار، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والنخعي ومكحول والزهري وأبو ثور، وقال إسحاق وداود والمزني وابن المنذر وهو رواية عن أحمد: يجوز له الفطر وهذا غلط لأنه عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا أنشأه في الحضر ثم سافر فوجب أن يغلب حكم الحضر كالصلاة. واحتج المزني بما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في مخرجه إلى مكة في رمضان حتى بلع كراع الغميم وصام الناس معه ثم أفطر وأمر من صام معه بالإفطار" (¬2)، فلو كان لا يجوز له الفطر ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ما أفطر. قلنا ظن المزني أن كراع الغميم قريب من المدينة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح في المدينة ثم خرج إلى كراع الغميم فأفطر وليس كما توهم بل بين المدينة وبين كراع الغميم ثمانية أيام فصام رسول الله [312 أ/4] صلى الله عليه وسلم في السفر مع الناس ثم أفطر في هذا اليوم حين رأى رجلًا يظلل عليه وينفح بالماء فقال: ما ذاك؟ فقيل: صائم جهده الصوم فأفطر وأمر الناس بالإفطار، وقيل: لما احتج المزني بهذا الخبر قيل: له هذا فقال: خطوا عليه وفي بعض النسخ خط عليه وفي بعضها لم يخط وأمر بالخط على هذا الاحتجاج لا على مذهبه، وقيل خط على مذهبه في المنثور ووافق الشافعي، فإذا تقرر ما ذكرنا فلو خالف فأفطر فإن أفطر بالأكل فلا كفارة ووجب القضاء لأن أفطر بالجماع يلزمه القضاء والكفارة. وقال أبو حنيفة ومالك في رواية أنه لا كفارة وكذلك عبد الملك إذا أنشأ الصوم في الفر ثم أفطر ففي ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 14). (¬2) أخرجه مسلم (90/ 1114).

الكفارة روايتان وهذا غلط لأن الفر الذي لا يبيح الفطر لا يسقط الكفارة كالسفر القصير. فرع لو شك هل سافر قبل طلوع الفجر أم بعده؟ ليس له أن يفطر لأنه في شك من تقدم السفر وبالشك لا تباح الرخص. فرع آخر لو قدم من سفره مفطر فجامع امرأته وهي صائمة فإنه يلزمه الكفارة عنها فلو حاضت في آخر النهار فإنه تسقط الكفارة عنه في الصحيح من المذهب. وقال في اختلاف العراقيين:] 213 ب/4] قد قيل عليه عتق رقبة، وقيل لا شيء عليه فحمل قولان: لا يسقط، وبه قال مالك وابن أبى ليلى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود قياسًا على ما لو جاع ثم سافر سفرًا يبيح له الفطر. والثاني: يسقط، وبه قال أبو حنيفة والثوري لأنه خرج هذا اليوم من أن يكون صومه مستحقًا فلا كفارة وهكذا الخلاف إذا وطئ في أول النهار وطئًا يوجب الكفارة ثم جن في آخر النهار أو مات أو مرضًا يبيح له الفطر وقيل في الجنون والحيض الصحيح إنما تسقط؛ لأن الجنون ينافي الصوم فقد بان أنه لو لم يفطر ما كان يحصل له الصوم بخلاف المرض وقوله إنه غير مستحق لا نسلم بل كان الصوم مستحقًا قبل وجود هذا القدر. وقال زفر: الحيض والجنون يسقطانها والمرض لا بمثلها لأن المرض لا يبطل الصوم بخلاف الحيض والجنون وهذا غلط لأن هذا السفر الطارئ لا يبيح له الفطر وهو إلى اختياره بخلاف ذلك. مسألة: قال (¬1): ومن رأى الهلال وحده وجب عليه الصيام. وهذا هو كما قال: إذا رأى هلال رمضان وحده يلزمه أن يصوم [313 أ/4] سواء شهد عند الحاكم فرد شهادته أو لم يشهد بلا خلاف. وقال عطاء والحسن وشريك وإسحاق لا يلزم الصوم حتى يحكم الحاكم برؤية الهلال وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ولم يعتبر حكم الحاكم ولأنه إذا رأى الهلال بنفسه فقد تعين دخول رمضان وإذا شهد الشهود عرف ذلك بغلبة الظن،. فإذا لزم هناك فهاهنا أولى فإذا تقرر هذا فلو فطر في هذا اليوم بالجماع فإنه يلزمه الكفارة. وقال أبو حنيفة: لا كفارة لأنها تسقط بالشبهة وهذا غلط لأن هذا اليوم قد لزمه صومه من رمضان فتلزمه الكفارة بالجماع فيه كما لو قبلت شهادته. مسألة: قال (¬2): فلا رأى هِلاَلَ شَوَّالَ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأكُلَ حَيْثُ لا يراه أحد. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 15). (¬2) انظر الأم (2/ 15).

وهذا كما قال: إذا رأى هلال شوال وحده ورد الحاكم شهادته حل له أن يأكل حيث لا يراه أحد وهذا لئلا يلحقه إنكار من السلطان وممن لا يعرف حاله، وقال أبو حنيفة: لا يحل له أن يفطر بل عليه أن يصوم مع الناس فلو أفطر فلا كفارة. وقال مالك وأحمد لا يحل له [313 ب/ 4] الفطر ويخالف الابتداء للاحتياط وهذا غلط لأنه تبقيه من شوال فجاز له الأكل كما لو قامت البينة. وأما الاحتياط الذي ذكره فإنه ينتقض به إذا شك في الفجر يجوز له الأكل بالجماع والاحتياط بالإمساك. فرع لو رئي هذا الرجل يأكل فقال: كنت رأيت الهلال فإنه لا يعذر بل يعزر ولا يبلغ بالتعزيز الحد إلا أن يكون فطره بشرب الخمر فيحد ويندرج التعزيز تحته وإن أراد أن يشهد الآن لا تقبل شهادته لأنه منهم في دفع التعزيز عن نفسه ولا تقبل شهادة الظنين وهو المتهم والأصل في مثل هذا ما روي "أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه استأذن على عمر رضي الله عنه فلم يجبه أحد فأعاد الاستئذان مرة ثانية وثالثة فلم يجبه أحد وكان عمر في بيته مشتغلًا ببعض أشغاله ويسمع صوته فانصرف أبو موسى فبعث عمر في أثره وقال: ما دعاك إلى الانصراف فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاستئذان ثلاث مرات فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا (¬1)، فقال ائتني بمن يشهد لك وإلا [314 أ/4] أذيتك فانصرف أو موسى إلى الأنصار وقال: من يشهد لي فقالوا: لا يقوم معك إلا أصغرنا فقام أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فشهد بذلك عند عمر رضي الله عنه لأبي موسى فقال: عمر لأبي موسى: أما أني لا أتهمك ولكن خشيت أن لا أراجع أحدًا في أمر إلا ويروي لي خبرًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبل رواية أبي موسى لأنه أراد أن يدفع عن نفسه بذلك عتاب عمر رضي الله عنه ذكره القفال. مسألة: قال (¬2): وَلاَ أقْبَلُ علي رُؤيَةِ الهِلاَلَ للفِطْرِ إلاَّ عدلين. قال المزني: هذا يقضي لأحد قوليه أن لا يقبل في الصوم إلا عدلان وقد ذكرنا هذا فيما تقدم واختيار المزني السوره بين الطرفين في الشهادة والفرق ظاهر وهو أن التهمة متمكنة في الطرف الأخير دون الأول. مسألة: قال: (¬3) وإن صحا قبل الزوال أفطر وصلى بهم. وهذا كما قال: أراد بقوله: صحا أي: صحت عدالة الشاهدين على رؤية الهلال قبل الزوال من يوم الثلاثين وإذا صح ذلك أفطر، وهذا يقضي صلاة العيد، واحتج بأنه لا يقضي [314 ب/4] بعد الزوال ولا يقضي بعد شهر وقد ذكر بعض أصحابنا ..... (¬4) وقال القفال: عندي ينبنى القولان في قضاء صلاة العيد على أن صلاة العيد كالجمعة لا تُقضى أو كسائر النوافل هل يقضي وفيه قولان. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (34/ 3153). (¬2) انظر الأم (2/ 15) (¬3) انظر الأم (2/ 15) (¬4) موضع النقط بياض بالأصل.

مسألة: قال (¬1): وَمَنْ كَانَ عَلَيهِ صوم رمضان لسفر أو مرض فلم يقضه يقدر عليه حتى دخل شهر رمضان آخر كان عليه أن يصوم الشهر ثم يقضي من بعد الذي عليه ويكفر لكل يوم بعد. وهذا كما قال: كل من أفطر في رمضان بعذر أو بغير عذر وأوجبنا عليه القضاء فوقت القضاء ما بين رمضان الذي يقضيه وبين رمضان الذي يليه كان قضاؤه في وقت القضاء فلا شيء عليه وإن أخره عن وقته فإن كان لعذر مثل أن استدام السفر أو اتصل به المرض قضاه ولا شيء عليه وإن كان بغير عذر صام الشهر الذي أدرك عن فرضه ولا يجوز له إيقاع القضاء فيه كما يتذكر الفائتة في وقت لضيق الحاضرة فليس له الاشتغال بالفائتة وقضى الذي أفطر ولا يسقط عنه بتداخل الأحوال وعليه لكل يوم لأجل التأخير مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم. [315 أ/4] يتصدق به على مسكين واحد، ولا يجوز أن بدفع إلى مسكينين ولو دفع مدين ليومين إلى مسكين واحد جاز بخلاف ما لو دفع مدين من كفارة بمد إلى مسكين واحد لم يجز. والفرق: هو أن كل مد يوم من رمضان كفارة على حدة فكأنه أعطاه من كفارتين بخلاف ذلك وبه قال مالك والثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة والزهري، وقال يحيى بن أكثم القاضي وحدثه عن ستة من الصحابة ولم يذكر أسماءهم. وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه وهو اختيار المزني وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر في رمضان لمرض فلم يقضه حتى دخل رمضان آخر صام الذي أدركه وقضى ما فاته وأطعم عن كل يوم مسكينًا" (¬2)، وقال بعض أصحابنا إنما قيد الشافعي من كان عليه ذلك بسفر أو مرض لأن من أفطر بغير عذر يتضيق عليه القضاء عند الإمكان ومن أفطر بعذر كان في فسحة من قضائه إلى رمضان آخر لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من [315 ب/4] شهر رمضان فلا أقضيه لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدخل شعبان" (¬3) وهذا خلاف ما عليه أهل العراق. فرع لو أخره سنتين أو ثلاث فيه وجهان: أحدهما: يجب لكل سنة مد قياسًا على السنة الأولى، وبه قال عامة أصحابنا واختاره القاضي الطبري وهذا لأن كل واحد من المتأخرين لو انفرد لوجب المد فإذا اجتمعا لم يتداخلا. الثاني: وبه قال ابن سرج يكفيه مد واحد لأن القضاء موقت بما بين رمضانين فإذا آخر عن السنة الأولى فقد أخره عن وقته فوجب الكفارة وهذا المعنى لا يوجد فيما بعد السنة الأولى فلم يجب بالتأخير كفارة، قال القاضي أبو علي البندنيجي: هذا هو المذهب والوجه الآخر ليس بشيء وهذا أظهر عندي. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 16) (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 197). (¬3) أخرجه البخاري (1950)، ومسلم (151/ 1146).

فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو كان عليه قضاء يوم من رمضان فلما طلع الفجر من اليوم الثاني من شوال سافر بعده وامتد السفر إلى رمضان ثان ولم يقض، هل تلزمه الفدية؟ يحتمل أن يقال يجب كفارة التأخير لأن السفر الحادث بعد الفجر لا يمنع وجوب الكفارة بالجماع لأنه لو سافر بعد طلوع [316 أ/4] الفجر لا يجوز الفطر ولو جامع فيه يلزمه الكفارة فلا يمنع أيضًا وجوب كفارة التأخير لأن كل واحدة من الكفارتين تسقط عند وجود العذر وتلزم عند فقده ويحتمل أن يقال: لا يلزم الكفارة لأن حكم القضاء أضعف من حكم الأداء، قلت: هذا أصح عندي لأنه لم يحصل إمكان القضاء فلا يلزم الفدية إلا بوجود القضاء. مسألة: قال (¬1): فإذا مات أطعم عنه. وهذا كما قال: إذا أفطر في رمضان لعذر سفر أو مرض فلم يقض حتى مات. قال الشافعي: في كتبه القديمة يصوم عنه وليه، وقال فيه إن صح الخبر قلت به وقد صح الخبر فحصل قولان: أحدهما: لا يصوم عنه وليه وهو المذهب، وبه قال أبو حنيفة ومالك والثوري. وقال مالك لا يلزم الولي أن نطعم عنه أيضًا حتى يوصي بذلك. وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم ووجهه ما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين" (¬2) ولأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الموت كالصلاة. والثاني: يصوم عنه [361 ب/ (4)] وليه. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ركبت امرأة البحر فنذرت أن الله تعالى إن نجاها أن تصوم شهرًا فأنجاها الله تعالى فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إلى النبي. فذكرت ذلك له فقال لها: "صومي عنها" (¬3)، ولأنها عبادة يدخلها الجيران بالمال فجاز أن يدخلها النيابة بعد الوفاة كالحج وهذا غلط لأن في الخبر كلامًا لأن صح يحمله على أنه أراد به أدى عنه وليه ما يقوم مقام الصوم بدليل خبرنا، ولا يجوز قيامه على الحج لأنه يجوز الاستئجار عليه بخلاف هذا وروي عن أحمد وإسحاق، أنه إن كان صوم نذر صام عنه وليه وإن كان صوم رمضان أطعم عنه جمعًا بين الخبرين، وهذا أيضًا غلط لأنه لا فرق في القياس بينهما وعندنا كل صوم وجب عليه ثم مات بعد إمكان الأداء، فحكمه الإطعام عنه. وذكر في " الحاوي" (¬4) عن أحمد ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 17). (¬2) أخرجه الترمذي (718)، وابن ماجة (1757). (¬3) أخرجه البخاري (1953)، ومسلم (156/ 1148). (¬4) انظر الحاوي للمارودي (3/ 452)

وإسحاق وأبي ثور أنه يصوم عنه وليه في صوم رمضان إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه. ومن أصحابنا من قال: المسالة على قول واحد وأنكر أصحابنا [317 أ/4] أن يكون قوله القديم مذهباً له فإذا قولنا بقوله القديم بعض أصحابنا: يصوم عنه وارثه أي قدر كان. وقال بعضهم: لو أمر أجنبياً في أحد فصام عنه بأجره أو بغير أجرة فإنه يجوز كالحج عن الميت يجوز من الأجنبي في أحد الوجهين. وإذا قلنا بالمذهب لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يموت قبل فوات وقت القضاء وهو بعد دخول رمضان آخر فإن مات قبل فوات القضاء أطعم عنه وليه عن كل يوم مسكينا مداً. وعند أبي حنيفة يطعم صاعاً من تمر أو نصف صاع من برَّ إن أوصى به وهذا غلط لما روينا في الخبر أطعم عنه كل يوم مد وإن مات بعد فوات وقت القضاء فيه وجهان: أحدهما: انه يطعم عنه وليه عن كل يوم مدين مداً عن الصوم ومداً عن التأخير وهو الصحيح من المذهب لأن كل واحد منهما لو انفرد فإنه يوجب مداً. والثاني: قاله ابن سريج، وبه قال مالك يجزيه مد واحد لأنه إذا أخرج بدل الصوم فقد زال التفريط بالتأخير فلم يجب لأجله شيء وحكي عن ابن سريج أنه قال يجزيه مد التأخير ويسقط المد الذي [317 ب/4] هو بدل عن الصوم وهذا غلط عليه وقد روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أفطر في رمضان بمرض فلم يصمه حتى مات أطعم عنه كل يوم مدان" (¬1)، فأراد ما ذكرنا وغن كان هذا الموت قبل أن يتمكن من القضاء بان أفطر في السفر، ثم استدام المرض حتى مات فلان شيء. وحكي عن طاووس، وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه. وهذا غلط لأن العبادة تجب عند وجود شرط الوجوب، ولكن لا يستقر غلا بإمكان الأداء كالصلاة، وها هنا لا تستقر فتسقط بالعذر، فإن قيل: أليس يلزم الفدية على الشيخ الهم مع العجز؟ قلنا: لا يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت. فرع لو كان عليه قضاء عشرة أيام فاخرها حتى بقي بينه وبين رمضان خمسة أيام هل يجب في الحال فدية خمسة أيام قبل دخول رمضان حتى لو مات يقضي من تركه فدية التأخير؟ فيه وجهان: أحدهما: نحكم بالوجوب لانا غرفنا عجزه عن القضاء قبل رمضان. والثاني: لا نحكم بوجوب لأنه لم يدخل وقت مثله. [318 أ/4] وأصل هذا إذا قال: والله لأشربن هذا الماء غداً فأنسي اليوم هل يحل حانثا في الحال؟ وجهان. ¬

_ (¬1) أخر البيهقي في (8215).

فرع إذا أدرك رمضان آخر وأخر القضاء. فإن قلنا: يصوم عنه وليه يصوم يوماً مكان يوم ويخرج مد التأخير. وإذا قلنا يطعم عنه فقد مُد بدلاً عن الصوم، ومدُ بالتأخير هل يتداخلان؟ وجهان، أحدهما: يتداخلان لأنهما لله تعالى والجنس واحد. والثاني: لا يتداخلان بينهما. فرع آخر ذكره والدي- رحمه الله- لو كان عليه قضاء يومين فتمكن من قضاء أحد اليومين، وبقي الإمكان إلى نصف اليوم الثاني، ثم مات وجب الإطعام عنه لليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجهان: أحدهما: يلزم الإطعام عنه. والثاني: لا يلزم. وأصل هذا إذا نذر صوم نصف يوم هل يلزمه صوم يوم أم لا يلزمه شيء؟ وفيه وجهان وهو في الكافر يسلم في أثناء اليوم. مسألة: قال (¬1): "ومن قضى متفرقا أجزأه ومتتابعا أحب إليَّ". وهذا كما قال، إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان فالمحتسب أن [318 ب/4] يقضيها متتابعاً فإن قضاها متفرقاً أجزاه، وبه قال ابن عباس، ومعاذ وأبو هريرة، وأنس. وقال علي وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم يجب قضاؤها متتابعا وبه قال النخعي والحسن وداود وروى أصحابنا بخرسان عن أحمد ولا يصح عنه بل مذهبه مثل مذهبنا. وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء وهذا غلط لأنه إذا تابع يكون فيه مبادرة إلى الطاعة، واحتجوا بما روي "أن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه" (¬2) وهذا غلط لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان عليه شيء من قضاء رمضان فإن شاء صامه متتابعا وإن شاء صامه متفرقا" (¬3)، ولأن صيام شهر رمضان يتابعها من حيث الوقت لا من حيث العبادة بدليل أن فساد بعضها لا يفسد الباقي، فإذا فات الوقت لا معنى لمراعاة التتابع فيه بخلاف صوم الشهرين في الكفارة وهذا بقضاء الصلوات يجوز من غير ترتيب لهذا المعنى. وأما [319 أ/4] خبر عائشة فروي عنها أنها قالت: نزلت {سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] متتابعات ثم سقط متتابعات (¬4) وهذا يدل على أنه صار منسوخا وأما الخبر الآخر فنحمله على الاستحباب. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 17). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 192)، والبيهيقي في "الكبرى" (8244). (¬3) أخرجه الدارقطني (2/ 193). (¬4) أخرجه البيهيقي في "الكبرى" (8234)، وفي "معرفة السنن) (3/ 407).

مسألة: قال (¬1): ولا يصام يوم الفطر. الفصل وهذا كما قال: روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه "نهى عن صيام ستة أيام" على ما ذكرنا فأما العيدان فلا يجوز صيامهما، ولا ينعقد الصوم فيهما وإن نذر صيامهما لا ينعقد النذر خلافا لأبي حنيفة حيث قال: ينعقد ويصوم يوما آخر ولو حلف بالطلاق أن يصوم يوم الفطر، قال بعض أصحابنا: لا يصح فيه الصوم وطلقت امرأته ولزمه الجنث ..... (¬2) أمسك وفي زمان ..... (¬3) كان احدهما: بمضي اليوم كله، والثاني: يحنث في الحال. وأما أيام المنى وهي أيام التشريق قال في الجديد: لا يجوز صومها بحال فرضاً كان أو تطوعاً. وقال في "القديم": يجوز للمتمتع أن يصوم الثلاثة فيها فإذا قلنا بهذا عل يجوز لغير المتمتع فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وإنما هو رخصة للمتمتع خاصة وبه قال مالك، وروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما قالا: "لم يرخص في [319 ب/4] صوم أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدي"، وقال أبو إسحاق: يجوز فيها كل صوم له سبب من نذر أو كفارة وقضاء او تطوع راتب. فأما الصوم الذي لا سبب له لا يجوز بلا خلاف. وأما صوم يوم الشك فقد ذكرنا. فرع قال المزني: في "جامعه"، قال الشافعي: ولا يبين لي أن أنهي عن صيام يوم الجمعة إلا على اختياره لمن كان إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطراً فعلها وذهب أبو حامد وجماعة من أصحابنا إلى أنه يكره صومه منفردا لما روي أن أبا هريرة رضي الله عنه سأل عن صيام الجمعة فقال: على الخبير رجعت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن يوم الجمعة يوم عيد وذكر فلا تجعلوا عيدكم يوم صيامكم ولكن اجعلوه يوم ذكر إلا أن تخلطوا بأيام" (¬4). وروي عن أبي الأوبر أنه قال: كنت عند أبي هريرة فأتاه رجل فقال: يا أبا هريرة أأنت نهيت الناس أن يصوموا يوم الجمعة قال: لا لعمرو الله ما نهيتهم أن يصوموا يوم الجمعة ولكن ورب هذه الحرمة ثلاث مرات لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يصومن أحد منكم يوم الجمعة إلا أياما يصومه [320 أ/4] معها أو يصومها معه" (¬5). وروي عن أبي قتادة العدوي قال: ما يوم أكره إلي أن أصومه من يوم الجمعة ............ (¬6) من يوم الجمعة، فقيل وكيف في أيام متتابعة لما أعلم من فضيلته وأكره أن أخصه من بين الأيام. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يكره فإن وصله بيوم ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 17). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) موضع النقط بياض بالأصل. (¬4) أخرجه الحاكم (1/ 437)، وقال: أبو بشر لا أعرفه. (¬5) أخرجه البخاري (1985)، ومسلم (147/ 1144). (¬6) موضع النقط بياض بالأصل.

قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يصومن أحدكما يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله او يصوم بعده"، وروي عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "صمت أمس قالت: لا قال: وتريدين أن تصومي غداً قالت: لا قال: فأفطري" (¬1). وروي عن محمد بن عباد بن جعفر أن رجلا سأل جابر بن عبد الله وهو يطوف فقال أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الجمعة قال: نعن ورب هذا البيت" (¬2)، وبهذا القول قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف واختاره ابن المنذر. وقال بعض أصحابنا: هذا خلاف ما حكاه المزني عن الشافعي، وفي التحقيق مذهب الشافعي أن معنى النهي فيه أن يضعف عن حضور الجمعة والدعاء فيها فإن كان هكذا فإنه يكره له صومه وإلا فلا بأس، ومن أصحابنا من قال: إنما يكره لأنه يوم عيد كيوم الفطر وهذا [320 ب/4] ليس بشيء ولا يكره إقرار عيد من أعياد أهل الملل بالصوم كيوم الشعانين وفصح النصارى وفطر اليهود ويم النيروز ويوم المهرجان. مسألة: قال (¬3): وإن بلع حصاة أو ما ليس بطعام. الفصل وهذا كما قال الصائم إذا أكل أو شرب ما يعتاد أكله أو شربه أفطر بلا خلاف وإن أكل ما لا يؤكل في العادة أو شرب ما لا يشرب في العادة كابتلاع الحصاة أو الزجاجة أو التراب أو التبن، ونحو ذلك أفطر وبه قال العلماء. وروي عن أبي طلحة الأنصاري أنه كان يستف البرد في الصوم ويقول: هذا ليس بطعام أو شراب وهذا غلط لقول تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]، والصيام هو الإمساك عن كل شيء ولأنه ذاكر لصومه وصل إلى جوفه باختياره ما يمكنه الاحتراز عنه فيفطره كالمعتاد. مسألة: قال (¬4): ولو احتقن أو داوى جرحه حتى وصل إلى جوفه. الفصل وهذا كما قال: الحقن يفطر الصائم وقال مالك: إن كان كثيرا فطر وإلا فلا، وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر به وإنما يفطر بما يصل إلى جوفه من فمه وهذا غلط لأنه وصل إلى جوفه باختياره مع ذكر الصوم ما يمكن الاحتراز منه فيفطره كما لو وصل من الفم فإن قيل: أليس قلتم: إنه لو حقن الصبي باللبن [321 أ/4] لا يثبت الحرمة في أحد القولين، فما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أن الرضاع لإنبات اللحم وانتشار العظم وذلك لا يحصل بالحقنة والفطر لوصول الواصل إلى حرف الجوف وقد وصل. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1986). (¬2) أخرجه البخاري (1987)، ومسلم (146/ 1143). (¬3) انظر الأم (2/ 17). (¬4) انظر الأم (2/ 18).

وأما إذا رزق في إحليله شيئا أو دخل فيه ميلاً أو قطعه يفطره قولا واحداً لأنه منفذ يتعلق الفطر بالخارج منه وهو المني ُّ يتعلق بالواصل إليه كالفم، ولا فرق بين أن يصل إلى مثانته أولاً. ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا يفطره، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن ما يصل إلى المثانة لا يصل إلى المثانة لا يصل إلى الجوف فصار كما لو أوصل إلى فمه لا يفطره. وقال القفال: لا نص فيه والأظهر هذا واختاره القاضي الحسين، وقال القفال: الوجه الأول خرجه ابن أبي أحمد قال: ويفارق نقض الطهارة بخروج الخارج منه لأن ذلك بخروج الخارج من محل الحدث، والفطر بوصول الواصل إلى الجوف وهذا ليس بجوف. وقال بعض أصحابنا بخراسان إن وصل إلى المثانة فطره، وإن وصل إلى القضيب دون المثانة وجهان/ والمذهب الأول وهو المنصوص عند أهل العراق. وأما إذا كانت في بطنه جراحة فداوها به واتصل إلى الجوف فطره سواء كان الدواء رطبا أو يابساً، [321 ب/4] وبه قال أحمد وأبو حنيفة. وروى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه كان رطبا فطره وإن كان يابساً لم يفطره وهذا لأن الغالب من الرطب أنه يصل إلى الجوف ومن اليابس أنه يقف ولا يصل إلى الجوف. وعلى هذا يرتفع الخلاف، وقال مالك: لا بفطره وهذا غلط لما ذكرنا من العلة ولو أسقط الدهن أو غيره حتى وصل إلى جوف رأسه فطره، ويعني به إن تجاوز ذلك خياشيمه لا أن يصل إلى خريطة الدماغ، وهكذا إذا كانت برأسه شجة مأمومة فأوصل دواء ألى باطن الرأس وإن لم يوصل إلى باطن الأمعاء فطره. قال أبو يوسف ومحمد لا يفطره لأنه يستعمله علاجاً لا اعتداء فجرى مجرى الضرورة، وقال الأوزاعي ومالك وداود السعوط لا يفطره إلا أن ينزل إلى حلقه وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" فيرفق وهذه الحشية للفطر فأما إذا أوصل إلى ما ليس بجوف وإن كان له حكم الباطن لا يفطره مثل جراحه في فخذه أو يده فأوصل إلى باطنه شيئا وإن أوصل إلى باطن العظم حيث يكون فيه المخ وكذلك لو اقتصد وأوصل المبضع إلى باطن العرق ولو أوصل بالسعوط إلى باطن الأنف ولم يتصعد إلى جوف الرأس لا يفطره بخلاف [322 أ/4] ما لو غيب في إحليل الذكر فإنه يفطره، والفرق أن ذلك جوف بدليل أنه لو جرح جراحة وصلت إلى جوف الذكر كانت جائفة فوجب ثلث الدية ولو أجاف أنف رجل أو جلدة خده حتى وصل إلى فمه يجب الحكومة على الصحيح من المذهب ولو جرح نفسه بالسكين أو جرحه غيره باختياره حتى وصل إلى جوفه فطره، وقال أبو يوسف ومحمد وداود: لا يفطره. وقال أبو حنيفة: إن وصلت الطعنة إلى الجانب الآخر فطره وإلا فلا يفطره وهذا غلط لما ذكرنا. ولو صب في أذنه شيئا فوصل إلى الدماغ بطل صومه لأن الدماغ هو أحد الجوفين على ما ذكرنا/ ولو لم تصل إلى الدماغ بأن أدخل أصبعه أو خشبة للحك لا يبطل صومه، وإن غاب عن رأى العين. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يفطره أصلا لأنه لا منفذ من الأذن إلى الدماغ

وإنما يصل إليه في المسام كما يصل الكحل من العين إلى الحلق حتى يجد طعمه في حلقه ولا يفطره، وكذلك لو دهن بطنه يتشرب ذبك الدهن ويتحقق أنه وصل إلى الباطن لا يفطره لهذه العلة وهذا غريب بخلاف المذهب المشهور. فرع لو ابتلع خطياً ورأس الخيط بيده لم يبتلعه فطره إذا وصل شيء منه إلى الجوف خلافا [322 ب/4] لأبي حنيفة حتى قال: لو شد خرزة في رأس خيط وابتلعها والخيط بقي خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط بقى خارجا لم يفطره فإن قطع الخيط وبقي الخرزة داخل الجوف فطره وعلى هذا عندنا لو أدخل في حلقه أصبعاً حتى وصل إلى حد الباطن من حلقومه فطره خلافاً لأبي حنيفة وكذلك الخلاف إذا أدخلت أصبعها في فرجها. فرع لو ابتلع خيطا وبقى طرفه خارجا فإن ابتلع الباقي فسد وإن أخرجه كان كالقيء يبطل صومه أيضاً وإن ترك كذلك لا تصح صلاته، فلو جاء رجل وأخرجه قهراً أو في حال نومه لا يبطل صومه وإذا لم يكن هناك من يخرجه قهراً يمتنع الصلاة والصوم فإنهما يراعي فيه وجهان: أحدهما: يراعي الصلاة فيخرج لأن حرمة الصلاة أعظم لأن بترك إخراجه تفوت صلوات ثلاث وبإخراجه لا يفوت إلا صوم واحد فكان اعتبار الصلاة أولى. والثاني: يراعي الصوم لأنه شرع فيه دون الصلاة فمراعاة المشروع فيه أولى فيصلى على حاله ويعيد بعد الغروب. فرع آخر لو ابتلع ريقا نجسا فإن كانت نجاسته لاختلاط شيء به فطره لان غير الرفق فيه وإن جاوزه نجس ولم يخالطه فابتلع الريق النجس مفردا فيه وجهان، أحدهما: لا يفطره وهو [323 أ/4] اختيار القفال لأنه ليس في الريق غيره وإنما نجاسته من طريق الحكم فلا يضر الصوم وهذا أصح، والثاني: يفطره لأنه مأمور بإلقائه وإبعاده عن فمه فصار كالطعام في فيه، وهكذا لو تناول بالليل نجسا ثم أصبح وابتلع الريق. مسألة: قال (¬1): وإن استنشق رفق. الفصل وهذا كما قال: إذا أراد الصائم المضمضة والاستنشاق يكره له المبالغة فيهما وهي المراد بقوله: رفق لما رويناه في حديث لقيط بن صبره فإن خالف ففعل فسبق الماء إلى جوفه فإن كان ناسيا للصوم لا يبطل صومه وإن كان ذاكراً للصوم اختلف أصحابنا فيه على طرق، فمنهم من قال: قولان لأنه منهي عنه مع ذكره للصوم وإن لم يبالغ فقول واحد لا يفطره ذكره القفال، ومنهم من قال: إذا بالغ يفطره قولاً واحداً وهو الصحيح ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 18).

لخبر لقيط بن صبره ولأنه حادث بسبب مكروه فأشبه الإنزال مع القبلة وإن لم يبالغ فيه قولان: احدهما: يفطره وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني لأن الماء وصل إلى جوفه بفعله مع ذكره للصوم فوجب أن يفطره، كما لو بالغ. والثاني: لا يفطر وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو اختيار الربيع وهو الصحيح لأنه وصل [323 ب/4] إلى جوفه بغير اختيار فلا يفطر كغبار الطريق وغربلة الدقيق، وقال الشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وهو قول ابن عباس رضي الله عنهم: أنه إن توضأ لمكتوبة لا يفطره وإن كان لنافلة فطره لانه في الفريضة مضطر بخلاف النافلة. ومن أصحابنا من قال: بالغ او لم يبالغ فيهما قولان لأن وصول الماء لا يكون غلا بزيادة على المحدود فيهما وهو مغلوب في كلتا الحالتين ولأن الشافعي لم يفصل بين ان يكون بالغ او لم يبالغ وهذا أضعف الطرق. ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين لا على قولين فالذي قال في "الأم": لا يفطره أراد أنه إذا لم يتعمده والذي قال في راوية المزني والقديم يفطره أراد إذا تعمد وفسر في كتاب ابن أبي ليلى فقال: لا يلزمه حتى يحدث ازدراداً أي: يقصد ذلك. ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين من وجه آخر فإن بالغ فإنه يفطره قولاً واحداً وإن لم يبالغ لم يفطره قولاً واحداً واحتج المزني بالغلط في الوقت يفطره. فقال: إذا كان الآكل لا يشك في الليل أي: في بقاء الليل فيوافي الفجر مفطراً بالإجماع وهو بالناسي أشبه، ووجه الشبه أن كليهما لا يعلم [324 أ/4] أنه صائم وقت أكله وهذا السابق إلى جوفه يعلم أنه صائم فإذا أفطر في الأشبه بالناسي كان الأبعد من الناسي وهو هذا المستنشق بالفطر أولى والجواب عن هذا أن يقول: تشبيهك أولا المخطئ في الوقت بالناسي غير صحيح لأنه لو كان كذلك لكان المخطئ لا يفطر كالناسي، ثم الفرق بين مسألتنا وبين المخطئ في الوقت هو أن الفطر إنما يقع بشيئين الازدراد مع ذكر فالمخطئ في الوقت ذاكر للصوم قاصد إلى الازدراد ففطره وهذا المستنشق ذاكر للصوم ولكته غير ذاكر للصوم فلم يجتمع فيه المعنيان فلم يفطره ثم يبطل ما ذكره بما لو صب الماء في حلقة فإنه ذاكر للصوم ولا يفطره. فرع لو غلبه العطش فأدخل الماء في فمه ليسكن عطشه أو أدخل الماء في فمه لا لغرض فسبق إلى جوفه فيه طريقتان، أحدهما: فيه قولان، والثانية: قول واحد يفطره لأنه لا حاجة إليه. مسألة: قال (¬1): وإن اشتبهت الشهور على أسير. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 20).

الفصل وهذا كما قال: هذا الحكم لا يختص بالأسير بل الأسير وغيره سواء، ولكن الشافعي فرض المسألة في أسير من المسلمين في مطورة المشركين لأن الغالب أن الشهر إنما يشتبه على مثل هذا [324 ب/4] والمذهب فيه أنه إذا غلب على ظنه دخول رمضان يلزمه أن يصوم فإن وافق شهر رمضان يجزئه، وبه قال جماعة العلماء وقال الحسن بن صالح بن حي لا يجزئه لأنه صامه على الشك كما لو صام يوم الشك لا يجزئه. وإن بان أنه من رمضان وهذا غلط لأنه أداه بالاجتهاد فإذا وافق الصواب أجزأه كنا في القبلة. ويفارق صوم يوم الشك لأنه أداه من غير إمارة حتى لو صام بالإمارة مثل أن أخبره عدل برؤية الهلال أو بمعرفة منازل القمر أجزأه، ولو صام ها هنا من غير أمارة ولكنه وقع في نفسه أنه الشهر لا يجوز والإمارة مثل الحر والبرد والخريف والربيع وإدراك الثمار ونحو ذلك وإن بان أنه كان يفطر بالنهار ويصوم بالليل فإنه يلزمه القضاء بلا خوف وإن وافق ما قبل رمضان فإن علن قبل مضي رمضان صامه قولاً واحداً وإن علم وقد مضى رمضان كله فيه طريقان: أحدهما: يلزمه القضاء قولاً واحداً لأن الشافعي قال "الأم": ولو قال قائل يجزيه كان مذهبا وأرد مذهب الغير لا مذهبه ومفهوم ما ذكر هنا انه لا يجزئه لأنه قال: فوافقه أو ما بعده ولم يقل أو ما قبله [325 أ/4] ومنهم من قال: فيع قولان وبه قال عامة أصحابنا لأن الشافعي قال في "القديم" صريحا: فإن وافق قبله ثم تبين له بعد انقضاء رمضان ذلك أجزأه ووجه هذا أنه لو اشتبه يوم عرفة فأحرموا ووقفوا ونحروا فوافق ما قبله فإنه يجوز بالإجماع والصحيح انه لا يجوز، وبه قال جماعة العلماء لأنه أدى العبادة المفروضة قبل وقتها فلا يجوز كالصلاة. وأما خطأ عرفة فذاك للجمع الكثير يشق عليهم القضاء ولا يؤمن مثله في القضاء بخلاف هذا. وقال القفال: معنى القولين عندي أنه إذا وافق شهراً بعد رمضان أجزأه بذلك على معنى القضاء أو الأداء فإن كان على معنى الأداء جاز ها هنا لأنه إذا صار الشهر أداء بالاجتهاد فما قبل رمضان وبعده سواء وإن كان على معنى القضاء فالقضاء قبل الوقت لا يجوز قال: ويبني على هذين المعنيين انه إذا صام شهراً بعد رمضان يجوز بلا خلاف ثم الاعتبار بعدد أيام رمضان أو بعدد أيام الشهر الذي صامه، فإن جعلناه قضاء اعتبرنا أيام رمضان فإن كان رمضان ثلاثين والشهر الذي صامه تسعة وعشرين فعليه صوم يوم آخر وإن كان رمضان تسع وعشرين وصام شهراً هو ثلاثون ولكنه أفطر منه يوماً كفاه ما صام [325 ب/4] وإن جعلنا أداء اعتبرنا أيام الشهر الذي صامه، ففي المسألة الأولى يكفيه ما صام، وفي المسألة الثانية عليه قضاء اليوم الذي أفطر فيه. وقال أهل العراق: إن كان رمضان تاماً والشهر الذي صامه بين الهلالين ناقصاً يحتمل أنه يجزئه وبه قال الحسن بن صالح ويحتمل أن لا يجزئه لأن بفوات رمضان استقر عليه عدده. وقال أبو حامد: والأول أشبه لأن الشافعي نص في "الأم" أنه يجزئه

فقال: ولو اشتبهت الشهور على أسير فيجزئ شهر رمضان فوافقه، أو ما بعده فصام شهراً أو ثلاثين يوماً. وقال القاضي الطبري: المذهب أنه لا يجزئه لأنه إنما يجب عليه قضاء ما ترك ألا ترى أنه إذا فاته بعضه يجب أن يقضي قدر ما فاته لا كله ولا يقال: يلزمه أن يكمل ثلاثين لأنه فرق صومه. وأما قول الشافعي في"الأم" أراد يجزئه إذا لم يفصل بين أن يوافق شوالاً وأشهراً أخر ومعلوم أنه لو وافق شوالاً أنه يجزئه حتى يتم عدد الشهر الماضي [326 أ/4] لأن في هذا الشهر ما لا يصح صومه فيه فإن قيل: أليس لو نذر صوم شهر أجزأه ما بين الهلالين؟ قلنا: لأن الإطلاق يحمل على ما يتناوله الاسم وقد تناوله وها هنا يجب قضاء ما فات وتركه فيجب أن يراعي عدد ما ترك. ألا ترى أنه لو نذر صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه ركعتان، ولو ترك صلاة لزمه بعددها وإن لم يتبين، ولو بان له ذلك وقد مضى بعض رمضان صام الباقي وفيما مضى قولان، وقيل قول واحد يلزم قضاء ما مضى وما تقدم أصبح فإن قيل: إذا وافق ما بعد رمضان فقد صام القضاء بنية الأداء فيجب أن لا يجوز؟ قلنا: أداء القضاء بينة الأداء يجوز ألا ترى أنه لو دخل في الصلاة في وقتها ثم خرج وقتها صحت صلاته، وإن كان بعضها قضاء والنية كانت للأداء. وإن اتفق صومه ذا الحجة لم يجزئه صوم النحر وأيام التشريق وحسب الباقي من جملة ما ترك. فرع لو لم يغلب على ظن هذا الأسير شهر رمضان عن أمارة، قال أبو حامد: يلزمه أن يصوم على سبيل التخمين إذا وقع في نفسه أنه شعر رمضان ويلزمه القضاء متى تيقن الحال [326 ب/4] كالمصلي إذا بم يغلب على ظنه القبلة يصلي على حسب حاله ويعيد. وقال بعض أصحابنا وهو الأصح أنه لا يلزمه ذلك لأنه لا يعلم دخوله لا يقيناً ولا ظناً كمن شك في دخول وقت الصلاة لا يلزمه الصلاة ويفارق القبلة لأن وقت الصلاة معلوم فلا يجوز أن يخيله من فعلها وها هنا لا يعلم وجود وقت العبادة فلم يجب عليه الشك في سبب الوجوب. فرع آخر لو شرع في الصوم بالاجتهاد ثم جامع يلزمه الكفارة لأن الوقت موجود وإن علمه بنوع اجتهاد، وإن صادف شهراً غير رمضان فلا كفارة. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو صام الأسير بنية قضاء رمضان شهراً لظنه بالاجتهاد أن رمضان قد مضى ثم بان أن صومه وافق رمضان صح صومه عن الأداء اعتباراً. بما قاله الشافعي: لو أنه صام على أنه أداء ثم تبين له أنه صام بعد رمضان جاز، ووجه الجمع أن الأداء لا يصح بنية القضاء مع العلم بالحال وكذلك القضاء بنية الأداء ثم جاز

القضاء بنية الأداء في الأسير للعذر الموجود فيصح منه الأداء بنية القضاء لهذا [327 أ/4] العذر ولا فرق بينهما بل جواز هذا أولى؛ لأن القضاء بنية الأداء ترك نية القضاء، وفعل الأداء بنية القضاء زيادة القضاء والزيادة أخف من الترك. مسألة: قال وللصائم أن يكتحل. الفصل وهذا كما قال لا يكره الكحل للصائم بالإثمد والصبر سواء وجد طعمه في حلقه أو لا، وسواء وجد لون الكحل في نخامته أو لا، العين لا مجرى لها إلى الحلق إلا من طريق العروق ولا حكم لمجرى العروق ولهذا فإنه يدلك أسفل رجله بالحنظل فيجد طعمه ولا يفطره. وإذا قبض البلح بيده وجد برده في فؤاده. وقال مالك وأحمد: يكره له ذلك ولكن لا يفطره، وقال مكحول وابن أبي ليلى وابن شبرمة: إذا وجد طعمه في حلقه، ويرويه أصحاب مالك عن مالك وهذا غلط لما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ونزلت معه فدعا بكحل واكتحل به في رمضان وهو صائم" (¬1). وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "كره السعوط للصائم"، أو أن يصب في أذنه شيء ولم يكره الكحل (¬2). وروى مثل قولنا عن ابن [327 ب/4] أبي أوفي وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن هذا فقال: هل هو إلا مثل الغبار ينزل في الحلق ولا يعرف لهما مخالف وبه قال جماعة العلماء وهو مذهب عطاء والحسن والنخعي والشعبي. وكذلك لو دهن رأسه حتى وجد طعم الدهن في حلقه أو انغمس في الماء فوجد برده في دماغه أو في كبده لم يضره ولا يكره ذلك. ومعنى قوله: وينزل الحوض فيغطس فيه أي: ينغمس ليقطع العطش، يقال هما متغاطسان ويتماقلان في الماء. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يصبح جنباً من جماع ثم يغتسل ويصوم" (¬3) وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: "حدثني من رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صائف يصب على رأسه الماء من شدة الحر والعطش وهو صائم" (¬4). وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما "أنهما كانا يتماقلان في الماء وكانا صائمين". فرع إذا غاص في الماء فدخل الماء إلى دماغه ولم يدخله بنفسه قيل: فيه قولان، وقيل قول واحد أنه يفطره. قال أصحابنا: ويجوز أن يتمضمض أيضاً كذلك ولا يكره وحكي عن بعض [328 أ/4] أصحابنا أنه إن دهن رأسه بالنهار بعد الصلاة فدخل جوف ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي (726)، والبهيقي في"الكبرى" (8258). (¬2) أخرجه أبو داود (2378). (¬3) أخرجه البخاري (1925)، ومسلم (1109). (¬4) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8261).

الرأس بالليل فيجوز، وإن دهن بالليل فدخل جوف رأسه بالنهار فلا يجوز وهذا ليس بشيء. مسألة: قال (¬1): ويحتجم. وهذا كما قال: يجوز للصائم أن يحتجم، قال في "الأم" (¬2): ولو ترك كان أحب إلى وهذا لأنه يضعفه وربما أحوجه إلى الأفطار. وروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والوصال في الصوم إبقاء على أصحابه". وقال بعض أصحابنا: يكره له ذلك وظاهر المذهب أنه لا يكره لأنه قال: ويحتجم بعد قوله وينزل الحوض وذلك لا يكره كذلك هذا وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن مسعود والحسن بن علي وأبو سعيد الخدرى وزيد ابن أرقم وأنس وأم سلمة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس والقاسم بن محمد وسالم وعروة والشعبي والنخعي وأبو العالية وجماعة الفقهاء رضي الله عنهم. وروى عن على بن أبى طالب وعائشة وأبى هريرة رضي الله عنهم وهو مذهب الحسن وعطاء والأوزاعي وأحمد [328 ب/4] وإسحاق وداود أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعًا واختاره ابن المنذر ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وقال أحمد في رواية يلزم بها الكفارة واحتجوا بماروى رافع بن خديج وثوبان رضي الله عنهما" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يحجم رجلًا فقال: أفطر الحاجم والمحجوم" (¬3)، وهذا غلط لما روى مقسم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرمًا في حجة الوداع بالقاحة" (¬4). وقال أنس: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في رمضان بعد ما قال: أفطر الحاجم والمحجوم"، وقال أنس إنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجامة للصائم مخافة الضعف. وروى البخارى مفصلاً فقال: "روى أنه احتجم وهو صائم"، وروى أنه احتجم وهو محرم. وروى أبو عريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث لا يفطرن الصائم، الحجامة والقيء والاحتلام". وأما خبرهم أنهما قلنا: هو منسوخ بخبرنا ويحتمل أن يريد بذلك تعريفهما بذلك لأنه روى أنهما كانا يغتابان واحدًا فقال: هذا على طريق المجاز ومعناه [329 أ/4] بطل أجر صومهما كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صيام لأهل بيت اللحم، قيل: من هم يا رسول الله، فقال: الذين يصبحون يأكلون لحوم الناس" أي يغتابون، والذي يدل على هذا أن الحاجم لا يفطر إذا لم يصل إلى حلقه شيء على الصحيح من مذهبهم. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 20). (¬2) انظر الأم (2/ 83) (¬3) أخرجه أبو داود (2367، 2369، 2370، 2371)، والترمذي (774)، وابن ماجخ (1679، 1680، 1681)، وأحمد (2/ 364، 365)، والدارمي (2/ 14، 15)، وعبد الرزاق (2523، 2525، 7519). (¬4) أخرجه البخاري (1938، 1939)، وأبو داود (1836)، والترمذي (775)، والنسائي (2845).

مسألة: قال (¬1): وَأَكْرَهُ العَلْكَ لأَنَّه يَجْلِبُ الرِّيقَ. وهذا كما قال، يكره للصائم أن يمضغ العلك وهو الموميا الذي مضغه وعلكه وصلب وقوي ....... (¬2) الذي لا ينحل ولا ......... (¬3) فإن خالف وفعل فجلب الريق واجتمع وابتلعه لم يفطره وجد في حلقه طعمه أو لم يجد كالكحل سواء. وإن كان علكًا يتفتت بالمضغ وهو الكندر نظر فإن لم ينزل إلى حلقه شيء لم يفطره، وإن نزل في حلقه فطره. وقيل: معنى قوله: يجلب الفم أي: يطيب النكهة ويزيل الخلوف. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم صائم أطيب عند الله من ريح المسك" (¬4)، فلهذا كره وقيل: معناه تجمع الريق في الفم ويفطر بابتلاعه في قول بعض أصحابنا يكره ذلك، وقيل: يحلب بالحاء فمعناه يمتص الريق ويجهد الصائم فيورث العطش فكره لذلك. وقال [329 ب/4] أصحابنا: ويكره أن يمضغ الخبز للصبي فإن كان له ولد صغير ولم يكن له من يمضغ له غيره لا يكره له ذلك ولو فعل ولم ينزل منه شيء إلى حلقه لم يفطر. مسألة: قال (¬5): وَصَومُ شَهْرِ رَمَضَانَ واجبُ عَلى كل بالغٍ مُحْتَلِمٍ. الفصل وهذا كما قال: صوم رمضان يجب على المكلفين من المسلمين ذكوروهم وإناثهم وأحرارهم وعبيدهم لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، ولا يلزم على الصبي والمجنون لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ". وذكر الشافعي البالغ ولم يذكر العاقل لأنه مفهوم في ذكره البالغ فإذا تكرر هذا فالصبي إذا بلغ حد التمييز وهو سبع سنين أو ثمان سنين يؤمر بالصوم ويعلم ذلك. وإذ بلغ عشراً فإنه يضرب عليه كما قلنا في الصلاة وإذا صام كان صومه شرعياً خلافاً لأبي حنيفة وهذا لأن كل من صحت طهارته صح صومه كالبالغ، وصوم في رمضان لا يصح إلا بالنية من الليل وليس على أصلنا صوم نفل لا يجوز إلا بالنية من الليل إلا هذا. مسألة: قال (¬6): وَمَن احْتَلَمَ مِنَ الغِلْمَانِ أَوْ أّسْلّمَ مِنَ [330 أ/4] الكُفَّارِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ شَهْرِ رمضانَ فَإِنَّهُمَا يَسْتَقْبِلاَنِ الصَّومَ ولا قضاءَ عليهما. وهذا كما قال: الصبي إذا بلغ بعد مضى شهر رمضان فلا قضاء عليه بالإجماع. وإن بلغ في خلال رمضان فإن كان ليلًا استقبل الصوم فيما بقى ولا قضاء عليه مما مضى. وإن بلغ نهارًا فإن كان مفطرًا كان له أن يستديم الإفطار ويستحب له الإمساك وهل يجب عليه قضاؤه؟ فيه وجهان: ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 21). (¬2) موضع النقض بياض بالأصل. (¬3) موضع النقض بياض بالأصل. (¬4) أخرجه البخاري (1894)، ومسلم (163/ 1151). (¬5) انظر الأم (2/ 21). (¬6) انظر الأم (2/ 21).

أحدهما: لا يجب وهو المنصوص في "مختصر البويطي"، وبه قال أبو حنيفة لأنه سقط عنه حكم هذا اليوم في أوله فسقط في آخره أيضاً لأن الآخر تابع الأول. والثاني: يلزم القضاء لأنه صار من أهل التكليف في آخره فلزمه ذلك القدر من الصوم ولا يمكن الشروع في ذلك القدر فيقضي ولا يمكن القضاء إلا بيوم كامل، والأول أصح وإن بلغ صائماً في هذا اليوم لزمه إتمامه ولا يجب القضاء إذا قلنا لا تجب إذا كان مفطرًا. وإن قلنا يجب القضاء إذا كان مفطرًا فهاهنا وجهان: أحدهما: يقضي لأنه لم يبق الصوم الواجب من أوله، والثاني: هو اختيار أبي إسحاق أنه لا يلزمه القضاء لأنه حصل في الصوم من أوله. ويمكن بناء الباقي على الأول إلا أنه يكون متنفلًا [330 ب/4] في أوله مفترضًا في آخره ولا يمتنع مثل ذلك كما لو شرع في الصوم ... (¬1) إذا أسلم بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه. وإن أسلم في أثنائه فما مضى لا يقضيه. وأما اليوم الذي أسلم فيه هل يلزمه قضاؤه؟ وفيه وجهان كما ذكرنا في الصبي، وقيل: قول واحد يلزمه القضاء لأنه متعد واختلف أصحابنا هل يوصف بالوجوب عليه أم؟ وقد مضى هذا وحكي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: إذا أسلم الكافر في شهر رمضان يلزمه قضاء ما مضى وهذا غلط، لأن الصيام هو في حكم عبادات فوجوب بعضها لا يستدعي وجوب الباقي. وقال القفال من أصحابنا من قال: يجب قضاء هذا اليوم على الكافر يسلم والصبي يبلغ لأنهما مفرطان بترك الصوم ولا يجب على المجنون إذا أفاق، وقيل: لا يجب إلا على الكافر إذا أسلم لأنه عاص بخلاف غيره وأما المجنون إذا أفاق بعد مضي الشهر لا قضاء عليه. وقال مالك: يلزمه القضاء وحكي هذا عن ابن سريج وقد تفرد به من بين أصحابنا وهو رواية عن أحمد قياساً على الإغماء، وقيل: هذا لا يصح عن ابن [331 أ/4] سريج وهذا خطأ ظاهر بخلاف الإجماع، ولأن التكليف عنه ساقط بخلاف المغمى عليه وإن أفاق في أثناء الشهر لا قضاء عليه لما مضى وفي اليوم الذي أفاق فيه وجهان على ما ذكرنا. وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما مضى وإذا بلغ مجنونًا ثم أفاق في أثناء شهر رمضان فيه روايتان عنه وهذا غلط لأنه معنى لو دام الشهر كله لا يلزمه القضاء، فإذا زال في بعض الشهر لا يلزمه قضاء ما مضى كالصَّغير. وحكي عن المزني أنه قال في "المنثور" إذا أفاق في أثناء الشهر يقضي ما مضى في قول للشافعي وأهل الكوفة ولم يقبله أصحابنا أجمع وقالوا: لا نعرف هذا للشافعي، وأما المغمى عليه فإنه يلزمه القضاء بكل حال. وحكي عن أبى حنيفة أنه قال: إذا امتد الإغماء شهرًا كالمجنون فإذا أفاق ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

بعد مضي تمام الشهر لا يلزمه القضاء. مسألة: قال (¬1): وَأُحبُّ للصَّائِمِ أنْ يُنَزَّه صيامَهُ عنِ اللَّغَطِ القَبِيحِ. الفصل وهذا كما قال: أراد أنه يستحب له أن يطهر صومه ويصونه عن اللغط القبيح من الغيبة والنميمة والكذب والمشاتمة ويكره له ذلك والكراهة في [331 ب/4] المشاتمة أشد لأنها أقطع، وقيل يجب عليه أن يصون سمعه وعينه فلا ينظر إلى ما لا يحل ويسمعه فلا استمع إلى ما لا يحل وبلسانه فلا ينطق إلا بخير وهذه الأشياء وإن كانت حراماً ففي رمضان هي أشد تحريمًا وهذا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به- يريد العمل بالزور وهو الربا - فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (¬2) ويستجب إذا شوتم أن يقول: إني صائم فقيل يقول ذلك باللسان أو لا يشتغل بالانتصار وقيل أراد فليعلم أنه صائم ليمنعك ذلك من المقابلة لأن ستر الطاعة أولى. وقال الشافعي للخبر في ذلك وأراد ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الصوم جنة وحصن حصين من النار فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يفسق ولا يرفث فإن امرؤ شاتمه أو سابه فليقل إني امرؤ صائم" (¬3). وقيل: لقوله إني صائم ثلاث تأويلات: أحدها: أن في قوله هذا شفاء لغيظه وسكوناً لنفسه، والثاني: ليتذكر صوم نفسه فيمتنع من جواب خصمه، والثالث: ليعلم خصمه صيامه فيكف عن شتمه وإذائه. ومن أصحابنا [332 أ/4] من قال: أنه في صوم رمضان يقول ذلك بلسانه وفي صوم التطوع وجهان، والفرق أنه لا يؤدي هناك إلى إظهار الطاعة والرياء ليعلم الناس أنه صائم في ظاهر الحال وفي التطوع يؤدي إلى ذلك فلا يقول هذا باللسان ولكن ليعلم في نفسه ذلك وهذا حسن فإن اغتاب أو شتم أو قذف لا يبطل صومه. وقال الأوزاعي وبعض الشيعة: يبطل صومه، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء، الغيبة والنميمة والكذب والنظر بالشهوة واليمين الفاجرة" (¬4). وهذا غلط لأن ما لا يفطره مباحة لا يفطره محظورة كالقبلة أو نوع كلام لا يخرج به عن الإسلام كغيره وأمَّا الخبر فمحمول على بطلان الأجر كما قال صلى الله عليه وسلم "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ورب قائم ليس حظه من قيامه إلا السهر" (¬5)، وأراد به لبطلان أجره. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 21). (¬2) أخرجه البخاري (1903)، وأبو داود (2362)، والترمذي (707)، والنسائي (3245)، وابن ماجه (1689). (¬3) أخرجه البخاري (1904)، ومسلم (160/ 1151). (¬4) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 196). (¬5) أخرجه أحمد (2/ 373)، وابن ماجه (1690)، والحاكم (1/ 431)، والبيهقي في "الكبرى" (8313).

مسألة: قال (¬1): وَالشَّيْخُ الكبيرُ الذي لاَ يَسْتَطِيعُ الصَّوَّمَ. الفصل وهذا كما قال: الشيخ الهرم والشيخة الهرمة إذا عجزا عن الصوم يجوز لهما أن يفطرا وهل يجب عليهما لكل يوم مد من طعام فيه قولان، قال في عامة كتبه: يلزمه ذلك وهو الصحيح وبه قال جماعة العلماء، [332 ب/4] وهو قول سعيد بن جبير وطاوس وقال ابن عباس وابن عمر يطعم كل يوم مسكينًا (¬2) وقال أبو هريرة: عليه لكل يوم مد قمح (¬3). وروي أن أنسًا ضعف عن الصوم عاماً قبل وفاته فأفطر وأطعم مكان كل يوم مسكينًا (¬4)، وعن أحمد أنه يطعم مدًا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير، وقال في "حرملة" و "البويطي": يستحب له الفدية ولا يجب، وبه قال مالك وربيعة ومكحول وأبو ثور واحتجوا بأن من جهده العطش يفطر ويفضي ولا فدية كذلك هاهنا، واحتج الشافعي بما روي أن ابن عباس أوجب الفدية وقرأ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة:184]، قال: أراد به المرأة الهرمة والشيخ الكبير يتكلفان الصوم فلا يطيقان يفطران ويطعمان لكل يوم مسكيناً، ثم إن الشافعي خالفه قراءة وتأويلاً ولم يخالفه مذهباً فقال وغيره من المفسرين يقرؤونها يطيقونه، وكذلك يقرأها ويزعم أنها نزلت حين نزل فرض الصوم ثم نسخ ذلك قال الشافعي: وآخر الآية يدل على هذا المعني لأن الله تعال قال: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [البقرة:184] وزاد على مسكين، أي: أطعم مسكينين فهو خير له. ثم قال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] [333 أ/4] قال فلا يؤمر بالصوم من لا يطيقه أي: لو كان المراد بالآية ما قاله ابن عباس عن الشيخ الهرم لكان لا يأمره بالصوم لأنه لا يطيقه قال ثم بيّن من نسخه فقال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] قال وإلى هذا يذهب وهو أشبه بظاهر القرآن. قال المزني: هذا بين في التنزيل أي: في ظاهر القرآن مستغنى فيه عن التأويل وهو على ما ذكر. واحتج بعض أصحابنا بأن الله تعال خير في ابتداء الإسلام على ما ذكرنا ثم ختم الصوم بما ذكرنا من الآية فالشيخ الكبير تناول من يحتم عليه الصوم دون الشيخ الهرم فهو باق على أصل التخيير فإذا تكرر هذا قال في "الأم" (¬5): والحال الذي يترك به الكبير الصوم هو أن يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك إذا كان الصوم يزيد في مرض المريض يفسده وزيادة بينة أفطر، وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر وكذلك المرضع إذا ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 21). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8318)، وفي "معرفة السنن" (3/ 416). (¬3) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8319)، وفي "معرفة السنن" (2553). (¬4) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8320)، وفي "معرفة السنن" (2554). (¬5) أنظر الأم (2/ 84).

أضر الصوم بلبنها الإضرار البين. فأما ما كان من ذلك محتملًا فلا يفطر والصوم قد يزيد في عامة العلل ولكن زيادة محتملة وينقص بعض اللبن ولكن نقصاناً محتملاً فإذا تفاحش أفطر. هذا كل لفظ الشافعي [333 ل/4] رحمه الله ولم يرد بما ذكر في "المختصر" لا يستطيع الصوم بحاله ولكن أراد ما فسرها هنا وهذا الذي ذكرنا هو إذا انتهى إلى حد الهرم بيقين لا يرجى قدرته في المستقبل على القضاء فإنه إن كان يرجى ذلك فحكمه حكم المريض ثم هذا الذي ذكرنا هو إذا كان قادراً على الإطعام فإن كان فقيراً لا يقدر على الإطعام حتى مات فلا شيء عليه وإن أيسر بعد الإفطار فقد وجب عليه الإطعام فإن مات قبل أن يطعم وجب الإطعام عنه لأن الإطعام من الشيخ الهرم هو بمنزلة القضاء في المريض والمسافر لو ماتا قبل زوال عزرهما ويمكنهما من القضاء لا يجب عليهما شيء، وإن زال عزرهما وقدر على القضاء لزمهما القضاء، وإن ماتا قبل القضاء وجب أن يطعم عنهما مكان كل يوم مُداً من الطعام فلذلك هاهنا. فإن قيل: قال الشافعي هاهنا: والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم ويقدر على الكفارة يتصدف. فقيل: وجوب الكفارة بالقدرة عليها، وهذا يقتضي أنه لو كان معصرًا لم يلزمه ذلك. قلنا: مذهب الشافعي وغيره أن الكفارة لا تسقط بوجود الاعتبار عند [334 أ/4] سبب وجوبها وأراد الشافعي بهذا التقييد تعجيل المباشرة حتى إن كان موسرًا فأفطر عجل مباشرة الكفارة ولم يرد بذلك أنه إذا كان معصرًا ثم أيسر لا يلزمه. وقد حكي الشافعي حديث الأعرابي المجامع، ثم قال: لما أمره بصرفه إلى عياله احتمل أن يقال: لا تجب الكفارة على معصر، واحتمل أنها واجبة ولكن لم يكن مخاطباً بها في الحال للعصرة، والصحيح أنه لم يذكر هذين الاحتمالين على معنى تخريج القولين، بل تكلم على الخبر بما يحتمل ثم بين مذهبه على ما سبق ذكره. وقال داود: كيف ما كان المرض يسيرًا أو شديدًا فله النظر، وقال الحسن والنخعي: إن كان مرضه بحيث له أن يصلى قاعدًا فله الفطر وإلا فلا. وسمعت بعض أصحابنا يفتى بهذا الصحيح ما تقدم. فرع لو أفطر الشيخ الهرم فأوجبنا الفدية، ثم قدر على القضاء بعده تلزمه الفدية، وهو كالمغضوب إذا أحج رجلًا عن نفسه ثم قدر على الحج يلزمه أداؤه بنفسه. فرع آخر ذكره والدي- رحمه الله - لو كان على الشيخ الهرم صوم نظر أو قضاء فعليه الإطعام عن كل يوم مُدًّا، ولو نظر الصوم [334 أ/4] وهو شيخ هرم هل ينعقد نظره؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يصح ويلزمه الإطعام وهذا أصح، والثاني: لا يصح. وقيل: الوجهان مبنيان على أنه يلزمه صوم رمضان ثم بالعجز يفتدي أو الواجب عليه الفدية أولًا ابتداء، وفيه وجهان، فظاهر المذهب أنه يلزمه الصوم لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] فعلى هذا ينعقد بدؤه، ليس من أهل وجوب الصوم ولم ينظر الفدية حتى يوجبها. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو شرب شراباً قصداً منه إلى المرض قبل الفجر فطلع الفجر وهو مريض قال: عندي يحل الفطر لأن المرض من فعله الله تعالى وإن كان سببه معصية وعلة الإباحة وجود المرض. ويفارق هذا إذا جُن فشرب دواء قصداً منه إلى زوال العقل فإنه يلزمه قضاء الصلوات لأن لو علقنا الحكم على ذلك أدى إلى إسقاط الصلاة، وهاهنا لا يؤدي إلى إسقاط الصوم وإنما يؤدي إلى التأخير فلهذا فصلنا بينهما. ومثاله: إذا وجد نصف الرقبة في الكفارة لم يلزمه إعتاقه ولو وجد نصف الصَّاع دون الثاني ويفارق سفر المعصية لأن السفر فعله بخلاف المرض. يؤكده أنه يمكنه أن يقطع نية المعصية ويفطر فإذا لم يقطع كان هو الجاني على نفسه ولا يمكنه أن يقطع بسبب المرض فإن المرض لا يختلف ولا يتغير حاله بذلك فأبيح الفطر للضرورة ولهذا لا يجوز للمسافر العاصي بسفره أن يقصر الصلاة ويجوز لهذا المريض أن يصلي الفرض قاعدًا فهما يفترقان. فرع آخر ذكره والدي رحمة الله إذا أدى الشيخ الهرم الفدية قبل دخول رمضان لصومه لم يجز. وغن أداها بعد دخول رمضان فإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم جاز، وإن أداها قبل الفجر يحتمل أن يقال: يجوز كما تجوز فيه النية لو كان قادرًا على الصوم قلت: ويحتمل أنه لا يجوز لأنه لم يدخل وقت وجوب الصوم. قال: وإن أداها بعد الفجر لذلك اليوم واليوم الثاني يجوز للأول وهل يجوز لليوم الثاني؟ يحتمل أن يقال: كما يجوز أداء زكاة الفطر بعد دخول رمضان، ويحتمل أن يقال: لا يجوز والأصل فيه أن سبب وجوب الفدية هو الإياس من القدرة [335 ب/4] على الصوم وله سبب آخر وهو دخول زمان رمضان وحالة وجوب وهي إذا غربت الشمس ي اليوم أل ترى أنه لو مات قبل غروب الشمس لم يلزم في ماله فدية ذلك اليوم لعدم القدرة، فإذا أدى الفدية بعد وجود السبب الأول وبعد دخول زمان السبب الثاني جاز وإلا فلا يجوز كما جاز أداء زكاة المال بعد وجود النصاب قبل الحول ولا يجوز قبل النصاب وأما الحامل إذا احتاجت إلى الفطر فلا يجوز لها تقديم الفدية. فرع آخر قال: رأيت في تعليق الإمام الزيادي رحمه الله أنه يجوز لأنه لما رخص لها في فعل سبب الفدية هو الفطر وجب أنه يجوز تقديمها كتقديم كفارة اليمين على الحنث بعد اليمين ولا يجوز لها إلا تقديم فدية يوم واحد فلو قدمت فدية يومين أو أيام لا يجوز

لأن العارض الذي يبيح الفطر في هذا اليوم قد يزول في اليوم الثاني. فرع ذكره والدي رحمه الله إذا تركت الصوم خوفاً على الولد ولم تشرع فيه هل يلزمها الفدية يحتمل وجهين: أحدهما: يلزم وهو الأظهر كما في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزم [336 أ/4] وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه ذكر المسألة بلفظ الإفطار وليس كالشيخ الهرم لأن لو أسقطنا الفدية هناك أدى إلى إسقاط بدل الصوم رأساً ولا يؤدي إلى هذا هاهنا لأن القضاء يلزمها. فرع آخر لو رأى الصائم من يفرق في ماء ولا يمكنه تخليصه منه إلا بأن يفطر فيقوى له الفطر وهل تلزمه الفدية فيه وجهان، أحدهما: تلزمه الفدية لأنه بسبب الغير كفطر الحامل، والثاني: لا يلزمه لأنه ليس ذلك من طريق الخلقة والاتصال به. مسألة: قال (¬1): ولا أَكْرًهُ في الصَّوْمِ السَّوَاكَ بالعُودِ الَّطْبِ وغيره. وهذا كما قال: السواك مستحب لغير الصائم في جميع الأوقات. وأما للصائم قال الشافعي: يستحب له أن يصوم بالغداة ويكره له ذلك بالعشي، ولم يجده الشافعي بالزوال ولكن قال أصحابنا يستحب له إلى أن تزول الشمس فإِن زالت الشمس يكره له إلى آخر النهار وبه قال: على علي وابن عمر وعطاء ومجاهد والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك وأبو حنيفة لا يكره أصلاً واحتجوا بما روى أبو إسحاق الخوارزمي قال: سألت عاصم الأحوال أيستاك الصائم؟ قال: نعم قلت: [336 ب/4] برطب السواك ويابسه قال: نعم قلت: أول النهار وآخره، قال: نعم، قلت: عمن، قال: عن أنس، قال: عمن، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم (¬2) وهذا غلط لما روى خباب ابن الأرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صممت فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه إلا كانتا نورًا بين عينه يوم القيامة" (¬3)، ولأن الخلوف تكره إزالته لقوله صلى الله عليه وسلم: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك". وروى عن على رضي الله عنه أنه قال: إذا صممتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي (¬4). وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك (¬5). وأما خبرهم قال الدارقطني أبو إسحاق الخوارزمي [ضعيف] ويحتمل ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 24). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8327)، وقال: ينفرد به أبو إسحاق إبراهيم بن بيطار قاضي خوارزم، حدث ببلخ عن عاصم الأحول بالمناكير، لا يحتج به. (¬3) أخرجه الدارقطني (2/ 204)، والبيهقي في "الكبرى" (8337). (¬4) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8336)، وفي "معرفة السنن" (3/ 417). (¬5) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8330).

باب صيام التطوع والخروج منه قبل إتمامه

أن يكون ذلك استدلالًا من عاصم الأحوال لا سماعًا فإذا تكرر هذا لا فرق عندنا بين رطب السواك ويابسه، وبه قال جماعة العلماء، وقال مالك وإسحاق وأحمد في رواية يكره بالعود الرطب لأنه يجلب الفم كالعلك وهو مذهب عباة والشعبي والحكم. وهذا غلط لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه [337 أ/4] أنه قال: لا بأس بالسواك الرطب واليابس (¬1). قال علي رضي الله عنه: لا بأس بالسواك الرطب الأخضر، وأما ما قالوا قلنا رطوبة ليست بأكثر من رطوبة الماء ولا يجاوز به الأسنان فلا يجلب الفم والعلك يدعو القيء ويورث العطش ويجلب الفم فافترقا. وقال القفال: إن كان رطبًا يخاف أن يصل إلى جوفه يكره السواك وبه ولو وصل ذلك فطره. وحكي بعض أصحابنا عن أحمد أنه قال: يكره ذلك في الفرض دون النفل لتخفيف حكم النفل فلا بأس بإزالة الخلوف فيه وهذا لا يصح لأن ما يكره في الفرض فإنه يكره في النفل كالمبالغة في المضمضة. باب صيام التطوع والخروج منه قبل إتمامه قال أخبرنا سفيان ..... الخبر. وهذا كما قال: إذا دخل في صوم التطوع أو صلاة التطوع فهو مخير إنشاء أتمه وإن شاء خرج منه والإتمام أفضل. وقال بعض أصحابنا: يكره له الخروج منهما فإن خالفا وخرج لا يأثم ولا يلزمه القضاء، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة: يجب المضي في ولا [337 ب/4] يجوز له الإفطار إلا بعذر وهو شفاعة الصديق والوالدين وإذا أخرج يلزمه القضاء وبه قال الأوزاعي وقال مالك يجب بالدخول فيه ولا يخرج إلا بعذر فإن خرج بعذر لا يلزمه القضاء وإن خرج بغير عذر يلزم القضاء، واحتجوا بما روي أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي لهما حيس فأفطرتا ثم سألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اقضيا يومًا مكانه" (¬2)، وهذا غلط للخبر الذي رواه الشافعي عن عائشة رضي الله عنهما قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا خبأنا لك حيسًا فقال:"أما أني كنت أريد الصوم ولكن قربيه" (¬3) والحيس طعام يتخذونه من سويق وخبز وقيل من تمر وأقط وفيه نظر. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندك شيء قلت: لا، قال: إذا أصوم ثم دخل علي يومًا آخر فقال: عندك شيء فقلت نعم فقال إذا فطر وإن فطر وإن كنت قد فرضت الصوم" (¬4)، واحتج بخبر آخر وهو"أن النبي صلى الله عليه وسلم ¬

_ (¬1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 35). (¬2) أخرجه مالك في "الموطأ" (1/ 306)، وأحمد (6/ 263)، والترمذي (375)، وعبد الرزاق (7790)، والبيهقي في "الكبرى" (8363، 8364). (¬3) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8340)، وفي "معرفة السنن" (2559). (¬4) أخرجه مسلم (169/ 1154)، والدارقطني (2/ 177)، والبيهقي في "الكبرى" (7913، 7914).

صام في [338 أ/4] سفر حتى بلغ كراع الغميم ثم أفطر" ووجه الدليل أن المسافر هو مخير في ابتداء نهاره بين الشروع في الصوم وبين الفطر وإذا شرع كان مخيرًا أيضًا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك هاهنا، واختلف أصحاب أبى حنيفة في هذا وظاهر مذهبهم جواز الفطر له ثم احتج بعده بآثار الصحابة في الصوم والصلاة فقال: وركع عمر ركعة ثم انصرف فقيل له في ذلك أي: روجع فيه فقال: إنما هو تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص وعند أبي حنيفة ليس له أن ينقص عما نواه. قال الشافعي: ويخالف هذا الحج والعمرة فإنه إذا شرع فيهما ثم أفسدهما فإنه يلزمه القضاء لأنهما أكد لزوماً وأغلظ حكماً ترى أنه يلزم المضي في فاسدهما بخلاف غيرهما واحتج في سقوط القضاء بما روت أن هانئ رضي اللهم عمها قالت: دخل رسول صلى الله عليه وسلم وأنا صائمة فناولني فضل شرابه فشربت ثم قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني كنت صائمة وإني كرهت أن أرد سؤرك فقال: إن كان قضاء من رمضان فصومي يوماً مكانه وأن كان تطوعاً [338 ب/4] فإن شئت فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه" (¬1)، وأما خبر عائشة وحفصة فنحمله على الاستحباب بدليل هذا الخبر. فرع إذا دخل في صوم واجب أداء أو صلاة واجبة أداء أو صوم نذر بعينه لم يكن له الخروج فيه من غير عذر لأنه أوجب عليه فيه بعينه، وإن كان في الذمة غير متعين كقضاء الصوم والصلاة والنذر المطلق والكفارة لا يجوز له الخروج منه إذا دخل فيه، نص عليه "الأم"، لأن هذا واجب عليه في زمان لا يعينه وإذا تلبس به كان تعييناً كذلك الزمان وصار بمنزلة الفرض المعين بخلاف النافلة. وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أحدكم على أخيه وهو صائم فسأله أن يفطر إلا أن يكون ذلك الصوم نذراً أو كفارة أو قضاء من صوم شهر رمضان" (¬2). ومن أصحابنا بخراسان من قال: إن كان يفطره في رمضان عاصيًا عصى بفطره في القضاء لأن قضاءه مضيق الوقت فما من يوم يؤخر القضاء فيه إلا وهو عاصٍ به، وكذلك الكفارة إذا لزمته بسبب غير مباح لا يجوز له الفطر لأنه مضيق الوقت، وإن كان يفطره معذورًا [339 أ/4] كالمريض والمسافر لا يعفي إذا أفطر في القضاء لأن وقته موسع وهو متبرع بالشروع فيه وهو اختيار القفال، وكذلك لو لزمته الكفارة بسبب هو غير عاصٍ به وهذا حسن، ولكنه خلاف المنصوص. فرع ذكره والدي رحمة الله: لو كان عليه قضاء رمضان فسهي عنه حتى دخل رمضان ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (6/ 343، 344)، وأبو داود (2456)، والترمذي (731)، والنسائي (3305)، والدارقطني (2/ 174)، والبيهقي في "الكبرى" (8360). (¬2) أخرجه أحمد (2/ 489).

آخر، فإن كان الإفطار الذي وجب به القضاء لعذر لم يلزم الإطعام، وإن كان لغير عذر يحتمل وجهين أحدهما: يلزمه الإطعام مع القضاء، والثاني: لا يلزم. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله لو نوى في النهار قبل الزوال صوم القضاء لم يجز عنه وهل يجوز عن النفل؟ وجهان والصحيح جوازه كما لو أحرم بالصلاة قبل وقتها انعقدت نفلًا. فرع آخر قال والدي رحمه الله: لو شك في الليل هل نوى أو لم ينو فعليه إعادة النيَّة، وإن كان الشك بعد الفجر فإن كان من صوم النفل يلزمه إعادة النية قبل الزوال، وإن كان في الفرض في وجهان أحدهما: لا معنى لصومه، والثاني: لا تأثير للشك في صومه وصومه صحيح. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله أيضًا: [339 ب/ 4] لو نوى لصوم كفارة اليمين قبل الحنث ثم حنث قبل طلوع الفجر هل يصح أداء صوم الغد عن الكفارة بتلك النية يحتمل وجهين. فرع آخر لو قال: لله عليَّ إتمام كل صوم أدخل فيه فنوى صوم يوم بعد الفجر صح وصار فرضًا بعد الشروع، لأن ابتداءه نفل ولهذا لو قال: لله علىَّ إتمام كل صلاة أشرع فيها كان له الشروع في صلاة بعد أداء الفريضة بتيممه الأول، وقال القاضي الحسين لو قال: هذا على وجه اللجاج يعني لا أشرع فيه فموجبه موجب نذر اللجاج يخرج عنه بكفارة يمين في أحد الأقوال. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: إذا كان صائمًا صوم القضاء فاعتذر بعد الفجر أنه صائم عن النفل أو النذر غربت الشمس وهو على هذا الاعتقاد هل يصح صومه عن القضاء أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح وهذا إذا قلنا: إذا نوى إبطال الصوم يبطل وهو أصح الوجهين وينبغي أن يقال على هذا الوجه لا فرق بين علمه أنه في صوم القضاء ........... غيره ولا فرق بين أن يمضي على هذا الاعتقاد إلى الليل أولًا لأن الاحتساب لا يقع بالنذر الذي [340 أ/ 4] قارنه هذا الاعتقاد، وإذا لم يكن صوم بعض اليوم محسوبًا من صوم الفرض لم يصح باقيه ويفارق الصلاة إذا كان في فرض فاعتقد أنه في النافلة ثم يذكره قبل التحلل لم يبطل، لأنه يمكنه إعادة ما فعله بنية النفل

باب الوصال

على الاتصال، فإذا أعاده صحت صلاته ولا يمكنه في الصوم إعادة ما فعله بنية النفل على الاتصال لأن زمان الليل لا يقبل الصوم بحال فبطل وعلى هذا لو كان في صوم النفل فاعتقد بعد الفجر أنه في صوم الفرض، وإن تعمد إلى هذه النية ففي بطلان الصوم عن النفل وجهان وأصلهما إذا نوى إبطال الصوم، وإن لم يتعمد إلى هذه النية بل ظن أن شروعه كان في صوم الفرض ومضى على ذلك حتى غربت الشمس فهل يقع الاحتساب بالقدر الذي قارنه الفرض؟ عندي يقع الاحتساب به لأن الصوم المفعول بنية الفرض إذا لم يصح عن الفرض صح عن النفل إذا كان الزمان قابلًا للنفل، كما لو كان عنده أن علي صوم القضاء فشرع فيه بنية القضاء ثم بان أنه لم يكن عليه صوم [340 ب/ 4] القضاء صح عن النفل ويفارق ما ذكرناه، إذا كان في صوم القضاء فظن أنه في النفل واعتقد ذلك بعد الفجر لم يقع الاحتساب لصوم ذلك اليوم في أحد الوجهين لأن الصوم بنية النفل لا يصح أداء القضاء به بوجه من الوجوه والمفعول ... الفرض قد يؤدي به النفل فهما يفترقان، وهذا واضح. فرع آخر قال والدي رحمه الله: إذا نوى في الليل أنه يصوم هذا عن قضاء رمضان وهو يعلم أن لا قضاء عليه هل يقع صومه عن النفل وجهان: أحدهما: لا يقع كما لو أحرم بالصلاة بنية القضاء وهو يعلم أنه لا قضاء عليه لم يصح عن النافلة، وإن صح عنها عند الخطأ فكذلك يفصل بين العلم والخطأ في الصوم، وهذا إذا قلنا: إن طريان نية الفرض على صوم النفل مع التعمد لا يبطل الصوم لأن هذ النية لما لم تقدح في حال الاستدامة لم تقدح في حال الابتداء. فرع ذكره والدي إذا شرع في صوم التطوع ثم نذر إتمامه يلزمه الإتمام في أصح الوجهين ولا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده لأن ما يلزم به الإتمام لا فرق بين وجوده قبل الزوال أو بعده [341 أ/ 4] كالإقامة الطارئة على السفر يلزم بها الإتمام في أحد الوجهين، ولا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده في ذلك فإن لم يكن صائمًا فنذر صوم ذلك اليوم فإن كان قبل الزوال صح النذر في أحد الوجهين وهو الصحيح، وإن كان بعد الزوال فإن قلنا: صوم النفل يصح بعد الزوال صح النذر، وإن قلنا بالقول الآخر وهو الأصح لم يجز النذر والله أعلم. باب الوصال قال: أحبرنا مالكُ .... وذكر الخبر. وهذا كما قال: أعلم أن معنى الوصال وصل صوم الليل بصوم النهار، وقد كان

ذلك جائز لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دوننا لأخبار جاءت فيه روى الشافعي منها واحدًا في هذا الباب بإسناده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال فقالوا: يا رسول الله إنك تواصل أي: كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله؟ فقال: "إني لن مثلكم إني أطعم وأسقى (¬1) "وروي: "أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني "وقيل في ذلك معان. أحدها: أنه كان يُطعم ويسقى من طعام الجنة. والثاني: أنه أراد [341 ب/ 4] إني على ثقة من أن يطعمني طعام الجنة. والثالث: وهو الأصح معناه: إني أعطى قوة الطاعم والشارب، لأنه لو كان ذلك إطعامًا على الحقيقة لم يكن مواصلًا وقيل: أراد محبة ربي تمنعني من الطعام والشراب، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يكتب عليكم صيام الليل فمن شاء فليُعن نفسه ولا أجر له (¬2) " وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل فواصلوا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم فلم ينتهوا فقال: "لو أن الشهر مدَّ لي لواصلت وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم إني لست مثلكم إني يطعمني ربي ويسقيني (¬3) "ولأن فيه ضعفَا ومشقة في أداء الفرائض والعبادات فيكره ثم بيَن الشافعي جواز تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم لا يشاركه فيه غيره من أمته فقال وفرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم، وفي أمور كتبها عليه وخففها عنهم، فإذا تقرر هذا فالوصال المكروه هو أن لا يطعم بالليل بين يومي الصوم ويستديم جميع أوصاف الصائمين فلو ذاق يئًا وإن قل [342 أ/ 4] فقد خرج عن الكراهة، ولو ترك الأكل بالليل لا على قصد التقرب ولا نوى أن يصوم من الغد لا يكون مواصلًا، ولو واصل من سحر إلى سحر جاز لما روى ابن المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر ". فرع هل هذا النهي نهي تحريم أم تنزيه؟ ظاهر كلام الشافعي أنه تحريم لأنه قال: فرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم فقد ذكر الوصال وهو ظاهر النهي في الخبر يدل على تحريمه، ومن أصحابنا من قال: النهي نهي تنزيه لأنه ترك أكل المباح فنهى عنه لما يلحقه من الضعف والمشقة وذلك لا يقتضي التحريم، وروي أن ابن الزبير كان يواصل وعلى كلى الوجهين لو خالف وفعل لم يكن بالليل صائمًا بل يكون مفطرًا ممسكًا لأن الفطر يحصل بدخول الليل نوى الإفطار أو لم ينو، وإذا أصبح من غده صائمًا صح صومه لأن النهي ما تناوله وإنما تناول ترك الأكل ليلًا. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1965، 6851، 7242، 7299)، ومسلم (58/ 1102) (¬2) أخرجه أبن أبي حاتم في "العلل"، (656)، وابن عدي في "الكامل"، (7/ 2725). (¬3) أخرجه مسلم (59/ 1104)، والشافعي في "المستند" (684)، وابن أبي شيبة (3/ 82)، والبيهقي في "الكبرى" (8377)، وفي "معرفة السنن" (2573).

باب صوم يوم عرفة وعاشوراء

باب صوم يوم عرفة وعاشوراء قال: أخبَرَنا شفيانُ ... وذكر الخبر. وهذا كما قال: [342 ب/ 4] جملته أن صوم يوم عرفة هو مستحب لغير الحاج الواقف بعرفة، فأما الحاج فيستحب له أن يفطر يوم عرفة بكل حال، قال الشافعي: لأن الحاج مسافر مُضح وأراد به أنه متعرض للشمس، فإذا صام ضعف عن الدعاء يوم وأفضل الدعاء يوم عرفة فحيازة فضيلة الدعاء في ذلك الوقت أفضل من الصوم فيه، وقبل: يستحب أن يصوم يوم التروية معه للاحتياط حتى لا يفرته فضيلة يوم عرفة، وقيل: غلط المزني في حكاية هذا التعليل في قوله: مضح وإنما هو ضاح ذكره في "الإملاء "، أي: تأزر للمس ومنه قوله تعالى: {وأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا ولا تَضْحَى} [طه: 119] أي: لا تصيبك الشمس فتؤذيك فأما المضحي فهو الداخل في وقت الضحوة وليس ذلك وقت الوقوف بعرفة، وقيل: المضحي هو الواقف في الضحى والضحى هو الفضاء، وقال عطاء: إن كان صيفًا فالأولى له الإفطار، وإن كان شتاًء فالأولى له الصوم، وقد قال به بعض أصحابنا، وهذا لأنه إذا كان قويًا في الشتاء لا يؤثر فيه الصوم فيكون [343 أ/ 4] جامعًا بين العبادتين، وروي أن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم يوم عرفة (¬1)، وقال هذا القائل هذا اصح وأنا أقول به مثله، وبالله التوفيق وذا غلط، بدليل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن صوم يوم عرفة (¬2) "، وقال ابن عمر: حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمر بصيامه ولا أنهي عنه (¬3)، وروي عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمَّانَا فقال: ادن فكل لعلك صائم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم هذا اليوم (¬4)، وحكي عن أبي حنيفة أنه يستحب له صومه إلا أن يضعفه عن الدعاء ويقطعه عنه، وروت أم الفضل بنت الحارث: أن أناسًا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو قائم بعرفة فشرب (¬5)، وأما صوم يوم عاشوراء يستحب أيضًا وهو صوم اليوم العاشر من المحرم والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم [343 ب/ 4] قال: "صيام يوم عرفة كفارة السنة والسنة التي تليها وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة (¬6) " وأراد بقوله كفارة السنة والسنة التي تليها ما جاء في ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "معرفة السنن" (2578، 2579). (¬2) أخرجه أحمد (2/ 304)، وأبو داود (2440)، والنسائي (2830)، وابن ماجة (1732)، والحاكم (1/ 434)، والبيهقي في "الكبرى" (8389، 8390). (¬3) أخرجه الترمذي (751)، والنسائي (2825، 2826)، وابن حيان (3595). (¬4) أخرجه البيهقي في "الكبرى"، (8387)، وفي "معرفة السنن" (3/ 428). (¬5) أخرجه البخاري (1988)، ومسلم (110/ 1123). (¬6) أخرجه مسلم (196/ 1162)، والترمذي (649)، وابن ماجه (1730)، والبيهقي في "الكبرى".

خبر آخر مفسرًا صيام يوم عرفة يكفّر سنة قبلها وسنة بعدها، ولا يوجد في ثواب شيء من العبادات أن يكون تكفير ذنوب زمان لم يأت بعد، وإنما حض الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال الله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]، وقيل: أراد به أنه كفارة سنتين ماضيتين وقيل: صوم يوم عرفة هو أفضل من كل يوم يتطوع به الإنسان لهذا المعنى، وقال زؤيبة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا في يوم عاشوراء أن نتفل في أفواه الصبيان، وقال: "لا تسقوهم شيئًا إلى الليل ". قال أصحابنا: ويستحب أن يصوم اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا كان في العام المقبل صمنا اليوم التاسع "ثم لم [344 أ/ 4] يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (¬1) وأراد بقوله صمنا اليوم التاسع أي: مع العاشر. وقال بعض أصحابنا: الأكمل أن يصوم اليوم التاسع معه فإن لم يصمه يصوم الحادي عشر معه حتى يخالف اليهود وإذا قلنا: يؤمر به احتياطًا لما روى شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان يصوم عاشوراء يومين يوالي بينهما مخافة أن يفوته (¬2). فعلى هذا لو لم يصم التاسع لا يصوم الحادي عشر بدله، وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء "، وقيل: أمر بصوم يوم تاسوعاء للاحتياط من أن يخرج ذو الحجة ناقصًا وهو لا يعلم ذلك فيفوت عنه صوم العاشر ومن العلماء من قال: صوم يوم عاشوراء هو صوم اليوم التاسع من المحرم وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون يومًا فقال: "ما هذا "قالوا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق فرعون فقال: "أنا أحق بموسى منهم "فأمر مناديه "ألا من [344 ب/ 4] أكل فليمسك بقية نهاره ومن لم يأكل فليصم (¬3) "، وكان غرق فرعون في اليوم العاشر من المحرم، وروي أنه "سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اليوم الذي يصومون فيه فقالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فسكت حتى أصبح يوم عاشوراء فأمر الناس بالصيام وأخبر .... (¬4) موسى هذا وإن اليهود ضلوا عنه كما ضلوا عن يوم الجمعة "قال القفال: وهذا أصح لأن اليهود لا يصومون الآن يوم عاشوراء بل يصومون يومًا آخر وقد ذكرنا أنه لم يكن واجبًا قط، وهو ظاهر المذهب لما روى الشافعي عن حميد بن ¬

_ (¬1) = (881)، وفي "معرفة السنن" (2574). () أخرجه مسلم (133/ 1134)، والبيهقي في "الكبرى" (8401). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8402). (¬3) أحرجه البخاري (3297، 3943، 4680، 4737)، ومسلم (127/ 1130). (¬4) موضع النقط بياض بالأصل.

عبد الرحمن: أنه سمع معاوية رضي الله عنه يوم عاشوراء على المنبر يقول يا أهل المدينة أين عطاؤكم سمعت رسول الل صلى الله عليه وسلم يقول: "هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر (¬1) "، ومن أصحابنا من قال: إنه كان واجبًا وهو قول أبي حنيفة، ومن أصحابنا من قال: صوم المحرم أفضل من صوم سائر شهور السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي: الصوم أفضل [345 أ/ 4] بعد رمضان؟ فقال: "شهر الله المحرم (¬2) ". فصل قال أصحابنا: يستحب لمن صام رمضان أن يتبعه بستة من شوال ليكون جميع صيامه سنة وثلاثين يومًا فيكون له صيام السنة كلها كما قال تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان وأتبعه بستة من شوال فكأنما صام الدهر (¬3) "، وبه قال أحمد وجماعة العلماء، وقال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا خوفًا من أن تلحق ذلك بالفرض وحكاه محمد عن مالك ولم يذكر خلافه، وقال في الموطأ: يكره له ذلك وما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه وهذا كله غلط، لما ذكرنا والأولى أن تكون متتابعة عقيب الفطر فإن ... (¬4) الفضيلة، وقد روى أبو حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام السنة (¬5) "، وهذا خبر غريب، وروى ابن عباس [345 ب/ 4] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصائم الستة بعد رمضان كالكار بعد الغار "قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصوم أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "شهر الله الأصم "وروي: "الأصم "لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة صبًا. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، وصوم الثاني منه كفارة سنتين، وصوم اليوم الثالث منه كفارة ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2003)، ومسلم (126/ 1129). (¬2) أخرجه مسلم (202/ 1163)، وأبو داود (2429)، والترمذي (740)، وأحمد (2/ 244)، والدرامي (2/ 21)، والبيهقي في "الكبري" (8422). (¬3) أخرجه مسلم (204/ 1164)، من حديث أبي أيوب، وأبو داود (2433)، والترمذي (759)، وابن ماجة (1716)، والدرامي (2/ 21)، وأحمد (3/ 308، 324)، من حديث ثوبان. (¬4) موضع النقط بياض بالأصل (¬5) أخرجه ابن ماجة (1715)، والطبراني في "الكبيرة" كما في "مجمع الزواند" (3/ 183)، وقال الهيثمي: "وعبد الرحمن بن غنام لم أعرفه".

سنة ثم صوم كل يوم منه كفارة سنة ثم بعد رجب شهر شعبان (¬1) "، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر "وأراد بشر الصبر شعبان، وقيل: رمضان (¬2)، ومعنى وحر صدره أي: غل صدره وبلابله ومن أراد أن يصوم أيامًا فيستحب له أن يصوم أيام البيض، قال أعرابي: يا رسول الله إني أصوم ثلاثة أيام من الشهر فقال: "إن كنت صائمًا فصم الغر (¬3) "، قال ابن قتيبة [346 أ/ 4] الغر: البيض بطلوع القمر في جميعها. وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان صائمًا من الشهر فليصم الأيام البيض (¬4) "، وروي أنه قال: "هي كهيئة صوم الدهر "يعني: أن صوم ثلاثة أيام بشهر وإن صام ثلاثة من الشهر غيرها فيستحب أيضًا لما روي عن أبي هريرة قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت منها صوم ثلاثة أيام من كل شهر (¬5) "، وقالت حفصة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى (¬6) "، وروت عائشة رضي الله عنها قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالي أي أيام الشهر يصوم هذه الثلاثة (¬7) " فقيل: هذه الثلاثة صوم أيام البيض وقيل: إنها يوم الاثنين والخميس والاثنين الآخر من الجمعة الأخرى، ويستحب أن يصوم يوم الاثنين والخميس، قال أسامة بن زيد رضي الله عنه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع صيام يوم الاثنين والخميس، وقال: هما يومان [346 ب/ 4] تعرض فيهما الأعمال فأحب أن يعرض لي فيهما عمل صالح (¬8). وروى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل القرآن (¬9) " ويستحب لمن قدر أن يصوم صوم داود عليه السلام وقيل: إنه أفضل من صوم الدهر لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام أخي داود صلى الله عليه وسلم كان يصوم يومًا ويفطر يومًا وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود وكان يرقد شطر الليل ويقوم ثلثه ثم يرقد آخره (¬10) ". ¬

_ (¬1) انظر: كنز العمال للهندي (24261). (¬2) أخرجه أحمد (5/ 78)، وابن سعد في "الطبقات" (1/ 2/ 30). (¬3) أخرجه أحمد (2/ 336)، والنسائي (4/ 222)، وابن حيان (945)، والحاكم (4/ 135). (¬4) أخرجه الخطيب في "تاريخه" (11/ 120). (¬5) أخرجه البخاري (1981)، ومسلم (85/ 721). (¬6) أخرجه أبو داود (2451). (¬7) أخرجه مسلم (194/ 160). (¬8) أخرجه أحمد (5/ 200)، وأبو داود (2436)، والنسائي (2781، 2782، 27823، 2785). (¬9) أخرجه مسلم (198/ 1160)، وأحمد (5/ 299)، والبيهقي في "الكبرى" (8434). (¬10) أخرجه مسلم (189/ 1159)، وأبو داود (2448)، والنسائي (3/ 214)، ابن ماجه (1712)، والحميدي (589).

فرع قال أصحابنا: لا يكره صوم الدهر إذا أفطر في أيام النهي ولم يترك فيه حقًا ولم يخف ضررًا ولفظ الشافعي في "مختصر البويطي "لا بأس بسرد الصيام إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها وبه قال عامة الفقهاء، وهذا لما روت أم كلثوم مولاة أسماء رضي الله عنها قالت: قيل لعائشة رضي الله عنها: تصومين الدهر وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر؟ قالت: نعم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [347 أ/ 4] ينهى عن صيام الدهر ولكن من أفطر يوم النحر ويوم الفطر فلم يصم الدهر وحكي عن أبي يوسف أنه قال: إنما نهى رسول الله صلى الله علي وسلم عن صوم الدهر لأنه يضعف عن العبادات وهو يشبه النفل الذي نهى عنه ولو أراد بالنهي صوم هذه الأيام كلا ما كان لتخصيص الأيام الستة بالنهي معنى ولما خص الأيام الستة دل على أن صوم الباقي جائز وهكذا إذا خاف ضررًا وضعفًا في أداء العبادات لا يستحب ما ذكرنا من صيام الأيام المستحبة لما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين سليمان وبين أبي الدرداء فجاء سليمان يزور أبا الدرداء فرأى أم سلمة متبذلة فقال ما شأنك فقالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من الدنيا فقال: سليمان يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا وعبيدك عليك حقًا فصم وافطر وقم ونم وآت أهلك وأعط كل ذي حق حقه فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سليمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "مثل ما قال سليمان. والدليل على ما ذكرنا أن أبا طلحة الأنصاري كان لا يفطر في حضر ولا في سفر فلم يعبه رسول الله [347 ب/ 4] صلى الله عليه وسلم ولا نهاه عن ذلك، ومن العلماء من قال: يكره ذلك لما روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه قال: رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها حتى سكن غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال عمر: يا رسول الله كيف من يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: "أو يطيق ذلك أحد "قال: كيف يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: "ذلك صوم داود "قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: "وددت لو أني أطقت ذلك "، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله (¬1) "قلنا: يشتبه أن يكون غضب النبي صلى الله عليه وسلم من كراهة أن يقتدي به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه أو يمله بقلبه فيكون صيامًا من غير إخلاص، وقوله: "لا صام ولا أفطر "معناه لم يصم ولم يفطر [348 أ/ 4] ومعناه الدعاء عليه كراهة لصنيعه وزجرًا له عن ذلك إذا لم يفطر في شيء من الأيام، وإن نهى عن صيامها أو إذا لم يقوِ على ذلك على ما ذكرنا. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (196/ 1162)، وأبو داود (2425، 2426)، والنسائي (4/ 206، 207)، والترمذي (767)، وأحمد (4/ 25)، والدرامي (2/ 18)، وابن حيان (937)، والحاكم (1/ 435).

فرع آخر ذكره ابن سريح إذا نذر صوم الدهر انعقد نذره إلا زمان العيدين والتشريق فإن أفطر في رمضان لعذر من سفر أو مرض فعليه القضاء ولا وقت للقضاء غير زمان النذر فيقضي من رمضان ويدع النذر وهل يدخل زمان القضاء تحت نذره فيه وجهان: أحدهما: لم يدخل تحت نذره لأنه بان أنه مستحق للقضاء فلم يدخل في النذر كشهر رمضان، والثاني: دخل زمان القضاء تحت نذره لأنه لو صامه عن نذره أجزأه، فإذا قلنا: بهذا هل تلزمه الفدية عن هذه الأيام التي فاتته من نذره؟ قال: يحتمل وجهين: أحدهما: يلزمه لأنه بسقط إلى مال لتعذر صومه عليه بكل حال كما يقول في الشيخ الهرم، والثاني: لا يلزمه لأنه لا يمكنه فعله فهو كالمريض إذا أفطر واتصل مرضه بموته لا تلزمه الفدية. فرع آخر ذكره والدي رحمه الله: أنه لو نذر صوم الدهر فأفطر يومًا منه هل يقضيه في يوم من الأيام المستقبلة؟ قال: [348 ب/ 4] قال أصحابنا: لا يقضيه ويصوم عن أداء النذر في الأيام المستقبلة لأنه لو قضاه في يوم وجب عليه قضاء ذلك اليوم ثم إذا قضاه يلزمه قضاء ذلك اليوم أيضًا فيؤدي إلى إخراج كثير من صيامه عن الوقت وهو نظير ما قلنا في قضاء إحرام دخول مكة لا يلزمه لهذا المعنى. فرع آخر قال والدي: لو قضاء في يوم آخر هل يصح عن القضاء فيه وجهان: أحدهما: يصح عن القضاء في الحال، والثاني: لا يصح لا عن القضاء ولا عن الأداء فعلى هذا يلزمه الإطعام في الحال لأنه آيس من استدراك هذا الصوم بالقضاء، قلت: ويحتمل وجهًا آخر على ما ذكرنا: ولو سافر هذا الرجل يحل له الفطر وهل عليه الإطعام في الحال وجهان. فرع آخر إذا نذر أن يصوم يوم الخميس أو يصلي فيه لم يكن له أن يصوم يوم الأربعاء ولا أن يصلي يوم الأربعاء خلافًا لأبي يوسف، ولو نذر أن يتصدق بدرهم يوم الخميس له أن يتصدق به يوم الأربعاء، وهذا لأن إطلاق النذر يحمل على المعهود الشرعي والصوم والصلاة الشرعيان لا يجوز تقديمهما على الوقت بخلاف الزكاة كذلك هاهنا. فرع آخر قال ابن سريج: لو نذر صوم يوم بعينه ثم أراد أن يأتي فيه بصوم النفل أو فرض آخر غير النذر فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما في رمضان، والثاني: يجوز وهو الأوضح وعليه قضاء المنذور والفرق أن زمان رمضان لو لم يلزم صومه لم يجز فيه غير صوم رمضان وهو في حق الصبي فإذا تعين كان مثله وفي هذا اليوم لو لم يلزم الصوم

فيه لفقد النذر صح فيه صوم التطوع فكذلك إذا لزمه صومه بالنذر. فرع لو كان عليه قضاء رمضان فأخره بعذر إلى رمضان ثانٍ ثم قدر على القضاء عقيب انقضاء رمضان ثم أخره فمات قبل دخول رمضان ثالث لا تلزمه الفدية للتأخير. فرع لو قال: لله عليَّ أن اصوم شعبان أبدًا فأسر هذا الناذر فكان يتحرى فصام رجبًا على أنه شعبان وصام شعبان على أن رمضان ثم تبين له الأمر بعد سنين يلزمه قضاء شهرين أحدهما عن شعبان والثاني عن رمضان ولا إطعام علي للتأخير. فرع لو كان عليه صوم ثلاثة أيام أحدهما عن قضاء يومان عن نذر فصامهما ثم على أنه ترك النية في أحدها ولا يدري عين ما ترك له [394 ب/ 4] النية يلزمه أن يعيد صوم يومين أحدهما عن النذر والثاني عن القضاء ليتيقن سقوط الفرض عنه كما لو كانت عليه ثلاث صلوات إحداها صبح واثنتان ظهر فصلاها ثم علم أنه ترك النية في إحداهما يلزمه أن يعيد الصبح وظهرًا واحدًا. فرع آخر لو صام يومين أحدهما عن نفل ثم علم أنه أضلَّ بالنية في أحدهما ولا يدري هل كان في الفرض أم في النفل، قال أصحابنا: يلزمه إعادة الفرض وقال والدي: لا يلزمه إعادته لأنه شاك في وجوب الإعادة والشك في وجوب الإعادة لا يوجبها. فرع آخر ذكره والدي: إذا وطئ زوجته وهي ناشزة في رمضان وقلنا بقول: التحمل هل يتحمل عنها الكفارة وجهان أحدهما: لا يتحمل لزكاة الفطر والنفقة، والثاني: يتحمل والفرق أن ذلك يلزم بمقابلة التمكين وبالنشوز زال التمكين والكفارة تلزم الجماع لأن التمكين وإن وجد لا يلزم الكفارة ما لم بجامع وقد حصل الجماع في حال النشوز كحصوله في حال الطواعية فلزمته الكفارة عنها في الحالين، ويؤكده إن تعلق هذه الكفارة غذ كان الجماع وقد حصل في حال النشوز زال النشوز من الجهة المقصودة [350 أ/ 4] فوجبت الكفارة كما لو تزوج امرأة لا يلزمه دفع المهر، وإن كانت باقية على النشوز لما ذكرنا وهذا أشبه بكلام أصحابنا، والأول أقيس. فرع آخر لو جامع العبد امرأته الحرة والزوج الكفارة ل يتحمل عنها، قال والدي رحمه الله: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يتحمل لأن التحمل إذا لم يثبت في الحال يثبت بعده، والثاني: يتحمل لأن سبب التحمل حصل وإنما امتنع لعارض فإذا زال العارض كان عليه التحمل إذا كان الوجوب باقيًا، وهذا إذا قلنا الاعتبار في الكفارة بحال ...

باب الأيام التي نهي عن الصوم فيها

فأما إذا قلنا بحال الوجوب فلا تتحمل لسقوط التحمل في حال الوجوب. فرع آخر الصبي إذا جامع في رمضان لا تلزمه الكفارة بحالِ، وهل يبطل صومه بالجماع عن قصد، قال والدي- رحمه الله- فيه وجهان مبنيان على القولين من أن عمده عمدَا وخطأ، وإنما قلت هذا لأنه صاحب الإفصاح ذكر من جماع الصبي عمدًا في الحج هل يفسد الحج؟ وجهين. فرع آخر إذا شهد عدل بطلوع الفجر في رمضان هل يلزمه الإمساك عن الطعام أم يعتبر قول اثنين إذا لم يمكنه معرفة الحال؟ قال: يحتمل وجهين وهما مبينان على قبول شهادة الواحد [350 ب/ 4] في هلال رمضان، وهذا لأن مقتضاه وجوب الصوم والإمساك كذلك وفي الشهادة على غروب الشمس لابد من اثنين كالشهادة على هلال شوال. فرع آخر لو نذر صوم شهر شعبان فشهد عدل واحد برؤية هلاله هل يلزمه الصوم؟ إن قلنا في هلال رمضان يقبل واحد فهاهنا وجهان: أحدهما: يقبل. والثاني: لا يقبل لأن وجوبه يختص به الواحد ولا تشترك فيه العامة بخلاف صوم رمضان، ولأن صوم رمضان أكد والأول اصح. ذكره والدي- رحمه الله. فرع آخر إذا اتمضمض فشق الماء إلى جوفه لا عن مبالغة قبل الزوال، ثم أراد أن يبتدئ بصوم التطوع فيه وجهان بناء على القولين في بطلان الصوم غذا طرأ عليه، والأصح أنه لا يبطل ولا يجوز ابتداء هذا الصوم. باب الأيام التي نهي عن الصوم فيها مسألة: قال (¬1): "وأنهي عنْ صِيامِ يَوْم الفطْرِ ". فصل وهكذا كما قال، قد ذكرنا هذا فيما تقدم. وروي عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم الأضحى (¬2). أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم. وأما [351 أ/4] يوم الفطر ففطركم من صيامكم وما ذكره الشافعي دليل على أن ¬

_ (¬1) أنظر الأم (2/ 27). (¬2) أخرجه مسلم (143/ 1140)، والبيهقي في "الكبرى" (8457)، وفي "الصغرى" (1474).

باب الجود والأفضال في شهر رمضان

النهي بظاهره يدل على فساد النهي عنه على مذهبه. فرع روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى يدخل رمضان (¬1) "وروي: "فلا صوم إلا لرمضان "قال أصحابنا: إذا ابتدأ الصوم قبل انتصاف شعبان ثم وصله برمضان أو وافق آخر أيام شعبان وردًا له فصام لا يكره ويجوز له ذلك ولو ابتدأ صيام نفل من غير سبب بعد انتصاف شعبان ووصل برمضان كره ذلك، وإن لم يكن شك لأنه يشبه استقبال الفرض وقد ورد عنه وهذه الكراهية هي كراهة تنزيه عندي ويحتمل أنه استحب إتمام الصيام في بقية شعبان ليتقوى به على صيام رمضان فإنه ربما يضعف عن صوم رمضان، ومن أصحابنا من قال: لا يكره ذلك بحال لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يتقدموا رمضان بيوم أو يومين (¬2) "فنهى عن صوم يومين قبل رمضان والخبر الذي ذكرنا غير ثابت. باب الجود والأفضال في شهر رمضان قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد ... الخبر. وهذا كما قال: [351 ب/ 4] هذا كتاب ليس من أحكام الصيام وقصد به الندب لأولي السعة والغنى على الزيادة والجود والأفضال في شهر رمضان وهو مستحب في شهر رمضان، وفي كل وقت ولكنه في رمضان أكد استحبابًا والأصل ما رواه الشافعي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس بالخير "، أي: في عموم الأوقات "وكان أجود ما يكون في شهر رمضان (¬3) وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن "أي: يدرس عليه فيعارضه كما يقرأ الإنسان على المقرئ "فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة "فمنهم من قال: يريد أنه كان أسرع إلى الخير من الريح المرسلة فإنها تعم كل شيء، ثم قال الشافعي: ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم وأراد أن الحاجة بالناس إلى معايشهم في هذا الشهر مثلها في غيره وزيادة وفيه من أمر الصلاة والصيام الذي يشغلهم عن معاشهم ما ليس في غيره، فكذلك استحب الزيادة في هذا الشهر، وفي [352 أ/ 4] هذا الخبر الذي ذكرنا دليل على استحباب الزيادة تلاوة القرآن إذا دخل شهر رمضان وعلى أن من أراد قراءة القرآن في شهر رمضان خاصة وفي سائر الشهور عامة يستحب له أن يقرأ على غيره معارضة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض على جبريل عليه السلام في شهر رمضان، فأما من أراد التهجد به فهو مأمور به حينئذِ بأسكن وقت وأخلا زمان. ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (2327)، والبيهقي في "الكبرى" (4/ 209)، وابن عدى في "الكامل" (2/ 476، 4/ 1617). (¬2) أخرجه البخاري (1914)، ومسلم (21/ 1082). (¬3) أخرجه البخاري (6، 1902، 4997)، ومسلم (50/ 2308).

فصل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة (¬1) "رواه أبو بكرة رضي الله عنه واختلف العلماء في تأويله على وجوه أحدها: أنهما لا يكونان ناقصين في الحكم وإن وجدا ناقصين في عدد الحساب، والثاني: معناه أنهما لا يكادان يوجدان في سنة واحدة مجتمعة في النقصان إن كان أحدهما تسعًا وعشرين كان الأخر ثلاثين على الكمال ذكره أحمد بن حنبل وأراد به في أغلب العادة، والثالث: معناه تفضيل العمل في العشر من ذي الحجة فإنه لا ينقص في الأجر والثواب عن شهر رمضان. فصل روى أبو صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه أن امرأة [352 ب/ 4] جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس فسأله عما قالت فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ سورتين وقد نهيتها فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قولها يفطرني فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شاب ولا أصبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: "لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها "وأما قولها إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عُرف لنا ذاك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: "إذا استيقظت فضلَّ (¬2) " وفي ذا الخبر دليل على أن منافع المتعة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال، وأنها لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه وللزوج أن يمنعها من حج التطوع وتعجيل حج الفرض، وله أن يضربها إذا امتنعت في إيفاء حقه، وإنما قال: "إذا استيقظت فصل "فإنه كان كالمعجوز عنه وصاحبه في ذلك هو بمنزلة من يغمى عليه فيعذر فيه أو أراد به في بعض الأوقات لأنه يبعد أن يبقى الإنسان على مثل [353 أ/ 4] هذا ولا يكون بحضرته من يوقظه، والله أعلم. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (32/ 1089)، وأبو داود (2323)، والترمذي (692)، وابن ماجه (1660)، وأحمد (5/ 51). (¬2) أخرجه أبو داود (2459)، وأحمد (3/ 80)، وابن حيان (956)، والبيهقي في "الكبرى" (8499).

كتاب الاعتكاف

كتاب الاعتكاف قال: أحبَرَنَا مالكُ ... وذكر الخبر. وهذا كما قال الشافعي في "سنن حرملة ": الاعتكاف ولزوم المرء الشيء وحبس النفس عليه برًا كان أو مأئمًا والدليل عليه قوله تعالى: {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ} [الأعراف: 138]، وقوله تعالى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52]، قال الخليل بن أحمد: الاعتكاف هو: المقام على الشيء يقال: عكف يعكف ويعكِف بكسر الكاف وضمها وهو قول الأزهري، وقيل: الاعتكاف الاحتباس في المسجد يقال: عكفته أي: حبسته، قال الله تعالى: {والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25]، أي: محبوسًا، وأما المراد بالاعتكاف الشرعي فإنه المكث في بيت الله تعالى وهو المسجد تقربًا به إلى الله تعالى، وهو من الشرائع القديمة، والأصل فيه قول الله تعالى: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]، قيل طهرا من الكفر، وقيل: من الأصنام، وقال الله تعالى: {ولا تُبَاشِرُوهُنَّ وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} [البقرة: 187]. وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر إلى أن قبضه الله تعالى (¬1) [353 ب/ 4]، وروي أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلما كان في العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا (¬2)، فإذا تقرر هذا فالاعتكاف سنة حسنة وقربة وطاعة مندوب إليها مؤكدة ولا يصح إلا بالنية والكون في المسجد وترك مباشرة النساء ولا يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ومن أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر (¬3) "فعلق بالإرادة ويستحب في عموم الأوقات خصوصًا في العشر الأواخر من رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دوام على ذلك في آخر عمره وذلك أنه روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، أي: كان يتحرى فيه ليلة القدر فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه يريد أنه كان لا ينصرف ليلة الحادي والعشرين، وإن كانت العشر قد تمت له حتى يصبح منها على الصبح قم ينصرف، قال عليه الصلاة والسلام: "يعني في هذه الليلة من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر "، أي: فلا ينصرف حتى يعتكف [345 أ/ 4] العشر الأواخر. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2025)، ومسلم (5/ 1172). (¬2) أخرجه البخاري (4998)، وأحمد (2/ 336)، والدرامي (2/ 37)، وابن ماجه (1769). (¬3) أخرجه البخاري (2027، 2036)، ومسلم (213/ 1167).

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل عليه السلام فقال: إن ما تطلبه أمامك "يعني ليلة القدر قال: "أي في هذه الليلة واريت هذه الليلة "أي: ليلة القدر "أريتها في المنام أية ليلة هي من هذه العشر ثم أنسيتها "ولم يرد أنه رأى الملائكة والأنوار عيانًا ثم نسى في أية ليلة رأى لأن مثل ذلك قلما ينسى، وروي "فخرجت لأخبركم بها فتلاحي فلان وفلان فأنسيتها ولعله خير لكم "أي: ولعل نسيانيها حير لكم يعني: لو لم أنسها وأخبرتكم بها لاعتمدتم على تلك الليلة واقتصرتم على التعبد فيها قلما أنسيتها تطلبون الآن فيها كلها فصارت الليلة كلها الواحدة بسبب نسياني عشرًا، وروي أنه قال: أريت هذه الليلة فخرجت لأخبركم به فتلاحى فلان وفلان .. وذكر الخبر ... ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى من علامات هذه الليلة فقال: "ورأيتُني أسجد في صبيحتها في ماء وطين "فأمطرت السماء من تلك الليلة يعني هذه الليلة التي كان يخبر فيها بذلك وهي ليلة الحادي والعشرين وكان المسجد [354 ب/ 4] على عريش أي: لم يكن مطين السطح فوكف المسجد (¬1) قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف علينا وعلى جبته وأنفه الماء والطين في صبيحة إحدى وعشرين. قال أصحابنا: فمصادقة حقيقة الرؤيا وعلامتها في هذه الليلة مما يدل على أنها ليلة القدر. تغليبًا لا يقينًا، وقال الإمام الجويني: هذا الخبر هو دليل على جواز النسيان عليه وجواز النسيان في أصل الوحي إذا كانت المصلحة فيه عند الله تعالى بدليل أن الرؤيا كانت وحيًا له ثم أنساها الله تعالى إياه وهو معنى قوله تعالى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] الآية، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: "لا يقولن أحدكن نسيت آية كذا وكذا وليقل أنسيتها (¬2) "، ثم قال الشافعي: وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر، ثم قال: والذي يشبه أن تكون ليلة إحدى أو ثلاث وعشرين يعني: يشبه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون ليلة القدر في إحدى هاتين الليلتين. وإنما جعل الشافعي ليلة ثلاث وعشرين عديلًا لليلة الحادي والعشرين [355 أ/ 4] فيه لخبر رواه في "الجامع الكبير "ولم ينقله المزني وكان من حقه أن ينقل ليحسن عطف هذا الكلام عليه وهو أنه روى بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أية ليلة هي فقال: "كم بقي من الشهر "وكان ذلك يوم الثاني والعشرين، فقال: ثمان يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أو سبع "فقال الرجل بقي ثمان يا رسول الله فقال: "أو سبع "ثم قال: "الشهر هكذا وكذا "وأشار بأصابعه العشر مرتين وقبض واحدة في المرة الثالثة يعني أن هذا الشهر ينقص يومًا ثم قال: "لا آمن أن تكون هذه الليلة (¬3) "يعني ليلة الثالث والعشرين فلهذا عدل الشافعي ليلة الثالث ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2016، 2018، 2036)، ومسلم (213/ 1167). (¬2) أخرجه الطبراني في "الكبرى" (10/ 169، 239). (¬3) أورده السيوطى في "الدر المنثور" (1/ 360).

والعشرين (بليلة) الحادي والعشرين ثم قال: ولا أحب ترك طلبها فيها كلها، يعني ما من ليلة من هذ العشر إلا وطلبت ليلة القدر فيها خصوصًا في ليلة السابع والعشرين، فإن أكثر الصحابة على أنها هي ليلة القدر، وأعلم أن الشافعي أدخل هذا في هذا الباب وليس من مسائل وجملته أن ليلة القدر ي ليلة شريفة فاضلة ومعناه [355 ب/ 4] أنه قدر فيها ما هو كائن في تلك السنة وقيل معناه: ليلة الشرف والفضيلة لها قدر وشأن من قولهم رجل له قدر. وأعلن أنها ثابتة غلى يوم القيامة غير منسوخة، وإنما يعتكف طلبًا لها في الغالب، قال الله تعالى: {لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، أي: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهو قول قتادة، وقيل: خير من عمل ألف شهر وهو قول الربيع، وقال مجاهد: أراد العمل في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليست فيها ليلة القدر فصيام نهارها وقيام ليلها، وروي هذا عن ابن عباس أيضًا، وقوله تعالى: {إنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر:1]، يعني: القرآن، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل من السماء الدنيا نجومًا الآية والآيتين والثلاثة والسورة على ما علم الله تعالى من المصالح، وقوله: {تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا} [القدر: 4]، قيل: أراد به جبريل عليه السلام، وقيل: أراد به العلم كقوله تعالى: {يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} [النحل: 2]، وقيل: قوله: {بِإذْنِ رَبِّهِم} [القدر: 4] أي: بأمر ربهم من كل أمر سلام، قال ابن عباس يسلمون [356 أ/ 4] على كل مؤمن ومؤمنة إلا على مدمن خمر أو مصر على الزنا أو ساحر أو كاهن فمن إصابته التسليمة غفر له، وقوله: {هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ} [القدر: 5] يريد ليلة القدر من حين غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وأعلم أنها باقية لم ترفع لما روى عن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله ليلة القدر رفعت مع الأنبياء قال: بل ي إلى يوم القيامة، قلت: هي في رمضان أو في عيره من جميع السنة؟ قال: "في رمضان "قلت: في العشر الأول أو الثاني أو الأخير؟ قال: "في العشر الأواخر"وقال بعض أصحابنا: الأصح أنها لم تكن إلا لهذه الأمة روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس لأمته وقاتل في سبيل الله ألف شهر لا ينزعها فاستعظمت الصحابة ذلك وتمنوا أن يكون لهم مثل هذا العمر وهذه القوة فأنزل الله هذه السورة. وروي أن الصحابة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر أعمارهم وقالوا: إن الرجل ممن كان قبلنا كان يعمر ألف سنة وأعمارنا قصيرة فلو عمرنا مثل أعمارهم لعبدنا الله تعالى فنزلت هذه السورة، فإذا [356 ب/ 4] تقرر هذا قال الشافعي رحمه الله: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان والمستحب أن يطلب في جميع العشر وطلبها في الوتر منها أكد استحبابًا منه في الشفع وطلبها في الحادي والعشرين والثالث والعشرين أكد استحبابًا من طلبها في سائر الأوقات.

وقال أبو حامد: المذهب أنها ليلة الحادي والعشرين نص عليه في "الإملاء "فلو قال: لامرأته أنت طالق ليلة القدر فإن كان ذلك في رمضان قبل مضي ليلة من ليالي العشر حكم بطلاقها في أول ليلة التاسع والعشرين لأنه اليقين، وإن كانت قد مضت ليلة من ليالي العشر لا تطلق حتى يأتي رمضان آخر من السنة القابلة فإذا مضت تلك الليلة من العشر الأواخر حكم بطلاقها، وحكي عن أبي حنيفة أنها في جميع السنة وهو قول بعض العلماء وأصحاب أبي حنيفة منكرون ذا وهو ... (¬1) أن مذهبه أنها في جميع شهر رمضان لا يختص بهذا المذهب (¬2) ... هذا إلى أبي حنيفة من مثله قالها أبو حنيفة لو قال: في أول يوم من رمضان لامرأته أنت [357 أ/ 4] طالق ليلة القدر لم تطلق إلى تمام السنة من ذلك اليوم فظن أن ليلة القدر ممكنة في جميع السنة وغنما قال أبو حنيفة ذلك لاحتمال أن الليلة الأولى من الشهر كانت هي ليلة القدر فالأصل أن الطلاق لا يقع ما لم تمض سنة ثم اختلفوا هل يتبدل وقتها فتكون في عام في ليلة وفي عام في ليلة أخرى فمنهم من قال: يتبدل قال المزني أرى والله أعلم أنها في كل سنة تختلف في العشر ونقل النيسابوري أبو بكر ذلك عن المزني في بعض النسخ، وقال القفال: أكثر العلماء على أنها لا تتبدل بل هي ليلة بعينها واختلفت الصحابة فيها فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أنها ليلة ثلاث وعشرين، وقال أُبي بن كعب: هي ليلة سبع وعشرين وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: هي في العشر الأواخر وليس فيها تعيين، وروي في بعض الأخبار أنها ليلة السابع عشر، وروي عن ابن عباس أنه قال سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرون منها قوله هي، فدل أنها ليلة سبع وعشرين ولا حجة في هذا لأن قوله ليلة القدر هي الكلمة الخامسة وهي أصرح من هي ولا تدل على وجودها في ذلك [357 ب/ 4] العدد كذلك هذا؛ ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اطلبوها في كل وتر لتسع بقين أو لسبع بقين أو لخمس بقين أو لثلاث بقين أو الليلة الأخيرة (¬3) "، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من يقم الحول يصبها فقال بعض السلف رحم الله ابن مسعود قد علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس. وقيل: ليلة القدر في الوتر هي ليلة الثاني والعشرين والرابع والعشرين والسادس والعشرين والثامن والعشرين وليلة الثلاثين لأن هذه الليالي هي أوتار بالإضافة غلى ما بقي من الشهر وغن كانت أشفاعًا بالإضافة غلى ما مضى والصحيح خلافه. وقال الشافعي في "القديم ": استحب أن يكون اجتهاده في العبادة في يومها كاجتهاده في ليلتها، وأما علامة ليلة القدر فقال أبو ذر رضي الله عنه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامتها فقال: "إن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها مثل الطست ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) أخرج أحمد (5/ 313).

وتكون ليلة طلقة لا حارة ولا باردة (¬1) ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها ويدعو بإخلاص نية وصحة يقين بما أحب من أمر ودين ودنيا وقال رسول الله [358 أ/ 4] صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: "إذا رأيت ليلة القدر فاسألي الله العافية في الدنيا والآخرة (¬2)، وروي: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عني (¬3) "، وقال في القديم: ومن شهد العتمة والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها. مسألة: قال (¬4): وروي عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالتْ: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكَفَ يُدْنيِ إليَّ رَأسِهِ فأُرَجِّلُهُ (¬5). الفصل وهذا كما قال: عاد الآن إلى ذكر مسائل الاعتكاف وافتتح ببيان أنه ليس للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، وأنه إن أخرج بعض البدن فليس بخروج. وجملته: أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد في الجملة لقوله تعالى: {وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فخص بالمساجد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنه كان صلى الله علي وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان (¬6)، ثم يجوز الاعتكاف في كل مسجد يني للصلاة والجماعة سواء كانوا يصلون فيه أو لا، وبه قال مالك وقال علي رضي الله عنه وبه قال حماد إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة، وقال حذيفة: لا يجوز إلا في ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجد بين المقدس [358 ب/ 4] ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع، وروي عنه لا يصح غلا في مسجد الجماعات، وقال أبو حامد: أومأ الشافعي إلى هذا في القديم، وقال أحمد: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة بناء على أصله أن الجماعة واجبة وهذا كله غلط، لقوله تعالى: {وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، ولم يفصل، وروي ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الصلاة "ولأنه موضع مبني للصلاة والجماعة فصح فيه الاعتكاف كالمتفق عليه فإذا تقرر ذا فلا فرق فيه بين الرجل والمرأة ولا يجوز للمرأة أن تعتكف إلا في المسجد، وبه قال مالك وأحمد. وذكر الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال في القديم: وأكره للمرأة أن تعتكف إلا في مسجد بيتها أي: في موضع صلاتها من بيتها، وذكر القفال عن القديم أنه قال: يجوز لها ذلك ولكن في المسجد أفضل، وقال أبو حنيفة: يجوز اعتكافها في المسجد وفي ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (5/ 130)، والحميدي (375)، وابن أبي شيبة (2/ 515). (¬2) أخرجه أحمد (6/ 171، 182، 308، 258)، والترمذي (3513)، وابن ماجه (3850)، والحاكم (1/ 530). (¬3) أخرجه أحمد (6/ 171، 183)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (763، والخطيب في تاريخه (12/ 18). (¬4) انظر الأم (2/ 31). (¬5) أخرجه البخاري (2028)، ومسلم (6/ 297). (¬6) أخرجه البخاري (2029)، ومسلم (7/ 297).

بيتها وهي في بيتها أفضل كصلاتها، وهذا غلط، لأن الاعتكاف لا يعتبر بالصلاة بدليل أن صلاة الرجل النافلة في بيته أفضل، ولا [359 أ/ 4] يصح اعتكافه فيه. وقال القاضي الطبري: لفظ الشافعي في القديم: واكره للمرأة الشابة أن تعتكف في المسجد، وغن كان لا يصح اعتكافها إلا في المسجد كما اكره لها حضور المسجد الجامع لأداء الجمعة، وإن كان لا يجوز لها أن تصلي الجمعة إلا في الجامع فالمسألة على قول واحد في المرأة وغلط من قال فيه قولان، وقال القفال: إذا قلنا: بالقول القديم إن صح فلو اعتكف الرجل في مسجد بيته وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارًا بأن صلاة نفله في بيته أفضل وأصل الاعتكاف نفل ففي البيت أفضل، والثاني: لا يجوز ويعتبر بفرضه وفرضه في المسجد أفضل بخلاف المرأة. فرع قال في البويطي: لو اعتكف فوق ظهر المسجد أجزأه لأن كله مبني للجماعة الواحدة ولهذا إن من صلى فوق المسجد لصلاة الإمام في المسجد أجزأه، وإن كان لا يراه، وقال أصحابنا: لو جعل بيتًا من داره مسجدًا فاعتكف فيه وعلى ظهره أجزأه أيضًا. مسألة: قال (¬1): ولا بأسَ أنْ يُدْخِلَ المُعتكِفُ رأسَهُ في البيت ليغتَسِلَ. الفصل وهذا كما قال: يجوز للمعتكف أن يخرج رأسه من المسجد ليرجل أو يغتسل، وكذلك يخرج [359 ب/ 4] رجليه ليدهن ونحو ذلك وهذا لأن إخراج بض بدنه من المسجد ليس كإخراج كله خلافًا لمالك حيث قال: يصير خارجًا من المسجد بإخراج بعض يديه، ولا يصير داخلًا فيه بإدخال بعض بدنهن لأن الخروج من بعض المأمور به خروج من كله وليس الدخول في بعض المأمور به دخولًا في كله وهذا كما أن بعض المعصية معصية، وليس بعض الطاعة طاعة، وهذا غلط لخبر عائشة الذي ذكرناه. وقالت أيضًا: "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخل إليَّ رأسه ففلسته وأنا حائض (¬2) ". قال أصحابنا: فيه فوائد أحدها: يجوز للمعتكف أن يغسل رأسه، والثانية: يجوز له ترجيل الرأس وتدهينه، والثالثة: يجوز له أن يتزين لأن ذلك في معنى التدهين والترجيل، والرابعة: إخراج بض البدن وإدخاله لا يجري مجرى إخراج كله، والخامسة: الحائض ليست بنجية، والسادسة: يد المرأة ليست بعورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج غليها رأسه ولم يكن المسجد ينفك من أن يكون فيه بعض الصحابة فإذا غسلت رأسه شاهد يدها ورأها، والسابعة: أنه لا يجوز له الخروج من المسجد لأنه لم يخرج غلى بيته لهذا المهم، والثامنة: [360 أ/ 4] كمسّ المرأة المعتكف بغير شهوة يجوز. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 31). (¬2) أخرجه البخاري (2031).

مسألة: قال (¬1): ويَجُوزُ بغيرِ صَوْم. وهذا كما قال: يجوز الاعتكاف من غير صوم إلا أن الأفضل أن يصوم معه، وكذلك يصح في الزمان الذي لا يصح كزمان الليل ويومي الفطر والأضحى وأيام التشريق، وروي هذا عن علي وأبي مسعود البدري رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وإسحاق وأحمد في الرواية المشهورة. وقال أبو حنيفة: لا يجوز غلا بصوم ولا يجوز إفراد الليل بالاعتكاف ولا يجوز في الأيام الخمسة، وبه قالت عائشة وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، ومالك والثوري والأوزاعي، وذكر القفال أن الشافعي علق الصوم في القديم فقال: ويحتمل أن لا يجوز الاعتكاف إلا بصوم، واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا اعتكاف إلا بصيام (¬2) " وهذا غلط، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعل على نفسه (¬3) "وروى ابن عمر رضي الله عنه نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية فقال له رسول الله صلى الله عليه: "أوف بنذرك (¬4) "وخبرهم محمول على نفي الكمال والفضيلة. واحتج المزني للشافعي بثلاثة أشياء أحدها: أنه قال: لو كان الاعتكاف يوجب الصيام وغنما هو تطوع أي: وإنما الاعتكاف تطوع ولكنه يوجب الصوم عنده لم يجز صوم [360 ب/ 4] رمضان عن تطوع أي: عن تطوع يوجبه الصوم كما لو تطوع بنذر صيام أيام لم يجز عنها صيام شهر رمضان، وفي اعتكافه صلى الله عليه وسلم في رمضان دليل على أنه لم يصم للاعتكاف فيفهموا، والثاني: لو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنًا بالصوم يخرج الصائم بالليل من الاعتكاف بخروجه فيه من الصوم فلما كان على خلاف هذا دل أنه يجوز منفردًا بغير صوم، والثالث: قال: وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه أن يعتكف ليلة وقد ذكرناه، وهذه الاحتجاجات كلها صحيحة. مسألة: قال (¬5): ومَنْ أرَادَ أنْ يعتَكِفَ العَشَرَ الأواخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الغُروبِ. الفصل وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان أو أراد أن يعتكف ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 31). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 200)، والحكام (1/ 440)، والبيهقي في "الكبرى" (8579)، وفي "معرفة السنن" (3/ 460). (¬3) أخرجه الدارقطني (2/ 199)، والحكام (1/ 439)، والبيهقي في "الكبرى" (8587)، وقال "نفرد به عبد الله محمد الرملي هذا". قال ابن التركمان: ذكر ابن القطان أنه مجهول الحال. (¬4) أخرجه البخاري (2032، 2043)، ومسلم (67/ 1656)، وأبو داود (3312)، والترمذي (1539)، وابن ماجه (2130)، وأحمد (1/ 37)، والبيهقي في "الكبرى" (8586)، وفي "معرفة السنن" (2638). (¬5) انظر الأم (2/ 33).

ذلك من يرتد ويدخل فيه قبل غروب الشمس من يوم العشرين بلحظة فإذا أهل شوال فقد تم العشر حكمًا, وإن نقص رمضان يومًا حتى يكون اعتكافه تسعة ولم يتمها حسابًا عشرًا وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "شهرا عيد لا ينقصان" أراد لا ينقصان حكمًا وثوابًا لا حسابًا, ثم إذا أهل شوال وإن كنا حكمنا له بتمام العشر فالمستحب أن لا يخرج من معتكفه ليلة العيد حتى [361 أ/ 4] يصبح فيخرج منه إلى العيد الشهر أو تم ذكره في البويطي. ولو قال في نذره: لله على اعتكاف عشرة أيام فخرج الشهر في هذه المسألة ناقصًا يلزمه أن يكمل عشرة والفرق أن هناك علق بالعشر وهو اسم لما بين العشرين وآخر الشهر تامًا كان أو ناقصًا, وها هنا علق الاعتكاف بعدد فيلزم الإتيان بتمام العدد ويدخل في هذه المسألة قبل طلوع الفجر بلحظة لأن اسم الأيام يقع على بياض النهار, وإنما تدخل الليالي بين النهار تبعًا, وبقولنا قال أبو حنيفة ومالك والثوري, وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور: وهو ظاهر كلام أحمد يدخل في أول يوم الحادي والعشرين في المسألة الأولى واحتجوا بما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم اعتكف" (¬1) وهذا غلط, لما روى أبو سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان فاعتكف عامًا حتى إذا كانت ليلة الحادي والعشرين وهي التي يخرج فيها من اعتكافه, قال: "من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" (¬2) فوجه الدليل أنه أمرهم باعتكاف العشر [361 ب/ 4] الأواخر ليلة الحادي والعشرين واعتكف معهم فيها فثبت أنها أول العشر, ولأن كل ليلة هي تابعة لليوم الذي يليها في الحكم, ألا ترى أن ليلة رمضان تابعة له, فإذا لزم اعتكاف ذلك اليوم لزم اعتكاف ليلة, وإنما قلنا: يدخل قبل الغروب ليستوعب حكم النذر كما يلزم غسل بعض الرأس ليتوصل إلى غسل تمام الوجه. مسألة: قال (¬3): وَلاَ بَأسَ أَن يَشتَرِطَ في الاعتِكَافِ الذي أوجَبَهُ أنه إِن عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجتُ. وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام وشرط فيه شرطًا ثبت شرطه قولاً واحدًا وه مثل أن يقول: أُخرج لشهود جنازة أو لمقدم غائب, ويذكر في نذره, فإذا ذكره وخرج لم ينقطع تتابع اعتكافه, وإذا عاد إليه بعد الفراغ يبني على اعتكافه ويجزيه وهذا لأن الاعتكاف يجب بإيجابه فوجب على الصفة المشروطة, ألا ترى أن الوقف لما كان يجب بعقده كان وجوبه على حسب شرطه فإن قال: إن عرض لي عارض فيما ذكرنا قطعت الاعتكاف فإذا عرض عارض وخرج لم يلزمه إتمامه, ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (2033) , ومسلم (6/ 6/ 1173). (¬2) أخرجه البخاري (2027) , ومسلم (217/ 1167) (¬3) انظر الأم (2/ 33).

والفرق بين هذا وبين المسألة الأولى وهو أن هناك قال خرجت إذا [362 أ/ 4] خرج والخروج يكون مع بقاء حكمه والقطع لا يكون مع بقاء حكمه فافترقا ولو خص عارضًا مثل أن قال: اخرج لزيارة فلان لا يجوز أن يخرج رجل آخر وهكذا لو نذر صومًا أو صلاة وشرط إن عرض عارض خرج يثبت الشرط فيهما كما قلنا في الاعتكاف, ذكره وقال مالك: لا يصح شرط الخروج كما لو شرط الجماع والأكل في الصوم وهذا غلط, لأنه شرط الاعتكاف في زمان دون زمان فيجوز ويفارق ما ذكره لأنه شرط أن يأتي بمهني عنه في العبادة فلم يجز, وأما إذا نذر حجًا وشرط مثل هذا الشرط لا يجوز في أحد القولين, والفرق أن الحج يلزم بالدخول فإذا وجد العذر المشروط زال الإيجاب بالنذر ونفي الوجوب بالدخول فلم يكن له الخروج منه والاعتكاف لا يلزم بالدخول وإنما بالنذر فالموضع مستثنى من النذر فإذا خرج من النذر لم يجب لأجل الدخول. فرع لو شرط المحظور فإن كان ينافي الاعتكاف كالوطء فإن خرج بوطء بطل اعتكافه كالوطء في صومه, وإن كان لا ينافي الاعتكاف كالسرقة وقيل: التعيين المحرمة فشرط أن يخرج لأجله فيه وجهان أحدهما: يبطل اعتكافه لأن أشرط المعصية [362 ب/ 4] كلا شرط فصار بمثابة من خرج بغير شرط, والثاني: لا يبطل وبين لأن نذره إنما ينعقد على ما سوى مدة الشرط فلم تكن تلك المدة مقصودة بالعمل. مسألة: قال (¬1): وَلاَ بَأسَ أَن يعَتَكِفَ وَلاَ يَنوِي أَيَامَاً مَتَى شَاءَ خَرَجَ. وهذا كما قال: إذا أراد أن يعتكف فإن لم يكن نذر يدخل فيه ومتى أراد قطعه قطعة ويكون له اجر ما احتسب منه قليلاً كان أو كثيرًا لأن اسم الاعتكاف يقع على القليل والكثير, وقال ابن سريج: لا نريد بقولنا قليلاً ما يقع عليه اسم الجلوس بل ما يسمى به معتكفًا ... (¬2) ويقوم عقبيه فلا يجوز, وقال أبو حامد: أجاد ابن سريج في هذا, وروي عن يعلى بن أمية أنه كان يقعد في المسجد ساعة ينوي بها الاعتكاف, ومن أصحابنا من قال: أقله المكوث في المسجد مارًا كان أو جالسًا. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: يكفي ساعة مع النية, والثاني: يحتاج إلى يوم أو قريب منه ليخالف العادة وهذا غير صحيح والاعتماد على ما ذكرنا أولاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "من [363 أ/ 4] اعتكف قدر فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة" (¬3) وإن نذر فإن أطلق يكفي ما يقع عليه الاسم على ما ذكرنا, وإن قدره في النذر يلزمه فما قدره قليلاً كان أو كثيرًا, ويلزمه في النية تعيين الفرص, وقال في البويطي: يستحب أن لا ينقص عن يوم وليلة وأكثره لا نهاية له وإنما استحب له ذلك ليخرج من الخلاف, فإن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 33). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل. (¬3) أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (1/ 22).

أبا حنيفة لا يجيز اقل من يوم وبه قال مالك, وروى محمد عنه أنه قال: يجوز بعض يوم, يعني: معظم الشيء يقوم مقامه كله عنده كما قال في نية صوم رمضان قبل الزوال, وعن أحمد روايتان ولو دخل المسجد ونوى أن يعتكف فيه ثلاثة أيام ولم ينذر فالمستحب أن يتم ما نواه فإن قطعه قبل إتمامه فلا شيء عليه كما لو دخل في صوم التطوع أو صلاة ينوى ركعتين أو أربعًا فقطعهما قبل الإتمام لم يجب شيء. فرع لو كان يدخل ساعة ويخرج ساعة مرارًا وينوي الاعتكاف كلما دخل صح اعتكافه, ومن أصحابنا بخراسان من ذكر وجهًا آخر: أنه لا يجوز لأن عادة الإنسان جرت بها وهذا ضعيف, وقيل: هل يجوز ... (¬1) القدر على وجه الاعتكاف [363 ب/4] لانتظار الصلاة أو لمذاكرة العلم ويقرب هذا من النية في صوم النفل بعد الزوال هل يجوز أم لا؟ مسألة: قال (¬2): واعتِكَافُه فِي المَسجِدِ الجَامِع أَحَبُ إلىَ. وهذا كما قال: قد بينا انه يجوز الاعتكاف في كل مسجد ولكنه في الجامع أفضل منه في سائر المساجد, لأنه تكثر فيه الجماعة في العادة ولا يحتاج أن يخرج منه للجمعة ويخرج من خلاف من قال: لا تصح في غيره وفيه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه اعتكف في الجامع, وقال بعض أصحابنا: لو كانت الجماعة في بعض مساجد العشائر أكثر من جماعة الجامع فالمسجد الذي يكثر فيه جماعة وينتابه الناس هو أحب إلينا من الجامع, ذكره الإمام الجويني رحمه الله. وإن اعتكف في مسجد آخر فإن كان اعتكافه تطوعًا مطلقًا ولم يشترط التتابع يخرج ويصلي الجمعة ثم يعود ويبني على ما ذكرنا, وإن نذر اعتكافًا متتابعًا عشرة أيام واعتكف في غير الجامع يلزمه الخروج للجمعة ثم إذا خرج يبطل اعتكافه ويجب الاستئناف وبه قال مالك, وفيه وجه آخر أنه لا يبطل بل [364 أ/ 4] يرجع ويبني وهو قول أبي حنيفة لأنه مضطر إله فأشبه إذا خرجت العدة وقيل: ذكره في البويطي ففي المسألة قولان, وهذا صحيح حكاه أبو حامد, والمذهب الأول, لأنه كان يمكنه أن ينذر دون سبعة أيام حتى لا تفوته الجمعة, أو كان يمكنه أن يعتكف في الجامع ولا يمكن الاحتراز من العدة فافترقا, وإن شرط أنه يخرج بعارض فهذا عارض فيخرج له ولا يبطل اعتكافه. قال في "الأم" (¬3): الاعتكاف في المسجد الحرام أفضل من الاعتكاف فيما سواه, وكذلك في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكلما عظم المسجد وكثر أهله فهو أفضل, وإذا نذر أن يعتكف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو في مسجد بيت المقدس هل يتعين ما عين أو يجوز ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 33). (¬3) انظر الأم (2/ 93).

في مسجد آخر بدل ذلك؟ في قولان أحدهما: لا يتعين لأنه لا يتعلق به وجوب شرعي, والثاني: يتعلق به لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي" (¬1) , وبه قال أحمد ولو نذر أن يعتكف في سائر المساجد لا يجب ذلك عليه وله أن يعتكف في أي [364 ب/4] مسجد شاء قولاً واحدًا, لأنه نص في البويطي على أنه لو نذر أن يصلي بمكة لم يجز في غيرها, ولو نذر أن يصلي في مسجد المدينة جاز أن يصلي بمكة ولا يجوز أن يصلي في مسجد بيت المقدس وتجزية المدينة من بيت المقدس. ووجهه: أن الصلاة بمكة هي أفضل من الصلاة في هذين المسجدين والصلاة بالمدينة أفضل من الصلاة ببيت المقدس, فالاعتكاف يجب أن يكون مثله. وقال بعض أصحابنا بخراسان: المنصوص أنه يتعين سائر المساجد بالتعيين لأنه الشافعي قال في "الأم" (¬2): إذا أوجب اعتكافًا في مسجد فانهدم المسجد رجع إذا بني المسجد وبني على اعتكافه, فلولا تعين المسجد لأمر بالخروج إلى مسجد آخر حتى يتم هناك لأنه لم يفعل هذا يبطل ما مضى إذا كان متتابعًا, وقال صاحب "التقريب": لا يتعين كما .... (¬3) هذا المنصوص فرق بين الاعتكاف والصلاة فإن الصلاة قربة في أي موضع كانت ولا يؤثر فيها المسجد فلا يتعين لها المسجد, والاعتكاف غنما يصير قربة بالمسجد فله أثر في الاعتكاف, فإذا عين بالنذر تعين, وهكذا ذكر بن أبي أحمد في "المفتاح", وفرق بين الاعتكاف والصلاة [365 أ/ 4] وقيل: فيه وجهان وهذا كله غير صحيح, والمسألة على قول واحد على ما ذكرنا, ومعنى ما ذكر في "الأم" إذا نذر أن يعتكف أيامًا مطلقة من غير شرط التتابع في مسجد يعنيه يدخل في الاعتكاف في ذلك المسجد فالمستحب له أن لا يخرج من ذلك المسجد إلى مسجد آخر, وإذا أنهدم فإن أمكن أن يعتكف في موضع منه فعل, وإن لم يقدر خرج, ثم إذا بني رجع فيبني لأنه لا يضره التفريق وقصد الشافعي به الاستحباب لأنه عينه بالنذر ولا يجوز الخروج منه إلا للضرورة فإذا انهدم فلم يقدر على اللبث فإنه يخرج, ثم إذا قدر بني في ذلك المسجد وهذا لا باس به إلا أنه يعيد؛ لأن الشافعي قال: "وإذا أوجب على نفسه اعتكافًا في مسجد فانهدم المسجد" فالظاهر أنه أراد العموم. فرع آخر قال ابن أبي أحمد في "التلخيص" الاعتكاف جائز في المساجد كلها إلا في مسألتين: إحداهما: إذا نذر اعتكافًا في مسجد يعينه لم يجز له في غيره إذا دخل فيه. والثانية: إذا نذر اعتكافا أكثر من سبعة اياك لا يجوز له أن يعتكف إلا في الجامع ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1189, 1197) , ومسلم (511/ 1397). (¬2) انظر الأم (2/ 90). (¬3) موضع النقط بياض بالأصل.

إذا كان ممن تجب عليه الجمعة وهذا صحيح, ومعناه إذا تقرر أن يعتكف [365 ب/4] في مسجد بعينه أيامًا متتابعة لا يجوز له الخروج منه؛ لأن خروجه يقطع التتابع ويبطل الاعتكاف, كذلك إذا نذر أن يعتكف أكثر من سبعة أيام متتابعة لا يجوز أن يعتكف في غير الجامع, لأنه إذا اعتكف في غيره يحتاج أن يخرج للجمعة, فإذا خرج بطل التتابع, وإذا بطل التتابع بطل الاعتكاف. ولو اعتكف في غيره يجوز ولكن لا يمكنه أداء ذلك إلا بأن يمرض فتسقط عنه الجمعة. وقال أصحابنا: لو اعتكف في المسجد ثم خرج لقضاء حاجة فعاد إلى مسجد آخر من طريقة جاز ولا يتعين عليه الأول, لو خرج إلى مسجدًا آخر في غير طريقه أو أبعد من الأول لم يجز لأنه يكون تركًا للاعتكاف. مسألة: قال (¬1): "ويخرجُ للغائِطِ والبَولِ إلى منزله وإنُ بَعُدَ". وهذا كما قال, هذا تفريغ على الاعتكاف الواجب المتتابع, لأن الخروج في غير المتتابع لا يؤثر, فإذا نذر اعتكافًا متتابعًا له أن يخرج لحاجة الإنسان وهي الغائط والبول إلى منزله, وله أن يتوضأ هناك؛ وإن جاز في المسجد, لأن الأولى أن لا يتوضأ في المسجد لما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: [366 أ/4] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلى رأسه وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: ينظر فإن كان منزله قريبًا لا بأس به, وإن كان بعيدًا متفاحشًا فالمذهب أنه لا يجوز له ذلك وما نقل المنزني "وإن بعد" لا يعرف للشافعي, وإنما هو من المزني لأنه ربما يبعد منزله من المسجد بعدًا لو رجع إليه لحاجة الإنسان فإلى أن يعود إلى المسجد لعله يحتاج مرة أخرى إلى الرجوع فيبقى من طريق المسجد ذاهبًا وراجعًا ويكون طول نهاره في قطع المسافة. وقيل: إن صح هذا اللفظ عن الشافعي أراد به التطوع الذي لا متابعة فيه أنه لا يجوز. فرع لو كانت في المسجد سقاية ومنزله بعيدًا لا يتفاحش له أن يخرج إلى منزله لأنه يحتشم من دخول السقاية من المسجد وتنقص مروءته به فلا يكلف ذلك, وكذلك إذا كانت بقربه دار الصديق فبذل له قضاء الحاجة فيها لا يكلف الدخول إليه, وهذا أولى, لأن الحشمة ها هنا أكثر. فرع آخر لو كان منزلان أحدهما ابعد من الآخر فالمذهب أنه لا يجوز له المضي إلى الأبعد لأنه لا حاجة به على المضي إلى الأبعد [366 ب/4] وقال الداركي: سئل ابن أبي هريرة عن هذا فقال: له الخروج إلى الأبعد وهذا بعيد. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 33).

فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة لقضاء الحاجة ثم عاد لا يلزمه تجديد النية لأنه لم يقطع اعتكافه فكان في حكم المعتكف وقت خروجه وذلك الوقت محسوب له من الزمان الذي أوجبه فيه بنذره, ولو لم يكن الاعتكاف نذرًا فخرج لحاجة الإنسان ثم عاد فإنه يلزمه تجديد النية لأن النية الأولى بطلت وانقطع الاعتكاف. فرع آخر لو خرج لحاجة الإنسان فرأى غريمًا له فوكل من يطالبه بحقه لا يبطل اعتكافه لأن خروجه كان للحاجة وتوكيله بالمطالبة كلام لا يؤثر فيه نص عليه في "الأم", إلا أن يخرج من المسجد كذلك فيبطل حينئذٍ اعتكافه. فرع آخر إذا دخل منزله لقضاء الحاجة وهناك مريض له أن يسأل عن المريض في اجتيازه ولا يجلس إليه ولا يعرج عليه وليس له أن يعدل عن ممره إلى المكان الذي فيه المريض وهذا لما روي عن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المنزل لحاجته يمر بالمريض فيمر كما هو ولا يعرج عليه (¬1)؛ بل يسأل ويمضي" وقيل: إن [367 أ/ 4] كان العدول عن ممره قليلاً فيه وجهان, ولو وقف لعيادته قليلاً فوجهان, لأن فيه غرضًا صحيحًا. فرع آخر المرجع في القليل والكثير إلى العرف, فإن كان المريض في الدار وطريقه في الصحن إلا أن المريض في بيت الدار أو حجرتها فهو قريب, وإن كان في بيت آخر فهو كثير وعلى هذا لو زار قادمًا في طريقه فالحكم هكذا. فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة ثم أراد الأكل في منزله نقل المزني انه لا شيء عليه وظاهرة يقتضي أن له الخروج ابتداء للأكل, واختلف أصحابنا في هذا, فقال ابن سريج وجماعة: لا يجوز له الخروج للأكل, لأنه يمكنه الأكل, لأنه يمكنه الأكل في المسجد, قال الشافعي: وينصب المعتكف المائدة ويأكل وبه قال أبو حنيفة ومالك, وإنما أمر بالمائدة أو السفرة لأنه أصون للمسجد من التلوث بالمطعوم وأقرب إلى النظافة وما نقله المزني أراد به أنه يأكل اللقمة واللقمتين بحيث لا يطول فإن أطال بطل, ولو قعد في طريقه قعدة خفيفة وأكل هذا القدر فلا بأس به في التتابع, ولو عدل في ممره إلى صفة من المنزل للأكل انقطع اعتكافه طال الزمان في هذا [367 ب/4] أو قصر, وهذا اختيار القفال, وقال أبو إسحاق: له أن يخرج من المسجد إلى بيته للأكل وإذا خرج لقضاء ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (2472).

الحاجة له أن يستوفي تمام الأكل, وبه قال أكثر أصحابنا وهو الصحيح, ونص عليه الشافعي في "الإملاء" وهذا لأن في أكله في المسجد بذلة وسقوط مرؤة وقد يحتشم من أكله المصلون فيدعوهم ذلك على الخروج, ولأنه ربما يكون في طعامه قلة فيستحي من إظهاره أو كان يفسد إن أخرج إلى المسجد. فرع آخر فأما شرب الماء فإن اشتد عطشه وعدم الماء في مسجده يجوز أن يخرج إلى منزله, وإن كان واجدًا للماء في مسجده فمن أصحابنا من جعله كالأكل فله الخروج ومنهم من منعه بخلاف الكل, لأنه ليست فيه بذلة ولأن استطعام الطعام مكروه والاستسقاء للماء غير مكروه وقد استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء ولم يستطعم الطعام. فرع آخر لو أقام بعد فراغه من قضاء الحاجة أو من الأكل في البيت بطل اعتكافه قليلاً كان أو كثيراً, لأنه لا حاجة به إليه وبه قال جماعة العلماء, وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل [368 أ/4] حتى يكون أكثر من نصف يوم لأنه قليل كما لو خرج لحاجته وتأنى في مشيه وكان يمكنه الإسراع جاز وعفي عنه لقلته وهذا غلط, لأن المشي يختلف بعادة الناس فيجب أن يمشي على سجيه مشيه لأن عليه مشقة في تعيين ذلك, وهاهنا لا حاجة به إلى خروجه. فرع آخر إذا خرج لقضاء الحاجة يكره له أن ينقص عن سجيه مشيه فلو تأني في مشيه عن حد العادة, المذهب أنه يبطل اعتكافه ويكون كما لو قعد ساعة بعد قضاء الحاجة. فرع آخر لو خرج من المسجد ناسيًا لم يبطل اعتكافه نص عليه في "الأم" خلافًا لأبي حنيفة, وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ولأنه لو أكل في الصوم ناسيًا لم يبطل صومه كذلك ها هنا, ومن أصحابنا من قال: بطل اعتكافه لأن اللبث مأمور به فلا يعذر فيه الناسي كالنية في الصوم والأول أصح, وقال: والدي رحمه الله لو أطال المكث ...... (¬1) كالوجهين في الأكل الكثير في الصوم والكلام الطويل في الصلاة, وقال أيضًا: هل يحسب له القدر الذي كان هو فيه خارجًا؟ [368 ب/4] يحتمل وجهين: أحدهما: يحسب كما لو كان خرج لحاجة الإنسان المدة التي هو فيها خارج المسجد هي غير محسوبة, والثاني: وهو الظهر أنه لا يحسب بل عليه إعادة ذلك القدر قال: ولو خرج ناسيًا واعتكافه متتابع فدخل مسجدًا آخر ثم تذكر وهو في ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

المسجد الثاني هل له العود إلى الأول أم يبقى على اعتكافه في المسجد الثاني فالأصح على القياس أنه لا يعود إذا لم يكن في اللبث ويحتمل أن يقال: أن له العود. مسألة: قال (¬1): وَلاَ بَأس أَن يَشتَرِي وَيَبِيعَ. الفصل وهذا كما قال: المستحب لكل من في المسجد أن لا يشتغل إلا بذكر الله تعالى والصلاة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فقال: لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة" (¬2) , والمستحب لكل من يلبث بعبادة أن يشتغل بها ولا يعرض عنها إلى غيرها فالمعتكف يستحب أن يكون عليه السكينة والوقار ويشتغل بالطاعات من الصلاة وقراءة القرآن والدعاء والنظر في العلم ومذاكرة العلماء, فإنه أفضل من صلاة التطوع نص عليه في البويطي ويتكلم [369 أ/4] المعتكف في العلم وبكتبه فجعل كتابه العلم في المسجد بمنزلة المذاكرة. وقال أحمد: لا يستحب له قراءة القرآن وتعليمه ويدرس العلم بل يشتغل بذكر الله عز وجل والتسبيح والصلاة, واحتج بأنه عبادة يشرع لها في المسجد فلا يستحب فيها إقراء القرآن وتدريس العلم بالصلاة, وروي عن أحمد مثل قولنا, وقال مالك: تكره له مذاكرة العلماء وهذا غلط, لأن المذاكرة بالعلم قربة وقد قال تعالى: {بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] , وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم الأحكام في اعتكافه ويجبهم عن الأسئلة. وأما الصلاة فقد شرع فيها أذكار مخصوصة وخشوع واشتغاله بذلك يقطعه, وفي الطواف لا يمكنه إقراء القرآن ودراسة العلم وشرع فيه ذكر مخصوص بخلاف هذا, فافترقا وقيل: لا يكره التعليم في الطواف كما في الاعتكاف, وأما البيع والشراء والخياطة فلا تبطل للاعتكاف لأن ما لا يبطل الصوم لا يبطل الاعتكاف في المسجد كالصوم, وقال في البويطي يكره له البيع والشراء في المسجد فإن [369 ب/4] باع معتكف أو غيره كرهت له ذلك لهما والبيع جائز وهذه الكراهة لأجل المسجد دون الاعتكاف والكراهة هي كراهية تحريم لا تنزيه وإنما كرهنا لما ذكرنا من الخبر, وقال في "الأم" والقديم: لا بأس به, وقال في القديم: ولا يكثر التجارة لئلا يخرج عن حد الاعتكاف فالمسألة على قولين. أحدهما: يكره لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن البيع والشراء في المسجد" (¬3). والثاني: لا يكره لأنه كلام مباح كالحديث, والأول اصح. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 34). (¬2) أخرجه مسلم (79/ 568) , وابن ماجه (765) , واحمد (5/ 361). (¬3) أخرجه أحمد (2/ 212) , وابن أبي شيبة (2/ 419).

وقوله: لا بأس به أي: لا يؤثر في اعتكافه إلا أنه لا يكره, فإن كان محتاجًا إلى شراء قوته أو لقريبه لا يكره, وكذلك عن خاط ثوبه الذي يحتاج إلى لبسه لا يكره, وإن كان كثيرًا فتركه أولى, وحكي عن مسروق أنه رأى رجلين يتساومان في المسجد شيئًا فحضهما وقال: أخرجا إلى سوق الدنيا فإن هذا سوق الآخرة, وقال بعض أصحابنا: إن كان البيع والشراء يسيرًا لا يكره, وإن كان كثيرًا فقولان وقال مالك: من شرط ... (¬1) ويخالف عادته الاعتكاف فإن لم تكن حرفته [370 أ/ 4] فلا بأس أن يخيط فيه شيئا وهذا غلط, لأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد وقد حصل ذلك مع هذا ولا يخالف العادة حصلت بالانتقال من حانوته إلى المسجد, ولا يقدح في الحج أن تقترن به التجارة الدائمة فلا يقدح في الاعتكاف أن تقارنه الحرفة الدائمة, ثم قال: ويحدث بما أحب فيجوز منه محادثة الإخوان لما روت صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعكفًا فأتيت ليلاً أزوره فحدثته فلما انقلبت قام ليقلبني فإذا رجلان من الأنصار فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلكما إنها صفية بنت حُيي فقالا سبحان الله يا رسول الله, فقال: إن الشيطان يجزي من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شراً" (¬2)؛ ولأن الاعتكاف والحديث لا يتنافيان فظاهر ما ذكره هل هنا أنه لا يكره, والأولى له تركه. وقيل: يكره ذلك لما ذكرنا من الخبر ثم قال: ما لم يكن مأثمًا, وهذا النهي لا يختص بالاعتكاف لأنه في غير الاعتكاف مثله, وقال في "الأم" و "الجامع الكبير": لا بأس بأن يقص لأن القصص وعظ وتذكير, ويجوز أن يأمر بالأمر [370 ب/4] الخفيف في ماله وضيعته ولا يكثر منه فإنه مكروه, وحكي أن الشافعي قال في القديم: لو فعل ما ذكرنا من البيع والشراء المكروهين رأيت أن يستقبله لأنه صار قعوده للتجارة وهذا مرجوع عنه فلا يجعل قولاً آخر. فرع لا منع المعتكف من النوم في المسجد والاضطجاع والاستلقاء في غير حالة النوم لما روي عن عباد بن تميم عن عمه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى". مسألة: قال (¬3): وَلاَ يُفسِدُهُ وَلاَ جِدالٌ. كما قال يكره له السباب والخصومة كما قلنا في الصائم ولا يبطل به الاعتكاف لأنه ليس من خصائص محظورات الاعتكاف كما لا يفسد به الصوم لأنه ليس من ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) أخرجه البخاري (2035) , وأحمد (6/ 337) , وابن ماجه (1779) , والبيهقي في "الكبرى" (8598). (¬3) انظر الم (2/ 34).

محظوراته, ولكن يذهب أجره بذلك ويفوته الفضل كما في الصوم. مسألة: قال (¬1): وَلاَ يَعُودُ المَريضَ وَلاَ يَشَهد الجَنَائِز إذا كَانَ اعتكافُه واجباً. وهذا كما قال في اللفظ إشكال لأنه ذكر الواجب ولم يذكر التتابع ولابد من تقييد المسألة بالتتابع لأن الاعتكاف الواجب إذا لم يكن متتابعاً فخرج إلى جنازة لم يبطل ما مضي [371 أ/4] منه وإذا عاد بني على ما سبق, وإذا كان متتابعًا فخرج للجنازة بطل الاعتكاف ويجب الاستئناف والأولى إذا كان اعتكافه نفلاً أن يخرج إلى الجنازة ويصلي عليها وهو أفضل من الاعتكاف, لأنه فرض على الكفاية والاعتكاف نفل. وأما عيادة المريض قال بعض أصحابنا: هي والاعتكاف سواء فاجل أيهما شاء لأن كل واحد منهما قربة مندوب إليها, وإذا خرج بطل اعتكافه لأنه لا يضطر إليه, ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يخرج لعيادة المريض لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن اعتكافه واجبًا, وإن كان اعتكافه واجبًا متتابعًا لا يجوز له أن يخرج للعيادة ولا للجنازة, ولو خرج لحاجة الإنسان فسأل عن المريض في الطريق فقد ذكرناه ولو اتفقت جنازة في الطريق فوافق تكبير الناس عليها فكبر معهم وصلى قال القفال: قال مشايخنا: لا ينقطع اعتكافه المتتابع بهذا القدر لأن ذلك لا يزيد على الوقفة اليسيرة التي أبحنا له فيها الأكل على طريقة من منزله إذا دخله لقضاء الحاجة [371 ب/ 4] فإن احتاج إلى زمان لانتظار الجنازة أو عدل عن طريق قضاء الحاجة إلى مكان آخر فصلى عليها ينقطع التتابع, وإن أدخلت الجنازة في رحبة المسجد فصلى عليها جاز. مسألة: قال (¬2): وَلاَ بَأسَ إِذَا كان مُؤَذَنًا أن يَصعَد المنارَةَ وإن كانت خارجة. وهذا كما قال: فيه أربع مسائل إحداها: أن تكون المنارة في المسجد فيصعد إليها ويؤذن ويستحب ذلك لأنه ذكر مستحب وطاعة وهو للمعتكف أشد استحبابًا, وقد قال في البويطي: وللرجل أن يعتكف في منارة المسجد. والثانية: أن تكون المنارة في رحبة المسجد يصعد إليها ويؤذن أيضًا لأن رحبة المسجد هي من المسجد لو اعتكف فيها يصح الاعتكاف. والثالثة: أن تكون المنارة خارج المسجد متصلة ببناء المسجد ولها باب إليه فله أن يؤذن فيها لاتصالها بالمسجد وكونها من جملته. والرابعة: أن تكون خارجة من المسجد والرحبة ولا تتصل به وقال عامة أصحابنا: يجوز له أن يصعد غليها ويؤذن فيها ولا يبطل اعتكافه وهو ظاهر قول الشافعي لأنه قال: وإن كانت خارجة ولم يفصل [372 أ/ 4] ولأنه إذا كانت العادة أن يؤذن لهذا المسجد في هذه المنارة فقد صارت من حقوق المسجد فلا فرق بين أن تكون في وجه المسجد أو خارجة منه, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك لأنه يقطع بينهما ما ليس ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 34). (¬2) انظر الأم (2/ 34).

منهما بخلاف الرحبة وأراد الشافعي وإن كانت خارجة أي: في الرحبة أو خارجة عن مرتفع المسجد, ولكن بابها في المسجد أو رحبة المسجد ولا يختص هذا بالمؤذن, ولكن صورة في المؤذن لأنه هو الذي يحتاج إلى الخروج إلى المنارة للأذان وهو كقوله تعالى {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] , ولا يختص جواز الارتهان بالسفر, ولكن ذكره لغالب الاحتياج وهذا اختيار القفال وهو الصحيح, وهذا لأنه خروج لما له منه بد فأشبه الخروج للجنازة ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجه, والوجه الثالث: أنه إن كان المؤذن ممن قد ألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه لأن الحاجة تدعوا إليه لإعلام الناس بالوقت, وإن لم يألفوا صوته لم يجز ذكره أبو إسحاق المروزي, وقيل: إن كانت عادته فيما سبق الصعود إليها [372 ب/ 4] للأذان أن لا يبطل اعتكافه لأن الخروج المعتاد يصير كالمستثنى, وإن لم يستثن صريحًا كالخروج للحاجة المعتادة وإن لم تكن عادته الأذان لا يجوز ويبطل اعتكافه ذكره الإمام الجويني في "المنهاج", وقال مالك: يكره له صعود المنارة أصلاً وهذا غلط لما ذكرنا. مسألة: قال (¬1): وَأَكرَهُ الأَذَانَ بِالصَلاة للولاَةِ. وهذا كما قال: اختلفت أصحابنا في تأويل هذا الكلام فمنهم من قال: أراد به أن لا يقول في أذانه حي على الصلاة أيها الأمير أو الوالي لأن ذلك زيادة في الأذان, ولا يختص هذا بالمعتكف, ويكره أن يقول هذا أيضًا بعد الفراغ من الأذان للمعتكف, لكن لو قال بعد الفراغ من الأذان الصلاة أيها الأمير لا يكره لأن هذا ليس هو من ألفاظ الأذان, وكان بلال يفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا لأن الأذان هو مشروع لعامة المسلمين فتخصيص بعضهم به هو نوع رياء وإيقاع لشريك في العبادة, وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لمؤذنه: حين أتاه يومًا بعد الأذان, وقال: حي على الصلاة أما يكفيني [373 أ/ 4] أذان العامة وعلاه بالدرة, ومن أصحابنا من قال: أراد به الخروج من المسجد ليعلم الوالي بالصلاة فهذا لا يجوز للمعتكف ويختص الحكم به وهذه الكراهة كراهية تحريم, إذا كان الاعتكاف متتابعًا واجبًا. فرع لو خرج من المسجد للأذان وجوزنا ذلك ثم لما فرغ من الأذان قال هذا إعلامًا للوالي يجوز ذلك لأن خروجه كان للأذان, وإنما أتى به على وجه التبع فلا يضر الاعتكاف. مسألة: قال (¬2) وَإِن كَنَت عَلِيهِ شَهَادَةٌ فَعَلَيهِ أَن يُجِيب. هذا كما قال: إذا طولب المعتكف لأداء الشهادة وكان اعتكافه متتابعًا واجبًا فإن ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 34) (¬2) انظر الأم (2/ 34)

كانت الشهادة قد تعينت عليه في الطرفين عند التحمل وعند الأداء يلزمه الخروج لأدائها ولا يبطل اعتكافه قولاً واحدًا والتعين بأن لا يكون وقت التحمل والداء إلا هو ورجل آخر وهذا لأنه واجب عليه لأنه لم يكتسب سببه باختياره فدعت الحاجة إليه. وقال القفال وجماعة: يبطل اعتكافه لظاهر لفظ الشافعي فإنه لم يفصل [373 ب/ 4] بين التعيين وعدمه وهذا لأنه ليس من ضرورة أداء الشهادة الخروج من المسجد ويمكن أن يأتيه الحاكم فيسمع منه الشهادة ولزمه الابتداء بفعله. ومن أصحابنا بخراسان من قال: إن لزمته الشهادة باختياره تبطله وإلا فلا, وهذا ضعيف والصحيح الأول والفرق بينه وبين الخروج للجمعة يبطله لأن هناك يمكنه أن يعتكف في الجامع, فإذا اعتكف في غيره فقد دخل فيه مع علمه بأن يحتاج أن يخرج منه لا محالة ويمكنه الاحتراز منه فصار كالخروج باختياره, وها هنا لا يمكنه الاحتراز منه ولا يعلم وقت مطالبة الشهادة إياه بأدائها, ومجيء الحاكم إليه هو أمر مستبعد فلا يبطل اعتكافه به كالخروج لحاجة الإنسان وإن لم يتعين عليه في الطرفين فإن كان وقت التحمل والأداء شهود كثيرة فخرج لأدائها بطل اعتكافه قولاً واحداً كالخروج بغير شهادة, وإن لم يتعين وقت التحميل وتعينت عليه عند الأداء بأن كانت وقت التحمل جماعة من الشهود وعند الأداء لم يبق إلا هو وآخر. قال الشافعي: عليه أن يخرج وإذا خرج بطل اعتكافه, وقال في المعتكفة [374 أ/4] إذا مات زوجها خرجت للعدة ولا يبطل اعتكافها فإذا انقضت عدتها رجعت فبنت فاختلف أصحابنا فيه فقال ابن سريج: لا فرق بينهما لأن الشهادة تعينت عليه في الأداء دون التحمل, والعدة تعينت في الحال ولم تتعين عند النكاح فكان كل واحد منهما متعينًا في الطرف الثاني دون الأول صحت أن تكون المسألتان على قولين على سبيل نقل القول والتخريج. وقال أبو إسحاق: الخروج لأداء الشهادة يبطل بخلاف العدة وهو الصحيح والفرق أن المقصود من الشهادة الأداء فإذا تحملها مختارًا ............. (¬1) وليس المقصود من النكاح الفرقة الموجبة للعدة وإنما يقصد به الإلفة فكان اختيارها للنكاح اختيارًا لوجوب العدة, وفرق آخر أن بالمرأة ضرورة إلى النكاح لتحصين الفرج والدين والنفس والاكتساب ولا ضرورة إلى دخوله في الشهادة عند التحمل فوزانها من العدة أن تضطر إلى الشهادة من حال التحمل لا يبطله ودون الشهادة من أن يجعل إليها طلاقها فاختارت الطلاق ثم خرجت للعدة بطل اعتكافها. وحكي عن مالك أنه قال: في المعتدة كمل اعتكافها ثم تخرج لقضاء عدتها وهذا غلط, لأن المسجد ليس [374 ب/ 4] بمكان العدة وقد اضطرت إليها, وإن كانت متعينة عليه عند التحمل ولم يتعين وقت الأداء فخرج لأدائها يبطل بلا خلاف. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

مسألة: قَالَ (¬1): وَإِن مَرِضَ أَو أَخرَجَهُ السُلطَانُ وَاعتِكَافه وَاجبٌ فَإِذَا بَرِئ أَو خُلَي عنه بني. وهذا كما قال: معنى قوله واجب أي: متتابع وجب عليه بنذره وجملته أن ينظر في المرض فإن كان خفيفًا مثل الصداع ووجه السن والحمى الخفيفة ونحو ذلك, لم يجز له أن يخرج من المسجد فإن خرج من المسجد بطل اعتكافه قولاً واحدًا, لأنه خرج من غير ضرورة إلى الخروج, وإن كان المرض شديدًا ينظر فإن كان مما, لا يمكن المقام معه في المسجد كسلس البول والقيام الدائم والقيء يلومه أن يخرج فإذا خرج يبطل اعتكافه قولاً واحدًا ويبني إذا عاد, وإن كان يمكن المقام معه ولكنه تلحقه مشقة شديدة غير محتملة يحتاج إلى فراش وخادم يخدمه وطبيب يداويه له الخروج منه لأن مضطر إليه برأ من علته وأمكنه القعود في المسجد يرجع إليه, ونص في عامة كتبه أنه يبني على ما مضى من اعتكافه لأنه محتاج إليه, ومن أصحابنا من خرج فيه قولاً آخر: أنه يستأنف كما يقول في المظاهر [375 أ/ 4] إذا دخل في صوم الشهرين فمرض فأفطر هل يبطل التتابع؟ فيه قولان, وهذا ضعيف وذكر بعض أصحابنا القيام الدائم في جملة هذه العلة وهو غلط, والصحيح أن في القيام الدائم قولاً واحدًا على ما ذكرنا, وإن مكث بعد برئه شيئًا من غير عذر استأنف بلا خلاف. فرع لو مرض ذو رحمه وليس له من يقوم بمرضه أو مات وليس هناك من يدفنه فهو مأمور بالخروج, وإذا خرج عاد وبني كما قلنا في العدة وفيه وجه آخر يستأنف, وأما الفصد والحجامة فلا تجوز في المسجد, وإن كانت في الطست كالبول في الطست لا يجوز فيه. ومن أصحابنا من قال: يجوز الفصد والحجامة في الطست إذا لم يلوث به المسجد والأولى تركه ويحتمل أن يجري البول في الطست مجرى الفصد ويحتمل الفرق بأن ذلك مما يستخفي به ويستصبح في المسجد بخلاف الفصد, وإن كانت به علة لابد لأجلها من إخراج دم فهو على ما فصلناه من العلة. فرع آخر إذا احتاج إلى النخامة أخذها بخرقة فإن أراد دفنها في المسجد قيل: يجوز, وقيل: لا يجوز حتى يخرج عن المسجد لأن العلماء [375 ب/4] اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم "كفارة النخامة في المسجد دفنها" فقال بعضهم: أراد دفنها في المسجد فأخرج .... (¬2) لا يبطل اعتكافه واحدًا لأنه لم يخرج باختياره, ولو أقام في المسجد مرة وهو مغمى عليه لا تحتسب مدة الإغماء من الاعتكاف لأن فعله كلا فعل, وهكذا لو جُنَ المعتكف ¬

_ (¬1) انظر الم (2/ 34). (¬2) موضع النقط بياض بالأصل.

ثم أفاق يبني سواء خرج من المسجد أو لا لأن فعله كلا فعل وإن دام سنين نص عليه في "الأم"، بخلاف المريض في قول لأن خروج المريض باختياره, وإن كان مرضه من غير اختياره. وقال والدي:- رحمه الله- في الإغماء وجه آخر: إن مدته محسوبة كمدة النوم وهو ضعيف, وإن كان اختيار كثير من أصحابنا بخلاف الجنون. ومن أصحابنا من قال: إذا أخرجه الولي في حال إغمائه فإن كان لا سبيل إلى مراعاته في المسجد بطل اعتكافه, ولو نام طول يومه يعتد بمدة النوم من الاعتكاف لأن النائم كالمستيقظ في جريان الحكم عليه. فرع آخر لو أخرج منه محمولاً لا يبطل اعتكافه ولو أكره حتى خرج بنفسه فيه قولان: كالصائم [376 أ/4] إذا أكره على الكل بنفسه ولو أخرجه السلطان لاستيفاء الحق منه فإن كان ظالماً في منعه وهو يمكنه إيفاؤه من غير أن يخرج من المسجد يبطل اعتكافه, وإن كان مظلومًا لأنه ليس عليه دين أو عليه دين إلا أنه لا يجد ما يقضيه لم يبطل اعتكافه قولاً واحدًا, وإن وجب إخراجه لإقامة الحد عليه مثل حد الزنا أو القذف أو الشراب أو القطع في السرقة فأخرج فإنه لا يبطل اعتكافه لأن إقامة الحد في المسجد لا تجوز فإذا وجب إخراجه له كان مكرهًا عليه. وقال القفال فيه قولان: بناء على ما لو خرجت للعدة هل تبني؟ قولان وهذا لا يصح لأنه لا منع له أصلاً في الإخراج, ولم يخرجه باختياره بخلاف المعتدة, ومن أصحابنا من قال: إن ثبت الحد عليه بإقراره بطل اعتكافه وإن ثبت بالبينة فيه وجهان؛ لأنه اختار سببه وهو الزنا والشراب ونحو ذلك. وقال والدي, رحمه الله: إن وجب قبل اعتكافه ثم أخرج لإقامة الحد لا يبطل, وإن وجب في حال اعتكافه فاخرج هل يبطل؟ فيه وجهان أحدهما: يبطل لأن سبب الإخراج كان منه في حال الاعتكاف [376 ب/4] والمذهب الطريقة الأولى. فرع آخر لو حاضت المرأة في اعتكافها خرجت فإذا طهرت رجعت مقام الحائض في المسجد لا يجوز فهي مضطرة إلى الخروج نص عليه في البويطي, قال أصحابنا: هذا إذا كان اعتكافها مدة لا تخلو عن الحيض غالبًا كالشهر فإن كان اعتكافها مدة قليلة يحتمل صورتها عن الحيض ينقطع اعتكافها بها, وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه ينقطع اعتكافها بالحيض ولا يمكنها أن تؤدي الاعتكاف إلا أن تيأس من الحيض وهذا ليس بشيء. فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو إذن لها الزوج في اعتكاف عشرة أيام ثم مات

الزوج هل لها أن تقيم تمام العشرة في المسجد معتكفة أم عليها الخروج إلى البيت للعدة؟ قولان, فإذا قلنا: لها الإقامة هناك فخرجت انقطع التتابع, وإن قلنا: عليها الخروج فخرجت هل تبني؟ قد ذكرنا قولين وفي هذا نظر والمذهب الصحيح أنه يلزمها الخروج وتبني. فرع لو أحرم المعتكف بالحج وخاف فوته خرج ومضى في حجته ثم استأنف الاعتكاف لأنه لا يسمى [377 أ/ 4] خارجًا حتى يخرج قدميه وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب رضي الله عنه: "والله لا أخرج عن المسجد حتى أخبرك بسورة لم تنزل مثلها في التوراة والإنجيل والقرآن ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصد الخروج من المسجد وأخرج إحدى قدميه" فقال أبي بن كعب يمينك يا رسول الله فقال: "ظننتني نسيتها ثم يستفتح الصلاة فقال بالحمد لله رب العالمين فقال: هي هي " فدل على أن الخروج بإخراج القدمين جميعًا. فرع آخر لو شرع الجنب في الاعتكاف صح شروعه وعليه الاغتسال فإن خرج للاغتسال, قال والدي رحمه الله: فيه وجهان والأشبه أنه ينقطع تتابعه قال: ويحتمل وجهًا آخر: أنه لا يصح شروعه فيه لأن لبثه في المسجد معصية وطريق الاعتكاف القربة فهما متضادان وهذا اصح عندي. فرع آخر لو احتلم فيه يلزمه الخروج في الوقت فإن أقام مع القدرة فإن امتد مقامه بطل اعتكافه لأن مقامه فيه معصية, وإن لم يمتد فالمذهب أنه لا يبطل لأن الشافعي نص في الردة أنها لا تبطل الاعتكاف, وإن كان [37 ب/ 4] الماء في المسجد وأراد الاغتسال يأخذ الماء ويغتسل خارج المسجد, وإن اغتسل في المسجد فهو كما أقام, وإن لم يقدر على الخروج فإن كان باب المسجد مغلقًا فإن الماء في المسجد اغتسل فيه, وإن لم يكن فيه ماء فإنه يتيمم ويقيم في المسجد ولا يبطل اعتكافه. فرع آخر قال في "الأم": إذا سكر المعتكف ليلاً أو نهارًا أفسد اعتكافه وعليه أن يبتدئ إذا كان واجبًا, وقال بعد هذا: ولو جعل لله على نفسه اعتكافًا فارتد ثم اسلم بني على اعتكافه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا فرق بين السكر والردة ولا يبطل واحد منهما الاعتكاف وأراد بما ذكر في السكران إذا أخرج فقامة الحد عليه أو أخرج لأنه لا يجوز إقرار السكران في المسجد فيصير كأنه اختار الخروج ويغلظ على السكران في الأحكام, وهذا لأن زوال العقل بالسكر من قبل الله تعالى دون فعله فلا يبطل اعتكافه, ومن أصحابنا من فرق بينهما على ظاهر النصين والفرق أنه لا يجوز إقرار

السكران في المسجد فيصير كأنه اختار الخروج, وإن لم يخرج لخروجه [378 أ/ 4] من أهل المسجد والكافر يجوز إقراره في المسجد لاستماع القرآن والوعظ فلم يخرج عن كونه من أهل المسجد فلا يبطل اعتكافه لهذا, ومن أصحابنا من قال: يبطل بهما لأن السكران خرج عن أن يكون من أهل المسجد, والمرتد خرج عن أن يكون من أهل العبادات وتأويل قوله في المرتد إذا لم يكن الاعتكاف متتابعًا فأسلم فتمم ما بقي وهذا اختيار القفال, قال: وفي السكران لا يبطل ما مضى أيضًا إذا لم يكن متتابعًا بل إذا أفاق يبني وقصد الشافعي به أن الردة لا تبطل الأعمال الماضية خلافًا لأبي حنيفة. وحكي أن الربيع قال: حين قرئ عليه بهذه المسألة اضربوا عليها لأن الشافعي قال في السكران: يبطل اعتكافه والمرتد أسوأ حالاً منه والصحيح ما تقدم وما ذكره القفال لا يساعده النص الذي ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: يبطل بالسكر الاعتكاف ويبطل به التتابع وأراد بالردة إذا لم تطل حتى لو طالت استأنف أيضًا وهذا [378 ب/ 4] هو أضعف مما تقدم لن ما يبطله لا فرق بين قليله ولا كثيره كالخروج من المسجد. فرع آخر لو كان من ظالم فخرج واستتر لا يبطل اعتكافه لأنه مضطر إلى الخروج بسبب هو معذور فيه. مسألة: قال (¬1): وَإن نَذَرَ اعتكافًا بِصَومٍ فَأفطَرَ استأنفَ. وهذا كما قال: إذا نذر اعتكاف أيام يصوم متتابعًا فأفطر يومًا استأنف الاعتكاف بالصوم لأن الاعتكاف مع الصوم أفضل والثواب فيه أكثر, فكان الصوم صفة مقصودة في الاعتكاف فإذا نذره على هذه الصفة لزمه على صفته كالتتابع ويفارق هذا إذا نذر أن يعتكف مصليًا له أن يفرد الصلاة عن الاعتكاف, لأن الصوم والاعتكاف هما عبادتان متجانستان أو كل واحد منهما إمساك مخصوص بخلاف الاعتكاف, لأن الصوم والاعتكاف هما عبادتان متجانستان أو كل منهما إمساك مخصوص بخلاف الاعتكاف مع الصلاة. وقال صاحب "الإفصاح": يستأنف الصوم دون الاعتكاف لأن الاعتكاف يصح بغير الصوم يصح بغير الاعتكاف فهما عبادتان مختلفتان, قال القفال: وهذا أقيس وهذا خلاف نص الشافعي في "الأم" حيث قال: استأنف الاعتكاف وعلى هذا النص لا يجوز له في الابتداء أن يفرق بينهما على ما ذكره صاحب [379 أ/ 4] "الإفصاح": يجوز له أن يفرق بينهما وجهان والصحيح أنه لا يلزم الجمع ها هنا وجهًا واحدًا لأن بين الاعتكاف والصوم مناسبة لأن كليهما كف وإمساك بخلاف الصلاة مع الاعتكاف, وهكذا لو نذر أن يعتكف شهرًا محرمًا فيه طريقان. فرع لو نذر أن يعتكف عشرة أيام هو فيها صائم لا خلاف أنه لا يصح اعتكافه دون ¬

_ (¬1) انظر الم (2/ 35).

الصوم لأنه التزم العبادة على صفة فلا يجوز إلا بتلك الصفة إلا أنه لا يعتبر أن يكون الصوم للاعتكاف حتى لو اعتكف في رمضان يجوز الوجهان, إذا قال: على أن أعتكف صائمًا ذكره بعض أصحابنا. فرع آخر إذا نذر أن يعتكف جميع عمره ينعقد فإن فك في بعض الأيام فالحكم في القضاء هو كالحكم فيمن نذر أن يصوم الدهر ثم أفطر, ولو مات وفي ذمته قضاء الاعتكاف لم يلزمه إخراج البدل كما في الصلاة سواء. مسألة: قَالَ (¬1) المُزَني: وَقَال فِي بَابِ مَا جمعتُ لَهُ مِن كِتَابِ الصيَامِ وَالسُنَنِ والآثارِ: لاَ يُبَاشر المعتَكِفُ. الفصل وهذا كما قال: كأن المزني جمع مشكلات كانت له في هذه المواضع فكان يقرأها على الشافعي ويستكشفه فحكي أن الشافعي قال في قراءته [379 ب/ 4] ذلك عليه هذه المسألة وظاهرة يقتضي أن كل مباشرة بشهوة تفسد الاعتكاف إلا ما يوجب الحد من الوطء يعني الجماع الذي لو كان حرامًا يوجب الحد. وجملته: أن المباشرة هي على ثلاثة أضرب: مباشرة لا تبطل الاعتكاف وتجوز وهي ما كان بغير شهوة مثل أن يقبل زوجته إكرامًا لها, أو ناولها شيئًا فوقعت يده على يدها ونحو ذلك وهذا لما روي أن عائشة رضي الله عنها كانت "ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتكافه" ولا شك أنه تصيب يدها رأسه. والثاني: مباشرة تبطله قولاً واحدًا وهي الوطء في الفرج عمدًا قال الله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ولأنه عبادة بدنية فيفسدها الوطء كالصوم. والثالث: مباشرة اختلف قول الشافعي فيها وهي اللمس بشهوة والوطء دون الفرج فيها قولان احدهما: وهو المشهور لا تبطله أنزل أو لم ينزل لأنه عبادة تختص بمكان فلم يفسد بالوطء دون الفرج كالحج, ولأنه لابد من مزية الوطء فلو أبطلنا بها لا يبقى للوطء مزية, والثاني: يبطله أنزل أو لم ينزل نص عليه في "الإملاء" وبه قال مالك لأنها [380 أ/ 4] مباشرة محرمة على المعتكف فتبطله كالوطء في الفرج وهذا هو اختيار كثير من أصحابنا, وقال بعض أصحابنا بخراسان في تحريمها: قولان أيضًا وهو غلط ظاهر, وقال بعض أصحابنا: القولان إذا لم ينزل فإن فقول واحد أنه يبطل, وقيل: قول واحد لا يبطل بغير الوطء وهو اختيار المزني. وقول الشافعي "لا يباشر", أي لا يجامع وهو المراد بالآية أيضًا, وهذا كله غير ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 35).

صحيح, واحتج المزني بالصوم والإحرام فإنهما لا يبطلان بدون الوطء والجواب عن هذا أن الصوم مشترك يبطل إذا أنزل وفي الإحرام لا تعرى المباشرة بالشهوة عن حكم وهو الفدية, فكذلك في الاعتكاف وجب أن لا يعرى عن حكم وليس ذلك إلا الفساد وأيضًا القبلة في الصوم غير محرمة بل هي مكروهة لمن تحرك شهوته, فلما لم تساو القبلة الوطئ فيه في التحريم لم تساوه في الإفساد وها هنا القبلة بالشهوة محرمة بكل حال كالوطئ فجاز أن تساويه في الإفساد ذكره أبو إسحاق. فرع آخر لو استمنى فيه قال أصحابنا إن قلنا: لا يبطل بالمباشرة دون الفرج فهذا أولى أن لا يبطله وإن قلنا: يبطل بها إذا أنزل ففي هذا وجهان. فرع آخر كل موضع أبطلنا الاعتكاف به لا يلزم الكفارة يل يجب القضاء فقط فإن مات قبل أن يقضي سقط ولا يجب [380 ب/ 4] الإطعام عنه وبه قال الكافة, وقال الحسن البصري والزهري: يلزم بالوطء فيه الكفارة مثل كفارة الوطء في رمضان وهذا غلط, لأنه عبادة لا يدخل المال في جزائها فلا تجب الكفارة بإفسادها. فرع آخر لو جامع فيه ناسيًا لا يبطل اعتكافه قولاً واحدًا, وإن كان في الحج قولان وكذلك لو كان جاهلاً بتحريمه, وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يبطله وهذا غلط, لأن هذه مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف كالمباشرة دون الفرج. فرع آخر لو كان اعتكافه واجبًا ولم يشترط التتابع لا يبطل ما مضي بالوطئ وله أن يتمم ما بقي ولو نذر أن يعتكف عشرة أيام متتابعة فشرع فيه ثم خرج وجامع انقطع اعتكافه فإذا عاد لا يلزمه تجديد النية لأن الوقت متعين للاعتكاف وقد نوى الاعتكاف عند الشروع فيه ذكره أصحابنا بخراسان. فرع آخر لو قال: لله على أن أعتكف شهرًا بصوم ثم مات قبل لأن يقضيه يطعم عنه مكان كل يوم مدًا, لأنه صوم واجب ولو أوجبه وهو مريض فمات قبل أن يصح من مرضه لم يجب أن يطعم عنه. فرع آخر لو قال: لله على اعتكاف رجب صائمًا فعليه قضاء شهر بصيام فلو قضى في رمضان لم يجز لأنه يلزمه الصوم [381 أ/ 4] بالنذر وصوم رمضان واجب شرعًا فلا يسقط به فوجب النذر فهل يسقط عنه فرض الاعتكاف أم يبقى فرضه أيضًا؟ اختلف أصحابنا فيه بناء على ما ذكرنا إذا نذر اعتكافًا بصوم هل يجوز إفراد أحدهما عن الآخر.

فرع آخر لو نذر اعتكافًا وقال: إن اخترت جامعت أي إن اتفق لي وطئ فعلت لا ينعقد هذا النذر لأنه يخالف مقتضاه ذكره أصحابنا. مسألة: قال (¬1): وَإِن جَعَلَ عَلَى نَفسِهِ اعتِكَافَ شَهرٍ وَلَم يَقُل مُتَتَابِعَاً أحببته مُتَتَابِعَاً. وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف شهرًا متتابعًا يلزمه ذلك وأي شهر اعتكف فيه أجزأه لأنه نذره بشرط التتابع فيلزمه كما نذر فإنه زيادة عبادة وله أن يعتكف ما بين الهلالية سواء كان الشهر تمامًا أو ناقصًا, وله أن يعتكف شهرًا فالأيام ثلاثين يومًا, لأن اسم الشهر يقع عليهما وإن أفسد بعضها استأنف سواء اعتكف عددًا أو ما بين الهلالين ولو نذر شهرًا متفرقًا أجزأه متفرقًا, فإن اعتكف متتابعًا قال القاضي الطبري: أجزأه عندي لأن التتابع أفضل من التفريق فكان له أن يأتي متتابعًا, وسمعت بعض أصحابنا بخراسان قال: لا يجوز متتابعًا ويلزمه كما نذر ورأيته عن والدي رحمه الله وفرع عليه فقال: إذا نذر اعتكاف عشرة أيام متفرقة الأيام [381 ب/ 4] فاعتكف عشرة أيام متتابعة أصح منها خمسة الأول, والثالث, والخامس, والسابع, والتاسع, لأن التفريق يحصل بيوم واحد وفي هذه الأيام المتحللة صح الاعتكاف فيها وإن لم يقع محسوبًا والأول عندي ولو نذر شهراً مطلقًا: قال الشافعي: أحببته متتابعًا, قال المنزني: لما جعل الشافعي التتابع مستحبًا دل على أن التفريق جائز, وهذا بين في كلام الشافعي فلا فائدة في بيان المنزني, ولا يختلف أهل العراق في هذا. وقال أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر خرجه ابن سريج أنه يلزمه متتابعًا, وبه قال أبو حنيفة, ومالك وأحمد وفي الصوم عن أحمد روايتان, وقال ابن سريج, وقول الشافعي: أحببته أي أوجبته والفرق بين هذا وبين الصوم أن من ضرورة الصوم التفريق بتخلل الليالي بخلاف الاعتكاف, وهذا غلط لأنه عبادة تصح فلا تفريقها فلا يجب فيها التتابع بمطلق النذر كالصيام وفي الصوم قد يجب التتابع, وإن كان يتفرق بالليل وهو في الكفارات, وإذا قيد نذر الصيام بالتتابع فيستوي عند الإطلاف بينهما, ولأن ظاهر نص الشافعي لا يحتمله مع ما ذكر المزني والاستحباب لا يدل على الوجوب كما يستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب وكل أمر يتوجه على الإنسان [382 أ/ 4] فالأولى المعالجة والمبادرة إليه, وإن سوغت الشريعة التأخير. فرع لو لم يذكر التتابع لفظًا ونوى بقلبه التتابع هل يلزمه التتابع وجهان: أحدهما: يلزمه؛ لأن النية إذا اقترنت باللفظ تحملت كما لو قال: أنت طالق ونوى ثلاثًا وهو الأصح عندي. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 37)

والثاني: لا يلزمه, وهو ظاهر ما نقله المنزني, لأنه قال: ولم يقل متتابعًا أحببته متتابعًا, وعلى هذا لو قال: لله على اعتكاف مطلقًا ونوى بقلبه عشرة أيام هل يلزمه العشرة؟ وجهان: ولو نذر شهرًا محدودًا بعينه فقال: شهر رمضان أو شهر شعبان فعليه أن يعتكف ذلك الشهر عن الهلالين تاما كان أو ناقصًا, فإن أفسد يومًا منه نظر, فإن لم يكن شرط متتابعًا بني على ما مضى وقضى يومًا ولا يجب الاستئناف وقال أحمد في رواية: يجب الاستئناف لأن المتابعة واجب كما شرط. وهذا غلط, لأن هذه المتابعة كانت من حيث الوقت كما في صوم رمضان فلا توجب الاستئناف إذا أفسد يومًا منها كما لو أفطر يومًا من رمضان ولو ترك أيامًا منه يجوز أن يقضي متفرقًا كما يجوز أن يقضي صوم رمضان متفرقًا. وحكي أبو يعقوب الأبيوردي, عن ابن سريج أنه قال: يقضيه متتابعًا والمستحب أن يصوم معه, ثم قال: ويحتمل أن [382 ب/ 4] يكون معناه فيمن نذر ذلك متتابعًا فيلزم التتابع في قضائه لمكان الشرط, وهكذا إذا قال: إذا اعتكف جزء من وقتي هذا فإن وافق أو شهر الهلال أجزأه ما بين الهلالين فإن أفسد بعضه بني أيضًا, وإن لم يوافق ما بين الهلالين اعتكف ثلاثين يومًا من وقته, فإن أفسد بني أيضًا, وإن شرط التتابع فقال: شهر رمضان متتابعًا فإن أفسد بعضه استأنف متابعة, ويلزم التتابع في القضاء وفيه وجه آخر ذكره أصحابنا بخراسان: أنه لا يلزمه التتابع في قضائه ها هنا أيضًا, لأن ذكر التتابع كان لتعيين الوقت وهذا ضعيف. فرع آخر إذا جامع في ليالي الاعتكاف المتتابع يبطل كما في الأيام بخلاف ما لو جامع في ليالي صوم شهرين متتابعين, والفرق أن الاعتكاف يدوم ليلاً ونهارًا فمتى صادف جماعة اعتكافه تقطع تتابعه, وأما الصيام فيختص بالأيام دون الليالي فإذا صادف ليلاً لم يصادف جماعة صيامه ولا تتابع صيامه وكيف تصادف التتابع وهو صفة الصوم والصوم بالليل معدوم, فلهذا لا يؤثر في تتابعه. فرع آخر لا فرق في هذا الجماع بين أن يوجد في المسجد أو في طريق المسجد عند خروجه لقضاء الحاجة لأنه حين خرج لحاجة الإتيان فهو في الاعتكاف حكمًا وخرجه عن المسجد [383 أ/ 4] لا يخرجه ...... (¬1) العبادة وسمعت وجهًا آخر في النظر أنه إذا جامع في طريقه ولم يثبت له لا يبطل اعتكافه وهو ضعيف. فرع آخر لو جعل لله على نفسه اعتكاف شهر سماه فإذا الشهر قد مضى فلا شيء عليه لأن ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

الاعتكاف في شهر مضى محال فلا ينعقد نذره، وهكذا لو قال: عليَّ أن اعتكف شهر رمضان سنة مت وكان في سنة سبع. فرع آخر لو قال: عليَّ أن اعتكف شهرًا بالنهار فله أن يعتكف بالنهار دون الليل نص عليه في" الأم" لأن الشهر ...... (¬1) فهو كما لو قال: لله عليَّ اعتكاف شهر إلا عشرة أيام، وهكذا لو قال: والله لا أكلم فلانًا شهرًا بالنهار وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أعتكف أيام هذا الشهر. مسألة: قال (¬2): وَلَوْ نَوَي يَوْمَاً فَدخَل في نِصْفِ النَّهار اعتكف إلى مثْلهِ مِنَ الغَد. وهذا كما قال: قال أصحابنا تأويل المسألة أنه قال: في نصف النهار لله عليَّ أن أعتكف يومًا من هذا الوقت فيلزمه أن يعتكف بقية النهار والليل ومن الغد إلى مثل ذلك الوقت، وإنما دخل الليل فيه؛ لأن كل زمان لا ينفك من الليل إذا نذر الاعتكاف فيه دخل الليل دخل فيه على طريق التبع، فأما إذا نذر اعتكاف يوم مطلقًا فإن اليوم هو اسم لبياض النهار من حين طلوع الفجر الثاني إلى [383 ب/4] غروب الشمس فيلزمه أن يدخل في الاعتكاف قبل طلوع الفجر الثاني بلحظة إلى ما بعد غروب الشمس بلحظة فيكون قد استوفي اعتكاف يوم. وهل يجوز تفريق اليوم الواحد؟ فيه وجهان أحدهما: يجوز وهو ظاهر المذهب كما يجوز تفريق الأيام والشهور، والثاني: لا يجوز والفرق بينهما أن اسم أيام متفرقة كما يقع على أيام متتابعة ويؤكده أن في الصوم يجوز تفريق الأيام في قضاء رمضان ولا يتصور فيه تفريق اليوم الواحد، وهذا هو ظاهر قوله هاهنا، اعتكف إلى مثله من الغد ولم يفصل، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه أراد الشافعي مما ذكرنا أراد إذا نوى يومًا متتابعًا لا إذا أطلق وهذا الوجه الثاني: هو اختيار أبي إسحاق، فإذا قلنا: يجب التتابع أو قلنا: بالخيار فاختار التتابع فعليه أن يكون كل نهاره في المسجد وإنما يقدر على هذا بما ذكرنا أنه يدخل قبل طلوع الفجر الثاني إلى الغروب، وإن قلنا: يجوز له التفريق ففي أي يوم دخل يلزمه أن يعتكف الليلة التي بينهما المذهب، أنه لا يلزمه ذلك ويكفيه النصفان من يومين، وأراد الشافعي بما ذكر في" المختصرة" إذا نوى اعتكاف يوم وليلة أو إذا قادت من وقتي هذا ومن أصحابنا من قال: المذهب أنه يلزمه وفيه وجه آخر [384 أ/4] وهو غلط لأن الليل إنما يلزم عند وجوب التتابع فإنه لا ينفك عنها إذا دخل في نصف اليوم فأما إذا جوّزنا التفريق فلا حاجة إلى إلزام الاعتكاف في الليل بإطلاق لفظ اليوم وهذا اختيار القفال. مسألة: قال (¬3): وَإنْ قَال: يَوْمَيْنِ فَإِلَي غروبِ الشَّمْسِ مِنْ اليَوْمِ الثاني. ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل. (¬2) انظر الأم (2/ 37). (¬3) انظر الأم (2/ 38).

وهذا كما قال: قد ذكرنا إذا نذر اعتكاف يوم ماذا حكمه ولا فرق بين أن يعين اليوم أو لا يمن، وأما إذا نذر اعتكاف يومين فلا يخلو إما أن يطلق، ها أن يشترط التتابع فإن شرط التتابع يقال: لله عليَّ اعتكاف يومين متتابعين يلزمه أن يعتكف يومين وليلة بينهما لا يختلف أصحابنا فيه إلا أن يكون له نية النهار دون الليل فلا يلزمه الليلة، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يلزمه يومان وليلتان لأن لفظ الإمام على الأيام على طريق الجمع والتثنية يدخل فيه مثله من الليالي، وكذلك لفظ الليالي بدليل قوله تعالى:" قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا " [آل عمران:41]، وقال في موضع آخر" ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا " [مريم:10]، وهذا غلط لأن اليوم هو اسم لبياض النهار والتثنية هي تكريرًا لواحد فإذا لم يدخل في الاسم ولا تخلله لم يدخل فيه، وأما ما ذكره قلنا: يجوز دخول [384 ب/4] فيه بالإرادة، فأما باللفظ فلا ومن أصحاب أبى حنيفة من قال: قاله أبو حنيفة استحبابًا والواجب يومان وليلة فعلى هذا ارتفع الخلاف لأن عندنا يستحب ذلك أيضًا. وإن نوى بلياليهما يلزم ليلتان عندنا أيضًا وإن أطلق وقال: يومين أو عشرة أيام فلا يختلف أصحابنا أن التتابع لا يجب ولكن اختلفوا في وجوب الاعتكاف في الليل فقال عامة أصحابنا: يدخل الليل فيه ويلزمه أن يأتي بيومين وليلة وهذا هو ظاهر المذهب لأن كل زمان لا ينفك من الليل فإذا نذر اعتكافه دخل الليل فيه تبعًا، ومن أصحابنا من قال: لا يدخل الليل فيه لأن اسم اليوم لا يقع إلا على بياض النهار فلا يدخل الليل فيه من غير شرط، وتأويل نص الشافعي أنه أراد به يومين متتابعين وعلى هذا لو قال: لله علي أن أعتكف ليلتين فإنه يلزمه أن يعتكف ليلتين ويومًا ويجوز متتابعًا ومتفرقًا على قول بعض أصحابنا وهو الصحيح، وفيه وجه آخر؛ أنه يلزمه أن يعتكف ليلتين من غير يوم. ومن أصحابنا من قال: إذا كان يومين في الليلة التي بينهما ثلاثة أوجه، وإذ قال ليلتين ففي اليوم الذي بينهما ثلاثة أوجه اثنان: مما ذكرنا، والثالث: أنه إن شرط [385 أ/4] التتابع يلزمه عنه لأنه قد لا ينفك منه اليومان أو الليلتان. فرع آخر دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه فيه وجهان أحدهما: يبطل لأنه قطع شرط صحته كما لو قطع نية الصلاة، والثاني: لا يبطل لأنه قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج والأول أظهر. فرع لو قال: لله عليَّ أن أعتكف العشر الأواخر يلزمه ذلك مع الليالي لأن العشر اسم الأيام بلياليها بخلاف الأيام، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف آخر شهر في هذه السنة

اعتكف ذا الحجة من أوله إلى آخره تامًا كان أو ناقصًا، ولو قال: لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام قال القفال: يدخل فيها الليالي بخلاف ما إذا قال: يومين والفرق أن العرب تطلق الأيام وتريد مع الليالي وفي اليومين لا تريد إلا النهار وهذا أحسن ولكنه خلاف ظاهر المذهب. مسألة: قال (¬1): وإن قال: لِلّهِ عَليَّ أَنْ أعْتَكِفَ يَوْمَ يَقْدُمُ فيه فُلانٌ فَقَدِمَ في أولِ النَّهارِ اعتَكَفَ في مَا بَقِيَ. وهذا كما قال: إذا نذر أن يعتكف اليوم الذي تقدم فيه فلان لا يصح نذره في أحد القولين، لأن الصوم لا يصح في بعض النهار، فإذا قدم لا يمكنه أن يصوم فيه والاعتكاف يصح في بعضه ثم ينظر فإن قدم [385 ب/4] ليلًا لم يلزمه الاعتكاف لأن الشرط لم يوجد، وإن قدم نهارًا يلزمه أن يعتكف ما بقي قولًا واحدًا ويجزيه قليلًا كان أو كثيرًا ولا يلزمه قضاء ما مضي منه، وقال المزني: يلزمه قضاء ما مضى من نهاره فقال: يشبه ....... (¬2)، إذا قدم في أول النهار يقضي بمقدار ما مضى من ذلك اليوم من يوم آخر حتى يكون قد أكمل الاعتكاف يومًا ثم أوضح ذلك فقال: وقد يقدم في أول النهار بطلوع الشمس وقد مضي بعض يوم فلا بد من قضائه حتى يتم يومًا، قال المزني: ولو استأنف اعتكاف يوم حتى يكون اعتكافه موصولًا كان أحب إليَّ أي حتى لا ينقطع بدخول الليل، وقال أصحابنا هذا غلط، لأن اعتكاف باقي هذا النهار وإتمامه من يوم آخر أولى من استئناف اعتكاف يوم ليكون البعض في وقته هناك والأفضل أن يعتكف باقي اليوم الذي قدم فيه وقضى الباقي من الغد، وإن أراد غاية الفصل والتمام استأنف يومأ آخر على الكمال. ومن أصحابنا من قال: إذا قدم وبقي من النهار دون الصف فيه أربعة أوجه أحدها: لا يلزمه شيء وهذا على قول من قال: قعود ساعة لا يكون اعتكافًا، وأنه إذا نذر صوم يوم [386 أ/4] يَقدُم فيه فلان فَقَدِمَ وهو مفطر لا ينعقد نذره، والثاني: يلزمه اعتكاف بقية النهار وهذا على قول من يقول قعود ساعة يكون اعتكافًا، والثالث: عليه اعتكاف يوم كامل فيضيف إليه من الليل ما يتم قدر يوم فإن لم يفعل يقضي يومأ كاملًا، والرابع: يضيف إليه من الليل قدرًا يحتسب بذلك من الزمان اعتكافًا وهذا على قياس قولنا في الصوم يلزم ما هو صوم في الشرع، وهو يوم كامل. واحتج المزني بأنه لو قال: للَّه عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه وقلنا: يصح نذره فقدم في بعضه يجب ..... (3) وهذا غلط، لأن هذا الزمان ... (4) فصار كما لو أوجب على نفسه اعتكاف زمان ماضٍ لا يلزمه ويفارق الصوم لأنه لا يمكنه أن يأتي بالصوم فيما بقي من النهار ولا يمكنه آن يقضيه متميزًا عما قبله فلزمه قضاء يوم كامل وفي الاعتكاف يمكنه أن يأتي فيما بقي من اليوم اعتكافًا صحيحًا فأجزأه ذلك، ولو قدم ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 38). (¬2) (3) (4) موضع النقط بياض بالأصل.

والناذر محبوس أو مريض جاز له ترك الاعتكاف ويلزمه أن يقضي ذلك القدر الذي فاته من ذلك اليوم نص عليه في كتبه. وقال بعض أصحابنا: إن كان الحبس بحق وهو مفرط في منع الحق يلزمه القضاء، وإن كان [386 ب/4] يظلم فيه قولان مخرجان ذكره الإمام القاضي الطبري، وقال القاضي أبو حامد في" جامعه"، وصاحب" الإفصاح": فيه وجهان أحدهما: لا يلزمه القضاء لأنه تعذر عليه الاعتكاف حين الوجوب وهذا خلاف نص الشافعي وهو غلط، لأن ما وجب على الصحيح من العبادة إذا تركه لمرض آو غيره من الأعذار يجب قضاؤه كصوم رمضان، وقال المزني: يقضي جميع اليوم، وقال القفال: ينبغي أن يذكر حكم الصوم لو نذره في هذا اليوم ثم يرتب عليه حكم الاعتكاف فاعلم أنه إذا قال: لله عليَّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم لا يمكنه الصوم في باقي نهاره لأن صوم نصف النهار لا يكون صومًا، وقد فاتت النية من الليل، ولكن هل يجب عليه قضاء صوم يوم آخر؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب لأنه لم يحصل إمكان الأداء. والثاني: يجب ثم اختلف أصحابنا على أي معنى يجب منهم من قادت يجب لأن اليوم عبارة عن جميع النهار وقد لزم النذر من أول اليوم الذي قدم فيه فلان في إثنائه، ولكن لم يعلم ومنهم من قال: لم يلزمه إلا ما بعد قدوم فلان ولكنه لا يمكنه أداء صوم يوم فلزمه صوم يوم كامل ليقع [387 أ/4] هذا القدر فيه فإذا قلنا بالأول: هناك لا يلزمه القضاء أصلًا ففي الاعتكاف يلزمه باقي النهار أيضًا لأن اعتكاف نصف يوم صحيح بخلاف الصوم، ماذا قلنا بالثالث: إن في أوله لزمه كل الصوم ولكن لم يعلم فهاهنا يلزمه اعتكاف كل النهار فيعتكف باقي نهاره من يوم آخر ليتم يومأ فحصل قول آخر مخرج قال: وعلى هذا المعنى يخرج لو قال لعبده: أنت حر اليوم الذي يقدم فيه فلان فأصبح يومًا فباع العبد ثم قدم فلان في خلال اليوم، فإن جعلنا ذلك عبارة عن وقت اللزوم أعني ساعة القدوم لم يعتق العبد، وإن قلنا: إنه عبارة عن جملة اليوم فعما طلع الفجر عتق وبعد ذلك باطل، وكذلك لو علق الطلاق مثل هذا فأصبحت يومًا وماتت ثم قدم فلان فإنما ما؟؟؟ مطلقة أو زوجة على هذين الوجهين وعلى هذا إذا قال: يحصل العتق والطلاق في مسألة الصوم وأصبح صائمًا عن نذره وقدم فلان أجزأه صومه عن نذره وليس هذا التخرج عند أهل العراق. فرع قال في" الجامع الكبير": إذا جعل المعتكف على نفسه اعتكاف أيام نذر لله تعالى إن كلم فلانًا فكلمه فعليه أن يعتكف، قال أصحابنا: أراد إذا أخرجه يخرج نذر ..... (¬1) والسؤال من الله تعالى [387 ب/4] كأنه قال: إن رزقي الله تعالى ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض بالأصل.

كلام فلان فلله عليَّ أن أعتكف شهرًا فإذا رزقه الله تعالى ذلك يلزمه الوفاء قولًا واحدًا ويحتمل أن يكون هذا أحد القولين في نذر الحاج. فرع آخر قال فيه أيضًا: لو قال: .... (¬1) قال المزني: لم يجعل ..... (¬2) في كتاب الكفارات في مثل هذا إلا كفارة اليمين قال أصحابنا: هذا علق اليمين وذلك أحد القولين فيه، وقال بعض أصحابنا: هذا على ثلاثة أضرب: فإن علق به طلاقًا أو عتقًا من قياعه قولًا واحدًا، وإن علق به عبادة كالاعتكاف والصوم والصلاة فهو بالخيار بين الوفاء به وبين كفارة اليمين، وإن علق به الحج فيه قولان أحدهما: يلزمه الوفاء به، والثاني: بالخيار. مسألة: قال (¬3): وَلَا بَاسَ الْمُعْتِكف وَالْمُعْتَكِفَة. الفصل وهذا كما قال: قصد به أن الاعتكاف لا يحرم اللبس والطب وعقد النكاح بخلاف الإحرام بالحج، وقال عطاء وطاوس: المعتكف ممنوع من الطب تشبهًا بالمحرم وهذا غلط، لأن النبي (صلي الله عليه وسلم) " رجَّل شعر رأسه في الاعتكاف" ولا يجوز اعتباره بالإحرام لأنه شرع فيه الكشف والتجريد بخلاف هذا، وقال أحمد: يستحب أن لا يلبس الرفع من الثياب [388 أ/4] ولا يطيب نفسه كما في الإحرام يعتبر تغيير الزينة وهذا غلط، لقوله تعالى: {يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]، ويقيس على الصوم فإنه لا يكره فيه ذلك ثم قال: وإن هلك زوجها خرجت فاعتدت ثم بنت وقد ذكرنا ذلك. مسألة: قال (¬4): ولا بأس بِأَنْ تُوْضَع المَائِدَةُ في المَسْجِدِ وَغَسْلُ اليَدينِ في الطَّستِ. وهذا كما قال: الأكل جائز في المسجد وأكله على المائدة أولى لحماية المسجد من أن يتلوث بما يأكله أو يشربه فتجتمع عليه الهوام، وكذلك يغسل يديه في الطست حتى لا يتلوث المسجد بما يغسل به يديه وبما ينزل منها فإن غسل في غير طست ..... (¬5) لا بأس كالوضوء في طست ويكره في غير طست .... (¬6) الطهارة .... (¬7) كغسل اليدين. مسألة: قال (¬8): وَالمَرْأَةُ وَالعَبْدُ والمًسافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شَاؤوا. وهذا كما قال: أراد حيث شاؤوا من المساجد وهذا لأنه لا جمعة عليهم بخلاف الرجل فإن الجامع له أفضل وللزواج وسيد العبد والمدبر وأم الولد منعهم فإن أذن لهم ثم أراد ..... (¬9) له قال أصحابنا: هذا إذا كان الاعتكاف مطلقًا لم يشترط فيه التتابع فإن اشترطوا التتابع ودخلوا بإذن الولي أو الزوج لم يكن له منعهم فيه قبل ¬

_ (¬1) موضع النقط بياض الأصل. (¬2) موضع النقط بياض الأصل. (¬3) انظر الأم (2/ 38). (¬4) انظر الأم (2/ 39). (¬5) موضع النقاط بياض الأصل. (¬6) موضع النقاط بياض الأصل. (¬7) موضع النقاط بياض الأصل. (¬8) انظر الأم (2/ 39). (¬9) موضع النقاط بياض الأصل.

الإتمام لأن ذلك يفسد ويوجب [388 ب/4] الاستئناف. وقال أبو حنيفة: له منع العبد دون الزوجة، وقال مالك: ليس له منعهما وهذا غلط، لأنه بالإذن كالمعير وللمعير الرجوع وليس للسيد أن يمنع المكاتب من الاعتكاف لأنه قد ملك نفسه وكسبه، ومنعه في الكتابة الفاسدة. ومن أصحابنا بخراسان من قال: فيه وجه آخر له أن يمنع المكاتب لأن عليه أن يكتسب ويحصل ...... (¬1)، السيد فليس له أن يقعد في المسجد ويبطل حقه وهذا ليس بشيء لأن السيد لا يجبره على الاكتساب ..... (2)، وقيل: هذا مذهب أبي حنيفة أن له منعه، وأما العبد المعتق ... (3) قال في الجامع الكبير: له أن يعتكف يومًا حتى يتم اعتكافه. قال أصحابنا: تأويل المسألة أنه كان بينهما مهايأة فأما إذا لم يكن بينهما مهايأة فإن للسيد منعه منه لأن كل جزء من تصرفه بينه وبين سيده، ولو أذن المسجد لعبده بنذر الاعتكاف ولم يأذن له في دخول المسجد فدخل .... (4)، هل لسيده منعه فيه وجهان والصحيح ليس له منعه والفرق آن هذا النذر .... (5)، سواء في الفضل أو ليس له وقت .... (6)، في الشرع ... (7)؛ وقت مخصوص [389 أ/4] وأما الصلاة فإنها في أول وقتها أفضل منها في آخر وقتها فإن قيل هذا منعه من الفضل كما يمنعه من النوافل، وقيل: ليس له منعه من النوافل التي من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في ... المكتوبات وبينها هما يمنعه .. ذكره أصحابنا ... فيه وجه آخر والفرق أن الصلاة وجبت في أول الوقت ولو لم يفعل في أوله احتاج إلى الفعل في آخره فلا يمنعه منه بخلاف ........ باعتكافه عشرة أيام ..... بزمان يعينه وأذن له بالدخول ... فيه وجهان أحدهما: لا لأنه وجب بإذنه ....... لأنه لا يجوز له ........ وإن لم يكن متتابعًا جاز إخراجه لأنه يجوز له الخروج ...... إخراجه والله أعلم. وهذا آخر الجزء وهو الجزء الرابع من كتاب بحر المذهب [حسب الأصل]. ¬

_ (¬1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) موضع الأصل بياض الأصل.

باب إثبات فرض الحج على من استطاع إيه سبيلا

[2/أ] كتاب الحج بابُ إثبات فرض الحج على من استطاعَ إيه سبيلًا اعلم أن معنى الحج في اللغةِ: القصد، ومنه يسمّى هذا الحج الشرعي حجًا، لأن فيه قصْدًا إلى بيت الله الحرام ومَشاعره، وقالَ الخليل بن أحمد: الحج كثرة القصد إلى من تعظم، والحج: المسير إلى بيت الله خاصّة، يقال: حَجة وحِجة، والحِج والحِج بالكسر والفتح، والفتح أحسن والحاج: اسم الفاعل، والحجاج من كثر الحج منه، والحجاج والحجيج: جمع الحاج، والمحجة: قَارعة الطريق، وسميت بذلك لكثرة التردد فيها، وقيل: من قصد البيت مرةً واحدةً، قيل: حجّ إليه لأنّ البيت يكثر قصده من كل أحد، فإذا قصده مرةً، قيل: حجّ البيت، فأما غير البيت، فإنما يقال ذلك إذا كثر إتيانه، ومنه قول الشاعر (¬1): وأشهد من عوفٍ حُلولًا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا وكان الزبرقان سيّد قومهِ، والسبب: العمامة، والمزعفر: منَ الزعفران، فكأنه عبّر بعمامته عَنه لأنها معظمة. فإذا تقررّ هذا، فالأصل في وجوب الحج الكتاب والسنّة والإجماع. أمّا الكتاب: فقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: (196)]، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنّهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وأيضًا قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: (27)]، يعني: مشاةً ورُكبانًا، وقيل: إن إبراهيم عليه السلام لما أمر بالحج صعد المقام، فنادى: عبادَ الله أجيبوا داعي اللهِ [2/ب] فأجابوه حتى أجابه من في أصلاب الرّجال وأرحام النساء، فكلّ من حجّ ولّبي فهو الذي أجاب دعوة إبراهيم عليه السلام، وهذا مبني على أن شريعة مَن قبلنا تلزمنا. وقيل: شريعة إبراهيم عليه السلام خاصّة تلزمنا لقوله تعالى: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء:125]، وأيضًا قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97]، وعلى كلمة إيجاب. وتكلم الشافعي على قوله:" وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران:97]، فروي عن مجاهدٍ (¬2) أنه قال: أرادَ به من أدّى الحج، ولم يره براٌ وتركه: ولم يره مأثمًا يكفر بذلك، لأنه ¬

_ (¬1) لبيت من الطويل، وهو للمخبل السعدي في ديوانه (294)، لسان العرب (1/ 457) سبب، (2/ 226) حجج، (10/ 138 زبرق)، التنبيه والإيضاح (1/ 92،196)، مجمل اللغة (2/ 32)، المخصص (2/ 46 - 12/ 302)، تهذيب اللغة (3/ 388 - 2/ 313)، جمهرة اللغة (ص 86). (¬2) أخرجه البيهقي في" الكبرى" (86087).

ترك اعتقاد وجُوبه، وأجمع الملمون على وجُوبه فوجب الكفر. وقال عكرمةُ: لما نزل قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران:97]، قالت اليهود نحن المسلمون، فأوحى الله تعالى إلى نبيّه حجهم، يعني: مرهم بالحج فأمرهم بالحج، فقالوا: لم يكتب علينا، فنزل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} إلي قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} [آل عمران:97] يعني من أهل الكتاب (¬1)، وقال ابن عباس: أراد ومن كفر باعتقاد أنه غير واجب. وأما السنّة، فخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" بني الإسلام على خمسٍ"، الخبرُ وروي أن ضمام بن ثعلبة وردَ على رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وافدًا لقومهِ، فلما دخل المسجد، قال: أيّكم ابن عبد المطلب؟ قالوا: ذاك الأبيض المرتفق، وكان رسول الله (صلي الله عليه وسلم) متكئًا، فأتاه حتى وقف عليه، فقال: أنتَ ابن عبد المطلب؟ فقال: وَجدته، فقال: إني سائلك ومغلظ عليكَ في السؤال، فلا [3/أ] تجد عليّ، فقال: أنشدك الله، الله أرسلك إلينا رسولًا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمركَ أن تأمرنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال:" اللهم نعم"، قالَ: أنشدك الله، الله أمركَ أن تآمرنا أن نؤدي زكاة أموالنا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تأمرنا أن نحج البيت إذا استطعنا إليه سبيلًا؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك الله، الله أمرك أن تآمرنا أن نصوم شهر رمضان؟ قال:" اللهم نعم"، ثم أسلم وحّسن إسلامه. وروى ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا ذا ت يوم عند رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إذ أقبل رجل لم ير أشد بياضًا من ثيابهِ ولا أشد سودًا من شعره لا نعرفه حتى دنا من رسول الله، فوضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه، ثم قال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتصومَ رمضان وتحج البيت إن استطعت" قال: فإذا فعلت هذا فأنا مسلم، قال:" نعم"، قال: صدقت. وكان الرجل جبريل عليه السلام، وروى أبو أمامة الباهلي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال:" من لم يمنعه من الحج مرض حابس أو سلطان جائر، أو حاجة ظاهرة، فلم يحج حتى مات فليمت يهوديًا أو نصرانيًا" (¬2)؛ وأخذ بعض أهل العلم بهذا الظاهر، وقال: يكفر بتأخير الحج، وهذا غلط، وتأويله: إذا لم ير الحج واجباً. وأما الإجماع فلا خلاف فيه بين الأمّة. وأعلم أن الحج من الشراع المقدمة، وأول من حجّ البيت آدم صلوات الله عليه، وقيل: ما من نبي إلا وقد [3/ب] حجّ هذا البيت، وقال محمد بن إسحاق: ما من نبي هلك قومه إلا انتقل بعد هلاكهم إلى مكة وعبد الله تعالى عند البيت إلى أن أتاه أجله. وروي أن النبي. قال:" مر موسى عليه الملام بالرّوحاء في سبعين نبيًا عليهم العبَاء يؤمون البيت وصَفَائح الروحاء تجاوبهم". وروي:" مر موس عليه السلام بالروحاء على ناقةٍ زمَامها من ليفٍ"؛ وكانَ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) يحج قبل الهجرة كل ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في" الكبرى" (8607). (¬2) أخرجه ابن الجوزي في" الموضوعات" (2/ 209).

سنةٍ، واختلف أصحابنا هل كان واجبًا قبلَ الهجرة؟ منهم من قال: نزل فرضه قبل الهجرة، ومنهم من قال: لا بل بعدَ الهجرة سنة خمسٍ من الهجرة. مَسْألَةٌ: قال الشافعي (¬1): فرض الله تعالى: الحج على كل حرّ بالغ. الفَصلُ الكلام الآن في بيان شرائط وجُوب الحج، والحج لا يجب إلا بوجود سبع شرائط. والمزني أخلّ بالنقل حيث اقتصرَ على ذكر ثلاث شرائط، والشافعي زاد على هذا فذكَرَ البلوغ، والعقل، والإسلام، والحريّة، ووجودُ الزادِ، والراحلةِ، وتخليه الطريق، وإمكان السير على العرف، والعادة، فإن عدم شرط من هذه الشرائط لا يجبُ الحج، فالصبي لا يلزمه الحج لقوله (صلي الله عليه وسلم):" رفع القلم عن ثلاثة .... " الخبر. وروي أنه قال:" أيّما صبيّ حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام" (¬2)، فثبت أن الوجوب يتعلق بالبلوغ، لأنه عبادة على البدن فلا يلزم الصبيّ، كالصّوم، والصّلاة، وكذلك المجنون لا حجّ عليه لما ذكرنا. وأمّا العبد، فلا يلزم لما روى ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي (صلي الله عليه وسلم)، قال:" أيّما عبدٍ حجّ ثم أعتق فعليهِ [4/أ] حجة الإسلام" (¬3)، ولأن الحج إنما يجب بوجود الزاد والراحلة، ولا مال للعبي، ولهذا لا يلزمه الجهاد أيضًا. وأما الكافر هل يخاطب بالحج؟ وجهان، ولا خلاف أنه لا بصحّ منه لقوله (صلي الله عليه وسلم) "أيّما أعرابي حجّ ثم هاجرَ فعليه حجة الإسلام"، ولأن الحج عبادة والكفر ينافيها. وأمّا الزاد والراحلة فشرط في وجوبه لِما روي أن النبي (صلي الله عليه وسلم) سُئل عن الاستطاعةِ، وروي أنه سئل عن السبيل، فقال:" الزاد والراحلة" (¬4)؛ ولا تجب إذا لم يكن الطريق مأمونًا لأنه لو دخل في الحج ثم منع منه كان له الخروج، فلأن لا يلزمه الدخول فيه عند اقتران المنع أولى، وفيه ورد قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196]، ولا يجب إذا ضاق الوقت، ولا يمكنه المسير إليه في تلك السّنة، فإن بقي إلى السّنة الأخرى، وبقيت الشرائط التي ذكرناها وَجَبَ الحج واستقرّ هذا لأن العبادة لا تجب معَ عدم الإمكان. ثم أعلم أن هذه الشرائط على ثلاثة أضرب: ضربٌ يمنع الوجوب والصحّة، وهو الإسلام والعقل، وضربٌ هو شرط في الوجُوب دون الأجزاء، وهو الاستطاعة وتخليه الطريق، وإمكان المسير، فإنه لو استقرَضَ الزادَ والراحلة ودفع العدو بالقتال أو المال، وسار أسرع من المسير المعتاد حتى حج أجزأه، ووقع واجبًا، ومنها ما هو شرط في الوجوب والأجزاء عن الفرض، وهو البلوغ والحرية. وقيل: أريع منها شرط في وجوبه، وجوازه عن الفرض، وهي البلوغ والعقل والإسلام والحرية [4/ب] وشرطان منها لا يمنع فقدهما الجواز كما يمنع الوجوب على ما ذكرنا، والباقيان منها لا يمنع فقدهما الجواز والثلاث الأخر شرط في الوجوب دون الجواز. وقال أحمد: شرائط ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 93). (¬2) أخرجه البيهقي في" الكبرى" (8631). (¬3) أخرجه ابن خزيمة (3050)، والحاكم (1/ 481)، والخطيب في" تاريخه" (8/ 209). (¬4) أخرجه الترمذي (813)، وابن ماجه (2896)، والدراقطني (2/ 216)، والحاكم (1/ 442)، والبيهقي في" الكبرى" (8639).

الوجوب خمس، فأما تخليه الطريق، وإمكان المسير فهما من شرائط الأداء دون الوجوب حتى لو مات حجّ عنه من ماله، ولو وجدت الشرائط الخمس، وكان الطريق مخوفًا، والوقت ضيقًا ثبت الحج في ذمته لأن إمكان الأداء لا يكون شرطًا في وجوب العبادة كما في الصلاة والزكاة، وهذا غلط لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]، وهذا غير مستطيع، ولأنه معنى يتعذر مع عدمه فعل الحج، فكان شرطًا في وجُوبهِ كالزاد، والراحلة. وأما الصلاة والصوم والزكاة لا نسلم لأن إمكان الأداء شرط في وجوبها، وإن سلّمنا في الزكاة في أحد القولين، فلأنها حقّ في المال، ووجوبها أوسع لأنها تجب على الصبيّ والمجنون. مَسْألَةٌ: قال (¬1): ومن حجّ مرةً واحدةً في دهره، فليس عليهِ غيرها. لا يجب الحج بابتداء الشرع إلاّ مرة واحدةً، وإذا حجّ حجة الإسلام فقد سقط عنه فرض الحج سواء بقي على الإسلام، أو ارتد ثم أسلم. وقال أبو حنيفة: من ارتد بعدما حج ثم عاد إلى الإسلام يلزمه الحج مرةً أخرى، وهذا على أصلهِ أن مجرد الردة يحبط ما مضى من الأعمال، فإذا عاد إلى الإسلام كان كيوم وَلدته أمه مستأنف الأمر، وعندنا لا تحبط الأعمال إلا باقتران الموت بالردة، واحتج بقولهِ تعالى: [3/ب] {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة:5]، وهذا غلط لقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة: 217]، وأما الآية التي احتجوا بها، أراد بها إذا مات عليها، بدليل هذه الآية، والأصل فيما ذكرنا ما روي أن الأقرع بن حابس، قال: يا رسول الله أحجتنا بها لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال:" بل للأبد ولو قلت: لعامنا هذا لوجب، ولو وجب لم تطيقوه" (¬2)، وفي رواية ابن عباس أن الأقرع قال: يا رسول الله الحج في كل سنةٍ مرةٍ واحدة؟ فقال:" بل مرةً واحدةً، فمن زاد فتطوعٌ"، وإنما سأل لأن ظاهر قوله تعالي: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران:97]، يوهم التكرار لما ذكرنا أن الحج في اللغة: اسم يقصد فيه تكرار. فَرْعٌ لو أحرم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام هل يبني على إحرامه أم يستأنف؟ وجهان: أحدهما: يبطل إحرامه كما يبطل بها الصوم والصلاة. والثاني: لا يبطل لأنه لا يبطل بالجنون، والموت، فكذلك بالردة، فإذا أسلم بنى عليه، والصحيح عندي الأول. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 94). (¬2) أخرجه أبو داود (1721)، وأحمد (1/ 255، 290، 302،371)، والدارمي (2/ 29)، والحاكم (1/ 441،470)

فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يبطل، هل يلزمه المضيّ على حكم البطلان؟ وجهان: أحدهما: يلزمه كما في الوطء. والثاني: لا يلزمه بخلاف الوطء لأن الواطء إذا قارن ابتداءه لا يمنع انعقاده، فإذا طرأ لا يقطعه بخلاف الردة، فعلى هذا لو عادّ إلى الإسلام ووقت الحج باقٍ له أن يستأنف الإحرام. مَسْألَةُ: قال (¬1): والاستطاعة وجهان. الفَصْلُ لا خلاف بينَ العلماء أن الاستطاعةَ معتبرة في وجوب الحج، ولكن اختلفوا في كيفيتها [4/أ]، فمذهب الشافعي إلى أن الاستطاعة قسمان: أحدهما: أن يكون مستطيعًا ببدنهٍ بحيث يلزمه الحج بنفسه، وهو أن يكون قويًا يمكنه أن يثبت على المركبِ من غير مشقة فادحة، ويكون واجدًا للزاد والراحلة، فإن عدم أحدهما لا يجب عليه أن يحج ينفسه. وقال في" الأم" (¬2): وقد صار للنّاس محامل لم يكن، فإن أمكنه في غير محمل ولا يضرّ به ولا يشق عليه لزمه الحج، وإن كان ضعيفًا لا يمكنه الثبوت على القتب أو الزاملة، وثبت علي المحمل أو امرأة، فلا يلزمه إلا أن يجد محملًا. قال أصحابنا: وإن كان يلحقه مشقة غليظة في ركوب المحمل اعتبر في حقه وجود الكسبة لأن اعتبار الراحلة لما يلحقه من المشقة في الطريق، فإذا كان يلحقه المشقة في الراحلة اعتبر وجود ما يزول به المشقة. وأما الزاد فإن كان له أهل يلزمه أن ينفق عليهم، فلا يختلف المذهب أن زاده أن يجد نفقة نفسه في الطريق في ذهابه، ورجُوعهِ إلى بلده، ونفقة من تلزمه نفقته في مدة غيبته، وإنما قلنا كذلك لأن نفقتهم اّكد من الحج، فإن نفقتهم في كسبهِ، ولا يجب الحج في كسبه ونفقتهم مضيقة في الحال بخلاف الحج، ونفقتهم متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج إليها، وقد قال (صلي الله عليه وسلم):"كفي بالمرء إثمًا أن يضيعَ من يقوت" (¬3)، وإن لم يكن له أهل، فلا يختلف المذهب أنه يعتبر ما يكفيه لذ هابهِ، وهل تعتبر نفقة رجوعه إلى بلده؟. اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: لا تجب حتى يجد ما يكفيه لرجوعه أيضًا، وهو ظاهرُ المذهب نص عليه في" الإملاء"، لأنه لا يكلفّ [6/أ] الانقطاع عن وطنه، فإن فيه بعد، ولهذا يغرب الزاني. ومن أصحابنا من قالَ: يلزمه الحج لأنه واجد للسبيل، ولا ضرر عليه في الانقطاع عن وطنه لأن الرازق واحد في جميع البلاد. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان في بلده أحد من أقاربه يعتبر نفقة الرجُوع، وإن لم يكن فوجهان. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 96). (¬2) انظر الأم (2/ 97). (¬3) أخرجه أبو داود (1692)، والحاكم (1/ 415).

فَرْعٌ لا فرقّ بين أن يكون واجدًا لهذه النفقة ناضًا أو محلفه، أو غير ذلك أو يكون مال في يده أو دين حال على ملي يقدر على قبضهِ منه لأن الدين الحال على ملي يميز له العين في يده، لأن كان له دين مؤجل على رجل أو حال على غير ملي فوجوده وعدمه سواء وعلى هذا نتصور الحيلة في إسقاط فرض الحج مع اليسار بأن يبيع ماله قبل وقت الحج مؤجلًا إلى وقتٍ إذا أخذه لا يمكنه المسير إلى الحج. ولو كانت للرجل دار وهو يحتاج إلى تلك الدار للسكنى لا يلزمهُ بيعهُا لأنه يحتاج إليها للسكنى فهي كثياب بدنهِ. وكذلك إن كان له خادم وهو ممن يخدمه لم يلزمه بيعه، وحكي الشيخ الكشي أيضًأ عن الشافعي أنه قال: لا يباع فيه المسكن، ولا الخادم بخلاف المفلس، قال: وهكذا لأجل زكاة الفطر، وقال أبو حامدٍ: هكذا ذكره أصحابنا قياسًا على من لزمته كفارة لا يلزمه بيع المسكن والخادم الذي يحتاج إلى خدمته لمروةٍ، أو زمانة، ولا نص فيه والمذهب أنه يلزمه بيعُ الدار والخادم، وأداء الحج بثمنه، ويكتري مسكنًا وخادمًا لأهله لأن النبي (صلي الله عيله وسلم) اعتبر الزاد، والراحلة، وهذا واجد وكما قلنا في صدقة الفطر أنه إذا فضلت عن كفاية [6/ب] يومه، وجبت عليه ولأنا لو اعتبرنا الفاضل عن المسكن والخادم لاعتبرنا الفاضل عن كفايته على الدوام، وذلك لا يعتبر كذلك ههنا، وليس كالكفارة لأن لها بدلًا تنتقل إليه فخفّف أمرها بخلاف هذا، ولأنه يلزم بيعها في حق الغرماء كذلك للحج، وزكاة الفطر، والأصحّ الأوّل لأن هذا من حق الله تعالى فلا يضيقُ عليه كل التضييق، بخلاف حق الغرماء، ولهذا يعتبر ههنا نفقة الذهاب والرجوع له، ولعياله، ولا يعتبر ذلك في حق الغرماء عند بيع مَال المفلس لهم. ومن أصحابنا من سلم الفطرة أنه يلزمه أداؤها من المسكن والخادم، واعتذر بأنها تجب على الفقير وتتحملها الغير عنه بخلاف هذا، والأصحّ عندي ما تقدم. وأما الكفاية على الدوام من أصحابنا من يعتبرها، وهو القياس، فلا سلم. فَرْعٌ آخْرُ لو كانت دار كبيرة، يمكنه أن يبيع بعضها ويسكن في باقيها يلزمه بيعها وصرف ثمنها إلى الحج. قال أصحابنا: ولا يجب عليه بيع كتبه إذا كان فقيهًا يحتاج إليها، فإن كانت له كتب لا يحتاج إليها، أو كانت له نسختان من كتاب واحدٍ يلزمه بيعها وبيع إحدى النسختين، وكذلك إذا كان له خادم كثير الثمن يكفيه خادم بدون ذلك الثمن يلزمه بيعه. فَرْعٌ آخرُ لو لم يكن له مسكن ومعه نقد يكفيه لحجّه، هل يجوز له أن يشتري بهِ مسكنًا؟ فإن قلنا: يبيع المسكن له لا يشتري، وإن قلنا: لا يبيعه، فالقياس أنه يجوز له أن يشتري يه المسكن الذي يحتاج إليه [7/أ]. وحُكي عن أبي يوسف أنه قال: لا يبيعُ مسكنه ولا يشتري المسكن أيضًأ، بل يصرف النقد إلى الحج، وهذا غلط لأنه إذا لم يلزمه بيعه للحاجة له شراؤه عند الحاجة كثياب بدنه.

فَرْعٌ آخرُ إذا كانت له بضاعة يكفيه ربحها أو ضيعة يكفيه غلتها، ولو باعها وصرف ثمنها إلى الحج لم يبق له ما يتجر به، ولا ما يستغل منه، وليس له معيشة ولا ضيعة عن التجارة أو الزراعة. اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: لا يلزمه صرفها إليه، وبه قال أحمد، وهو اختيار ابن سريج، والقاضي الطبري وجماعة، لأن فيه إلحاق ضرر عظيم به، فإنه يؤدي إلى الفقر، ومسألة الناس وذهاب الحشمة، وهذا ظاهر لا شكّ فيه، ولأنه لم يجب بيع المسكن والخادم وكتب العلم للحَاجة إليها على ما قررنا فلا يجب بيع البضاعة، والضيعة أيضًا. ومن أصحابنا من قال: يلزمه صرفها إليه. وبه قال أبو حنيفة وقال في" الحاوي" (¬1): وهذا مذهب الشافعي، وجمهور أصحابه لأن الشرط في وجُوبه الزاد والراحلة ونفقة أهله في ذهابه ورجوعه، ولا اعتبار بما بعده. قال هذا القائل: ويفارق هذا المسكن والخادم، لأن السكنى والخادم يجبان على الغير ولا يجب على الإنسان أن يعطى غيره بضاعة يتجر فيها. وقال أبو حامد: هذا هو المذهب، ولا أعرف ما حكي عن ابن سريح عنه، ولا أجده في كتبه، وهو خلاف الإجماع أيضًا، قال: والحج كزكاة الفطر تلزمه الفطرة في الفاضل عن قوتِ يومه وليلته، كذلك الحج يلزمه في الفاضل عن قوته، وقوت عياله. قال: والدليل على صحة هذا أن الرجل لو كان [7/ب] ممن لا يمكنه التجارة إلا بألف دينار، لا يقال: يترك له ذلك، ولا يخاطب بالحج لأن هذا ظاهر الفساد ومن نظر قول ابن سريج، وهو الصحيح عندي، أجاب علي هذا الفرق بأنه كما لا يلزم الغير أن يدفع البضاعةِ إلى الغير لا يلزمه أن يسكنه ملكًا بل يلزمه أن يحصل له منافع السكنى، وكذلك يلزمه أن يكفيه منفعة البضاعة، فلا فرق. فَرْعٌ آخرُ قال أبو حَامد: حكي عن الشافعي أنه قال: يترك للمفلس بضاعة يتّجر فيها ثم يقسم باقي ماله على غرمائه، وأراد به استحبابًا إذا رضي الغرماء بهِ، فأما إذا لم يرضوا لا يترك له إلا قوت أهله وقوته ما يكفيهم يومهم وليلتهم. فَرْعٌ آخرُ لو كان عليه دين لا يفضل عنه ما يكفيه لحجه لم يجب عليه الحج حالًا كان أو مؤجلًا، نصّ عليه في" الإملاء"، وإنما كان كذلك لأن الحال مقدم لأنه على الفور ويتعلق به حق الآدمي ويلحقه ضرر ببقائه في ذمته، وكذلك المؤجل لأن عليه في بقائه إضرارًا عظيمًا، ولهذا لا يلزمه الحج حتّي يفضل عن نفقةِ أهله إلى حين عودهِ، وإن لم تكن واجبة في الحال. وقال بعض أصحابنا: إن كان الدين المؤجل يحلّ عليه قبل عرفة لا يلزمه الحج، وإن كان يحلّ عليه بعد عرفة هل يلزمه الحج؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (4/ 13).

والثاني: يلزمه لأن الدين المؤجل غير مستحق عليهِ قبل حلوله، والظاهر السّلامة والحج وجب في الحال، والدين متأخّر. فَرْعٌ آخرُ لا يلزمه أن يستقرض ولا أن يسأل الناس لأنه غيرُ واجدٍ للزاد والراحلة، ولو بذل له غيره أن يحمله مع نفس ليحج وينفق عليه [8/أ] لم يلزمه قبول ذلك، لأن عليه منة في ذلك فإن فعل وحج في مؤنة غيره أجزأه. قال الشافعي: حجّ رسول الله (صلي الله عليه وسلم) بقوم حملهم، فأجزأ ذلك عنهم، ولو قدر أن يؤاجر نفسه لمن يحج به لم يلزمه ذلك، لأن طريقه الاكتساب، ولا يجبر الإنسان على الاكتساب ليحصل الحج، فإن فعل ذلك أجزأه لأنه باشر الأعمال كُلها بنفسه. وروي أن رجلًا سأل ابن عباسٍ رضي الله عنهما، فقال: إن هؤلاء القوم يستأجروني لأحجّ، أفيجزي عني؟ فقال: نعم (¬1)، وتلا قوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة:202]، وبهذا قال ابن عمر وابن عباس، وسعيد بن جبير والحسن وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم، وقال مالك: لا تعتبر الراحلة في وجوب الحج، فإذا كان الإنسان صحيحًا يمكنه المشي يلزمه الحج، ولا يعتبر وجود الراحلة في حقه. وأما الزاد فلا يعتبر ملكه بل يعتبر القدرة عليه، فإن كانت له صنعة يكتسب بها في الطريق لزمه ذلك، وإن لم يكن له صنعة، وكان ممن جرت عادته بمسألة الناس لزمه أيضًا، وإن لم يكن ممّن جرت عادته بالسؤال لم يلزمه. وروي عن عكرمة وابن الزبير والضحّاك أنهم قالوا: الاستطاعة صحة البدن فقط، وهذا غلط لما روينا من الخبر في تفسير الاستطاعة، والسبيل. فَرْعٌ آخرُ قال في" الأم" (¬2): ومن قدر أن يحج ماشيًا من رجل أو امرأة ولا يجد الراحلة أحببت له أن يحجّ، والرجل في ذلك أقل عذرًا، قال أصحابنا: هذا يدل على أن الرجل أكد في الاستحباب من المرأة، لأن المرأة عورة بخلاف الرجل. فَرْعٌ آخرُ قال في" الأم" (¬3) و"الإملاء": [8/ب] إن كان مطبقًا للمشي، وله صنعة يكتسبُ بها في طريقه أحببت له أن يحج للخروج من الخلاف، ولأنه يحمل المشقة لأداء العبادة، فأشبه الصوم في السفر، وإن لم يكن كسوبًا، وأراد أن يخرج ويسأل الناس في الطريق أحببت له أن لا يفعل، ويكره له ذلك لأن كرامته المسألة أبلغ من كراهية ترك الحج، ولأن فيه إلقاء نفسه في التهلكة، ولو حجّ معَ هذا أجزأه. فَرْعٌ آخرُ لو كان له طريقان في إحداهما خوف ولا خوف في الآخر لكنه أطول، وهو ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في" الكبرى" (8655)، وفي "معرفة السنن" (3665). (¬2) انظر الأم (2/ 99). (¬3) انظر الأم (2/ 102).

يجد نفقته، فيه وجهان: أحدهما: يلزمه لأنه قادر على تحصيله من غير مخاطرة بروحهِ ومالهِ. والثاني: لا يلزَمه لأنه لا يتمكن من أدائه إلا بالتزام زيادة مؤنة، ولو كان يتمكن من الأقرب بزيادة مال ببذلها لها لا يلزمهُ الحج، فههنا أولى. فَرْعٌ آخرُ لو قصد الحرم لتجارة وحج أجزأه عن حجة الإسلام، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: (198)]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ابتغاء الفضل: التجارة والثوابُ في ذلك على حسب العمل، فثواب من حج بلا تجارة، ولا إجارة أكثر من ثواب غيره. فَرْعْ آخرُ لو مَلكَ ما يكفيه لنفقة الحج، ولكنه يحتاجُ إلى النكاح، ولو تزوج يبعضه لم يكفهِ الباقي للحج لا يختلف المذهب أن الحج قد وجبَ عليه، وإنما كان كذلك لأن النكاح طريقه الملاذ والشهوات، ولكن له أن يتزوج ويؤخر الحج، لأن وجُوبه على التراخي، وأيهما أفضل؟ نُظر، فإن كان يخاف العنت، فالأفضل له أن يتزوج، وإن كان لا يخاف العنت، فالأفضل له أن يحج لأنه فرض في ذمته، [9/أ] وقالَ أبو حامدٍ: لا نصّ في هذا، وذكره الأوزاعي، وهو قياس مذهبنا. فَرْعٌ آخرُ لو كان قريبًا من مكة ومن أهلِ مكة فوجد الزاد يلزمهُ الحج، وإن لم يجد الراحلة لأنه يمكنه المسير إلى عرفات ومِنى ماشيًا من غير مشقة شديدة، وإنما تعتبر الراحلة في حق البعيد. والفَرق الفاصل بين القرب والبعيد مقدارُ المشاقة التي تقصر فيها الصلاة. وإن كان لا يقدر على المشي، ولكن يمكنه الزحف إلى الموقف لا يلزمه لأن عليهِ مشقة في ذلك، ويعتبر في حقه وجود الراحلة أيضًا. وإن لم يكن معه زاد، ولكنه مكتسبٌ، فإن كان يكتسبُ في يومه ما يكفيه لمدة يلزمه، وإن كان كسبهُ كل يوم قدر نفقته في ذلكَ اليوم لا يلزمه، لأنه إذا حجَ يعطل كسبهُ، وضاعَ عياله. فَرْعٌ آخرُ إذا غصب مالًا يحج به أو غصب حمولة فركبها حتى أوصلته أثم بذلك، ووجب عليه أجرة الحمولة وضمان المال، وأجزأ الحج ويجب عليه أداء الحج متى حضر عرفة. وحكي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه الحج، لأن الزاد والراحلة من شرائط الحج، فإذا وجد على غير الوجه المأذون به لم يجزه كأفعاله. وهذا غلط لأن الحج يؤدى بالبدن، والمال يراد للتوصل إليه، فإذا أدّى عمل البدن لا يقدح ما تقدمه من التوصل إليه به كما لو خرج بنفسه خائفًا وحجّ جاز، وإن ارتكب المنهي. وأما الأفعال، فدليلنا لأنه لو أداها على وجهٍ منهيّ عنه جاز إلا أن يترك ركنًا أو شرطًا. وههنا الحمولة ليس بركن ولا شرط، ولهذا لا يجب ذلك في حق المكي. والقسم

الثاني من المستطيع [9/ب] أن يكون مستطيعًا بغيره، ويعتبر فيه شرطان: أحدهما: أن يلحقه مشقة شديدة غير محتملة في الكون على الراحلة والثاني: أن يكون ذلك سببٍ لا يرجى زوَاله كعصبٍ أو ضعف خلقه، فيوصف عند وجود هذين الشرطين بنفسه، بل يستطيع بغيره يعني بأن يحج غيره عن تقسه، ثم لا يخلو حاله من أربع أحوال، إما أن يجد من يحج عنه، ولكن لا يجد مالًا يستأجره به، أو لا يجد من يستأجره، ولكن يجد مالًا، أو يجد مالًا ويجد من يستأجره، أو لا يجد مالًا ويجد من يبذل له الطاعة في الحج عنه بغير مالًا، فإن وجد من يستأجره، ولا يجد مالًا، فلا حج عليه كما لو كان صحيحًا لا يجد زادًا ولا راحلة، وإن وجد مالًا، ولا يجد من يحج عنه لا يلزمه أيضًا، لأنه غير مستطيع كما لو تعذر الخروج على القادر للخوف، أو لضيق الوقت. فإن وجد مالًا، ووجد من يستأجره بأجرةٍ مثله وجبَ عليه الحج، فإن فعل، وإلا استقر في ذمته يؤدى من تركته، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق. وقال مالك: لا حج عليه بحال ولا يجوز أن يستأجر عنه في حياته، فإن أوصى به بعد وفاته يجوز. وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: لا يلزمه الحج أصلًا، وإن كان موسرًا، وهذا غلط لما روي ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة من خثعم أتت النبي (صلي الله عليه وسلم)، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستمسك على راحلته أفأحج عنه؟ قال:" نعم"، قالت: أفينفعه ذلك؟ قال:" نعم"، كما لو كان على أبيك دين فقضيتهِ [10/أ] نفعه" (¬1)، ولم ينكر عليها وجوب الحج على أنها في حال الكبر والعجز. وروي عن أبي رزين العقيلي أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الطعن، فقال: "حجّ عن أبيك واعتمر" (¬2)، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لشيخ كبير: إن شئت فجهّز رجلًا عنك، وأما إذا وجد من يطيعه ولا مال يلزمه الحج، وقال أبو حنيفة: لم يلزمه الحجّ، ببذل الطاعة ويتصور الخلاف معَه إذا وجب عليه الحج، ثم صارَ معصوبًا معسرًا، فقال ابنه: أنا أحجّ عنك لا يلزمه الأمر به عنده. وبه قال أحمد واحتج بأنه عبادة تجب بوجود المال، فلا يجب ببذل الطاعة كالعتق في الكفارة، وهذا غلط لما قال الشافعي (¬3)، ومعرُوف من لسان العرب أنهم يقولون: أنا مستطيع لأن أبني داري وأخيط ثوبي يعني بالإجارة، أو من يطيعني، وأراد به أنه لما وقع عليه اسم الاستطاعة دخل تحت قوله:" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" [آل عمران:97]. وأما الكفارة، فالفرق من وجهين: أحدهما: أن عليه منة في قبول الرقبة دون الطاعة، لأن العادة جارية بأن الناس ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1513)، ومسلم (407/ 1334) بلفظ:" يثبت" بدل" يستمسك" وفي رواية للبيهقي في" الكبرى" (8629): يستمسك، ومن الرواة من يجعله عن ابن عباس عن أخيه الفضل. (¬2) أخرجه أحمد (1/ 244)، والترمذي (930)، والنسائي (2621)، وابن ماجه (2904)، والدارمي (2/ 41)، وابن حبان (961)، والبيهقي في" الكبرى" (8633). (¬3) انظر الأم (2/ 96 (.

ينوب بعضهم عن بعضٍ بأبدانهم، وأيضًا الكفارة تجب على من يملك الرقبة، فلو قلنا: يجبرُ على قبولها وتملكها ليعتق أجبرناه على سببٍ يلزمه به العتق، فيكون بمعنى الإجبار على الاكتساب، فلم يجب ذلك وههنا إذا علم الطاعة ممن يطيعه، فألزمنا لم تجبره على سبب يجب به الحج لأن الوجوبَ يتقدم، فلهذا أوجبناه. نم اعلم أنَّ المعصوب مقرًا بالصاد غير المعجَمة، ومعناه مقطوع العصَب لا يثبت على المركب [10/ب]،ثم تكلم بعد هذا إلى آخر الباب في جواز النيابة في الحجّ في حال الحياة، فاحتج بخبر الخثعمية على ما ذكرنا، فجعل قضاءها الحجّ عنه كقضائها الدّين، فلما جاز قضاء الدين عن الحي جاز محاء الحج أيضًا، ثم احتج على مالك بخبر مرسل، وهو ما روي عن عطاء عن النبي (صلي الله عليه وسلم) أنه سمع رجلًا يقول: لبيك عن فلان وروي أنه يلبي عن شبرمة، فقال: ومن شبرمة؟ فقال: أخٌ لي أو قريب، فقال: "حجّ عن نفسك، ثم حجّ عن شبرمة"، وروي أنه قال: أحججت عن نفسك؟، فقال: لا، فقال: هذا (¬1)، ورواه ابن عباسٍ وعائشة رضي الله عنهما مسندًا. فإذا تقرر هذا، قال أصحابنا: حكم المعصوب الموسر وحكم الصحيح في أن الحج يلزمهما، فحجّ هذا عن نفسه وينوب هذا سواء لا يفترق حكمهما إلا في مسألتين: أحداهما: أن القارن الصحيح لا يلزمه الحجّ إلا أن يجد نفقة الذهاب والرجوع على ما ذكرنا، ولو وجد المعصُوب من يحج عنه بنفقة الذهاب دون الرجوع وبدون نفقة من تلزمه نفقته إلى أن يذهب هو ويحجّ عنه يلزمه، ونظيره أنه إذا وجد من يحج عنه ماشيًا يلزمهُ أن يستأجر وإن كان هو بنفسه لا يلزمه الحجّ ماشيًا. وفيه وَجه آخر لا يلزم كما في الابن الفقير إذا قال: أحجّ عنك ماشيًا. والثانية، لو كان قادرًا لا يمكنه أن يحجّ إلا في المحمل ولا يجد كفاية المحمل ويجد كفاية الراحلة لا يلزمه، ولو كان معصوبًا، ووجد من يحجّ عنه على الراحلة يلزمه، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى وجوب الحج بطاعة الغير، فأعلم أنه لا فرق [11/أ] بين أن يبذل له الطاعة، وبين أن يعلم منه أنه يطيعه إذا أمره به نصّ عليه في" الأم" (¬2) و"الإملاء"، وغيرهما، فقال: وإذا وجد الزاد والراحلة، أو من إذا أمره امتثل أمره وأطاعه لزمه الحج، فاعتبر العلم بطاعتهِ دون البذل. ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه ما لم يظهر الطاعة لأن ظن الأدب أن يطيعه إذا أمره، وقد يخطئ، وهذا اختيار القاضي الحسين ثم الكلام في فصلين: أحدهما: في صفة المطاع الذي يلزمه الحج بطاعةِ الغير. والثاني: في صفة المطيع. وأما صفة المطاع فهي أن يجتمع ثلاث شرائط: أحدها: أن يكون معصوبًا. والثانية: أن يكون فقيرًا. ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (1811)، وابن ماجه (2903)، وابن حبان (3977)، والدر اقطني (2/ 269)، والبيهقي في" الكبرى" (8676،8675). (¬2) انظر الأم (2/ 106).

والثالثة: أن يكون حجّ حجّة الإسلام، وأما صفة المطمع فثلاث أيضًا: أحدها: أن يكون على صفةٍ يلزمه فرضُ الحجّ بنفسهِ، وقد ذكرنا شرائط ذلك لا بالجعل بذله كاستطاعته في نفسهِ، فيحتاج إلى أن يكون على صفة وجوب الحج أيضًا. والثانية: أن يكون قد حجّ عن نفسهِ حجّة الإسلام لأن من لم يحجّ عن نفسه لا يحجّ من غيره. والثالثة: أن يكون موثوقًا بطاعته، وأنه إذا آمره به امتثل أمره، فأمّا إذا لم يثق به لا يلزمه، لأنه لا يتيقن قدرته عليه. فَرْعٌ لو كان هذا المطيع زمنًا موسرًا، وهو يطيعه في تجهيز من يحجّ عنه، قال أصحابنا: يلزمه الحجّ لأنه لما كان مستطيعًا بنفسه وجب أن يستطيع غيره به ذكره أبو حامد والقاضي الطبري وغيرهما. فَرْعٌ آخرُ إذا كانَ له من يطيعه في الحجّ عنه، وهو لا يعلم بطاعته، أو ورث مالًا ولم يعلم، قال بعضُ [11/ب] أصحابنا: هو بمنزلة أن يكون له مالٌ ولا يعلم به بأن يموت مورثه، فلا يلزمه الحج، وقال بعضهم: هو بمنزلة من نسي الماء في رحله أو لم يعلم بكونه في رحله فتيمم وصلى هل تجوز صلاته؟ فيه قولان: فإذا قلنا: يلزمه يحج عنه بعد موته من تركته الموروثة. فَرْعٌ آخرُ المعصوب إذا كان من سكان مكة، أو من دون مسافة القصر لا يجوز له أن يستنيب لأنه لا يكثر المشقة عليه في أداء الحجّ ولهذا لو كان قادرَا لا يعتبر في حقه الراحلة، ذكره أصحابنا. فَرْعٌ آخرُ لا فرق بين أن يكون المطيع ولدًا أو ولد ولدًا وكان غير الولد من العم والأخ والأب والجد والأجنبي. نصّ عليه في" الأم" ولا "الإملاء"، وقال في" المختصر": من يطيعه ولم يفصل، وهذا لأن المعتبر إمكان تحصيل الحجّ، وهو موجود في بذل الكلّ والمنة لا يعظم بمعونة البدن ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه إلّا بطاعة الولد أو ولد الولد، لأن الولد يختصّ مع الوالد بأحكام كثيرة، فإن الوالد لا يقتل بولده، ولا يحد بقذفه، ولو وهبَ منه شيئًا، وأقبضه له الرجوع فيه، وهو كسبه كما قال (صلي الله عليه وسلم): بخلاف الأجنبي، وهذا ليس بشيء، هكذا ذكره أهل العراق. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: والصحيح، لا يلزمه في بذل غير الولد، وهو غلط بخلاف النص.

فَرْعٌ آخرُ لو بذل له المال دون الفعل وجهان: أحدهما: يلزمه قبوله لأنه قادرٌ على تحصيل الحجّ بالغير فأشبه بذل الطاعة. والثاني: لا يلزمه قبوله، وهو الأصحّ والمذهب لأنه تملك مالًا لوجوب الحجّ، فلا يحبُ [12/أ] كالاستقراض والإيهاب، ولأنه يعظم المنة في ذلك، ولا فرق على الوجهين بين أن يكون المبذول له معصوبًا بذل له المال ليأمر من يحجّ عنه وبين أن يكون صحيحًا فقيرًا بذل له المال ليحجّ، بنفسه عن نفسهِ، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان الباذل للمال أجنبيًا لا يلزمه وجهًا واحدًا، وإن كان ابنًا، فوجهان لقوله (صلي الله عليه وسلم):" أنتَ ومالك لأبيك" (¬1)، وقوله (صلي الله عليه وسلم): أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (¬2). فًرْعٌ آخرُ لو كان الولد معسرًا فبذل الطّاعة لأبيه هل يلزمه الحج؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه بخلاف ما لو كان صحيحًا معسرًا لا يلزمه في نفسه لأنه لم يرض بالمخاطرة والتغرير بنفسهِ، وقد طاب نفس الابن بهذه المخاطرة، ولا ضررَ على الأب أن يأمره. والثاني: لا يلزمه لأنه لا يلزمه في نفسهِ لفقره، فلا يلزمه على أبيه لسببه، وهذا أقيس عندي. فَرْعٌ آخرُ لو حجّ المطيع عنه بغير أمره لم يجز، وكان عن نفسه، وحكي عن القاضي أبي حامد أنه يجوز كما عن الميت والصحيح ما ذكرنا، ولو امتنع من الأمر به هل يقوم الحاكم مقامه في الأمر بهِ؟ وجهان: أحدهما: يقوم مقامه كما في الزكاة والدين، قال: بعض أصحابنا بخراسان: وهذا هو الصحيح لأن الحجّ، وإن كان على التراخي إذا كان صحيح البدن، فعند الرمانة يضيق وقته ولا يجوز له التأخير. والثاني: لا يقوم مقامه، وهو المذهب، والصحيح عند أصحابنا بالعراق، لأن الحجّ يفتقر إلى النية والإذن ممن عليه، ولا يوجد [12/ب] ههنا. ولا إشكال أنه أثم ويعصي إذا لم يأمره بهِ حَتي مات، كما لو قدر أن يحجّ، فمات قبل الأداء مع الإمكان. فَرْعٌ آخرُ متى يلزم الباذل الحج ببذله؟ ينظر، فإن كان قد أحرم عنه وجب عليه المضي فيه لأن الإحرام يلزم بالشروع فيه، فإن كان قبل الإحرام عنه، قال جمهور أصحابنا: ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (2291)، وابن حبان (4262)، والطحاوي في" شرح معاني الآثار" (4/ 158). (¬2) أخرجه أحمد (6/ 31،153،127،42)، وأبو داود (3528)، والترمذي (1358)، والنسائي (4449)، وابن ماجه (2290)، وابن حبان (4245)،والحاكم (2/ 46).

المذهب أنه لا يلزمه الرجوع عن البذل، لأنّه متبرع بالبذل، فلا يلزمهُ حكم كما لو بذل له الماء للطهارة له الرجوع قبل الإقباض، وعن أصحابنا عن قال: يلزمه ذلك، وليس له لرجوع لأن بذل الطاعة للحج أوجب عليه فرض الحج عند قبوله، ويفارق بذل الماء لأنه لا يوجب الطهارة بل يغير صفة الفرض، ولأن هناك إذا رجع يرجع إلى بدل، وهو التيمم بخلاف ههنا، قال صاحب" الحاوي" (¬1): وهذا هو المذهب، وعندي الأصحّ ما سبق، لأنه وإن وجب عليهِ الحجّ بطاعته لا يلزم هذا المطيع أن يحجّ عنه، وقوله: أحجّ عنك وعدًا لرد، فلا يلزم بمجرده. فَرْعٌ آخرُ من يرجو مباشرة الحجّ بنفسه لا يلزمه الحج ببذل الغير له الطاعة والمجنون لا يحجّ، ولا يحجّ عنه أيضًا لأنه يرجى إفاقته، وأداؤه بنفسهِ، وأمّا المريض الذي لا يستمسك في الحال على الراحلة، ولكنه يرجى زوال مرضه لا يجوزُ له أن يحجّ غيره عن نفسه، وإن كان محرمًا، وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يستأجر من يحجّ عنه كالمعصُوب، وإن كان يرجو سلامته، ثم إن صحّ لم يجز عن فرضه. وهذا غلط لأنه غير ميؤوس من أدائه بنفسه كالفقير، [13/أ] وكذلك الخلاف إذا كان مجنونًا لا يرجو خلاصه. فَرْعٌ آخرُ لو خالف وجهز من يحجّ عنه فإن برا من مرضه تلزمه إعادة الحج قولًا واحدًا، وإن مات من ذلك المرض، أو صار ميئوسًا منه هل يجزئه؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجزئه وتلزمه الإعادة، قال الشافعي: وبه أقول، وهو الصحيح لأنه أحج غيره في حال لم يجز له ذلك، فلا يعتدّ به. والثاني: يجزئه ولا تلزمه الإعادة لأنه لما اتصل به الموت تبينا أنه كان ميئوسًأ منه. فَرْعٌ آخرُ لو مرض مرضًا لا يرجى زواله وشهد بذلك طبيبان ملمان عدلان جاز له أن يحج غيره عن نفسه، فإن أحج غيره عنه، ثم مات من علته أجزأه، وإن برأ من علته نصّ الشافعي أنه يعيد الحج لأنا جوّزنا له ذلك على ظنّ أنه لا يقدر على الحج، فإذا برأ أيقنا الخطأ فيما ظننا، فيبطل ذلك كالحاكم إذا حكم بخلاف النصّ ينقض حكمه ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه إعادة الحج في أحدِ القولين بناء على المسألة قبلها، لأن هناك اعتبرنا في أحد القولين حالة الابتداء، فعلى هذا لا يلزمه الإعادة ههنا وفي القول الثاني، اعتبرنا المال هناك، فيلزم ههنا الإعادة على هذا وهذا لا يصحّ بل ههنا وفي قول واحد لا يجوز وتلزمه الإعادة لأنا وإن اعتبرنا الابتداء، فقد بينا بحدوث البراءة أنه لم يكن في تلك الحالة آيسًا من مباشرة الحج ينسه، فلا يجوز بحال. وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان مبنيان على أنهم إذا رأوا سوادًا فظنّوه عدوًا، فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان خلافه هل تلزم ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (4/ 11).

إعادة [13/ ب] الصلاة؟ فيه قولان، وهذا غير صحيح أيضًا لأنا لا نتيأس هناك أنه لم يكن الخوف موجودًا وههنا تبينا أن الإياس لم يكن موجودًا. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: تلزم الإعادة هل يستحق الأجرة؟ قولان: أحدهما: يستحق لأن في اعتقاده أنه يعمل له. والثاني: لا يستحق لأنهه لم يقع للمستأجر، ولو استنيب عن المجنون في حال جنونه، ثم أفاق تلزمه الإعادة قولًا واحدًا، وإن ماتَ على حالته ينبغي أن يكون على القولين. فَرْعٌ آخرُ هل يجوز للمعصُوب إذا كان قد أدى فرض الحج عن نفسه أن يستنيب في التطوع أو الوصية بحجّة التطوع بعد موته؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لأنه لا حاجة به إليه، وإنما جوزت الاستنابة في حال الضرورة، ولهذا لا يجوز للصحيح أن يستنيب، لأن الأصل في عبادات الأبدان أن لا يدخلها النيابة، وقد خرج الحج المفروض منها بالسنّة، فلقي التطوع على الأصل. والثاني: يجوز وهو الصحيح. وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، ومالك، لأنه لما دخلت النيابة في فرضها كذلك في نفلها كالزكاة، وقال أبو حامد: الأول أشبه بالمذهب والثاني، أقيس. فَرْعٌ آخرُ إذا قلنا: يجوز، فاستأجر كذلك وقع الحج عن الأمر، واستحق المسمّى، وإذا قلنا: لا يجوز فاستأجر رجلًا ليحج عنه حجة التطوع فحج وقع الحج عن الحاج، وهل يستحق الأجرة على الأمر قولان: أحدهما: لا يستحق لأنه وقع عن نفسه، فأشبه الضرورة إذا حجّ عن غيره بالأجرة لا يستحق الأجرة. والثاني: يستحق الأجرة لأنه أتلف عمله [14/ أ] بإذنه على وجه العوض، وفارق الصرورة لأن السبب هناكَ في انتقال الحج إلى نفسهِ كان من جهته لا من جهة غيره، ولأن عمله هناك لم يتلف لأنه أسقط به فرضًا عليه بخلاف ههنا، وهذا كما لو استأجر رجلًا ليحمل له طعاماً غصبه يستحق الحامل الأجرة على الآمر، وهذا اختيار أبي حامد، وهو الأقيس. ومن قال بالأول أجاب عن هذا: بأن من حَمل طعامًا مغصُوبًا بأمر الغاصب لم يقع الفعل عنه، وليس بمفرط لأنه لم يعلم الغصب، والظاهر أنه ملكه، وههنا كان يلزمه أن يعلم حكم الإجازة، وصحتها من فسادها، ووقع الفعل عنه، فلا يرجع على غيره بشيء. وهذا اختيار جَماعَة من أصحابنا. فإذا قلنا: يستحق بالأجرة، فلا إشكال أنه لا يستحق المسمّى لأنه إجازة فاسدة، ولكنه يستحق أجرة المثل، ولو استأجر الوصي بذلك يلزمه الضمان لأنه فعل ما لا يجوز له فعله سواء قلنا: له أجرة المثل، أو لا، وقال بعض أصحابنا: لا شيء على الموصي لأنه لم ترجع فائدته إليه، ولا إلى غير فاعل.

فَرْعٌ آخرُ لو استأجر المعصوب بحجة منذورة أو قضاء حج يجوز قولًا واحدًا، لأنها واجبة، وتلزم أيضًا ببذل الطاعة كحجّة الإسلام سواء. فَرْعٌ آخرُ لو استأجر المعصوب رجلًا ليحج عنه حجة الإسلام، فأحرم الأخير عن المعصوب ثم نوى أن يكون الحج عن نفسه كان الحج عن المعصوب لأن الإحرام انعقد عنه، فلا يجوز صرفه إلى غيره، وهل يستحق الأجرة، قال في «المناسك الكبير» فيه قولان: أحدهما: يستحق، وهو الصّحيح لأنيته [14/ ب] لما لم يكن لها تأثر في صرف الحج عن المعصوب لا يكون لها تأثر في إسقاط أجرته، كما لو استأجر رجلًا ليخيط له قميصًا، أو يبني له حائطًا، فخاط القميص أو بنى الحائط بنية أن يكون له استحق الأجرة كذلك ههنا. والثاني: لا أجرة له لأنه عمل متبرعاً به من غير أجرة، فسقط حقه، ولا يجوز له أن يطالبه بالأجرة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: القولان في المسألة المقدّمة مبنيان على القَولين في هذه المسألة، فإن قلنا في هذه المسألة: يستحق الأجرة، ففي المسألة الأولى، لا يستحق لأن الحج لم يقع عن الآمر هناك. وإن قلنا في هذه المسألة: لا يستحق الأجرة فهناك يستحق لأن عنده أنه يعمل الآمر، قالوا: وإذا قلنا: يستحق ههنا هل يلزم أجر المثل أم المسّى؟ وجهان: أحدهما: المسمى لأنه عقد إجارة لم يبطل. والثاني: أجر المثل لأنه عقد غيره من موضعه، فيستحق فيه عوض المثل، والصحيح عندي الأول، قالوا: وعلى هذين القولين لو جحد الصبّاغ الثوب، ثم صبغ، هل يستحق الأجرة على المالك إذا رد؟ قولان: أحدهما: لا، لأنه عنده أنه يعمل لنفسه. والثاني: بلى، لأن الصبغ حصل للمالك، ولو كان صبغ قبل الجحود استحق الأجرة على هذا لو استأجر رجلًا ليعمل في معدنهِ على أن ما أخرجه للأجير لم يكن للأجير، وهل يستحق أجرة المثل؟ قولان: بناء على هذين القولين. فَرْعٌ آخرُ لا يجوز للصّحيح ان يستنيب لا في الفرض ولا في التطوع. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز أن يستنيب في التطوع، لأنها حجّة لا يلزمه أداؤها بنفسه كالفرض في حق المعصوب، وهذا غلط [15/ أ] لأنه غير ميئوس من أداء الحج بنفسه، فأشبه الحج المفروض في حق الصحيح. فَرْعٌ آخرُ لو كان على المعصوب حجتان: حجة الإسلام، وحجة منذورة، فاستأجر في

سنة واحدة رجلين يحج أحدهما عنه حجة الإسلام، والآخر الحجة المنذورة فيه وجهان: أحدهما: يجزئه حجة الإسلام دون حجة النذر، لأنه لا يحج بنفسه في سنة حجتين. والثاني: يجزئه الحجتان، وهو الصحيح، وهو المنصوص في «الأم» (¬1) لأنه لا يؤدي إلى تقديم المنذورة على الشرعية بل يقعان معًا، فأجزأ. فَرْعٌ آخرُ قال والدي رحمه الله: إذا جوزنا ينبغي أن يكون الإحرام بحجة الإسلام أسبق لأن تقدم النذر لا يجوز، فإن أحرم الآخر بحج النذر أولًا انصرف إحرامه إلى حجة الإسلام في قياس قول أصحابنا، ثم إذا أحرم الآخر بحجة الإسلام انصرف إلى حج النذر. فَرْعٌ آخرُ إذا وجد الأعمى زادًا وراحلة وقائدًا يقوده ويهديه ويسدّده يلزمه الحج، ويلزمه أن يحج بنفسه، وليس له أن يستنيب غيره، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد. وقال أبو حنيفة في أصح الروايتين عنه: يجوز له أن يتسنيب لأنه لا يمكنه الصعود والنزول بنفسه، فجاز له أن يستنيب كالمعصوب، وهذا غلط، لأنه لا يلحقه مشقة شديدة في الثبوت على الراحلة، فلا يجوز له أن يستنيب كالأطروش. فَرْعٌ آخرُ لو كان مقطوع الرجلين أو أحديهما يلزمه أن يحج بنفسه لأنه يستمسك على الراحلة من غير مشقة شديدة كالصحيح، وعند أبي حنيفة هو كالأعمى فيه روايتان. فَرْعٌ آخرُ قالَ [15/ ب] الشافعي: لو أحرم بالمجنون بقيمه وحج في حال جنونه به، ثم أفاق فعليه حجة أخرى كالصبيّ يبلغ، وقال أيضًا: لو أحرم ولي المجنون به، فلما انتهى إلى الميقات أفاق، فأحرم بنفسه ودامت له الإفاقة حتى فرغ من أركان حجّه، ثم عاوده الجنون، أو لم يعاوده كان على قيمه أن يغرم ما بين نفقة مقام المجنون ونفقة سفره، وأجزأه عن حجّة الإسلام، لأنه خاطر بماله بغير وجوب، ولو كان سبق الوجُوب، وكان لإفاقته وقت معلوم فعرف أنه لو خرج به أدرك الحج في وقت الإفاقة، ففعل لم يغرم لأنه لم يخاطر به. حكاه الإمام الجويني. فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما أعرابي حجج، ول عشر حج ثم هاجر ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 109).

باب إمكان الحج وأنه من رأس المال

فعليه حجة الإسلام» (¬1)، ذكره حين كانت الولاية منقطعة بين المهاجر وغير المهاجر في التوارث والأحكام، فكانت حجة الأعرابي الذي لم يهاجر نفلًا، والأصح أنّه عبر عن المسلم بالمهاجر، وعن الكافر بالأعرابي ذكره القفال. فَرْعٌ آخرُ النساء صالحات للنيابة من الرجال في الحج بدليل خبر الخثعمية، وفيه دليل على أن المستناب متى حجّ عن المستنيب نفعته نيابته ظاهرًا، وباطنًا وبرئت ذمة المتستنيب كما يبرئ عن الدين إذا قضى عنه وكيله بأمره بماله ويدلّ على جواز القياس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس على الدين ويدل على جواز قياس العبادة البدنية على الأموال، وإن كانتا غير متجانستين من وجوه كثيرة لأن شرط القياس اجتماع الفرع والأصل من حيث جمعهما القياس، وإن افترقا من غير ذلك الوجه. ومن العلماء من قال: لا يجوز نيابة المرأة عن الرجل في الحج لأنها تخالف الرجل في الستر [16/ أ] والكشف وليس بشيء. بابُ إمكان الحج وأنه من رأس المال مَسْألَةٌ: قال (¬2): وإذا استطاع الرجل فأمكنه مسير الناس من بلده فقد لزمه الحج. الفَصْلُ إذا وجدت شرَائط وجوب الحج، فإن كان الوقت واسعًا يمكنه أن يسير إلى مكة، على عرف الناس وعادتهم في المسير، فلم يسر، ولم يحج حتى مات بعد فراغ الناس من الحج وإن لم يرجعوا فإنه ماتَ وعليه حجة الإسلام، ويجب أن يقضى الحج من تركته كما قلنا: إذا زالت الشمس وأمكنه أن يصلي أربع ركعات، فلم يصل حتى جنّ، ثم رجع إليهِ عقله بعد فوات الوقت لزمه قضاؤها. وإن مات قبل فراغ الناس من الحج أو سار مع الناس ومات في الطريق ماتَ، ولا حجّ عليه، ولا يجبُ أن يقضي من ماله. وهكذا لو وجد الاستطاعة ببغداد في يوم عرفة، وماتَ قبل مجيء السنة الثانية، فإنه ماتَ ولا حج عليهِ ولا يجب قضاؤه من ماله. وهكذا إذا وجد الاستطاعة، وأمكنه أن يسير إلى مكة فلم يسر حتى تلف ماله، وانقطع الطريق بالعدو، فإن كان ذلك بعد إمكان الحج، فالحج في ذمته يلزمه أن يأتي به إذا أمكنه، وإن كان ذلك قبل إمكان الحج، فلا حجّ عليه على ما بيّناهُ، وهذا لأنه وإن وجبَ لا يستقر وجوبه إلا بإمكان الأداء. ونقل المزني كلامًا ليس على ظاهره، فقال: إذا استطاع الرجل الحج، فأمكنه مسير الناس من بلده فقد لزمه الحج، فإن مات قضى عنه. وهذا ليس على ظاهره لأنه إنما يقضى عنه إذا عاش إلى مدة كان يمكنه الحج فيها، وإذا مات قبل مضي تلك المدة لا يقضى عنه. ولو قدر على المسير فوق العادة بأن يجعل المرحلتين مرحلة واحدة ونحو ذلك لا يلزمه لأنه يلحقه [16/ ب] مشقة غير ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (8613)، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/ 206)، ورجاله رجال الصحيح. (¬2) انظر الأم (2/ 96).

محتملة في ذلك، وهكذا لو أمكنه المسير، ولكن تعذر عليه تحصيل الآلة التي يحتاج إليها في الطريق من الدلو، والقربة، ونحو ذلك، أو كانت تباع بأكثر من ثمن المثل، أو يكري الراحلة بأكثر من كري المثل لم يستقر عليه أيضاً، ولو قدر على المسير وحده لا يلزمه أيضًا حتى يمكنه المسير مع الرفقة، فيخرج في رفقتهم لأنه إذا سافر وحده فقد خاطر بنفسه، وماله. ولو كانت بينه وبين مكة طريق آهلة يستغني فيها عن الرفقة إلا من يلزمه الخروج لأن القصد من مسير الناس التماس الأمن، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا تخاف إلا الله والذئب». قال عدي بن حاتم راويه: لقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة وتطوف بالكعبة بلا جوار (¬1). وروي أنه قال: «يا عدي بن حاتم لا تقوم الساعة حتى تأتي الظعينة من الحيرة، ولم يكن يؤمئذٍ كوفة حتى تطوف بهذه الكعبة» (¬2)، فأثنى عليها إذا خرجت والطريق آهلة»، وهذا يدل على أن الرجل والمرأة يستويان في وجوب الحجّ من غير انتظار الرفقة إذا كانت الطريق آهلة إن تصور ذلك، ولو أن الناس ساروا، وتقاعد عنهم هذا المستطيع، فأحصر الناس في عامهم ذلك، فانصرفوا خائبين، ثم مات هذا المتسطيع في تلك السنة لقي الله تعالى ولا حج عليه لأنه لو خرج معهم لصدّ كما صدوا، ولم يعش ليتمكن في السنة القابلة من الحج. فإذا تقرر هذا فكل موضع، قلنا: مات وعليه حجة الإسلام، فإن كان خلف مالًا يلزم قضاء الحج من تركته، وإن لم يخلف مالًا، فإن حجّ وارثه متبرعًا، أو أمر أجنبيًا فحجّ عنه فقد سقط الفرضُ [17/ أ] عن الميت، وقال الشافعي في كتاب «المناسك»: إذا مات الرجل وقد وجبت عليه حجة الإسلام فتطوع متطوع قد حجّ حجّة الإسلام بالحجّ عنه أجزأ عنه، ثم لا يكون لوصية أن يخرج من ماله شيئًا ليحج عنه غيره ولا أن يعطي هذا عنه شيئًا لأنه حج متطوعًا، وهذا نص على أنه يجوز حجّ الأجنبي عنه، ويفارق العتق عنه في الكفارة في أحد الوجهين لأنه يقتضي الولاء وثبوت الولاء يقتضي الملك، فلا يمكن ذلك. فإن قيل: أليس في حال الحياة لو حج عنه بغير أمره لا يجوز وفي قضاء الدين لا يفرقون بين أن يؤدي عنه الأجنبي في حياته، أو بعد وفاته في الجواز؟ قلنا: الفرق أن في حال الحياة هو من أهل الإذن وبعد الموت خرجَ أن يكون من أهله، ولا يشبه الدين لأنه لا يفتقر قضاء الدين إلى النيّة بخلاف الحج، فلا يجوز أداؤه من غير نيته إذا كان هو من أهل النية، ويجوز إذا لم يكن هو من أهل النية، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا مات سقط عنه الحج، ولا يحج عنه إلا أن يوصي فيحج عنه من يليه، وقيل: إنه قول للشافعي لأنه عبادة بدنية، وهو غيريب وبقولنا المشهور، قال أحمد والثوري وإسحاق: والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا قال: يا رسول الله إن أختي نذرت وماتت قبل أن تحج، أفأحجّ عنها؟ فقال: «لو كان على أختك دين أكنت قاضيه»، قال: نعم: قال: «فاقضوا الله تعالى فهو ¬

_ (¬1) أخرجه الدارقطني (2/ 222). (¬2) أخرجه البخاري (3595)، وأحمد (4/ 257، 378)، والدارقطني (2/ 221)، والطبراني في «الكبير» (17/ 69).

أحق بالقضاء» (¬1)، وروى بريدة قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحجّ عنها؟ قال: «نعم حجّي عنها» (¬2). مَسْألَةٌ: قالَ (¬3): وإن كان عام جدبٍ أو عطشٍ. الفَصْلُ قد ذكرنا أن وجُود الزاد شرط في وجوبه، فإذا كان في الطريق [17/ ب] قحط لا يوجد فيه الزاد والماء، وعلف الراحلة لا يجب الحج ويعتبر وجود الزاد في البلاد التي جرت العادة بحمل الزاد منها مثل بغداد والكوفة، والبصرة ويعتبر وجود الماء في المراحل التي جرت العادة بحمل الماء منها مثل الواقصة والزبالة والثعلبية. وقيل: وسائر المراحل، فإن كان لا يجد الماء في المنازل، ولكنه يجده في أقرب البلدان إليه لا يلزمه لأن العادة لم تجر بنقل الماء من أقر البلدان إليه لأن الحاجة إليه أكثر ويفارق الزاد والراحلة، لأن العادة جرت في نقله. وعلف الدواب والماء الذي يشربه حكمه حكم الماء في حق الناس فينبغي أن يوجد ذلك في كل منزل، أو منزلين، فأما إن كان لا يجده في المنازل بحال، فغير واجد، وإن كان يجده في أقرب البلدان إليه لأنه العادة، وهذا إذا كان على مسافة يشق نقل الماء بجميعها، ونقل علف البهائم لجميعها، فأما إن كانت المسافة على صفة لا يشق نقل لجميعها، ونقل علف البهائم لجميعها مثل أن يكون بينه وبين مكة عشرون أو ثلاثون فرسخًا يلزمه ذلك، وكذلك إذا وجده في أقرب البلدان إليه فقد وجده، وإن كان لا يجده في شيء من هذه البريّة، فالماء ههنا كالزاد في بعد المسافة، وإن كان الزاد موجودًا، ولكنه لا يباع من الحاج إلا بأكثر من ثمن مثله في ذلك الموضع لا يلزمُهم أن يشتَروهُ، ولا يجبُ عليهم الحج كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة، كما في ماء الطهارة والرقبة في الكفارة، وهكذا في حكم الماء إذا وجد بأكثر من ثمن مثله، ولو كان ثمن مثله، ولكن السعر عالٍ يلزمه إذا وجد ثمنه، ولا يجب إذا لم يجد إلا كفاية الرخص والخصب. وقول الشافعي: أو لم يقدر [18/ أ] على ملا بدّ منه. أراد به السطيحة والقربة والحبل والمزود التي لا بدّ منها في طريقه فقد ذكرنا حكمه. وأمّا قوله: أو كان خوف عدوٍّ. أراد عدوًا يقصد نفسه أو ماله، وإن قل حتى قال الشافعي ما هذا معناه: أنه لو خرج عليه من لا يخليه إلا بدرهم يبذله لم أحب له أن يبذل وله أن ينصرف، ويكره ذلك لما فيه من الصغار، ولا يحرم البذل لأنه كالهدية لهم، وإن كان هذا الطلب من المسلم، فظاهر المذهب لأنه لا يكره له البذل لأنه يكره في المشركين لأنه يضارع الجزية، وهذا غير موجود ههنا، وإن كان قد أحرم كان له أن يحل كالمحصر. وقال بعض أصحابنا: لو كان في طريقه رصدي يأخذ عن جمله شيئًا، وإن قل كدانق لا يلزمه الحجّ لأنه يتعوّد ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (1/ 345)، والدارمي (2/ 24، 123)، والبيهقي في «الكبرى» (6/ 277). (¬2) أخرجه مسلم (157/ 1149)، والترمذي (929). (¬3) انظر الأم (2/ 97).

الأخذ ويوكله الحرام، ولا يجوز ذلك، وهذا لو وجب حمل اليسير لوجب حمل الكثير أيضًا عند الإمكان، وهو يؤدي إلى ما لا سبيل إليه. ولو دفع الإمام شيئًا من مال بيت المال إلى قوم ليدفعوا اللص عن الطريق جاز لأنه من المصالح، وكذلك لو دفع واحد من الرعية من ماله خاصة، ولا يكره ذلك وله فيه ثواب كثير. ولو كان يجن ويفيق فدامت إفاقته، وله مال إلى أن خرج حجاج بلده وفرغوا من الحج حكمنا باستقرار وجوب الحج عليه، فإن جنّ في خلال ذلك حج عليه، ولو كان سفيهًا مبذرًا، وله مال، فالحجّ يلزمه وعلى الولي أن يخرج به إلى الحج أو يستأجر من يحمله إلى الحج ولا يدفع المال إليه، بل ينفق عليه ذلك الأمين المشرف عليه. مَسْألَةٌ: قالَ (¬1): ولا يتبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر للحج. الفَصْلُ إذا كان بينه وبين مكة بحر [18/ ب]، ولا طريق له في البر، فقد قال الشافعي ههنا: ولا يتبين لي أن أوجبه عليه، وهكذا قال في «الأم» لأن الأغلب من ركوب البحر الهلكة، وقال في «الإملاء»: واجب لمن قدر على المشي أن يمشي، وكذلك إن قدر على ركوب البحر، ولا يجب عليه إلا أن لا يكون له طريق أبدًا إلا في البحر، ويكون طلب معاشه في البحر فيكون هذا سكن مسكنًا طريقه في البحر كطريق أهل البر في البر». وقال في موضع آخر: وإذا اتّجر قومٌ في بحر، وكانت تجارتهم ومعاشهم فيه فلا يتبين لي إن أسقط عنهم فرض الحج، فمن أصحابنا من قال: في المسألة قولان: أحدهما: لا يلزمه لأن خوف البحر كخوف العدو أو كثر، وبه وصف الله تعالى أمر البحر في كتابه في مواضع. والثاني: يلزمه؛ لأن الناس يتعودونه، والغالب منه السلامة، فهو كالبرّ، ولا فرق على هذه الطريقة بين أن يكون بحرًا، أو نهرًا عظيمًا يحتاج فيه إلى ركوب السفينة وبين أن يكون قد تعود ركوب السفينة، أو لم يتعود لأن الخوف موجودٌ كما لو كان في الطريق عدو، لا يلزمه سواء كان الرجل جبانًا، أو شجاعًا، وإن اضطرب البحر في ذلك الوقت وتموّج بخلاف العادة لا يجب عليه ركوبه قولًا واحدًا لأن الغالب الهلاك في هذا الوقت، ومن أصحابنا من قال: هذا على اختلاف حالين، فإن كان الغالب الهلاك مثل البحار الكبار، فلا يجب وإن كان الغالب السلامة مثل الأنهار العظام والبحار في بعض المواضع يجب، وهو ظاهر عليه في الأمر، وهو اختيار أبي إسحاق والاصطخري. وبه قال أبو حنيفة. ومن أصحبانا من قال: هذا على اختلاف حالين من وجه آخر، فإن كانت عادته ركوب البحر ومعيشته [17/ ب] فيه يلزمه، وإلَّا فلا وأشار إلى هذا في «الإملاء». قال في «الحاوي» (¬2): هذا هو المذهب. ومن أصحابنا من قال على حالين من وجه آخر، فإن كان أهل جزيرة في البحر، وطريقه في البحر كطريق أهل البر في البر لا يخاف الغرق أسلمه بالسباحة وحدته في ذلك، وصار ذلك انتقاله، وعادة تلزمه، وإلا ¬

_ (¬1) انظر الأم: (2/ 98). (¬2) انظر الحاوي للماوردي (4/ 18).

فلا. وقيل: إن كان الغالب الهلاك لا يلزمه قولًا واحدًا، وإن كان الغالب السلامة، فقولان، وقيل: قول واحد لا يلزمه ركوب البحر، وتأويل قوله: إلا أن لا يكون له طريق أبدًا إلا في البحر أنه إن خرج إلى الشطّ الذي يلي مكة، وأدرك الوقت فقد لزمه، ولا يسقط عنه بعد ذلك بعوده إلى وطنه، ذكره القفال: وأراد إذا دنا من الشطّ الذي يلي مكة، فيلزمه أن يجري السفينة إلى ذلك الجانب. قال هذا القائل: وعلى هذا لو توسط البحر لا للحج بحيث يكون الماء أمامه مثل ما هو خلفه هل يجب عليه الحج؟ وجهان: أحدهما: لا يجب لأنه يؤدي إلى وجوب ركوب البحر للحج. والثاني: يجب وهو الأصح؛ لأن قدامه ووراءه والجوانب كلها استوت في الخوف فيجب كما لو استوت الجوانب كلها في الأمن. والوجهان يبنيان على أنه إذا أحاط به العدو من الجوانب الأربعة، هل له أن يحلل من إحرامه؟ وجهان. فَرْعٌ قال أبو حامد: إذا قلنا: لا يلزمه يستحب له ركوبه إن كان رجلًا وإن كان امرأة، فهل يستحب لها؟ قولان: أحدهما: يستحب لها كالرجل. الثاني: لا يستحب لها لأنها عورة. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال الشافعي في موضع: «يستحب»، وقال في موضع: «لا يستحب لها» فالمسألة على حالين، فإن كانت تحتاج [19/ ب] إلى عبور نهرٍ كجيحون يكون مدةً يسيرة، فيستحب لها، وإن كانت تحتاج إلى ركوب البحر أيامًا لا يستحب لها لأنها لا تخلو عن التكشف في قضاء الحوائج والطهارة والصلاة. فَرْعٌ آخرُ قال القفالُ: إذا لم نوجب ركوب البحر على الرجال فالنساء أولى، وإذا أوجبنا عليهم فهل يجب على النساء؟ قولان منصوصان: أحدهما: لا يجبُ، وبه قال مالك، لأنهن عورةٌ على ما ذكرنا. والثاني: يجب كالرجال وهذا غريبٌ لم يذكره أهل العراق. ولو كان له طريق في البحر وطريق في البرّ يلزمه الحج قولًا واحدًا، وإن كان أطور طريق إذا كان له كفاية ذاك الطريق. فَصْلٌ المرأة كالرجل في أن الحج يلزمها إذا وجدت الشرائط التي ذكرناها في الرجل، فإذا وجدت الاستطاعة والأمن وجب الحج عليها، ولها أن تحجّ من غير محرم، واشترط الشافعي صحبة النساء الثقات في حقها، فمن أصحابنا من قال: هو استحباب أو أراد إذا لم يحصل الأمن إلا بصحبة النساء الثقات، وهو الأقيس والصحيح، وبه قال الأوزاعي لخبر عدي بن حاتم الذي ذكرنا. وذكر الكاربيسي عن الشافعي أنه إذا كان الطريق آمنًا جاز لها أن تخرجَ وحدها. ومن أصحابنا من قال: لا تخرج إلا أن يكون في الصحبة امرأة ثقة لئلا يخلو بها رجل، وهذا أشبه بكلام الشافعي نصّ عليه في «الإملاء». وقال مالك: لا تجب إلا أن يكون هناك صحبة نسوة ثقات. وقال أبو حنيفة

وأحمد لا عبرة بالنسوة الثقات ولا يلزمها إلا مع زوج أو ذي رحم محرم، وربما يقولون: يجبُ من غير وجود المحرم، ولا يلزم الخروج إلا مع المحرم [20/ أ]، وكذا عن أحمد في رواية، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ لامرأة مسلمة أن تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها» (¬1)، وبهذا قال النخعي والحسن وأحمد وإسحاق وهو اختيار أبي سليمان الخطابي. وهذا غلط لظاهر الآية وهي تصير مستطيعَة بما ذكرنا، والخبر محمول على سفر التطوع، أو إذا لم يحصل الأمن إلَّا به، وقال القفالُ: لا بدّ أن يكون لإحداهن محرم حتى إذا استعانت هذه بتلك استعانت تلك بمحرمها، لأنه إذا لم يكن لإحداهن محرم، فكثرة النساء زيادة عورة وضعف، فلا يجوز لهن الخروج. وهكذا حكم الخلوة، فإن نسوة لو خلون برجل وإحداهن برجل وإحداهن محرم له جاز، وإلا فلا، وكذلك لو خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز، وإلا فلا حتى لو خلا عشرون رجلًا بعشرين امرأة وإحداهن محرم لأحدهم كفي ذلك، وقد نصّ الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنساء مفردات، فيصلي بهن إلا أن تكون إحداهن محرمًا له، وهذا حسنٌ، ولكنه خلاف النصّ. والدليل على صحة اعتبار الجمع منهنّ أن أطماع الرّجال ينقطع عنهُن إذا كثرن وصرن جماعة، فيحصل الأمن لهنّ، ولا يؤدي إلى الفساد، وهذا معروف العرف المستقيم الجاري. فَرْعٌ قال أبو حامدٍ: لا تخرج في السّفر المباح إلا مع محرمها، ولا تخرج مع النسوة الثقات نصّ عليه، وهو المذهب لأن سفر الحج آكد لكونه فرضًا من غيره، ومن أصحابنا وجهًا آخر أنه وسفر الفرض سواء، وليس بشيء، وقال القفال: جميع الأسفار في هذا سواء، ومذهب الشافعي أنه لا يشترط المحرم في شيء منها، وهذا أصحّ، [20/ ب] وأقيس عندي. فَرْعٌ آخرُ لو كانت المرأة في دار الحرب عليها أن تهاجر إلى دار الإسلام وحدها ومع محرم سواء كانت الطريق مسلوكة أو لا، إن أمكنها ذلك بخلاف الخروج للحج، لا يلزم إذا كانت الطريق، غير مسلوكة؛ لان ذلك انتقال من الخوف لقصد الأمن فلا بأس، وإن كان الخوف في الطريق والسفر إلى الحج انتقال من الأمن فلا يجب إلا أن يكون الأمن موجودًا في الطريق. مَسْألَةٌ: قالَ (¬2): وروي عن عطاء وطاوس أنهما قالا: الحجة الواجبة من رأس المال، قال: الحجة الواجبة من الميقات لا من بلده لأن الحج إنما يجب من الميقات، وما وراءه فإنما هو نسب إليه، فبعد الموت يقضي عنه من ذلك الموضع واستأنس الشافعي في ذلك بقول عطاء وطاوس رضي الله عنهما، ثم قال: وهو القياس ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1995)، ومسلم (413/ 1338). (¬2) انظر الأم (2/ 99).

يريد به أنه دين عليه، والدين يقضى من رأس المال أوصى أم لم يوص كديون الآدميين، وفي هذا الذي ذكره بيان أن الحج والعمرة في الاستئجار سواء عليهما كما أنهما في الأركان وأحكام المحظورات سواء ثم ينبغي أن يستأجر عليه بأقل ما يوجد لأنه تصرف على الظاهر، وظاهر الشافعي بأقل ما يوجد من ميقاته يدلّ على أن عين ميقاته شرط في الحج، وليس المذهب على ما يقتضيه ظاهر اللفظ ومراد الشافعي بهذه العبارة، إما من عين ميقات بلد ذلك الميت، وإما أن يتحرى مقدار تلك المسافة التي بين ميقات الميت وبين مكة، فيحرم متيامنًا لذلك الميقات أو متياسرًا، ولو أحرم قبل محاذاته زاد خيرًا، ولا يجوز مجاوزته، ولو مرّ هذا الأخير على ميقات غير ميقات بلد الميّت [21/ أ] لم يجز له مجاوزته بغير إحرام سواء كان ذلك الميقات مثل ميقات الميت من المسافة أو أطول من ميقات الميت، فأما إذا مرّ على ميقات قريب من مكة، وميقات الميت أبعد منه مثل أن يكون الميت من أهل المدينة، وأحرم أحد من يلملم كان تاركًا لبعض الأمر لأن ما بين ذي الحليفة ومكة أضعاف ما بين يلملم ومكة، وإذا ترك بعض النسك، فماذا يكون حكمه؟ سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا ظاهر المذهب، وقال الشافعي في موضع آخر: قد قيل هذا، وقيل: إنه إن لم يوص به لا يحج عنه، وإن أوصى حجّ عنه من الثلث فحصل قولان، وهذا غير صحيح عندي، وقوله: وقيل كذا حكاية مذهب أبي حنيفة. فَرْعٌ النذور والكفارات وما وجب عليه باختياره فيه قولان: أحدهما: يخرج من رأس المال كالحج الشرعي، وهو الصحيح. والثاني: يخرج من الثلث لأنها أضعف حالًا مما وجبَ شرعًا، وهذا يبطل بالدين، فلا يصح القول به. وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان هذا الإيجاب في مرضه، فهو من التلف، وإن كان في الصحة، فقولان مشهوران: أحدهما: من الثلث لأنه متهم في التزامه في حق وارثه لأنه مطالب به في الدنيا. فَرْعٌ آخرُ إذا ضاق المال عن ديون الآدميين، وحجة الإسلام فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: يقدم حجة الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: «فدين الله أحقّ أن يقضى». والثاني: يقدم الدين. والثالث: يقسم بالحصص. فَرْعٌ آخرُ إذا أوصى في الحج الواجب أن يؤدي من الميقات من الثلث، [21/ ب] فمعلوم أنه لو لم يرض به لكنا نأمره بذلك من رأس المال، ففائدة قوله: من الثلث أنه يزاحم أهل الوصايا بإدخال النقص عليهم، ثم إذا أصاب الحج قدر لا يكفي للحج من الميقات جبر ذلك بشي من رأس المال حتى يتم المال الذي للحج.

فرع آخر لو قال: يحج عني من بلدي من ثلثي فإنه يزاحم أهل الوصايا مما يصيبه أحج عنه رجل من حيث يبلغ ويفي به المال إلا أن لا يفي من المقيات لقلة ما أصابه بسبب كثرة الوصايا، فحينئذ يكمل من رأس المال. فرع آخر لو قال: يحج عني من بلدي ولم يقل: من الثلث، وقدر الحج من الميقات من رأس المال، وما من البلد والميقات يزاحم به أهل الوصايا فما يخصه يضم إلى ما أخرج للحج من الميقات ويحج عنه من حيث بلغ. فرع آخر إذا أوصى بحج التطوع وجوزنا يكون من الثلث، وهل يقدم على سائر الوصايا؟ قولان: كالعتق هل يقدم على الوصايا؟ قولان: أحدهما: يقدم لما فيها من القربة. والثاني: وهو الأصح لا يقدم فرع آخر إذا قلنا: لا يقدم فإن كان ما يخصه يكفي للحج من الميقات يفعل ذلك، وإن كان لا يكفي بطلت الوصية، وتبقى سائر الوصايا لأن الحج لا يتبعض بخلاف العتق، فإنه يتبعض فيعتق بما يخصه ثلث العبد أو نصفه. مسألة: قال (¬1): ولا يحج عنه إلا من أدى الفرض مرة. الفضل لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ويسمى ضرورة وكانوا يسمون بهذا الاسم في الجاهلية. قال الشافعي في "الأم": وأكره أن يقال ضرورة، وهذه كراهية تنزيه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صرورة في الإسلام" (¬2)، وروى أنه نهى أن [22/أ] ويسمى المسلم صرورة (¬3). ومعنى الخبر أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من الناس يستطيع الحج فلا يحج حتى لا يكون صرورة في الإسلام. وقيل: معناه أن الصرورة إذا شرع في الحج من غير صار الحج عنه ليحصل معنى التقى فلا تكون صرورة، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وروى ذلك عن ابن عباس. الصرورة: الرجل الذي انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب الرهبانية والنصارى. وعن أحمد رواية أنه لا يقع ذلك عنه ولا عن غيره. وقال أبو حنيفة ومالك نحو ذلك، ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 42). (¬2) أخرجه أحمد (1/ 312)، وأبو داوود (1729)، والحاكم (1/ 448)، والبيهقي في "الكبرى" (9768). (¬3) أخرجه البهيقي في "الكبرى" (9769).

ويقع عن غيره، وبه قال الحسن وعطاء والنخعي. وقال سفيان الثوري: إن أمكنه أن يحج عن نفسه ليس له أن يحج عن غيره، وإن لم يمكنه ذلك يجوز له أن يحج عن غيره. وهذا غلط لما ذكرنا من خبر شبرمة، وروي فيه: "اجعل هذا عن نفسك ثم حج عن شبرمة". وأدعى أصحاب أبي حنيفة بأنه مرسل غير متصل، وأن هذا القصة جرت بين ابن عباس وبين شبرمة لا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين شبرمة، لأن الشافعي روى ههنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا غير صحيح، لأن الشافعي رواه موصولا، وذلك أنه قال: عن ابن عباس أنه سمع رجلاً، والهاء من قوله أنه كناية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن ابن عباس، ولو قال: وروى ابن عباس أنه سمع رجلاً لكان كلاماً مستقيماً، فحسنت هذه الكناية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: الظاهر من لفظ "المختصر" أن الشافعي وقفه على ابن عباس، ووجه دفع هذا السؤال أن يقال: قد روى جماعة هذا الخبر عن ابن عباس موقوفاً، ورواه أبو قلابة عن ابن عباس مرفوعاً فثبت مسنداً. فإن قيل: [22/ب] وهل تتفق قصتان لشبرمتين تتفقان من أولهما إلى آخرهما فهذا نوع يضاد الرواية. قلنا لا ندعي قصتين لشبرمتين، ولكنا متى وجدنا حديثاً يرسله بعد الرواة ويسنده بعضهم، والحديث حديث واحد، فمتابعة المسند أولى من متابعة المرسل، لأنه إثبات زيادة والزيادات في أسانيد الأخبار ومتونها مقبولة عن الثقات بالإجماع. فرع قال أصحابنا: ويستحب أن يحج بعد حجة الإسلام حجة ثانية عن نفسه ثم يشتغل بالنيابة عن غيره ليكون قد قدم نفسه في الفرض. فرع آخر إذا حج عن نفسه حجة الإسلام ولكن عليه حجة أخرى، أما بالنذر أو بالقضاء لا يجوز له أن يحج عن غيره، فإن حج انصرف ذلك إليه ولا أجرة له. فرع آخر لو كانت عليه حجة الإسلام وحجة منذورة لم يجز له تقديم الحجة المنذورة على حجة الإسلام، فإن أحرم بالمنذورة أولاً انعقد عن حجة الإسلام، وهكذا إذا مات فاستأجر وليه من يحج عنه الحجة المنذورة قبل حجة الإسلام وقعت عن حجة الإسلام دون المنذورة، وتقدم حجة القضاء على المنذورة على هذا الوجه الذي ذكرنا، وتقدم حجة الإسلام على حجة القضاء أيضا، وإنما يتصور اجتماع حجة الإسلام وحجة القضاء في مسألة واحدة لا نظير لها، وهي أن يحرم العبد البالغ بحج ثم يجامع، فإذا أكمل أفسده وعتق ووجد مالاً تجب حجة الإسلام والقضاء في ذمته قبل ذلك. فرع آخر إذا قلنا العمرة واجبة فحكمها حكم الجمع فيما ذكرنا، فإذا كانت عليه عمرة الإسلام لا يعتمر عن غيره، فإن اعتمر عن غيره كانت عنه، وإن حج ولم يعتمر له إن يحج عن غيره ولا يعتمر [23/أ] عن غيره، ولو اعتمر ولم يحج، له أن يعتمر عن

غيره، ولا يحج عن غيره. فرع آخر من حج عن نفسه ولم يرد به فرضاً لا يجوز له أن يحج عن غيره، كالعبد والصبي لأنهما ليسا من أهل الفريضة، وقال أبو حنيفة في العبد: يجوز ذلك. فرع آخر إذا استأجر عبداً ليحج عنه حجة النذر، فإن قلنا: يسلك به مسلك النفل يجوز وإن قلنا يسلك به مسلك القرض لا يجوز وفي هذا نظر لأن العبد لو نذرها وحج بإذن سيده يجوز، فهو من أهل أداء الحجة المنذورة، فيجب أن يجوز له أداؤها عن الغير. فرع آخر قال في "الجامع الكبير": قال الشافعي: لو كان قد حج عن نفسه، ولم يعتمر فحج عن غيره واعتمر أجزأه الحج دون العمرة، قال المزني: هذا غلط، لأنه إذا قرن بينهما فقد تداخلا وصارا كالعبادة الواحدة، فلا يجوز أن يقع بعضها عنه، وبعضها عن غيره، فيقعان عنه. قال أصحابنا: الأمر على ما ذكره المزني، ولم يرد الشافعي به إذا قرن بينهما، وإنما أراد به إذا أفرد فحج، ثم اعتمر عقيبه، فيكون الحج عن غيره والعمرة عن نفسه. فأما إذا أقرن بينهما جميعاً، فيقعان عنه لأن القران كالنسك الواحد عند الشافعي. فرع آخر لو استأجر ضرورة لأداء الحج ولم يعين العام الذي يحج فيه، بل ألزم ذمته ذلك يجوز، فيحج عن نفسه في هذا العام، ثم بالإجارة عاماً آخر فرع آخر ذكره والدي إذا قال: إذا كلمت فلاناً فلله على أن أحج فكلمه، فهو مخير في القول الصحيح بين الوفاء وبين الكفارة باليمين، وكان حج حجة الإسلام له أن يحج عن غيره ههنا قبل اختياره أحد الأمرين أم لا؟ يحتمل أن لا يجوز لأنه لو حج وأطلق النية [23/ب] صح عن المنذور، فإذا كان حجه عند الإطلاق يتصرف لم يكن له أداء حج عن غيره، ويحتمل أن يجوز لأنه لم يتعين عليه، وعندي الأول أقيس. فرع آخر قال أيضاً: إذا كانت على العبد حجة النذر، فصار معصوباً هل يجوز للحر أن يحج عنه إذا حج حجة الإسلام أم لا؟ يحتمل جوازه، لأن قضاء الدين عن العبد صحيح بصحته عن الحر، ويحتمل أن لا يجوز، ولو مات هذا العبد هل يحج عنه المنذور؟ إن أوصى به جاز، وإن لم يكن أوصى فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز.

والثاني: يجوز كما يجوز لوارث الحر أن يحج عنه حج الفرض، وإن لم يترك مالاً، ولم يوص به والسيد في العبد كالوارث في الحر، فإذا قلنا: يجوز أن يحج عنه، فإن حج السيد عنه صح، وإن حج غيره عنه، فإن كان بإذن السيد صح، وإن كان بغير إذنه فيه وجهان، وأصل هذا أن الحر إذا مات فحج عنه أجنبي بغير إذن الوارث فهل يصح عنه؟ فيه وجهان، وأصل الوجهين في الأصل أن خيار الثلاثة ينتقل من الحر إلى وارثه قولاً واحداً، وهل ينتقل من المكاتب إلى سيده بموته؟ وجهان. فرع آخر وقال أيضاً: إذا قلنا: العمرة غير واجبة هل يجوز فعلها من الغير، وقبل فعلها عن نفسه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن العمرة على هذا القول كحجة التطوع وتصح النيابة فيها، قبل فعلها عن نفسه بعد أداء الفرض كذلك القول في العمرة. والثاني: لا تجوز لأن العمرة إحدى نسكي القران، فلا يجوز فعلها عن الغير، قبل فعلها عن نفسه كالحج. فرع آخر وقال أيضاً: إذا حج حجة الإسلام ثم نذر أن يحج في العام الثالث هل يجوز له في العالم الثاني [24/ أ] أن يحج حجة التطوع أو يحج عن غيره؟ له ذلك، لأن حجة الإسلام سقطت عنه والمنذور لم يتوجه عليه، فكان له التطوع في الحج عن الغير كما لو لم يوجد منه هذا القول، وقيل: يجوز له أن يتطوع بالحج، ولا يجوز له أن يحج عن غيره لأن حجة النذر غير واجبة في العام الثاني ولها حالة الوجوب، في العام الثالث فصح في العام الثاني. إذ التطوع وإن لم يصح الأداء عن الغير كالصبي يجوز لهما أداء حج التطوع لا فرض عليهما، ولا يجوز لهما أن يحجا عن غيرهما لأن لهما حالة وجوب حجة الإسلام. فرع آخر وقال أيضاً: إذا قلنا: يلزم الإحرام لدخول مكة، وإذا ترك لا قضاء على قول ابن أبي أحمد حتى يصير خطاباً هل يجوز له أن يحج عن الغير أم يتطوع قبل أن يصير خطاباً؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز لأن الفرض لازم عليه، ولكنه لا يتمكن من تحصيله في الحال ألا ترى أنه إذا صار خطاباً يلزمه القضاء؟ والثاني: يجوز لأنه لو لم يجز عن حجة التطوع وعن الغير وجب أن يصح عن الفرض كما في الفقر الذي حج حجة الإسلام إذا نذر حجاً ثم تطوع أو حج عن الغير ما لم يصح عما نواه لأجل الفرض صح عن الفرض فلما لم يصح ههنا عن القضاء وجب أن لا يكون وجوب القضاء في ذمته مانعاً من التطوع والنيابة عن الغير، وهذا أوضح لأن الأول يؤدي إلى أن لا تصح حجة هذا الرجل ما لم يصر خطاباً لأن إحرامه لا يصح عن القضاء أيضاً، ويبعد أن لا يصح حج العاقل المسلم البالغ ما لم يصر.

خطاباً، فإذا صح هذا فليس على أصلنا مسلم صح التطوع فيها بالحج والنيابة مع وجوب الفرض عليه إلا في هذا الموضع. فرع آخر [24/ب] إذا نظر حجاً في عام معين، وكان حج حجة الإسلام، فلم يحج في ذلك العام ثم نذر حجاً آخر فهل عليه أن يقدم حجة القضاء أم له الإتيان بالمنذور ثانياً؟ قال والدي رحمه الله: عندي له أن يأتي بحجة القضاء وله الإتيان بالمنذور الثاني، لأن كل واحد منهما واجب عليه بالنذر، فلو منع القضاء من الثاني لمنع الثاني من القضاء، فيؤدي إلى أن لا يمكن تحصيلهما، وهذا محال. ويفارق هذا حجة الإسلام مع حجة النذر لأن إحديهما وجبت بإيجاب الله تعالى على الانفراد، فيكون أكد وتقدم الأكد واجب وفي هذا الموضع هما واجبان بإيجابه ونذره، فاستويا في القوة، ويحتمل أن يقال: يقدم حجة القضاء لأنها استوت وجوباً، وللسابق في الأصول مزية. فرع آخر وقال أيضاً: إذا نذر العبد حجاً فشرع فيه ثم اعتق في أثنائه، فإن كان قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، وإن كان بعد الوقوف صح عن النذر اعتباراً بما لو اعتق في أثناء حج التطوع ووجه الجمع أن تقديم حجة التطوع على حجة الإسلام لا يجوز، ولذلك تقديم حج النذر عليها لا يجوز، فلما وجب في أحديهما صرف الإحرام إلى حجة الإسلام إذا كان العتق قبل الوقوف كذلك القول في الآخر مثله. فرع آخر وقال أيضاً: إذا شرع في حجة النفل، ثم نذر حجاً فإن كان بعد الوقوف لا ينقلب إلى المنذور وإن كان قبل الوقوف فيه وجهان: أحدهما: ينصرف إلى المنذور كما لو شرع العبد في حج التطوع ثم اعتق قبل الوقوف انصرف إلى حجة الإسلام، ولا فرق بين طريان وجوب المنذور وبين طريان وجوب حجة الإسلام، لأن [25/ أ] كل واحد منهما من فعل تطوع الحج. والثاني: لا ينصرف إليه لأنا لو صرفناه إليه وجب القول بأن الإحرام انعقد عن النذر، وهذا محال لأن إحرام المنذور لا يسبق النذر بحال فيبقى عن التطوع كما كان، ويفارق حجة الإسلام لأن فعلها قبل وجوبها صحيح في الجملة، فأمكن القول بأن الإحرام انعقد عنهما حكماً، وإن لم يكن واجب عليه في تلك الحالة، وهذا واضح. وقيل: هذا بناء على أن الصبي إذا أحرم، ثم بلغ هل ينقلب فرضاً في الوقت؟ إن تبينا أن إحرامه انعقد فرضاً، فالنذر لا يمكن إفساده، فلا يحتسب به عن النذر ومن قال بالأول كان يفترض على هذا، فيقول: حالة العبودية ينافي حجة الإسلام، كما أن قبل النذر الحالة حالة تنافي المنذور، فإذا جاز في إحداهما أن يجعل كأن الإحرام وقع بحج الإسلام، وإن لم تكن تلك الحالة وقتاً لأداء حج الإسلام وجاز في الآخر أن يجعل لأن الإحرام وقع بحج النذر، وإن لم تكن تلك الحالة وقتاً لأداء المنذور ولا فصل بينهما.

فرع آخر قال: لو نذر حجاً بعدما شرع في الحج عن غيره، وكان حج الإسلام لم ينصرف الحج إليه، وإن كان مثل الوقوف لأن الحج إذا انعقد عن شخص لا ينصرف إلى شخص آخر، ويفارق هذا إذا شرع في حج النفل، ثم نذر حجاً حيث صرفنا إلى المنذور في أحد الوجهين، لان جواز ذلك في حق الشخص الواحد لا يدل على جوازه في حق الشخصين ألا ترى أن الصبي إذا بلغ في أثناء الصلاة انصرفت إلى الفرض ويستحيل ذلك في شخصين لامتناع النيابة فيها. فرع آخر إذا كانت عليه حجة الإسلام، فقال: لله على أن أحج هذا العام [25/ب] إن شفي الله مريضي لم يصح النذر، لأن هذا العام متعين لحجة الإسلام لا يجوز إيقاع غيرها فيه، فلا يصح نذر حج آخر فيه، كما لو نذر صوماً في رمضان لم يصح النذر، ولو نذر، ولو نذر حجاً في عام، ثم نذر حجاً آخر في ذلك العام، وكان حج حجة الإسلام فيه وجهان: أحدهما: عليه حجة واحدة. والثاني: تلزمه حجتان. وهما مبنيان على أن العام الذي عينه بالنذر لحجة هل يجوز إيقاع حجة أخرى منذورة فيه؟ وفيه وجهان. فرع آخر قال: إذا بقيت عليه ركعتا الطواف، وقلنا: هما واجبتان وفرغ من سائر أعمال الحج هل يجوز له أن يحرم عن الغير؟ عندي أنه يجوز، ويجوز أيضاً أن يحرم عن نفسه بحجة التطوع، لأن بقاء الصلاة عليه لا يمنع من النيابة والتطوع، فكذلك واجبة بالشرع، ومنذور الصلاة لا يمنع النيابة، فكذلك واجبه شرعاً بحق الإحرام. فرع آخر قال: إذا أحرم عن المعصوب بحجة النفل في أصح القولين فنذر المعصوب بالحج قبل وقوف النائب بعرفة، فهل ينصرف ذلك الحج إلى المنذور أم لا؟ فيه وجهان مبنيان على أن الشارع في التطوع لنفسه إذا نذر الحج هل ينصرف إليه؟ وجهان. وهذا لأن الإحرام عن المعصوب كإحرام المعصوب بنفسه، ولو كان متمكناً من الحج بنفسه. فرع آخر إذا بذل الطاعة لأحد أبويه، فلزمه أداء الحج لو أراد أن يحج عن غيره، قال بعض أصحابنا: يجوز لأنه الأداء بنفسه لأنه إن شاء فعله بنفسه، وإن شاء استأجر غيره ليحج عنه، ونظيره أن يموت على حج، ثم أراد الوارث [26/ أ] الحج عن غيره قبل فرض الميت كان له ذلك، فكذلك فيما ذكرناه. فرع آخر قال: إذا ارتد بعد وجوب الحج عليه واستقراره لم يسقط عنه، فلو مات على الرد يحتمل أن يقال: يقضي عنه كالزكاة، والأقوى أنه لا يقضي عنه لأن الحج عبادة على

باب تأخير الحج

البدن فمن شرطها أن يقع قربه، ولا يحصل ههنا، لأن المرتد ليس من أهل القرية، والحج يقع عنه والزكاة حق المال قد يستوفي على طريق الغرامة كما يستوفي قربة. فرع آخر قال: إذا بذل الطاعة لوالده، وقلنا: ليس له الرجوع، فلو بذل الوالد الطاعة لوالده يجب الحج على الابن في أصح الوجهين، وهل للأب الرجوع؟ وجهان: أحدهما: لا يرجع كالابن فيما ذكرناه. والثاني: له الرجوع كما يرجع في الهبة بعد إبرامها بالقبض بخلاق الابن. ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن للأب حقاً في مال الابن بالنفقة والإعفاف أو الولاية، فصح إثبات الرجوع له في الهبة على الاختصاص، ولا دخل للأب في حج الابن، فلا رجوع له كما يرجع الابن. مسألة: قال (¬1): وكذلك لو أحرم تطوعاً وعليه حج. الفضل من عليه فرض الحج إذا أحرم به ينوي تطوعاً يقع عن فرضه، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: يقع تطوعاً، وهذا غلط لأنه لو أطلق الإحرام يقع عن فرضه في رواية الأصول، فكذلك إذا قيد بالنفل لأن إطلاق النية كالمقيد في هذا الباب ألا ترى أنه لو أطلق الإحرام بالصلاة، وعليه فرضها يقع عن النفل كما لو قيد بالنفل؟ وكذلك لا يجوز أن يتطوع بالعمرة، وعليه فرضها، فإن أحرم بها بنية التطوع [26/ب] وقع عن الفرض. باب تأخير الحج مسألة: قال (¬2): أنزلت فريضة الحج. الفضل وقت الحج عندنا موسع وهو ما بين أن يحيا إلى أن يموت، فإن حج بنفسه فقد أدى الفرض في وقته، وإن مات قبل أن يحج، وكان مستطيعاً للحج، فقد مات عاصياً والمستحب تعجيله بلا أشكال. وبه قال الثوري والأوزاعي ومحمد، وقال مالك وأحمد وأبو يوسف: هو على الفور فيجب على من قدر أداءه، فإن أخره أثم وعصى، وهو اختيار المزني، وقال الكرخي: مذهب أبي حنيفة أنه على الفور، وقيل: لا نص فيه عنه، وأصحابه يقولون: مذهب مثل مذهب أبي يوسف، وهو اختيار المزني إلا أن عند مالك إذا أخره عن السنة التي وجب فيها، ثم حج في غيرها صار قاضياً كمن أخر الصلاة عن وقتها، وعندهم متى حج في عمره يكون مؤدياً لا قاضياً. وأصل هذه المسألة أن الأمر المطلق هل هو على الفور أم التراخي؟ واحتج الشافعي بأن قال: "أنزلت فريضة الحج بعد الهجرة" يريد قوله تعالى: {آمِنًا ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ} [آل عمران: 97]، الآية، فإنها مدنية، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج يريد سنة ثمان ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 44). (¬2) انظر الأم (2/ 44).

من الهجرة، وتخلف النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من تبوك لا محارباً ولا مشغولاً بشيء، وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلفن أيضاً عن الحج مع الإمكان، فلو كان ترك الحج كترك الصلاة حتى يخرج وقتها ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم [27/أ] الفرض ولا ترك المتخلفون عنه من أصحابه وأزواجه. ولم يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فرض الحج إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع سنة عشرة، وهي أخر عمرة ودع فيها الناس وعاش بعد ثمانين يوماً، ثم قبض إلى رحمة الله تعالى، ثم أوضح هذا بما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم حج، وقصد الشافعي بهذا إسقاط سؤالين لأبي حنيفة. أحدهما، يقول: الحجة التي حجها في آخر عمره عساها كانت تطوعاً، وكان قد حج حجة الإسلام بعد الفتح قبل حجة المدينة إذا كانت له أسفار كثيرة إلى مكة. والثاني يقول: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حججاً كثيرة أجزأته واحدة منها عن حجة الإسلام، قال جابر رضي الله عنه: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر معها عمرة، فأشار، الشافعي إلى إسقاط الثاني، بقوله: إلا حجة الإسلام، وهي حجة الوداع، فأخبر أن الحجة إلى سميت حجة التي سميت حجة الوداع لتوديعه فيها الناس هي حجة الإسلام لأنها أول حجة فعلها بعد نزول الفرض، فأما ما فعل بمكة قبل الهجرة، وقبل نزول الفرض فلا يتصور أن ينصرف إلى حجة الإسلام كما يصلي صلاة تطوع قبل دخول وقت المكتوبة، فلا ينوب تطوعه مناب المكتوبة. وقد قال قتادة: قلتُ لأنس: كم حج النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر: [27/ ب] عمرة في ذي القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته وعمرة الجعرانة، إذا قسم غنائم حنين، فإذا تقرر هذا، اختلف أصحابنا في أول وقت العصيان إذا مات بعد الإمكان، فقال أبو إسحاق: يكون عاصياً من السنة الأخيرة لأنا نجيز له في كل سنة أن يؤخره بشرط أن لا يفوته فعله، فإذا أخره عن السنة الأخيرة لأنا نجيز له في كل سنة أن يؤخره بشرط أن لا يفوته فعله، فإذا أخره عن السنة الأخيرة، ومات فقد علمنا أنه لم يكن جاز له تأخيره. ومن أصحابنا من قال: كان عاصياً من السنة الأولى لأنا إنما أجزنا له التأخير من أول حال الإمكان بشرط أن لا يفوته، فإذا فاته صار عاصياً بتأخيره من أول حال الإمكان. وقيل: فائدة الوجهين أنه لو شهد عند القاضي، وحكم بشهادته، ثم مات، ولم يحج، فإن قلنا: نحكم بالعصيان من آخر السنة فهذا فسق ظهر بعد الحكم فلا يؤثر فيه، وإن قلنا: نحكم به من أول السنة يصير كما لو بان فيقهم عند الحاكم، ومن أصحابنا من قال: بقول: يعصي بتأخيره إلى الموت في الجملة من غير تعيين وقت، فيقول لمن لزمه الحج وقدر لك أن يؤخره بشرط السلامة، وهو أن يفعله من بعد، فإن لم نفعل عصيت، وهذا كما تقول للزوج أن يضرب زوجته بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف تبيناً أنه لم يكن مأذوناً، ومن أصحابنا من قال: لا يصير عاصياً، ولكن يقول: إنه كان مفرطاً كما تقول للزوج أن يضرب زوجته بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف تبينا أنه لم يكن مأذوناً، ومن أصحابنا من قال: لا يصير عاصياً، ولكن يقول: أنه كان مفرطاً كما ينسب تارك الصلاة عن أول وقتها حتى يعجز إلى التفريط دون العصيان، وهذا اختيار صاحب "الإفصاح" لأنا جوزنا له

باب وقت الحج والعمرة

التأخير، ولا يعرف هو وقت الموت، فلا ذنب له ثم على هذا القول فيه وجهان: أحدهما: أنه مفرط من أول وقت إمكانه [28/أ]. والثاني: أنه غير مفرط من آخر وقت إمكانه. وقال أبو ثور: لا نحكم بعصيانه أصلاً، ومن أصحابنا من قال: إذا غلب ظنه بالإمارات أنه إذا أخرها عن تلك السنة يصير عاجزاً بالكبر والضعف والفقر يصير عاصياً من تلك السنة عند الإمكان، وإن أدركه قضاء الله تعالى فجأة، أو مع رجاء الحياة وبقاء القوة واشتغاله بأمر المعاش لا يصير عاصياً، ولا يمتنع أن يتعلق الحكم بالظن الغالب كما أن الله تعالى كتب الوصية في الابتداء على حضر الموت يعني أمارته الدالة عليه لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ} [البقرة: 180] وكان الحكم أنه يعصي بتركها عند وجودها، ولا يعصي من دون ذلك. كذلك ههنا، وهذا أصح عندي. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو كان يخشى الزمانة، أو تلف ماله، هل له تأثير الحج؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك كما لو لم يخش الزمانة، فإنها موهومة وأصل وجوبه على الفور، فلا يتعين بالوهم. والثاني: ليس له ذلك، ويصير عاصياً به لأنه لا يمكنه أداء الحج عند الزمانة. فرع لو وجب عليه الحج، فلم يحج حتى صار معصوباً، وله مال هل يلزمه أن يستنيب على الفور؟ وجهان: أحدهما: لا يلزمه ذلك بل هو على التراخي لأنه في القادر على التراخي. والثاني: أنه على الفور، لأن الحج فات، وهذا بدل الحج، فهو كقضاء الصلاة على الفور إذا فاتته الصلاة بغير عذر، فعلى هذا لو امتنع يستأجر الحاكم من ماله من يحج عنه. فرع آخر قال أبو إسحاق: [28/ب] إذا أخر قضاء الصلوات حتى مات قبل قضائها يصير عاصياً، لأن آخر وقت القضاء غير معلوم، كآخر وقت الحج غير معلوم، كآخر وقت الحج غير معلوم، وإنما يجوز له أن يؤخرها بشرط أن لا تفوته، ولو أخر الصلاة عن أول وقتها إلى آخره، فمات قبل أن يصلي لا يصير عاصياً، لأن آخر وقتها معلوم، فلا يراعي فيه شرط السلامة عند الإذن بتأخيرها إليه، وهو كالحد الذي هو مقدر الطرفين إذا أدى إلى التلف لا يوجب الضمان بخلاف التعزيز المؤدي إلى التلف فإنه يوجب الضمان. باب وقت الحج والعمرة مسألة (¬1): قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]. قال: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة. القصد من هذا الباب بيان معرفة وقت جواز أفعال الحج والعمرة من السنة، فلا خوف أن وقت أفعال الحج سوى ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 48).

الإحرام إنما هو أشهر الحج التي ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، وتفسير هذه الأشهر ما ذكره الشافعي بعد الآنية، وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة يعني: والتاسع هو يوم عرفة، وفيه معظم الحج، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" (¬1) يعني الوقوف بعرفة يوم عرفة، ويكون عشر ليالي من ذي الحجة، فإذا طلع الفجر ليلة النحر خرجت أشهر الحج. وروي هذا ابن الزبير (¬2) وابن مسعود (¬3) رضي الله عنهما، وهو مذهب أبي يوسف. وقال أبو حنيفة: الحج: شوال [29/ أ] وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة، فأدخلوا يوم النحر فيه. وبه قال أحمد، وقال مالك: أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل: نص عليه الشافعي كتاب "الإملاء"، وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما روايتان: أحدهما: مثل قولنا. والثانية: مثل قول مالك، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: روي نحو قولنا عن أبن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، ولا يتعلق بهذا الاختلاف حكم، والدليل على ما ذكرنا قوله تعالى: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ} [البقرة: 197]، فلا يخلو، أما إن أراد به الإحرام، أو الأفعال، وكلاهما لا يختص بثلاثة أشهر، ولأن الرفث وهو الجماع، يحل يوم النحر، وفي باقي الأيام من ذي الحجة، فدل أنها ليست من أشهر الحج، ولأن بعد يوم النحر وقت لو اعتمر فيه مضافاً إلى حجة من سنته لا يلزمه دم، فلا يكون من أشهر الحج كشهر رمضان. واحتج مالك بأن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة، قلنا: قد يعبر عن الاثنين وبعض الثالث بلفظ الجمع، كما قال تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، وأراد به الأطهار عندنا، وعنده، وهي طهران وبعض الثالث، كذلك ههنا، فإن قيل: ما معنى قوله: وتسع من ذي الحجة؟ أيريد بالتسع تسع ليال أو يريد الأيام؟ فإن أراد الليالي، فهي عشر، وإن أراد الأيام، ففيه خلل من وجهين. أحدهما: أن العبادة عن الأيام بإثبات الهاء لا بحذفها إذا العرب تقول: تسعة أيام وتسع ليال. والثاني: أن وقت الحج لا ينقضي بانقضاء اليوم التاسع، بل يبقى، وفيه الليلة العاشرة حتى يطلع فجرها. قلنا: االمراد [29/ ب] بقوله: وتسع من ذي الحجة إلى تسع ليال، والعرب إذا أطلقت حساب الليالي إنما تريد الليالي بأيامها لقوله تعالى {ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142]، أي: بعشر ليال مع أيامها، فدخل يوم عرفة تحت قوله: وتسع ذي الحجة وبقيت ليلة النحر غير داخلة تحت هذه العبادة، فألحقها ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (4/ 309، 310)، وأبو داود (1949)، والترمذي (889)، والنسائي (3044)، وابن ماجة (3015)، وابن حبان (3881)، والحاكم (2/ 278)، والدارقطني (2/ 240، 241). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8714). (¬3) أخرجه البيهقي في الكبرى" (8712).

به، فقال: "فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر، فقد فاته الحج" ولا فرق بين الاقتصار على ذكر التسع، ثم إلحاق الليلة العاشرة بها، وبين ذكر العشر ثم استثناء اليوم العاشر منها إذ لو قال: وعشر من ذي الحجة لدخل يوم النحر تحت الجملة، ولاحتاج إلى الاستثناء يوم النحر لأنه ليس من وقت الحج، وإنما هو وقت بقايا مناسكه. فإن قيل: إذا دخل يوم عرفة تحت قوله: وتسع من ذي الحجة، فما معنى قوله بعده: وهو يوم عرفة، وهل هذا إلا إعادة الكلام المستغني عن إعادته؟ قلنا: مقصوده بإعادة هذه اللفظة تخصيص يوم عرفة بوقوع الحج فيه لأن الأيام التي قبله وقت الإحرام، وليست بوقت الوقوف فإذا دخل يوم عرفة دخل وقت الوقوف، وقيل: إنما أفردها لأن الإحرام يستحب قبلها ليبقى من النهار بعد إحرامه ما يقف فيه، أو أفردها لتعلق الفوات بها. مسألة: قال (¬1): ولا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج. فإن أحرم به قبلها انعقد بالعمرة، ولا ينعقد بالحج كما لو أحرم بالظهر قبل وقتها ينعقد نافلة. وبه قال ابن عباس (¬2) وجابر (¬3) والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: ينعقد بالحج، ولكنه يكره، وبه قال أحمد، واحتجوا بقوله تعالى [3/أ]: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ} [البقرة: 189]، فجعل جميع السنة للحج، وهذا غلط لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، وتقديره وقت الحج، أو أشهر الحج، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فلو كان جميع السنة، وقتاً له، ما كانت للمعلومات فائدة تظهر. واحتج الشافعي بعد هذا بقول جابر وذلك أنه سئل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وأستأنس بقول عطاء لمن أحرم بالحج قبل أشهره: أجعلها عمرة (¬4)، أي: ائت بأعمال العمرة، فإن إحرامك انعقد بها، وأما الآنية التي ذكروها دليلنا لأنها تقتضي أن يكون بعض للناس، وبعضها للحج، أو نحملها على هذا بدليل ما ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد عمرة، لأن الشافعي يتحلل بعمل عمرة فحصل قولان: أحدهما: ينعقد عمرة حتى لو كانت عليه عمرة الإسلام تسقط بهذه العمرة. والثاني: لا تنعقد عمرة بل هو إحرام لا يصلح لحج، ولا لعمرة لأنه يصح حجاً، ولم ينو العمر فيتحلل بعمل العمرة من الطواف، والسعي والخلاف كمن فاته ولا يحتسب له، ومن أصحابنا من ذكر قولاً ثالثاً أنه انعقد في الجملة، فإن شاء صرفه إلى العمرة، ويصح العمرة عن عمرة الإسلام، وإلا فلا يصح، ومن أصحابنا من قال: لا تجزئ عن عمرة الإسلام قولاً واحداً، وحيث قال: تجزئ صورته أنه أطلق الإحرام، ولم يعين حجاً، ولا عمرة فيصرف إلى ما يصلح الوقت له، وهو العمرة والمشهور الأول، وهو المذهب. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 47). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8719، 8721). (¬3) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8718). (¬4) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8723).

وقال داود: يبطل إحرامه، ولا ينعقد بواحد منها. فرع لو أحرم [30/ب] بالحج ليلة النحر، ووقف بعرفة، هل يكون مدركاً للحج، وجهان: أحدهما: يكون مدركاً، لأن كل زمان كان صالحاً للوقوف كان صالحاً لإنشاء الإحرام بالحج فيه كيوم عرفة. والثاني: لا يكون مدركاً، لأن ليلة النحر كالتبع ليوم عرفة في رخصة الإدراك وتوسعة الأمر، فما لم يحصل إحرامه قبل هذه الليلة لم يدرك الحج بالوقوف فيها. ذكره أصحابنا بخراسان، قالوا: ومعنى الوجهين أن ليلة النحر هل تعد من أشهر الحج أم لا؟ مسألة: وقال (¬1): ووقت العمرة متى شاء. وقت العمرة ليس بمحصور كوقت الحج بل هي في جميع السنة جائزة متى شاء اعتمر وتستحب له أن يكثر منها، ولا يكره فعلها في شيء من أوقات السنة. وبه قال أحمد. وحكي عن مالك أن يكره العمرة في أشهر الحج، وهي ثلاثة أشهر كوامل، وفائدة قوله: أشهر الخرم ثلاثة أشهر كوامل، هذا وحكي عنه أنه قال: لا يجوز فعل العمرة في السنة إلا مرة واحدة. وبه قال سعيد بن جبير والنخعي وابن سيرين. وحكى عن أبي حنيفة أنه قال: يكره في خمسة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقال أبو يوسف: يكره في أربعة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، واحتجوا بقول عائشة: السنة كلها وقت العمرة، إلا خمسة أيان: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، وهذا غلط لأن كل وقت لا يكره في القرآن بين الحج والعمرة لا يكره فيه إفراد العمرة بالإحرام أًله قبل يوم عرفة، وأما [31/أ] خبر عائشة قلنا: ليس فيشيء من الأصول، وإن صح فحمله على أنه أراد إذا كان متلبساً بإحرام الحج، واحتج الشافعي على مالك فقال: "ومن قال لا يعتمر في السنة إلا مرة خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أعمر عائشة في شهر واحد من سنة واحدة مرتين، وخالف فعل عائشة نفسها، وعلي، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم". وأما السنة فما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في سنة واحدة عمرتين، أحديهما في شوال والثانية في ذي القعدة. وكذلك أمر عائشة بالقرآن لما نفست بمكة، ثم لما فرغت من القرآن قال لها: "طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك" فقالت: يا رسول الله، أكل نسائك ينصرفن بنسكين وأنا أنصرف بنسك واحد - ومعناه أنهن ينصرفن بعمل نسكين وأنا أنصرف بنسك واحد - فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم (¬2). ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 47) (¬2) أخرجه البخاري (319، 328، 1516، 1556، 1560، 1562، 1773، 1783)، ومسلم (437/ 1349).

فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرتين يجمعها في سنة واحدة، إحديهما هي المقرونة بالحج، والثانية هي المفردة عن الحج. وأما فعل عائشة نفسها فهو ما روي عن سعيد بن المسيب قال: اعتمرت عائشة في سنة واحدة مرتين، مرة من ذي الحليفة، ومرة من الجحفة (¬1). وروى صدقة بن يسار، عن القاسم بن محمد، قال: اعتمرت عائشة في شهر واحد مرتين. قال صدقة: قلت للقاسم: ولم يعب عليها (أحد) فقال: سبحان الله أم المؤمنين (¬2). أي أم المؤمنين تفعل ما يعاب. وأما فعل على فهو ما [31/ب] روى سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: في كل شهر عمرة (¬3). ومثله لا يندب إلى خير إلا ويقصد بنفسه فعله إذا تمكن منه. وأما فعل ابن عمر فهو ما روى موسى بن عقبة، عن نافع قال: اعتمر ابن عمر - رضي الله عنهما - أعواماً في إمارة ابن الزبير في كل سنة مرتين (¬4). وروى: ابن عمر كان يعتمر في كل يوم من أيام بن الزبير. ذكره في "الشامل" وذكر أيضاً عن على رضي الله عنه أنه كان يعتمر في كل يوم مرة. وأما فعل أنس فهو ما روى سفيان، عن ابن أبي حسين، عن بعض أولاد أنس قال: كان أنس رضي الله عنه كلما حمم رأسه اعتمر (¬5). أي كان لا يحلق إلا في عمرة، ويروى بالجيم من الجمة، ويروي بالحاء من الحمة. والدليل على أنه لا يكره في شيء من السنة، ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة تكفر ما بينهما، والحج المبرر ليس له جزاء إلا الجنة" (¬6). والمبرور: الذي لا يخالفه إثم. وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة ألا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبر الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر (¬7). وقوله: "عفا الوبر": أي كثر وكانوا لا يعتمرون في الأشهر الحرم حتى تنسلخ. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8726)، وفي "معرفة السنن" (2700). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8727)، وفي "معرفة السنن" (2699). (¬3) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8728)، وفي "معرفة السنن" (2697). (¬4) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8729)، وفي "معرفة السنن" (2701). (¬5) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8730)، وفي "معرفة السنن" (2698). (¬6) أخرجه البخاري (3/ 2)، ومسلم (437/ 1349)، والترمذي (933)، والنسائي (2622)، وابن ماجة (2888)، وأحمد (2/ 246). (¬7) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8732)، وفي "معرفة السنن" (3/ 499).

باب وجوب العمرة

وقالت أم معقل: يا رسول الله، أني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزي عني من حجتي؟ فقال: عمرة [32/أ] في رمضان تجزي حجة" (¬1). وروي: "تعدل حجة". باب وجوب العمرة مسألة (¬2): قال الله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. اختلف قول الشافعي في وجوب العمرة، قال في "الأم" ونقل المزني أنها واجبة، وهو المشهور والصحيح، فإذا وجد الزاد، والراحلة، فقد لزمه الحج والعمرة لأن الاستطاعة الواحدة تمكن أداء كليهما. وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب والثوري وأحمد وإسحاق، وقال في "القديم" و"أحكام القرآن من الجديد" ليست بواجبة بل هي سنة لا أخرص في تركها لمن قدر. وبه قال ابن مسعود والشعبي ومالك وأبو حنيفة، واحتجوا بما روى أبو صالح الحنفي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الحج جهاد والعمر تطوع" (¬3)، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة: أواجبة؟، قال: لا، وإن تعتمروا فهو أفضل" (¬4) أورده أبو عيسى. وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" (¬5) يعني فرضها ساقط بالحج وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الحج والعمرة فريضتان واجبتان" (¬6)، وروى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد" (¬7)، واحتج الشافعي على وجوبها بقوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، فقرن العمرة به، فكانت [32/ب] واجبة للقرآن بينهما في الأمر بهما، ولهذا احتج أبو بكر الصديق رضي الله عنه باقتران الصلاة والزكاة في القرآن على اقترانهما في الافتراض واستحقاق القتال بالامتناع منهما، ثم قال (¬8): واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، وأراد لو لم تكن واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب. ثم قال (¬9): ومع ذلك قول ابن عباس: والذي نفسي بيده، إنها لقرينته في كتاب الله أي أن العمرة لقرينة الحج ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (1988)، والترمذي (939)، والنسائي (4227)، وابن ماجة (2993)، والحاكم (1/ 482). (¬2) انظر الأم (2/ 48) (¬3) أخرجه ابن ماجة (2989)، والطبراني في "الكبير" (11/ 442)، والبيهقي في "الكبرى" (4/ 184)، وفي "معرفة السنن" (3/ 502). (¬4) أخرجه الترمذي (931)، وانظر نصب الراية (3/ 150). (¬5) أخرجه مسلم (147/ 1218) وأبو داود (1790)، والترمذي (932)، وابن ماجة (3074)، وأحمد (1/ 236)، والدارمي (2/ 47). (¬6) أخرجه الدارقطني (2/ 284)، والبيهقي في "الكبرى" (8761). (¬7) أخرجه ابن ماجة (2887)، والطبراني كما في "مجمع الزوائد" (3/ 277): وقال الهيثمي: "فيه عاصم من عبيد الله وهو ضعيف". (¬8) انظر الأم (2/ 113). (¬9) انظر الأم (2/ 113).

باب ما يجزئ من العمرة إذا جمعت إلى غيرها

في الأمر بهما في كتاب الله تعالى، وهو فيما ذكرنا من الآية. ثم استأنس بقول عطاء غيره، فقال (¬1): وعن عطاء أنه قال: ليس أحد من خلق الله ألا وعليه حج وعمرة واجبتان، ثم قال: وقال غيره من مكيينا أي: من فقهاء المكين غير عطاء، ثم قال (¬2): وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني شرع وأوجب في قرن العمرة مع الحج هدياً، فلو كانت نافلة لكان الأشبه أن لا تقترن مع الحج كأنه يقول: إنما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن هدياً جبراً، ولو كانت العمرة نافلة لكان الأشبه أن لا يدخل النقص بشببها حتى يحتاج إلى جبره بالهدي. وفي هذا الاحتجاج ضعف لأن الفارغ من عمرة الإسلام لو أراد القرآن بشرط الدم يباح له، وإن كانت العمرة نفلاً في حقه. ثم قال (¬3): وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، كأنه ذهب إلى أن المراد به دخل وجوب العمرة في وجوب الحج أبداً فهما واجبان. وقيل: معناه دخلت أعمال حتى يجوز للقارن طواف واحد لهما، وقيل: [33/أ] معناه دخل في وقت الحج وشهوره رداً على أهل الجاهلية، فإنهم كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج. ثم قال (¬4): وروى أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: أن العمرة هي الحج الأصغر، وكأن وجه استدلاله منه أنه لما سماها حجاً دخل وجوبها تحت قوله تعالى: {ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ} [البقرة: 97]، وأما خبرهم الأول رواه أبو صالح الحنفي، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرسل، ثم أراد أن الحج يشق كالجهاد والعمرة تسهل فتتطوع بها النفس، وأما الخبر الثاني يحتمل أنه أراد به العمرة الثانية، وفي هذا التأويل نظر، ويحتمل أنه كان في الأول، ثم أوجب من بعده. باب ما يجزئ من العمرة إذا جمعت إلى غيرها مسألة: قال (¬5): يجزئه أن يقرن العمرة مع الحج. إذا أراد الرجل تحصيل النسكين معاً: الحج والعمرة، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: القران، والإفراد والتمتع، فالإفراد أن يقدم الحج، فإذا فرغ منه اعتمر. وأما التمتع، فهو أن يقدم العمرة، فيأتي بها في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من سنته. وأما القران فمن وجهين: أحدهما: أن يحرم بالحج والعمرة ويلبي بهما. والثاني: أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها حجاً فيصير قارناً، لما روى عن عائشة قالت: كنت ممن أخرم بعمرة، فلما دخلت مكة حضت، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: "ما لك، أنفست"؟ أي حضت، قلت: نعم، قال: "ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، فاغتسلي وامتشطي [33/ب] وارفضي عمرتك ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 113) (¬2) انظر الأم (2/ 113). (¬3) انظر الأم (2/ 114). (¬4) انظر الأم (2/ 114). (¬5) انظر الأم (2/ 50).

وأهلي بالحج"، ففعلت ذلك، فلما كان يوم النحر قال لي: طوافك بالبيت يكفيك لحجك وعمرتك (¬1)، فصارت مدخلة بالحج على العمرة وصارت قارنة. وروت عائشة، قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج"، وهذا هو التمتع والقران والإفراد. فرع يجوز إدخال الحج على العمرة قولاً واحداً لخبر عائشة الذي ذكرنا، فإن قيل: قال لها: "ارفضي عمرتك وأهلي بالحج"، فما معناه، قلنا: أراد به: ارفضي أفعال عمرتك، فإن الحيض يمنعها من الطواف دون الإحرام بذلك أنه قال لها: طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمرة يكفيك لحجك وعمرتك. فرع آخر إذا أحرم أولاً ثم أدخل عليه بالعمرة، هل يجوز؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز قاله في "القديم"، ويصير قارناً. وبه قال أبو حنيفة لأنه أحد النسكين فجاز إدخال الآخر عليه كالعمرة. والثاني: قاله في "الأم" و"الإملاء": لا يجوز وبه قال أحمد. ولا يجوز هذا الإحرام بالعمرة، وهو الأصح لأن الحج أكد من العمرة فيجوز إدخال القوي على الضعيف، ولا يجوز إدخال الضعيف على القوي ذلك اليمين يطرأ على ملك النكاح، فيرفعه وملك النكاح لا يطرأ على ملك اليمين، فيرفعه، ولأنه لا يفيد إدخال العمرة على الحج شيئاً لأن الأفعال قد بقيت عليه بإحرام الحج، فلا يفيد إدخال العمرة إلا إسقاط فرضها خاصة، فلم يجز، وإذا أدخل الحج على العمرة يتعلق به واجبات ليست في العمرة، ويتعلق به إدخال أفعال العمرة [34/أ] في الحج فجاز. فرع آخر وقت إدخال الحج على العمرة ما لم يطف بالبيت، فإذا ابتدأ الطواف لا يجوز ذلك. نص عليه الشافعي، واختلف أصحابنا في تقليد ذلك، فمنهم من قال: لا يجوز، لأنه أتى بمعظم العبادة، فإن الطواف معظم العمرة. ومنهم ن قال: لا يجوز، لأنه شرع في التحلل من العمرة لأن الطواف يتحلل من العمرة، فلا يكون عقدها تاماً. فرع آخر إذا جوزنا إدخال العمرة على الحج، فأي وقت يجوز؟ مبني على اختلاف التعليلين في المسألة السابقة، فإذا قلنا بالعلة الأولى، يجوز إدخال العمرة على الحج ما لم يقف بعرفة، فإذا وقف لا يجوز لأنه تلبس بمعظم الحج، وإذا قلنا بالعلة الثانية يجوز ذلك ما لم يطف، أو يرم لأن التحلل به يكون. وقال بعض أصحابنا بخراسان: في

وقت إدخال العمرة ثلاثة أوجه: أحدهما: ما لم يأت بشيء من الأعمال فرضا، أو نقلاً حتى لو أتى بطواف القدم أو بشيء منه لم يجز ذلك. والثاني: ما لم يأت بفرض حتى إن وقف أو سعي عقيب طواف القدوم لم يجز ذلك، لأن حكم السعي بعد طواف القدوم أن يحتسب به عن فرضه يوم النحر. والثالث: لم يأخذ في أعمال التحلل والاعتماد على ما سبق. فرع آخر إذا قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج، فإذا شرع في طواف الحج لا يجوز أن يعتمر، وكذلك ما دام بقى عليه شيء من أفعال الحج لا يجوز أن يعتمر، فأما يوم النحر لا يجوز أن يعتمر لأن عليه طوافاً، وحلقاً وغير ذلك، وفي اليوم الأول من أيام التشريق لا يجوز أيضاً، لأنه فيه رمياً، وفي اليوم الثاني يكون النفر الأول، [34/ب] فإن أراد أن ينفر فيه يرمي في هذا اليوم بعد الزوال ثم ينفر وقد فرغ من أفعال الحج، فيجوز أن يعتمر، ولا يجوز أن يعتمر قبل النفر لأن الاعتبار بفعل النفر لا بنية النفر، وإن أراد أن ينفر في النفر الثاني يحتاج إلى أن يقيم إلى اليوم الثالث من أيام التشريق، ثم يرمي بعد الزوال، ثم يعتمر بعده، وإن لم ينفر، وإن أراد أن ينفر في النفر الأول، فرمى بعد الزوال في ذلك اليوم، ثم لم ينفر وأقام حتى غربت الشمس لم يجز النفر بعد ذلك، بل يحتاج إلى أن يصير إلى أن يرمي في اليوم الثاني ثم ينفر بعد ذلك. فرع آخر قال صاحب "الإفصاح": إذا أحرم بعمرة، ثم أفسدها بالوطء، ثم أدخل عليها حجاً فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو اختيار ابن أبي أحمد، وهو الأصح لأن الأصل فيها الإفراد، ثم وردت الرخصة في إدخال الحج على عمرة سليمة وحدها، ولأن هذا الحج لا يجوز أن ينعقد فاسداً، لأنه لم يطرأ عليه ما يفسده، ولا يجوز أن ينعقد صحيحاً ويقارنه عمرة فاسدة، فلا وجه إلا الإبطال. والثاني: يجوز. وبه قال ابن الحداد، لأن العمرة الفاسدة كالصحيحة في وجوب الإتمام، فكذلك في جواز القران، فعلى هذا لا يكونان فاسدين، فيلزمه قضاءهما. وقال بعض أصحابنا: يلزمه قضاء العمرة وفي قضاء الحج وجهان: أحدهما: لا قضاء عليه لسلامة الحج من الوطء. والثاني: عليه القضاء لأن الشرع قدر إدخال الحج على العمرة كالإحرام بهما، فصار كالواطئ فيهما. مسألة: قال (¬1): ويهريق دماً. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 50).

لا يجب الدم على المفرد [35/أ] بالإجماع، ولكن يستحب له. وقال بعض أصحابنا: يستحب له سوقه مع نفسه إلى مكة، لأن أهل مكة إذا رأوا متمتعاً، أو قارناً، فرحوا به لعلمهم بأنه يذبح الهدى، وإذا رأوا مفرداً لم يفرحوا به، لأنه لا دم عليه، فإذا ساق الهدى مع نفسه أدخل السرور، وأما المتمتع، فيجب عليه الدم لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ} [البقرة: 196] وأما القارن فيجب عليه الدم، وقال داود: لا يلزمه الدم. وروي ذلك عن طاوس، وقال الشعبي: يلزم القارن بدنة، وحكام بعض أصحابنا عن مالك، وهو غلط والدليل على بطلان قول داود قوله صلى الله عليه وسلم: "من قرن بين حج وعمرة فليهرق دماً" (¬1)، وروي مثله عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، ولأنه إذا وجب الدم على المتمتع، لأنه جمع بين النكسين في وقت أحدهما، فلأن يجب على القارن، وقد جمع بينهما في الإحرام أولاً. وحكي ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن: هل يلزمه الدم؟ قال: لا، فجزوا برجله، وهذا لشهرة هذا الأمر بينهم. وأما قول الشافعي (¬2): "والقارن أخف حالاً من المتمتع" يحتمل أن يكون مراده تداخل الأعمال، فكأنه قال: إذا قرن بينهما كانت المشقة عليه أقل منها على المتمتع، وقد أوجبنا على المتمتع بالدم بالنص، فلأن يجب على القارن أولى، فيكون دليلاً على داود. وقيل: بين بهذا الاقتصار على جواز الشاة، وسقوط البدنة عنه، فكأنه قال: إذا لم يلزم البدنة على المتمتع مع استمتاعه بمحظورات النسكين بين العمرة [35/ب] والحج، فالقارن الذي لا يستمتع حتى يفرغ منهما أخف حالاً أولى أن لا يلزمه البدنة، ويكفيه دم شاة، فيكون دليلاً على الشعبي. وهذا الذي نقله المزني ضرب من الترجيح، وإنما يحسن الترجيح بعد تقدم القياس الجامع، ولا عيب في ذلك على الشافعي، لأنه فرع من القياس، ثم اشتغل بالترجيح (¬3)، فقال: ويجزئه أن يقرن ويهريق دماً قياساً على قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ} [البقرة: 196] الآية، والقارن أخف حالاً من المتمتع، ثم بين الشافعي كيفية مشابهتهما، فقال (¬4): المتمتع وصل الحج بالعمرة، فسقط عنه ميقات أحدهما، فلا يكون القارن أكثر من المتمتع فيما يجب عليه من الهدي، ففي أول المسألة إثبات الدم رداً على أصحاب الظاهر وفي آخر المسألة دليل صفة الدم رداً على من أوجب البدنة. والدليل على بطلان قولهما أيضاً ما روى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بقرة، وكن قارنات (¬5) فدل على وجوب الدم، وأن البدنة لا تجب. مسألة: قال (¬6): وإن اعتمر قبل الحج، ثم أقام بمكة حتى ينشئ الحج أنشأه من مكة. ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد (2/ 67) (¬2) (3) (4) انظر الأم (2/ 114). (¬5) أخرجه البخاري (1709، 1720)، ومسلم (125/ 1211)، والنسائي (4126، 4127)، وابن ماجة (3133). (¬6) انظر الأم (2/ 50).

الفصل القصد به ذكر صورة التمتع وبيان الميقات الذي يحرم منه المتمتع، فيلزمه الإحرام بالعمرة من ميقات بلده، والقارن يحرم بالحج والعمرة من ميقات بلده، والمفرد يحرم بالحج من ميقات بلده لأن ابن عباس رضي الله عنهما، روى "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت، ثم قال: هذه المواقيت لأهلها ولمن أتى عليها من غير أهلها [36/أ] ممن أراد حجاً أو عمرة" (¬1)، فإذا أحرم المتمتع بالعمرة من ميقات بلده ثم دخل مكة وطاف وسعى وحلق وفرغ من عمرته، ثم يحرم بالحج إذا أراد من جوف مكة، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات، ولا إلى الخروج إلى الحل، فإن لم يحرم من جوف مكة، وخرج منها، وأحرم بالحج، فإن رجع إلى مكة محرماً، فلا دم عليه كما إذا جاوز الميقات، وأحرم دونه، ورجع إليه محرماً لم يلزمه الدم، وإذا خرج إلى عرفة، ولم يرجع إلى مكة نظر في موضع إحرامه، فإن كان في الحل أحرم لزمه قولاً واحداً، وإن كان أحرم في الحرم خارج البنيان. اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا دم عليه لأن ما لا يتعين موضعه في بنيان مكة يشرك فيه جميع بقاع الحرم أصله ذبح الهدى، ومنهم من قال: عليه الدم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بعد الفراغ من العمرة بالإحرام بالحج من بنيان مكة، وهو كمن ترك عمارة ذي الحليفة أو الجحفة، والأول أفيس. وقال بعض أصحابنا: فيه قولان، والصحيح لزوم الدم. فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: في موضع استحباب إحرام الحج في المتمتع قولان: أحدهما: الأفضل أن يطوف بالبيت سبعاً ويصلي ركعتين ثم يحرم. والثاني: الأفضل أن يحرم من جوف منزله بمكة، ويخرج فيطوف بالبيت محرماً، ويصلي ركعتين الطواف، ثم يقصد عرفة. فرع آخر قال في "الإملاء": يستحب للمتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية مكياً، كان أو غريباً، ويخرج بعد الزوال متوجهاً إلى منى من المسجد. وحكي عن مالك: يستحب [36/ب] عند إهلال ذي الحجة لقول عمر رضي الله عنه لأهل مكة أهلوا بالحج إذا أخل ذو الحجة. وهذا غلط لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" (¬2)، قال أصحابنا: هذا إذا كان واجداً للهدى، وإن كان عادماً يستحب له الإحرام بالحج في اليوم الخامس، أو السادس من ذي الحجة ليصوم اليوم السادس والسابع والثامن بدلاً من الدم، ويفطر يوم عرفة. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1524، 1526، 1530، 1645)، ومسلم (1181). (¬2) انظر بدائع المنن للساعاتي (944، 1059).

مسألة: قال (¬1): ولو أفرد الحج وأراد العمرة بعد الحج خرج من الحرم ثم أخل من أين شاء. إذا كان مفرداً، فقدم الحج، وفرغ منه، ثم أراد أن يحرم بالعمرة، فإنه يخرج إلى الحل، ويحرم منه، ولا يلزمه أن يرجع إلى الميقات الذي أحرم بالحج منه لأنه إذا دخل مكة، فقد صار ميقاته ميقات أهلها، وهذا لأن عائشة رضي الله عنها لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم وهو من الحل. فإذا تقرر هذا، فمتى خرج من الحرم، وانفصل منه، وأحرم في بادئ الحل صح إحرامه، ثم يدخل مكة، ويطوف ويسعى ويحلق، وقد تحلل من العمرة بذلك، ولا يلزمه الخروج إلى مسجد عائشة، ولا إلى غيره من المساجد، إنما ذلك استحباب لا واجب، ولا فرق بين المكي في ذلك وبين الغريب الذي ورد محرماً بحج وبين من يريد العمرة في مكة ابتداء، فإن خالف، وأحرم بها من جوف مكة فإنه ينعقد إحرامه بها، فإن خرج إلى الحل على ما هو عليه قبل الطواف، ثم عاد [37/أ] وأكملها، فلا شيء عليه، وقد زاد خيراً، وإن لم يخرج بل طاف وسعى وحلق. نص في "الأم" (¬2) على قولين: أحدهما: عمرته صحيحة، وإنما أخل بالإحرام بها من الميقات، فعليه لتركه دم، وهو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة. والثاني: لا تجزئه عمرته لأنه نسك فكان من شرطها الجمع بين الحل والحرم، كما قلنا في الحج. فعلى هذا لما حلق، حلق فبل وقته، فعليه دم، وإن وطئ بعد الحلق معتقداً أنه قد فرغ منها، فهو وطء من جاهل أنه محرم هل يفسدها؟ قولان، فإذا قلنا: لا يفسدها كان وجود الوطء وعدمه سواء، فيخرج إلى الحل على ما هو عليه، ثم يعود فيكملها. وإذا قلنا: أفسدها، فعليه المضي في فاسدها، وهو أن يخرج إلى الحل على صورته، ثم يعود فيكملها، وعليه بدنه لأجل الفساد، وعليه القضاء، وإذا قضاها نظر في التي أفسدها فإن كانت عمرة الإسلام جاز هذا القضاء عنها، وإن كانت غيرها أجزأ عن التي أفسدها فإذا تقرر هذا هذا، قال الشافعي (¬3) ههنا: فسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات أي: وسقط عنه الإحرام من الميقات بإحرامه الأول بالحج منه، فلا يلزمه العود إليه بالعمرة. وفي بعض النسخ: وسقط عنه بإحرامه بالحج من الميقات، وهو الأصح، وزاد في "الإيضاح"، فقال (¬4): فأحرم بها أي: بالعمرة بعد الحج من أقرب المواضع من ميقاتها، ولا ميقات لها دون الحل كما يسقط ميقات الحج إذا قدم العمرة قبله لدخول أحدهما في الآخر في سفر واحد، فإن قيل: أليس قلتم في المتمتع: يحرم بالحج من جوف مكة، وفي المنفرد قلتم: يحرم بالعمرة من الحل لا من جوف مكة، ما الفرق؟ قلنا: [37/ب] الفرق أنه لابد للحاج من الخروج إلى الحل للوقوف، فإذا أحرم به في الحرم يصير جامعاً بين الحل والحرم في النسك بكل حال، والمعتمر يأتي ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 50). (¬2) انظر الأم (2/ 116). (¬3) (4) انظر الأم (2/ 114).

باب الاختيار في إفراد الحج

بالأفعال كلها في الحرم، فإذا أحرم بها في الحرم لا يصير جامعاً بين الحل والحرم في النسك، فلهذا، لا يجوز لنا إلا أن نخرج إلى الحل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلن فسخ على أصحابه الحج إلى العمرة ثم أمرهم بعد الفراغ منها أن يحرموا بالحج من جوف مكة. فرع لو مر بالميقات وهو يريد الحج والعمرة ثم أحرم بالحج، ثم اعتمر من أقرب الحل جاز كما لو لم يرد إلا الحج وحده جاز. وقال أبو حنيفة: إذا أرادهما، ثم أحرم بالحج وحده، فعليه أن يرجه لإحرام العمرة إلى الميقات، فإن لم يفعل فعليه دم ترك الميقات فيحتج عليه بضده، وهو أن المريد المتمتع مريد للحج والعمرة، ثم لا يحرم إلا بالعمرة، ولا يلزمه دم إلا شاة، فكذلك ههنا، وهذا لأنه يكفيه قضاء حق الميقات بنسك واحد، وإن كان مزيداً لها. مسألة: قال (¬1): وأحب إلى أن يعتمر من الجعرانة. الفصل القصد بين بيان الموضع الذي يستحب له أن يحرم بالعمرة منه إذا قدم الحج عليها، فكل من أراد العمرة ممن هو من مكة، أو من غيرها ممن دخلها حاجاً، وأراد الاعتمار، فالمستحب أن يحرم بها من الجعرانة، فإنه أبعد الحل من الحرم، ومنها اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن فاتته فمن التنعيم، وهو أدنى الحل من الحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة منها على ما ذكرنا قال: وهي أقرب الحل إلى البيت، [38/أ] الحرام، وفيه اليوم مسجد عائشة، ومنه يعتمر الناس اليوم لخفة المسافة، فإن لم يتفق له ذلك، فمن الحديبية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها، وأراد المدخل بعمرته منها، يريد به عام صده المشركون عن مكة، فقد قدم الشافعي في الاستحباب فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما أمره، ثم ما أراد أن يفعله فمنع منه، ولم يعتبر المسافة لأن التنعيم على فرسخ من مكة والجعرانة والحديبية على ستة فراسخ منها، وهذا مثل ما قال الشافعي في الاستسقاء في تقليب الرداء أحب أن أفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحول الرداء، وما أراد أن يفعله فيقلب عليه من التنكيس، فإن قيل: أليس قلتم في الاستقساء: يقدم ما يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما فعل؟ كذلك ههنا وجب أن تقدموا ما يتم من الإحرام بالحديبية على غيره، قلنا: لأن ما يتم به يشتمل على فعل هناك، فإن التنكيس يشتمل على التحويل، والعمرة من الحديبية لا يشتمل على العمرة من الجعرانة، فما فعل أولى مما يتم، والله أعلم. باب الاختيار في إفراد الحج مسألة: قال (¬2): وأحب إلى أن يفرد. الفضل القصد من هذا الباب أن يبين ما هو المختار من الثلاثة التي يؤدي بها الحج ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 51). (¬2) انظر الأم (2/ 52).

والعمرة. وهي مسألة خلافية فعندنا القران هو المؤخر والإفراد، والتمتع أفضل منه، وأيهما أفضل؟ فيه قولان: أحدهما: الإفراد أفضل، وهو المشهور من مذهبه. وبه قال مالك. والثاني: التمتع أفضل. نص عليه في "القديم"، [38/ب] وفي اختلاف العراقيين و"مختصر الحج الصغير". وبه قال أحمد وأصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة والثوري: القران أفضل، وهو اختيار المزني وأبي إسحاق المروزي. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: القرآن أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع. وقال أبو يوسف ومحمد: التمتع أفضل ثم القران ثم الإفراد. وعندنا الإفراد الذي هو أفضل أن يحرم بالحج مفرداً، ثم يأتي عقيبة بعمرة في عامة، فأما إن أراد تأخير العمرة عن حجة، فالقران والتمتع أفضل منه لما يحوزه من فضل المبادرة وأن تأخير العمرة عن الحج مكروه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "تابعوا بين الحج والعمر" الخبر، والكلام في هذه المسألة في ثلاثة فصول: أحدها: في أن حج النبي صلى الله عليه وسلم على أي صفة كان. والثاني: أن الإفراد أفضل، أو القران؟ والثالث: أن دم القران هل هو دم نسك أو دم حبر؟ وقد ذكرنا كلها في الخلاف، فإذا تقرر هذا رجعنا إلى بيان ما ذكر في "المختصر"، فإذا قال: في "مختصر الحج"، وأراد "المختصر الأوسط" دون "المختصر الصغير" (¬1)، وأحب إلى أن يفرد لأن الثابت عندنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد. فممن روى عنه الإفراد عائشة وابن عمر وجابر وغيرهم رضي الله عنهم، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حج لم يجب عليه في حجة دم، وهذا أدل الدليل على أنه كان مفرداً لأن القارن والمتمتع يلتزمان الدم، ثم قال (¬2): في اختلاف الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، [39/أ] قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" (¬3)، وتمام هذا الخير ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج عام حجة الوداع أحرم إحراماً مبهماً لا يحج ولا بعمرة (¬4)، وكان ينتظر القضاء في اختيار ما وضع الله تعالى له من الثلاثة التي ذكرناها، وكان قد ساق مع نفسه هدياً، فنزل عليه القضاء، وهو فيما بين الصفا والمروة، فأمر بالحج، وقال لأصحابه، وكانوا قد أحرموا بالحج: من لم يسق الهدي، فليجعلها عمرة، فقيل: يا رسول الله كيف نحل ولم تحل أنت؟ فقال: "أني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى يحل هديي". وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 52). (¬2) انظر الأم (2/ 52). (¬3) أخرجه البخاري (1651، 1785)، ومسلم (1216) / والنسائي (5/ 246)، وابن ماجة (2982)، وأحمد (3/ 292)، والبيهقي في "الكبرى" (8825). (¬4) أخرجه الشافعي "ترتيب المسند" (1/ 372)، والبيهقي في "الكبرى" (8825)، وفي "معرفة السنن" (2720)، وقال ابن حجر: لا أصل له.

عمرة" أي: لو علمت من قبل أن التمتع الذي أمرتكم به، أفضل ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، أي للتمتع فهذا دليل على أن التمتع أفضل من الإفراد لأنه تمنى ذلك، فلولا أنه أفضل من غيره ما تمناه، وقيل: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا لأنه تداخلهم شيء من تحللهم مع بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على إحرامه وودوا لو كانوا محرمين زمان إحرامه ومحلين زمان إحلاله، فأراد تطييب قلوبهم بهذا القول. وأيضاً كانوا في الجاهلية يستنكرون العمرة في شوال وذي القعدة وذي الحجة يستعظمونها ويعدونها من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، فلما أمروا بخلاف عادتهم، وخلاف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم شق عليهم، فقالوا: يا رسول الله أنروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر [39/ب] منياً؟ أي: لقرب عهدنا بالجماع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أي: أن سوق الهدى يمنعني عن مساعدتكم على العمرة، ولو عرفت في ابتداء الإحرام لما سقت الهدى ولجعلت إحرامي عمرة كما أمرتكم به، فهذا لم يكن لتمني التمتع، بل لهذا، فلا يدل ذلك على أن التمتع أفضل. ثم أعلم أن مذهب أبي حنيفة وأحمد أن من ساق الهدي من المتمتعين لا يتحلل من عمرته، بل يطوف ويسعى، ثم يترك الحلق، ويقيم على إحرامه، ثم يحرم بالحج من جوف مكة، ثم يوم النحر من الحج والعمرة معاً، واحتج بهذا الخبر ذكرنا، لأن سوق الهدى منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من التحلل، وعندما لا فرق بين أن يكون ساق أو لم يسق في أنه يتحلل بأعمال العمرة، وبه قال مالك. والقصد من الخبر الذي ذكرنا أن من ساق لا يتمتع بل يحج حتى يبقى هدية متطوعاً به، فإنه لو تمتع احتاج إلى ذبحه عن متعته، ومن لم يسق الهدي لا تفوته فضيلة هدي التطوع، فلهذا فصل بينهما لا لما ذكره، والدليل على ما ذكرنا أن العمرة إحدى نسكي التمتع فسوق الهدى لا يمنع التحلل منه كالحج. ثم قال الشافعي (¬1): ومن قال: إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما يعرف أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: من الصحابة أن أحداً لا يكون مقيماً على حج، وإلا وقد ابتدأ إحرامه بحج وأحسب عروة حين حدث أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بحج ذهب إلى أنه سمع عائشة تقول: يفعل في حجه على هذا المعنى، فأول خبر من [40/أ] روى مطلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج. فإن قيل: أليس مال الشافعي إلى الإفراد، وفضله على غيره، فكيف استعمل في هذا الفصل بتضعيف رواية من روى الإفراد؟ وقال: لما كثر سماعه لذكر الحج المفرد استجاز أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان مفرداً، قلنا: إنما اشتغل الشافعي بالاعتراض على التمسك بأحاديث الإفراد لأن الذي ثبت عنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل الإحرام في الابتداء، ثم فسره بحج مفرد في الانتهاء. وهكذا روى جابر رضي الله عنه، وهو أحسن الصحابة سياقاً لحديث الحج من أوله إلى آخره، فلما رأى الشافعي عروة وغيره رووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم حين أحرم بحج اشتغل بتقديم رواية جابر على رواياتهم لا أنه ناقض هذا الفصل أول الباب في أخبار الإفراد وتفضيله على غيه وأكثر الغلط في الإخبار إنما ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 52، 53).

يقع عن جهة أن بعض الرواة يسمع حديثاً مفسراً، فيرويه مجملاً، أو محملاً، فيرويه مفسراً مثل أن يقول قائل: مررت نفلاً، وقد زالت الشمس فأذن وأقام وصلى أربع ركعات، فيروي السامع أن فلاناً صلى الظهر، وهذا على ظاهر ظنه يروي، فلعل فلاناً قضي فائتة، أو صلى بفلاة، أو غير ذلك، وكذلك وقع في أمر الزكاة لما قال صلى الله عليه وسلم: "إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة"، قال الراوي في خمس شاه لأن الظاهر من الأسباب هكذا ذكره أصحابنا والقفال معهم في الاعتذار عن هذا الفصل. وقال بعض أصحابنا: [40/ب] يحتمل أن يكون له مقصود غير هذا، وذلك أن الشافعي ذكر في أول الباب، اختيار الإفراد، واستدل عليه بالحديث ثم حكى المزني ما قال في اختلاف الأحاديث من تفضيل التمتع على الإفراد، ثم عطف عليه الاعتراض على حديث الإفراد، فكأنه لما اختار التمتع في قوله الثاني اشتغل بالاعتراض على أحاديث الإفراد، وهذا هو النظم المستقيم في الكلام، وإنما يتناقض لو عطف اعتراضه هذا على اختيار الإفراد، وأما إذا عطفه على اختيار التمتع فلا تناقض في ظاهره. ثم بين الشافعي أن الأخبار وإن اخنتلف في كيفية حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس ذلك مما يضر شيئاً، فقال (¬1): وقال فيما اختلفت فيه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجه يعني عند خروجه إلى الحج ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحاً من جهة أنه مباح لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافاً يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج، وإفراد الحج والقران واسع كله، وأراد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج حجة الوداع قال لأصحابه: "خذوا عني مناسككم"، فنقلوا عنه مناسكه فاتفقت رواياتهم في بعض المسائل، واختلفت في بعضها. قال الشافعي: أيسر الاختلاف ما وقع من اختلاف الروايات في إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن بعض الرواة روى أنه كان قارناً، وروى آخرون أنه كان مفرداً، وروت طائفة أنه كان متمتعاً وإنما هان أمر [41/أ] هذا الاختلاف لأن جميع ذلك مباح بالقران والسنة والإجماع. وأراد بالكتاب قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ} [البقرة: 196] الآية، تدل على إباحة الإفراد، وقوله تعالى: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، تدل على إباحة القران. وأراد بالسنة ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض أصحابه بالتمتع وهو من لم يسق الهدى، وأمر علياً رضي الله عنه بالإفراد، وكان قد ساق الهدى، وأمر عائشة بالقران على ما رويناه من قبل فثبت بالسنة أن كل ذلك مباح، وأراد بما لا علم فيه خلاف الإجماع، ولا خلاف بين الأمة في إباحة الكل، وكلن هذا الاختلاف قبيح جداً ممن يروي كيفية إحرامه لأنه حج تلك الحجة الواحدة، وكانوا حافين حوله، ثم اختلفت رواياتهم كل هذا الاختلاف ثم قال: وثبت، أي وثبت الحديث أنه صلى الله عليه وسلم خرج ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء على ما ذكرنا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري" الخبر، وأراد أن من سنة من ساق الهدى أن يذبحه عند محله ومحل المعتمر إنما يكون عند المروة، فكرة النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبح في ذلك ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 53، 54).

الموضع، فيصير مذبحاً يؤدي إلى تنجيس المسجد، فلذلك صرف إحرامه إلى الحج ليكون محله بمنى عند الجمرة، فإنه المذبح المسنون. ثم أن الشافعي طالب نفسه بإثبات تقديم حديث جابر وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم في الإفراد على حديث أنس في القران، [41/ب] فإنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول: "لبيك عمرة وحجاً، لبيك عمرة وحجاً" (¬1). فإن قال قائل (¬2): فمن أين أثبت حديث عائشة وجابر وابن عمر دون حديث من قال: قرن؟ ثم أجاب، فقال: قيل لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره يعني أن جابراً أقدم صحبة من أنس، فإنه كان معتمراً في ذلك الوقت، وأنه استقصى في الرواية على ما ذكرنا بخلاف غيره. وروي عن جابر، قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصاً لا يخالطه شيء (¬3). قال (¬4): ولرواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى كل حديث روته عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه غيرها يرجح روايتها على رواية غيرها خاصة فيما صاحبت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها عنيت بالحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت زيادة توفيق، وقد روى مسلم بن الحجاج: أن عائشة راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لتمام استفهام، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم يا موفقة"، قال (¬5): وقرب ابن عمر منه يريد أن أخته حفصة كانت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: أليس الشافعي فصل قبل ذلك بين حديث جابر وطاوس وبين حديث عائشة وابن عمر لأن جابراً وطاوساً يرويان الإجمال في الإحرام، وعائشة وابن عمر، يرويان الإفراد صريحاً، فلما جاء إلى هذا الفصل جمع بين رواية هؤلاء الأربعة، فاختارها دون رواية الإفراد صريحاً، فلما جاء إلى هذا الفصل جمع بين رواية هؤلاء الأربعة فاختارها دون رواية من روى القران، [42/أ] واشتغل بالترجيح، فكيف الجمع؟ قلنا: هؤلاء وإن اختلفت رواياتهم في آخر إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اتفقت رواياتهم في آخر إحرامه على أنه كان مفرداً، فحيث ميز الشافعي بعض روايات هؤلاء الأربعة عن بعض، فإنما قصد به أول إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال (¬6): ولأن من وصف انتظار النبي صلى الله عليه وسلم القضاء إذا لم يحج من المدينة بعد نزول فرض الحج طلب الاختيار، أي: كان بانتظاره للقضاء طلباً للاختيار فيما وسع الله تعالى له في الحج والعمرة يشبه أن يكون أحفظ، أي: الذي يرون مثل هذا يكون أحفظ من غيره، لأنه قد أتى بالمتلاعنين فانتظر القضاء كذلك حفظ عنه في الحج انتظار القضاء، وكان انتظار القضاء عادته في كثير من الأحكام، وهذا لأنه لا يعلم انتظاره للقضاء إلا بمراعاة حاله وكثرة مطالعته ومراقبته، فتكون روايته أولى فهذا بيان ترجيح رواية الإفراد. ثم اختار المزني طريقة في المسألة، فقال (¬7): "إن ثبت حديث أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرن حتى يكون معارضاً للأحاديث سواه فأصل قول الشافعي أن العمرة ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1562، 2986، 4353، 4354)، ومسلم (1211/ 1232). (¬2) انظر الأم (2/ 55). (¬3) أخرجه البخاري (2505، 2506)، ومسلم (1218)، وأبو داود (1787)، وابن ماجة (2980). (¬4) انظر الأم (2/ 55). (¬5) انظر الأم (2/ 55). (¬6) انظر الأم (2/ 55). (¬7) انظر الأم (2/ 56).

فرض وأداء الفرضين في وقت الحج أفضل من أداء فروض واحد لأن ما كثر عمله لله كان أكثر في ثواب الله" يريد أن القياس يدل على تفضيل القران، ولكن إنما يصار إلى القياس بشرط وهو أن يثبت حديث أنس في قران رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعارض أحاديث من يروي الإفراد [42/ب]، ثم إذا تقابل الأحاديث صرنا إلى القياس، ثم كشف قياسه الذي احتج به أن القارن يأتي بالنسكين معاً في الوقت الأفضل، وهو وقت الوقوف، ويوم النحر، ولا يتأتى في ذلك للمفرد والعمل الأكثر في الوقت الأفضل أفضل من الاقتصار على العمل القليل في الوقت الأفضل، وجوابه: أن القارن يقتصر يوم عرفة على الوقوف والمفرد يفعل ذلك، ثم إن القارن يطوف يوم النحر فيباشر سائر مناسك ذلك اليوم، والأيام التي تليه، والمفرد يفعل ذلك أيضاً، ثم يحرم المفرد بعمرة، ويكملها على حدة فكثرة العمل مع المفرد لا مع القارن، وقد قال عليه السلام: "عمرة في رمضان تعدل حجة" (¬1). وأعلم أن مذهب المزني مثل مذهب الشافعي أن القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحداً، ولا يكاد يبين ترجيحه مع هذا المذهب. وقيل: أن المزني توهم أن الشافعي جعل الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة بالعمرة، فاعترض بهذا. قلنا: ليس على ما توهمت، بل الإفراد الذي هو أفضل خلاف هذا على ما تقدم بيانه، وذلك أكثر عملاً بلا إشكال، لأن أعمال العمرة في القران تدخل في أعمال الحج، وحكى عن ابن سريج أنه كان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متمتعاً. فمن روى أنه أفرد حجه بعدما اعتمر، ومن روى قرن أراد جمع بينهما في عام واحد، وكان جمعهما على التوالي، أو على المقارنة فعلاً عقيب فعل، واحتج من قال: التمتع أفضل [43/أ]، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً بما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده فيحل الحل كله، وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" (¬2). قلنا: أراد به أنه تمتع مع أصحابه، وهو كما يقول الرجل الرئيس في قومه: فعلنا كذا، وهو لا يباشر بنفسه فعل شيء من ذلك، وإنما هو حكاية عن فعل أصحابه يضيفها إلى نفسه على معنى أن أفعالهم صادرة عن رأيه. واحتج من قال: القران أفضل بما روى عن البراء بن عازب، قال: كنت مع علي رضي الله عنه حين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: "كيف صنعت"؟ فقال: قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "فإني سقت الهدي وقرنت" (¬3)، قال الإمام أبو سليمان الخطابي: وهذا صريح البيان بأنه كان قارناً، لأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بما كان نواه قلنا: يحمله على قران الموالاة والضم دون الجمع. ¬

_ (¬1) أخرجه النسائي (4225)، وابن ماجة (2992)، وابن عبد البر في "التمهيد" (22/ 60). (¬2) أخرجه مسلم (203/ 1241) وأبو داود (1790)، وأحمد (1/ 236، 341)، والدرامي (2/ 51)، والبيهقي في "الكبرى" (8863). (¬3) أخرجه البخاري (1559، 1565، 1795)، ومسلم (154/ 1221).

واعلم أن جماعة من الجهال طعنوا فيما ذكرنا، وقالوا: لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم بعد قيام الإسلام إلا حجة واحدة، فكيف يجوز أن يكون في تلك الحجة مفرداً وقارناً ومتمتعاً، وأفعال نسكها مختلفة، وأحكامها غير متفقة، وأسانيدها كلها عند أهل الحديث جياد صحاح، ثم قد وجد فيها التناقض؟ ويريدون تهوين الإخبار، والجواب عن هذا ذكر الشافعي: أن العرب [43/ب] في لغتهم، يجوزون إضافة الفعل إلى الآمر به كما يجوزون الإضافة إلى الفاعل، كما يقولون: بني فلان داراً إذا أمر ببنائها وضرب الأمير فلاناً إذا مر بضربه، وروي: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً وقطع سارق رداء صفوان ولم يباشره ولا شهده، ولكنه أمر به، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل واحد منهم أخذ أمر نسكه عن تعليمه فجاز أن تضاف كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى أنه أمر بها وأذن فيها، وكل قال صدقاً، وروى حقاً، ولا ينكره إلا من جهل، أو عاند، والله الموفق. ويحتمل أن يكون الراوي سمع قوله: لبيك، بحجة وعمرة على سبيل التعليم لغيره وتلقينه ذلك. فإن قيل: رأي سعيد بن المسيب أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه، ونهى عن العمرة قبل الحج (¬1)، فما معناه؟ قلنا: قد قيل: هذا الخبر لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرتين قبل حجة، وجواز هذا إجماع، فلا يترك الأمر الثابت المعلوم بالأمر المظنون، ثم يحتمل أنه نهى اختيار، أو أنه أمر بتقديم الحج لأنه أعظم الأمرين وأهمهما، ووقته محصور، والعمرة ليس لها وقت موقوت، وقد قدم الله تعالى اسم الحج عليها، [44/أ] فقال: {وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. فإن قيل: أليس قد قال معاوية بن أبي سفيان لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ركوب جلود النمور وعن كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذا فلا، فقال: أنها معهن ولكنكم نسيتم (¬2)، فما معناه؟ قلنا: يشبه أن يكون ذلك على معنى الإرشاد ويجري الآخر ليكثر العمل، ويتكرر القصد إلى البيت، كما روى عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: إن أتم الحج والعمرة أن لا يكونا في أشهره فلو أفردتم هذه العمرة حتى تزورا هذا البيت زورتين كان أفضل، وقال عمر رضي الله عنه: أفصلوا بين الحج والعمرة، فإنه أتم لحجتكم وعمرتكم، وقيل: لم يوافق الصحابة معاوية على هذه الرواية، ولم يساعدوه عليه، ويشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى تأويل قول حين أمر أصحابه في حجته بالإحلال فشق عليهم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي"، وكان قارناً عند فحمل معاوية هذا الكلام منه على النهي. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8868). (¬2) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (8869).

باب صوم التمتع بالعمرة إلى الحج

باب صوم التمتع بالعمرة إلى الحج مسألة: قال (¬1): قال تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ} [البقرة: 196] فإذا أهل بالحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة صار متمتعًا. أعلم أن التمتع جائز في قول الكافة إلا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: متمتعان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهي عنهما بل أعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج، والدليل [44/ب] على جواز هذه الآية. وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من أراد أن يهل بالحج، فليفعل ومن أراد أن يهل بالعمرة، فليفعل، ومن أراد أن يهل بالحج والعمرة، فليفعل" (¬2) والأخذ برواية الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الأخذ بقول عمر رضي الله عنه. وتأول بعض الناس حديث عمر رضي الله عنه أنه أراد ما كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإحرام بالحج، ثم الفسخ بالعمرة، وهذا التأويل ليس بشيء لأنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يأتي أحدكم من أفق من الآفاق شعثًا نصبًا فيحرم بالعمرة، ثم يطوف، ويسعى ويحلل، فيذهب شعثه ونصبه، ثم لا يحج لا شعثًا ولا نصبًا، والحج أفضل من العمرة فعمر رضي الله عنه ذهب إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الحاج أشعث أغبر" فاستحب أن يكون ذلك في الحج، فلا يصح هذا التأويل فيحتمل على أنه نهي عن ذلك تنزيهًا واستحبابًا، وهو مع هذا متروك على اجتهاده وحده. فإذا تقرر هذا فالمتمتع يلزمه الدم لما ذكرنا من الآية وإنما يلزمه الدم بخمس شرائط: أحدهما: أن يعتمر في أشهر الحج. والثاني: أن يحج من سنته. والثالثة: أن يقول: الإحرام بالحج من الميقات، فيحرم به من مكة، ولا يرجع إلى الميقات. والرابعة: أن لا يكون من حاضر المسجد الحرام. والخامسة: أن ينوي التمتع عند الإحرام بالعمرة ومروره على الميقات، وذكر أبو حامد شرطًا سادسًا، قال: قال الشافعي في "القديم": إذا مر على الميقات ولم يحرم [45/أ] بالعمرة حتى صار بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فأحرم فإنه لا يجب عليه التمتع لأنه صار كأنها من حاضري المسجد الحرام، ولكنه يجب عليه الدم لتركه الإحرام بالعمرة من الميقات مع إرادتها، وهذا ضعيف. وذكر القفال شرطًا آخر، وهو أن يشترط أن يكون الحج والعمرة جميعًا من شخص واحد، فإن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه، أو بالضد منه، فلا دم عليه قولًا واحدًا، واختيار الحضري. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56). (¬2) أخرجه مسلم (114/ 1211)، وأحمد (6/ 350)، والحميدي (203)، والبيهقي في "الكبرى" (8806).

وقيل: فيه قولان، هل هو شرط أم لا؟، وقال أبو حامد: نص الشافعي في أخريات المواقيت من "القديم" أنه يلزمه الدم سواء حج عن غيره، واعتمر عن نفسه، أو اعتمر عن غيره وحج عن نفسه. قال: وقال بعض الناس لا يلزمه الدم إذا فعل هكذا. واحتج الشافعي بأن فعله للحج والعمرة عن غيره بمنزلة فعل ذلك الغير عن نفسه، وصار فعله في حق نفسه كالمعدوم، فإذا اعتمر بعده من أدنى الحل، فهو مريد للإحرام بالعمرة، مر على الميقات، ولم يحرم، ثم أحرم فعليه دم، وكذلك على العكس، وهذا أصح. فإذا تقرر هذا، فأما الأول، فإنه أن أحرم بالعمرة وأتى بأفعالها في غير أشهر الحج، ثم أحرم بالحج في أشهر الحج لم يكن مضيعاً، ولم يجب عليه الدم لأنه لم يأت بالعمرة في زمان الحج كالمفرد، فإنه لما أتى بالعمرة بعد أشهر الحج لم يجب عليه الدم بالإجماع. وأما إذا أحرم بالعمرة في رمضان، ثم أتى بأعمالها في شوال، فيه قولان: قال في "القديم" و"الإملاء": يجب عليه الدم، ويكون متمتعاً، ووجه أنه أتى بأفعال العمرة في [45/ب] أشهر الحج، واستدامة الإحرام بها بمنزلة ابتدائه، فهو كما أحرم بها في أشهر الحج. وقال في "الأم": لا يجب عليه الدم. وبه قال أحمد أنه أتى بنسك لا يتم العمر إلا به في غير أشهر الحج، فلا يكون متمتعاً كما لو طاف، وهذا أصح لأنه لو حصل الاستدامة كالابتداء لوجب إذا أحرم بالحج قبل أشهره واستدامته يجوز، وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر أعمالها في أشهر الحج يكون متمتعاً، فقوله خارج عن قولنا وحكي عن مالك أنه قال: إذا لم يتحلل من إحرام العمرة حتى دخلت أشهر الحج صار متمتعا، وهذا غلط لأنه أتى بأفعال العمرة في غير أشهر الحج، فلا يجب الدم كما لو تحلل قبلها. وذكر بعض أصحابنا بخراسان: أنا إذا جعلناه متمتعاً إذا أتى الإحرام في رمضان لو أتى بأكثر الأعمال في رمضان، ولكن الفراغ منها كان في شوال، فيكون متمتعاً أيضاً حتى إذا قلنا: الخلاف من النسك، ولم يوجد ذلك إلا في شوال يكون متمتعاً، الاعتبار بالفراغ، وهذا غلط قبيح، وإنما هو قول مالك، والشافعي حين جوز الإحرام في رمضان على معنى أنه يستديم للإحرام إلى أشهر الحج، فيكون كابتدائة فيها، وفي الأعمال لا يمكن أن يقال مثله، فلا يصح هذا القول بحال. وقال ابن سريج: أن أحرم بالعمرة ومر بالميقات بعدما دخل أشهر الحج كان متمتعاً، وأن مر به قبل ذلك لم يكن متمتعاً، لأن ما قبل أشهر الحج لا يقدر على الإحرام بالحج [46/أ]، وفي أشهر الحج يقدر عليه، فإذا أخل به مع القدرة يلزمه دم، وهذا خلاف نص الشافعي. فإن قيل: أليس المتمتع إذا لم يطف طواف الزيارة إلا بعد أشهر الحج لم يبطل بذلك تمتعه لأنه أتى بأكثر أعمال الحج في أشهره؟ قلنا: فرق بين التقديم والتأخير، ألا ترى أن تقديم إحرام الحج على أشهره لا يجوز عندنا، ويكره عند أبي حنيفة، ولا يكره التأخير؟ فكذلك في حق المتمتع. وأما الشرط الثاني: لو لم يتوجه بأن أقام بمكة إلى العام الثاني، ولم يحج في ذلك السنة، أو رجع إلى بلده، ثم عاد إلى الحج في السنة الثانية، فلا دم عليه لأنه أبعد حالاً من المفرد، لأن المفرد يأتي بالحق والعمرة في سنة واحدة، وهذا أتى بها في

سنتين، ولأن الله تعالى قال: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ} [البقرة: 196]، وهذا يقتضي الموالاة بينهما. وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال ابن خيران: ونص الشافعي عليه في رواية حرملة بشرط أن يكونا في شهر واحد، أما في شوال، وإما في ذي القعدة، وإما في ذي الحجة، فيعتمر في ذلك الشهر ويحرم بالحج فيه، وهذا قول لا يحكي ولين وليس بشيء. وأما الشرط الثالث فلا خلاف فيه، فإن أحرم بالحج من جوف مكة ومضي إلى عرفات استقر عليه دم المتمتع، ولو عاد إلى الميقات، أو حرم بالحج منه لم يجب الدم، وإن أحرم بالحج من مكة، ثم عاد إلى الميقات محرماً، ثم مر بعرفات، فهل يسقط عنه دم التمتع؟ وجهان: أحدهما: يسقط لأنه كان يلزمه للترفه بترك الإحرام من الميقات، والآن أتى بأكثر من ذلك، ولم يترفه بشيء [46/ب]. والثاني: لا يسقط لأنه لزمه الدم بإحرام الحج من مكة، فلا يسقط بعده، وبهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة: لا يسقط حتى يعود إلى بلده. وهذا غلط لأن بلده لا يجب عليه الإحرام منه ابتداء بالشرع، فلا يتعلق سقوط دم التمتع بالعود إليه كسائر البلاد. وقال القفال: وهكذا القارن إن دخل مكة، ثم خرج منها إلى عرفة، استقر عليه دم القران. ولو خرج إلى الميقات محرماً، ثم خرج إلى عرفات، هل يسقط دم القران؟. وجهان، والأصح هنا أنه لا يسقط، لأن اسم القران لم يزل، وهناك يحتمل أن يقال التمتع اسم لمتعته بترك الميقات في الحج فيزول الاسم بعوده إليه. فإذا تقرر هذا فإن هذا المتمتع إذا لم يرد العود إلى ميقات بلده صارت مكة ميقاته، ولزمه الإحرام بالحج منها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه المتمتعين بذلك، فإن أحرم بالحج من مكة، فلا كلام، وعليه دم التمتع، وأن خرج من مكة، فأخرم غي الحل خارج الحرم، فقد ترك ميقاته فإن عاد إلى مكة محرماً، فلا شيء عليه، وصار كما لو أحرم من مكة، وإن لم يعد ومضى إلى عرفات. قال أصحابنا: يلزمه الدم، وقد ذكرنا هذا. وقيل: يجب عليه هذا الدم، ويكون دماً غير دم التمتع، وهذا لا يصح لأن دم التمتع إذا كان لترك الميقات لا يلزمه دم آخر لذلك أيضاً. ولا فرق بين أن يترك من مسافة إحرامه [47/أ] قليلاً أو كثيراً في إيجاب دم واحد فقط. وقال القفال: لو لم يرجع المتمتع لإحرامه بالحج إلى ميقاته الذي مر به، ولكن رجع إلى مثل تلك المسافة من ناحية أخرى يكون كما لو رجع إلى الميقات، وخرج عن أن يكون متمتعاً. وقال أيضاً: يخرج إلى موضع يقصر إليه الصلاة من مكة، فيكون كالرجوع إلى الميقات، ولهذا وجه كأنه اعتبر أن يكون من غير الحاضرين. وذكر أيضاً أن الشافعي قال: فمن أراد التمتع، فجاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بالعمرة، ثم لما فرغ منها أحرم بالحج، فهو متمتع، وأن رجع إلى الميقات، فليس بمتمتع. وقال أصحابنا: إذا لم يرجع فعليه دمان: دم التمتع، ودم الإساءة بترك الميقات في العمرة، وهذا صحيح. وأما الشرط الرابع: فلا خلاف فيه لقوله تعالى: "ذلك لمن لم

{يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ} [البقرة: 196] , وهذا شرط عاد إلى إيجاب الدم دون التمتع في قوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ} [البقرة: 196] , لأن الاستثناء يعُود إلى الحكم لا الخبر الذي يقدم, ولأن الدّم إنما يلزم لترك الميقات, وهو لم يترك, وهؤلاء من كان بينهم وبين الحرم مسافة لا تقتصر فيها الصلاة من كل ناحية. وأما الشرط الخامس: وهو نية التمتع اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يشترط, وهو اختيار القفال لأن وجود الحجّ من في سنتهِ يغني عن هذه السنة. والثاني: أنها تشترط حتى يلزمه حكم الميقات للإحرام بالحجّ بتلك النيّة, [47/ ب] فيلزمه الدم إذا أحرم بالحجّ من مكة, وهذا لأنه جمع بين العبادتين في وقت أحدهما, فلا بدّ من النيّة كالجمع بين الصلاتين, ومتى تجب هذه النية؟ فيه وجهان: أحدهما: عند الإحرام بالعمرة. والثاني: قبل التحلل منها, فإذا نوى من حين الإحرام بالعمرة إلى أن يفرغ منها جاز, وأصل الوجهين أن من جمع بين الصلاتين في وقت أحدهما لابدّ من أن ينوي الجمع, ومتى ينوي؟ قولان على ما ذكرنا. فَرْعٌ في وجوب دم التمتع هل يشترط أن يكون النسكان من واحد؟ وجهان, فإذا قلنا: لا يشترط فاستأجره رجلان ليحجّ عن أحدهما, ويعتمر عن الآخر, وكانا أذنا جميعًا في التمتع. من أصحابنا من قال: يجب الدم عليهما نصفين لأن التمتع ركنان حجّاً وعمرة, وقد أذنا فيه, فصار موجبة بينهما, والصحيح أن الدم على الأمر بالحجّ؛ لأن عندنا هو دم جبر ولم يقع من مسك العمرة فقصر لأنه أحرم بها في الميقات, وأتى بأفعالها كاملة, وإنما التقصير, وقع في الحجّ لترك الإحرام به من الميقات. فَرعٌ آخرُ لا يكره للمكي ولا لمن أهله حاضري المسجد الحرام تمتع, ولا قران, ولكن لا دم عليهم. وقال مالك: وهذا لأن دم القران والتمتع إنما يلزم لذبح سفر, والمكي لا يلزمه السفر, ولا يلزمه أن يحرم من الميقات لأنه يحرم بالقران من جوف مكة لأنه إذا خرج إلى عرفة حصل له الجمع بين الحلّ والحرم, ويحرم في التمتع بالعمرة من أقرب الحل, والحجّ من جوف مكة. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: [48/ أ] لا يصحّ منهم تمتع, ولا قران, وإذا أحرم بهما, أو انقضت عمرته, وإن أحرم بالحجّ بعدما فعل شوطًا من الطواف للعمرة, أو نقض حجّه في قول أبي حنيفة, نقضت عمرته في قول أبي يوسف ومحمد, وإن أحرم بعد أكثر فعل الطواف مضى فيهما, ووجب عليه دم جبران, واحتجوا بما روي عن ابن عمر, قال: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران, وهذا غلط لأن كل من لا يكره منه الإفراد لا يكره منه القران. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يكره له القران والتمتع, فإن فعل يلزمه دم الإساءة بارتكاب فعل منهي عنه, وليس بدم التمتع.

مسألة: قال (¬1): وله أن يصوم حين يدخل الحجّ. الفَصْلُ الكلام الآن في حكم الهدي والصوم الواجب على المتمتع, والكلام في الهدي في فصلين: أحدهما: في وقته, ووجوبه. والثاني: في وقت جوازه. فأما وقت وجوبه إذا فرغ من العمرة, وأحرم بالحجّ يلزمه الدم لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ} [البقرة: 196] , وإنما يسعى متمتعًا إذا أحرم بالحجّ, وأراد بما استيسر: دم شاه, أو سبع بدنة وبقرة, فإن أهدى بدنة أو بقرة كان أفضل. وحكي عن عطاء أنه قال: لا يلزمه الدم حتى يقف بعرفة وحكي عن مالك أنه قال: لا يلزمه الدم حتى يرمي جمرة العقبة, فاعتبر إكمالها. وأمّا وقت جواز إخراجه فإن ذبح بعد الوجوب جاز, وهو بعدما أحرم بالحجّ, والمستحب تأخيره إلى يوم النحر. وهذا غلط لأنه دم يتعلق بالإحرام, وينوب عنه بصوم, فجاز قبل يوم النحر كدم الطمث, ولو ذبح قبل الفراغ من العمرة لا يجوز قولاً واحدًا لأنه لا ينطلق عليه اسم التمتع, وإن ذبح بعد التحلل من العمرة قبل الإحرام بالحجّ قد قيل فيه قولان, وهو الأظهر, وقيل: وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه لم يحرم للحجّ, فأشبه ما إذا لم يفرغ من عمرته, أو الهدي يتعلق به عمل البدن, وهو يفرق لحمه, فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه كالصوم. والثاني: يجوز, وهو الأصحّ لأنه حق هو مال يجب بأسباب, فجاز تقديمه على بعض أسبابه: كالكفارة والزكاة. وقال القفال: هل يجوز قبل فراغه من العمرة؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أحد السببين لم يتم بعد. والثاني: يجوز, لأن السبب هو: الإحرام بالعمرة في أشهر الحجّ لا الفراغ منها, وهذا خلاف المنصوص, ثم إذا عدم الهدي يجوز الانتقال إلى الصوم وإن واجدًا في بلده, وما دام واجدًا له لا يجوز الصوم لقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196] , وبفارق هذه الكفارة إذا كان واجدًا للرقبة في بلده لا يجوز له الانتقال إلى الصوم في مكانه؛ لأن البدل هناك غير مؤقت, وههنا البدل مؤقت, فاعتبر القدرة والعجز في موضعها كما في الوضوء مع اليتيم. وفي كفارة الظهار وجهان: أحدهما: يعتبر القدرة على الرقبة في مكان دون [49/ أ] بلده, لأن عليه إضرارًا في تأخيرها لأن إباحة الوطء يتعلق بها. والثاني: يعتبر عدمها على الإطلاق لما ذكرنا من عدم الوقت. ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 56).

وإذا عدم المتمتع المال, ولا يرجو وجود المال في أيام الحجّ, فلأولى أن يعجل الصوم لأن المبادرة إلى أداء العبادة أولى, وإن كان لا يجد المال في الوقت, ولكنه بناء على ما لو لم يجد الماء إلا أنه يتحقق الماء في آخر الوقت, ولو كان لا يتحقق وجود الهدي, ولكن يرجو وجُده له أن يصوم, وهل الأفضل له أن يعجل أم يؤخر؟ وجهان: كالحكم فيمن يرجو وجُود الماء بعد دخول وقت الصلاة وهو يرجو وجود الماء في آخر الوقت, قولان. ثم إذا انتقل إلى الصيام, فهي عشرة أيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع ووقت صيام الثلاثة ما بين الإحرام بالحجّ, ويوم النحر يكون آخره يوم عرفة, لأن الصوم لا يصحّ بعده, فإن أراد صيام الثلاثة قبل إحرامه بالحجّ لا يجوز. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يصوم إذا أحرم بالعمرة, وناقض في ذلك حين لا يجوز الهدي في ذلك الوقت مع أنه ماليًا, ويجوز الصوم مع كونه عبادة بدنية, وهو بدل الهدي, أو يقول: كل وقت لا يجوز فيه المبدل [49/ ب] لا يجوز فيه البدل أصله قبل الإحرام بالعمرة, أو صوم ولجب, فلا يجوز تقديمه على وقتِ وجوبه كصوم رمضان. وعن أحمد روايتان: أحدهما: كقول أبي حنيفة. والثانية: يجوز بعد التحلل من العمرة, فإذا تقرر هذا, فإن لم يصم الثانية حتى جاء يوم النحر, فالمذهب أنه يصوم بعده, ولا يفوت بفوات يوم عرفة. وبه قال مالك: لأنه صّوم واجب, فلم يسقط بفواتِ وقتهِ كصوم رمضان. وقال ابن سريج: يحتمل قولاً مخرجًا أنه يسقط بفواتِ وقته إلى الهدي, ولا يجوز الصوم بحالٍ, ويستقر الهدي في ذمته, ولا يلزمه لتأخير الصوم شيء. وبه قال أبو حنيفة, إلا أنه يقول: يلزم دم آخر للتأخير, وهذا التخريج من ابن سريج مما قال الشافعي إذا وجب عليه الصوم بالإحرام بالحجّ, فمات عقيبه فيه قولان: أحدهما: عليه الهدي. والثاني: لا شيء عليه, فأسقط عنه بالموت, فكذلك بفوات الحجّ, وهذا تخريج بعيد لأن صوم رمضان يسقط بالموت إذا مات قبل التمكن من أدائه, ولا يسقط بفوات وقته, كذلك ههنا. وحكي عن أحمد أنه قال: إن أخّر الصوم من غير عذر وجب عليه دم آخر للتأخير. وهذا غلط لأنه صّوم يجب بفواته القضاء, فبم تجب به كفارة كصوم رمضان, ولأنه يستحيل وجوب مثل المبدل معه في الأصول, فإذا قلنا: له الصيام بعده لم يجز أن يصوم يوم [50/ أ] النحر. وفي أيان التشريق قولان: أحدهما: قاله في "القديم": يجوز له أن يصومها, وبه قال ابن عمر وعائشة ومالك وأحمد في رواية لما روي عن عائشة رضي الله عنها, قالت: رَخص رسول الله صلى الله عليه وسلم

للمتمتع إذا لم يجد الهدي, ولم يصم الثلاثة من العشرة أن يصوم أيام التشريق (¬1). والثاني: قاله في "الجديد", وهو الصحيح أنه لا يجوز, وروي ذلك عن علي رضي الله عنه. وبه قال أبو حنيفة, والقَول الآخر مرجوع عنه لأن الشافعي قال ههنا: وكنت أراه, أي كنت في "القديم" أرى جواز ذلك, وقيل: إن الشافعي رضي الله عنه قال في "الجديد": قال قوم: يصوم أيام منى, وقد كنت أراه, وأما الآن لا أراه. ثم تأول ما روي عن بعض الصحابة, فقال: وقد يكون من يصوم أيام منى ذهب عنه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها يعني ما رواه أبو هريرة, أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام (¬2) .... الخبر. وروى أبو هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة السهميى يطوف قي منى أن لا تصوموا هذه الأيام, فإنها أيام أكل وشرب, وذكر الله تعالى (¬3). وأما خبرهم رواه يحيى بن سلام, وهو ضعيف وربما يروون عن عبد الغفار بن القسم عن الزهري عن عمرو, وعن عائشة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد في صيام أيام التشريق إلا ممتع, أو محصر وعبد الغفار هذا أخطأ في إسناده, وهو ضعيف أيضًا, ثم إن المزي أيّد [50/ ب] هذا القوي, فقال: قوله هذا أقيس, لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى في نهيه عنها وعن يوم النحر, فإذا لم يجز صيام يوم النحر للنهي, فكذلك أيام منى, فإذا قلنا: لا يجوز صيام أيام التشريق أتى بها بعدها قضاء. وإذا قلنا: يجوز لها أن يصومها أتى بها في أيام التشريق أداء فإن فاته فيها أتى بها بعدها, وكان قضاء, فكان آخر وقت الأداء قولين, ففي القديم وقت الأداء إلى آخر أيام التشريق. وفي "الجديد": إلى آخر يوم عرفة. فَرْعٌ لو وجد المتمتع الهدي بعد العدم, فإن وجَده بعد الفراغ من الصوم لم يلزمه ذبحه, وإن وده وهو في الصوم, فلا فصل له أن ينتقل إلى الهدي, فإن مضى في صومه أجزأه كما يقول في المتيمم إذا رأى الماء في صلاته يمضي فيها, ولا فرق بين أن يجده في أثناء صوم الثلاثة, أو في أثناء صوم السبعة. وبه قال مالك وأحمد في روايته, وقال المزني: يلزمه العود إلى الهدي بكل حال, وقال أبو حنيفة: إن وجده في صوم الثلاثة يلزمه العّود إلى الهدي, وإن وجده في صوم السبعة لا يلزمه العَود إلى الهدي, لأن صوم الثلاثة بدل عن الهدي دون صوم السبعة, وهذا غلط لأن الله تعالى جعل جميع العشرة بدلاً عن الهدي لأنه أوجبها عند عدم الهدي, فلا يلزمه الخروج منه بوجود الهدي كالسبعة. وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو وجد الهدي بعد أن صام الثلاثة [51/ أ] قبل يوم النحر يلزمه العود إليه ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1997, 1998) , والدارقطني (2/ 186). (¬2) أخرجه الدارقطني (2/ 157) , والبهيقي (4/ 208). (¬3) أخرجه الدارقطني (2/ 282).

أيضًا, وإن وجده بعد مضي أيام النحر أجزأه الصوم, وإن لم يتحلّل, لأنه مضى زمان التحلّل وقبل ذلك كان زمان التحلّل, وهذا غلط أيضًا لمل ذكرنا. فَرعٌ آخرٌ لو أحرم بالحجّ, وهو معسر فكان فرضه الصوم, ثم أيسر قبل دخوله في الصوم, ووجد الهدي فيه قولان بناء على أن الإعسار في الكفارات بحالة الأداء أم بحالة الوجُوب, فإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب لا يلزمه ذبحه, ويجوز الصوم له, وإن قلنا: بحالة الأداء يلزمه ذبحه, ولا يجوز له الصوم, وقيل: في الكفارة قولٌ ثالث, يعتبر بأغلظ الأحوال, فعلى هذا ههنا يعتبر بالأغلظ, ويلزمه الهدي, وكذلك لو أحرمَ به, وهو موسور, ثم أعسر قبل الإتيان بالدم, هل يجزئه الصيام؟ على الاختلاف. فَرعٌ آخرٌ لو لم يصم المتمتع حتى مات, قال القاضي في كتبه الجديدة: إن كان لم يمكنه أن يصوم لم يجب شيء, وإن أمكنه أن يصوم, فلم يصم تَصَدّق عنه مكان كل يوم مُدّ من حنطةٍ, ثم فيه قولان: أحدهما: يلزمه أن يفرقه على مساكين الحرم لأنه مال وجب بالإحرام كالدم. والثاني: الأولى أن يفرق فيهم, فإن فرقه في غيرهم جاز لأن الإطعام بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم, وقال في "القديم": يصوم عنه وليه, والمذهب الأول. فإن مات بعد القدرة على بعضها دون بعض أطعم عن كل يوم قدر ما كان عليه مدّاً, ولا شيء في الباقي, وفال أبو إسحاق: ذكر الشافعي في "مختصر الحجّ" في هذه المسألة قولين: أحدهما: يتصدق عنه [51/ ب] عن كل يوم بدرهم, فيكون عن العشرة عشرة دراهم, والثاني: يخرج عن يوم ثلث دم وعن يومين ثلثي دم وعن ثلاثة فصاعدًا شاة, وهذا أيضًا غير صحيح. وإنما ذكر أصحابنا هذه الأقاويل في إتلاف الشعر والظفر, وترك الحصيات لا في هذا الموضع, وقال في "الأم": من لم يجد الهدي, ففرضه الصيام, فإن مات من ساعته فيه قولان: أحدهما: عليه الهدي, ومعناه يطعم عنه, لأن الهدي لم يجب عليه أصلاً, لأنه لم يجد. والثاني: لا شيء عليه, وهو الأصحّ لأن الهدي لم يجب عليه, ولم يتمكن من الصوم والإطعام لفوات صوم مقدور, وههنا لم يقدر, ووجه القول الأول أنه لا يمكن أن يصام عنه, ويمكن أن يهدي, فوجب الهدي على ما ذكرنا من التأويل. وقيل: يقضي عنه الدم بعد موته ببيع عروضه التي لم يلزمه بيعهما في حياته. وأما وقت صوم السبعة, قال تعالى: {وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] , واختلف فيه قول الشافعي, فقال حرملة ونقلة المزني: يصوم إذا رجع إلى أهله واستقر (¬1) وهو الصحيح لأن الرجوع إذا أطلق فيمن خرج من أله يقتضي رجوعًا إليهم لأن الرجوع في ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 58).

الحقيقة رجوع إلى المكان الذي خرج منه. وقال في "الإملاء": يصوم السبعة إذا رجع من حجّه بعد كمال مناسكه. ثم اختلف أصحابنا في هذا, فقال جماعة: مذهبه في "الإملاء": أنه يصومها إذا أخذ في الخروج من مكة راجعًا إلى بلده, ولا يجوز له أن يصوم بمكة قبل خروجه, وهو اختيار أصحابنا بالبصرة. وقيل: إنه قول مالك, وهو اختيار أبي إسحاق, وقال أصحابنا البغداديون: مذهبه في "الإملاء" أنه يصومها إذا رجع إلى مكة بعد فراغه من مناسكه ورميه سواء أقام بمكة, أو خرج منها. وبهذا قال ابن عباسٍ والحسن وعطاء [52/ أ] ومالك وأبو حنيفة وأحمد, واحتجوا بأن كل من لزمه صوم, وله أن يؤديه إذا رجع إلى وطنه له أن يؤديه قبل ذلك لقضاء رمضان, وهذا غلط لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المتمتع: "من كان معه هدي فليهده ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى أهله". وهذا نص صريح, فإذا قلنا بالقول الصحيح, فالمراد بالوطن موضع العزم على الاستيطان فيه سواء كان البلد الذي خرج منه, أو غيره حتى لو أقام بمكة كانت وطنه وصامها فيها, فعلى هذا وقت جواز فعلها حصوله في موضع الاستيطان, ولو صام قبل ذلك لم يجهزه لأنه لا يجوز أداء العبادة البدنية قبل دخول وقتها ولو أخّر صيامها مع القدرة عن هذا الوقت كان مسيئًا وأجزأته, وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار أبي إسحاق يصومها إذا خرج من مكة, فإن صام قبله لا يجوز, ولو أخّرها حتى رجع إلى أهلهِ كان مسيئًا وأجزأته. هكذا قال "الحاوي" (¬1) , وقال سائر أصحابنا: أجزأته, وهل الأفضل له التأخير إلى الرجوع إلى أهله أم التقديم على ذلك؟ قولان: أحدهما: الأفضل له التقديم لأن تعجيل العبادة في أول وقتها أفضل عند القدرة. والثاني: التأخير أفضل. وبه قال مالك لأنه مختلف في جوازه قبل ذلك وفعل العبادة على الوجه المجمع أولى. وإذا قلنا بقول "الإملاء" على اختيار البغداديين يصومها إذا فرغ من أعمال حجّه, فإن صام قبل فراغه من جميع أعمالهِ لم يجز, وإن صام بعد فراغه من جميع أعمال حجّه, وهو بمكة, أو في طريقه أجزأه, وأما متابعة صيام الأيام الثلاثة في الحجّ, والسبعة الأيام إذا رجع فمستحبة وفي وجوبها وجهان مخرجان [52/ ب] من القَولَين في التتابع في صوم كفارة اليمين ذكره الإمام والدي, وصاحب "الحاوي" (¬2) وسائر أصحابنا ذكروا: أنه يجوز متتابعًا ومتفرقًا بلا خلاف لأن الله تعالى أطلق ولم يشترط التتابع, وإن لم يصم الثلاثة في الحجّ, فمتى عاد إلى وطنه يلزمه صَوم العشرة ثلاثة أيام قضاء وسبعة أداء, فهل يلزمه أن يفرق بين الثلاثة أو السبعة؟ المنصوص أنه يلزمه التفريق بينهما, وهو قول الأكثرين من أصحابنا. ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه, وله أن يصوم العشرة متابعة, لأن التفريق وجب في الأداء لأجل الوقت, فإذا فات الوقت يسقط كترتيب الصلوات في أوقاتها تسقط بفوات الوقت. ¬

_ (¬1) انظر الحاوي للماوردي (4/ 76) (¬2) انظر الحاوي للماوردي (4/ 57)

وبه قال أحمد, وهذا غلط لأن التفريق في الأصل من ناحية الفعل دون الوقت لأنه قيل له: صم الثلاثة قبل الفراغ من الحجّ وصُم السبعة بعد العود إلى الوطن وعوده فعل من جهته قد يعود في مدة يسيرة, ومدة كثيرة, وما كان مستحقًا من ناحية الفعل يفوت بفوات الوقت كترتيب أفعال الصلاة. فإذا قلنا بالقول الأول يصوم كيف شاء, ولو قدم السبعة على الثلاثة يجوز. وقال والدي: فيه وجهان, والأصحّ ما ذكرت. وإذا قلنا بالقول الثاني, وهو الصحيح, يجب التفريق بينهما بالمقدار الذي كان يفرق بينهما بالأداء, وذلك مبني على القولين في صوم السبعة, والقولين في صيام أيام التشريق, فإن قلنا بقوله الجديد: إن صيام التشريق لا يجوز وصوم السبعة لا يجوز إلا بعد الرجوع إلى الوطن وجب التفريق بينهما بأربعة أيام ومدّة السفر. وإن قلنا بقوله القديم: إن صيام أيام التشريق يجوز والرجوع إلى الوطن [53/ أ] وهو المراد وجب التفريق بينهما بقدر المسافة, وإن قلنا: صوم السبعة يجوز بعد الفراغ من الحجّ, وقلنا: لا يجوز صيام أيام التشريق ففرق بينهما بأربعة أيام, وإن قلنا: يجوز صيام أيام التشريق لا يفرق بينهما بشيء لأنه كان يمكنه في الأداء أن يؤخّر صيام الثلاثة, ويصومها في أيام التشريق, ثم يصوم السبعة عقبها من غير فصلٍ. وهكذا إن قلنا: الرجوع هو الأخذ في السير, وهذه الأقوال كلها مخرجة. ونصّ في "الإملاء" أن أقلّ ما يفرق بينهما بيوم. ثم اختلف أصحابنا في أصل هذا القول, فمنهم من قال: إنما قاله على القول الذي يقول: يجوز للمتمتع صيام أيام التشريق, ويجوز فيها أيضًا, كل صوم له سبب ولصوم السبعة سببٌ ظاهرٌ, فيفصل بينهما بيوم النحر, وهذا خطأ من قائله, لأن صوم السبعة لا يجوز في أيام التشريق بالإجماع, لأنه إنما يجوز بعد الفراغ من أفعال الحجّ, وفي أيام التشريق ففعل بقية أعمال الحجّ, والصحيح أن يقال: نص على هذا القول, وهو أصل في نفسه, ولم ينبه على غيره, ووجهه أنه إذا أوجب التفريق في الأصل وجب في القضاء وأقل التفريق يوم. فحصل في المسألة خمسة أقوال: أحدهما: لا يفرق بينهما أصلاً. والثاني: يفرق بيوم. والثالث: بأربعة أيام. والرابع: بأربعة أيام وقدر المسافة. والخامس: يفرق بقدر المسافة فقط. وذكر بعض أصحابنا بخراسان قولاً آخر: يفرق بينهما بخمسة أيام إذا قلنا: أراد الرجوع إلى مكة في قوله تعالى {إذَا رَجَعْتُمْ} , ولا يجوز صيام أيام التشريق ويوم الرجوع إلى مكة. وهذا ليس بشيء. فَرْعٌ إذا قلنا: [53/ ب] التفريق واجب بحسب الترتيب, فلا يجوز السبعة قبل الثلاثة ولو شرع في السبعة, هل يحتسب عن الثلاثة؟ وجهان, كما لو لم يفرق بين السبعة والثلاثة, وقد قلنا يجب التفريق بيوم, هل تحتسب له الأيام الستة؟ وجهان.

فَرْعٌ آخرُ لو صام هذه العشرة متتابعة من غير تفريق صحت الثلاثة, وأمّا السبعة فمبنيّة على الأقوال الخمسة, فكل زمان لزمه أن يجعله فصلًا بين الصومين لم يصحّ صيامه فيه, فإذا قلنا: لا يجب الفصل بينهما أجزأه الكل, فإن قلنا: يفصل بيوم بطل من السبعة يوم, وإن قلنا: بأربعة أيام بطلت منها أربعة. وإن قلنا: بأربعة أيام, وقدر المسافة, فإن كانت الأربعة, وقدر المسافة سبعة أيام فأكثر لم يصحّ من السبعة شيء, وإن قلنا: بقدر المسافة, فإن كانت المسافة سبع أيام فأكثر لم يصحّ منها شيء, وإن كانت دون السبعة بطل منها بقدر المسافة, وصحّ ما عداه. وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يجوز السبعة بحال؛ لأن اليوم الرابع لا يجوز لا محالة, فإذا صام اليوم الخامس فعنده أن اليوم الثاني من السبعة فلم يجزه, ولا يجوز ما بعده على هذا القياس, وهذا ليس بشيء. وقال الإصطخري: إن صام اليوم السابع بعد صيام الثلاثة أجزأته الثلاثة, والكلام في السبعة وإن نوى السابع صيام الثلاثة عند دخوله فيها لم يجز ويكون فساد نيته قادحًا في صومه. وهذا غلط فاحش لأن طرد الفساد على صوم بعض الأيام لا يقتضي فساد الصوم في غيره. ثم قال المزني: قال (¬1): فإن لم يصم حتى مات يصدق ما أمكنه, وقد ذكرنا هذا, وقال في "الحاوي" (¬2): إذا مات المتمتع قبل [54/ أ] فراغهِ من أركان الحجّ, فإن كان معسرًا لا شيء عليه, وإن مات موسرًا ففي وجوب الدم قولان: أحدهما: لازم لأن الدم إنما وجب للمتعة بالحجّ, فإذا مات قبل إكمال أركانه لم يكمل الحجّ, فلا دم. والثاني: وهو الأصحّ يجب الدم, لأنه وجب بدخوله في الحجّ, والدم إذا وجب في الحجّ لم يسقط بموته قبل كماله لدم الوطء. مَسأَلَةٌ: قالَ (¬3): وحَاضرو المسجد الحرام الذين لا متعة عليهم من كان أهله دون ليلتين. الفَصلُ القصدُ به بيان حاضري المسجد الحرام من هم؟ وقد قال ههنا: من كان أهله دون ليلتين أي داره من مكة على دون مسافة القصر. وبه قال أحمد, ثم أوضح ذلك, فقال: وهو حينئذٍ دون أقرب المواقيت, أي: أقرب إلى مكة من أقرب المواقيت, لأن أقرب المواقيت فيما قبل هو ذات عرق, وهي على مسافة ليلتين, ثم زاد في "الإيضاح", فقال: ومن سافر إليه, أي: إلى هذا الموضع الذي جعلناه من حاضري المسجد الحرام صلى صلاة الحضر لا يجوز فيه القصر, ثم زاد أيضًا فقال: ومنه يرجع من لم يكن آخر عهده بالبيت حتى يطوف, وأراد أن على من أراد الخروج من مكة أن يودع البيت بالطواف فمن نفر قبل الداع عليه الرجوع ما لم يبلغ سفره مسافة ¬

_ (¬1) انظر الأم (2/ 58). (¬2) انظر الأم (2/ 59). (¬3) انظر الحاوي للمارودي (4/ 60).

القصر، فإن جاوز ذلك لا يلزمه الرجوع، وأجزأه دم. جملة هذا أن الطواف في الحجّ ثلاثة طواف القدوم، وطواف الزيارة وطواف الوداع، فأمّا طواف القدوم، فهو أن الحجّ أو المقيم، أو غيرهما إذا دخل مكة يستحب له أن يطوف بالبيت عند قدومهِ، وهذا الطواف ليس من مسنونات الحجّ، ولا من أفعاله الراتبة، بل هو تحية المسجد ألا تري [54/ب] أن المكي لا يفعله، فإن تركه لم يلزمه شيء، وذكر القفال في "شرح التلخيص" قولا مخرجًا يلزم دم قياساً علي طواف الوداع، وليس بشيء، وأمّا طواف الزيارة هو أن الحاج إذا فرغ من الوقوف، والمبيت بمزدلفة عاد إلي مكة وطاف طواف الزيارة، وهذا ركن في الحج تركه يبطل الحجّ، ولا يجبر بالدم بحال، وأما طواف الوداع فهو ما ذكرنا. وهل يجب الدم بتركه؟ قولان: أحدهما: يجب، نصّ عليه في " الأم". والثاني: لا يجب، نصّ عليه في "الإملاء". فإذا قلنا: يجب، فإن ذكر قبل أن يجاوز ما لا يقصر إليه الصلاة يلزمه أن يرجع، لأنه بعيد من حاضري المسجد الحرام، فأشبه إذا ذكر، وهو بمكة، وإذا رجع وودعَ لا يلزمه الدم، وإن ذكر، وقد جاوزه استقر عليه الدم، فإن ر