الموافقات

الشاطبي، إبراهيم بن موسى

المقدمات

المقدمات مقدمة المحقق ... مقدمة المحقق: إن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومَن يُضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71] . أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد؛ فقد مضت حركة الاجتهاد في الدين؛ قوية سديدة، مطردة نامية، خصبة الإنتاج، ميمونة الولائد؛ من منتصف القرن الثاني، حيث بدأ استقرار المذاهب بوضع الأصول، وتمييز العام منها الجامع بين المذاهب المختلفة، والخاص الذي ينفرد به مذهب عن مذهب آخر، وتتابع تولد المذاهب إلى منتصف القرن الرابع، فكلما قطع واحد منها دور التأصيل على يد مؤسسه ومتخذ أصوله؛ دخل في دور التفريع، وهو دور الاجتهاد المقيد؛ فتلاحقت المذاهب على دور التفريع إلى استهلال القرن الخامس، وهنالك تمحض الفقه لعمل جديد هو عمل التطبيق بتحقيق الصور وضبط المحامل؛ فكان اجتهاد جديد هو الاجتهاد في المسائل، ثم دخل الفقه في أوائل القرن السادس دون الترجيح، وهو دور اجتهاد نظري، يعتمد درس الأقوال وتمحيصها والاختيار فيها بالترجيح والتشهير، حتى انتهى ذلك الاختيار إلى عمل تصفية، برز في دور التقنين، بتأليف مختصرات محررة على طريقة الاكتفاء بأقوال تثبت، هي الراجحة المشهورة، وأقوال تلغى هي التي ضعفها النظر في الدور الماضي باعتبار أسانيدها أو باعتبار مداركها أو باعتبار قلة وفائها بالمصلحة التي تستدعيها مقتضيات الأحوال. وبذلك وقف سير الفقه عند تلك المختصرات، وأقبل الفقهاء يجمعون دراساتهم حول المختصرات، مقتصرين في تخريج المسائل عليها في حال أن صورا من الوقائع الحادثة التي لم تشتمل تلك المختصرات على نصوص أحكامها كانت تتعاقب ملحة في طلب الأجوبة التي تحل مشاكلها، والأحكام التي تقرر وجهة السير فيها. فكان ذلك ملفتا أنظار الفقهاء إلى ضيق النطاق الالتزامي الذي ضربوه على أنفسهم باقتصار على المختصرات، وحاديا بهم إلى الرجوع إلى المجال الأوسع: مجال الأقوال العديدة، والآراء المتباينة داخل كل مذهب، ذلك

المجال الذي لم يزل يستفحل به الهجران منذ القرن السادس. وبتلك الرجعة التي خرج بها الفقه عن نطاق الالتزام؛ وجد الفقهاء أنفسهم في وضع حرج دقيق، من حيث إن المجتمع الإسلامي بما شاع فيه من الضعف والانحلال قد أخذ ينزلق خارج نطاق الحدود والأخلاق الشرعية؛ حتى أصبحت صور الحياة الفردية والاجتماعية مختلفة في نسب متفاوتة عن المُثُل العليا التي رسمتها أحكام الدين الإسلامي. ومن حيث إن الفقيه الذي يضطلع بواجبه في تقويم الحياة الفردية والاجتماعية على مبادئ الدين وتعاليمه يكون بين أمرين: إما أن يحاول حمل الناس على الطريقة الملتزمة والأحكام التي تعاقبت الأجيال منذ قرنين وأكثر على احترامها بحرمة الدين والانكسار من الخروج عنها مخالفة وعصيانا؛ فيكون في حملهم على ذلك من أعنات المكلفين، وتحجير الواسع، والتزام ما لا يلزم ما لا يرضاه لنفسه وللناس الفقيه الموفق. وإما أن يجر الفقيه عامة الناس وراءه إلى المجال الأوسع الذي يصبو إليه؛ حيث الاختلاف، والأنظار، وأعمال المناسبات والضرورات؛ فيكون قد جرأهم على ما كانوا مشفقين منه، مستعظمين لأمره، غير مستهترين فيه؛ من مخالفة الأحكام التي عرفوها ودانوا بها، وبذلك ينفتح للأهواء باب يلج منه كل إنسان إلى اختيار ما يوافق ميله، وينسجم مع حالته؛ فيصبح الدين أمرا نسبيا إضافيا، يختلف عند كل شخص أو جماعة عما هو عليه عند شخص آخر أو جماعة آخرين؛ حتى تختل الشريعة وتنحل عراها. لا سيما وقد ألف الناس أمورا شائعة بينهم لم يزالوا يألفونها والعلماء ينكرونها، وهي التي يشنع العلماء على الناس أخذهم بها, باعتبار كونها من البدع على النحو الذي أورده أبو بكر الطرطوشي، فإذا فتح باب الاختيار والخروج عن

الأحكام الفقهية المألوفة، والحكم على بعض الأشياء بالحسن والمشروعية، مع أن السلف لم يحسنوها ولم يقروا مشروعيتها؛ فإنهم لا يلبثون أن يجروا البدع ذلك المجرى، ويتأولوا لها أوجها تئول بها إلى الحسن والمشروعية؛ فكيف يستطاع بعد ذلك تغيير المنكر ومقاومة البدعة؟! تلك هي دقة الموقف الحرج الذي وقفه الفقهاء في القرن الثامن، وذلك هو سر البطولة الفكرية التي تمثلت في أول متحرك للخروج بالفقه وأهله من ذلك الموقف الحرج الدقيق، وهو: الإمام أبو إسحاق الشاطبي1. التعريف بكتاب الموافقات2: لما كان الكتاب العزيز هو كلية الشريعة، وعمدة الملة، وكانت السنة راجعة في معناها إليه؛ تُفَصِّل مجمله، وتُبيِّن مشكله، وتبسط موجزه؛ كان لا بد -لِمُريد اقتباس أحكام هذه الشريعة بنفسه- من الرجوع إلى الكتاب والسنة، أو إلى ما تفرع عنهما بطريق قطعي من الإجماع والقياس. ولما كان الكتاب والسنة واردين بلغة العرب، وكانت لهم عادات في الاستعمال، بها يتميز صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ وَمُجْمَلِهِ، وَحَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَعَامِّهِ وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ونصه وفحواه، إلى غير ذلك؛ كان لا بد -لطالب الشريعة من هذين الأصلين- أن يكون على علم بلسان العرب في مناحي خطابها، وما تنساق إليه أفهامُها في كلامها؛ فكان حذق اللغة العربية بهذه الدرجة ركنا من أركان الاجتهاد؛ كما تقرر ذلك عند عامة الأصوليين، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في "رسالة الأصول".

_ 1 انظر: "أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي" "70-72" للشيخ محمد الفاضل بن عاشور. 2 ما تحته من مقدمة الشيخ عبد الله دراز على "الموافقات".

هذه الشريعة المعصومة ليست تكاليفها موضوعة حيثما اتفق لمجرد إدخال الناس تحت سُلطة الدين، بل وُضعت لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالحهم في الدين والدنيا معا، وروعي في كل حُكم منها: إما حفظ شيء من الضروريات الخمس1 "الدِّينُ، والنفس، والعقل، والنسل، والمال"، التي هي أسس العمران المرعية في كل ملة، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، ولفاتت النجاة في الآخرة. وإما حفظ شيء من الحاجيات؛ كأنواع المعاملات، التي لولا ورودها على الضروريات لوقع الناس في الضيق والحرج. وإما حفظ شيء من التحسينات، التي ترجع إلى مكارم الخلاق ومحاسن العادات. وإما تكميل نوع من النواع الثلاثة بما يُعين على تحققه. ولا يخلو بابٌ من أبواب الفقه -عبادات ومعاملات وجنايات وغيرها- من رعاية هذه المصالح، وتحقيق هذه المقاصد، التي لم توضع الأحكام إلا لتحقيقها. ومعلوم أن هذه المراتب الثلاث تتفاوت في درجات تأكد الطلب لإقامتها، والنهي عن تعدي حدودها. وهذا بحرٌ زاخر، يحتاج إلى تفاصيل واسعة، وقواعد كلية، لضبط مقاصد الشارع فيها "من جهة قصده لوضع الشريعة ابتداء، وقصده في وضعها للأفهام بها، وقصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، وقصده في دخول المكلف تحت حكمها".

_ 1 في الأصل: "الخمسة".

تحقيق هذه المقاصد، وتحرِّي بسطها، واستقصاء تفاريعها، واستثمارها من استقراء موارد الشريعة فيها؛ هو معرفة سر التشريع، وعلم ما لا بد منه لمن يحاول استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. إذ إنه لا يكفي النظر في هذه الأدلة الجزئية دون النظر إلى كليات الشريعة، وإلا؛ لتضاربت بين يديه الجزئيات، وعارض بعضها بعضا في ظاهر الأمر، إذا لم يكن في يده ميزان مقاصد الشارع، ليعرف به ما يأخذ منها وما يدع؛ فالواجب إذًا اعتبار الجزئيات بالكليات، شَأْنَ الْجُزْئِيَّاتِ مَعَ كُلِّيَّاتِهَا فِي كُلِّ نَوْعٍ من أنواع الموجودات. وإلى هذا أشار الغزالي فيما نقله عن الشافعي، بعد بيان مفيد فيما يُراعيه المجتهد في الاستنباط؛ حيث قال: "ويُلاحظ القواعد الكلية أولا، ويقدِّمها على الجزئيات، كما في القتل بالمثقل؛ فتُقدَّم قاعدة الرَّدْع، على مراعاة الاسم الوارد في الجزئي". ومن هذا البيان عُلِم أن لاستنباط أحكام الشريعة رُكْنَين: أحدهما: علم لسان العرب. وثانيهما: علم أسرار الشريعة ومقاصدها. أما الركن الأول؛ فقد كان وصفا غريزيا في الصحابة والتابعين من العرب الخلص، فلم يكونوا في حاجة لقواعد تضبطه لهم، كما أنهم كسبوا الاتصاف بالركن الثاني من طول صحبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعرفتهم الأسباب التي ترتب عليها التشريع، حيث كان ينزل القرآن وتردُ السنة نجوما، بحسب الوقائع مع صفاء الخاطر؛ فأدركوا المصالح، وعرفوا المقاصد التي راعاها الشارع في التشريع، كما يعرف ذلك من وقف على شيء من محاوراتهم عند أخذ رأيهم واستشارة الأئمة لهم في الأحكام الشرعية التي كانوا يتوقفون فيها.

وأما من جاء بعدهم ممن لم يحرز هذين الوصفين؛ فلا بد له من قواعد تضبط له طريق استعمال العرب في لسانها، وأخرى تضبط له مقاصد الشارع في تشريعه للأحكام، وقد انتصب لتدوين هذه القواعد جملة من الأئمة بين مقل ومكثر، وسموها "أصول الفقه". ولما كان الركن الأول هو الحذق في اللغة العربية؛ أدرجوا في هذا الفن ما تمس إليه حاجة الاستنباط بطريق مباشر مما قرره أئمة اللغة، حتى إنك لترى هذا النوع من القواعد هو غالب ما صُنف في أصول الفقه، وأضافوا إلى ذلك ما يتعلق بتصور الأحكام، وشيئا من مقدمات علم الكلام ومسائله. وكان الأجدر -في جميع ما دونوه- بالاعتبار من صلب الأصول هو ما يتعلق بالكتاب والسنة من بعض نواحيهما، ثم ما يتعلق بالإجماع والقياس والاجتهاد. ولكنهم أغفلوا الركن الثاني إغفالا؛ فلم يتكلموا على مقاصد الشارع، اللهم إلا إشارة وردت في باب القياس عند تقسيم العلة بحسب مقاصد الشارع وبحسب الإفضاء إليها، وأنها بحسب الأول ثلاثة أقسام: ضروريات، وحاجيات، وتحسينات ... إلخ، مع أن هذا كان أولى بالعناية والتفصيل والاستقصاء والتدوين من كثير من المسائل التي جلبت إلى الأصول من علوم أخرى. وقد وقف الفن منذ القرن الخامس عند حدود ما تكون منه في مباحث الشطر الأول، وما تجدد من الكتب بعد ذلك، دائر بين تلخيص وشرح, ووضع له في قوالب مختلفة. وهكذا بقي علم الأصول فاقدا قسما عظيما هو شطر العلم الباحث عن أحد ركنيه؛ حتى هيأ الله سبحانه وتعالى أبا إسحاق الشاطبي في القرن الثامن

الهجري لتدارك هذا النقص، وإنشاء هذه العمارة الكبرى في هذا الفراغ المترامي الأطراف في نواحي هذا العلم الجليل؛ فحلل هذه المقاصد إلى أربعة أنواع، ثم أخذ يفصل كل نوع منها وأضاف إليها مقاصد المكلف في التكليف، وبسط هذا الجانب من العلم في اثنتين وستين مسألة وتسعة وأربعين فصلا من كتابه "الموافقات"، تجلى بها كيف كانت الشريعة مبنية على مراعاة المصالح، وأنها نظام عام لجميع البشر دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا إلى غير نهاية؛ لأنها مراعى فيها مجرى العوائد المستمرة، وأن اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس اختلافا في الخطاب الشرعي نفسه، بل عند اختلاف العوائد ترجع كُلُّ عَادَةٍ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ يُحكمُ بِهِ عليها، وأن هذه الشريعة -كما يقول- خاصيتها السماح، وشأنها الرفق، تَحْمِلُ الْجَمَّاءَ الْغَفِيرَ؛ ضَعِيفًا وَقَوِيًّا، وَتَهْدِي الْكَافَّةَ؛ فهيما وغبيا. المباحث التي أغفلوها فيما تكلموا عليه1: لم تقف به الهمة في التجديد والعمارة لهذا الفن عند حد تأصيل القواعد وتأسيس الكليات المتضمنة لمقاصد الشارع في وضع الشريعة، بل جال في تفاصيل مباحث الكتاب أوسع مجال، وتوصل باستقرائها إلى استخراج درر غوال لها أوثق صلة بروح الشرعية، وأعرق نسب بعلم الأصول؛ فوضع في فاتحة كتابه ثلاث عشرة قاعدة، يتبعها خمسة فصول جعلها لتمهيد هذا العلم أساسا، ولتمييز المسائل التي تعتبر من الأصول نبراسا، ثم انتقل منها إلى قسم الأحكام الخمسة الشرعية والوضعية، وبحث فيها من وجهة غير الوجهة المذكورة في كتب الأصول، وأمعن بوجه خاص في المباح، والسبب، والشرط، والعزائم، والرخص.

_ 1 ما تحته من مقدمة الشيخ عبد الله دراز أيضا.

وناهيك في هذا المقام أنه وضع في ذلك ربع الكتاب، تصل منه إلى علم جم، وفقه في الدين، وقد رتب عليه في قسم الأدلة قواعد ذات شأن في التشريع، وهناك يبين ابتناء تلك القواعد على ما قرره في قسم الأحكام؛ حتى لترى الكتاب آخذا بعضه بحجز بعض. ثم إن عرائس الحكمة ولباب الأصول، التي رسم معالمها وشد معاقلها في مباحث الكتاب والسنة، ما كان منها مشتركا وما كان خاصا بكل منهما، وعوارضهما؛ من الأحكام، والتشابه، والنسخ، والأوامر، والنواهي، والخصوص، والعموم، والإجمال، والبيان، هذه المباحث التي فتح الله عليه بها لم تسلس له قيادها، وتكشف له قناعها؛ إلا باتخاذه القرآن الكريم أنيسه، وجعله سميره وجليسه على ممر الأيام والأعوام، نظرا وعملا، وباستعانته على ذلك بالاطلاع والإحاطة بكتب السنة ومعانيها، وبالنظر في كلام الأئمة السابقين، والتزود من آراء السلف المتقدمين، مع ما وهبه الله من قوة البصيرة بالدين، حتى تشعر وأنت تقرأ في الكتاب كأنك تراه وقد تسنم ذروة طود شامخ، يشرف منه على موارد الشريعة ومصادرها، يحيط بمسالكها، ويبصر بشعابها, فيصف عن حس، ويبني قواعد عن خبرة، ويمهد كليات يشدها بأدلة الاستقراء من الشريعة؛ فيضم آية إلى آيات، وحديثا إلى أحاديث، وأثرا إلى آثار؛ عاضدا لها بالأدلة العقلية والوجوه النظرية حتى يدق عنق الشك، ويسد مسالك الوهم، ويظهر الحق ناصعا بهذا الطريق الذي هو نوع من أنواع التواتر المعنوي، ملتزما ذلك في مباحثه وأدلته حتى قال بحق: إن هذا المسلك هو خاصية كتابه. ولقد أبان في هذه المسائل منزلة الكتاب من أدلة الشريعة، وأنه أصل لجميع هذه الأدلة، وأن تعريفه للأحكام كلي، وأنه لا بد له من بيان السنة، كما بيَّن أقسام العلوم المضافة إلى القرآن، وما يحتاج إليه منها في الاستنباط وما لا يحتاج إليه، وتحديد الظاهر والباطن من القرآن، وقسم الباطن الذي يصح

الاستنباط منه والذي لا يصح الاستنباط منه، وأثبت أن المكي اشتمل على جميع كليات الشريعة، والمدني تفصيل وتقرير له، وأنه لا بد من تنزيل المدني على المكي، وأن النسخ لم يرد على الكليات مطلقا، وإنما ورد على قليل من الجزئيات لأسباب مضبوطة، وحدد الضابط للحد الأعدل الأوسط في فهم الكتاب العزيز الذي يصح أن يبنى عليه اقتباس الأحكام منه، ثم بين رتبة السنة ومنزلتها من الكتاب، وأنها لا تخرج في أحكام التشريع عن كليات القرآن1، وأثبت ذلك كله بما لا يدع في هذه القواعد شبهة. وقد جعل تمام الكتاب باب الاجتهاد ولواحقه؛ فبيَّن أنواع الاجتهاد، وما ينقطع منها، وما لا ينقطع إلى قيام الساعة، وأنواع ما ينقطع، وما يتوقف منها على الركنين -حذق اللغة العربية حتى يكون المجتهد في معرفة تصرفاتها كالعرب، وفهم مقاصد الشريعة على كمالها- وما يتوقف منها على الثاني دون الأول، وما لا يتوقف على واحد منهما. ثم أثبت أن الشريعة ترجع في كل حكم إلى قول واحد، مهما كثر الخلاف بين المجتهدين في إدراك مقصد الشارع في حكم من الأحكام، وبنى على هذا الأصل طائفة من الكليات الأصولية، ثم بين محال الاجتهاد، وأسباب عروض الخطأ فيه ... إلخ. وفيما ذكرناه إشارة إلى قطرة من ساحل كتاب "الموافقات" الذي لو اتخذ منارا للمسلمين بتقريره بين العلماء، وإذاعته بين الخاصة؛ لكان منه مذبة تطرد أولئك الأدعياء المتطفلين على موائد الشريعة المطهرة، يتبجحون بأنهم أهل للاجتهاد مع خلوهم من كل وسيلة، وتجردهم من الصفات التي تدنيهم من هذا

_ 1 اعتنى الشيخ العلامة عبد الغني عبد الخالق بمناقشة أدلة المصنف حول هذا الزعم عناية دقيقة فائقة، وذكرنا مناقشاته عند كلام المصنف في المجلد الأخير من كتابنا هذا

الميدان؛ سوى مجرد الدعوى، وتمكن الهوى، وترك أمر الدين فوضى بلا رقيب. فترى فريقا ممن يستحق وصف الأمية في الشريعة يأخذ ببعض جزئياتها يهدم به كُلِّيَّاتِهَا، حَتَّى يَصِيرَ مِنْهَا إِلَى مَا ظَهَرَ له ببادئ الرأي من غير إحاطة بمقاصد الشارع لتكون ميزانا في يده لهذه الأدلة الجزئية، وفريقا آخر يأخذ الأدلة الجزئية مأخذ الاستظهار على غرضه في النازلة العارضة؛ فيحكِّم الهوى على الأدلة حتى تكون الأدلة تبعا لغرضه، من غير إحاطة بمقاصد الشريعة ولا رجوع إليها رجوع الافتقار، ولا تسليم لما روي عن ثقات السلف في فهمها، ولا بصيرة في وسائل الاستنباط منها، وما ذلك إلا بسبب الأهواء المتمكنة من النفوس، الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل، واطراح النصفة وعدم الاعتراف بالعجز، مضافا ذلك كله إلى الجهل بمقاصد الشريعة والغرور بتوهم بلوغ درجة الاجتهاد1، وإنها لمخاطرة في اقتحام المهالك, أعاذنا الله. ونعود إلى الموضوع؛ فنقول: إن صاحب "الموافقات" لم يذكر في كتابه مبحثا واحدا من المباحث المدونة في كتب الأصول؛ إلا إشارة في بعض الأحيان لينتقل منها إلى تأصيل قاعدة، أو تفريع أصل, ثم هو مع ذلك لم يغض من فضل المباحث الأصولية، بل تراه يقول في كثير من مباحثه: إذا أضيف هذا إلى ما تقرر في الأصول أمكن الوصول إلى المقصود.

_ 1 نجد محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" "7/ 197-198" ينظر نظرة أخرى لهذا الموقف السلبي من "المقاصد"، ويعتذر لهم بأنهم كانوا خائفين على الشريعة من الهدم، ويذكر أنهم "فروا من تقرير هذا الأصل تقريرا صريحا -مع اعتبارهم كلهم له- خوفا من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لاتباع أهوائهم، وإرضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم؛ فرأوا أن يتقوا ذلك بإرجاع جميع الأحكام إلى النصوص ولو بضرب من الأقيسة الخفية؛ فجعلوا مسألة المصالح المرسلة من أدق مسائل العلة في القياس".

وجملة القول أن كلا مما ذكره في كتب الأصول، وما ذكره في "الموافقات"؛ يعتبر كوسيلة لاستنباط الأحكام من أدلة الشريعة؛ إلا أن القسم المذكور في الأصول على كثرة تشعبه، وطول الحجاج في مسائله، تنحصر فائدته في كونه وسيلة؛ حتى لطالما أوردوا على المشتغلين به الاعتراض بأنه لا فائدة فيه إلا لمن يبلغ درجة الاجتهاد؛ فكان الجواب الذي يقال دائما: إن فائدته لغير المجتهد أن يعرف كيف استنبطت الأحكام، ولكن التسليم بهذا الجواب يحتاج إلى تسامح وإغضاء كثير؛ لأنه إنما يعرف به بعض أجزاء وسيلة الاستنباط مفككة منثورة، والبعض الآخر -وهو المتعلق بركن معرفة مقاصد الشريعة- فاقد, وما مثله في هذه الحالة إلا كمثل من يريد أن يعلمك صنعة النساجة فيعرض عليك بعض أجزاء آلة النسيج محلولة مبعثرة الأجزاء، ولا تخفى ضئولة تلك الفائدة. أما القسم الذي ذكره الشاطبي في الأجزاء الأربعة من كتابه؛ فهو وإن كان كجزء من وسيلة الاستنباط، يعرف به كيف استنبط المجتهدون أيضا؛ إلا أنه في ذاته فقه في الدين، وعلم بنظام الشريعة، ووقوف على أسس التشريع، فإن لم نصل منه إلى الاتصاف بصفة الاجتهاد، والقدرة على الاستنباط؛ فإنا نصل منه إلى معرفة مقاصد الشارع، وسر أحكام الشريعة، وإنه لهدى تسكن إليه النفوس، وإنه لنور يشرق في نواحي قلب المؤمن؛ يدفع عنه الحيرة، ويطرد ما يلم به من الخواطر، ويجمع ما زاغ من المدارك؛ فلله ما أفاد الشريعة الإسلامية هذا الإمام رضي الله عنه! السبب في عدم تداول الكتاب1: بقي أن يقال: إذا كانت منزلة الكتاب كما ذكرت، وفضله في الشريعة

_ 1 ما تحته مأخوذ من مقدمة الشيخ عبد الله دراز على "الموافقات".

على ما وصفت؛ فلماذا حجب عن الأنظار طوال هذه السنين ولم يأخذ حظه من الإذاعة، بَلْهَ العكوف على تقريره، ونشره بين علماء الشرق، فلو لم تكن الكتب المشتهرة أكثر منه فائدة ما احتجب واشتهرت؟ وجوابه: أن هذا منقوض؛ فإنه لا يلزم من الشهرة عدمها فضل ولا نقص، فالكتب عندنا كالرجال؛ فكم من فاضل استتر، وعاطل ظهر؟ ويكفيك تنبيها على فساد هذه النظرية ما هو مشاهد؛ فهذا كتاب "جمع الجوامع بشرح المحلى" بقي قرونا طويلة، هو كتاب الأصول الوحيد الذي يدرس في الأزهر ومعاهد العلم بالديار المصرية، مع وجود مثل "الإحكام" للآمدي، وكتابي "المنتهى" و"المختصر" لابن الحاجب, و"التحرير"، و"المنهاج" و"مسلم الثبوت"، وغيرها من الكتب المؤلفة في نفس القسم الذي اشتمل عليه "جمع الجوامع". وقد نسجت عليها عناكب الإهمال؛ فلم يبرز بعضها للتداول والانتفاع بها إلا في عهدنا الأخير، ولا يختلف اثنان في أن "جمع الجوامع" أقلها غناء، وأكثرها عناء. وإنما يرجع خمول ذكر الكتاب إلى أمرين1: أحدهما: المباحث التي اشتمل عليها. وثانيهما: طريقة صوغه وتأليفه.

_ 1 يضاف إليهما ما انتشر من أساليب عقيمة في درس العلوم وتحصيلها بداية من القرن التاسع؛ فقد أخذ الناس يعكفون على "المختصرات" يحفظونها، ويرددون أقوال غيرهم، وتركوا الاجتهاد والبحث والابتكار. انظر: "أليس الصبح بقريب" "79" لمحمد الطاهر بن عاشور، و"الشاطبي ومقاصد الشريعة" "ص107" لحمادي العبيدي.

فالأول كون هذه المباحث مبتكرة مستحدثة لم يُسبق إليها المؤلف كما أشرنا إليه، وجاءت في القرن الثامن بعد أن تم للقسم الآخر من الأصول تمهيده وتعبيد طريقه، وألفه المشتغلون بعلوم الشريعة وتناولوه بالبحث والشرح والتعلم والتعليم، وصار في نظرهم هو كل ما يطلب من علم الأصول؛ إذ إنه عندهم كما قلنا وسيلة الاجتهاد الذي لم يتذوقوه, فلا يكادون يشعرون بنقص في هذه الوسيلة, فلم تتطاول همة من سمع منهم بالكتاب إلى تناوله وإجهاد الفكر في مباحثه، واقتباس فوائده، وضمها إلى ما عرفوا، والعمل على إلفها فيما ألفوا، ولفْتِ طلاب العلم إليها، وتحريك هممهم وإعانتهم عليها. والثاني أن قلم أبي إسحاق -رحمه الله- وإن كان يمشي سويا ويكتب عربيا نقيا؛ كما يشاهد ذلك في كثير من المباحث التي يخلص فيها المقام لذهنه وقلمه؛ فهناك ترى ذهنا سيالا، وقلما جوالا، قد تقرأ الصفحة كاملة لا تتعثر في شيء من المفردات ولا أغراض المركبات؛ إلا أنه في مواطن الحاجة إلى الاستدلال بموارد الشريعة والاحتكام إلى الوجوه العقلية، والرجوع إلى المباحث المقررة في العلوم الأخرى، يجعل القارئ ربما ينتقل في الفهم من الكلمة إلى جارتها، ثم منها إلى التي تليها، كأنه يمشي على أسنان المشط؛ لأن تحت كل كلمة معنى يشير إليه وغرضا يعول في سياقه عليه؛ فهو يكتب بعد ما أحاط بالسنة، وكلام المفسرين، ومباحث الكلام، وأصول المتقدمين، وفروع المجتهدين، وطريق الخاصة من المتصوفين، ولا يسعه أن يحشو الكتاب بهذه التفاصيل؛ فمن هذه الناحية وجدت الصعوبة في تناول الكتاب، واحتاج في تيسير معانيه وبيان كثير من مبانيه إلى إعانة مُعانيه، ومع هذا؛ فالكتاب يعين بعضه على بعض؛ فتراه يشرح آخره أوله وأوله آخره.

مصادر الشاطبي وموارده في الكتاب: الشاطبي -رحمه الله- واسع الاطلاع، ينقل من كثير من الكتب، ولكنه قليل التصريح بأسمائها1، ويميل إلى الإلغاز والإبهام في ذلك، ولا سيما في كتابنا هذا وكتابه الآخر "الاعتصام"، خلافا لـ"الإفادات والإنشادات". والإمام مالك وكتبه وكتب مذهبه وأصحابه2 هي أكثر ما يذكر في كتابه هذا؛ فهو ينقل كثيرا من "الموطأ"، وصرح3 به مرارا؛ كما في "2/ 116، 295، 4/ 112، 131، 320 ... "، ومن شروحه كـ"القبس" لابن العربي كما في "3/ 197, 198، 199، 201 ... "، و"المنتقى" للباجي كما في "4/ 109"، ولم يصرح بهما. وينقل أيضا من "المدونة" وصرح بذلك في موطنين "1/ 387، 3/ 498"، ونقل منها ولم يصرح بها في مواطن، ومن "العتبية" وصرح بها في "2/ 361 و3/ 147، 158، 271 و4/ 110 و5/ 198"، ومن شرحها "البيان والتحصيل" ولم يصرح به، ونقل منه في مواطن كثيرة منها "3/ 498 و4/ 110". ونقل أيضا من كثير من كتب المالكية؛ كـ"الموَّازية" في "5/ 85"، و"نوازل ابن رشد" في "5/ 100"، و"مختصر ما ليس في المختصر" في "1/ 273"، و"الكافي" في "1/ 387"، و"المبسوطة" في "1/ 386، 387"، و"مقدّمات ابن رشد" في "1/ 187"، و"الأموال" للداودي "1/ 184"،

_ 1 مع ملاحظة أنه يعزو الأقوال لقائليها إلا في القليل النادر. 2 على اختلاف فنونها؛ كأحكام للقرآن، أو شرح للحديث، أو الفقه، أو الأصول ... 3 ونقل منه ولم يصرح به مرارا أيضا، والظاهر أنه ينقل من روايات كثيرة منه؛ فها هو يعزو حديثا إليه في "4/ 320"، ولم أظفر به في رواياته الخمس المطبوعة للآن.

وصرح بأسماء هذه الكتب. ونقل الشاطبي -وأكثر جدا- من "ترتيب المدارك" للقاضي عياض -وصرح به في موطنين فقط، هما في "3/ 84 و5/ 96"- ومن "الرسالة" للقشيري، ومن "جامع بيان العلم"1 لابن عبد البر. وهو ينقل من هذه الكتب أخبار وتراجم وأقوال الصحابة والتابعين، وكذا أخبار مالك وأصحابه، وأخبار الزهاد والعابدين، وقصصهم وحكاياتهم، ونقل من "جامع بيان العلم" أيضا كثيرا من الأحاديث والأخبار والآثار، ومن كتاب ابن عبد البر الآخر "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء"؛ كما تراه في "3/ 203"، علما بأنه لم يصرح قط بأسماء هذه الكتب. ونقل الشاطبي من كثير من كتب التفسير وأحكام القرآن وفضائله وناسخه ومنسوخه ومشكله؛ مثل: "أحكام القرآن" لإسماعيل بن إسحاق وصرح به في "5/ 33"، و"أحكام القرآن" لابن العربي وصرح به في "5/ 196"، ونقل منه ولم يصرح به في مواطن كثيرة منها "2/ 273 و4/ 195"، ونقل مواطن من "تفسير سهل بن عبد الله التستري"؛ كما تراه في "4/ 162، 242، 245"، وكذا من كتاب "فضائل القرآن" لأبي عبيد وصرح بذلك في "1/ 51"، ونقل منه ولم يصرح في "4/ 148، 172"، ومن "الناسخ والمنسوخ" لابن العربي وصرح به في "1/ 388 و3/ 340"، ولأبي عُبيد ولابن النحاس؛ كما تراه لهما في "3/ 340"، ولمكي بن أبي طالب؛ كما تراه في "3/ 346، 363" ولم يصرح بأسمائها، و"مشكل القرآن" لابن قتيبة وصرح به في "5/ 150" ولم يصرح به في "2/ 207". أما كتب الحديث والرواية والأخبار والرجال؛ فهو ينقل من دواوين السنة

_ 1 انظر مثلا: "4/ 75 و5/ 107، 122-123".

المشهورة؛ مثل: "الصحيحين"، و"الموطأ"، و"سنن أبي داود"، و"سنن الترمذي"، و"سنن النسائي". وينقل أيضا من "مسند البزار"، و"جامع الإسماعيلي المخرج على صحيح البخاري"، و"الجهاد" لابن حبيب، و"مشكل الحديث"1 لابن قتيبة، و"فوائد الأخبار" للإسكاف، و"مشكل الآثار"2 للطحاوي، و"المؤتلف والمختلف" لعبد الغني بن سعيد الأزدي، و"الدلائل"3 لثابت، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض4، وصرح بأسماء هذه الكتب جميعا، وترى مواطن ذلك في فهرس الكتب في المجلد السادس. وقد ظفرتُ من خلال التحقيق بنقولات للشاطبي في كتابه هذا من كتب الحديث وشروحاته لم يصرِّح بأسمائها؛ مثل: "القبس"، و"المنتقى" -كلاهما شرح لـ"الموطأ"، ومضى بيان مواطن ذلك- و"المعلم بفوائد مسلم" للمازري في "3/ 456، 464-465 و5/ 290، 418، 420"، و"شرح النووي على صحيح مسلم" في "3/ 70"، و"تهذيب الآثار" لابن جرير الطبري في "5/ 288"، و"إعلام الحديث شرح البخاري" للخطابي في "5/ 93". ووجدته ينقل أحاديث وآثارا من "الشفا" للقاضي عياض، و"البدع والنهي عنها" لابن وضاح، و"الإحياء" للغزالي. والغزالي من أكثر الأعلام المذكورين في كتاب الشاطبي هذا، وكتبه التي

_ 1 ونقل منه ولم يصرح باسمه في "4/ 226، 234". 2 ونقل منه ولم يصرح باسمه في "3/ 275". 3 انظر عنه: كتابنا "معجم المصنفات الواردة في فتح الباري" "رقم 536". 4 ونقل منه في "5/ 290" ولم يصرح باسمه.

صرح بالنقل منها كثيرة؛ منها: "الإحياء" -وأكثر من النقل منه- و"إلجام العوام"، و"جواهر القرآن"، و"المستظهرية" -أو "فضائح الباطنية"- و"مشكاة الأنوار"، و"المنقذ من الضلال"1، و"بعض كتبه" في "5/ 289"، وهو من أكثر من يذكرهم من الأصوليين، وينقل من كتابه "المستصفى" ولم يصرح به2، ومن "شفاء الغليل" وصرح به في "5/ 20". ويليه في الذكر: الرازي، ونقل من كتابه "المحصول" كثيرا3، وصرح به في موطن واحد فقط هو في "2/ 76"، و"التنقيح" وصرح به أيضا في "2/ 76". ثم الجويني، ونقل منه كثيرا، وصرح بـ"البرهان" مرة واحدة في "1/ 364"، و"الإرشاد" كذلك في "3/ 537". ثم القرافي، ولم يصرح باسم أي كتاب من كتبه، ووجدته ينقل من كتابه "الفروق"4 في "1/ 390، 395 و4/ 65، 106"، ومن "نفائس الأصول شرح المحصول" في "2/ 68-80، 86". ثم العز ابن عبد السلام، لم يصرح باسم أي كتاب من كتبه، ووجدته ينقل من كتابه "القواعد الكبرى" وقد أبهمه. وينقل أيضا من "القواعد" لشيخه المقري ولم يصرح باسمه، تراه في "1/ 111".

_ 1 انظر مواطن النقل من هذه الكتب في الفهارس آخر الكتاب "فهرس الكتب". 2 انظر مثلا: "5/ 54، 55". 3 مثل "5/ 105". 4 انظر مقارنة بديعة بين "الفروق" و"الموافقات" في: "بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله" "1/ 94-95" للأستاذ فتحي الدريني.

ولا ينسى في هذا المقام الإمام الشافعي؛ فإن الشاطبي استفاد منه، ونقل من كتابه العظيم "الرسالة" وصرح به فقط في مرتين "2/ 104 و5/ 56". ونقل أيضا من كتابه "الأم" ولم يصرح به، وهناك إشارات تنبئ على ذلك، انظر منها: "2/ 324"، واستفاد الشاطبي أيضا من شروحات "الرسالة"، وصرح بأنه وقف على "شرح الرسالة" للقاضي عبد الوهاب في "3/ 127". ونقل الشاطبي أيضا من كتب الباجي وصرح بأسماء بعضها؛ مثل: "أحكام الفصول" في "5/ 421" -ونقل منه أيضا في "5/ 109، 111" ولم يصرح باسمه- و"التبيين لسنن المهتدين" في "5/ 89". ونقل عن ابن حزم ولعل ذلك في "النبذ"1 و"مراتب الإجماع"2، وعن ابن بشكوال، ولعل ذلك في "المنقطعين إلى الله"، وهو مطبوع، ولكن لم أظفر به بعد. ومن مصادر الشاطبي في كتابه هذا بعض كتب اللغة والأدب؛ كـ"الكتاب" لسيبويه وصرح بالنقل منه في "5/ 54"، و"الكامل" للمبرد وصرح بالنقل منه في "4/ 283"، و"الخصائص" لابن جني ولم يصرح باسمه، ونقل منه في مواطن منها "2/ 133"، و"درة الغواص" أو "مقامات الحريري" وصرح بالنقل منه في "3/ 288". ونقل أيضا من بعض كتب الفلسفة؛ مثل كتاب ابن رشد "فصل الْمَقَالِ فِيمَا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةِ مِنَ الِاتِّصَالِ".

_ 1 انظر: "4/ 189". 2 انظر: "4/ 82".

ونقل أيضا من بعض كتب الشافعية، ولم أظفر له بنقل من كتب الحنفية أو الحنابلة، وصرح في "3/ 131" أن هذه الكتب كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب. ومن كتب الشافعية التي نقل منها: "الحاوي الكبير" للماوردي؛ كما في "4/ 111"، ولم يصرح باسمه، ونقل أيضا من "الورع" للصنهاجي فقرات طويلة، ولم يذكر اسمه ولا اسم كتابه؛ كما تراه في التعليق على "1/ 171". هذه هي المصادر التي ظفرتُ بنقل للشاطبي منها1، ولم أفز بذلك إلا بالمرور على كثير من الكتب، وتقليب آلاف الصفحات، ومضي عشرات الساعات، ولعلي في قابل الأيام أظفر بزوائد فرائد؛ فإن النية متوجهة للعناية بهذا الكتاب حتى بعد طبعه ونشره؛ ليظهر إن شاء الله في طبعات لاحقات مجودا بالقدر الذي ينبغي أن يحتله بين سائر الكتب، وما ذلك على الله بعزيز. مدح العلماء وثناؤهم على الكتاب: أجمع مترجمو الشاطبي والباحثون المتأخرون -ولا سيما في علم "مقاصد الشريعة"- على أن الشاطبي هو الإمام الذي فتح الباب واسعا لطلبة العلم وأهله للتطلع إلى أسرار الشريعة وحكمها، ومهد لهم طريق التعامل مع مقاصدها وكلياتها، جنبا إلى جنب مع نصوصها وجزئياتها، بل يكاد2 هؤلاء أن

_ 1 عدا مجالسه ومناظراته، وصرح ببعضها في كتابنا هذا منها "4/ 13"، وكذا مراسلاته ومكاتباته للعلماء، كما وقع له في مسألة "مراعاة الخلاف". 2 ظهرت نظرية "المقاصد" قبل الشاطبي على هيئة لمحات وخطرات متناثرة، ثم أخذت تبرز لهذا الفن قواعد، وتتكامل، وتتميز شيئا فشيئا عن قواعد أصول الفقه، واعتمد الشاطبي في كتابه هذا على جهود سبقته لكثير من العلماء، انظر تفصيل ذلك في الكتب التي أفردت "المقاصد" بالدراسة؛ مثل: "مقاصد الشريعة الإسلامية" "ص8 وما بعد" لابن عاشور، و"مقاصد الشريعة" "ص45 وما بعد" لعلال الفاسي، و"المقاصد العامة للشريعة الإسلامية" "ص149 وما بعد" ليوسف العالم، و"الشاطبي ومقاصد الشريعة" "ص134 وما بعد" لحمادي العبيدي، و"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص259 وما بعد" لأحمد الريسوني. 1- "نيل الابتهاج" "ص48".

يتفقوا على أن الشاطبي هو مبتدع هذا العلم "المقاصد" كما ابتدع سيبويه علم النحو، وابتدع الخليل بن أحمد علم العروض. وهذه شذرات من كلام العلماء والباحثين في مدح هذا الكتاب: يقول أحمد بابا عن هذا الكتاب: "كتاب "الموافقات" في أصول الفقه كتاب جليل القدر جدا لا نظير له، يدل على إمامته وبعد شأوه في العلوم سيما علم الأصول، قال الإمام الحفيد ابن مرزوق: كتاب "الموافقات" المذكور من أقبل الكتب"1. ويقول الشيخ محمد الفاضل بن عاشور عن هذا الكتاب وأثره في التفكير الإسلامي بعد عصره: "ولقد بنى الإمام الشاطبي حقا بهذا التأليف هرما شامخا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يشرف منه على مسالك وطرق لتحقيق خلود الدين وعصمته، قل من اهتدى إليها قبله؛ فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالة عليه، وظهرت مزية كتابه ظهورا عجيبا في قرننا الحاضر والقرن قبله؛ لما أشكلت على العالم الإسلامي عند نهضته من كبوته أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية، فكان كتاب "الموافقات" للشاطبي هو المفزع وإليه المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح، وتفصيل طرق الملاءمة بين حقيقة الدين الخالدة وصور الحياة المختلفة

المتعاقبة"1. ويذهب أبوه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى أن الشاطبي هو "الرجل الذي أفرد هذا الفن بالتدوين"2. ويوازن الشيخ عبد المتعال الصعيدي بين الشاطبي في ابتداعه علم المقاصد، وبين الشافعي في ابتداعه علم الأصول؛ فيقول: "بهذا يكون للشاطبي ذلك الفضل الكبير بعد الإمام الشافعي؛ لأنه سبق هذا العصر الحديث بمراعاة ما يسمى فيه روح الشريعة، أو روح القانون، وهذا باهتمامه بمقاصد الشريعة"3. ويذكر الشيخ محمد الخضري أن ما اهتدى إليه الشاطبي ألصق بالاجتهاد من أصول الفقه، وقد قال بهذا الصدد: "ومن الغريب أنه على كثرة ما كُتِب في أصول الفقه لم يُعْنَ أحد بالكتابة في الأصول التي اعتبرها الشارع في التشريع، وهي التي تكون أساسا لدليل القياس، لأن هذا الدليل روحه العلل المعتبرة شرعا، وهذه العلل منها ما نص الشارع على اعتباره، ومنها ما ثبت عنده اعتباره في تشريعه، ومع أن هذه القواعد ينبغي أن يبذل الجهد في توضيحها وتقريرها حتى تكون نبراسا للمجتهدين، والاشتغال بها خير من قتل الوقت في الخلاف والجدل في كثير من المسائل التي لا يترتب عليها ولا على الخلاف فيها حكم شرعي، ولعلهم تركوا ذلك للفقهاء مع أن هذه القواعد بعلم أصول الفقه ألصق, وأحسن من رأيته كتب في

_ 1 "أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي" "ص76". 2 "مقاصد الشريعة الإسلامية" "ص8". 3 "المجددون في الإسلام" "ص309".

ذلك أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المتوفى سنة "780هـ"1 في كتابه الذي سماه "الموافقات"، وهو كتاب عظيم الفائدة، سهل العبارة، لا يجد الإنسان معه حاجة إلى غيره"2. ويقول الشيخ علي حسب الله: "وقد جاء أبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة "790هـ" في كتابه "الموافقات" بما لم يُسْبَقْ إليه"3. ويذهب صبحي المحمصاني إلى أن ما ابتدعه الشاطبي من علم المقاصد يفوق ما في كثير من الشرائع القريبة المعاصرة؛ "فقد حلل مقاصد الشريعة والمصالح التي بنيت عليها أحكامها بصورة لم تصل إليها كثير من الشرائع الغربية الحالية؛ فأوجب في الأحكام الشرعية أن تطبق وفاقا للمقاصد التي وضعت لها"4. ويذكر أحمد أمين أن الشاطبي سلك طريقة مخالفة لطرائق أهل المشرق جميعا؛ فكان أسلوبه أيسر وألطف، كما جاء بمباحث جديدة لم يعرفها الناس5. ولماذا نذهب بعيدا؛ فالشاطبي نفسه كان يرى أنه هو الذي ابتكر هذا العلم؛ فيقول: "فَإِنْ عَارَضَكَ دُونَ هَذَا الْكِتَابِ عَارِضُ الْإِنْكَارِ، وعمي عنك وجه

_ 1 الصحيح أنه توفي سنة "790هـ" على ما سيأتي في ترجمته في أول المجلد السادس. 2 "أصول الفقه" "ص12". 3 "أصول التشريع الإسلامي" "ص7". 4 "مقدمة في إحياء علوم الشريعة" "ص22". 5 "ظهر الإسلام" "3/ 55".

الِاخْتِرَاعِ فِيهِ وَالِابْتِكَارِ، وَغَرَّ الظَّانَّ أَنَّهُ شَيْءٌ مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ، وَلَا أُلِّفَ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوِ الْفَرْعِيَّةِ مَا نُسِجَ عَلَى مِنْوَالِهِ، أَوْ شُكل بِشَكْلِهِ، وَحَسْبُكَ مِنْ شَرٍّ سَمَاعُهُ، وَمِنْ كُلِّ بِدْعٍ فِي الشَّرِيعَةِ ابْتِدَاعُهُ -فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى الْإِشْكَالِ دُونَ اخْتِبَارٍ- وَلَا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبار"1. ويقول شيخنا العلامة مصطفى الزرقاء: "ومنذ أن نشر كتابه "الاعتصام" في البدع، وكتابه الآخر: "الموافقات في أصول الشريعة"2، وكانا من الكنوز الدفينة، أخذ اسم الشاطبي يدور على ألسنة العلماء والفقهاء، وأصبح الكتابان -ولا سيما "الموافقات"- من ركائز التراث الأساسية التي يلجأ إليها أساتذة الشريعة وطلابها المتقدمون، تفهما في دراستهم، وعزوا وتوثيقا لأفهامهم فيما يكتبون، ولمع نجم الشاطبي منذئذ بالمشرق في هذا الأفق العلمي، ثم أخذ يزداد سطوعا حتى أصبح يُستضاء به في بحوث أصول الشريعة ومقاصدها، وتوضح به الحجة، وتقام بما فيه المحجة"3. وقد مدحه أيضا من نظم الكتاب أو من اختصره على ما سيأتي في مبحث "الجهود التي بذلت حول الكتاب"، ويقول محمد محمود الشنقيطي: "حق هذا الكتاب أن يستنسخ ويطبع في بلاد المسلمين لاحتياجهم إليه عموما، خصوصا المالكيين منهم، والحنفيين"4.

_ 1 "الموافقات" "1/ 12-13". 2 زيادة: "في أصول الشريعة" أمر شاع وانتشر، ولا أصل له، على ما بيناه تحت "تحقيق اسم الكتاب". 3 تقديم "فتاوى الشاطبي" "ص8". 4 "أشهر الكتب العربية بخزائن دولة إسبانيا" "ق21".

وذهب رشيد رضا إلى أن الشاطبي يُعد بكتاب "الموافقات" نظيرا لابن خلدون في "المقدمة". فكلاهما ابتدع من التأليف ما لم يُسبق إليه، كما أنهما انتهيا إلى وضع واحد هو أن الأمة الإسلامية التي ابتدع لها هذان العبقريان كتابيهما، أو علميهما الجديدين، لم تقبل على إبداعهما العجيب، ولم تنتفع به1. ويتمنى بعض الدارسين أن "لو اتخذ كتاب "الموافقات" منارا للمسلمين، بتقريره بين العلماء، وإذاعته بين الخاصة؛ لتكون منه مذبة تطرد أولئك الأدعياء المتطفلين على موائد الشريعة المطهرة"2. ويقول آخر من المعجبين بهذا الأثر النفيس: "وأشهر ما تركه الشاطبي كتاب "الموافقات" في أصول الشريعة، والكتاب غزير العبارة، واسع الحجة، وهو من دون شك من أنفس ما كُتب في علم الأصول، وفي التشريع الإسلامي، وذلك بشهادة الأستاذ الشيخ محمد عبده نفسه، والشيخ محمد الخضري، وفي "الموافقات" تحقيق دقيق في مقاصد الشريعة والمصالح التي بنيت عليها، وقد نجح الشاطبي في تحليل ذلك وإيضاحه كله ببيان وإسهاب"3. ولقد أوردت هذه التقاريظ للمعاصرين بنصوصها لأكشف إلى أي مدى شُغف الناس بكتاب "الموافقات" هذه الأيام، ولعل مؤلف الكتاب نفسه قد سبقهم إلى الإعجاب بكتابه، والتنويه به، والإشادة بما بذل فيه من جهد؛ فهو يقول عن نفسه وعن كتابه ما يأتي:

_ 1 مقدمة "الاعتصام" "1/ 4". 2 من كلام شيخ دراز المتقدم "ص14". 3 "النظرية العامة في الموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية" "1/ 51".

"فَأَوْرَدَ مِنْ أَحَادِيثِهِ الصِّحَاحِ الْحِسَانِ، وَفَوَائِدِهِ الْغَرِيبَةِ الْبُرْهَانِ، وَبَدَائِعِهِ الْبَاهِرَةِ لِلْأَذْهَانِ؛ مَا يَعْجِزُ عَنْ تَفْصِيلِ بَعْضِ أَسْرَارِهِ الْعَقْلُ، وَيَقْصُرُ عَنْ بَثِّ مِعْشَارِهِ اللِّسَانُ، إِيرَادًا يُمَيِّزُ الْمَشْهُورَ مِنَ الشَّاذِّ، وَيُحَقِّقُ مَرَاتِبَ الْعَوَامِّ وَالْخَوَاصِّ وَالْجَمَاهِيرِ وَالْأَفْذَاذِ، وَيُوَفِّي حُقَّ الْمُقَلِّدِ وَالْمُجْتَهِدِ وَالسَّالِكِ وَالْمُرَبِّي وَالتِّلْمِيذِ وَالْأُسْتَاذِ، عَلَى مَقَادِيرِهِمْ فِي الْغَبَاوَةِ وَالذَّكَاءِ وَالتَّوَانِي وَالِاجْتِهَادِ وَالْقُصُورِ وَالنَّفَاذِ، وَيُنْزِلُ كُلًّا مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ حَيْثُ حَلَّ، ويُبصِّره فِي مَقَامِهِ الْخَاصِّ بِهِ بِمَا دَقَّ وجلَّ، وَيَحْمِلُهُ فِيهِ عَلَى الْوَسَطِ الَّذِي هُوَ مَجَالُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِدَالِ، وَيَأْخُذُ بِالْمُخْتَلِفِينَ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ بَيْنَ الِاسْتِصْعَادِ وَالِاسْتِنْزَالِ؛ لِيَخْرُجُوا مِنِ انحرافي التشدد والانحلال، وطرفي التناقض والمحال"1. فهو يريد أن يقول: إن كتابه هذا قد اتخذ سبيلا وسطا، لا إفراط فيه ولا تفريط، وإنما هو الاعتدال الذي اتسم به الإسلام، والذي ينأى بأهله عن الشدة والعسر والانحلال والتميّع إلى السماحة واليسر، ثم هو إلى ذلك مشبع نهم العقول إلى المعرفة، وواجدٌ كل طالب طلبته على قدر مستواه الذهني، وطاقته العقلية، وجهده في الطلب، وأنه قد وضعه على طريقة مُثلى؛ فهو مع سهولته ويسره عسير المنال، لا تستطيع العقول النافذة أن تكشف عن كل ما فيه، ولا الألسنة الفصيحة أن تترجم عن أقل ما حواه. وفي مكان آخر من كتابه هذا لا يفتأ ينوه بالبناء المتماسك الذي يذكر أنه وضعه عليه، وأن محاولة تغيير جزء قليل من هذا البناء يفسده كله، وليس البناء الذي أقام عليه كتابه إلا هذه الكليات العامة للمقاصد الشرعية، والتي يذكر أنه تمكن منها بعد طول النظر والاستقصاء والدرس؛ فأحاط بها، وسبكها سبكا محكما لا يقبل الانخرام، بحيث إذا انخرم كلي منها؛ فقد انخرم النظام كله،

_ 1 "الموافقات" "1/ 9".

وبهذا الصدد يقول: "وَإِذَا نَظَرْتَ بِالنَّظَرِ الْمَسُوقِ فِي هَذَا الْكِتَابِ تَبَيَّنَ بِهِ مِنْ قُرْبٍ بيانُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي إِذَا انْخَرَمَ مِنْهَا كُلِّيٌّ وَاحِدٌ؛ انخرم نظام الشريعة". والحقيقة أن كتاب "الموافقات" -وإن كان قد خلص أصول الفقه من الجدل اللفظي، ووجه النظر إلى المعاني والمقاصد- إلا أنه حافل بالاستطرادات التي تشتت وحدة الموضوع، ثم إن مؤلفه سلك فيه المنهج القديم في طرح القضايا، فتراه يذكر القاعدة أو الأصل في بضعة أسطر ثم يأخذ في فرض الاعتراضات والردود عليها؛ مما أضفى على الكتاب روح الجدل الممل، كما أنه أكثر من التفريع والتجزئة للمسائل؛ مما جعل عمله يتخذ طابعا تعليميا لا يتيح للعقل أن يفكر وإنما يتيح للذاكرة أن تنقل فتتخم1. ولهذا قامت جهود كثيرة حوله، من أهمها "المختصرات" و"الدراسات"، ونبين ذلك في الآتي: الجهود التي بذلت حول الكتاب وأثره في الدعوة الإصلاحية الحديثة: بذلت جهود قليلة حول كتاب "الموافقات"، ولا سيما من قبل الأقدمين؛ فلم نظفر -مثلا- بمن خرج أحاديثه أو علق عليه2، وإنما ظفرنا بعمل واحد قام به أحدُ تلاميذ المؤلف3 من وادي آش؛ فعمد إلى نظم كتاب "الموافقات"،

_ 1 "الشاطبي ومقاصد الشريعة" "ص112" للدكتور حمادي العبيدي. 2 بل ظل الكتاب مغمورا إلى أن ظهر أول مرة سنة "1884هـ"، وسيأتي بيان ذلك. 3 نسبه بعض المعاصرين إلى "أبي بكر محمد بن عاصم ت 829هـ"، وفرق بعضهم بين عمل ابن عاصم وهذا النظم؛ فإن صحت التفرقة فتكون الجهود في النظم من قبل اثنين.

وسمى نظمه "نيل المُنى من الموافقات"1، وتوجد منه نسخة خطية بدير الأسكوريال تحت "رقم 1164"، ونقتطف من أبياته ما يلي: الحمد لله الذي من نعمته ... أن بث في المشروع سر حكمته وهيأ العقول للتصريف ... بمقتضى الخطاب والتكليف إلى أن يقول: وبعدُ, فالعلم حياة ثانية ... لها دوام والجسود فانية وقد غدا ظل الشباب زائلا ... ولم أنل من الزمان طائلا جعلت في كتب العلوم أُنْسي ... وعن سوى العلم صرفت نفسي فالعلم أولى ما اقتضى به الزمن ... وكتبه هي الجليس المؤتمن والمورد المستعذب الفُرات ... ومن أجلها "الموافقات" لشيخنا العلامة المراقب ... ذاك أبو إسحاق نجل الشاطبي فهو كتاب حسن المقاصد ... ما بعده من غاية لقاصد وكان قد سماه بالعنوان ... واختار من رؤيا ذا الاسم الثاني وقد سمعت بعضه لديه ... ومنه في ترددي عليه لكن لم يكن له اختلافي ... إلا يسير القدر غير شافي لأن ثنى التقصير من عناني ... وصدني عن قربه زماني حتى غدت حياته منقضية ... في عام تسعين وسبعمائة والآن وقد نبذت عيني شغلي ... وصار نيل العلم أقصى أملي جدَّدْتُ عهدي باجتناء زهره ... وردت فكري في اقتفاء أثره إلى أن قال:

_ 1 يدل عنوانه أن هذا الاختصار من أعظم أماني المختصر.

وجاعلا له من السمات ... "نيل المُنى من الموافقات" فعدُّه لم يعد في المَسطور ... ستة آلاف من المشطور وها أنا بما قصدت آتي ... مقدما حكم المقدمات وأسأل التوفيق والإعانه ... في شأنه من ربنا سبحانه وقد ختم النظم بما يلي: "تم والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، وذلك بمدينة وادي آش -كلأها الله- في أواخر ربيع الثاني عام 820هـ"1. أما المعاصرون؛ فقد أقبلوا عليه، وتباروا في مدحه والثناء عليه2، ووجه أفاضل منهم العناية إليه، ويمكننا القول: إن خدمتهم لكتاب "الموافقات" محصورة في ثلاثة محاور، هي: المحور الأول: مختصراته. قام باختصار الكتاب فيما وقفتُ عليه ثلاثة: الأول: مصطفى بن محمد فاضل بن محمد مأمين الشنقيطي القلقمي3 "المتوفى سنة 1328هـ - 1910م". نظم كتاب "الموافقات" ثم شرحه بعبارات المصنف مع اختصار شديد لها، ولكنه متين وقوي، وأفاد أنه وقف على "الموافقات" عام ستة بعد ثلاثمائة وألف، وقال: "ولم يكن له قبل ذلك في ناحيتنا هذه أثر، ولا بلغ أحدا منهم له خبر".

_ 1 "أشهر الكتب العربية بخزائن دولة إسبانيا" "ق21". 2 ومضت قريبا جملة من أقوالهم. 3 له ترجمة في المجلد السادس.

وطبع هذا النظم مع شرحه سنة "1324هـ" بعنوان: "المرافق على الموافق" في مطبعة أحمد يمني بفاس، وأثبت على طرته: "طبع على نفقة قائد المشور السعيد السيد إدريس بنعيش". جاء في أوله مدح لـ"الموافقات"، وبيان منهجه فيه، وهذا نص كلامه: "الحمد لله الذي به شروح العلوم ونصوصها، وبه تعلم أصولها وفروعها كلما بدت خصوصها، وبه نيل معرفة ما هو عمومها وخصوصها، وبه تميز منها ما هو خواتمها وفصوصها، والصلاة والسلام على محمد الثابت به مرصوصها، الموافق بين ظاهرها وباطنها، المبين به خلوصها، وعلى آله وصحبه وتابعيهم الظاهر بهم قلوصها، وبعد؛ فيقول عبيد ربه ماء العينين ابن شيخه الشيخ محمد فاضل بن مامين، غفر الله لهم وللمسلمين آمين: إنه لما تفضل الله علي بكتاب "الموافقات" للشيخ، العلامة، المحقق، القدوة، الحافظ، الأصولي، النظار، أبي إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد، اللخمي، الشاطبي، ثم الغرناطي -تفقده الله برحمته- عام ستة بعد ثلاثمائة وألف ولم يكن له قبل ذلك في ناحيتنا هذه أثر، ولا بلغ أحدا منهم له خبر؛ فأخذته واستشعرته بعد أن جعلته دثارا، وجعلت الحائل بيني معه الظلام لا ما دمت أرى له أنوارا، فإذا هو نور يذهب الظلام وينور البصائر والأبصار؛ إلا أنه بحر أبحر تغرق فيه البحار، ويرشف الأنهار؛ فقلت: من جاء البحر فليأت أهله بشيء من الدرر، إن أمكن، وإلا فليأتهم بشيء من العنبر، فلما نظرت إذا البحر لا ساحل له، ولا سفينة لي تمر بي فيه لأدخله؛ فبقيت متحيرا، وفي فضل ربي معتبرا؛ حتى تذكرت ما تفضل الله علي به فيما مضى من قولي غفر الله لي قولي وعملي: شربت شرابا لا ذوو الخمر تشرب ... وشاهدت ما الأبصار عنه تحجب

وخضت بحارا لا تخاض بحيلة ... ولكنها فضلا تُخاض وتُشرب علمت أن فضل ربي ما انقضى، وقد قال لنبينا, عليه السلام: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5] ، ونحن له من عطائه، وهو لنا من آلائه؛ فاستقدرت على ما أردت منه بنبينا -صلى الله عليه وسلم- المستوى فيه ذكينا مع غبينا -صلى الله عليه وسلم- في صبحنا وعشينا، واقتحمت فيه بثيابي، وقلت هذا بحري وكتابي؛ فإذا هو البحر العذب الزلال، والكتاب الجامع لأصول مذاهب الرجال؛ فشرعت في استخراجي منه نظما، لعله يفيد من طلب منه علما؛ فتفضل الله علي بنظمه، لكن تعذر على الغير بعض فهمه؛ فطلب مني أن أشرحه شرحا يبين معناه؛ لتكثر الفائدة، ويسهل فهمه لمن تعناه؛ فشرحته شرحا ما جهدت فيه إلا في الاختصار، والتجافي عن منهج الإكثار، والمؤلفات تتفاضل بزهو الزهر والثمر لا بالهدر، وبالملح لا بالكبر، وبجموع اللطائف لا بتكثير الصحائف، وبفخامة الأسرار لا بضخامة الأسفار، ولذلك جعلت هذا الشرح مجلدا واحدا، ولو مددت فيه القلم لكان أربع مجلدات أو زائدا، لكني أتيت من الأصل بما فيه الكفاية، وما تحصل البغية لأهل الدراية، ولذلك سميته "المرافق على الموافق" مستعينا عليه بمبين الدقائق ومعلم الشرائع والحقائق، والمعطي من فضله جميع الخلائق، طالبا منه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ويكسونا القبول حتى يعم النفع بنا لذوي التخصيص والتعميم، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير"1. الثاني: إبراهيم بن طاهر بن أحمد بن أسعد العظم "المتوفى سنة 1377هـ - 1957م". قال الزركلي في "الأعلام" "1/ 44": "له "اختصار الموافقات"

_ 1 "المرافق على الموافق" "ص2-4".

للشاطبي، مخطوط، جزآن، عند أسرته". الثالث: محمد يحيى بن عمر المختار بن الطالب عبد الله الولاتي الشنقيطي1 "ت1330هـ - 1912م". له "توضيح المشكلات في اختصار الموافقات", طبعه وراجعه حفيده بابا محمد عبد الله "المحاضر بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض"، ولم أقف منه إلا على مجلدين، وفي الآخر منهما ينتهي كتاب "المقاصد". المحور الثاني: دراسات عن الكتاب ومنهج الشاطبي فيه ومجاراته فيما كتب، وإحياء ضرورة معرفة المقاصد للمجتهد2. نبه الشيخ محمد عبده في مطلع هذا القرن طلاب الأزهر وعلماءه إلى كتاب "الموافقات"، وذلك بعد طبعه في تونس، وكان يوصي به الأساتذة والعلماء؛ فيذكر محمد الخضري أنه لما كان بالسودان يدرس علم أصول الفقه للطلاب الذين يقع إعدادهم بالكلية ليكونوا قضاة, زار الشيخ محمد عبده السودان، فعرض عليه الشيخ الخضري ما كان يلقيه على الطلبة من دروس؛ فأثنى عليه، ولكنه دعاه إلى اعتماد كتاب "الموافقات" للشاطبي، وأن يمزج ما جاء في هذا الكتاب من علم المقاصد بما كان يدرسه للطلاب من علم الأصول حتى ينتبهوا إلى أسرار الشريعة الإسلامية، وتتسع آفاقهم للنظر، ويذكر الشيخ الخضري أنه استجاب لما طلب منه محمد عبده؛ فيقول:

_ 1 له ترجمة في: "الأعلام الشرقية" "1/ 403/ رقم 500-ط دار الغرب"، و"شجرة النور الزكية" "435"، و"المعسول" "8/ 281-287"، و"الأعلام" للزركلي "7/ 142-143". 2 تضمن هذا المحور الكلام على أثر الشاطبي بعامة وكتابه "الموافقات" بخاصة على الإصلاح والمصلحين في العصر الراهن.

"فاستحضرت هذا الكتاب، وأخذت أطالعه مرات حتى ثبتت في نفسي طريقة الرجل، وجعلت آخذ منه الفكرة بعد الفكرة لأضعها بين ما آخذه من كتب الأصول؛ حتى جاء بحمد الله ما أمليته وفق مرامي"1. وعن طريق محمد عبده تأثر الشيخ محمد رشيد رضا "ت 1935م" بكتاب "الموافقات"؛ فأخذ يعالج النواحي المصلحية في الشريعة، ويذكر أن مسائل المعاملات من سياسية وقضائية وغيرها ترجع كلها إلى قواعد حفظ المصالح ودرء المفاسد، وكل ما عُلم من مقاصد الشريعة2. كما أن الشيخ محمدًا أبا زهرة وجه جهوده في مصنفاته الفقهية لإبراز المقاصد الشرعية تأثرا بالشاطبي عن طريق مدرسة المنار، ورأى أن الفقه لا يعطي ثماره إلا إذا أبرزت مقاصد أحكامه؛ فإن المقاصد هي عللها الحقيقية، ويقول هذا الكلام وهو يكتب عن ابن حزم الظاهري الذي يقوم مذهبه على رفض التعليل إطلاقا3.

_ 1 "أصول الفقه" "ص13". 2 ولكن رشيد رضا لم يقف عند التأثر بالمقاصد وإنما كان تأثير الشاطبي فيه بالغا حده بكتاب "الاعتصام"؛ لأن اتجاهه كان منصبا على الدعوة السلفية؛ فوجد في هذا الكتاب بغيته، ورأى أنه لا تنحصر فائدته في كشف البدع واستئصالها فحسب، ولكنه يتضمن أصول الدعوة السلفية التي وجه إليها هو جهوده كلها، وكانت أعماله الإصلاحية تنطلق منها. ومن الجدير بالذكر هنا أمران: الأول: أن الشاطبي مجدد ومصلح، وأن كتابه "الموافقات" تضمن التجديد، وكتاب "الاعتصام" تضمن الإصلاح. والآخر: أن شيخنا الألباني -حفظه الله- عرف "الدعوة السلفية" في أول أمره عن طريق محمد رشيد رضا. 3 انظر: "ابن حزم الظاهري" لمحمد أبي زهرة "ص409".

فإذا جئنا إلى المغرب العربي وجدنا أن أهم من تأثر بالشاطبي رائدان عظيمان من رواد الإصلاح العلمي والاجتماعي والسياسي، هما الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تونس، والزعيم علال الفاسي في المغرب1. أما الشيخ محمد الطاهر بن عاشور؛ فإنه تأثر بالشاطبي في المقاصد، وهو وإن وجه إليه نقدا حادا أحيانا؛ إلا أن ذلك النقد لم يتجاوز بعض المآخذ المنهجية التي رأى فيها أن الشاطبي اتسع عليه الموضوع فوقع في التطويل والاضطراب، وفي هذا المعنى يقول: "تطوح في مسائله -أي: مسائل علم المقاصد- إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات المقاصد، بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود"2، ولكنه مع ذلك لم يستطع إخفاء إعجابه به؛ فنوه بعمله، وأعلن أنه سيقتدي فيه، دون أن ينقل عنه نقلا حرفيا؛ فيقول: "على أنه أفاد جد الإفادة؛ فأنا أقتفي آثاره، ولا أهمل مهماته، ولكن لا نقله ولا اختصاره"3. ويذهب عبد المجيد تركي إلى أن كتاب "مقاصد الشريعة" للشيخ محمد الطاهر بن عاشور يُعَدُّ مُسْتَلْهَما من كتاب "الموافقات" للشاطبي، الذي يُعد بحق مبتكر هذا الفن، وإن النقد الذي وجهه إليه ربما كان لإخفاء الاعتماد الكبير الذي اعتمده عليه في تأليف كتابه4.

_ 1 انظر: "مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية" "ص511، 515". 2 "مقاصد الشريعة الإسلامية" "ص7". 3 المرجع السابق، وانظر: "نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور" "ص420 وما بعد" لإسماعيل الحسني. 4 "مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية" "89، 476، 477".

والواقع أن المقارنة بين الجزء الثاني المخصص للمقاصد من كتاب "الموافقات" للشاطبي، وكتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية" للشيخ ابن عاشور تكشف عن أمرين: أولهما يتعلق بالناحية العلمية، وثانيهما بالناحية المنهجية، فما يتعلق بالناحية الأولى؛ فإن ابن عاشور خصص بحوثا خاصة للمقاصد في أبواب المعاملات، بينما الشاطبي تناول المقاصد كلها تناولا عاما. وأما ما يتعلق بالناحية الثانية وهي الناحية المنهجية؛ فإن الشاطبي يبدأ بالكليات وينطلق منها إلى الجزئيات؛ فتراه يطرح القاعدة ثم يأتي عليها بأمثلة جزئية من فقه الفروع تطبيقا لها أو توضيحا، وبذلك ينهج منهج الأصوليين، بينما ابن عاشور يسلك عكس هذا المنهج؛ فيعالج قواعد المقاصد من منطلق الأمثلة الفرعية, فيسلك بذلك مسلك فقهاء الفروع1. بقي لنا أن ننظر في تأثر علال الفاسي بالشاطبي، لقد ظهر ذلك في كتابه الذي سماه "دفاع عن الشريعة"، والذي يعد تعبيرا عن الأفكار الأساسية لهذا الزعيم، بل تعبيرا عن المواقف العملية التي وقفها في جهوده الإصلاحية داخل المغرب الأقصى، والتي تتجاوز المغرب إلى العالم الإسلامي كله في مواجهته للحضارة الغربية والأخذ عنها. أما جهوده الإصلاحية المتجهة داخليا إلى تغيير أوضاع العالم الإسلامي؛ فإنه يرى أن هذا التغيير لا يتم إلا بأمرين: أولهما: إحياء حركة الاجتهاد. وثانيهما: إصلاح الفكر السياسي.

_ 1 انظر: "مقاصد الشريعة الإسلامية" "ص65 وما بعد" لابن عاشور، و"مقاصد الشريعة الإسلامية" "ص5" لعلال الفاسي.

فالاجتهاد ينبغي أن تكون مقاصد الشريعة أساسه، وما الأدلة الاجتهادية كلها إلا راجعة للمقاصد، ذلك أن اعتبار جلب المصالح واستبعاد المفاسد هو الذي يحدو الفقيه إلى البحث عن الحكم المناسب، والتماس العلة. وإذن؛ فالمقاصد هي الركن في بناء الصرح التشريعي كله1. وفي مجال الإصلاح السياسي تصبح المقاصد مجال النظر للقضايا العامة؛ كمراقبة السلطة التنفيذية، وسياسة الدولة التشريعية والاجتماعية؛ هل تسير طبقا لأحكام الشرع في تحقيق مصالح المسلمين وإبعاد المفاسد عنهم، أم لا؟ فإذا جئنا إلى مواقفه الخارجية؛ فإننا نجدها مواقف تتمسك بالأصالة، وتستلهم مقاصد الشريعة أيضا في هذه المواقف، وهو يفرق هنا بين اتجاهين، هما: اتجاه الاقتباس من قوانين الغرب ونظمه، واتجاه الأخذ من حضارته بوجه عام. أما الاتجاه الأول؛ فيرفضه رفضا باتا، ويعلن أن هذا الرفض ليس مصدره التعصب، أو الكراهية للغرب، أو الجهل بقوانينه، وإنما مصدره العقيدة؛ فعقيدتنا الإسلامية تمنعنا من أن نعطل شريعة الإسلام ونحكم بقوانين الغرب، أو نتبع مناهجه في الاستنباط. ويحلل نظريته هذه؛ فيذكر أن منهج الغرب في الاجتهاد يعتمد القانون الطبيعي، وما يسمونه قواعد العدالة والإنصاف، وما إلى ذلك من المبادئ التي اصطلحوا عليها. أما منهج الاجتهاد في الشرع الإسلامي؛ فيقوم على أوامر الله تعالى

_ 1 "مناظرات في أصول الشريعة" "517".

ونواهيه، أي: على إرادة الله فيما أحب لعباده وما كره لهم، ومن هنا؛ فإن الشريعة الإسلامية مصدرها العقيدة أصلا، وليس القانون الطبيعي أو غيره مما يذكره الغربيون1. وأما الاتجاه الثاني الذي هو الأخذ من الحضارة الغربية في غير النظم والقوانين؛ فإن الشريعة بمقاصدها ينبغي أن تكون محكمة فيه؛ فلا نأخذ عنهم إلا ما يكون مصدر قوة لنا، أما ما يكون باعثا على الانحلال والفساد؛ فلا2، ولا ينبغي أن يخدعنا ما يسميه الغربيون والمقلدون لهم تطورا؛ إذ قد يكون بالنسبة إلينا مسخا3. إن مقاصد الشريعة هي التي تنير سبلنا؛ فنتبين على ضوئها التطور الحق، ونستمد منها مواقفنا من كل ما يَفِدُ علينا من تيارات أجنبية4.

_ 1 انظر: "دفاع عن الشريعة" "ص116-117". 2 "دفاع عن الشريعة" "ص147". 3 "دفاع عن الشريعة" "ص148". 4 "دفاع عن الشريعة" "ص148". ويقول الدكتور حمادي العبيدي في كتابه "الشاطبي ومقاصد الشريعة" "ص284" بعد أن أورد ما سبق من تأثر المعاصرين بالشاطبي وكتابه "الموافقات"؛ يقول: "وإذا أردنا أن نوازن بين درجات التفاعل مع أفكار الشاطبي عند هؤلاء المصلحين الذين ذكرناهم؛ فإننا نرى أن علالا الفاسي هو الذي نقل تلك الأفكار إلى المجال الذي تجري فيه "الصحوة الإسلامية" المعاصرة، سواء في موقفها الداخلي ودعوتها إلى النهوض بالعالم الإسلامي، أو في موقفها الخارجي من الحضارة الغربية والاقتباس منها. وهكذا يتضح أن الشاطبي ما يزال يعيش بيننا بفلسفته في المقاصد وآرائه الإصلاحية، وأن رجال العلم والفكر في العالم الإسلامي يجدون فيها معينا لدعواتهم إلى الإصلاح والتجديد على أسس من القيم الإسلامية الثابتة". قلت: وما تقدم يثبت صحة ما أوردناه عن الشيخ الفاضل بن عاشور "ص25" من قوله: =

.........................................................................

_ = "وظهرت مزية كتابه -أي: "الموافقات"- ظهورا عجيبا في قرننا الحاضر والقرن قبله لما أشكلت على العالم الإسلامي عند نهضته من كبوته أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية؛ فكان كتاب "الموافقات" للشاطبي هو المفزع، وإليه المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح ... ". والواقع أن هذا الاتجاه في النهوض بالعالم الإسلامي على أساس فكر أصيل يستمد من ينابيع المقاصد الشرعية قد ظهر نتيجة التصادم مع حضارة الغرب المادية، وحماية للمسلمين من فتنة الأفكار المستوردة التي لا تتلاءم مع مقتضيات حضارتهم وأصول دينهم الحنيف. انظر: "مناظرات في أصول الشريعة الإسلامية" "ص507". قلت: بهذا الصدد لا بد من التنبيه على أن كثيرا من البعيدين عن الجادة، والمحاربين للدعوة السلفية يتعلقون بكلام للشاطبي في كتابه هذا، ويأتون به في معرض "التجديد" والكلام على "ما أصاب المسلمين من ركود وتخلف وجمود"، ويخرجون بـ"نتائج" و"أحكام" عجيبة غربية، ويمكن تسمية صنيعهم هذا بـ"التلبيس المقلوب". فها هو -مثلا- "محمد عابد الجابري" يذهب في مقالة له نشرت في مجلة "العربي" "عدد 334، سنة 1986م، ص25-29" بعنوان "رشدية عربية أم لاتينية" إلى أن الشاطبي في كتابه "الموافقات" يُعد عقلانيا، وها هو "راشد الغنوشي" "يحتج" بكلام للشاطبي في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" في مواطن كثيرة، وكأني به يقرر أن الشاطبي "اعتبر المصلحة هي أساس الشرع"، وهذا ما يلبس به حسن حنفي من خلال ذكره لهذه القاعدة ذات البريق الجذاب. انظر: "تزييف الإسلام وأكذوبة الفكر الإسلامي المستنير" "ص95" لمحمد إبراهيم مبروك، نشر دار ثابت - القاهرة. لقد ذهلت بعد مطالعتي لكتاب الغنوشي "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"؛ فهو يقرر فيه أحكاما وقواعد وينسبها للشرع، ويتعلق بعد هذا كله بالأصوليين وعلى رأسهم إمامنا الشاطبي -رحمه الله تعالى- وهو في كتابه هذا يوافق نظرة الغرب حول الحرية وحول المرأة. اقرأ قوله فيه "ص129": "ولقد استند المجيزون إمامة المرأة الولاية العظمى إلى أن عمومات الإسلام تؤكد المساواة بين الذكر والأنثى، وأن الحديث المذكور -أي: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" - لا يمثل أساسا =

..........................................................................

_ = صالحا لتخصيص عموم المساواة، ذلك أن الحديث المذكور ورد بخصوص حادثة معينة صورتها أنه لما ورد على النبي أن كسرى فارس مات، وأن قومه ولوا ابنته مكانه؛ قال عليه السلام ذلك القول تعبيرا عن سخطه على قتلهم رسوله إليهم؛ فالحديث لا يتعدى التعليق على الواقعة المذكورة حتى يكون مرجعا في مادة القانون الدستوري، خاصة وأن علماء الأصول لم يتفقوا على أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب؛ فما كان لفظه عاما لا يعني أن حكمه عام أيضا، الأمر الذي يجعل الحديث لا ينهض حجة قاطعة، فضلا عن ظنيته من جهة السند لمنع المرأة من الإمامة العظمى". ثم يضيف راشد الغنوشي ما يؤدي إلى نفي وجود نظام حكم في الإسلام، بل وإلى إلغاء الأحكام الشرعية جملة، يقول في هامش نفس الصفحة: "إلا أن الأحكام الشرعية وخاصة ما تعلق منها بنظام الدولة الإسلامية ما ينبغي أن تبنى على سند ظني مهما كانت درجة الظنية ضئيلة". ويصل إلى مبتغاه في "ص130"؛ فيقول: "والنتيجة أنه ليس هناك ما يقطع بمنع المرأة من الولايات العامة قضاء أو إمارة ... ". ولن أرد هنا على مثل هذه الأقوال المخالفة للدين، وما أتيت بها إلا للدلالة على وجود هذا المنهج الغريب في عصرنا؛ إلا أني ألفت نظر هذا الكاتب إلى أن اشتراط القطع لثبوت الأحكام الشرعية يؤدي إلى التحلل من الإسلام، وأن قوله: "فيما كان لفظه عاما لا يعني أن حكمه عام أيضا" يؤدي إلى إلغاء كثير من القطعيات، وإلى رد الاستدلال بالنصوص القطعية الدالة عليها، وعلى سبيل المثال؛ فإنه يلغي كل العقوبات الإسلامية؛ كقطع السارق، وجلد الزاني أو رجمه، وقتل المرتد، وجلد شارب الخمر وغيرها، والقاعدة الأصولية المعلومة عند الفقهاء بالضرورة تقول: "يبقى العام على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص". ولا تمنعنا موضوعية البحث ولا تحرجنا من دعوى الجهل أو التجاهل لبعض الثوابت في الإسلام، هذا أقل ما نقوله، والبينة عليه قائمة فيما أوردناه عنه. وهذا الذي ذكره الغنوشي في كتابه يناقض الأصول التي قررها الشاطبي في "الموافقات" عند كلامه على "العام" و"الخاص" و"الظني" و"القطعي". أعود إلى ما ذكرت سابقا من أن أحدا من العلماء المعتبرين عند الأمة لا يقول بهذا المنهج أو مثله، ولا يقرر شيئا منه، ولم يأت أحد ممن يقول به حاليا أو من يتبعونه باستدلال شرعي صحيح =

.........................................................................

_ = عليه، وجُل ما يأتون به هو ادعاء وجود هذا المنهج عند بعض العلماء الأفذاذ، والإتيان بنصوص من أقوالهم مع المحافظة على غموضها، ومن هؤلاء العلماء الكبار الإمام الشاطبي المالكي, رحمه الله. ولقد صور الغنوشي في كتابه هذا منهجا خطيرا على المسلمين يتلخص بالتشريع بالمصلحة مجردة من أي قيد، والأخطر أن يُنسب ذلك النهج المبتدع والخطير إلى الإمام الشاطبي -رحمه الله- وأن يُدعى أن هذا هو منهج المفكرين الأصوليين المعاصرين. يقول الغنوشي في "ص38": "وإذا تقدمنا صوب المعاني التشريعية من أجل وضع إطار قانوني لحريات الإنسان أو لواجباته؛ وجدنا مفكري الإسلام المعاصرين يكادون يجمعون على تزكية الإطار الأصولي الذي وضعه العلامة الشاطبي في "الموافقات"، والمتلخص في اعتبار أن غاية الشريعة هي تحقيق المصالح الكبرى للبشرية، والتي صنفها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات ... ". ويقول الغنوشي أيضا في "ص43" من كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية": "وكان مبحث المقاصد الشرعية الذي اختطه بتوفيق العلامة المغربي أبو إسحاق الشاطبي في رائعته "الموافقات" قد حظي كما تقدم بقبول عام لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين كأساس وإطار لنظرية الحقوق والحريات العامة والخاصة في التصور الإسلامي، ومعلوم أن أبا إسحاق الشاطبي في تتبعه كليات الشريعة وجزئياتها قد كشف عن نظرية المصلحة العامة؛ فوجدها مرتبة في ثلاثة مستويات ... ". ويقول أيضا في "ص358": "ولقد حظي هذا العلم "علم أصول الفقه" بعقول عظيمة تتابعت على تأصيل قواعده وتطويرها وإثرائها وصقلها؛ حتى بلغت مع العلامة الأندلسي الشاطبي أوجا عظيما متقدما امتدادا للنهج الذي سنه الإمام الشافعي؛ فلقد انصبت نخبة من العقول العظيمة التي امتلأت يقينا بعظمة الإسلام، وغاصت في نصوص الوحي كتابا وسنة، وفي تراث الفقه والتطبيق الأساسي وسائر علوم الإسلام خلال القرون، كما استوعبت جملة المعرفة البشرية المعروفة في العصر، وصاغت من خلال كل ذلك قواعد للتشريع على ضوء ما استخلصته من مقاصد الدين، وجملة مقاصد الدين تدور حول مصالح العباد؛ فإنما لأجل ذلك جاء الدين، يقول الشاطبي: "إنا استقرينا من الشريعة أنها =

..........................................................................

_ وضعت لمصالح العباد استقراء ولا ينازع فيه الرازي ولا غيره"، ويقول: "إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا". ويقول الغنوشي في "ص359". "والاتجاه العام في الفكر الإسلامي المعاصر إلى قبول أصول الشاطبي إطارا عاما لمعالجة المشكلات المستجدة في حياة المسلمين، انطلاقا من هذا الأصل العظيم؛ أن الدين إنما أنزل للتحصيل وللمحافظة على مصالح الناس في الدنيا والآخرة, وفي هذا المنظور العام والمقصد العام للشريعة أمكن لجزئيات الدين أن تجد مكانها اللائق بها كفرع من أصل، وفي هذا المنظور نفسه يمكن أن تجد المشكلات المستجدة في حياة المسلمين حلولها المناسبة ... ". ثم يقول: "فما غلب ما فيه من صلاح عما فيه من فساد؛ فهو مشروع ... ". واضح من كلام الغنوشي أنه يقرر منهجا جديدا للتفكير أو للتشريع عند المسلمين، منهجا يقوم على المصلحة، وواضح أيضا أنه يريد الاستناد إلى الإمام الشاطبي -رحمه الله- من أجل إضفاء شرعية ما على مواقف أو طروحات غير شرعية؛ فيفهم من كلام الإمام، ويريد من قارئه أن يفهم أن الواقع يدرس دراسة عقلية، وتدرس جوانب المصلحة وجوانب المفسدة فيه، ثم يكون حكم الشرع في ذلك الواقع بحسب المصلحة كما يراها العقل، فإذا غلب العقل جانب المصلحة كان ذلك الشيء أو الأمر أو الواقع مشروعا، وإذا غلب جانب المفسدة كان العكس، وهكذا يتحقق مراده ومراد أصحاب هذا المنهج معه في استبعاد أحكام الشريعة التي لا توافق أهواءهم أو نظرتهم العقلية، ولكن الغنوشي لا ينسى التسويغ لهذا الموقف فيُفهم قارئه أن المجتمعات تتغير وتتبدل، ما يستدعي تطور الأحكام لتجاري تطور المجتمعات؛ فالمنهج الإسلامي الذي يصلح لجماعة ما أو زمان ما لا يصلح لكل جماعة وكل زمان، فإذا لم تتطور الشريعة تصبح جامدة وغير صالحة؛ فلا بد أن تكون قابلة للتطور، ولهذا لا بد أن تكون مرنة، ولا بد أن تتوافق مع الواقع لتعطيه من الأحكام ما يناسبه. يقول في "ص358": "ولأن من سمات المنهج الإسلامي الواقعية والمرونة بما يحقق خلوده وصلاحه لكل زمان ومكان، ولأن حياة الجماعات البشرية عامة، ومنهم جماعة المسلمين في حركية دائمة مثل حياة الأفراد تتوارد عليها حالات الصحة والمرض، والنصر والهزيمة، والتقدم والتأخر، والضعف والقوة؛ فلا مناص لدين جاء ليغطي حياة البشرية في كل أصقاعها على امتداد الزمان أن يتسع لتغطية كل =

.........................................................................

_ = أوضاع التطور التي يمكن أن تمر بها جماعة أو جماعات المسلمين دائما ... ". ويقول أيضا في "ص120": "إن الشريعة ليست نصوصا جامدة، ولا هي مصوغة في صيغ نهائية، وليست أيضا مدونة قانونية بحيث وضعت لكل فعل وحالة حكما، وإنما المجال لا يزال فسيحا للتفسير والتحديد والإضافة والتجديد عن طريق استخدام العقل الفردي والجماعي "الاجتهاد"". هذه النصوص المطولة التي أوردناها أعلاه عن الغنوشي كافية لبيان منهجه "العصري" في فهم الإسلام، والذي يتلخص في أن الأفراد والجماعات -ومنهم المسلمون- في تطور وتغير دائم، وتعتريهم حالات الصحة والمرض والقوة والضعف، والإسلام يجب أن يكون بناء على ذلك قابلا للتطور والتغير، ويجب أن يكون مرنا، وإلا لم يكن صالحا؛ فالأحكام يجب أن تتغير بحسب الواقع، فما كان حراما قد يصير حلالا، والقاعدة التي تتبع في ذلك هي المصلحة التي يراها العقل، فما يراه العقل محققا للمصلحة ودارئا للمفسدة؛ فهو مشروع إن خالف نصا؛ لأن النصوص برأيه ليست جامدة ولا مصوغة في صيغ نهائية، ولم تعط حكما لكل فعل وحالة، والمجال فسيح أمام العقل. فالنصوص عنده إذن فقط حددت المقاصد، والمقاصد هي المصالح، وإذا لم تتبع قواعد المصلحة في التشريع؛ جمدت الشريعة وفقد الإسلام صلاحيته، وهو يرى في كل ذلك أنه يستند إلى أصول الشاطبي -رحمه الله- وفي ذلك مغالطة كبيرة وجريئة، وإن أهم ما نقصده هنا هو بيان أن الشاطبي -رحمه الله- بعيد كل البعد عن هذا المنهج، ولو قال به لرد قوله لتناقضه الصارخ مع شريعة الإسلام أصولا وفروعا. فما هي حقيقة رأي أو موقف الإمام الشاطبي؟ إن قول الشاطبي: إن الشريعة وضعت لمصلحة العباد في العاجل والآجل معا، لا يستفاد منه ولا بأي وجه من الوجوه أن ما يراه العقل مصلحة؛ فهو مشروع، ولا أنه يجوز ترك حكم النص إلى حكم فيه مصلحة بحجة أو بشرط المحافظة على المقصد، ولا أن ما تغلب فيه المصلحة على المفسدة؛ فهو مشروع، والذي يفهم من كلام الشاطبي هو أن وجود الشريعة الإسلامية هو وجود لشريعة صالحة لرعاية البشر؛ فتحقق لهم إشباع حاجاتهم وطمأنينة نفوسهم لأنها تعالج البشر بأحكام من عند خالق البشر الذي يشرع لهم ما يصلح لهم على الحقيقة؛ فيؤدي إلى رفاهيتهم وطمأنينتهم =

........................................................................

_ = في الدنيا؛ أي: في العاجل، ويؤدي إلى ثوابهم ونجاحهم من العقاب في الآخرة؛ أي: في الآجل، وهذا كله مصلحة للعباد، مصلحة في الدنيا ومصلحة في الآخرة، وكلتاهما تنتجان عن التزام ما أمر به الله سبحانه وتعالى، وليس معنى هذا أن الإنسان يجوز أن يسير في هذه الدنيا بحسب ما يراه محققا للمصلحة؛ لأن هذا يؤدي لأن يشرع الإنسان لنفسه بنفسه، وهذا لو سلمنا أنه يؤدي إلى مصلحة العباد في العاجل؛ فإنه لا يؤدي إلى المصلحة في الآجل؛ لأنه عدول عما أمر به الله سبحانه وتعالى، والمصالح في العاجل لا تتحقق إلا بما تتحقق به المصالح في الآجل، علاوة على أن قصد المصلحة في التشريع لا يؤدي إلى حصول المصلحة، وإنما يؤدي إلى الشقاء في العاجل. وقد بين الإمام الشاطبي قصده هذا في مقدمة الجزء الأول من كتابه "الموافقات"، عندما بين أن الإنسان كان يشرع لنفسه قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء على ما يراه مصلحة؛ فأدى ذلك إلى شقائه حتى جاءت الشريعة الحنيفية، وبينت للعباد ما يؤدي إلى المصلحة الحقيقية، التي يعلم الله وحده السبيل إليها، ويجهل سبيلها الإنسان الذي قد يسلك إلى شقائه وهلاكه ظانا لضعفه وقصور إدراكه أنه يسلك إلى المصلحة والطمأنينة. قال الشاطبي في "1/ 3": "الحمد لله الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة، وهدانا بالاستبصار به عن الوقوع في عماية الضلالة، ونصب لنا من شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- أعلى علَم وأوضح دلالة، وكان ذلك أفضل ما منّ به من النعم الجزيلة والمنح الجليلة وأناله؛ فلقد كنا قبل شروق هذا النور نخبط خبط العشواء، وتجري عقولنا في اقتناص مصالحنا على غير السواء؛ لضعفها عن حمل هذه الأعباء، ومشاركة عاجلات الأهواء، على ميدان النفس التي هي بين المنقلبين مدار الأسواء؛ فنضع السموم على الأدواء موضع الدواء، طالبين للشفاء؛ كالقابض على الماء، ولا زلنا نسبح بينهما في بحر الوهم فنهيم، ونسرح من جهلنا بالدليل في ليل بهيم، ونستنتج القياس العقيم، ونطلب آثار الصحة من الجسم السقيم، ونمشي إكبابا على الوجوه ونظن أنا نمشي على الصراط المستقيم". ومما يفسر ويؤكد المعنى الذي ذكرناه آنفا عند الشاطبي، قوله "2/ 63-64": "المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور: =

...........................................................................

_ = أَحَدُهَا: مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى من أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} ". ويستطرد الشاطبي في بيان هذا الأمر بما بنا غنية فيما أوردناه عنه من هذا الموضع عما لم نورده. إذًا، المصلحة عند الشاطبي تنتج عن تطبيق الشريعة ذاتها، وليس عن تطبيق ما يراه العقل موصلا إليها؛ فليس المشروع هو ما يؤدي إلى المصلحة كيفما كان، وإنما المصلحة عند الشاطبي مقصد من التشريع لا يسلك إليها إلا ما قد شرعه الله. قال الشاطبي في "2/ 63": " ... أن الشريعة إنما جاءت لتخرج العباد من دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها العاجلة كيف كانت". فالعجب العُجاب ممن يستدل بـ"الموافقات" على عكس هذا المعنى! ولا نستطيع أن نستقصي كل ما قاله هذا الإمام الفذ حول هذه المسألة، ولكني أدعوك -أخي القارئ- إلى قراءة كلام الإمام الشاطبي بعمق، ولا سيما عند حديثه على التحسين والتقبيح العقليين، انظر لزاما: "1/ 125 وما بعد" وتعليقنا عليه؛ فهو مما ينسف هذا المنهج المبتدع من جذوره، ويبيِّن أن افتراءهم على الشاطبي واه ومتهافت. والخلاصة: أن النقول التي أوردناها عن الغنوشي فيما سبق تبين أنه والذين يعتبرهم الأصوليين المعاصرين أو مفكري الإسلام المعاصرين يتخذون من أصول الشاطبي إطارا عاما لأجل التشريعات الجديدة المطلوبة لهذا العصر، والتي تتطلب مرونة في الشريعة تدفع إلى العدول عن أحكام النصوص إلى أحكام أخرى تقتضيها الضرورة أو المصلحة بحجة المحافظة على المقاصد، وما أوردناه آنفا عن "الموافقات" للشاطبي يدحض هذه المزاعم التي لا أصل لها عنده، ويؤكد أنها فرية؛ فالشاطبي -رحمه الله- أبدا لم يتحدث عن فقه مصالح وضرورات ولا عن فقه موازنات. أما ما يذكره الغنوشي عن تقسيم الشاطبي للمقاصد الشرعية إلى ضروريات وحاجيات =

..........................................................................

_ = وتحسينيات؛ فهذا صحيح، ولكن ليس صحيحا ما يبنيه الغنوشي على ما يستنبطه الإمام؛ فما أشار إليه الغنوشي من إدخال الحريات العامة؛ كحرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرية الملكية في هذه المقاصد؛ إنما هو من أوهامه، والشاطبي تحدث في الضروريات عن حفظ الدين وليس عن حرية العقيدة، وحفظ الدين الذي اعتبره الأصوليون من مقاصد الشريعة استدلوا عليه بأن الشارع قد شرع حدا للمرتد وهو القتل؛ فبهذا يحفظ الدين في شريعة الإسلام، بينما الغنوشي في كتابه يدعي أن مقصد حفظ الدين هو حرية العقيدة، أي بهتان هذا؟! ثم إنه بعد ذلك يجادل عبثا في هذه المسألة، فيحاول أن يثبت أن عقوبة المرتد عقوبة تعزيرية وليست حدا، استدعتها الظروف السياسية آنذاك -زمن النبي, صلى الله عليه وسلم- وأن ما صدر من النبي -صلى الله عليه وسلم- بشأن الردة وقوله: "من بدل دينه فاقتلوه" كان باعتبار ولايته السياسية ولم يكن تشريعا، وأن قتل المرتد كان يعده خروجا بالقوة على نظام الدولة ومحاولة زعزعته، وكل هذه الدعاوى منه ليست مبنية على أي دليل، وظاهر فيها ريح الحضارة الغربية النتنة؛ فكل هذه المحاولة اليائسة هي ليثبت أن الإسلام يقرر حرية العقيدة، وأن حق الإنسان محترم ومحفوظ في تغيير عقيدته، ومن أراد أقوال الغنوشي؛ فليراجع صفحة "48 و49 و50" من كتابه. وكذلك ما قاله الغنوشي عن مقصد حفظ العقل؛ فالأصوليون يجعلون حفظ العقل مقصدا، ويستدلون على ذلك بتحريم المسكر وبالعقوبة الشرعية عليه، بينما يذكر الشيخ راشد أن حفظ العقل يتعلق به حق الإنسان في التعليم وحرية التفكير وحرية التعبير، ما العلاقة بين حفظ العقل المستنبط من وضع عقوبة لشارب الخمر وبين حرية التعبير؟ ما هذا؛ أهو عمق في التفكير والاستنباط، أم هو استنتاج جار على مقتضى الأهواء وليس جاريا على حسب مقتضى العقول؟ إنه الاحتمال الأخير بلا شك، والدافع إليه هو موافقة الحضارة الغربية، وهذا النوع من الموافقات مختلف تمام الاختلاف عن "موافقات الشاطبي". دعوكم من هذا أيها "المفكرون المعاصرون"؛ فإنه ضلال، وهو يسقطكم ولا يرفعكم. وعلى كل حال؛ فالشاطبي بريء من كل هذا كما بينا سابقا. وقطعا لكل المحاولات المريبة في تفسير مقصد الشاطبي من تقسيمه المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية؛ لا بد من بيان مقصده منها كما بينه هو، ولا بد من الإشارة أيضا إلى أن الشاطبي لم يكن أول من تناول هذا التقسيم؛ فقد سبقه كثير من الأصوليين كالغزالي والآمدي -رحمهما الله- =

...........................................................................

_ = تعالى. والشاطبي لم يورد هذا التقسيم ليرد أحكاما شرعية ويستبدل بها أحكاما أخرى من تقديرات العقل بحجة أن الأولى تحسينية والثانية حاجية، أو أن الأولى حاجية والثانية ضرورية، بل هذا عين ما يسميه الشهوة والهوى؛ فكما أن المصلحة هي ما جعله الشرع مصلحة والمفسدة كذلك، كما بينا عنه سابقا؛ فكذلك مرتبة المصلحة أن تكون ضرورية أو حاجية أو تحسينية هو بجعل الشارع لها كذلك. إن حديث الشاطبي ومن سبقه في هذا التقسيم للمصالح ينطوي على فهم عميق لواقع الإنسان؛ فهم لا تجده في كل ما أنتجته الحضارة الغربية من أبحاث، هذه الحضارة التي ينطلق منها أحيانا من يطلق عليهم أحيانا: "مفكرو الإسلام المعاصرون". ثم إن الشاطبي -رحمه الله- قد بين أن المصلحة ليست في مجرد سد هذه الحاجات؛ فالشرائع الوضعية تسعى إلى سدها وإشباعها، وإنما المصلحة في سدها كما أمر الشرع، يقول الشاطبي "2/ 63": "المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية". ويقول "2/ 78": "فالعادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل، اللهم إلا أن يريد القائل: إن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها بعد وضع الشرع أصولها؛ فذلك لا نزاع فيه". فإذا ربطنا هذا الكلام بما ذكرناه عنه سابقا أن المصلحة هي بجعل الشرع لها كذلك، وكذلك المفسدة؛ علمنا رأيه، وهو أن العقول تدرك بالتجارب, أي: بعد تطبيق الشرع أن هذا المأمور به يؤدي إلى مصلحة، وأن هذا المنهي عنه يؤدي إلى مفسدة، وقول الشاطبي "بعد وضع الشرع أصولها"؛ أي: بعد أن نصب الشرع الأدلة الدالة على طلب الفعل أو تركه. وعليه؛ فالشاطبي يرى أن اللازم اتباع الشرع في الأمر والنهي كي تتحصل المصلحة في الدنيا والآخرة، وإلا؛ فسوف نقع في المفسدة حيث نتوقع المصلحة، أما ما يراه بعض المهزومين أمام الحضارة الغربية وأمام ضغط الواقع؛ فهو قلب للأمور رأسا على عقب، إنه استبدال لشريعة اسمها المصلحة بشريعة الإسلام. =

...........................................................................

_ = وهؤلاء الذين يريدون تحميل أوزارهم للشاطبي؛ فيقولون: إنهم ينتهجون نهجه، ويدعون أن الاتجاه العام في الفكر الإسلامي المعاصر يجعل من أصول الشاطبي إطارا عاما وأساسا لمعالجة المشكلات المستجدة في حياة المسلمين، وأن الشرع قد تضمن أصولا عامة يمكن أن يتأسس عليها اجتهاد جديد كلما حصل تطور في الحياة، هؤلاء يعدهم الشاطبي أهل بدع، ولله در هذا الشاطبي المستنير؛ فلنقرأ بتأن قوله "3/ 34": "فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعلُهُ موافقا أو مخالفا"؛ أي: لصورة الفعل المأمور به أو المنهي عنه بالنص، ثم يتابع: "وعلى كلا التقديرين؛ إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته؛ فالجميع أربعة أقسام". فيتحدث رحمه الله عن الأقسام الثلاثة الأولى بما يلزم، ثم يتحدث عن القسم الرابع وهو ما يلزمنا هنا؛ فيقول "3/ 37": "والقسم الرابع أن يكون الفعل أو الترك مخالفا والقصد موافقا؛ فهو أيضا ضربان: أحدهما: أن يكون مع العلم بالمخالفة. والآخر: أن يكون مع الجهل بذلك. فإن كان مع العلم بالمخالفة؛ فهذا هو الابتداع، كإنشاء العبادات المستأنفة، والزيادات على ما شرع، ولكن الغالب أن لا يتجرأ عليه إلا بنوع تأويل، ومع ذلك؛ فهو مذموم حسبما جاء في القرآن والسنة". ثم يسترسل الشاطبي -رحمه الله- في إثبات بدعية هذا الطرح وهو مخالفة الشارع فيما أمر أو نهى بحجة المحافظة على المقصد، وهذا هو عين ما طرحه الغنوشي في كتابه، وهو عين ما يطرحه الذين جعلهم الغنوشي مفكري الإسلام المعاصرين، وجميعهم يقصدون إلى تغيير شرع الله؛ فيثيرون مسألة مقاصد الشريعة كمقدمة وغطاء للانحراف، ثم يخادعون فيغشون على العقول والقلوب بإثارة مسألة مرونة الشريعة، ويتترسون بالإمام الشاطبي، والشاطبي بريء منهم ويعدهم أهل أهواء وبدع؛ فمن لي بأصحاب هذه المفاهيم الغربية السقيمة، يغرفونها من مستنقعات الكفر، ثم يزينونها بالبسملة والحمدلة ويدعون أنها الإسلام؟ إن الشاطبي يرد هذا المنهج ويعده مذموما شرعا، ويقول: "إن مخالفة الشرع بالفعل أو الترك مع قصد المحافظة على مقصد الشريعة هو بمثابة روح بلا جسد"، ثم يقول "3/ 45": فإذا =

...........................................................................

_ = لَمْ يُنْتَفَعُ بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ؛ كَذَلِكَ لَا ينتفع بروح في غير جسد". وجريا على المنهج الذي اتبعته هنا في الرد على الغنوشي بكلام الشاطبي نفسه؛ لأن الأول ادعى أنه يتخذ من أصول الثاني إطارا عاما لمنهجه؛ فلننظر ما هو رأي الشاطبي في مسألة التطور في الواقع والمرونة في الشريعة، والتغير في أحوال الأفراد والجماعات، يقول الإمام الشاطبي, رحمه الله "2/ 483-484": "إن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال هذا الوجود على أنها دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة؛ كالإخبار عن السموات والأرض وما بينهما، وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال، وأن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله؛ كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوزان أيضا، والخبر من الصادق لا يكون بخلاف مخبره بحال؛ فإن الخلاف بينهما محال". وقال أيضا: "لولا أن اطراد العادات معلوم؛ لما عرف الدين من أصله فضلا عن تعرف فروعه". وقال أيضا "2/ 488": "العوائد المستمرة ضربان: أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا، أو نهى عنها كراهة أو تحريما، أو أذن فيها فعلا وتركا. والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي. أما الأول؛ فثابت أبدا كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات، والتأهب للمناجاة وستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس، إما حسنة عند الشارع أو قبيحة؛ فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع؛ فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيها؛ فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا؛ حتى يقال مثلا: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه، أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح؛ فلنجزه، أو غير ذلك؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل". ثم تحدث الشاطبي عن الضرب الثاني؛ فأطال قليلا، ثم لخص فقال "2/ 491": "إن ما جرى ذكره هنا عند اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف =

ويظهر تأثر علال الفاسي بالشاطبي في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها"؛ فهو يصرح فيه بأنه قرأه ودرسه، ثم إنه كتبه ليسد فراغا، ويتجاوز الحد الذي وقف عنده الشاطبي؛ فها هو يقول في مطلعه: "هذا كتاب "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" أضعه اليوم بين يدي قرائي الأفاضل، وأنا واثق من أنه سيسد فراغا في المكتبة العربية؛ لأن الذين تعاقبوا على كتابة المقاصد الشرعية لم يتجاوزوا الحد الذي وقف عنده إمامنا أبو إسحاق الشاطبي -رحمه الله- في كتابه "الموافقات"، أو لم يبلغوا ما إليه قصد، وبعضهم خرج عن الموضوع إلى محاولة تعليل كل جزء من أجزاء الفقه أخذا للمقاصد بمعناها الحرفي"1، ثم يقول: "وعرضت إلى أصول الشرعة؛ فتناولتها من جهة المقاصد أكثر مما تناولتها من جهة العلة، ولم أغفل عن المباحث التي وقعت حولها من المعاصرين مما اقتضته شبهات الوقت والمتشابهات لدى مفكريه؛ فجمعت بذلك بين نقط الجدل القديم والجديد، ودللت القارئ على نقط الضعف فيها ووسائل الإجابة عنها، ثم بينت بعد ذلك وسائل الاجتهاد وأسباب الاختلاف بما يفسح المجال

_ = فِي أَصْلِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَوْضُوعٌ عَلَى أَنَّهُ دَائِمٌ أَبَدِيٌّ، لَوْ فُرِضَ بَقَاءُ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَالتَّكْلِيفُ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَحْتَجْ في الشرع إلى مزيد....". هذا هو الشاطبي، وهذه أفكاره ومفاهيمه وأصوله؛ فكيف يجعلها من يسمون أنفسهم مفكري الإسلام المعاصرين إطارا عاما لمنهجهم القائم على الحاجة إلى فقه جديد اسمه فقه المصالح أو فقه الموازنات أو فقه المصالح والضرورات؟! انظر: مقالة "رد افتراءات على الإمام الشاطبي" لمحمود عبد الكريم حسن، منشورة في "مجلة الوعي" "العدد 88، السنة الثامنة، ربيع الأول، سنة 1415هـ، ص21 وما بعد". 1 "مقاصد الشريعة" "ص5".

للذين يرغبون في تعمق أسرار الشريعة وتفهم مغازيها"1، ثم يقول: "ويعلم الله كم بذلت من جهد في استخلاص فصول هذا الكتاب، وجعلها قريبة من أذهان المعاصرين، مستندا إلى أهم المصادر الإسلامية والكتب العلمية الصحيحة، مجتهدا في تفهم آراء المسلمين والتوفيق بينها وتوضيح مواطن الضعف في كتابات المعاصرين منهم، ومتتبعا ما أسميته بالإسرائيليات الجديدة، أي: الأفكار المتسربة من غيرنا عن طريق الاستعمار الروحي الذي هو آفتنا في هذا العصر. وقد أخذ هذا الكتاب مني وقتا غير قصير؛ إذ اشتغلت فيه مع غيره من الأعمال الأخرى مدة أربعة أعوام؛ فهو ليس بالمرتجل ولا بالمستعجل، وكان أصله محاضرات ألقيتها على كل من طلبة الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، وطلبة كلية الحقوق بنفس الجامعة بفاس، وطلبة كلية الشريعة بجامعة القرويين من نفس المدينة. وأملي أن يجد من قرائي الكرام قبولا حسنا، وعناية بالموضوع الذي ما يزال يستحق الكثير من البحث ومن التدقيق، وحسبي أني قد زدت فيه لبنة على من سبقني، وفتحت آفاقا لمن يريد أن يعمل من بعدي"2. ويقول أيضا مبينا ما آل إليه العالم الإسلامي من خمود، وإيمانه بضرورة الجمود: "وقد مضى على العالم الإسلامي ردح استسلم فيه إلى الخمود وآمن بضرورة الجمود؛ فأعرض عن النظر في الأدلة الشرعية واستنباط الأحكام منها، وأحل أقوال الأئمة والفقهاء مقام الكتاب والسنة؛ حتى أصبح من ينظر فيها محكوما عليه بالفسق، ومن يتجرأ على الاستدلال بها منظورا إليه النظر الشزر.

_ 1 "مقاصد الشريعة" ص5". 2 "مقاصد الشريعة" "ص6".

وأما من يدعي الاجتهاد ولو في جزئية ما؛ فهو المارق من الدين السالك سبيل غير المؤمنين، وذلك ما فتح الباب لقلب الأحكام الشرعية، وإظهار الشريعة الإسلامية بمظهر الشريعة التي لا تقبل التطور ولا تصلح لكل العصور"1، ثم يقول: ومن حسن الحظ أن ينتبه بعض العلماء لهذه الفاجعة، ويتجرءوا على النظر والاجتهاد؛ فيعيدوا للشرع الشريف اعتباره، وللنظر والعلم الصحيح مكانتهما، ولكن ذلك وقع بالأسف في عصر طغى على المسلمين فيه الفكر الأجنبي والقانون الأجنبي؛ فصعب على القائمين بدعوة الإسلام النجاح، وكثر عليهم المعارضون والمتآمرون، وذلك ما يوجب عليهم الصمود ويفرض عليهم بذل أقصى ما يمكن من الجهد واستكمال ما يحتاجون إليه من العلم؛ حتى لا يفضي جمود الآباء إلى جحود الأبناء، وإن في قلة الفقهاء المجددين على قلتهم ضمانا للسير بالفقه الإسلامي إلى شاطئ النجاة حتى يصبح مرتبطا بمقاصد الشريعة وأدلتها، ومتمتعا بالتطبيق في محاكم المسلمين وبلدانهم، وليس ذلك على الله وعلى همة المجاهدين المجتهدين بعزيز. يعتمد المجتهد في استنباطه الأحكام على أمرين: 1- المعرفة بالأدلة السمعية التي تئول إلى الكتاب والسنة والإجماع وما اختلف فيه العلماء من الأصول الأخرى. 2- التأكد من دلالة اللفظ في اللغة العربية وفي استعمال البلغاء، وهذه الدلالة إما بالمنطوق أو بالمفهوم، أو بالمعقول وهو القياس وأنواع الاستدلال المختلف في حجيتها بين الأئمة. القدرة على الموازنة بين الأدلة واختيار أرجحها وأقواها على من دونه.

_ 1 "مقاصد الشريعة" "ص164".

فالمعرفة بالأدلة السمعية، والتأكد من الدلالات اللغوية، والقدرة على الترجيح بين الأدلة المتزاحمة؛ تلك هي العناصر التي يتوقف عليها المجتهد للقيام بمهمة الاجتهاد، والدلالات السمعية، وطرق التأكد من معانيها والترجيح بينها هو ما يبحث فيه علم الأصول وعلم الاجتهاد، والأخير جزء من الأول، ولكنه خاص باعتبار ما يتوقف عليه من العلوم. فلا بد للفقيه إذا أراد أن يكون مجتهدا من معرفة الكتاب وقراءاته وناسخه ومنسوخه والسنة واصطلاحاتها ودرجاتها ومركزها من القرآن، ولا بد كذلك من معرفة علم الأصول واللغة وأقوال الفقهاء وأسباب اختلافهم وطرق الاستدلال السمعية والعقلية ومقاصد الشريعة. ويرى الشاطبي أن درجة الاجتهاد إنما تحصل ممن اتَّصَفَ بِوَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلَى كمالها، وهو شرط لم يذكره أغلب علماء الأصول، مع أنه الذي يتفق مع ما قاله الشافعي من وجوب ملاحظة المجتهد القواعد الكلية أولا، وتقديمها على الجزئيات ... "1. والمتمعن في كتاب علال الفاسي يجد أثر الشاطبي واضحا فيه، ولكنه جعله قريبا من الأذهان، وسبكه في عبارة واضحة، وربطه بالواقع الذي يحياه؛ بحيث تعرض لشبهات الوقت والمتشابهات لدى مفكريه. وتولدت عن هذه الكتابات والجهود التي ركزت على ضرورة معرفة "المقاصد" أبحاث متخصصة في منهج الداعين إليها، وظهر منها فيما يخص الشاطبي اثنان2:

_ 1 "مقاصد الشريعة" "ص164-165". 2 ذكر الدكتور عبد المجيد تركي في كتابه "مناظرات في أصول الشريعة" "ص528" أنه يعد دراسة عن الشاطبي ومقاصد الشريعة؛ فلا أدري هل أتم ذلك أم لا؟

الأول: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي لأحمد الريسوني، طبع عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سنة "1412هـ - 1992م". والآخر: الشاطبي ومقاصد الشريعة لحمادي العبيدي، طبع عن دار قتيبة، سنة "1412هـ - 1992م" أيضا. وكلاهما جلى منهج الشاطبي في قسم المقاصد من "الموافقات". المحور الثالث: طبعات الكتاب. طبع كتاب "الموافقات" عدة طبعات1، هي: الأولى: طبع بتونس سنة "1302هـ - 1884م" بمطبعة الدولة التونسية، وبتصحيح ثلاثة من علماء جامعة الزيتونة في ذلك الوقت، هم: الشيخ علي الشنوفي، والشيخ أحمد الورتاني، والشيخ صالح قايجي، وظهر في أربعة أجزاء. الثانية: طبع في سنة "1327هـ - 1909م" الجزء الأول منه، ويقع في "189 صفحة" بمدينة "قازان" عاصمة جمهورية التتار بروسيا. الثالثة: طبع في مصر سنة "1341هـ - 1922م" في المطبعة السلفية، وأنفق على الطبع عبد الهادي بن محمد منير الدمشقي، وعلق الشيخ محمد الخضر حسين على الجزء الأول والثاني، وعلق الشيخ محمد حسين مخلوف على الجزء الثالث والرابع. الرابعة: طبع في مصر بتعليق وتحقيق الشيخ عبد الله دراز، وظهر في أربعة أجزاء.

_ 1 انظر: "معجم المطبوعات العربية والمعربة" "1091"، و"ذخائر التراث العربي الإسلامي" "1/ 607".

الخامسة: طبع في مصر بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد عن مطبعة محمد علي صبيح، وظهر في أربعة أجزاء أيضا. تقويم الطبعات التي وقفت عليها: من خلال المشوار الطويل الذي صحبته مع "الموافقات"، والنظر في الطبعات التي وقفت عليها، وهي عدا الأولى والثانية من الطبعات المتقدمة؛ أستطيع أن أقرر أن الأصل الذي اعتمده هؤلاء المحققون واحد، وأن الغلط والتحريف والسقط متكرر، اللهم إلا أن يشير المتقدم منهم -وهو الشيخ محمد الخضر أو محمد الحسين- إلى احتمال تحريف أو سقط، فيصححه المتأخر، مثل: الشيخ عبد الله دراز؛ كما تراه في مواطن من طبعتنا هذه، مثل: "3/ 176، 364، 373، 381 و4/ 179 و5/ 68، 302"، أو يتعقبه ويخطئه1؛ كما تراه من طبعتنا هذه في "3/ 237، 523، 566 و4/ 34، 192 و5/ 89، 210، 305"، وفي جميع هذه المواطن يتعقب الشيخ دراز الشيخ مخلوف، وتعقب دراز الشيخ محمد الخضر حسين أيضا، ولكن في مواطن قليلة منها "2/ 21". أما الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وهو آخر من حقق هذا الكتاب؛ فيفترض أن تكون طبعته أدق الطبعات السابقة وأحسنها، ولكن -يا للأسف- كانت على خلاف ذلك؛ فعلى الرغم من قوله في المقدمة بعد أن ذكر الطبعات السابقة, عدا طبعة قازان: "ولم تخلُ طبعة من هذه الطبعات من تحريف وتصحيف وسقط، رغم ما بُذل في كل واحدة منها من الجهد، ورغم جلالة شأن القائمين عليها، وها أنذا أقدِّم هذه الطبعة الرابعة لمن يعنيهم أن

_ 1 دون أن يذكر اسمه، ولكن ينقل عبارته -ويتصرف فيها غالبا- ثم يبين ما فيها من خطأ أو نحوه.

يقرءوا هذا الكتاب، ويفيدوا منه، بعد أن بذلت الوسع في مراجعة أصوله وتحقيقها، والله سبحانه المسئول أن ينفع به، وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه"1. قلت: على الرغم من هذا القول؛ إلا أن طبعته لم تمتز بشيء يذكر عن سابقاتها إلا في مواطن يسيرة، أثبت في أصل الكتاب ما احتمله الشيخ مخلوف، وتابعه في نقل كثير من الهوامش -ولا سيما في الجزء الأخير- فأثبتها منه بالحرف، ولعله يزيد عليها كلمات2؛ كما تراه في "5/ 124، 125، 131، 133، 139، 158، 181، 183، 185، 195، 201، 267، 336". والعجب كل العجب أن أخطاء وقعت في رسم الآيات في مواطن عدة؛ كما تراه في "3/ 421 و4/ 160، 305، 326-ط دراز"، وتتابعت جميع الطبعات عليها. والحق يقال, إن أجود هذه الطبعات طبعة الشيخ عبد الله دراز، ولا سيما أنه بذل جهدا عظيما فيها، وذلك من خلال شرحه كلام المصنف، وتعقبه له وإحالته الدقيقة3 على كلام المصنف في مباحث فاتت أو ستأتي، وهذه التعليقات تدل على علم واسع، ونظر ثاقب، وقدم راسخة في علم الأصول، ودراسة دقيقة عميقة لكتاب "الموافقات"، وقد لاحظ بعض الباحثين أن "تعليقات الشيخ دراز تمتاز بالشح في الإطراء، وبالمبالغة في المعارضات

_ 1 مقدمة محمد محيي الدين لـ"الموافقات" "1/ 5". 2 وميزنا زياداته بوضعها بين معقوفات؛ فأينما رأيت "ف"، وتبعه "م"، وفيما يسبق ذلك معقوفات؛ فالمعقوفات من زيادات "م"؛ أي: محمد محيي الدين، وأصل الكلام لـ"ف"؛ أي: الشيخ مخلوف. 3 إلا في مواطن قليلة جدا، نبهنا عليها في مواطنها.

والاستدراكات"1، ولكنه مع هذا أطرى عليه في غير موضع؛ فها هو يقول عن طريقة الشاطبي: "يتتبع الظنيات في الدلالة، أو في المتن، أو فيهما، والوجوه العقلية كذلك، ويضم قوة منها إلى قوة، ولا يزال يستقري حتى يصل إلى ما يعد قاطعا في الموضوع ... فهذه خاصية هذا الكتاب في استدلالاته، وهي طريقة ناجحة أدت إلى وصوله إلى المقصود، اللهم إلا في النادر، رحمه الله رحمة واسعة"2. وتعليقات الشيخ دراز تمتاز بالاختزال والضغط، وقد أشار هو في مقدمته على "الموافقات" تحت عنوان "سبب توجهي للكتاب وطريقة مزاولتي لخدمته" إلى الدافع عن تحقيقه، ومزايا هذا التحقيق؛ فقال: "كثيرا ما سمعنا وصية "الشيخ محمد عبده" رحمه الله لطلاب العلم بتناول الكتاب، وكنت إذ ذاك من الحريصين على تنفيذ هذه الوصية؛ فوقف أمامي وأمام غيري صعوبة الحصول على نسخة منه، وبعد اللتيا والتي وفقنا إلى استعارة نسخة بخط مغربي من بعض الطلبة؛ فكان إلغاز الخط مع صعوبة المباحث، وإلحاح صاحب النسخة لاسترجاعها أسبابا تضافرت على الصدّ عن سبيله؛ فأنفذنا وصية القائل: إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع فلما يسر الله طبع الكتاب طبعة مصرية3، وأتيحت لي فرصة النظر فيه؛ عالجته أول مرة حتى جئت على آخره، فُرضتُ في هذا السفر الطويل شعابه

_ 1 "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص252". 2 "الموافقات" "4/ 323-328-ط دارز، و5/ 405- طبعتنا هذه". 3 يشير الشيخ دراز -رحمه الله- إلى طبعة الشيخ محمد الخضر حسين ومحمد حسين مخلوف، والحق أن الكتاب طبع طبعتان قبل ذلك.

وأوديته، وسبرت خزائنه وأوعيته، وقد زادني الخُبر به في تصديق الخبر، وحمدت السرى ومغبة السهر؛ فملك أعنة نفسي لإعادة النظر فيه بطريق الاستبصار، وامتحان ما يقرره بميزان النظار، والرجوع إلى الموارد التي استقى منها، والتحقق من معانيها التي يصدر عنها، والإفصاح عما دق من إشاراته، والإيضاح لما شق على الذهن في عباراته، بأكمل لفظ موجز، ومد معنى مكتنز، وجلب فرع توقف الفهم عليه، والإشارة لأصل يرمي إليه، ولم أرُم الإكثار في هذه التعليقات وتضخيمها باللم من المصنفات للمناسبات1، بل جعلت المكتوب بمقياس المطلوب، واقتصرت على المكسوب في تحقيق المرغوب؛ إلا ما دعت ضرورة البيان إليه في النادر الذي يتوقف الفهم عليه، والتزمت تحرير الفكر من قيوده وإطلاقه من مجاراة المؤلف في قبول تمهيده، أو الإذعان لاستنتاجه لمقصوده،

_ 1 ومع هذا؛ فقد صرح في تعليقاته وشرحه النقل من كثير من الكتب؛ مثل "الإحكام" للآمدي، و"المستصفى" للغزالي, و"ميزان الأصول" لعلاء الدين السمرقندي، و"إرشاد الفحول"، و"منح الجليل"، و"الشرح الصغير" للدردير، و"مختصر ابن الحاجب" الأصولي، و"شروحه"، و"أحكام القرآن" لابن العربي، و"زاد المعاد"، و"تفسير البغوي"، و"السيرة الحلبية"، و"التحرير" لابن الهمام، و"المنهاج" للبيضاوي، و"شرح الطيبة" للنويري، و"إحياء علوم الدين"، و"القاموس المحيط"، و"الاعتصام" للشاطبي، و"الفروق" للقرافي، وغيرها. بالإضافة إلى المراجع التي اعتمد عليها في التخريج، وهي: الكتب الستة، "شرح ابن حجر على البخاري"، "شرح القسطلاني على البخاري"، "مشكاة المصابيح"، "تيسير الوصول"، "شرح العزيزي على الجامع الصغير"، و"شرح المناوي على الجامع الصغير"، "الترغيب والترهيب" للمنذري، "منتقى الأخبار" مع شرحه "نيل الأوطار"، "التلخيص الحبير", "مجمع الزوائد"، "تخريج العراقي لأحاديث الإحياء"، "المجموع الفائق من حديث خير الخلائق" للمناوي، "كنوز الحقائق" للمناوي، "تمييز الطيب من الخبيث"، "تذكرة الموضوعات"، "اللؤلؤ المرصوع"، "رسالة الصاغاني في الموضوعات"، "النهاية" لابن الأثير، "الشفا مع شرحي القاري والشهاب"، و"المواهب اللدنية"، "الموطأ"، كلاهما بشرح الزرقاني، "راموز الحديث" لأحمد ضياء الدين، "الغماز على اللماز"، "مسند الشافعي"، "تفسير الطبري"، "تفسير الآلوسي"، "إعلام الموقعين".

وكان هذا سببا في عدم الاحتشام من نقده في بعض الأحيان، والتوقف في قبول رفده الذي لم يرجح في الميزان؛ فقد جعل هذا المسلك حقا على الناظر المتأمل فيما قرر، والطالب للحق فيما أورد وأصدر، وطلب منه أن يقف وقفة المتخيرين لا وقفة المترددين المتحيرين، كما نهى عن الاستشكال قبل الاختبار؛ حتى لا تطرح الفائدة بدون اعتبار، نعم؛ فليس في تحقيق العلم فلان وأين منه فلان؟ ولو كان لضاع كثير من الحق بين الخطأ والنسيان، وهذه ميزة ديننا الإسلام، قبول المحاجة والاختصام، حاشا للرسول, عليه الصلاة والسلام. وقال تحت عنوان "تخريج أحاديث الكتاب" ما نصه: "كان من استقراء المؤلف لموارد الشريعة أن أورد زُهاء ألف من الأحاديث النبوية، وفي الغالب لم يسندها إلى راويها، ولم ينسبها لكتب الحديث التي تحويها، بل قلما استوفى حديثا بتمامه، وإنما يذكر منه بقدر غرض الدليل في المقام، وقد يذكر جزءا آخر منه في مقام آخر حسبما يستدعيه الكلام، وقد يشير إلى الحديث إشارة دون أن يذكر منه شيئا؛ يقصد بهذا وذاك الوصول إلى قصده، دون أن يخرج في الإطناب عن حده، ولا تخفى حاجة الناظر في كلامه إلى الوقوف على الحديث بتمامه، ومعرفة منزلته قوة وضعفا؛ ليكون الأول عونا على معرفة الغرض من سياق الحديث, والثاني مساعدا على تقدير قيمة الاستدلال والاطمئنان أو عدمه في هذا المجال؛ فكان هذا حافزا للهمة، إلى القيام بهذه المهمة، على ما فيها من المشقة والعمل المضني في البحث، واستقصاء ساحات دواوين الحديث الفيحاء، مع كثرة مآخذه، وتعدد مراجعه، حتى كان مرجعنا في ذلك ثلاثة وثلاثين1 كتابا من كتب الحديث.

_ 1 ذكرناها في آخر الهامش السابق.

ولقد كان يحمل عنا أبهظ هذا العبء الأستاذ محمد أمين عبد الرزاق، الذي استمر أشهرا طوالا يعاني مراجعة هذه الأصول للوصول إلى مخرج الحديث، والعثور على لفظه، على كثرة الروايات، واختلافها في العبارات، ليشار أمام الحديث إلى الكتاب الذي خرجه، وفي الغالب باللفظ الذي أدرجه؛ حتى يسهل الرجوع إلى محلته لمعرفة لفظه ومنزلته؛ فجزاه الله عن خدمته للعلم خير الجزاء"1. وقال أيضا تحت عنوان "التحريفات والأخطاء الباقية في الطبعة الماضية" ما نصه: "إنه وإن قام جليلان من أكابر العلماء بتصحيح الكتاب عند طبعه، والعناية بقدر الوسع في رده لأصله؛ فقد كانت كثرة ما وجد من الخطأ والتحريف في النسخة التي حصل عليها طابع الكتاب، مضافة إلى ضيق الوقت الذي جرى فيه التصحيح, كافية لقيام العذر لحضرتهما في بقاء قسم كبير من التحريفات، وسقوط جمل برمتها، أو كلمات لا يستقيم المعنى دون إكمالها، ولا يتم للمؤلف غرض دون إدراجها؛ فكان هذا من دواعي زيادة الأناة وإعمال الفكرة في هذه الناحية؛ حتى يسرها الله، وصار الكتاب في مبناه ومعناه خالصا سائغا للطالبين. ولست -وإن أطرى الناظرون- بمدع أني بلغت في خدمة الكتاب النهاية، بل -إذا حسنت الظنون- قلت خطوة في البداية؛ فميدان العمل فيه سعة لمن شحذت همته، وبذل النصح شرعة لمن خلصت نيته؛ فإنما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" انتهى كلامه. قلت: وكلامه السابق يؤكد ما ذكرته آنفا من أن محققي الكتاب لم يحققوه على أصول خطية مضبوطة، وإنما توالوا على طبعه، معتمدين على الطبعات

_ 1 انظر ما سيأتي من ملاحظات حول هذا التخريج.

الأولى، ولذا وقع في جميع النسخ تحريف وسقط. ومن القضايا الملفتة للنظر للمتمعن في طبعات الكتاب: تحقيق اسم الكتاب: سمى المصنف كتابه هذا أولا "عنوان التعريف بأسرار التكليف المتعلقة بالشريعة الحنيفة"، ثم حدثت حادثة أُعطي بسببها اسم "الموافقات"، وقد أوردها في مقدمته؛ فقال: "لَقِيتُ يَوْمًا بَعْضَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَحْلَلْتُهُمْ مِنِّي مَحَلَّ الْإِفَادَةِ، وَجَعَلْتُ مَجَالِسَهُمُ الْعِلْمِيَّةَ مَحَطًّا لِلرَّحْلِ, وَمُنَاخًا لِلْوِفَادَةِ، وَقَدْ شَرَعْتُ فِي تَرْتِيبِ الْكِتَابِ وَتَصْنِيفِهِ، وَنَابَذْتُ الشَّوَاغِلَ دُونَ تَهْذِيبِهِ وَتَأْلِيفِهِ، فَقَالَ لِي: رَأَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ1، وَفِي يَدِكَ كِتَابٌ أَلَّفْتَهُ، فَسَأَلْتُكَ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتَنِي أَنَّهُ كِتَابُ "الْمُوَافَقَاتِ"، قَالَ: فَكُنْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ الظَّرِيفَةِ، فَتُخْبِرُنِي أَنَّكَ وَفَّقْتَ بِهِ بَيْنَ مَذْهَبَيِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبِي حَنِيفَةَ2. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَصَبْتُمُ الْغَرَضَ بِسَهْمٍ مِنَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ مُصِيبٍ، وَأَخَذْتُمْ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ النَّبَوِيَّةِ بِجُزْءٍ صَالِحٍ وَنَصِيبٍ؛ فَإِنِّي شَرَعْتُ فِي تَأْلِيفِ هَذِهِ الْمَعَانِي، عَازِمًا عَلَى تَأْسِيسِ تِلْكَ الْمَبَانِي؛ فَإِنَّهَا الْأُصُولُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَالْقَوَاعِدُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا عِنْدَ الْقُدَمَاءِ؛ فَعَجِبَ الشَّيْخُ مِنْ غَرَابَةِ هَذَا الِاتِّفَاقِ؛ كَمَا عَجِبْتُ أَنَا مِنْ رُكُوبِ هَذِهِ الْمَفَازَةِ وصحبة هذه الرفاق"3.

_ 1 رأيت في المنام في أول ليلة بدأت فيها بخدمة هذا الكتاب "أسدا" على "شرفة" عالية، والناس ينظرون إليه، ويخافونه ويهابونه، وينصرفون عنه، وأحسست برباطة جأش، وقوة عزيمة؛ فسرتُ تجاهه، وقربت منه، دون خوف ولا وجل؛ فوجدته ذلولا مطوعا؛ فأولتُها على خدمة هذا الكتاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. 2 لاحظ عدم ذكره الإمام مالكا بجانب الإمام أبي حنيفة، وإنما ذكر ابن القاسم. 3 "الموافقات" "1/ 10-11".

وأخطأ كحالة؛ فاعتبر "عنوان التعريف بأسرار التكليف" كتابا مستقلا عن "الموافقات"1. أما المعاصرون ممن طبع الكتاب؛ فزادوا في اسمه؛ فهو في طبعة دراز يحمل اسم "الموافقات في أصول الشريعة"، وفي طبعة كل من الشيخين محمد الخضر ومحمد حسين مخلوف يحمل اسم "الموافقات في أصول الأحكام"، وهذا العنوان هو الذي أثبته أيضا محمد محيي الدين عبد الحميد، ولا أدري من أين لهم هذه الزيادات، مع أنها لم تذكر عند المصنف2 ولا في الأصول الخطية للكتاب، ولا في المصادر والمراجع إلا باسم "الموافقات"؟! الأصول المعتمدة في التحقيق: اعتمدت في تحقيقي لكتاب "الموافقات" على نسختين خطيتين، وأربع نسخ مطبوعة، هذا وصفها: النسخة الأولى: وهي التي أطلقنا عليها "الأصل"3، وهي من محفوظات دار الكتب الوطنية بتونس، تحت "رقم 3189"، وتقع في جزأين: الأول في "142 ورقة"، ويبدأ بـ"مقاصد المكلف في التكليف"، والثاني في "172 ورقة"، في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة "29" سطرا، وخطها مغربي مقروء، تبدأ المسائل والفصول بخط كبير أحمر، وهو يختصر لفظة "تعالى" بعد

_ 1 "معجم المؤلفين" "1/ 118". 2 مع أنه أحال عليه كثيرا في "الاعتصام"، وكذا سماه بـ"الموافقات" كما في النص المتقدم. 3 وذلك لوقوفي على هذه النسخة في وقت مبكر، وقد صوّرها لي الأخ الفاضل رياض السعيد -حفظه الله- من جامعة أم القرى بمكة المكرمة؛ فله ولقسم المخطوطات في الجامعة مني جزيل الشكر، وأسأل الله تعالى أن يجزيهم جزيل الأجر.

اسم الجلالة، وكذا "الصلاة" من "عليه الصلاة والسلام" ويكتب "حينئذ" مختصرة أيضا ويشير إليها بحرف "ح"، جاء في أولها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما". وعلى هوامشها تصحيحات، وهي مقابلة على نسخة أخرى، ووضع الناسخ في الهامش عناوين فرعية لفوائد وقعت عند المصنف؛ فمثلا في هامش "ق 4/ ب" تجد بإزاء كلام المصنف في شرح قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كلاما للناسخ، فيه: "اعرف معنى الحفظ في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ ... } "، هكذا. وجاء على طرة المخطوط ترجمة للمصنف، وهذا نصها: "الحمد لله، التعريف بمؤلف هذا الكتاب: هو الإمام، ناصر السنة، أبو إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد، اللخمي، الغرناطي، ويعرف بأبي إسحاق الشاطبي، قال الشيخ بابا في "كفاية المحتاج" في وصفه: الإمام، الجليل، العلامة، المجتهد، المحقق، القدوة، الحافظ، الأصولي، المفسر، المحدث، الفقيه، النظار، اللغوي، النحوي، البياني، الثبت, الثقة، الورع، الصالح، السني، البحاث، الحجة، كان من أفراد محققي العلماء الأثبات وأكابر متقني الأئمة الثقات، له قدم راسخة في العلوم والإمامة العظمى في الفنون؛ فقها، وأصولا، وتفسيرا، وحديثا، وعربية وغيرها؛ مع تحر عظيم وتحقيق بالغ، له استنباطات جليلة، وفوائد كثيرة، وقواعد محققة محررة، واقتراحات غزيرة مقررة, وقدم راسخة في الصلاح والورع والتحري والعفة واتباع السنة وتجنب البدع والشبه والانحراف عن كل ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة، وأوذي بسببها كثيرا كما ذكر في خطبة كتابه في البدع؛ حتى أنشد في ذلك:

بُليت يا قوم والبلوى منوعة ... بمن أداريه حتى كاد يُرديني دفع المضرة لا جلبا لمصلحة ... فحسبي الله في عقلي وفي ديني قال شيخ الإسلام ابن مرزوق الحفيد الإمام في وصفه: المحقق، الفقيه، العلامة، الأستاذ, الصالح. ا. هـ. وناهيك بهذه التحلية من مثل هذا الإمام. وقال أبو الحسن بن سمعة في حقه: هو نخبة علماء قطرنا، أخذ العربية عن إمام فيها بلا مدافع أبي عبد الله بن الفخار البيري، لازمه حتى مات، وعن الإمام رئيس علوم اللسان الشريف أبي القاسم السبتي. قلت: هو الشريف الغرناطي، شارح "المقصورة الحازمية"، وأول من شرح "الخزرجية"، وكان ممن يفتخر بلقائه كما في "وفيات ابن قنفد"، قال الشيخ بابا: وأخذ بقية الفنون عن الأئمة: الشريف أبي عبد الله التلمساني أعلم أهل وقته، والعلامة أبي عبد الله المقري وقطب الدائرة، وشيخ الشيوخ الأستاذ أبي سعيد بن لب، والعلامة المحدث الخطيب بن مرزوق، والمحقق الأصولي أبي علي منصور بن الزواوي، والمؤلف المفسر أبي عبد الله البلنسي، والحاج الخطيب أبي جعفر الشقوري. وممن استفاد منه: الفقيه الحافظ أبو العباس القباب وغيره، اجتهد وبرع وفاق الأكابر، والتحق بالأئمة الكبار، وبالغ في التحقيق، وتكلم مع الأئمة في المشكلات، وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها، وقوة عارضته وإمامته؛ كمسألة مراعاة الخلاف في المذهب، له فيها بحث جليل مع الإمامين: القباب وابن عرفة، ومسألة الدعاء عقب الصلاة بحث فيها معهما ومع القاضي الفشتالي وابن لب، وأبحاث في التصوف مع الإمام ابن عباد وغيرهم.

قلت: مسألة مراعاة الخلاف قد أشار إليها في المقدمة الثالثة عشرة من هذا الكتاب، وقد استوفى كلامه وكلام القباب وابن عرفة أبو يحيى بن عاصم في "شرح منظومة" أبيه، وقد ذكر في "المعيار" أسئلته التي وجهها إلى ابن عرفة غير معزوة إليه، وذكر أجوبة ابن عرفة عنها، وقد رأيت منسوبا لابن عاصم أسقاط كثير من تلك الأجوبة؛ لغموض تلك المسائل؛ فراجعها في سفر البيوع. قال الشيخ بابا: وبالجملة؛ فقدره في العلوم والصلاح فوق ما يذكر، وتحليته أعلى مما يشهر، ألف تواليف جليلة في غاية النفاسة، مشتملة على تحرير القواعد، وتحقيق مهمات الفوائد، كهذا الكتاب الموسوم بـ"الموافقات" في الأصول. قال: كتاب جليل القدر، لا نظير له، فيه من تحقيقات القواعد وتقريرات الأصول ما لا يعلمه إلا الله، يدل على بعد سمائه في العلوم كلها، خصوصا الأصول، قال فيه الإمام ابن مرزوق: إنه من أنبل الكتب في سفر ضخم، بل في سفرين، وتأليف نفيس في الحوادث والبدع في سفر في غاية الإجادة. قلت: اسم كتاب البدع: "الاعتصام"، وفيه كلام طويل الذيل على آية {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} ... إلخ، وعلى حديث "ستفترق أمتي", وحديث "البر ما تطمئن إليه نفسك"؛ في غاية النفاسة والغرابة والتحقيق والإحاطة بجميع ما يتوهم أن يقال في ذلك، وشرح فيه الاستحسان والمصالح المرسلة، وميزها عن البدع أتم شرح وتمييز. قال الشيخ: وله كتاب "المجالس"، شرح فيه آيات وأحاديث من كتاب البيوع من "البخاري" لم يكمل. قال: وفيه دليل على ما خصه الله تعالى به من التحقيق، و"شرحه" الجليل المشهور على "ألفية ابن مالك" في أربعة أسفار كبار، لم يؤلف عليها

مثله بحثا وتحقيقا، وكتاب "الإفادات والإنشادات"، فيه طُرَف وتحف وملح، وكتاب "عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق"، وكتاب في أصول النحو، ذكرهما في "شرح الألفية". قال: ورأيت في موضع آخر أنهما تلفا، ورد على أبي الأصبغ بن سهل صاحب "الإحكام" في مسألة ذكر المؤذن في الأسحار على الصومعة وغير ذلك. قلت: ذكر في كتاب البدع أن قيام المؤذن بالإنشاد على الصومعة بدعة من ثلاثة وجوه؛ فراجعه. ثم قال الشيخ: أخذ عنه الأئمة؛ كالقاضي الشهير أبي يحيى بن عاصم، والقاضي أبي بكر بن عاصم، والعلامة أبي جعفر القصار. قلت: وكان يباحثه أيام تأليف هذا الكتاب ببعض المسائل، ثم يضعها فيه على عادة العظماء حسبما نقله الشيخ بابا في ترجمته عن ابن الأزرق عن شيخه ابن فتوح، ثم قال: وأخذ عنه غيرهم. توفي يوم الثلاثاء، ثامن شعبان، سنة "790" تسعين وسبعمائة، وكان يرى جواز ضرب الخراج على الناس إذا ضعف بيت المال وعجز عن القيام بمصالح الناس؛ كما وقع للشيخ المالقي في كتاب "الورع"، وقرر ذلك في كتاب "الحوادث" بأبرع تقرير، وقال في أثناء كلامه: ولعلك تقول كما قال القائل لمجيز شرب العصير بعد طبخه حتى صار ربا: أحللتها والله يا عمر, يعني أنه أحل شرب الخمر بالاستجرار إلى نقص الطبخ! قال: فجوابه كما قال عمر, رضي الله تعالى عنه: والله! لا أحل ما حرمه الله، ولا أحرم ما أحله، وإن الحق أحق أن يتبع، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ؛ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.

وكان يرى توظيف ما يبنى به السور على أهل الموضع؛ استنادا للمصالح المرسلة لضياعه إذا لم يقوموا به، مخالفا في ذلك الأستاذ ابن لب وله في المسألة كلام مستوفى، ولابن الفراء مع سلطان وقته كلام مشهور، ومن فرائده: "الكيل الشرعي المنقول عن شيوخ المذهب، تقر مسألة أخذ حفنة بكلتا اليدين مجتمعتين من يد متوسطة جربته -بل أربع منها بصاع- جربته؛ فصح فهو المعول عليه لابتنائه على أصل تقريبي شرعي، وتدقيق الأمور غير مطلوب لأنه تكلف وتنطع. قال: ولا يحظى اختلافها اختلافا متباينا كما اختبرته، وكان لا يأخذ الفقه إلا من كتب الأقدمين، وينهى عن الكتب المتأخرة؛ ككتب ابن بشير، وابن شاس، وابن الحاجب، ذكر ذلك في المقدمة الثانية عشرة من هذا الكتاب1. قال: وقد أوصاني بعض العلماء بالفقه -يعني: القباب- بالتحامي عنها، وأتى بعبارة خشنة، ولكنه محض نصيحة، والتساهل في النقل عن كل كتاب لا يحتمله دين الله، وقد اختبرت ذلك فظهر لي وجهه. قال الشيخ بابا: والعبارة الخشنة فهي قول القباب: أفسد ابن بشير وتابعاه الفقه" ا. هـ. وأثبت الناسخ في الهوامش2 فوائد وإيضاحات لكلام المصنف، وأحيانا يتعقبه، ولكن يقع هذا في القليل النادر، انظر من طبعتنا, في الهامش "1/ 434 و2/ 140، 275، 277 و3/ 55، 333، 563". وفي نهاية المخطوط أثبت الناسخ اسمه وتاريخ النسخ؛ فعليه ما صورته:

_ 1 انظر: تعليقنا على "1/ 148". 2 وبعضها لم يظهر في التصوير.

"تم نسخ الثاني من كتاب "الموافقات" بحمد الله سبحانه وتعالى على يد عبده أفقر عبيد الله وأحوجهم إليه، الراجي من مولاه الفضل والمزيد، عبده: محمد بن أحمد أبي عصيدة الفاني, غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ومؤدبيه ولإخوانه وممن حضر في محلته، ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. ونَسَخته لشيخنا العالم العلامة المحقق الفقيه الشريف السيد إسماعيل التميمي نفع الله بعلومه المسلمين، آمين. وكان الفراغ من نسخه بعد عصر يوم الخميس، السادس والعشرين من شهر شعبان المبارك عام تسعة عشر ومائتين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العظيم". النسخة الثانية: وهي التي أطلقنا عليها "ط"، وهي من محفوظات الخزانة العامة بالرباط1 "رقم375- مخطوطات الأوقاف"، ومن محفوظات الزاوية الناصرية قديما تحت "رقم 89"، وهي تقع في "509" ورقات، في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة "27 سطرا" في الأغلب، وقد تزيد الأسطر؛ فتصل على "31" سطرا، وتنقص إلى "24" سطرا. وخطها مغربي ومقروء، وهي منسوخة بخطين متغايرين. جاء على طرة المخطوط ما صورته:

_ 1 وصوّرها لي المقرئ عبد الكبير أبو ياسر المغربي جزاه الله خيرا.

"كتاب الموافقات تأليف الشيخ، الإمام، العالم، العلامة، القدوة, الحجة، أبي إسحاق، إبراهيم بن موسى، اللخمي، الشاطبي, رضي الله عنه". وتحته: "كان هنا بخط المؤلف في الأصل الذي هو -أيضا- بخطه1 ما نصه: "نقلت من كتاب "ألف باء" لأبي الحجاج بن الشيخ, رحمه الله: يُروى أن بعض الصديقين دعا إلى الله -عز وجل- بحقيقة التوحيد، فلم يستجب له، ولا الواحد بعد الواحد؛ فعجب من ذلك؛ فأوحى الله -عز وجل- إليه: تريد أن تستجيب لك العقول؟ قال: نعم. قال: أتحجبني عنهم؟ قال: كيف أحجبك وأنا أدعو إليك؟ قال: تكلم في الأسباب وفي أسباب الأسباب. قال: فدعا إلى الله من هذه الطريق؛ فاستجاب له الجم الغفير. وكان أيضا فيه بالخط المذكور: ومن "تاريخ دمشق"2 عن مؤرج قال: قال رجل للمهلب, يعني: ابن أبي صُفرة: بم بلغْتَ ما بلغت؟ قال: بالعلم, قال: قد رأينا من هو أعلم منك لم يبلغ ما بلغْتَ. قال: ذاك علم صفة، وهذا علم وضع مواضعة، وأصبته به فرصة. وأخرى لم أُخْبرك بها: إيثاري فعلا أحمد عليه دون القول به". وتحته: "للزاوية الناصرية صانها الله تعالى بمنه آمين، وفيه في آخره كراريس بخط الإمام ابن مرزوق, رحمه الله".

_ 1 ولعل هذا يفيد أن هذه النسخة مقابلة على نسخة المصنف؛ لأنها مضبوطة وقليلة السقط والتحريف، ولا سيما القسم الأول منها. 2 "17/ ق 448".

وبجانب العنوان المذكور: "ألف هذا الكتاب و"الحوادث والبدع"1 وشرح "ألفية ابن مالك" في النحو، وله تصانيف، أبدع في كل ما ألف، مات يوم الثلاثاء ثامن شعبان تسعين وسبعمائة، ودفن بجبانة باب الفخارين تجاه باب جسر قبة الزيتون". وفي أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله. قال الشيخ، الفقيه، الإمام، العالم الأوحد الكبير، قدوة الأئمة المهتدين، وخاتمة المحققين المعتمدين، وناصر السنة إحياء لمعالم الدين، المعدود على تأخر زمانه في أهل السبق، المصنف، العلامة، الخطيب، الصالح، الكامل، أبو إسحاق، إبراهيم بن موسى بن محمد بن موسى، اللخمي، الشاطبي, رضي الله عنه". والناسخ مجهول وهو من المشاركين في العلم، ولم يثبت اسمه على الكتاب، ولا تاريخ النسخ، وأقدّر أن يكون في القرن العاشر الهجري، وجاء في آخر هذه النسخة ما نصه: "تم كتاب "الموافقات" بحمد الله وحسن عونه، اللهم إني أسألك بحق أسمائك كلها ما علمت منها وما لم أعلم، وبحق أنبيائك2 كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم، وبحق أوليائك3 كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم؛ أن تتوب علي توبة صادقة، وأن تميتني على الإيمان والإسلام، وأن تشفيني من جميع الأمراض والأسقام، وأن لا تحرمني من زيارة قبر سيدنا ونبينا ومولانا محمد عليه

_ 1 هو "الاعتصام". 2 هذا من التوسل الممنوع؛ فيجب اجتنابه، والله الهادي. 3 نفسه

أفضل الصلاة وأزكى السلام، آمين، آمين، آمين، يا رب العالمين. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وأصحابه وأزواجه وذرياته وسلم كثيرا كثيرا إلى يوم الدين". وهذه النسخة مضبوطة، وأخطاء القسم الأول منها قليلة، وهي مقابلة على نسخة جيدة، لعلها نسخة المصنف، ومن مميزات هذه النسخة أيضا؛ أن الكتاب في طبعاته السابقة كلها لم يُقابل عليها، ولذا انفردت بكلمات وزيادات -قد تصل إلى فقرات- لا يستقيم النص ولا المعنى إلا بها، وتكون قد سقطت من جميع النسخ الأخرى، وفيها وحدها في غير موطن الصواب وفي غيرها الخطأ، انظر, على سبيل المثال: "1/ 75 و2/ 45، 134، 282، 309، 429، 411 و3/ 237، 273، 313، 327، 335، 351، 508، 516 و4/ 178، 386 و5/ 68، 262، 270، 384"، ولا تخلو هوامشها من بعض الفوائد العلمية. أما المطبوعات الأربعة المعتمدة في التحقيق؛ فهي طبعة الشيخ دراز ورمزت لها بـ"د"، وطبعة الشيخين محمد الخضر حسين ومحمد حسين مخلوف ورمزتُ للأول "خ" وللثاني "ف"، وطبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ورمزتُ لها بـ"م"، وما نقله الشيخ ماء العينين في "المرافق على الموافق" من كتاب "الشاطبي" ورمزتُ له بـ"ماء"، وقد مضى وصف هذه الطبعات. عملي في التحقيق: يتلخص عملي في تحقيق الكتاب بالآتي: أولا: عملت على ضبط نصه وتقسيمه إلى فقرات توضح معانيه وتعين على فهمه، وجهدت على سلامة النص من السقط والتحريف والتصحيف،

وكان ذلك من خلال مقابلة النسخ المطبوعة على بعضها بعضا1، ثم قابلتها على النسختين الخطيتين المتقدم وصفهما، وأثبت الفروق في الهوامش، وأشرت إلى السقط الواقع في بعضها، وأثبت زيادات نسخة "ط" الخطية على سائر النسخ بين المعقوفات، وأهملت التنصيص على ذلك؛ فليكن ذلك على بالك. ثانيا: ومما ساعد على ذلك أني جهدت في توثيق النصوص، وبيان المصادر التي نقل منها المصنف، واستطعت بحمد الله أن أظفر بجم غفير من النصوص, وبعشرات من الكتب التي ينقل عنها المصنف وعملت على مقابلة ما عند المصنف بما في هذه المراجع، وأثبت الفروق في الهوامش أيضا، ووجدت أن المصنف غالبا يتصرف في النقل باختصار العبارة، وأثبت رحمه الله قدرة فائقة ومتميزة في ذلك، انظر, على سبيل المثال: "5/ 111" مع تعليقي. ثالثا: عملتُ على تخريج الأحاديث والآثار وأقوال السلف والأئمة العلماء من مصادرها، وأزعم أني قمت بذلك على وجه لم أُسبق إليه ولله الحمد، ذلك أني أشرت في الهوامش إلى عشرات النصوص التي أومأ إليها المصنِّف إيماء، وذكر معاني لا صلة بألفاظها إلى ألفاظ هذه الأحاديث والآثار؛ فذكرت نصوصها في الهامش2، وخرجتها تخريجا علميا، مع بيان الحكم عليها وفقا للمقرر في علم المصطلح، وناقلا أحكام الحفاظ والعلماء، وكانت خطتي في تخريج الأحاديث على النحو الآتي:

_ 1 وأهملت الأخطاء الطبعية الظاهرة، واعتبرت جدول التصويبات المثبت في آخر الكتاب عند المقابلة. 2 انظر, على سبيل المثال: "2/ 54، 55، 96، 87، 92، 121، 369، 445، 503 و3/ 39، 70، 71، 81-84، 190، 191، 470، 471 و5/ 328".

أولا: لم أسهب في تخريج أحاديث "الصحيحين" أو أحدهما؛ إلا لضرورة أو فائدة. ثانيا: اعتنيت بتخريج الأحاديث والآثار التي أومأ وأشار إليها المصنف. ثالثا: بيّنتُ درجة الحديث والأثر من حيث الصحة والحسن والضعف. رابعا: اعتنيت بتخريج اللفظ الذي أورده المصنف, انظر, على سبيل المثال: "2/ 41-42، 115، 368، 451 و3/ 335 و4/ 310، 471 و5/ 258-259، 295". خامسا: حاولت الوقوف على مصدر المصنف من النقل، وتمييز حد الصحيح من الضعيف الوارد في نقله. سادسا: إذا كان المصنف ينقل حديثا ضعيفا؛ كنتُ أُبيِّنُ ذلك، ثم أورد ما يغني عنه انظر, على سبيل المثال: "2/ 225-226، 398 و4/ 99، 399 و5/ 156-157". ملاحظاتي على مادة المصنف الحديثية: زعم المصنف في مقدمة الكتاب "ص11" أنه سيورد في الكتاب "من أحاديثه الصحاح والحسان"، والحق أنه أورد فيه كثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والتي لا أصل لها، ووجدت أن بضاعة المصنف الحديثية ضعيفة، لا يعول عليها ولا أقول هذا جزافا، وإنما بعد علم وتحر، وسبب ذلك أنه يعتمد على ما اشتهر من أحاديث في كتب الأصوليين، وينقلها دون النظر في حكم الحفاظ عليها من ضعف أو بطلان، وتجد ذلك في عدد غير قليل من الأحاديث في هذا الكتاب، مثل: "كن عبد الله المقتول ... " في "2/ 172"،

و"أصحابي كالنجوم ... " في "4/ 452"، وتعقب عائشة وابن عباس أبا هريرة في "3/ 192"، و"تمكث إحداكن شطر دهرها" في "2/ 152"، و"ما أجهلك بلغة قومك" في "4/ 30"، و"فلأولى عصبة ذكر" في "4/ 385"، وحديث معاذ: "بم تحكم ... " في "4/ 298"، وحديث: "حكمي على الجماعة ... " في "3/ 241". واعتمد في كثير من الأحايين على كتب الوعظ والرقائق التي لا تعتني بصحة الأحاديث، ونقل منها نصوصا على أنها أحاديث. انظر مثلا: "1/ 44، 81، 88، 347، 352 و2/ 191، 425 و3/ 65-66، 148، 149، 403". واعتمد أيضا على نقل أحاديث من "الشفا" للقاضي عياض، وقد عاب المحدّثون عليه تساهله في الأحاديث1، ووقع في أغلاط بسبب ذلك، انظر منها: "3/ 69، 92" ووقعت له أوهام أخر في الأحاديث والآثار "1/ 199، 265 و3/ 41، 194، 342، 406 و4/ 117، 120". والعجب أن المصنف لم يعتن بالحكم على الحديث إلا في النادر، وإن فعل؛ فإنما يتابع غيره؛ كما تراه مثلا: "3/ 472 و4/ 235 و5/ 46، 288"، بل قد يورد الحديث في موطن ويسكت عنه، ثم يذكر حكما لحافظ عليه بالضعف في موطن آخر. انظر, على سبيل المثال: "1/ 98 و5/ 147". وقد يعلق الحكم على صحته أو صحة الأثر؛ كما تراه -مثلا- في:

_ 1 انظر: "السير" "20/ 216" للذهبي.

"2/ 227 و3/ 257"، بل قد ينقل الحديث من كتاب أو من ديوان من دواوين السنة ويكون مؤلفه قد ضعفه ولا يلقي بالا لهذا التضعيف؛ كما تراه في "2/ 115 و3/ 342"، وقد يعزو لديوان من دواوين السنة المشهورة، وينقل منها بالواسطة ويقع له بسبب ذلك وهم؛ كما تراه في "3/ 406". ملاحظاتي على تخريج الأحاديث في طبعة الشيخ دراز 1: ذكر الشيخ عبد الله دراز -رحمه الله- عند تخريج أحاديث الكتاب أن الأستاذ الشيخ محمد أمين عبد الرزاق2 قد ساعده في هذا العمل، وقال: "ولقد كان يحمل عنا أبهظ هذا العبء الأستاذ الشيخ محمد أمين عبد الرزاق". وقال قبل ذلك: "حتى كان مرجعنا في ذلك ثلاثة وثلاثين كتابا من كتب الحديث". وذكر أن عملهما "استمر أشهرا طوالا"، وأنهما حرصا على الوصول إلى مخرج الحديث، والعثور على لفظه؛ على كثرة الروايات، واختلافها في العبارات3. قلت: لي على التخريج المذكور ملاحظات كثيرة، أُشير إلى قسم منها:

_ 1 ولم يعتن غيره بالتخريج، ولذا خصصته بالذكر. 2 لعله الشيخ المحدث محمد عبد الرزاق حمزة، المدرس في الحرم المكي، وهو من علماء مصر، سافر إلى مكة سنة "1344هـ"، وقبل هذا الوقت بقليل كان الشيخ دراز مشغولا بكتاب "الموافقات". انظر ترجمته في: "مشاهير علماء نجد" "514"، و"الأعلام" "6/ 203". 3 مقدمة الشيخ دراز على "الموافقات" "1/ 14"، ومضى كلامه "ص62-63".

أولا: تخريج الأحاديث المذكورة كانت بواسطة الكتب المتأخرة، ولم يقفوا على أغلب الأحاديث من مصادرها الأصلية؛ فتراهم مثلا يقولون في "2/ 258-ط دراز": "أخرجه في "كنوز الحقائق" عن ابن أبي عاصم"، وفي حديث آخر: "رواه الشيخان، ملا علي في "شرحه على الشفا"، وفي ثالث في الجزء والصفحة نفسها: "رواه في "المشكاة" عن مسلم"، وهكذا أغلب تخريجاتهم. ثانيا: قد ينظرون في المصادر الأصلية، ولكن لا يتتبعون الحديث بألفاظه في مواطنه كلها؛ فينفون وجود لفظة في "صحيح البخاري" مثلا، وهي فيه؛ كما تراه في "2/ 259-ط دراز"نفوا وجود لفظة "قط" في حديث من "صحيح البخاري"، وهي فيه برقم "3294"، ويقع لهم مثل هذا كثيرا، انظر مثلا: "2/ 447- هذه الطبعة". ثالثا: يعزون الحديث إلى مصادر غير مشهورة ويكون الحديث في "الصحيحين" أو في أحدهما؛ كما في "2/ 265-ط دراز" عند قول المصنف: "وأن عمارا تقتله الفئة الباغية"، قالوا في الهامش: "جزء من حديث أخرجه أبو بكر البرقاني والإسماعيلي". قلت: وهو في "الصحيحين" وهو متواتر، انظره "2/ 453- طبعتنا هذه"، وفي الصفحة نفسها يقول المصنف: "وأخبر بملك معاوية ووصاه"، قالوا: "روى ابن عساكر بإسناد ضعيف ... "، وهذا قصور؛ فروى الحديث -وهو صحيح- جمع ممن هم أعلى من ابن عساكر؛ كالإمام أحمد وغيره، وعبارة المصنف مأخوذة من "الشفا" "1/ 656"، وانظر تعليقنا عليه في: "2/ 452-453"، ويقع لهم مثل هذا كثيرا، ولا سيما في أحاديث "الصحيحين"؛ فما بالك في غيرهما؟

فمثلا في "4/ 56" عزيا الحديث لأبي داود وهو ليس فيه، وإنما في "صحيح مسلم"، وفي "4/ 99- هامش3" عزياه لمسلم وهو في "البخاري" -ومثل هذا كثير- وفي "4/ 54" عزيا حديثين لمسلم عن جرير بن عبد الله، وإنما هو عن جابر بن عبد الله، وفي "4/ 72" عزياه للترمذي وهو في "مسلم". رابعا: والعجب منهما أنهما إذ نصا على ضعف أحاديث ثابتة، كما وقع لهما في "4/ 39-ط دراز"، بينما سكتا عن عشرات الأحاديث الضعيفة والموضوعة. خامسا: أهملا تخريج الآثار إلا النادر منها. سادسا: أهملا تخريج الأحاديث التي أشار إليها المصنف، وفاتهما التنبيه على العشرات منها، وصرحا بأنهما لم يظفرا ببعضها، انظر مثلا: "4/ 444". والحاصل أن ميزة طبعة الشيخ دراز -رحمه الله- في تعليقاته الأصولية عليها، أما الحديثية؛ فليس لها كبير أهمية، ولا يوجد فيها نفس مشتغل بعلم الحديث، وقد يعذر بأن كثيرا من كتب الحديث لم تكن قد طبعت آنذاك، والمطبوع منها لم يخدم بالفهارس العلمية، والكشافات التحليلية؛ كما هو في يومنا هذا. والخلاصة ... أن الناظر في هذا الكتاب ينبغي له؛ بل يجب عليه مراجعة الأحاديث المذكورة فيه، ومعرفة درجتها من الصحة والضعف؛ فإن المصنف والمعلق فيما يظهر لي لم يكن لهما -رغم علو مقامهما في الرأي- كبير حظ من علم الحديث، وهذه آفة الأصوليين، بل داؤهم العضال، وأرجو أن أكون بطبعتي هذه للكتاب قد ملأت فراغا، وسددتُ نقصا.

ومن عملي في تحقيق الكتاب أيضا: رابعا: قمت بتجميع تعليقات وشروح محققي الكتاب، ووضعتها في الهامش، ورمزت لتعليقات الشيخ دراز بـ"د" وتعليقات الشيخ محمد محيي الدين بـ"م", وتعليقات الشيخ محمد الخضر حسين بـ"خ", وتعليقات الشيخ محمد حسين مخلوف بـ "ف"، وتعليقات الشيخ الشنقيطي بـ"ماء". وكنتُ أضيف عليها أحيانا، وميزت إضافاتي غالبا بـ"قلت"، وكنت أتعقب بعض ما وقع في هذه التعليقات والشروح، انظر -مثلا- تعقبي لـ ف" في: "5/ 394"، ولـ"خ" في: "1/ 271 و2/ 159، 346"، ولـ"د" في: "2/ 335، 419 و3/ 199-200، 501-502 و4/ 104، 105، 129، 377 و5/ 175، 208"، وكذا تعقبته والمصنف في مواطن. خامسا: تأويل الصفات، وقع المؤلف في هذا الكتاب والمعلق عليه1 في تأويل كثير من صفات الله تعالى؛ فبينت بإسهاب أن هذا مخالف لمنهج السلف الصالح في هذا الباب, انظر على سبيل المثال: "2/ 195، 257 و3/ 319، 323 و4/ 10، 11 "تعقب المعلق"، و137 "تعقب المعلق"، و5/ 144، 202-203". سادسا: ذكرتُ في الهوامش ما وقفت عليه من مواطن بحث شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم للمسائل التي عند المصنف2، ونقلت كلامهما -أو كلام أحدهما- في بعض الأحايين، إن كانت فيه فائدة زائدة, أو فيه توجيه وبحث يخالف ما عند المصنف3، ووجدتُ أنهما على الرغم من بعد

_ 1 أعني: الشيخ محمد عبد الله دراز, رحمه الله تعالى. 2 أشار علي بهذا الشيخ بكر أبو زيد, حفظه الله ورعاه. 3 الخلاف بين ابن تيمية ومدرسته من جهة والشاطبي من جهة أخرى يمكن في اعتماد ابن تيمية على النص والتأكد من صحته على وجه رئيس، وتوضيح ابن تيمية لمنهج السلف في العقيدة، والاستغراق في نصرته والذب عنه، بينما هو غير ظاهر عند الشاطبي إلا في المسائل الفقهية ومن الناحية الأصولية، وموقف ابن تيمية من التصوف وأعلام الصوفية والمسائل المطروحة في هذا الباب أدق من موقف الشاطبي؛ إذ عنده تحسين ظن زائد بهؤلاء كأبي يزيد البسطامي وغيره، ونجد تباينا بينهما في الكرامات، انظر: "2/ 440، 443" والتعليق عليه من "الموافقات".

مواطنهما؛ فإنهما يلتقيان في كثير من المباحث، وتفطن لهذا شيخنا الألباني -حفظه الله- فقال في "صحيح الترغيب والترهيب" "1/ 37-38" بعد أن أورد كلاما لابن تيمية وآخر للشاطبي: "قلت: هذا كله من كلام الإمام الشاطبي، وهو يلتقي تمام الالتقاء مع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله تعالى- ومن الطرائف أن هذا مشرقي وذاك مغربي، جمع بينهما -على بُعد الدار- المنهج العلمي الصحيح". مسألة: وهنا مسألة ... لا بد من الإشارة إليها، وهي: هل اجتمع الشاطبي مع شيخ الإسلام ابن تيمية أو تلميذه ابن القيم، وهل نظر في كتبهما؟! والجواب عن هذا السؤال: إننا نستطيع أن نقرر بكل طمأنينة أن ابن تيمية وابن القيم لم يرد لهما ذكر ألبتة في جميع كتب الشاطبي المطبوعة، ولم أظفر بعد شدة بحث، وكثرة استقصاء إلى ما يمكننا أن نجعل هذا اللقاء ثابتا، أو في حكم الواقع، ولم أعثر للشاطبي في كتابه هذا على ذكر للحنابلة، وقد صرح فيه "3/ 131" أن كتب الحنفية والشافعية كالمعدومة الوجود في زمانهم؛ فكيف بكتب الحنابلة؟ لا شك أنه ظفر ببعضها، ولكن بعد كتابته "الموافقات"؛ فها هو يصرح في "الاعتصام" "1/ 462-ط ابن عفان" -وقد أحال فيه كثيرا على

"الموافقات" -بقوله: "قال بعض الحنابلة ... "، ونقل نصا طويلا جهدتُ في البحث عنه؛ فلم أعثر على لفظه في كتب ابن تيمية وابن القيم1، وعلى فرض صحة العثور عليه في كتبهما؛ فلا يلزم أنه التقى بهما أو عثر على كتبهما؛ فلا يبعد أن يكون أخذه بواسطة بعض من له رحلة من المغاربة إلى المشرق، أو بواسطة بعض شيوخه. وبهذه المناسبة أذكر أن بعض شيوخ الشاطبي قد التقى بابن القيم؛ فها هو أبو عبد الله المقري يحكي عن نفسه أنه "لقي شمس الدين بن قيم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تيمية"2. من خلال ما تقدم أستبعد صحة ما ذهب إليه سعد محمد الشناوي في كتابه "مدى الحاجة للأخذ بنظرية المصالح المرسلة في الفقه الإسلامي" "1/ 150" عند كلامه على تأثر الشاطبي بمن سبقوه، قال ما نصه: "وقد تأثر الإمام الشاطبي بما جاء في مؤلفات من سبقه، وهو العز بن عبد السلام، وابن تيمية!! وابن القيم!! والقرافي، ولهذا نجد كتابه مزيجا وتحليلا لهذه الآراء القيمة التي استقرت في عقولها نظرية المصالح المرسلة ... ". وسألتُ شيخنا الألباني -حفظه الله- عن هذه المسألة؛ فأجاب بأنه لم يثبت عنده ولم يطلع على ما يسمح بالجزم أو باحتمال أن تكون اللقيا قد تمت بين الشاطبي وابن تيمية أو ابن القيم.

_ 1 وقع نحوه في "المسودة" "316"، و"إعلام الموقعين" "1/ 24-ط دار الحديث"، و"العدة" "4/ 1059-1060" للقاضي أبي يعلى. ثم ظفرت به في "إقامة الدليل على بطلان التحليل" بواسطة ما ذكره العلامة بكر أبو زيد في التقديم. 2 انظر: "نفح الطيب" "3/ 254"، و"نيل الابتهاج" "250"، وبحث هذا الموضوع الريسوني في "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص269-270".

ومن عملي في التحقيق أيضا: سابعا: أنني نشطت في بحث كثير من المسائل المطروقة في الكتاب، وأثبت أماكن بحثها من كثير من أمهات كتب الأصول أو الفقه، وربما نقلت بعض الاستطرادات أو التوضيحات أو الاستدراكات على كلام المصنف فيها. ثامنا: قرأتُ ما كُتب عن الشاطبي ونظريته "المقاصد"، والأبحاث التي اعتنت بالنقل عنه، أو ناقشت كلامه، وأثبت في الهوامش النافع واللازم منها، وأضفت ذلك إلى قائليها وذلك من بركة العلم وشكره1. تاسعا: أشرتُ إلى كلام الشاطبي في كتبه الأخرى، فيما يخص المسائل المبحوثة هنا، وحاولت أن أنقل منه ما يلزم في توضيح مبهم أو حل مشكل، وحاولت إثبات المواطن التي أحال عليها في كتابه هذا ليسهل النظر فيه؛ فإن "آخره يشرح أوله، وأوله آخره"، ووجدته أثبت شيئا هنا في "5/ 666" وتراجع عنه في "الاعتصام" "2/ 472-ط ابن عفان"، وكذا أثبت هنا مسألة "3/ 528" وتراجع عنها أو قرر خلافها في "5/ 199". عاشرا: أثبت الجزء والصفحة من المصادر التي صرح الشراح بالنقل منها، ووضعته بين معقوفتين [] ، وصوبت الأخطاء الطبعية الواقعة في عباراتهم، ولعلي خرَّجتُ أيضا -في بعض الأحايين2- الأحاديث والآثار التي يوردونها على سبيل الاستشهاد.

_ 1 أسند القاضي عياض في "الإلماع" "ص228-229"، ومحمد بن القاضي عياض في "تعريفه بوالده" "ص82" إلى أبي عبيد القاسم بن سلام قوله: "مِنْ شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذُكر لك؛ قلت: خفي علي كذا وكذا، ولم يكن لي به علم حتى أفادني منه فلان كذا وكذا؛ فهذا شكر العلم". 2 ولا سيما في المجلد الثالث والرابع والخامس من طبعتنا هذه.

حادي عشر: وأخيرا ... صنعت فهارس علمية تحليلية في مجلد خاص يحتوي على فهرس للآيات، وللأحاديث، وللآثار، وللأعلام، وللأشعار، وللفرق والطوائف والجماعات والمذاهب والملل، ولعناوين الكتب الواردة في نص كتاب الشاطبي هذا، وللفوائد والمسائل العلمية ورتبتها على الأبواب والمواضيع. والمرجو من الله تعالى أن أكون قد قدَّمت خطوة في استفادة طلبة العلم من هذا الكتاب، ومن الله أستمد العون والتوفيق والسداد, وأرجو الأجر والثواب, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتب أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ضحى يوم الخميس, العشرين من محرم سنة "1417هـ" الأردن - عمان

المجلد الأول

المجلد الأول مقدمة ... تقديم: بقلم فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبي زيد الحمد لله القائل في كتابه المبين: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى صحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فإن "معرفة الحكم والغايات والأسرار التشريعية الثابتة العامة الشاملة، المقصودة في جنس التشريع العام لتحقيق مصالح العباد في الدارين التي وُضعت الشريعة من أجلها" هي من جهة التصديق -الماصدق- حقيقة: "علم مقاصد الشريعة" من جميع جهات مقاصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، وللإفهام بها، وللتكليف بها، ولدخول المكلف تحت حكمها في دائرة حفظ الضروريات -ويقال: الكليات- الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والعرض, والمال، المبني حفظها وجودًا في جلب المصالح وتكثيرها؛ فكل طاعة ترجع إليها، وعدمًا في درء المفاسد وتقليلها؛ فكل مخالفة خارجة عنها، وذاك في أصنافها الثلاثة: "الضروريات"، و"الحاجيات"، و"التحسينيات"؛ فيكون في كل كلية ستة جوانب: ثلاثة وجودية، وثلاثة عدمية, الجميع ثلاثون مقصدًا، عشرة ضرورية، وعشرة حاجية، وعشرة تحسينية، وأجمع آية لها في

كتاب الله -تعالى- قوله, سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] ، كما أشار إلى ذلك العلامة العز ابن عبد السلام في "قواعده" رحمه الله. فهذا العلم الشريف: "علم مقاصد الشريعة" يصح أن نلقبه باسم: "علم اقتصاد الشريعة"؛ لأنه يُستثمر فيما وُضع له: معرفة غايات جنس الأحكام، وحكمها، ومقاصدها، ووظيفتها، وما تهدي إليه، وتدل عليه من حفظ نظام العالم، وتحقيق مصالح العباد في الدارين، وذلك في جنس التشريع العام. وبه تتم معرفة حكمة التشريع في كل نوع من أنواع علوم الشريعة، مثل: "العبادات"، و"المعاملات"، و"الأنكحة"، وغيرها. وبه تتم معرفة حكمة التشريع في كل جزئية من جزئيات الشريعة، وأحكامها التفصيلية. وكذلك الحال في: "علم الاقتصاد" يُستثمر للفروع التجارية وردا وإصدارا. وهذا العلم المتميز، هو أحد رُكْني: "علم أصول الفقه" الموضوع لدلالة الفقيه على معرفة استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، وكيفية الاستدلال بها، وحال المستدل، وركنه الآخر: "علم لسان العرب". وهذا العلم برُكْنَيْه قد وضع له الأصوليون كتبا تخصه، عُرفت باسمه. وهي بكليتها قد عُنيت عناية فائقة بركنه الأول: "علم لسان العرب"، وكثير منها جمع بين الركنين: "اللسان، والمقاصد". فمن هؤلاء في المشرق: الجويني "ت سنة 478" في: "البرهان في

أصول الفقه"، والغزالي "ت سنة 505" في: "المستصفى" و"شفاء الغليل"؛ فإنه تناول الكليات الخمس، وجعلها أصلا للمقاصد الشرعية، والرازي "ت سنة 606" في: "المحصول"، والآمدي "ت سنة 631" في: "الإحكام"، وغيرهم. وما مباحث الأصوليين في: "الاستحسان"، و"المصالح المرسلة"، و"سد الذرائع"، و"رفع الحرج"، و"مراعاة مقاصد المكلفين"، و"مسالك العلة في القياس"، وما في كل واحدة منها من كتب مفردة إلا ميادين فسيحة لترقية هذا العلم: "علم مقاصد الشريعة". بل إن من المشارقة من أفرد تأصيل: "المقاصد" في كتاب؛ منهم: العز ابن عبد السلام "ت سنة 660" في: "القواعد الصغرى" وهي: "الفوائد في اختصار المقاصد"، وبَسَطَها في: "القواعد الكبرى"، وذكر له مترجموه أيضا كتابا باسم: "المصالح والمفاسد"، ومنهم الشيخ طاهر الجزائري ثم الدمشقي "ت سنة 1338" في كتابه: "مقاصد الشرع"، وكان للنجم الطوفي الحنبلي "ت سنة 716" عناية فائقة في اعتبار المصالح، وكانت رسالته: "المصلحة المرسلة" محل عناية العلماء بين النقد والاعتبار. واستظهر آخرون مقاصد التشريع، وعنوا بالكشف عن حكمة الشريعة وغاياتها، وأسرارها، وعللها في جنس التشريع العام، أو في نوعه، أو في جزئية منه، بمؤلفات مستقلة منهم: الحكيم الترمذي "ت سنة 320" في عدد من كتبه، وأبو منصور الماتريدي "ت سنة 333" في كتابه: "مآخذ الشرائع"، والقفال الشاشي الشافعي "ت سنة 365" في: "محاسن الشريعة"، والعامري "ت سنة 381" في: "الإعلام بمناقب الإسلام"، والراغب "ت سنة 502" في: "الذريعة إلى

مكارم الشريعة"، ومحمد بن عبد الرحمن البخاري "ت سنة 546" في: "محاسن الإسلام وشرائع الإسلام" في آخرين، رحم الله الجميع. وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية "ت سنة 728" رحمه الله تعالى, عناية بالغة، ولهج شديد بالكشف والبيان عن مقاصد الشريعة، وإدارة الأحكام عليها، ولعله أول من أبرز المزج بين بيان الحكم التكليفي ومقصد الشارع، وأن الشريعة تجري أحكامها مطردة على نسق واحد وفق القياس؛ فلا تجمع بين المتضادين، ولا تفرق بين المتماثلين، وتلاه تلاميذ مدرسته الأثرية، وفي مقدمتهم العلامة صاحب التصانيف المفيدة: ابن قيم الجوزية "ت سنة 751" رحمه الله تعالى؛ فقد أبدى في كتبه وأعاد. وكان من لفتات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عدم التسليم بحصر الكليات في الخمس المذكورة كما في: "الفتاوى" "32/ 234"، وقفاه ابن فرحون المالكي "ت سنة 799" في: "تبصرة الحكام" "2/ 105". وبين يدينا الآن في "المقاصد" عالم وكتاب؛ ذلكم هو الإمام المجدد، العلامة المصلح، الزاهد، الورع، المحتسب، الناصر للسنة، القامع للبدعة: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي نسبا، المالكي مذهبا، الأثري مشربا، الشاطبي، ثم الغرناطي مولدا نحو "سنة 730"، ووفاة "سنة 790"، نجم لمع من أندلس الإسلام مولدا، ونشأة، ووفاة، وشيوخا، منهم: ابن الفخار، والمقري الجد، وابن لُب، وابن مرزوق، ومنصور الزواوي, وابن الزيات، والشقوري، والبلنسي، وكان معاصرا لأعلام ثلاثة: لسان الدين بن الخطيب، وابن خلدون، وابن القباب. وأبو إسحاق هو أستاذ غرناطة في جامعها الأعظم: في القراءات، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والنحو, ولسان العرب.

وكان له تلاميذ مشاهير؛ منهم: القاضيان الأخوان: أبو يحيى ابن عاصم، وأبو بكر ابن عاصم، وأبو جعفر ابن الفخار، والبياني، والمجاري، والقصار, وابن فتوح، وغيرهم. وأبو إسحاق: هو مؤلف غرناطة الإبداعي في كُتبه: "الموافقات" في أصول الشريعة ومقاصدها، و"الاعتصام" في السنة وقمع البدعة، و"الإفادات والإنشادات"، وجمع له بعض المعاصرين: "الفتاوى" مستخرجة من: "المعيار" للونشريسي, وهذه الأربعة مطبوعة، وله "المجالس في شرح البيوع من صحيح البخاري"، و"شرح الخلاصة لابن مالك"، وهو قيد الطبع في جامعة أم القُرى، و"عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق" وهو في فقه لسان العرب، يقال: غَسَلهُ، ويقال: ضاع في حياته، كما ضاع كتابه الآخر: "أصول النحو". وهو -رحمة الله عليه- في مؤلفاته هذه بعيد عن طرق التأليف التقليدية، والعمل المكرور، وإنما يفترعها افتراعا، ويُبدع فيها إبداعا؛ لأنه قد اتخذ القرآن والسنة له نبراسا وإماما، وحذق "لسان العرب"؛ لغة، ونحوا، وفقها، واشتقاقا؛ بما لم يدرك شأوه من لحقه، ولم ينسج على منواله ومسلكه؛ فلا جرم كان نجما لامعا، أضاء الأمة الإسلامية في المشارق والمغارب؛ فلفت الأنظار، وعكفت على كتبه الأبصار، واستضاءت بأنوارها بصائر أهل الأمصار. وهذا الإمام الفذ -رحمة الله عليه- قد اشتهر في قطره، ثم ذاع صيته في المشارق والمغارب؛ لمناداته بالسنة، والاعتصام بها، ورفضه الجمود والتقليد، وإنكاره التصوف والبدع المضلة، ودعوته الملحة إلى الدليل، وله في ذلك منازلات ومراسلات مع شيوخ عصره، ابن عرفة، والقباب, وابن عباد الرَّنْدي, إلى آخرين سماهم صاحب: "المعيار" واحتفظ بتدوين هذه المراسلات؛ فجزاه الله خيرا.

وقد حصل له لقاء ذلك ثارات، وخصوم، وخصومات، وبخاصة من شيخه ابن لُبَّ، ورُمِيَ بدعاوى هو منها بريء، ولبس عليه بها المغرضون. ومن هذه التهم الباطلة التي نفاها في صدر كتابه: "الاعتصام": 1- نسب إليه: أن الدعاء لا ينفع، وهو إنما ينكر الدعاء الجماعي. 2- ورُمِيَ بالتشيع، والنيل من الصحابة -رضي الله عنهم- وهو إنما لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في خطبة الجمعة. 3- ورُمِيَ بالغلو, وهو إنما كان يرفض الفتوى بالأقوال الضعيفة. 4- واتهم بمعاداة الأولياء، وهو إنما ينكر على المتفقرة أو المتصوفة غلوَّهم ومخالفتهم للسنة. 5- ورُمِيَ بالخروج عن جماعة المسلمين، وهو إنما يدعو إلى طريق الفرقة الناجية. هذه إلماعة معتصرة عن هذا الإمام في حياته العلمية والعملية، وبتأملها يظهر فيها جَليا نزعته التجديدية، ودعوته الإصلاحية -شأن كل مجدد ومصلح- وهي تشبه إلى حد كبير دعوة التجديد التي قام بها في المشرق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مع تباعد الدار، وأن ولادة هذا الإمام بعد وفاة شيخ الإسلام، وكل منهما لم يرحل قط إلى قطر الآخر، لكني وجدت أثارة من علم تدل على أن لشيخ الإسلام ابن تيمية صوتا مسموعا في غرناطة، ذلك أن الإمام الشاطبي قد نقل عنه في: "الاعتصام" "1/ 356" قوله: "قال بعض الحنابلة ... " وهو بنصه في كتاب ابن تيمية: "إقامة الدليل على بطلان التحليل" المطبوع ضمن: "الفتاوى الكبرى" "3/ 370". وربما أن الشاطبي -رحمه الله تعالى- لَمْ يُسَمِّه، ولَمْ يَسْتَرْسِلْ بِذِكْرِهِ

والنَّقْلِ عنه؛ اتِّقَاءً لِمَا وَقَعَ في الخُلُوفِ مِنْ عَدَاوَتِهِ، والنفرة منه ... ومن أعظم وجوه التشابه بينهما: ربط الترجيح والاختيار في مسائل الخلاف بالنظر إلى مقاصد الشريعة، وتنقيحها، وتحقيقها، والتدقيق فيها، وهذه من أبرز السمات التي جعلت كتب هذين الإمامين تحتل مكان الصدارة عند أهل العلم. وإذا كانت هذه الالتفاتة النفيسة ملحوظة في كتابات الشاطبي، فإن محط الرحل فيها هو كتابه الفريد الفارد: "الموافقات"، وقد حوى بين دفتيه بعد خطبته خمسة أقسام: - القسم الأول: وفيه ثلاث عشرة مقدمة. - القسم الثاني: في الأحكام: أحكام التكليف الخمسة: الواجب، المستحب، المحرم، المكروه، المباح، وأحكام الوضع الخمسة: السبب، الشرط، المانع، الصحة والفساد، والعزيمة والرخصة. - القسم الثالث: في مقاصد الشريعة. - القسم الرابع: في الأدلة، وقصر بحثه فيها على الكتاب والسنة. - القسم الخامس: في أحكام الاجتهاد والتقليد. وإذا نظرنا إلى هذه الأقسام, وجدناها في -الجملة- عمدة مباحث الأصوليين في: "كتب أصول الفقه"، وأن من مباحثهم: "مقاصد الشريعة"، وأنها قد أفردت بالتأليف من عدد من علماء المشرق. فلماذا إذًا اشتهر هذا الإمام بها واشتهرت به، ولا يكاد تُعرف إلا من طريقه، وشغف الناس بكتابه هذا: "الموافقات" نظما واختصارا، وصار لأهل عصرنا من النصف الثاني من القرن الرابع عشر فما بعد، توجه عظيم إلى

دراسة: "المقاصد" والتأليف فيها استقلالا، وبحثا، ومحاضرة بلغت نحو الأربعين، من أهمها كتاب ابن عاشور وكتاب علال الفاسي؛ حتى قُررت مادة مستقلة في الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كل هذه الجهود من خلال "المقاصد عند الشاطبي"؟؟ والجواب من وجوه: 1- أن الشاطبي -رحمه الله تعالى- أبرز هذا العلم، ولهج به، وأوسعه بحثا، وتحليلا، وتحقيقا، وتفصيلا؛ فعقد آصرة النسب بين الأصول والقواعد، ووسع لائحة المقاصد. 2- في النسج والصياغة فَارَقَ عامَّةَ مَنْ سبقَهُ؛ إذ ساقه بنقاوة اللسان العربي متخليا عن الاصطلاحات الكلامية، والأدوات المنطقية، وكيف لا يكون كذلك وديدنه في كتابه على أن هذه الشريعة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية، ودعوته قائمة على ساقها بالتزام اللسان العربي وحِذْقه؟! 3- بناه إعدادا على الاستقراء الكلي للأدلة من الكتاب والسنة, بجمع نصوص الوحدة الموضوعية منهما، وضميمة كلام السلف إليهما، وشهود العقل لها. 4- أرْدَفَ هذا باستيلاد أبحاث بسط القول فيها، بما يعز نظيره، ومن هذه الأبحاث التي افترعها، وانفتق ثاقب فكره عنها: أ- المصلحة وضوابطها. ب- القصد في الأفعال وسوء استعمال الحق. ج- النوايا بين الحكم والقصد. د- المقاصد والعقل.

هـ- الغايات العامة للمقاصد. 5- دعوته الجادة إلى التطبيق العملي بمزج الفروع الفقهية بالمقاصد الشرعية؛ ليستخرج القول الحق فيها. 6- والكتاب وضعه هذا الإمام؛ ليكون "وسيلة إلى فقه الاستنباط" بحذق اللسان، وتشخيص علم المقاصد؛ إلا أنه في حقيقته: فقه في الدين، ومثال متميز في توظيف الاستقراء الكلي؛ لفهم نصوص الوحيين، وعلم متكامل بنظام الشريعة وأسس التشريع ومقاصده في مصالح العباد في الدارين. لهذه الوجوه وغيرها بهر العلماء, وتسابقوا إليه، وعكفوا عليه، وتسابقوا إلى طباعته شرقا وغربا؛ إذ طُبع في تونس عام "1302" ثم في قازان عام "1327"، وطُبع في مصر ثلاث طبعات عام "1341" بتعليق الشيخ محمد الخضر حسين على الجزأين الأولين، وبتعليق الشيخ محمد حسنين مخلوف على الثالث والرابع، ثم بتحقيق الشيخ محمد بن عبد الحميد، ثم بتحقيق الشيخ عبد الله دراز بمقدمته الحافلة وتعليقاته المحررة التي تليق بمكانة الكتاب ومنزلته. ولعله في قُطْره "الغرب الإسلامي" أول من نسج في الأصول بركنيه على هذا الطراز، وهو في قطره أول من بسط الكلام على: "علم المقاصد"، ونهض به، وفتق مسائله، وشيد عمارته، وجال في تفاصيله، وشخصها، ولفت الأنظار إلى قواعده الكلية، وبَسَطَها، وتعمق في بحثها، مناشدا باستخراج علل الأحكام، وحكمتها، ومصالحها، وصَرَف أنظار الفقهاء من الخلاف والجدل الفقهي الجامد في الفروعيات إلى تطعيمه بالنظر في مقاصد الشارع، وأنها كالحياض الواسعة لهذه الفروعيات والخلافيات فيتقلص ظل الخلاف، وتلتقي الأحكام الاجتهادية ما أمكن في قالب واحد، وفق مقاصدها التي وضعت لها،

نابعة من مشكاة واحدة، بجامع مقاصد الشريعة الكلية، محققة خلود الشريعة، وعصمتها, ووحدة أحكامها. والشاطبي -رحمه الله تعالى- ينص في مقدمته على افتراعه لهذا العلم، أي: بهذا الاعتبار. كما افترع الإمام الشافعي: "علم أصول الفقه"، والخليل بن أحمد: "علم العروض"، وابن خلدون: "علم الاجتماع" في "مقدمته"، وهكذا. وبعد؛ فكم تطلعت إلى أن أرى هذا الكتاب مطبوعا محققا مخدوما بما يليق بمكانته من تعاليق، وفهارس علمية ونظرية، مع المحافظة على خدمات السابقين، وجهودهم المبذولة تقديما وتعليقا؛ لتحوي هذه الطبعة ما سبقها وزيادة؛ حتى يسر الله الكريم بفضله هذا المطلوب، على يد العلامة المحقق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان؛ فبعث إلي بنسخة من هذا الكتاب بعد صفه وتنضيده؛ فوجدته -أحسن الله إليه- قد بذل فيه جهده، وجمع له نفسه، ووفر المطالب المذكورة، وأضاف إليها تعليقات جمة بتحقيقات مهمة، وتخريجات للمرويات، وعزو للمنقولات وإحالات إلى كتب الشاطبي وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وأتبع ذلك بمفاتيح للكتاب، ومسرد علمي للفوائد واللطائف؛ فجزاه الله خيرا، وشكر سعيه، ونفع به عباده. وإني أول مستفيد من عمله في هذا التقديم، ومن كتابين مهمين أحدهما: "الشاطبي ومقاصد الشريعة" لحمادي العبيدي, وثانيهما: "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" لأحمد الريسوني؛ فما في هذا التقديم مستخلص من ثلاثتهم، مع ما فتح الله به وهو خير الفاتحين, والحمد لله رب العالمين.

القسم الأول: المقدمات

القسم الأول: المقدمات مقدمات المؤلف مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَنَا بِنُورِ الْعِلْمِ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهَالَةِ، وَهَدَانَا بِالِاسْتِبْصَارِ بِهِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي عَمَاية الضَّلَالَةِ، وَنَصَبَ لَنَا مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- أَعْلَى عَلَم وَأَوْضَحَ دَلَالَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مَا مَنَّ بِهِ مِنَ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ وَالْمِنَحِ الْجَلِيلَةِ وَأَنَالَهُ. فَلَقَدْ كُنَّا قَبْلَ شُرُوقِ هَذَا النُّورِ نَخْبِطُ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ، وَتَجْرِي عُقُولُنَا فِي اقْتِنَاصِ مَصَالِحِنَا عَلَى غَيْرِ السَّوَاءِ؛ لِضَعْفِهَا عَنْ حمل هذه الأعباء، ومشاركة عاجلات الهواء، عَلَى مَيْدَانِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ الْمُنْقَلَبَيْنِ مَدَارُ الْأَسْوَاءِ؛ فَنَضَعُ السُّمُومَ عَلَى الْأَدْوَاءِ مَوَاضِعَ الدَّوَاءِ، طَالِبِينَ لِلشِّفَاءِ، كَالْقَابِضِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَا زِلْنَا1 نَسْبَحُ بَيْنَهُمَا فِي بَحْرِ الْوَهْمِ فَنَهِيمُ، وَنَسْرَحُ مِنْ جَهْلِنَا بِالدَّلِيلِ فِي لَيْلٍ بَهِيمٍ، وَنَسْتَنْتِجُ الْقِيَاسَ الْعَقِيمَ، وَنَطْلُبُ آثَارَ الصِّحَّةِ مِنَ الْجِسْمِ السَّقِيمِ، وَنَمْشِي إِكْبَابًا2 عَلَى الْوُجُوهِ وَنَظُنُّ أنا نمشي على الصراط المستقيم؛

_ 1 في الأصل: "ما زلنا". 2 من أكب على وجهه، إذا تمادى في الغواية، وهو أحد الأفعال التي تهمز؛ فتكون لازمة وتجرد فتتعدى، ونظائره: انسل الطير، وأحجم زيد، وأنزفت البئر "خ".

حَتَّى ظَهَرَ مَحْضُ الْإِجْبَارِ فِي عَيْنِ الْأَقْدَارِ، وَارْتَفَعَتْ حَقِيقَةُ أَيْدِيِ الِاضْطِرَارِ إِلَى الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَتَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ أَطْمَاعُ أَهْلِ الِافْتِقَارِ؛ لَمَّا صَحَّ مِنْ أَلْسِنَةِ الْأَحْوَالِ صِدْقُ الْإِقْرَارِ، وَثَبَتَ فِي مُكْتَسَبَاتِ الْأَفْعَالِ حكمُ الِاضْطِرَارِ؛ فَتَدَارَكَنَا الرَّبُّ الْكَرِيمُ بِلُطْفِهِ الْعَظِيمِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا الْبَرُّ الرَّحِيمُ بِعَطْفِهِ الْعَمِيمِ؛ إِذْ لَمْ نَسْتَطِعْ مِنْ دُونِهِ حِيَلًا، وَلَمْ نَهْتَدِ1 بِأَنْفُسِنَا سُبلا، بِأَنْ جَعَلَ الْعُذْرَ1 مَقْبُولًا، وَالْعَفْوَ عَنِ الزَّلَّاتِ قَبْلَ [بَعْثِ الرِّسَالَاتِ مَأْمُولًا] 1؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الْإِسْرَاءِ: 15] . فَبَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- فِي الْأُمَمِ، كَلٌّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ مِنْ عَرَبٍ أَوْ عَجَمٍ؛ ليبيِّنوا لَهُمْ طَرِيقَ الْحَقِّ مِنْ أَمَمٍ2، وَيَأْخُذُوا بحُجزهم عَنْ مَوَارِدِ جَهَنَّمَ، وَخَصَّنَا مَعْشَرَ الْآخَرِينَ السَّابِقِينَ بلبنة تمامهم، ومسك3 ختامهم؛ محمد بن

_ 1 بدلا منها في نسخة "خ" بياضات, وكتب المعلق: "هكذا الأصل، وفيه حذف من الناسخ، ولعل نظم الكلام هكذا: "ولم نسلك بأنفسنا سُبُلا، بأن جعل لما أُمرنا به قبولا، وللعفو عن الزلات قبل الابتهال حصولا"". 2 أي: من قُرب. انظر: "لسان العرب" "أم م". 3 في نسخة "خ": "مسكة"، وكتب المعلق عليها ما نصه: "قال الغزالي في كتاب "الاقتصاد": الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يرد فيه نص قاطع وضرب المثل لهذا بقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ؛ فأنكر عليه بعض المفسرين، ووسم هذه المقالة بأنها إلحاد، وما قاله الغزالي مبني على الوجه الذي سيقرره المصنف قريبا من أن الألفاظ لا تدل على المراد منها بوجه قاطع لتوقف القطع على التحقق؛ من عدم النقل، والمجاز، والإضمار، والتقديم، والتأخير، والإطلاق، والتقييد ونحو ذلك، وإنما يحصل القطع بمضمونها بعد أن ينضم إليها ما ينفي تلك الوجوه المحتملة؛ كأن ينعقد على مدلولها إجماع أو تتوارد عليه نصوص أخرى، والمحققون على أن الآية نص قاطع بنفسها وعلى أي مذهب؛ فقد بلغ مضمونها مبلغ القطع المعتد به في تقرير العقائد التي يخرج المتردد فيها عن دائرة الإسلام حيث تضافر عليها صريح القرآن والسنة والإجماع".

عبد الله، الَّذِي هُوَ النِّعْمَةُ المُسْداة، والرحمةُ الْمُهْدَاةُ، والحكمةُ الْبَالِغَةُ الأميَّة، وَالنُّخْبَةُ الطَّاهِرَةُ الْهَاشِمِيَّةُ، أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْعَرَبِيَّ الْمُبِينَ، الْفَارِقَ بَيْنَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وَوَضَعَ بَيَانَهُ الشَّافِيَ وَإِيضَاحَهُ الْكَافِيَ فِي كفِّه، وطيَّبه بِطِيبِ ثَنَائِهِ وعرَّفه بعَرْفه1؛ إِذْ جَعَلَ أَخْلَاقَهُ وَشَمَائِلَهُ جُمْلَةَ نَعْتِهِ، وَكُلِّيَّ وَصْفِهِ، فَصَارَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مبيِّنا بِقَوْلِهِ وَإِقْرَارِهِ وَفِعْلِهِ وَكَفِّهِ؛ فوضُح النَّهَارُ لِذِي عَيْنَيْنِ، وتبيَّن الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ شَمْسًا مِنْ غَيْرِ سَحَابٍ وَلَا غَيْن2. فَنَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَالْحَمْدُ نِعْمَةٌ مِنْهُ مُسْتَفَادَةٌ، وَنَشْكُرُ لَهُ وَالشُّكْرُ أَوَّلُ الزِّيَادَةِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، خَالِقُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وباسطُ الرِّزْقِ لِلْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ، بَسْطًا يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ، وَالْفَضْلُ وَالِامْتِنَانُ، جَارِيًا عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذَّارِيَاتِ: 56-58] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] . كُلُّ ذَلِكَ لِيَتَفَرَّغُوا لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ الَّتِي عُرضت عَلَيْهِمْ عَرْضًا، فَلَمَّا تحمَّلوها عَلَى حُكْمِ الْجَزَاءِ؛ حُمِّلوها فَرْضًا، وَيَا لَيْتَهُمُ اقْتَصَرُوا عَلَى الْإِشْفَاقِ وَالْإِبَايَةِ، وتأمَّلوا فِي الْبِدَايَةِ خَطَرَ النِّهَايَةِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَخْطِرْ لَهُمْ خطرها على بال، كما خطر للسموات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ3؛ فَلِذَلِكَ سُمِّي الْإِنْسَانُ ظَلُومًا جَهُولًا، وكان أمر

_ 1 أي: طيَّبه بطيب رائحته. 2 الغين لغة في الغيم. انظر: "لسان العرب" "غ ي ن". 3 أشار إلى أن المراد بالأمانة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} عهدة التكليف، وإباية السموات والأرض والجبال لحملها تمثيل لعدم استعدادها بحسب الفطرة لتقلدها، وفي هذا التمثيل تنويه بقدر هذه التكاليف وتعظيم لشأنها. "خ".

الله مفعولا؛ فدل1 عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمُسْتَبَانَةِ شاهدٌ قَوْلِهِ: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} [الأحزاب: 72] . فَسُبْحَانَ مَنْ أَجْرَى الْأُمُورَ بِحِكْمَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ، عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَقَادِيرِهِ؛ لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَى الْعِبَادِ فِيمَا يَعْمَلُونَ، لَا يُسأل عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ! وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، الصَّادِقُ الْأَمِينُ، المبعوثُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، بِمِلَّةٍ حَنِيفِيَّةٍ، وَشِرْعَةِ الْحَاكِمِينَ2 بِهَا حَفِيَّةً، يَنْطِقُ بِلِسَانِ التَّيْسِيرِ بَيَانُهَا، ويعرِّف أَنَّ الرِّفْقَ خَاصِّيَّتُهَا وَالسَّمَاحَ شَأْنُهَا؛ فَهِيَ تَحْمِلُ الْجَمَّاءَ الْغَفِيرَ ضَعِيفًا وَقَوِيًّا، وَتَهْدِي الْكَافَّةَ فَهِيمًا وَغَبِيًّا، وَتَدْعُوهُمْ بِنِدَاءٍ مُشْتَرِكٍ دَانِيًا وَقَصِيًّا، وَتَرْفُقِ بِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مُطيعا وَعَصِيًّا، وَتَقُودُهُمْ بِخَزَائِمِهِمْ3 مُنْقَادًا وَأَبِيًّا، وتُسوي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْعَدْلِ شَرِيفًا وَدَنِيًّا، وتُبوئ حَامِلَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَكَانًا عَلِيًّا، وَتُدْرِجُ النُّبُوءَةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وتُلبس الْمُتَّصِفِ بِهَا مَلْبَسًا سَنِيًّا، حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ وَلِيًّا؛ فَمَا أَغْنَى مَنْ وَالَاهَا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَمَا أَفْقَرَ مَنْ عَادَهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا. فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَدْعُو بِهَا وَإِلَيْهَا4، ويبث للثقلين ما لديها، ويناضل

_ 1 في "د": "دل"، وما أثبتناه من الأصل و"خ" و"م". 2 في النسخ المطبوعة: "شرعة بالمكلفين"، والمثبت من الأصل. 3 جمع خِزامة، وهي حلقة من شعر تُجعل في وترة أنف البعير يُشد فيها الزمام. انظر: "مختار الصحاح" "خ ز م". 4 يتحقق هذا المعنى بالنظر إلى القرآن الذي هو مطلع الشريعة الغراء؛ فإنه من جهة اشتماله على الحجج المحكمة والمواعظ الحسنة مدعو به، ومن حيث تقريره للعقائد والأحكام والآداب مدعو إليه "خ".

بِبَرَاهِينِهَا عَلَيْهَا، وَيَحْمِي بِقَوَاطِعِهَا جَانِبَيْهَا، بَالِغَ الْغَايَةِ فِي الْبَيَانِ، بِقَوْلِهِ1 بِلِسَانِ حَالِهِ وَمَقَالِهِ: "أَنَا النَّذِيرُ العُريان" 2 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ؛ الَّذِينَ عَرَفُوا مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ فحصَّلوها، وَأَسَّسُوا قَوَاعِدَهَا وأصَّلوها، وَجَالَتْ أَفْكَارُهُمْ فِي آيَاتِهَا، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وَغَايَاتِهَا، وَعُنُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِاطِّرَاحِ الْآمَالِ، وشفَّعوا الْعِلْمَ بِإِصْلَاحِ الْأَعْمَالِ، وَسَابَقُوا إِلَى الْخَيِّرَاتِ فَسَبَقُوا3، وَسَارَعُوا إِلَى الصَّالِحَاتِ فَمَا لُحِقُوا، إِلَى أَنْ طَلَعَ فِي آفَاقِ بَصَائِرِهِمْ شَمْسُ الْفُرْقَانِ، وَأَشْرَقَ فِي قُلُوبِهِمْ نُورُ الْإِيقَانِ؛ فَظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكَمِ مِنْهَا عَلَى اللِّسَانِ، فَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ قَرَعَ ذَلِكَ الْبَابَ، فَصَارُوا خَاصَّةَ الْخَاصَّةِ وَلُبَابَ اللُّبَابِ، وَنُجُومًا يَهْتَدِي بِأَنْوَارِهِمْ أُولُو الْأَلْبَابِ؟! رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَنِ الَّذِينَ خَلَفُوهُمْ قُدْوَةً لِلْمُقْتَدِينَ، وَأُسْوَةً لِلْمُهْتَدِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا الْبَاحِثُ عَنْ حَقَائِقِ أَعْلَى الْعُلُومِ4، الطَّالِبُ لِأَسْنَى نَتَائِجِ الحُلوم، الْمُتَعَطِّشُ إِلَى أَحْلَى مَوَارِدِ الْفُهُومِ، الْحَائِمُ حَوْلَ حِمًى ظاهر المرسوم؛

_ 1 في النسخ المطبوعة: "يقول"، والمثبت من الأصل. 2 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي 11/ 316/ رقم 6482، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله, صلى الله عليه وسلم، 13/ 250/ رقم 7253"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل, باب شفقته -صلى الله عليه وسلم- على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم، 4/ 1788-1789/ رقم 2283" من حديث أبي موسى مرفوعا: "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العُريان؛ فالنجاء ... ". 3 في الأصل: "فتسبقوا"، وله وجه كما في "اللسان" "س ب ق". 4 تتفاضل العلوم على حسب شرف غايتها، أو قوة دلائلها، أو كمال موضوعاتها؛ ولهذا كان أشرف العلوم وأرفعها منزلة علم التوحيد، ثم ما ينبني عليه من سائر علوم الشريعة "خ".

طَمَعًا فِي إِدْرَاكِ بَاطِنِهِ الْمَرْقُومِ، مَعَانِيَ1 مَرْتُوقَةٍ فِي فَتْقِ تِلْكَ الرُّسُومِ2؛ فَإِنَّهُ قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تُصغي إِلَى مَنْ وَافَقَ هَوَاكَ هَوَاهُ، وَأَنْ تُطارح الشَّجَى مَنْ مَلَكه -مِثْلَكَ- شَجَاهُ، وَتَعُودَ -إذْ شاركْتَه فِي جَوَاهُ- مَحَلَّ نَجْوَاهُ؛ حَتَّى يَبُثَّ إِلَيْكَ شَكْوَاهُ، لِتَجْرِيَ مَعَهُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ حَيْثُ جَرَى، وَتَسْرِيَ فِي غَبَشِهِ الْمُمْتَزِجِ ضَوْءُهُ بِالظُّلْمَةِ كَمَا سَرَى، وَعِنْدَ الصَّبَاحِ تَحْمَدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَاقِبَةَ السُّرَى. فَلَقَدْ قَطَعَ فِي طَلَبِ هَذَا الْمَقْصُودِ مهامِهَ فِيحا، وَكَابَدَ مِنْ طَوَارِقِ طَرِيقِهِ حَسَنًا وَقَبِيحًا، وَلَاقَى مِنْ وُجُوهِهِ الْمُعْتَرِضَةِ جَهْما وصَبِيحا، وَعَانَى مِنْ رَاكِبَتِهِ الْمُخْتَلِفَةِ مَانِعًا وَمُبِيحًا3، فَإِنْ شِئْتَ أَلْفَيْتَهُ لِتَعَبِ السَّيْرِ طَلِيحا4، أَوْ لِمَا حَالَفَ مِنَ الْعَنَاءِ طَرِيحًا، أَوْ لِمُحَارَبَةِ الْعَوَارِضِ الصَّادَّةِ جَرِيحًا؛ فَلَا عَيْشَ هَنِيئًا، وَلَا مَوْتَ مُرِيحًا. وجُملة الْأَمْرِ فِي التَّحْقِيقِ: أَنَّ أَدْهَى مَا يَلْقَاهُ السَّالِكُ لِلطَّرِيقِ فَقْدُ الدَّلِيلِ، مَعَ ذِهْنٍ لِعَدَمِ نُورِ الْفَرْقَانِ كَلِيلٍ، وَقَلْبٍ بِصَدَمَاتِ الْأَضْغَاثِ5 عَلِيلٍ؛ فَيَمْشِي عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ، وَيَنْتَمِي إِلَى غَيْرِ قَبِيلٍ، إِلَى أَنْ مَنَّ الرَّبُّ الْكَرِيمُ، الْبَرُّ الرَّحِيمُ، الْهَادِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ فبُعثت لَهُ أَرْوَاحُ تِلْكَ الْجُسُومِ، وَظَهَرَتْ حَقَائِقُ تِلْكَ الرُّسُومِ، وَبَدَتْ مُسَمَّيَاتُ تِلْكَ الْوُسُومِ؛ فَلَاحَ فِي أَكْنَافِهَا الْحَقُّ وَاسْتَبَانَ، وَتَجَلَّى مِنْ تَحْتِ سَحَابِهَا شَمْسُ الْفُرْقَانِ وَبَانَ، وَقَوِيَتِ النفس الضعيفة

_ 1 كذا في الطبعات الثلاث والأصل. 2 أي: ملتئمة في تضاعيف معالمه. 3 في الأصل: "سخيا". 4 أي: منهكا هزيلا. انظر: "لسان العرب" "ط ل ح". وعلق "خ" هنا ما نصه: "من قولهم: طلح البعير طلحا وطلاحة، إذا أعيا؛ فهو طليح". 5 الأضغاث: الأخلاط، ومنه أضغاث الأحلام لما التبس منها، والمراد منها في هذه الجملة مثارات الحيرة، وشبه الباطل. "خ".

وشجُع الْقَلْبُ الْجَبَانُ، وَجَاءَ الْحَقُّ فَوَصَلَ أَسْبَابَهُ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ فَبَانَ، فَأَوْرَدَ مِنْ أَحَادِيثِهِ الصِّحَاحِ الْحِسَانِ1، وَفَوَائِدِهِ الْغَرِيبَةِ الْبُرْهَانِ، وَبَدَائِعِهِ الْبَاهِرَةِ لِلْأَذْهَانِ؛ مَا يَعْجِزُ عَنْ تَفْصِيلِ بَعْضِ أَسْرَارِهِ الْعَقْلُ، وَيَقْصُرُ عَنْ بَثِّ مِعْشَارِهِ اللِّسَانُ، إِيرَادًا يُمَيِّزُ الْمَشْهُورَ مِنَ الشَّاذِّ، وَيُحَقِّقُ مَرَاتِبَ الْعَوَامِّ وَالْخَوَاصِّ وَالْجَمَاهِيرِ وَالْأَفْذَاذِ، ويُوفي حُقَّ الْمُقَلِّدِ وَالْمُجْتَهِدِ وَالسَّالِكِ وَالْمُرَبِّي وَالتِّلْمِيذِ وَالْأُسْتَاذِ، عَلَى مَقَادِيرِهِمْ فِي الْغَبَاوَةِ وَالذَّكَاءِ وَالتَّوَانِي وَالِاجْتِهَادِ وَالْقُصُورِ وَالنَّفَاذِ، وَيُنْزِلُ كُلًّا مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ حَيْثُ حَلَّ، ويُبصره فِي مَقَامِهِ الْخَاصِّ بِهِ بِمَا دقَّ وجلَّ، وَيَحْمِلُهُ فِيهِ عَلَى الْوَسَطِ الَّذِي هُوَ مَجَالُ الْعَدْلِ وَالِاعْتِدَالِ، وَيَأْخُذُ بِالْمُخْتَلِفِينَ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ بَيْنَ الِاسْتِصْعَادِ وَالِاسْتِنْزَالِ؛ لِيَخْرُجُوا مِنِ انْحِرَافَيِ التَّشَدُّدِ وَالِانْحِلَالِ، وَطَرَفَيِ التَّنَاقُضِ والمُحال؛ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا يَجِبُ لِجَلَالِهِ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى جَمِيلِ إِنْعَامِهِ وَجَزِيلِ إِفْضَالِهِ. وَلَمَّا بَدَا مِنْ2 مَكْنُونِ السِّرِّ مَا بَدَا وَوَفَّقَ اللَّهُ الْكَرِيمُ لِمَا شَاءَ مِنْهُ وَهَدَى, لَمْ أَزَلْ أُقَيِّدُ مِنْ أَوَابِدِهِ، وَأَضُمُّ مِنْ شَوَارِدِهِ تَفَاصِيلَ وجُملا، وَأَسُوقُ مِنْ شَوَاهِدِهِ فِي مَصَادِرِ الحُكم وَمَوَارِدِهِ مُبَيِّنًا لَا مُجْمِلًا، مُعْتَمِدًا عَلَى الِاسْتِقْرَاءَاتِ الْكُلِّيَّةِ، غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلَى الْأَفْرَادِ الْجُزْئِيَّةِ، وَمُبَيِّنًا أُصُولَهَا النَّقْلِيَّةَ بِأَطْرَافٍ مِنَ الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ، حَسْبَمَا أَعْطَتْهُ الِاسْتِطَاعَةُ وَالْمِنَّةُ، فِي بَيَانِ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَظْمِ تِلْكَ الْفَرَائِدِ، وَجَمْعِ تِلْكَ الْفَوَائِدِ، إِلَى تَرَاجِمَ تَرُدُّهَا إِلَى أُصُولِهَا، وَتَكُونُ عَوْنًا عَلَى تَعَقُّلِهَا وَتَحْصِيلِهَا؛ فَانْضَمَّتْ إِلَى تَرَاجِمِ الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ، وَانْتَظَمَتْ فِي أَسْلَاكِهَا السَّنِية الْبَهِيَّةِ؛ فَصَارَ كتابا منحصرا في خمسة أقسام3:

_ 1 بل فيه أحاديث موضوعة وضعيفة؛ كما بيناه في التخريج، والله الموفق. 2 في "ط": "من". 3 "القسم؛ بالفتح: مصدر قسم الشيء يقسمه قسما، وبالكسر: النصيب والحظ، والجمع أقسام ... وحقيقته أنه جزء من جملة تقبل التقسيم". "ماء".

الْأَوَّلُ: فِي الْمُقَدِّمَاتِ1 الْعِلْمِيَّةِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِي تَمْهِيدِ الْمَقْصُودِ. وَالثَّانِي: فِي الْأَحْكَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا أَوْ عَلَيْهَا، كَانَتْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ. وَالثَّالِثُ: فِي الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ. وَالرَّابِعُ: فِي حَصْرِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيَانِ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ فِيهَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَعَلَى التَّفْصِيلِ، وَذِكْرِ مَآخِذِهَا، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ يُحكم بِهَا عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَالْخَامِسُ: فِي أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَالْمُتَّصِفِينَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ وَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ. وَفِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَسَائِلُ وَتَمْهِيدَاتٌ، وَأَطْرَافٌ وَتَفْصِيلَاتٌ؛ يَتَقَرَّرُ بِهَا الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ، وَيَقْرُبُ بِسَبَبِهَا تَحْصِيلُهُ لِلْقُلُوبِ. وَلِأَجَلِّ مَا أُودِعَ فِيهِ مِنَ الْأَسْرَارِ التَّكْلِيفِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْحَنِيفِيَّةِ، سَمَّيْتُهُ بِـ"عُنْوَانُ التَّعْرِيفِ بِأَسْرَارِ التَّكْلِيفِ"، ثُمَّ انْتَقَلْتُ عَنْ هَذِهِ السِّيمَاءِ لِسَنَدٍ غَرِيبٍ، يَقْضِي الْعَجَبَ مِنْهُ الْفَطِنُ الْأَرِيبُ، وَحَاصِلُهُ أَنِّي لَقِيتُ يَوْمًا بَعْضَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَحْلَلْتُهُمْ مِنِّي مَحَلَّ الْإِفَادَةِ، وَجَعَلْتُ مَجَالِسَهُمُ الْعِلْمِيَّةَ مَحَطًّا لِلرَّحْلِ ومُناخا لِلْوِفَادَةِ، وَقَدْ شَرَعْتُ فِي تَرْتِيبِ الْكِتَابِ وَتَصْنِيفِهِ، وَنَابَذْتُ الشَّوَاغِلَ دُونَ تَهْذِيبِهِ وَتَأْلِيفِهِ؛ فَقَالَ لِي: رَأَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ، وَفِي يَدِكَ كِتَابٌ

_ 1 "جمع مقدمة بكسر الدال وفتحها، وهي بالكسر أفصح، وهي من كل شيء أوله. والعلمية المنسوبة للعلم أي: المعرفة احترازا مما ينسب إلى العمل. والمحتاج المفتقر. وتمهيد الأمر: تسويته وإصلاحه وجعله وطئا سهلا، والمقصود الشيء الذي يقصد إتيانه لفائدة مرغوبة" "ماء".

أَلَّفْتَهُ فَسَأَلْتُكَ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتَنِي أَنَّهُ كِتَابُ "الْمُوَافَقَاتِ"، قَالَ: فَكُنْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ الظَّرِيفَةِ، فَتُخْبِرُنِي أَنَّكَ وَفَّقْتَ بِهِ بَيْنَ مَذْهَبَيِ ابْنِ الْقَاسِمِ1 وَأَبِي حَنِيفَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَصَبْتُمُ الْغَرَضَ بِسَهْمٍ مِنَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ مُصيب، وَأَخَذْتُمْ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ النَّبَوِيَّةِ بِجُزْءٍ صَالِحٍ وَنَصِيبٍ؛ فَإِنِّي شَرَعْتُ فِي تَأْلِيفِ هَذِهِ الْمَعَانِي، عَازِمًا عَلَى تَأْسِيسِ تِلْكَ الْمَبَانِي، فَإِنَّهَا الْأُصُولُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَالْقَوَاعِدُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهَا عِنْدَ الْقُدَمَاءِ. فَعَجِبَ الشَّيْخُ مِنْ غَرَابَةِ هَذَا الِاتِّفَاقِ، كَمَا عَجِبْتُ أَنَا مِنْ رُكُوبِ هَذِهِ الْمَفَازَةِ وَصُحْبَةِ هَذِهِ الرِّفَاقِ؛ لِيَكُونَ -أَيُّهَا الْخِلُّ الصَّفِّيُّ، وَالصَّدِيقُ الْوَفِيُّ- هَذَا الْكِتَابُ عَوْنًا لَكَ فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ، وَشَارِحًا لِمَعَانِي الْوِفَاقِ وَالتَّوْفِيقِ، لَا لِيَكُونَ عُمْدَتَكَ فِي كُلِّ تَحَقُّقٍ وَتَحْقِيقٍ، وَمَرْجِعَكَ فِي جَمِيعِ مَا يعنُّ لَكَ مِنْ تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ؛ إِذْ قَدْ صَارَ عِلْمًا مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ، وَرَسْمًا كَسَائِرِ الرُّسُومِ، وَمَوْرِدًا لِاخْتِلَافِ الْعُقُولِ وَتَعَارُضِ الْفُهُومِ، لَا جَرَمَ أَنَّهُ قَرَّبَ عَلَيْكَ فِي الْمَسِيرِ، وَأَعْلَمَكَ كَيْفَ تَرْقَى فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ وَإِلَى أَيْنَ تَسِيرُ، وَوَقَفَ بِكَ مِنَ الطَّرِيقِ السَّابِلَةِ عَلَى الظَّهر، وَخَطَبَ لَكَ عَرَائِسَ الْحِكْمَةِ ثُمَّ وَهَبَ لَكَ الْمَهْرَ. فقدِّمْ قَدَم عَزْمِكَ؛ فَإِذَا أَنْتَ بِحَوْلِ اللَّهِ قَدْ وَصَلْتَ، وَأَقْبِلْ عَلَى مَا قِبَلك مِنْهُ؛ فَهَا أَنْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَدْ فُزْتَ بِمَا حَصَّلْتَ، وَإِيَّاكَ وَإِقْدَامَ الْجَبَانِ، وَالْوُقُوفَ مَعَ الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ2، وَالْإِخْلَادَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّصْمِيمِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، وَفَارِقْ وَهَد

_ 1 خالف ابن القاسم الإمام مالكا في مسائل كثيرة؛ فوصفه بعض الفقهاء بأنه مجتهد مطلق، وذهب الأكثرون إلى أنه مجتهد في المذهب؛ أي: مقيد النظر بأصول مالك، ولهذا كان أهل الأندلس -وهم مقتدون بمذهب مالك- يشرطون في سجلات قرطبة أن لا يخرج القاضي عن قول ابن القاسم ما وجده، ولم يتركوا العمل بقوله إلا في ثماني عشرة مسألة. "خ". 2 كذا في "ط" وحدها، وفي سائر النسخ: "مع الطرق الحسان"!! وفسرها "خ" بقوله: "لا يشغلك جمال الطريق عن السير إلى الغايات الشريفة، وكثير من القارئين من يلهيه حسن أساليب القول عن الغوص في أعماقه واقتناص حكمه البديعة ومراميه السامية".

التَّقْلِيدِ رَاقِيًا إِلَى يَفَاع الِاسْتِبْصَارِ1، وَتَمَسَّكْ مِنْ هَدْيِكَ بِهِمَّةٍ2 تَتَمَكَّنُ بِهَا مِنَ الْمُدَافَعَةِ وَالِاسْتِنْصَارِ إِذَا تَطَلَّعَتِ الْأَسْئِلَةُ الضَّعِيفَةُ وَالشُّبَهُ الْقِصَارُ، وَالْبَسِ التَّقْوَى شِعَارًا، وَالِاتِّصَافَ بِالْإِنْصَافِ دِثَارًا، وَاجْعَلْ طَلَبَ الْحَقِّ لَكَ نِحْلَة، وَالِاعْتِرَافَ بِهِ لِأَهْلِهِ مِلَّةً، لَا تَمْلِكْ [قَلْبَكَ] 3 عَوَارِضُ الْأَغْرَاضِ، وَلَا تُغير4 جَوْهَرَةَ قَصْدِكَ طَوَارِقُ الْإِعْرَاضِ، وَقِفْ وَقْفَةَ الْمُتَخَيِّرِينَ لَا وَقْفَةَ الْمُتَحَيِّرِينَ؛ إِلَّا إِذَا اشْتَبَهَتِ الْمَطَالِبُ، وَلَمْ يَلُحْ وَجْهُ الْمَطْلُوبِ لِلطَّالِبِ؛ فَلَا عَلَيْكَ مِنَ الْإِحْجَامِ وَإِنْ لجَّ الْخُصُومُ، فَالْوَاقِعُ فِي حِمَى الْمُشْتَبِهَاتِ هُوَ الْمَخْصُومُ، وَالْوَاقِفُ دُونَهَا هُوَ الرَّاسِخُ الْمَعْصُومُ، وَإِنَّمَا الْعَارُ والشنارُ5 عَلَى مَنِ اقْتَحَمَ الْمَنَاهِيَ فَأَوْرَدَتْهُ النَّارَ، لَا تَرِدْ مَشْرَعَ الْعَصَبِيَّةِ، وَلَا تَأْنَفْ مِنَ الْإِذْعَانِ إِذَا لَاحَ وَجْهُ الْقَضِيَّةِ أَنَفَةَ ذَوِي النُّفُوسِ الْعَصِيَّةِ، فَذَلِكَ مَرْعًى لِسَوَامِهَا وَبيل، وَصُدُودٌ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ. فَإِنْ عَارَضَكَ دُونَ هَذَا الْكِتَابِ عَارِضُ الْإِنْكَارِ، وَعَمِيَ عَنْكَ وَجْهُ الِاخْتِرَاعِ فِيهِ وَالِابْتِكَارِ وَغَرَّ6 الظَّانَّ أَنَّهُ شَيْءٌ مَا سُمع بِمِثْلِهِ وَلَا أُلِّفَ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوِ الْفَرْعِيَّةِ مَا نُسج عَلَى مِنْوَالِهِ أَوْ شُكل بِشَكْلِهِ، وَحَسْبُكَ مِنْ شَرٍّ سَمَاعُهُ، وَمِنْ كُلِّ بِدْعٍ فِي الشَّرِيعَةِ ابْتِدَاعُهُ؛ فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى الْإِشْكَالِ دون

_ 1 جعل التقليد بمنزلة الوهد، وهو المنخفض من الأرض؛ لأن المقلد لا يرمي ببصره إلى ما وراء قول متبوعه أو فعله، فكأنه في منحدر تمنعه جوانبه من أن يمد عينه إلى ما خلفه من ملكوت السموات والأرض، وجعل التبصر بمكان اليفاع وهو الرابية؛ لأن المتبصر لا يقف بفكره جامدا على ما يسبق إليه من قول أو يشهده من عمل، بل ينفذ ببصيرته الصافية إلى مرتقى الاستدلال؛ فكأنه قائم على أكمة يشرف منها على مواقع شتى ليتخير من بينها أبدع المناظر وأصفى الموارد "خ". 2 في نسخة "خ": "من تهديك بمنة تتمكن". 3 ليست في الأصل ولا في "ط"، وضبط ناسخ "ط" "تُمِلْكَ" من "الميلان". 4 في "د": "تغر". 5 في حاشية الأصل: الشنار, بالفتح: أقبح العيب والعار، الأمر المشهور بالشنعة. ا. هـ. "قاموس". 6 في "ط": "وظنَّ".

اخْتِبَارٍ، وَلَا ترْمِ بِمَظِنَّةِ الْفَائِدَةِ عَلَى غَيْرِ اعْتِبَارٍ؛ فَإِنَّهُ بِحَمْدِ اللَّهِ أَمْرٌ قَرَّرَتْهُ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ، وَشَدَّ مَعَاقِدَهُ السَّلَفُ الْأَخْيَارُ، وَرَسَمَ مَعَالِمَهُ الْعُلَمَاءُ الْأَحْبَارُ، وَشَيَّدَ أَرْكَانَهُ أَنْظَارُ النُّظَّارِ1، وَإِذَا وضُح السبيلُ لَمْ يَجِبِ2 الْإِنْكَارُ، وَوَجَبَ قَبُولُ مَا حَوَاهُ وَالِاعْتِبَارُ بِصِحَّةِ مَا أَبْدَاهُ وَالْإِقْرَارُ، حَاشَا مَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَيَطْرُقُ صِحَّةَ أَفْكَارِهِمْ مِنَ الْعِلَلِ؛ فَالسَّعِيدُ مَنْ عُدَّت سَقَطَاتُهُ، وَالْعَالِمُ مَنْ قَلَّتْ غَلَطَاتُهُ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى النَّاظِرِ الْمُتَأَمِّلِ، إِذَا وَجَدَ فِيهِ نَقْصًا أَنْ يُكْمِلَ، وَلْيُحْسِنِ الظَّنَّ بِمَنْ حَالَفَ اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ، وَاسْتَبْدَلَ التَّعَبَ بِالرَّاحَةِ وَالسَّهَرَ بِالْمَنَامِ؛ حَتَّى أَهْدَى إِلَيْهِ نَتِيجَةَ عُمره، وَوَهَبَ لَهُ يَتِيمَةَ دَهْرِهِ؛ فَقَدْ أَلْقَى إِلَيْهِ مَقَالِيدَ مَا لَدَيْهِ، وَطَوَّقَهُ طَوْقَ الْأَمَانَةِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ، وَخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْبَيَانِ فِيمَا وجب عليه، و "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" 3. جَعَلَنَا اللَّهُ مِنَ الْعَامِلِينَ بِمَا عَلِمْنَا، وَأَعَانَنَا عَلَى تَفْهِيمِ مَا فَهِمْنَا، وَوَهَبَ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا يُبَلِّغُنَا رِضَاهُ، وَعَمَلًا زَاكِيًا يَكُونُ عُدَّةً لَنَا يَوْمَ نَلْقَاهُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ. وَهَا أَنَا أَشْرَعُ فِي بَيَانِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، وَآخُذُ فِي إِنْجَازِ ذَلِكَ الْمَوْعُودِ، وَاللَّهُ المستعانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العظيم.

_ 1 أي: تأمل الحفظة. انظر: "مختار الصحاح" "ن ظ ر". 2 من "أجبى" بمعنى أخفى، مأخوذا من الإجباء، وهو أن يغيب الرجل إبله عن المتصدق، والمعنى: أن السبيل الواضح لا يتمكن المنكر من إخفائه. "خ". 3 الحديث في "الصحيحين" وغيرهما، ولم يصح إلا عن عمر -رضي الله عنه- وسيأتي تخريجه "ص459".

المقدمة الأولى

الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى 1 إِنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ2 فِي الدِّينِ قَطْعِيَّةٌ لَا ظَنِّيَّةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا

_ 1 نحو ما عند المصنف تحت هذه المسألة في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "19/ 228-234، و20/ 62-64". 2 "قوله: "أصول" جمع أصل، وهو في الاصطلاح ما يبنى عليه غيره عكس الفرع؛ فإنه ما ينبني على غيره. والفقه لغة: الفهم، وفي الاصطلاح: الأحكام الشرعية التي طريقها طريق المجتهدين والدين والجزاء والعبادة، وهو المراد هنا. والقطعي: الذي لا شك فيه، وتراها وتبصرها. وظنية: منسوبة إلى الظن، وهو الراجح من الأمر، والمرجوح يسمى وهما، والمستوي يسمى شكا". "ماء". وكتب "د" ما نصه: "تطلق الأصول على الكليات المنصوصة في الكتاب والسنة كـ "لا ضرر ولا ضرار"، و {لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، و {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، "إنما الأعمال بالنيات"، "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة"، وهكذا، وهذه تسمى أدلة أيضا؛ كالكتاب، والسنة، والإجماع ... إلخ. وهي قطعية بلا نزاع، وتطلق أيضا على القوانين المستنبطة من الكتاب والسنة، التي توزن بها الأدلة الجزئية عند استنباط الأحكام الشرعية منها، وهذه القوانين هي فن الأصول؛ فمنها ما هو قطعي باتفاق، ومنها ما فيه النزاع بالظنية والقطعية؛ فالقاضي ومن وافقه على أن من هذه المسائل الأصولية ما هو ظني، والمؤلف بصدد معالجة إثبات كون مسائل الأصول قطعية بأدلته الثلاثة الأول وبالأدلة الأخرى التي جاء بها في صدد الرد على المازري في اعتراضه على القاضي، ثم قرر أخيرا أن ما كان ظنيا يطرح من علم الأصول؛ فيكون ذكره تبعيا لا غير".

رَاجِعَةٌ إِلَى كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ قَطْعِيٌّ1. بَيَانُ2 الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ الْمُفِيدِ لِلْقَطْعِ3. وَبَيَانُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهٍ: أحدُها4: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِمَّا إِلَى أُصُولٍ عَقْلِيَّةٍ5، وَهِيَ قَطْعِيَّةٌ، وإما إلى

_ 1 خفي الوجه الذي بسطه المصنف في هذه المقدمة على بعض الكاتبين في الأصول؛ فقال: من أصول الفقه ما ليس بقطعي؛ كحجية الاستصحاب، ومفهوم المخالفة، وستطلع إن شاء الله على أن من قرر أصلا كالاستصحاب أو سد الذرائع أو المصالح المرسلة؛ إنما انتزعه من موارد متعددة من الشريعة حتى قطع بأنه من الأصول المقصودة في بناء الأحكام. "خ". قال "ماء": "قطعية أبدا في جميع الدهر ولا تكون ظنية". قلت: الخلاف في هذه المسألة يبدو أنه راجع إلى عدم تحرير محل النزاع فقط؛ فالقائلون بأن "أصول الفقه" قطعية لا تحتمل الظنيات -ومنهم المصنف-؛ يقصدون "أصول" الأدلة، والقواعد الكلية للشريعة، ويعتبرون ما سوى ذلك من المباحث التفصيلية والاجتهادات التطبيقية ليس من "أصول" الفقه، وإن بُحث في علم "أصول الفقه" وكتبه، وأما القائلون بأن أصول الفقه تشتمل على كثير من الظنيات؛ فإنما يتكلمون عن "علم أصول الفقه"، حيث أدرجت فيه كثير من الظنيات، ودليل ظنيتها كثرة الخلاف فيها، وهو ما سعى المصنف إلى إقصائه من "أصول الفقه"، وافتتح كتابه بالتأكيد على أن "أصول الفقه" قطعية لا ظنية، تأمل اعتراض أستاذنا الدريني في "بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأدلته" "1/ 20" تجد مصداق التوجيه السابق، وقد ذكره الأستاذ أحمد الريسوني في "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص140". 2 في "م": "وبيان". 3 فإنا إذا تصفحنا جميع مسائل علم الأصول نقطع بأنها مبنية على كليات الشريعة الثلاث، واستقراء جميع الأفراد فيه ممكن؛ فإنها مسائل محصورة "د". 4 حاصله أن كليات الشريعة مبنية؛ إما على أصول عقلية، وإما على استقراء كلي من الشريعة، وكلاهما قطعي؛ فهذه الكليات قطعية، فما ينبني عليها من مسائل الأصول قطعي "د". 5 أي: راجعة إلى أحكام العقل الثلاثة كما سيذكره في المقدمة الثانية تفصيلا. "د".

الِاسْتِقْرَاءِ الْكُلِّيِّ1 مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ قَطْعِيٌّ أَيْضًا، وَلَا ثَالِثَ2 لِهَذَيْنِ إِلَّا الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا، وَالْمُؤَلَّفُ مِنَ الْقَطْعِيَّاتِ قَطْعِيٌّ، وَذَلِكَ أُصُولُ الْفِقْهِ. وَالثَّانِي3: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً؛ لَمْ تَكُنْ رَاجِعَةً إِلَى أَمْرٍ عَقْلِيٍّ؛ إِذِ الظَّنُّ لَا يُقْبَلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَلَا إِلَى كُلِّيٍّ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ الظَّنَّ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُزْئِيَّاتِ4؛ إِذْ لَوْ جَازَ تَعَلُّقُ الظَّنِّ بِكُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ؛ لَجَازَ تَعَلُّقُهُ بِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهُ الْكُلِّيُّ الْأَوَّلُ5، وَذَلِكَ غَيْرُ جائز عادة6 -وأعني بالكليات7 هنا: الضروريات،

_ 1 لا يتأتى عادة أن يكون المستنبطون لقاعدة "أن الأمر للوجوب" مثلا وقفوا على كل أمر صدر من الشارع حتى يتحقق الاستقراء الكلي المعروف الموجب لليقين، لكن المطلوب هنا القطع؛ أي: الجزم، ويكفي لذلك الكثرة المستفيضة الإفراد من كل نوع من أنواع الأمر الواردة في مقاصد الشريعة الثلاثة: الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ومثل هذا كافٍ في عده استقراء كليا يوجب القطع؛ لأن ما لم يطلع عليه المستنبط من الأوامر لا يخرج عن كونه فردا من أنواع الأوامر التي اطلعوا عليها؛ فلا يترتب عليه إخلال بالقاعدة. 2 سيأتي في المقدمة الثانية زيادة: العادي؛ فلعله توسع هنا بإدراجه في العقلي "د". 3 إثبات للمطلوب بإبطال نقيضه؛ لأنه يترتب على كونه ظنية حصول ما لا يجوز عادة، وهو تعلق الظن بأصل الشريعة، وأيضا حصول الشك فيها، وأيضا جواز تبديلها، وكلها باطلة "د". قلت: وانظر في هذا "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 112-126". 4 لا الكليات الشرعية بدليل قوله: "إذ لو جاز ... "؛ فهو روح الدليل "د". 5 أي: بملاحظة أنها جاءت بعد الاستقراء الكلي؛ فيصح قوله: "لجاز ... " إلخ، وأصل الشريعة المقطوع بها هي الكلي الأول الذي تفرعت عنه القوانين والكليات الأخرى، وحيث كان الأصل الأول مقطوعا به، وكان التفريع عليه بطريق الاستقراء الكلي؛ فحكم الفرع حينئذ يكون حكما للأصل، والعكس "د". 6 لأنه بعد قيام الدليل على الأصل والقطع به يستحيل عادة أن يحصل فيه ظن بدل القطع، ولم يقل عقلا؛ لأنه لا يمنع العقل حصول الظن للشخص في شيء بعد القطع بالدليل؛ فإنه لا يلزم من عرض ذلك محال عقلا. "د". 7 أي: التي قلنا: إنها مرجع لمسائل الأصول "د".

وَالْحَاجِيَّاتِ، وَالتَّحْسِينِيَّاتِ1-، وَأَيْضًا لَوْ جَازَ تَعَلُّقُ الظَّنِّ بِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ؛ لَجَازَ تَعَلُّقُ الشَّكِّ بِهَا، وَهِيَ لَا شَكَّ فِيهَا، وَلَجَازَ تَغْيِيرُهَا وَتَبْدِيلُهَا، وَذَلِكَ خِلَافَ مَا ضَمِنَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ حِفْظِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ جَعْلُ الظَّنِّيِّ2 أَصْلًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ؛ لَجَازَ جَعْلُهُ أَصْلًا فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْلِ الشَّرِيعَةِ كَنِسْبَةِ أُصُولِ الدِّينِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِي الْمَرْتَبَةِ؛ فَقَدِ اسْتَوَتْ فِي أَنَّهَا كُلِّيَّاتٌ مُعْتَبَرَةٌ3 فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي حِفْظِ الدِّينِ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا سَبِيلَ إِلَى إِثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ بِالظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ، وَلَمْ نُتَعبد بِالظَّنِّ إِلَّا فِي الْفُرُوعِ4، ولذلك لم يعد القاضي ابن الطيب

_ 1 في "م": "الظن". 2 استدلال خطابي؛ لأنه لا يتأتى اعتبار ذلك في جميع مسائل الأصول؛ حتى ما اتفقوا عليه منها، إنما المعتبر في كل ملة بعض القواعد العامة فقط، وكان يجدر به وهو في مقام الاستدلال العام على قطعية مسائل الأصول ومقدماتها ألا يذكر مثل هذا الدليل "خ". 3 "أما الضروريات؛ فَمَعْنَاهَا: أَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا فِي قِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، بِحَيْثُ إِذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ بَلْ عَلَى فساد وتهارج، وهي خمس: حفظ الدين، والنفس, والنسل، والمال، والعقل. وَأَمَّا الْحَاجِيَّاتُ؛ فَمَعْنَاهَا: أَنَّهَا مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حيث التوسعة ورفع التضيق؛ كالرخص، وإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما هو حلال. وأما التحسينيات؛ فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات؛ كإزالة النجاسة، وستر العورة، وأخذ الزينة" "ماء". 4 ذهبت طائفة إلى أن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بالطرق المفيدة للعلم، متمسكين بقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وقوله: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} ، وأجاب الجمهور عن الآيتين بأنهما من قبيل العام المخصوص بالأدلة القائمة على العمل بما يفيد الظن في الفروع؛ كأدلة العمل بخبر الآحاد، أو أن العمل بمثل خبر الآحاد حيث كان يستند إلى الدلائل الموجبة للعمل عند ظن الصدق كان وجوبه معلوما قطعا؛ فالظن واقع في طريق الحكم، وقد انضمت إليه الدلائل القاطعة على وجوب العمل بمقتضى هذا الظن؛ فلم يكن العامل بما يفيده خبر الآحاد مثلا متبعا لمجرد الظن، بل مستندا إلى ما يفيد العلم بأن ذلك الحكم المنتزع بطريق مظنون هو ما ناطه الشارع بعهدته "خ".

مِنَ الْأُصُولِ تَفَاصِيلَ الْعِلَلِ، كَالْقَوْلِ فِي عَكْسِ الْعِلَّةِ، وَمُعَارَضَتِهَا، وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا، وَتَفَاصِيلَ أَحْكَامِ الْأَخْبَارِ، كَأَعْدَادِ الرُّوَاةِ، وَالْإِرْسَالِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ. وَاعْتَذَرَ ابْنُ الْجُوَيْنِيِّ1 عَنْ إِدْخَالِهِ فِي الْأُصُولِ بِأَنَّ التَّفَاصِيلَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْأُصُولِ الْمَقْطُوعِ بِهَا دَاخِلَةٌ بِالْمَعْنَى2 فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّحَاشِي عَنْ عَدِّ هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْأُصُولِ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا، عَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي فِي أَنَّ الْأُصُولَ هِيَ أُصُولُ الْعِلْمِ3؛ لِأَنَّ تِلْكَ الظَّنِّيَّاتِ قَوَانِينُ كُلِّيَّاتٍ وُضِعَتْ لَا لِأَنْفُسِهَا4، لَكِنْ ليُعْرَض عَلَيْهَا أَمْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ. قَالَ: فَهِيَ فِي هَذَا كَالْعُمُومِ5 وَالْخُصُوصِ. قال: ويحسن

_ 1 في "البرهان" "1/ 85-86". 2 لا يخفى أن اعتبار مثل هذا يؤدي إلى دعوى أن الفروع قطعية أيضا "د". 3 أصول العلم قوانينه التي يتألف منها؛ ككون الإجماع أو القياس حجة، والمطلق يحمل على المقيد والعام يقبل التخصيص، ودلالته على جميع أفراده قطعية أو ظنية، أما الأصول بمعنى الأدلة؛ فهي الكتاب, والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال. فقوله تعالى: {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} أصل بمعنى الدليل، وقولك بعد: "والأمر للوجوب" أصل من أصول العلم "خ". 4 أي: لا لتعتقد حتى يلزم فيها ثبوتها على وجه قطعي "د". 5 لعله يريد أن القاعدة بالنسبة لجزئيات الأدلة كالعام بالنسبة لجزئياته، وحيث إن جزئيات الأدلة يلحقها الظن في دلالتها؛ فلا مانع أن تكون الكليات التي تنطبق عليها كانطباق العام على الخاص يلحقها الظن أيضا "د".

مِنْ أَبِي الْمَعَالِي أَنْ لَا يَعُدَّهَا مِنَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ عِنْدَهُ [هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَالْأَدِلَّةُ عِنْدَهُ] 1 مَا يُفْضِي إِلَى الْقَطْعِ، وَأَمَّا الْقَاضِي؛ فَلَا يَحْسُنُ بِهِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْأُصُولِ، عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْهُ. هَذَا مَا قَالَ. وَالْجَوَابُ2: أَنَّ الْأَصْلَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كان مظنونا تطرق إليها احْتِمَالُ الْإِخْلَافِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُجْعَلُ أَصْلًا فِي الدِّينِ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ، وَالْقَوَانِينُ الْكُلِّيَّةُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا3 وَبَيْنَ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْحِفْظَ الْمَضْمُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، إِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ حِفْظُ أُصُولِهِ الْكُلِّيَّةِ الْمَنْصُوصَةِ4، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 3] أَيْضًا، لَا أَنَّ الْمُرَادَ5 الْمَسَائِلُ الْجُزْئِيَّةُ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَتَخَلَّفْ عن الحفظ جزئي من

_ 1 ليست في الأصل. 2 أي: عن القاضي؛ أي: إن القاضي وإن قال: إن الأصول هي تلك القوانين؛ فهذا لا ينافي أنه يقول: إنها قطعية؛ لأن كل ما كان ظنيا لا يعد من الأصول؛ فسواء أريد بالأصول الأدلة من الكتاب والسنة ... إلخ أو أريد بها تلك القواعد؛ لا بد أن تكون قطعية، ومنه يُعلم أن قوله: "لأن تلك الظنيات ... إلخ" من كلام المازري لا من كلام القاضي، ومعلوم أن الغرض من جلب كلام القاضي والمازري تصفية المقام ورد شبهة المازري ليتم له أن أصول الفقه على أي تقدير في معناها قطعية، سواء كانت هي القواعد أو الأدلة من الكتاب والسنة، أو الكليات الشرعية المنصوصة. "د". 3 مجرد دعوى؛ إلا أن يجعل تفريعا على ما قبله فتكون الفاء ساقطة "د". 4 مسلم، ولكنك تعمم في المستنبطة الصرفة أيضا "د". وانظر في معنى الآية: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "27/ 447"، و"المحرر الوجيز" "3/ 351-352" لابن عطية. 5 سيأتي له ما يخالف هذا؛ إذ يقول في المقدمة التاسعة: "ولذا كانت الشريعة محفوظة أصولها وفروعها"، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن مراده هنا نفي حفظ الفروع بذاتها، وهناك إثبات حفظها بنصب أدلتها الكافية لمن توجه إليها بفهم راسخ، فإن أخطأها بعض؛ أصابها بعض آخر، فهي محفوظة في الجملة "د".

جُزْئِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْجَوَازِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْوُقُوعُ؛ لِتَفَاوُتِ الظُّنُونِ، وَتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي النُّصُوصِ الْجُزْئِيَّةِ، وَوُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهَا قَطْعًا؛ فَقَدْ وُجد الْخَطَأُ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِي مَعَانِي الْآيَاتِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ الْمَحْفُوظِ مَا كَانَ مِنْهُ كُلِّيًّا1، وَإِذْ ذَاكَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ أَصْلٍ قَطْعِيًّا. هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْمَعَالِي، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي, فَإِنَّ إِعْمَالَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أَوِ الظَّنِّيَّةِ إِذَا كَانَ مُتَوَقِّفًا عَلَى تِلْكَ الْقَوَانِينِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْفِقْهِ2؛ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهَا, وَاخْتِبَارِهَا بِهَا، وَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا، بَلْ أَقْوَى مِنْهَا؛ لِأَنَّكَ أَقَمْتَهَا مُقام الْحَاكِمِ عَلَى الْأَدِلَّةِ، بِحَيْثُ تُطرح الْأَدِلَّةُ إذا لم تجز عَلَى مُقْتَضَى تِلْكَ الْقَوَانِينِ؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ تُجعل الظَّنِّيَّاتِ قَوَانِينَ لِغَيْرِهَا3؟ وَلَا حُجَّةَ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ مُرَادَةٍ لِأَنْفُسِهَا حَتَّى يُسْتَهَانَ بِطَلَبِ الْقَطْعِ فِيهَا؛ فَإِنَّهَا حَاكِمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الثِّقَةِ بِهَا فِي رُتْبَتِهَا، وَحِينَئِذٍ يَصْلُحُ أَنْ تُجعل قَوَانِينَ، وَأَيْضًا، لَوْ صَحَّ كَوْنُهَا ظَنِّيَّةً؛ لَزِمَ مِنْهُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ فَالِاصْطِلَاحُ اطَّرَدَ عَلَى أَنَّ الْمَظْنُونَاتِ لَا تُجعلُ أُصُولًا، وَهَذَا كافٍ فِي اطراح الظنيات من الأصول بإطلاق، فما

_ 1 كليا منصوصا كما قال أولا؛ فيمنع قوله بعد: يلزم أن يكون كل أصل قطعيا، فإذا كان غرضه تقرير مذهب أبي المعالي، وأن القطع إنما هو في الكليات المنصوصة في الشريعة بدون تعرض للقوانين المستنبطة؛ لا يكون لذكره هنا فائدة تعود على غرضه من قطعية مسائل الأصول، وإذا كان يقيس القوانين على النصوص كما هو المفهوم من قوله: "لا فرق بينها وبين الأصول التي نص عليها"؛ فهو قياس لم يذكر له علة صحيحة "د". 2 في "ط": "أصول العلم". 3 أي: من القطعيات التي تعرض فيما يعرض عليها، وقد يقال: إنها جعلت قوانين لاستخراج الفروع من القطعيات والظنيات، وليست قوانين لنفس القطعيات، والفروع المستنبطة بها ظنية ولا ضير في هذا "د".

جرى1 فيها مما ليس بقطعي تفريعا عليه بالتبع، لا بالقصد الأول2.

_ 1 رجوع عن قسم عظيم مما شملته الدعوى، ولكنه مقبول ومعقول؛ فإن من مسائل الأصول ما هو قطعي مجمع عليه، ومنها ما هو محل للنظر، وتشعب وجوه الأدلة إثباتا وردا، راجع "الأسنوي على المنهاج" في تعريف الأصول على أنه -بهذه الخاتمة التي طرح بها كثيرا من القواعد المذكورة في الأصول جزافا دون تحديد لنوع ما يطرح- صار لا يُعرف مقدار ما بقي قطعيا وما سلم فيه أنه ظني، وهذا يقلل من فائدة هذه المقدمة. "د". 2 بعد ختم "ماء" هذا الفصل قال: "تنبيه: اعلم أني ذكرت في النظم تبعا للأصل أن أصول فقه الدين قطعية، ولا تكون ظنية، وتقدم ما تقدم من الكلام، ثم إني أقول: إن أصول الفقه عرفها صاحب "جمع الجوامع" أعني السبكي بقول: أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية، وقيل: معرفتها، والأصولي: العارف بها وبطرق استفادتها ومستفيدها، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية". وقال في تعريفها سيدي عبد الله ابن الحاج إبراهيم العلوي في "مراقي السعود" "أصوله دلائل الإجمال"، قال في شرحه: "يعني أن أصول الفقه أدلته الإجمالية؛ لأن الأصل في الاصطلاح هو الدليل أو الأمر الراجح ... والدليل الإجمالي هو الذي لا يعين مسألة جزئية كقاعدة "مطلق الأمر والنهي". وفعله -صلى الله عليه وسلم- والإجماع، والقياس، والاستصحاب، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمبين والمجمل، والظاهر والمؤول، والناسخ والمنسوخ، وخبر الواحد ... " إلى أن قال: "والقاعدة قضية كلية تعرف منها أحكام جزئياتها نحو مطلق الأمر للوجوب ومطلق النهي للتحريم، والإجماع والقياس والاستصحاب حجة، والعام يقبل التخصيص والخاص يقضي على العام ... إلى غير ذلك من كلامهم في كتبهم, جزاهم الله خيرا" "ماء".

المقدمة الثانية

المقدمة الثانية: إِنَّ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَالْأَدِلَّةَ الْمُعْتَمَدَةَ فِيهِ لَا تَكُونُ إِلَّا قَطْعِيَّةً1؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ ظَنِّيَّةٌ لَمْ تُفِدِ الْقَطْعَ فِي الْمَطَالِبِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، وَهَذَا بَيَّنٌ، وَهِيَ: - إِمَّا عَقْلِيَّةٌ؛ كَالرَّاجِعَةِ إِلَى أَحْكَامِ الْعَقْلِ الثَّلَاثَةِ: الْوُجُوبِ، وَالْجَوَازِ، وَالِاسْتِحَالَةِ. - وَإِمَّا عَادِيَّةٌ، وَهِيَ تَتَصَرَّفُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ أَيْضًا؛ إِذْ مِنَ الْعَادِيِّ مَا هُوَ واجبٌ فِي الْعَادَةِ أَوْ جَائِزٌ أَوْ مُسْتَحِيلٌ. - وَإِمَّا سَمْعِيَّةٌ، وَأَجَلُّهَا الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي اللَّفْظِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ، أَوْ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي الْمَعْنَى، أَوِ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ. فَإِذَا الْأَحْكَامُ الْمُتَصَرِّفَةُ2 فِي هَذَا الْعِلْمِ لَا تَعْدُو الثلاثة: الوجوب،

_ 1 لازم أو ملزوم لما تقدم له في المقدمة الأولى؛ فيجري عليه ما جرى عليها "د". 2 أي: التي تتركب منها مقدماته لا تتجاوز الأحكام الثلاثة، سواء كانت عقلية أو عادية أو سمعية، وقد يذكر في الأصول أن كذا حجة أو ليس بحجة؛ فهذا ليس من المقدمات، وإنما هو مما يتفرع على تلك المقدمات؛ إذ هو العرض الذاتي الذي يُراد إثباته لموضوعاته التي هي الأدلة بواسطة تلك المقدمات "د".

وَالْجَوَازَ، وَالِاسْتِحَالَةَ، وَيَلْحَقُ بِهَا الْوُقُوعُ أَوْ عَدَمُ الْوُقُوعِ، فَأَمَّا كَوْنُ الشَّيْءِ حُجَّةً أَوْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ فَرَاجِعٌ إِلَى وُقُوعِهِ كَذَلِكَ، أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ كَذَلِكَ، وَكَوْنُهُ صَحِيحًا أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ رَاجِعٌ1 إِلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَّلِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ فَرْضًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا؛ فَلَا مُدخل لَهُ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أُصُولٌ، فَمَنْ أَدْخَلَهَا فِيهَا فمن2 باب خلط بعض العلوم ببعض.

_ 1 لأنها بمعنى ثبوته أعم من أن يكون واجبا أو جائزا أو مستحيلا، يعني عقليا أوعاديا، لا خصوص العقلي "د". 2 إنما ذكروها من باب المقدمات لحاجة الأصولي إلى تصورها والحكم بها إثباتا ونفيا؛ كقوله: الأمر للوجوب والنهي للتحريم مثلا، وقد ذكرها هو وأطال في تحديدها؛ إلا أن يكون مراده كون كذا من الأفعال فرضا أو حراما مثلا، فإن هذا من الفروع الصرفة التي ليست من المقدمات في شيء "د".

المقدمة الثالثة

المقدمة الثالثة 1 الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي هَذَا الْعِلْمِ؛ فَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ مُرَكَّبَةً2 عَلَى الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، أَوْ مُعِينة فِي طَرِيقِهَا، أَوْ مُحَقِّقَةً لِمَنَاطِهَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَا مُسْتَقِلَّةً بِالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا نَظَرٌ فِي أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، وَالْعَقْلُ لَيْسَ بِشَارِعٍ, وَهَذَا مبيَّن فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمُعْتَمَدُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَوُجُودُ الْقَطْعِ3 فِيهَا -عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْمَشْهُورِ- معدوم، أو في غاية الندور

_ 1 هذه المقدمة كبيان ودفع لما يرد على المقدمة قبلها "د". وقارن ما فيها بكلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "19/ 228-234". 2 أي: لا تكون أدلة هذا العلم مركبة من مقدمات عقلية محضة، بل قد تكون إحدى المقدمات والباقي شرعية مثلا، وقد تكون معينة بأن يأتي الدليل كله شرعيا، ويستعان على تحقيق نتيجته بدليل عقلي، وقد تكون المقدمات العقلية أو العادية لا لإثبات أصل كلي، بل لتحقيق المناط؛ أي: لتطبيق أصل على جزئي من جزئياته، وذلك بالبحث في أن هذا الجزئي مندرج في موضوع القاعدة ليأخذ حكمها، وسيأتي أن هذا البحث قد يرجع للطب أو للصناعات المختلفة أو للعرف في التجارات والزراعات وغير ذلك؛ إلا أنه يلاحظ على ذلك أن تحقيق المناط من صناعة الفقيه المجتهد، لا من تحقيق مسائل الأصول في ذاتها، ومثل ذلك يقال في تنقيح المناط وتخريج المناط الآتيين له في الجزء الرابع؛ لأنها كلها من وظيفة الفقيه لا الأصولي؛ إلا أن يقال: لا مانع من تحقيق المناط في مسائل الأصول أيضا، لكن على وجه آخر غير طريقة ذلك الاصطلاح "د". 3 يستعمل القطع في دلالة الألفاظ؛ فيأتي على نوعين: أولهما: الجزم الحاصل في النص القاطع، وهو ما لا يتطرقه احتمال أصلا نحو {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وهذا ما يقصده المصنف في هذه المقدمة. ثانيهما: العلم الحاصل من الدليل الذي لم يقم بإزائه احتمال يستند إلى أصل يعتد به ولا يضره الاحتمالات المستندة إلى وجوه ضعيفة أو نادرة، وهذا المعنى هو الذي يقصده القائلون بأن دلالة العام على أفراده قطعية. "خ".

"أَعْنِي: فِي آحَادِ الْأَدِلَّةِ"؛ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ؛ فَعَدَمُ إِفَادَتِهَا الْقَطْعَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً؛ فَإِفَادَتُهَا الْقَطْعَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ جميعُها أَوْ غَالِبُهَا ظَنِّيٌّ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الظَّنِّيِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا؛ فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلِ اللُّغَاتِ وَآرَاءِ النَّحْوِ، وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ، وَعَدَمِ الْمَجَازِ، وَالنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ أَوِ الْعَادِيِّ، وَالْإِضْمَارِ، وَالتَّخْصِيصِ لِلْعُمُومِ، وَالتَّقْيِيدِ لِلْمُطْلَقِ، وَعَدَمِ النَّاسِخِ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ والمُعارض الْعَقْلِيِّ1، وَإِفَادَةُ الْقَطْعِ مَعَ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأُمُورِ مُتَعَذِّرٌ وَقَدِ اعْتَصَمَ مَنْ قَالَ بِوُجُودِهَا بِأَنَّهَا ظَنِّيَّةٌ فِي أَنْفُسِهَا، لَكِنْ إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهَا قَرَائِنُ مُشَاهَدَةٌ أَوْ مَنْقُولَةٌ؛ فَقَدْ تُفِيدُ الْيَقِينُ، وَهَذَا كُلُّهُ نادرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ2. وَإِنَّمَا الْأَدِلَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ هُنَا الْمُسْتَقْرَأَةُ مِنْ جُمْلَةِ أَدِلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ تَضَافَرَتْ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ حَتَّى أَفَادَتْ فِيهِ الْقَطْعَ؛ فَإِنَّ لِلِاجْتِمَاعِ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِلِافْتِرَاقِ، وَلِأَجْلِهِ أَفَادَ التَّوَاتُرُ الْقَطْعَ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْهُ، فَإِذَا حَصَلَ مِنِ اسْتِقْرَاءِ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ مجموعٌ يُفِيدُ الْعِلْمَ؛ فَهُوَ الدَّلِيلُ الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالتَّوَاتُرِ3 الْمَعْنَوِيِّ، بَلْ هو كالعلم

_ 1 العقليات التي يصح لها أن تعارض لفظ الشارع ويتعين صرفه عن ظاهره لأجلها كمال* ما إذا عارضه الحس والمشاهدة إنما هي القضايا الثابتة بأدلة قاطعة، أما مجرد استحسان العقل واستقباحه؛ فلا يقف أمام نص الشارع لأنه قد يكون ناشئا عن عدم صفاء الفطرة والذوق، أو تغلب الهوى، وكثيرا ما يكون أثرا من آثار النشأة والبيئة الخاصة. "خ". 2 أي: فلا يفيد الاعتصام به بحالة مطردة في سائر الأدلة كما هو المطلوب "د". 3 وليس تواترا معنويا؛ لأن ذاك يأتي كله على نسق واحد؛ كالوقائع الكثيرة المختلفة التي تأتي جميعُها دالة على شجاعة علي مثلا بطريق مباشر، أما هذا؛ فيأتي بعضه دالا مباشرة على وجوب الصلاة، وبعضه بطريق غير مباشر، لكن يستفاد منه الوجوب؛ كمدح الفاعل لها، وذم التارك، والتوعد الشديد على إضاعتها، وإلزام المكلف بإقامتها ولو على جنبه إن لم يقدر على القيام، وقتال من تركها ... إلخ، ولذلك عده شبيها بالمعنوي ولم يجعله معنويا "د".

بِشَجَاعَةِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَجُودِ حَاتِمٍ1 الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَثْرَةِ الْوَقَائِعِ الْمَنْقُولَةِ عَنْهُمَا. وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ثَبَتَ وُجُوبُ الْقَوَاعِدِ الْخَمْسِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَغَيْرِهِمَا قَطْعًا، وَإِلَّا فَلَوِ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ على وجوب الصلاة بقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 110] أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بمجرده نظر من أوجه2، لكن خف3 بِذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ مَا صَارَ بِهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ ضَرُورِيًّا فِي الدِّينِ، لَا يَشُكُّ فِيهِ إِلَّا شَاكٌّ فِي أَصْلِ الدين. ومن ههنا4 اعْتَمَدَ النَّاسُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ مِثْلِ هَذَا عَلَى دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ وَقَاطِعٌ لِهَذِهِ الشَّوَاغِبِ. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ أَدِلَّةَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، أَوْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَوِ الْقِيَاسِ حُجَّةً؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى هَذَا الْمَسَاقِ5؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر،

_ 1 قال ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 193": "يشير إلى التواتر المعنوي، ومثله بالأخبار الواردة في سخاء حاتم؛ فإنها كثيرة، لكنها لم تتفق على سياق واحد، ومجموعها يفيد القطع بأنه كان سخيا، وكذلك الأخبار الواردة في شجاعة علي، واستيعاب ذلك متعسر؛ فرأيت أن أشير إلى شيء من ذلك ... "، ثم سرد بعضا منها. 2 أي: كان استدلالا ظنيا لتوقفه على المقدمات الظنية المشار إليها "د". 3 في "ط": "حَفَّت". 4 أي: فبدل أن يسردوا الأدلة الجزئية، فيؤخذ في مناقشة كل دليل يورد بالمناقشات المشار إليها؛ يعدلون عن هذا الطريق القابل للمشاغبة إلى طريق ذكر الإجماع القاطع للشغب، وما ذلك إلا لأن كل دليل على حدته ظني لا يفيد القطع "د". 5 وهو شبه التواتر المعنوي "د".

وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُخْتَلِفَةُ الْمَسَاقِ1، لَا تَرْجِعُ إِلَى بَابٍ وَاحِدٍ؛ إِلَّا أَنَّهَا تَنْتَظِمُ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَكَاثَرَتْ عَلَى النَّاظِرِ الْأَدِلَّةُ عَضَّدَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَصَارَتْ بِمَجْمُوعِهَا مُفِيدَةً لِلْقَطْعِ؛ فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي مَآخِذِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ2، وَهِيَ مَآخِذُ الْأُصُولِ؛ إِلَّا أَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ رُبَّمَا3 تَرَكُوا ذِكْرَ هَذَا الْمَعْنَى وَالتَّنْبِيهَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ إِغْفَالُهُ مِنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ فَاسْتَشْكَلَ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَاتِ عَلَى حِدَتِهَا4، وَبِالْأَحَادِيثِ عَلَى انْفِرَادِهَا؛ إِذْ لَمْ يَأْخُذْهَا مَأْخَذَ الِاجْتِمَاعِ5، فَكَّرَ عَلَيْهَا بِالِاعْتِرَاضِ نَصًّا نَصًّا، وَاسْتَضْعَفَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ الْمُرَادِ مِنْهَا الْقَطْعُ، وَهِيَ إِذَا أُخِذَتْ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ6 غيرُ مُشْكِلَةٍ، وَلَوْ أُخِذَتْ أَدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ مَأْخَذَ هَذَا الْمُعْتَرِضِ؛ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا قَطْعٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَلْبَتَّةَ؛ إِلَّا أَنْ نُشْرِكَ الْعَقْلَ7، وَالْعَقْلُ إِنَّمَا يَنْظُرُ مِنْ وَرَاءِ الشَّرْعِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الانتظام.

_ 1 أي: كما أشرنا إليه؛ فلذا كان شبيها بالتواتر المعنوي وليس إياه "د". 2 فإنه بناها على هذه الطريقة بحالة اطردت له فيها "د". 3 إنما قال: ربما, ولم يقل: إنهم تركوه قطعا لأن الغزالي أشار إليه في دليل كون الإجماع حجة، كما تجيء الإشارة إليه, ولله در الغزالي؛ فإنه بإشارته لهذا في الإجماع جعل الشاطبي يستفيد منه كل هذه الفوائد الجليلة، ويتوسع فيه هذا التوسع، بل جعله خاصة كتابه؛ كما سيقول في آخره "د". 4 أي: كل آية على حدة بدون ضمها إلى سائر الآيات والأحاديث؛ حتى يصير النظر إليها نظرا إلى المجموع الذي يشبه التواتر "د". 5 في الأصل و"م": "الإجماع". 6 أي: سبيل الاجتماع الذي يصير كالإجماع من آحاد الأدلة على المعنى المطلوب "د". 7 أي: بالاستقراء والنظر إلى الأدلة منظومة في سلك واحد، ويحتمل أن يكون المعنى: إلا أن نحكم العقل في الأحكام الشرعية، ونقول: إنه يدركها بنفسه؛ فيحصل القطع بها من جهته وإن كان دليل السمع ظنيا، لكن العقل عندنا لا يدركها مباشرة، وإنما ينظر فيها من وراء الشرع؛ فتعين هذا الطريق الاستقرائي في إفادة السمعيات القطع "د".

فِي تَحْقِيقِ الْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ. فَقَدَ اتَّفَقَتِ1 الْأُمَّةُ -بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ- عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ -وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ, وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ- وَعِلْمُهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ كَالضَّرُورِيِّ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مُعَيَّنٍ, وَلَا شَهِدَ لَنَا أَصْلٌ مُعَيَّنٌ يَمْتَازُ بِرُجُوعِهَا إِلَيْهِ، بَلْ عُلمت مُلَاءَمَتُهَا لِلشَّرِيعَةِ بِمَجْمُوعِ أَدِلَّةٍ لَا تَنْحَصِرُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ، وَلَوِ اسْتَنَدَتْ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَوَجَبَ عَادَةً تَعْيِينُهُ، وَأَنْ يَرْجِعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ2؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِانْفِرَادِهِ ظَنِّيٌّ، وَلِأَنَّهُ كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ فِي التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ خَبَرَ وَاحِدٍ دُونَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ، كَذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ3 هُنَا لِاسْتِوَاءِ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ عَلَى فَرْضِ الِانْفِرَادِ، وَإِنْ كَانَ الظَّنُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاقِلِينَ، وَأَحْوَالِ دَلَالَاتِ الْمَنْقُولَاتِ، وَأَحْوَالِ النَّاظِرِينَ فِي قُوَّةِ الْإِدْرَاكِ وَضَعْفِهِ، وَكَثْرَةِ الْبَحْثِ وَقِلَّتِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَنَحْنُ إِذَا نَظَرْنَا4 فِي الصَّلَاةِ؛ فَجَاءَ فيها: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 110] عَلَى وُجُوهٍ، وَجَاءَ مَدْحُ الْمُتَّصِفِينَ بِإِقَامَتِهَا، وَذَمُّ التَّارِكِينَ لَهَا، وَإِجْبَارُ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى فِعْلِهَا وَإِقَامَتِهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، وَقِتَالُ مَنْ تَرَكَهَا أَوْ عَانَدَ فِي تَرْكِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى, وَكَذَلِكَ النَّفْسُ: نُهي عَنْ قَتْلِهَا، وجُعل قَتْلُهَا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ مُتَوَعَّدًا عليه، ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك

_ 1 تمثيل بأهم مسألة أصولية لا يمكن إثباتها بدليل معين، وإنما ثبتت بشبه التواتر المعنوي بأدلة لم ترد على سياق واحد وفي باب واحد "د". 2 بعدها في "ط": "الأنظار والقرائح". 3 في الأصل: "يعتني". 4 مثالان آخران في أهم المسائل الشرعية من الفروع "د".

كَمَا كَانَتِ الصَّلَاةُ مَقْرُونَةً بِالْإِيمَانِ، وَوَجَبَ سَدُّ رَمَقِ الْمُضْطَرِّ، وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَالْمُوَاسَاةُ وَالْقِيَامُ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِ نَفْسِهِ، وَأُقِيمَتِ الْحُكَّامُ وَالْقُضَاةُ وَالْمُلُوكُ لِذَلِكَ، وَرُتِّبَتِ الْأَجْنَادُ لِقِتَالِ مَنْ رَامَ قَتْلَ النَّفْسِ، وَوَجَبَ عَلَى الْخَائِفِ مِنَ الْمَوْتِ سَدُّ رَمَقِهِ بِكُلِّ حَلَالٍ وَحَرَامٍ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، إِلَى سَائِرِ مَا يَنْضَافُ لِهَذَا [الْمَعْنَى] 1، عَلِمْنَا يَقِينًا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمَ الْقَتْلِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَدِلَّةِ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. وَبِهَذَا امْتَازَتِ الْأُصُولُ مِنَ الْفُرُوعِ؛ إِذْ كَانَتِ الْفُرُوعُ مُسْتَنِدَةً إِلَى آحَادِ الْأَدِلَّةِ وَإِلَى مَآخِذَ مُعَيَّنَةٍ، فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الِاسْتِنَادِ إِلَى الظَّنِّ، بِخِلَافِ الْأُصُولِ؛ فَإِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنِ اسْتِقْرَاءِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَدِلَّةِ بِإِطْلَاقٍ، لَا مِنْ آحَادِهَا عَلَى الْخُصُوصِ. فَصْلٌ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ نَصٌّ مُعَيَّنٌ، وَكَانَ مُلَائِمًا لِتَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَمَأْخُوذًا مَعْنَاهُ مِنْ أَدِلَّتِهِ؛ فَهُوَ صَحِيحٌ يُبنى2 عَلَيْهِ، ويُرجع إِلَيْهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْأَصْلُ قَدْ صَارَ بِمَجْمُوعِ أَدِلَّتِهِ مَقْطُوعًا بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَدُلَّ عَلَى الْقَطْعِ بِالْحُكْمِ بِانْفِرَادِهَا دُونَ انْضِمَامِ غَيْرِهَا إِلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْمُتَعَذِّرِ3. وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا ضَرْبُ الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ4 الَّذِي اعتمده مالك

_ 1 ما بين المعقوفتين من "ط" فقط. 2 في الأصل: "ينبني". 3 في "م": "كالمنعذر" بالنون، ومثل ما مضى عند الغزالي في "المنخول" "ص364". 4 أي: المصالح المرسلة، وهي التي لم يشهد لها أصل شرعي من نص أو إجماع، لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، وذلك كجمع المصحف وكتابته؛ فإنه لم يدل عليه نص من قِبَل الشارع، ولذا توقف فيه أبو بكر وعمر أولا، حتى تحققوا من أنه مصلحة في الدين تدخل تحت مقاصد الشرع في ذلك، ومثله ترتيب الدواوين وتدوين العلوم الشرعية وغيرها؛ ففي مثل تدوين النحو مثلا لم يشهد له دليل خاص، ولكنه شهد له أصل كلي قطعي يلائم مقاصد الشرع وتصرفاته، بحيث يؤخذ حكم هذا الفرع منه، وأنه مطلوب شرعا وإن كان محتاجا إلى وسائط لإدراجه فيه "د".

وَالشَّافِعِيُّ1؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لِلْفَرْعِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ؛ فَقَدْ شَهِدَ لَهُ أَصْلٌ كُلِّيٌّ، وَالْأَصْلُ الْكُلِّيُّ إِذَا كَانَ قَطْعِيًّا قَدْ يُسَاوِي الْأَصْلَ الْمُعَيَّنَ, وَقَدْ يَرْبُو2 عَلَيْهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْأَصْلِ الْمُعَيَّنِ وَضَعْفِهِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَرْجُوحًا3 فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ, حُكْمَ سَائِرِ الْأُصُولِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُتَعَارِضَةِ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ، وَكَذَلِكَ أَصْلُ الِاسْتِحْسَانِ عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ، يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ يَرْجِعُ4 إِلَى [تَقْدِيمِ] 5 الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْقِيَاسِ6، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.

_ 1 قال الأبياري في "شرح البرهان" في الاستدلال بالمصالح: "هو عين ما ذهب إليه مالك، وقد رام إمام الحرمين التفريق بين المذهبين، وهو لا يجد إلى ذلك سبيلا؛ فالمصلحة المرسلة يتمسك بها كثير من الأئمة؛ إلا أن الإمام مالكا عمل بها في بناء الأحكام أكثر من غيره". "خ". 2 في جميع الأصول: "بربي". 3 في "م" و"خ": "موجودا". 4 بناء على بعض تفاسير الاستحسان، وسيأتي غير ذلك له في الجزء الرابع، وأنه يقدم على الظاهر وعلى القياس؛ فمالك يستحسن تخصيصه بالمصلحة، وأبو حنيفة يستحسن تخصيصه بخبر الواحد؛ فلذا نسبه هنا لمالك "د". 5 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 6 أي: الْأَخْذُ بِمَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ دَلِيلٍ كُلِّيٍّ، وذلك كبيع العرية بخرصها تمرا؛ فهو بيع رطب بيابس وفيه الغرر الممنوع بالدليل العام؛ إلا أنه أبيح رفعا لحرج المعرِي والمعرَى، ولو منع لأدى إلى منع العريّة رأسا وهو مفسدة، فلو اطرد الدليل العام فيه لأدى إلى هذه المفسدة؛ فيستثنى من العام، وسيأتي شرحه بإيضاح في المسألة العاشرة من كتاب الاجتهاد من الجزء الرابع، ومنه الاطلاع على العورات في التداوي أبيح على خلاف الدليل العام لأن اتباع العام في هذا يوجب مفسدة وضررا لا يتفق مع مقاصد الشريعة في مثله؛ فالاستحسان ينظر إلى لوازم الأدلة ويراعي =

فَإِنْ قِيلَ 1: الِاسْتِدْلَالُ بِالْأَصْلِ الْأَعَمِّ عَلَى الْفَرْعِ الْأَخَصِّ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْأَعَمَّ كُلِّيٌّ، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْمَفْرُوضَةُ جُزْئِيَّةٌ خَاصَّةٌ، وَالْأَعَمُّ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِالْأَخَصِّ؛ فَالشَّرْعُ وَإِنِ اعْتُبِرَ كُلِّيَّ الْمَصْلَحَةِ، مِنْ أَيْنَ يُعلم اعْتِبَارُهُ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَصْلَ الْكُلِّيَّ إِذَا انْتَظَمَ فِي الِاسْتِقْرَاءِ [يَكُونُ] 2 كُلِّيًّا جَارِيًا مَجْرَى الْعُمُومِ فِي الْأَفْرَادِ، [أَمَّا كَوْنُهُ كُلِّيًّا؛ فكما يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَجْرَى مَجْرَى الْعُمُومِ فِي الْأَفْرَادِ] 3؛ فَلِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ اقْتِضَاءِ وُقُوعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، وَمِنْ هُنَالِكَ اسْتُنْبِطَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا اسْتُنْبِطَ مِنْ أدلة الأمر والنهي والواقعين عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَهُوَ كُلِّيٌّ فِي تَعَلُّقِهِ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي الْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيِ لِلْجَمِيعِ.

_ = مآلاتها إلى أقصاها، فلو أدت في بعض الجزئيات إلى عكس المصلحة التي قصدها الشارع؛ حجز الدليل العام عنها، واستثنيت وفاقا لمقاصد الشرع، وفي الشرع من هذا كثير جدا في أكثر أبوابه، وهو وإن لم ينص على أصل الاستحسان بأدلة معينة خاصة؛ إلا أنه يلائم تصرفاته ومأخوذ معناه من موارد الأدلة التفصيلية*؛ فيكون أصلا شرعيا وكليا يُبنى عليه استنباط الأحكام "د". وكتب "خ" هنا ما نصه: "لعل في العبارة حذفا، وأصلها: "يرجع إلى تقدم أصل الاستدلال المرسل على القياس"، قال الأبياري: الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان، وحاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي". 1 هذا الاعتراض يتجه على كل من المصالح المرسلة والاستحسان؛ لأن كلا منهما استدلال بأصل كلي على فرع خاص، والفرق بينهما أن الثاني تخصيص لدليل بالمصلحة، والأول إنشاء دليل بالمصلحة على ما لم يرد فيه دليل خاص "د". 2 ساقط من الأصل، "وفي "ط": "انتظم الاستقراء جرى مجرى ... ". 3 سقط من الأصل.

لَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا اعْتِبَارُ كُلِّ مَصْلَحَةٍ مُوَافِقَةٍ لِمَقْصِدِ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالِفَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ الْمُوَافَقَةِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ إِنَّمَا اعْتُبِرَتْ مَصَالِحَ مِنْ حَيْثُ وَضَعَهَا الشَّارِعُ كَذَلِكَ, حَسْبَمَا هو مذكور فِي مَوْضِعِهِ1 مِنْ هَذَا الْكِتَابِ [بِحَوْلِ اللَّهِ] 2. فَصْلٌ وَقَدْ أَدَّى عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ وَمَا قَبْلَهُ إِلَى أَنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى أَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ3؛ إِذْ لَمْ يَجِدْ في آحاد الأدلة بانفرادها4 مَا يُفِيدُهُ الْقَطْعُ، فَأَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى مُخَالَفَةِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأُمَّةِ5 وَمَنْ بَعْدَهُ، وَمَالَ أَيْضًا بِقَوْمٍ آخَرِينَ إِلَى تَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ فِي الْأَخْذِ بِأُمُورٍ عَادِيَّةٍ، أَوِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ6، وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ أُخَرُ غَيْرُ الْإِجْمَاعِ عَرَضَ فِيهَا [هَذَا الْإِشْكَالَ فَادَّعَى فِيهَا] 7 أَنَّهَا ظَنِّيَّةٌ، وَهِيَ قَطْعِيَّةٌ بِحَسَبِ هَذَا التَّرْتِيبِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ وَاضِحٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

_ 1 في المسألة الثامنة من كتاب المقاصد "د". 2 من "ط" فقط. 3 انظر في هذا "مجموع فتاوى ابن تيمية" "19/ 267، 268، 270". 4 في "د": "بانفردها". 5 كذا في الأصول، ولعل صوابه: "الأئمة". 6 أي: إن عدم التفاتهم إلى التواتر المعنوي في حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" الذي استدل به الغزالي على حجية الإجماع، ونظرهم في الأحاديث الواردة نظرا إفراديا لكل حديث منها جعلهم يتركون الاستدلال بها على حجية الإجماع ويجنحون؛ إما إلى الاستدلال عليه بأمور عادية كالقرائن المشاهدة أوالمنقولة التي تدل عادة على اعتباره، وإما إلى الاستدلال عليه بالإجماع على القطع بتخطئة المخالف له، مع ما فيه من شبه المصادرة "راجع ابن الحاجب"، وبهذا البيان يعلم أن قوله في الأخذ إن لم يكن محرفا عن "والأخذ" أو "إلى الأخذ"؛ فهو بمعناه "د". 7 ساقط من "د"، وأثبته من الأصل و"خ" و"م".

المقدمة الرابعة

المقدمة الرابعة: كُلُّ مَسْأَلَةٍ مَرْسُومَةٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا فُرُوعٌ فِقْهِيَّةٌ، أَوْ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ، أَوْ لَا تَكُونُ عَوْنًا فِي ذَلِكَ1؛ فَوَضْعُهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَارِيَةٌ. وَالَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَمْ يَخْتَصَّ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الْفِقْهِ إِلَّا لِكَوْنِهِ مُفِيدًا لَهُ، وَمُحَقِّقًا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بِأَصْلٍ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ فَرْعٌ فِقْهِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِلَّا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَكُونَ سَائِرُ الْعُلُومِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ؛ كَعِلْمِ النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالِاشْتِقَاقِ, وَالتَّصْرِيفِ، وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانِ، وَالْعَدَدِ، وَالْمِسَاحَةِ، وَالْحَدِيثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا تَحْقِيقُ الْفِقْهِ2، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا مِنْ مَسَائِلِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَلَيْسَ [كُلُّ مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ الْفِقْهُ يُعد مِنْ أُصُولِهِ, وَإِنَّمَا اللَّازِمُ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ يُضاف إِلَى الْفِقْهِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِقْهٌ؛ فَلَيْسَ] 3 بِأَصْلٍ لَهُ.

_ 1 أي: بطريق مباشر لا بالوسائط كما هو الحال في الاستعانة على الاستنباط بالعلوم الآتية؛ فهو يريد أن المقدمات التي ذكرها في كتابه فيها العون المباشر الذي يجعلها من الأصول، بخلاف المقدمات البعيدة مثل ما سيذكره من المباحث بعد "د". 2 تحقيقه غير استنباطه، ولهذا الغرض لم يقل: مسائله، بل: "من مسائله" "د". 3 ما بين المعقوفتين سقط على ناسخ الأصل.

وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ عَنْ أُصُولِ الْفِقْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَدْخَلُوهَا فِيهَا؛ كَمَسْأَلَةِ ابْتِدَاءِ الْوَضْعِ1، وَمَسْأَلَةِ الْإِبَاحَةِ2 هَلْ هِيَ تَكْلِيفٌ أَمْ لَا، وَمَسْأَلَةِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ، وَمَسْأَلَةِ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ أَمْ لَا، وَمَسْأَلَةِ لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي3 أَنْ يُعد4 مِنْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، ثُمَّ البحث فيه في علمه وَإِنِ انْبَنَى عَلَيْهِ الْفِقْهُ؛ كَفُصُولٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّحْوِ، نَحْوَ مَعَانِي الْحُرُوفِ، وَتَقَاسِيمِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، وَالْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَعَلَى الْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَرَادِفِ، وَالْمُشْتَقِّ، وَشِبْهِ ذَلِكَ. غَيْرَ أَنَّهُ يُتَكَلَّمُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْعَرَبِيَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى مسألة هي عريقة

_ 1 أضف إليها مسألة الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة ولا مجازا، ونحو ذلك "د". 2 تكلم على المباح في خمس مسائل تأتي قريبا؛ فعليك أن تنظر فيها بضابطه في هذه المقدمة لتعرف الفرق بين البحث في كون الإباحة تكليفا أو لا، وبين تلك المسائل؛ حتى عد هذا خارجا عن الأصول وعد مباحثه الخمسة من الأصول. "د". 3 ذكر فيما قبل الكاف نوعا من المسائل التي لا يصح إدخالها في أصول الفقه، وجعل ضابطه كل مسألة لا ينبني عليها فقه، ومثل له بكثير من مبادئ الأحكام وبعض المبادئ اللغوية؛ كمسألة ابتداء الوضع، وهذا نوع آخر وهو ما ينبني عليه فقه، ولكنه ليس من مسائل الأصول، بل من مباحث علم آخر، وقد استوفى البحث فيه في علمه الخاص به، وذلك كمبادئ النحو واللغة، وبهذا البيان تعلم أن قوله: "ثم البحث فيه في علمه" جملة اسمية معطوفة على صلة ما، ولعل أصل النسخة: "وتم* البحث ... إلخ" بجملة فعلية من التام؛ فحُرِّفت إلى ما ترى. وبعد؛ فالمعروف أن مباحث النحو واللغة ذكرت في الأصول لا على أنها من مسائله، بل من مقدماته التي يتوقف عليها توقفا قريبا، نعم، كان ينبغي ألا يتوسعوا في بحثها وتحريرها كأنها مسائل من هذا العلم؛ لأنها محققة في علم آخر، ولعل هذا هو مراد المؤلف "د". 4 في الأصل: "لا يعد"، و"لا" ساقطة من جميع النسخ المطبوعة ومن "ط" و"ماء".

فِي الْأُصُولِ، وَهِيَ أَنَّ الْقُرْآنَ [الْكَرِيمَ لَيْسَ فيه من طرائق كلام الْعَجَمِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ] 1 عَرَبِيٌّ، وَالسُّنَّةُ عَرَبِيَّةٌ, لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفَاظٍ أَعْجَمِيَّةٍ فِي الْأَصْلِ أَوْ لَا يَشْتَمِلُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَرَبِيٌّ, بِحَيْثُ إِذَا حُقِّقَ هَذَا التَّحْقِيقَ سُلِكَ بِهِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَسْلَكَ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَقْرِيرِ مَعَانِيهَا وَمَنَازِعِهَا فِي أنواع مخاطباتها خاصة؛ فإن كثير مِنَ النَّاسِ يَأْخُذُونَ أَدِلَّةَ الْقُرْآنِ بِحَسَبِ مَا يُعْطِيهِ الْعَقْلُ فِيهَا، لَا بِحَسَبِ مَا يُفهم مِنْ طَرِيقِ الْوَضْعِ، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَخُرُوجٌ عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبَيَّنَةٌ2 فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. فَصْلٌ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يَنْبَنِي عَلَيْهَا فِقْهٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنَ الْخِلَافِ فِيهَا اخْتِلَافٌ3 فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ؛ فَوَضْعُ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِحَّةِ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ أَوْ إِبْطَالِهِ عَارِيَةٌ أَيْضًا، كَالْخِلَافِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْوَاجِبِ المخير4،

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "د"، وأثبته من الأصل و"خ" و"م"، وسيأتي بسط من المصنف لهذه المسألة في "2/ 101 وما بعد". 2 في المسألة الأولى من النوع الثاني في "المقاصد" "د". 3 في "د" و"خ" و"ط": "خلاف". 4 فالجمهور قالوا: الواجب واحد مبهم يتحقق في الخارج في أحد هذه المعينات التي خير بينها. وقال المعتزلة: بل الواجب الجميع, قال الإمام في البرهان: "إنهم معترفون بأن من ترك الجميع لا يأثم إثم تارك واجبات، ومن فعل الجميع لا يثاب ثواب واجبات؛ فلا فائدة في هذا الخلاف عمليا، بل هو نظري صرف، لا يبنى عليه تفرقة في العمل؛ فلا يصح الاشتغال بأدلته في علم الأصول" "د". وعلق "خ" في هذا الموطن بقوله: "ذهبت المعتزلة إلى أن الوجوب والتحريم يرجعان إلى =

وَالْمُحَرَّمِ الْمُخَيَّرِ1؛ فَإِنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مُوَافِقَةٌ لِلْأُخْرَى فِي نَفْسِ الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الِاعْتِقَادِ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مُحَرَّرٍ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وفي أصول الفقه له تقرير

_ = صفات الأعيان، ونفى الجمهور أن يكونا راجعين إلى ذات المحكوم أو إلى صفة ذاتية أو عرضية، ويقولون: إنما هما تعلق أمر الله أو نهيه بالمخاطبين, ومناط الوجوب عند المعتزلة في مثل خصال الكفارة الجميع على وجه البدل، ويرجع إلى القول بأن الواجب هو القدر المشترك المتحقق في الخصال الثلاث، ومذهب الأشاعرة والفقهاء أن مناط الوجوب واحد منها لا بعينه؛ فالواجب كل خصلة على تقدير أن لا تسبق بأخرى، وحاول بعض الأصوليين أن يجعل لهذا الخلاف أثرا في الفروع؛ فقال: إذا ترك من وجبت عليه الكفارة جميع الخصال وقلنا للإمام المطالبة بالكفارات؛ أجبر بمقتضى مذهب الجمهور على فعل واحدة منها بدون تعيين، أما على مذهب المعتزلة؛ فيصح جبره على واحد بعينه؛ لأن الواجب عندهم القدر المشترك وهو يتأدى بأي خصلة فعلت". وكتب ناسخ الأصل هنا ما نصه: "انظر هذا؛ فإن المسألة ذات أقوال أربعة: الأول لأهل السنة: إن الواجب واحد لا بعينه. والثاني للمعتزلة: إن الواجب هو الكل، ويسقط بواحد. والثالث لهم أيضا: إن الواجب معين عند الله تعالى، فإن فعل غيره؛ سقط. والرابع: وهو ما وقع التزاحم به بين أهل السنة والمعتزلة: إن الواجب هو ما يختاره المكلف. وبنوا على الأول: إنه إذا فعل الجميع أنه يثاب على أعلاها ثواب الواجب، وعلى العمل في ثواب المندوب من حيث إنها أحدها، وإذا ترك الجميع يعاقب على أدناها، وبنوا على الثاني أنه يُثاب ثواب من فعل واجبات، ويعاقب على تركها عقاب من ترك واجبات؛ فإن الخلاف جاوز الاعتقاد إلى غيره؛ تأمل". قلت: نقل إمام الحرمين في الهامش السابق عن المعتزلة يشوش على استدراك الناسخ على المصنف، فإن لم يصح عنهم النقل المذكور؛ فكلامه وجيه قوي؛ فتأمل. 1 قال الأولون: يجوز أن يُحرَّم واحد لا بعينه، ويكون معناه: أن عليه أن يترك أيها شاء، جمعا وبدلا؛ فلا يجمع بينها في الفعل، وقال المعتزلة: لا يجوز، بل المحرم الجميع، وترك واحد كاف في الامتثال، والأدلة من الطرفين والردود هي بعينها المذكورة في الواجب المخير، وإذن؛ فليس من فائدة عملية في هذا الخلاف أيضا، هذا ما يريده المؤلف، وهو واضح "د". وعلق "خ" في هذا الموطن بقوله: "جرى الخلاف في جوازه ووقوعه، والحق أنه لم يقع والمحرم في مسألة الأختين، إنما هو الجمع بينهما كما هو صريح قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ".

أَيْضًا، وَهُوَ: هَلِ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ أَوْ غَيْرُهُمَا راجعة إلى صفة الْأَعْيَانِ1، أَوْ إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ؟ وَكَمَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ2 عِنْدَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَرَضُوهَا مِمَّا لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي الْفِقْهِ. لَا يُقَالُ: إِنَّ مَا يَرْجِعُ الْخِلَافُ فِيهِ إِلَى الِاعْتِقَادِ [يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، وَأَيْضًا] 3 يَنْبَنِي عَلَيْهِ عِصْمَةُ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَالْحُكْمُ بِالْعَدَالَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْكُفْرِ إِلَى ما دونه، وأشباه ذلك، وهو مِنْ عِلْمِ الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا جَارٍ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِهِ؛ فَلْيَكُنْ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ ما تقدم.

_ 1 لعل صوابه الأفعال، وهي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين؛ فالمعتزلة القائلون بها يقولون: إن الأمر بواحد مُبهم غير مستقيم؛ لأنه مجهول، ويقبح العقل الأمر بالمجهول، والجمهور يقولون: إن الوجوب والتحريم بخطاب الشرع، ولا دخل للعقل فيه، ولا حسن ولا قُبح في الأفعال إلا بأمر الشارع ونهيه؛ فلا مانع من الأمر بواحد مبهم من أشياء معينة كخصال الكفارة، على أن له جهة تعيين بأنه أحد الأشياء المعينة؛ فهذا وجه بناء مسألة المخير على قاعدة التحسين "د". قلت: وفي النسخ المطبوعة جميعها: "صفات الأعيان" وما أثبتناه من الأصل و"ط". 2 راجع الأسنوي؛ فقد ذكر له فوائد عملية كثيرة، من تنفيذ عتقه، وطلاقه ... في نحو عشرة فروع خلافية، نعم، إنه قيد كلامه بقوله: "عند الفخر الرازي"، والرازي يقول: "لا فائدة في التكليف إلا تضعيف العذاب عليهم في الآخرة"، وعليه؛ فليس له عنده فائدة عملية فقهية، لكن بعد ظهور هذه الفروع، واطلاع المؤلف عليها بدليل تقييده بكلام الرازي؛ كان ينبغي للمؤلف حذف مسألة تكليف الكفار من بحثه هذا "د" وقال "خ" هنا: "بنى بعض الفقهاء على هذا الخلاف فروعا؛ منها: غرم من أتلف لهم خمرا أو خنزيرا، وإباحة وطء الكتابية لزوجها المسلم القادم من السفر في نهار رمضان". قلت: وكذا تقديم الطعام والشراب لهم في نهار رمضان، وغيرها. 3 ساقط من الأصل.

المقدمة الخامسة

المقدمة الخامسة: كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا عَمَلٌ؛ فَالْخَوْضُ فِيهَا خَوْضٌ فِيمَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَأَعْنِي بِالْعَمَلِ: عَمَلَ الْقَلْبِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ، مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ1 شَرْعًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّا رَأَيْنَا الشَّارِعَ يُعرض عَمَّا لَا يُفِيدُ عَمَلًا مُكَلَّفًا بِهِ2؛ فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] .

_ 1 المباح ليس مطلوبا شرعا كما يأتي له في بحثه؛ فقاعدته هذه تقتضي أن البحث الذي ينبني عليه استنباط المباح ومعرفة أن العمل الفلاني مباح؛ لا يكون مستحسنا شرعا، وهو غير ظاهر؛ فتقييده بالحيثية فيه خفاء "د". 2 أليس هذا من باب النظر في مصنوعات الله المؤدي إلى قوة الإيمان وزيادة البصيرة بكمالات الخالق -جل شأنه- امتثالا للآيات الطالبة من المكلفين النظر في السموات والأرض وما فيها؟ ولذا قالوا: إن الجواب بالآية عن السؤال من الأسلوب الحكيم، أي: إنه أليق بحال هذا السائل لمعنى عرفه -صلى الله عليه وسلم- فيه، وعليه؛ فلو أجابه -صلى الله عليه وسلم- بما يطلب؛ لكان فيه فائدة عملية قلبية، إلا أنه رأى الأليق بحاله توجيه فكره إلى ثمرة من ثمرات طريقة سير الهلال، بدل بيان نفس الطريقة التي لا يفهمها هو، وقد يعسر فهمها على كثير من العرب، ومثله لا يناسب منصب النبوة؛ فالعدول لحال السائل وأمثاله كما هو اللائق بمنصب النبوة، وإن كان الجواب المطابق للسؤال قد يؤدي إلى فائدة عملية قلبية؛ فتأمل "د".

فَوَقَعَ الْجَوَابُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَمَلُ؛ إِعْرَاضًا عَمَّا قَصَدَهُ السَّائِلُ مِنَ السُّؤَالِ عَنِ الْهِلَالِ: "لِمَ يَبْدُو فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ دَقِيقًا كَالْخَيْطِ، ثُمَّ يَمْتَلِئُ حَتَّى يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى حَالَتِهِ الْأُولَى؟ "1. ثُمَّ قَالَ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [الْبَقَرَةِ: 189] ، بِنَاءً عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ أَنَّ الْآيَةَ كُلَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ فِي التَّمْثِيلِ إِتْيَانٌ لِلْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا2، وَالْبِرُّ إِنَّمَا هُوَ التَّقْوَى،

_ 1 نقله المصنف عن الغزالي في "الإحياء"، وقال العراقي: "لم أقف له على إسناد". قلت: أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" "1/ ق 6"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" "3/ 269" من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به. وإسناده واه، فيه السدي والكلبي، وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" "1/ 490". وأخرج ابن جرير في "التفسير" "2/ 185-186"، وابن أبي حاتم في "التفسير" "1/ 133/ أ"، عن أبي العالية؛ قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت. فيه أبو جعفر الرازي وأبوه، وكلاهما ضعيف. وأخرج نحوه ابن جرير عن قتادة بسندٍ رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل. وانظر: "الفتح السماوي" "1/ 231-232" للمناوي، و"لباب النقول" "ص35" للسيوطي، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي "1/ 118-119"، وقال: "وهو عند الثعلبي كما ذكره المصنف"، وحكم عليه بأنه "غريب". 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب العمرة، باب قول الله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} ، 3/ 621/ رقم 1803، وكتاب التفسير، باب {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} ، 8/ 183/ رقم 4512" عن البراء -رضي الله عنه- قال: "نزلت هذه الآية فينا, كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قِبَل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها؛ فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبَل بابه، فكأنه عُيِّرَ بذلك؛ فنزلت: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} ". قال "خ": "ومتى ثبت سبب نزول الآية بسند صحيح؛ امتنع تأويلها على وجه التمثيل، وتعيَّن فهمُها على ما يطابق السبب حتما".

لَا الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُفِيدُ نَفْعًا فِي التَّكْلِيفِ، وَلَا تجرُّ إِلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ سُؤَالِهِمْ عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ؛ أَيْ: إِنَّ السُّؤَالَ عَنْ هَذَا سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْنِي؛ إِذْ يَكْفِي مِنْ عِلْمِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئل عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ السَّاعَةِ؛ قَالَ لِلسَّائِلِ: "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " 1؛ إِعْرَاضًا عَنْ صَرِيحِ سُؤَالِهِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ فَائِدَةٌ، وَلَمْ يُجبه عَمَّا سَأَلَ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 101] . نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ سَأَلَ: مَنْ أَبِي؟ رُوي أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَامَ يَوْمًا يُعرف الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ؛ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ ". فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذافة ". فَنَزَلَتْ2. وَفِي الْبَابِ3 رِوَايَاتٌ أُخر. وَقَالَ ابنُ عبَّاس فِي سُؤَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ صِفَاتِ الْبَقَرَةِ: "لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا؛ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"4، وهذا يبيِّن أن سؤالهم لم

_ 1 أخرجه البخار في "الصحيح" "كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله، 10/ 557/ رقم 6171"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، 4/ 2032-2033/ رقم 2639" من حديث أنس بن مالك, رضي الله عنه. 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال من تكلف ما لا يعنيه، 13/ 265/ رقم 7294"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب توقيره -صلى الله عليه وسلم- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، 4/ 1832/ رقم 2359" من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- وسيذكره المصنف "ص257-258" بأطول من هذا. 3 في "د" والأصل: "البابين". 4 أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" "1/ 215-216/ رقم 698"، وابن جرير في =

يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا1 عِنْدَ مَنْ رَوَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ2 فِيمَنْ سَأَلَ3: أحجُّنا هَذَا لعامنا أم للأبد؟ فقال عليه السلام:

_ = "التفسير" "1/ 338" بإسناد ضعيف. وأخرجه ابن جرير في "التفسير" أيضا -ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر" "2/ 168"- بإسناد صحيح عن ابن عباس بلفظ: "لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد عليهم". قال ابن كثير في "تفسيره" "1/ 114": "إسناده صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي ومجاهد وعكرمة وأبو العالية وغير واحد"، وأورده في كتابه "تحفة الطالب" "رقم 234" بإسناد ابن أبي حاتم الضعيف، وسكت عليه، وقال ابن حجر عقبه: "هذا موقوف صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عفان بن مسلم عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش، ورجاله كوفيون من رجال الصحيح". وورد مرفوعا ولكن من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" "1/ 111"، والبزار في "مسنده" "3/ 40/ رقم 2188- زوائده"، وابن أبي حاتم في "تفسيره" "1/ 223/ رقم 727". وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف، قاله الهيثمي في "المجمع" "6/ 314"، وقال ابن كثير: "وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة"، وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد"، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "1/ 189" للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر، وأخرجه سعيد بن منصور في "سننه" "رقم 193- ط المحققة" عن عكرمة يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ضعيف لإرساله. وانظر: "الدر المنثور" "1/ 190"، و"بحر العلوم" "1/ 384", و"تخريج الزيلعي لأحاديث الكشاف" "1/ 66". 1 آية: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ.. .} . 2 هذا البحث مستوفى في المسألة الثانية من أحكام السؤال والجواب في قسم الاجتهاد آخر الكتاب "د" قلت: انظره في "5/ 374-392". 3 سأل بعد نزول آية: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} كما يأتي للمؤلف "2/ 257".

"لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ" 1، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ" 2 الْحَدِيثَ، وَإِنَّمَا سُؤَالُهُمْ هُنَا زِيَادَةٌ3 لَا فَائِدَةَ عَمَلٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ سَكَتُوا لَمْ يَقِفُوا عَنْ عَمَلٍ، فَصَارَ السُّؤَالُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَمِنْ هُنَا نَهَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: "عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ" 4؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُفِيدُ، وقد سأله جبريل عن الساعة؛ فقال:

_ 1 هذه الجملة ملفقة من حديثين في قصتين مختلفتين كما يُفهم من الأسلوب العربي، وكما يعلم من مراجعة "صحيح مسلم" في "باب حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي باب فرض الحج مرة"، والأصل أنه لما فُرض الحج؛ قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. ثم قال: "ذروني ما تركتكم، لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ... " إلخ، والسائل هنا هو الأقرع بن حابس، وهذه القصة هي المناسبة للمقام "د". قلت: وسيأتي تخريج ذلك "ص257". "أما الحديث الآخر؛ ففي صفة متعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحج قال سُراقة بن مالك: أرأيت مُتعتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال: "بل هي للأبد" "د". قلت: سيأتي تخريجه "ص275". 2 سيأتي عند المصنف "ص256" بلفظه، ولكن فيه "بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" مع تتمة له، وهو في "الصحيحين" وغيرهما. 3 فقد سأل بعدما أخذ من العلوم حاجته؛ لأن ظاهر الآية الإطلاق، وهو أن حجهم لا يجب إلا مرة في العمر، والآية تنزل على هذا الوجه، بمعنى أن الإجابة على الأسئلة الكثيرة مظنة الإساءة بزيادة تكليف لم يكن، أو بجواب يكرهه السائل، ولو في غير التكليف، وإن كان ليس في خصوص سببها هنا ما يكرهون؛ لأن الجواب بما فيه يُسْر، وهو أن الحج واجب مرة فقط "د". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، 13/ 264/ رقم 7292" أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية: "إنه -أي: النبي, صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

"مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ" 1؛ فَأَخْبَرَهُ أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْم، وَذَلِكَ يبيِّن أَنَّ السُّؤَالَ عَنْهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ2 تَكْلِيفٌ، وَلَمَّا كَانَ يَنْبَنِي عَلَى ظُهُورِ أَمَارَاتِهَا الحذرُ مِنْهَا وَمِنَ الْوُقُوعِ فِي الْأَفْعَالِ3 الَّتِي هِيَ مِنْ أَمَارَاتِهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ عِنْدَهَا؛ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ بِتَعْرِيفِهِ عُمر أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُمْ لِيُعَلِّمَهُمْ دِينَهُمْ؛ فَصَحَّ إِذًا أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمْ فِي فَصْلِ السُّؤَالِ عَنِ السَّاعَةِ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهِ "أَعْنِي: علْم زَمَانِ إِتْيَانِهَا"؛ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ وَفَائِدَةِ سُؤَالِهِ لَهُ عَنْهَا. وَقَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرما: مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحرم فحُرِّم مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" 4، وَهُوَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُحرم؛ فَمَا فَائِدَةُ السؤال عنه

_ 1 قطعة من حديث جبريل الطويل، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان، 1/ 114/ رقم 50"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ... 1/ 39-40/ رقم 9" من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه. 2 وإلا لعلمه -صلى الله عليه وسلم- وإذا كان هو لا يعنيه علمها وهو المعني بالعلم والمعارف الربانية, فغيره أولى. "د". 3 كما ينبه عليه حديث الترمذي مجملا: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم ... " إلخ إلى أن قال: "يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا ". "د". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، 13/ 264/ رقم 7289"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب توقيره -صلى الله عليه وسلم- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، 4/ 1831/ رقم 2358" من حديث سعد بن أبي وقاص, رضي الله عنه. قال "خ": "الحكمة من مثل هذا الإنذار تأكيد النهي عن إلقاء الأسئلة في وقت غير لائق من غير أن تدعو إليها حاجة، وتحريم الشيء عقوبة وتأديبا وقع في بعض الشرائع الماضية، كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] ، ولكن لم يقع في الشريعة الإسلامية بحال".

بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَلِ؟ وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] ، وَقَالَ: "هَذِهِ الْفَاكِهَةُ؛ فَمَا الْأَبُّ؟ "1، ثُمَّ قَالَ: "نُهينا عَنِ التَّكَلُّفِ"2. وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الآية [الْإِسْرَاءِ: 85] . وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُجابوا، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُحتاج إِلَيْهِ في

_ 1 أي: إنه لفت نظرهم أولا إلى أن هنا شيئا مجهولا ليبني عليه هذه الفائدة العلمية. "د". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، 13/ 264-265" بسنده إلى أنس؛ قال: "كنا عند عمر؛ فقال: "نهينا عن التكلف"". وأخرج الإسماعيلي وأبو نعيم في "مستخرجيهما"، وعبد بن حميد في "التفسير" -كما في "فتح الباري" "13/ 271"، وأورد ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 372" إسناد عبد بن حميد- وعبد الرزاق في "التفسير" "2/ 348"، وسعيد بن منصور في "سننه" "1/ 181/ رقم 43"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "3/ 327"، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" "رقم 825، 227- ط غاوجي"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 512-513"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 514"، والبيهقي في "الشعب" "5/ 229-230/ رقم 2084"، وابن جرير في "التفسير" "30/ 59"، والهروي في "ذم الكلام" "ص133" من طرق عن عمر بعضها صحيح نحو ما عند المصنف من ذكر الأب. وعزاه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "4/ 159" للثعلبي وابن مردويه والطبراني في "مسند الشاميين". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 372": "وهذا محمول على أنه إنما أراد استكشاف علم كيفية الأب، وإلا؛ فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل"، وقاله ابن كثير في "تفسيره" أيضا. قلت: ويستشكل هذا بما أخرجه الحاكم -مختصرا- في كتاب الصوم في "المستدرك" عن عمر بن الخطاب؛ أنه سأل ابن عباس عن الأب؛ فقال: هو نبت الأرض مما يأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس، وقال: "صحيح على شرط مسلم".

التَّكْلِيفِ. وَرُوِيَ1 أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ملُّوا مَلَّة، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَدِّثْنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الْآيَةَ] [الزُّمَرِ: 23] . وَهُوَ كَالنَّصِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِيمَا سَأَلُوا، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي السُّؤَالُ إِلَّا فِيمَا يُفِيدُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ، ثُمَّ ملُّوا ملَّة، فَقَالُوا: حدِّثنا حَدِيثًا فَوْقَ الْحَدِيثِ وَدُونَ الْقُرْآنِ؛ فَنَزَلَتْ سُورَةُ يُوسُفَ2.

_ 1 هو قطعة من الحديث الآتي. 2 أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" "ص22/ رقم 13" -ثنا حجاج- وأبو نعيم في "الحلية" "4/ 248" من طريق وكيع بن الجراح، كلاهما عن المسعودي عن عون بن عبد الله به. وسماع وكيع من المسعودي -وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- بالكوفة قديم، قبل الاختلاط، بخلاف سماع حجاج بن محمد الأعور، نص على ذينك الإمام أحمد؛ كما في "الكواكب النيرات" "ص288، 293". إلا أن عون بن عبد الله روايته عن الصحابة مرسلة فيما قيل؛ كما في "تهذيب الكمال" "22/ 454"؛ فكيف روايته سبب النزول؛ فهو مرسل، بل معضل بلا شك، وقد ذكره الواحدي في "أسباب النزول" "ص182-183" من غير سند. وقد أخرج ابن جرير في "التفسير" "23/ 211" بسند ضعيف عن ابن عباس؛ قال: قالوا: يا رسول الله! لو حدثتنا؟ قال: فنزلت: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} . وأخرج إسحاق بن راهويه في "المسند" -وكما في "المطالب العالية" "3/ 343، ق 136/ ب-المسندة"- ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" "2/ 345"، وابن حبان في "الصحيح" "14/ 92/ رقم 6209- الإحسان"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص182-183"، أخبرنا عمرو بن محمد القرشي ثنا خلاد الصفار عن عمرو بن قيس الملائي عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن أبيه؛ قال: أنزل القرآن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتلا عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله! لو قصصت علينا؟ فأنزل الله: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ... } إلى قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} [يوسف: 1-3] ؛ فتلاها عليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زمانا، فقالوا: يا رسول =

انْظُرِ الْحَدِيثَ فِي "فَضَائِلِ الْقُرْآنِ" لِأَبِي عُبيد. وَتَأَمَّلْ خَبَرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ صَبِيغٍ فِي سُؤَالِهِ النَّاسَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكم تَكْلِيفِيٌّ، وَتَأْدِيبَ عُمَرَ [رضي الله عنه] له1.

_ = الله! لو حدثتنا؟ فأنزل الله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الْآيَةَ [الزمر: 23] كل ذلك يؤمرون بالقرآن. قال خلاد: وزاد فيه حين قالوا: يا رسول الله! ذكِّرنا. فأنزل الله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] . وأخرجه بنحوه ابن جرير في "التفسير" "12/ 90" مختصرا من طريق محمد بن سعيد العطار، وأبو يعلى في "المسند" "رقم 740" عن الحسين بن عمرو العنقري، والبزار في "المسند" "رقم 86- مسند سعد، و3/ 352-353/ رقم 1153" عن الحسين بن عمرو والحسين بن الأسود وإسماعيل بن حفص، جميعهم عن عمرو بن محمد به. وأخرجه ابن أبي عاصم في "المُذَكِّر والتذكير" "رقم 24" ثنا حسين بن الأسود به. قال البزار عقبه: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد [إلا] بهذا الإسناد، ولا نعلم رواه عن سعد إلا مصعب، ولا عن مصعب إلا عمرو بن مرة، ولا عن عمرو بن مرة إلا عمرو بن قيس، ولا عن عمرو بن قيس إلا خلاد بن مسلم". قلت: إسناده جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير خلاد، وهو ثقة، وثقه ابن معين في رواية الدوري، وقال في رواية عثمان بن سعيد الدارمي: "لا بأس به", وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: "حديثه مقارب". وأعلَّه الهيثمي في "المجمع" "10/ 219" بالحسين بن عمرو، وقال عنه: "وثقه ابن حبان، وضعّفه غيره، وبقية رجاله ثقات". والحسين بن عمرو توبع؛ كما يظهر لك من التخريج السابق. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "4/ 496" لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في "المطالب": "هذا حديث حسن". 1 أخرج ذلك ابن أبي شيبة في "المصنف" "11/ 426"، والدارمي في "السنن" "1/ =

وَقَدْ سَأَلَ ابنُ الكوَّاء عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا ... } [الذَّارِيَاتِ: 1-2] إِلَخْ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: "وَيْلَكَ، سَل تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا". ثُمَّ أَجَابَهُ؛ فَقَالَ لَهُ ابنُ الكوَّاء: أَفَرَأَيْتَ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ؟ فَقَالَ: "أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمْيَاءَ". ثُمَّ أَجَابَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ1، وَفِي الْحَدِيثِ طُول.

_ = 55-56"، والخلال -كما قال أبو يعلى في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" "ق 122-123"- وابن بطة في "الإبانة" "رقم 329، 330، 332، 333، 789"، وابن عساكر في "تاريخه" "ترجمة صبيغ"، وهو صحيح. وأخرجها البزار في "البحر الزخار" "1/ 423-424/ رقم 299"، والدارقطني في "الأفراد" "ق 20/ ب-أطراف الغرائب" مرفوعا، وفيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك. قال ابن كثير في "مسند الفاروق" "2/ 606" بعد عزوه للبزار: "قلت: المستغرب من هذا السياق رفع هذا التفسير إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلا؛ فقصة صبيغ بن عسل التميمي مع عمر مشهورة وكأنه -والله أعلم- إنما ضربه لما ظهر له من حاله أن سؤاله سؤال استشكال، لا سؤال استرشاد واستدلال، كما قد يفعله كثير من المتفلسفة الجهال، والمبتدعة الضلال؛ فنسأل الله العافية في هذه الحياة الدنيا وفي المآل". وانظر: "مجمع الزوائد" "7/ 112-113"، و"تفسير ابن كثير "4/ 231-232" و"الاعتصام" "1/ 80، و2/ 53-54" للمصنف. 1 أخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "2/ 241"، وابن جرير في "التفسير" "26/ 115-117"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 466-467"، والفريابي وسعيد بن منصور والحارث بن أبي أسامة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في "المصاحف" -كما في "الدر المنثور" "6/ 111"- وابن عبد البر في "الجامع" "1/ 464/ رقم 726-ط الجديدة"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 334"، والآجري في "أخلاق العلماء" "ص126-ط المغرب" من طرق عن علي -رضي الله عنه- وبعضها إسناده صحيح. وانظر: "مسند الشاشي" "2/ 96/ رقم 620"، و"الاعتصام" للمصنف "1/ 65-66"؛ فقد أطال في ذكر الروايات التي فيها إنكار علي -رضي الله عنه- على هذا المبتدع.

وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَكْرَهُ الْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ، وَيَحْكِي كَرَاهِيَّتَهُ عمَّن تقدَّم1. وَبَيَانُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: - مِنْهَا: أَنَّهُ شُغْلٌ عَمَّا يَعْنِي مِنْ أَمْرِ التَّكْلِيفِ الَّذِي طُوِّقَه المكلَّف بِمَا لَا يَعْنِي، إِذْ لَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ فَائِدَةٌ؛ لَا فِي الدُّنْيَا، وَلَا فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّهُ2 يُسأل عَمَّا أُمر بِهِ أَوْ نُهي عَنْهُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ عِلْمَهُ بِمَا عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَزِيدُهُ فِي تَدْبِيرِ رِزْقِهِ وَلَا يَنْقُصُهُ، وَأَمَّا اللَّذَّةُ الحاصلة منه فِي الْحَالِ؛ فَلَا تَفِي مَشَقَّةَ اكْتِسَابِهَا وتعبُ طَلَبِهَا بِلَذَّةِ حُصُولِهَا، وَإِنْ فُرض أَنَّ فِيهِ فَائِدَةً فِي الدُّنْيَا؛ فَمِنْ شَرْطِ كَوْنِهَا فَائِدَةً شَهَادَةُ الشَّرْعِ لَهَا بِذَلِكَ، وَكَمْ مِنْ لَذَّةٍ وَفَائِدَةٍ يَعُدُّهَا الْإِنْسَانُ كَذَلِكَ وَلَيْسَتْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ إِلَّا عَلَى الضِّدِّ؛ كَالزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الْفِسْقِ، وَالْمَعَاصِي الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ عَاجِلٌ، فَإِذًا قَطَعَ الزَّمَانَ فِيمَا لَا يَجْنِي ثَمَرَةً فِي الدَّارَيْنِ، مَعَ تَعْطِيلِ مَا يجني الثمرة من فعل ما لا يَنْبَغِي. - وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْعَ3 قَدْ جَاءَ بِبَيَانِ مَا تَصْلُحُ بِهِ أَحْوَالُ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ قَدْ يُظن أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ فِي التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعُلُومِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا ثَمَرَةٌ تَكْلِيفِيَّةٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْفِتْنَةُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيَثُورُ بَيْنَهُمُ الْخِلَافُ وَالنِّزَاعُ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ والتعصُّب، حَتَّى تَفَرَّقُوا شِيَعًا4، وَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ خَرَجُوا عَنِ السُّنَّةِ، ولم يكن أصل التفرق5 إلا بهذا

_ 1 انظر: "2/ 142-143، 5/ 332". 2 في "م" و"خ" و"ط" زيادة: "إنما". 3 في "ط": "الشارع". 4 وذلك كاختلافهم في نجاة أبويه -صلى الله عليه وسلم- فإنه طالما شقي به الناس فرقة وتدابرا. "د". قلت: وكذلك مسألة عصمة نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- من الزنا؛ هل هي قدرية أم شرعية؟ فإنها وقع بسببها خلاف وهجر بين بعض فضلاء علماء عصرنا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ العظيم 5 في "ط": "الفِرَق".

السَّبَبِ، حَيْثُ تَرَكُوا الِاقْتِصَارَ مِنَ الْعِلْمِ عَلَى مَا يَعْنِي، وَخَرَجُوا إِلَى مَا لَا يَعْنِي؛ فَذَلِكَ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَالْعَالِمِ، وَإِعْرَاضُ الشَّارِعِ -مَعَ حُصُولِ السُّؤَالِ- عَنِ الْجَوَابِ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ مِثْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ فِتْنَةٌ أَوْ تَعْطِيلٌ لِلزَّمَانِ فِي غَيْرِ تَحْصِيلٍ. - وَمِنْهَا: أَنَّ تَتَبُّعَ النَّظَرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وتطلب عمله مِنْ شَأْنِ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يَتَبَرَّأُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ1، وَلَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ إِلَّا بِتَعَلُّقِهِمْ بِمَا يُخالف السُّنَّةَ؛ فَاتِّبَاعُهُمْ فِي نِحْلَةٍ هَذَا شَأْنُهَا خَطَأٌ عَظِيمٌ، وَانْحِرَافٌ عَنِ الجادَّة. وَوُجُوهُ عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ كَثِيرَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْعِلْمُ مَحْبُوبٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَمَطْلُوبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ جَاءَ الطَّلَبُ فِيهِ عَلَى صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، فَتَنْتَظِمُ صِيَغه كُلَّ عِلْمٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَمَلٌ، وَمَا لَا يتعلَّق بِهِ عَمَلٌ؛ فَتَخْصِيصُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالِاسْتِحْسَانِ دُونَ الْآخَرِ تَحَكُّمٌ2، وَأَيْضًا؛ فَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ تَعَلُّمَ كُلِّ عِلْمٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالسِّحْرِ وَالطَّلْسَمَاتِ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعُلُومِ الْبَعِيدَةِ الْغَرَضِ عَنِ الْعَمَلِ3، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ؛ كَالْحِسَابِ، وَالْهَنْدَسَةِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا؛

_ 1 يتبرأ الإسلام من الفلسفة المتولدة من أوهام وظنون، لا يشهد لها حس أو تجربة صحيحة أو برهان، وأما ما يقوم منها على نظر صادق؛ فيأذن بتعلمه ولا سيما حيث يكون له مدخل في تنظيم شئون الحياة وترقية وسائل العمران. "خ". 2 قلت: أي: قول بالتشهي والهوى. 3 السحر والطلسمات من العلوم المحرمة، قال الذهبي في رسالته "مسائل في طلب العلم وأقسامه" "ص214-215- ضمن ست رسائل": "من العلوم المحرمة علم السحر والكيمياء والطيرة والسيمياء والشعبذة والتنجيم والرَّمل، وبعضها كفر صراح". وانظر, غير مأمور: كتابنا "كتب حذر العلماء منها" "المجموعة الأولى، 1/ 99"؛ فقد أتينا على نقل كثير من النقول على حرمة تعلم السحر والطلسمات، وذكرنا فيه أشهر كتبه الرائجة، ليحذر منها المتقي ربه -عز وجل- والله الهادي.

فَعِلْمُ التَّفْسِيرِ مِنْ جُملة الْعُلُومِ الْمَطْلُوبَةِ، وَقَدْ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَتَأَمَّلْ حِكَايَةَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ1: أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ مَرَّ بِيَهُودِيٍّ وَبَيْنَ يَدَيْهِ مُسْلِمٌ يَقْرَأُ عَلَيْهِ عِلْمَ هَيْئَةِ الْعَالَمِ، فَسَأَلَ الْيَهُودِيَّ عَمَّا يَقْرَأُ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ: أَنَا أُفَسِّرُ لَهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَسَأَلَهُ مَا هِيَ؟ وَهُوَ مُتَعَجِّبٌ، فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6] . قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَأَنَا أُبيِّن لَهُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا وَتَزْيِينِهَا. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الْعَالِمُ مِنْهُ. هَذَا مَعْنَى الْحِكَايَةِ لَا لَفْظُهَا. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَعْرَافِ: 185] يَشْمَلُ كُلَّ عِلْمٍ ظَهَرَ فِي الْوُجُودِ، مِنْ مَعْقُولٍ أَوْ مَنْقُولٍ، مُكْتسب أَوْ مَوْهُوبٍ، وَأَشْبَاهَهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَيَزْعُمُ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْفَلْسَفَةِ إِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ فِي الْمَوْجُودَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، مِنْ حَيْثُ تَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا، وَمَعْلُومٌ طَلَبُ النَّظَرِ فِي الدَّلَائِلِ وَالْمَخْلُوقَاتِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الِاسْتِحْسَانِ فِي كُلِّ عِلْمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: إِنَّ عُمُومَ الطَّلَبِ مَخْصُوصٌ، وَإِطْلَاقَهُ مُقَيَّدٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَالَّذِي يوضحه أمران: أحدهما: بأن السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ لَمْ يَخُوضُوا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا عَمَلٌ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ، بَلْ قَدْ عَدَّ عُمَرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي نُهي

_ 1 لم يذكرها في "تفسيره" عند الآية المذكورة "28/ 133".

عَنْهُ1، وَتَأْدِيبُهُ صَبِيغًا ظَاهِرٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنكر عَلَيْهِ2، وَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَخُض فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لنُقل، لَكِنَّهُ لَمْ يُنقل؛ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ. وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لِأُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وَهَكَذَا" 3 إِلَى نَظَائِرِ ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ هُنَالِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَعَنِ الثَّانِي: إِنَّا لَا نُسلِّم ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ رَدُّ4 كُلِّ فَاسِدٍ وَإِبْطَالُهُ، عُلم ذَلِكَ الْفَاسِدُ أَوْ جُهل؛ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ أَنَّهُ فَاسِدٌ، والشرعُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ. وَالْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَعْلَمْ علم

_ 1 مضى تخريجه "ص49". 2 مضى تخريجه "ص51-52". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "لا نكتب ولا نحسب" "4/ 126/ رقم 1913"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، 2/ 761/ رقم 1080 بعد 15"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصوم، باب الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة فيه, 7/ 139-140" من حديث ابن عمر بلفظ: "إنا أمة أمية ... " وتقديم "نكتب" على "نحسب". وأخرجه أحمد في "المسند" "2/ 122" من حديثه بلفظ: "نحن أمة أميون ... ". وعلّق "خ" هنا: "وصف عليه -الصلاة والسلام- العرب بأنها أمة أمية لقلة العارفين منها بالكتابة، وإنما ذكر هذا الوصف ليكون كالعلة لتعليق حكم الصيام على رؤية الهلال دون الحساب، ولم يأت به في مساق الفخر حتى يفهم منه مدح الأمية والترغيب في البقاء عليها، بل القرآن وصفهم بالأميين ونبه على أن الرسول -عليه السلام- بعث فيهم ليخرجهم من طور الأمية ويرتقي بهم إلى صفوف الذين أوتوا العلم والحكمة؛ فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] ". 4 في "ط": "فيه رد".

السِّحْرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ السَّحَرَةُ، مَعَ أَنَّهُ بَطَلَ عَلَى يَدَيْهِ بِأَمْرٍ هُوَ أَقْوَى مِنَ السِّحْرِ، وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ وَلِذَلِكَ لَمَّا سَحَرُوا أعْين النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ؛ خَافَ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَخَفْ، كَمَا لَمْ يَخَفِ الْعَالِمُونَ بِهِ، وَهُمُ السحرة؛ فقال الله له: {قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68] . ثُمَّ قَالَ: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] . وَهَذَا تَعْرِيفٌ1 بَعْدَ التَّنْكِيرِ, وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يُعرَّف بِهِ، وَالَّذِي كَانَ يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِذَا حَصَلَ الْإِبْطَالُ وَالرَّدُّ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ، وَلَوْ بِخَارِقَةٍ عَلَى يَدِ وَلِيٍّ لِلَّهِ، أَوْ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ نَاشِئٍ عَنْ فُرْقَانِ التَّقْوَى؛ فَهُوَ الْمُرَادُ، فَلَمْ يتعيَّن إِذًا طلبُ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الْعُلُومِ مِنَ الشَّرْعِ. وَعَنِ الثَّالِثِ: إِنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مطلوبٌ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمُرَادِ مِنَ الْخِطَابِ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَعْلُومًا؛ فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَكَلُّفٌ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] ، تَوَقَّفَ فِي مَعْنَى الْأَبِّ2، وَهُوَ مَعْنًى إِفْرَادِيٌّ لَا يَقْدَحُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ فِي عِلْمِ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ فِي الْآيَةِ؛ إِذْ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ حَيْثُ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ طَعَامِ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَصْنَافًا كَثِيرَةً مِمَّا هُوَ مِنْ طَعَامِ الْإِنْسَانِ مُبَاشَرَةً؛ كَالْحَبِّ3، وَالْعِنَبِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالنَّخْلِ، وَمِمَّا هُوَ مِنْ طَعَامِهِ بِوَاسِطَةٍ، مِمَّا هُوَ مَرْعًى لِلْأَنْعَامِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَبَقِيَ التَّفْصِيلُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ تلك الأفراد فضلا؛

_ 1 أي: قوله: "إنما صنعوا ... إلخ" تعريف لموسى بأن هذا سحر وصاحبه لا يفلح، بعد تنكير وعدم معرفة من موسى -عليه السلام- بذلك. "د". 2 مضى تخريجه "ص49". 3 في الأصل: "كالحب مباشرة والعنب".

فَلَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ عُدَّ الْبَحْثُ عَنْ مَعْنَى الْأَبِّ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَإِلَّا؛ فَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ فَهْمُ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيِّ مِنْ جِهَتِهِ لَمَا كَانَ مِنَ التَّكَلُّفِ، بَلْ مِنَ الْمَطْلُوبِ عِلْمُهُ لِقَوْلِهِ: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّاسُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنْ مَعْنَى التَّخَوُّفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النَّحْلِ: 47] ؛ فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الهُذلي بِأَنَّ التخوُّف فِي لُغَتِهِمُ التَّنَقُّصُ، وَأَنْشَدَهُ شَاهِدًا عَلَيْهِ: تخوَّف الرَّحْل مِنْهَا تامِكا قَرِدا ... كَمَا تخوَّف عودُ النَّبْعَةِ السَّفَنُ فَقَالَ عُمَرُ: "يَا أَيُّهَا1 النَّاسُ! تَمَسَّكُوا بِدِيوَانِ شِعْرِكُمْ في جاهليتكم؛ فإن فيه تفسير كتابكم"2.

_ 1 في "م": "أيها". 2 قال المناوي في "الفتح السماوي" "2/ 755/ رقم 642": "لم أقف عليه", وقال ابن همات في كتابه "تحفة الراوي في تخريج أحاديث تفسير البيضاوي" "ق 194/ ب": "قال السيوطي: لا يحضرني الآن تخريجه، لكن أخرج ابن جرير [في "التفسير" "14/ 113"] عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية...." وذكر نحوه. قلت: إسناد ابن جرير ضعيف، فيه رجل لم يسم عن عمر، وفيه سفيان بن وكيع ضعيف، وذكره القرطبي في "التفسير" "10/ 110" عن سعيد بن المسيب نحوه. وقال ابن حجر في "الفتح" "8/ 386": "وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر؛ أنه سأل عن ذلك, فلم يجب، فقال عمر: ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله. قال: فخرج فلقي أعرابيا؛ فقال: ما فعل فلان؟ قال: تخوفته -أي: تنقصته- فرجع؛ فأخبر عمر فأعجبه"، ثم قال: "وفي شعر أبي كبير الهذلي ما يشهد له". وورد نحوه عن ابن عباس فيما أخرجه الحاكم "2/ 499"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص345"، وابن الأنباري في "الوقف"؛ كما في "المزهر" "2/ 302"، وابن أبي حاتم وابن المنذر وعبد بن حميد؛ كما في "الدر" "6/ 254". قلت: ويشير ابن حجر في مقولته السابقة إلى البيت المذكور، وقد عزاه الجوهري في "الصحاح" "مادة: خوف، 4/ 1359" لذي الرمة، وفيه: "ظهر النبعة"، وعزاه ابن منظور في "لسان =

وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ فِي مَحَافِلِ النَّاسِ عَنْ مَعْنَى: {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} [الْمُرْسَلَاتِ: 1] ، {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} [النَّازِعَاتِ: 3] مِمَّا يُشوش عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ عَمَلٍ عَلَيْهِ، أدَّب عُمَرُ صَبِيغًا بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ1. فَإِذًا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} الْآيَةَ [ق: 6] بِعِلْمِ الْهَيْئَةِ الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ عَمَلٌ؛ غَيْرُ سائغ؛ ولأن ذلك من قبيل ما لا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهَا وَعَلَى مَعْهُودِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى مَشْرُوحٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بِحَوْلِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُعزى إِلَى الشَّرِيعَةِ لَا يُؤَدِّي فَائِدَةَ عَمَلٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ؛ فَقَدْ تَكَلَّفَ أَهْلُ الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ وَغَيْرِهَا الِاحْتِجَاجَ عَلَى صِحَّةِ الْأَخْذِ فِي عُلُومِهِمْ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا استدل

_ = العرب" "مادة خوف، 9/ 101" لابن مقبل، ونسبه الأصفهاني في "الأغاني" -كما قال الزبيدي في "تاج العروس"- لابن مزاحم الثمالي، ونسبه الآلوسي في "تفسيره" "14/ 152" والبيضاوي في "تفسيره" "357" وغيرهما لأبي كبير الهذلي، ووقع في بعض المصادر: "تخوف السير". ومعنى "تامكا" -بالمثناة الفوقية، اسم فاعل- من "تمك السنام يتمك تمكا"؛ أي: طال وارتفع، فهو تامك؛ أي: سنام مرتفع، وقوله "قردا" -بفتح القاف، وكسر الراء- أي: متراكما أو مرتفعا، و"النبعة" -بضم النون وفتحها-: واحد "النبع"، وهو شجر يتخذ منه القسي، و"السَّفَن" -بفتح السين والفاء-: ما ينحت به الشيء كالمبرد، وهو فاعل "تخوف"، ومفعوله "عود" أو "ظهر"، ومعنى البيت: إن رحل ناقته أثر في سنمهم المتراكم -أوالمرتفع- وتنقص كما ينقص المبرد عود النبعة، أفاده ابن همات. وقال "خ" في هذا الموطن: "اختلف علماء اللغة في قائل هذا البيت؛ فنسبوه إلى زهير وذي الرمة وابن مزاحم الثمالي وعبد الله بن عجلان النهدي؛ كما اختلفت الرواية في بعض ألفاظه؛ فروى لفظ "السير" بدل "الرحل"، و"ظهر" بدل "عود"، والبيت وارد في وصف ناقة أضناها السير، والتامك المرتفع والمراد به السنام، والقرد المتلبد بعضه على بعض، والسفن الحديدة التي تبرد بها القسي". 1 مضى تخريجه "ص51-52".

أَهْلُ الْعَدَدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 113] . وَأَهْلُ [النِّسَبِ الْعَدَدِيَّةِ أَوِ الْهَنْدَسِيَّةِ] 1 بِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ..... مِائَتَيْنِ} [الْأَنْفَالِ: 65] إِلَى آخَرِ الْآيَتَيْنِ. وَأَهْلُ الْكِيمِيَاءِ بِقَوْلِهِ, عَزَّ وَجَلَّ] : {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الآية [العدد: 17] . وَأَهْلُ التَّعْدِيلِ النُّجُومِيِّ بِقَوْلِهِ: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرَّحْمَنِ: 5] . وَأَهْلُ الْمَنْطِقِ فِي أَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةِ جُزْئِيَّةٌ مُوجَبَةٌ بِقَوْلِهِ: {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} [الْآيَةَ] [الْأَنْعَامِ: 91] . وَعَلَى بَعْضِ الضُّرُوبِ الْحَمْلِيَّةِ وَالشُّرْطِيَّةِ بِأَشْيَاءَ أُخر. وَأَهْلُ خَطِّ الرَّمْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الْأَحْقَافِ: 4] ، وَقَوْلِهِ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ فِي الرَّمْلِ"2 إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مسطور

_ 1 المثبت من "ط" -وكذا ما بين المعقوفتين فيما سيأتي- فقط، وبدله في سائر النسخ: "الهندسة". 2 رواه عن معاوية بن الحكم السلمي اثنان، ضمن حديث طويل جليل في باب الصفات، في بعض طرقه ذكر بالسؤال "أين الله؟ " وإجابة الجارية "في السماء"، وفيه اللفظ المذكو عند المصنف، على النحو التالي: أولا: عطاء بن يسار، وعنه هلال بن أبي ميمونة، ورواه عنه ثلاثة: 1- يحيى بن أبي كثير. قال الذهبي في "العلو للعلي الغفار" "16": "رواه جماعة من الثقات عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية السلمى". قلت: وقفت على ثمانية منهم: الأول: حجاج الصَّوَّاف: كما عند ابن أبي شيبة في "الإيمان" مختصرا "رقم 84"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، 1/ 381-382/ رقم 537 بعد 33، وكتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، 4/ 1749"، وأحمد في "المسند" "5/ 447، 448"، والنسائي في "السنن الكبرى" كما في =

............................................................

_ = "تحفة الأشراف" "8/ 427"، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم 61"، وأبي داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة، 1/ 244/ رقم 930، وكتاب الأيمان والنذور، باب في الرقبة المؤمنة، 3/ 230/ رقم 3282، وكتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير، 4/ 16/ رقم 3909"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 490"، والدارمي في "السنن" "1/ 354" -ولم يسق لفظه- وأبي عوانة في "المسند" "2/ 142-143"، وابن خزيمة في "الصحيح" "2/ 35-36/ ورقم 859"، و"التوحيد" "ص122"، وابن حبان في "الصحيح" "1/ 383/ رقم 165- مختصرا، 6/ 124/ رقم 2248- الإحسان"، والطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 398-399، الأرقام: 938 و943 و947"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 212"، والبغوي في "شرح السنة" "3/ 237/ رقم 726"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "2/ 360 مختصرا"، ولفظه: ... ومنا رجال يخطون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه؛ فذاك". ورواه عن يحيى وفيه اللفظ المذكور جماعة، منهم: الثاني: الأوزاعي: كما عند مسلم في "الصحيح" "1/ 383" -ولم يسق لفظه- وأشار إليه في "4/ 1749"، وأبي عوانة في "المسند" "2/ 141"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب الكلام في الصلاة، 3/ 14-18", وابن حبان في "الصحيح" "6/ 22/ رقم 2247- الإحسان"، وابن خزيمة في "الصحيح" "2/ 35-36/ رقم 859"، و"التوحيد" "ص121"، والطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 398/ رقم 937 و941 و945"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "2/ 249"، و"الأسماء والصفات" "421". وأخرجه من طريقه مختصرا البخاري في "خلق أفعال العباد" "رقم 193"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 446"، والدارمي في "المسند" "1/ 353"، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" "84". الثالث والرابع: حرب بن شداد وأبان بن يزيد العطار: كما عند الطيالسي في "المسند" "رقم 1105". ومن طريقه: البيهقي مختصرا في "السنن الكبرى" "2/ 250"، و"الأسماء والصفات" "422"، وابن قدامة مختصرا في "إثبات صفة العلو" "رقم 16". وأخرجه أبو عوانة في "المسند" "2/ 141-142" بسنده إلى أبان والأوزاعي، جميعا عن =

............................................................

_ = يحيى به، وفيه اللفظ المذكور. وأخرجه مختصرا دونه عن أبان وحده به: أحمد في "المسند" "5/ 448"، وعثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم 60"، و"الرد على بشر المريسي" "ص95"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 489"، ومن طريقه الحافظ أبو العلاء ابن العطار في "فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف" "رقم 20"، والطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 399/ رقم 939 و942 و946"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "رقم 652"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي, صلى الله عليه وسلم" "ص63". الخامس: هشام الدستوائي: كما عند الحربي في "غريب الحديث" "2/ 720"؛ قال: حدثنا مسدد, حدثنا يحيى "هو ابن سعيد القطان" عن هشام به مختصرا، وفيه اللفظ المذكور. السادس: حسين المعلم: كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 401/ رقم 944"، وفيه اللفظ المذكور. السابع: همام بن يحيى: كما عند أحمد في "المسند" "5/ 448"، وفيه اللفظ المذكور. ورواه عن يحيى، لكن بلفظ: " ... فمن وافق علْمَه علِم ". الثامن: معمر، وعنه عبد الرزاق في "المصنف" "10/ 403/ رقم 19501، وبإسناده إليه الطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 399/ رقم 940"، والبغوي في "شرح السنة" "12/ 181/ رقم 3359". ورواه تاسع عن يحيى وهو من أقرانه، وهو: التاسع: أيوب السختياني: ولكن عن يحيى عن هلال عن معاوية به، ولم يذكر فيه عطاء بن يسار؛ كما عند الطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 402-403/ رقم 948" مختصرا، وليس فيه اللفظ المذكور. وهذا حديث سمعه يحيى من هلال؛ إذ صرح بالتحديث عند أحمد وابن خزيمة؛ فانتفت شبهة تدليسه، كما صرح كل من هلال بن أبي ميمونة وعطاء بالتحديث عند ابن خزيمة. 2- فليح بن سليمان: رواه مختصرا ولم يرد فيه السؤال المذكور، ولا جواب الجارية، ولا اللفظ الذي أورده المصنف؛ كما عند البخاري في "خلق أفعال العباد" "رقم 530"، وأبي داود في "السنن" "كتاب =

..........................................................

_ = الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة، 1/ 245/ رقم 931"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 446"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "2/ 249". 3- مالك بن أنس: وذكر فيه السؤال وجواب الجارية، ولم يذكر اللفظ الذي أورده المصنف أو نحوه؛ كما في "الموطأ" "2/ 776-777"، وعنه الشافعي في "الرسالة" فقرة "242"، و"الأم" "5/ 280"، والنسائي في "التفسير" "2/ 255-256/ رقم 485"، و"السنن الكبرى" في "السير" و"النعوت"؛ كما في "تحفة الأشراف" "رقم 11378"، وابن خزيمة في "التوحيد" "ص122"، والخطيب في "الموضح" "1/ 195"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "7/ 387". ولكن قال مالك في روايته في اسم الصحابي "عمر بن الحكم"؛ فتعقبه الشافعي؛ فقال في "الرسالة" "ص76": "وهو معاوية بن الحكم، وكذلك رواه غير مالك، وأظن مالكا لم يحفظ اسمه". قلت: رواه عن مالك على الصواب يحيى بن يحيى التميمي، وعنه عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم 62"، والبيهقي في "السنن الكبرى "7/ 387"، وقال: "ورواه يحيى بن يحيى عن مالك مجوّدا". وانظر غير مأمور: "الجوهر النقي"، وشروح "الموطأ"، و"تحفة الأشراف" "رقم 11348"، وترجمة "معاوية بن الحكم" من "تهذيب الكمال" ومختصراته؛ ففيها كلام تفصيلي بخصوص هذا الشأن. ثانيا: أبو سلمة بن عبد الرحمن: وعنه الزهري، وعنه جماعة؛ كما عند مسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب تحريم الكهانة، 4/ 1748-1749/ رقم 537 بعد 121"، وعبد الرزاق في "المصنف" "10/ 402/ رقم 19500"، وأحمد في "المسند" "3/ 443 و5/ 447-448، 449"، والطيالسي في "المسند" "رقم 1104"، والطبراني في "المعجم الكبير" "19/ 396-397/ رقم 933-936". والحديث صحيح، وقد شكك بعضهم في سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- الجارية، وجوابها، وإقراره -صلى الله عليه وسلم- لها بقولهم تارة: إن الحديث مضطرب، وبقولهم أخرى: إنها زيدت فيما بعد في "صحيح مسلم"! =

..........................................................

_ = ومن زعم الاختلاف في متنه؛ فلم يصب لأنه احتج لما ذهب إليه بروايات أحسن مراتبها الضعف على أنها عند التحقيق لا تُعدّ اختلافا، وإنما أراد بعض أهل البدع التعلق بهذا لإبطال دلالة هذا الحديث على اعتقاد أهل السنة من أن الله فوق خلقه، وكذلك تشكيك بعض أهل الزيغ في ثبوت هذا الحديث في "صحيح مسلم" هو أوهى من بيت العنكبوت، لمن علم وَفَهِمَ وأنصف، وشبهات أهل البدع لم تسلم منها آيات الكتاب؛ فكيف تسلم منها السنن؟! أما اللفظ الذي أورده المصنف آنفا في الخط؛ فهو صحيح عند مسلم وغيره، ورواته جميعا ثقات معروفون؛ فقول ابن رشد "ت520هـ" في رسالته "الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط" "ص42- بتحقيقي"، وكذا قول ابن العربي في "أحكام القرآن" "4/ 696" بأن جميع أحاديث الخط ضعيفة؛ ليس بجيد، ويعوزه التحقيق العلمي، والله تعالى أعلم، وكذا قال القرطبي المفسر في "الجامع لأحكام القرآن" "16/ 179" متعقبا ابن العربي: "هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي أخرجه مسلم". تنبيه: أورد الرافعي في "الشرح الكبير" هذا الحديث عن معاوية بن الحكم، وورد في أوله: "لما رجعت من الحبشة؛ صليت مع رسول الله, صلى الله عليه وسلم ... " وهو غلط محض لا وجه له، ولم يذكر أحد "معاوية بن الحكم" في مهاجرة الحبشة؛ لا من الثقات، ولا من الضعفاء، وكأنه انتقال ذهني من حديث متقدم لابن مسعود، يورده الفقهاء قبل هذا؛ فإن فيه "رجعت من الحبشة"، والله أعلم، أفاده ابن حجر في "التلخيص الحبير" "1/ 281". ومن الجدير بالذكر أن الذهبي عد هذا الحديث في "العلو للعلي الغفار" "16" من الأحاديث المتواترة الواردة في العلو، وذكر طرفا منه، وقال: "هذا حديث صحيح". وأخرجه ابن وهب في "جامعه" "1/ 113-114"؛ قال: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن أناسا قالوا لرسول الله, صلى الله عليه وسلم ... "وذكر نحوه". وهذا النبي هو إدريس -عليه السلام- كما قال أبو ذر ابن الشيخ الإمام سبط ابن العجمي في "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم 258، 932- بتحقيقنا"، والأبي في "إكمال الإكمال" "2/ 239"، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" "1/ 912"، واقتصروا عليه، وذكره الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" "9/ 118"، وشبير العثماني في "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" "2/ 135"، وذكرا معه قولا آخر، وهو "دانيال".

فِي الْكُتُبِ، وجميعُه1 يَقْطَعُ بِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَبِهِ تَعْلَمُ الْجَوَابَ عَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَعْرَافِ: 185] لَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ عُلُومُ الْفَلْسَفَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِهَا2، وَلَا يليق بالأميين الذين بُعث فيهم النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- بِمِلَّةٍ سَهْلَةٍ سَمْحَةٍ، وَالْفَلْسَفَةُ -عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا جَائِزَةُ الطَّلَبِ- صَعْبَةُ الْمَأْخَذِ، وَعِرَةُ الْمَسْلَكِ، بَعِيدَةُ الْمُلْتَمَسِ، لَا يَلِيقُ الْخِطَابُ بِتَعَلُّمِهَا كَيْ تُتعرف آيَاتِ اللَّهِ وَدَلَائِلَ تَوْحِيدِهِ3 لِلْعَرَبِ النَّاشِئِينَ فِي مَحْضِ الْأُمِّيَّةِ؛ فَكَيْفَ وَهِيَ مَذْمُومَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ، مُنبَّه عَلَى ذَمِّهَا بِمَا تَقَدَّمَ

_ 1 أي: وجميع المسطور في هذه الكتب يأتون فيه بما يدل على القطع بأن هذه الآيات مقصود منها ما استدلوا عليه، يعني: وإنما هي تكلفات لا تليق بلسان العرب ومعهودها. "د". قلت: وهنالك أمثلة من إسقاطات العقلانيين و"العلمانيين" يضحك منها العقلاء بله العلماء، والله الهادي. وفي "ط": "بأنه غير مقصود ما تقدم". 2 إذا نظرنا للحديث الصحيح: "بلغوا عني ولو آية؛ فرب مبلغ أوعى من سامع"، مع العلم بأن القرآن للناس كافة، وأنه ليس مخاطبا به خصوص طائفة العرب في العهد الأول لها، بل العرب كلهم في عهدهم الأول وغيره وغير العرب كذلك، إذا نظرنا بهذا النظر؛ لا يمكننا أن نقف بالقرآن وبعلومه وأسراره وإشاراته عند ما يريده المؤلف وكيف نوفق بين ما يدعو إليه من ذلك وبين ما ثبت من أنه لا ينضب معينه؟ والخير في الاعتدال؛ فكل ما لا تساعد عليه اللغة، ولا يدخل في مقاصد التشريع؛ يعامل المعاملة التي يريدها المؤلف، أما ما لا تنبو عنه اللغة، ويدخل في مقاصد الشريعة بوجه؛ فلا يوجد مانع من إضافته إلا الكتاب العزيز، ومنه ما يتعلق بالنظر في مصنوعات الله للتدبر والاعتبار وتقوية الإيمان وزيادة الفهم والبصيرة. "د". 3 من الآيات المبثوثة في السماء والأرض ما يكفي في إدراكه النظر الفطري، ومنها ما يُدرك بمزاولة قوانين علمية، ولا مانع من أن يبقى هذا القسم في الآيات المرغب في تدبرها؛ فإن النظر الذي يحث عليه مثل قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] لم يحد بنهاية أو ينص فيه على طريق معين. "خ".

فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ؛ غيرُ مَطْلُوبٍ فِي الشَّرْعِ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ؛ كَأَلْفَاظِ اللُّغَةِ، وَعِلْمِ النَّحْوِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَلَا إِشْكَالَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ مَطْلُوبٌ، إِمَّا شَرْعًا، وَإِمَّا عَقْلًا، حَسْبَمَا تبيَّن فِي مَوْضِعِهِ، لَكِنْ هُنَا معنى آخر لا بد من الالتفات إليه، وهو:

المقدمة السادسة

المقدمة السادسة: وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْمَطْلُوبِ قَدْ يَكُونُ لَهُ طَرِيقٌ تَقْرِيبِيٌّ يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ طَرِيقٌ لَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ، وَإِنْ فُرِضَ1 تَحْقِيقًا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، المنبَّه عَلَيْهِ، كَمَا إِذَا طُلب مَعْنَى المَلَك؛ فَقِيلَ: إِنَّهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْق اللَّهِ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ، أَوْ مَعْنَى الْإِنْسَانِ؛ فَقِيلَ: إِنَّهُ هَذَا الَّذِي أَنْتَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَعْنَى التَّخَوُّفِ؛ فَقِيلَ: هُوَ التَّنَقُّصُ، أَوْ مَعْنَى الْكَوْكَبِ؛ فَقِيلَ: هَذَا الَّذِي نُشَاهِدُهُ بِاللَّيْلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَحْصُلُ فَهْمُ الْخِطَابِ مَعَ هَذَا الْفَهْمِ التَّقْرِيبِيِّ حَتَّى يُمْكِنَ الِامْتِثَالُ. وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الْبَيَانُ فِي الشَّرِيعَةِ؛ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الكِبْرُ بَطر الْحَقِّ وغمطُ النَّاسِ" 2؛ ففسَّره بِلَازِمِهِ الظَّاهِرِ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَمَا تُفسر أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِمُرَادِفَاتِهَا لُغَةً، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أَظْهَرَ فِي الفهم منها، وقد بيَّن عليه

_ 1 سينازع في كونه تحقيقا، وأنه يتعذر الوصول لحقائق الأشياء؛ فلذا قال: "وإن فرض" "د". قلت: وفي نسخة "م": "وإن قرض" بالقاف، وهو خطأ. 2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، 1/ 93/ رقم 91" من حديث ابن مسعود, رضي الله عنه.

السَّلَامُ, الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ عَلَى مَا يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور، وهي عَادَةُ الْعَرَبِ، وَالشَّرِيعَةُ عَرَبِيَّةٌ، وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أُمِّيَّةٌ؛ فَلَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الْبَيَانِ إِلَّا الْأُمِّيُّ، وَقَدْ تَبَيَّنَ هَذَا فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مَشْرُوحًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. فَإِذًا؛ التَّصَوُّرَاتُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا هِيَ تَقْرِيبَاتٌ بِالْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ وَمَا قَامَ مَقَامَهَا مِنَ الْبَيَانَاتِ الْقَرِيبَةِ. وَأَمَّا الثَّانِي -وَهُوَ مَا لَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ- فَعَدَمُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْجُمْهُورِ أَخْرَجَهُ عَنِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ؛ لِأَنَّ مَسَالِكَهُ صَعْبَةُ الْمَرَامِ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] ، كَمَا إِذَا طُلِبَ مَعْنَى الْمَلِكِ، فَأُحِيلَ بِهِ عَلَى مَعْنًى أَغْمَضَ مِنْهُ، وَهُوَ: مَاهِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الْمَادَّةِ أَصْلًا، أَوْ يُقَالُ: جوهرٌ بَسِيطٌ ذُو نِهَايَةٍ وَنُطْقٍ عَقْلِيٍّ، أَوْ طُلِبَ مَعْنَى الْإِنْسَانِ؛ فَقِيلَ: هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ الْمَائِتُ1، أَوْ يُقَالُ: مَا الْكَوْكَبُ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ جِسْمٌ بَسِيطٌ، كُرِيٌّ، مَكَانُهُ الطَّبِيعِيُّ نَفْسُ الْفَلَكِ، مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُنير، مُتَحَرِّكٌ عَلَى الْوَسَطِ، غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلَيْهِ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْمَكَانِ؛ فَيُقَالُ: هُوَ السَّطْحُ الْبَاطِنُ مِنَ الْجِرْمِ الْحَاوِي، الْمُمَاسُّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنَ الْجِسْمِ الْمَحْوِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ، وَلَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ قَطْعِ أَزْمِنَةٍ فِي طَلَبِ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى هَذَا وَلَا كَلَّفَ بِهِ2. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ هَذَا تَسَوُّرٌ عَلَى طلب معرفة ماهيات الأشياء3، وقد اعترف

_ 1 بمعنى الميت؛ أي: الذي مآله الموت. انظر "لسان العرب" "م وت". 2 تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على فساد المنطق وعلم الكلام في المجلد التاسع من "مجموع الفتاوى"، وفي كتابه "الرد على المنطقيين"، وغير ذلك. 3 معرفة كنه الأشياء ينفع في علوم الطبيعة، والعلوم المعروفة اليوم كالطب والهندسة والفلك، أما في "الإلهيات"؛ فهو علم لا ينفع.

أَصْحَابُهُ بِصُعُوبَتِهِ، بَلْ قَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُتَعَذِّرٌ، وَأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا أَنْ لَا يُعرف شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ إِذِ الْجَوَاهِرُ لَهَا فُصُولٌ مَجْهُولَةٌ, وَالْجَوَاهِرُ عُرِّفَتْ بِأُمُورٍ سَلْبِيَّةٍ؛ فَإِنَّ الذَّاتِيَّ الْخَاصَّ1 إِنْ عُلم فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَكَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ لِلْحِسِّ, فَهُوَ مَجْهُولٌ، فَإِنْ عُرِّف ذَلِكَ الْخَاصُّ بِغَيْرِ مَا يَخُصُّهُ؛ فَلَيْسَ بِتَعْرِيفٍ، وَالْخَاصُّ بِهِ كَالْخَاصِّ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ، أَوْ ظَاهِرَةٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى, وَذَلِكَ لَا يَفِي بِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّاتِ، هَذَا فِي الْجَوْهَرِ، وَأَمَّا الْعَرَضُ؛ فَإِنَّمَا يُعَرَّفُ بِاللَّوَازِمِ؛ إِذْ لَمْ يَقْدِرُ أَصْحَابُ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى تَعْرِيفِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا مَا ذُكِرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الذَّاتِيَّاتِ لَا يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَى أَنْ لَيْسَ ذَاتِيٌّ سِوَاهَا، وَلِلْمُنَازِعِ أَنْ يُطَالِبَ بِذَلِكَ, وَلَيْسَ لِلْحَادِّ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ ثَمَّ وَصْفٌ آخَرُ لَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ؛ إِذْ كَثِيرٌ مِنَ الصِّفَاتِ غَيْرُ ظَاهِرٍ. وَلَا يُقَالُ أَيْضًا: لَوْ كَانَ ثَمَّ ذَاتِيٌّ آخَرُ مَا عُرفت الْمَاهِيَّةُ [دُونَهُ] 2؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا تُعرف الْحَقِيقَةُ إِذَا عُرف جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهَا، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ ذَاتِيٌّ لَمْ يُعْرَفْ؛ حَصَلَ الشَّكُّ فِي مَعْرِفَةِ الْمَاهِيَّةِ. فَظَهَرَ أَنَّ الْحُدُودَ عَلَى مَا شَرَطَهُ أربابُ الْحُدُودِ يَتَعَذَّرُ الْإِتْيَانُ بِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُجعل مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يُستعان بِهَا فِيهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى تَقَرَّرَ، وَهُوَ أَنَّ مَاهِيَّاتِ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْرِفُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ إلا باريها؛ فتسوُّر الإنسان على

_ 1الذي يُراد جعله فصلا إن علم بوجوده في غير الماهية التي يُراد جعله فصلا لها؛ لم يكن خاصا، وإن لم يعلم في غيرها؛ كان مجهولا، فإن عرّفناه بشيء لا يخصه؛ فليس تعريفا له، وإن عرّفناه بشيء خاص به؛ انتقل الكلام إليه، كالخاص الذي هو موضوع الكلام، فيتسلسل؛ فلا بد من الرجوع في كون الفصل ذاتيا خاصا إلى أمور محسوسة ... إلخ، وذلك نادر الحصول؛ فلا يفي بما يُطلب من تعريف الماهيات الكثيرة "د". 2 ليست في الأصل.

مَعْرِفَتِهَا رَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، هَذَا كُلُّهُ فِي التَّصَوُّرِ. وَأَمَّا [فِي] 1 التَّصْدِيقِ؛ فَالَّذِي يَلِيقُ مِنْهُ بِالْجُمْهُورِ مَا كَانَتْ مُقَدِّمَاتُ الدَّلِيلِ فِيهِ ضَرُورِيَّةً، أَوْ قَرِيبَةً مِنَ الضَّرُورِيَّةِ، حَسْبَمَا يَتَبَيَّنُ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ طَلَبُهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نبَّه الْقُرْآنُ عَلَى أَمْثَالِهِ؛ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] 2: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النَّحْلِ: 17] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] إِلَى آخِرِهَا. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ [مِنْ شَيْءٍ] 3} [الرُّومِ: 40] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 22] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الْوَاقِعَةِ: 58-59] . وَهَذَا إِذَا احْتِيجَ إِلَى الدَّلِيلِ فِي التَّصْدِيقِ، وَإِلَّا؛ فَتَقْرِيرُ الْحُكْمِ كافٍ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ مَرَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ فِي بَثِّ الشَّرِيعَةِ لِلْمُؤَالِفِ4 وَالْمُخَالِفِ، وَمَنْ نظر في استدلالالهم عَلَى إِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ عَلِمَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا أَيْسَرَ الطُّرُقِ وَأَقْرَبَهَا إِلَى عُقُولِ الطَّالِبِينَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ متكلَّف، وَلَا نَظْمٍ مُؤَلَّفٍ5، بَلْ كَانُوا يَرْمُونَ بِالْكَلَامِ عَلَى عَوَاهِنِهِ، وَلَا يُبالون كيف وقع في

_ 1 زيادة من الأصل. 2، 3 ساقطات من الأصل. 4 في "م": "للموافق". 5 كقياسات المنطق "د".

تَرْتِيبِهِ، إِذَا كَانَ قَرِيبَ الْمَأْخَذِ، سَهْلَ الْمُلْتَمَسِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا1 إِلَى نَظْمِ الْأَقْدَمِينَ فِي التَّحْصِيلِ؛ فَمِنْ حَيْثُ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ إِيصَالَ الْمَقْصُودِ، لَا مِنْ حَيْثُ احْتِذَاءُ مَنْ تقدَّمهم. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُرَتَّبًا عَلَى قِيَاسَاتٍ مُرَكَّبَةٍ أَوْ غَيْرِ مُرَكَّبَةٍ؛ إِلَّا أَنَّ فِي إِيصَالِهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ بَعْضَ التَّوَقُّفِ لِلْعَقْلِ؛ فَلَيْسَ هَذَا الطَّرِيقُ بِشَرْعِيٍّ، وَلَا تَجِدُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا فِي كَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ2؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَتْلَفَةٌ لِلْعَقْلِ وَمَحَارَةٌ لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ بِخِلَافِ وَضْعِ التَّعْلِيمِ، وَلِأَنَّ الْمَطَالِبَ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ وَقْتِيَّةٌ3؛ فَاللَّائِقُ بِهَا مَا كَانَ فِي الْفَهْمِ وَقْتِيًّا، فَلَوْ وُضِعَ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ غَيْرَ وَقْتِيٍّ؛ لَكَانَ مُنَاقِضًا لِهَذِهِ الْمَطَالِبِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْإِدْرَاكَاتِ لَيْسَتْ عَلَى فن واحد، ولا هي جارية على

_ 1 أي: قد يتفق أن يكون على نظم الأقيسة لا من حيث إنهم قصدوا الاقتداء بالفلاسفة في تركيب الأدلة، بل من جهة أنهم قصدوا الوصول إلى المقصود، فاتفق لهم المشاكلة في النظم كما سيأتي في حديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"؛ إلا أنه نادر، كما يأتي في آخر مسألة في الكتاب "د" قلت: انظر "5/ 418"، وسيأتي تخريج الحديث "4/ 360". 2 جرى السلف في البحث عن العقائد على طريقة الكتاب العزيز حتى رفع المعاندون من المتفلسفة والمبتدعة رءوسهم بإلقاء الشكوك والشبه على حقائق الدين؛ فلم يسع علماء الكلام إلا أن تصدوا لمكافحتهم بمثل السلاح الذي كانوا يهاجمونهم به، وأخذ البحث في العقائد هيئة غير هيئته الأولى، وإنما يكون هذا الصنيع بدعة مكروهة حيث يتحقق أنه رفع أو بدل حقيقة شرعية "خ". 3 أي: مطلوب تحصيلها في الوقت التالي للخطاب بها، بدون التراخي الذي يقتضيه السير في طريقة الاستدلال المنطقي، ونظام المناقضات والمعارضات والنقوض الإجمالية، التي قد تستغرق الأزمان الطويلة، ولا تستقر النفس فيها على ما ترتاح إليه، مع كثرة المطالب الشرعية اليومية وغيرها. "د".

التَّسَاوِي فِي كُلِّ مَطْلَبٍ؛ إِلَّا فِي الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا قَارَبَهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَفَاوُتَ فِيهَا يُعتدُّ بِهِ، فَلَوْ وُضعت الْأَدِلَّةُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ1؛ لَتَعَذَّرَ هَذَا الْمَطْلَبُ، وَلَكَانَ التَّكْلِيفُ خَاصًّا لَا عَامًّا، أَوْ أَدَّى إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطاق2، أَوْ مَا فِيهِ حَرَجٌ، وَكِلَاهُمَا مُنتفٍ عَنِ الشَّرِيعَةِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" تَقْرِيرُ هذا المعنى.

_ 1 أي: غير ما كان من الضروريات وما قاربها. "د". 2 في "م": "يطلق".

المقدمة السابعة

المقدمة السابعة: كُلُّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ فَطَلَبُ الشَّارِعِ لَهُ إِنَّمَا يَكُونُ [مِنْ] 1 حَيْثُ هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى التَّعَبُّدِ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى, فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ اعْتِبَارُ جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَبِالتَّبَعِ وَالْقَصْدِ الثَّانِي، لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: مَا تقدَّم فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلُ أَنَّ كَلَّ عِلْمٍ لَا يُفيد عَمَلًا2؛ فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يدلُّ عَلَى اسْتِحْسَانِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ غَايَةٌ أُخْرَى شَرْعِيَّةٌ؛ لَكَانَ مُسْتَحْسَنًا شَرَعَا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحْسَنًا شَرْعًا؛ لَبَحَثَ عنه الأولون3 من الصحابة والتابعين،

_ 1 زيادة من الأصل و"م" و"خ". 2 كالفلسفة النظرية الصرفة، أما الفلسفة العملية؛ كالهندسة، والكيمياء، والطب، والكهرباء, وغيرها؛ فليست داخلة في كلامه، ولا يصح أن يقصدها؛ لأنها علوم يتوقف عليها حفظ مقاصد الشرع في الضروريات والحاجيات ... إلخ، والمصالح المرسلة تشملها، وهي وسيلة إلى التعبد أيضا؛ لأن التعبد هو تصرف العبد في شئون دنياه وأخراه بما يقيم مصالحهما، بحيث يجري في ذلك على مقتضى ما رَسم له مولاه، لا على مقتضى هواه؛ كما سيأتي للمؤلف. "د". 3 ممنوع؛ فكم من علم شرعي لم يبحث عنه الأولون لعدم الحاجة إليه عندهم؟ وأقربها إلينا علم الأصول، ولم يبدأ البحث في تأصيل مسائله في عهد الصحابة والتابعين. "د". وقال "خ": "من العلوم ما تقتضيه حال العصر؛ كعلم الكيمياء، والهندسة، ومباحث الحرارة والكهرباء، وقاعدة وزن الثقل، وما يشاكلها من العلوم التي لا يمكن الخلاص من الأعداء إلا بالقيام عليها، ولم يبحث عنها الأولون من الصحابة والتابعين؛ لأن الحاجة الداعية إلى تعلمها لم تظهر في ذلك العهد بمثل الوجه الذي ظهرت به اليوم".

وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَمَا يَلْزَمُ عَنْهُ كَذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا جَاءَ بالتعبُّد، وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ بِعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النِّسَاءِ: 1] . {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هُودِ: 1-2] . {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إِبْرَاهِيمِ: 1] . {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [الْبَقَرَةِ: 2] . { [الْحَمْدُ لِلَّهِ] الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الْأَنْعَامِ: 1] ؛ أَيْ: يُسوون بِهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ؛ فَذَمَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [الْمَائِدَةِ: 92] . {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} [الْكَهْفِ: 2] . {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الْأَنْبِيَاءِ: 25] . {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 2-3] .

_ 1 سقط من الأصل.

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي لَا تَكَادُ تُحصى، كُلُّهَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ التعبد لله، وإنما أُتوا بِأَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ لِيَتَوَجَّهُوا إِلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ وَحْدَهُ، سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [مُحَمَّدٍ: 19] . وَقَالَ: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هُودٍ: 14] . وَقَالَ: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غَافِرٍ: 65] . وَمَثَلُهُ سَائِرُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُصَّ فِيهَا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، لَا بُدَّ أَنْ أُعقبت بِطَلَبِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، أَوْ جُعل مُقَدِّمَةً لَهَا، بَلْ أَدِلَّةُ التَّوْحِيدِ هَكَذَا جَرَى مَسَاقُ الْقُرْآنِ فِيهَا: أَلَّا تُذكر إِلَّا كَذَلِكَ1؛ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ التَّعَبُّدَ لِلَّهِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا تُحصى. وَالثَّالِثُ: مَا جَاءَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْعِلْمِ هُوَ الْعَمَلُ، وَإِلَّا؛ فَالْعِلْمُ عَارِيَةٌ وَغَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ؛ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِرٍ: 28] . وَقَالَ: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يُوسُفَ: 68] . قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي لَذُو عَمَلٍ بما علَّمناه2.

_ 1 المثبت من "ط" فقط، وفي سائر النسخ: "إلا تذكرة إلا كذا"، وهو خطأ. 2 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "13/ 15"، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ؛ كما في "الدر المنثور" "4/ 557". وقال "خ" معلقا عليه: "ولا وجه لهذا التأويل على ما يطابق وضعها المألوف قيما لا عوج فيه، وهو الثناء على يوسف -عليه السلام- بفضيلة العلم، وبيان أنه مفاض عليه بتعليم الله إياه على طريق الوحي، أو نصب الأدلة الكونية".

وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ... } إِلَى أَنْ قَالَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 9] . وَقَالَ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [الْبَقَرَةِ: 44] . ورُوي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشُّعَرَاءِ: 94] ؛ قَالَ: قَوْمٌ وَصَفَوُا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَخَالَفُوهُ إِلَى غَيْرِهِ1. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: "إِنَّ فِي جَهَنَّمَ أرْحاء تَدُورُ بعُلماء السُّوءِ، فيُشرف عَلَيْهِمْ بعض مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: مَا صيَّركم فِي هَذَا، وَإِنَّمَا كُنَّا نَتَعَلَّمُ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّا كُنَّا نَأْمُرُكُمْ بِالْأَمْرِ, وَنُخَالِفُكُمْ إِلَى غيره" 2.

_ 1 ذكره ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1194". 2 أخرج نحو هذا الحديث عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- البخاري في "صحيحه" "كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، 6/ 331/ رقم 3267، وكتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر، 13/ 48/ رقم 7098"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزهد، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، 4/ 2290/ رقم 2989"، ولفظ البخاري: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاهُ؛ فيجتمع أهل النار عليه؛ فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". وأخرجه من حديث أبي هريرة باللفظ المذكور عند المصنف الديلمي في "المسند" "رقم 845"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1177" بسند ضعيف جدا، ونحوه عن أنس عند ابن عدي وابن عساكر، وعن ابن عمر عند ابن عساكر بإسناد فيه متهم بالكذب؛ كما في "إتحاف السادة المتقين" "10/ 519"، ويغني عن هذه الأحاديث حديث أسامة السابق، وكان ينبغي للمصنف أن يقتصر عليه، ولكنه يتابع الغزالي -في بعض الأحايين- في نقل الأحاديث من "الإحياء"، وضعفها مشهور معلوم، والله الموفق.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "إِنَّمَا يُتعلَّم الْعِلْمُ ليُتَّقى بِهِ اللَّهُ، وَإِنَّمَا فُضِّل الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتقى اللَّهُ بِهِ"1. وَعَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسأل عَنْ خَمْسِ خِصال"، وَذَكَرَ فِيهَا: $"وَعَنْ عِلْمِهِ, مَاذَا عمل فيه؟ " 2.

_ 1 انظر: "ص82". 2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب في القيامة، 4/ 612/ رقم 2416"، وأبو يعلى في "المسند" "9/ 178/ رقم 5271"، والطبراني في "الكبير" "10/ 8-9/ رقم 9772"، و"الصغير" "1/ 269"، وابن عدي في "الكامل" "2/ 763-764"، والخطيب في "التاريخ" "12/ 440"، والآجري في "أخلاق العلماء" "ص96" من طريق حسين بن قيس الرحبي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن ابن مسعود مرفوعا به. قال الترمذي عقبه: "هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا من حديث الحسين بن قيس، وحسين بن قيس يُضعَّفُ في الحديث من قِبَل حفظه". قلت: إسناده ضعيف؛ إلا أن للحديث شواهد يصحح بها، منها: حديث أبي بَرْزة الأسلمي: أخرجه الترمذي في "الجامع" "رقم 2417" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- والدارمي في "السنن" "1/ 135"، وأبو يعلى في "المسند" "13/ 428/ رقم 7434"، والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" "رقم 1، ص16-17"، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" "رقم 30"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 494"، وأبو نعيم في الحلية "10/ 232"، وإسناده حسن. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" "رقم 2212" بإسناد واه عن أبي برزة، وفيه زيادة: "وعن حب أهل البيت"، وفيه معروف بن خرَّبوذ، ترجمه الذهبي في "الميزان" "1/ 443"، وقال: "أتى بخبر باطل ... " وذكره، إلا أنه جعله من مسند أبي ذر. قلت: وهو كذلك في "تاريخ ابن عساكر" "12/ ق 126"، وأخرجه الطبراني في "الكبير" "11/ 102/ رقم 11177" بهذه الزيادة بإسناد ضعيف جدا، فيه حسين بن الحسن الأشقر، كان يشتم السلف، كذا في "المجمع" "10/ 346". حديث معاذ بن جبل: أخرجه الطبراني في "الكبير" "20/ 60-61/ رقم 11"، والخطيب في "التاريخ" "11/ 441-442"، و"الاقتضاء" "رقم 2"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 493" بإسناد لا بأس به في الشواهد، وصححه المنذري في "الترغيب" "4/ 185". وقد اضطرب فيه ليث بن أبي سُليم؛ فكان يرفعه مرة، ويوقفه مرة عن معاذ؛ كما عند هناد في "الزهد" "رقم 724"، والدارمي في "السنن" "1/ 135"، والبزار في "المسند" "رقم 3437، 3438"، والخطيب في "الاقتضاء" "رقم 3"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1208". وانظر: "مجمع الزوائد" "10/ 346"، و"السلسلة الصحيحة" "رقم 946".

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "إِنَّمَا أَخَافَ أَنْ يُقال لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَعَلِمْتَ أَمْ جَهِلْتَ؟ فَأَقُولُ: عَلِمْتُ. فَلَا تَبْقَى آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آمِرَةٌ أَوْ زَاجِرَةٌ إِلَّا جَاءَتْنِي تَسْأَلُنِي فَرِيضَتَهَا، فَتَسْأَلُنِي الْآمِرَةُ: هَلِ ائْتَمَرْتَ؟ وَالزَّاجِرَةُ: هَلِ ازْدُجِرْتَ؟ فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، [وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ] 1، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسمع"2. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسعَّر بِهِمُ النار يوم

_ 1 ساقطة من الأصل. 2 أخرجه أحمد في "الزهد" "2/ 58"، وابنه عبد الله في "زوائده" "2/ 65" -ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" "1/ 213-214"- وعبد الرزاق في "المصنف" "11/ 253" -ومن طريقه البيهقي في "المدخل" "رقم 489"- وابن أبي شيبة في "المصنف" 13/ 311"، والدارمي في مقدمة "السنن" "1/ 82"، وابن المبارك في "الزهد" "رقم 39" -ومن طريقة ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1201"- وأبو داود في "الزهد" "رقم 226، 254"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "5/ 17، 18/ تهذيب ابن بدران"، والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" "رقم 51، 53، 54، 55"، وابن الجوزي في "صفة الصفوة" "1/ 630"، والآجري في "أخلاق العلماء "ص97-ط المغرب" من طرق عن أبي الدرداء مطولا ومختصرا، والمطول الذي فيه: "فلا تبقى آية في كتاب الله ... "، أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1207"، وهو عند أبي داود وعبد الله بن أحمد، وإسناده لا بأس به. وأخرجه دونه أيضا البيهقي في "المدخل" "رقم 492" و"الشعب" "4/ 411", وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1204"، وهو صحيح مختصرا.

الْقِيَامَةِ، قَالَ فِيهِ: "وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وعلَّمه، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فأُتي بِهِ فعرَّفه نِعَمه فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تعلَّمت فِيكَ الْعِلْمَ وعلَّمته، وقرأتُ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَّبْتَ، وَلَكِنْ لِيُقَالَ: فُلَانٌ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمر بِهِ فسُحب عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلقي فِي النَّارِ "1. وَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ" 2.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، 3/ 1513-1514/ رقم 1905"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة/ رقم 2383"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجهاد، باب من قاتل ليقال: فلان جريء، 6/ 23، 24". 2 أخرجه الطبراني في "الصغير" "1/ 305/ رقم 507- الروض الداني"، وابن عدي في "الكامل" "5/ 1807"، والبيهقي في "الشعب" "2/ 284-285/ رقم 1778"، والخطيب في "الكفاية" "6-7"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "1/ 162" من طريق عثمان البري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا. وإسناده ضعيف جدا، مداره على عثمان بن مقسم البري، قال الطبراني: "لم يروه عن المقبري إلا عثمان البري"، وهو ضعيف جدا، واتهمه ابن معين بالوضع، وألان الهيثمي في "المجمع" "1/ 185" فيه الكلام بقوله بعد عزو الحديث للطبراني في "الصغير": "وفيه عثمان البري، قال الفلاس: صدوق كثير الغلط، صاحب بدعة، ضعّفه أحمد والنسائي والدارقطني". وضعف الحديث العراقي في "تخريجه لأحاديث الإحياء" "1/ 3 و3/ 377"، والمنذري في "الترغيب والترهيب" "1/ 78"، وابن حجر كما قال المناوي في "فيض القدير" "1/ 518"؛ إلا أنه لم يرتض حكم هؤلاء الحفاظ، فاستدرك عليهم بقوله: "لكن للحديث أصل أصيل"، وعزا للحاكم حديث ابن عباس بلفظ: "أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا، أو قتله نبي، أو قتل أحد والديه, والمصوّرون، وعالم لم ينتفع بعلمه ". قلت: أخرجه أبو القاسم الهمذاني في "فوائده" "1/ 196/ 1" -كما في "السلسلة الضعيفة" "رقم 1617"- من طريق عبد الرحيم أبي الهيثم عن الأعمش عن الشعبي عن ابن عباس مرفوعا. =

وَرُوِيَ أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ1. وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ: "مَنْ حَجب الله عنه العلم؛ عذَّبه به عَلَى الْجَهْلِ، وَأَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَلَمُ فَأَدْبَرَ عَنْهُ، وَمَنْ أَهْدَى اللَّهُ إِلَيْهِ عِلْمًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ"2. وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: "اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا؛ فلن يأجُركم الله بعلمه حتى تعملوا"3.

_ = قال شيخنا الألباني: "وهذا إسناد واهٍ، آفته عبد الرحيم هذا، وهو ابن حماد الثقفي، قال العقيلي في "الضعفاء": "حدث عن الأعمش مناكير، وما لا أصل له من حديث الأعمش"، ثم ساق له أحاديث ونقلها الذهبي عنه، ثم قال: "ولا أصل لها من حديث الأعمش"، ثم قال: "عبد الرحيم هذا شيخ واه، لم أر لهم فيه كلاما، وهذا عجيب"". ثم بيَّن أن الحديث ليس في "المستدرك" وقال: "وقد ثبت الحديث من رواية ابن مسعود مرفوعا دون جملة الوالدين، وكذا جملة العالم ... وهو مخرج في "الصحيحة" "رقم 281"". قلت: فالحديث المذكور ضعيف جدا مرفوعا، ولكنه ثبت عن أبي الدرداء من قوله، أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 82"، وابن المبارك في "الزهد" "رقم 40"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 223"، وابن عبد البر في "الجامع" "1/ 165" بإسناد رجاله ثقات. 1 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل، 4/ 2088/ رقم 2722" مطولا من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: "اللهم! إني أعوذ بك من علم لا ينفع ". وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند الترمذي في "الجامع" "أبواب الدعوات، باب منه، 5/ 519/ رقم 4382"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من قلب لا يخشع، 8/ 255"، وتصدير المصنف للحديث بصيغة التمريض "روي" ليس بجيد، والحديث صحيح ثابت، والله الموفق. 2 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "1214". 3 أخرجه ابن المبارك في "الزهد" "رقم 62" -ومن طريقه أبو داود في "الزهد" "رقم 196"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 236"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "1/ 693/ =

وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَفِيهِ زِيَادَةٌ: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ، وَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ" 1. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ2، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْم؛ قَالَ: حدَّثني عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- قَالُوا: كُنَّا نَتَدَارَسُ الْعِلْمَ فِي مَسْجِدِ قُباء؛ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "تعلَّموا مَا شِئْتُمْ أَنْ تعلَّموا؛ فلن يأجركم الله حتى تعملوا" 3.

_ = رقم 1227-ط الجديدة"- والدارمي في "السنن" "1/ 81"، وأحمد في "الزهد" "ص181" بإسناد رجاله ثقات إلى معاذ موقوفا، وفيه انقطاع، يزيد بن جابر لم يدرك معاذا. 1 أخرجه الخطيب البغدادي في "اقتضاء العلم العمل" "رقم 7، 8"، و"التاريخ" "10/ 94"، وابن عدي في "الكامل" "2/ 458-459"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 236"، وابن الشجري في "أماليه" "1/ 62" عن معاذ مرفوعا، وله إسنادان، كل منهما ضعيف جدا، وفيه انقطاع في الأول بكر بن خنيس، وهو متروك، وحمزة النصيبي مثله, بل أشد؛ إذ هو متهم بالوضع، وفي الآخر عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، عامة ما يرويه مناكير؛ كما قال ابن عدي. والزيادة التي في آخره: "إن العلماء همتهم الرعاية" إنما هي من قول الحسن؛ كما عند الخطيب في "الاقتضاء" "رقم 39"، وأرسلها في رواية عند ابن عساكر "19/ 78/ 2"، وهي خطأ، ومدارها على أبي محمد الأطرابلسي، وهو مجهول. 2 أشار إليه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "1/ 694-695"، وأفاد أنه جاء عن أنس مرفوعا وموقوفا، وأسند الموقوف، وفيه وفي المرفوع عباد بن عبد الصمد، قال ابن حبان: "واه، وله عن أنس نسخة أكثرها موضوعة". وقال ابن عبد البر إثر الموقوف: "وهو أولى من رواية من رواه مرفوعا، وعباد بن عبد الصمد ليس ممن يحتج به، بل هو ممن لا يشتغل بحديثه؛ لأنه متفق على تركه وتضعيفه". وأخرج الموقوف أبو الحسن بن الأخرم في "أماليه". 3 ذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "1/ 694/ رقم 1228" عن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم مثله، وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" "6/ 289": "لم أجد له إسنادا". وانظر: "إتحاف السادة المتقين" "1/ 373".

وَكَانَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَبَا الدَّرْدَاءِ؛ فَقَالَ لَهُ: كُلُّ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ تَعْمَلُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا تَصْنَعُ بِازْدِيَادِ حُجَّة اللَّهِ عَلَيْكَ؟ 1. وَقَالَ الْحَسَنُ: "اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَدَعُوا أَقْوَالَهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ قَوْلًا إِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيلًا مِنْ عَمَلٍ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ، فَإِذَا سَمِعْتَ قَوْلًا حَسَنًا؛ فَرويدا بِصَاحِبِهِ، فَإِنْ وَافَقَ قَوْلَهُ عَمَلُهُ؛ فنِعْم ونعمةَ عَين"2. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إِنَّ النَّاسَ أَحْسَنُوا الْقَوْلَ كُلَّهُمْ, فَمَنْ وَافَقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ؛ [فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ حَظَّهُ، وَمَنْ خَالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ] 3؛ فَإِنَّمَا يُوبِّخ نَفْسَهُ"4. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: "إِنَّمَا يُطْلَبُ الْحَدِيثُ ليُتَّقى بِهِ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فَلِذَلِكَ فُضِّل عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ"5. وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ قَالَ: "أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا

_ 1 ذكره ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1232". 2 أخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" "رقم 77"، ومن طريقه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1234"، وفيه يحيى بن المختار، قال عنه ابن حجر في "التقريب": "مستور". 3 ساقطة من الأصل، واستشكل الناسخ السياق؛ فكتب في الهامش: قوله: "يوبخ نفسه" كذا في النسخ!! وهو إما تحريف، أو مرتب على كلام نقص من هذه النسخ. 4 قلت: وفي "خ": "يربح نفسه"!! أخرجه ابن المبارك في "الزهد" "رقم 75" -ومن طريقه الفسوي في "المعرفة والتاريخ"، وابن أبي الدنيا في "الصمت" "رقم 627"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1233"- ووكيع في "الزهد" "رقم 266" -ومن طريقه أحمد في "الزهد" "2/ 108"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "6/ 414-415"- من طريقين عن ابن مسعود، أحدهما حسن. وذكر ابن قتيبة في "عيون الأخبار" "4/ 179" عن زبيد اليامي؛ قال: "أسكتتني كلمة ابن مسعود عشرين سنة ... " وذكرها. 5 أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1152، 1159"، وأبو نعيم "6/ 362، 366"، والبيهقي في "المدخل" "470"، وتمام في "الفوائد" "97- روض"، والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" "298، 299" بإسناد حسن بألفاظ، مضى واحد منها في "ص77".

يُعْجِبُهُمُ الْقَوْلُ، إِنَّمَا يُعْجِبُهُمُ الْعَمَلُ"1، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحصى، وَكُلُّ ذَلِكَ يُحقق أَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ مِنَ الْوَسَائِلِ، لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَلِ بِهِ2. فَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْعِلْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ فَضْلُهُ، وَإِنَّ مَنَازِلَ الْعُلَمَاءِ فَوْقَ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْعُلَمَاءِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى فَضْلِهِ مُطْلَقًا لَا مقيَّدا؛ فَكَيْفَ يُنكر أَنَّهُ فَضِيلَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا وَسِيلَةٌ؟ هَذَا وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً مِنْ وَجْهٍ؛ فَهُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ أَيْضًا، كَالْإِيمَانِ3؛ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى قَبُولِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يَثْبُتْ فَضْلُهُ مُطْلَقًا بَلْ مِنْ حَيْثُ التَّوَسُّلُ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ، بِدَلِيلِ مَا تقدَّم ذِكْرُهُ آنِفًا، وَإِلَّا؛ تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ، وَتَنَاقَضَتِ الْآيَاتُ والأخبار،

_ 1 أخرج ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2062، 2063" عن ابن وهب؛ قال: "قال لي مالك: أدركت أهل هذه البلاد، وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم". قال ابن وهب: "يريد المسائل". قال: "وقال مالك: إنما كان الناس يفتون بما سمعوا وعلموا، ولم يكن هذا الكلام في الناس اليوم". 2 تكلَّم ابن القيم عن العلم والعمل في مواطن عديدة من كتبه؛ منها: "إعلام الموقعين" "1/ 165-169 و3/ 394 و2/ 158"، و"مفتاح دار السعادة" "52-196، 175، 183، 188، 189، 190، 304"، و"الداء والدواء" "3"، و"المدارج" "2/ 60، 293، 464-478 و3/ 260، 302، 325"، و"روضة الطالبين" "68، 156، 195، 305"، و"البدائع" "2/ 62"، و"الزاد" "1/ 152"، و"الصواعق" "1/ 93-96"، و"طريق الهجرتين" "618". 3 في الأصل: "المقصود لنفسه كالإيمان أيضا".

وَأَقْوَالُ السَّلَفِ الْأَخْيَارِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا، وَمَا ذُكر آنِفًا شَارِحٌ لِمَا ذُكر فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ؛ فَإِنَّهُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ، وَهُوَ نَاشِئٌ عَنِ الْعِلْمِ، وَالْأَعْمَالُ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا وَسِيلَةً إِلَى الْبَعْضِ، وَإِنْ صَحَّ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً فِي أَنْفُسِهَا، أَمَّا الْعِلْمُ؛ فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ، وَأَعْلَى ذَلِكَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ، وَلَا تَصِحُّ بِهِ فَضِيلَةٌ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يصدِّق بِمُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُتَنَاقِضٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِاللَّهِ مَعَ التَّكْذِيبِ بِهِ. قِيلَ: بَلْ1 قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ مَعَ التَّكْذِيبِ2؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي قَوْمٍ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النَّمْلِ: 14] . وَقَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 146] . وَقَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الْأَنْعَامِ: 20] . فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ بيَّن أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّ الْإِيمَانَ غَيْرُ الْعِلْمِ؛ كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ مُغايرٌ لِلْكُفْرِ. نَعَمْ، قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ فَضِيلَةً، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَالْعِلْمِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ فِي التَّكْلِيفِ، إذا فُرض أنها لم تقع في

_ 1 في "خ": "بلى". 2 يرى بعض أهل العلم أن المعتبر في الإيمان هو التصديق اللغوي، وهو بعينه التصديق المنطقي؛ كما قال السيد في حواشي شرح "التلخيص": إن المنطقي إنما يبين ما هو في العرف واللغة، وذهب فريق إلى أن التصديق اللغوي -وهو الشرعي- أخص من التصديق المنطقي؛ إذ يزيد عليه بقيد الاختيار والتسليم، وهذا ما جرى عليه المصنف في هذه المقدمة. "خ".

الْخَارِجِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا حَسَنٌ، وَصَاحِبُ الْعِلْمِ مُثابٌ عَلَيْهِ وَبَالِغٌ مُبَالِغَ الْعُلَمَاءِ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مظنَّة الِانْتِفَاعِ عِنْدَ وُجُودِ مَحَلِّهِ، وَلَمْ يُخرجه ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ وَسِيلَةً، كَمَا أَنَّ فِي تَحْصِيلِ الطِّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَضِيلَةً وَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَقْتُ الصَّلَاةِ بَعْدُ، أَوْ جَاءَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أداؤُها لِعُذْرٍ، فَلَوْ فُرض أَنَّهُ تطهَّر عَلَى عَزِيمَةِ أَنْ لَا يُصلي؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُ ثَوَابُ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ؛ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ، وَقَدْ وَجَدْنَا وَسَمِعْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليهود والنصارى يَعْرِفُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَيَعْلَمُونَ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِهِ وفروعه، ولم يكن ذلك نافعا لهم مع الْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ1 بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْعَمَلُ. فَصْلٌ وَلَا يُنكر فَضْلَ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَّا جَاهِلٌ، وَلَكِنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلِيٌّ وَقَصْدٌ تَابِعٌ. فَالْقَصْدُ الأصليُّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَأَمَّا التَّابِعُ؛ فَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْجُمْهُورُ مِنْ كَوْنِ صَاحِبِهِ شَرِيفًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِهِ كَذَلِكَ، وَأَنَّ الْجَاهِلَ دَنِيءٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهِ شَرِيفًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ نَافِذٌ فِي الْأَشْعَارِ وَالْأَبْشَارِ2 وَحُكْمُهُ مَاضٍ3 عَلَى الْخَلْقِ وَأَنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، إِذْ قَامَ لَهُمْ مَقَامَ النَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وأن

_ 1 كالمستشرقين والمتخصصين من الكافرين في علوم الشريعة، وهو مشهور معلوم هذه الأيام. 2 أي: البشر. انظر: "لسان العرب" "ب ش ر". 3 في "ط": "قاض".

الْعِلْمَ جَمَالٌ وَمَالٌ وَرُتْبَةٌ لَا تُوَازِيهَا رُتْبَةٌ، وَأَهْلُهُ أَحْيَاءٌ أَبَدَ الدَّهْرِ، ... إِلَى سَائِرِ مَا لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَنَاقِبِ الْحَمِيدَةِ، وَالْمَآثِرِ الْحَسَنَةِ، وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعِلْمِ شَرْعًا، كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ1 يَنَالُهُ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ فِي الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ لَذَّةً لَا تُوَازِيهَا لَذَّةٌ2؛ إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَعْلُومِ وَالْحَوْزِ لَهُ، وَمَحَبَّةُ الِاسْتِيلَاءِ قَدْ جُبلت عَلَيْهَا النُّفُوسُ ومُيلت3 إِلَيْهَا الْقُلُوبُ، وَهُوَ مطلبٌ خَاصٌّ، بُرْهَانُهُ التَّجْرِبَةُ التَّامَّةُ وَالِاسْتِقْرَاءُ الْعَامُّ؛ فَقَدْ يُطلب الْعِلْمُ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُحَادَثَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا الْعُلُومُ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَجَالٌ، وَلِلنَّظَرِ فِي أَطْرَافِهَا مُتسع، وَلِاسْتِنْبَاطِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمَعْلُومِ فِيهَا طَرِيقٌ مُتَّبَعٌ. وَلَكِنْ كُلُّ تَابِعٍ مِنْ هَذِهِ التَّوَابِعِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِلْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ خَادِمًا لَهُ؛ فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً صَحِيحٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الْفُرْقَانِ: 74] . وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَقَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ حِينَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي هِيَ مثل المؤمن النخلة: "لأن

_ 1 في "ط": "صاحبها". 2 ذهبت طائفة من الحكماء إلى أن اللذة الدنيوية محصورة في المعارف، وقالوا: ما يتوهم من لذة حسية كقضاء شهوتي البطن والفرج، أو خيالية كالازدهاء بالرئاسة والاستعلاء؛ فهو دفع ألم فقط؛ فالأولى دفع ألم الجوع والعطش ودغدغة المني لأوعيته، والثانية دفع ألم القهر والغلبة. "خ". 3 في "م": "مالت".

تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا"1. وَفِي الْقُرْآنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 84] . فَكَذَلِكَ إِذَا طَلَبَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَادِمٍ لَهُ؛ فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً غَيْرُ صَحِيحٍ، كَتَعَلُّمِهِ رِيَاءً، أَوْ ليُماري بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُباهي بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ يَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَ الْعِبَادِ، أَوْ لِيَنَالَ مِنْ دُنْيَاهُمْ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إِذَا لَاحَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا طَلَبَ زَهِدَ فِي التَّعَلُّمِ، وَرَغِبَ فِي التَّقَدُّمِ، وَصَعُبَ عَلَيْهِ إِحْكَامُ مَا ابْتَدَأَ فِيهِ، وَأَنِفَ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّقْصِيرِ؛ فَرَضِيَ بِحَاكِمِ عَقْلِهِ، وَقَاسَ بِجَهْلِهِ؛ فَصَارَ مِمَّنْ سُئل فَأَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فضَلَّ وأضلَّ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا تعلَّموا الْعِلْمَ لُتباهوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لتُماروا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا لِتَحْتَازُوا بِهِ الْمَجَالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذلك؛ فالنار النار" 2.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب الحياء في العلم، 1/ 229/ رقم 131، وكتاب الأدب، باب ما لا يستحى من الحق للتفقه في الدين، 10/ 523-524/ رقم 6122"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صفات المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة، 4/ 2164-2165/ رقم 2811"، وأحمد في "المسند" "2/ 31، 61، 115" عن ابن عمر, رضي الله عنهما. قال "م": "كان ابن عمر حدثا؛ فاستحيا أن يذكر ما جال بخاطره". 2 أخرجه ابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، 1/ 93/ رقم 254"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 90- موارد"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 86"، والآجري في "أخلاق العلماء" "ص100"، والخطيب في "الجامع" "1/ 86-87"، وابن عبد البر في "الجامع" "1/ 187" من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- وصححه الحاكم والمنذري في "الترغيب والترهيب" "1/ 116"، وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" "1/ 111": "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم"؛ فهو صحيح.

وقال: "من تعلم علما ما يُبتغى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ غَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا؛ لَمْ يَجِدْ عَرف الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 1. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ؛ فَقَالَ: "هُوَ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ يُرِيدُ أَنْ يُجلس إِلَيْهِ" 2 الْحَدِيثَ. وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [الْآيَةَ] [الْبَقَرَةِ: 174] . وَالْأَدِلَّةُ فِي المعنى كثيرة.

_ 1 أخرجه أبوداود في "السنن" "كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله، 3/ 323/ رقم 3664"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، 1/ 92-93/ رقم 252"، وأحمد في "المسند" "2/ 338"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 85"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 89- موارد" والآجري في "أخلاق العلماء" "ص107"، والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" "رقم 102"، و"تاريخ بغداد" "5/ 347 و8/ 78"، و"الجامع" "1/ 84"، وابن عبد البر في "الجامع" "1/ 190" بسند صحيح، وصححه الذهبي في "الكبائر" "ص120- بتحقيقي". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، سنده ثقات، رواته على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وهو كما قالا. 2 أخرجه الديلمي في "الفردوس"، وقال ابن حجر: "وفيه إبراهيم بن محمد الأسلمي متروك"، قاله المناوي في "فيض القدير" "1/ 189".

المقدمة الثامنة

المقدمة الثامنة: الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا -أَعْنِي الذي مدح الله ورسوله [صلى الله عليه وسلم] أَهْلَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ- هُوَ الْعِلْمُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ، الَّذِي لَا يُخلي صَاحِبَهُ جَارِيًا مَعَ هَوَاهُ كَيْفَمَا كَانَ، بَلْ هُوَ الْمُقَيِّدُ لِصَاحِبِهِ بِمُقْتَضَاهُ، الْحَامِلُ لَهُ عَلَى قَوَانِينِهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ1: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الطَّالِبُونَ لَهُ وَلَمَّا يَحْصُلُوا عَلَى كَمَالِهِ بَعْدُ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي طَلَبِهِ فِي رُتْبَةِ التَّقْلِيدِ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ فَبِمُقْتَضَى الحَمل التَّكْلِيفِيِّ، وَالْحَثِّ التَّرْغِيبِيِّ وَالتَّرْهِيبِيِّ، وَعَلَى مِقْدَارِ شِدَّةِ التَّصْدِيقِ يَخِفُّ ثِقَلُ التَّكْلِيفِ؛ فَلَا يكتفي العلم ههنا بِالْحَمْلِ دُونَ أَمْرٍ آخَرَ خَارِجَ مَقُولِهِ؛ مِنْ زَجْرٍ، أَوْ قِصَاصٍ، أَوْ حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ، أَوْ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى، وَلَا احْتِيَاجَ ههنا إِلَى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ عَلَى ذَلِكَ؛ إِذِ التَّجْرِبَةُ الْجَارِيَةُ فِي الْخَلْقِ قَدْ أَعْطَتْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ بُرْهَانًا لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ. وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْوَاقِفُونَ مِنْهُ عَلَى بَرَاهِينِهِ، ارْتِفَاعًا عن حضيض التقليد

_ 1 تكلم ابن تيمية نحو ما عند المصنف في مواطن من "مجموع الفتاوى"، منها: "5/ 270، 274، 3/ 30-34 و4/ 36-39".

الْمُجَرَّدِ، وَاسْتِبْصَارًا فِيهِ، حَسْبَمَا أَعْطَاهُ شَاهِدُ النَّقْلِ، الَّذِي يصدِّقه الْعَقْلُ تَصْدِيقًا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ بَعْدُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَقْلِ لَا إِلَى النَّفْسِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يصِر كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لِلْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْأَشْيَاءِ الْمُكْتَسَبَةِ، والعلوم المحفوظة، التي يتحكم عليها العقل، و [عليه] 1 يُعْتَمَدُ فِي اسْتِجْلَابِهَا، حَتَّى تَصِيرَ مِنْ جُمْلَةِ مُودَعَاتِهِ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ؛ خَفَّ عَلَيْهِمْ خِفَّةً أُخْرَى زَائِدَةً عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا2؛ إِذْ هَؤُلَاءِ يَأْبَى لَهُمُ الْبُرْهَانُ الْمُصَدَّقُ أَنْ يَكْذِبُوا، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّكْذِيبِ الْخَفِيِّ؛ الْعَمَلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ لَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ حِينَ لَمْ يَصِرْ لَهُمْ كَالْوَصْفِ، رُبَّمَا كَانَتْ أَوْصَافُهُمُ الثَّابِتَةُ مِنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ الْبَاعِثَةِ الْغَالِبَةِ أَقْوَى الْبَاعِثِينَ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى أَمْرٍ زَائِدٍ مِنْ خَارِجٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَّسِعُ فِي حَقِّهِمْ؛ فَلَا يُقتصر فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، بَلْ ثَم أُمُورٌ أُخر كَمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَمُطَالَبَةِ الْمَرَاتِبِ الَّتِي بَلَغُوهَا بِمَا يَلِيقُ بِهَا، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَيْضًا يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَيْهَا مِنَ التَّجْرِبَةِ، إِلَّا أَنَّهَا أَخْفَى مِمَّا قَبْلَهَا، فَيَحْتَاجُ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ مَوْكُولٍ إِلَى ذَوِي النَّبَاهَةِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْأَخْذِ فِي الِاتِّصَافَاتِ السُّلُوكِيَّةِ. وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الَّذِينَ صَارَ لَهُمُ الْعِلْمُ وَصْفًا مِنَ الْأَوْصَافِ الثَّابِتَةِ، بِمَثَابَةِ الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّةِ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْأُوَلِ، أَوْ تُقاربها، وَلَا يُنظر إلى طريق حصولها؛

_ 1 ساقطة من الأصل. 2 لو عقدنا موازنة بين علماء السلف وعلماء العصور المتأخرة؛ لوجدنا الفرق بينهما من جهة الورع والقيام بفريضة الإرشاد واضحا جليا، ولم يكن هذا التفاضل فيما أحسب إلا لأن علماء السلف لا يقنعون بتصور الأحكام العملية حتى ينفذوا منها إلى معرفة أسرارها وأدلتها، وبعد أن كانت هذه الحجة تتدفق بسالكيها تتدفق السيل الجرار؛ ضرب التقليد الصلب أطنابه في النفوس، وأصبحت الرابطة بين العلم والعمل واهية. "خ". قلت: انظر تفصيل ذلك عند ابن رجب في "فضل علم السلف على الخلف".

فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحتاج إِلَيْهِ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُخليهم الْعِلْمُ وَأَهْوَاءَهُمْ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، بَلْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ رُجُوعَهُمْ إِلَى دَوَاعِيهِمُ الْبَشَرِيَّةِ، وَأَوْصَافِهِمُ الْخُلُقِيَّةِ1، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْمُتَرْجَمُ لَهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ؛ كَقَوْلِهِ تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزُّمَرِ: 9] . [ثُمَّ قَالَ] 2: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 9] . فَنَسَبَ هَذِهِ الْمَحَاسِنَ إِلَى أُولِي الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ، لَا مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزُّمَرِ: 23] . وَالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ هُمُ الْعُلَمَاءُ، لِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فَاطِرٍ: 28] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 83] . وَلَمَّا كَانَ السَّحَرَةُ قَدْ بَلَغُوا فِي عِلْمِ السِّحْرِ مَبْلَغَ الرُّسُوخِ فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ؛ بَادَرُوا إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْإِيمَانِ حِينَ عَرَفُوا مِنْ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حَقٌّ، لَيْسَ بِالسِّحْرِ وَلَا الشَّعْوَذَةِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ وَلَا التعذيب الذي توعدهم به فرعون3.

_ 1 في الأصل: "الخليقية". 2 ليست موجودة في الأصل. 3 مبادرة السحرة إلى الانقياد والإيمان تستند مباشرة إلى تحققهم في العلم بصدق موسى -عليه السلام- وصحة رسالته؛ فهي أثر من آثار هذا العلم المترتب على مشاهدة المعجزة وتمييزهم بينها وبين ما هو سحر، وهذا التمييز الذي أومض في قلوبهم بسرعة هو الناشئ عن رسوخهم في علم السحر. "خ".

وَقَالَ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 43] . فَحَصَرَ تَعَقُّلَهَا فِي الْعَالِمِينَ، وَهُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَقَالَ: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرَّعْدِ: 19] . ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} [الرَّعْدِ: 20] . إِلَى آخِرِ الْأَوْصَافِ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الْعَامِلُونَ. وَقَالَ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ, وَالْإِيمَانُ مِنْ فَوَائِدِ الْعِلْمِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... } إِلَى أَنْ قَالَ: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الْأَنْفَالِ: 2-4] . وَمِنْ هُنَا قَرَنَ الْعُلَمَاءَ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آلِ عِمْرَانَ: 18] . فَشَهَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَفْقَ عِلْمِهِ1 ظَاهِرَةُ التَّوَافُقِ؛ إِذِ التَّخَالُفُ مُحال، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمُوا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأُولُو الْعِلْمِ أَيْضًا كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ حُفظوا بِالْعِلْمِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ آيَةٌ فِيهَا تخويف أحزنهم2 ذلك وأقلقهم، حتى يسألوا

_ 1 أجرى الشهادة على ظاهرها، والمفسرون يقولون: إنها بمعنى إقامة الأدلة ونصب الدلائل في الكون على ذلك؛ فشهد بمعنى أقام ما يدل عليه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} . "د" وفي "ط": "على وفق علمه". 2 في الأصل: "أحزنتهم".

النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَنُزُولِ1 آيَةِ الْبَقَرَةِ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ ... } الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 284] . وَقَوْلِهِ2: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ... } الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 82] . وَإِنَّمَا الْقَلَقُ والخوف من آثار العلم بالمنزل3.

_ 1 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان أنه -سبحانه وتعالى- لم يكلف إلا ما يطاق، 1/ 115-116/ رقم 125" -واللفظ له- وأحمد في "المسند" "2/ 412"، وابن جرير في "التفسير" "3/ 143" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: لما نزلت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ؛ قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ". قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} . فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى؛ فأنزل الله, عز وجل: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} . قال: "نعم ". {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . قال: "نعم ". {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . قال: "نعم ". {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . قال: "نعم ". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، 8/ 294/ رقم 4629" من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لما نزلت: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} ، قال أصحابه: وأيُّنا لم يظلم؟ فنزلت: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ". 3 لأنه لما كان علمهم علما ملجئا لهم إلى الجري على مقتضاه طوعا أو كرها، وعرفوا أنهم قد يحصل منهم ما ليس على مقتضاه؛ لأنه فوق الطاقة البشرية، فلا يكون لهم الأمن من غضب الله كما في الآية الثانية، ولا بد من حسابهم عليه كما في الآية الأولى؛ حصل لهم القلق إلى أن فهموا ما يزيله عنهم. "د".

وَالْأَدِلَّةُ أَكْثَرُ مِنْ إِحْصَائِهَا هُنَا، وَجَمِيعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُلْجِئُ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّسُوخَ فِي الْعِلْمِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَحْفُوظًا بِهِ مِنَ المخالفة، أو لا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَوَى أَهْلُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَعَ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ كَافٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَلَا مُلجئ إِلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا بِهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ؛ لَزِمَ أَنْ لَا يَعْصِيَ الْعَالِمُ إِذَا كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِيهِ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ تَقَعُ مِنْهُمُ الْمَعَاصِي، مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- وَيَشْهَدُ لِهَذَا فِي أَعْلَى الْأُمُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النَّمْلِ: 14] . وَقَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 146] . وَقَالَ: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [الْمَائِدَةِ: 43] . وَقَالَ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} . ثُمَّ قَالَ: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 102] .

وَسَائِرُ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْمَعَاصِيَ وَالْمُخَالَفَاتِ مَعَ الْعِلْمِ، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ صَادًّا عَنْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَقَعْ. وَالثَّانِي: مَا جَاءَ مِنْ ذَمِّ الْعُلَمَاءِ السُّوءِ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَمِنْ أَشَدِّ مَا فِيهِ قَوْلُهُ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ"1. وَفِي الْقُرْآنِ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [الْبَقَرَةِ: 44] . وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 159] . وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 174] . وَحَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ تُسعر بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ2، وَالْأَدِلَّةُ فِيهِ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ غيرُ مَعْصُومِينَ بِعِلْمِهِمْ، وَلَا هُوَ مِمَّا يَمْنَعُهُمْ عَنْ إِتْيَانِ الذُّنُوبِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْعَلَمَ مَانِعٌ مِنَ الْعِصْيَانِ؟! فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الرُّسُوخَ فِي العلم يأبى أَنْ يُخَالِفَهُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَبِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا صَارَ كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لَا يَتَصَرَّفُ صَاحِبُهُ إِلَّا عَلَى وَفْقِهِ اعْتِيَادًا3، فَإِنْ تَخَلَّفَ؛ فعلى أحد ثلاثة

_ 1 مضى تخريجه "ص79"، والصواب أنه من قول أبي الدرداء؛ كما بيناه هناك. 2 مضى تخريجه "ص78"، وأخرجه مسلم في "صحيحه" "رقم 1905". 3 من طبيعة العالم الراسخ أن يتدفق غيرة على الحقائق والمصالح حتى يبلغ به التفاني في حب إقامتها أن يكافح الرئيس المستبد حيث حاول العبث بها، ولا يعبأ بما يسومه به من اضطهاد وأذى، ومما يصلح مثلا لهذا أن الملك إسماعيل صاحب دمشق خان السلطان نجم الدين الأيوبي واتفق مع الإفرنج على أن يسلم إليهم في مقابلة نجدتهم له صيداء وغيرها من الحصون؛ فقام في وجهه الإمام عز الدين بن عبد السلام بالإنكار البالغ، واحتمل في سبيل مصارعة الباطل الاعتقال وما كان يشهره عليه ذلك الملك من ضروب التهديد والإرهاب إلى أن تخلص إلى الديار المصرية "خ".

أَوْجُهٍ1: الْأَوَّلُ: مُجَرَّدُ الْعِنَادِ، فَقَدْ يُخالف فِيهِ مُقْتَضَى الطَّبْعِ الْجِبِلِّي؛ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: [ {وَجَحَدُوا بِهَا} الْآيَةَ [النَّمْلِ: 14] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى] 2: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] } 3 [الْبَقَرَةِ: 109] وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَالْغَالِبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ لَا يَقَعَ إِلَّا لِغَلَبَةِ هَوًى، مِنْ حُبِّ دُنْيَا أَوْ جَاهٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يَكُونُ وَصْفُ الْهَوَى قَدْ غَمَرَ الْقَلْبَ، حَتَّى لَا يَعْرِفَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرَ مُنْكَرًا. وَالثَّانِي: الْفَلَتَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْغَفَلَاتِ الَّتِي لَا يَنْجُو مِنْهَا الْبَشَرُ؛ فَقَدْ يَصِيرُ الْعَالِمُ بِدُخُولِ الْغَفْلَةِ غَيْرَ عَالِمٍ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ -عِنْدَ جَمَاعَةٍ- قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} 4 الآية [النساء: 17] .

_ 1 علل شيخ الإسلام ابن تيمية مرد هذا الأمر إلى الإرادة الجازمة والعلم التام، وأنه كلما قل العلم التام، وضعفت الإرادة الجازمة؛ ضعف العمل، إذ هما المؤثر الفعال، وفصل ذلك بتفصيل حسن واف في كتابه "الحسنة والسيئة" وغيره. 2 ليست في الأصل. 3 زيادة من الأصل. 4 ذهب جماعة من المفسرين إلى تأويل آخر؛ فحملوا الجهالة في الآية على معنى السفه وارتكاب ما لا يطابق الحكمة، والأقرب في النظر إبقاؤها على حقيقتها، والمراد عدم العلم بكنه الخاتمة السيئة والعقوبة التي تلحق مرتكب المعصية؛ إذ لو تبصر الهاجم على خرق سياج العفة والعدالة بارتكاب المآثم، وتمثل أمام عينيه ما يحيط به من الخزي والشقاء؛ لملك داعية الهوى، وأحجم عن مواطن اللذائذ الفانية غير مأسوف عليها. "خ".

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الْأَعْرَافِ: 102] . وَمِثْلُ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَعْتَرِضُ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ؛ كَمَا لَا يَعْتَرِضُ نَحْوُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَوْصَافِ الْجِبِلِّيَّةِ؛ فَقَدْ لَا تُبْصِرُ الْعَيْنُ، وَلَا تَسْمَعُ الْأُذُنُ، لِغَلَبَةِ فِكْرٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ فَتَرْتَفِعُ فِي الْحَالِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنُ حَتَّى يُصاب1، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقال: إِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُولٍ عَلَى السَّمْعِ وَالْإِبْصَارِ؛ فَمَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: كَوْنُهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ؛ فَلَمْ يَصِرِ الْعِلْمُ لَهُ وَصْفًا، أَوْ كَالْوَصْفِ مَعَ عَدِّهِ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى غَلَطٍ فِي اعْتِقَادِ الْعَالِمِ فِي نَفْسِهِ، أَوِ اعْتِقَادِ غَيْرِهِ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [الْقَصَصِ: 50] . وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ" , إِلَى أَنْ قَالَ: "اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءً جُهالا، [فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ] 2؛ فضلُّوا وأضلُّوا 3 ".

_ 1 أي: فيصاب بسقطة في وهدة؛ لأنه لم يبصرها، أو تؤذيه دابة أو غيرها لم يسمع حركتها أو صوتها من بُعد فيتقيها، كل هذا من غفلة طرأت على غير مقتضى طبيعته؛ فكذلك فلتات العالم "د". 2 ليست في الأصل. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، 1/ 194/ رقم 100"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان" "4/ 2058/ رقم 2673" عن عبد الله بن عمرو بن العاص, رضي الله عنهما. وقد أسهبت في تخريجه في تعليقي على "الأوهام التي في مدخل أبي عبد الله الحاكم" "ص55-58"؛ فانظره هناك إن أردت الاستزادة، والله الهادي.

وَقَوْلُهُ: "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ1 فِرْقَةً، أَشَدُّهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتَيِ الَّذِينَ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ2" الْحَدِيثَ، فَهَؤُلَاءِ وَقَعُوا فِي الْمُخَالَفَةِ بِسَبَبِ ظن

_ 1 لا يقدح في هذا الحديث أن الفرق الأصلية لم يبلغ عددها هذا الحد، والفرق الفرعية تتجاوزه؛ إذ يكفي في صحته أن تبلغ الفرق الإسلامية هذا المقدار ولو في بعض الأزمنة، وقد بلغته بلا ريب، وساقها العلامة عضد الدين في خاتمة كتاب "المواقف" بتفصيل. "خ". قلت: أحصى هذه الفِرَق البغدادي في كتابه "الفرق" "ص25"، وخلط بين الفرق الخارجة عن الإسلام والداخلة فيه مع ابتداع، وذكر ما يزيد على ثمانين فرقة، وقال: "فهذه ثنتان وسبعون"، مع ملاحظة أن فرقا كثيرة نشأت بعد البغدادي لو عايشها لأدخلها في حسابه. 2 أخرجه الطبراني في "الكبير" "18/ 90"، وفي "مسند الشاميين" "رقم 1072"، وابن عدي في "الكامل" "7/ 2483"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 430"، والبزّار في "المسند" "رقم 172- زوائده"، والخطيب في "تاريخ بغداد" "13/ 307-308"، و"الفقيه والمتفقه" "1/ 179-180"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 207"، والهروي في "ذم الكلام" "ص83"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 813"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1673"، وابن حزم في "إبطال القياس" من طرق عن نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان الرحبي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا. والحديث ضعيف، وأشار إلى ذلك المصنف بقوله "5/ 147": "ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه". ثم قال: "وإن كان غيره قد هوّن الأمر فيه". قلت: الحديث ضعيف، آفته نعيم بن حماد، وقد تكلم الحفاظ فيه بسببه، قال ابن عدي: "وهذا إنما يعرف بنعيم بن حماد، رواه عن عيسى بن يونس، فتكلم الناس بجراه، ثم رواه رجل من أهل خراسان، يقال له: الحكم بن المبارك، يُكنَّى أبا صالح، يقال له: "الخواشتي"، ويقال: إنه لا بأس به، ثم سرقه قوم ضعفاء ممن يعرفون بسرقة الحديث؛ منهم: عبد الوهاب بن الضحاك، والنضير بن طاهر، وثالثهم سويد الأنباري"، وقال البيهقي عقبه: "تفرد به نعيم بن حماد، وسرقه عنه جماعة من الضعفاء، وهو منكر، وفي غيره من أحاديث الصحاح الواردة في معناه كفاية، وبالله =

الْجَهْلِ عِلْمًا؛ فَلَيْسُوا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَلَا مِمَّنْ صَارَ لَهُمْ كَالْوَصْفِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا حِفْظَ1 لَهُمْ فِي الْعِلْمِ؛ فَلَا اعْتِرَاضَ بهم.

_ = التوفيق". وقال ابن عبد البر: "هذا عند أهل العلم بالحديث حديث غير صحيح، حملوا فيه على نعيم بن حماد، وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: حديث عوف بن مالك هذا لا أصل له، وأما ما روي عن السلف في ذم القياس؛ فهو عندنا قياس على غير أصل أو قياس يرد به الأصل". قلت: مراد أحمد ويحيى هذا الحديث بلفظه المذكور، وفيه ذكر وذمٌّ للقياس، وإلا؛ فقد أخرج ابن ماجه في "السنن" "رقم 3992"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 63"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "رقم 149" بسند جيد من حديث عوف بن مالك مرفوعا: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة، وسبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة، وإحدى وسبعين في النار، والذي نفسي بيده؛ لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ فواحدة في الجنة، وثنتين وسبعين في النار ". قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: "هم الجماعة ". وأخرجه من حديثه أيضا الحاكم في "المستدرك" "1/ 128-129" من طريق أخرى، ولكن فيها كثير بن عبد الله المزني، لا تقوم به الحجة. ولحديث عوف باللفظ السابق -وليس بلفظ المصنف- شواهد عديدة من حديث أبي هريرة ومعاوية وأنس وعبد الله بن عمرو، وقد صححه جمع من الحفاظ؛ كما بيَّن ذلك بتطويل وتحقيق متين شيخنا الألباني -فسح الله مدته- في "السلسلة الصحيحة" "رقم 203، 204". وقد ضعّف حديث عوف -بلفظ المصنف- الزركشي فقال في "المعتبر" "ص227": "هذا حديث لا يصح، مداره على نُعيم بن حماد، قال الحافظ أبو بكر الخطيب في "تاريخه" "13/ 311": بهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل الحديث، وكان يحيى بن معين لا ينسبه إلى الكذب، بل إلى الوهم، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: قلت ليحيى بن معين في حديث نعيم هذا وسألته عن صحته؛ فأنكره. قلت له: من أين يؤتى؟ قال: شبه له. وقال محمد بن علي بن حمزة المروزي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، قال: ليس له أصل. قلت: فنُعيم بن حماد؟ قال: نُعيم ثقة. قلت: كيف يحدّث ثقة بباطل؟ قال: شُبِّه له". 1 في "م": "حظ".

فَأَمَّا مَنْ خَلَا عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ؛ فَهُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ حِفْظِ الْعِلْمِ، حَسْبَمَا نَصَّتْهُ الْأَدِلَّةُ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ كَثِيرٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، وَإِنَّ لِهَذَا الدِّينِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، وَإِنَّ مِنْ إِقْبَالِ هَذَا الدِّينِ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ؛ حَتَّى إِنَّ الْقَبِيلَةَ لَتَتَفَقَّهُ مِنْ عِنْدِ أَسْرِهَا" أَوْ قَالَ: آخِرِهَا، "حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا إِلَّا الْفَاسِقُ أَوِ الْفَاسِقَانِ؛ فَهُمَا مَقْمُوعان ذَلِيلَانِ، إِنْ تكلَّما أَوْ نَطَقَا؛ قُمعا وقُهرا واضطُهدا"1 الْحَدِيثَ. وَفِي الْحَدِيثِ: "سَيَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَكْثُرُ القُرَّاء، ويَقِلُّ الفُقهاء، ويُقبض الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ الهَرْج, إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ زَمَانٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي لَا يُجاوز تَرَاقِيهِمْ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ زَمَانٌ يُجادل الْمُنَافِقُ المشرك بمثل ما يقول" 2.

_ 1 أخرجه الطبراني في "الكبير" "8/ 234/ رقم 7807"، والهروي في "ذم الكلام" "ص157"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1026، 1028"، وابن السني وأبو نعيم -كما في "كشف الخفاء" "2/ 192/ رقم 2070"- من طريق علي بن يزيد الألهاني عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا، وإسناده ضعيف؛ لضعف علي بن يزيد الألهاني. قال الهيثمي في "المجمع" "7/ 262، 271": "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه علي بن زيد، وهو متروك". 2 أخرجه الطبراني في "الأوسط" "1/ ق 187" -وكما في "مجمع البحرين" "رقم 273"- من طريق ابن لهيعة، والحاكم في "المستدرك" "4/ 457"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1043" من طريق عمرو بن الحارث، كلاهما عن دراج أبي السمح عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة مرفوعا. قال الهيثمي في "المجمع" "1/ 187" بعد عزوه للطبراني في "الأوسط": "وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف". قلت: توبع، ودراج صدوق في غير روايته عن أبي الهيثم، وهذا منها؛ فالحديث إسناده حسن. وقال الهيثمي: "الحديث: في "الصحيح" بعضه". قلت: في "الصحيح": "قبض العلم، وكثرة الهرج، وقراءة القرآن من أناس لا يجاوز حناجرهم"، نسأل الله العافية والسلامة، ولو اقتصر المصنف على ما في "الصحيح"؛ لكان أحرى وأولى، والله الموفق، وما في "الصحيح" سيأتي "5/ 173".

وَعَنْ عَلِيٍّ: "يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ! اعْمَلُوا بِهِ؛ فَإِنَّ الْعَالِمَ مَنْ عَلِم ثُمَّ عَمِلَ، وَوَافَقَ عِلْمَهُ عَمَلُهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ، تُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتُهُمْ، وَيُخَالِفُ عِلْمَهُمْ عَمَلُهُمْ، يَقْعُدُونَ حِلَقًا يُباهي بَعْضُهُمْ بَعْضًا؛ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أعمالُهم تِلْكَ إِلَى اللَّهِ, عَزَّ وَجَلَّ"1. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعاة، وَلَا تَكُونُوا لَهُ رُوَاةً؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَرْعَوي وَلَا يَروي، وَقَدْ يَرْوِي وَلَا يَرْعَوي"2. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: "لَا تَكُونُ تَقِيًّا حَتَّى تَكُونَ عَالِمًا، وَلَا تَكُونُ بِالْعِلْمِ جَمِيلًا حَتَّى تَكُونَ بِهِ عَامِلًا"3. وَعَنِ الْحَسَنِ: "الْعَالِمُ الَّذِي وَافَقَ عِلْمَهُ عَمَلُهُ، وَمَنْ خَالَفَ عِلْمَهُ عَمَلُهُ؛ فَذَلِكَ رَاوِيَةُ حَدِيثٍ، سَمِعَ شيئا فقاله"4.

_ 1 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 106"، والخطيب في "الجامع" "رقم 31"، وفي "الاقتضاء" "رقم 9" عن يحيى بن جعدة عن علي به، وفيه ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف، ويحيى بن جعدة غير معروف بالرواية عن علي -رضي الله عنه- فالإسناد ضعيف. 2 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1238". 3 أخرجه من طرق عن أبي الدرداء الدارمي في "السنن" "1/ 88"، والخطيب في "الاقتضاء" "16، 17"، وعلقه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1239" بإسناد رجاله ثقات. 4 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1241".

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: "الْعُلَمَاءُ إِذَا عَلِمُوا عَمِلُوا، فَإِذَا عَمِلُوا شُغلوا، فَإِذَا شُغلوا فُقدوا، فَإِذَا فُقدوا طُلبوا، فَإِذَا طُلبوا هَربوا"1. وَعَنِ الْحَسَنِ؛ قَالَ: "الَّذِي يَفُوقُ النَّاسَ فِي الْعِلْمِ جَدِيرٌ أَنْ يَفُوقَهُمْ فِي الْعَمَلِ"2. وَعَنْهُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] ؛ قَالَ: "عُلِّمتم فَعَلِمتم وَلَمْ تَعْمَلُوا؛ فَوَاللَّهِ مَا ذَلِكُمْ بِعِلْمٍ"3. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: "الْعِلْمُ يَهتف بِالْعَمَلِ، فإن أجابه؛ وإلا ارتحل"4. وهذا تفسير كَوْنِ الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي يُلجئ إِلَى الْعَمَلِ. وَقَالَ الشَّعبيُّ: "كُنَّا نَسْتَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ بِهِ"5، وَمِثْلُهُ عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ6. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيْسَ الْعِلْمُ عَنْ كَثْرَةِ الحديث، إنما العلم خشية

_ 1 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1249". 2 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1270". 3 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1273". 4 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1274"، وأسند نحوه عن علي -رضي الله عنه- وابن المنكدر الخطيب في "الاقتضاء" "رقم 40، 41". 5 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1284". 6 أخرجه عن وكيع, ابن عساكر في "جزء حفظ القرآن" "11"، وأخرجه الخطيب في "الجامع" "الأرقام 1787، 1788، 1789"، و"الاقتضاء" "رقم 149"، والبيهقي في "الشعب" "رقم 1659، 1741"، مرة بذكر العمل، ومرة بذكر الصوم -عن شيخ لوكيع به- وأخرجه وكيع في "الزهد" "رقم 539" عن شيخ لهم؛ قال: "كنا نستعين على طلب الحديث بالصوم"، وجاء مصرحا في بعض الروايات بأنه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمَّع. وانظر: كلام محقق "الزهد" الشيخ عبد الرحمن الفريوائي حفظه الله ورعاه.

اللَّهِ"1. وَالْآثَارُ فِي هَذَا النَّحْوِ كَثِيرَةٌ. وَبِمَا ذُكر يتبيَّن الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ عُلَمَاءَ السُّوءِ هُمُ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ؛ فَلَيْسُوا فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا هُمْ رُوَاةٌ -وَالْفِقْهُ فِيمَا رَوَوْا أمرٌ آخَرُ- أَوْ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ هَوًى غَطَّى عَلَى الْقُلُوبِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. عَلَى أَنَّ الْمُثَابَرَةَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ، وَعَدَمِ الِاجْتِزَاءِ بِالْيَسِيرِ مِنْهُ؛ يجرُّ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ ويُلجئ إِلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ: "كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا؛ فجرَّنا إِلَى الْآخِرَةِ"2. وَعَنْ مَعْمَر؛ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ يُقَالُ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ يَأْبَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ حَتَّى يُصيِّره إِلَى اللَّهِ"3. وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: "طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ وَلَيْسَ لَنَا فِيهِ نية، ثم جاءت

_ 1 أخرجه أحمد في "الزهد" "185"، وأبو داود في "الزهد" "رقم 182"، والطبراني في "الكبير" "9/ 105/ رقم 8534"، وابن بطة في "إبطال الحيل" "ص21"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 131"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 486"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1400، 1401"، بإسناد كلهم ثقات؛ إلا أن عون بن عبد الله لم يدرك ابن مسعود، كما قال أئمة هذا الفن، وبالانقطاع أعله الهيثمي في "المجمع" "10/ 235"؛ فإسناده ضعيف بسببه. وذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" "1/ 416". 2 أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1375" بسند فيه عبد الله بن غالب مستور، والربيع بن صبيح صدوق، سيئ الحفظ؛ كما في ترجمتيهما في "التقريب". 3 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "11/ 256"، ومن طريقه البيهقي في "المدخل" "519"، والخطيب في "الجامع" "774، 775"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1376، 1377، 1378، 1379" بإسناد صحيح.

النِّيَّةُ بَعْدُ"1. وَعَنِ الثَّوْرِيِّ؛ قَالَ: "كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا؛ فجرَّنا إِلَى الْآخِرَةِ"2، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي كَلَامٍ آخَرَ: "كنتُ أغبطُ الرَّجُلَ يُجتمع حَوْلَهُ، وَيُكْتَبُ عَنْهُ، فَلَمَّا ابْتُلِيتُ بِهِ؛ وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهُ كَفَافًا، لَا عَلَيَّ وَلَا لِي"3. وَعَنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ مُنْذُ أَكْثَرِ مِنْ سِتِّينَ سَنَةً يَقُولُ: "طَلَبْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ فَأَعْقَبَنَا اللَّهُ مَا تَرَوْنَ"4. وَقَالَ الْحَسَنُ: "لَقَدْ طَلَبَ أَقْوَامٌ الْعِلْمَ مَا أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ فَمَا زَالَ بِهِمْ حَتَّى أَرَادُوا بِهِ اللَّهَ وَمَا عِنْدَهُ"5؛ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ. فَصْلٌ: وَيَتَصَدَّى النَّظَرُ هُنَا فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، وَمَا هِيَ. وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِصَارِ أَنَّهَا أمرٌ بَاطِنٌ، وَهُوَ الَّذِي عُبَّر عَنْهُ بِالْخَشْيَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْآيَةِ، وَعَنْهُ عَبَّرَ فِي الْحَدِيثِ فِي أَوَّلُ مَا يُرفع مِنَ الْعِلْمِ الْخُشُوعُ6، وَقَالَ مالك: "ليس العلم بكثرة

_ 1 أخرجه الخطيب في "الجامع" "رقم 773"، والبيهقي في "المدخل" "521"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1380"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 61" بإسناد صحيح. 2 أخرجه ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1381". 3 أخرج نحوه عن الثوري بإسناد حسن ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 982". 4 أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" "38"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1382". 5 أورده ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1383". 6 أخرجه النسائي في "الكبرى" "كتاب العلم"؛ كما في "تحفة الأشراف" "8/ 211"، وأحمد في "المسند" "6/ 26-27"، والطبراني في "الكبير" "18/ رقم 75"، و"الأوائل" "رقم =

الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّهُ نُورٌ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ"1، وَقَالَ أَيْضًا: "الْحِكْمَةُ وَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ: وَهُوَ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرور، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ"2, وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ. وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهِ؛ فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ، وَفِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ طَرَفٌ3؛ فَرَاجِعْهُ إِنْ شئت، وبالله التوفيق.

_ = 81"، وابن أبي عاصم في "الأوائل" "رقم 109"، والبزار في "المسند" "رقم 232- زوائده"، وابن حبان في "الصحيح" "10/ 433/ رقم 4572- الإحسان" في آخر حديث طويل لشداد بن أوس الأنصاري، وإسناده صحيح. وله شاهد عن أبي الدرداء عند الترمذي في "الجامع" "رقم 2653"، والطبراني في "الكبير" بإسناد حسن؛ كما في "الترغيب" "رقم 543- صحيحه"، و"مجمع الزوائد" "2/ 36"، وقال المنذري: "الموقوف أشبه"، وعلق على مقولته شيخنا الألباني: "قلت: بل المرفوع أشبه؛ لأن له شواهد, ولا سيما وهو لا يقال بالرأي". وفي "ط": "العلم ليس ... ". وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "4/ 469" عن حذيفة، وصححه ووافقه الذهبي. 1 أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" "558"، وأبو نعيم في "الحلية" "6/ 319"، وابن منده في "الفوائد" "رقم 68"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1398"، عن "جامع ابن وهب"، وأورده البغوي في "شرح السنة" "1/ 284"، وابن الجوزي في "صفوة الصفوة" "2/ 179"، والفلاني في "إيقاظ الهمم" "24"، وأبو شامة في "مختصر المؤمل" "32"، والقاضي عياض في "ترتيب المدارك" "1/ 184". 2 أورده ابن عبد البر في "التمهيد" "4/ 267"، و"الجامع" "70" عن "جامع ابن وهب" وعنه: الفلاني في "إيقاظ الهمم" "ص24"، وأبو شامة في "مختصر المؤمل" "ص32"، وكلمة "والعلم" ساقطة من "ط". 3 انظر: "5/ 24، 260 وما بعد".

المقدمة التاسعة

المقدمة التاسعة: من العلم ما هو من صُلْب1 وَمِنْهُ مَا هُوَ2 مُلَح الْعِلْمِ لَا مِنْ صُلْبِهِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ صُلْبه وَلَا مُلَحه؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. - الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْأَصْلُ وَالْمُعْتَمَدُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الطَّلَب، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي مَقَاصِدُ الرَّاسِخِينَ، وَذَلِكَ مَا كَانَ قَطْعِيًّا، أَوْ رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، وَالشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ مَنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ محفوظة في أصولها وفروعها3؛ كما قال تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] ؛ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ الْمَقَاصِدِ التي بها يكون صلاح الدارين،

_ 1 "الصلب؛ بضم، فسكون: عظم الظهر من لدن الكاهل إلى العجب، والصلب أيضا الشديد القوي. والملح؛ بفتح وسكون اللام؛ أي: ملحة التي تستملح, أي: تعد مليحة، أي: حسينة؛ إذ الملح بضم ففتح: هي الأخبار المليحة، وهي الملح بفتح فسكون" "ماء". 2 في "م" و"خ" زيادة: "من". 3 حمل المصنف في المقدمة الأولى الحفظ في الآية على الأصول الكلية، ونفى أن يكون المراد المسائل الجزئية وهو كما يظهر مخالف لعبارته في هذه المقدمة؛ إذ جعل الحفظ شاملا للأصول والفروع، والتحقيق أن الفروع محفوظة بنصب الأدلة الكافية لمن توجه إلى استنباطها ببصيرة صافية وفهم راسخ، فإذا ضل نبؤها على قوم؛ اهتدى إليه آخرون. "خ".

وَهِيَ: الضَّرُورِيَّاتُ، وَالْحَاجِيَّاتُ، وَالتَّحْسِينَاتُ، وَمَا هُوَ مُكَمِّلٌ لَهَا وَمُتَمَّمٌ لِأَطْرَافِهَا، وَهِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْقَطْعِيُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهَا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهَا عِلْمٌ أَصِيلٌ، رَاسِخُ الْأَسَاسِ، ثَابِتُ الْأَرْكَانِ. هَذَا وَإِنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لَا عَقْلِيَّةً؛ فَالْوَضْعِيَّاتُ قَدْ تُجَارِي الْعَقْلِيَّاتِ فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ، وَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ مِنْ جُمْلَتِهَا؛ إِذِ الْعِلْمُ بِهَا مُسْتَفَادٌ مِنَ الاستقراء التام1 النَّاظِمِ لِأَشْتَاتِ أَفْرَادِهَا، حَتَّى تَصِيرَ فِي الْعَقْلِ مَجْمُوعَةً فِي كُلِّيَّاتٍ مُطَّرِدَةٍ، عَامَّةٍ، ثَابِتَةٍ غَيْرِ زَائِلَةٍ وَلَا مُتَبَدِّلَةٍ، وَحَاكِمَةٍ غَيْرِ مَحْكُومٍ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ خَوَاصُّ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّاتِ2. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الْوُجُودِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَضْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ؛ فَاسْتَوَتْ مَعَ الْكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَارْتَفَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. فَإِذًا لِهَذَا الْقِسْمِ3 خَوَاصٌّ ثَلَاثٌ، بِهِنَّ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ: إِحْدَاهَا: الْعُمُومُ وَالِاطِّرَادُ؛ فَلِذَلِكَ جَرَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهَا الْخَاصَّةُ لَا تَتَنَاهَى؛ فَلَا عَمَلَ يُفرض, وَلَا حَرَكَةَ وَلَا سُكُونَ يُدَّعَى، إِلَّا وَالشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ حَاكِمَةٌ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا عَامَّةٌ، وَإِنْ فُرِضَ فِي نُصُوصِهَا أَوْ مَعْقُولِهَا خُصُوصٌ مَا؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى عُمُومٍ؛ كَالْعَرَايَا، وَضَرْبِ الدية على العاقلة، والقراض،

_ 1 في النسخ المطبوعة: "العام"، وما أثبتناه من المخطوط الأصل. 2 في "م": "العقلية"، وأثبت "م" هنا في الهامش ما نصه: "من لوازم ذلك وصف الشريعة بثلاثة أوصاف: عمومها، وثباتها، وكونها حاكمة". 3 أصوله وفروعه. "د".

وَالْمُسَاقَاةِ1، وَالصَّاعِ فِي الْمُصَرَّاةِ2، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أُصُولٍ حَاجِيَّةٍ أَوْ تَحْسِينِيَّةٍ أَوْ مَا يُكَمِّلُهَا3، وَهِيَ أُمُورٌ عَامَّةٌ4؛ فَلَا خَاصَّ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا وَهُوَ عَامٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: الثُّبُوتُ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ؛ فَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِيهَا بَعْدَ كَمَالِهَا نَسْخًا، وَلَا تَخْصِيصًا لِعُمُومِهَا، وَلَا تَقْيِيدًا لِإِطْلَاقِهَا، وَلَا رَفْعًا لِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا، لَا بِحَسَبِ عُمُومِ الْمُكَلَّفِينَ، وَلَا بِحَسَبِ خُصُوصِ بَعْضِهِمْ، وَلَا بِحَسَبِ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَلَا حَالٍ دُونَ حَالٍ5، بَلْ مَا أُثْبِتَ سَبَبًا؛ فَهُوَ سَبَبٌ أَبَدًا لَا يَرْتَفِعُ، وَمَا

_ 1 فعموم النهي عن الغرر، وعدم مسئولية الشخص عن فعل غيره، وفساد المعاملات المشتملة على الجهالة في الثمن أو الأجرة مثلا، يشمل بظاهره هذه المسائل، ولكن لما كان لها في الواقع علل معقولة تجعل حكمها مغايرا لحكم العمومات المذكورة، وقد أخذت حكمها المعقول على خلاف حكم ما كان يشملها في الظاهر؛ أطلقوا عليها أنها مستثناة، وقالوا: إنها خاصة، وهي في الحقيقة قواعد كلية أيضا انبنت على أصول من مقاصد الشريعة الثلاثة. "د". 2 انظر وجه نظمه في هذا السلك مع أنهم قالوا: إنه حكم تعبدي محض "د". و"المصراة": الناقة -مثلا- يربط صاحبها ضرعها ليجتمع لبنها، فيظن من يريد شراءها أن حلبتها كثير، فإذا اشتراها فحلبها، ثم أراد ردها للتدليس؛ رد معها صاعا من تمر. "م". 3 تندرج صور الوقائع تحت أصل واحد، وتتفق في الحكم إذا كانت متماثلة من كل وجه له مناسبة بالحكم، فإذا اختلف بعض المسائل في الحكم؛ عرفنا أنها لم تكن متماثلة تماثلا تاما، وأن اختلافها في الحكم كان لوجه يفرق بينها في نفس الأمر؛ فوصف بعض الفقهاء العرايا ونحوها بأنها مخالفة للقياس أو خارجة عن الأصل لا يصح إلا إذا أرادوا القياس أو الأصل الذي يتراءى لهم في بادئ النظر "خ". قلت: حقق ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "20/ 555" وتلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه لم يثبت شيء في الشريعة على خلاف القياس. 4 بعدها في "ط" وحدها كلمة لم نتبينها. 5 لا يرد على هذا اختلاف الأحكام عند اختلاف العرف والعادة؛ فإنه ليس باختلاف في أصل الخطاب، وتحقيقه أن العوائد إذا اختلفت؛ رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يختص بها وينطبق حكمه عليها "خ".

كَانَ شَرْطًا؛ فَهُوَ أَبَدًا شَرْطٌ، وَمَا كَانَ وَاجِبًا؛ فَهُوَ وَاجِبٌ أَبَدًا، أَوْ مَنْدُوبًا فَمَنْدُوبٌ، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْأَحْكَامِ؛ فَلَا زَوَالَ لَهَا وَلَا تَبَدُّلَ، وَلَوْ فُرِضَ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ؛ لَكَانَتْ أَحْكَامُهَا كَذَلِكَ. وَالثَّالِثَةُ: كَوْنُ الْعِلْمِ حَاكِمًا لَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ، بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِعَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ انْحَصَرَتْ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يُفِيدُ الْعَمَلَ, أَوْ يُصَوِّبُ نَحْوَهُ, لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ, وَلَا تَجِدُ فِي الْعَمَلِ أَبَدًا مَا هُوَ حَاكِمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَإِلَّا انْقَلَبَ كَوْنُهَا حَاكِمَةً إِلَى كَوْنِهَا مَحْكُومًا عَلَيْهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ. فَإِذًا؛ كُلُّ عِلْمٍ حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ؛ فَهُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهَا وَالْبُرْهَانُ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. - وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَعْدُودُ فِي مُلَحِ الْعِلْمِ لَا فِي صُلْبِهِ1: مَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا وَلَا رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، بَلْ إِلَى ظَنِّيٍّ، أَوْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى قَطْعِيٍّ إِلَّا أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهُ خَاصَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْخَوَاصِّ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ خَاصَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَهُوَ مُخَيَّلٌ، وَمِمَّا يَسْتَفِزُّ الْعَقْلَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِخْلَالٌ بِأَصْلِهِ، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا؛ صَحَّ أَنْ يُعَدَّ فِي هَذَا الْقِسْمِ. فَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الْأُولَى -وَهُوَ الِاطِّرَادُ وَالْعُمُومُ- فَقَادِحٌ فِي جَعْلِهِ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ يُقَوِّي جَانِبَ الاطراح ويضعف جانب الاعتبار؛ إذ النقص2 فِيهِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْوُثُوقِ بِالْقَصْدِ الْمَوْضُوعِ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ، وَيُقَرِّبُهُ مِنَ الْأُمُورِ الِاتِّفَاقِيَّةِ الْوَاقِعَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ فَلَا يُوثَقُ بِهِ وَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الثَّانِيَةِ -وهو الثبوت- فيأباه صُلب العلم وقواعده،

_ 1 انظر: "القواعد" للمقري "2/ 406". 2 في "د": "النقض" بالمعجمة.

فَإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ، ثُمَّ خَالَفَ حَكَمُهُ الْوَاقِعَ فِي الْقَضِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَوْ بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ كَانَ حُكْمُهُ خَطَأً وَبَاطِلًا، مِنْ حَيْثُ أَطْلَقَ الْحُكْمَ فِيمَا لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، أَوْ عَمَّ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ؛ فَعَدِمَ النَّاظِرُ الْوُثُوقَ بِحُكْمِهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى خُرُوجِهِ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ. وَأَمَّا تَخَلُّفُ الْخَاصِّيَّةِ الثَّالِثَةِ -وَهُوَ كَوْنُهُ حَاكِمًا وَمَبْنِيًّا عَلَيْهِ- فَقَادِحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ فِي الْعُقُولِ لَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ حَاضِرَةٌ، غَيْرَ مُجَرَّدِ رَاحَاتِ النُّفُوسِ, فَاسْتُوِيَ مَعَ سَائِرِ مَا يُتَفَرَّجُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَأَحْرَى فِي الِاطِّرَاحِ، كَمَبَاحِثِ السُّوفِسْطَائِيِّينَ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ. وَلِتَخَلُّفِ بَعْضِ هَذِهِ الْخَوَاصِّ أَمْثِلَةٌ يُلْحَقُ بِهَا مَا سِوَاهَا: أَحَدُهَا: الْحِكَمُ الْمُسْتَخْرَجَةُ لِمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي التَّعْبُدَاتِ1 كَاخْتِصَاصِ الْوُضُوءِ بِالْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ وَالصَّلَاةِ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَوْنِهَا عَلَى بَعْضِ الْهَيْئَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، وَتَعْيِينِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي تِلْكَ الْأَحْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ أَحْيَانِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِالْأَعْمَالِ الْمَعْلُومَةِ، وَفِي الْأَمَاكِنِ الْمَعْرُوفَةِ، وَإِلَى مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ وَلَا تَطُورُ نَحْوَهُ2 فَيَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ فَيُطَرِّقُ3 إِلَيْهِ حِكَمًا يَزْعُمُ4 أَنَّهَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ تِلْكَ الْأَوْضَاعِ، وَجَمِيعُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنٍّ5.

_ 1 كلام المصنف هنا تعميق وتأصيل لما عند شيخه المقري في "القواعد" "2/ 406-408، القاعدة التاسعة والخمسون بعد المائة". 2 أي: لا تحوم جهته من الطور، وهو الحوم حول الشيء. "د". وكتب "م" في الهامش" "يطور: يتجه". 3 أي: يدخل تلك الحكم ويقحمها على تلك الأحكام وينسبها إليه. 4 في "ط": "يزعم فيها أنها". 5 فيكون من باب ما انتفى فيه خاصتان، ومع ذلك؛ فهو مبني على ظني، وربما يستفاد منه أن قوله سابقا: "إلا أنه تخلف عنه خاصة" ليس خاصا بما كان مبنيا على قطعي، وأنه لو كان ظنيا وانتفى فيه خاصة أو أكثر؛ يصح أن يعد من هذا القسم؛ فتأمل. "د".

وَتَخْمِينٍ غَيْرِ مُطَّرِدٍ فِي بَابِهِ، وَلَا مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ عَمَلٌ، بَلْ كَالتَّعْلِيلِ بَعْدَ السَّمَاعِ لِلْأُمُورِ الشَّوَاذِّ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا يُعَدُّ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ لِجِنَايَتِهِ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَلَا دَلِيلَ لَنَا عَلَيْهِ1. وَالثَّانِي: تَحَمُّلُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ عَلَى الْتِزَامِ كَيْفِيَّاتٍ لَا يَلْزَمُ مِثْلُهَا، وَلَا يُطْلَبُ الْتِزَامُهَا، كَالْأَحَادِيثِ الْمُسَلْسَلَةِ الَّتِي أُتِيَ بِهَا عَلَى وُجُوهٍ مُلْتَزَمَةٍ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ؛ فَالْتَزَمَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِالْقَصْدِ، فَصَارَ تحملها على ذلك القصد تحريا له، بِحَيْثُ يَتَعَنَّى فِي اسْتِخْرَاجِهَا، وَيَبْحَثُ عَنْهَا بِخُصُوصِهَا، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَصْدَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ، وَإِنْ صَحِبَهَا الْعَمَلُ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْأَسَانِيدِ لَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ" 2؛ فَإِنَّهُمُ الْتَزَمُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ أول حديث يسمعه

_ 1 كالنهي عن اتخاذ التماثيل، يقولون: إن العلة في التحريم خشية أن تجر إلى احترامها، ثم إلى عبادتها؛ لقرب الألف بعبادة الأوثان, فلما أيس الآن من ذلك؛ صار لا مانع مع اتخاذها، فهذا استنباط للعلة بطريق الظن واتباع الهوى. "د". وعلق "خ" هنا ما نصه: "من هذا الصنف ما يصنعه بعض أصحاب الأهواء حين يريدون التملص من بعض ما نهت عنه الشريعة؛ إذ يقصدون إلى أمر كان واقعا في زمن التشريع، ثم ارتفع، يزعمون من غير بينة أنه علة التحريم؛ ليتسنى لهم القول بالإباحة بناء على قاعدة أن الأحكام تدور مع العلل وجودا وعدما". 2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين، 4/ 323-324/ رقم 1924"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأدب، باب في الرحمة، 4/ 285/ رقم 4941"، وأحمد في "المسند" "2/ 160"، والحميدي في "المسند" "رقم 591"، والبخاري في "التاريخ" "9/ 64"، وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية" "69"، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" "775"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 159"، والبيهيق في "الأسماء" =

التلميذ من شيخه، فإن سمعه من بَعْدَ مَا أَخَذَ عَنْهُ غَيْرَهُ؛ لَمْ يَمْنَعْ ذلك الاستفادة بمقتضاه، [وكذا سَائِرُهَا؛ غَيْرَ أَنَّهُمُ الْتَزَمُوا ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّكِ وَتَحْسِينِ الظَّنِّ خَاصَّةً] 1، وَلَيْسَ2 بِمُطَّرِدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ أَوْ أَكْثَرِهَا؛ حَتَّى يُقال: إِنَّهُ مَقْصُودٌ؛ فَطَلَبُ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ مُلَحِ الْعِلْمِ لَا مَنْ صُلْبِهِ. وَالثَّالِثُ: التَّأَنُّقُ3 فِي اسْتِخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ طُرق كَثِيرَةٍ، لَا عَلَى قَصْدِ طَلَبِ تَوَاتُرِهِ، بَلْ عَلَى أَنْ يُعَدَّ آخِذًا لَهُ عَنْ شُيُوخٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ جِهَاتٍ شتى، وإن

_ = "ص423"، والخطيب في "التاريخ" "3/ 260"، وابن أبي الدنيا في "العيال" "1/ 426" من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وحسنه ابن حجر في كتابه "الإمتاع" "ص63"، وذكر تصحيح الترمذي وعلق عليه بقوله: "وكأنه صححه باعتبار المتابعات والشواهد، وإلا؛ فأبو قابوس لم يرو عنه سوى عمرو بن دينار, ولا يعرف اسمه، ولم يوثقه أحد من المتقدمين". قلت: وأقوى هذه الشواهد ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التوحيد، باب قول الله تبارك وتعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} ، 13/ 358/ رقم 7376"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب رحمته -صلى الله عليه وسلم- الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، 4/ 1809/ رقم 2319" عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- مرفوعا بلفظ: "من لا يرحم الناس؛ لا يرحمه الله عز وجل ". وما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، 10/ 426/ رقم 5997"، ومسلم في "الصحيح" "رقم 2318" عن أبي هريرة مرفوعا: "من لا يَرْحم؛ لا يُرحَم". وانظر: "الأربعين في فضل الرحمة والراحمين" لابن طولون. 1 زيادة من الأصل المخطوط و"خ" و"م"، وسقطت من "د". 2 فيكون انتفى فيه الخاصتان المنتفيتان في المثال قبله. "د". 3 وهو مما انتفى فيه فائدة بناء عمل عليه؛ لأنه ما دام ذلك راجعا إلى كثرة الرواة في بعض طبقاتهم في الحديث لا إلى جميع الطبقات حتى يفيد قوة في الحديث، لا يكون فيه فائدة، ولا ينبني عليه ترجيح للحديث على غيره. "د".

كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْآحَادِ فِي الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعَيْنِ، أَوْ غَيْرِهِمْ؛ فَالِاشْتِغَالُ بِهَذَا مِنَ الْمُلَحِ، لَا مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ. خَرَّجَ أَبُو عُمَرَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ؛ قال: خرجت حديثا واحدا عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ, أَوْ مِنْ نَحْوِ مِائَتَيْ طَرِيقٍ -شَكَّ الرَّاوِي- قَالَ: فَدَاخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْفَرَحِ غَيْرُ قَلِيلٍ، وَأُعْجِبْتُ بِذَلِكَ؛ فَرَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا! قَدْ خَرَّجْتُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مِائَتَيْ طَرِيقٍ. قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَخْشَى أن يدخل هذا تحت: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} 1 [التَّكَاثُرُ: 1] ، هَذَا مَا قَالَ. وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ تَخْرِيجَهُ مِنْ طُرُقٍ يَسِيرَةٍ كافٍ فِي الْمَقْصُودِ مِنْهُ؛ فَصَارَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلًا. وَالرَّابِعُ: الْعُلُومُ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الرُّؤْيَا، مِمَّا لَا يَرْجِعُ إِلَى بِشَارَةٍ وَلَا نِذَارَةٍ2؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ بِالْمَنَامَاتِ وَمَا يُتَلَقَّى مِنْهَا تَصْرِيحًا، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً؛ فَأَصْلُهَا الَّذِي هُوَ الرُّؤْيَا غَيْرُ معتبر في

_ 1 ذكرها بإسناد صحيح ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1988"، وذكرها السلفي في "الوجيز" "93"، وابن رشيد في "ملء العيبة" "3/ 215"، والذهبي في "السير" "16/ 181". 2 الأدلة المعتد بها ما يمكن التوصل إلى تمييز صحيحها من فاسدها، وهي اللفظ المروي أو الاستنباط، والرؤيا لا يمكن تمييز صالحها من باطلها كالإلهامات، ومن ثَم أفتى الفقهاء بأن من رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- في المنام وأخبره بأن زوجه طالق عليه، أو أن هذا اليوم من رمضان؛ ألغى العمل على مقتضى الرؤيا، وعول على ما يعرفه في اليقظة "خ". قلت: وانظر في هذا: "مجموع ابن تيمية" "24/ 376"، و"الاعتصام" "1/ 261-263"، و"مدارج السالكين" "1/ 51"، و"التنكيل" "2/ 242"، وما سيأتي عند المصنف "4/ 470 وما بعدها".

الشَّرِيعَةِ فِي مِثْلِهَا1، كَمَا فِي رُؤْيَا الْكِنَانِيِّ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، فَإِنَّ مَا قَالَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ لَمْ نَحْتَجَّ2 بِهِ حَتَّى عَرَضْنَاهُ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْيَقَظَةِ؛ فَصَارَ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ مَأْخُوذًا مِنَ الْيَقَظَةِ لَا مِنَ المنام، وإنما ذُكرت الرؤيا تأنيسا، وعلى هَذَا يُحمل مَا جَاءَ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالرُّؤْيَا. وَالْخَامِسُ: الْمَسَائِلُ الَّتِي يُختلف فِيهَا؛ فَلَا يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهَا فَرْعٌ عَمَلِيٌّ، إِنَّمَا تُعَدُّ مِنَ الْمُلَحِ، كَالْمَسَائِلِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا قَبْلُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ3، وَيَقَعُ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، وَفِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْهَا كَثِيرٌ؛ كَمَسْأَلَةِ اشْتِقَاقِ الْفِعْلِ مِنَ الْمَصْدَرِ4، وَمَسْأَلَةِ اللَّهُم5، ومسألة أشياء6، ومسألة الأصل في

_ 1 أي: مثل هذه الاستدلالات؛ فلم يجعلها الشرع من الأدلة على الأحكام، وإنما جعلها بشارة للمؤمنين مثلا "د". 2 فهذا من باب الظني غير المطرد، ولا ينبني عليه عمل. "د". 3 انظرها: "ص38". 4 ذهب الكوفيون إلى أن المصدر مشتقٌّ من الفعل وفرعٌ عليه، وذهب البصريون إلى أن الفعل مشتق من المصدر وفرع عليه. انظر تفصيل المسألة في: "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري "1/ 235"، "شرح الرضى على الكافية" "2/ 178". 5 ذهب الكوفيون إلى أن الميم المشددة في "اللهمَّ" ليست عوضا من "يا" التي للتنبيه في النداء، وذهب البصريون إلى أنها عوض من "ياء" التي للتنبيه في النداء، والهاء مبنية على الضم؛ لأنه نداء. انظر تفصيل المسألة في "الإنصاف" لابن الأنباري "1/ 341"، "لسان العرب" "أل هـ". 6 ذهب الكوفيون إلى أن "أشياء" وزنه "أفْعاء"، والأصل "أفعلاء"، وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنه "أفعال"، وذهب البصريون إلى أن وزنه "لفعاء"، والأصل "فعلاء". انظر تفصيل المسألة في: "الإنصاف" لابن الأنباري "2/ 812"، "لسان العرب" "ش ي أ".

لَفْظِ الِاسْمِ1، وَإِنِ انْبَنَى الْبَحْثُ فِيهَا عَلَى أُصُولٍ مُطَّرِدَةٍ، وَلَكِنَّهَا لَا فَائِدَةَ تُجْنَى ثَمَرَةً لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا؛ فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ صُلْبِ الْعِلْمِ. وَالسَّادِسُ: الِاسْتِنَادُ إِلَى الْأَشْعَارِ فِي تَحْقِيقِ الْمَعَانِي الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَكَثِيرًا مَا يَجْرِي مِثْلُ هَذَا لِأَهْلِ التَّصَوُّفِ فِي كُتُبِهِمْ2، وَفِي بَيَانِ مَقَامَاتِهِمْ؛ فَيَنْتَزِعُونَ مَعَانِيَ الْأَشْعَارِ، وَيَضَعُونَهَا لِلتَّخَلُّقِ بِمُقْتَضَاهَا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْمُلَحِ3؛ لِمَا فِي الْأَشْعَارِ الرَّقِيقَةِ مِنْ إِمَالَةِ الطِّبَاعِ، وَتَحْرِيكِ النُّفُوسِ إِلَى الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ, وَلِذَلِكَ اتَّخَذَهُ الْوُعَّاظُ دَيْدَنا، وَأَدْخَلُوهُ فِي أَثْنَاءِ وَعْظِهِمْ، وَأَمَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَمْرِ فِي نَفْسِهِ؛ فَالِاسْتِشْهَادُ بِالْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا؛ فَمَقْبُولٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَالسَّابِعُ: الِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَثْبِيتِ الْمَعَانِي بِأَعْمَالِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ، بِنَاءً عَلَى مُجَرَّدِ تَحْسِينِ الظَّنِّ، لَا زَائِدَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَكُونُ أَعْمَالُهُمْ حُجَّةً حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ4، فَإِذَا أُخِذَ ذَلِكَ بإطلاق فيمن يُحسن

_ 1 ذهب الكوفيون إلى أن الاسم مشتق من الوَسْم وهو العلامة، وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو وهو العلو. انظر تفصيل المسألة في: "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري "1/ 6"، "لسان العرب" "س م و". 2 ذكروا لمأخذ اسم الصوفية وجوها أقربها أنه نسبة إلى الصوف الذي هو لباس العباد أو إلى آل الصوفة على وجه التشبيه بهم، وهم حي من مضر كانوا يخدمون الكعبة، ويتنسكون كما في "أساس البلاغة" و"القاموس". "خ". قلت: وهذه المآخذ ليست بصحيحة، والأسقم منها نسبة الصوفية إلى "أهل الصفة"، وقد بينت خطأ ذلك من وجوه أربعة في مقدمة تحقيقي لكتاب السخاوي "رجحان الكفة"؛ فانظره إن أردت الاستزادة، والله الهادي. 3 لأنها ليست قطعية، ولا مبنية على قطعي غالبا، ولا هي مطردة عامة "د". 4 انظر: "5/ 258 وما بعدها".

الظَّنُّ بِهِ؛ فَهُوَ -عِنْدَمَا يَسْلَمُ مِنَ الْقَوَادِحِ1- مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَجْلِ مَيْلِ النَّاسِ إِلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ صَلَاحٌ وَفَضْلٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ اطِّرَادِ الصَّوَابِ فِي عَمَلِهِ، وَلِجَوَازِ تَغَيُّرِهِ، فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ -إِنْ سَلِمَ- هَذَا الْمَأْخَذَ2. وَالثَّامِنُ: كَلَامُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ3 مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ4؛ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ مِنْ قَبِيلِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ أَوْغَلُوا فِي خِدْمَةِ مَوْلَاهُمْ، حَتَّى أَعْرَضُوا عَنْ غَيْرِهِ جُمْلَةً، فَمَالَ بِهِمْ هَذَا الطَّرَفُ إِلَى أَنْ تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ الِاطِّرَاحِ لِكُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَأَعْرَبُوا عَنْ مُقْتَضَاهُ، وَشَأْنُ مَنْ هَذَا شَأْنُهُ لَا يُطِيقُهُ الْجُمْهُورُ، وَهُمْ إِنَّمَا يُكَلِّمُونَ بِهِ الْجُمْهُورَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؛ فَفِي رُتْبَتِهِ لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ -فِي حَقِّ الْأَكْثَرِ- مِنَ الْحَرَجِ أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، بَلْ رُبَّمَا ذَمُّوا بِإِطْلَاقٍ مَا لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَفِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؛ فَصَارَ أَخْذُهُ بِإِطْلَاقٍ مُوقِعًا فِي مَفْسَدَةٍ، بِخِلَافِ أَخْذِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَلَيْسَ عَلَى هَذَا مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُلَحِهِ وَمُسْتَحْسَنَاتِهِ. وَالتَّاسِعُ: حَمْلُ بَعْضِ الْعُلُومِ عَلَى بَعْضٍ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ؛ حَتَّى تَحْصُلَ الْفُتْيَا فِي أَحَدِهَا بِقَاعِدَةِ الْآخَرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْتَمِعَ الْقَاعِدَتَانِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ حَقِيقِيٍّ، كَمَا يُحْكَى عَنِ الْفَرَّاءِ النَّحْوِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ برع في علم واحد سهل

_ 1 في "م" و"خ": "الفوادح", بالفاء. 2 انظر في هذا والذي يليه "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 430 و11/ 15". 3 وهو مما انتفى فيه الاطراد، وأخذ كلامهم على الاطراد والإطلاق موقع في مفسدة الحرج أو تكليف ما لا يطاق؛ فالبحث في كلامهم وشرحه من الملح "د". 4 الولي في العرف الشرعي وكلام السلف من صفت بصيرته وامتلأ قلبه وثوقا بالله ثم استقام على السنة الصحيحة والآداب الرفيعة، وبهذا المعنى يفسر الولي في مثل قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، والحديث القدسي: "من آذى لي وليا؛ فقد آذنته بالحرب ". "خ".

عَلَيْهِ كُلُّ عِلْمٍ. فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي, وَكَانَ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ الْفَرَّاءِ: فَأَنْتَ قَدْ بَرَعْتَ فِي عِلْمِكَ، فَخُذْ مَسْأَلَةً أَسْأَلُكَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِكَ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ, ثُمَّ سَجَدَ لِسَهْوِهِ فَسَهَا فِي سُجُودِهِ أَيْضًا؟ قَالَ الْفَرَّاءُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: لِأَنَّ التَّصْغِيرَ عِنْدَنَا1 لَا يُصَغَّرُ؛ فَكَذَلِكَ السَّهْوُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَا يُسْجَدُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصْغِيرِ التَّصْغِيرِ؛ فَالسُّجُودُ لِلسَّهْوِ هُوَ جَبْرٌ لِلصَّلَاةِ، وَالْجَبْرُ لَا يُجْبَرُ، كَمَا أَنَّ التَّصْغِيرَ لَا يُصَغَّرُ. فَقَالَ الْقَاضِي: مَا حَسِبْتُ أَنَّ النِّسَاءَ يَلِدْنَ مِثْلَكَ2. فَأَنْتَ تَرَى مَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ التَّصْغِيرِ وَالسَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الضَّعْفِ؛ إِذْ لَا يَجْمَعُهُمَا فِي الْمَعْنَى أَصْلٌ حَقِيقِيٌّ فَيُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. فَلَوْ جَمَعَهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ؛ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، كَمَسْأَلَةِ الْكِسَائِيِّ مَعَ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ. رُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ على الرشيد، والكسائي يداعبه ويمازحه؛ فقال

_ 1 كلمة "عندنا" ليست في "م" و"خ". 2 المحاورة بين الفراء ومحمد بن الحسن موجودة في "تاريخ بغداد" "14/ 151-152"، لكن رواها قبل ذلك "14/ 151" على أن بشرا المريسي هو الذي سأل الفراء. وذكرها كذلك ابن خلكان في "وفيات الأعيان" "6/ 179"، وكان ذكرها قبل ذلك "3/ 296" في ترجمة الكسائي أنها جرت بينه وبين محمد بن الحسن، ثم قال: "هكذا وجدت هذه الحكاية في عدة مواضع، وذكر الخطيب في "تاريخ بغداد" أن هذه القضية جرت بين محمد بن الحسن المذكور والفراء".

لَهُ أَبُو يُوسُفَ: هَذَا الْكُوفِيُّ قَدِ اسْتَفْرَغَكَ وَغَلَبَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ! إِنَّهُ لَيَأْتِيَنِي بِأَشْيَاءَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا قَلْبِي. فَأَقْبَلَ الْكِسَائِيُّ عَلَى أَبِي يُوسُفَ، فَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ! هَلْ لَكَ فِي مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ: نَحْوٌ أَمْ فِقْهٌ؟ قَالَ: بَلْ فِقْهٌ. فَضَحِكَ الرَّشِيدُ حَتَّى فَحَصَ بِرِجْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: تُلْقِي عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِقْهًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ! مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ، وَفَتَحَ أَنْ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَتْ طَلَقَتْ. قَالَ: أَخْطَأْتَ يَا أَبَا يُوسُفَ. فَضَحِكَ الرَّشِيدُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ الصَّوَابُ؟ قَالَ: إِذَا قَالَ "أَنْ"؛ فَقَدْ وَجَبَ الْفِعْلُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ، وَإِنْ قَالَ: "إِنْ"؛ فَلَمْ يَجِبْ وَلَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ. قَالَ: فَكَانَ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَهَا لَا يَدْعُ أَنْ يَأْتِيَ الكسائي1.

_ 1 والصواب في المسألة التفريق بين العارف بالعربية والجاهل بها؛ فيقع إن قال: "أن" بخلاف قوله "إن"، وإن كان جاهلا لم يقع شيء، أفاده الأسنوي في "الكوكب الدري" "ص471". والقصة التي ساقها المصنف ذكرها ياقوت في "معجم الأدباء" في ترجمة الكسائي "13/ 175-176" عن المرزباني أنها مع أبي يوسف أو محمد بن الحسن على الشك. وكتب "م" هنا في الحاشية: "السر في هذا أن "إن" بالكسرة شرطية؛ فيصير الطلاق معلقا، وبالفتح مصدرية؛ فيصير مدخولها علة لوقوع الطلاق".

فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى أَصْلٍ لُغَوِيٍّ لَا بُدَّ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمَيْنِ. فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ تُرْشِدُ النَّاظِرَ إِلَى مَا وَرَاءَهَا، حَتَّى يَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ فِيمَا يَأْتِي مِنَ الْعُلُومِ وَيَذَرُ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهَا يَسْتَفِزُّ النَّاظِرَ اسْتِحْسَانُهَا1 بِبَادِئِ الرَّأْيِ، فَيَقْطَعُ فِيهَا عُمْرَهُ، وَلَيْسَ وَرَاءَهَا ما يتخذه مُعْتَمَدًا فِي عَمَلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، فَيَخِيبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَعْيُهُ، وَاللَّهُ الْوَاقِي. وَمِنْ طَرِيفِ الْأَمْثِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ: أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ الْبَنَّاءِ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَعْمَلْ إِنَّ فِي {هَذَانِ} مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} الْآيَةَ [طه: 63] ؟ فَقَالَ فِي الْجَوَابِ: لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرِ الْقَوْلُ فِي الْمَقُولِ؛ لَمْ يُؤَثِّرِ الْعَامِلُ فِي الْمَعْمُولِ. فَقَالَ2 السَّائِلَ: يَا سَيِّدِي! وَمَا وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ عَمَلِ إِنَّ وَقَوْلِ الْكُفَّارِ فِي النَّبِيِّينَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُجِيبُ: يَا هَذَا! إِنَّمَا جِئْتُكَ بِنُوَّارَةٍ يَحْسُنُ رَوْنَقُهَا، فَأَنْتَ تُرِيدُ أَنَّ تَحُكَّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ، ثُمَّ تَطْلُبَ مِنْهَا ذَلِكَ الرَّوْنَقَ, أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ3! فَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ مَا تَرَى، وَبِعَرْضِهِ عَلَى الْعَقْلِ يَتَبَيَّنُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ مِنْ صلب العمل. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا لَيْسَ مِنَ الصُّلْبِ، وَلَا مِنَ الْمُلَحِ: مَا لَمْ يَرْجِعْ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا ظَنِّيٍّ وَإِنَّمَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُرَّ4 عَلَى أَصْلِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِالْإِبْطَالِ

_ 1 تحرفت في "د": "استسحانها" بتقديم السين الثانية. 2 في "م" و"خ" زيادة: "له". 3 أورد المصنف في "الإفادات" "ص110" هذه القصة وسمى شيخه، وهو المقري. 4 أي: يرجع. "ماء".

مِمَّا صَحَّ كَوْنُهُ مِنَ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهَا فِي الْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، أَوْ كَانَ مُنْهَضًا إِلَى إِبْطَالِ الْحَقِّ وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِعِلْمٍ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْإِبْطَالِ، فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَا حَاكِمٍ، وَلَا مُطَّرِدٍ أَيْضًا، وَلَا هُوَ مِنْ مُلَحِهِ؛ لِأَنَّ الْمُلَحَ هِيَ الَّتِي تَسْتَحْسِنُهَا الْعُقُولُ، وَتَسْتَمْلِحُهَا النُّفُوسُ؛ إِذْ لَيْسَ يَصْحَبُهَا مُنَفِّرٌ، وَلَا هِيَ مِمَّا تُعَادِي الْعُلُومَ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ أَصْلٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ هَذَا الْقِسْمِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. هَذَا وَإِنْ مَالَ بِقَوْمٍ فَاسْتَحْسَنُوهُ وَطَلَبُوهُ؛ فَلِشِبْهِ عَارِضَةٍ، وَاشْتِبَاهٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ، فَرُبَّمَا عَدَّهُ الْأَغْبِيَاءُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ، فَمَالُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَحَقِيقَةُ أَصْلِهِ وَهْمٌ وَتَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْأَهْوَاءِ؛ كَالْإِغْرَابِ بِاسْتِجْلَابِ غَيْرِ الْمَعْهُودِ، وَالْجَعْجَعَةِ بِإِدْرَاكِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الرَّاسِخُونَ، وَالتَّبَجُّحِ بِأَنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَشْهُورَاتِ مُطَالَبَ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ، وَأَنَّهُمْ مِنَ الْخَوَاصِّ ... وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَطْلُوبٌ، وَلَا يَحُورُ1 مِنْهُ صَاحِبُهُ إِلَّا بِالِافْتِضَاحِ2 عِنْدَ الِامْتِحَانِ، حَسْبَمَا بَيَّنَهُ الْغَزَّالِيُّ3، وَابْنُ الْعَرَبِيِّ4، وَمَنْ تَعَرَّضَ لِبَيَانِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَمِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ مَا انْتَحَلَهُ الْبَاطِنِيَّةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ إِخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ وَرَاءَ هَذَا الظَّاهِرِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى نَيْلِهِ بِعَقْلٍ وَلَا نَظَرٍ، وَإِنَّمَا يُنال مِنَ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ، تَقْلِيدًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ، واستنادهم -في جملة من دعاويهم- إلى

_ 1 أي: يرجع، انظر: "مختار الصحاح" "ح ور"، وبالأصل: "يجوز"، وفي "ط": "يحلا". 2 في "ط": "بافتضاح". 3 انظر: "إحياء علوم الدين" "كتاب العلم، بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة" "1/ 41". 4 انظر: "قانون التأويل" "ص196-197".

عِلْمِ الْحُرُوفِ، وَعِلْمِ النُّجُومِ1، وَلَقَدِ اتَّسَعَ الْخَرْقُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَى الرَّاقِعِ؛ فَكَثُرَتِ الدَّعَاوَى عَلَى الشَّرِيعَةِ بِأَمْثَالِ مَا ادَّعَاهُ الْبَاطِنِيَّةُ2؛ حَتَّى آل3 ذلك إلى ما لا يُعْقَلُ عَلَى حَالٍ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَشْمَلُ هَذَا الْقِسْمُ مَا يَنْتَحِلُهُ أَهْلُ السَّفْسَطَةِ4 وَالْمُتَحَكِّمُونَ5، وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَنْبَنِي عليه،

_ 1 وكتب السحر والشعبذة أكبر دليل على ذلك؛ مثل: "شمس المعارف الكبرى" للبوني، و"الرحمة في الطب والحكمة" المنسوب كذبا للسيوطي، و"الجفر" المنسوب كذبا تارة لعلي -رضي الله عنه- وتارة لجعفر الصادق، وغيرها كثير؛ كما بينته في المجلد الأول من "المجموعة الأولى" من كتابي "كتب حذر العلماء منها"، وهو مطبوع، ولله الحمد. وقد عالج ابن القيم في كتابه: "مفتاح دار السعادة" هذا الموضوع معالجة وافية. وأورد في آخره "2/ 148- إلى آخر الكتاب" رسالة في الرد على المنجمين لأبي القاسم عيسى بن علي بن الجراح البغدادي "ت391هـ" كتبها لما بصره الله رشده وأراه بطلان ما عليه هؤلاء الضلال الجهال، كتبها نصيحة لبعض إخوانه، وهي نفيسة جدا، ولا سيما مع تعقبات ابن القيم عليها، وانظر تفصيلا عن علم الحروف "مبادئه وأشهر أعلامه" في "علم الحروف وأقطابه" لعبد الحميد حمدان-مكتبة مدبولي، القاهرة، "1410هـ". 2 مبدأ هذا المذهب كما حكى السيد في "شرح المواقف": إن طائفة من المجوس تذاكروا ما كان لسلفهم من السطوة والملك، وقالوا: لا سبيل إلى مغالبة المسلمين بالسيف لقوة شوكتهم وسعة ممالكهم، لكنا نقاتلهم بتأويل شريعتهم إلى ما يطابق قواعد ديانتنا، ونستدرج به الضعفاء حتى تختلف كلمتهم ويختل نظام وحدتهم، وأول ما وضعوا في مبادئهم أن للقرآن ظاهرا وهو المعلوم في اللغة، وباطنا وهو المراد. "خ". قلت: وكلام ابن تيمية فيهم كثير جدا، انظر منه ما في "مجموع الفتاوى" "5/ 550-551 و13/ 235"، وسيأتي للمصنف كلام بديع حول الظاهر والباطن في "4/ 231 وما بعدها". 3 ساقطة من الأصل المخطوط، وأشار إلى ذلك الناسخ. 4 السفسطة: شعبة من شعب الفلسفة اليونانية نشأت في المائة الخامسة قبل الميلاد، ومن أشهر مؤسسيها "بروتغورس" القائل: كل واحد مخطئ ومصيب في آن واحد؛ لأن الحقيقة تابعة للشعور الوقتي الذي نحس به، وقد تصدى لنقض مغالطاتهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، ونشأة هذا المذهب هي التي بعثت أرسطو على وضع علم المنطق "خ". 5 أي: مدعو الحكمة.

وَلَا ثَمَرَةَ تُجنى مِنْهُ؛ فَلَا تَعَلُّقَ بِهِ بِوَجْهٍ. فَصْلٌ: وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّانِي، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي خَلْطِ بَعْضِ الْعُلُومِ بِبَعْضٍ؛ كَالْفَقِيهِ يَبْنِي فِقْهَهُ عَلَى مَسْأَلَةٍ نَحْوِيَّةٍ مَثَلًا، فَيَرْجِعُ إِلَى تَقْرِيرِهَا مَسْأَلَةً -كَمَا يُقَرِّرُهَا النَّحْوِيُّ- لَا مُقَدِّمَةً مُسَلَّمَةً، ثُمَّ يَرُدُّ مَسْأَلَتَهُ الْفِقْهِيَّةَ إِلَيْهَا، وَالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى أَنَّهَا مَفْرُوغٌ مِنْهَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِيهَا, وَفِي تَصْحِيحِهَا، وَضَبْطِهَا، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ النَّحْوِيُّ؛ صَارَ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ فَضْلًا1 غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا افْتَقَرَ إِلَى مَسْأَلَةٍ [عَدَدِيَّةٍ؛ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَسْلَمَةً] 2 لِيُفَرِّعَ عَلَيْهَا فِي عِلْمِهِ، فَإِنْ أَخَذَ يَبْسُطُ الْقَوْلَ فِيهَا كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَدَدِيُّ فِي عِلْمِ الْعَدَدِ؛ كَانَ فَضْلًا مَعْدُودًا مِنَ المُلَح إِنْ عُدَّ مِنْهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعُلُومِ الَّتِي يَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَيَعْرِضُ أَيْضًا لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَصِيرَ مِنَ الثَّالِثِ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَنْ يَتَبَجَّحُ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ ذِكْرِ كِبَارِ الْمَسَائِلِ لِمَنْ لَا يَحْتَمِلُ عَقْلُهُ إِلَّا صِغَارَهَا، عَلَى ضِدِّ التَّرْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ، فَمِثْلُ هَذَا يُوقِعُ فِي مَصَائِبَ3، وَمِنْ أَجْلِهَا قَالَ عَلِيٌّ, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ،

_ 1 أي: زيادة غير مغتفر إليها. "م". 2 ساقطة من الأصل. 3 تلقين كبار المسائل لمن لا يحتملها عقله كانت إحدى الآفات التي نزلت بأسلوب التعليم في معاهدنا؛ فقتلت أوقاتا نفيسة في غير سبيل الله، وعطلت قرائح كانت أحق بأن تسقى بتعليم سائغ فتؤتي أكلها كل حين, وعلاج هذه العلة أن يعلم الأستاذ أن تمييز مراتب التلاميذ في الفهم وترشيحهم بمبادئ العلوم على حسب استعدادهم أعظم ثوابًا في الدار الباقية، وأدعى لإجلال التلاميذ أنفسهم وإخلاصهم له من مفاجأتهم بالخوض في مسائل لا تسعها مداركهم. "خ".

أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ "1، وَقَدْ يَصِيرُ ذَلِكَ فِتْنَةً عَلَى بَعْضِ السَّامِعِينَ، حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ هَذَا الْكِتَابِ2. وَإِذَا عَرَضَ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّالِثِ؛ فَأَوْلَى أَنْ يَعْرِضَ لِلثَّانِي أَنْ يُعَدَّ مِنَ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَّلِ. فَلَا يَصِحُّ لِلْعَالِمِ فِي التَّرْبِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ إِلَّا الْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُرَبِّيًا، وَاحْتَاجَ هُوَ إِلَى عَالِمٍ يُرَبِّيهِ. وَمِنْ هُنَا لَا يُسْمَحُ لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ نَظَرَ مُفِيدٍ أَوْ مُسْتَفِيدٍ؛ حَتَّى يَكُونَ رَيَّانَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، مَنْقُولِهَا وَمَعْقُولِهَا، غَيْرَ مُخْلِدٍ إِلَى التَّقْلِيدِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْمَذْهَبِ3، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ هَكَذَا؛ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقَلِبَ عَلَيْهِ مَا أَوْدَعَ فِيهِ فِتْنَةً بِالْعَرَضِ، وَإِنْ كَانَ حِكْمَةً بِالذَّاتِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للصواب.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، 1/ 225/ رقم 127"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 610"، والخطيب في "الجامع" "رقم 1318"، وآدم بن أبي أياس في "العلم"، وأبو نعيم في "المستخرج"؛ كما في "فتح الباري" "1/ 225" بألفاظ مقاربة منها المذكور، وسيأتي "5/ 168" مرفوعا ولا يصح. 2 انظر: "5/ 167". 3 التعصب للمذهب ينشأ عن قصر النظر وعدم التفقه في الأصول العالية، ولهذا نجد المتبحر في علم الكتاب والسنة، المطلع على مذاهب الفقهاء ومداركها؛ يكاد احترامه للمذهب الذي يتبعه لا يزيد على احترامه للمذاهب الأخرى، وذلك لما يبدو له من رجحانها وتفوقها على مذهبه في كثير من المسائل "خ".

المقدمة العاشرة

المقدمة العاشرة: إِذَا تَعَاضَدَ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ عَلَى الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَعَلَى شَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّقْلُ فَيَكُونَ مَتْبُوعًا، وَيَتَأَخَّرَ الْعَقْلُ فَيَكُونَ تَابِعًا، فَلَا يَسْرَحُ الْعَقْلُ فِي مَجَالِ النَّظَرِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُسَرِّحُهُ النَّقْلُ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْعَقْلِ تَخَطِّي مَأْخَذَ النَّقْلِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ النَّقْلُ فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الفَرَض أَنَّهُ حَدَّ لَهُ حَدًّا، فَإِذَا جَازَ تَعَدِّيهِ؛ صَارَ الْحَدُّ غَيْرَ مُفِيدٍ، وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ. وَالثَّانِي: مَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ2، وَلَوْ فَرَضْنَاهُ مُتَعَدِّيًا لِمَا حَدَّهُ الشَّرْعُ؛ لَكَانَ مُحَسِّنًا ومقبحا، هذا خلف.

_ 1 تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المسألة بما لا مزيد عليه في "درء تعارض العقل والنقل"، وكذا في المجلد الأول من "مجموع الفتاوى"، وأيضا فيها "13/ 64 وما بعدها". وللمصنف كلام رائع في "الاعتصام" "2/ 318-322، 327-334" حيث قسم العلوم من حيث إدراك العقل لها إلى ثلاثة أقسام، وتكلم عليها بإسهاب. ولابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 331 وما بعدها و2/ 3 وما بعدها، 47 وما بعدها"، و"الصواعق" "3/ 796 إلى نهاية الجزء الرابع"، و"مختصره" "1/ 129 وما بعدها" كلام مسهب قيم متين في هذا الموضوع. 2 هذه مسألة مشهورة في علم الكلام وفي علم أصول الفقه، وهي معروفة بمسألة =

.........................................................................

_ = "التحسين والتقبيح"، ولم ينج المصنف من بعض الآثار السلبية لها، أعني بالذات تأثره بالنظرة الأشعرية إلى الموضوع، ولننطلق من الشاطبي -فهو منطلق البحث كله- لنرى بعض مظاهر أشعريته في الموضوع، ومن خلاله ستتضح معالم النظرية الأشعرية في التحسين والتقبيح*. وأفضل الكلام على هذه المسألة في هذا الموطن، جامعا الكلام فيها، ولا سيما كلام الشاطبي؛ فأقول: هذه المسألة لها جوانب اتفاق وافتراق بين العلماء. أما محل الاتفاق؛ فالعقل يدرك الحسن والقبح فيما هو ملائم لطبع أو مضاد له، فإذا لاءم الغرض الطبع؛ فحسن؛ كاللذة والحلاوة، وإذا نافره فهو قبيح؛ كالألم والمرارة، وهذا القدر معلوم بالحس والعقل والشرع مجمع عليه بين الأولين والآخرين، بل هو معلوم عند البهائم**. أما محل الافتراق والتنازع؛ فهو في الحسن والقبح المتعلق بالشرع، بمعنى كون الفعل سببا للذم والعقاب أو المدح والثواب، وهل يعلم ذلك بالعقل أم لا يعلم إلا بالشرع، أم يعلم بهما معا***؟ وحاصل أقوال الناس في هذه المسألة على سبيل الإجمال ثلاثة أقوال أساسية، هي: القول الأول: وهو قول جهم والأشعري ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة وأصحاب مالك والشافعي وأحمد؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي الوليد الباجي، وأبي المعالي الجويني وغيرهم، وهو قول عموم الأشاعرة، وحاصل هذا القول: "إن الأفعال لا تتصف بصفات تكون بها حسنة ولا سيئة ألبتة، وكون الفعل حسنا وسيئا إنما معناه أنه منهي عنه أو غير منهي عنه، وهذه الصفة إضافية لا تثبت إلا بالشرع"****، أي: إنهم ينفون الحسن والقبح العقليين ويقولون: إن ذلك لا يعرف إلا بالشرع فقط، مع أنه "من المحال أن يكون الدم والبول والرجيع مساويا للخبز والماء والفاكهة ونحوها، وإنما =

...........................................................................

_ = الشارع فرق بينهما؛ فأباح هذا وحرم هذا مع استواء الكل في نفس الأمر, وكذلك أخذ المال بالبيع والهبة والوصية والميراث، لا يكون مساويا لأخذه بالقهر والغلبة والغصب والسرقة والجناية؛ حتى يكون إباحة هذا أو تحريم هذا راجعا إلى محض الأمر والنهي المفرق بين المتماثلين ... "*. إلا أن هذا هو مذهب الأشاعرة الذي يصرحون به في كتبهم الاعتقادية والأصولية؛ ففي "المواقف" يقول الإيجي: "القبيح ما نهي عنه شرعا والحسن بخلافه، ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائدا إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبين، ولو عكس القضية، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعا وانقلب الأمر"**. وفي "الإرشاد" "228" للجويني: "العقل لا يدل على حسن شيء ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما تلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع". وهذا ما ردده الشاطبي هنا؛ فهو يقول: "إن العقل لا يحسن ولا يقبح"، ويؤكد هذا المعنى في سياق آخر، وعلى وجه أوضح؛ فيقول "3/ 28": "الأفعال والتروك -من حيث هي أفعال وتروك- متماثلة عقلا بالنسبة إلى ما يقصد بها؛ إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح", وعلى الرغم من مرور الشاطبي على المسألة مرورا سريعا على خلاف ما يفعله المتكلمون والأصوليون؛ فإن التأثير الأشعري بادٍ على كلامه، قارن كلامه السابق بقول الجويني في "الإرشاد" "ص259": "فليس الحسن صفة زائدة على الشرع مدركة به، وإنما هو عبارة عن نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله، وكذلك القول في القبح، فإذا وصفنا فعلا من الأفعال بالوجوب أو الحظر؛ فلسنا نعني بما نثبته تقدير صفة للفعل الواجب يتميز بها عما ليس بواجب، وإنما المراد بالواجب الفعل الذي ورد الشرع بالأمر به إيجابا، والمراد بالمحظور: الفعل الذي ورد الشرع بالنهي عنه حظرا وتحريما". واقرأ له قوله الآتي "2/ 534-535": " ... كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم والمفسدة =

.........................................................................

_ = مَفْسَدَةٌ كَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّارِعِ، لَا مَجَالَ للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي التحسين والتقبيح، فإذا كان الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما؛ فهو الواضع لها مصلحة، وإلا؛ فكان يمكن عقلا أن لا تكون كذلك؛ إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء العقل فيها بحسن ولا قبح، فإذًا؛ كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع بحيث يصدقه العقل وتطمئن إليه النفس". وهذا بالضبط هو كلام الجويني وغيره من أئمة الأشاعرة، ولهذا القول لوازم فاسدة قد التزموها وقالوا بها، منها كما يقول ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" "2/ 42-52": إنه يجوز ظهور المعجزة على يد الكاذب، وإنه ليس بقبيح، وإنه يجوز نسبة الكذب إلى أصدق الصادقين، وإنه لا يقبح منه، وإنه يستوي التثليث والتوحيد قبل ورود الشرع، وإنه لا يقبح الشرك ولا عبادة الأصنام، ولا مسبة المعبود سبحانه، وإنه لا يقبح الزواج بالأم والبنت، وغير ذلك من اللوازم التي انبنت على أن هذه الأشياء لم تقبح بالعقل، وإنما جهة قبحها السمع فقط. وهذه كلها لوازم فاسدة تدل على فساد الملزوم، بل ويلزم على قولهم هذا أنه يصح أن يأمر الله بالشرك؛ فلا يكون قبيحا، وبالزنى والسرقة والظلم وسائر المنكرات؛ فلا يكون ذلك قبيحا، ويجوز عندهم أن ينهى سبحانه عن التوحيد والعفة والصدق والعدل؛ فتكون هذه كلها قبيحة، كما قال الإيجي في "المواقف" "323": "ولو عكس القضية، فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه؛ لم يكن ممتنعا وانقلب الأمر". القول الثاني: وهو مذهب المعتزلة على اختلاف بينهم في التفصيلات، وكثير من أصحاب أبي حنيفة، وهذا القول يقع في مقابل القول الأول؛ إذ الحسن والقبح عند هؤلاء عقليان، لا يتوقف في معرفتهما وأخذهما عن الدليل السمعي، ويجعلون الحسن والقبح صفات ذاتية للفعل لازمة له، ويجعلون الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء من الصفات، ترى تفصيل ذلك في "مجموع الفتاوى" "8/ 431 و11/ 677"، و"درء تعارض العقل والنقل" "8/ 492"، و"مدارج السالكين" "1/ 238"، و"مفتاح دار السعادة" "2/ 8، 39، 105"، و"شرح الأصول الخمسة" "41، 46"، و"سلم الوصول شرح نهاية السؤل" "1/ 83"، و"إرشاد الفحول" "7". ورتب المعتزلة على هذا الأصل أمورا عديدة، منها: أن القبح في العقل يترتب عليه الذم والعقاب في الشرع، والحسن في العقل يترتب عليه المدح والثواب في الشرع، وأن الله -سبحانه وتعالى- يجب عليه أن يفعل ما استحسنه العقل ويحرم عليه أن يفعل ما استقبحه العقل، وأن =

.........................................................................

_ = المصلحة تنشأ من الفعل المأمور به فقط؛ كالصدق، والعفة، والإحسان، والعدل؛ فإن مصالحها ناشئة منها، وغير ذلك من الأمور المترتبة على هذا الأصل الفاسد واللوازم الملازمة له، كما بينه ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" "2/ 59-60 و105". القول الثالث: هو القول الوسط بين هاتين الطائفتين، والطريق القاصد بين الطريقين الجائرين, إذ قال أصحابه, كما في "مفتاح دار السعادة" "2/ 57": "ما منكم أيها الفريقان إلا من معه حق وباطل، ونحن نساعد كل فريق على حقه ونصير إليه، ونبطل ما معه من الباطل ونرده عليه؛ فنجعل حق الطائفتين مذهبا ثالثا يخرج من بين فرث ودم, لبنا خالصا سائغا للشاربين". وحاصل هذا القول: أن الحسن والقبح يدركان بالعقل، ولكن ذلك لا يستلزم حكما في فعل العبد، بل يكون الفعل صالحا لاستحقاق الأمر والنهي، والثواب والعقاب من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه، أو ينهى عن نقيض ما أدرك العقل قبحه؛ لأن ما أدرك العقل حسنه أو قبحه راجح ونقيضه مرجوح، بمعنى أن صفة الحسن في الفعل ترجح جانب الأمر به على جانب الأمر بنقيضه القبيح، وصفة القبح في الفعل ترجح جانب النهي عنه على جانب النهي عن نقيضه الحسن، عملا في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة من صفات الله سبحانه؛ فلا حكم إلا من الخطاب الشرعي، ولا أمر ولا نهي إلا من قبل الشارع الحكيم. وهذا هو قول عامة السلف وأكثر المسلمين؛ كما في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "11/ 677"، وأهل هذا القول يوافقون الأشاعرة في أنه لا حكم بالثواب والعقاب والأمر والنهي في الفعل إلا جهة الوحي، وأن الحجة إنما تقوم على العباد بالرسالة، وأن الله لا يعذبهم قبل بعثة الرسل، ولا يطالبهم إلا بما بلغهم من أمر، ولا يعاقبهم إلا على ارتكاب ما نهاهم عنه. ويوافقون المعتزلة في أن العقل يحكم بحسن الشيء أو قبحه، وأن الحسن والقبح صفات ثبوتية للأفعال معلومة بالعقل والشرع، وأن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر، والعقول من تحسين الحسن والأمر به وتقبيح القبيح والنهي عنه، وأنه لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، ويوافقونهم في إثبات الحكمة لله تعالى، وأنه سبحانه لا يفعل فعلا خاليا عن الحكمة، بل كل أفعاله مقصودة لعواقبها الحميدة وغاياتها المحبوبة. ومن الجدير بالذكر أن القول بإدراك العقل للمصالح والمفاسد لا يعني أن إدراكه تام مطلق، بل إنه يدرك ويعجز، ويصيب ويخطئ ... وقد بين ابن القيم هذه النقطة؛ فقال في "مفتاح دار =

...........................................................................

_ = السعادة" "2/ 117": " ... بل غاية العقل أن يدرك بالإجمال حسن ما أتى الشرع بتفصيله أو قبحه؛ فيدركه العقل جملة، ويأتي الشرع بتفصيله، وهذا كما أن العقل يدرك حسن العدل، وأما كون هذا الفعل المعين عدلا أو ظلما؛ فهذا مما يعجز العقل عن إدراكه في كل فعل وعقد، وكذلك يعجز عن إدراك حسن كل فعل وقبحه. فتأتي الشرائع بتفصيل ذلك وتبينه، وما أدركه العقل الصريح من ذلك تأتي الشرائع بتقريره، وما كان حسنا في وقت قبيحا في وقت، ولم يهتد العقل لوقت حسنه من وقت قبحه أتت الشرائع بالأمر به في وقت حسنه، وبالنهي عنه في وقت قبحه، وكذلك الفعل يكون مشتملا على مصلحة ومفسدة، ولا تعلم العقول مفسدته أرجح أم مصلحته؟ فيتوقف العقل في ذلك، فتأتي الشرائع ببيان ذلك، وتأمر براجح المصلحة، وتنهى عن راجح المفسدة، وكذلك الفعل يكون مصلحة لشخص مفسدة لغيره، والعقل لا يدرك ذلك؛ فتأتي الشرائع ببيانه؛ فتأمر به من هو مصلحة له، وتنهى عنه من هو مفسدة في حقه، وكذلك الفعل يكون مفسدة في الظاهر، وفي ضمنه مصلحة عظيمة، لا يهتدي إليها العقل؛ فلا تعلم إلا بالشرع؛ كالجهاد والقتل في الله، ويكون في الظاهر مصلحة، وفي ضمنه مفسدة عظيمة لا يهتدي إليها العقل، فتجيء الشرائع ببيان ما في ضمنه من المصلحة والمفسدة الراجحة، هذا مع أن ما يعجز العقل عن إدراكه من حسن الأفعال وقبحها ليس بدون ما تدركه من ذلك؛ فالحاجة إلى الرسل ضرورية، بل هي فوق كل حاجة؛ فليس العالم إلى شيء أحوج منهم إلى المرسلين, صلوات الله عليهم أجمعين ... ". وقد تعرض الشاطبي مرارا لبيان هذا القصور في إدراك العقل للمصالح والمفاسد، ترى ذلك في "الاعتصام" "2/ 321-322"، وكما سيأتي "ص537 و2/ 77 و3/ 210". انظر بسط المسألة في: "مفتاح دار السعادة" "2/ 2-118"، و"مدارج السالكين" "1/ 230-257، 91 و3/ 407، 488، 492"، و"شفاء الغليل" "435"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "8/ 90، 91 و428-432 و3/ 114-115 و11/ 675-687 و75/ 8 و16/ 235-363"، و"درء تعارض العقل والنقل" "8/ 492-493"، و"شرح الكوكب المنير" "1/ 300، 322"، و"لوامع الأنوار" "1/ 284-291"، و"روح المعاني" "14/ 94 و15/ 37-42"، و"تيسير التحرير" "1/ 283-387", و"حقيقة البدعة وأحكامها" "2/ 127-133"، و"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص216-229".

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَجَازَ إِبْطَالُ الشَّرِيعَةِ بِالْعَقْلِ، وَهَذَا مُحَالٌ بَاطِلٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا تَحُدُّ لِلْمُكَلَّفِينَ حُدُودًا؛ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَأَقْوَالِهِمْ، وَاعْتِقَادَاتِهِمْ، وَهُوَ جُمْلَةُ مَا تَضَمَّنَتْهُ، فَإِنْ جَازَ لِلْعَقْلِ تَعَدِّي حَدٍّ وَاحِدٍ؛ جَازَ لَهُ تَعَدِّي جَمِيعِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِمِثْلِهِ، وَتَعِدِي حَدٍّ وَاحِدٍ هُوَ مَعْنَى إِبْطَالِهِ؛ أَيْ: لَيْسَ هَذَا الْحَدُّ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ جَازَ إِبْطَالُ وَاحِدٍ؛ جَازَ إِبْطَالُ السَّائِرِ، وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ لِظُهُورِ مُحاله. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ؛ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ هُوَ رَأْيُ الظَّاهِرِيَّةِ1؛ لِأَنَّهُمْ وَاقِفُونَ مَعَ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَحَاصِلُهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْمَعْقُولِ جُمْلَةً، وَيَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْقِيَاسِ الَّذِي اتَّفَقَ الْأَوَّلُونَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِلْعَقْلِ التَّخْصِيصُ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي نَحْوِ: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] ، و {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الْأَنْعَامِ: 102] ، وَ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرَّعْدِ: 16] ، وَهُوَ نَقْصٌ مِنْ مُقْتَضَى الْعُمُومِ؛ فَلْتَجُزِ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهَا بِمَعْنَاهُ2، وَلِأَنَّ الْوُقُوفَ دون حد النقل كالمجاوزة

_ 1 هم أصحاب داود بن علي الأصفهاني، ولكن الذي صح عن داود أنه يحتج بالقياس الجلي وينكر القياس الخفي فقط، والذي أنكر القياس مطلقا -خفيه، وجليه- طائفة من أصحابه زعيمهم أبو محمد علي بن حزم الأندلسي "خ". 2 في أن كلا منهما تصرف، ومن له النقص له الزيادة، هكذا يفهم هذا الاستدلال مجملا حتى يكون للدليل بعده فائدة جديدة، وهي أنهم* يشتركان في المعنى الخاص المطلوب بناء الإشكال عليه في قوله، ولما لم يعد ... إلخ؛ إلا أن تكون الواو في قوله: ولإن زائدة في النسخ، ثم يبقى النظر في أن أصل الدعوى هي تعدي حد الشرع وإبطاله بالعقل، سواء في ذلك النقص =

لَهُ؛ فَكِلَاهُمَا إِبْطَالٌ لِلْحَدِّ عَلَى زَعْمِكَ، فَإِذَا جَازَ إِبْطَالُهُ مَعَ النَّقْصِ؛ جَازَ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَلَمَّا لَمْ يُعَدَّ هَذَا إِبْطَالًا لِلْحَدِّ؛ فَلَا يُعَدُّ الْآخَرُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِلْأُصُولِيِّينَ قَاعِدَةً قَضَتْ بِخِلَافِ هَذَا الْقَضَاءِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ إِذَا كَانَ جَلِيًّا سَابِقًا لِلْفَهْمِ عِنْدَ ذِكْرِ النَّصِّ؛ صَحَّ تَحْكِيمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي النَّصِّ بِالتَّخْصِيصِ لَهُ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" 1؛ فَمَنَعُوا -لِأَجْلِ مَعْنَى التَّشْوِيشِ2- الْقَضَاءَ مَعَ جَمِيعِ الْمُشَوِّشَاتِ، وَأَجَازُوا مَعَ مَا لَا يُشَوِّشُ مِنَ الْغَضَبِ؛ فَأَنْتَ تَرَاهُمْ تَصَرَّفُوا بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ فِي النَّقْلِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا أَصَّلْتَ, وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَإِنْكَارُ تَصَرُّفَاتِ الْعُقُولِ بِأَمْثَالِ هَذَا إِنْكَارٌ لِلْمَعْلُومِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَا ذَكَرْتُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ عَلَى مَا تقرر.

_ = والزيادة، وعليه؛ فكان المفهوم أنه يجعل نفس النقص مما يقتضيه العموم تعديا أيضا يعترض به، ويقول: إن ما أصلته هنا ينافيه أصل آخر، وهو تخصيص العقل؛ لأنه نقص, ثم يبني على تخصيص العقل، وكونه نقصا مما حده الشرع، الإشكال بالزيادة على الطريق الذي قرره كما راعى الإشكال بالزيادة والنقص في الإشكال الثالث، وقد وجه همته في الجواب عن الإشكال الثاني إلى طرف النقص فأبطله، ثم قال: "فلا يصح قياس المجاوزة عليه"، وهو يقتضي أنه راعى الاعتراض بالنقص مدرجا في قوله: "وهو نقص" يعني، وهذا إشكال، ثم أخذه مقدمة؛ فقال: فلتجز الزيادة". "د". 1 سيأتي تخريجه "ص411"، والحديث في "الصحيحين" وغيرهما. 2 أنكر هذه الكلمة جماعة من علماء اللغة؛ كأبي منصور، والحريري، وصاحب القاموس، وقالوا: إنها مولدة وصوابها التهويش، ومن المتأخرين من أجاز استعمالها وثوقا بذكر الجوهري لها في "صحاحه"؛ إذ هو مثبت فيقدم على النافي والمتحري للعربية الفصحى لا يكفيه في صحة الكلمة متى أنكرها طائفة من أئمة اللغة ولم يظفر لها بشاهد صحيح أن ترد في كتاب "الصحاح" الذي تركه مؤلفه في المسودة حتى يبيضه تلميذه إبراهيم بن صلاح الوراق، وتسربت فيه أغلاط كثيرة. "خ".

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَيْسَ الْقِيَاسُ1 مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقُولِ مَحْضًا، وَإِنَّمَا تَصَرَّفَتْ فِيهِ مِنْ تَحْتِ نَظَرِ الْأَدِلَّةِ، وَعَلَى حَسَبِ مَا أَعْطَتْهُ مِنْ إِطْلَاقٍ أَوْ تَقْيِيدٍ، وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّا إِذَا دَلَّنَا الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ إِلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي قَصَدَهَا الشَّارِعُ، وَأَمَرَ بِهَا، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْعَمَلِ بِهَا؛ فَأَيْنَ اسْتِقْلَالُ الْعَقْلِ بِذَلِكَ؟ بَلْ هُوَ مهتدٍ فِيهِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، يَجْرِي بِمِقْدَارِ مَا أَجْرَتْهُ، وَيَقِفُ حَيْثُ وَقَفَتْهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ2 إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُنْفَصِلَةَ لَا تُخَصَّصُ3، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهَا تُخَصَّصُ؛ فَلَيْسَ مَعْنَى تَخْصِيصِهَا أَنَّهَا تَتَصَرَّفُ فِي اللَّفْظِ الْمَقْصُودِ بِهِ ظَاهِرُهُ، بَلْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْخِطَابِ، بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ؛ فالعقل مثله، فَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْبَقَرَةِ: 284] خَصَّصَهُ الْعَقْلُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ فِي الْعُمُومِ دُخُولُ ذَاتِ الْبَارِئِ وَصِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ4, بَلِ الْمُرَادُ جَمِيعُ مَا عَدَا ذَلِكَ؛ فلم

_ 1 تأمل لتأخذ جواب أصل الإشكال الأول؛ لأنه أوسع من إنكار القياس الذي تصدى للجواب عنه صراحة، أي؛ فالعقل تابع للأدلة وخادم لها، وهو ما ندعيه. "د". 2 انظر: "4/ 44". 3 ادعى المصنف فيما يأتي أن الشارع نقل ألفاظ العموم عن مدلولاتها اللغوية إلى معانٍ أخر، وصار له في هذه العمومات عرف يخالف عرف اللغة؛ فيكون العام الذي يراه الأصوليون مخصوصا بمنفصل مستعملا عنده في المراد منه فقط، وبهذا يخرج عن العام الذي دخله التخصيص، وستطلع إن شاء الله تعالى على ما يطعن في هذه الدعوى. "خ". 4 ودل الاستقراء للشريعة على أنها لا تصادم العقل بقلب الحقائق، وجعل المحال جائزا أو واجبا، وبذلك يكون العقل آخذا تصرفه في التخصيص من النقل وتحت نظره، أما مجرد قياس العقل على الأدلة الشرعية بدون هذه المقدمة؛ فإنه تسليم للإشكال، ونقض للأصل الذي أصله في المسألة؛ فتأمل. "د".

يَخْرُجِ الْعَقْلُ عَنْ مُقْتَضَى النَّقْلِ بِوَجْهٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُ الْمُجَاوِرَةِ1 عَلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَإِنَّ إِلْحَاقَ كُلِّ مُشَوِّشٍ بِالْغَضَبِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، وَإِلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ بِالْقِيَاسِ سَائِغٌ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى التَّخْصِيصِ بِالْغَضَبِ الْيَسِيرِ؛ فَلَيْسَ مِنْ تَحْكِيمِ الْعَقْلِ، بَلْ مِنْ فَهْمِ مَعْنَى التَّشْوِيشِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغَضَبَ الْيَسِيرَ غَيْرُ مُشَوِّشٍ؛ فَجَازَ الْقَضَاءُ مَعَ وُجُودِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْخِطَابِ. هَكَذَا يَقُولُ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَنَّ مُطْلَقَ الْغَضَبِ يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، لَكِنْ خَصَّصَهُ الْمَعْنَى. وَالْأَمْرُ أَسْهَلُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى تَخْصِيصٍ؛ فَإِنَّ لَفْظَ غَضْبَانَ وَزْنُهُ فَعْلَانُ، وَفَعْلَانُ فِي أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ يَقْتَضِي الِامْتِلَاءَ مِمَّا اشْتُقَّ مِنْهُ؛ فَغَضْبَانُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُمْتَلِئِ غَضَبًا؛ كَرَيَّانَ فِي الْمُمْتَلِئِ رِيًّا، وَعَطْشَانَ فِي الْمُمْتَلِئِ عَطَشًا، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، لَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مُطْلَقِ مَا اشْتُقَّ مِنْهُ2، فَكَأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ قَضَاءِ الْمُمْتَلِئِ غَضَبًا؛ حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ شَدِيدُ الْغَضَبِ، أَوْ مُمْتَلِئٌ مِنَ الْغَضَبِ، وَهَذَا هُوَ الْمُشَوِّشُ، فَخَرَجَ الْمَعْنَى عَنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا، وَصَارَ خُرُوجُ يَسِيرِ الْغَضَبِ عَنِ النَّهْيِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ، لَا بحكم

_ 1 كذا في الأصل، وفي النسخ المطبوعة "المجاوزة" بالزاي. 2 ممن صرح بهذا المعنى عز الدين ابن جماعة؛ فقال في "كشف المعاني" "ص85" موجها تقديم الرحمن على الرحيم في البسملة: إن فعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمه والامتلاء منه، ولا يلزم منه الدوام؛ كغضبان، وسكران، ونومان، وصيغة فعيل لدوام الصفة ككريم، وظريف؛ فمعنى الرحمن الرحيم: العظيم الرحمة، الدائمها. قلت: انظر: "نظم الدرر" "1/ 26" للبقاعي.

الْمَعْنَى، وَقِيسَ عَلَى مُشَوِّشِ الْغَضَبِ كُلُّ مُشَوِّشٍ؛ فَلَا تَجَاوُزَ لِلْعَقْلِ إِذًا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فَالْعَقْلُ لَا يَحْكُمُ عَلَى النَّقْلِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَتْ صِحَّةُ مَا تَقَدَّمَ.

المقدمة الحادية عشرة

المقدمة الحادية عشرة: لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَبَرَ1 شَرْعًا هُوَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ؛ صَارَ ذَلِكَ مُنْحَصِرًا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، فَمَا اقْتَضَتْهُ؛ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي طُلِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْلَمَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ غَيْرَ أَنَّ الشَّأْنَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَصْرِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا انْحَصَرَتْ؛ انْحَصَرَتْ مَدَارِكُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، حَسْبَمَا يَأْتِي إن شاء الله2.

_ 1 "إن المعتبر من العلم هو الذي دل عليه أدلة الشرع حال كونها تستقل -أي: تثبت- بحصر أي بعد، وحيث تحصر عند أحد؛ فإن العلم يحصر عنده بكل مدرك من مداركه" "ماء". 2 انظر: "3/ 165 وما بعد".

المقدمة الثانية عشرة

المقدمة الثانية عشرة: مِنْ أَنْفَعِ طُرُقِ الْعِلْمِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى غَايَةِ التَّحَقُّقِ بِهِ أَخْذُهُ عَنْ أَهْلِهِ الْمُتَحَقِّقِينَ1 بِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ عَلَّمَهُ وَبَصَّرَهُ، وَهَدَاهُ طُرُقَ مَصْلَحَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ غَيْرَ أَنَّ مَا عَلَّمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ2، دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مِنْ أَيْنَ وَلَا كَيْفَ، بَلْ هُوَ مَغْرُوزٌ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَالْتِقَامِهِ الثَّدْيَ وَمَصِّهِ لَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى الدُّنْيَا -هَذَا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَكَعِلْمِهِ بِوُجُودِهِ، وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ- مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْقُولَاتِ. وَضَرْبٌ مِنْهَا بِوَسَاطَةِ التَّعْلِيمِ، شَعَرَ بِذَلِكَ أَوْ لَا؛ كَوُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الضَّرُورِيَّةِ، نَحْوِ مُحَاكَاةِ الْأَصْوَاتِ، وَالنُّطْقِ بِالْكَلِمَاتِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَكَالْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي لِلْعَقْلِ فِي تَحْصِيلِهَا مَجَالٌ وَنَظَرٌ في المعقولات.

_ 1 يأتي شرح التحقق "ص140 وما بعدها". 2 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "16/ 129-139".

وَكَلَامُنَا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَتَبَصُّرٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَلِّمٍ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ دُونَ مُعَلِّمٍ أَمْ لَا؟ فَالْإِمْكَانُ مُسَلَّمٌ، ولكن الواقع في مجاري العادات أن لا بد مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ؛ كَاخْتِلَافِ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ -وَهُمُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ الْمَعْصُومَ- وَالْحَقُّ مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ الَّذِي لَا يَشْتَرِطُ الْعِصْمَةَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهُمْ مُقِرُّونَ بِافْتِقَارِ الْجَاهِلِ إِلَى الْمُعَلِّمِ، عِلْمًا كَانَ الْمُعَلَّمُ أَوْ عَمَلًا، وَاتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوُقُوعِ، وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ بِهِ كافٍ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ قَالُوا: "إِنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكُتُبِ، وَصَارَتْ مَفَاتِحُهُ بِأَيْدِي الرِّجَالِ". وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي بِأَنْ لَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِهِ مِنَ الرِّجَالِ؛ إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرْمًى عِنْدَهُمْ، وَأَصْلُ هَذَا فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ" 1 الْحَدِيثَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالرِّجَالُ هُمْ مَفَاتِحُهُ بِلَا شَكٍّ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِمَّنْ تَحَقَّقَ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ؛ إِذْ مِنْ شُرُوطِهِمْ فِي الْعَالِمِ بَأَيِّ عِلْمٍ اتَّفَقَ؛ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأُصُولِهِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ، قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ فِيهِ، عَارِفًا بِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ، قَائِمًا عَلَى دَفْعِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَا اشْتَرَطُوهُ، وَعَرَضْنَا أَئِمَّةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وَجَدْنَاهُمْ قَدِ اتَّصَفُوا بِهَا عَلَى الْكَمَالِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ عَنِ الْخَطَأِ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ فروع كل علم إذا انتشرت

_ 1 مضى تخريجه "ص97"، وهو في "الصحيحين".

وَانْبَنَى بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ اشْتَبَهَتْ، وَرُبَّمَا تُصُوِّرَ تَفْرِيعُهَا عَلَى أُصُولٍ1 مُخْتَلِفَةٍ فِي الْعِلْمِ الْوَاحِدِ فَأَشْكَلَتْ، أَوْ خَفِيَ فِيهَا الرُّجُوعُ إِلَى بَعْضِ الْأُصُولِ، فَأَهْمَلَهَا الْعَالِمُ مِنْ حَيْثُ خَفِيَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ تَعَارَضَتْ وُجُوهُ الشَّبَهِ فَتَشَابَهَ الْأَمْرُ، فَيَذْهَبُ عَلَى الْعَالِمِ الْأَرْجَحُ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ, وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ فَلَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ عَالِمًا، وَلَا يَضُرُّ فِي كَوْنِهِ إِمَامًا مُقْتَدًى بِهِ، فَإِنْ قَصَّرَ عَنِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ؛ نَقَصَ عَنْ رُتْبَةِ الْكَمَالِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ النُّقْصَانِ؛ فَلَا يَسْتَحِقُّ الرُّتْبَةَ الْكَمَالِيَّةَ مَا لَمْ يُكَمِّلْ مَا نَقَصَ. فَصْلٌ: وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق على مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ خَالَفَتْهَا فِي النَّظَرِ2، وَهِيَ ثَلَاثٌ: إِحْدَاهَا: الْعَمَلُ بِمَا عَلِمَ؛ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ مُطَابِقًا لِفِعْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ؛ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِأَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ، وَلَا أَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي عِلْمٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُبَيَّنٌ عَلَى الْكَمَالِ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ3، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

_ 1 ذكر صورا ثلاثا: إحداها فرع ينبني على فرع مبني على أصل؛ فيفهم أن كلا من الفرعين له أصل خاص به، فيشكل عليه الأمر، فيهمل الاستنباط ويقف، وقد لا يهتدي في بعض الفروع إلى أصل يرجعها إليه؛ فيقف ويهمل الاستنباط، وقد يكون الفرع من المشتبه بأصلين، ويذهب عن العالم الأرجح من وجوه الترجيح، فيأخذ بالمرجوح في الواقع أو يقف، والتمثيل للثلاثة لا يخفى عليك، وكلها لا تضر في كونه إماما؛ فقد توقف مالك كثيرا، ورجع عما ترجح عنده أولا كثيرا لأحد الأسباب السالفة "د". 2 لأن بعضها سبب للتحقق بالعلم وهي الثانية، وبعضها مرتب عليه وهي الأولى؛ فهي تتفق مع الشروط المتقدمة، من حيث حصول كل وإن اختلفت في الاعتبار. "د". 3 انظر: "5/ 262".

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ رَبَّاهُ الشُّيُوخُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ؛ لِأَخْذِهِ عَنْهُمْ، وَمُلَازَمَتِهِ لَهُمْ؛ فَهُوَ الْجَدِيرُ بِأَنْ يَتَّصِفَ بِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُ السَّلَفِ الصَّالِحِ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ مُلَازَمَةُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَخْذُهُمْ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى مَا يَرِدُ مِنْهُ، كَائِنًا مَا كَانَ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ صَدَرَ؛ فَهُمْ1 فَهِمُوا مَغْزَى مَا أَرَادَ بِهِ أَوَّلًا2 حَتَّى عَلِمُوا وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُعارض، وَالْحِكْمَةُ الَّتِي لَا يَنْكَسِرُ قَانُونُهَا، وَلَا يَحُومُ النَّقْصُ حَوْلَ حِمَى كَمَالِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الْمُلَازَمَةِ، وَشِدَّةِ الْمُثَابَرَةِ. وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: "بَلَى ". قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: "بَلَى ". قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: "يابن الْخَطَّابِ! إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أبدا ".

_ 1 لعل قوله: "فهم" زائد أو محرف عن لفظ منه، وعليه يتعين أن يكون الشاهد في قصة عمر بدليل سائر المقدمات التي منها قوله، وفيه قال سهل بن حنيف. وقوله: وَالِانْقِيَادِ لِلْعُلَمَاءِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاطِنِ الْإِشْكَالِ، وقوله: ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم ... إلخ، وبه ينتظم المقام كله, ويأخذ بعضه بحجز بعض؛ فالأمر لم يشكل على أبي بكر، بل على عمر، ولكنه صبر حتى لاح البرهان "د". 2 في "م": "أولا"! ولا وجود لها في الأصل.

فَانْطَلَقَ عُمَرُ وَلَمْ يَصْبِرْ، مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ؛ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَفَتح هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ ". فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ1. فَهَذَا مِنْ فَوَائِدِ الْمُلَازَمَةِ، وَالِانْقِيَادِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاطِنِ الْإِشْكَالِ؛ حَتَّى لَاحَ الْبُرْهَانُ لِلْعِيَانِ. وَفِيهِ قَالَ سَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، وَاللَّهِ؛ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ2 وَلَوْ أَنَّى أَسْتَطِيعُ أن أرد أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَرَدَدْتُهُ"3، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِمَا عَرَضَ لَهُمْ فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الجزية والموادعة، باب منه، 6/ 281/ رقم 3182، وكتاب التفسير، باب {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، 8/ 587/ رقم 4844"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، 3/ 1411-1412/ رقم 1785", وأحمد في "المسند" "3/ 485"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 222"، وعنده: "فطابت نفسه، ورجع"، وفي سائر النسخ: "ولم يضيعني" في الموطنين والمثبت من "ط". 2 سمي يوم الحديبية يوم [أبي] جندل؛ إذ لم يقع في ذلك اليوم أشد على المسلمين من قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو؛ إذ جاء يوسف في قيوده فارا من مشركي قريش، ورده النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى أبيه سهل وفاء بما شرطوه في عقد الصلح من أن يرد عليهم من يأتيه منهم وإن كان على دين الإسلام. "خ". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الجزية والموادعة، باب منه، 6/ 281/ رقم 3181، وكتاب المغازي، [باب] غزوة الحديبية، 7/ 457/ رقم 4189، وكتاب التفسير، باب {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، 8/ 587/ رقم 4844، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة, باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، 13/ 282/ رقم 7307"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، 3/ 1411-1412/ رقم 1785"، وأحمد في "المسند" "3/ 485"، والحميدي في "المسند" "رقم 404"، والبيهقي في "السنن" "9/ 222". 1 في "م": "وجدت فرقة زائغة، ولا أحدا مخالفا للسنة".

الْفَتْحِ بَعْدَ مَا خَالَطَهُمُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ؛ لِشِدَّةِ الْإِشْكَالِ عَلَيْهِمْ، وَالْتِبَاسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُمْ سَلَّمُوا وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَزَالَ الْإِشْكَالُ وَالِالْتِبَاسُ. وَصَارَ مِثْلُ ذَلِكَ أَصْلًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ فَالْتَزَمَ التَّابِعُونَ فِي الصَّحَابَةِ سِيرَتَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى فَقُهُوا، وَنَالُوا ذِرْوَةَ الْكَمَالِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَحَسْبُكَ مِنْ صِحَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّكَ لَا تَجِدُ عَالِمًا اشْتَهَرَ فِي النَّاسِ الْأَخْذُ عَنْهُ إِلَّا وَلَهُ قُدْوَةٌ وَاشْتُهِرَ فِي قَرْنِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَقَلَّمَا وُجِدَتْ فِرْقَةٌ زَائِغَةٌ، وَلَا أَحَدٌ مُخَالِفٌ لِلسَّنَةِ1 إِلَّا وَهُوَ مُفَارِقٌ لِهَذَا الْوَصْفِ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ وَقَعَ التَّشْنِيعُ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ2، وَأَنَّهُ لَمْ يُلَازِمِ الْأَخْذَ عَنِ الشُّيُوخِ، وَلَا تَأَدَّبَ بِآدَابِهِمْ، وَبِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ. وَالثَّالِثَةُ: الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ أَخَذَ عَنْهُ3، وَالتَّأَدُّبُ بِأَدَبِهِ، كَمَا عَلِمْتَ مِنِ اقْتِدَاءِ الصَّحَابَةِ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاقْتِدَاءِ التَّابِعِينَ بِالصَّحَابَةِ، وهكذا في كل قرن، وبهذا

_ 1 في "م": "وجدت فرقة زائغة، ولا أحدا مخالفا للسنة". 2 هو الحافظ أبو محمد علي ابن الوزير أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي، كان شافعي المذهب ثم صار ظاهريا، وبلغ من الذكاء وغزارة العلم منزلة فائقة؛ فألف الكتب القيمة، وناضل عن كثير من حقائق الدين بالحجج الباهرة، ولكنه لم يهذب حاشية منطقه؛ فكان يرمي بشرر من عبارات الازدراء والغضاضة من شأن أئمة السلف، ولم يحتمل منه علماء عصره هذه السيرة الشاذة؛ فنهضوا في وجهه ودارت بينه وبينهم المناظرات حتى امتدت إليه يد الدولة وأبعدته عن وطنه، وتوفي بالبادية رحمه الله سنة "456". "خ". 3 أخص من الأمارة الأولى؛ لأن الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه بعض العمل بما علم، وقد يؤخذ من وصفه لمالك بميزته عن أضرابه المجتهدين في هذه الأمارة، أنه لا يلزم من العمل بما علم أن يكون مقتديا بمن أخذ عنه، بل يغلب عليه العمل بما يراه باجتهاده، وإن لم يظهر عليه التأسي بنوع آداب أستاذه؛ تكون أمارة مستقلة. "د".

الْوَصْفِ امْتَازَ مَالِكٌ عَنْ أَضْرَابِهِ -أَعْنِي: بِشِدَّةِ الِاتِّصَافِ بِهِ- وَإِلَّا؛ فَالْجَمِيعُ مِمَّنْ يُهْتَدَى بِهِ فِي الدِّينِ، كَذَلِكَ كَانُوا، وَلَكِنَّ مَالِكًا اشْتُهِرَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَلَمَّا تُرِكَ هَذَا الْوَصْفُ؛ رَفَعَتِ الْبِدَعُ رُءُوسَهَا لِأَنَّ تَرْكَ الِاقْتِدَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرٍ حَدَثَ عِنْدَ التَّارِكِ، أَصْلُهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى1. فَصْلٌ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ؛ فَلِذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُشَافَهَةُ، وَهِيَ أَنْفَعُ الطَّرِيقَيْنِ وَأَسْلَمُهُمَا؛ لِوَجْهَيْنِ2: الْأَوَّلُ: خَاصِّيَّةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، يَشْهَدُهَا كُلُّ مَنْ زَاوَلَ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءُ؛ فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَقْرَؤُهَا الْمُتَعَلِّمُ فِي كِتَابٍ، وَيَحْفَظُهَا وَيُرَدِّدُهَا عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَفْهَمُهَا، فَإِذَا أَلْقَاهَا إِلَيْهِ الْمُعَلِّمُ فَهِمَهَا بَغْتَةً، وَحَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا بِالْحَضْرَةِ, وَهَذَا الْفَهْمُ يَحْصُلُ إِمَّا بِأَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ، وَإِيضَاحِ مَوْضِعِ إِشْكَالٍ لَمْ يَخْطُرْ لِلْمُتَعَلِّمِ بِبَالٍ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَلَكِنْ بأمر يهبه الله للمتعلم عِنْدَ مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ، ظَاهِرَ الْفَقْرِ بَادِيَ الْحَاجَةِ إِلَى مَا يُلْقَى إِلَيْهِ. وَهَذَا لَيْسَ يُنكر؛ فَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: "إِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَمَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"3، وَحَدِيثُ حنظلة الأسيدي؛ حين شكا إلى

_ 1 انظر: المسألة الثانية من الطرف الثاني من الاجتهاد. 2 لم يذكر إلا وجها واحدا؛ فتأمل. 3 وقع نحوه وما يفيده؛ ففي "صحيح البخاري" "كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت إذ أدرج في أكفانه/ رقم 1242" بسنده إلى عمر بن الخطاب؛ قال: "والله؛ ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها -أي: قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 44]- فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ مات. وأخرجه بلفظ المصنف عن أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2387"، وابن مردويه؛ كما في "الدر المنثور" "6/ 89"، وتتمته: "وكيف لا ننكر أنفسنا والله تعالى يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] ".

رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عِنْدَهُ وَفِي مَجْلِسِهِ كَانُوا عَلَى حَالَةٍ يَرْضَوْنَهَا، فَإِذَا فَارَقُوا مَجْلِسَهُ زَالَ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي؛ لَأَظَلَّتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا" 1. وَقَدْ قَالَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ: "وَافَقْتُ رَبِي فِي ثَلَاثٍ"2، وَهِيَ مِنْ فوائد

_ 1 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، 4/ 2106-2107/ رقم 2750"، وأحمد في "المسند" "4/ 346" عن حنظلة الأسيدي، بلفظ: "والذي نفسي بيده؛ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة". واللفظ المذكور عند الطيالسي في "المسند" "رقم 1345"، وأحمد في "المسند" "4/ 346"، والترمذي في "الجامع" "رقم 2452". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة، 1/ 504/ رقم 402، وكتاب التفسير، باب قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، 8/ 168/ رقم 4483, وباب في سورة الأحزاب, 8/ 527/ رقم 4790, وباب في سورة التحريم, 8/ 660/ 4916"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر -رضي الله تعالى عنه- 4/ 1865/ رقم 2399"، والنسائي في "التفسير" "الأرقام 18، 435، 623"، والترمذي في "الجامع" "4/ 69"، وابن ماجه في "السنن" "1/ 322/ رقم 1009"، وأحمد في "المسند" "1/ 23-24، 36"، والدارمي في "السنن" "2/ 44" من قول عمر, رضي الله عنه. وقد جمع موافقات عمر وتكلم عليها في رسالة مفردة السيوطي في "قطف الثمر"، وهي =

مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ؛ إِذْ يُفتح لِلْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا لَا يُفْتَحُ لَهُ دُونَهُمْ، وَيَبْقَى ذَلِكَ النُّورُ لَهُمْ بِمِقْدَارِ مَا بَقُوا فِي مُتَابَعَةِ مُعَلِّمِهِمْ، وَتَأَدُّبِهِمْ مَعَهُ، وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِ؛ فَهَذَا الطَّرِيقُ نَافِعٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَقَدْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ لَا يَكْتُبُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ1؛ فَقِيلَ لَهُ: فَمَا نَصْنَعُ؟ قَالَ: تَحْفَظُونَ وَتَفْهَمُونَ حَتَّى تَسْتَنِيرَ قُلُوبُكُمْ، ثُمَّ لَا تَحْتَاجُونَ إِلَى الْكِتَابَةِ، وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَرَاهِيَةُ الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا تَرَخَّصَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عِنْدَمَا حَدَثَ النِّسْيَانُ، وخِيفَ عَلَى الشَّرِيعَةِ الِانْدِرَاسُ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: مُطَالَعَةُ كُتُبِ الْمُصَنِّفِينَ وَمُدَوِّنِي الدَّوَاوِينَ، وَهُوَ أَيْضًا نَافِعٌ فِي بَابِهِ؛ بِشَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِنْ فَهْمِ مَقَاصِدِ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ، وَمَعْرِفَةِ اصْطِلَاحَاتِ أَهْلِهِ؛ مَا يَتِمُّ لَهُ بِهِ النَّظَرُ فِي الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول، ومن مُشَافَهَةِ الْعُلَمَاءِ، أَوْ مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: "كَانَ الْعِلْمُ

_ = مطبوعة ضمن "الحاوي للفتاوى"، واعتنى بها عناية جيدة ابن شبة في "تاريخ المدينة"، وذكر طرفا منها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "ص97 وما بعدها، ترجمة عمر". وكتب "خ" هنا ما نصه: "بيان الثلاث في بقية هذا الأثر المروي في "صحيح البخاري"، وهي آية الحجاب، وآية {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، وآية: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} ، ولا بدع أن ينطق الفاروق بما يوافق الوحي؛ فإن الشرائع تنزل لبيان الحقائق والإرشاد إلى المصالح، وكثير من القضايا والوقائع لا يلتبس على ذوي البصائر النقية والمدارك الراقية وجه كونها حقا أو مصلحة". 1 كان يكره الكتابة، ويقول: "لا تكتبوا "يعني ما يفتيهم به"؛ فلعله يتغير رأيي، فتذهب الكتابة إلى الأقطار قبل أن يستقر الحكم؛ فيحصل للناس بذلك ضرر، وإلا؛ فقد دون "الموطأ". "د". قلت: وانظر ما سيأتي "5/ 332".

فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكُتُبِ، وَمَفَاتِحُهُ بِأَيْدِي الرِّجَالِ"، وَالْكُتُبُ وَحْدَهَا لَا تُفِيدُ الطَّالِبَ مِنْهَا شَيْئًا، دُونَ فَتْحِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ مُعْتَادٌ. وَالشَّرْطُ الْآخَرُ1: أَنْ يَتَحَرَّى كُتُبَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُرَادِ؛ فَإِنَّهُمْ أَقْعَدُ2 بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ وَالْخَبَرُ. أَمَّا التَّجْرِبَةُ3؛ فَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي أَيِّ عِلْمٍ كَانَ، فَالْمُتَأَخِّرُ لَا يَبْلُغُ من

_ 1 في النسخ المطبوعة: "والشرط الثاني"، وما أثبتناه في الأصل المخطوط. 2 أي: أثبت. "ماء". 3 قال أبو عبيدة: خاطب الشاطبي بعض مستفتيه؛ فقال في "فتاويه" "120-122": " ... ما ذكرت لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة؛ فلم يكن ذلك مني -بحمد الله- محض رأيي، ولكن اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع كتب المتأخرين، وأعني بالمتأخرين كابن بشير وابن شاس وابن الحاجب ومن بعدهم؛ ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع، لكنها محض النصيحة". وقد بين الونشريسي -رحمه الله تعالى- في "المعيار العرب" "11/ 142" ما أبهمه المصنف؛ فقال: "العبارة الخشنة التي أشار إليها كان رحمه الله ينقلها عن شيخه أبي العباس أحمد القباب، وهي أنه كان يقول في ابن بشير وابن الحاج وابن شاس: أفسدوا الفقه". ونقل السراج في "الحلل السندسية" "1/ 2/ 665" عن الشيخ أحمد بابا توضيحا لوجه الفساد المذكور؛ فقال: "كأنه يعني بذلك أن الأخيرين أدخلا جملة من مسائل من "وجيز الغزالي" في المذهب مع مخالفتهما له، كما نبه عليها الناس، والأول بنى فروعا على قواعد أصولية وأدخلها في المذهب كذلك، ومسائل المذهب لا تجري جميعها على قواعد الأصول". وفي "الحلل السندسية" "1/ 3/ 656" و"سلوة الأنفاس" "3/ 245" ذكر لمحاورة جرت بين أبي العباس أحمد بن قاسم القباب "ت حوالي سنة 779هـ" وابن عرفة، وكان قد شرع آنذاك في تأليفه؛ فقال له القباب: "ما صنعت شيئا. فقال ابن عرفة: ولم؟ قال: لا يفهمه المبتدئ، ولا يحتاج إليه المنتهي".

الرُّسُوخِ فِي عِلْمٍ مَا يَبْلُغُهُ الْمُتَقَدِّمُ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ كُلِّ عِلْمٍ عَمَلِيٍّ أَوْ نَظَرِيٍّ؛ فَأَعْمَالُ الْمُتَقَدِّمِينَ -فِي إِصْلَاحِ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ- عَلَى خِلَافِ أَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعُلُومُهُمْ فِي التَّحْقِيقِ أَقْعَدُ، فَتَحَقُّقُ الصَّحَابَةِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ كَتَحَقُّقِ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعُونَ لَيْسُوا كَتَابِعِيهِمْ، وَهَكَذَا إِلَى الْآنِ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ، وَأَقْوَالَهُمْ، وَحِكَايَاتِهِمْ؛ أَبْصَرَ الْعَجَبَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَأَمَّا الْخَبَرُ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" 1، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ" 2، وَلَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا مَعَ قِلَّةِ الْخَيْرِ، وَتَكَاثُرِ الشَّرِّ شيئا بعد

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- باب فضائل أصحاب النبي, صلى الله عليه وسلم 7/ 3/ رقم 3651"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، 4/ 1962/ رقم 2533" من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- بلفظ: "خير الناس ... ". 2 أخرجه الدارمي في "السنن" "2/ 114"، ونعيم بن حماد في "الفتن" "1/ 98-99/ رقم 233، 235"، من حديث أبي عبيدة، والطيالسي "رقم 228"، ومن طريقه أبو يعلى في "المسند" "2/ 177/ رقم 873"، والطبراني في "الكبير" "1/ رقم 367 و20/ رقم 91"، والبيهقي في "السنن" "8/ 159" و"الدلائل" "6/ 340" و"الشعب" "5/ 16-17/ رقم 5616" من حديث معاذ وأبي عبيدة، وأحمد "4/ 273"، ونعيم بن حماد في "الفتن" "رقم 234" من حديث حذيفة، والحربي -كما قال المصنف في "الاعتصام" "2/ 251"- من حديث أبي ثعلبة، جميعهم رفعوه بألفاظ مقاربة. وأخرجه نعيم "رقم 236" موقوفا على عمر، و"رقم 237، 238"، من قول كعب، و"رقم 239" من مذاكرة أبي عبيدة وبشير بن سعيد، والداني في "الفتن" "رقم 334" عن عبد الرحمن بن سابط مرسلا. وفي أسانيدها مقال، ولها شاهد صحيح -عدا جملة باطلة في آخره- من حديث حذيفة، انظره في "السلسلة الصحيحة" "رقم 5"، وانظر: "ضعيف الجامع" "رقم 1578"، وقال "ماء": "عضوض؛ أي: يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعصفون عضا، والعضوض من أبنية المبالغة، وفي رواية: ملوك عضوض, وهو جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرس، أي: سيئ الخلق، وفي حديث أبي بكر, رضي الله عنه: "وسترون بعدي ملكا عضوضا" ا. هـ.

شَيْءٍ1، وَيَنْدَرِجُ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ عَامٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، لَا أَقُولُ عام أمطر من عام، ولا عام أخضب مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ خِيَارِكُمْ وَعُلَمَائِكُمْ، ثُمَّ يَحْدُثُ قَوْمٌ يقيسون الأمور برأيهم2؛ فيهدم الإسلام ويثلم"3.

_ 1 وانظر في ترجيح فعل السلف المتقدمين على غيرهم: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "4، 9، 10، 23، 157 و5/ 1-11 و11/ 366-373". 2 يطلق القياس في سياق الذم مضافا إلى الرأي، وإنما يراد به القياس الباطل، وهو ما لم يتحقق فيه شروط الصحة؛ كأن يكون مخالفا لنص، أو لا يقوم بجانبه دليل يشهد بأن المعنى المشترك بين صورتي المقيس والمقيس عليه هو العلة في تقرير الحكم المنصوص عليه. "خ". 3 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 65"، والفسوي في "المعرفة" "3/ 393"، وابن أبي زمنين في "السنة" "10"، وابن وضاح في "البدع" "ص33"، والطبراني في "الكبير" "9/ 109"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 182"، والبيهقي في "المدخل" "رقم 205"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2007، 2008، 2009، 2010"، والهروي في "ذم الكلام" "ق 37/ أ" من طرق مدارها على مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود به. وإسناده ضعيف؛ لضعف مجالد واختلاطه، قال الهيثمي في "المجمع" "1/ 180": "وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط"، ومع هذا؛ فقد جوده ابن حجر في "فتح الباري" "13/ 20". نعم، هو جيد من طرق أخرى، أخرجه يعقوب بن شيبة، أفاده ابن حجر أيضا "13/ 21". وأوله محفوظ في حديث أنس مرفوعا. أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، 13/ 19-20/ رقم 7068"، وغيره بسنده إلى الزبير بن عدي؛ قال: "أتينا أنس بن مالك؛ فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج؛ فقال: اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم, صلى الله عليه وسلم".

وَمَعْنَاهُ مَوْجُودٌ فِي "الصَّحِيحِ" فِي قَوْلِهِ: "وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ؛ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فيَضلون ويُضلون" 1. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ؛ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ". قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: "النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ ". وَفِي رِوَايَةٍ: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الذين يصلحون عند فساد الناس " 2.

_ 1 مضى تخريجه "ص97". 2 الحديث دون ذكر "من هم الغرباء" أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب، 1/ 130/ رقم 415" من حديث أبي هريرة وابن عمر, رضي الله عنهم. وأخرجه مع تفسيرهم بـ"النزاع من القبائل" الترمذي في "العلل الكبير" "2/ 854"، وابن ماجه في "السنن" "2/ 1320/ رقم 3988"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "13/ 236" -ومن طريقه أحمد وابنه عبد الله في "المسند" "1/ 398"، وأبو يعلى في "المسند" "رقم 4975"، والآجري في "الغرباء" "رقم 2"، وابن وضاح في "البدع" "ص65"، والخطابي في "غريب الحديث" "1/ 174-175"، والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" "ص23"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 64"، وابن حزم في "الإحكام" "8/ 37"، والطحاوي في "المشكل" "1/ 298"، والبيهقي في "الزهد" "رقم 208". وقال البخاري, كما نقل عنه الترمذي في "العلل": "وهو حديث حسن"، وصححه البغوي. وأخرجه مع تفسيرهم بـ"الذين يصلحون عند فساد الناس": الداني في "السنن الواردة في الفتن" "رقم 288"، والآجري "رقم 1" من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح. وأخرجه أحمد وابنه عبد الله في "المسند" "1/ 184"، وأبو يعلى في "المسند" "2/ 99/ رقم 756"، والبزار في "المسند" "رقم 56- مسند سعد" -دون زيادة- والدورقي في "مسند سعد" "رقم 87"، وابن منده في "الإيمان" "رقم 424"، والداني في "الفتن" "رقم 290" بإسناد صحيح.

وَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ: "إِنَّ لِلْإِسْلَامِ عُرًى يَتَعَلَّقُ النَّاسُ بِهَا، وَإِنَّهَا تَمْتَلِخُ عُرْوَةً عُرْوَةً"1. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: "تَذْهَبُ السُّنَّةُ سُنَّةً سُنَّةً، كَمَا يَذْهَبُ الْحَبْلُ قُوَّةً قُوَّةً"2. وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} الْآيَةَ [النَّصْرِ: 1] , ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لِيَخْرُجُنَّ مِنْ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، كَمَا دَخَلُوا فيه أفواجا " 3.

_ 1 أخرجه ابن وضاح في "البدع" "رقم 174-ط عمرو سليم، ورقم 190-ط بدر" بسند ضعيف فيه نعيم بن حماد. 2 القائل هو عبد الله بن محيريز، وأسند هذه المقولة عنه الدارمي في "السنن" "رقم 98"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "1/ 93"، وابن وضاح في "البدع" "ص66"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 226"، وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 144"، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" "ص12". 3 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 41"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 496"، والداني في "الفتن" "رقم 417" مرفوعا -وليس موقوفا كما ذكر المصنف- عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: تلا رسول الله, صلى الله عليه وسلم: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... } وذكره، وصحح إسناده، ووافقه الذهبي. قلت: وفيه أبو قرة -وتصحف في جميع مصادر التخريج إلى "فروة"؛ فليصحح- مولى أبي جهل، ترجمه ابن أبي حاتم "9/ 428" ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وكذا ابن عبد البر في "الاستغناء" "3/ 1516"، ثم ظفرت به موقوفا عند ابن وضاح في "البدع" "رقم 199-ط بدر"، وفيه: "قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة" "وذكره". وهذا إسناد ضعيف لإعضاله، وسقط سنده ومتن الأثر الذي قبله في "ط عمرو عبد المنعم" وهو فيه برقم "182". وله شاهد عن جابر بن عبد الله مرفوعا، أخرجه أحمد في "المسند" "3/ 343"، والداني في "الفتن" "رقم 420"، وابن بطة في "الإبانة" "137"، والثعلبي في "تفسيره" -كما في "تفسير القرطبي" "20/ 231"- وابن مردويه -كما في "الدر المنثور" "8/ 664"- عن جار لجابر عنه، وسنده ضعيف، قال الهيثمي في "المجمع" "7/ 281": "رواه أحمد، و [جار] جابر لم أعرفه".

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: "أَتَدْرُونَ كَيْفَ يَنْقُصُ الْإِسْلَامُ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، كَمَا يَنْقُصُ صِبْغُ الثَّوْبِ، وَكَمَا يَنْقُصُ سِمَن الدَّابَّةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "ذَلِكَ مِنْهُ"1. وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} [الْمَائِدَةِ: 3] ، بَكَى عُمَرُ؛ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [لَهُ] 2: "مَا يُبْكِيكَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ؛ فَلَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "صَدَقْتَ" 3. وَالْأَخْبَارُ هُنَا كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى نَقْصِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ الْعِلْمُ؛ فَهُوَ إِذًا فِي نَقْصٍ بِلَا شَكٍّ. فَلِذَلِكَ صَارَتْ كُتُبُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَكَلَامُهُمْ وَسِيَرُهُمْ؛ أَنْفَعُ لِمَنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِلْمِ، عَلَى أَيِّ نَوْعٍ كَانَ، وخصوصا علم الشريعة4، الذي هو

_ 1 أخرجه ابن وضاح في "البدع" "رقم 201-ط بدر، ورقم 184-ط عمرو". وإسناده صحيح. 2 ساقطة من الأصل. 3 أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "8/ 140-ط دار الفكر"، وابن جرير في "التفسير" "6/ 52"، والواحدي في "الوسيط" "2/ 154"، وابن وضاح في "البدع" "رقم 202" بإسناد ضعيف، وهو منقطع. قال ابن كثير في "التفسير" "2/ 14": "ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: "إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا ". قلت: ومضى تخريجه قريبا. 4 كتب المتقدمين في العلوم الإسلامية مقاصد كانت أو وسائل هي أحكم صنعا وأشد صلة بروح الموضوع من كتب المتأخرين، ولا سيما منذ أصبحت سوق الاختصار نافقة، وقد صرح المصنف في مراسلة دارت بينه وبين بعض أصحابه في هذا الغرض بأنه يعني بالمتأخرين من الفقهاء مثل ابن شاس وابن الحاجب ومن بعدهما. "خ".

الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، والوَزَر الْأَحْمَى1، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

_ 1 الوزر: الملجأ. والأحمى: الممنوع. انظر: "لسان العرب" "وز ر"، و"ح م".

المقدمة الثالثة عشرة

المقدمة الثالثة عشرة: كُلُّ أَصْلٍ عِلْمِيٍّ يُتَّخَذُ إِمَامًا فِي الْعَمَلِ؛ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَجْرِيَ بِهِ الْعَمَلُ عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ فِي مِثْلِهِ، بِحَيْثُ لَا يَنْخَرِمُ مِنْهُ رُكْنٌ وَلَا شَرْطٌ، أَوْ لَا، فَإِنْ جَرَى؛ فَذَلِكَ الْأَصْلُ صَحِيحٌ، وَإِلَّا؛ فَلَا. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا يُرَادُ -بِالْفَرْضِ- لِتَقَعَ الْأَعْمَالُ فِي الْوُجُودِ عَلَى وَفْقِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ، كَانَتِ الْأَعْمَالُ قَلْبِيَّةً أَوْ لِسَانِيَّةً، أَوْ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، فَإِذَا جَرَتْ فِي الْمُعْتَادِ عَلَى وَفْقِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ؛ فَهُوَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَإِلَّا؛ لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عِلْمًا لِتَخَلُّفِهِ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ انْقِلَابِ الْعِلْمِ جَهْلًا. وَمِثَالُهُ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي نَحْنُ فِي تَأْصِيلِ أُصُولِهِ: أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ فِي أُصُولِ الدِّينِ1 امْتِنَاعُ التَّخَلُّفِ فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَبَرِ رَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم- وَثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطاق، وَأُلْحِقَ2 بِهِ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِمَا فِيهِ حَرَجٌ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، فَإِذًا؛ كَلُّ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ تَخَلَّفَ عَنْ جَرَيَانِهِ عَلَى هَذِهِ الْمَجَارِي، فَلَمْ يَطَّرِدْ، وَلَا اسْتَقَامَ بِحَسَبِهَا فِي العادة؛ فليس بأصل يعتمد عليه.

_ 1 في الأصل و"ط": "الأصول الدينية". 2 في الأصل و"ط": "لحق".

وَلَا قَاعِدَةٍ يُسْتَنَدُ إِلَيْهَا. وَيَقَعُ ذَلِكَ فِي فَهْمِ الْأَقْوَالِ، وَمَجَارِي1 الْأَسَالِيبِ، وَالدُّخُولِ فِي الْأَعْمَالِ. فَأَمَّا فَهْمُ الْأَقْوَالِ؛ فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النِّسَاءِ: 141] ، إِنْ حُمل عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ؛ لَمْ يَسْتَمِرَّ مُخْبَرُهُ لِوُقُوعِ سَبِيلِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَثِيرًا بِأَسْرِهِ وَإِذْلَالِهِ؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إِلَّا عَلَى مَا يُصَدِّقُهُ الْوَاقِعُ وَيَطَّرِدُ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَقْرِيرُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ فَعَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُحمل2.

_ 1 معطوف على الأقوال، والأول معناه أن القول في ذاته بقطع النظر عن أقوال أخرى سبقته أو لحقته يختلف الفهم فيه بين صحيح وغيره، أما الفهم في مجاري الأساليب؛ فإنه ينظر فيه إلى أن فهمه على صحته يقتضي التوفيق بين المساق جميعه وعدم مخالفته السابق واللاحق. "د". 2 كتب بعض الفضلاء* في التعليق على هذا الموضع أنه: "يجوز بقاء الآية على معنى الخبر، ويكون المراد من المؤمنين: جماعة المسلمين العاملين بما يقتضيه الإيمان الراسخ؛ من الاستعداد، والاتحاد، والثبات"، وقال: "إن التاريخ يشهد بأن المسلمين لا يغلبون على أمرهم ما داموا كذلك"**. ولكن هذا يقتضي أمورا قد لا تسلم؛ منها أنهم يعطون من ذلك ما لم يعطه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في حياته، وأنت تعلم ما حصل لهم في مكة، وانفرادهم في شعب أبي طالب، وإذلال الكثير منهم، وهجرتهم إلى الحبشة، وغيرها. ومنها: أن تاريخ الحروب الصليبية -وكان في عز الإسلام واستمر قرونا- كان الأمر فيه تارة للمسلمين وتارة عليهم بأخذ بلادهم، والاستيلاء على بيت المقدس، وانكماش دولتهم، وآية: =

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [الْبَقَرَةِ: 233] ، إِنْ حُمل عَلَى أَنَّهُ تَقْرِيرُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ اسْتَمَرَّ وَحَصَلَتِ الْفَائِدَةُ، وَإِنْ حُمل عَلَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ بِشَأْنِ الْوَالِدَاتِ؛ لَمْ تَتَحَكَّمْ فِيهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ1 عَلَى مَا عُلم قَبْلَ الْآيَةِ. وَأَمَّا مَجَارِي الْأَسَالِيبِ؛ فَمِثْلُ قَوْلِهِ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا} إِلَخْ [الْمَائِدَةِ: 93] . فَهَذِهِ صِيغَةُ عُمُومٍ تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا دُخُولَ كُلِّ مَطْعُومٍ، وَأَنَّهُ لَا جُنَاحَ فِي اسْتِعْمَالِهِ بِذَلِكَ الشَّرْطِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْخَمْرُ، لَكِنْ هَذَا الظَّاهِرُ يفسد جريان2

_ = {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ... [النور: 55] لا تدل على المعنى الذي يراد تحميله لهذه الآية، وما في هذه الآية الأخيرة قد أعطيه -عليه السلام- وأصحابه في حياته وبعد وفاته والمسلمون بعدهم؛ لأن تمكين الدين وتبديل الخوف أمنا لا يلزمه كل ما يراد من الآية الأولى باعتبار المعنى الذي يراد تحميلها إياه، وأنت ترى أن آية الوعد قيدت الإيمان بعمل الصالحات؛ بخلاف الآية المذكورة؛ فليس فيها إلا مجرد الإيمان المقابل للكفر، على خلاف آيات الوعد في القرآن؛ فإنها مقيدة بعمل الصالحات، ولا يخفى أن مجرد الإيمان كاف في تطبيق حكم أنه لا يتولى الكافر شئون المسلم في العقود وغيرها؛ فيكون هو الذي ينبغي تنزيل الآية عليه "د". 1 لم يقل: "لم يستمر"؛ لأن الاستمرار حاصل على كلا الفهمين، غايته أنه على الفهم الثاني لم توجد فيه فائدة زائدة؛ لأنه يكون مجرد إخبار بمجرى العادة المعروفة للناس بدون هذه الآية، فلتحقق الفائدة يلزم أن يكون إنشاء لتقرير ما جرت به العادة حكما شرعيا يرجع إليه في تقرير النفقات وغيرها؛ إلا أنه يبقى الكلام في التمثيل به لما ذكره؛ فإنه بصدد التمثيل لما يقتضي تخلف خبر الله ورسوله، أو لما يلزم عليه تكليف بما لا يطاق، أو بما فيه حرج زائد عن المعتاد، وليس في هذا واحد من هذه الثلاثة، بل شيء آخر، وهو أنه لم يفد فائدة جديدة، فلو زاد على الأمور الثلاثة أنه يلزم في خبر الله ورسوله أن يفيد فائدة جديدة؛ لم تكن معروفة، ثم فرع عليه هذا المثال لكان ظاهرا "د". 2 لأن آية تحريم الخمر السابقة في نفس الموضوع تقتضي تحريم الخمر نصا، وهذا =

الْفَهْمِ فِي الْأُسْلُوبِ، مَعَ إِهْمَالِ السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْخَمْرَ؛ قَالَ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 93] ، فَكَانَ هَذَا نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ، فَاجْتَمَعَ الْإِذْنُ وَالنَّهْيُ مَعًا؛ فَلَا يُمْكِنُ لِلْمُكَلَّفِ امْتِثَالٌ. وَمِنْ هُنَا خَطَّأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْآيَةِ أَنَّهَا عَائِدَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْرِيمِ فِي الْخَمْرِ، وَقَالَ لَهُ: "إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ"1. إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُكَلَّفِ: "اجْتَنِبْ كَذَا"، وَيُؤَكَّدُ النَّهْيُ بِمَا يَقْتَضِي التَّشْدِيدَ فِيهِ جِدًّا، ثُمَّ يُقَالُ: "فإن فعلت؛ فلا جناح عليك".

_ = الظاهر ينافيها؛ فلا ينتظم السياق إلا بعدم دخول الخمر في العموم الظاهر؛ لئلا يلزم نقض التحريم، واجتماع النهي والإذن؛ فيكون تكليفا بما لا يطاق فضلا عن إهمال السبب في النزول، وهو أنهم قالوا لما نزل تحريم الخمر: "كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ ". فنزلت: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا} إلخ، يعني: ليس عليهم وزر لأنهم آمنوا واتقوا وما تعدوا ولا فعلوا ذلك بعد التحريم، وفضلا أيضا عن معارضة النص بالظاهر، ومعلوم أن النص هوالمقدم، ويكفي للتمثيل بالآية أن يكون فيها عدم جريان الفهم في الأسلوب، وإن كان هناك أسباب أخرى، كما أشار إليه بقوله: "مع إهمال السبب"، وبقوله: "بعد"، وأيضا؛ فإن الله أخبر، وكما أشرنا إليه في تقديم النص على الظاهر وتخصيص النص له. "د". 1 أي: ومنه الخمر التي تقتضي صحة الأسلوب تقرير حرمته، ولما كان هذا ضمن الوجوه التي يصح أن يني عمر عليها أن التقوى لا تكون إلا باجتنابها لتقرر تحريمها وعدم دخولها في هذا الظاهر؛ قال: "ومن هنا"، ولم يجزم فيقول: "ولذلك قال عمر"؛ فتأمل "د". قلت: وأثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة "9/ 546"، وابن المنذر بنحوه؛ كما في "الدر المنثور" "3/ 174"، وسيأتي عند المصنف بأطول من هذا "ص272"، وأفاد هناك أنه عند القاضي إسماعيل في "الأحكام" وأخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 842-844"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 315"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "5/ 56"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "3/ 154".

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَتُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ، وَهُوَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ التَّحْرِيمِ كَالْمُنَافِي1 لِقَوْلِهِ: {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الْمَائِدَةِ: 93] ؛ فَلَا يُمْكِنُ إِيقَاعُ كَمَالِ التَّقْوَى بَعْدَ تَحْرِيمِهَا إِذَا شُرِبَتْ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحَرَجِ أَوْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطاق. وَأَمَّا الدُّخُولُ فِي الْأَعْمَالِ؛ فَهُوَ الْعُمْدَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا أَدَّى الْقَوْلُ بِحَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ إِلَى الْحَرَجِ2 أَوْ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا؛ فَهُوَ غَيْرُ جَارٍ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَلَا اطِّرَادٍ، فَلَا يَسْتَمِرُّ الْإِطْلَاقُ، وَهُوَ الْأَصْلُ أَيْضًا لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ، لِمَا يَلْزَمُ فِي حَمْلِ مَوَارِدِهَا عَلَى عُمُومِهَا أَوْ إِطْلَاقِهَا مِنَ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ، حَتَّى تُقَيَّدَ بِالْقُيُودِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاطِّرَادِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَتَصِحَّ، وَفِي ضِمْنِهِ تَدْخُلُ أَحْكَامُ الرُّخَصِ، إِذْ هُوَ الْحَاكِمُ فِيهَا، وَالْفَارِقُ بَيْنَ مَا تَدْخُلُهُ الرُّخْصَةُ وَمَا لَا. وَمَنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ فِي تَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لَمْ يَأْمَنِ الْغَلَطَ، بَلْ كَثِيرًا مَا تَجِدُ خَرْمَ هَذَا الْأَصْلِ فِي أُصُولِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْمُتَشَابِهَاتِ، وَالطَّوَائِفِ الْمَعْدُودِينَ فِي الْفِرَقِ الضَّالَّةِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَعْتَرِي ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ وَالشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَسَأُمَثِّلُ لَكَ بِمَسْأَلَتَيْنِ وَقَعَتِ الْمُذَاكَرَةُ بِهِمَا مَعَ بَعْضِ شيوخ العصر3:

_ 1 أي: من حيث الكمال؛ كما يفيده كلامه "د". 2 تقتضي قاعدتا تعيين قدر المبيع في البيع وتحديد مدة الانتفاع بالمحل في الإجارة أن لا يجوز الدخول للحمام إلا بشرط تحديد مدة المكث به، وبيان مقدار ما يستعمل من الماء، ولكن وقع استثناء هذه المسألة وأعطيت حكم الإباحة بإطلاق لما في تقدير الماء المستعمل في الحمام، وتحديد مدة المقام به من المشقة القاضية بالرخصة والتيسير. "خ". 3 أفاد التنبكي في "نيل الابتهاج" "ص48" أن الشاطبي "تكلم مع كثير من الأئمة في =

إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَتَبَ إِلِيَّ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغْرِبِ1 فِي فَصْلٍ يَتَضَمَّنُ "مَا يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْآخِرَةِ النَّظَرُ فِيهِ، وَالشُّغْلُ بِهِ"، فَقَالَ فِيهِ: "وَإِذَا شَغَلَهُ شَاغِلٌ عَنْ لَحْظَةٍ فِي صَلَاتِهِ؛ فَرَّغَ سِرَّهُ مِنْهُ، بِالْخُرُوجِ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ يُساوي خَمْسِينَ أَلْفًا كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَّقُونَ". فَاسْتَشْكَلْتُ هَذَا الْكَلَامَ، وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ بِأَنْ قُلْتُ2: أَمَّا أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِتَفْرِيغِ السِّرِّ مِنْهُ؛ فَصَحِيحٌ، وَأَمَّا أَنَّ تَفْرِيغَ السِّرِّ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ وَاجِبٌ؛ فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا الْوُجُوبُ؟ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا بِإِطْلَاقٍ؛ لَوَجَبَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ الْخُرُوجُ عَنْ ضِيَاعِهِمْ، وَدِيَارِهِمْ، وقُراهم، وَأَزْوَاجِهِمْ، وَذُرِّيَّاتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ3 مما يقع لهم

_ = مشكلات المسائل من شيوخه وغيرهم؛ كالقباب، وقاضي الجماعة الفشتالي، والإمام ابن عرفة، والولي الكبير أبي عبد الله بن عباد؛ فجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها"، وأفاد ناسخ الأصل كما سيأتي أن ابن عرفة كتب للشاطبي في مسألة "مراعاة الخلاف"، ونقل عن "نوازل البرزالي" ذلك. قلت: وفي "المعيار المعرب" "6/ 387" ما يدل عليه وعلى أن أبا العباس القباب باحثه في ذلك، ثم وجدت في "الاعتصام" "2/ 146" قوله: "فأجابني بعضهم بأجوبة منها الأقرب والأبعد، إلا أني راجعت بعضهم بالبحث، وهو أخي ومفيدي أبو العباس بن القباب -رحمة الله عليه- فكتب إلي ما نصه ... ". وأورد الونشريسي في "المعيار" "12/ 293" مراسلة بين المصنف والشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النفزي النفري في علم التصوف ومدى ضرورة الشيخ في ذلك. 1 هو ابن القباب كما صرح به الونشريسي في "المعيار المعرب" "11/ 20". 2 في "ط": "قلت له". 3 وهذا منتهى الحرج للأفراد، وتكليف الجميع به تكليف بما لا يطاق، وهو أيضا مخالف لما يقصده الشرع من المحافظة على الضروريات والحاجيات ... إلخ؛ فهو جار على غير استقامة. "د". وانظر رد المصنف على القشيري في مسألة الاشتراط على المريد أن يخرج من ماله في: "الاعتصام" "1/ 214-215".

بِهِ الشُّغْلُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَى هَذَا فَقَدْ يَكُونُ الْخُرُوجُ عَنِ الْمَالِ سَبَبًا لِلشُّغْلِ فِي الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ شُغْلِهِ بِالْمَالِ. وَأَيْضًا؛ فَإِذَا كَانَ الْفَقْرُ هُوَ الشَّاغِلُ؛ فَمَاذَا يَفْعَلُ؟ فَإِنَّا نَجِدُ كَثِيرًا مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُ الشَّغْلُ بِسَبَبِ الْإِقْلَالِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ لَا يَجِدُ إِلَى إِغَاثَتِهِمْ سَبِيلًا، وَلَا يَخْلُو أَكْثَرُ النَّاسِ عَنِ الشُّغْلِ بِآحَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ أَفَيَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخُرُوجُ عَمَّا سَبَّبَ لَهُمُ الشُّغْلَ فِي الصَّلَاةِ؟ هَذَا مَا لَا يُفْهَمُ، وَإِنَّمَا الْجَارِي عَلَى الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ طَلَبُ مُجَاهَدَةِ الْخَوَاطِرِ الشَّاغِلَةِ خَاصَّةً، وَقَدْ يُندب إِلَى الْخُرُوجِ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَشْغَلَهُ، مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، إِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ شَرْعًا، وَكَانَ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فَقْدُهُ تَأْثِيرًا يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ مَا فَرَّ مِنْهُ أَوْ أَعْظَمَ، ثُمَّ يُنْظَرُ بعدُ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ الْوَاقِعِ فِيهَا الشُّغْلُ: كَيْفَ حَالُ صَاحِبِهَا مِنْ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ، أَوِ اسْتِحْبَابِهَا، أَوْ سُقُوطِهَا؟ وله موضع غير هذا. ا. هـ حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ؛ كَتَبَ إِلَيَّ بِمَا يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِيهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِإِطْلَاقِ الْخُرُوجِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ غَيْرُ جَارٍ فِي الْوَاقِعِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ؛ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ؛ فَلَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهُ أَصْلًا فِقْهِيًّا أَلْبَتَّةَ. وَالثَّانِيَةُ: مَسْأَلَةُ الْوَرِعِ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْخِلَافِ1؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ يَعُدُّونَ الْخُرُوجَ عَنْهُ فِي الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ مَطْلُوبًا، وَأَدْخَلُوا فِي الْمُتَشَابِهَاتِ المسائل المختلف فيها.

_ 1 انظر في هذه المسألة: "مجموع ابن تيمية" "10/ 644، 522 و20/ 138، 139", و"الاعتصام" "1/ 214 و2/ 146"، و"بدائع الفوائد" "3/ 257"، و"تهذيب السنن" "1/ 60"، و"إغاثة اللهفان" "1/ 129-130" -كلها للإمام ابن القيم- و"الإحكام" لابن حزم "6/ 745"، و"إيضاح السالك" للونشريسي "160"، و"فتح الباري" "1/ 27"، و"الفواكه العديدة" "2/ 136"، و"الورع" للصنهاجي "ص37"، و"تمام المنة" "159"، و"رفع الحرج" ليعقوب الباحسين "ص137-182"، وما سيأتي "5/ 107 وما بعدها".

وَلَا زِلْتُ مُنْذُ زَمَانٍ اسْتَشْكِلُهُ؛ حَتَّى كَتَبْتُ فِيهَا إِلَى الْمَغْرِبِ، وَإِلَى إِفْرِيقِيَّةَ؛ فَلَمْ يَأْتِنِي جَوَابٌ بِمَا يَشْفِي الصَّدْرَ، بَلْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِشْكَالَاتِ الْوَارِدَةِ؛ أَنَّ جُمْهُورَ مَسَائِلِ الْفِقْهِ1 مُخْتَلَفٌ فِيهَا اخْتِلَافًا يُعْتَدُّ بِهِ، فَيَصِيرُ إِذًا أَكْثَرُ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَهُوَ خِلَافُ2 وَضْعِ الشَّرِيعَةِ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ صَارَ الْوَرَعُ مِنْ أَشَدِّ الْحَرَجِ؛ إِذْ لَا تَخْلُو لِأَحَدٍ فِي الْغَالِبِ عِبَادَةٌ، وَلَا مُعَامَلَةٌ، وَلَا أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ التَّكْلِيفِ، مِنْ خِلَافٍ يُطْلَبُ الْخُرُوجُ عَنْهُ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ. فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ3: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، الْمُخْتَلَفُ

_ 1 جمهور الشيء أكثره، وهي دعوى تحتاج لإحصاء مسائل الشريعة مسألة مسألة، والوقوف على حصول خلاف في أكثرها بين مجتهدين مسلم لهم في الاجتهاد، ومنقول لنا خلافهم بطريق صحيح، ويكون الخلاف معتدا به كما يقول، وسيذكر في كتاب الاجتهاد أن هناك عشرة أسباب تجعل كثيرا من الخلافات غير معتد به خلافا، على أن الورع بعد هذا كله في مراعاة شرط أو ركن لم يقل به آخر، أو في تحريم شيء لم ير حرمته آخر، أو إيجاب شيء لم ير وجوبه آخر، أما الخلافات بين مباح ومندوب، وبين سنة ومباح، وبين طلب تقديم شيء وتأخيره، وهكذا من أمثال هذا الذي لا يترتب عليه حرمة ولا بطلان عبادة؛ فليس مما يقصد دخوله في ورع الخروج من الخلاف، وإذًا؛ فهل بقي بعد هذا أن الورع في ذلك من أشد أنواع الحرج؟ ذلك ما يحتاج إلى دقة نظر. "د". 2 سيأتي بيانه في المتشابه والمحكم في فصول ضافية. "د". 3 كتب ناسخ الأصل هنا ما نصه: "المراد بهذا البعض هو الشيخ الإمام ابن عرفة التونسي، كما يعلم ذلك بمراجعة أوائل "البرزالي"؛ فإنه ذكر ورود السؤال من بعض فقهاء غرناطة -يعني: المصنف- عن الشيخ ابن عرفة في مسائل عديدة، من جملتها هذه المسألة؛ فذكر عن السائل المذكور البحث فيها من سبعة أوجه: أحدها: أن الورع إما لتوقع العقاب أو ثبوت الثواب، وإلا؛ فليس بورع، أما الأول؛ فالإجماع على عدم تأثيم المخطئ في الفروع، وإذا قلنا: إن كل مجتهد مصيب؛ فالأمر واضح. =

فِيهِ اخْتِلَافًا دَلَائِلُ أَقْوَالِهِ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ، وَلَيْسَ أَكْثَرُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ هَكَذَا، بَلِ الْمَوْصُوفُ بِذَلِكَ أَقَلُّهَا، لِمَنْ تَأَمَّلَ مِنْ مُحَصِّلِي مَوَارِدِ1 التَّأَمُّلِ, وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمُتَشَابِهُ مِنْهَا إِلَّا الْأَقَلَّ، وَأَمَّا الْوَرَعُ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ، وَلَوْ فِي هَذَا النَّوْعِ فَقَطُّ؛ فَشَدِيدٌ مُشِقٌّ، لَا يُحَصِّلُهُ إِلَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ إِلَى كَثْرَةِ استحضار لوازم فعل المنهي

_ = وأما الثاني: فلأن المخطئ مأجور كالمصيب، وإذا قلنا: إن المصيب أكثر أجرا؛ فلعل الخطأ في الجهة التي إليها المتورع إذ المخطئ غير متعين. وثانيها: أن هذا الخروج لا يتصور، فإن المتورع إذا انكب عن الفعل المختلف فيه بالحل والحرمة؛ فقد رجع "الصحيح لغة: رجح" الضرب المحرم؛ إذ لم ينكب إلا خوف الإثم؛ فإن المنكب لأمر آخر ليس بورع. وثالثها: أن المتورع إن كان مجتهدا يعرض ما أداه إليه اجتهاده، فإن تعارضت الأدلة؛ فالترجيح، وإلا؛ فالوقف أو التخيير، وإن كان مقلدا؛ فإن قلد أحد المجتهدين لم يتمكن له في قضيته تلك أن يقلد الآخر، ولا أن يجمع بينهما لأنهما متضادان، ولا له أن ينظر لأنه ليس من أهل النظر. ورابعها: أن الورع بمثل هذا لم يثبت عن الصحابة والتابعين أنهم استعملوه، بل حديث "أصحابي كالنجوم" 1 مطلق في الاقتداء بهم، من غير تقييد ولا تنبيه على جهة الورع إذا اختلفوا على المقتدي. خامسها: أن ترجيح المتورع لأحد القولين فممنوع؛ لأنه إن كان بدليل فهو منصب المجتهد وحينئذ يكون عملا بأحدهما أو بالقول الثالث، وإن كان بغير دليل؛ فلا يصح باتفاق. سادسا: ما ذكره المصنف هنا وهو أن جمهور مسائل الفقه ... إلخ. سابعها: لأن عامل الورع في مسائل الخلاف الآخذ بالأشد وتتبع الأشد أبدا لمذهب لا يقصر عمن تتبع الرخص في الذم. فإن كان تتبع الرخص غير محمود، بل حكى ابن حزم الإجماع على أنه فسق لا يحل؛ فتتبع الشدائد غير محمود أيضا؛ لأنه تنطع ومشادة في الدين، وأجاب الإمام ابن عرفة عن هذه الأوجه كلها وأجاد في بعضها كل الإجادة، رحمه الله تعالى ونفعنا به، آمين. ا. هـ. 1 في النسخ المطبوعة الثلاث: "مواد".

عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ" 1، هَذَا مَا أَجَابَ بِهِ. فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: بِأَنَّ مَا قَرَّرْتُمْ مِنَ الْجَوَابِ غَيْرُ بَيَّنٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرِي فِي الْمُجْتَهِدِ وَحْدَهُ، وَالْمُجْتَهِدُ إِنَّمَا يَتَوَرَّعُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، لَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَقْوَالِ؛ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ؛ فَقَدْ نَصَّ صَاحِبُ هَذَا الْوَرَعِ الْخَاصِّ عَلَى طَلَبِ خُرُوجِهِ مِنَ الْخِلَافِ إِلَى الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَفْتَاهُ أَفْضَلَ الْعُلَمَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَالْعَامِّيُّ -فِي عَامَّةِ أَحْوَالِهِ- لَا يَدْرِي مَنِ الَّذِي دَلِيلُهُ أَقْوَى مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ وَالَّذِي دَلِيلُهُ أَضْعَفُ، وَلَا يَعْلَمُ: هَلْ تَسَاوَتْ أَدِلَّتُهُمْ أَوْ تَقَارَبَتْ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ، وَلَيْسَ الْعَامِّيُّ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا بُنِيَ الْإِشْكَالُ عَلَى اتِّقَاءِ الْخِلَافِ الْمُعْتَدِّ بِهِ، وَالْخِلَافُ الْمُعْتَدُّ بِهِ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ، وَالْخِلَافُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ قَلِيلٌ2؛ كَالْخِلَافِ فِي الْمُتْعَةِ3، وَرِبَا النَّسَاءِ، ومحاش4 النساء، وما أشبه ذلك.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الرقاق، باب حجبت النار بالشهوات، 11/ 320/ رقم 6487"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها, باب منه 4/ 2174/ رقم 2823" من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه. 2 أشرنا آنفا إلى أنه أكثر مواضع الخلاف، رجوعا إلى ما سيقرره في موضعه، وأن القليل هو الذي يعتد به خلافا. "د". 3 أبيحت المتعة في صدر الإسلام بداعية قلة النساء وطول مدة الاغتراب في سبيل الجهاد، ثم حرمت تحريما مؤبدا بقوله -عليه الصلاة والسلام- كما في "صحيح مسلم" "رقم 1406 بعد 21": "قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة"، ومن حكمة تحريمه أنه يحط من شأن المرأة، ويجعلها كالأدوات المبتذلة يتناولها الرجال واحدا بعد آخر، ثم إن المقصد الأعظم من النكاح التناسل، ومصلحة الولد تستدعي أن يتربى بين أبوين يرتبطان بعاطفة وداد روحي وإخلاص في المعاشرة، وهذه الرابطة لا تستقيم حيث يعقد النكاح لأمد معلوم. "خ". 4 جمع محشة، وهي من الألفاظ المكنى بها عن الاست، ومنه حديث ابن مسعود: "محاش النساء عليكم حرام" "خ".

وَأَيْضًا؛ فَتَسَاوِي الْأَدِلَّةِ1 أَوْ تَقَارُبُهَا أَمْرٌ إِضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْظَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَرُبَّ دَلِيلَيْنِ يَكُونَانِ عِنْدَ بَعْضٍ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ، وَلَا يَكُونَانِ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضٍ؛ فَلَا يَتَحَصَّلُ لِلْعَامِّيِّ ضَابِطٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِيمَا يَجْتَنِبُهُ مِنَ الْخِلَافِ مِمَّا لَا يَجْتَنِبُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ مِنَ الِاجْتِنَابِ أَوْ عَدَمِهِ رَاجِعٌ إِلَى نَظَرِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَاتِّبَاعُ نَظَرِهِ وَحْدَهُ فِي ذَلِكَ تَقْلِيدٌ لَهُ وحده، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْخِلَافِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ هَذَا الْمُجْتَهِدُ يَدَّعِي أَنَّ قَوْلَ خَصْمِهِ ضَعِيفٌ لَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ، وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِيمَا إِذَا رَاجَعَ الْمُجْتَهِدَ الْآخَرَ؛ فَلَا يَزَالُ الْعَامِّيُّ فِي حَيْرَةٍ إِنِ اتَّبَعَ هَذِهِ الأمور، وهو شديد جدا، و "من يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" 2، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشْكَلَ عَلَى السَّائِلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ جَوَابُهُ بَعْدُ. وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّ الْوَرَعَ شَدِيدٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ الْتِزَامَ التَّقْوَى شَدِيدٌ؛ إِلَّا أَنَّ شِدَّتَهُ لَيْسَتْ مِنْ جِهَةِ إِيقَاعِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، بَلْ مِنْ جِهَةِ قَطْعِ مَأْلُوفَاتِ النَّفْسِ وَصَدِّهَا عَنْ هَوَاهَا خَاصَّةً. وَإِذَا تَأَمَّلْنَا مَنَاطَ الْمَسْأَلَةِ؛ وَجَدْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْوَرَعِ الْخَاصِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَرَعِ بَيِّنًا، فَإِنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْوَرَعِ سَهْلٌ فِي الْوُقُوعِ، وَإِنْ كَانَ شَدِيدًا فِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ، وَوَرَعُ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ صعب في الوقوع قبل النظر في

_ 1 يدفع بهذا ما يتوهم وروده على قوله: "ولا يعلم هل تساوت أدلتهم ... " إلخ؛ فقد يقال: يرجع في ذلك إلى المجتهد ليعرف التساوي والتقارب؛ فقال هنا: إنه لا يتأتى الرجوع في ذلك له. "د". 2 قطعة من حديث أوله: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ... "؛ أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب الدين يسر، 1/ 93/ رقم 39" عن أبي هريرة, رضي الله عنه.

مُخَالَفَةِ النَّفْسِ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ مَقْصُودُ السَّائِلِ بِالشِّدَّةِ والحرج، وأنه ليس ما أشرتم إليه. ا. هـ. مَا كَتَبْتُ بِهِ، وَهُنَا وَقَفَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا التَّقْرِيرَ؛ عَرَفَ أَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ لَا يَطَّرِدُ1، وَلَا يَجْرِي فِي الْوَاقِعِ مَجْرَى الِاسْتِقَامَةِ لِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي وُقُوعِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَنَدَ إِلَيْهِ، وَلَا يُجْعَلَ أَصْلًا يُبْنَى2 عَلَيْهِ3. وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ؛ فَاحْتَفِظْ بِهَذَا الْأَصْلِ؛ فَهُوَ مُفِيدٌ جِدًّا، وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْوَرِعِ، وَتَمْيِيزِ المتشابهات، وما يعتبر من وجوه الِاشْتِبَاهِ4 وَمَا لَا يُعْتَبَرُ، وَفِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ مسائل تحققه إن شاء الله.

_ 1 لأنه إنما يجري في المجتهد لا في المقلد، وإجراؤه في المقلد الذي هو أصل السؤال مؤد إلى الحرج "د". 2 في "خ": "ينبني". 3 أنكر جماعة من الفقهاء دخول الورع في بسملة المالكي في الصلاة بحجة أنه لا يخرج من خلاف الإمام الشافعي؛ إلا أن يقرأ البسملة معتقدا وجوبها، كما أنكروا دخوله في مسح الشافعي جميع رأسه خروجا من خلاف المذهب المالكي؛ لأنه لا يتخلص من خلاف هذا المذهب إلا أن يمسح الجميع باعتقاد الوجوب، وحاول شهاب الدين القرافي في "قواعده" تصوير الجمع بين المذهبين في الفرع الثاني؛ فلم يهتد إلى وجه مرضي، ومن المتعذر عليه وعلى غيره أن يجمع بين حكمين متضادين مثل الندب والوجوب في عبادة واحدة "خ". 4 تعارض الأدلة على المجتهد لا تعارض الأقوال على المقلد؛ فلا يلزم عليه الحرج. نعم، سيأتي له أن على المقلد إذا تعارضت عليه الأقوال أن يرجح واحدا منها، ولكنه اعتبر في الترجيح أمورا واضحة لا يبقى معها اشتباه، كأن يأخذ بقول من عرف بأنه يعمل بعلمه مثلا "د".

القسم الثاني: كتاب الأحكام

القسم الثاني: كتاب الأحكام مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ1. كِتَابُ الْأَحْكَامِ: 2 وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ3 وَالْآخَرُ يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ؛ فَالْأَوَّلُ يَنْحَصِرُ فِي الْخَمْسَةِ؛ فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يتعلق بها من المسائل، وهي جملة:

_ 1 ما بين المعقوفتين ليس في الأصل ولا في "م" و"خ". 2 "الأحكام: جمع حكم، وإلى تعريف الحكم أشرت في "منور الأفهام" بقولي: فالحكم بالإثبات أو بالنفي ... للأمر يعرف لَدُنْ ذي الرأي أعني أن الحكم يعرف عند أهل العقل بالإثبات للشيء أو بالنفي له، نحو: قام زيد، أو ما قام" "ماء". 3 "تعلق الخطاب بالأفعال؛ إما أن يطلب منها طلبا، أو بأن يبيحها، وهذا هو المسمى بخطاب التكليف، وإما بأن يضع لها سببا أو شرطا أو مانعا، ويسمى خطاب الوضع، وتخصيص هذا النوع من الأحكام باسم الوضع محض اصطلاح. وإلا؛ فالأحكام كلها -أعني: المتعلقات بالأفعال التنجيزية لوضع الشرع- لا مجال للعقل ولا للعادة في شيء منها، قاله في "شرح المقدمات" ... " "ماء".

القسم الأول: خطاب التكليف

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: خِطَابُ التَّكْلِيفِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 1: [فِي الْمُبَاحِ] 2 الْمُبَاحُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ لَا يَكُونُ مَطْلُوبَ الْفِعْلِ، وَلَا مَطْلُوبَ الِاجْتِنَابِ، أَمَّا كونه ليس بمطلوب الاجتناب3؛ فلأمور:

_ 1 استفاد المصنف كثيرا في هذه المسألة من الإمام شمس الدين علي بن إسماعيل الصنهاجي الأبياري المالكي "ت 616هـ" في كتابه المطبوع بعنوان: "الورع"، بتحقيق فاروق حمادة، طبع دار الآفاق الجديدة - بيروت، وبين عبارة المصنف وعبارة الأبياري تطابق إلى حد كبير في كثير من الأحايين؛ فاقتضى التنويه. 2 ما بين المعقوفتين ليس في "د". تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في المباح في "مجموع الفتاوى" "12/ 300 و14/ 108، 109 و15/ 448 و18/ 9، 10 و21/ 314-318، 538-541 و29/ 16-18، 150، 151". 3 ممن حقق النظر في هذه المسألة أبو بكر الأبهري، ونفى دخول الورع في ترك المباح بحجة أن الله سوى بين الفعل والترك، والورع مندوب، والندب مع التسوية متعذر، وتصدى شهاب الدين القرافي للتوفيق بينه وبين مخالفيه قائلا: "لا ورع ولا زهد في المباحات من حيث هي مباحة، ولكن يدخلها الورع والزهد من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد يوقع في المحرمات ويفضي إلى بطر النفس"، وهذا هو المبدأ الذي رتب عليه المصنف بحثه المسهب في هذا المقام "خ".

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُبَاحَ عِنْدَ الشَّارِعِ هُوَ الْمُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، مِنْ غَيْرِ مَدْحٍ وَلَا ذَمٍّ، لَا عَلَى الْفِعْلِ وَلَا عَلَى التَّرْكِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ الِاسْتِوَاءُ شَرْعًا وَالتَّخْيِيرُ؛ لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ بِهِ مُطِيعًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِالتَّرْكِ؛ فَإِنَّ الطَّاعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الطَّلَبِ، وَلَا طَلَبَ؛ فَلَا طَاعَةَ1. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُبَاحَ مساوٍ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَطْلُوبِ التَّرْكِ، فَكَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مُطِيعًا بِتَرْكِهِ شَرْعًا؛ لِكَوْنِ الشَّارِعِ لَمْ يَطْلُبِ التَّرْكَ فِيهِمَا، كَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا شَرْعًا. لَا يُقَالُ: إِنَّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ يُفَارِقَانِ الْمُبَاحَ، بِأَنَّهُمَا مَطْلُوبَا الْفِعْلِ؛ فَقَدْ قَامَ الْمُعَارِضُ لِطَلَبِ التَّرْكِ، وَلَيْسَ الْمُبَاحُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا مُعَارِضَ لِطَلَبِ التَّرْكِ فِيهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: كَذَلِكَ الْمُبَاحُ؛ فِيهِ مُعَارِضٌ لِطَلَبِ التَّرْكِ, وَهُوَ التَّخْيِيرُ فِي التَّرْكِ؛ فَيَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ بَيْنَ طَلَبِ التَّرْكِ عَيْنًا وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ فِيهِ2. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا تَقَرَّرَ اسْتِوَاءُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي الْمُبَاحِ شَرْعًا، فَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا بِتَرْكِهِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُطِيعًا بِفِعْلِهِ، مِنْ حَيْثُ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا مَعْقُولٍ في نفسه3.

_ 1 قارن مع "الورع" للصنهاجي "ص16". 2 قارن مع "الورع" للصنهاجي "ص16-17". 3 سيأتي أنه مؤد إلى التناقض "د". قلت: وقارن مع "الورع" للصنهاجي "ص17".

وَالرَّابِعُ: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ نَاذِرَ تَرْكِ الْمُبَاحِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ، بِأَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الْمُبَاحَ، وَأَنَّهُ كَنَذْرٍ1 فَعَلَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ2: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيع اللَّهَ؛ فَلْيُطِعْهُ" 3، فَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ طَاعَةً لَلَزِمَ بِالنَّذْرِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَاعَةٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ قَائِمًا، وَلَا يَسْتَظِلَّ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَجْلِسَ، وَأَنْ يَسْتَظِلَّ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ"4. قَالَ مَالِكٌ: أَمَرَهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً؛ فَجَعَلَ5 نَذْرَ تَرْكِ المباح معصية6 كما ترى7.

_ 1 في "م" و"خ": "كناذر". 2 هو تمام الدليل، ومحصله أن النذر إنما يكون في الطاعة كما في الحديث، وقد أجمعوا على أن ناذر ترك المباح نذره لغو؛ فلو كان تركه طاعة وداخلا فيما يُطلب بالحديث الوفاء به؛ لم يجمعوا على عدم لزوم الوفاء به. "د". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية, 11/ 585/ رقم 6700" من حديث عائشة, رضي الله عنها. 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، 11/ 586/ رقم 6704" من حديث ابن عباس, رضي الله عنه. 5 حمل المؤلف كلام مالك على ترك المباح وهو الجلوس والاستظلال؛ فقال ما قال، ولكن في الحديث الصحيح في مثله ما يفيد أن الفعل نفسه تعذيب للنفس، وهو حرام؛ حيث يقول: "إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني"؛ فهو نذر لفعل المعصية مباشرة لا بواسطة ترك المباح. "د". قلت: وعبارة مالك في "الموطأ" "2/ 29". 6 ترك الكلام والاستظلال والجلوس لا يبلغ أن يكون معصية بنفسه؛ إلا أن يجر إلى نصب ومشقة، ولكن في نذر المباح قلبا لحقائق الشرع؛ فيدخل صاحبه من هذه الجهة في قبيل الذي يقصدون إلى حقيقة قررها الشارع على وضع خاص، ويخرجون بها على ذلك الوضع المرسوم؛ إما عبثا وتلاعبا، وإما جهلا بالحكم الذي تمكنهم معرفته بسهولة. "خ". 7 قارن مع "الورع" للصنهاجي "ص17-19".

وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا بِتَرْكِهِ -وَقَدْ فَرَضْنَا1 أَنَّ تَرْكَهُ وَفِعْلَهُ عِنْدَ الشَّارِعِ سَوَاءٌ- لَكَانَ أَرْفَعَ دَرَجَةً فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ فَعَلَهُ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا2 أَنَّ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ مُنَزَّلَةٌ عَلَى أُمُورِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَحَقَّقَ الِاسْتِوَاءُ فِي [جميع الطاعات؛ تَحَقَّقَ الِاسْتِوَاءُ فِي] 3 الدَّرَجَاتِ، وَفِعْلُ الْمُبَاحِ وَتَرْكُهُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ مُتَسَاوِيَانِ، فَيَلْزَمُ تَسَاوِي دَرَجَتِيِ الْفَاعِلِ وَالتَّارِكِ إِذَا4 فَرَضْنَا تَسَاوِيَهُمَا فِي الطَّاعَاتِ، وَالْفَرْضُ5 أَنَّ التَّارِكَ مُطِيعٌ دُونَ الْفَاعِلِ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَرَفَعَ دَرَجَةً مِنْهُ، هَذَا خُلْفٌ وَمُخَالِفٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُظْلَمَ6 الْإِنْسَانُ فَيُؤْجَرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لم يطع7؛ فلا

_ 1 لا حاجة لذكره هذا الفرض في صوغ الدليل، وسيذكره في بيان بطلان اللازم؛ فيقول: وفعل المباح وتركه ... إلخ "د". 2 من أين هذه القاعدة، وقد قالوا: إنه تعالى يعطي على القليل كثيرا وأن أمور الثواب ليست في التقدير؛ إلا بمجرد الفضل لا بالوزن؟ فالله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ؛ فلا مانع أن يكون اثنان متساويين في الطاعات، وأحدهما أرفع من الآخر منزلة، بل قد يكون الأقل عملا أرفع منزلة؛ لأن الكل بمحض الفضل لا بوزان الأعمال؛ فهذا الدليل كما ترى يحوطه الضعف من جهات. "د". 3 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"م" و"خ" و"ط". 4 في "د": "وإذا" بزيادة واو. 5 ملخص الدليل: أنه لو كان تارك المباح مطيعا بالترك؛ للزم أن يكون أرفع درجة ممن فعله، واللازم باطل؛ لأنهما متساويان في الدرجة، فما أدى إليه وهو المقدم باطل؛ فعليك بالنظر فيما توسط من كلامه أثناء الدليل، والتعرف عن وجه الحاجة إلى ذلك. "د". 6 أي: نفسه بالحمل عليها ومشاقتها بترك المباح، ثم يدعي أنه يؤجر على ذلك، أي: وهذا لا يقول به أحد. "د". قلت: وهذا التفسير خطأ، وضبط الكلمة منه خطأ [ضبطها بعد بالفتحة، ثم فسرها] ، ولو ضبطها بالضمة؛ لبان المعنى، يدل على ذلك سياق العبارة في "الورع" "ص21". 7 مقابل قوله: "أولا مطيعا" بتركه أي: وإن لم يكن مطيعا بالترك؛ فلا يكون المباح مطلوب الاجتناب، يعني وهو مع هذا الفرض مفروغ منه لا داعي للكلام فيه. "د".

كَلَامَ فِي هَذَا1. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ طَاعَةً؛ لَلَزِمَ رَفْعُ الْمُبَاحِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُخَالِفُ فِي هَذَا الْكَعْبِيُّ2؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَاهُ3 بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّمَا قَالَ الْكَعْبِيُّ مَا قَالَ بِالنَّظَرِ إِلَى فِعْلِ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ تَرْكَ حَرَامٍ، بِخِلَافِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى تَرْكِهِ، إِذْ لَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكُهُ فِعْلَ وَاجِبٍ فَيَكُونَ وَاجِبًا، وَلَا فِعْلَ مَنْدُوبٍ فَيَكُونَ مَنْدُوبًا؛ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ الْمُبَاحِ بِإِطْلَاقٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ. وَالسَّابِعُ: أَنَّ التَّرْكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ؛ فَتَرْكُ الْمُبَاحِ إِذًا فِعْلٌ مُبَاحٌ4. وَأَيْضًا؛ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بالأفعال أو بالتروك بالمقاصد5،

_ 1 قارن مع "الورع" للصنهاجي "ص21". 2 يأتي مذهبه ودليله والرد عليه في الفصل اللاحق لهذه المسألة. "د". قلت: ورد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "10/ 530-548". 3 هنا جزم بالحصر، وسيأتي له جعله استظهارا فقط. "د". 4 وإذًا؛ فليس بمطلوب، وهو مدَّعانا. "د". 5 أي: مقاصد الشريعة من تشريع الأحكام، وهي* حفظ الضروريات والحاجيات؛ فالحكم الشرعي يتوجه إلى الفعل من إيجاب أو غيره حسبما فيه من المصلحة، وكيف يكون الشيء فعله وتركه مصلحة حتى يطلب تركه وفعله؟ "د".

حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ رُجُوعَ1 التَّرْكِ إِلَى الِاخْتِيَارِ، كَالْفِعْلِ، فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَارِكُ الْمُبَاحِ مُطِيعًا بِنَفْسِ التَّرْكِ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُطِيعًا، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ2 مُحَالٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا كُلُّهُ مُعَارَضٌ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ سَبَبٌ فِي مَضَارَّ كَثِيرَةٍ: - مِنْهَا: أَنَّ فِيهِ اشْتِغَالًا عَمَّا هُوَ الْأَهَمُّ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَمَلِ بِنَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ، وَصَدًّا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ. - وَمِنْهَا: أَنَّهُ سَبَبٌ فِي الِاشْتِغَالِ عَنِ الْوَاجِبَاتِ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى الممنوعات؛ لأن التمتع بالدنيا له ضراوة كضرواة الْخَمْرِ، وَبَعْضُهَا يَجُرُّ إِلَى بَعْضٍ، إِلَى أَنْ تَهْوِيَ بِصَاحِبِهَا فِي الْمَهْلَكَةِ3، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَاءَ بِذَمِّ الدُّنْيَا، وَالتَّمَتُّعِ بِلَذَّاتِهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الْأَحْقَافِ: 20] . [وَقَوْلِهِ] : {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [هُودِ: 15] . وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ 4 الدُّنْيَا كَمَا فُتِحَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ" 5 الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: "إِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ

_ 1 حتى صح أن تعلق به مقاصد الشرع وتبنى عليه الأحكام "د". 2 لأنه يقتضي أن يكون الشيء مقصود الفعل للشارع لحفظ المصلحة، ومقصود الترك له أيضا لحفظها، حتى تعلق بكل منهما حكمه، وهو طلب الفعل والترك؛ فيعد المكلف مطيعا لهما. "د". 3 في "ط": "الهلكة". 4 في الأصل: "لكم". 5 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، 6/ 257/ رقم 3158، وكتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا، 7/ 319/ رقم 4015، وكتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا، 11/ 243/ رقم 6425"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزهد، باب منه، 4/ 2273-2274"، وأحمد في "المسند" "4/ 137"، والترمذي في "الجامع" "4/ 640/ رقم 2462"، وابن ماجه في "السنن" "2/ 1324/ رقم 3797"، والبيهقي في "الدلائل" "6/ 319"، من حديث عمرو بن عوف, رضي الله عنه.

حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ" 1. وَذَلِكَ كَثِيرٌ شَهِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ كافٍ فِي طَلَبِ تَرْكِ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ. - وَمِنْهَا: مَا فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطُولِ الْحِسَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ جَاءَ: "إِنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ، وَحَرَامَهَا عَذَابٌ"2، وَعَنْ بعضهم3: "اعزلوا عني حسابها"،

_ 1 قطعة من حديث في أوله نحو المذكور عند المصنف آنفا، وسيأتي "2/ 281". أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى، 2/ 327/ رقم 1465، وكتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، 11/ 244/ رقم 6724" من حديث أبي سعيد الخدري, رضي الله عنه. 2 أخرجه الديلمي في "الفردوس" "رقم 8192" من طريق الدراقطني في "الأفراد" عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: "يابن آدم! ما تصنع الدنيا! حلالها حساب، وحرامها عذاب". وإسناده واه جدا، فيه عمر بن هارون البلخي، قال ابن مهدي وأحمد والنسائي: "متروك الحديث"، وقال يحيى: "كذاب خبيث"، وقال أبو داود: "غير ثقة"، وقال ابن المديني والدارقطني: "ضعيف جدا"، وقال صالح جزرة: "كذاب". وانظر: "الميزان" "3/ 228". وأخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" "رقم 17"، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" 7/ 371/ رقم 10622" بسند منقطع عن علي موقوفا بلفظ: "حلالها حساب، وحرامها النار". وضعفه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء"؛ كما في "إتحاف السادة" للزبيدي "8/ 120 و10/ 25" موقوفا، وقال عن المرفوع: "لم أجده"!! وأخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" "رقم 211" عن الحسن قوله، وهو الأشبه، ولكن إسناده ضعيف، فيه أبو عباد الزاهد، لا يحل الاحتجاج به؛ كما قال ابن حبان في "المجروحين" "3/ 158". 3 القائل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال ابن الجوزي في "سيرة عمر" "ص141": "عن الحسن أن عمر أتي بشربة عسل، فذاقها، فإذا ماء وعسل، فقال: "اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مؤنتها"". وذكره الأبياري في "الورع" "ص22"، وقال قبله: "في قول الصديق أو غيره". وأخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "3/ 803، 804" بلفظين آخرين، آخرهما: "استسقى، فأتي رجل بقدح من زجاج -أو قال: من قوارير- فيه عسل، فقال -أي: عمر: "ما رأيت كاليوم إناء أحسن ولا شرابا أحسن". ثم قال: "شرابا هو أيسر في المسألة من هذا"؛ فأتي بماء، فشرب. ونحوه في "الزهد" "ص119" لأحمد، و"الزهد" "رقم 618" لابن المبارك، و"الزهد" "رقم 94، 95" لأبي داود، و"الطبقات الكبرى" "3/ 319" لابن سعد، و"مناقب عمر بن الخطاب" "ص142" لابن الوزي، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "رقم 618" لعبد بن حميد بأسانيد بعضها حسن.

حِينَ أُتِيَ بِشَيْءٍ يَتَنَاوَلُهُ، وَالْعَاقِلُ يَعْلَمُ أَنَّ طُولَ الْحِسَابِ نَوْعٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَأَنَّ سُرْعَةَ الِانْصِرَافِ مِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ، وَالْمُبَاحُ صَادٌّ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِذَا تَرَكَهُ أَفْضَلُ شَرْعًا؛ فَهُوَ طَاعَةٌ، فَتَرْكُ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ1. فَالْجَوَابُ: أَنَّ كَوْنَهُ سَبَبًا فِي مَضَارَّ لَا دَلِيلَ فِيهِ؛ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ مُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ2، وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِيمَا إِذَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى أَمْرٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مَمْنُوعٍ؛ صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، لَا من جهة كونه مباحا,

_ 1 قارن مع "الورع" للصنهاجي "ص20". 2 انظر في هذا: "مجموع الفتاوى" "10/ 460-462".

وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: "كُنَّا نَدَعُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ1؛ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ". وَرُوِيَ مَرْفُوعًا2. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ فَذَمُّ الدُّنْيَا إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ أَنَّهَا تَصِيرُ ذَرِيعَةً إِلَى تَعْطِيلِ التَّكَالِيفِ. وَأَيْضًا3؛ فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاحِ فِي سَوَابِقِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ أَوْ قَرَائِنِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ، كَالْمَالِ4 إِذَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ، وَالْخَيْلِ5 إِذَا رَبَطَهَا تَعَفُّفًا، وَلَكِنْ نَسِيَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى كَوْنِهِ وَسِيلَةً؛ فَلَيْسَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ بِإِطْلَاقٍ, بَلْ هُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى مَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ فَيَكُونُ من تلك الجهة مطوب التَّرْكِ. وَقِسْمٌ يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى مَأْمُورٍ بِهِ؛ كَالْمُسْتَعَانِ بِهِ عَلَى أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: "نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ" 6، وَفِيهِ: "ذَهَبَ أهل الدثور

_ 1 أي: ما لا بأس به في ذاته؛ حذرا أن يوقعنا فيما هو ذريعة إليه مما فيه بأس. "د". 2 سيأتي نصه وتخريجه "ص189". 3 أعم مما قبله الخاص بالذريعة؛ أي: باللواحق. "د". 4 و5 المثالان من نوع واحد، والظاهر أنهما من أمثلة المقارن، ويصح أن يكونا من اللواحق. "د". وفي "ط": "والخيل إذا ارتبطها". 6 أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" "رقم 299"، وأحمد في "المسند" "4/ 197، 202"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 2، 236"، وأبو يعلى في "المسند" "13/ 320-322/ رقم 7336"، وعنه ابن حبان في "الصحيح" "8/ 6، 7/ رقم 3210، 3211- الإحسان"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "2/ 259/ رقم 1315"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 2495"، وابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" "رقم 43" بإسناد صحيح، وأوله: "يا عمرو"، وجود إسناده العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" "3/ 228" وغيره.

بِالْأُجُورِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ... " إِلَى أَنْ قَالَ: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ" 1، بَلْ قَدْ جَاءَ أَنَّ فِي مُجَامَعَةِ الْأَهْلِ أَجْرًا، وَإِنْ كَانَ قَاضِيًا لِشَهْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُفُّ بِهِ عَنِ الْحَرَامِ2، وَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ وَسَائِلَ إِلَى مَأْمُورٍ بِهِ؛ كَانَ لَهَا حُكْمُ مَا تُوُسِّلَ بِهَا إِلَيْهِ. وَقِسْمٌ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَى شَيْءٍ؛ فَهُوَ الْمُبَاحُ الْمُطْلَقُ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِذَا فُرِضَ ذَرِيعَةً إِلَى غَيْرِهِ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ تَرْكَ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى مَا يُنْهَى عَنْهُ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ؛ فَيُقَالُ: بَلْ فِعْلُهُ طَاعَةٌ بِإِطْلَاقٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ تُرِكَ حَرَامٌ3، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ كُلَّهَا عِنْدَ فِعْلِ الْمُبَاحِ؛ فَقَدْ شَغَلَ النَّفْسَ بِهِ عَنْ جَمِيعِهَا، وَهَذَا الثَّانِي أَوْلَى4؛ لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ هُنَا تَصِحُّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مُبَاحٍ وَسِيلَةٌ إِلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِإِطْلَاقٍ؛ فَظَهَرَ أَنَّ مَا اعْتُرِضَ بِهِ لَا يَنْهَضُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمُبَاحِ طَاعَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّهُ سَبَبٌ فِي طُولِ الْحِسَابِ"؛ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ5: أَحَدُهَا: أَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ إِنْ كَانَ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ؛ لَزِمَ أن يكون التارك

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، 1/ 416-417، رقم 595" من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه. 2 سيأتي نصه وتخريجه "ص461". 3 أليس قد يكون فعل المباح ترك واجب؛ فيكون غير تارك للحرام بفعل المباح؟ تأمل. "د". 4 أي: إن هذا المعارِض أقوى من الدليل المعارَض؛ لأنه كلي بخلاف أصل الدليل. "د". 5 قارن مع "الورع" للصنهاجي "ص20-22".

مُحَاسَبًا عَلَى تَرْكِهِ، مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّرْكُ فِعْلًا، وَلِاسْتِوَاءِ نِسْبَةِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ شَرْعًا، وَإِذْ ذَاكَ يَتَنَاقَضُ الْأَمْرُ عَلَى فَرْضِ الْمُبَاحِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ؛ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا تَمَسَّكَ بِأَنَّ حَلَالَهَا حِسَابٌ، ثُمَّ قَضَى بِأَنَّ التَّارِكَ لَا يُحَاسَبُ، مَعَ أَنَّهُ آتٍ بِحَلَالٍ، وَهُوَ التَّرْكُ؛ فَقَدْ صَارَ الْحَلَالُ سَبَبًا لِطُولِ الْحِسَابِ وَغَيْرَ سَبَبٍ لَهُ، لِأَنَّ طُولَ الْحِسَابِ إِنَّمَا نِيطَ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حَلَالًا بِالْفَرْضِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنَ الْقَوْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحِسَابَ إِنْ كَانَ يَنْهَضُ سَبَبًا لِطَلَبِ التَّرْكِ؛ لَزِمَ أَنْ يُطلب تَرْكُ الطَّاعَاتِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَسْئُولًا عَنْهَا كُلِّهَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الْأَعْرَافِ: 6] ، فَقَدِ انْحَتَمَ عَلَى الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ يُسْأَلُوا عَنِ الرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعًا مِنَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الطَّاعَاتِ يُعارض طَلَبَ تَرْكِهَا طَلَبُهَا. لِأَنَّا نَقُولُ: كَذَلِكَ الْمُبَاحُ، يُعَارِضُ طَلَبَ تَرْكِهِ التَّخْيِيرُ فِيهِ، وَإِنَّ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ فِي قَصْدِ الشَّارِعِ بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ عَلَى تَنَاوُلِ الْحَلَالِ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ نَفْسِ الْمُبَاحِ، فَإِنَّ الْمُبَاحَ هُوَ أَكْلُ كَذَا مَثَلًا، وَلَهُ مُقَدِّمَاتٌ، وَشُرُوطٌ، وَلَوَاحِقُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا، فَإِذَا رُوعِيَتْ؛ صَارَ الْأَكْلُ مُبَاحًا، وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ؛ كَانَ التَّسَبُّبُ وَالتَّنَاوُلُ غَيْرَ مُبَاحٍ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالْمُبَاحُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ لَهُ أَرْكَانٌ، وَشُرُوطٌ، وَمَوَانِعُ، وَلَوَاحِقُ تُرَاعَى، وَالتَّرْكُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْفِعْلِ، فَكَمَا أَنَّهُ إِذَا تَسَبَّبَ لِلْفِعْلِ كَانَ تَسَبُّبُهُ مَسْئُولًا عَنْهُ، كَذَلِكَ إِذَا تَسَبَّبَ إِلَى التَّرْكِ كَانَ مَسْئُولًا عَنْهُ.

وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْفِعْلَ كَثِيرُ الشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ، وَمُفْتَقِرٌ إِلَى أَرْكَانٍ بِخِلَافِ التَّرْكِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ قَلِيلٌ، وَقَدْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الْقَصْدِ إِلَى التَّرْكِ. لِأَنَّا نَقُولُ: حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ إِنَّمَا تَنْشَأُ بِمُقَدِّمَاتٍ، كَانَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْحُقُوقَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّرْكِ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، أَوْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ مِنْهُمَا جَمِيعًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" 1. وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ2 -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يُبَيِّنْ3 لَكَ هُوَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ -فِي الْمُبَاحِ عَلَى الْخُصُوصِ- لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ فَالْحِسَابُ يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ التَّرْكِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ الْفِعْلِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ ثَبَتَ أَنَّ الْحِسَابَ إِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى طَرِيقِ الْمُبَاحِ؛ فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى نَفْسِ الْمُبَاحِ أَوْ إِلَيْهِمَا مَعًا؛ فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ أَيْضًا سَوَاءٌ. وَأَيْضًا؛ إِنْ كَانَ فِي الْمُبَاحِ مَا يَقْتَضِي التَّرْكَ؛ فَفِيهِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام} ... إِلَى قَوْلِهِ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرَّحْمَنِ: 10-22] .

_ 1 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، 4/ 209/ 1968، وكتاب الآداب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، 10/ 534/ رقم 6139"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، 2/ 813/ رقم182". 2 سيأتي بلفظه وتمامه عند المصنف "2/ 247-248"، والمذكور آنفا قطعة منه. 3 في الأصل: "يتبين".

وَقَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ} إلى قوله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النَّحْلِ: 14] . وَقَوْلِهِ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الْجَاثِيَةِ: 13] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نُصَّ فِيهَا عَلَى الِامْتِنَانِ بِالنِّعَمِ، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْقَصْدِ إِلَى التَّنَاوُلِ وَالِانْتِفَاعِ، ثُمَّ الشُّكْرِ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا؛ فَالتَّرْكُ لَهُ قَصْدًا يُسْأَلُ عَنْهُ: لِم تَرَكْتَهُ، وَلِأَيِّ وَجْهٍ أَعْرَضْتَ عَنْهُ، وَمَا مَنَعَكَ مِنْ تَنَاوُلِ مَا أُحِلَّ لَكَ؟ فَالسُّؤَالُ حَاصِلٌ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَقْرِيرٌ فِي الْمُبَاحِ الْخَادِمِ لِغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ1. وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةُ أَكْثَرُهَا جَدَلِيٌّ، وَالصَّوَابُ فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَنَاوُلَ الْمُبَاحِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُحَاسَبًا عَلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا يُحَاسَبُ عَلَى التقصير في الشكر عليه؛ إما من جهة تناوله واكتسابه، وإما من جِهَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى التَّكْلِيفَاتِ، فَمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ وَعَمِلَ عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَقَدْ شَكَرَ نِعَمَ اللَّهِ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الْأَعْرَافِ: 32] . أَيْ: لَا تَبِعَةَ فِيهَا، وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الِانْشِقَاقِ: 7-8] . وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِأَنَّهُ الْعَرْضُ2، لا الحساب الذي فيه مناقشة.

_ 1 انظر: "ص224 وما بعد". 2 وذلك فيما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ، 8/ 697/ رقم 4939"، وذكره تعليقا في "كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، 11/ 400/ رقم 6536"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 4/ 2204/ رقم 2876"، والترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ، 5/ 535/ رقم 3337" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح" - والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير/ رقم 679" عن عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من حوسب يوم القيامة عُذب ". قالت: قلت: قال اللَّهِ, عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} . قال: "ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب ".

وَعَذَابٌ، وَإِلَّا؛ لَمْ تَكُنِ النِّعَمُ الْمُبَاحَةُ خَالِصَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الْأَعْرَافِ: 6] . أَعْنِي: سُؤَالَ الْمُرْسَلِينَ، وَيُحَقِّقُهُ أَحْوَالُ السَّلَفِ فِي تَنَاوُلِ الْمُبَاحَاتِ؛ كَمَا سَيُذْكَرُ عَلَى إِثْرِ هَذَا1. والثاني من الأمور العارضة: أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ؛ فَإِنَّهُمْ تَوَرَّعُوا عَنِ الْمُبَاحَاتِ كَثِيرًا، وَذَلِكَ مَنْقُولٌ عَنْهُمْ تَوَاتُرًا؛ كَتَرْكِ التَّرَفُّهِ فِي الْمَطْعَمِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمُرَكْبِ، وَالْمَسْكَنِ، وَأَعْرَقُهُمْ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَمَّارٌ، وَغَيْرُهُمْ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَانْظُرْ إِلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ "الْجِهَادِ"، وَكَذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ فِي كِتَابِ "الْأَمْوَالِ"2؛ فَفِيهِ الشِّفَاءُ، وَمَحْصُولُهُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمُبَاحَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْمُبَاحِ غَيْرَ طَاعَةٍ؛ لَمَا فَعَلُوهُ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ3: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ أَوَّلًا حِكَايَاتُ أَحْوَالٍ؛ فَالِاحْتِجَاجُ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غير نظر

_ 1 ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام في هذا في "مجموع الفتاوى" "10/ 514، 515". 2 انظره بتحقيق رضا محمد سالم شحادة، طبع مركز إحياء التراث العربي - الرباط. 3 ولشيخ الإسلام ابن تيمية جواب في "مجموع الفتاوى" "10/ 150، 151، 514 و20/ 146".

فِيهَا لَا يُجْدِي، إِذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُمْ لِمَا تَرَكُوهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُبَاحًا؛ لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ، وَسَيَأْتِي1 إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ بِمُجَرَّدِهَا غَيْرُ مُفِيدَةٍ فِي الِاحْتِجَاجِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِمِثْلِهَا فِي النَّقِيضِ. فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ2. وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَيَخْتَصُّ بِالذِّرَاعِ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ3. وَكَانَ يُسْتَعْذَبُ له الماء4.

_ 1 انظر: "1/ 391 و2/ 458، 495". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأطعمة، باب الحلوى والعسل، 9/ 557/ رقم 5431، وكتاب الأشربة، باب شرب الحلواء والعسل، 10/ 78/ رقم 5614، وكتاب الطب، باب الدواء بالعسل، 8/ 139/ رقم 5682"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق/ رقم 1474 بعد 21"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأطعمة، باب ما جاء في حب النبي -صلى الله عليه وسلم- الحلواء والعسل/ رقم 1832"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأشربة، باب شراب العسل/ رقم 3715"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأطعمة، باب الحلواء/ رقم 3323"، وأحمد في "المسند" "6/ 59" عن عائشة, رضي الله عنها. 3 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} "6/ 371/ رقم 3340", ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها, 1/ 184/ رقم 194"، عن أبي هريرة، وذكر حديث طويلا فيها: "فرفعت إليه الذراع، وكانت تعجبه؛ فنهس منها نهسة". 4 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأشربة، باب استعذاب الماء، 10/ 74/ رقم 5611"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب منه/ رقم 998" من حديث أنس؛ قال: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، وكانت مستقبل المسجد، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب". =

وينقع له الزبيب والتمر1. ويتطيب بالمسك2.

_ = وأخرج أبو داود في "السنن" "رقم 3735"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 138"، وأحمد في "المسند" "6/ 108"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "1/ 158"، وابن حبان في "الصحيح" "12/ 149/ رقم 5332- الإحسان"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي, صلى الله عليه وسلم" "رقم 245"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "1/ 394"، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" "2/ 125"، والبغوي في "الشمائل" "رقم 1017، 1018"، و"شرح السنة" "رقم 3049" عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان يستعذب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من السقيا". وإسناده قوي، وجوده ابن حجر في "فتح الباري" "10/ 74". وأخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل، 4/ 2207/ رقم 3013" ضمن حديث طويل جدا فيه: "وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الماء في أشجاب له على حمارة من جريد". 1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأشربة، باب نقيع التمر ما لم يسكر، 10/ 62/ رقم 5597" عن سهل بن سعد أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لعرسه؛ فكانت امرأته خادمهم يومئذ، وهي العروس، فقالت: هل تدرون ما أنقعت لرسول الله, صلى الله عليه وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور. وأخرجه بنحوه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرا، 3/ 1950-1951/ رقم 2006"، وخرجته مسهبا في تحقيقي لكتاب ابن حيويه "ت 366هـ" "من وافقت كنيته كنية زوجه من الصحابة" "ص43-44". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الغسل، باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب، 1/ 381/ رقم 270، 271"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام/ رقم 1190" عن عائشة: "أنا طيبت رسول الله ثم طاف في نسائه", وقالت: "وكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي, صلى الله عليه وسلم" لفظ البخاري. ولفظ مسلم: "يتطيب بأطيب ما يجد"، وعنده أيضا "برقم 1191"، عنها: "كنت أطيب النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك".

وَيُحِبُّ النِّسَاءَ1. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ جَاءَ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ، بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْكَ عِنْدَهُمْ كَانَ غَيْرَ مَطْلُوبٍ، وَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ عِنْدَهُمْ شَرْعًا؛ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ مُبَادَرَتَهُمْ لِكُلِّ نَافِلَةٍ وَبِرٍّ وَنِيلِ مَنْزِلَةٍ وَدَرَجَةٍ؛ إِذْ لَمْ يُبَادِرْ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى نَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ مُبَادَرَتَهُمْ، وَلَا شَارَكَ أَحَدٌ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ -مِمَّنْ قَرُبَ عَهْدُهُ أَوْ بَعُدَ- فِي رِفْدِهِ2 وَمَالِهِ مُشَارَكَتَهُمْ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِلْمُبَاحَاتِ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَ مَطْلُوبًا؛ لَعَلِمُوهُ قَطْعًا، وَلَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، بَلْ قَدْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ كَثِيرَةٌ، وَانْظُرْ فِي بَابِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَقْرِ وَالْغِنَى3 فِي "مقدمات ابن رشد".

_ 1 كما يأتي عند المصنف "2/ 240" في حديث: "حُبب إلي ... "، وتخريجه هناك. وكتب "خ" هنا في الهامش ما نصه: "في البشر داعية فطرية إلى الأنس بالمرأة وملابستها، وليس في هذه الفطرة ما يمس الكمال الروحي بغضاضة متى وقفت بالنفس في غاية معتدلة، وكان تمتع صاحبها بالنساء في دائرة الحكمة والنظام؛ فحبه -عليه الصلاة والسلام- للنساء غريزة بشرية، ولكنها لم تتجاوز حد الاعتدال؛ فتلهيه عن معالي الهمم والجهاد في سبيل العبادة والدعوة إلى صراط الله المستقيم، ومن حكمة انتظامها في جملة دواعيه الفطرية؛ أن يتعلم المسلمون من معاشرته لأزواجه الطاهرات كيف تعاشر المرأة بعواطف المودة والرحمة والاحترام". ا. هـ. وانظر فيما تقدم جميعا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 641 و22/ 124". 2 الرفد: العطاء والصلة. انظر: "لسان العرب" "ر ف د". 3 لم يختلفوا في المفاضلة بين أصحاب الوصفين إلا باعتبار العمل الصالح اللاحق بكل منهما، وهو محل النظر والأخذ والرد بينهم؛ فلا محل للاعتراض الذي أوردها هنا بأن الفقر والغنى لا يوضعان في ميزان المفاضلة، وإنما التفاضل على قدر العمل الصالح، وسيأتي للمؤلف في التعارض والترجيح آخر الكتاب بحث جيد في هذا المعنى. "د". =

وَالثَّالِثُ: 1 إِذَا2 ثَبَتَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا مِنْهُ شَيْئًا طَلَبًا لِلثَّوَابِ عَلَى تَرْكِهِ؛ فَذَلِكَ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَقَطُّ لِلْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، بَلْ لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ, وَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مَطْلُوبِ التَّرْكِ: - مِنْهَا: أَنَّهُمْ تَرَكُوهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَانِعٌ مِنْ عِبَادَاتٍ، وَحَائِلٌ دُونَ خَيْرَاتٍ، فَيُتْرَكُ لِيُمْكِنَ الْإِتْيَانُ بِمَا يُثَابُ عَلَيْهِ، مِنْ بَابِ التَّوَصُّلِ إِلَى مَا هُوَ مَطْلُوبٌ، كَمَا كَانَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- يَأْتِيهَا الْمَالُ الْعَظِيمُ الَّذِي يُمْكِنُهَا بِهِ التَّوَسُّعُ فِي الْمُبَاحِ، فَتَتَصَدَّقُ بِهِ، وَتُفْطِرُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَقُومُ بِهِ الْعَيْشُ3، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهَا التَّوَسُّعَ مِنْ حَيْثُ كَانَ التَّرْكُ مَطْلُوبًا، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ قَدْ يَكُونُ مُورِثًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَمْرًا لَا يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ؛ فَيَتْرُكُ الْمُبَاحَ لِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ، كَمَا جَاءَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا عَذَلُوهُ فِي رُكُوبِهِ الْحِمَارَ فِي مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ، أُتِيَ بِفَرَسٍ, فَلَمَّا رَكِبَهُ فَهَمْلَجَ4 تَحْتَهُ؛ أخبر أنه أحس من نفسه فنزل

_ = وفي "م": "الفقير والغني". وكتب "خ" هنا ما نصه: "الفقر والغنى حالان لا يحسبان في مراقي الكمال، ولا يوضعان في ميزان المفاضلة، وإنما التفاضل على قدر العمل الصالح وما يفيض على جوانبه من أشعة الإخلاص وصفاء السريرة؛ فأعظم الرجلين عملا وأقواهما إخلاصا يكون أرفع مقاما في التقوى وأكرم منزلة عند الله من صاحبه، وفي استطاعة الغني أن يكون أفضل من الفقير مما يتيسر له من إقامة المشروعات العظيمة والمساعي التي يعم نفعها ويتجدد أثرها كل حين". وانظر: "5/ 367". 1 ينظر وجه الفرق بينه وبين الأول، غير الإجمال والتفصيل في المقاصد؛ إلا أن يقال: إنه روعي في الأول مجرد كونها حكايات أحوال، وهي لا يؤخذ بها دليلا بمجردها؛ فلا بد من عرضها على قواعد الشرع، ويكون قوله: "لإمكان تركه لغير ذلك من المقاصد"، وهي ما فصلها هنا ليس محل القصد فيما سبق. "د". 2 في "ط": "أنه إذا". 3 سيأتي تخريجه "ص191". 4 أي: سار سيرا حسنا سريعا. انظر: "لسان العرب" "هـ م ل ج".

عَنْهُ، وَرَجَعَ إِلَى حِمَارِهِ1، وَكَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْخَمِيصَةِ ذَاتِ الْعَلَمِ، حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُهُ2، وَهُوَ المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وَلَكِنَّهُ عَلَّمَ أُمَّتَهُ كَيْفَ يَفْعَلُونَ بِالْمُبَاحِ إِذَا أَدَّاهُمْ إِلَى مَا يُكْرَهُ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ الْمُبَاحُ وَسِيلَةً إِلَى مَمْنُوعٍ؛ فَيُتْرَكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَسِيلَةٌ، كَمَا قِيلَ: "إِنِّي لَأَدَعُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ، وَلَا أُحَرِّمُهَا" 3، وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ حَذَرًا لما به البأس" 4،

_ 1 انظر: الخبر في "تاريخ المدينة" "3/ 822-823" لابن شبة. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له أعلام، 1/ 482-483/ رقم 373"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، 1/ 391/ رقم 556"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة, باب الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام 2/ 72", وابن ماجه في "السنن" "كتاب اللباس، باب لباس رسول الله, صلى الله عليه وسلم 2/ 1176/ رقم 3550"، ومالك في "الموطأ" "1/ 91- مع "تنوير الحوالك""، وأبو عوانة في "المسند" "2/ 24"، والبيهقي في "الكبرى" "2/ 423" من حديث عائشة -رضي الله عنها- وليس عندهم "فكاد يفتنه"، وإنما "إنها ألهتني آنفا عن صلاتي"، وفي رواية عند البخاري: "فأخاف أن تفتنني"، ونقل المصنف العبارة السابقة عن "الأموال" للداودي "ص89". 3 في النسخ الثلاث: "ولا أحرمها"، وأورده ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "1/ 209" عن ابن عمر، وفيه: "لا أخرقها"، وأورد نحوه عن مجموعة من التابعين، وانظر: "الحلية" "4/ 84، 7/ 284، 288". ثم ظفرت بطرف من الخبر في "زهد أبي داود" "رقم 320" عن مالك بلاغا، ولم يهتد المحقق إلى لفظه بتمامه. 4 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، 4/ 634/ رقم 2451"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب الورع والتقوى، 2/ 1409/ رقم 4215"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 319"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 335"، وعبد بن حميد في "المنتخب" "رقم 484"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "2/ 74-76/ رقم 909-912"، =

وَهَذَا بِمَثَابَةِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا مَرَّ لِحَاجَتِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الْفُلَانِيَّةِ؛ نَظَرَ إِلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ نَحْوَهُ. - وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ بَعْضُ النَّاسِ مَا يَظْهَرُ "لِغَيْرِهِ" أَنَّهُ مُبَاحٌ، إِذَا تَخَيَّلَ فِيهِ إِشْكَالًا وَشُبْهَةً، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ لَهُ حِلُّهُ، وَهَذَا مَوْضِعٌ مَطْلُوبُ التَّرْكِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ كَقَوْلِهِ: "كُنَّا نَدَعُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ"1، وَلَمْ يَتْرُكُوا كُلَّ مَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكُوا مَا خَشُوا أَنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إِلَى مَكْرُوهٍ أَوْ مَمْنُوعٍ. - وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْضُرْهُ نِيَّةٌ فِي تَنَاوُلِهِ؛ إِمَّا لِلْعَوْنِ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ2 يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ كُلُّهُ خَالِصًا لِلَّهِ، لَا يَلْوِي فِيهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَالِبَةٌ لَهُ، فَإِنَّ مِنْ خَاصَّةِ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَتَنَاوَلَ مُبَاحًا لِكَوْنِهِ مُبَاحًا، بَلْ يَتْرُكُهُ حَتَّى يَجِدَ لِتَنَاوُلِهِ قصد عبادة، أو عونا على

_ = والدولابي في "الكنى" "2/ 34"، والطبراني في "الكبير" "17/ رقم 446" من حديث عطية السعدي. وإسناده ضعيف، مداره على عبد الله بن عقيل عن عبد الله بن يزيد الدمشقي، وروى ابن عقيل عن ابن يزيد أحاديث منكرة؛ كما قال ابن عدي في "الكامل" نقلا عن الدولابي: "ابن يزيد هذا ضعيف"، وضعف هذا الحديث شيخنا الألباني في "غاية المرام" "رقم 178"، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب, لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وكتب "خ" هنا ما نصه: "ساق هذا الحديث ابن حزم في كتاب "الإحكام" ولفظه: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما ليس به بأس حذرا لما به بأس"، ثم قال: "وفي سنده أبو عقيل وليس بالمحتج به". 1 مضى ما يشهد له. 2 يغاير ما قبله في أن هذا دائما لا يكون عمله إلا لأحد هذه الأمور: أن تحضره نية عبادة، أو عون ما على عبادة، أو أخذه له من جهة الإذن؛ فيترك الفعل حتى يجد أحد هذه الأمور، ولعل الأخير يدعو إلى الترك في بعض الأحيان، وأن مجرد نية أخذه من جهة الإذن لا تكفي، بل تحتاج لشرط غير ميسور في كل وقت؛ فيوكل هذا لأهله، أما الأول؛ فإنه قد يتفق أن يتركه لأنه لم تحضره نية العون به على عبادة، ولا شك أن الثاني أرقى من صاحب الحال الأول. "د".

عِبَادَةٍ، أَوْ يَكُونُ أَخْذُهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْإِذْنِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَوْعٌ مِنَ الشُّكْرِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَهُ حَتَّى يَصِيرَ مَطْلُوبًا؛ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا؛ فَإِنَّهُ -إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ- مُبَاحٌ كَأَكْلِ بَعْضِ الْفَوَاكِهِ، فَيَدَعُ التَّنَاوُلَ إِلَى زَمَانِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغِذَاءِ، ثُمَّ يَأْكُلُ قَصْدًا لِإِقَامَةِ البنية، والعون في الطَّاعَةِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَغْرَاضٌ صَحِيحَةٌ، مَنْقُولَةٌ عَنِ السَّلَفِ, وَغَيْرُ قَادِحَةٍ فِي مَسْأَلَتِنَا. - وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ مَأْخُوذَ الْكُلِّيَّةِ فِي عِبَادَةٍ: مِنْ عِلْمٍ، أَوْ تَفَكُّرٍ، أَوْ عَمِلٍ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ؛ فَلَا تَجِدُهُ يَسْتَلِذُّ بِمُبَاحٍ، وَلَا يَنْحَاشُ1 قَلْبُهُ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْقِي إِلَيْهِ بَالًا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؛ فَالتَّرْكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُشْبِهُ الْغَفْلَةَ عَنِ الْمَتْرُوكِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ، بَلْ هُوَ فِي طَاعَةٍ بِمَا اشْتَغَلَ بِهِ، وَقَدْ نُقِلَ مِثْلُ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ حِينَ أُتيت بِمَالٍ عَظِيمٍ فَقَسَّمَتْهُ، وَلَمْ تُبْقِ لِنَفْسِهَا شَيْئًا, فعُوتبت عَلَى تَرْكِهَا نَفْسَهَا دُونَ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: "لَا تُعنِّيني2، لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ"3، وَيَتَّفِقُ مِثْلُ هَذَا لِلصُّوفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ الْمُبَاحَ لِعَدَمِ قِيَامِ النَّفْسِ لَهُ4 هُوَ فِي حُكْمِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ. - وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَرَى بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنَ الْمُبَاحِ إِسْرَافًا، وَالْإِسْرَافُ مَذْمُومٌ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْرَافِ حَدٌّ يُوقَفُ دُونَهُ، كَمَا فِي الْإِقْتَارِ؛ فَيَكُونُ التوسط

_ 1 أي: لا يتحرك. انظر: "لسان العرب" "ح وش". 2 لا تعنيني؛ أي: لا تعترضيني. انظر "لسان العرب" "ع ن ن". وفي بعض مصادر التخريج: "لا تعنفيني". 3 أخرجه الدارقطني في "المستجاد" "رقم 36، 37"، وابن سعد في "الطبقات" "8/ 67"، وأبو نعيم في "الحلية" "2/ 47، 48، 49"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 13"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "16/ ق 738" بأسانيد بعضها صحيح. 4 كترك تناول بعض المأكولات؛ لأن نفسه لا تقبل عليها ولا تتلذذ بها، وإن كان الغير على خلاف ذلك. "د".

رَاجِعًا إِلَى الِاجْتِهَادِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ فَيَرَى الْإِنْسَانُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الْإِسْرَافِ، فَيَتْرُكُهُ لِذَلِكَ، وَيَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ لَيْسَ ذَلِكَ إِسْرَافًا فِي حَقِّهِ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْمُبَاحِ، وَلَا يَكُونُ كَمَا ظَنَّ؛ فَكُلُّ أَحَدٍ فِيهِ فَقِيهُ نَفْسِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّفَقُّهَ فِي الْمُبَاحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِسْرَافِ وَعَدَمِهِ وَالْعَمَلَ عَلَى ذَلِكَ مَطْلُوبٌ، وَهُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ، وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ الْمُبَاحُ مَطْلُوبَ التَّرْكِ، وَلَا مَطْلُوبَ الْفِعْلِ؛ كَدُخُولِ الْمَسْجِدِ1 لِأَمْرٍ مُبَاحٍ هُوَ مُبَاحٌ، وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ جُنبا، وَالنَّوَافِلُ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلَا يَصِيرُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَا النَّافِلَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَاجِبَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا تَنَاوُلُ الْمُبَاحِ مَشْرُوطٌ بِتَرْكِ الْإِسْرَافِ، وَلَا يَصِيرُ ذَمُّ الْإِسْرَافِ فِي الْمُبَاحِ ذَمًّا لِلْمُبَاحِ مُطْلَقًا. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْحِكَايَاتِ فِي تَرْكِ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؛ فَلَا تَعْدُو هَذِهِ الْوُجُوهَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَكُونُ فِيهَا مُعَارَضَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالثَّالِثُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُعَارِضَةِ: مَا ثَبَتَ مِنْ فَضِيلَةِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَتَرْكِ لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا، وَهُوَ مِمَّا اتُّفِقَ عَلَى مَدْحِ صَاحِبِهِ شَرْعًا، وَذَمِّ تَارِكِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، حَتَّى قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: "جُعل الشَّرُّ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وجُعل مِفْتَاحُهُ حُبَّ الدُّنْيَا، وجُعل الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ، وجُعل مِفْتَاحُهُ الزُّهْدَ"2. وَقَالَ الْكَتَّانِيُّ الصُّوفِيُّ: "الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يُخَالِفُ فِيهِ كُوفِيٌّ، وَلَا مدني،

_ 1 تنظير لا تمثيل. "د". 2 أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" "رقم 290"، والسلمي في "طبقاته" "ص13"، والبيهقي في "الزهد" "رقم 247" بإسنادهم إلى الفضل. وكتب "خ" هنا ما نصه: "الزهد حال من أحوال النفس، وهو خلوص القلب من شائبة الحرص على ملاذ هذه الحياة, بحيث لا يستخفه الفرح عند حضورها، ولا يضطرب حسرة عند فواتها، ولا جَرَمَ أن من أحكم هذا الخلق يتمكن من اجتناب الحرام بسهولة، ويترفع عن الوصول إلى هذه الملاذ من طرق تخدش في وجه المروءة".

وَلَا عِرَاقِيٌّ، وَلَا شَامِيٌّ؛ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ". قَالَ الْقُشَيْرِيُّ1: يَعْنِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ: إِنَّهَا غَيْرُ مَحْمُودَةٍ. وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى هَذَا لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَالزُّهْدُ حَقِيقَةً إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَلَالِ، أَمَّا الْحَرَامُ؛ فَالزُّهْدُ فِيهِ لَازِمٌ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ، عَامٌّ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ، لَيْسَ مِمَّا يَتَجَارَى فِيهِ خَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ فَقَطُّ، وَإِنَّمَا تَجَارَوْا فِيمَا صَارُوا بِهِ مِنَ الْخَوَاصِّ، وَهُوَ الزُّهْدُ فِي الْمُبَاحِ، فَأَمَّا الْمَكْرُوهُ؛ فَذُو طَرَفَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَمُحَالٌ عَادَةً أَنْ يَتَجَارَوْا فِيهِ هَذِهِ الْمُجَارَاةَ وَهُوَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَمُحَالٌ أَنْ يُمدح شَرْعًا مَعَ اسْتِوَاءِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ. وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الزُّهْدَ -فِي الشَّرْعِ2- مَخْصُوصٌ بِمَا طُلب تَرْكُهُ حَسْبَمَا يَظْهَرُ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ فَالْمُبَاحُ فِي نَفْسِهِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، فَإِذَا أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُعَبِّرِينَ لَفْظَ الزُّهْدِ عَلَى تَرْكِ الْحَلَالِ؛ فَعَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَفُوتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: أَنَّ أزهد البشر -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَتْرُكِ الطَّيِّبَاتِ جُمْلَةً إِذَا وَجَدَهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ، مَعَ تَحَقُّقِهِمْ فِي مَقَامِ الزُّهْدِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ تَرْكَ الْمُبَاحَاتِ [من حيث إنه مباح] 3؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، بَلْ هُوَ غَفْلَةٌ لَا يُقَالُ فِيهِ: "مُبَاحٌ"، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: "زُهْدٌ"، وَإِنْ كان تركه بقصد؛ فإما أن يكون

_ 1 في "الرسالة" "ص57"، وأورد فيها مقولتي الفضيل والكتاني السابقتين. 2 انظر تعريفه في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 616-619، 11/ 28، 20/ 142". 3 زيادة من الأصل فقط.

الْقَصْدُ مَقْصُورًا عَلَى كَوْنِهِ مُبَاحًا، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ؛ فَذَلِكَ الْأَمْرُ إِنْ كَانَ دُنْيَوِيًّا كَالْمَتْرُوكِ؛ فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ مُبَاحٍ إِلَى مِثْلِهِ لَا زُهْدٌ، وَإِنْ كَانَ أُخْرَوِيًّا؛ فَالتَّرْكُ إِذًا وَسِيلَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ؛ فَهُوَ فَضِيلَةٌ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، لَا مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ التَّرْكِ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهُ الْغَزَّالِيُّ؛ إِذْ قَالَ1: "الزُّهْدُ عِبَارَةٌ عَنِ انْصِرَافِ الرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ"، فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُجَرَّدَ الِانْصِرَافِ عَنِ الشَّيْءِ خَاصَّةً، بَلْ بِقَيْدِ الِانْصِرَافِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ: "وَلَمَّا كَانَ الزُّهْدُ رَغْبَةً عَنْ مَحْبُوبٍ بِالْجُمْلَةِ؛ لَمْ يُتَصَوَّرْ إِلَّا بِالْعُدُولِ إِلَى شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ مِنْهُ، وَإِلَّا؛ فَتَرْكُ الْمَحْبُوبِ لِغَيْرِ الْأَحَبِّ مُحَالٌ"2. ثُمَّ ذَكَرَ أَقْسَامَ الزُّهْدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزُّهْدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ عَلَى حَالٍ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الْمُعْتَبِرِينَ؛ فَهُوَ دَائِرٌ عَلَى هَذَا الْمَدَارِ. فَصْلٌ: وَأَمَّا كَوْنُ الْمُبَاحِ غَيْرَ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ؛ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ3؛ لِأَنَّ كِلَا الطَّرَفَيْنِ مِنْ جِهَتِهِ فِي نَفْسِهِ عَلَى سواء.

_ 1 في "إحياء علوم الدين" "4/ 216". 2 "4/ 217". 3 يجري فيه الدليل الأول لا الثاني، ويجري فيه الثالث باعتبار قوله: "ولا معقول في نفسه"، لا باعتبار قوله: "غير صحيح باتفاق"؛ لأنه في الترك غير متفق عليه، ولا يجري فيه الخامس، ويجري فيه السادس، وقد أعاده هنا بقوله: "أحدها"؛ لأنه احتاج هنا إلى كلام فيه وإلى رد على الكعبي ليس محله هناك، ويجري فيه الشق الأخير من الدليل السابع؛ فصح قوله: "يدل عليه كثير مما تقدم"، وعليك بالنظر في تطبيق ذلك. "د".

وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَطْلُوبٌ1، بِأَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ تَرْكُ حَرَامٍ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ؛ فكل مباح واجب ... إلى آخر ما قرره الْأُصُولِيُّونَ عَنْهُ، لَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أَنَّ الْمُبَاحَ -مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَسْتَلْزِمُ- مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مَا قَالَهُ النَّاسُ هُوَ الصَّحِيحُ2؛ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لُزُومُ أَنْ لَا تُوجَدَ الْإِبَاحَةُ فِي فِعْلٍ من الأفعال عينا3 ألبتة؛ فلا

_ 1 هذا مذهب الكعبي وأتباعه، وقد اختلفت عبارات الأصوليين في تصوير مأخذه على ثلاثة وجوه: أحدها: أن كل فعل يوصف بأنه مباح عند النظر إليه بانفراده هو واجب باعتبار أنه ترك به حرام. ثانيها: أن المباح مأمور به بناء على أنه حسن؛ فيحسن أن يطلبه الطالب لحسنه. ثالثها: أن المباح من أضداد المحروم؛ فيكون مأمورا به بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده، والقول الفاصل في هدم هذه المآخذ من أساسها هو ما نبه عليه المصنف من أن تمايز الأحكام يرجع إلى قصد الشارع, ومقصود الشارع بخطاب الإباحة أن يكون المباح موكولا إلى خبرة المكلف ولا قصد له في فعله دون تركه ولا في تركه دون فعله. "خ". وانظر في الرد على الكعبي: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 530-548"، و"البرهان" "1/ 294"، و"المحصول" "2/ 207"، و"المستصفى" "1/ 75"، و"المنخول" "116"، و"البحر المحيط" "1/ 155"، و"شرح المنهاج" "1/ 115-117" لشمس الدين الأصبهاني. 2 لم يقل: وعند ذلك يكون الخلاف* لفظيًّا؛ لأنه وإن وافقهم في هذا؛ يرى أن استلزامه للواجب حتم؛ لأن فيه ترك محرم دائما، بخلافه عندهم؛ فإنه يجري عليه ما يجري على الذريعة، وتكون تسميته مباحا لا محصل لها على رأيه؛ فلا يوجد فعل في الخارج مباح أبدا؛ لأنه مهما وقع ما يسمى مباحا؛ فهو واجب، وهو مبنى الرد في الوجه الأول، وسيرتب عليه الوجه الثاني، وهو أن يكون وضع هذا القسم بين الأحكام الشرعية عبثا، ولا يقول هو بذلك كغيره "د". 3 أي: في أي فعل معين. "د".

يُوصَفُ فِعْلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِإِبَاحَةٍ أَصْلًا، وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ -قَبْلَ هَذَا الْمَذْهَبِ- لَمْ تَزَلْ تَحْكُمُ عَلَى الْأَفْعَالِ بِالْإِبَاحَةِ، كَمَا تَحْكُمُ عَلَيْهَا بِسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِنِ اسْتَلْزَمَتْ تَرْكَ الْحَرَامِ؛ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا لِمَا يُسْتَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمُبَاحِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ؛ لَارْتَفَعَتِ الْإِبَاحَةُ رَأْسًا عَنِ الشَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ عَلَى مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ غَيْرِهِ. بَيَانُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْإِبَاحَةُ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ عَلَى التَّعْيِينِ؛ كَانَ وَضْعُهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَبَثًا؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْحُكْمِ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ وَاجِبًا؛ فَلَيْسَ بِمُبَاحٍ، فَيَبْطُلُ قِسْمُ الْمُبَاحِ أَصْلًا وَفَرْعًا؛ إِذْ لَا فَائِدَةَ شَرْعًا فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَا يَقْضِي عَلَى فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ؛ لَوَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْبَاقِيَةِ؛ لِاسْتِلْزَامِهَا تَرْكَ الْحَرَامِ؛ فَتَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً، وَتَصِيرُ وَاجِبَةً1. فَإِنِ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ حَسْبَمَا نُقِلَ عَنْهُ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ جِهَةَ الِاسْتِلْزَامِ، [فَلِذَلِكَ نَفَى الْمُبَاحَ؛ فَلْيَعْتَبِرْ جِهَةَ الِاسْتِلْزَامِ] 2 فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ فينفيها، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ؛ فَإِنِ اعْتَبَرَ3 فِي الحرام والمكروه

_ 1 لأن الموجود في الخارج فعل واحد، ولا يصح أن يكون حراما واجبا مثلا؛ إذ المعنى الذي يتقوم به مفهوم الواجب يعاند المعنى الذي يتقوم به مفهوم الحرام، ويستحيل وجود فرد يصدق عليه مفهومان يتقومان من أمرين متناقضين. "خ". 2 غير موجود في الأصل. 3 أي: لتبقى الأحكام الأربعة ولا تنفى؛ حتى يخلص من القول بما يخالف المعقول، وذلك بألا يعتبر فيها جهة الاستلزام، بل جهة النهي أو الأمر. "د".

جِهَةَ النَّهْيِ، وَفِي الْمَنْدُوبِ جِهَةَ الْأَمْرِ -كَالْوَاجِبِ- لَزِمَهُ اعْتِبَارُ جِهَةِ التَّخْيِيرِ فِي الْمُبَاحِ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ مَعْقُولِهِمَا. فَإِنْ قَالَ: يَخْرُجُ الْمُبَاحُ عَنْ كَوْنِهِ [مُبَاحًا] 1 بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، أَوْ بِمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ؛ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ سُلِّم؛ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مَعْلُومٌ؛ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْأُخَرُ، فَيَصِيرُ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَاجِبَاتٍ، وَالْوَاجِبُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَاجِبًا مِنْ جِهَتَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَتَحَصَّلُ لَهُ مَقْصُودٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا قَصْدَ لَهُ فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ دُونَ تَرْكِهِ، وَلَا فِي تَرْكِهِ دُونَ فِعْلِهِ، بَلْ قَصْدُهُ جَعْلُهُ لِخِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، فَذَلِكَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ فَصَارَ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، أَيَّهُمَا2 فَعَلَ فَهُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ، لَا أَنَّ لِلشَّارِعِ قَصْدًا فِي الْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ، وَلَا فِي التَّرْكِ بِخُصُوصِهِ. لَكِنْ يَرِدُ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّرَفَيْنِ3 إِشْكَالٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّرَفِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ مَا يَقْتَضِي قَصْدَ الشَّارِعِ إِلَى فِعْلِهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِلَى تَرْكِهِ عَلَى الْخُصُوصِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَأَشْيَاءُ: - مِنْهَا: الْأَمْرُ بِالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا

_ 1 غير موجودة في الأصل. 2 ليست في "م". 3 أي: استواء الفعل والترك في المباح؛ فالإشكال السابق كان على كون الترك ليس مطلوبا، أما هنا؛ فعلى كون كل منهما غير مطلوب، فيقال: كيف وقد طلب الفعل وطلب الترك أيضا؟ فهل مع هذا يقال: إن المباح يستوي طرفاه؟ "د".

فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا} [الْبَقَرَةِ: 168] . وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 51] . وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [الْمُؤْمِنُونَ: 51] . إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ النِّعَمَ الْمَبْسُوطَةَ فِي الْأَرْضِ لِتَمَتُّعَاتِ الْعِبَادِ الَّتِي ذُكِرَتِ الْمِنَّةُ بِهَا، وَقُرِّرَتْ عَلَيْهِمْ؛ فُهِمَ مِنْهَا الْقَصْدُ إِلَى التَّنَعُّمِ بِهَا، لَكِنْ بِقَيْدِ الشُّكْرِ عَلَيْهَا. - وَمِنْهَا: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مما بث في الأرض من الطييات، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ ضَلَالِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الْأَعْرَافِ: 32] ؛ أَيْ: خُلِقَتْ لِأَجْلِهِمْ، {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الْأَعْرَافِ: 32] ، لَا تِبَاعة1 فِيهَا وَلَا إِثْمٌ؛ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْقَصْدِ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا دُونَ تَرْكِهَا2. - وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ هَدَايَا مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَهَلْ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ عَدَمُ قَبُولِ هَدِيَّةِ السَّيِّدِ؟! هَذَا غَيْرُ لَائِقٍ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَلَا فِي مَجَارِي الشَّرْعِ, بَلْ قَصْدُ الْمُهْدِي أَنْ تُقْبَلَ هَدِيَّتُهُ، وَهَدِيَّةُ اللَّهِ إِلَى الْعَبْدِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عليه؛ فليقبل، ثم ليشكر له عليها.

_ 1 التباعة كالتبعة: ما فيه إثم يتبع به. انظر: "لسان العرب" "ت ب ع". 2 الإنكار في الآية واقع على تحريم الزينة والطيبات؛ أي: الحكم عليها بالحرمة، وهذا الحكم مخالف للواقع, وقول على الله بغير بينة؛ فيكون محظورا، ويستحق صاحبه الإنكار والإنذار، وليس في الآية وجه يمكن الاستئناس به لرجحان استعمال الزينة والطيبات سوى ذكرها على وجه أنها نعمة خلقها الله ليتمتع بها عباده المخلصون. "خ".

وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِيهِ عُمَرَ فِي مَسْأَلَةِ قَصْرِ الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ؛ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" 1، زَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ: "أَرَأَيْتَ لَوْ تَصَدَّقْتَ بِصَدَقَةٍ فَرُدَّتْ عَلَيْكَ؟ أَلَمْ تَغْضَبْ؟ "2، وَفِي الْحَدِيثِ: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" 3.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، 1/ 478/ رقم 686"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة, باب في تقصير الصلاة في السفر، 3/ 116-117"، والترمذي في "الجامع" أبواب التفسير، باب سورة النساء/ رقم 3034، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب قصر الصلاة/ رقم 1199/ 1200" من حديث عمر, رضي الله عنه. 2 لم يرد في مسألة القصر كما قال المصنف، وإنما في الفطر. أخرج الفريابي في "الصيام" "رقم 103" بسند حسن عن بلال بن عبد الله بن عمر؛ أنه سأل أباه عبد الله بن عمر؛ فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا نكون في السفر، فيكون الطعام والخبيص، فلعلنا نرحل غدوة، فلا ننزل حتى تغرب الشمس؛ فنحب أن نصوم بعض الذي علينا. فقال ابن عمر: أرأيت لو أنك أهديت لرجل هدية فردها عليك، ألم تجد في نفسك؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن الله تعالى يحب أن تقبل رخصه كما يحب أن تقبل عزيمته. وأخرجه الديلمي في "الفردوس" "1/ 2/ 226" بسند ضعيف، وفيه أن هذه الزيادة وقعت بين ابن عمر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي إسنادها إسماعيل بن رافع وهو ضعيف، وأبو بكر بن محمد وهو مجهول، قاله عبد الحق في "الأحكام"؛ كما في "اللسان" "6/ 349"، وانظر: "السلسلة الضعيفة" "رقم 2196". 3 أخرجه أحمد في "المسند" "2/ 108" من حديث ابن عمر بإسناد صحيح على شرط مسلم، وسيأتي "ص480" وتخريجه هناك أوعب، والله الهادي. وشرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث شرحا رائعا في رسالة "شرح كلمات الشيخ عبد القادر الجيلاني" ضمن المجلد العاشر من "مجموع الفتاوى" على نقص فيها ترى تمامه في "جامع الرسائل" للشيخ محمد رشاد سالم, رحمه الله تعالى.

وَغَالِبُ الرُّخَصِ فِي نَمَطِ الْإِبَاحَةِ نُزُولًا عَنِ الْوُجُوبِ؛ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، أَوِ التَّحْرِيمِ؛ كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النِّسَاءِ: 25] إِلَى آخِرِهَا, وَإِذَا تَعَلَّقَتِ الْمَحَبَّةُ بِالْمُبَاحِ؛ كَانَ رَاجِحَ الْفِعْلِ. فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَكُونُ فِعْلُهُ أَرْجَحَ مِنْ تَرْكِهِ. وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي الْقَصْدَ إِلَى التَّرْكِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ فَجَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَمِّ [التَّنَعُّمَاتِ] 1 وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَعَلَى الْخُصُوصِ قَدْ جَاءَ مَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْكَرَاهَةِ فِي بَعْضِ مَا ثَبَتَتْ لَهُ الْإِبَاحَةُ؛ كَالطَّلَاقِ السُّنِّيِّ2؛ فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ" 3، وَلِذَلِكَ لَمْ

_ 1 ساقطة من الأصل. 2 وهو الذي رسمته السنة بأن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يمسها فيه، أما البدعي؛ فليس بمباح حتى يمثل به. "د". 3 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الطلاق, باب في كراهية الطلاق، 2/ 255/ رقم 2178" -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "7/ 322"- وابن عدي في "الكامل" "6/ 2453" من طريق محمد بن خالد الوهبي عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن ابن عمر مرفوعا. وإسناده ضعيف، شذ محمد بن خالد الوهبي في وصله, فرواه من هو أوثق منه وأكثر عددا فأرسلوه، وهذا البيان: أخرجه أبو داود في "سننه" "رقم 2177", ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "7/ 322": ثنا أحمد بن يونس، والبيهقي أيضا "7/ 322" من طريق يحيى بن بكير، وابن أبي شيبة في "المصنف" "5/ 253" من طريق وكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك في "البر والصلة" -كما في "المقاصد الحسنة" "12"- وأبو نعيم الفضل بن دكين -كما قال الدارقطني في "العلل" "4/ ق 52/ ب"-، خمستهم عن معرف بن واصل عن محارب مرسلا دون ذكر "ابن عمر" فيه، وهذا هو الصواب، وهو الذي رجحه أبو حاتم -كما في "العلل" "1/ 431" لابنه- والدارقطني في =

يأتِ بِهِ صِيغَةُ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ بِالنِّعَمِ، وَإِنَّمَا جَاءَ مِثْلُ قَوْلِهِ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [الْبَقَرَةِ: 229] . {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [الْبَقَرَةِ: 230] . {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطَّلَاقِ: 1] . {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] .

_ = "العلل" "4/ ق 52/ ب"، والخطابي في "معالم السنن" "4/ 231"، وإليه مال البيهقي حيث رجح رواية أبي داود عن أحمد بن يونس المرسلة على رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أحمد بن يونس الموصولة -وهي عند الحاكم "2/ 196"، والبيهقي- حيث قال عقبها: "ولا أراه -أي: ابن أبي شيبة- حفظه". وقد جاء الحديث موصولا من حديث ابن عمر، ولكن من طريق المعتمد عليها: "كالقابض على الماء"، أخرجه ابن ماجه في "السنن" "رقم 2018"، وأبو أمية الطرسوسي في "مسند ابن عمر" "رقم 14"، وابن حبان في "المجروحين" "2/ 64" -ومن طريقه ابن الجوزي في "الواهيات" "رقم 1056"- وتمام في "الفوائد" "رقم 798- ترتيبه" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "2/ ق 103/ أ"- وابن عدي في "الكامل" "4/ 1630" من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب به. والوصافي ليس بشيء؛ كما قال ابن معين، وقال الفلاس والنسائي: متروك الحديث؛ فإسناده ضعيف جدا. وفي الباب عن معاذ عند الدارقطني في "السنن" "4/ 35"، وابن عدي في "الكامل" "2/ 694" بلفظ: "ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق"، وله ألفاظ أخرى، وإسناده ضعيف. وكتب "خ" هنا في الهامش ما نصه: "وهو محمول على الصور التي لا يتحقق فيها الموجد للفراق؛ فإنه يكون وقتئذ من المكروه الذي يناله نصيب من بغض الله لما يترتب عليه من الإساءة للزوجة أو أقاربها، أو الولد الذي تتركه من خلفها، وإنما سمي بالحلال؛ لأن الحلال يطلق على ما يقابل الحرام؛ فيتناول المباح والمكروه".

وَلَا شَكَّ أَنَّ جِهَةَ الْبُغْضِ فِي الْمُبَاحِ مَرْجُوحَةٌ1. وَجَاءَ: "كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِلَّا ثَلَاثَةً" 2. وَكَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّهْوِ مُبَاحٌ، وَاللَّعِبُ أَيْضًا مُبَاحٌ، وَقَدْ ذُمَّ. فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُنَافِي قَصْدَ الشَّارِعِ لِأَحَدِ طَرَفَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْآخَرِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى [أَنَّ] 3 الْمُبَاحَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الطَّلَبُ فعلا

_ 1 أي تجعله مرجوحا، كما أن تعلق الحب بالرخصة المباحة يجعل المباح راجحا. "د". 2 وتتمته: "رميه الصيد بقوسه، وتأديبه فرسه, وملاعبته امرأته؛ فإنه من الحق ". أخرجه الحاكم في "المستدرك" "2/ 95"، والطبراني في "الأوسط" -كما في "مجمع البحرين" "1/ ق 120/ ب"- بإسناد ضعيف عن أبي هريرة فيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد: "متروك"، وضعفه الجمهور، قاله الهيثمي في "مجمع الزوائد" "5/ 269". وقد وهم فيه سويد، إنما هو عن ابن عجلان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين مرسلا، كما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، 4/ 174/ رقم 1637". أفاده أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان؛ كما في "العلل" "1/ 302/ رقم 905" وزاد ابن أبي حاتم: "قال أبي: ورواه ابن عيينة عن ابن أبي حسين عن أبي الشعثاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أيضا مرسل". قلت: وروايته أخرجها سعيد بن منصور في "سننه" "رقم 2454-ط الأعظمي". وأخرجه موصولا من طريق آخر عن أبي هريرة القراب في "فضائل الرمي" "رقم 12"، وإسناده ضعيف جدا، فيه عمر بن صبح، متروك، وقد اتهم. انظر: "المجروحين" "2/ 88"، و"الميزان" "3/ 206". وللحديث شواهد بألفاظ مقاربة يصل بها إلى درجة الصحة، خرجتها في "فضائل الرمي" للقراب، وانظر: "السلسلة الصحيحة" "رقم 315". 3 ليست في الأصل.

وَتَرْكًا عَلَى غَيْرِ الْجِهَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ1. وَالْجَوَابُ مِنْ وِجْهَيْنِ2، أَحَدُهُمَا إِجْمَالِيٌّ، وَالْآخَرُ تَفْصِيلِيٌّ. فَالْإِجْمَالِيُّ أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُبَاحَ عِنْدَ الشَّارِعِ هُوَ الْمُتَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ؛ فَكُلُّ مَا تَرَجَّحَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ؛ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا، إِمَّا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ حَقِيقَةً وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُبَاحِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي أَصْلِهِ, ثُمَّ صَارَ غَيْرَ مُبَاحٍ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَقَدْ يُسَلَّمُ أَنَّ الْمُبَاحَ يَصِيرُ غَيْرَ مُبَاحٍ بِالْمَقَاصِدِ وَالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ3. وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ؛ فَإِنَّ الْمُبَاحَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَصْلٍ ضَرُورِيٍّ، [أَوْ حَاجِيٍّ] 4، أَوْ تَكْمِيلِيٍّ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ. فَالْأَوَّلُ: قَدْ يُراعى مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ خَادِمٌ لَهُ؛ فَيَكُونُ مَطْلُوبًا وَمَحْبُوبًا5 فِعْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّمَتُّعَ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَنَحْوِهَا مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِبَاحَتُهُ بِالْجُزْءِ6، وَهُوَ خَادِمٌ لِأَصْلٍ ضَرُورِيٍّ، وَهُوَ إِقَامَةُ الحياة؛ فهو

_ 1 أي: الخارجة عنه، الآتية بطريق الاستلزام يعني: بل ذلك راجع لنفس المباح؛ فلا تصلح هنا الأجوبة المتقدمة "د". 2 في الأصل: "جهتين". 3 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 460-462". 4 ليست في الأصل. 5 في "م" و"خ": "محبوبا ومحبوبا"! 6 يعني أنه باعتبار هذا المأكول بعينه، وهذا الجزئي من الملبس والمشرب بخصوصه مباح، وباعتبار أنه يخدم ضروريا وهو إقامة الحياة -وهي جهة كلية- يكون مطلوبا ويؤمر به، لا من جهة خصوصيته، بل من جهة كليته؛ فليس الأمر آتيا من جهة كونه خوخا أو تفاحا أو خبزا في وقت كذا، بل من الوجهة العامة، ومن هنا يجيء قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} إلى غير ذلك من صيغ الأوامر. "د".

مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَمُعْتَبَرٌ وَمَحْبُوبٌ مِنْ حَيْثُ هَذَا الْكُلِّيِّ الْمَطْلُوبِ؛ فَالْأَمْرُ بِهِ رَاجِعٌ إِلَى حَقِيقَتِهِ1 الْكُلِّيَّةِ، لَا إِلَى اعْتِبَارِهِ الْجُزْئِيِّ وَمِنْ هُنَا يَصِحُّ كَوْنُهُ هَدِيَّةً يَلِيقُ فِيهَا الْقَبُولُ دُونَ الرَّدِّ، لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ. وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِمَا يَنْقُضُ أَصْلًا مِنَ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، أَوْ لَا يَكُونَ خَادِمًا لِشَيْءٍ كَالطَّلَاقِ2؛ فَإِنَّهُ تَرْكٌ لِلْحَلَالِ الَّذِي هُوَ خَادِمٌ لِكُلِّيِّ إِقَامَةِ النَّسْلِ فِي الْوُجُودِ، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ، وَلِإِقَامَةِ مُطْلَقِ الْأُلْفَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ، وَاشْتِبَاكِ الْعَشَائِرِ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ أَوْ حَاجِيٌّ أَوْ مُكَمِّلٌ لِأَحَدِهِمَا، فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِهَذَا النَّظَرِ خَرْمًا لِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ وَنَقْضًا عَلَيْهِ؛ كَانَ مُبَغَّضًا، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ؛ إِلَّا لِمُعَارِضٍ أَقْوَى؛ كَالشِّقَاقِ, وَعَدَمِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ, وَهُوَ مِنْ حَيْثُ كَانَ جُزْئِيًّا فِي هَذَا الشَّخْصِ، وَفِي هَذَا الزَّمَانِ مُبَاحٌ وَحَلَالٌ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا جَاءَ مِنْ ذَمِّ الدُّنْيَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَلَالُ فِيهَا قَدْ يُتَنَاوَلُ فَيَخْرِمُ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ؛ كَالدِّينِ3 -عَلَى الْكَافِرِ وَالتَّقْوَى عَلَى الْعَاصِي- كَانَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَذْمُومًا، وَكَذَلِكَ اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ وَالْفَرَاغُ مِنْ كُلِّ شُغْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحْظُورٍ وَلَا يَلْزَمُ عنه محظور فهو مباح، ولكنه مذموم

_ 1 وهذا غير الاستلزام وغير الأمور الخارجية التي سبق الكلام عليها في الرد على الكعبي. "د". 2 فالطلاق خادم لترك النكاح الحلال الذي يخدم ضروريا كليا هو إقامة النسل؛ فالطلاق خدم ما ينقض أصلا كليا وحاجيا أيضا كما سيقول. "د". 3 فإن المال واقتناءه حلال في ذاته، ولكنه قد يكون فتنة تلحق الشخص؛ فيكون سببا في الكفر أو الاستمرار عليه، وهذا في الكافر، وقد يكون سببا في خرم التقوى وهدمها بالنسبة للمسلم العاصي "د".

وَلَمْ يَرْضَهُ الْعُلَمَاءُ1، بَلْ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ لَا يُرَى الرَّجُلُ فِي إِصْلَاحِ مَعَاشٍ، وَلَا فِي إِصْلَاحِ مَعَادٍ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ زَمَانٍ فِيمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا أُخْرَوِيَّةٌ. وَفِي الْقُرْآنِ: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [الإسراء: 37] ؛ إِذْ2 يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَفِي الْحَدِيثِ: "كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِلَّا ثَلَاثَةً" 3، وَيَعْنِي بِكَوْنِهِ بَاطِلًا أَنَّهُ عَبَثٌ أَوْ كَالْعَبَثِ، لَيْسَ لَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ وَلَا ثَمَرَةٌ تُجْنَى، بِخِلَافِ اللَّعِبِ مَعَ الزَّوْجَةِ؛ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ يَخْدِمُ أَمْرًا ضَرُورِيًّا وَهُوَ النَّسْلُ، وَبِخِلَافِ تَأْدِيبِ الْفَرَسِ، وَكَذَلِكَ اللَّعِبُ بِالسِّهَامِ؛ فَإِنَّهُمَا يَخْدِمَانِ أَصْلًا تَكْمِيلِيًّا وَهُوَ الْجِهَادُ4، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مِنَ اللَّهْوِ الْبَاطِلِ، وجميع هذا بين أَنَّ الْمُبَاحَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ غَيْرُ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ وَلَا التَّرْكِ بِخُصُوصِهِ5. وَهَذَا الْجَوَابُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ثَابِتٍ فِي الْأَحْكَامِ التكليفية؛ فلنضعه [ها] هنا، وهي:

_ 1 في الأصل: "العقلاء". 2 في الأصل: "قد". 3 مضى تخريجه قريبا. 4 عده هنا من التكميليات، وسيعده في كتاب المقاصد من الضروريات، ولا تعارض بين المقامين؛ إذ لا مانع من جعله ضروريا في حال، وتكميليا في حال؛ فالأول فيما إذا ترتب على تركه هرج وفساد، وفوت حياة دنيوية أو أخروية، والثاني فيما إذا دعت إليه حاجة كون كلمة الإسلام هي العليا، أو توقف عليه كف بعض الأذى عن المسلمين. "د". وكتب "خ" هنا ما نصه: "عد المصنف في المسألة الثالثة من كتاب المقاصد الجهاد في قسم الضروريات، وهو الذي يقتضيه تعريف الضروري بما لا بد منه في قيام مصالح الدين والدنيا؛ فإن هذا المعنى متحقق في الحرب التي يقصد بها دفاع الهاجمين أو مناجزة المتحفزين". 5 هذه هي فائدة الإشكال والجواب عنه، ولم تستفد من أول المسألة، ولا من الجدل الماضي كله، وفي الحقيقة قد أخذ من هنا تقييد الكلام السابق وتنقيحه، وأنه لا بد أن نزيد هذه الكلمة الوجيزة "بخصوصه" "د". قلت: ونحو ما سبق عند البغوي في "شرح السنة" "10/ 383"، وابن القيم في "تهذيب سنن أبي داود" "3/ 371"، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "5/ 516, 21/ 48، 30/ 216، 32/ 223".

المسألة الثانية في الإباحة: فَيُقَالُ: إِنَّ الْإِبَاحَةَ1 بِحَسْبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ يَتَجَاذَبُهَا الْأَحْكَامُ الْبَوَاقِي؛ فَالْمُبَاحُ يَكُونُ مُبَاحًا بِالْجُزْءِ، مَطْلُوبًا بِالْكُلِّ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَوِ الْوُجُوبِ2، وَمُبَاحًا بِالْجُزْءِ، مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْكُلِّ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ3 أَوِ الْمَنْعِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: فَالْأَوَّلُ: كَالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ4؛ مِنَ الْمَأْكَلِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَرْكَبِ، وَالْمَلْبَسِ، مِمَّا سِوَى الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ, وَالْمَنْدُوبِ الْمَطْلُوبِ فِي مَحَاسِنِ الْعِبَادَاتِ، أَوِ الْمَكْرُوهِ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ؛ كَالْإِسْرَافِ؛ فَهُوَ مُبَاحٌ بِالْجُزْءِ، فَلَوْ تُرِكَ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ5 مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ, لَكَانَ جَائِزًا كَمَا لو فعل، فلو ترك جملة؛

_ 1 الإباحة: مصدر أباحه له إباحة؛ أي: أحله له، والمباح: الحلال. "ماء". 2 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 461". 3 في "ط": "الكراهية". 4 أي: إن التمتع بهذه الطيبات إذا لم يكن واجبا "كما إذا اقتضته ضرورة حفظ الحياة أو دفعت إليه حاجة رفع الحرج"، ولا مندوبا "كما إذا كان داخلا فيما هو من محاسن العادات"، ولا مكروها "كما إذا كان فيه إخلال بمحاسنها، كالإسراف في بعض أحواله" نقول: إن التمتع بهذه الطيبات إذا لم يكن واحدا من هذه الثلاثة يكون مباحا بالجزء مندوبا بالكل، فلو تركه الناس جميعا وأخلوا به, لكان مكروها، فيكون فعله كليا مندوبا إليه شرعا. "د". 5 مقتضاه مع سياق الأحاديث أنه مباح بالجزء مندوب بالكل في حق الشخص الواحد بعينه، وقوله بعد: "لو تركه الناس جميعا؛ لكان مكروها"، يقتضي أن طلبه كفائي، لو قام به البعض سقط عن الباقي، ولو كان قادرا عليه فلم يفعله رأسا؛ لم يكن مكروها، ولعل الأول هو المعول عليه، ويشهد له قوله في الثاني: "إذا اختار أحدها، أو تركها الرجل في بعض الأحيان أو تركها بعض الناس" "د". وفي "ط": "ترك ذلك في بعض ... ".

لَكَانَ عَلَى خِلَافِ مَا نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَأَوْسِعُوا على أنفسكم" 1، و: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ" 2، وَقَوْلِهِ فِي الْآخَرِ حِينَ حَسَّنَ مِنْ هَيْئَتِهِ: "أَلَيْسَ هَذَا أَحْسَنُ؟ " 3، وَقَوْلِهِ: "إِنَّ اللَّهَ

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء 1/ 475/ رقم 365" عن أبي هريرة ضمن حديث، فيه: "إذا وسع الله فأوسعوا ". وأخرجه النسائي في "المجتبى" "كتاب الزكاة، باب الحنطة، 5/ 52-53" عن ابن عباس ضمن حديث آخر، في آخره: "قال علي: أما إذا أوسع الله, فأوسعوا". وأخرج مالك في "الموطأ" "2/ 911" بسند صحيح إلى عمر -رضي الله عنه- قال: "إذا أوسع الله عليكم؛ فأوسعوا على أنفسكم ". 2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الأدب، باب ما جاء أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، 5/ 123-124/ رقم 2819" -وقال: "هذا حديث حسن"- والطيالسي في "المسند" "رقم 2261"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 135"، وابن أبي الدنيا في "الشكر" "رقم 51"، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث حسن، وله شواهد كثيرة؛ منها: حديث عمران بن حصين, أخرجه أحمد في "المسند" "4/ 438"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "4/ 291 و7/ 10"، والطحاوي في "المشكل" "4/ 151"، والحاكم في "المعرفة" "ص161"، والطبراني في "الكبير" "18/ 135"، وابن أبي الدنيا في "الشكر" "رقم 50" بلفظ: "إذا أنعم الله -عز وجل- على عبده نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"، وإسناده صحيح. وانظر سائر الشواهد في "المجمع" "5/ 132-133"، و"غاية المرام" "رقم 75". 3 أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 949" من طريق عطاء بن يسار؛ قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية؛ فأشار إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- كأنه يأمره بإصلاح شعره، ففعل، ثم رجع؛ فقال النبي, صلى الله عليه وسلم: "أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان". وإسناده ضعيف بهذا اللفظ؛ لإرساله، وسائر رجاله ثقات. قال ابن عبد البر في "التمهيد" "5/ 50": "ولا خلاف عن مالك أن هذا الحديث مرسل، =

جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" 1، بَعْدَ قَوْلِ الرَّجُلِ: "إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً"، وَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا لَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ؛ لَكَانَ مَكْرُوهًا. وَالثَّانِي: كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَوَطْءِ الزَّوْجَاتِ، وَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَوُجُوهِ الِاكْتِسَابَاتِ الْجَائِزَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [الْبَقَرَةِ: 275] . {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [الْمَائِدَةِ: 96] . {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [الْمَائِدَةِ: 1] . وَكَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ، كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُبَاحَةٌ بِالْجُزْءِ؛ أَيْ: إِذَا اخْتَارَ أَحَدٌ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا سِوَاهَا؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ، أَوْ تَرَكَهَا الرَّجُلُ في بعض الأحوال أو الأزمان

_ = وقد يتصل معناه من حديث جابر وغيره". قلت: أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب اللباس، باب في غسل الثوب/ رقم 4062"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الزينة، باب تسكين الشعر, 8/ 183-184"، وأحمد في "المسند" "3/ 357"، وأبو يعلى في "المسند" "4/ 23/ رقم 2026"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 1438- موارد"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 186"، وأبو نعيم في "الحلية" "6/ 78"، وابن عبد البر في "التمهيد" "5/ 52-53"، بسند صحيح على شرط الشيخين عن جابر؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا وسخة ثيابه، فقال: "أما وجد هذا ما ينقي ثيابه؟! " ورأى رجلا ثائر الشعر، فقال: "ما وجد هذا ما يسكن به شعره؟! ". وعزاه العراقي في "تخريج الإحياء" "1/ 122" للترمذي وغيره، وقال: "بإسناد جيد". قلت: أخشى أن يكون العراقي قد رمز له بـ"ن"؛ فتحرفت إلى "ت"، وعلى كل؛ فعزو الحديث للترمذي خطأ، والله الموفق. 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان, باب تحريم الكبر وبيانه، 1/ 93/ رقم 91" عن ابن مسعود, رضي الله عنه.

أَوْ تَرَكَهَا بَعْضُ النَّاسِ1؛ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ, فَلَوْ فَرَضْنَا تَرْكَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ذَلِكَ؛ لَكَانَ تَرْكًا لِمَا هُوَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا، فَكَانَ الدُّخُولُ فِيهَا وَاجِبًا بِالْكُلِّ. وَالثَّالِثُ: كَالتَّنَزُّهِ2 في البساتين، وسماع تغريد الحمام، والغناء المباح، وَاللَّعِبِ الْمُبَاحِ بِالْحَمَّامِ، أَوْ غَيْرِهَا؛ فَمِثْلُ هَذَا مُبَاحٌ بِالْجُزْءِ، فَإِذَا فُعِلَ يَوْمًا مَا، أَوْ فِي حَالَةٍ مَا؛ فَلَا حَرَجَ فِيهِ, فَإِنْ فُعِلَ دَائِمًا كَانَ مَكْرُوهًا، وَنُسِبَ فَاعِلُهُ إِلَى قِلَّةِ الْعَقْلِ, وَإِلَى خِلَافِ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَإِلَى الْإِسْرَافِ فِي فِعْلِ ذَلِكَ الْمُبَاحِ. وَالرَّابِعُ: كَالْمُبَاحَاتِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً؛ فَإِنَّهَا لَا تَقْدَحُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُعَدَّ صَاحِبُهَا خَارِجًا عَنْ هَيْئَاتِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، وَأُجْرِي صَاحِبُهَا مُجْرَى الْفُسَّاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِذَنْبٍ اقْتَرَفَهُ شَرْعًا، وَقَدْ قَالَ الْغَزَّالِيُّ: "إِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْمُبَاحِ قَدْ تُصَيِّرُهُ صَغِيرَةً، كَمَا أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ على الصغيرة تصيره3 كَبِيرَةً"4، وَمِنْ هُنَا قِيلَ5: "لَا صَغِيرَةَ مَعَ

_ 1 هذا في غير الأكل والشرب مثلا، أما هما؛ فلا، بل الذي يجري فيهما قوله تركها في بعض الأحوال؛ فقوله: "فلو فرضنا ترك الناس كلهم" يعني: أو فرضنا ترك الشخص لمثل الأكل والشرب دائما وكليا لكان ... إلخ، فهو مع كونه ذكر أحوالا كثيرة؛ اكتفى بافتراض الترك في بعضها فقط، مع اعتباره عموم الحكم لما بقي من وجوه الافتراض، ويمكن أن يقال نظيره في القسم الأول. فكأنه قال في القسمين: ولو فرضنا ترك الشخص دائما وكليا, لكان تاركا للمندوب في الأول، وللواجب في الثاني فيما يكون فيه ذلك كالأكل والشرب. "د". 2 في هذا القسم والذي بعده جعل الكلام في الشخص الواحد جزئيا وكليا؛ فتنبه. "د". 3 في "ط": "تصيرها". 4 في "إحياء علوم الدين" "4/ 22"، وانظر منه: "3/ 129"، وهذا النوع الأخير عند المصنف قد يصعب التسليم به، خاصة وأنه أورده بلا أمثلة ولا أدلة، كما يصعب التفريق بينه وبين سابقه؛ ففي كل منهما "المداومة على بعض المباحات"، إلا أن نقول: إنها -أي: تلك المباحات- تصير محرمة بالإدمان عليها والإفراط فيها؛ لأنها حينئذ تصير هوى متبعا، وآفة مستحكمة، ومضيعة للعمر، وفي هذا من موجبات التحريم ما لا يخفى، ومن الأمثلة الجلية على هذا احتراف بعض الناس اليوم لبعض أنواع اللعب, فيصير الإنسان حرفته "لاعب"، وتصير حياته لعبا في لعب، وقريب من هذا ما يداوم عليه بعض الناس من قطع الساعات الطوال من كل أيامهم أو معظمها في المقاهي وما أشبهها من توافه الأمور وسفاسفها، أفاده الريسوني. 5 في "ط": "قالوا".

الإصرار"1.

_ 1 كتب "خ" هنا ما نصه: "هذه مقالة لبعض الصوفية، وليست بحديث كما تخيله بعض من لا يتحرى في الرواية". وفي "ط": "إصرار". قال أبو عبيدة: وردت المقولة السابقة على أنها حديث مرفوع عن: - ابن عباس، أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" "رقم 853"، وأبو الشيخ، والديلمي، والعسكري في "الأمثال" -كما في "المقاصد" "467"- بسند ضعيف, فيه أبو شيبة الخراساني، أتى بخبر منكر؛ كما قال الذهبي في "الميزان" "4/ 537"، وذكره. - أبي هريرة، أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" بسند واه بمرة، فيه مبشر بن عبيد الدارسي، وهو متروك، أفاده السخاوي. وأخرجه من حديثه أيضا: الثعلبي وابن شاهين في "الترغيب" من طريق آخر لا يفرح بها، فيها بشر بن إبراهيم وضاع مشهور؛ كما في "اللسان" "2/ 18". - عائشة، أخرجه أبو حذيفة إسحاق بن بشر في "المبتدأ"، قاله السخاوي، وزاد: "وإسحاق حديثه منكر" قلت: وهو متهم بالوضع. - أنس، أخرجه البغوي ومن جهته الديلمي، قال السخاوي: "وينظر سنده"، قال محشيه: "نظرت سنده؛ فوجدت فيه راويا مجهولا"؛ فالحديث لم يثبت مرفوعا، وثبت موقوفا على ابن عباس, وليس عن بعض الصوفية، وقد قلد المحشي في عبارته السابقة الشوكاني في "إرشاد الفحول" "ص47"؛ إذ المقولة مقولته!! -أخرج ابن جرير في "التفسير" "رقم 9207"، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" "1/ 498، النساء: 31"- والبيهقي في "الشعب" "7/ رقم 7150"، وابن المنذر -كما في "المقاصد"- بسند صحيح؛ أن ابن عباس سئل: كم الكبائر؛ أسبع هي؟ قال: "إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع, غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار". وانظر في ضابط الإصرار المصير للصغيرة كبيرة: "الذخيرة" "10/ 223" للقرافي.

فَصْلٌ: إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَنْدُوبًا بِالْجُزْءِ كَانَ وَاجِبًا بِالْكُلِّ1؛ كَالْأَذَانِ فِي الْمَسَاجِدِ الْجَوَامِعِ أَوْ غَيْرِهَا، وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْوِتْرِ، وَالْفَجْرِ2، وَالْعُمْرَةِ، وَسَائِرِ النَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ؛ فَإِنَّهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا بِالْجُزْءِ، وَلَوْ فُرِضَ تَرْكُهَا جُمْلَةً لَجُرِّحَ التَّارِكُ لَهَا, أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأَذَانِ إِظْهَارًا لِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ؟ وَلِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أَهْلُ الْمِصْرِ الْقِتَالَ إِذَا تَرَكُوهُ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، مَنْ دَاوَمَ عَلَى تَرْكِهَا يُجَرَّحُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا مُضَادَّةً لِإِظْهَارِ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- من دوام عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ؛ فَهَمَّ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ3، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يُغِيرُ عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِلَّا أَغَارَ4، وَالنِّكَاحُ لَا يَخْفَى مَا فيه مما هو

_ 1 إما كفائيا كالأذان وإقامة الجماعة، وإما عينيا كباقي الأمثلة؛ إلا ما يأتي بعد من النكاح، فوجوبه الكفائي بقدر ما يتحقق منه مقصود الشارع. "د". قلت: وفي بعض الأمثلة المذكورة عند المصنف نزاع في كونها على الكفاية، وانتصر غير واحد من المحققين -كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه- للقول بوجوب صلاة الجماعة والعيدين على الأعيان، والله الموفق. 2 هذا التمثيل غير صحيح, ولا وجه له إلا أن يكون فيه سقط تقديره "وسنة الفجر". 3 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، 2/ 125/ رقم 644"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، 1/ 451/ رقم 651"، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد ناسا في بعض الصلوات؛ فقال: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها؛ فآمر بهم، فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها" يعني: صلاة العشاء، لفظ مسلم. 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب ما يحقن الأذان من الدماء، 2/ 89-90/ رقم 610، وكتاب الجهاد، باب دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى الإسلام والنبوة، 6/ =

مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ؛ مِنْ تَكْثِيرِ النَّسْلِ، وَإِبْقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَالتَّرْكُ لَهَا جُمْلَةً مُؤَثِّرٌ فِي أَوْضَاعِ الدِّينِ، إِذَا كَانَ دَائِمًا، أَمَّا إِذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ، فَلَا مَحْظُورَ فِي التَّرْكِ. فَصْلٌ: إِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا بِالْجُزْءِ كَانَ مَمْنُوعًا بِالْكُلِّ؛ كَاللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ بِغَيْرِ مُقَامَرَةٍ، وَسَمَاعِ الْغِنَاءِ الْمَكْرُوهِ1، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ مُدَاوَمَةٍ؛ لَمْ تَقْدَحْ فِي الْعَدَالَةِ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا؛ قَدَحَتْ فِي عَدَالَتِهِ، وَذَلِكَ2 دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْغَزَّالِيِّ3، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ: "إِنْ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ حتى يشغله عن الجماعة؛ لم

_ = 111/ رقم 2943، 2944"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان" "1/ 288/ رقم 382" عن أنس بن مالك, رضي الله عنه. وعلق "خ" على الحديث بقوله: "فترك الأذان لم يكن السبب في الإغارة على القوم، وإنما كان كالدليل على أنهم لا زالوا على مناوأة الإسلام التي هي السبب في الإغارة عليهم، ولم يكن عليه السلام ليغير على قوم من العرب إلا بعد أن تبلغهم دعوته، ويجاهروا بعداوته، ويشهد بهذا قوله لعلي بن أبي طالب في هذه الغزوة نفسها: "على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام ". 1 والحق أن اللعب بالنرد والشطرنج والغناء حرام، كما هو مقرر عند كثير من المحققين من أهل العلم. انظر: "الفروسية" لابن القيم "ص302 وما بعد-بتحقيقي". 2 وذلك "أي: قدح المداومة على المكروهات في العادة، وإخراج صاحبها عن أهل الشهادة" دليل على أنه اقترف ذنبا. "د". 3 وهو أن المداومة على المباح قد تصيره صغيرة، بل هذا أولى من المداومة على بعض المباحات "د".

تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ"، وَكَذَلِكَ اللَّعِبُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ هَيْئَةِ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ1، وَالْحُلُولُ بِمَوَاطِنِ التُّهَمِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَصْلٌ: أَمَّا الْوَاجِبُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بِالْكُلِّ وَالْجُزْءِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ إِنَّمَا أَطْلَقُوا الْوَاجِبَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْجُزْئِيُّ، وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا بِالْجُزْءِ؛ فَهُوَ كَذَلِكَ بِالْكُلِّ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلَكِنْ هَلْ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِحَسَبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ أَمْ لَا؟ أَمَّا بِحَسَبِ الْجَوَازِ2؛ فَذَلِكَ ظَاهِرٌ, فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الظُّهْرُ الْمُعَيَّنَةُ فَرْضًا عَلَى الْمُكَلَّفِ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا, وَيُعَدُّ مُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ؛ فَيُنَفَّذُ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ بِسَبَبِهَا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ؛ فَالتَّارِكُ لِكُلِّ ظُهْرٍ أَوْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَحْرَى بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ عَمْدًا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً، مَعَ مَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ بِالْمُدَاوَمَةِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا. وَأَمَّا بِحَسَبِ الْوُقُوعِ؛ فَقَدْ جَاءَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي تَارِكِ الْجُمْعَةِ: " [مَنْ تَرَكَ الْجُمْعَةَ] 3 ثَلَاثَ مرات طبع الله على قلبه" 4؛ فقيد

_ 1 انظر كتابنا: "المروءة وخوارمها"؛ فقد فصلنا -ولله الحمد- في ذلك. 2 أي: جواز ذلك وإمكان وقوعه شرعا، ويأتي مقابله، وهو الوقوع بالفعل في قوله: "وأما بحسب الوقوع". "د". 3 ساقطة من الأصل، والسياق واضح بدونها. 4 ورد عن أبي الجعد الضمري، بلفظ: "من ترك ثلاث جمع تهاونا؛ طبع الله على قلبه ". أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجمعة، 1/ 277/ رقم 1052"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، 3 =

بِالثَّلَاثِ كَمَا تَرَى، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "مَنْ تَرَكَهَا 1 اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهَا أَوْ تَهَاوُنًا" 2، مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا3 مُخْتَارًا غَيْرَ مُتَهَاوِنٍ وَلَا مُسْتَخِفٍّ؛ لَكَانَ تَارِكًا لِلْفَرْضِ؛ فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ [تَرْكَهَا] 4 مَرَّاتٍ أَوْلَى فِي التَّحْرِيمِ، وَكَذَلِكَ5 لَوْ تَرَكَهَا قَصْدًا لِلِاسْتِخْفَافِ وَالتَّهَاوُنِ، وَانْبَنَى عَلَى ذَلِكَ فِي الْفِقْهِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: إِذَا6 تَرَكَهَا مِرَارًا لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لم تجز شهادته7. وكذلك.

_ = / 277/ رقم 1052"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب إقامة الصلاة، باب فيمن ترك الجمعة من غير عذر، 1/ 357/ رقم 1125"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الص لاة، باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، 2/ 373/ رقم 500"، وأحمد في "المسند" "3/ 424"، وابن خزيمة في "الصحيح" "3/ 175، 176/ رقم 1875، 1876"، والطحاوي في "المشكل" "4/ 230"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 280"، وابن حبان في "الصحيح" "1/ 237-238/ رقم 258 و4/ 198/ رقم 2775- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 172"، والبغوي في "شرح السنة" "4/ 213/ رقم 1053"، والدولابي في "الكنى والأسماء" "1/ 21-22"، والمروزي في "فضل الجمعة" "رقم 62" بإسناد قوي، كما قال الذهبي في "الكبائر" "ص208- بتحقيقي"، وصحح الحديث جماعة، انظر: "التلخيص الحبير" "2/ 52". 1 ذكر الحديث بهذه الرواية على ما فيها ليفيد أن الشارع رتب على تكرار الترك ما رتبه على الترك تهاونا واستخفافا، ولا يخفى عظم جرم الاستخفاف؛ فدل على أن جريمة التكرار أكبر من جريمة المرة الواحدة، ولا يخفى عليك حكمة ذلك؛ فإن تكرار الترك لغير عذر وإن لم تشعر النفس فيه بالاستخفاف، ولم يخطر بالبال؛ إلا أنه في الواقع لا بد أن يكون مركوزا في نفس الشخص الذي يتكرر منه الترك؛ لأنه هو السبب الحقيقي للتكرار، كما يشير إليه كلامه بعد. "د". 2 تقدم نحوه في الحديث السابق. 3 أي مرة واحدة؛ لكان تاركا للفرض؛ أي: ولم يرتب عليه الطبع على القلب. "د". 4 ما بين حاصرتين زيادة من الأصل و"م" و"ط". 5 لعل صوابه "كما"، ويكون بيانا لحكمة ذكر الحديث الثاني. "د". 6 في "د": "إذ". 7 بعدها في النسخ المطبوعة: "قاله سحنون"، وليس لها معنى، وهي ليست في الأصل، وأشار إلى ذلك محقق "د" بقوله: "انظر ما معنى إعادتها؟ فلعل هنا تحريفا".

يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ ارْتَكَبَ إِثْمًا وَلَمْ يَكْثُرْ مِنْهُ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً، فَإِنْ تَمَادَى وَأَكْثَرَ مِنْهُ كَانَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ، وَصَارَ فِي عِدَادِ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً. وَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْوَاجِبَ لَيْسَ بِمُرَادِفٍ لِلْفَرْضِ؛ فَقَدْ يَطَّرِدُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْوَاجِبَ إِذَا كَانَ وَاجِبًا بِالْجُزْءِ كَانَ فَرْضًا بِالْكُلِّ1، لَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَانْظُرْ فِيهِ وَفِي أَمْثِلَتِهِ مُنَزِّلًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَسْتَتِبُّ التَّعْمِيمُ؛ فَيُقَالُ فِي الْفَرْضِ2: إِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَمْنُوعَاتِ: إِنَّهَا تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا بِحَسَبِ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ، وَإِنْ عُدِّتْ فِي الْحُكْمِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقْتًا مَا، أَوْ فِي حَالَةٍ مَا؛ فَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ فِي أَحْوَالٍ أُخَرَ، بَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا, كَالْكَذِبِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ, وَسَائِرِ الصَّغَائِرِ مَعَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ في كبرها، وقد ينضاف3 الذنب إلى

_ 1 أي: فينزل الواجب منزلة المندوب فيما سبق, ويكون جزئيه واجبا وكليه فرضا، بل يكون هذا أولى من المندوب، وعليه لا يخرج الواجب عن الطريقة التي شرحت في المندوب والمكروه والمباح، واختلافها جزئيا عنهما كليا، وأخذ الكلي حكما* آخر من الأحكام الخمسة غير ما كان في الجزئي. "د". 2 أي: أيضا كما قيل في الواجب والأقسام قبله، لكن بالطريقة التي ذكرها في هذا الفصل، وأن جريمة التكرار أكبر من الترك، وهكذا مما سبق له، لا أنه يأخذ لقبا آخر من ألقاب الأحكام الخمسة لم يكن له قبلا في الجزئية، ومثله يقال في الحرام. "د". 3 في الأصل: "يضاف".

الذَّنْبِ؛ فَيَعْظُمُ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ؛ فَلَيْسَتْ سَرِقَةُ نِصْفِ النِّصَابِ كَسَرِقَةِ رُبْعِهِ، وَلَا سَرِقَةُ النِّصَابِ كَسَرِقَةِ نِصْفِهِ، وَلِذَلِكَ عَدُّوا سَرِقَةَ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفَ بِحَبَّةٍ مِنْ بَابِ الصَّغَائِرِ -مَعَ أَنَّ السَّرِقَةَ مَعْدُودَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ- وَقَدْ قَالَ الْغَزَّالِيُّ: "قَلَّمَا يُتَصَوَّرُ الْهُجُومُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بَغْتَةً، مِنْ غَيْرِ سَوَابِقَ وَلَوَاحِقَ مِنْ جِهَةِ الصَّغَائِرِ، -قَالَ:- وَلَوْ تُصُوِّرَتْ كَبِيرَةٌ وَحْدَهَا بَغْتَةً، وَلَمْ يَتَّفِقْ عَوْدُهُ إِلَيْهَا، رُبَّمَا كَانَ الْعَفْوُ إِلَيْهَا أَرْجَى مِنْ صَغِيرَةٍ وَاظَبَ عَلَيْهَا عُمْرَهُ"1. فَصْلٌ: هَذَا وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِالْكُلْيَةِ وَالْجُزْئِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ2. وَلِمُدَّعٍ3 أَنْ يَدَّعِيَ اتِّفَاقَ أَحْكَامِهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِالْكُلْيَةِ وَالْجُزْئِيَّةِ. أَمَّا فِي الْمُبَاحِ؛ فَمِثْلُ قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ، وَالْعَمَلِ بِالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَشِرَاءِ الْعَرِيَّةِ، وَالِاسْتِرَاحَةِ بَعْدَ التَّعَبِ، حَيْثُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مُتَوَجِّهَ الطَّلَبِ، وَالتَّدَاوِي، إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُبَاحٌ4؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِذَا فُعِلَتْ دَائِمًا أَوْ تُرِكَتْ دائما لا يلزم من

_ 1 "إحياء علوم الدين" "4/ 32"، وفي الأصل المخطوط: "غيره" بدل "عمره". 2 أي: في الحكم بين الجزئي والكلي، ويجعل ذلك قاعدة كلية مطردة لا تتخلف "د". 3 أي: له أن ينازع في اطراد القاعدة، ويقول: بل قد يستوي حكم الكلية والجزئية، وذاك في مثل الأمثلة التي ذكرها ووجدها في كل نوع من أنواع الأحكام الخمسة "د". 4 هذا مذهب طائفة من الفقهاء، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأخذ بالتداوي أفضل من تركه، ونظر فريق من المحققين إلى صحة قوانين الطب وكثرة إصابة الأطباء الماهرين في تطبيقها عمليا؛ فقالوا: متى خيف على النفس الوقوع في خطر، وغاب على الظن نفعه؛ كان أمرا واجبا، وأجازوا جميعا حتى الطائفة القائلة بالإباحة تمكين الطبيب من بعض الوسائل المحرمة بحسب الأصل؛ كلمس الأجنبية، والنظر إلى العورة. "خ".

فِعْلِهَا وَلَا مِنْ تَرْكِهَا إِثْمٌ، وَلَا كَرَاهَةٌ، وَلَا نَدْبٌ، وَلَا وُجُوبٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ذَلِكَ اخْتِيَارًا؛ فَهُوَ كَمَا لَوْ فَعَلُوهُ كُلُّهُمْ. وَأَمَّا فِي الْمَنْدُوبِ؛ فَكَالتَّدَاوِي إِنْ قِيلَ بِالنَّدْبِ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "تَدَاوُوا" 1، وَكَالْإِحْسَانِ فِي قَتْلِ الدَّوَابِّ الْمُؤْذِيَةِ؛ لِقَوْلِهِ: "إِذَا قَتَلْتُمْ؛ فَأَحْسَنُوا الْقِتْلَةَ" 2؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَوْ تَرَكَهَا الْإِنْسَانُ دَائِمًا لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا3 وَلَا ممنوعا، وكذلك لو فعلها دائما.

_ 1 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، 4/ 3/ رقم 3855"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، 4/ 382/ رقم 2038"، والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" "1/ 62-63"- وابن ماجه في "السنن" "كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، 2/ 1137/ رقم 3436"، وأحمد في "المسند" "4/ 278"، والبخاري في "الأدب المفرد" "291"، والحميدي في "المسند" "824"، والطيالسي في "المسند" "1747"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "4/ 323"، والطبراني في "الصغير" "1/ 202، 203"، و"الكبير" "1/ 144-151"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 399" بإسناد صحيح عن أسامة بن شريك، ولفظه: " نعم يا عبد الله! تداووا؛ فإن الله -عز وجل- لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد ". قالوا: وما هو؟ قال: "الهرم ". 2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، 3/ 1548/ رقم 1955"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الديات، باب ما جاء في النهي عن المثلة، 4/ 23/ رقم 1409" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- والنسائي في "المجتبى" "كتاب الضحايا، باب الأمر بإحداد الشفرة، 7/ 227"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 3170"، وأحمد في "المسند" 4/ 123، 124، 125"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 60" من حديث شداد بن أوس مرفوعا، وأوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم ... ". 3 الجاري على ما تقدم أن يقول: لم يكن ممنوعا، وأيضا؛ فالذي يراد نفيه هنا أن تكون واجبة بالكل، أي: فيكون تركها دائما ممنوعا على وزان ما تقدم، أما كونه ليس مكروها؛ فمن جهة أن ضد المندوب المكروه. "د".

وَأَمَّا فِي الْمَكْرُوهِ؛ فَمِثْلَ قَتْلِ النَّمْلِ إِذَا لَمْ تُؤْذِ1، وَالِاسْتِجْمَارِ بِالْحُمَمَةِ2 وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُنَقِّي؛ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تَلْوِيثًا أَوْ حَقًّا لِلْجِنِّ3، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، وَلَا ثَبَتَ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ دَائِمًا يُحَرَّجُ بِهِ وَلَا يُؤَثَّمُ، وَكَذَلِكَ الْبَوْلُ فِي الْجُحْرِ4، وَاخْتِنَاثُ الْأَسْقِيَةِ فِي الشُّرْبِ5، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

_ 1 كما في حديث ابن عباس: "نهي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قتل أربع من الدواب: النملة ... " أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأدب, باب في قتل الذر، 4/ 367، 5267"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله، 2/ 1074/ رقم 3224"، والدارمي في "السنن" "2/ 88-89", والطحاوي في "المشكل" "1/ 371"، وعبد بن حميد في "المنتخب" "رقم 649"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 317"، كلهم من طريق عبد الرزاق -وهو في "المصنف" "رقم 8415"- عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس به. قال أبو زرعة, كما في "العلل" "2/ 302" لابن أبي حاتم: "أخطأ فيه عبد الرزاق، والصحيح من حديث معمر عن الزهري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسل". والحديث صحيح، وله طرق أخرى عن ابن عباس، أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 332، 347" -ومن طريقه القطيعي في "جزء الألف دينار" "رقم 58"- وابن حبان في "الصحيح" "رقم 5617"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 317"، وانظر: "إرواء الغليل" "8/ 142/ رقم 2490". 2 الحممة: الفحمة الباردة، وكل ما احترق من النار. انظر: "لسان العرب" "ح م م". 3 كما في حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في "كتاب الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة، 1/ 255/ رقم 155، وكتاب مناقب الأنصار، باب ذكر الجن، 7/ 171/ رقم 3860". ولفظ "الحممة" جاء في حديث ابن مسعود، أخرجه أبو داود في "كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستنجى به، 1/ 10/ رقم 39" بإسناد صحيح. 4 كما في حديث عبد الله بن سرجس، أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الحجر، 1/ 8/ رقم 29"، وأحمد في "المسند" "5/ 82"، وإسناده ضعيف. 5 كما في حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، 3/ 1600/ رقم 2023"، ونصه: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اختناث الأسقية".

وَأَمَّا فِي الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ؛ فَظَاهِرٌ أَيْضًا التَّسَاوِي، فَإِنَّ الْحُدُودَ وُضِعَتْ عَلَى التَّسَاوِي؛ فَالشَّارِبُ لِلْخَمْرِ مِائَةَ مَرَّةٍ كَشَارِبِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَاذِفُ الْوَاحِدِ1. كَقَاذِفِ الْجَمَاعَةِ، وَقَاتِلُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ كَقَاتِلِ مِائَةِ نَفْسٍ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ تَارِكُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ الْمُدِيمِ التَّرْكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ نَصَّ الْغَزَّالِيُّ عَلَى أَنَّ الْغَيْبَةَ، أَوْ سَمَاعَهَا، وَالتَّجَسُّسَ2، وَسُوءَ الظَّنِّ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَكْلَ الشُّبَهَاتِ، وَسَبَّ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ، وَضَرْبَهُمَا بِحُكْمِ الْغَضَبِ زَائِدًا عَلَى حَدِّ الْمَصْلَحَةِ، وَإِكْرَامَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، وَالتَّكَاسُلَ عَنْ تَعْلِيمِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ؛ جَارٍ دَوَامُهَا مَجْرَى الْفَلَتَاتِ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا غَالِبَةٌ فِي النَّاسِ عَلَى الْخُصُوصِ، كَمَا كَانَتِ الْفَلَتَاتُ فِي غَيْرِهَا غَالِبَةً؛ فَلَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ دَوَامُهَا كَمَا لَا تَقْدَحُ فِيهَا الْفَلَتَاتُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ اسْتَقَامَتِ الدَّعْوَى فِي أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَسْتَوِي، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَفْعَالُ بِحَسَبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ. وَلِصَاحِبِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّ مَا اسْتُشْهِدَ بِهِ على الاستواء محتمل.

_ 1 تراجع هذه الأحكام في الفروع. "د". 2 التجسس: البحث عن عورات الناس، واستطلاع معائبهم ولو بقصد مجازاتهم عليها متى كانت تستوجب التأديب والعقوبة، قيل لابن مسعود كما أخرجه أبو داود وغيره: هل لك في الوليد بن عقبة بن معيط تقطر لحيته خمرا؟ فقال: "قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا شيء أخذنا به، أما التجسس بالتنقيب عن أحوال الأمة والسعي بها إلى عدوها ليستعين بمعرفة شئونها الخفية على تمزيق وحدتها ووضع قيد الاستعباد في عنقها؛ فجناية تقتلع أصل العدالة من حيث نشأت، وأمر مرتكبها -كما نص فقهاء المالكية- موكول إلى اجتهاد من بيده الحكم النافذ، وله أن يحمله على أشد العقوبات، ويقضي على حياة تلك النفس السامة قبل أن تقضي على حياة أمة بأجمعها". "خ".

أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّ الْكُلِّيَّ وَالْجُزْئِيَّ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُكَلَّفِينَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى جَوَازِ التَّرْكِ فِي قَتْلِ كُلِّ مُؤْذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آحَادِ النَّاسِ خَفَّ الْخَطْبُ، فَلَوْ فَرَضْنَا تَمَالُؤَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَلَى التَّرْكِ، دَاخَلَهُمُ الْحَرَجُ مِنْ وُجُوهٍ عِدَّةٍ، وَالشَّرْعُ طَالِبٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ قَطْعًا؛ فَصَارَ التَّرْكُ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ إِذًا مَنْدُوبًا بِالْكُلِّ إِنْ لَمْ نَقُلْ وَاجِبًا، وَهَكَذَا الْعَمَلُ بِالْقِرَاضِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ؛ فَلَا اسْتِوَاءَ إِذًا بَيْنَ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ فِيهِ، وَبِحَسْبِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّاسَ لَوْ تَمَالَئُوا عَلَى التَّرْكِ؛ لَكَانَ ذَرِيعَةً إِلَى هَدْمِ مَعْلَمٍ شَرْعِيٍّ، وَنَاهِيكَ بِهِ، نَعَمْ قَدْ يَسْبِقُ ذَلِكَ النَّظَرُ1 إِذَا تَقَارَبَ مَا بَيْنَ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ، وَأَمَّا إِذَا تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا؛ فَالْوَاقِعُ مَا تَقَدَّمَ، وَمِثْلُ هَذَا النَّظَرِ جَارٍ فِي الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ؛ فَغَيْرُ وَارِدٍ، فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ فِي الْحُدُودِ ظَاهِرٌ، وَإِنِ اتَّفَقَتْ فِي بَعْضٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَّالِيُّ فَلَا يُسَلَّمُ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ2، وَإِنْ سُلِّمَ؛ فَفِي الْعَدَالَةِ وَحْدَهَا لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَدَحَ دَوَامُ ذَلِكَ فِيهَا لندرت العدالة؛ فتعذرت الشهادة3.

_ 1 أي: نظر الاتفاق في الحكم بين الكلي والجزئي في هذه المسائل إذا كان الكلي قليل الشمول ضعيف العموم؛ فربما يقال: إن الشخص الواحد لو ترك قتل المؤذي أو العمل بالقراض أو المساقاة طول حياته؛ لما خرج عن حكم المباح، وكذا يقال في الباقي، أما إذا اتسع العموم؛ فإن الحكم لا يتفق، ولا يخفى عليك أنه تسليم في شيء مما يوهن القاعدة العامة الكلية التي قررها أول الفصل. "د". 2 وهي اختلاف مراتب الممنوعات بالكلية والجزئية كما سبق. "د". 3 يكتفي الفقهاء بالميسور من شروط العدالة من تعطيل الشهادة المفضي إلى إضاعة الحقوق واختلال شأن الأمن، قال القرافي في باب السياسة من كتاب "الذخيرة": "نص ابن أبي زيد في "النوادر" على أنا إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول؛ أقمنا للشهادة عليهم أصلحهم وأقلهم فجورا، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم لئلا تضيع المصالح". ثم قال القرافي: "وما أظن أحدا يخالفه في هذا؛ فإن التكليف شرطه الإمكان". "خ". وانظر: "النوازل" للعلمي "3/ 28".

فَصْلٌ: إِذَا تَقَرَّرَ تَصْوِيرُ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ؛ فَقَدْ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا، وَالْأَمْرُ فِيهَا وَاضِحٌ مَعَ تَأَمُّلِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ التَّقْرِيرِ، بَلْ هِيَ فِي اعْتِبَارِ الشَّرِيعَةِ بَالِغَةٌ مَبْلَغَ الْقَطْعِ لِمَنِ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ فِي مَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا، وَلَكِنْ إِنْ طَلَبَ مَزِيدًا فِي طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ؛ فَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جُمَلٌ: - مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي التَّجْرِيحِ بِمَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ، مِمَّا لَا يُجَرَّحُ بِهِ لَوْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ لِلْمُدَاوَمَةِ تَأْثِيرًا؛ لَمْ يَصِحَّ لَهُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمُدَاوَمِ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يُدَاوَمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، لَكِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا ذَلِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِقَةِ، وَأَنَّ الْمُدَاوَمَ عَلَيْهِ أَشَدُّ وَأَحْرَى مِنْهُ إِذَا لَمْ يُدَاوَمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرَهُ فِي الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ لِمَنِ اعْتَبَرَهُ كَافٍ. - وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ الشَّرِيعَةَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ بِاتِّفَاقٍ, وَتَقَرَّرَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُعْتَبَرَةَ هِيَ الْكُلِّيَّاتُ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ؛ إِذْ مَجَارِي الْعَادَاتِ كَذَلِكَ جَرَتِ الْأَحْكَامُ فِيهَا، وَلَوْلَا أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ أَضْعَفُ شَأْنًا فِي الِاعْتِبَارِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ بَلْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَجْرِ1 الْكُلِّيَّاتُ عَلَى حُكْمِ الِاطِّرَادِ، كَالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ, وَقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، مَعَ وُقُوعِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْآحَادِ، لَكِنِ الْغَالِبُ الصِّدْقُ؛ فَأُجْرِيَتِ الْأَحْكَامُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ حِفْظًا عَلَى الْكُلِّيَّاتِ، وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْجُزْئِيَّاتُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ, وَلَامْتَنَعَ الْحُكْمُ إلا بما هو معلوم، ولا طرح الظَّنُّ بِإِطْلَاقٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ, بَلْ حُكِمَ بِمُقْتَضَى ظن الصدق، وإن برز

_ 1 في "ط": "تجز" بالزي، ولها وجه.

بَعْدُ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ الْغَلَطُ فِي ذَلِكَ الظَّنِّ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا اطِّرَاحٌ لِحُكْمِ الْجُزْئِيَّةِ1 فِي حُكْمِ الْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ اخْتِلَافِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِحَسَبِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، وَأَنَّ شَأْنَ الْجُزْئِيَّةِ أَخَفُّ. - وَمِنْهَا: مَا جَاءَ فِي الْحَذَرِ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، [فَإِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ] 2 فِي عِلْمِهِ أَوْ عَمَلِهِ -إِذَا لَمْ تَتَعَدَّ لِغَيْرِهِ- فِي حُكْمِ زَلَّةِ غَيْرِ الْعَالِمِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ تَعَدَّتْ إِلَى غَيْرِهِ اخْتَلَفَ حُكْمُهَا، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِكَوْنِهَا جُزْئِيَّةً إِذَا اخْتَصَّتْ بِهِ وَلَمْ تَتَعَدَّ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ تَعَدَّتْ صَارَتْ كُلِّيَّةً بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ وَالِاتِّبَاعِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، أَوْ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوْلِ؛ فَصَارَتْ عِنْدَ الِاتِّبَاعِ عَظِيمَةً جِدًّا، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ عَلَى فَرْضِ اخْتِصَاصِهَا بِهِ، وَيَجْرِي مجراه كل من عمل عَمَلًا فَاقْتَدَى بِهِ فِيهِ؛ إِنْ صَالِحًا فَصَالِحٌ، وَإِنْ طَالِحًا فَطَالِحٌ، وَفِيهِ جَاءَ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً" 3، وَ "إِنَّ نَفْسًا تُقْتَلُ ظُلْمًا؛ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأول كفل منها؛ لأنه

_ 1 وإن كان هذا في أحكام وضعية لا الأحكام الخمسة التكليفية التي الكلام فيها؛ لأن الشهادة وقبولها من الأحكام الوضعية. ا. هـ. إلا أن يقال: إن مجاري العادات تدخلها الأحكام التكليفية أيضا، وأنت ترى أن هذه الأدلة الثلاثة إنما تدل على مجرد أصل الاختلاف بين الفعل الواحد كلا وجزءا، ولكن هل ذلك مطرد ومطرود بمعنى؟ وفي كل الأحكام الخمسة كما هي أصل الدعوى، أو في بعضها فقط؟ ا. هـ. "د". 2 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"م" و"خ". 3 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، 2/ 704-705/ رقم 1017"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة، 5/ 75-77"، والترمذي في "الجامع" "أبواب العلم، باب ما جاء فيمن دعا إلى هوى فاتبع أو إلى ضلالة/ رقم 2675"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب من سن سنة حسنة أو سيئة/ رقم 203"، وأحمد في "المسند" "4/ 357-359"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 175-176" من حديث جرير -رضي الله عنه- بلفظ: "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص =

أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" 1، وَقَدْ عُدَّتْ سَيِّئَةُ الْعَالِمِ كَبِيرَةً لِهَذَا السَّبَبِ, وَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا صَغِيرَةً، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَبْلُغُ الْقَطْعَ عَلَى كَثْرَتِهَا وَهِيَ تُوَضِّحُ مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ الْأَفْعَالِ تُعْتَبَرُ بِحَسَبِ الْجُزْئِيَّةِ والكلية، وهو المطلوب. المسألة الثالثة: اختلافات المباح الْمُبَاحُ يُطْلَقُ بِإِطْلَاقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَالْآخَرُ: مِنْ حَيْثُ يُقَالُ: لَا حَرَجَ فِيهِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فهو على أربعة أقسام2:

_ = من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". وكتب "خ" هنا ما نصه: "فيدخل في معنى "سن" السنن استنباط الرجل لأصل أو حكم شرعي ينبني عليه عمل صالح, أو ابتكاره مشروعا، أو نظاما له أثر في إصلاح شأن وتأييد قوة الدفاع عن حقوق البلاد كما يتناول إظهاره عملا نافعا يترتب على قيامه به بين الناس اقتداؤهم بأثره، وإن عرف حكمه من قبل، وسبب ورود الحديث كان من هذا القبيل؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله حين جاء رجل من الأنصار بصرة من وَرِق لتنفق على أناس من الأعراب كانوا في حاجه، ثم جاء آخر، وتتابع المسلمون على ذلك، وكذلك يجري معنى سن السنن السيئة على نظير هذا البيان". 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، 6/ 364/ رقم 3335"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، 3/ 1303-1304/ رقم 1677"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب تحريم الدم، باب منه، 7/ 81-82"، وابن أبي عاصم في "الديات" "ص23" وغيرهم من حديث ابن مسعود, رضي الله عنه. في "د": "لا تقتل ظلما", ولا معنى لزيادة "لا" في هذا الموضع؛ إلا إن كانت: "لا تقتل ... "، والتصحيح من الأصل. 2 انظر حولها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 460-462".

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَمْرٍ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَمْرٍ مَطْلُوبِ التَّرْكِ. وَالثَّالِثُ1: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِمُخَيَّرٍ فِيهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ، الْمَطْلُوبُ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ، الْمَطْلُوبُ التَّرْكِ بِالْكُلِّ، بِمَعْنَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ؛ فَرَاجِعَانِ إِلَى هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي. وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ أَنَّ الْمُبَاحَ -كَمَا مَرَّ- يَعْتَبَرُ بِمَا يَكُونُ خَادِمًا لَهُ إِنْ كَانَ خَادِمًا، وَالْخِدْمَةُ هُنَا2 قَدْ تَكُونُ في طرف الترك؛ كترك

_ 1 ستعرف أنه على ما قرره لا يكون هذا التقسيم ظاهرا؛ فلا يتأتى وجود الثالث والرابع. "د". وكتب ناسخ الأصل ما صورته: "قوله: والثالث أن يكون خادما لمخير فيه ... إلخ, فإن قيل عليه: انظر ما قرره في هذه من أن خادم المخير فيه من مطلوب الترك؛ فالكل مع ما يقرره فيما بعدها من أن المخير فيه مطلوب الفعل بالكل؛ إذ مقتضاه أن يكون خادمه مثله. قيل: الذي فيما بعدها هو أن مطلوب الفعل بالكل هو المخير فيه، وذلك يقتضي حصر المطلوب الكلي في المخير، فلا يلزم أن يكون كل مخير مطلوب الفعل؛ فلا تنافي بين كلاميه، ويدل عليه ما ذكره في هذه من أن القسم الثالث مثل الرابع؛ لأنه خادم له؛ فدل هذا على أن المخير فيه تارة يكون خادما لمطلوب الفعل بالكل، وتارة يكون خادما فيه غير خادم لشيء. 2 أي: في موضوع المباح قد تكون في طرف الترك، وقد تكون في طرف الفعل؛ أي: في كل من القسمين الأول والثاني، وإن اقتصر في التمثيل على جانب الترك في القسم الثاني, وجانب الفعل في القسم الأول، وتوضيح ذلك على هذا الفهم أن يقال: ترك سماع الغناء جزئيا خادم لترك =

الدَّوَامِ1 عَلَى التَّنَزُّهِ فِي الْبَسَاتِينِ، وَسَمَاعِ تَغْرِيدِ الْحَمَامِ، وَالْغِنَاءِ الْمُبَاحِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ2، وَقَدْ يَكُونُ3 فِي طَرَفِ الْفِعْلِ؛ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَلَالِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَإِنَّ الدَّوَامَ فِيهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ مَطْلُوبٌ، مِنْ حَيْثُ هُوَ خَادِمٌ لِمَطْلُوبٍ وَهُوَ أَصْلُ الضَّرُورِيَّاتِ4، بِخِلَافِ الْمَطْلُوبِ التَّرْكِ؛ فَإِنَّهُ5 خَادِمٌ لِمَا يُضَادُّهَا6، وَهُوَ الْفَرَاغُ من الاشتغال بها، والخادم للمخير فيه

_ = الدوام المطلوب، ونفس السماع خادم للمطلوب الترك وهو الكلي من اللهو، والتمتع بالطيبات خادم لكلي إقامة الضروري، وترك الجزئي خادم للترك الكلي المنهي عنه. وقد أشار إلى مطلوب الترك كليا فيما يخدمه من جانب الفعل؛ فقال: "بخلاف المطلوب الترك" يعني: الجزئي الذي يخدم كليا مطلوب الترك؛ فإنه يكون خادما لما يضادها وهو الفراغ في الاشتغال بها. ويحتمل أن يكون قوله "هنا"؛ أي: في خصوص مطلوب الفعل كليا، فإنه يكون بالترك؛ كمثال الغناء, وبالفعل كمثال الاستمتاع بالطيبات، وربما رشح هذا الاحتمال قوله بعد المثال الأول: "فإن ذلك هو المطلوب". "د". 1 لو قال: كترك التنزه في البساتين وسماع تغريد الحمام؛ فإنه مباح خادم لترك الدوام على التنزه وهو المطلوب، لكان جاريا مع بيانه بعد في طرف الفعل، ولظهر غرضه من أن مطلوب الفعل كما يخدمه الفعل يخدمه الترك إذا أجرينا كلامه على الاحتمال الثاني الذي أشرنا إليه. "د". 2 لأنه يخدم كليا مطلوبا هو إقامة الحياة. "د". 3 في النسخ المطبوعة: "تكون"؛ بالتاء المثناة الفوقية. 4 هو إقامة الحياة. "د". 5 أي: فعل جزئيه خادم؛ أي: فالمطلوب الترك كليا يخدمه فعل المباح، وعلى ما قررنا أولا قد يخدمه أيضا، أي: يحققه ويعين على حصوله ترك المباح، وذلك كترك الاستمتاع بالمباح كليا؛ فإنه مطلوب الترك، ويخدمه مباح أهله وترك الاستمتاع بها جزئيا، وإن كان قد اقتصر على بيان خدمته جانب الفعل كما أشرنا إليه. "د". 6 فإن الاشتغال باللهو الجزئي يتكون منه ومن جزئيات اللهو أمثاله فراغ من الاشتغال بالضروريات؛ فاللهو الجزئي خادم للهو الكلي الذي يضاد الضروريات. "د".

عَلَى حُكْمِهِ1. وَأَمَّا الرَّابِعُ؛ فَلَمَّا كَانَ غَيْرَ خَادِمٍ لِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ؛ كَانَ عَبَثًا، أَوْ كَالْعَبَثِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، فَصَارَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ [أَيْضًا] 2؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَادِمًا لِقَطْعِ الزَّمَانِ فِي غَيْرِ مُصْلِحَةِ دِينٍ وَلَا دُنْيَا، فَهُوَ إِذًا خَادِمٌ [لِمَطْلُوبِ3 التَّرْكِ؛ فَصَارَ مَطْلُوبَ] 4 التَّرْكِ بِالْكُلِّ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِثْلُهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ خَادِمٌ لَهُ؛ فَصَارَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ أَيْضًا. وَتُلَخَّصُ أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ لَيْسَ بِمُبَاحٍ بِإِطْلَاقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَاحٌ بِالْجُزْءِ خَاصَّةً، وَأَمَّا بِالْكُلِّ؛ فَهُوَ إِمَّا مَطْلُوبُ الْفِعْلِ، أَوْ مَطْلُوبُ التَّرْكِ. فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَا يَكُونُ هَذَا التَّقْرِيرُ نَقْضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ المباح هو المتساوي الطرفين؟

_ 1 أي: مخير فيه، هذا إذا كان المخدوم المحذوف جزئيا؛ كالمشي المباح لسماع الغناء مثلا؛ فلا ينافي أنه يأخذ -وهو كلي- حكما من الأحكام الباقية غير المباح، كما سبق، وبهذا يمكن تصوير مباح خادم لمخير، لكن قوله بعده: "والقسم الثالث مثله لأنه خادم له" يقتضي أنه خادم لمخير كلي, ويكون قوله في أول المسألة: "والثالث أن يكون خادما لمخير فيه"؛ أي: كلي, وقوله: "والرابع ألا يكون خادما لشيء من ذلك"؛ أي: إنه مباح لا يخدم كليا مطلقا، أو لا يخدم كليا مطلوب الفعل أو مطلوب الترك، ولا يخفى عليك أن هذا التقسيم بهذا المعنى لا يستقيم مع ما سبق من القاعدة التي أسهب في أدلتها، وهي أن المباح بالجزء لا بد أن يأخذ حكما آخر إذا نظر إليه كليا؛ فكيف يتصور أن يخدم المباح كليا مخيرا فيه أو كليا لا حكم له من الأحكام؟ على أنه سيصرح بأن القسمين الثالث والرابع من باب المطلوب الترك بالكل هو حكمه؛ فيقال: فيما يخدم المطلوب مطلوب بالكل، وما يخدم المنهي عنه، يقال: مطلوب بالترك بالكل، وكان يمكنه إدماجها في أثناء سابقتها؛ فتأمل. "د". 2 ليست في الأصل. 3 في الأصل: "المطلوب". 4 ليست في الأصل.

فَالْجَوَابُ أَنْ لَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ، وَهَذَا النَّظَرُ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُهُ بِالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ، فَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ هُنَا الْمُبَاحَ بِالْجُزْءِ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ؛ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَطْلُوبِ بِالْكُلِّ1، فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ الْحَسَنَ مَثَلًا مُبَاحُ اللُّبْسِ، قَدِ اسْتَوَى فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ؛ فَلَا قَصْدَ لَهُ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا مَعْقُولٌ وَاقِعٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْمُقْتَصَرِ بِهِ عَلَى ذَاتِ الْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ -مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ وِقَايَةٌ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَمُوَارٍ لِلسَّوْأَةِ، وَجَمَالٌ فِي النَّظَرِ- مَطْلُوبُ الْفِعْلِ، وَهَذَا النَّظَرُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ, وَلَا بِهَذَا الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ؛ فَهُوَ نَظَرٌ بالكل لا بالجزء. المسألة الرابعة: انواع المباح إِذَا قِيلَ فِي الْمُبَاحِ: إِنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ -وَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْإِطْلَاقَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ- فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا إِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بَعْدَ فَهْمِنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ الْقَصْدَ إِلَى التَّفْرِقَةِ: فَالْقِسْمُ الْمَطْلُوبُ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ هُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [الْبَقَرَةِ: 223] . وَقَوْلِهِ: {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] .

_ 1 يعني مثلا، وإلا؛ فالنظر إليه بالأمور الخارجية يجعله؛ إما من هذا، وإما من المسمى بالمطلوب الترك بالكل كما تقدم في اللهو، وبالجملة؛ فهذه المسألة لم تقرر قاعدة وأصلا زائدة على ما تقدم في المسألة قبلها، بل هي زيادة إيضاح لمسلك فهم مغايرة حكم الكلي للجزئي، وذلك باعتبار ضابط هو الخدمة، فما يخدمه الجزئي يأخذ هو حكمه؛ فيقال فيما يخدم المطلوب: مطلوب بالكل، وما يخدم المنهي عنه يقال: مطلوب الترك بالكل، وكان يمكنه إدماجها في أثناء سابقتها؛ فتأمل. "د".

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} [الْبَقَرَةِ: 58] . وَالْآيَةُ الْأُخْرَى فِي مَعْنَاهَا؛ فَهَذَا تَخْيِيرٌ حَقِيقَةً. وَأَيْضًا؛ فَالْأَمْرُ فِي الْمُطْلَقَاتِ -إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِبَاحَةِ- يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ حَقِيقَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [الْمَائِدَةِ: 2] . {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الْجُمْعَةِ: 10] . {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الْأَعْرَافِ: 160] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ إِطْلَاقَهُ -مَعَ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ- وَاضِحٌ فِي التَّخْيِيرِ فِي تِلْكَ الْوُجُوهِ؛ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْمَطْلُوبُ التَّرْكِ بِالْكُلِّ؛ فَلَا نَعْلَمُ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَةِ التَّخْيِيرِ فِيهِ نَصًّا، بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، أَوْ مُشَارٌ إِلَى بَعْضِهِ بِعِبَارَةٍ تُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ التَّخْيِيرِ الصَّرِيحِ؛ كَتَسْمِيَةِ الدُّنْيَا لَعِبًا وَلَهْوًا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لِمَنْ رَكَنَ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ اللَّهْوَ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِيهِ، وَجَاءَ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الْجُمْعَةِ: 11] ، وَهُوَ الطَّبْلُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لُقْمَانَ: 6] . وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ1: حَدِّثْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ -حِينَ مَلُّوا مَلَّةً- فَأَنْزَلَ اللَّهُ, عَزَّ وَجَلَّ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر: 23] . وفي الحديث: "كل لهو باطل " 2.

_ 1 تقدم تخريجه "ص50". 2 تقدم تخريجه "ص202". وكتب "خ" هنا ما نصه: "وذكر القوس بجانب الرمي؛ لأنه المعروف في ذلك العصر، والحكم =

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ مَعَ التَّخْيِيرِ فِي الْغَالِبِ، فَإِذَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُقَدَّرَةً1، أَوْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ الْفُسْحَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ2 أَوْ بَعْضِ الْأَحْوَالِ؛ فَمَعْنَى نَفْيِ الْحَرَجِ عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "وَمَا سُكِتَ عَنْهُ؛ فَهُوَ عفو" 3؛ أي: مما عفا عَنْهُ، وَهَذَا إِنَّمَا يُعَبَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ،

_ = من حيث المعنى شامل لسائر أنواع الرماية على اختلاف آلاتها، كما أن العلة في استثناء تأديب الفرس من الباطل، وهي التوسل به إلى القيام بواجب الجهاد تقتضي أن يلحق بالفرس في استحسان العناية بها والتدرب على إدارة عنانها حسب الإرادة كل ما اخترع من المراكب البحرية والبرية والجوية، وتعين اتخاذه في وسائل الدفاع عن البلاد وحماية الحقوق. "خ". قلت: ويلحق بالرمي بالنشاب الأسلحة النارية في أيامنا، ومن الغباوة الجمود على الرمي بالنصل على ظاهر الحديث؛ فإن التحريض عليه ليس إلا للجهاد، وليس فيه معنى وراءه، ولما لم يبق الجهاد بالنشاب والأقواس؛ لم يبق فيه معنى مقصود، فلا تحريض فيها، ومن هذه الغباوة ذهبت سلطنة "بخارى", حيث استفتى السلطان من علماء زمانه بشراء بعض الآلات الكائنة في زمنه؛ فمنعوه، وقالوا: إنها بدعة، فلم يدعوه أن يشتريها، حتى كانت عاقبة أمرهم أنهم انهزموا، وتسلط عليهم الروس، ونعوذ بالله من الجهل، قاله الكشميري في "فيض الباري شرح صحيح البخاري" "3/ 435" ونحوه عند المطيعي في "تكملة المجموع" "15/ 203"، والساعاتي في "الفتح الرباني" "13/ 130". 1 أي: بحال مخصوصة كما ورد: "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف"، وكما ورد في سؤاله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة لما حضرت زواج الجارية الأنصارية: "أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو" "د". 2 كما ورد في لعب الحبشة في المسجد يوم العيد. "د". 3 أخرج الحاكم في "المستدرك" "2/ 375"، والبزار في "مسنده" "رقم 123، 2231، 2855- زوائده"، والبيهقي في "الكبرى" "10/ 12" عن أبي الدرداء مرفوعا: "ما أحل الله في كتابه؛ فهو حلال، وما حرم؛ فهو حرام، وما سكت عنه؛ فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئا ". وإسناده حسن، ورجاله موثقون؛ كما قال الهيثمي في "المجمع" "1/ 171"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وقال البزار: "إسناده صالح"، وحسن إسناده شيخنا الألباني في "غاية المرام" "رقم 2". وفي الباب عن سلمان وعائشة وابن عمر ومرسل الحسن وعن ابن عباس موقوفا.

إشعار بِأَنَّ فِيهِ مَا يُعْفَى عَنْهُ، أَوْ مَا هُوَ مَظِنَّةٌ عَنْهُ، أَوْ هُوَ مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ فِيمَا تَجْرِي بِهِ الْعَادَاتُ. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ؛ أَنَّ الْوَاحِدَ1 صَرِيحٌ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْجُنَاحِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ2 يَلْزَمُهُ الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إِنْ قِيلَ بِهِ؛ إِلَّا أَنْ قَصْدَ اللَّفْظِ فِيهِ نَفْيُ الْإِثْمِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْإِذْنُ؛ فَمِنْ بَابِ "مَا لَا يَتِمُّ3 الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ"، أَوْ مِنْ بَابِ "الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ أم لا"، و"النهي عَنِ الشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ4 أَمْ لَا"، وَالْآخَرُ صَرِيحٌ فِي نَفْسِ التَّخْيِيرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَلْزَمُهُ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ؛ فَقَصْدُ اللَّفْظِ فِيهِ التَّخْيِيرُ خَاصَّةً، وَأَمَّا رَفْعُ الْحَرَجِ؛ فَمِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ رَفْعَ الْجُنَاحِ5 قَدْ يَكُونُ مَعَ الْوَاجِبِ؛ كقوله تعالى:

_ 1 أي: من هذين الإطلاقين للمباح، وهو ما لا حرج فيه. "د". 2 أي: وقد لا يلزمه الإذن فيهما، كما سيأتي له أنه يكون مع مخالفة المندوب ومع الواجب الفعل. "د". 3 أي: شبيه بهذه الأبواب وقريب من طريقها لا أنه منها حقيقة كما هو ظاهر. "د". 4 أورد المصنف هذه المسائل الثلاث على سبيل التنظير لوجه استلزام معنى نفي الحرج للإذن في الفعل والترك؛ فاللفظ المعبر به عن رفع الجناح يتضمن الإذن في الفعل والترك، كما أن الأمر بالواجب يتضمن طلب ما لا يتم ذلك الواجب إلا به، والأمر بالشيء يتضمن ترك كل ما هو ضد له، والنهي عن الشيء يتضمن فعل أحد أضداده. "خ". 5 أي: على هذا الفرق بين الإطلاقين، وهذا أظهر الأدلة الثلاثة، وإن كان لا يطلق عليه لفظ المباح حتى يدرج في هذا القسم؛ فالاستدلال من حيث إن كلمة رفع الجناح عامة ولا تقتضي التخيير. "د".

{فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [الْبَقَرَةِ: 158] . وَقَدْ يَكُونُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْمَنْدُوبِ؛ كَقَوْلِهِ: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} 1 [النَّحْلِ: 106] . فَلَوْ كان رفع الجناح يَسْتَلْزِمُ التَّخْيِيرَ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؛ لَمْ يَصِحَّ مَعَ الْوَاجِبِ، وَلَا مَعَ مُخَالَفَةِ الْمَنْدُوبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّخْيِيرُ الْمُصَرَّحُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ وَاجِبًا دُونَ التَّرْكِ، وَلَا مَنْدُوبًا، [وَبِالْعَكْسِ] 2. وَالثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ مَفْهُومٌ مِنْهُ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى تَقْرِيرِ الْإِذْنِ فِي طَرَفَيِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَأَنَّهُمَا عَلَى سَوَاءٍ فِي قَصْدِهِ، وَرَفْعُ الْحَرَجِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَأَمَّا لَفْظُ رَفْعِ الْجُنَاحِ؛ فَمَفْهُومُهُ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى رَفْعِ الْحَرَجِ فِي الْفِعْلِ إِنْ وَقَعَ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَبَقِيَ الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لَهُ، لَكِنْ بِالْقَصْدِ الثَّانِي, كَمَا فِي الرُّخَصِ؛ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى رَفْعِ الْحَرَجِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي أَحَدِهِمَا مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْآخَرِ، وَبِالْعَكْسِ، فَلِذَلِكَ إِذَا قَالَ الشَّارِعُ فِي أَمْرٍ وَاقِعٍ: "لَا حَرَجَ فِيهِ"؛ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا3، فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا حَرَجَ فِيهِ؛ فَلْيُتَفَقَّدْ هَذَا فِي الْأَدِلَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِيهِ على

_ 1 ليس في الآية لفظ رفع الجناح، ولكن فيها ما يفهمه، ولذلك أدرجها فيما فيه رفع الجناح مع أنه خلاف المندوب، وسيذكر في الدليل الثاني لفظ التخيير ولفظ رفع الحرج؛ فلا يتوهمن أن كلامه قاصر هناك على ما فيه اللفظان، بل غرضه اللفظ الدال على التخيير، وكذا اللفظ الدال على رفع الحرج، ولو لم يكن بعبارة التخيير ولا بعبارة الحرج. "د". 2 ليست في الأصل. 3 الجاري على ما سبق أن يقول: "وقد يكون واجبا أيضا". "د".

الْإِطْلَاقِ، أَنَّ1 الْمُخَيَّرَ فِيهِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْخَادِمُ لِلْمَطْلُوبِ الْفِعْلِ؛ صَارَ خَارِجًا عَنْ مَحْضِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، بَلِ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِيهِ مُقَيَّدٌ وَتَابِعٌ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، فَصَارَ الدَّاخِلُ فِيهِ دَاخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ بِالْكُلِّ؛ فَلَمْ يَقَعِ التَّخْيِيرُ فِيهِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْجُزْءُ، وَلَمَّا كَانَ مَطْلُوبًا بِالْكُلِّ؛ وَقَعَ تَحْتَ الْخَارِجِ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ عَرَفْنَا اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ بِالْكُلِّيَّاتِ، وَالْقَصْدَ إِلَيْهَا فِي التَّكَالِيفِ؛ فَالْجُزْئِيُّ الَّذِي لَا يَخْرِمُهُ لَيْسَ بِقَادِحٍ فِي مُقْتَضَاهُ، وَلَا هُوَ مُضَادٌّ لَهُ، بَلْ هُوَ مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ فَاتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْمُخَيَّرِ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِاتِّبَاعِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ الْكُلِّيِّ، فَلَا ضَرَرَ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى هُنَا؛ لِأَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا اتِّبَاعُ الْهَوَى فِيهِ خَادِمٌ لَهُ. وَأَمَّا قِسْمُ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ؛ فَيَكَادُ يَكُونُ شَبِيهًا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى الْمَذْمُومِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَالْمُضَادِّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي طَلَبِ النَّهْيِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنَّهُ لِقِلَّتِهِ، وَعَدَمِ دَوَامِهِ، وَمُشَارَكَتِهِ لِلْخَادِمِ الْمَطْلُوبِ الْفِعْلِ بِالْعَرَضِ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ لَمْ يُحْفَلْ2 بِهِ، فَدَخَلَ تَحْتَ الْمَرْفُوعِ الْحَرَجِ؛ إِذِ الْجُزْئِيُّ مِنْهُ لَا يَخْرِمُ أَصْلًا مَطْلُوبًا، وَإِنْ كَانَ فَتْحًا لِبَابِهِ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ حَتَّى يَجْتَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَالِاجْتِمَاعُ مُقَوٍّ، وَمِنْ هُنَالِكَ يَلْتَئِمُ الْكُلِّيُّ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُضَادُّ لِلْمَطْلُوبِ فِعْلِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَاتِّبَاعِ الْهَوَى مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ3 تَحْتَ كُلِّيِّ أَمْرٍ، اقْتَضَتِ الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ أن لا يكون

_ 1 في الأصل: "وأن". 2 في الأصل: "يجعل". 3 بخلاف المخير؛ فإنه داخل تحت كلي أمر؛ فإنه كلية* مأمور به. "د".

مخيرا فيه؛ تصريحا1 بِمَا تَقَدَّمَ فِي قَاعِدَةِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَأَنَّهُ مُضَادٌّ لِلشَّرِيعَةِ، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ] 2. الْمَسْأَلَةُ الخامسة: وصف المباح إِنَّ الْمُبَاحَ إِنَّمَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُبَاحًا إِذَا اعْتُبِرَ فِيهِ حَظُّ الْمُكَلَّفِ فَقَطُّ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ؛ كَانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ -كَمَا تَقَدَّمَ- هُوَ مَا خُيِّرَ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، بِحَيْثُ لَا يُقْصَدُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ إِقْدَامٌ وَلَا إِحْجَامٌ؛ فَهُوَ إِذًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي التَّرْكِ، وَلَا حَاجِيٌّ، وَلَا تَكْمِيلِيٌّ، مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَيْلِ حَظٍّ عَاجِلٍ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي يُقَالُ: "لَا حَرَجَ فِيهِ" أَوْلَى أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إِلَى الْحَظِّ، وَأَيْضًا3؛ فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ رَاجِعَانِ إِلَى حِفْظِ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ أَوْ حَاجِيٌّ، أَوْ تَكْمِيلِيٌّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّارِعِ قَصْدُهُ إِلَيْهِ، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مُجَرَّدُ نَيْلِ حَظٍّ، وَقَضَاءِ وَطَرٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى انْحِصَارِ الْأَمْرِ فِي الْمُبَاحِ فِي حَظِّ الْمُكَلَّفِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ رَاجِعَانِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ لَا إِلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ؟ ولعل

_ 1 في الأصل: "فتصريحا"، وفي "د": "فتصريح"، وكتب المعلق عليه: "ينظر في تصحيح التركيب"، والمثبت من "ط". 2 زيادة من الأصل و"ط". 3 ليس بعيدا عن الدليل الأول؛ فإنه يفيد أن الشارع قصد المأمور به والمنهي عنه لما يترتب على ذلك من حفظ الأمور الثلاثة، بخلاف المباح؛ فلم يقصده بفعل ولا ترك؛ لأنه لا يترتب عليه شيء من ذلك؛ فكان بمجرد اختيار المكلف وتابعا لهواه المحض وحظه الصرف، وهو الدليل الأول بعينه، غايته أن الأول سلك إلى الغرض من جهة المباح مباشرة، وهذا بواسطة الأمر والنهي؛ فهو تصوير آخر لنفس الدليل. "د".

بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ يَصِحُّ فِيهِ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ، كَمَا صَحَّ فِي بَعْضِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ جِهَةِ الْحَظِّ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ؛ أَنَّ الشَّرَائِعَ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ؛ فَالْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ، وَالتَّخْيِيرُ، جَمِيعًا رَاجِعَةٌ إِلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ وَمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْحُظُوظِ، مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ؛ غَيْرَ أَنَّ الْحَظَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: دَاخِلٌ تَحْتَ الطَّلَبِ، فَلِلْعَبْدِ أَخْذُهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ؛ فلا يكون ساعيا في حضه, وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفُوتُهُ حَظُّهُ، لَكِنَّهُ آخِذٌ لَهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ لَا مِنْ حَيْثُ بَاعِثُ نَفْسِهِ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ بَرِيئًا مِنَ الْحَظِّ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَظُّ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ فَطَلَبَهُ1 مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ صَارَ حَظُّهُ تَابِعًا لِلطَّلَبِ، فَلَحِقَ بِمَا قَبْلَهُ فِي التَّجَرُّدِ عَنِ الْحَظِّ، وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَالثَّانِي: غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الطَّلَبِ؛ فَلَا يَكُونُ آخِذًا لَهُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ إِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ بِالْفَرْضِ، فَهُوَ قَدْ أَخَذَهُ إِذًا مِنْ جِهَةِ حَظِّهِ، فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُبَاحِ: إِنَّهُ الْعَمَلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ، الْمَقْصُودُ بِهِ مُجَرَّدُ الْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ خَاصَّةً. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ، وَالتُّرُوكُ بِالْمَقَاصِدِ2، فَإِذَا عَرِيَتْ عَنِ الْمَقَاصِدِ؛ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عليه في

_ 1 بصيغة الفعل؛ فصح قوله: "صار حظه ... إلخ". "د". 2 أي: النيات. "ماء".

الْجُمْلَةِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَيْهِ لَا تَقْصُرُ عَنْ مَبْلَغِ الْقَطْعِ1، وَمَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَعْمَالِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَحْسُوسَةٌ فَقَطُّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا عَلَى حَالٍ؛ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ خَاصَّةً2، أَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَالْقَاعِدَةُ مُسْتَمِرَّةٌ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا الْمَقَاصِدُ؛ كَانَ مَجَرَّدُهَا فِي الشَّرْعِ بِمَثَابَةِ حَرَكَاتِ الْعَجْمَاوَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَالْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا عَقْلًا وَلَا سَمْعًا؛ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهَا. وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا لَا حُكْمَ لَهَا فِي الشَّرْعِ بِأَنْ يُقَالَ فِيهَا: جَائِزٌ، أَوْ مَمْنُوعٌ، أَوْ وَاجِبٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِهَا مِنَ الْبَهَائِمِ. وَفِي الْقُرْآنِ: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الْأَحْزَابِ: 5] . وَقَالَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . قَالَ: "قد فعلت" 3.

_ 1 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "18/ 256 و26/ 23-29". 2 يمتاز خطاب التكليف عن خطاب الوضع بأنه لا يتعلق إلا بفعل المكلف المكسوب له، وشرط صحته علم المكلف به وقصده إليه، أما خطاب الوضع؛ فقد يتعلق بفعل غير المكلف كوجوب ضمان ما يتلفه الصبي أو الدية، ويتعلق بغيره بما لا كسب له فيه؛ كوجوب الدية على العاقلة في قتل الخطأ، ولا يشترط في نفاذه علم المكلف أو قصده؛ فيتقرر له الإرث بموت من يحق له إرثه، ويطلق عليه الحاكم زوجته بثبوت الضرر وإن كان غائبا. "خ". 3 قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، 1/ 116/ رقم 126"، والترمذي في "الجامع" "رقم 2992"، وأحمد في "المسند" "1/ 233"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 286"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 5046" من حديث ابن عباس, رضي الله عنهما.

وَفِي مَعْنَاهُ رُوِيَ الْحَدِيثُ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 1، وَإِنْ لَمْ يصح سندا؛ فمعناه متفق على صحته.

_ 1 أخرجه ابن عدي في "الكامل" "2/ 573"، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" "1/ 90-91" من طريق جعفر بن جسر عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة مرفوعا: "رفع الله -عز وجل- عن هذه الأمة الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه"، وإسناده ضعيف، فيه جعفر بن جسر في حفظه اضطراب شديد، كان يذهب إلى القدر, وحدث بمناكير، وأبوه مضعف. انظر: "الميزان" "1/ 403-404". وأخرجه الفضل بن جعفر التميمي المعروف بـ"أخي عاصم" في "فوائده" -كما في "التلخيص الحبير" "1/ 283"- من حديث ابن عباس: "رفع الله عن أمتي ... "، وعزاه بلفظ المصنف السيوطي في "الجامع الصغير" "2/ 16" إلى الطبراني من حديث ثوبان، وهو خطأ، ولفظ الطبراني في "الكبير" "2/ 94/ رقم 1430": "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ ... "، وتابع السيوطي على هذا الوهم: المناوي في "الفيض" "4/ 35"، وأقر السيوطي شيخنا الألباني في "صحيح الجامع" "رقم 3515"، ولكنه نبه في "الإرواء" "رقم 82" أنه منكر بلفظ: "رفع عن أمتي.. . ". وأخرجه ابن ماجه في "السنن" "كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، 1/ 659/ رقم 2045" من طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس رفعه بلفظ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي.. . ". وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" "3/ 95"، والدارقطني في "سننه" "4/ 170-171"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 198"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 356"، وابن حبان في "صحيحه" "رقم 2045"، وابن حزم في "الإحكام" "5/ 149" من طريق الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس مرفوعا. وهذا إسناد صحيح، وقد أعله أحمد في "العلل" "1/ 227" بالنكرة، وأبو حاتم في "العلل" "1/ 431" بالانقطاع؛ فقال: "لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء"!! ورجح شيخنا الألباني في "الإرواء" "رقم 82" صحة هذا الطريق، وعلى كلٍّ؛ الحديث له شواهد عديدة، ولحديث ابن عباس طرق كثيرة يصل معها إلى درجة الصحة، وحسنه النووي في "أربعينه" "رقم 39"، ولأحمد الغماري جزء بعنوان: "شهود العيان بثبوت حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"، وصححه ابن حبان والضياء المقدسي والذهبي والسخاوي في "المقاصد" "ص229" وجماعة.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ" 1؛ فَذَكَرَ "الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ حَتَّى يُفِيقَ"؛ فَجَمِيعُ هَؤُلَاءِ لَا قَصْدَ لَهُمْ، وَهِيَ الْعِلَّةُ فِي رَفْعِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ. وَالثَّالِثُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَتَكْلِيفُ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ2. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا فِي الطَّلَبِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ؛ فَلَا تَكْلِيفَ فِيهِ، قِيلَ: مَتَى صَحَّ [تَعَلُّقُ التَّخْيِيرِ؛ صَحَّ] 3 تَعَلُّقُ الطَّلَبِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْمُخَيَّرِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ غَيْرَ قَاصِدٍ، هَذَا خُلْفٌ. وَلَا يُعْتَرَضُ هَذَا بِتَعَلُّقِ الْغَرَامَاتِ وَالزَّكَاةِ بِالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الوضع، وكلامنا في خطاب التكليف، ولا

_ 1 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق، 4/ 558/ رقم 4398"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الطلاق, باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، 6/ 156"، وابن ماجه في السنن" "كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم, 1/ 657/ رقم 2041"، وأحمد في "المسند" "6/ 100-101، 144"، وإسحاق بن راهويه في "المسند" "رقم 1713"، والدارمي في "السنن" "2/ 171", وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 148"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 1496- موارد", والحاكم في "المستدرك" "2/ 59"، وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين" "رقم 1003" من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وإسناده صحيح. وفي الباب عن علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس وأبي قتادة -رضي الله عنهم- ولا يتسع المقام للتفصيل. 2 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "1/ 344-348 و22/ 100-102". 3 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

بِالسَّكْرَانِ1؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّسَاءِ: 43] ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ2؛ وَلِأَنَّهُ فِي عُقُودِهِ وَبُيُوعِهِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَمَا حُجِرَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَفِي سِوَاهُمَا3 لَمَّا أَدْخَلَ السُّكْرَ عَلَى نَفْسِهِ؛ كَانَ كَالْقَاصِدِ لِرَفْعِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ فَعُومِلَ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، أَوْ لِأَنَّ الشُّرْبَ سَبَبٌ لِمَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ، فَصَارَ اسْتِعْمَالُهُ4 لَهُ تَسَبُّبًا فِي تِلْكَ الْمَفَاسِدِ، فَيُؤَاخِذُهُ الشَّرْعُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا، كَمَا وَقَعَتْ مُؤَاخَذَةُ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ بِكُلِّ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا، وَكَمَا يُؤَاخَذُ الزَّانِي بِمُقْتَضَى الْمَفْسَدَةِ فِي اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ غَيْرُ الْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ فالأصل صحيح، والاعتراض عليه غير وارد.

_ 1 السكران المنتشي وهو من لا يزال حاضر الذهن بحيث يتصور معنى الخطاب يجري في التكليف على حكم العقلاء بإجماع، أما الطافح الذي اختل شعوره وأخذ يقذف بالهذيان؛ فلا ينفذ عليه ما يصدر عنه من إقرار وعقود ومعاملات، ولكن يخاطب بعد الإفاقة بقضاء ما أدركه من الواجبات؛ كالصوم، والصلاة، ويؤاخذ بما يقترفه من الجناية على الأنفس أو الأموال، واختلف الأئمة في حكم طلاقه؛ فنفذه عليه قوم، وعده آخرون لاغية، قال ابن رشد في "بداية المجتهد": "وثبت عَنْ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ كَانَ لا يرى طلاق السكران، وزعم بعض أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان في ذلك من الصحابة"، وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" الثابت عن الصحابة الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم؛ أن السكران لا يقع طلاقه. "خ". 2 الجواب: أن النهي عائد إلى السكر عند إرادة الصلاة كما يقال لمن أراد التهجد: لا تتهجد وأنت شبعان، والمراد: لا تملأ بطنك بالطعام إن كنت تريد التهجد حتى تنهض إليه بنشاط وتقبل عليه بصفاء نفس وارتياح, والنهي على هذا الوجه يقتضي أن لا يتناولوا الخمر حيث يعلمون أن أثرها من السكر يستغرق وقت الصلاة "خ". 3 في "ط": "وفيما سواها". 4 فقد استعمله وهو عاقل يعلم أنه يجر إلى مفاسد كثيرة وإن لم يقصد حصولها فيؤاخذ بها، والزاني ما شددت عليه العقوبة بالجلد والقتل إلا للمآلات التي قد تسبب عن فعله، وهو يعرف هذا التسبب وإن لم يقصده من الفعل، ولا خطر بباله حينه، وسيأتي في المسألة الثامنة من السبب؛ أن إيقاع المسبب بمنزلة إيقاع السبب، قصد ذلك المسبب أو لا. "د".

المسألة السابعة: المندوب الْمَنْدُوبُ إِذَا اعْتَبَرْتَهُ اعْتِبَارًا أَعَمَّ1 مِنَ الِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَجَدْتَهُ خَادِمًا لِلْوَاجِبِ لِأَنَّهُ إِمَّا مُقَدِّمَةٌ لَهُ، [أَوْ تَكْمِيلٌ لَهُ] 2، أَوْ تِذْكَارٌ بِهِ، كان من جنس الواجب أو لا. فَالَّذِي مِنْ جِنْسِهِ؛ كَنَوَافِلِ الصَّلَوَاتِ مَعَ فَرَائِضِهَا، وَنَوَافِلِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ فَرَائِضِهَا. وَالَّذِي مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ كَطَهَارَةِ الْخَبَثِ فِي الْجَسَدِ وَالثَّوْبِ وَالْمُصَلَّى، وَالسِّوَاكِ، وَأَخْذِ الزِّينَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ الصَّلَاةِ، وَكَتَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ، وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ، وَكَفِّ اللِّسَانِ عَمَّا لَا يَعْنِي مَعَ الصِّيَامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ لَاحِقٌ بِقِسْمِ الْوَاجِبِ بِالْكُلِّ، وَقَلَّمَا يَشِذُّ عَنْهُ مَنْدُوبٌ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِالْكُلِّ وَالْجُزْءِ، وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرًا، وَلَكِنْ مَا تَقَدَّمَ مُغْنٍ3 عنه بحول الله.

_ 1 يريد في هذه المقدمة أن يتوسع في أن المندوب بالجزء يكون واجبا بالكل؛ فيجعله شاملا لغير السنن المؤكدة ورواتب النوافل التي اقتصر عليها في الفصل الأول من المسألة الثانية، ويقول: إنه قلما يشذ مندوب عن ذلك. "د". 2 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"م" و"خ". 3 مدار الدليل فيما تقدم أن تركها جملة واحدة يجرح التارك لها، وأيضا؛ فإنه مؤثر في أوضاع الدين, فهل هذا وذاك يجري هنا في المندوبات التي لا كراهة في تركها وليست كالسنن التي بنى عليها القاعدة السابقة؟ فإذا كان لا كراهة في تركها؛ فكيف يجرح التارك لها؟ وكيف تؤثر على أوضاع الدين؟ فالموضع يحتاج إلى فضل نظر في ذاته وفي دعوى أن ما تقدم يغني* هنا. "د".

فَصْلٌ: الْمَكْرُوهُ إِذَا اعْتَبَرْتَهُ كَذَلِكَ مَعَ الْمَمْنُوعِ؛ كَانَ كَالْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ، وَبَعْضُ الْوَاجِبَاتِ مِنْهُ مَا يَكُونُ مَقْصُودًا، وَهُوَ أَعْظَمُهَا، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً وَخَادِمًا لِلْمَقْصُودِ1؛ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالْأَذَانِ لِلتَّعْرِيفِ بِالْأَوْقَاتِ وَإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ مَعَ الصَّلَاةِ، فَمِنْ حَيْثُ كَانَ وَسِيلَةً حُكْمُهُ مَعَ الْمَقْصُودِ حُكْمُ الْمَنْدُوبِ مَعَ الْوَاجِبِ يَكُونُ وُجُوبُهُ بِالْجُزْءِ دُونَ2 وُجُوبِهِ بِالْكُلِّ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْمَمْنُوعَاتِ مِنْهُ مَا يَكُونُ مَقْصُودًا، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً لَهُ؛ كَالْوَاجِبِ حَرْفًا بحرف؛ فتأمل ذلك. المسألة الثامنة: الواجبات أو المندوبات مَا حَدَّ لَهُ الشَّارِعُ وَقْتًا مَحْدُودًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ أَوِ الْمَنْدُوبَاتِ؛ فَإِيقَاعُهُ فِي وَقْتِهِ لَا تَقْصِيرَ فِيهِ شَرْعًا، وَلَا عَتْبَ، وَلَا ذَمَّ، وَإِنَّمَا الْعَتْبُ وَالذَّمُّ فِي إِخْرَاجِهِ عَنْ وَقْتِهِ، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا أَوْ مُوَسَّعًا3؛ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَدَّ الْوَقْتِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى قَصَدَهُ الشَّارِعُ، أَوْ لِغَيْرِ مَعْنًى، وَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مَعْنًى؛ فَلَمْ يَبْقَ إلا أن يكون لمعنى، وذلك المعنى

_ 1 في "م": "المقصود". 2 أي: فلا يتأكد الوجوب فيه تأكده في المقصود، وينبني عليه أن إثم تركه والثواب على فعله لا يساوي الواجب المقصود. "د". 3 بنى المسألة على مذهب الجمهور في الموسع، وهو أن هناك وقتا موسعا لبعض المطلوبات لو أوقعها المكلف في أي جزء منه لا إثم فيه، ويريد هنا أن يقول: بل ولا تقصير ولا عتب أيضا، والأفضلية في السبق أول الوقت شيء آخر لا يلزم منه أن يكون إيقاعه آخر الوقت تقصيرا موجبا للعتاب. "د". قلت: وانظر في تحقيق المسألة "مجموع فتاوى ابن تيمية" "19/ 299-302".

هُوَ أَنْ يُوقَعَ الْفِعْلُ فِيهِ، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ؛ فَذَلِكَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ ذَلِكَ التَّوْقِيتِ، وَهُوَ يَقْتَضِي -قَطْعًا- مُوَافَقَةَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ فِيهِ عَتْبٌ أَوْ ذَمٌّ؛ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِمُخَالَفَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي إِيقَاعِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْعَتْبُ بِسَبَبِهِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مُوَافِقًا، هذا خلف. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْعَتْبُ، لَيْسَ مِنَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّا قَدْ فَرَضْنَا الْوَقْتَ الْمُعَيَّنَ مُخَيَّرًا فِي أَجْزَائِهِ إِنْ كَانَ مُوَسَّعًا، وَالْعَتْبُ مَعَ التَّخْيِيرِ مُتَنَافِيَانِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، هَذَا خُلْفٌ مُحَالٌ، وَظُهُورُ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى دَلِيلٍ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ثَبَتَ أَصْلُ طَلَبِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَابَقَةِ إِلَيْهَا، وَهُوَ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِذَا1 كَانَ السَّبْقُ إِلَى الْخَيْرَاتِ مَطْلُوبًا بِلَا بُدٍّ؛ فَالْمُقَصِّرُ عَنْهُ مَعْدُودٌ فِي الْمُقَصِّرِينَ وَالْمُفَرِّطِينَ، وَلَا شك أن من كان هكذا؛ فالعتب2 لَاحِقٌ بِهِ فِي تَفْرِيطِهِ وَتَقْصِيرِهِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ لَا عَتْبَ عَلَيْهِ؟ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْقِيقِ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ الله، وآخره عفو الله"3؛ قال:

_ 1 في "د": "إذا" بدون واو، وفي الأصل و"خ": "وإن". 2 تحرفت في "د": "فالمتعب" بتقديم المثناة. 3 أخرجه الدارقطني في "السنن" "1/ 249"، ومن طريقه أحمد عيسى المقدسي في "فضائل جرير" "2/ ق 238/ ب"، وابن الجوزي في "التحقيق" "1/ 647- مع التنقيح" عن جرير بن عبد الله بسند واه بمرة، فيه عبيد بن القاسم، متروك، كذبه ابن معين واتهمه أبو داود بالوضع. وأخرجه الترمذي في "الجامع" "رقم 272"، والدارقطني في "السنن" "1/ 249"، وابن =

رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ عَفْوِهِ؛ فَإِنَّ رِضْوَانَهُ لِلْمُحْسِنِينَ، وَعَفْوَهُ عَنِ الْمُقَصِّرِينَ. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا؛ فَقَدْ قال في المسافرين يقدمون.

_ = عدي في "الكامل" "7/ 2606"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 189"، والبيهقي في "الكبرى" "1/ 435"، وابن الجوزي في "الواهيات" "1/ 388" من طريق يعقوب بن الوليد، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا ... فذكره، قال ابن حبان في "المجروحين" "3/ 138": "ما رواه إلا يعقوب بن الوليد المدني". قلت: وهو متهم بالكذب، قال أحمد: "كان من الكذابين الكبار", وقال الحاكم: "يعقوب بن الوليد هذا شيخ من أهل المدينة، سكن بغداد، وليس من شرط هذا الكتاب؛ إلا أنه شاهد". قلت: لا يفرح به؛ فالشاهد كالعاضد؛ فما فائدته إذا لم تكن فيه قوة؟! وهذا ساقط ولذا تعقبه الذهبي بقوله: "يعقوب كذاب"، وقال ابن عدي: "هذا الحديث بهذا الإسناد باطل". وله شاهد من حديث أنس -رضي الله عنه- أخرجه ابن عدي في "الكامل" "2/ 509"، وعنه ابن الجوزي في "الواهيات" "1/ 388" من طريق بقية بن الوليد عن عبد الله مولى عثمان بن عفان حدثني عبد العزيز حدثني محمد بن سيرين عن أنس بن مالك؛ فذكره مرفوعا. قال ابن عدي: "وهذا بهذا الإسناد لا يرويه غير بقية، وهو من الأحاديث التي يحدث بها بقية عن المجهولين؛ لأن عبد الله مولى عثمان، وعبد العزيز الذي ذكر في هذا الإسناد لا يعرفان ... " وتبعه ابن الجوزي. وآخر من حديث أبي محذورة -رضي الله عنه- أخرجه ابن عدي "1/ 255" من طريق إبراهيم بن زكريا ثنا إبراهيم بن أبي محذورة مؤذن مسجد مكة؛ قال: حدثني أبي، عن جدي مرفوعا ... فذكره. قال ابن عدي: "وهذا الحديث بهذا الإسناد يرويه إبراهيم بن زكريا". قلت: وإبراهيم كان يحدث عن الثقات بالبواطيل كما قال ابن عدي، قال ابن حبان: "يأتي عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، إن لم يكن بالمتعمد؛ فهو المدلس عن الكذابين ... ". وبالجملة؛ فالحديث ضعيف جدا، بل قال أبو حاتم: "موضوع"؛ كما في "نصب الراية" "1/ 127". وذكر الزيلعي في "نصب الراية" "1/ 243" أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث؛ فقال: "من روى هذا؟ ليس هذا يثبت". وقد ضعفه جماعة، وورد نحوه في أحاديث فيها مقال، انظر: "تنقيح التحقيق" "1/ 646 وما بعدها"، و"الإرواء" "رقم 259"، وسيأتي تضعيف المصنف له "ص246".

الرَّجُلَ لِسِنِّهِ يُصَلِّي1 بِهِمْ فَيُسْفِرُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، قَالَ: "يُصَلِّي الرَّجُلُ وَحْدَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْإِسْفَارِ فِي جَمَاعَةٍ"؛ فَقَدَّمَ كَمَا تَرَى حُكْمَ الْمُسَابَقَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْجَمَاعَةَ الَّتِي هِيَ سُنَّةٌ يُعَدُّ مَنْ تَرَكَهَا مُقَصِّرًا؛ فَأَوْلَى أَنْ يُعَدَّ مَنْ تَرَكَ الْمُسَابَقَةَ مُقَصِّرًا. وَجَاءَ عَنْهُ أَيْضًا فِيمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لِسِفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، ثُمَّ قَدِمَ أَوْ صَحَّ فِي غَيْرِ شَعْبَانَ مِنْ شُهُورِ الْقَضَاءِ، فَلَمْ يَصُمْهُ حَتَّى مَاتَ؛ فَعَلَيْهِ الْإِطْعَامُ، وَجَعَلَهُ مُفَرِّطًا، كَمَنْ صَحَّ أَوْ قَدِمَ فِي شَعْبَانَ؛ فَلَمْ يَصُمْهُ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ الثَّانِي، مَعَ أَنَّ الْقَضَاءَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: جَعَلَهُ مُتَرَقِّبًا2 لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي، فَإِنْ قَضَى فِي شَعْبَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ شَعْبَانَ؛ فَلَا إِطْعَامَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ شَعْبَانَ؛ فَمُفَرِّطٌ وَعَلَيْهِ الْإِطْعَامُ، نَحْوَ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْحَجِّ: إِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ3؛ كَانَ آثِمًا، فَهَذَا أَيْضًا -رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ- مُضَادٌّ لِمُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ. فَأَنْتَ تَرَى أَوْقَاتًا مُعَيَّنَةً شَرْعًا؛ إِمَّا بِالنَّصِّ4، وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ5، ثُمَّ صَارَ مَنْ قَصَّرَ عَنِ الْمُسَابَقَةِ فِيهَا مَلُومًا مُعَاتَبًا، بَلْ آثِمًا فِي بَعْضِهَا، وَذَلِكَ مضاد لما

_ 1 ليس المراد أنه يطول بهم حتى يسفر، بل المراد أنه يبتدئ الصلاة بعد الإسفار وحينئذ يتم الدليل "د". 2 بل لعله مترتبا؛ أي: إنه لم يعامل معاملة الفور الصرف، ولا التراخي الصرف، بل حالة بين الحالتين؛ فلذا كان الحكم مترددا بين الأمرين كما شرحه بقوله: "فإن قضى ... إلخ" "د". 3 في الأصل: "التراخي". 4 كما في الحديث السابق: "أول الوقت" إلخ "د". 5 كما في المسائل التي نسبها لمالك والشافعي في الصلاة والصوم والحج؛ فأوقاتها معينة بالاجتهاد. "د".

تَقَدَّمَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصْلَ الْمُسَابَقَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ لَا يُنْكَرُ، غَيْرَ أَنَّ مَا عُيِّنَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الزَّمَانِ؛ هَلْ يُقَالُ: إِنَّ إِيقَاعَهُ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ مُسَابَقَةٌ؛ فَكَيْفَ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ شَامِلًا لَهُ، أَمْ يُقَالُ: لَيْسَ شَامِلًا لَهُ؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ1؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ؛ فَقَالَ: "الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا" 2 يُرِيدُ بِهِ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ مُطْلَقًا، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ عَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ الْأَوْقَاتَ صَلَّى فِي أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ وَأَوَاخِرِهَا، وَحَدَّ ذَلِكَ حَدًّا لَا يُتَجَاوَزُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ فِيهِ عَلَى تَقْصِيرٍ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بعد ذلك من أوقات الضروريات3، إِذَا صَلَّى فِيهَا مَنْ لَا ضَرُورَةَ لَهُ؛ إذ قال: "تلك صلاة المنافقين" 4 الحديث؛

_ 1 أي: المتقدم أول المسألة. "د". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، 2/ 9/ رقم 527"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، 1/ 89/ رقم 85" من حديث ابن مسعود, رضي الله عنه. 3 تقسيم الأوقات إلى اختيارية وضرورية يقول به أكثر علماء الأمصار، وإنما اختلفوا في تحديدها وفي الصلوات التي يكون لها وقتان: اختياري وضروري، وفي أهل العذر الذين يختصون بأوقات الضروريات، ونفى أهل الظاهر أن تكون الأوقات منقسمة إلى اختياري وضروري، وأسباب الخلاف بين الفريقين مفصلة في كتب الخلاف. "خ". 4 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر، 1/ 434/ رقم 622"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب وقت صلاة العصر، 1/ 112-113/ رقم 413"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في تعجيل العصر، 1/ 301/ رقم 160"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب المواقيت، باب التشديد في تأخير العصر، 1/ 254"، وأحمد في "المسند "3/ 102-103، 247" عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- ولفظه: "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس, حتى إذا كانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقرها أربعا، لا يذكر الله فيها إلا قليلا ".

فَبَيَّنَ أَنَّ وَقْتَ التَّفْرِيطِ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي تَكُونُ الشَّمْسُ فِيهِ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ. فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ عَنْ وَصْفِ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُسَارَعَةِ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْإِيقَاعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَمَّى مُفَرِّطًا، وَمُقَصِّرًا، وَآثِمًا أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ الْفَوْرِيَّةُ. وَأَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِوَقْتِ الْعُمْرِ، فَإِنَّهَا لَمَّا قُيِّدَ آخِرُهَا بِأَمْرٍ مَجْهُولٍ؛ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى طَلَبِ الْمُبَادَرَةِ وَالْمُسَابَقَةِ1 فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ مُغَيَّبَةٌ، فَإِذَا عَاشَ الْمُكَلَّفُ مَا فِي مِثْلِهِ يُؤَدَّى ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ، فَلَمْ يَفْعَلْ -مَعَ سُقُوطِ الْأَعْذَارِ- عُدَّ وَلَا بُدَّ مُفَرِّطًا، وَأَثَّمَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ هِيَ الْمَطْلُوبُ، لَا أَنَّهُ -عَلَى التَّحْقِيقِ- مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ؛ فَإِنَّ آخِرَهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَإِنَّمَا الْمَعْلُومُ مِنْهُ مَا فِي الْيَدِ الْآنَ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلِنَا الْمَذْكُورِ؛ فَلَا تَعُودُ عَلَيْهِ بِنَقْضٍ2. وَأَيْضًا؛ فَلَا يُنْكَرُ اسْتِحْبَابُ الْمُسَابَقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ الْمُؤَخِّرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ مُقَصِّرًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ عَلَى حُكْمِ التَّوْسِعَةِ، وَهَذَا كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ فَإِنَّ لِلْمُكَلَّفِ الِاخْتِيَارَ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ فِيهَا يَتَفَاوَتُ؛ فَيَكُونُ بَعْضُهَا أَكْثَرَ أَجْرًا مِنْ بَعْضٍ، كَمَا يَقُولُ بِذَلِكَ [مَالِكٌ] فِي الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ، مَعَ وُجُودِ التَّخْيِيرِ فِي الْحَدِيثِ, وَقَوْلُ مَالِكٍ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، أَوِ الْقَتْلِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، هُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَيِّ الرِّقَابِ شاء، مع أن الأفضل أعلاها ثمنا،

_ 1 في الأصل: "المبالغة". 2 في "م": "بنقص" بالصاد المهملة.

وَأَنْفُسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَلَا يَخْرَجُ بِذَلِكَ التَّخْيِيرُ عَنْ بَابِهِ، وَلَا يُعَدُّ مُخْتَارُ غَيْرِ الْأَعْلَى مُقَصِّرًا وَلَا مُفَرِّطًا, وَكَذَلِكَ مُخْتَارُ الْكِسْوَةِ أَوِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُطْلَقَاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي تَعْيِينِ بَعْضِ أَفْرَادِهَا، مَعَ حُصُولِ الْفَضْلِ فِي الْأَعْلَى مِنْهَا، وَكَمَا أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ، وَلَا يُعَدُّ الْحَاجُّ رَاكِبًا مُفَرِّطًا وَلَا مُقَصِّرًا، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ مِنْ قِلَّتِهَا، وَلَا يُعَدُّ مَنْ كَانَ جَارَ الْمَسْجِدِ بِقِلَّةِ1 خُطَاهُ لَهُ مُقَصِّرًا، بَلِ الْمُقَصِّرُ هُوَ الَّذِي قَصَّرَ عَمَّا حُدَّ لَهُ، وَخَرَجَ عَنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا ذَلِكَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَمْ يَصِحَّ, وَإِنْ فَرَضْنَا صِحَّتَهُ؛ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْأَصْلِ الْقَطْعِيِّ, وَإِنْ سَلِمَ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّأْخِيرِ2 عَنْ جَمِيعِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَإِنْ سَلِمَ؛ فَأَطْلَقَ لَفْظَ التَّقْصِيرِ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى مِنَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى تَضْعِيفِ الْأُجُورِ، لَا أَنَّ الْمُؤَخِّرَ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْأَمْرِ. وَأَمَّا مَسَائِلُ مَالِكٍ؛ فَلَعَلَّ اسْتِحْبَابَهُ لِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ، وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، مُرَاعَاةٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ لِلصُّبْحِ وَقْتَ ضَرُورَةٍ، وَكَانَ الْإِمَامُ قَدْ أَخَّرَ إِلَيْهِ، وَمَا ذُكِرَ فِي إِطْعَامِ التَّفْرِيطِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَوْرِ فِي الْقَضَاءِ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ؛ فَلَا اعْتِرَاضَ بِذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَلَى ضَرْبَيْنِ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَلَى ضَرْبَيْنِ, كَانَتْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ كَالصَّلَاةِ, وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، أَوْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ؛ كَالدُّيُونِ، وَالنَّفَقَاتِ، وَالنَّصِيحَةِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ: أَحَدُهُمَا: حُقُوقٌ محدودة شرعا.

_ 1 في الأصل: "فقلت". 2 في "ط": "على التقصير".

وَالْآخَرُ: حُقُوقٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ. فَأَمَّا الْمَحْدُودَةُ الْمُقَدَّرَةُ؛ فَلَازِمَةٌ لِذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ1، مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ دَيْنًا، حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهَا؛ كَأَثْمَانِ الْمُشْتَرَيَاتِ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَمَقَادِيرِ الزَّكَوَاتِ، وَفَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا مُتَرَتِّبٌ فِي ذِمَّتِهِ، دَيْنًا عَلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ التَّحْدِيدُ وَالتَّقْدِيرُ؛ فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِالْقَصْدِ إِلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ؛ فَالْخِطَابُ بَاقٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ2. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ؛ فَلَازِمَةٌ لَهُ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَوْ تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ؛ لَكَانَتْ مَحْدُودَةً مَعْلُومَةً؛ إِذِ الْمَجْهُولُ لَا يَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ وَلَا يُعْقَلُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَرَتَّبَ دَيْنًا، وَبِهَذَا اسْتَدْلَلْنَا عَلَى عَدَمِ التَّرَتُّبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ مَجْهُولَةُ الْمِقْدَارِ، وَالتَّكْلِيفُ بِأَدَاءِ مَا3 لَا يُعْرَفُ لَهُ مِقْدَارٌ تَكْلِيفٌ بِمُتَعَذِّرِ الْوُقُوعِ, وَهُوَ مُمْتَنِعٌ سَمْعًا. وَمِثَالُهُ: الصَّدَقَاتُ الْمُطْلَقَةُ, وَسَدُّ الْخَلَّاتِ، وَدَفْعُ حَاجَاتِ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِينَ، وَإِنْقَاذُ الْغَرْقَى، وَالْجِهَادُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المنكر، ويدخل تحته سائر فروض الكفايات.

_ 1 الذمة كون الإنسان قابلا للزوم الحقوق والتزامها شرعا، وهذا المعنى إنما يتحقق في البالغ الرشيد؛ فإن قلنا: إن للصبي ذمة أيضا كما يراه بعض الفقهاء؛ اقتصرنا في تعريفها على كون الإنسان قابلا للزوم الحقوق، فيتناول التعريف الصبي؛ لأنه وإن كان لا يقبل التزام الحقوق من نحو البيع والهبة والحمالة؛ يقبل لزوم بعضها كأرش الجنايات وقيم المتلفات. "خ". قلت: الأرش هو بدل الدم أو بدل الجناية مقابل بآدمية المقطوع أو المقتول، لا بماليته، قاله الكفوي في "الكليات" "ص78". 2 كإبرام الدائن للمدين "د". 3 تحرفت في "د": "بأدائنا" بالنون بدل الميم.

فَإِذَا قَالَ الشَّارِعُ: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الْحَجِّ: 36] ، أَوْ قَالَ: "اكْسُوَا الْعَارِيَ" 1، أَوْ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 195] ؛ فَمَعْنَى ذَلِكَ طَلَبُ رَفْعِ الْحَاجَةِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ بِحَسَبِهَا، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مِقْدَارٍ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ حَاجَةٌ؛ تَبَيَّنَ مِقْدَارُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهَا، بِالنَّظَرِ لَا بِالنَّصِّ، فَإِذَا تَعَيَّنَ جَائِعٌ؛ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِطْعَامِهِ وَسَدِّ خَلَّتِهِ، بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ أَطْعَمَهُ مَا لَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْجُوعَ؛ فَالطَّلَبُ بَاقٍ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَافٍ وَرَافِعٌ لِلْحَاجَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا أُمِرَ ابْتِدَاءً، وَالَّذِي هُوَ كَافٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السَّاعَاتِ وَالْحَالَاتِ فِي ذَلِكَ الْمَعَيَّنِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْوَقْتِ غَيْرَ مُفْرِطِ الْجُوعِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مِقْدَارٍ مِنَ الطَّعَامِ، فَإِذَا تَرَكَهُ حَتَّى أَفْرَطَ عَلَيْهِ؛ احْتَاجَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقَدْ يُطْعِمُهُ آخَرُ فَيَرْتَفِعُ عَنْهُ الطَّلَبُ رَأْسًا، [وَقَدْ يُطْعِمُهُ آخَرُ مَا لَا يَكْفِيهِ، فَيُطْلَبُ هَذَا بِأَقَلَّ مِمَّا كَانَ مَطْلُوبًا بِهِ] 2. فَإِذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ بِهِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ؛ لَمْ يَسْتَقِرَّ لِلتَّرْتِيبِ فِي الذِّمَّةِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ يُطْلَبُ أَلْبَتَّةَ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ مَجْهُولًا؛ فَلَا يَكُونُ مَعْلُومًا إِلَّا فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ بِحَسَبِ النَّظَرِ، لَا بِمُقْتَضَى النَّصِّ، فَإِذَا زَالَ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ؛ صَارَ فِي الثَّانِي مُكَلَّفًا بِشَيْءٍ آخَرَ لَا بِالْأَوَّلِ، أَوْ سَقَطَ3 عَنْهُ التَّكْلِيفُ إِذَا فُرِضَ ارْتِفَاعُ الْحَاجَةِ الْعَارِضَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ أَمْرٌ؛ لَخَرَجَ إِلَى مَا لَا يُعْقَلُ؛ لِأَنَّهُ في كل وقت

_ 1 لم أظفر به بهذا اللفظ، وله شواهد كثيرة تؤيد معناه، وأقرب الألفاظ له ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "8/ 438/ رقم 17933" ضمن حديث طويل مرسل، فيه: "واكسوهم ولا تعروهم ". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 3 أي: فكيف يتأتى الاستقرار في الذمة والأمر يختلف باختلاف الحال والزمان بين سقوط المكلف به رأسا، وبين تغير المكلف به قلة وكثرة؟ "د".

مِنْ أَوْقَاتِ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِ مُكَلَّفٌ بِسَدِّهَا، فَإِذَا مَضَى وَقْتٌ يَسَعُ سَدَّهَا بِمِقْدَارٍ مَعْلُومٍ مَثَلًا، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَتَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ جَاءَ زَمَانٌ ثَانٍ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ أَوْ أَشَدُّ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مُكَلَّفٌ أَيْضًا بسدها أو لا، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ إِذْ لَيْسَ هَذَا الثَّانِي بِأَوْلَى1 بِالسُّقُوطِ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ لِأَجْلِ سَدِّ الْخَلَّةِ، فَيَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ وَالْخَلَّةُ بَاقِيَةٌ، هَذَا مُحَالٌ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي الذِّمَّةِ ثَانِيًا مِقْدَارُ مَا تُسَدُّ بِهِ الْحَاجَةُ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَحِينَئِذٍ يَتَرَتَّبُ فِي ذِمَّتِهِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ، قِيَمٌ كَثِيرَةٌ بِعَدَدِ الْأَزْمَانِ الْمَاضِيَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي الشَّرْعِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا2 يَكُونُ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَلْزَمُ -إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ- أَنْ يَتَرَتَّبَ؛ إِمَّا فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ لَا يُعْقَلُ، وَإِمَّا فِي ذِمَمِ جَمِيعِ الْخَلْقِ مُقَسَّطًا؛ فَكَذَلِكَ لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ الْقِسْطِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ غَيْرَ مُقَسَّطٍ؛ فَيَلْزَمُ فِيمَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي ذِمَمِ مِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ3. وَالرَّابِعُ: لَوْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ لَكَانَ عَبَثًا، وَلَا عَبَثَ فِي التَّشْرِيعِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ دَفْعَ الْحَاجَةِ؛ فَعُمْرَانُ الذِّمَّةِ يُنَافِي هَذَا الْمَقْصِدَ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ إِزَالَةُ هَذَا الْعَارِضِ4 لَا غُرْمُ قِيمَةِ الْعَارِضِ، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِشَغْلِ الذِّمَّةِ مُنَافِيًا لِسَبَبِ الْوُجُوبِ؛ كَانَ عَبَثًا غَيْرَ صَحِيحٍ. لَا يُقَالُ: إِنَّهُ لَازِمٌ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَأَشْبَاهِهَا؛ إِذِ الْمَقْصُودُ بها سد

_ 1 لو قال: ليس بأضعف سببية في التكليف من الأول؛ لكان أوضح. "د". 2 في "م" و"خ" و"ط" زيادة: "الواجب؛ إما أن". 3 في قوله: "فهذا غير معقول في الشرع". "د". 4 أي: العارض* الوقتي ولا فائدة تعود على إزالته من شغل ذمة الغير به. "د".

الْخَلَّاتِ، وَهِيَ تَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَّةِ. لِأَنَّا نَقُولُ: نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مَا ذَكَرْتَ، وَلَكِنِ الْحَاجَةُ الَّتِي تُسَدُّ بِالزَّكَاةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ1 عَلَى الْجُمْلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُؤَدَّى اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ عَيْنُ الْحَاجَةِ؟ فَصَارَتْ كَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ هِبَةٍ؛ فَلِلشَّرْعِ قَصْدٌ فِي تَضْمِينِ الْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ فِيهِ مُتَعَيِّنَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَتِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ لَهَا مَالُ زَكَاةٍ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ بِأَيِّ مَالٍ ارْتَفَعَتْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ فَالْمَالُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ لِنَفْسِهِ فِيهَا، فَلَوِ ارْتَفَعَ الْعَارِضُ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لَسَقَطَ الْوُجُوبُ، وَالزَّكَاةُ وَنَحْوُهَا لَا بُدَّ مِنْ بَذْلِهَا، وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهَا غَيْرَ مُضْطَرٍّ إِلَيْهَا فِي الْوَقْتِ، وَلِذَلِكَ عُيِّنَتْ، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي بَذْلِ الْمَالِ لِلْحَاجَةِ يَجْرِي حُكْمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ هَذَا الْقِسْمِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْجَهْلُ مَانِعًا مِنَ التَّرَتُّبِ فِي الذِّمَّةِ؛ لَكَانَ مَانِعًا مِنْ أَصْلِ التَّكْلِيفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ؛ إِذِ التَّكْلِيفُ بِالْمَجْهُولِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، فَلَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ: أَنْفِقْ مِقْدَارًا لَا تَعْرِفُهُ, أَوْ صَلِّ صَلَوَاتٍ لَا تَدْرِي كَمْ هِيَ، أَوِ انْصَحْ مَنْ لَا تَدْرِيهِ وَلَا تُمَيِّزُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ أَبَدًا إِلَّا بِوَحْيٍ، وَإِذَا عُلِمَ بِالْوَحْيِ؛ صَارَ مَعْلُومًا لَا مَجْهُولًا، وَالتَّكْلِيفُ بِالْمَعْلُومِ صَحِيحٌ، هَذَا خُلْفٌ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْجَهْلَ الْمَانِعَ مِنْ أَصْلِ التَّكْلِيفِ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِمُعَيَّنٍ عِنْدَ الشَّارِعِ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، وَهُوَ يُرِيدُ الرَّقَبَةَ الْفُلَانِيَّةَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ؛ فَهَذَا

_ 1 فيكون القسم الأول وهو الزكاة مثلا متعينا محدودة المقدار ولا زيادة فيها ولا نقص؛ فكانت متقررا وإن كانت الحاجة فيه غير متعينة ولا صاحبها معلوما، وهنا بالعكس، وصاحب الحاجة معلوم، ومقدار ما يلزمه غير معلوم ولا ثابت؛ فالمكلف به هناك معلوم محدود المكلف بسببه غير معلوم، والقسم الثاني بالعكس. "د".

هُوَ الْمُمْتَنَعُ، أَمَّا مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَ الشَّارِعِ بِحَسَبِ التَّكْلِيفِ؛ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ صَحِيحٌ، كَمَا صَحَّ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْخِصَالِ فِي الْكَفَّارَةِ؛ إِذْ لَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي إِحْدَى الْخِصَالِ دُونَ مَا بَقِيَ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا إِنَّمَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ سَدُّ الْخَلَّاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ1 [فِيهِ] 2 خَلَّةٌ فَلَا طَلَبَ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ وَقَعَ الطَّلَبُ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَهُوَ مُمْكِنٌ لِلْمُكَلَّفِ مَعَ نَفْيِ التَّعْيِينِ فِي مِقْدَارٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ. وَهُنَا ضَرْبٌ ثَالِثٌ آخِذٌ بِشِبْهٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ الْأَوَّلِينَ؛ فَلَمْ يَتَمَحَّضْ لِأَحَدِهِمَا، هُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، كَالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ، وَلِأَجَلِّ مَا فِيهِ مِنَ الشَّبَهِ بِالضَّرْبَيْنِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، هَلْ لَهُ تَرَتُّبٌ فِي الذِّمَّةِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا تَرَتَّبَ؛ فَلَا3 يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ4؛ فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ لَاحِقٌ بِضَرُورِيَّاتِ5 الدِّينِ، وَلِذَلِكَ مُحِضَ بِالتَّقْدِيرِ وَالتَّعْيِينِ، وَالثَّانِي لَاحِقٌ بِقَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ، وَلِذَلِكَ وُكِلَ إِلَى اجْتِهَادِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالثَّالِثُ آخِذٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِسَبَبٍ مَتِينٍ؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ عَلَى التَّعْيِينِ، والله أعلم.

_ 1 في "د": "يتعين" بياء -آخر الحروف- في أوله. 2 سقطت من النسخ المطبوعة، وأثبتناها من الأصل. 3 بدلها في الأصل: "فقد" 4 ذهب جمهور العلماء إلى أن نفقة الزوجة غير مقدرة، وأمرها موكول إلى ما يقتضيه حال الزوجين، وذلك مما يجعلها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال، واقتضى عدم تقديرها أن لا تستقر في الذمة، وأن تسقط بالإعسار، وكذلك يقول المالكية، والمشهور في مذهب الشافعية أنها مقدرة؛ فعلى الموسر مدان، وعلى الأوسط مد ونصف، وعلى المعسر مد، وينبني على تقديرها أنها تتعلق بالذمة ولا تسقط بالإعسار، وكذلك يقول الشافعية، وحجة الجمهور في القول بعدم تقديرها حديث هند بنت عتبة وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لها: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، وقد روي عن الإمام الشافعي -رضي الله عنه- ما يوافق مذهب الجمهور. "خ". 5 في "د": "بضروريات".

فَصْلٌ: وَرُبَّمَا انْضَبَطَ الضَّرْبَانِ الْأَوَّلَانِ بِطَلَبِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ1؛ فَإِنَّ حَاصِلَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ طَلَبٌ مُقَدَّرٌ عَلَى كُلِّ عَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمُكَلَّفِينَ، وَحَاصِلُ الثَّانِي إِقَامَةُ الأوَد الْعَارِضِ فِي الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَإِلَّا أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ قَدْ2 يَدْخُلُ فِيهِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ طَلَبُ عَيْنٍ, وَلَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ طَلَبًا مُتَحَتِّمًا فِي الْغَالِبِ إِلَّا عِنْدَ كَوْنِهِ كِفَايَةً؛ كَالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَحَتَّمْ؛ فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَفُرُوضُ الْكِفَايَاتِ مَنْدُوبَاتٌ عَلَى الْأَعْيَانِ؛ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِعَ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ؛ فَآخُذٌ شَبَهًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَيْضًا؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلِهِ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الفقهاء، والله أعلم.

_ 1 فائدة: السنة أيضا قد تكون كفاية، كما مثلوه بتشميت العاطس, وبالأضحية في حق أهل البيت الواحد كما في "المنهاج". "د". قلت: والصواب في التشميت أنه ليس على الكفاية، بل على أعيان الحاضرين السامعين، لما أخرج البخاري في "الصحيح": "حق على كل من سمعه أن يشمته"، والله أعلم. 2 أي: قد يكون مخيرا بالجزء؛ كالصناعات المختلفة التي لها أثر في إقامة العمران، وقد يكون مندوبا بالجزء؛ كالعدل، والإحسان، وسائر النوافل، والنكاح وغيرها مما تقدم في المندوب بالجزء، ولكن هذا الثاني إنما يكون واجبا كفاية إذا نظر إليه كليا في الغالب، وقد يكون متحتما جزئيا؛ كالعدل بالنسبة للأمير نفسه، فهو مطلوب بإقامة العدل جزئيا أيضا طلبا حتما؛ إلا أن قوله: "وفروض الكفايات مندوبة على الأعيان" ليس كليا، بل قد تكون مندوبة, وقد تكون مخيرا فيها؛ كما سبق في فصله, وكما أشرنا إليه في هذه الجملة. وملخصه أن فريضة الكفاية قد يكون مخيرا بالجزء، وقد يكون مندوبا بالجزء، ولا يتحتم إلا بالكل، وقد يتحتم على البعض أيضا نادرا، ويبقى بعد هذا أنه يقتضي أن مؤدى فرض الكفاية إنما يثاب عليه ثواب المندوب، فإذا تركه الكل؛ عوقب عليه الجميع، وقد لا يثاب عليه الفاعل وذلك إذا كان بالجزء مخيرا؛ فتأمل هذا الموضع جيدا. "د".

المسألة العاشرة: مرتبة العفو يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ1 بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَرْتَبَةُ الْعَفْوِ؛ فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ، هَكَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ2، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: 3 مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ الْقَصْدِ إِلَى الْفِعْلِ، وَأَمَّا دُونَ ذَلِكَ؛ فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ مِنْهَا، مَعَ وِجْدَانِهِ مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ؛ فَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ؛ أَيْ: لَا مُؤَاخَذَةَ بِهِ. وَالثَّانِي: 4 مَا جَاءَ مِنَ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى الْخُصُوصِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ لَا عن نسيان؛ فلا تبحثوا عنها" 5.

_ 1 لما كان لهذه المرتبة شبه بالحلال؛ لأنه لا طلب يتعلق بها ولا إثم في فعلها، وشبه بالحرام؛ لأن مثلها لو تعلق به حكم لكان اللوم والذم، قال: "يقع بين الحلال والحرام، وليس لها شبه بما يطلب من الواجب والمندوب رأسا". "د". 2 لما لم يحكم عليها إلا بأنها غير الخمسة، ولم يقل: إنها حكم شرعي سادس، أو ليست حكما؛ قال: "على الجملة"، وسيأتي الإشارة إليه آخر المسألة. "د". 3 الدليل قاصر على خصوص بعض النوع الثاني من أنواع مواضع مرتبة العفو المذكورة في الفصل الثاني: ولا يدل على الباقي, وسيأتي في الفصل الأول ما يصح أن يكون دليلا على البعض الباقي من النوع الثاني؛ حيث يقول: "ومنها الترجيح بين الدليلين عند تعارضها" إلخ. "د". 4 هذا الدليل قاصر على النوع الثالث من مراتب العفو الآتية في الفصل الثاني. "د". 5 أخرجه الدارقطني في "السنن" "4/ 183-184" والطبراني في "الكبير" "22/ 221-222/ رقم 589"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "2/ 9"، والبيهقي في "الكبرى" "10 =

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَا رَأَيْتُ قَوْمًا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [الْبَقَرَةِ: 222] . {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [الْبَقَرَةِ: 220] . {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [الْبَقَرَةِ: 217] . مَا كَانُوا يُسْأَلُونَ إِلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ"1. يعني: إن هذا كان الغالب2 عليهم.

_ = / 12-13"، وأبو نعيم في "الحلية" "9/ 17"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 314"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 1045/ رقم 2012" من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا. قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 150": "له علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني [في "العلل" "رقم 1170"] : "الأشبه بالصواب المرفوع"، قال: "وهو الأشهر". وقد حسن الشيخ, رحمه الله [أي: النووي في "أربعينه" "رقم 30"] هذا الحديث، وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر بن السمعاني في "أماليه". ا. هـ. قلت: والحديث حسن بشواهده، وتقدم بعضها في "ص229", وانظر التعليق عليها. 1 أخرجه الدارمي في "السنن" "1/ 51"، والطبراني في "الكبير" "11/ 454/ رقم 12288"، وابن بطة في "الإبانة" "رقم 296" من طريق جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وفي "ط": "كلهن في القرآن". وإسناده ضعيف، جرير وابن فضيل رويا عن عطاء بعد اختلاطه، قال الهيثمي في "المجمع" "1/ 159": "فيه عطاء بن السائب وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات". وانظر عن تحرير عدد الأسئلة: "5/ 375". 2 قيده لما سيأتي بعضه أثناء المسألة من مثل سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه "د".

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: "مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ؛ فَهُوَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ" 1، وَكَانَ يُسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ لَمْ يُحَرَّمْ2؛ فَيَقُولُ: عَفْوٌ، وَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ فَقَالَ: العفو "يعني: لا يؤخذ مِنْهُمْ زَكَاةٌ"3. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "أَحَلَّ اللَّهُ حَلَالًا, وَحَرَّمَ حَرَامًا، فَمَا أَحَلَّ؛ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ؛ فَهُوَ عَفْوٌ" 4. وَالثَّالِثُ5: مَا يَدُلُّ عَلَى هذا المعنى في الجملة؛ كقوله تعالى:

_ 1 أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الأطعمة، باب ما لم يذكر تحريمه، 3/ 354-355/ رقم 3800" بإسناد صحيح عن ابن عباس؛ قال: " ... وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه؛ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وَتَلَا: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} " إلى آخر الآية. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "4/ 115"، وابن مردويه؛ كما في "تفسير ابن كثير" "2/ 184"، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ؛ كما في "الدر المنثور" "3/ 372". وفي الباب عن سلمان -واختلفوا في رفعه ووقفه- وعن غيره، انظره مبسوطا في "سنن سعيد بن منصور" "2/ 320-330/ رقم 94" مع التعليق عليه للشيخ سعد آل حميد، وفقه الله لكل خير. 2 أي: فيه شبهة الحرمة، ولم يرد فيه تحريم بل سكت عنه. "د". 3 إن كان معناه أنه لا تؤخذ منهم زكاة بمقتضى النص؛ فليس مما نحن فيه ولا محل لذكره، وإن كان معناه أنه مما سكت عنه؛ فلا تؤخذ الزكاة لذلك كان لذكره وجه, وقد يقال: إنه يرجع إلى قاعدة أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو لا. "د". 4 ذكره عن عبيد بن عمير, ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 152". 5 هذا الدليل خاص ببعض النوع الثاني كما في حديث: "أكل عام"، وبالنوع الثالث، وقد انتهى به مقام الاستدلال ولم يجئ فيه بما يدل على النوع الأول، وهو الوقوف مع مقتضى الدليل المعارض وإن قوي معارضه. "د".

{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} 1 الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 43] ؛ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فِي الْإِذْنِ عِنْدَ عدم النص. وقد ثبت من الشَّرِيعَةِ الْعَفْوُ عَنِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ حَسْبَمَا بَسَطَهُ الْأُصُولِيُّونَ, وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الْأَنْفَالِ: 68] . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَكْرَهُ كَثْرَةَ السُّؤَالِ2 فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ حُكْمٌ، بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ إِذْ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهَا أَنَّ الأفعال معها معفو عنها، وقد قال, صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ" 3. وَقَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهَوْا، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" 4.

_ 1 محط الدليل بقية الآية؛ كأنه أذن قبل أن يتبين الذين صدقوا؛ فهو من محل العفو المصدرة به الآية. "د". 2 انظر ما تقدم "ص47". 3 مضى تخريجه "ص48"، وهو في "الصحيحين". 4 أخرجه البخاري "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله, صلى الله عليه وسلم، 13/ 251/ رقم 7288"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، 2/ 975/ رقم 1337"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج، 5/ 110-111"، والترمذي في "الجامع" "أبواب العلم، باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله, صلى الله عليه وسلم، 5/ 47/ رقم 2679" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب اتباع سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، 1/ 3/ رقم 2"، وأحمد في "المسند" "2/ 312، 313، 517"، من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه.

وَقَرَأَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 97] ؛ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! أكل عام [فرض] ؟ فَأَعْرَضَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلَّ عام [فرض] 1؟ فَأَعْرَضَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلَّ عام؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا، وَلَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَكَفَرْتُمْ؛ فَذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ" 2، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى3 مَا تَقَدَّمَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا نَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 101] . ثُمَّ قَالَ: {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} [الْمَائِدَةِ: 101] . أي: عن تلك الأشياء؛ فهو إِذًا عَفْوٌ. وَقَدْ كَرِهَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا وَنَهَى عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ, وَقَامَ يَوْمًا وَهُوَ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ؛ فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ؛ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا ". قَالَ أنس: فأكثر الناس من البكار حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي ". فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ؛ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ ". فَلَمَّا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: سَلُونِي؛ بَرَكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالَ عُمَرُ ذلك،

_ 1 ما بين المعقوفتين في الموضعين زيادة من الأصل. 2 المذكور هنا هو صدر الحديث السابق، وتتمته: "فإنما هلك ... ". 3 أي: من قوله: "فإنما هلك" إلخ "د".

فَنَزَلَتِ الْآيَةُ1، وَقَالَ أَوَّلًا: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ [هَذَا] 2 الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي؛ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" 3، وَظَاهِرٌ مِنْ هَذَا الْمَسَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ: "سَلُونِي" فِي مَعْرِضِ الْغَضَبِ تَنْكِيلٌ بِهِمْ فِي السُّؤَالِ، حَتَّى يَرَوْا عَاقِبَةَ السُّؤَالِ4، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 101] , وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ5 مَا يُعْفَى عَنْهُ، وَهُوَ مَا نُهِيَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهُ. فَكَوْنُ الْحَجِّ لِلَّهِ هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ كَمَا أَنَّ كَوْنَهُ لِلْعَامِ الْحَاضِرِ تَقْتَضِيهِ6 أَيْضًا، فَلَمَّا سَكَتَ عَنِ التَّكْرَارِ؛ كَانَ الَّذِي يَنْبَغِي الْحِمْلُ عَلَى أَخَفِّ مُحْتَمَلَاتِهِ, وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ مُرَادٌ؛ فَهُوَ ما يُعفى عَنْهُ. وَمِثْلُ هَذَا قِصَّةُ أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ، لَمَّا شَدَّدُوا بِالسُّؤَالِ -وَكَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ ذَبْحِ أَيِّ بَقَرَةٍ شَاءُوا- شَدَّدَ عَلَيْهِمْ7 حَتَّى ذَبَحُوهَا {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] .

_ 1 هذا لفظ البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، 13/ 265/ رقم 7294"، وأخرجه أيضا مسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب توقيره -صلى الله عليه وسلم- وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورية إليه، 4/ 1832/ رقم 2359" من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- ومضى مختصرا "ص45". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 هو جزء من الحديث المتقدم. 4 التي منها نزول تحريم ما لم يحرم، وغيره مما يكرهونه ويسيئهم؛ كالتعرض للفضيحة، وزيادة التكاليف. "د". 5 وهي من قوله: "وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَكْرَهُ كَثْرَةَ السؤال إلى هنا". "د". 6 لأن المطلق يتحقق في فرد واحد مما يطلق عليه "د". 7 انظر حول هذا المعنى: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "7/ 105".

فَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ فِي أَنَّ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مَا لَا يَحْسُنُ السُّؤَالُ عَنْهُ وَعَنْ حُكْمِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعْفُوًّا عَنْهُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَرْتَبَةَ الْعَفْوِ ثَابِتَةٌ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ. فَصْلٌ: وَيَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ مِنْهَا مَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ. - فَمِنْهَا: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ؛ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، فَكُلُّ فِعْلٍ صَدَرَ عَنْ غَافِلٍ، أَوْ نَاسٍ، أَوْ مُخْطِئٍ؛ فَهُوَ مِمَّا عَفِيَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَفَرَضْنَا تِلْكَ الْأَفْعَالَ مَأْمُورًا بِهَا أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهَا وَلَا مَأْمُورًا بِهَا وَلَا مُخَيَّرًا فِيهَا؛ فَقَدْ رَجَعَتْ إِلَى قِسْمِ مَا لَا حُكْمَ لَهُ فِي الشَّرْعِ, وَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ فَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ ذِكْرُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَذَلِكَ فِي الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي وَالْغَافِلِ مُحَالٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّائِمُ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَائِضُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. - وَمِنْهَا: الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ1، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ, وَقَدْ جَاءَ في

_ 1 ذهب المتقدمون إلى أن المخطئ في أصول الفقه آثم كالمخطئ في أصول الدين، وجنح المتأخرون إلى أنه غير آثم كالمخطئ في الفروع, ووجه ما ذهب إليه المتقدمون؛ أن القواعد الكلية لقلتها وجلاء شواهدها أقرب مأخذا وأيسر على الراسخ في فهم الكتاب والسنة من الأحكام الجزئية التي تتجاوز حد الحصر ويتوقف استنباطها بحق على النظر في أسباب الوقائع وما يترتب عليها من المصالح أو المفاسد ثم الرجوع إلى النصوص والأصول، وهي كثيرا ما تتجاذب الواقعة؛ فلا يهتدي المجتهد لتخليص الحكم مع معاقدها؛ إلا بحذقه في صناعة التطبيق والترجيح, واستثنى بعض القائلين بتأثيم المخطئ في الأصول كالإمام القرافي المسائل التي لم يدل فيها المتنازعون على قاطعة كالإجماع السكوتي وما يجري على شاكلته. "خ".

الْقُرْآنِ: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التَّوْبَةِ: 43] . وَقَالَ: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} الْآيَةَ [الْأَنْفَالِ: 68] . - وَمِنْهَا: الْإِكْرَاهُ، كَانَ مِمَّا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ، إِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْعَفْوِ، كَانَ الْأَمْرُ1 وَالنَّهْيُ بَاقِيَيْنِ عَلَيْهِ أَوْ لَا؛ فَإِنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ أَنَّ تَرْكَهُ لِمَا تَرَكَ وَفِعْلَهُ لِمَا فَعَلَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ2. - وَمِنْهَا: الرُّخَصُ كُلُّهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا، فَإِنَّ النُّصُوصَ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ نُصَّ عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ، وَحُصُولِ الْمَغْفِرَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ مُبَاحَةً أَوْ مَطْلُوبَةً؛ لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً؛ فَيَلْزَمُهَا الْعَفْوُ عَنْ نَقِيضِ المطلوب؛ فأكل الميتة -إذا قلنا بإيجابه- فلا بد أَنْ يَكُونَ نَقِيضُهُ وَهُوَ التَّرْكُ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَإِلَّا لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ فِي التَّكْلِيفِ بِهِمَا، وَهُوَ مُحَالٌ وَمَرْفُوعٌ عَنِ الْأُمَّةِ. - وَمِنْهَا: التَّرْجِيحُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا وَلَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، فَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ؛ كَانَ مُقْتَضَى الْمَرْجُوحِ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنِ التَّرْجِيحُ، فَيُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ أَصْلِهِ, وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْخِطَابِ بِالنَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَقُلْنَا3 بِبَقَاءِ الِاقْتِضَاءِ فِي الدَّلِيلِ الْمَرْجُوحِ وَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الثَّابِتِ، أَمْ قُلْنَا: إِنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ؛ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي لُزُومِ الْعَفْوِ. - وَمِنْهَا: الْعَمَلُ عَلَى مُخَالَفَةِ دَلِيلٍ لَمْ يَبْلُغْهُ، أَوْ عَلَى مُوَافَقَةِ دَلِيلٍ بَلَغَهُ وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَنْسُوخٌ أَوْ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ؛ إِذْ لَا

_ 1 أي: على القولين في ذلك. "د". 2 انظر كلاما حسنا حول الإكراه في آخر "الاستقامة" لشيخ الإسلام ابن تيمية. 3 في "م" و"خ": "قلنا".

بُدَّ مِنْ بُلُوغِ الدَّلِيلِ إِلَيْهِ وَعِلْمِهِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ, وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. - وَمِنْهَا: التَّرْجِيحُ1 بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ عند تزاحمهما ولم يمكن الجمع بنهما، لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْعَفْوِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤَخَّرِ حَتَّى يَحْصُلَ الْمُقَدَّمُ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي التَّكْلِيفِ بِهِمَا، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ شَرْعًا. - وَمِنْهَا: مَا سُكِتَ عَنْهُ؛ فَهُوَ عَفْوٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ مَعَ وُجُودِ مَظِنَّتِهِ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْعَفْوِ فِيهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ فَهُوَ مِمَّا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: وَلِمَانِعِ مَرْتَبَةِ الْعَفْوِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ عَلَيْهِ بِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ؛ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ الِاقْتِضَاءُ أَوِ التَّخْيِيرُ، أَوْ لَا تَكُونَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً، فَإِنْ كَانَتْ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً؛ فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً بِجُمْلَتِهَا؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالَةٍ مَا، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا فَرَضْنَاهُ مُكَلَّفًا، فَلَا يَصِحُّ خُرُوجُهُ، فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الزَّائِدَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ فَلَا اعتبار به.

_ 1 أي: إذا خوطب في وقت واحد بفعل شيئين مما لم يكن إيجادهما معا، كأن خوطب بأن يكلم اثنين بجملتين مختلفتين؛ فيرجح هو تقديم خطاب أحدهما على الآخر، فهذا الترجيح أيضا عفو. "د".

وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَنَّهُ مُسَمًّى بِالْعَفْوِ, وَالْعَفْوُ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ لِلْمُكَلَّفِ حُكْمُ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ بِهِ قَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَارَدَ عَلَيْهِ حُكْمٌ آخَرُ لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْعَفْوَ إِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أُخْرَوِيٌّ لَا دُنْيَوِيٌّ، وَكَلَامُنَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَوَجِّهَةِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَفْوُ حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ فَإِمَّا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، أَوْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَأَنْوَاعُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَحْصُورَةٌ1 فِي الْخَمْسَةِ، وَأَنْوَاعُ خِطَابِ الْوَضْعِ مَحْصُورَةٌ أَيْضًا فِي الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأُصُولِيُّونَ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا؛ فَكَانَ لَغْوًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الزَّائِدَ إِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ يُقَالَ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَخْلُوَ بَعْضُ الْوَقَائِعِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَمْ لَا؟ فَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا؛ فَلَيْسَ إِثْبَاتُهَا أَوْلَى مِنْ نَفْيِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ2، وَالْأَدِلَّةُ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ؛ فَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهَا إِلَّا بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ وَدَعْوَاهُ. وَأَيْضًا إِنْ كَانَتِ اجْتِهَادِيَّةً؛ فَالظَّاهِرُ نَفْيُهَا بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَاجِعَةً إِلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ؛ فَلَيْسَتْ بِمَفْهُومَةٍ، وما تقدم من الأدلة إلى إِثْبَاتِ مَرْتَبَةِ الْعَفْوِ لَا دَلِيلَ فِيهِ؛ فَالْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا, وَلِأَنَّ الْعَفْوَ أُخْرَوِيٌّ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ سُلِّمَ لِلْعَفْوِ ثُبُوتٌ؛ فَفِي زَمَانِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَا فِي غَيْرِهِ، وَلِإِمْكَانِ تَأْوِيلِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَدَاخِلَةٌ أَيْضًا تحت الخمسة؛

_ 1 هو محل النزاع؛ فلا يصح أن يكون دليلا على إلغاء هذه المرتبة. "د". 2 في الأصل: "بالدليل".

فَإِنَّ الْعَفْوَ فِيهَا رَاجِعٌ إِلَى رَفْعِ حُكْمِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْحَرَجِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي؛ إِمَّا الْجَوَازَ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ، وَإِمَّا رَفْعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ مِنَ الذَّمِّ وَتَسْبِيبِ الْعِقَابِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعَ رَفْعِ آثَارِهِمَا لِمُعَارِضٍ، فَارْتَفَعَ الْحُكْمُ بِمَرْتَبَةِ الْعَفْوِ، وَأَنْ يَكُونَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسَةِ، وَفِي هَذَا الْمَجَالِ أَبْحَاثٌ أُخَرُ. فَصْلٌ: وَلِلنَّظَرِ فِي ضَوَابِطِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَفْوِ -إِنْ قِيلَ بِهِ- نَظَرٌ؛ فإن الاقتصار به على محال النصوص نزعة ظَاهِرِيَّةٌ، وَالِانْحِلَالُ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَرْقٌ لَا يُرَقَّعُ، وَالِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى بَعْضِ الْمَحَالِّ دُونَ بَعْضٍ تَحَكُّمٌ يَأْبَاهُ الْمَعْقُولُ وَالْمَنْقُولُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ وَجْهٍ يُقْصَدُ نَحْوُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ1 يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْوُقُوفُ مَعَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ قُصِدَ نَحْوُهُ2 وَإِنْ قَوِيَ مُعَارِضُهُ. وَالثَّانِي: الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَاهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ عَنْ قَصْدٍ لَكِنْ بِالتَّأْوِيلِ. وَالثَّالِثُ: الْعَمَلُ بِمَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْ حُكْمِهِ رَأْسًا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ، وَإِنْ تَوَجَّهَ حُكْمُ الرُّخْصَةِ ظَاهِرًا، فَإِنَّ3 الْعَزِيمَةَ لَمَّا تُوُخِّيَتْ عَلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ أَوِ الْإِطْلَاقِ؛ كَانَ الْوَاقِفُ مَعَهَا وَاقِفًا عَلَى دَلِيلٍ مِثْلِهِ مُعْتَمَدٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالرُّخْصَةِ وَإِنْ

_ 1 في "م" زيادة: "أنه". 2 الواو للحال، وأن زائدة. "د". 3 في "د": "إن" بدون الفاء.

تَوَجَّهَ حُكْمُ الْعَزِيمَةِ؛ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ، كَمَا أَنَّ الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ، وَكِلَاهُمَا أَصْلٌ كُلِّيٌّ؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى حُكْمِ الرُّخْصَةِ وُقُوفٌ مَعَ مَا مِثْلُهُ مُعْتَمَدٌ. لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَصْلُ رَفْعِ الْحَرَجِ وَارِدًا عَلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ وُرُودَ الْمُكَمِّلِ؛ تَرَجَّحَ جَانِبُ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ بِوَجْهٍ مَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَخْرِمُ أَصْلَ الرُّجُوعِ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْمُكَمِّلِ قِيَامُ أَصْلِ التَّكْلِيفِ. وَقَدِ اعْتُبِرَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ هَذَا1؛ فَفِيهِ: إِنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ بِهِ2 فَأَفْطَرَ؛ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ بِتَأْوِيلٍ, وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ3 غَيْرَ عِلْمِيٍّ، بَلْ هَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مُتَأَوِّلٍ؛ كَشَارِبِ الْمُسْكِرِ ظَانًّا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ، وَقَاتِلِ الْمُسْلِمِ ظَانًّا أَنَّهُ كَافِرٌ، وَآكِلِ الْمَالِ الْحَرَامِ عَلَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ حَلَالٌ لَهُ، وَالْمُتَطَهِّرِ بِمَاءٍ نَجِسٍ ظَانًّا أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ فِي اجْتِهَادِهِ. وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: "اجْلِسُوا ". فَجَلَسَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال [له] 4: "تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ" 5. فَظَاهِرٌ من هذا أنه رأى الوقوف

_ 1 أي: الوقوف مع دليل معارض بقوي، وإن كان نفس الدليل غير علمي؛ لأنه مجرد ظن غير مبني على شيء من الشرع. "د". 2 في "ط": "له". 3 الذي بني عليه الفطر أو التأويل غير دليل أو مستند علمي؛ أي: لا يلزم فيه ذلك. "د". 4 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"م" و"ط". 5 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الطهارة، باب الإمام يكلم الرجل في خطبته، 1/ 286/ رقم 1091" -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "3/ 206"- من طريق مخلد بن يزيد عن ابن جريج عن عطاء عن جابر به. وقال أبو داود عقبه: "هذا يعرف, مرسل، إنما رواه الناس عن عطاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ومخلد =

مَعَ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَإِنْ قُصِدَ غَيْرُهُ؛ مُسَارَعَةً إِلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ. وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَهُوَ بِالطَّرِيقِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ: "اجْلِسُوا ". فَجَلَسَ فِي الطَّرِيقِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ ". فَقَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: اجلسوا فجلست. فَقَالَ [لَهُ] 1 النَّبِيُّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "زادك الله طاعة" 2،

_ = هو شيخ". قلت: قال ابن حجر عنه في "التقريب": "صدوق له أوهام". ومن أوهامه وصله لهذا الحديث، وقد خالفه الوليد بن مسلم؛ فرواه عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس لا عن جابر. أخرجه ابن خزيمة في "الصحيح" "3/ 141-142/ رقم 1780"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 283-284"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 205-206". وقال ابن خزيمة قبله: "إن كان الوليد بن مسلم ومن دونه حفظ ابن عباس في هذا الإسناد؛ فإن أصحاب ابن جريج أرسلوا هذا الخبر عن عطاء عن النبي, صلى الله عليه وسلم". وضعفه شيخنا الألباني بقوله في التعليق على "صحيح ابن خزيمة": "قلت: فيه مع الإرسال الذي أشار إليه الحافظ -أي: ابن خزيمة- عنعنة ابن جريج، وكذا الوليد وكان يدلس تدليس التسوية, وهشام بن عمار كان يتلقن". بقي بعد هذا أمر، وهو أن ابن عبد البر في "الجامع" "2/ 866/ رقم 1632" أورد هذا الحديث بقوله: "وروي عن ابن مسعود أنه جاء يوم الجمعة ... "، ثم قال: "ذكره أبو داود في كتاب الجمعة من "السنن""؛ فأوهم صنيعه هذا المصنف -أي: الشاطبي- أن الحديث من مسند ابن مسعود، وليس هو كذلك، بل هو -عند أبي داود- من مسند جابر، والمصنف ينقل كثير من الأحاديث ويعزوها أو يحكم عليها تقليدا لغيره، وقد أكثر في هذا الكتاب من النقل عن ابن عبد البر, رحمه الله تعالى. 1 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"خ" و"ط". 2 أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" "3/ 256-257"، والديلمي في "الفردوس"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" -كما في "الكنز" "رقم 37170، 37171"- بإسناد منقطع؛ فهو ضعيف.

وَظَاهِرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالْأَمْرِ بِالْجُلُوسِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ سَارَعَ إِلَى امْتِثَالِهِ، وَلِذَلِكَ سَأَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ رَآهُ جَالِسًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسٍ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا يُصَلِّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ". فَأَدْرَكَهُمْ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الطَّرِيقِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، وَلَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. "فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً من الطائفتين1"2. ويدخل ههنا كُلُّ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخْطَأَ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ بَعْضَ الْقَوَاطِعِ3، وَكَذَلِكَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ؛ فَإِنَّهُ وُقُوفٌ مَعَ أَحَدِهِمَا وَإِهْمَالٌ لِلْآخَرِ، فَإِذَا فُرِضَ مُهْمَلًا لِلرَّاجِحِ؛ فَذَلِكَ لِأَجْلِ وُقُوفِهِ مَعَ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ مِثْلُهُ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِدَلِيلٍ مَنْسُوخٍ أَوْ غَيْرِ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ وقوف مع ظاهر دليل يعتمد

_ 1 تحرفت في "م" إلى: "الطائعتين"؛ بالعين بدل الفاء. 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء, 2/ 436/ رقم 946، وكتاب المغازي، باب مرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأحزاب، 7/ 407-408/ رقم 4119"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، 3/ 1391/ رقم 1770" من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- ولفظ مسلم: "أن لا يصلين أحد الظهر ... "! 3 إذا حكم الحاكم في قضية ثم تغير اجتهاده؛ فليس له أن ينقض حكمه بنفسه, ولا يسوغ لغيره نقضه؛ لأنه يؤدي إلى عدم استمرار الأحكام؛ فتفوت المصلحة المقصودة من نصب الحكام وفصل الخصومات قال أبو سفيان للخليفة عثمان بن عفان: "لا ترد على من قبلك فيرد عليك من بعدك", وإنما يمضي حكم الحاكم في القضايا الموكولة إلى الاجتهاد, فإن خالف نصا جليا أو إجماعا أو قاعدة قطعية؛ وجب نقضه كما ينقض حكم القاضي المقلد إذا خالف الراجح المفتى به في مذهب إمامه. "خ".

مِثْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ مَعْنَى الْعَفْوِ الْمَذْكُورِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: "الْوُقُوفُ مَعَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ"؛ فَشُرِطَ فِيهِ الْمُعَارَضَةُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَارِضٍ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ تَخْيِيرٌ عُمل عَلَى وَفْقِهِ، فَلَا عَتبَ يُتوهم فِيهِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ تَلْزَمُهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ؛ فَلَا مَوْقِعَ لِلْعَفْوِ فِيهِ. وَإِنَّمَا قِيلَ: "وَإِنْ قَوِيَ مُعَارِضُهُ"؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يقْوَ مُعَارِضُهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، بَلْ1 مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَلِيهِ عَلَى إِثْرِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ تَرْكٌ لدليل2، وَإِنْ كَانَ إِعْمَالًا لِدَلِيلٍ أَيْضًا؛ فَأَعْمَالُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَقْوَى عِنْدَ النَّاظِرِ أَوْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَإِعْمَالِ الدَّلِيلِ غَيْرِ الْمُعَارِضِ؛ فَلَا عَفْوَ فِيهِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ عَنْ قَصْدٍ لَكِنْ بِالتَّأْوِيلِ، فَمِنْهُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا عَلَى اعْتِقَادِ إِبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ تَحْرِيمِهِ أَوْ كَرَاهِيَّتِهِ، أَوْ يَتْرُكُهُ مُعْتَقِدًا إِبَاحَتَهُ إِذَا3 لَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ؛ كَقَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، لَا يَعْلَمُ أَنَّ الخمر محرمة فيشربها، أو لا يعلم

_ 1 لعل الأصل هكذا: "بل ولا من النوع الذي ... إلخ"؛ أي: إنه إذا كان المعارض ضعيفا لا يكون أيضا من النوع الثاني؛ لأن الثاني ترك لدليل وخروج عن مقتضاه قصدا بتأويل أو بغير قصد, وما نحن بصدده إعمال لدليل ضعيف معارضه؛ فلا هو من الأول الذي لوحظ فيه قوة معارضه، ولا هو من الثاني الذي لوحظ فيه أنه ترك لدليل وخروج عنه بغير قصد أو بقصد، لكن بتأويل، والحاصل أنه لما كان إعمال المعارض بضعيف كان إعمال* لدليل غير معارض صار لا يتوهم فيه مؤاخذة حتى يكون من مواضع العفو. "د". 2 في "د" بعد كلمة "وهنا" -واستظهر المحقق عدم مناسبتها للسياق- فقال: "يشبه أن يكون هنا سقط، والأصل: "وهذا"". 3 في "ط": "إذ".

أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ فَيَتْرُكُهُ، وَكَمَا اتَّفَقَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ حِينَ لَمْ تَعْلَمِ الْأَنْصَارُ طَلَبَ الْغُسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ1، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ يَتَبَيَّنُ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى تَخْلِيلَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَيَرَاهُ مِنَ التَّعَمُّقِ، حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُخَلِّلُ2؛ فَرَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَكَمَا اتَّفَقَ لِأَبِي يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي الْمُدِّ وَالصَّاعِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ3. وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ4 خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا، وَمِمَّا يُرْوَى مِنَ الْحَدِيثِ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا استكرهوا عليه" 5، فإن صح

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الحيض، باب نسخ "الماء من الماء" ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، 1/ 271-272/ رقم 349" عن أبي موسى الأشعري؛ قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار؛ فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل ... 2 ورد ذلك في أحاديث عديدة سردها الزيلعي في "نصب الراية" "1/ 26-27"، منها حديث لقيط بن صبرة؛ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "إذا توضأت فأسبغ الوضوء, وخلل بين أصابعك"، وهو حديث صحيح؛ كما قال ابن حجر في "الإصابة" "3/ 329"، وقال في "التلخيص الحبير" "1/ 81": "صححه الترمذي والبغوي وابن القطان". قلت: وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن السكن؛ كما قال ابن الملقن في "تحفة المحتاج" "1/ 184"، وقد خرجته وتكلمت عليه بتوسع في تحقيقي لكتاب "الطهور" لأبي عبيد "رقم 284". 3 ذكره ابن تيمية في "صحة أصول أهل المدينة" "33"، وابن القيم في "إعلام الموقعين" "2/ 394". 4 أي: يخرج عن مقتضى الدليل خطأ بأن لا يفهم الدليل مثلا على وجهه، أو نسيانا للدليل، أما خطأ المجتهد المعدود سابقا في النوع الأول؛ فقد وقف فيه مع دليل لكن ظهر خطؤه في التمسك به لضعفه بإزاء دليل آخر مثلا؛ فهذا خرج عن الدليل، وذاك وقف مع دليل ظهر خطؤه في الاعتداد به؛ فتنبه لتفرق بين النوعين في جميع الأمثلة فيهما. "د". 5 مضى تخريجه "ص236".

فَذَلِكَ, وَإِلَّا فَالْمَعْنَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَإِنْ وُجِدَ الْقَصْدُ: الْإِكْرَاهُ الْمُضَمَّنُ فِي الْحَدِيثِ، وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا الْعَفْوُ عَنْ عَثَرَاتِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ إِقَالَتُهُمْ1 فِي الزَّلَّاتِ، وَأَنْ لَا يُعَامَلُوا بِسَبَبِهَا مُعَامَلَةَ غَيْرِهِمْ، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ" 2. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "تَجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالصَّلَاحِ" 3، وَرُوِيَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ فَإِنَّهُ قَضَى بِهِ فِي رَجُلٍ مِنْ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ شَجَّ رَجُلًا وَضَرَبَهُ؛ فَأَرْسَلَهُ وَقَالَ: أَنْتَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ. وَفِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ4 بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَأْدَى عَلَيَّ مَوْلًى لِي جَرَحْتُهُ يُقَالُ لَهُ سَلَامٌ الْبَرْبَرِيُّ إِلَى ابْنِ حَزْمٍ، فَأَتَانِي فَقَالَ: جَرَحْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: سمعت خالتي عمرة تقول:

_ 1 على فرض تسليم أصل الحديث وما بعده؛ فليس هذا من العفو الذي فيه الكلام، وهو أنه لا حرج فيه شرعا، يعني: لا إثم, وفيه المغفرة ... إلخ، أما كونه لا يقتص منه لعبده أو لمن شجه؛ فهذا غير موضوع مرتبة العفو التي فيها الكلام من أول المسألة. "د". 2 سيأتي تخريجه قريبا من حديث عائشة -رضي الله عنها- وهو حسن. 3 أخرجه الطحاوي في "المشكل" "3/ 130-ط الهندية، و6/ 150/ رقم 2378-ط المحققة" من حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ: "تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة وهم ذوو الصلاح"، وإسناده ضعيف، فيه محمد بن عبد العزيز ضعفوه، كما قال الذهبي، وباقي رجاله ثقات. وأخرج ابن الأعرابي في "المعجم" "رقم 326"، والسهمي في "تاريخ جرجان" "154" بإسناد جيد عن ابن عمر مرفوعا: "تجاوزوا في عقوبة ذوي الهيئات"، هذا لفظ ابن الأعرابي، ولفظ السهمي: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ". والحديث حسن يحتج به، وسيأتي تخريجه من حديث عائشة, رضي الله عنها. 4 في الأصل والنسخ الثلاث: "عبد الله"، والتصويب من مصادر التخريج الآتية.

قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ" 1 فَخَلَّى

_ 1 أخرجه أحمد في "المسند" "6/ 181"، والطحاوي في "المشكل" "3/ 129"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 334"، وأبو نعيم في "الحلية" "9/ 43" من طرق عن عبد الملك بن زيد عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرة عن عائشة مرفوعا، مع زيادة في آخره: "إلا الحدود ". وأخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الحدود، باب في الحد يشفع فيه، 4/ 133/ رقم 4375", والبيهقي في "الكبرى" "8/ 267، 334" من طريقين عن ابن أبي فديك عن عبد الملك بن زيد -وهو من ولد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل- عن محمد بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة مثله، بزيادة: "عن أبيه". وعبد الملك بن زيد ترجمه ابن حبان في "الثقات" "7/ 95"، وقال عنه النسائي: "ليس به بأس"، وضعفه علي بن الجنيد. ورواه بهذا اللفظ ولكن بإسقاط "عن أبيه" من السند المذكور: أبو بكر بن نافع العمري عن محمد بن أبي بكر به؛ كما عند البخاري في "الأدب المفرد" "رقم 465"، وإسحاق بن راهويه في "المسند" "رقم 599"، والطحاوي في "المشكل" "3/ 126"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 94- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 334". ولفظ إسحاق وابن حبان: "أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم ". وأبو بكر بن نافع مولى آل زيد بن الخطاب ضعيف. وتابع أبو بكر بن نافع وعبد الملك بن زيد, عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر؛ كما عند النسائي في "الكبرى"، كما في "تحفة الأشراف" "12/ 413"، والطحاوي في "المشكل" "3/ 127, 128، 129". وتابع المذكورين: عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله؛ كما عند الطحاوي في "المشكل" "3/ 129"، وهو ثقة، وكذا من دونه؛ فإسناده صحيح، وذكر القصة التي أوردها المصنف، وهي سبب إيراده للحديث، لا سبب ورود الحديث. وللحديث شواهد؛ منها حديث ابن عمر مر قريبا, وحديث ابن مسعود مرفوعا: "أقيلوا ذوي الهيئة زلاتهم"، رواه الخطيب "10/ 85-86"، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" "2/ 234" بسند حسن في الشواهد، وانظر: "السلسلة الصحيحة" "رقم 638"، وحسنه ابن حجر في "أجوبته على =

سَبِيلَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ شُئُونِ رَبِّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} الْآيَةَ [النَّجْمِ: 31، 32] ، لَكِنَّهَا1 أَحْكَامٌ أُخْرَوِيَّةٌ، وَكَلَامُنَا فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى دَرْءُ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَقُومُ هُنَالِكَ مُفِيدًا لِلظَّنِّ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِذَا عَارَضَهُ شُبْهَةٌ وَإِنْ ضَعُفَتْ؛ غَلَبَ

_ = أحاديث المشكاة" "ص1790"، ومن قبله العلائي في "النقد الصحيح" "رقم 5". وانظر كذلك: "عون المعبود" "12/ 39"، و"المقاصد الحسنة" "73". وعلق "خ" في هذا الموطن ما نصه: "هذا الأثر مما نرتاب في صحته، ولا نكاد نفهم كيف يسوغ القاضي أن يعفو من تلقاء نفسه على من اعتدى على شخص بالضرب أو بالجرح، ويخلي سبيله متكئا على أنه من ذوي الهيئات؛ فصورة الواقعة بحسب الوجه الذي حكيت به مخالفة لما جاءت به الشريعة العادلة من التساوي في الحقوق، وأن لا فرق فيها بين شريف ووضيع، ولو كان في يد الحاكم أن يطلق سبيل المعتدي على غيره بضرب أو جرح؛ لكان لعمر بن الخطاب وجه لو أغضى عن لطم جبلة ملك غسان لذلك العامل الضعيف ولم يقل له بملء فمه الطاهر: "الإسلام سوى بينكما"، ولو عفا ابن الخطاب عن جبلة في هذه الواقعة؛ لهدم قاعدة المساواة من أساسها، وتكدرت عليه خواطر الأمة؛ فيضطرب حبل السياسة، ولا يستطيع أن يكون ذلك الرجل الذي مد جناحي خلافته على دول عظيمة في أمد غير بعيد". قلت: توجيه الطحاوي في "المشكل" "6/ 142-154" هذا الحديث يرد على المزبور، وكلامه قوي ولا سيما وقد صح الحديث, ولله الحمد. 1 والعفو بالمعنى الذي نقرره هو أمر أخروي؛ فراجع أمثلته السابقة، حتى إنه عبر عنه فيما سبق آنفا بحصول المغفرة, وهي حكم أخروي بالقصد الأول، وإن كان قد يتبعها عدم الحد في مثل الشرب مثلا، إلا أن هناك أمورا لا شيء فيها دنيويا، كخطأ الاجتهاد مثلا؛ فإن عفوه أخروي صرف. "د".

حُكْمُهَا، وَدَخَلَ1 صَاحِبُهَا فِي حُكْمِ الْعَفْوِ. وَقَدْ يعد هذا المثال2 مِمَّا خُولِفَ فِيهِ الدَّلِيلُ بِالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا3، وَمِثَالُ مُخَالَفَتِهِ بِالتَّأْوِيلِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِالدَّلِيلِ: مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 93] عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ حِينَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنْ كُنْتُ شَرِبْتُهَا فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَجْلِدَنِي. قَالَ عُمَرُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 93] . فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكَ أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةُ، إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ4. قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تُكَفِّرُ مَا كَانَ مِنْ شُرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنِ اتَّقَى وَآمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ وَأَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ، بِخِلَافِ مَنِ اسْتَحَلَّهَا، كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَلَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثِ قدامة أنه حُدَّ.

_ 1 وهل هذا لا يسقط الإثم أيضا، وظاهر أنه يسقطه في غالب صور الشبهة، فإذا استقلت الشبهة بإسقاط الحد؛ لا يكون من مرتبة العفو التي هي موضوعنا. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "المجال"، والتصحيح من الأصل. 3 لأنه الضرب الثاني من النوع الثاني؛ إلا أنه يقال عليه: كيف يعد خروجا عن مقتضى الدليل بالتأويل مع أنه وقوف مع الدليل الصريح: "ادرءوا الحدود بالشبهات"؛ فهو لم يخرج عن الدليل العام في الحدود المخصص بها الدليل؛ لأنه بعد تخصصه لا يقال خرج عنه، بل هو إعمال للدليل المخصص الذي أفاد أن دلالة العام لا تشمل هذا الموضع؛ فلا نسلم أن درء الحدود بالشبهات من النوع الثاني بقسميه؛ لأنه لا ترك فيه للدليل* بغير قصد ولا بقصد التأويل. "د". 4 مضى تخريجه "ص158".

وَمِمَّا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ زَمَانًا جَاهِلَةً بِالْعَمَلِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا فِيمَا تَرَكَتْ، قَالَ فِي "مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ": لَوْ طَالَ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَالنُّفَسَاءِ الدَّمُ، فَلَمْ تُصَلِّ النُّفَسَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَلَا الْمُسْتَحَاضَةُ شَهْرًا؛ لَمْ يَقْضِيَا مَا مَضَى -إِذَا تأولتا فِي1 تَرْكِ الصَّلَاةِ دَوَامَ مَا بِهِمَا مِنَ الدَّمِ- وَقِيلَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ: إِذَا تَرَكَتْ بَعْدَ أَيَّامِ أَقْرَائها يَسِيرًا أَعَادَتْهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا؛ فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ بِالْوَاجِبِ، وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا إِذَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ جَاهِلَةً لَا تَقْضِي صَلَاةَ تِلْكَ الْأَيَّامِ. وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهَا الْقَضَاءَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ مُخَالَفَةٌ لِلدَّلِيلِ مَعَ الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ؛ فَجَعَلُوهُ مِنْ قَبِيلِ الْعَفْوِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْمُسَافِرُ يَقْدَمُ2 قَبْلَ الْفَجْرِ، فَيَظُنُّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا صَوْمَ لَهُ، أَوْ تَطْهُرُ الْحَائِضُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ فَتَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا حَتَّى تَطْهُرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَلَا كَفَّارَةَ هُنَا، وَإِنْ خَالَفَ الدَّلِيلَ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ، وَإِسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ هُوَ3 مَعْنَى الْعَفْوِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ مسكوت عن حكمه فيه نَظَرٌ، فَإِنَّ خُلُوَّ بَعْضِ الْوَقَائِعِ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ4، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بصحة

_ 1 تصحفت في "د": "تأولنا" بالنون. 2 تأمل لتدرك الفرق بين هذه الأمثلة وما مضى فيمن سافر أقل من أربعة برد، حيث كان من الأول الواقف مع مقتضى الدليل المعارض بقوي، وبين هذا الخارج عن الدليل متأولا؛ فالفرق غير ظاهر. "د". 3 ولِمَ لم نقل: وإسقاط الإثم أيضا، وكأنه بان على ما سبق له آنفا من أن الكلام في الأحكام الدنيوية، وقد علمت أن هذا لا يطرد في أصل المسألة، وأمثلته الكثيرة لها، بل وتصريحه سابقا بقوله: "ورفع الحرج والمغفرة". "د". 4 لا يحق لأحد بعد التفقه في قوله تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} , وَقَوْلِهِ: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ، أن يذهب إلى أن يكون بعض الوقائع خاليا من الحكم الشرعي على معنى أن الشريعة أهملته إهمالا مطلقا، بحيث لم تصب دليلا أو تضع أمارة تنبه بها المكلف على مقصدها فيه؛ هل هو الإيجاب، أو الحظر، أو رفع الحرج؟ ولم يبق سوى أن من يقول في الوقائع ما يخلو عن الحكم إنما يقصد عدم نصب دليل يخصه أو يخص نوعه، وهو المسكوت عنه الذي عرف بأدلة عامة أن الشريعة تصدت رفع الحرج فيه عن المكلفين، ورأت طائفة إلى أن الأدلة العامة تجعله من قبيل المحظور. "خ".

الْخُلُوِّ؛ فَيَتَوَجَّهُ النَّظَرُ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ: "وَمَا سُكِتَ عَنْهُ؛ فَهُوَ عَفْوٌ" 1، وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ؛ فَيُشْكِلُ الْحَدِيثُ؛ إِذْ لَيْسَ ثَمَّ مَسْكُوتٌ عَنْهُ بِحَالٍ، بَلْ هُوَ إِمَّا مَنْصُوصٌ، وَإِمَّا مَقِيسٌ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَالْقِيَاسُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَلَا نَازِلَةَ إِلَّا وَلَهَا فِي الشَّرِيعَةِ مَحَلُّ حُكْمٍ، فَانْتَفَى الْمَسْكُوتُ عَنْهُ إِذًا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُصْرَفَ السُّكُوتُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَى تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ مَعَ وُجُودِ مَظِنَّتِهِ، وَإِلَى السُّكُوتِ عَنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ مَعَ اسْتِصْحَابِهَا فِي الْوَقَائِعِ، وَإِلَى السُّكُوتِ عَنْ أَعْمَالٍ أُخِذَتْ قَبْلُ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ, عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَالْأَوَّلُ: كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 5] ، فَإِنَّ هَذَا الْعُمُومَ يَتَنَاوَلُ بِظَاهِرِهِ مَا ذَبَحُوا لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَإِذَا نُظِرَ إِلَى الْمَعْنَى [أُشْكِلَ] 2؛ لِأَنَّ فِي ذَبَائِحِ الْأَعْيَادِ زِيَادَةٌ تُنَافِي أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ؛ فَكَانَ لِلنَّظَرِ هُنَا مَجَالٌ، وَلَكِنَّ مَكْحُولًا سُئِلَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَقَالَ: كُلْهُ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَقُولُونَ وَأَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ، يُرِيدُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْآيَةَ لَمْ يُخَصَّ3 عُمُومُهَا، وَإِنْ وُجِدَ هَذَا الْخَاصُّ الْمُنَافِي، وَعَلِمَ اللَّهُ مُقْتَضَاهُ وَدُخُولَهُ تَحْتَ عموم

_ 1 مضى تخريجه "ص225". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 3 في الأصل: "تخص".

اللَّفْظِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَحَلَّ مَا لَيْسَ فِيهِ عَارِضٌ وَمَا هُوَ فِيهِ، لَكِنْ بِحُكْمِ الْعَفْوِ عَنْ وَجْهِ الْمُنَافَاةِ. وَإِلَى نَحْوِ هَذَا يُشِيرُ قَوْلُهُ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ لَا عَنْ نِسْيَانٍ؛ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا" 1 وَحَدِيثُ الْحَجِّ أَيْضًا مِثْلُ هَذَا، حِينَ قَالَ: "أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ؟ "2؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ اللَّفْظِ يُعْطِي أَنَّهُ لِلْأَبَدِ، فكَرِهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُؤَالَهُ، وَبَيَّنَ لَهُ عِلَّةَ تَرْكِ السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ: "إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا ... " 3 إِلَخْ يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يُحَرَّمْ، ثُمَّ يُحَرَّمُ لِأَجْلِ الْمَسْأَلَةِ، إِنَّمَا يَأْتِي فِي الْغَالِبِ مِنْ جِهَةِ إِبْدَاءِ وَجْهٍ4 فِيهِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، مَعَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي الْحِلِّيَّةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُهُ فِي أَنْفُسِهَا، أَوْ دَخَلَهَا مَعْنًى يُخَيِّلُ الْخُرُوجَ عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَنَحْوُ حَدِيثِ: " ذَرُونِي 5 مَا تَرَكْتُكُمْ" 6 وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: كَمَا فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى حُكْمِ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَدْرِيجٍ؛ كَالْخَمْرِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ؛ فَتُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَزَمَانًا بَعْدَ ذَلِكَ،

_ 1 مضى تخريجه "ص253" وهو حديث حسن. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العمرة، باب عمرة التنعيم، 3/ 606/ رقم 1785"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، 2/ 883-884/ رقم 1216" من حديث جابر بن عبد الله, رضي الله عنه. 3 مضى تخريجه "ص48"، وهو في "الصحيحين". 4 أي؛ فهو يسكت عنه؛ أي: يترك الاستفصال فيه مع وجود مظنته. "د". 5 فلا تستقصوا*؛ فيترتب على ذلك تفصيل لا يكون فيه مصلحتكم. "د". 6 مضى تخريجه "ص256"، وهو في "الصحيحين".

وَلَمْ يُتَعَرَّضْ فِي الشَّرْعِ لِلنَّصِّ عَلَى حُكْمِهَا حَتَّى نَزَلَ: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [الْبَقَرَةِ: 219] ؛ فَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ، وَأَنَّ الْأَضْرَارَ فِيهَا أَكْبَرُ مِنَ الْمَنَافِعِ1، وَتُرِكَ الْحُكْمُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إِذَا أَرْبَتْ عَلَى الْمَصْلَحَةِ؛ فَالْحُكْمُ لِلْمَفْسَدَةِ، وَالْمَفَاسِدُ مَمْنُوعَةٌ2؛ فَبَانَ وَجْهُ الْمَنْعِ فِيهِمَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ -وَإِنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ- تَمَسَّكُوا بِالْبَقَاءِ مَعَ الْأَصْلِ الثَّابِتِ لَهُمْ بِمَجَارِي الْعَادَاتِ، وَدَخَلَ لَهُمْ تَحْتَ الْعَفْوِ، إِلَى أَنْ نَزَلَ مَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوه} ؛ فَحِينَئِذٍ اسْتَقَرَّ حُكْمُ التَّحْرِيمِ، وَارْتَفَعَ الْعَفْوُ, وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 93] ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ قَالُوا: كَيْفَ بِمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا؟ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ3، فَرَفْعُ الْجُنَاحِ هُوَ مَعْنَى4 الْعَفْوِ. وَمِثَالُ5 ذَلِكَ الرِّبَا الْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ بُيُوعُ الْغَرَرِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمْ؛ كَبَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ، وَالثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، كُلُّهَا كَانَتْ مَسْكُوتًا عَنْهَا، وَمَا سُكِتَ عَنْهُ؛ فَهُوَ في معنى

_ 1 في الأصل: "النفع". 2 ولذا قال بعضهم: إن التحريم بدأ من هذه الآية؛ لأنه ذكر ما يقتضي الحرمة، لكن لما لم ينص؛ تمسكوا بالأصل بمقتضى العادة، فكان عفوا. "د". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ... } ، 8/ 278/ رقم 4620"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر ... 3/ 1570/ رقم 1980" عن أنس, رضي الله عنه. 4 تنبه لهذا؛ فهو يؤيد ما قلناه في معنى العفو، وأن الأصل فيه الحكم الأخروي، والأحكام الدنيوية إن وجدت تكون تابعة له. "د". 5 في النسخ المطبوعة: "ومثل".

الْعَفْوِ، وَالنَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ هَذَا الْمَعْنَى؛ لِوُجُودِ جُمْلَةٍ مِنْهُ بَاقِيَةٍ إِلَى الْآنَ عَلَى حُكْمِ إِقْرَارِ الْإِسْلَامِ؛ كَالْقِرَاضِ، وَالْحُكْمِ فِي الْخُنْثَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ. وَالثَّالِثُ: كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِمَا؛ إِلَّا مَا غَيَّرُوا؛ فَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ، وَيُطَلِّقُونَ، وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، وَيَمْسَحُونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَيَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَيُلَبُّونَ، وَيَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، وَيَأْتُونَ مُزْدَلِفَةَ، وَيَرْمُونَ الْجِمَارَ، وَيُعَظِّمُونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وَيُحَرِّمُونَهَا، وَيَغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيُغَسِّلُونَ مَوْتَاهُمْ وَيُكَفِّنُونَهُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيَقْطَعُونَ السَّارِقَ، وَيَصْلُبُونَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ فِيهِمْ مِنْ بَقَايَا مِلَّةِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ؛ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ؛ فَبَقُوا عَلَى حُكْمِهِ حَتَّى أَحْكَمَ الْإِسْلَامُ مِنْهُ مَا أَحْكَمَ، وَانْتَسَخَ مَا خَالَفَهُ؛ فَدَخَلَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ1 فِي حُكْمِ الْعَفْوِ مِمَّا لَمْ يَتَجَدَّدْ فِيهِ خِطَابٌ زِيَادَةً عَلَى التَّلَقِّي مِنَ الْأَعْمَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ نُسِخَ مِنْهَا مَا نُسِخَ، وأُبقي مِنْهَا مَا أُبْقِي عَلَى الْمَعْهُودِ الْأَوَّلِ. فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا الْبَسْطِ مَوَاقِعُ الْعَفْوِ فِي الشَّرِيعَةِ وَانْضَبَطَتْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يَكُونُ إِعْمَالًا لِأَدِلَّتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ بَقِيَ النَّظَرُ فِي الْعَفْوِ؛ هَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قِيلَ حُكْمٌ؛ فَهَلْ يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ التكليف أم خِطَابِ الْوَضْعِ؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ كُلُّهُ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ عَمَلِيٌّ؛ لَمْ يَتَأَكَّدِ الْبَيَانُ فِيهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ، والله الموفق للصواب.

_ 1 مما استمروا عليه مدة ثم نسخ."د".

المسألة الحادية عشرة: فرض الكفاية طَلَبُ الْكِفَايَةِ, يَقُولُ الْعُلَمَاءُ بِالْأُصُولِ: أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْجَمِيعِ، لَكِنْ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ, وَمَا قَالُوهُ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ كُلِّيِّ1 الطَّلَبِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ جُزْئِيِّهِ؛ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ, وَيَنْقَسِمُ أَقْسَامًا، وَرُبَّمَا تَشَعَّبَ تَشَعُّبًا طَوِيلًا، وَلَكِنَّ الضَّابِطَ لِلْجُمْلَةِ مِنْ ذَلِكَ؛ أَنَّ الطَّلَبَ وَارِدٌ عَلَى الْبَعْضِ، وَلَا عَلَى الْبَعْضِ كَيْفَ كَانَ، وَلَكِنْ عَلَى مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ، لَا عَلَى الْجَمِيعِ عُمُومًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 122] ؛ فَوَرَدَ التَّحْضِيضُ عَلَى طَائِفَةٍ لَا عَلَى الْجَمِيعِ. وَقَوْلِهِ: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} 2 الآية [آل عمران: 104] .

_ 1 أي: باعتبار مجموعة فروض الكفايات، وإلا؛ فهذا إنما يتوجه على بعض المكلفين المتأهلين للقيام به، ويتفرع على هذا أنه إذا لم يقم به أحد؛ فإن الإثم لا يعم المكلفين، بل يخص المتأهلين فقط، هذا مراده ومحل استدلاله؛ فعليك بتطبيق أدلته على هذا المعنى، وهذا غير الخلاف بين الأصوليين في أنه متوجه على الكلي الإفرادي؛ كما هو التحقيق، أو المجموعي كما هو مقابله؛ لأن خلافهم يجري هنا أيضا بعد تسليم مسألته هنا؛ فيقال: هل البعض المتأهل لهذا الفرض الوارد عليه الطلب المراد به كل البعض الإفرادي أو المجموعي. "د". 2 هذه الآيات لا تدل على أن الطلب متوجه إلى البعض، بل للمانع أن يقول: المعنى يجب عليكم جميعا أن يكون بعضكم المتأهل لذلك داعيا إلى الخير ... إلخ مثلا، ومعنى توجه الطلب على الجميع أن ينهضوهم لذلك ويعدوهم له، ويعاونوهم بكل المسائل ليتحقق هذا المهم من المصلحة، فإن لم يحصل هذا المهم من المصلحة؛ أثم جميع المكلفين، المتأهل وغيره، وفي مثله {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} إلخ. "د". قلت: انظر حول تفسير الآيات في: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "15/ 165-166"، و"بدائع التفسير" "1/ 508 و2/ 384-385" لابن القيم.

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} [النِّسَاءِ: 102] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا. وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، وَرَدَ الطَّلَبُ فِيهَا نَصًّا عَلَى الْبَعْضِ لَا عَلَى الْجَمِيعِ. وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ كَالْإِمَامَةِ1 الْكُبْرَى أَوِ الصُّغْرَى، فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ فِيهِ أَوْصَافُهَا الْمَرْعِيَّةُ لَا عَلَى كُلِّ النَّاسِ، وَسَائِرُ الْوِلَايَاتِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ إِنَّمَا يُطْلَبُ2 بِهَا شَرَعًا بِاتِّفَاقٍ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقِيَامِ بِهَا وَالْغَنَاءِ فِيهَا3, وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ -حَيْثُ يَكُونُ فرض كفاية- إنما

_ 1 على رأيه يكون الإثم الآن حيث لا خلافة قائمة على من كان فيه الأوصاف المعتبرة للخلافة لا غير، وليست الأمة بآثمة، فإذا فرض أن الشروط المرعية غير متوفرة الآن؛ فلا إثم على أحد، وهذا ما لا يمكن أن يسلم به، والتعين الذي يقوله شيء آخر غير فرض الكفاية الذي هو موضوعنا. "د". 2 بل الذي يقال: إنما تسند إلى من كان أهلا، ولكن المطالب بذلك الجميع. "د". 3 المستحق للولاية من تحقق فيه أمران: أحدهما: القدرة على القيام بأعبائها، وهذا يرجع إلى العلم وجودة الرأي في تدبير شئونها. ثانيهما: الاستقامة، وهي العمل بما عرف من حق ومصلحة، وإجراؤه بعزم ثابت على الرغم من كل هوى يثور في النفس أو خيال يزين له إيثار مرضاة الوجيه أو الغني على الفوز برضا الأمة الذي هو أمارة رضوان الخالق وسلامة العاقبة، هذان الشرطان هما اللذان يصح لمن تحققا فيه أن يتقلد منصبا أو عملا، ولكن جاء في الحديث الصحيح المصرح بأن يكون الإمام الأكبر قرشيا، وحقق آخرون النظر؛ ففهموا أن ذكر القرشية في الحديث لكون شدة العصبية التي هي ملاك المنعة وعزة الجانب كانت بالغة غايتها في قريش، لو انحلت الرابطة القرشية ونهض رئيس غير قرشي، وقد التفت حوله قوة يمكنها أن تذود عن الأمة كل من يتهافت به الجشع على استعبادها؛ لكان جديرا بالإمامة وحقيقا بأن تمد له الشعوب الإسلامية أيديها بالمبايعة والطاعة. "خ".

يَتَعَيَّنُ1 الْقِيَامُ بِهِ عَلَى مَنْ فِيهِ نَجْدَةٌ وَشَجَاعَةٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَبَ بِهَا مَنْ لَا يُبْدِئُ فِيهَا وَلَا يُعِيدُ؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ، وَمِنْ بَابِ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْمُجْتَلَبَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَدْفَعَةِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ شَرْعًا. وَالثَّالِثُ: مَا وَقَعَ مِنْ فَتَاوَى2 الْعُلَمَاءِ، وَمَا وَقَعَ أَيْضًا فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ3: "يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ" 3، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نَهَاهُ عَنْهَا، فَلَوْ فُرِضَ إِهْمَالُ النَّاسِ لَهُمَا؛ لَمْ يَصِحَّ4 أَنْ يُقَالَ بِدُخُولِ أبي ذر في حرج

_ 1 لسنا في فرض العين، فهذا مسلم أنه إنما يتعين على هؤلاء، ولكن علينا جميعا أن يحصل ذلك، وبالجملة؛ فالقيام فعلا بالمصلحة إنما يسند إلى من يتأهل له، وقد يكون الطلب المتوجه إليه في ذلك طلب عين إذا لم يوجد متأهل خلافه، فإن وجد؛ كان الطلب لا يزال كفائيا، كغيره ممن لم يتأهل، ويكون الفرق بين المتأهل وغيره؛ أن غير المتأهل عليه أن يعمل ليقوم بها المتأهل، والمتأهل عليه ذلك، وعليه إذا تعين لها أن يقوم بها. "د". 2 هل فتاوى العلماء تعتبر دليلا في مثل هذا، وهو أصل كبير في الدين ينبني عليه كما قلنا أحكام تشمل الأمة أو لا تشملها؟ "د". 3 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، 3/ 1457-1458/ رقم 1826", وأبو داود في "السنن" "كتاب الوصايا، باب ما جاء في الدخول في الوصايا/ رقم 2868"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الوصايا، باب النهي عن الولاية على مال اليتيم، 6/ 255"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 129 و6/ 283" من حديث أبي ذر, رضي الله عنه. 4 وهذا صريح فيما قررناه من أنه ينبني على كلامه أن المخاطب بفرض الكفاية خصوص من فيه أهلية له، فلو أهمل؛ لم تأثم الأمة، حتى لو فرض أن المسلمين كان فيهم واحد فقط أهلا للخلافة ولم يتوسدها؛ كان هو الآثم فقط، وهل ينال الخلافة بغير الأمة التي تعهد إليه بها؟ فإذا لم تنهضه الأمة وتبايعه؛ كانت آثمة قطعا. "د".

الْإِهْمَالِ، وَلَا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ" 1، وَهَذَا النَّهْيُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ عَامَّةِ الْوُجُوبِ، وَنَهَى أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَعْضَ النَّاسِ عَنِ الْإِمَارَةِ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: نَهَيْتَنِي عَنِ الْإِمَارَةِ ثُمَّ وُلِّيتَ؟ فَقَالَ لَهُ: "وَأَنَا الْآنَ أَنْهَاكَ عَنْهَا". وَاعْتَذَرَ لَهُ عَنْ وِلَايَتِهِ هُوَ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا2. وَرُوِيَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فِي أَنْ يَقُصَّ؛ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ3، وَهُوَ مِنْ مَطْلُوبَاتِ الْكِفَايَةِ -أعني: هذا النوع من

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} ، 11/ 516-517/ رقم 6622، وكتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده، 11/ 608/ رقم 6722" عن عبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه- وتتمته: "فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ". 2 أخرجه ابن المبارك في "الزهد" "ص235"، وعبد الرزاق في "المصنف" "11/ 321" مطولا، دون قصة مراجعة الرجل له بذلك بعد توليه الخلافة، وفيه أن اسم الرجل: رافع الطائي. وزاد نسبته في "الإصابة" "1/ 497"، للطبراني وابن خزيمة. 3 أخرج أحمد في "المسند" "3/ 449", وابن أبي عاصم في "المذكر والتذكير والذكر/ رقم 3"، والطبراني في "الكبير" "7/ 177" عن السائب بن يزيد؛ قال: "لم يقص عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- ولا عهد أبي بكر، ولا عهد عمر -رضي الله عنهما- وأول من قص تميم الداري، استأذن عمر أن يقص؛ فأذن له أن يقص قائما على رجليه". وفي إسناده بقية بن الوليد، وهو مدلس، وقد عنعن. وأخرج ابن وهب في "الجامع" "1/ 89"، والطبراني في "الكبير" "2/ 49"؛ أن تميمًا الداري استأذن عمر في القصص فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه؛ فقال: =

الْقَصَصِ الَّذِي طَلَبَهُ تَمِيمٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ1. وَعَلَى هَذَا المَهْيَع2 جَرَى الْعُلَمَاءُ فِي تَقْرِيرِ كَثِيرٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ فَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ: أَفَرْضٌ هُوَ؟ فَقَالَ: "أَمَّا عَلَى كُلِّ النَّاسِ؛ فَلَا"3، يَعْنِي بِهِ الزَّائِدَ عَلَى الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ، وَقَالَ أَيْضًا: "أَمَّا مَنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْإِمَامَةِ؛ فَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، وَالْأَخْذُ فِي الْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ فِيهِ"؛ فَقَسَّمَ كَمَا تَرَى، فَجَعَلَ مَنْ فِيهِ قَبُولِيَّةٌ لِلْإِمَامَةِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَا جَعَلَهُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ, وَفِي ذَلِكَ بيان أنه ليس على كل

_ = "إن شئت"، وأشار بيده "يعني الذبح". وإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع، عمرو بن دينار لم يسمع عمر، قاله الهيثمي في "المجمع" "1/ 89". وأخرج ابن أبي عاصم في "المذكر والتذكير والذكر" "رقم 5" عن حميد بن عبد الرحمن؛ قال: "إن تميمًا الداري استأذن عمر -رضي الله عنه- أن يقص، فلم يأذن له، ثم استأذنه؛ فقال له عمر: تقول ماذا؟ فقال: أقرأ عليهم القرآن وأذكرهم وأعظهم. قال: فأذن له في الأسبوع يوما واحدا، ثم استأذن عثمان -رضي الله عنه- فأذن، ثم استزاده؛ فزاده يوما واحدا، وقد كان استزاد عمر يوما واحدا؛ فلم يأذن له". وحميد بن عبد الرحمن لم يدرك عمر، وفي إسناده أيضا عبد الله بن نافع الصائغ، في حفظه لين؛ فإسناده ضعيف، ولكن أخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "1/ 9-15"، وابن وهب في "الجامع" "1/ 88، 89" من طرق كثيرة عن عمر، تدلل على أن للقصة أصلا. 1 وعن عثمان -رضي الله عنه- كما تقدم، والوارد عن علي أخرجه ابن وهب في "الجامع" "1/ 88". 2 المهيع: الطريق الواسع المنبسط. انظر: "لسان العرب" "هـ ي ع". 3 أخرجه بنحوه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "رقم 32، 34، 35"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 45-46".

النَّاسِ1، وَقَالَ سَحْنُونُ: مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَتَقْلِيدِ الْعُلُومِ؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آلِ عِمْرَانَ: 104] ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِهِ؟! أَوْ لَا يَعْرِفُ الْمُنْكَرُ كَيْفَ يَنْهَى عَنْهُ؟! وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَاضِحٌ، وَبَاقِي الْبَحْثِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَوْكُولٌ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ. لَكِنْ قَدْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ التَّجَوُّزِ2؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ قِيَامٌ بِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ؛ فَهُمْ مَطْلُوبُونَ بِسَدِّهَا عَلَى الْجُمْلَةِ3؛ فَبَعْضُهُمْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا مُبَاشَرَةً، وَذَلِكَ مَنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا، والباقون

_ 1 أي: القيام به فعلا، وهذا لا نزاع فيه؛ لأن طبيعة فرض الكفاية أنه يقوم به أحد المتأهلين له. "د". 2 هذا مع قوله سابقا: "فلو فرض إهمال ... إلخ" يقتضي أنه ليس وجوبا حقيقيا بحيث يأثم الجميع بالترك؛ لأن هذا معنى "التجوز" الذي يقوله، يعني أنه* ليس واجبا بمعناه الشرعي؛ فلا يتم قوله بعد: "فلا يبقى للمخالفة وجه"، وإن كان يريد أنه فرض على الجميع حقيقة يأثم الكل بتركه؛ لأن عليهم إقامة القادر على الواجب، يعني: فإذا تركوا أثم الكل صح الكلام، لكن يخالف ما تقدم، ويجعل البحث كله والمسألة جميعها غير منتجة ثمرة في الدين، وتدخل المسائل التي لا هي من صلب العلم ولا من ملحه. "د". 3 يمتاز فرض الكفاية عن فرض العين بأن القصد منه وقوع الفعل المأمور به من غير نظر إلى فاعله، فمتى وقع ذلك الفعل على الوجه الصحيح؛ ارتفع الطلب سواء قام به فرد أو الجماعة بأكملها، أما فرض العين؛ فإن قصد الشارع منه يتوجه إلى الفاعل بعينه، حتى إذا عجز عن القيام بالفعل؛ سقط الطلب جملة، ولم ينتقل إلى غيره؛ لأن مصلحة الفعل في صدوره عن المكلف به المعين لا في وجوده كيف اتفق, كما هو الشأن في فرض الكفاية. "خ".

-وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا- قَادِرُونَ عَلَى إِقَامَةِ الْقَادِرِينَ، فَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوِلَايَةِ؛ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِإِقَامَتِهَا، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا؛ مَطْلُوبٌ بِأَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ إِقَامَةُ ذَلِكَ الْقَادِرِ وَإِجْبَارُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا؛ فَالْقَادِرُ إِذًا مَطْلُوبٌ بِإِقَامَةِ الْفَرْضِ، وَغَيْرُ الْقَادِرِ مَطْلُوبٌ بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْقَادِرِ؛ إِذْ لَا يُتَوَصَّلُ إِلَى قِيَامِ الْقَادِرِ إِلَّا بِالْإِقَامَةِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ يَرْتَفِعُ مَنَاطُ الْخِلَافِ؛ فَلَا يَبْقَى لِلْمُخَالَفَةِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ. فَصْلٌ: 1 وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ بَعْضِ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِيَظْهَرَ وَجْهُهَا وَتَتَبَيَّنَ صِحَّتُهَا بِحَوْلِ اللَّهِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ الْخَلْقَ غَيْرَ عَالِمِينَ بِوُجُوهِ مَصَالِحِهِمْ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النَّحْلِ: 78] ، ثُمَّ وَضَعَ فِيهِمُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْبِيَةِ؛ تَارَةً بِالْإِلْهَامِ كَمَا يُلْهَمُ الطِّفْلُ الْتِقَامَ الثَّدْيِ وَمَصَّهُ، وَتَارَةً بِالتَّعْلِيمِ؛ فَطَلَبَ النَّاسَ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ لِجَمِيعِ مَا يُسْتَجْلَبُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَكَافَّةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفَاسِدُ؛ إِنْهَاضًا لِمَا جُبِلَ فِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِزِ الْفِطْرِيَّةِ، وَالْمَطَالِبِ الْإِلْهَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْأَصْلِ لِلْقِيَامِ بِتَفَاصِيلِ الْمَصَالِحِ -كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ، أَوِ الْأَقْوَالِ، أَوِ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ، أَوِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَوِ الْعَادِيَّةِ- وَفِي أَثْنَاءِ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ يَقْوَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ، وَمَا أُلْهِمَ لَهُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ فَيَظْهَرُ فِيهِ وَعَلَيْهِ، وَيَبْرُزُ فِيهِ على أقرانه ممن لم يهيأ

_ 1 ذكر تحته مبادئ وأسسا مهمة في التربية غاية، قل أن تجدها عند غيره؛ فلله دره ما أفهمه وأبعد غوره وأغزر علمه! وانظر حول هذه المبادئ: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "16/ 129-151".

تِلْكَ التَّهْيِئَةَ؛ فَلَا يَأْتِي زَمَانُ التَّعَقُّلِ إِلَّا وَقَدْ نَجَمَ1 عَلَى ظَاهِرِهِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِيَّتِهِ، فَتَرَى وَاحِدًا قَدْ تَهَيَّأَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَآخَرَ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ، وَآخَرَ لِلتَّصَنُّعِ بِبَعْضِ الْمِهَنِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا, وَآخَرَ لِلصِّرَاعِ وَالنِّطَاحِ، إِلَى سَائِرِ الْأُمُورِ. هَذَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ غُرِزَ فِيهِ التَّصَرُّفُ الْكُلِّيُّ؛ فَلَا بُدَّ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ مِنْ غَلَبَةِ الْبَعْضِ عَلَيْهِ؛ فَيَرِدُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا فِي حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْتَهِضُ الطَّلَبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَطْلُوبَاتِ بِمَا هُوَ نَاهِضٌ فِيهِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى النَّاظِرِينَ فِيهِمُ الِالْتِفَاتُ إِلَى تِلْكَ الْجِهَاتِ؛ فَيُرَاعُونَهُمْ بِحَسْبِهَا وَيُرَاعُونَهَا [إِلَى] 2 أَنْ تَخْرُجَ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيُعِينُونَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ فِيهَا؛ حَتَّى يَبْرُزَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَمَالَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْخُطَطِ3، ثُمَّ يُخَلَّى4 بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، فَيُعَامِلُونَهُمْ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ لِيَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، إِذَا صَارَتْ لَهُمْ كَالْأَوْصَافِ الْفِطْرِيَّةِ، وَالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ، وَتَظْهَرُ نَتِيجَةُ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ. فَإِذَا فُرِضَ -مَثَلًا- وَاحِدٌ مِنَ الصِّبْيَانِ ظَهَرَ عَلَيْهِ حُسْنُ إِدْرَاكٍ، وَجَوْدَةُ فَهْمٍ، وَوُفُورُ حِفْظٍ لِمَا يَسْمَعُ -وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ- مِيلَ بِهِ نَحْوَ ذَلِكَ الْقَصْدِ, وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُرَاعَاةً لِمَا يُرْجَى فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ التَّعْلِيمِ فَطُلِبَ بِالتَّعَلُّمِ وَأُدِّبَ بِالْآدَابِ الْمُشْتَرَكَةِ بِجَمِيعِ الْعُلُومِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُمَالَ مِنْهَا إِلَى بَعْضٍ فَيُؤْخَذَ بِهِ، وَيُعَانَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ رَبَّانِيُّو الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ فمال

_ 1 أي: ظهر. انظر: "لسان العرب" "ن ج م". 2 ما بين المعقوفتين ليست في الأصل. 3 أي: الأمور والأحوال. انظر: "لسان العرب" "خ ط ط". 4 في الأصلي: "تخلي".

بِهِ طَبْعُهُ إِلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَحَبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ؛ تُرِكَ وَمَا أَحَبَّ، وَخُصَّ بِأَهْلِهِ؛ فوجب عليه إِنْهَاضُهُ فِيهِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ مَا قُدِّرَ لَهُ، مِنْ غَيْرِ إِهْمَالٍ لَهُ وَلَا تَرْكٍ لِمُرَاعَاتِهِ، ثُمَّ إِنْ وَقَفَ هُنَالِكَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ طَلَبَ الْأَخْذَ فِي غَيْرِهِ أَوْ طُلِبَ بِهِ؛ فُعِلَ مَعَهُ فِيهِ مَا فُعِلَ فِيمَا قَبْلَهُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ. كَمَا لَوْ بَدَأَ بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مَثَلًا -فَإِنَّهُ الْأَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ- فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى مُعَلِّمِيهَا؛ فَصَارَ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، وَصَارُوا هُمْ رُعَاةً لَهُ, فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ فِيمَا طَلَبَ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِهِمْ، فَإِنِ انْتَهَضَ عَزْمُهُ بَعْدُ إِلَى أَنْ [صَارَ] 1 يَحْذِقُ الْقُرْآنَ؛ صَارَ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، وَصَارُوا هُمْ رُعَاةً لَهُ كَذَلِكَ، وَمِثْلُهُ إِنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ أَوِ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ إِلَى سَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِيعَةِ مِنَ الْعُلُومِ، وَهَكَذَا التَّرْتِيبُ فِيمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَصْفُ الْإِقْدَامِ وَالشَّجَاعَةِ وَتَدْبِيرِ الْأُمُورِ، فَيُمَالُ بِهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَيُعَلَّمُ آدَابَهُ الْمُشْتَرَكِةَ، ثُمَّ يُصَارُ بِهِ إِلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ صَنَائِعِ التَّدْبِيرِ؛ كَالْعِرَافَةِ، أَوِ النِّقَابَةِ، أَوِ الْجُنْدِيَّةِ، أَوِ الْهِدَايَةِ، أَوِ الْإِمَامَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ، وَمَا ظَهَرَ لَهُ فِيهِ نَجَابَةٌ وَنُهُوضٌ, وَبِذَلِكَ يَتَرَبَّى لِكُلِّ فِعْلٍ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةِ قَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ سُيِّرَ أَوَّلًا فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ, فَحَيْثُ وَقَفَ السَّائِرُ وَعَجَزَ عَنِ السَّيْرِ؛ فَقَدْ وَقَفَ فِي مَرْتَبَةٍ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ بِهِ قُوَّةٌ زَادَ فِي السَّيْرِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ فِي الْمَفْرُوضَاتِ الْكِفَائِيَّةِ، وَفِي الَّتِي يَنْدُرُ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهَا؛ كَالِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْإِمَارَةِ؛ فَبِذَلِكَ تَسْتَقِيمُ أَحْوَالُ الدُّنْيَا وَأَعْمَالُ الْآخِرَةِ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ التَّرَقِّيَ فِي طَلَبِ الْكِفَايَةِ لَيْسَ عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ، وَلَا هُوَ عَلَى الْكَافَّةِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا عَلَى الْبَعْضِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَقَاصِدُ دُونَ الْوَسَائِلِ، وَلَا بِالْعَكْسِ، بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ نَظَرُ وَاحِدٍ حَتَّى يُفَصَّلَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَيُوَزَّعَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ هذا التوزيع، وإلا؛ لم ينضبط الأول فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [وَأَحْكَمُ] 2.

_ 1 ما بين المعقوفتين ليست في الأصل. 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

المسألة الثانية عشرة: للحاجة والضرورة مَا أَصْلُهُ1 الْإِبَاحَةُ لِلْحَاجَةِ أَوِ الضَّرُورَةِ؛ إِلَّا أَنَّهُ يَتَجَاذَبُهُ الْعَوَارِضُ الْمُضَادَّةُ لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ وُقُوعًا أَوْ تَوَقُّعًا، هَلْ يَكُرُّ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بالنقض, أم2 هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَإِشْكَالٍ؟ وَالْقَوْلُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو؛ إِمَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ الْمُبَاحِ، أَمْ لَا، وَإِذَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ, فَإِمَّا أَنْ يَلْحَقَهُ بِتَرْكِهِ حَرَجٌ أَمْ لَا؛ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ3 ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى فِعْلِ ذَلِكَ الْمُبَاحِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْعَارِضِ؛ لِأَوْجُهٍ: - مِنْهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْمُبَاحَ قَدْ صَارَ وَاجِبَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِبَاحَةِ، وَإِذَا صَارَ وَاجِبًا؛ لَمْ يُعَارِضْهُ إِلَّا مَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَيْسَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَرَفُ الْوَاجِبِ أَقْوَى؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عدم معارضة الطوارئ.

_ 1 أي: ما كان أصله مباحا؛ كالأكل والشرب والبيع والشراء والنكاح، ولكنه اضطر إليه الشخص أو احتاج إليه حاجة يلحقه بسببها ضيق شديد وحرج لو ترك فعله، وهو مع كونه مضطرا إليه أو محتاجا إليه تعرض له مفسدة واقعة بالفعل أو متوقعة؛ فهل يعتبر جانب اللاحق من المفسدة فتنقض حكم الإباحة فيصير ممنوعا مع أنه ضروري أو حاجي، أو لا يعتبر الطارئ ويبقى لا حرج في استعماله؟ وقد مثل الضروري في المسألة الخامسة عشرة من كتاب الأدلة بالبيع والشراء الذي لا يسلم غالبا من لقاء المنكر أو ملابسته بسببه، وسيمثل هنا لما في تركه الحرج بمخالطة الناس. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "أو". 3 وهي ما إذا اضطر إليه، وما إذا لحقه بتركه حرج، وما ليس واحد منها، وسيذكر الثالث أثناء المسألة الثالثة عشرة. "د".

وَالثَّانِي: أَنَّ مَحَالَّ الِاضْطِرَارِ مُغْتَفَرَةٌ فِي الشَّرْعِ، أَعْنِي أَنَّ إِقَامَةَ الضَّرُورَةِ مُعْتَبَرَةٌ، وَمَا يَطْرَأُ عليه من عارضات المفاسد مغتفرة فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الْمُجْتَلَبَةِ، كَمَا اغْتُفِرَتْ مَفَاسِدُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فِي جَنْبِ الضَّرُورَةِ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ الْمُضْطَرَّةِ، وَكَذَلِكَ النُّطْقُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ أَوِ الْكَذِبِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ أَوِ الْمَالِ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ، فَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَارِضِ لِلْمَصْلَحَةِ الضَّرُورِيَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا الْعَوَارِضَ وَلَمْ نَغْتَفِرْهَا؛ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ الْإِبَاحَةِ1 رَأْسًا، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" مِنْ أَنَّ الْمُكَمِّلَ إِذَا عَادَ عَلَى الْأَصْلِ بِالنَّقْضِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ2، وَاعْتِبَارُ الْعَوَارِضِ هُنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ حَلَالٌ فِي الْأَصْلِ، فَإِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ وَقَدْ عَارَضَهُ مَوَانِعُ فِي طَرِيقِهِ؛ فَفَقْدُ الْمَوَانِعِ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ، كَاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ، وَإِذَا اعْتُبِرَتْ أَدَّى إِلَى ارْتِفَاعِ مَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ، وَكُلُّ مُكَمِّلٍ عَادَ عَلَى أَصْلِهِ بالنقض فباطل؛ فما نحن فيه مثله. والقسم الثَّانِي: أَنْ لَا يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ يَلْحَقُهُ بِالتَّرْكِ حَرَجٌ، فَالنَّظَرُ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَتَرْكَ اعْتِبَارِ الطَّوَارِئِ؛ إِذِ الْمَمْنُوعَاتُ قَدْ أُبِيحَتْ رَفْعًا لِلْحَرَجِ، كَمَا سَيَأْتِي لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ3، وَكَمَا إِذَا كَثُرَتِ الْمَنَاكِرُ فِي الطُّرُقِ4 وَالْأَسْوَاقِ؛ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ فِي الْحَاجَاتِ إِذَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنَ التَّصَرُّفِ حَرَجًا بَيِّنًا، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .

_ 1 الإباحة هنا بمعنى الإذن؛ كما هو ظاهر "د". 2 انظر: "2/ 302 وما بعدها". 3 انظر: "3/ 527". 4 في الأصل: "الطريق".

وَقَدْ أُبِيحَ الْمَمْنُوعُ رَفْعًا لِلْحَرَجِ؛ كَالْقَرْضِ الَّذِي فيه بيع الفضة بِالْفِضَّةِ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ، وَإِبَاحَةِ الْعَرَايَا، وَجَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ النَّاسُ فِي عَوَارِضِ النِّكَاحِ1، وَعَوَارِضِ مُخَالَطَةِ النَّاسِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهُوَ كَثِيرٌ، هذا وإن ظهر ببادئ الرأي2 الخلاف ههنا؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا فِيهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ يُقْتَدَى بِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ فِي الْفُتْيَا بِمُقْتَضَى الِانْكِفَافِ وَاعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ؛ فَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا بَتُّوا فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: - إِمَّا أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِعَدَمِ الْحَرَجِ لِضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ، وَأَنَّهُ مِمَّا هُوَ مُعْتَادٌ فِي التَّكَالِيفِ، وَالْحَرَجُ الْمُعْتَادُ مِثْلُهُ فِي التَّكَالِيفِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ، وَإِلَّا لَزِمَ ارْتِفَاعُ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ أَوْ أَكْثَرِهَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الْأَحْكَامِ3. - وَإِمَّا أَنَّهُمْ عَمِلُوا وَأَفْتَوْا بِاعْتِبَارِ الِاصْطِلَاحِ الْوَاقِعِ4 فِي الرُّخَصِ، فَرَأَوْا أَنَّ كَوْنَ الْمُبَاحِ رُخْصَةً يَقْضِي بِرُجْحَانِ التَّرْكِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ لَمْ يَطْرُقْ فِي طَرِيقِهِ عَارِضٌ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِهِ إِذَا طَرَقَ الْعَارِضُ؟ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا المجال أيضا مذكور في قسم الرخص5.

_ 1 أي: إذا ترتب على النكاح دخول في كسب الشبهات وارتكاب بعض الممنوعات؛ قالوا: إن هذا لا يمنع النكاح، ويعرض للمخالطة وقوع -أو توقع سماع- المنكرات ورؤيتها، ومع ذلك لم تمنع. "د". 2 وعليه يكون خلافا في حال لا خلافا حقيقيا؛ فلذا قال: "ظهر ببادئ الرأي"؛ أي: إن هؤلاء لو بنوا على أن فيه حرجا لقالوا بعدم اعتبار العوارض. "د". 3 انظر: "2/ 214". 4 في الأصل و"ط": "الرابع" ولا معنى لها. 5 وانظر: "4/ 543".

وَرُبَّمَا اعْتَرَضَتْ1 فِي طَرِيقِ الْمُبَاحِ عَوَارِضُ يَقْضِي مَجْمُوعُهَا بِرُجْحَانِ اعْتِبَارِهَا، وَلِأَنَّ مَا يَلْحَقُ فِيهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ أَعْظَمُ مِمَّا يَلْحَقُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ الْمُبَاحِ، وَإِنَّ الْحَرَجَ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْهُ فِي تَرْكِهِ، وَهَذَا أَيْضًا مَجَالُ اجْتِهَادٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ يُقَالُ: هَلْ يُوَازِي الْحَرَجُ اللَّاحِقُ بِتَرْكِ الْأَصْلِ الْحَرَجَ اللَّاحِقَ بِمُلَابَسَةِ الْعَوَارِضِ أَمْ لَا؟ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَرْسُمُهَا الْآنَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وهي: المسألة الثالثة عشرة: سبب فقدان العوارض بالنسبة للأصل فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَقْدُ الْعَوَارِضِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ بَابِ الْمُكَمِّلِ لَهُ فِي بَابِهِ، أَوْ مِنْ بَابٍ آخَرَ هُوَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الثَّانِي؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا أَوْ مُتَوَقَّعًا، فَإِنْ2 كَانَ مُتَوَقَّعًا؛ فَلَا أَثَرَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْحَرَجِ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ بِالتَّرْكِ وَاقِعٌ وَهُوَ مَفْسَدَةٌ، وَمَفْسَدَةُ الْعَارِضِ مُتَوَقَّعَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ؛ فَلَا تُعَارِضُ الْوَاقِعَ أَلْبَتَّةَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ وَاقِعًا؛ فَهُوَ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ فِي الْحَقِيقَةِ3، وَقَدْ تَكُونُ مَفْسَدَةُ العوارض فيه أتم من مفسدة الترك الْمُبَاحِ, وَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَالنَّظَرُ فِي هَذَا بَابُهُ بَابُ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ، وَإِنْ كَانَ الأول؛ فلا

_ 1 سيذكر القسم الثالث أثناء المسألة الآتية، بعد أن يتكلم في صدرها ما يشرح فيه ما يعترض طريق المباح من مفاسد, قد تكون أرجح من فوت الأصل المحتاج إليه الذي فرض فيه أن يلحقه بالترك له حرج ومشقة، ولكنه صنيع غير مناسب؛ إذ إنه عقد مسألة خاصة ليبين فيها تفاصيل لبعض أحكام القسم الثاني، وأدرج فيها حكم القسم الثالث وتفاصيل أحكامه، وكان الأجدر به أن يسوق ما يتعلق بالقسم الثاني لاحقا لبيانه هنا، دون عقد مسألة خاصة به؛ لأن ما ذكره بالنسبة إلى القسم الثاني في المسألة التالية ليس بأكثر ولا بأهم مما ذكره في بيانه في مسألته الثانية عشرة، وأيضا؛ فإنه مع كونه فرض المسألة في تتميم هذا القسم كما قال هنا جاء فيها بالقسم الثالث برمته في جمل أوسع مما يخص القسم الثاني؛ فالصنيع غير وجيه. "د". 2 في "م": "فإذا". 3 في الأصل: "بالحقيقة".

يصح التعارض، ولا تُساوَى المفسدتان، بَلْ مَفْسَدَةُ فَقْدِ الْأَصْلِ أَعْظَمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُكَمَّلَ مَعَ مُكَمِّلِهِ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِذَا كَانَ فَقْدُ الصِّفَةِ لَا يَعُودُ بِفَقْدِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الْإِطْلَاقِ1 -بِخِلَافِ الْعَكْسِ- كَانَ جَانِبُ الْمَوْصُوفِ أَقْوَى فِي الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَفِي الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ؛ فَكَذَا مَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ مَعَ مُكَمِّلَاتِهِ كَالْكُلِّيِّ مَعَ الْجُزْئِيِّ، وَقَدْ عُلِمَ2 أَنَّ الْكُلِّيَّ إِذَا عَارَضَهُ الْجُزْئِيُّ فَلَا أَثَرَ لِلْجُزْئِيِّ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَا أَثَرَ لِمَفْسَدَةِ فَقْدِ المكمِّل فِي مُقَابَلَةِ وُجُودِ مَصْلَحَةِ المكمَّل. وَالثَّالِثُ: أَنَّ المكمِّل مِنْ حَيْثُ هُوَ مكمِّل إِنَّمَا هُوَ مقوٍّ لِأَصْلِ الْمَصْلَحَةِ وَمُؤَكِّدٌ لَهَا؛ فَفَوْتُهُ إِنَّمَا هُوَ فَوْتُ بَعْضِ الْمُكَمِّلَاتِ، مَعَ أَنَّ أَصْلَ الْمَصْلَحَةِ باقٍ، وَإِذَا كَانَ بَاقِيًا؛ لَمْ يُعَارِضْهُ مَا لَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ، كَمَا أَنَّ فَوْتَ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ لَا يُعَارِضُهُ بَقَاءُ مَصْلَحَةِ الْمُكَمِّلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْقِسْمِ 3 الْأَوَّلِ: وَهُوَ أَنْ لَا يُضْطَرَّ إِلَى أَصْلِ الْمُبَاحِ وَلَا يَلْحَقَ بِتَرْكِهِ حَرَجٌ- فَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَفِيهِ تَدْخُلُ قَاعِدَةُ الذَّرَائِعِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ التَّعَاوُنِ عَلَى الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ مُتَّفَقٌ عليه في الاعتبار،

_ 1 أي: وقد يعود إذا كانت صفة لازمة لتحقيق الماهية. "د". 2 وسيأتي في أول باب الأدلة؛ فراجعه لتعرف معنى عدم أثر الجزئي في مقابلة الكلي. "د". انظر: "3/ 172 وما بعد". 3 لعله من التقسيم الأول؛ أي: التقسيم في أول المسألة السابقة. "د". قلت: بل هو كذلك.

وَمِنْهُ1 مَا فِيهِ خِلَافٌ، كَالذَّرَائِعِ فِي الْبُيُوعِ وَأَشْبَاهِهَا2، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الذَّرَائِعِ أَيْضًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا قَاعِدَةُ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ. وَمَجَالُ النَّظَرِ فِي هَذَا الْقِسْمِ دَائِرٌ بَيْنَ طَرَفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِمَا؛ فَإِنَّ أَصْلَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، أَوِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مكمِّل لِمَا هُوَ عَوْنٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَصْلُ الذَّرَائِعِ، وَيُقَابِلُهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ أَصْلُ الْإِذْنِ الَّذِي هُوَ مكمَّل لَا مكمِّل. وَلِمَنْ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ مِنَ الْإِبَاحَةِ أَنْ يَحْتَجَّ بِأَنَّ أَصْلَ الْإِذْنِ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى ضَرُورِيٍّ؛ إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ الَّتِي هِيَ تَخْيِيرٌ حَقِيقَةٌ تُلْحَقُ بِالضَّرُورِيَّاتِ, وَهِيَ أُصُولُ الْمَصَالِحِ؛ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْخَادِمِ لَهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ إِيَّاهَا؛ فَاعْتِبَارُ الْمُعَارِضِ فِي الْمُبَاحِ3 اعْتِبَارٌ لِمُعَارِضِ الضَّرُورِيِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي التَّفْصِيلِ كَوْنُهُ ضَرُورِيًّا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ صَارَ جَانِبُ الْمُبَاحِ أَرْجَحَ مِنْ جَانِبِ مُعَارِضِهِ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الدَّلِيلِ. وَأَيْضًا، إِنْ فُرِضَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْأَصْلِ لِمُعَارِضِهِ4 المكمِّل، وَأُطْلِقَ هَذَا النَّظَرُ، أَوْشَكَ أَنْ يُصَارَ فِيهِ إِلَى الْحَرَجِ الَّذِي رَفَعَهُ الشَّارِعُ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ؛ إذ عوارض

_ 1 أي: من فروعه. "د". 2 هي البيوع التي ظاهرها الصحة، ولكن يقصد به التوسل لاستباحة الربا، وقد ذهب إلى منعها فريق من أهل العلم؛ كالمالكية نظرًا إلى أن المنهي عنه كالربا يتضمن مفسدة كان من قصد الشارع درؤها وسد الطريق دونها؛ فالوسيلة الموصلة إلى المنهي عنه تعد عملا مناقضا لقصد الشارع عند هؤلاء، وسيوافيك كتاب المقاصد بتحرير الفرق بين الوسيلة التي تعد حيلة باطلة والوسيلة التي تتخذ مخلصا من الوقوع في محظور. "خ". 3 في الأصل: "للمباح". 4 أي: لأجل معارضه؛ فاللام للتعليل. "د".

الْمُبَاحِ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا اعْتُبِرَتْ فَرُبَّمَا ضَاقَ الْمَسْلَكُ وَتَعَذَّرَ الْمَخْرَجُ؛ فَيُصَارُ إِلَى الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ1. وَلَمَّا كَانَ إِهْمَالُ الْأَصْلِ مِنَ الْإِبَاحَةِ هُوَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى ذَلِكَ؛ لَمْ يَسُغِ الْمَيْلُ إِلَيْهِ وَلَا التَّعْرِيجُ عَلَيْهِ. وأيضا، فإن كَانَ هَذَا الْأَصْلُ دَائِرًا بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِمَا وَتَعَارَضَا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَكُنِ الْمَيْلُ إِلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْمَيْلِ إِلَى الْآخَرِ، وَلَا دَلِيلَ فِي أَحَدِهِمَا إِلَّا وَيُعَارِضُهُ مِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ فَيَجِبُ الْوُقُوفُ إِذًا، إِلَّا أَنَّ لَنَا فَوْقَ ذَلِكَ أَصْلًا أَعَمَّ2، وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ إِمَّا الْإِبَاحَةُ وَإِمَّا الْعَفْوُ، وَكَلَاهُمَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ؛ فَكَانَ هُوَ الرَّاجِحَ. وَلِمُرَجِّحِ3 جَانِبِ الْعَارِضِ أَنْ يَحْتَجَّ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ مُخَيَّرٌ فِي تَحْصِيلِهَا وَعَدَمِ تَحْصِيلِهَا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَ الضَّرُورِيَّاتِ، وَهِيَ كَذَلِكَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا مَتَى بَلَغَتْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ لَمْ تَبْقَ مُخَيَّرًا فِيهَا، وَقَدْ فُرِضَتْ كَذَلِكَ هَذَا خَلْفُ، وَإِذَا تَخَيَّرَ الْمُكَلَّفُ فِيهَا؛ فَذَلِكَ قاضٍ بِعَدَمِ الْمَفْسَدَةِ فِي تَحْصِيلِهَا, وَجَانِبُ الْعَارِضِ يَقْضِي بِوُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ أَوْ تَوَقُّعِهَا، وَكِلَاهُمَا صَادٌّ عَنْ سَبِيلِ التَّخْيِيرِ؛ فَلَا يَصِحُّ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ- أَنْ تَكُونَ مُخَيَّرًا فِيهَا، وَذَلِكَ مَعْنَى اعْتِبَارِ الْعَارِضِ الْمُعَارِضِ دُونَ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْمُتَشَابِهَاتِ دَاخِلٌ تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ التَّحْقِيقَ فِيهَا أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، غَيْرَ أَنَّ تَوَقُّعَ مُجَاوَزَتِهَا إِلَى غَيْرِ الْإِبَاحَةِ هُوَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ؛ فَنَهَى عَنْ مُلَابَسَتِهَا، وَهُوَ أَصْلٌ قطعي مرجوع إليه في أمثال

_ 1 وهو قوله: "وإن كان الأول؛ فلا يصح التعارض ... إلخ". "د". 2 لا يتم الدليل الثالث إلا به. "د" 3 حججه متينة، أما الأول؛ فخطابيات لا تثبت عند بحثها. "د".

هَذِهِ الْمَطَالِبِ، وَيُنَافِي الرُّجُوعَ إِلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. وَأَيْضًا؛ فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ ثَابِتٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ، مُخَصَّصٌ لِعُمُومِ أَصْلِ الْإِبَاحَةِ إِذَا ثَبَتَ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا, فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ عَلَى الْحَظْرِ؛ فَلَا نَظَرَ1 فِي اعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ؛ لِأَنَّهَا تَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إِلَى أُصُولِهَا، فَجَانِبُهَا أَرْجَحُ، وَمَنْ قَالَ: الْأَصْلُ2 الْإِبَاحَةُ أَوِ الْعَفْوُ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ بِاتِّفَاقٍ، بَلْ لَهُ مُخَصِّصَاتٌ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنْ لَا يُعَارِضَهُ طَارِئٌ وَلَا أَصْلٌ، وَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا بِمَفْقُودَةِ الْمُعَارِضِ, وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ لِإِمْكَانِ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ" 3 مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ

_ 1 أي: فلا تحتاج إلى نظر في ذلك، بل لا بد من اعتبارها. "د". 2 في الأصل: "إن أصل". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، 12/ 50/ رقم 6764", ومسلم في "الصحيح" "كتاب الفرائض باب منه، 3/ 1233/ رقم 1614", وأبو داود في "السنن" "كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، 3/ 326/ رقم 2909", والترمذي في "الجامع" "أبواب الفرائض، باب إبطال الميراث بين المسلم والكافر، 4/ 423/ رقم 2107"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الفرائض, باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، 2/ 911/ رقم 2729"، وأحمد في "المسند" "5/ 200"، ومالك في "الموطأ" "2/ 519"، وغيرهم من حديث أسامة بن زيد, رضي الله عنه. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "3/ 84"، وعزاه للبخاري ومسلم وأصحاب "السنن" الأربعة: "وأغرب ابن تيمية في "المنتقى" فادعى أن مسلما لم يخرجه, وكذلك ابن الأثير في "الجامع" ادعى أن النسائي لم يخرجه". قلت: نعم، هو ليس في "المجتبى" وهو من الكتب الستة، والحديث في "السنن الكبرى" للنسائي؛ كما في "تحفة الأشراف" "1/ 56، 57, 58"؛ فابن الأثير مصيب، وتعقب ابن حجر للمجد ابن تيمية صحيح، والله الموفق.

حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النِّسَاءِ: 11] . وَأَوْجُهُ الِاحْتِجَاجِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَثِيرَةٌ، وَالْقَصْدُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ كَمَا تقدم، والله أعلم.

القسم الثاني: خطاب الوضع

القسم الثاني: خطاب الوضع مدخل ... القسم الثاني من قسمي الأحكام: خطاب الوضع وَهُوَ يَرْجِعُ1 إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ2، وَهُوَ يَنْحَصِرُ3 فِي الْأَسْبَابِ، وَالشُّرُوطِ، وَالْمَوَانِعِ، وَالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، وَالْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ؛ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، فَالْأَوَّلُ يُنْظَرُ فِيهِ في مسائل:

_ 1 في "خ": "القسم الثاني الذي يرجع ... ". 2 بدل ما بين المعقوفتين بياض في الأصل. 3 لم يحصره الآمدي فيها وإن اقتصر في بيانه عليها، أما "تحرير الكمال" فقد زاد فيها كثيرا فراجعه، وقال ابن الحاجب: "إن الصحة والبطلان أمر عقلي لا حكم شرعي؛ فنفى أن يكونا حكمين وضعيين، ونفي بعضهم أن يكون هناك أحكام وضعية ورجعها إلى الأحكام التكليفية؛ لأن خطاب الوضع يرجع إلى الاقتضاء أو التخيير؛ إذ معنى جعل الزنى سببا لوجوب الحد وجوب الحد إذا حصل الزنى، وجعل الطهارة شرطا لصحة البيع جواز الانتفاع به عند تحقق الطهارة وحرمته دونها؛ فالاقتضاء والتخيير إما صريح أو ضمني, وفي الحقيقة هو خلاف لا تظهر له ثمرة عملية. "د".

النوع الأول في الأسباب

النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْأَسْبَابِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ فِي الْوُجُودِ، الْمُقْتَضِيَةُ لِأُمُورٍ تُشْرَعُ لِأَجْلِهَا، أَوْ تُوضَعُ فَتَقْتَضِيهَا1 عَلَى الْجُمْلَةِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: خَارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ الْمُكَلَّفِ. وَالْآخَرُ: مَا يَصِحُّ دُخُولُهُ تَحْتَ مَقْدُورِهِ. فَالْأَوَّلُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا، وَيَكُونُ شَرْطًا، وَيَكُونُ مَانِعًا. فَالسَّبَبُ2 مِثْلُ3 كَوْنِ الِاضْطِرَارِ سَبَبًا فِي إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ, وَخَوْفِ الْعَنَتِ سَبَبًا فِي إِبَاحَةِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَالسَّلَسِ سَبَبًا فِي إِسْقَاطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَعَ وُجُودِ الْخَارِجِ، وَزَوَالِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَبَبًا فِي إِيجَابِ تِلْكَ الصَّلَوَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالشَّرْطُ كَكَوْنِ الْحَوْلِ شَرْطًا فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وَالْبُلُوغِ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ مُطْلَقًا، وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ, وَالرُّشْدِ شَرْطًا فِي دَفْعِ مَالِ الْيَتِيمِ إِلَيْهِ، وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ شَرْطًا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وما كان نحو

_ 1 في "م": "فيقتضيها" بالتحتية بعد الفاء. 2 فسبب منه الوجود والعدم ... لذاته مثل الزوال منحتم أعني أن السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته؛ كزوال الشمس لوجوب الظهر مثلا. "ماء". 3 ذكر في السبب أمثلة لما يشرع من أجله وما يوضع من أجله كالسلس، ولم يذكر ما يوضع من أجله في الشرط والمانع، إلا أن يقال: إن الحيض مثلا مانع مسقط لحق الوطء ووجوب الصلاة، وعدم الرشد مسقط لحقه في التصرفات. "د".

ذَلِكَ1. وَالْمَانِعُ كَكَوْنِ الْحَيْضِ مَانِعًا مِنَ الْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ وَأَدَاءِ الصِّيَامِ، وَالْجُنُونِ مَانِعًا مِنَ الْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ وَإِطْلَاقِ التَّصَرُّفَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي؛ فَلَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ مِمَّا يَدْخُلُ2 تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ3، مِنْ جِهَةِ اقْتِضَائِهِ لِلْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِدِ جَلْبًا أَوْ دَفْعًا؛ كَالْبَيْعِ4 وَالشِّرَاءِ لِلِانْتِفَاعِ، وَالنِّكَاحِ لِلنَّسْلِ، وَالِانْقِيَادِ5 لِلطَّاعَةِ لِحُصُولِ الفوز، وما أشبه ذلك، وهو بين.

_ 1 يتحد السبب والشرط في أن كلًّا منهما يتوقف الحكم الشرعي على تحققه، ويتمايزان بأن مناسبة السبب في ذاته ومناسبة الشرط لغيره، فملك النصاب يتحقق به الغنى الذي يقتضي إنفاق قسط من المال على وجه الشكر للنعمة، وأما مرور الحول؛ فإنما هو مكمل لوصف الغنى، إذ في مدة الحول يتمكن مالك النصاب من تنميته غالبا, فمعنى الشرطية في الحول بالنسبة لوجوب الزكاة واضح، وقد استشكل بعض الأصوليين جعل الأوقات الخمسة أسبابا للصلوات حيث لم يتضح له وجه المناسبة بينها؛ فكان جوابه من بعض الفقهاء بأنها تشتمل على حكمة خفية، وتصدى آخرون لبيان تلك الحكمة بتفصيل لا يسعه هذا المقام. "خ". 2 و4 أي: بقطع النظر عن كونه يترتب عليه مشروعية حكم أو وضعه، وبهذا الاعتبار لا يكون داخلا معنا في بحثنا؛ لأن بحثنا خاص بالأفعال من حيث كونها يشرع الحكم أو يوضع لأجلها؛ فالبيع والشراء وضعا سببًا شرعيًّا في حل الانتفاع، لا لنفس الانتفاع، وكذا النكاح لم يكن سببا شرعيا أو شرطا للنسل. "د". 3 في الأصل و"م": "مأمور به، أو منهي عنه، أو مأذون فيه". 5 أي: فإن الانقياد لفعل الطاعة الذي وإن ترتب عليه مصلحة الفوز في الآخرة؛ إلا أنه لا يعد حصول الفوز حكما شرعيا حتى يكون مما دخل تحت النظر الثاني، ومثله يقال في الانقياد بالنسبة للوصف بالطاعة والعد من الطائعين. "د".

وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مَا يَدْخُلُ1 تَحْتَ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ إِمَّا سَبَبًا، أَوْ شَرْطًا، أَوْ مَانِعًا. أَمَّا السَّبَبُ؛ فَمِثْلُ كَوْنِ النِّكَاحِ سَبَبًا فِي حُصُولِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَحِلِّيَّةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالذَّكَاةِ سَبَبًا لِحِلِّيَّةِ الِانْتِفَاعِ بِالْأَكْلِ، وَالسَّفَرِ سَبَبًا فِي إِبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، وَالْقَتْلِ وَالْجُرْحِ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ، وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ أَسْبَابًا لِحُصُولِ تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وُضِعَتْ أَسْبَابًا لِشَرْعِيَّةِ تِلْكَ الْمُسَبَّبَاتِ. وَأَمَّا الشَّرْطُ؛ فَمِثْلُ كَوْنِ النِّكَاحِ شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَوْ فِي حِلِّ مُرَاجَعَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالْإِحْصَانِ شَرْطًا فِي رَجْمِ الزَّانِي، وَالطَّهَارَةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ، وَلَكِنَّهَا شُرُوطٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي صِحَّةِ تِلْكَ الْمُقْتَضَيَاتِ. وَأَمَّا الْمَانِعُ؛ فَكَكَوْنِ نِكَاحِ الْأُخْتِ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِ الْأُخْرَى، وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِ عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، وَالْإِيمَانِ مَانِعًا من القصاص للكافر2، والكفر

_ 1 أي: إنه في النظر الأول لوحظ فيه أنه داخل تحت خطاب التكليف بقطع النظر عن كونه سببا أو شرطا مثلا، أما الثاني؛ فالنظر فيه إلى جهة كونه شرطا ... إلخ، مع كونه في كل من النظرين داخلا تحت خطاب التكليف، كما ترشد إليه الأمثلة في كليهما، والضرب الثاني أمثلته جميعها واضحة؛ لأنها أفعال داخلة تحت مقدور المكلف، وشرع أو وضع لأجلها أحكام أخرى؛ فكانت سببا لها أو شرطا أو مانعا. "د". 2 هذا متفق عليه في حكم الكافر الحربي، وأما من دخل في ذمة الإسلام؛ فقد ذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى إلى أنه يقتص له من المسلم في كل حال، واستندوا في ذلك إلى أحاديث أيدوها بالقياس على ما انعقد عليه الإجماع من قطع يد المسلم متى سرق مالًا لبعض أهل الذمة، وقالوا, حيث كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم: فلتكن حرمة دمه مساوية لحرمة دمه. "خ".

مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الطَّاعَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا؛ كَالْإِيمَانِ هُوَ سَبَبٌ فِي الثَّوَابِ، وَشَرْطٌ فِي وُجُوبِ الطَّاعَاتِ أَوْ فِي صِحَّتِهَا، وَمَانِعٌ مِنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ لِلْكَافِرِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ لَا تَجْتَمِعُ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا وَقَعَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا فِيهِ نَفْسِهِ وَلَا مَانِعًا لَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدَافُعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِحُكْمٍ، وَشَرَطًا لِآخَرَ، وَمَانِعًا لِآخَرَ، وَلَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهَا عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ، وَلَا اجْتِمَاعُ اثْنَيْنِ مِنْهَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَشْرُوعِيَّةُ الْأَسْبَابِ1 لَا تَسْتَلْزِمُ مَشْرُوعِيَّةَ المسبَّبات، وَإِنْ صَحَّ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا عَادَةً، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَسْبَابَ إِذَا تَعَلَّقَ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ مِنْ إِبَاحَةٍ, أَوْ نَدْبٍ، أَوْ مَنْعٍ, أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ؛ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَتَعَلَّقَ تِلْكَ الْأَحْكَامُ بمسبَّباتها، فَإِذَا أَمَرَ بِالسَّبَبِ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْأَمْرُ بِالْمُسَبَّبِ، وَإِذَا نهى عنه لم يستلزم

_ 1 محصل المسألة أن المسببات عن الأمور التكليفية لا يلزم أن تأخذ حكمها من إباحة أو منع مثلا، بل قد تكون المسببات غير داخلة في مقدور العبد؛ كإزهاق الروح، ونفس الإحراق، ووجود الرزق؛ فهذه لا يعقل فيها تعلق حكم شرعي بها فضلا عن نفس الحكم الذي تعلق بسببها، وقد تكون في مقدوره ولكنها تأخذ حكما آخر؛ كأكل لحم الخنزير المسبب عن ذبحه؛ فذبحه ليس بحرام، ولكن مسببه وهو أكل لحمه حرام، ومشتري الحيوان مباح، ولكن مسببه وهو النفقة عليه واجبة، وقد يكون المسبب مقدورا عليه وآخذا حكم السبب، وذلك كتحريم الربا وتحريم ما تسبب عنه، وهو الانتفاع بمال الربا، والذكاة مباحة، ولازمها وهو الأكل من المذبوح مباح، وهكذا؛ فالذي يقرره هنا هو أنه لا استلزام بين حكم السبب وحكم المسبب، بل قد لا يكون للمسبب حكم شرعي رأسا؛ فعليك بتطبيق ما يذكره في المسألة على هذا, والتوفيق بين ما يظهر ببادئ الرأي مخالفا له. "د".

النَّهْيُ عَنِ الْمُسَبَّبِ، وَإِذَا خَيَّرَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يُخَيِّرَ فِي مُسَبَّبِهِ. مِثَالُ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْبَيْعِ مَثَلًا، لَا يَسْتَلْزِمُ1 الْأَمْرَ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ، وَالْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِحِلِّيَّةِ البُضْع، وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ الْعُدْوَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْإِزْهَاقِ، وَالنَّهْيُ عَنِ التَّرَدِّي فِي الْبِئْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ تَهَتُّكِ الْمُرَدَّى فِيهَا، وَالنَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الثَّوْبِ فِي النَّارِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ نَفْسِ الْإِحْرَاقِ، وَمِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ فِي الْكَلَامِ مِنْ أَنَّ الَّذِي لِلْمُكَلَّفِ تَعَاطِي الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا الْمُسَبَّبَاتُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَحُكْمُهُ، لَا كَسْبَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ فِي عِلْمٍ آخَرَ، وَالْقُرْآنُ وَالسَّنَةُ دَالَّانِ عَلَيْهِ؛ فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي ضَمَانَ الرِّزْقِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132] . وَقَوْلِهِ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هُودٍ: 6] . وَقَوْلِهِ: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذَّارِيَاتِ: 22] إِلَى آخَرِ الْآيَةِ. وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} الْآيَةَ [الطَّلَاقِ: 2] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَمَانِ الرِّزْقِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ نفس التسبب إلى

_ 1 أي: فالبيع سبب في حل الانتفاع بالمبيع، وليس الأمر بالبيع سببا في الأمر بحل الانتفاع؛ لأن الحل المسبب ليس إلا حكما لله؛ فلا يتعلق به الحكم الشرعي الذي في السبب، وهو الأمر، ومثله يقال في النكاح؛ ليتم له أن هذه الأمثلة الستة لا يوجد فيها أن الحكم الذي في السبب أخذه المسبب، بل لا حكم في المسبب؛ لأنه ليس من كسب العبد، إلا أنه يبقى أن المناسب أن يقول: زهوق الروح واحتراق الثوب. "د".

الرِّزْقِ، بَلِ الرِّزْقُ الْمُتَسَبَّبُ إِلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْسَ التَّسَبُّبِ؛ لَمَا كَانَ الْمُكَلَّفُ مَطْلُوبًا بِتَكَسُّبٍ فِيهِ عَلَى حَالٍ، وَلَوْ بِجَعْلِ اللُّقْمَةِ فِي الْفَمِ وَمَضْغِهَا، أَوِ ازْدِرَاعِ1 الْحَبِّ، أَوِ الْتِقَاطِ النَّبَاتِ أَوِ الثَّمَرَةِ الْمَأْكُولَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ؛ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ عَيْنُ الْمُسَبَّبِ إِلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: "لَوْ تَوَكَّلْتُمْ على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير" 2 الحديث.

_ 1 ازدرع القوم: اتخذوا زرعا لأنفسهم خصوصا، أو احترثوا؛ كما في "لسان العرب" "ز ر ع". 2 أخرجه ابن المبارك في "الزهد" "رقم 559" -ومن طريقه الترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب في التوكل على الله، 4/ 573/ رقم 2344", والنسائي في "الكبرى"؛ كما في "تحفة الأشراف" "8/ 79", والطيالسي في "المسند" "ص50"، وابن أبي الدنيا في "التوكل" "رقم 1"، وأبو نعيم في "الحلية" "10/ 69"، والبغوي في شرح السنة" "14/ 301/ رقم 4108"، والقضاعي في "الشهاب" "رقم 1444" عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن عبد الله بن هبيرة عن عمر بن الخطاب مرفوعا. وتابع حيوة عبد الله بن يزيد المقرئ؛ كما عند أبي يعلى في "المسند" "1/ 212/ رقم 247", وعنه ابن حبان في "الصحيح" "2/ 509/ رقم 730- الإحسان"، وأحمد في "المسند" "1/ 30", و"الزهد" "ص18"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "2/ 488"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 318"، وأبو نعيم في "الحلية" "10/ 69". وإسناده جيد، رجاله رجال الصحيح؛ سوى بكر بن عمرو، روى له البخاري حديثا واحدا متابعة، واحتج به الباقون سوى ابن ماجه، وقال الدارقطني: "يعتبر به"، وقال أبو حاتم: "شيخ"، وقال أحمد: "يروى له"، وذكره ابن حبان في "الثقات" "6/ 103"، وقال الذهبي في "الميزان" "1/ 347": "كان ذا فضل وتعبد, محله الصدق". ومع هذا؛ فقد تابعه ابن لهيعة، ورواه عنه عبد الله بن وهب، وهو ممن روى عنه قديما قبل احتراق كتبه، أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 52"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد, باب التوكل واليقين/ رقم 4164"؛ فإسناده صحيح. قال "د": "بقيته: " تغدو خماصا وتروح بطانا"؛ فهي تغدو وتروح في طلب الرزق والتسبب إليه، والله تعالى يخلق لها الرزق، فلم يقل: تترك كل سبب؛ فيحصل لها الرزق".

وَفِيهِ: "اعْقِلْهَا 1 وَتَوَكَّلْ" 2؛ فَفِي هَذَا وَنَحْوِهِ بَيَانٌ لما تقدم.

_ 1 فقد جمع بين طلب عقل الناقة والاعتماد على الله في حفظها المسبب عادة عن عقلها، ولو كان الحفظ مأمورا به؛ كالسبب ما جمع بين العقل والتوكل، بل كان يطلب الحفظ أيضا، أو يسكت عن التوكل على الأقل؛ فالجمع قاضٍ بأن المسبب لا يتعلق به مشروعية. "د". قلت: وفي الأصل و"ط": "قيدها". 2 أخرجه ابن حبان في "الصحيح" "2/ 510 رقم 731- الإحسان"، والحربي في "الغريب" "3/ 1226-1227"، ومحمد بن العباس البزار في "حديثه" "2/ 117/ 2"، وأبو بكر الكلاباذي في "مفتاح معاني الآثار" "ق 251/ 2" -كما في "تخريج أحاديث مشكلة الفقر" "رقم 22"- والحاكم في "المستدرك" "3/ 623", وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "2/ 215/ رقم 970، 971"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" "2/ ق 84/ ب"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "رقم 633" من طرق عن يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه بلفظ: "اعقلها وتوكل"، أو: "قيدها وتوكل ". وقال الهيثمي في "المجمع" "10/ 303": "رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح؛ غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري, وهو ثقة"، وقال أيضا "10/ 291": "رواه الطبراني بإسنادين, وفي أحدهما عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات", وجود إسناده الذهبي في "التلخيص"، وعزاه العراقي في "تخريج الإحياء" "4/ 279" إلى الطبراني وابن خزيمة في "التوكل", وجود إسناده أيضا، ونقل المناوي في "الفيض" "2/ 8" عن الزركشي؛ أنه قال: "إسناده صحيح", وله شواهد من حديث أنس، كما عند أبي داود في "القدر" -كما في "تهذيب الكمال" "3/ ق 1363"- والترمذي في "الجامع" "رقم 2517"، وآخر "العلل" "5/ 762" الملحق مع "الجامع"، وابن أبي الدنيا في "التوكل" "رقم 11"، وأبي نعيم في "الحلية" "8/ 390"، والقشيري في "الرسالة" "466-467"، وابن الجوزي في "التلبيس" "279"، وابن عساكر في "التاريخ"، والضياء في "المختارة" -كما في "إتحاف السادة المتقين" "9/ 507"- وفيه المغيرة بن أبي قرة، لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال ابن حجر: "مستور", ونقل الترمذي عن يحيى القطان قوله: "وهذا عندي حديث منكر"، ثم قال الترمذي: "وهذا حديث غريب من حديث أنس، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية الضمري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو هذا". قلت: تقدم حديث عمرو بن أمية، وهو حسن إن شاء الله تعالى.

وَمِمَّا يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الْوَاقِعَةِ: 58، 59] . {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} 1 [الْوَاقِعَةِ: 63] . {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} [الواقعة: 68] . {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} [الواقعة: 71] .

_ 1 {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} ؛ أي: تنبتونه أم نحن المنبتون المثمرون له؟ والآيات الثلاث الأولى واضحة في البيان هنا؛ لأن في كل منها نسبة التسبب للعبد، وإنكار أن يكون له إيجاد للمسبب، بل الموجد هو الله، أما الآية بعدها؛ فليست مما تعلق به كسب للعبد مطلقا، لا في تسبب ولا غيره؛ لأن الإنزال من المزن -وهو محل الغرض- لا شأن لنا به ولا تسببا، فلو كان الكلام في الري المسبب عن الشرب وكانت الآية: "أأنتم تخلقون الري أم نحن الخالقون"؛ لكانت الآية مما نحن فيه؛ فتأمل، وانظر في الآية التي بعدها أيضا، وعليك بالتأمل في صنيعه لتعرف السبب في هذا الأسلوب: جعل الآيات الأولى دليلا وبدأ بها وعلق عليها أولا، ثم ذكر الآيات الأخيرة قائلا: "ومما يبينه" دخولا عليه، وقال بعد الحديثين: "فيهما بيان لما تقدم", وخذ نموذجا لطريق التأمل مثلا: الآية الأولى: فيها نفي التكليف بالمسبب صراحة: {لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} مع العلم بطلب الرزق والتسبب فيه لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة. الآية الثانية: حصر الرزق في كونه عليه تعالى؛ فطبعا لا يكلف به غيره. الآية الثالثة: جعل الرزق في السماء على ما هو ظاهرها، وليس في متناول العبد؛ فلا يكلف به، مع أنه طلب بالتسبب إلى الرزق. أما الآيات الأخرى؛ فنسب الخلق إليه تعالى لا للعبد, ويلزمه ألا يطلب من العبد؛ فهو ظاهر في أنه لا يكلف به غيره, مع بقاء احتمال أنه سبحانه هو الخالق مع تسبب العبيد فيها ومطالبتهم بذلك التسبب, بخلاف الآيات الأولى؛ ففيها عدم المطالبة بالتسبب صريحة أو كالصريحة. "د".

وَأَتَى عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 96] . {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزُّمَرِ: 62] . وَإِنَّمَا جَعَلَ إِلَيْهِمُ الْعَمَلَ لِيُجَازَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ الْحُكْمُ فِيهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَاسْتِقْرَاءُ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الشَّرِيعَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ دَخَلَتِ الْأَسْبَابُ الْمُكَلَّفُ بِهَا1 فِي مُقْتَضَى هَذَا الْعُمُومِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ، فَصَارَتِ الْأَسْبَابُ هِيَ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَا مَكَاسِبُ الْعِبَادِ دُونَ الْمُسَبَّبَاتِ، فَإِذًا لَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ وَخِطَابُهُ إِلَّا بِمُكْتَسَبٍ؛ فَخَرَجَتِ الْمُسَبَّبَاتُ2 عَنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَقْدُورِهِمْ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهَا؛ لَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ كَمَا تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الِاسْتِلْزَامَ مَوْجُودٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ إِبَاحَةَ عُقُودِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهَا تَسْتَلْزِمُ إِبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ الْخَاصِّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا؟ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِهَا التَّحْرِيمُ؛ كَبَيْعِ الرِّبَا, وَالْغَرَرِ، وَالْجَهَالَةِ, اسْتَلْزَمَ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ الْمُسَبَّبِ عَنْهَا، وَكَمَا فِي التَّعَدِّي وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا، وَالذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ إِذَا كَانَتْ عَلَى وَفْقِ الْمَشْرُوعِ مُبَاحَةٌ، وَتَسْتَلْزِمُ إِبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ، فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ؛ كَانَتْ مَمْنُوعَةً، وَاسْتَلْزَمَتْ مَنْعَ الِانْتِفَاعِ ... إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كَثِيرَةٍ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْأَسْبَابِ وَالنَّهْيَ عَنْهَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِالْمُسَبَّبَاتِ وَلَا النهي عنها،

_ 1 في الأصل: "فيها". 2 لو أخذ هذا على عموم؛ لكرّ على المسألة بالنقض, وكان الواجب أن يقال بدل "لا تستلزم": لا يترتب حكم شرعي على مسبباتها ولا يتعلق بها حكم مطلقا؛ لأنها كلها خارجة عن مقدوره، مع أن صنيعه الآتي يسلم فيه أن بعضها يتعلق بها حكم، لكن لا على طريق الاستلزام، والواقع أن المسببات كثيرة؛ منها ما هو كالسبب من مقدور المكلف، ومنها ما ليس كذلك، والأول قد يأخذ حكم سببه وقد يأخذ حكما غيره. "د".

وَكَذَلِكَ فِي الْإِبَاحَةِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا كُلُّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِلْزَامِ، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ قَدْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، فَمَا جَاءَ بِخِلَافِهِ؛ فَعَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى حُكْمِ الِالْتِزَامِ. الثَّانِي: أَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ فِيهِ اسْتِلْزَامٌ، بِدَلِيلِ ظُهُورِهِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمْثِلَةِ؛ فَقَدْ يَكُونُ السَّبَبُ مباحا والمسبب مأمورا بِهِ؛ فَكَمَا نَقُولُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ: إِنَّهُ مُبَاحٌ؛ نَقُولُ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا كَانَ حَيَوَانًا، وَالنَّفَقَةُ مِنْ مُسَبَّبَاتِ الْعَقْدِ الْمُبَاحِ، وَكَذَلِكَ حَفِظُ الْأَمْوَالِ الْمُتَمَلَّكَةِ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الذَّكَاةُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ إِذَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ؛ كَالْخِنْزِيرِ، وَالسِّبَاعِ الْعَادِيَةِ، وَالْكَلْبِ, وَنَحْوِهَا، مَعَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ مُحَرَّمٌ فِي جَمِيعِهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا وَمَكْرُوهٌ فِي الْبَعْضِ. هَذَا فِي الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ، وَأَمَّا الْأَسْبَابُ الْمَمْنُوعَةُ؛ فَأَمْرُهَا أَسْهَلُ1؛ لِأَنَّ مَعْنَى تَحْرِيمِهَا أَنَّهَا فِي الشَّرْعِ لَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ أَسْبَابًا لَمْ تَكُنْ2 لَهَا مُسَبَّبَاتٌ؛ فَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ عَنْهَا عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْمَنْعِ، لَا أَنَّ3 الْمَنْعَ تَسَبَّبَ عَنْ وُقُوعِ أَسْبَابٍ مَمْنُوعَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ؛ فَالْأَصْلُ مطرد والقاعدة مستتبة، وبالله التوفيق.

_ 1 تقدم أنه يتفق فيها أن تكون مسبباتها ممنوعة؛ كالغصب والسرقة، وقد تكون غير متعلق بها حكم شرعي؛ كالقتل مع الموت مثلا؛ فلا يظهر فرق بين الممنوعة والمأمور بها في درجة عدم الاستلزام. "د". 2 في الأصل: "يكن". 3 يقال مثله في المأمور بها والمباحة ما دام الجميع لا استلزام فيه، وأنه أمر اتفاقي. "د".

وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ وَلَا الْقَصْدُ إِلَيْهَا1, بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْجَرَيَانُ تَحْتَ الْأَحْكَامِ الْمَوْضُوعَةِ لَا غَيْرَ، أَسْبَابًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أَسْبَابٍ، مُعَلَّلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَاكِمِ الْمُسَبِّبِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ2 مِنْ مَقْدُورِ الْمُكَلَّفِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ رَاجِعَةً إِلَيْهِ, فَمُرَاعَاتُهُ مَا هُوَ رَاجِعٌ لِكَسْبِهِ هُوَ اللَّازِمُ، وَهُوَ السَّبَبُ، وَمَا سِوَاهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَيْضًا, فَإِنَّ3 مِنَ الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَكُونُ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ، وَإِلَى جِهَتِهِ مَيْلٌ، فَيَمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ مُقْتَضَى الطَّلَبِ؛ فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُوَلِّي عَلَى الْعَمَلِ مَنْ طَلَبَهُ4، وَالْوِلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مَطْلُوبَةٌ؛ إما

_ 1 قال "ماء": "وفي نسخة: إليه". 2 مما سبق يعلم أنه ليس مطردا، وأن من المسببات ما هو من مقدور المكلف، ويتعلق به الخطاب المتعلق بنفس السبب؛ كالانتفاع بالمبيع في عقد البيع. "د". 3 فالولاية الشرعية مثلا لها مسببات كثيرة، وقد يكون القصد إلى بعض هذه المسببات مانعا من التسبب فيها مع كونها مطلوبا شرعيا؛ كالقصد إلى حظوظ نفسه ومنافعه المسببة عن الولاية؛ فلا تكون الولاية حينئذ مطلوبة شرعا, وجعل الشارع من أدلة قصد المكلف لحظوظه فيها طلبه لها, فلذلك منع من طلب الولاية منها، وإذا كان النظر إلى المسبب قد يكون قاضيا بجعل المطلوب شرعا غير مطلوب، بل ويجعل المباح غير مباح؛ فأولى ألا يلزم القصد إلى المسبب, يعني أن القصد إلى المسبب قد يضر؛ فضلا عن لزومه؛ فهو ترقٍّ في الاستدلال، على أنه لا يلزم. "د". 4 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأحكام, باب ما يكره من الحرص على الإمارة، 13/ 125/ رقم 7149"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة, باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، 3/ 1456/ رقم 1733" عن أبي موسى؛ قال: دخلتُ =

طَلَبَ الْوُجُوبِ، أَوِ النَّدْبِ، وَلَكِنْ رَاعَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ مَا لَعَلَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنِ اعْتِبَارِ الْحَظِّ، وَشَأْنُ طَلَبِ الْحَظِّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَنْشَأَ عَنْهُ أُمُورٌ تُكْرَهُ، كَمَا سَيَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى1، بَلْ قَدْ رَاعَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَ هَذَا فِي الْمُبَاحِ؛ فَقَالَ: "مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ فَخُذْهُ" 2 الْحَدِيثَ؛ فَشَرَطَ فِي قَبُولِهِ عَدَمَ إِشْرَافِ النَّفْسِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَخْذَهُ بِإِشْرَافٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَتَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "مَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقِّهِ؛ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ, وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ؛ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ" 3، وَأَخْذُهُ بِحَقِّهِ هُوَ أن لا ينسى

_ = على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا ورجلان من بني عمي؛ فقال أحد الرجلين: يا رسول الله! أمرنا على بعض ما ولاك الله, عز وجل, وقال الآخر مثل ذلك؛ فقال: "إنا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله, ولا أحدا حرص عليه ". وكتب "خ" هنا ما نصه: "طلب الرجل الولاية لمقصد غير صحيح؛ كالتباهي بمقامها، أو التمتع بما تجره إليه من المنافع المادية؛ تهمة تنادي بالحذر من عاقبته، فإن من كان هذا شأنه لا يبالي أن يضحي بمصلحتها أو يحتمل الإهانة في سبيل بقائه على منصتها، وعلى مثل هذا الوجه تحمل الأحاديث الواردة في كراهة الحرص على الولاية، أما من سعى إليها ليدبر شئونها بحزم ونصيحة، أو ليتخذ مكانتها وسيلة إلى القيام بأعمال شريفة؛ فله أسوة بقول يوسف, عليه السلام: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ". 1 انظر: "2/ 298-299، 327، 330 وما بعد، 344 وما بعد، 438 وما بعد". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس، 2/ 337/ رقم 1473"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف، 2/ 723/ رقم 1045" عن عمر -رضي الله عنه- وتتمته: "وما لا؛ فلا تتبعه نفسك ". 3 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، 3/ 335/ رقم 1472، وكتاب الوصايا، باب تأويل قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ، 5/ 277/ رقم 2750، وكتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، 6/ 249-250/ رقم 3143، وكتاب الرقاق، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا المال خضرة حلوة"، 11/ 258/ رقم 6441"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، 2/ 717/ رقم 1035" من حديث حكيم بن حزام, رضي الله عنه.

حَقَّ اللَّهِ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ آثَارِ عَدَمِ إِشْرَافِ النَّفْسِ، وَأَخْذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ1 هَذَا الْمَعْنَى الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: "نِعْمَ صَاحِبُ المسلم هو لمن أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ" 2، أَوْ كَمَا قَالَ: "وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ, وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 3. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ الْعُبَّادَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ -مِمَّنْ يُعْتَبَرُ مِثْلُهُ ههنا- أَخَذُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَخْلِيصِ الْأَعْمَالِ عَنْ شَوَائِبِ الْحُظُوظِ، حَتَّى عَدُّوا مَيْلَ النُّفُوسِ إِلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ جُمْلَةِ مَكَائِدِهَا, وَأَسَّسُوهَا قَاعِدَةً بَنَوْا عَلَيْهَا -فِي تَعَارُضِ الْأَعْمَالِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ- أَنْ يُقَدِّمُوا مَا لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، أَوْ مَا ثَقُلَ عَلَيْهَا؛ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُمْ عَمَلٌ إِلَّا عَلَى مُخَالَفَةِ مَيْلِ النَّفْسِ، وَهُمُ الْحُجَّةُ فِيمَا انْتَحَلُوا؛ لِأَنَّ إِجْمَاعَهُمْ إِجْمَاعٌ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْأَسْبَابِ, وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الْإِحْسَانِ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يراك" 4، وكل تصرف للعبد

_ 1 في الأصل: "ويبين". 2 هو قطعة من حديث في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري، سيأتي تخريجه في الحديث الآتي. 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" في مواطن -تقدم بيانها "ص309"- وليس عنده: "ويكون عليه شهيدا يوم القيامة" من حديث أبي هريرة. وأخرجه البخاري في "صحيحه" أيضا "كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى، 3/ 327/ رقم 1465"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا, 2/ 727-729" من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ المصنف. 4 قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان والإسلام والإحسان، 1/ 114/ رقم 50"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، 1/ 36-38/ رقم 8" عن عمر, رضي الله عنه.

تَحْتَ قَانُونِ الشَّرْعِ؛ فَهُوَ عِبَادَةٌ، وَالَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ يَعْزُبُ عَنْهُ -إِذَا تَلَبَّسَ بِالْعِبَادَةِ- حَظُّ نَفْسِهِ فِيهَا, هَذَا مُقْتَضَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بِأَنْ يَعْزُبَ عَنْهُ كُلُّ مَا سِوَاهَا، وَهُوَ مَعْنًى بَيَّنَهُ أَهْلُهُ؛ كَالْغَزَالِيِّ1 وَغَيْرِهِ. فَإِذًا لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ، وَهَذَا أَيْضًا جارٍ فِي الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوعَةِ كَمَا يَجْرِي فِي الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلَا يَقْدَحُ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبَّبِ فِي جَرَيَانِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ2؛ فَإِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ إِبْرَازُ الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ، وَالسَّبَبُ هُوَ الْمُتَضَمِّنُ لَهُ؛ فَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ إِلَّا بِفَوْتِ شَرْطٍ أَوْ جُزْءٍ أَصْلِيٍّ أَوْ تَكْمِيلِيٍّ فِي السَّبَبِ خَاصَّةً. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَضْعُ الْأَسْبَابِ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْوَاضِعِ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ، أَعْنِي الشَّارِعَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُقَلَاءَ قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَمْ تَكُنْ أَسْبَابًا لِأَنْفُسِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَاتٌ فَقَطْ، بَلْ مِنْ حَيْثُ يَنْشَأُ عَنْهَا أُمُورٌ أُخَرُ، وَإِذَا كَانَ كذلك؛ لزم من القصد إلى وضعها أسباب الْقَصْدُ إِلَى مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْمُسَبَّبَاتِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِجَلْبِ الْمَصَالِحِ أَوْ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ، وَهِيَ مُسَبَّبَاتُهَا قَطْعًا، فَإِذَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْأَسْبَابَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لأجل

_ 1 انظر: "إحياء علوم الدين" "3/ 66، 67، 69". 2 يعني: مع أنهما من المسببات؛ فيجريان على العبد بدون قصد إليهما. "د".

الْمُسَبَّبَاتِ؛ لَزِمَ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى الْأَسْبَابِ الْقَصْدُ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ. وَالثَّالِثُ 1: أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ لَوْ لَمْ تُقْصَدْ بِالْأَسْبَابِ؛ لَمْ يَكُنْ وَضْعُهَا عَلَى أَنَّهَا أَسْبَابٌ، لَكِنَّهَا فُرِضَتْ كَذَلِكَ؛ فَهِيَ وَلَا بُدَّ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنَّهَا أَسْبَابٌ، وَلَا تَكُونُ أَسْبَابًا إِلَّا لِمُسَبَّبَاتٍ، فَوَاضِعُ الْأَسْبَابِ قَاصِدٌ لِوُقُوعِ الْمُسَبَّبَاتِ مِنْ جِهَتِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، وَكَانَتِ الْأَسْبَابُ مَقْصُودَةَ الْوَضْعِ لِلشَّارِعِ؛ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمُسَبَّبَاتُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ بِالْأَسْبَابِ2؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَصْدَيْنِ مُتَبَايِنَانِ، فَمَا تَقَدَّمَ هُوَ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ فِي التَّكْلِيفِ بِالْأَسْبَابِ التَّكْلِيفَ بِالْمُسَبَّبَاتِ؛ فَإِنَّ الْمُسَبَّبَاتِ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلْعِبَادِ كَمَا تَقَدَّمَ, وَهُنَا إِنَّمَا مَعْنَى الْقَصْدِ إليها أن الشارع [مما] 3 يَقْصِدُ وُقُوعَ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا؛ وَلِذَلِكَ وَضَعَهَا أَسْبَابًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ, وَإِنَّمَا فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْقَصْدَ إِلَى مُجَرَّدِ الْوُقُوعِ خَاصَّةً؛ فَلَا تناقض بين الأصلين.

_ 1 تأمل في هذه المقدمات لتعرف ما يحتاج إليه منها في غرضه وما لا يحتاج إليه، وهل بقيت حاجة إلى قوله: "وإذا ثبت هذا ... " إلخ بعد قوله: فواضع الأسباب قاصد المسببات من جهتها؟ أليس هذا هو الدعوى المطلوبة؟ لكنه جعلها من المقدمات ورتب عليها قوله: "وإذا ثبت هذا ... " إلخ، وهل معنى قصد وضعها مسببات زائد على قصد وقوع المسببات من جهتها؟ "د". قلت: قارن ما عند المصنف بـ"مجموع فتاوى ابن تيمية" "8/ 179-183، 287". 2 في الأصل: "المسببات". 3 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط".

وَالثَّانِي1: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَوَارُدُ الْقَصْدَيْنِ2 عَلَى شيء واحد؛ لم يكن محالا إذا كان بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ3، كَمَا تَوَارَدَ قَصْدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِاعْتِبَارَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَيْنِ غَيْرُ مُتَدَافِعَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَصْدُ إِلَى الْمُسَبَّبِ؛ فَلِلْمُكَلَّفِ تَرْكُ الْقَصْدِ إِلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَمَا تَقَدَّمَ4 يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: لِمَ تكتسب لمعاشك بالزراعة أو بالتجارة أو بغيرهما؟ قُلْتَ: لِأَنَّ الشَّارِعَ نَدَبَنِي إِلَى تِلْكَ الْأَعْمَالِ؛ فَأَنَا أَعْمَلُ عَلَى مُقْتَضَى مَا أُمِرْتُ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أُصَلِّيَ وَأَصُومَ وَأُزَكِّيَ وَأَحُجَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَلَّفَنِي بِهَا. فَإِنْ قِيلَ لَكَ: إِنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ وَنَهَى لِأَجْلِ الْمَصَالِحِ. قُلْتَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ لَا إِلَيَّ؛ فَإِنَّ الَّذِي إِلَيَّ التسبب، وحصول

_ 1 هذا لازم لما قبله وليس شيئا جديدا، فإن تباين القصدين إنما جاء من عدم تواردهما باعتبار واحد. "د". 2 في الأصل و"ط": "فرض القصدان". 3 هذا الجواب مبني على أن القصدين: المثبت والمنفي متوجهان إلى شيء واحد، وهو المسببات، ولكن القصد المثبت يتعلق بها من جهة وقوعها، والقصد المنفي من حيث التكليف بها. "خ". 4 أي: في أدلة المسألة الثالثة؛ لأنه إذا كان لا يلزمه؛ فله تركه. "د".

الْمُسَبَّبَاتِ لَيْسَ إِلَيَّ؛ فَأَصْرِفُ قَصْدِي إِلَى مَا جُعِلَ إِلَيَّ, وَأَكِلُ مَا لَيْسَ لِي إِلَى مَنْ هُوَ لَهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا؛ أَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ فَاعِلٍ بِنَفْسِهِ، بَلْ إِنَّمَا وَقَعَ الْمُسَبَّبُ عِنْدَهُ لَا بِهِ, فَإِذَا تَسَبَّبَ الْمُكَلَّفُ؛ فَاللَّهُ خَالِقُ السَّبَبِ، وَالْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ لَهُ {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 96] . {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزُّمَرِ: 62] . {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التَّكْوِيرِ: 29] . {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشَّمْسِ: 7، 8] . وَفِي حَدِيثِ الْعَدْوَى قَوْلُهُ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ " 1، وَقَوْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِ الطَّاعُونِ: "نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ"، حِينَ قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرَ اللَّهِ؟ "2، وَفِي الحديث: "جف القلم بما هو

_ 1 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الطب، باب لا هامة, 10/ 241/ رقم 5770، وباب لا صفر، 10/ 171/ رقم 5717"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام, باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، 4/ 1742-1743/ رقم 2220" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ولفظه: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة ". فقال أعرابي: يا رسول الله! فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب؛ فيدخل بينها فيجربها؟ قال: "فمن أعدى الأول ". 2 جزء من قول عمر في قصة خروجه إلى الشام وسماعه في الطريق عن وقوع الطاعون فيها، واستشارته الصحابة في ذلك، ثم عودته؛ أخرجه مطولا البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، 10/ 179/ رقم 5729"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، 4/ 1740/ رقم 2219". والقائل لعمر: "أفرارا ... " هو أبو عبيدة بن الجراح وليس عمرو بن العاص؛ كما ذكر المصنف.

كَائِنٌ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ؛ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنْ يَمْنَعُوكَ شَيْئًا كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ؛ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ" 1. وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا تَنْتَهِي إِلَى الْقَطْعِ, وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبِ فِي فِعْلِ السَّبَبِ لَا يَزِيدُ2 عَلَى تَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْمُسَبَّبَ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ، هَذَا وَإِنْ كَانَتْ مَجَارِي الْعَادَاتِ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَكُونُ؛ فَكَوْنُهُ دَاخِلًا تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَنَقْضُ3 مَجَارِي الْعَادَاتِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا؛ فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ ناص على طلب القصد

_ 1 قطعة من حديث طويل، أوله: "يا غلام! ألا أعلمك شيئا ينفعك ... "، وفيه: "احفظ الله يحفظك ... "؛ أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في "الكبير" "11/ 223/ رقم 11560"؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" "رقم 126" من حديث ابن عباس, رضي الله عنه. وأخرجه من حديث ابن عباس أيضا بلفظ مقارب: الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، 4/ 667/ رقم 2516" -وقال: "حسن صحيح"- وأحمد في "المسند" "1/ 293، 307"، وأبو يعلى في "المسند" "4/ 430/ رقم 2556"، والطبراني في "الدعاء" "رقم 41، 42" و"الكبير" "11/ 123/ رقم 11243"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 541، 542"، والآجري في "الشريعة" "198"، وعبد بن حميد في "المنتخب" "رقم 634"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" "رقم 427"، والبيهقي في "الشعب" "1/ 148" و"الآداب" "رقم 1073"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 314" من طرق عن ابن عباس، وبعضها فيه ضعف. قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "1/ 460-461": "وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار, وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غفرة، وابن أبي مليكة، وغيرهم، وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قاله ابن منده وغيره". وانظر: "فتح الباري" "11/ 492"؛ ففيه شواهد أخرى للحديث، وهو صحيح. 2 أي: من جهة إيجاد المسبب وعدمه. "د". 3 فكم وجد السبب ولم يوجد المسبب، وكم وجد المسبب بدون سببه العادي، ولله خرق العوائد. "د".

إلى الْمُسَبَّبِ. فَإِنْ قِيلَ1: قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ وَالْتِفَاتُهُ إِلَيْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مَطْلُوبَةُ الْقَصْدِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَإِلَّا؛ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ إِلَّا مُطَابَقَةَ قَصْدِ الْمُكَلَّفِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ إِذْ لَوْ خَالَفَهُ لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ كَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ2 مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، فَإِذَا طَابَقَهُ صَحَّ، فَإِذَا فَرَضْنَا هَذَا الْمُكَلَّفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمُسَبَّبَاتِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهَا مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ؛ كَانَ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لَهُ، وَكُلُّ تَكْلِيفٍ قَدْ خَالَفَ3 الْقَصْدُ فِيهِ قَصْدَ الشَّارِعِ فَبَاطِلٌ كَمَا تَبَيَّنَ؛ فَهَذَا كَذَلِكَ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُ إِذَا فَرَضْنَا أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ وُقُوعَ الْمُسَبَّبَاتِ بِالتَّكْلِيفِ بِهَا كَمَا قَصَدَ ذَلِكَ بِالْأَسْبَابِ, وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهَا، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ وُقُوعُ الْمُسَبَّبَاتِ بِحَسَبِ ارْتِبَاطِ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْخَلْقِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَثَرِ إِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ لِلْأَسْبَابِ4 لِيَسْعَدَ مَنْ سَعِدَ وَيَشْقَى مَنْ شَقِيَ، فَإِذًا قَصْدُ الشَّارِعِ لوقوع المسببات لا ارتباط له

_ 1 هذا الإشكال مبني على المسألة الرابعة، وبه تعلم جودة صنيعه في تقديمها على هذه المسألة. "د". 2 في النوع الرابع من قصد الشارع من كتاب "المقاصد" "ص2/ 289 وما بعدها". 3 ترويج للسؤال يجعل أن للمكلف قصدا غير قصد الشارع، مع أن الفرض أن المكلف لا قصد له في المسبب مطلقا، لا بموافقة ولا بمخالفة. "د". 4 هذا جار على مذهب أهل السنة من أن الآثار صادرة عن قدرة الخالق مباشرة، ولكنه يوجدها عند وجود أسبابها المرتبطة بها في النظام العام ما لم يرد خرق السنن المعروفة لحكمة بالغة، وقالت القدرية: وَهِم المعتزلة أن الله أودع في العبد قدرة تصدر عنها آثارها بطريق الاختيار أو التوليد والسببية، ووافقوا الفلاسفة في قولهم: إن السبب يوجب أثره إلا أن يمنع منه مانع؛ فالسبب والمسبب عندهم مقدوران للعبد؛ إلا أن أحدهما مباشرة والآخر بواسطة. "خ". قلت: قارن لزاما بـ"مجموع فتاوى ابن تيمية" "9/ 287، 288 و10/ 388-393 و484-488".

بِالْقَصْدِ التَّكْلِيفِيِّ؛ فَلَا يَلْزَمُ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ1 لِأَنَّ الْقَصْدَ إِلَى ذَلِكَ قَصْدٌ إِلَى مَا هُوَ فِعْلُ الْغَيْرِ، [وَلَا يُلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يَقْصِدَ وُقُوعَ مَا هُوَ فِعْلُ الْغَيْرِ] 2؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِفِعْلِ الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ، وَهُوَ السَّبَبُ خَاصَّةً؛ فَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، أَوْ يُطْلَبُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مُوَافَقَةُ قَصْدِ الشَّارِعِ. فَصْلٌ: 3 وَأَمَّا أَنَّ لِلْمُكَلَّفِ الْقَصْدَ إِلَى الْمُسَبَّبِ؛ فَكَمَا إِذَا قِيلَ لَكَ: لِمَ تَكْتَسِبُ؟ قُلْتَ: لِأُقِيمَ صُلْبِي، وَأَقُومَ فِي حَيَاةِ نَفْسِي وَأَهْلِي، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي تُوجَدُ عَنِ السَّبَبِ؛ فَهَذَا الْقَصْدُ إِذَا قَارَنَ التَّسَبُّبَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ الْتِفَاتٌ إِلَى الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [الْجَاثِيَةِ: 12] . وَقَالَ: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [الرُّومِ: 23] . وَقَالَ: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا 4 مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] .

_ 1 أي: لزوم قصد المكلف، وقد تقدمت أدلته، ولا يجوز أن يعود الضمير على نفس القصد؛ لأن ما دلل به هنا عليه لا يفيده، وأيضا ينابذ الأدلة الآتية على صحة قصد المسبب، على أن قوله بعد "فهو الذي يلزم القصد إليه" يؤيد ما قررناه. "د". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 3 قارن بـ"مجموع فتاوى ابن تيمية" "8/ 175-179، 165، 169". 4 كأنه قال: اقصدوا فضل الله ورزقه بأخذكم في الأسباب من الانتشار في الأرض مثلا، وهو قصد إلى المسبب بالسبب، وحيث كان في مقام الامتنان؛ فهو باق على ظاهره؛ لأن الامتنان إنما يظهر فيما كان من فعله تعالى الذي لا شأن للغير فيه، وإنما يكون ذلك في المسبب لا في السبب. ولو قال: عبر بالقصد الذي هو المسبب مقارنا أو مرتبا على السبب في مقام الامتنان؛ فدل على أنه يصح قصد المسبب بالسبب؛ لكان ظاهرا لأن فيه قصد المسبب بنفسه لا قصد السبب، وعبر عنه بقصد المسبب مجازا؛ لأنه لو كان مجازا وكان المسبب ليس مقصودا حقيقة؛ ما دل على مدعاه ولو في مقام الامتنان، إذا فرضنا أنه يظهر مقام الامتنان في هذه الحالة. "د".

فَمِنْ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْقَصْدِ إِلَى الْفَضْلِ عَنِ الْقَصْدِ إِلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الِاكْتِسَابُ، وَسِيقَ مَسَاقَ الِامْتِنَانِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ؛ أَشْعَرَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْقَصْدِ، وَهَذَا جَارٍ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ كَمَا هُوَ جَارٍ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ 1 جَنَّاتٍ} [الطَّلَاقِ: 11] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِنُ بِصِحَّةِ الْقَصْدِ إِلَى الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّمَا مَحْصُولُ هَذَا أَنْ يُبْتَغَى مَا يُهَيِّئُ اللَّهُ لَهُ بِهَذَا السَّبَبِ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ وَاللَّجَأِ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَرْزُقَهُ مُسَبَّبًا يَقُومُ بِهِ أَمْرُهُ وَيَصْلُحُ بِهِ حَالُهُ, وَهَذَا لَا نَكِيرَ فِيهِ شَرْعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْلُومَ من الشريعة أنها شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ؛ فَالتَّكْلِيفُ كُلُّهُ إِمَّا لِدَرْءِ مَفْسَدَةٍ، وَإِمَّا لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أَوْ لَهُمَا مَعًا؛ فَالدَّاخِلُ تَحْتَهُ مُقْتَضٍ لِمَا وُضِعَتْ لَهُ، فَلَا مُخَالَفَةَ فِي ذَلِكَ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَالْمَحْظُورُ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَقْصِدَ2 خِلَافَ مَا قَصَدَهُ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَقْدٌ مخالف؛ فالفعل3 موافق، والقصد

_ 1 ليس فيه ما يدل على القصد من المكلف، ولكن آية {انْتَشِرُوا} و {ابْتَغُوا} ، وقوله: {وَلِتَبْتَغُوا} مثلا ظاهرة فيما أراد، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ... } إلخ، وقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا} الآية، واضح الدلالة على صحة قصد المسبب في أمور الآخرة. "د". 2 هذا يؤيد ما سبق لنا تعليقه على قوله: "وكل تكليف خالف القصد فيه قصد الشارع باطل". "د". 3 يشير إلى ما يأتي في موافقة ومخالفة قصد المكلف وعمله في المسألة الساسة من النوع الرابع. "د".

مُوَافِقٌ؛ فَالْمَجْمُوعُ مُوَافِقٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَسْتَتِبُّ هَذَانِ1 الْوَجْهَانِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ قَصْدَ الْمُسَبَّبَاتِ لَازِمٌ فِي الْعَادِيَّاتِ، لِظُهُورِ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى؛ فَهُنَالِكَ يَسْتَتِبُّ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُعَلَّلَ بِهَا رَاجِعَةٌ إِلَى جِنْسِ الْمَصَالِحِ فِيهَا أَوِ الْمَفَاسِدِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْعَادِيَّاتِ، وَغَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي الْعِبَادِيَّاتِ, وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ وَالْقَصْدُ إِلَيْهَا مُعْتَبَرٌ فِي الْعَادِيَّاتِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْمُجْتَهِدِ؛ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إِنَّمَا يَتَّسِعُ مَجَالُ اجْتِهَادِهِ بِإِجْرَاءِ الْعِلَلِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الْمَصَالِحِ إِلَّا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ, وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا الْأَحْكَامُ2 وَالْمَعَانِي هِيَ مُسَبَّبَاتُ الْأَحْكَامِ، أَمَّا الْعِبَادِيَّاتُ؛ فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا فَقْدَ ظُهُورِ الْمَعَانِي الْخَاصَّةِ بِهَا، وَالرُّجُوعَ إِلَى مُقْتَضَى النُّصُوصِ فِيهَا؛ كَانَ تَرْكُ

_ 1 المراد بهما قصد المسبب وعدمه بقطع النظر عما سبق من اعتبار عدم اللزوم فيهما؛ لأنه سيبني سؤاله على لزوم القصد في العاديات ولزوم عدم القصد في العبادات. "د". قلت: وقارن بـ"مجموع فتاوى ابن تيمية" "8/ 536". 2 سرد ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" "1/ 196-200" عشرات الأمثلة من تعليلات القرآن والسنة، وله تفصيل وتقعيد حسن نحو ما عند المصنف في "مفتاح دار السعادة" "2/ 22"، وسيأتي للمصنف في "2/ 526 وما بعدها" تفصيل مسهب في هذا الموضوع. وانظر: "شفاء الغليل" "205" للغزالي، و"أصول الفقه الإسلامي" "2/ 762" لوهبة الزحيلي، و"شرح الكوكب المنير" "1/ 312"، و"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص169-207".

الِالْتِفَاتِ أَجْرَى عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا، وَالْأَمْرَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ حَقَّهُ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ؛ إِلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ مُدْرَكَاتِهِ وَمَعْلُومَاتِهِ الْعَادِيَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَمْرَيْنِ فِي الِالْتِفَاتِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا نَظَرَ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ عَدَّى الْحُكْمَ بِهَا إِلَى مَحَلٍّ هِيَ فِيهِ لِتَقَعَ الْمَصْلَحَةُ الْمَشْرُوعُ لَهَا الْحُكْمُ، هَذَا نَظَرُهُ خَاصَّةً1، وَيَبْقَى قَصْدُهُ إِلَى حُصُولِهَا بِالْعَمَلِ أَوْ عَدَمِ الْقَصْدِ مَسْكُوتًا عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ فَتَارَةً يَقْصِدُ إِذَا كَانَ هُوَ الْعَامِلَ، وَتَارَةً لَا يَقْصِدُ، وَفِي الْوَجْهَيْنِ لَا يَفُوتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ أَمْرٌ؛ كَالْمُقَلِّدِ سَوَاءً، فَإِذَا سَمِعَ قوله, عليه الصلاة والسلام: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" 2؛ نَظَرَ إِلَى عِلَّةِ مَنْعِ الْقَضَاءِ؛ فَرَآهُ الْغَضَبَ، وَحِكْمَتُهُ تَشْوِيشُ الذِّهْنِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحِجَاجِ بَيْنَ الْخُصُومِ؛ فَأَلْحَقَ بِالْغَضَبِ الْجُوعَ وَالشِّبَعَ الْمُفْرِطَيْنِ، وَالْوَجَعَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَشْوِيشُ الذِّهْنِ، فَإِذَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ -وَكَانَ قَاضِيًا- امْتَنَعَ مِنَ الْقَضَاءِ بِمُقْتَضَى النَّهْيِ، فَإِنْ قَصَدَ بِالِانْتِهَاءِ مُجَرَّدَ النَّهْيِ فَقَطْ, مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى الْحِكْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُهِيَ عَنِ الْقَضَاءِ؛ حَصَلَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ, وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ الْقَاضِي، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَا ظَهَرَ قَصْدُ الشرع إِلَيْهِ مِنْ مَفْسَدَةِ عَدَمِ اسْتِيفَاءِ الْحِجَاجِ؛ حَصَلَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ أَيْضًا؛ فَاسْتَوَى قَصْدُ الْقَاضِي إِلَى الْمُسَبَّبِ وَعَدَمُ قَصْدِهِ، وَهَكَذَا الْمُقَلِّدُ فِيمَا فَهِمَ حِكْمَتَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَمَا لَمْ يَفْهَمْ؛ فَهُوَ

_ 1 أي: فهو ينظر إلى محلات العلل ليثبت فيها مثل الحكم في الأصل، وهذا أمر نظري غير [عملي] * أخذه هو بالعمل في هذا الفرع الذي استنبطه، وعند أخذه في العمل يستوي مع المقلد في مراعاة المسبب وعدم مراعاته. "د". 2 سيأتي تخريجه "ص411", والحديث في "الصحيحين" وغيرهما.

كَالْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَمِيعِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ1 عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَيَصِحَّ الْقَصْدُ إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالْقَصْدُ إِلَيْهَا أَوْ عَدَمُ الْقَصْدِ كَمَا تَقَدَّمَ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا تَقَرَّرَ مَا تَقَدَّمَ؛ فَلِلدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ مَرَاتِبُ تَتَفَرَّعُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ؛ فَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ له ثلاث مراتب: إحداها: أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ أَوْ مُوَلِّدٌ لَهُ؛ فَهَذَا شِرْكٌ أَوْ مُضَاهٍ لَهُ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ2، وَالسَّبَبُ غَيْرُ فَاعِلٍ بِنَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 96] . وَفِي الْحَدِيثِ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مؤمن بي وكافر" 3 الحديث؛ فإن

_ 1 قوله: "أو في الآخرة" ليس شكا منه في وجود فوائد ومصالح دنيوية للعبادات، وإنما هو مجرد احتياط لبعض الجزئيات، ولبعض الحالات التي لا تظهر لها مصلحة دنيوية عاجلة، ومما يؤيد ذلك قوله فيا سيأتي "3/ 144" بعد أن ذكر فوائد الصلاة في الدنيا والآخرة: ".... وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ فِيهَا فَوَائِدُ أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ الْعَامَّةُ، وَفَوَائِدُ دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ كُلُّهَا تَابِعَةٌ لِلْفَائِدَةِ الأصلية". 2 انظر في هذا: "الواسطة بين الحق والخلق"، و"مجموع الفتاوى" "8/ 175-179"، كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، 2/ 333/ رقم 846"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، 1/ 83-84/ رقم 71"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأدب، باب في النجوم، 4/ 16/ رقم 3906"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الاستسقاء، باب كراهية الاستمطار بالكواكب، 3/ 164-165" وغيرهم من حديث زيد بن خالد الجهني, رضي الله عنه. وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وغيرهما.

الْمُؤْمِنَ بِالْكَوْكَبِ الْكَافِرَ بِاللَّهِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْكَوْكَبَ [فَاعِلًا بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَوَلَّى النَّظَرَ فِيهَا أَرْبَابُ الْكَلَامِ] 1. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ عَلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَكُونُ عِنْدَهُ عَادَةً، وَهَذَا هُوَ الْمُتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِهِ قَبْلُ، وَمَحْصُولُهُ طَلَبُ الْمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ لَا بِاعْتِقَادِ الِاسْتِقْلَالِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ2 كَوْنِهِ مَوْضُوعًا عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لِمُسَبَّبٍ؛ فَالسَّبَبُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِمُسَبَّبٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُولُهُ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ سَبَبًا؛ فَالِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ مُقْتَضَى عَادَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَلَا هُوَ مُنَافٍ لِكَوْنِ السَّبَبِ وَاقِعًا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَظْهَرُ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَعِنْدَ عَدَمِهِ؛ فَلَا يَنْفِي وُجُودَ السَّبَبِ كَوْنُهُ خَالِقًا لِلْمُسَبَّبِ، لَكِنْ هُنَا قَدْ يَغْلِبُ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فَقْدُ الْمُسَبَّبِ مُؤَثِّرًا وَمُنْكِرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ غَلَبَتْ عَلَى النَّظَرِ فِي السَّبَبِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ سَبَبًا، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى كَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِالْجَعْلِ لَا مُقْتَضِيًا بِنَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ غَالِبُ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِي الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ عَلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْمُسَبَّبُ؛ فَيَكُونُ الْغَالِبُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ اعْتِقَادَ أَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْكِيمٍ لِكَوْنِهِ سَبَبًا؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ كَوْنُهُ سَبَبًا مُحَقَّقًا لَمْ يَتَخَلَّفْ، كَالْأَسْبَابِ الْعَقْلِيَّةِ3، فَلَمَّا لَمْ4 يَكُنْ كذلك؛ تمحض جانب التسبيب

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "خ"، وكتب محشيها: "هكذا بياض في الأصل وهو غير خفي على المتأمل"، وأثبتها "م" و"ط" أيضا. 2 كلمة "جهة" ليست في "م" و"خ". 3 الأسباب العقلية لا يعترضها مانع ولا يتأخر عنها أثرها في حال؛ كالزيادة في حجم أحد الشيئين علة في كونه أكبر من الآخر، ولهذا لم يستطع المعتزلة أن يعطوا السبب المولد كالتقريب من النار المولد للإحراق حكم العلة العقلية، واضطروا إلى أن قالوا: إنه يوجب الأثر ما لم يمنع منه مانع. "خ". 4 في "خ": "لما".

الرَّبَّانِيِّ، بِدَلِيلِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَهُنَا يُقَالُ لِمَنْ حَكَّمَهُ1: فَالسَّبَبُ الْأَوَّلُ عَنْ مَاذَا تَسَبَّبَ؟ وَفِي مِثْلِهِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟! " 2. فَإِذَا كَانَتِ الْأَسْبَابُ مَعَ الْمُسَبَّبَاتِ دَاخِلَةً تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ؛ فَاللَّهُ هُوَ الْمُسَبِّبُ، لَا هِيَ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبَّبِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، وَاعْتِبَارِهِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ مُسَبِّبُهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ3. فَصْلٌ: وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبَّبِ لَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: إِحْدَاهَا: أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ابْتِلَاءٌ لِلْعِبَادِ [وَامْتِحَانٌ لَهُمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَسْبَابَ وَالْمُسَبَّبَاتِ مَوْضُوعَةٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ ابْتِلَاءً لِلْعِبَادِ] 4 وَامْتِحَانًا لَهُمْ؛ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ إِلَى السَّعَادَةِ أَوِ الشَّقَاوَةِ، وَهِيَ عَلَى ضربين:

_ 1 بأن اعتقد أنه إذا وُجد وُجد المسبب، وإذا فُقد فُقد المسبب. "د". 2 مضى تخريجه "ص314"، وكتب "خ" هنا ما نصه: "جاء في الشريعة ما يقتضي الحذر من العدوى؛ كحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد"؛ فالقصد إذًا من حديث: "لا عدوى" إبطال الاعتقاد بأن العدوى من الأسباب المؤثرة على سبيل الوجوب، ونبه في الحديث على وجه إبطال هذا الاعتقاد بالإشارة إلى أن المرض الذي يحدث عند مخالطة بعض المرضى قد يكون مثل الإصابة الأولى ناشئا عن سبب غير سبب العدوى". 3 وبذلك كانت الأسباب جعلية لا عقلية طبعية، تفضي إلى آثارها بذوقها. وانظر: "مدارج السالكين" "3/ 395-401"، و"بدائع الفوائد" "3/ 178-180"، و"أصول التشريع الإسلامي" "ص285"، و"بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله" "2/ 412" لفتحي الدريني. 4 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

أَحَدُهُمَا: مَا وُضِعَ لِابْتِلَاءِ الْعُقُولِ، وَذَلِكَ الْعَالَمُ كُلُّهُ1 مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْظُورٌ فِيهِ، وَصَنْعَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا وَرَاءَهَا. وَالثَّانِي: مَا وُضِعَ لِابْتِلَاءِ النُّفُوسِ، وَهُوَ الْعَالَمُ كُلُّهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُوصِلٌ إِلَى الْعِبَادِ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُسَخَّرٌ لَهُمْ وَمُنْقَادٌ لِمَا يُرِيدُونَ فِيهِ؛ لِتَظْهَرَ تَصَارِيفُهُمْ تَحْتَ حُكْمِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَلِتَجْرِيَ أَعْمَالُهُمْ تَحْتَ حُكْمِ الشَّرْعِ، لِيَسْعَدَ بِهَا مَنْ سَعِدَ وَيَشْقَى مَنْ شَقِيَ، وَلِيَظْهَرَ مُقْتَضَى الْعِلْمِ السَّابِقِ وَالْقَضَاءِ الْمُحَتَّمِ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ الِافْتِقَارِ فِي صُنْعِ مَا يَصْنَعُ إِلَى الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِطِ، لَكِنْ وَضَعَهَا لِلْعِبَادِ لِيَبْتَلِيَهُمْ فِيهَا. وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ2 أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هُودٍ: 7] . {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الْمُلْكِ: 2] . {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الْكَهْفِ: 7] . {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يُونُسَ: 14] . {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ3 لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف: 12] .

_ 1 أي: جملة وتفصيلا، وكذا يقال فيما بعده، وإن كانت تصاريف كل شخص لا تمس جميع التفاصيل؛ إلا أن الجزئيات مرتبة بالكليات. "د". 2 تصح دليلا على الابتلاء للعقول والنفوس على مقتضى ما قرره. "د". 3 ما قبل هذه الآية يرجع إلى قوله: "لتظهر تصاريفهم تحت حكم القضاء والقدر ... " إلخ، والآية وما بعدها -عدا الآية الأخيرة- يرجع إلى قوله: "وليظهر مقتضى العلم السابق.... إلخ". "د".

{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 142] . {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 154] . {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 152] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْأَسْبَابِ إِنَّمَا هِيَ لِلِابْتِلَاءِ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ؛ فَالْآخِذُ لَهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ آخِذٌ لَهَا مِنْ حَيْثُ وُضِعَتْ مَعَ التَّحَقُّقِ1 بِذَلِكَ فِيهَا، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَصَاحِبُ هَذَا الْقَصْدِ مُتَعَبِّدٌ لِلَّهِ بِمَا تَسَبَّبَ بِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَسَبَّبَ بِالْإِذْنِ فِيمَا أَذِنَ فِيهِ لِتَظْهَرَ عُبُودِيَّتُهُ لِلَّهِ فِيهِ، لَا مُلْتَفِتًا إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا وَإِنِ انْجَرَّتْ مَعَهَا؛ فَهُوَ كَالْمُتَسَبِّبِ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِحُكْمِ قَصْدِ التَّجَرُّدِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْأَسْبَابِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أُمُورٌ مُحْدَثَةٌ، فَضْلًا عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْرِيدَ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ أَنْ لَا يُشْرَكَ مَعَهُ فِي قَصْدِهِ سِوَاهُ2، وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ خُرُوجٌ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ بِالْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الِالْتِفَاتِ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَقَاءٌ مَعَ الْمُحْدَثَاتِ، وَرُكُونٌ إِلَى الْأَغْيَارِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ فِي نَفْيِ الشِّرْكَةِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي مَوْضِعِهِ صَحِيحٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ مَا دَلَّ عَلَى نَفْيِ الشِّرْكَةِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الْكَهْفِ: 110] . وَقَوْلِهِ: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزُّمَرِ: 2، 3] . وَسَائِرِ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ دَلَائِلُ طَلَبِ الصِّدْقِ فِي التَّوَجُّهِ لِلَّهِ

_ 1 في الأصل: "التحقيق". 2 في الأصل و"ط": "سواها".

رَبِّ الْعَالَمِينَ، كُلُّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ فِي خُلُوصِ التَّوَجُّهِ وَصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ؛ فَصَاحِبُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مُتَعَبِّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْأَسْبَابِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى اطِّرَاحِ النَّظَرِ فِيهَا مِنْ جِهَتِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي مُسَبَّبَاتِهَا؛ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ إِلَى مُسَبِّبِهَا وَوَاضِعِهَا، وَسُلَّمٌ إِلَى التَّرَقِّي لِمَقَامِ الْقُرْبِ مِنْهُ؛ فَهُوَ إِنَّمَا يَلْحَظُ فِيهَا الْمُسَبِّبَ خَاصَّةً. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ بِحُكْمِ الْإِذْنِ1 الشَّرْعِيِّ مُجَرَّدًا عَنِ النَّظَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَوَجُّهُهُ فِي الْقَصْدِ إِلَى السَّبَبِ تَلْبِيَةً لِلْأَمْرِ2 لِتَحَقُّقِهِ بِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي السَّبَبِ أَوْ أَمَرَ بِهِ؛ لَبَّاهُ مِنْ حَيْثُ قَصْدُ الْآمِرِ فِي ذَلِكَ السَّبَبِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مُسَبِّبُهُ, وَأَنَّهُ أَجْرَى الْعَادَةَ بِهِ، وَلَوْ شَاءَ لَمْ يُجْرِهَا كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَخْرِقُهَا إِذَا شَاءَ، وَعَلَى أَنَّهُ ابْتِلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وَعَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي صِدْقَ التَّوَجُّهِ بِهِ إِلَيْهِ؛ فَدَخَلَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَصَارَ هَذَا الْقَصْدُ شَامِلًا لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ تَوَخَّى قَصْدَ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي غَيْرِهِ, وَقَدْ عَلِمَ قَصْدَهُ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ، فَحَصَلَ لَهُ كُلُّ مَا فِي ضِمْنِ ذَلِكَ التَّسَبُّبِ، مِمَّا عَلِمَ وَمِمَّا لَمْ يَعْلَمْ؛ فَهُوَ طَالِبٌ لِلْمُسَبَّبِ مِنْ طَرِيقِ السَّبَبِ، وَعَالِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ هو المسبب, وهو المبتلى به، ومتحقق

_ 1 هو وقوله بعد "وعلى أنه ابتلاء" إشارة للمعنى الأول في هذا الفصل، وقوله: "يقتضي صدق توجهه هو المعنى الثاني في الفصل"، وقوله: "وَقَدْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مُسَبِّبُهُ وَأَنَّهُ أَجْرَى العادة به ولو شاء ... إلخ" إشارة للمعنى الثالث فيما فيه الالتفات للمسبب، وقد صرح بهذه المعاني بعد؛ فقال: "فهو طالب للمسبب ... إلخ"؛ فقوله: "شاملا لجميع ما تقدم"؛ أي: من المرتبة الثالثة من القسم الأول والمرتبتين المذكورتين في هذا الفصل، ويبقى الكلام معه في عد هذه المرتبة الثالثة هنا مندرجة تحت هذا الفصل الذي موضوعه ترك الالتفات إلى المسبب؛ فإن هذه المرتبة مزيج من القسمين كما عرفت، كما يبقى تصحيح الجمع بين الالتفات إلى المسبب وعدم الالتفات إليه، معا في حال واحدة من شخص واحد. "د". 2 في الأصل العبارة: "تتوجه في القصد إلى السبب ... تلبية إلى الأمر".

فِي صِدْقِ التَّوَجُّهِ بِهِ إِلَيْهِ؛ فَقَصْدُهُ مُطْلَقٌ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ قَصْدُ الْمُسَبَّبِ، لَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْيَارِ، مُصَفًّى مِنَ الْأَكْدَارِ1. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الدُّخُولُ فِي الْأَسْبَابِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي طَلَبِ رَفْعِ [ذَلِكَ] التَّسَبُّبِ، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ الْمُتَسَبِّبُ قَاصِدًا لِوُقُوعِ الْمُسَبَّبِ أَمْ لَا؛ فَإِنَّهُ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْأَمْرَانِ: فَقَدْ يَقْصِدُ بِالْقَتْلِ الْعُدْوَانِ إِزْهَاقَ الرُّوحِ فَيَقَعُ، وَقَدْ يَقْصِدُ بِالْغَصْبِ انْتِفَاعَهُ بِالْمَغْصُوبِ فَيَقَعُ، عَلَى مُقْتَضَى [الْعَادَةِ لَا عَلَى] 2مُقْتَضَى الشَّرْعِ، وَقَدْ لَا يَقَعُ أَلْبَتَّةَ، وَقَدْ يَعْزُبُ عَنْ نَظَرِهِ الْقَصْدُ إِلَى الْمُسَبَّبِ وَالِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ لِعَارِضٍ يَطْرَأُ، غَيْرِ الْعَارِضِ الْمُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ3 وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ؛ فَلَا يُطْلَبُ رَفْعُ التَّسَبُّبِ فِي الْمَرَاتِبِ الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا. أَمَّا الْأُولَى: فَإِذَا فَرَضْنَا نَفْسَ التَّسَبُّبِ مباحا أو مطلوبا على الجملة؛

_ 1 ذلك أن التعلق بالمسببات قد ينسي المسبب الحقيقي، أو ينسي شكره على ما أعطى من نتائج وثمرات، وقد يكون مرهقا لصاحبه؛ لشدة همه وفرط حرصه على المسببات، وخوفه من عدم حصولها، أو حزنه لعدم مجيئها على ما يؤمل، قاله الريسوني في "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص160". 2ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 3تقدم له ذكر الغفلة التي تعتري العالم حتى تجعله غير عالم بما يفعل، ومثله بمن يطرأ عليه غفلة ترفع منه منفعة العين فيصاب, ولكن هذا العارض لما كان يمنع نفس التكليف، وأصل كلامه أنه منهي عنه ومكلف بعدم التسبب، قال: "غير العارض المتقدم الذكر"، وقوله: "ولا اعتبار به"؛ أي: بهذا العارض هنا لأنه لا يزال معه منهيا عن التسبب ومكلفا. "د".

فَاعْتِقَادُ الْمُعْتَقِدِ لِكَوْنِ السَّبَبِ هُوَ الْفَاعِلَ مَعْصِيَةٌ قَارَنَتْ مَا هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَطْلُوبٌ، فَلَا يُبْطِلُهُ؛ إِلَّا إِنْ قِيلَ: إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُقَارَنَةِ مُفْسِدَةٌ، وَإِنَّ الْمُقَارِنَ لِلْمَعْصِيَةِ تُصَيِّرُهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِالْمُدْيَةِ الْمَغْصُوبَةِ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي الْأُصُولِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَظَاهِرٌ أَنَّ التَّسَبُّبَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِيهَا إِذَا اعْتَمَدَ عَلَى جَرَيَانِ الْعَادَاتِ، وَكَانَ الْغَالِبُ فِيهَا وُقُوعَ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ؛ كَانَ تَرْكُ التَّسَبُّبِ كَإِلْقَاءٍ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَوْ هُوَ هُوَ، وَكَذَلِكَ إِذَا بلغ [اعتقاده] مَبْلَغَ الْقَطْعِ الْعَادِيِّ؛ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتَسَبَّبَ، وَلِأَجْلِ هَذَا قَالُوا فِي الْمُضْطَرِّ: إِنَّهُ1 إِذَا خَافَ الْهَلَكَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ أَوِ الِاسْتِقْرَاضُ أَوْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ نَفْسَهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَسْرُوقٌ: "وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى مَاتَ؛ دَخَلَ النَّارَ"2. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَالتَّسَبُّبُ أَيْضًا ظَاهِرٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى فِيهَا بَحْثٌ: هَلْ يَكُونُ صَاحِبُهَا بِمَنْزِلَةِ3 صَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا؟ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، وَإِطْلَاقُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِقَةِ، وَأَحْوَالُ الْمُتَوَكِّلِينَ مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ تَرْجَمَةِ التَّصَوُّفِ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ، هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ تَسَاوِي الْمَرْتَبَتَيْنِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَطَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ، عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُ فِي ذَلِكَ4؛ فَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ آخَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ تَكُونُ علمية وتكون حالية5، والفرق بين العلم

_ 1 سقط من "ط". 2 "استدراك1". 3 لأن الفرق بينهما لا يترتب عليه فرق في غلبة الظن بوقوع المسبب عند السبب؛ فيجيء فيه التفصيل المذكور من وجوب التسبب وعصيانه بتركه. "د". 4 انظر: "إحياء علوم الدين" "4/ 261 وما بعدها". 5 يعلم الإنسان حقيقة التوكل أو الصبر أو الخشية، ولا شك أن علمه بهذه الحقائق وما شاكلها غير اتصافه بها، فإذا ارتقى قلبه إليها، وانصبغت نفسه بأثرها حتى غلب عليها حاله؛ انتقل من حكم العمل بالعلم وحده إلى حكم العمل بالحال المصاحب للعلم؛ فالحال ثمرة العلم، ولا يكمل إلا إذا تصرف في صاحبه على مقتضى قانون العلم المثمر إليه. "خ".

وَالْحَالِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَإِذَا كَانَتْ عِلْمِيَّةً؛ فَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ1؛ إِذْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْأَسْبَابَ غَيْرُ فَاعِلَةٍ بِأَنْفُسِهَا، وَإِنَّمَا الْفَاعِلُ2 فِيهَا مُسَبِّبُهَا سُبْحَانَهُ، لَكِنَّ عَادَتَهُ فِي خَلْقِهِ جَارِيَةٌ بِمُقْتَضَى الْعَوَائِدِ الْمُطَّرِدَةِ، وَقَدْ يَخْرِقُهَا إِذَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ، فَمِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَادَةً؛ اقْتَضَتِ الدُّخُولَ فِي الْأَسْبَابِ، وَمِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْأَسْبَابُ فِيهَا بِيَدِ خَالِقِ الْمُسَبَّبَاتِ؛ اقْتَضَتْ أَنَّ لِلْفَاعِلِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا وَبِدُونِهَا؛ فَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ، فَإِنْ غَلَبَ الطَّرَفُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْعَادِيُّ؛ فَهُوَ مَا تَقَدَّمَ3، وَإِنْ غَلَبَ الثَّانِي؛ فَصَاحِبُهُ مَعَ السَّبَبِ أَوْ بِدُونِهِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَإِنَّهُ إِذَا جَاعَ مَثَلًا فَأَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ؛ فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ أَتَسَبَّبَ أَمْ لَا؛ إِذْ هُوَ عَلَى بَيِّنَةٍ أَنَّ السَّبَبَ كَالْمُسَبَّبِ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ -وَالْحَالُ هَذِهِ- أَنَّ تَرْكَهُ لِلسَّبَبِ إِلْقَاءٌ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ بَلْ عَقْدُهُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ وَاحِدٌ؛ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} 4 [البقرة: 195] ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسَبُّبُ فِي رَفْعِ ذَلِكَ؛ لأن علمه5

_ 1 أي: فهي بمنزلتها، وتشترك معها في المآل؛ فحكمها حكمها. "د". 2 في الأصل: "الدليل"، وهناك إشارة لخطئها مع عدم ذكر الصحيح، والله أعلم. 3 أي: ويكون صاحبها لم يرتق فيها عن الحالة العلمية إلى التحقق بها وصيرورتها صفة له كالطبعية، يجري في أفعاله على مقتضاها دون كلفة ولا حمل لنفسه عليها. "د". 4 في "صحيح مسلم" وغيره أن أبا أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- رد على من فهموا أن حمل الغازي الواحد على جماعة العدو من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وبين لهم أن الإلقاء باليد إلى التهلكة الذي نزلت فيه الآية هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها، والتحقيق أنه يجوز للواحد الحمل على الكتيبة متى غلب على ظنه أن يكون لإقدامه أثر نافع؛ كالفتك ببعض رجال العدو، أو إرهابهم, أو تشجيع غيره من المسلمين. "خ". 5 أي: الذي صار حالة له كالأوصاف الطبيعية. "د".

بِأَنَّ السَّبَبَ فِي يَدِ الْمُسَبِّبِ أَغْنَاهُ عَنْ تطلب المسبب من جهته على التعيين، بَلِ السَّبَبُ وَعَدَمُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَكَمَا أَنَّ أَخْذَهُ لِلسَّبَبِ لَا يُعَدُّ إِلْقَاءً بِالْيَدِ إِذَا كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى الْمُسَبِّبِ، كَذَلِكَ فِي التَّرْكِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ آخِذَ السَّبَبِ أَخَذَهُ بِإِسْقَاطِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْمُسَبِّبِ؛ لَكَانَ إِلْقَاءً بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى نَفْسِ السَّبَبِ، وَلَيْسَ فِي السَّبَبِ نَفْسِهِ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ, وَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا سببا، فلذلك إِذَا تُرِكَ السَّبَبُ لَا لِشَيْءٍ1؛ فَالسَّبَبُ وَعَدَمُهُ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ فِي عَقْدِ الْإِيمَانِ وَحَقَائِقِ الْإِيقَانِ2. وَكُلُّ أَحَدٍ فَقِيهُ نَفْسِهِ، وَقَدْ مَرَّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ3، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ؛ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، [وَعَلَى أَنْ يَمْنَعُوكَ شَيْئًا كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ؛ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ] " 4، وَحَكَى عِيَاضٌ5 عَنِ الْحَسَنِ بْنِ نَصْرٍ السُّوسِيِّ -مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ- أَنَّ ابْنَهُ قَالَ لَهُ فِي سَنَةٍ غَلَا فِيهَا السِّعْرُ: يَا أَبَتِ! اشْتَرِ طَعَامًا؛ فَإِنِّي أَرَى السِّعْرَ قَدْ غَلَا. فَأَمَرَ بِبَيْعِ مَا كَانَ فِي دَارِهِ مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ: لَسْتَ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ، وَأَنْتَ قَلِيلُ الْيَقِينِ، كَأَنَّ الْقَمْحَ إِذَا كَانَ عِنْدَ أَبِيكَ يُنْجِيكَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ عَلَيْكَ! مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ؛ كَفَاهُ اللَّهُ. وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا فِي الْفِقْهِ؛ الْغَازِي إذا حمل وحده على جيش الكفار؛

_ 1 أي: لا لسبب آخر. "د". 2 تكلم ابن تيمية على نحو ما عند المصنف، ولكن على وجه آخر. انظر: "مجموع الفتاوى" "8/ 520-523". 3 في المسألة الخامسة. 4 مضى تخريجه "ص315"، وهو حديث صحيح، وما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط". 5 في "ترتيب المدارك" "6/ 36-ط المغربية".

فَالْفُقَهَاءُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ، أَوِ الْهَلَكَةُ، أَوْ يَقْطَعُ بِإِحْدَاهُمَا؛ فَالَّذِي اعْتَقَدَ السَّلَامَةَ جَائِزٌ لَهُ مَا فَعَلَ، وَالَّذِي اعْتَقَدَ الْهَلَكَةَ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [الْبَقَرَةِ: 195] . وَكَذَلِكَ دَاخِلُ الْمَفَازَةِ بِزَادٍ أَوْ بِغَيْرِ زَادٍ؛ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ فِيهَا جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْهَلَكَةَ لَمْ يَجُزْ. وَكَذَلِكَ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُصُولُ إِلَى الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ؛ أُمِرَ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا يَتَيَمَّمُ [فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنْ لَا مَاءَ يَتَيَمَّمُ] ، [وَكَذَلِكَ رَاكِبُ الْبَحْرِ1 وَعَلَى هَذَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي رَحْلِهِ أَوْ يُمْنَعُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْوُصُولُ إِلَى الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ] 2، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمَرِيضِ زِيَادَةُ الْمَرَضِ أَوْ تَأَخُّرِ الْبُرْءِ أَوْ إِصَابَةُ الْمَشَقَّةِ بِالصَّوْمِ، أَفْطَرَ ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ3 عَلَى غَلَبَاتِ الظُّنُونِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَاتُ الظُّنُونِ تَخْتَلِفُ؛ فَذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَمَسْأَلَتُنَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. فَمَنْ تَحَقَّقَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ السَّبَبِ كَالدُّخُولِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ضَمَانِ اللَّهِ تَعَالَى الرِّزْقَ؛ صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسَبُّبُ فِيهِ, وَلِذَلِكَ نَجِدُ أَصْحَابَ الْأَحْوَالِ يَرْكَبُونَ الْأَهْوَالَ، وَيَقْتَحِمُونَ الْأَخْطَارَ، وَيُلْقُونَ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى مَا هُوَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ تَهْلُكَةٌ؛ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ مَوَاطِنِ الْغَرَرِ وَأَسْبَابِ الْهَلَكَةِ، يَسْتَوِي مَعَ مَا هُوَ عِنْدَنَا مِنْ مَوَاطِنِ الْأَمْنِ وأسباب النجاة.

_ 1 إذا غلب على ظنه السلامة في ركوب السفينة ركبها، وإلا؛ منع من ركوبها. "د". وانظر في المسألة: "5/ 354" مع التعليق عليه. 2 ينظر في هذا. "د". قلت: انظر في المسألة: "الإشراف" للقاضي عبد الوهاب "1/ 38"، و"الخلافيات" للبيهقي "2/ 519-525" مع تعليقي عليها, وما بين المعقوفتين سقط من "ط". 3 في الأصل: "المبنيات".

وَقَدْ حَكَى عِيَاضٌ1 عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْإِبَّيَانِيِّ2: "أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ عَطِيَّةُ الْجَزَرِيُّ الْعَابِدُ؛ فَقَالَ لَهُ: أَتَيْتُكَ زَائِرًا وَمُوَدِّعًا إِلَى مَكَّةَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَا تُخْلِنَا مِنْ بَرَكَةِ دُعَائِكَ. وَبَكَى، وَلَيْسَ مَعَ عَطِيَّةَ رَكْوَةٌ وَلَا مِزْوَدٌ، فَخَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ, ثُمَّ أَتَاهُ بِأَثَرِ ذَلِكَ رَجُلٌ؛ فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ! عِنْدِي خَمْسُونَ مِثْقَالًا وَلِي بَغْلٌ؛ فَهَلْ تَرَى لِي الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى تُوَفِّرَ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ. قَالَ الرَّاوِي: فَعَجِبْنَا مِنَ اخْتِلَافِ جَوَابِهِ لِلرَّجُلَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمَا. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: عَطِيَّةُ جَاءَنِى مُوَدِّعًا غَيْرَ مُسْتَشِيرٍ، وَقَدْ وَثِقَ بِاللَّهِ، وَجَاءَنِي هَذَا يَسْتَشِيرُنِي وَيَذْكُرُ مَا عِنْدَهُ؛ فَعَلِمْتُ ضَعْفَ نِيَّتِهِ، فَأَمَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُمْ". فَهَذَا إِمَامٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَفْتَى لِضَعِيفِ النِّيَّةِ بِالْحَزْمِ فِي اسْتِعْدَادِ الْأَسْبَابِ، وَالنَّظَرِ فِي مُرَاعَاتِهَا، وَسَلَّمَ لِقَوِيِّ الْيَقِينِ فِي طَرْحِ الْأَسْبَابِ3؛ بِنَاءً -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَغَلَبَاتِ الظُّنُونِ فِي السَّلَامَةِ والهلكة، وهي مَظَانُّ النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ، وَلِذَلِكَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي النَّازِلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. فَإِنْ قِيلَ؛ فَصَاحِبُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ؛ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَفْضَلُ له؛ الدخول في السبب, أم تركه؟

_ 1 في "ترتيب المدارك" "2/ 351 - ط مكتبة دار الحياة - بيروت". 2 قال عياض في "ترتيب المدارك" "2/ 347": "بكسر الهمزة وتشديد الباء ويقال: صوابه تخفيفهما". وانظر: "التبصير" "1/ 36"، و"الأنساب" "1/ 128" مع الحاشية. 3 تهافت على هذا المسلك طوائف زين لهم الكسل أن يفسروا به معنى فضيلة التوكل؛ فنفضوا أيديهم من العمل واستعاضوا عنه البطالة والتطلع بما في أيدي الناس؛ فكانوا حملا ثقيلا على أعناق العاملين، ومن البلية أن هذا التحريف الباطل لكلمة التوكل قد ضرب وباؤه في القلوب، وكان من أكبر العلل التي قعدت بالشعوب الإسلامية عن القيام بوسائل المنعة حتى هوت إلى درك الشقاء والتخبط في أسر الذلة والاضطهاد. "خ".

فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَسْبَابَ فِي حَقِّهِ لَا بُدَّ مِنْهَا، كَمَا أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ وَإِنْ قَامَتْ لَهُ مَقَامَ الْأَسْبَابِ فِي حَقِّهِ؛ فَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا أَسْبَابٌ، لَكِنَّهَا أَسْبَابٌ غَرِيبَةٌ، وَالتَّسَبُّبُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْأَسْبَابِ الْمَشْهُورَةِ؛ فَالْخَارِجُ مَثَلًا لِلْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ؛ إِمَّا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ مَنْ يَلْقَى مِنَ النَّاسِ فِي الْبَادِيَةِ وَفِي الصَّحْرَاءِ، وَإِمَّا مِنْ حَيَوَانِ الصَّحْرَاءِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْأَرْضِ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَسْبَابٌ جَارِيَةٌ، يَعْرِفُهَا أَرْبَابُهَا الْمَخْصُوصُونَ بِهَا؛ فَلَيْسَ هَذَا الرَّجُلُ خَارِجًا عَنِ الْعَمَلِ بِالْأَسْبَابِ، وَمِنْهَا الصَّلَاةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] . وَرُوِيَ أَنَّهُ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَجِدُوا قُوتًا"1، وإذا كان كذلك؛ فالسؤال غير وارد.

_ 1 أخرجه الطبراني في "الأوسط" "1/ 487"، والواحدي في "الوسيط" "3/ 228"، وأبو نعيم في "الحلية" "8/ 176"، والبيهقي في "الشعب" "7/ رقم 9705"، وسعيد بن منصور في "سننه" وابن المنذر في "تفسيره"؛ كما قال السيوطي في "حصول الرفق" "رقم 29" من طريق معمر عن محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام؛ قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق؛ أمرهم بالصلاة، وتلا: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} ". ورجاله ثقات؛ كما في "مجمع الزوائد" "7/ 67"، إلا أنه منقطع، محمد بن حمزة لم يسمع من جده عبد الله بن سلام. وله شاهد من مرسل ثابت البناني؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا أصابه خصاصة نادى أهله: "يا أهلاه! يا أهلاه! صلوا ". أخرجه أحمد في "الزهد" "10"، وابن أبي حاتم في "التفسير" -كما في "تفسير ابن كثير" "3/ 79"- وهو مرسل؛ فالحديث ضعيف. وأخرج عبد الرزاق نحوه بإسناد ضعيف، وانظر: "الدر المنثور" "5/ 613"، و"الفتح السماوي بتخريج أحاديث تفسير البيضاوي" "2/ 824-825".

وَالثَّانِي, عَلَى تَسْلِيمِ وُرُودِهِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعلم قَطْعًا أَنَّهُمْ حَازُوا هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ وَاسْتَيْقَنُوهَا حَالًا وَعِلْمًا، وَلَكِنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَدَبَهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَا يُعْتَدُّ بها مقاما يقام1 فِيهِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ" 2؟! وَأَيْضًا؛ فَأَصْحَابُ هَذِهِ الْحَالَةِ هُمْ أَهْلُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَهَا التَّسَبُّبَ تَأَدُّبًا بِآدَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ إِلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَرْتَبَةُ الِابْتِلَاءِ؛ فَالتَّسَبُّبُ فِيهَا أَيْضًا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْأَسْبَابَ قَدْ صَارَتْ عِنْدَ صَاحِبِهَا تَكْلِيفًا يُبْتَلَى بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَسْبَابِ الْعِبَادِيَّةِ دُونَ الْعَادِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ الْأَسْبَابَ الْعِبَادِيَّةَ لَا يَصِحُّ فِيهَا التَّرْكُ اعْتِمَادًا عَلَى الَّذِي سَبَّبَهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَصْرُوفَةً إِلَيْهِ؛ كَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الْعَادِيَّةُ، وَمِنْ هُنَا لَمَّا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ مَنْزِلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} [اللَّيْلِ: 5] إِلَى آخِرِهَا3؛ فَكَذَلِكَ الْعَادِيَّاتُ؛ لِأَنَّهَا عبادات، فهي عنده جارية على الأحكام

_ 1 في الأصل: "يقدم"، وفي النسخ المطبوعة: "يقوم"، والمثبت من "ط". 2 مضى تخريجه "ص304" وهو حديث حسن. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرا مقدورا، 11/ 494/ رقم 6605"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابه: رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، 4/ 2040/ رقم 2647" بألفاظ، المذكور لفظ مسلم برقم "2647" بعد "7"، ولكن ليس فيه لفظة "منفوسة"، وهي فيه برقم "2647" بعد "1"، لكن بلفظ مغاير عن هذا السياق، وهو من حديث علي, رضي الله عنه.

الْمَوْضُوعَةِ، وَنَظَرُ صَاحِبِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فِي الْأَسْبَابِ مِثْلُ نَظَرِهِ فِي الْعِبَادَاتِ، يَعْتَبِرُ فِيهَا مُجَرَّدَ الْأَسْبَابِ وَيَدَعُ الْمُسَبَّبَاتِ لِمُسَبِّبِهَا. وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ: فَالتَّسَبُّبُ فِيهَا صَحِيحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا وَإِنْ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَبَبٌ، وَلَا إِلَى الْمُسَبِّبِ مِنْ بَابٍ أَحْرَى؛ فَلَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ رَاقٍ بِهِ وَمُلَاحَظٌ لِلْمُسَبِّبِ مِنْ جِهَتِهِ، بِدَلِيلِ الْأَسْبَابِ الْعِبَادِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا إِنَّمَا صَارَتْ قُرَّةَ عَيْنِهِ لِكَوْنِهَا سُلَّمًا إِلَى الْمُتَعَبِّدِ إِلَيْهِ بِهَا؛ فَلَا فَارِقَ بَيْنَ الْعَادِيَّاتِ وَالْعِبَادِيَّاتِ؛ إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَأْخُوذٌ فِي تَجْرِيدِ الْأَغْيَارِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَرُبَّمَا رَمَى مِنَ الْأَسْبَابِ بِمَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، وَضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَجَالَ فِيهَا، فِرَارًا مِنْ تَكَاثُرِهَا عَلَى قَلْبِهِ؛ حَتَّى يَصِحَّ لَهُ اتِّحَادُ الْوِجْهَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَسْبَابُ مُوَصِّلَةً إِلَى الْمَطْلُوبِ؛ فَلَا شَكَّ فِي أَخْذِهَا فِي هَذِهِ الرُّتْبَةِ؛ إِذْ مِنْ جِهَتِهَا يَصِحُّ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا السَّادِسَةُ: فَلَمَّا كَانَتْ جَامِعَةً لِأَشْتَاتِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهَا؛ كَانَ مَا يَشْهَدُ لِمَا قَبْلَهَا شَاهِدًا لَهَا؛ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِيهَا مُعْتَبَرٌ مِنْ جِهَةِ صِفَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ، لَا مِنْ جِهَةِ أَمْرٍ آخَرَ؛ فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ أَكَانَ التَّكْلِيفُ ظَاهِرَ الْمَصْلَحَةِ أَمْ غَيْرَ ظَاهِرِهَا؛ كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ قَصْدِ الْعَبْدِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُكَلَّفُ بِهِ مِمَّا يَرْتَبِطُ بِهِ بَعْضُ الْوُجُودِ أَوْ جميعه؛ كان قصد فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ شَامِلًا لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِيقَاعُ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ إِيقَاعِ الْمُسَبَّبِ، قُصِدَ ذَلِكَ الْمُسَبَّبُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جعل مسبب عَنْهُ فِي مَجْرَى الْعَادَاتِ؛ عُدَّ كَأَنَّهُ فَاعِلٌ لَهُ مُبَاشَرَةً، وَيَشْهَدُ لِهَذَا

قَاعِدَةُ مَجَارِي الْعَادَاتِ؛ إِذْ أُجْرِيَ فِيهَا نِسْبَةُ الْمُسَبَّبَاتِ إِلَى أَسْبَابِهَا، كَنِسْبَةِ الشِّبَعِ إِلَى الطَّعَامِ، وَالْإِرْوَاءِ إِلَى الْمَاءِ، وَالْإِحْرَاقِ إِلَى النَّارِ، وَالْإِسْهَالِ إِلَى السَّقَمُونْيَا1، وَسَائِرِ الْمُسَبَّبَاتِ إِلَى أَسْبَابِهَا2؛ فَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ الَّتِي تَتَسَبَّبُ عَنْ كَسْبِنَا مَنْسُوبَةً إِلَيْنَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ كَسْبِنَا، وَإِذْ كَانَ هَذَا مَعْهُودًا مَعْلُومًا؛ جَرَى عُرْفُ الشَّرْعِ فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَى ذَلِكَ الْوِزَانِ. وَأَدِلَّتُهُ فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ أَوِ الْمَمْنُوعَةِ؛ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا 3} [الْمَائِدَةِ: 32] . وَفِي الْحَدِيثِ: "مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" 4. وَفِيهِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا" 5. وَكَذَلِكَ: "مَنْ سَنَّ سنة سيئة".

_ 1 السقمونيا: نبات يستخرج منه دواء مسهل للبطن؛ كما في "المعجم الوسيط" "س ق م". 2 في الأصل: "الأسباب إلى مسبباتها". 3 هذا مبني على أن المراد بالقتل والإحياء المسبب، وهو في الآيتين زهوق الروح والحياة؛ فيكون فيه نسبة المسبب وهو الحياة والموت إلى المتسبب، وقد سبق له في المسألة الثانية جعل القتل سببا لا مسببا، ويمكن إرادته هنا؛ فلا يكون فيه دليل. "د". 4 مضى تخريجه "ص223"، والحديث في "الصحيحين". 5 مضى تخريجه "ص222"، وهو صحيح.

وَفِيهِ1: "إِنَّ الْوَلَدَ لِوَالِدَيْهِ سِتْرٌ مِنَ النَّارِ" 2، و "إن مَنْ غَرَسَ غَرْسًا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ؛ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أكلت الطير؛ فهو له صدقة، ولا يرزؤ هـ 3 أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً" 4، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ، وَالْعَالِمُ يَبُثُّ الْعِلْمَ؛ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ كُلِّ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ5. وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى، مَعَ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا النَّفْعُ أَوِ الضُّرُّ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْمُتَسَبِّبِ.

_ 1 من هنا إلى آخر المسألة واضح فيه نسبة المسبب إلى المتسبب، وهو يدل على مدعاه. "د". 2 لم أظفر به بهذا اللفظ، ولكن أخرج أحمد في "المسند" "4/ 386" ضمن حديث عمرو بن عبسة السلمي, مرفوعا: "وأيما رجل مسلم قدم لله -عز وجل- من صلبه ثلاثة لم يبلغوا الحنث أو امرأة؛ فهم له سترة من النار ". وقد خرجته في تحقيقي لرسالة السيوطي "التعلل والإطفا" "رقم 21"، وهو صحيح. 3 أي: لا ينقصه ويأخذ منه. 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الحرث والمزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، 5/ 3/ رقم 2320، وكتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، 10/ 438/ رقم 6012"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب فضل الغرس والزرع، 3/ 1189/ رقم 1553" عن أنس مرفوعا بلفظ: "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة؛ إلا كان له به صدقة". وأخرجه مسلم في "صحيحه" "رقم 1552" عن جابر بلفظ: " ما من مسلم يغرس غرسا؛ إلا كان من أكل منه ... " تتمته باللفظ الذي أورده المصنف. 5 قال الشيخ ابن عرفة في حديث: "أو علم ينتفع به" إنما تدخل التآليف في الأعمال التي لا ينقطع ثوابها إذا اشتملت على فوائد زائدة "يعني: على ما في الكتب السابقة"، وإلا؛ فهي إضاعة للورق، وهذا تلميح منه إلى انحطاط درجة من ليس له من المعلومات سوى ما يتلقاه بتقليد، وشرف من رزق فكرا يتجول في حدائق العلم حتى يعود بثمر جديد. "خ".

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالدَّاخِلُ فِي السَّبَبِ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مُقْتَضِيًا لِمُسَبَّبِهِ، لَكِنْ تَارَةً يَكُونُ مُقْتَضِيًا لَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحِيطٍ بِجَمِيعِ التَّفَاصِيلِ, وَتَارَةً يَدْخُلُ فِيهِ مُقْتَضِيًا لَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ يَقْتَضِيهَا فِعْلُهُ، وَمَا نَهَى عَنْهُ؛ فَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِمَفْسَدَةٍ يَقْتَضِيهَا فِعْلُهُ, فَإِذَا فَعَلَ؛ فَقَدْ دَخَلَ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ يَتَسَبَّبُ فِيمَا تَحْتَ السَّبَبِ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِدِ، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِالْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ أَوْ بِمَقَادِيرِهِمَا, فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدْ تَضَمَّنَ أَنَّ فِي إِيقَاعِ [الْمَأْمُورِ بِهِ مَصْلَحَةً عَلِمَهَا اللَّهُ، وَلِأَجْلِهَا أَمَرَ بِهِ، وَالنَّهْيَ قَدْ تَضَمَّنَ أَنَّ فِي إِيقَاعِ] 1 الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَفْسَدَةً عَلِمَهَا اللَّهُ، وَلِأَجْلِهَا نَهَى عَنْهُ؛ فَالْفَاعِلُ مُلْتَزِمٌ لِجَمِيعِ مَا يُنْتِجُهُ ذَلِكَ السَّبَبُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِدِ، وَإِنْ جَهِلَ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: أَيُثَابُ أَوْ يُعَاقَبُ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ إِنَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَتَعَاطَاهُ، لَا عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ لَكِنَّ الْفِعْلَ يُعْتَبَرُ شَرْعًا بِمَا يَكُونُ عَنْهُ2 مِنَ الْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِدِ وَقَدْ بَيَّنَ الشَّرْعُ ذَلِكَ، وَمَيَّزَ بَيْنَ مَا يَعْظُمُ مِنَ الْأَفْعَالِ مَصْلَحَتُهُ؛ فَجَعَلَهُ رُكْنًا، أَوْ مَفْسَدَتُهُ؛ فَجَعَلَهُ كَبِيرَةً وَبَيَّنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَسَمَّاهُ فِي الْمَصَالِحِ إِحْسَانًا وَفِي الْمَفَاسِدِ صَغِيرَةً، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَتَمَيَّزُ مَا هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ وَأُصُولِهِ، وَمَا هُوَ مِنْ فُرُوعِهِ وَفُصُولِهِ وَيُعْرَفُ مَا هُوَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبَائِرُ، وَمَا هُوَ مِنْهَا صَغَائِرُ، فَمَا عَظَّمَهُ الشَّرْعُ فِي الْمَأْمُورَاتِ؛ فَهُوَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَمَا جَعَلَهُ دُونَ ذَلِكَ؛ فَمِنْ فُرُوعِهِ وَتَكْمِيلَاتِهِ، وَمَا عَظُمَ أَمْرُهُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ؛ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ, وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَذَلِكَ على مقدار المصلحة أو المفسدة3.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وفي "ط": "والنهي كذلك قد ... ". 2 أي: يقيم الفعل بما يترتب عليه. 3 سيأتي للمصنف بيان فيه ضابط أدق للفرق بين الضروريات والحاجيات؛ وذلك في المسألة السابعة عشرة في النوع الرابع من القسم الأول من المقاصد، وفي "الاعتصام" "2/ 38-39" للمصنف نحو ما ذكر هنا مع تفصيل زائد.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ أَنَّ الْمُسَبِّبَاتِ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لِلْمُكَلَّفِ، وَأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ، إِذَا اعْتُبِرَ يَنْبَنِي عَلَيْهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ مُتَعَاطِيَ السَّبَبِ إِذَا أَتَى بِهِ بِكَمَالِ شُرُوطِهِ1 وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، ثُمَّ قُصِدَ أَنْ لَا يَقَعَ مُسَبَّبُهُ؛ فَقَدْ قَصَدَ مُحَالًا، وَتَكَلَّفَ رَفْعَ مَا لَيْسَ لَهُ رَفْعُهُ، وَمَنَعَ مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ مَنْعُهُ. فَمَنْ عَقَدَ نِكَاحًا عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، أَوْ بَيْعًا أَوْ شَيْئًا مِنَ الْعُقُودِ، ثُمَّ قَصَدَ أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ بِذَلِكَ الْعَقْدِ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ وَقَعَ قَصْدُهُ عَبَثًا، وَوَقَعَ الْمُسَبَّبُ الَّذِي أَوْقَعَ سَبَبَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَوْقَعَ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا قَاصِدًا بِهِ مُقْتَضَاهُ فِي الشَّرْعِ, ثُمَّ قَصَدَ أَنْ لَا يَكُونَ مُقْتَضَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ قَصْدٌ بَاطِلٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ؛ إِذَا صَلَّى، أَوْ صَامَ، أَوْ حَجَّ كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ قَصَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ مَا أَوْقَعَ مِنَ الْعِبَادَةِ لَا يَصِحُّ لَهُ، أَوْ لَا يَنْعَقِدُ قُرْبَةً، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ لَغْوٌ. وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِي الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوعَةِ، وَفِيهِ جَاءَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} الآية: [المائدة: 87] 2.

_ 1 وضع الأصل من أول الأمر على أنه تعاطى السبب بكمال شروطه ثم قصد ألا يقع ... إلخ، وفي تمثيلاته أيضا في العادات والعبادات لاحظ ذلك ليسلم له الأصل من الإشكالات الآتية؛ فأنت تراه جعل القصد المخالف لقصد الشارع لاحقا لتمام العمل لا مقارنا، إلا أنه يبقى الكلام في قوله في الطلاق والعتق؛ "قاصدا به مقتضاه في الشرع", إن كان مراده أنه لم يغلط ولم يسبق لسانه فواضح، وإن كان مراده ما هو ظاهره من أنه لا بد من قصد المعنى؛ فالفقه عند المالكية غير ذلك، بل لو كان هازلا لوقع الطلاق والعتق، ولم يكن له رفعه. "د". 2 فقوله: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ..} إلخ بعد ذكر التحريم يفيد أن التحريم السابق المنهي عنه لغو؛ كأنه قال: وكلوا من هذا الطيب الذي حرمتموه. "د".

وَمِنْ هُنَا كَانَ تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَبَثًا؛ مِنَ الْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ, وَالْمَلْبُوسِ، وَالنِّكَاحِ، وَهُوَ غَيْرُ نَاكِحٍ فِي الْحَالِ وَلَا قَاصِدٍ لِلتَّعْلِيقِ فِي خَاصٍّ1 -بِخِلَافِ الْعَامِّ- وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ مَا تَوَلَّى اللَّهُ حِلِّيَّتَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ ظَاهِرٌ مِثْلُ مَا تَعَاطَى الْمُكَلَّفُ السَّبَبَ فِيهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ, عليه الصلاة والسلام: "إنما الو لاء 2 لِمَنْ أَعْتَقَ" 3، وَقَوْلُهُ: "مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ" 4 الْحَدِيثَ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ لِوُقُوعِ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَصْدُ هَذَا الْقَاصِدِ مُنَاقِضٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَكُلُّ قَصْدٍ ناقض قصد الشارع فباطل5؛

_ 1 احتاج إليه على مذهب مالك لا على مذهب الشافعي؛ فالتعليق عنده كله لغو. "د". 2 فالشارع جعل الولاء لمن أعتق مسببا عن عتقه؛ فمن وقع العتق منه ثبت له الولاء، فمن أراد رفعه قَصَدَ مُحَالًا وَتَكَلَّفَ رَفْعَ مَا لَيْسَ لَهُ رفعه، وهو دليل على أصل المسألة, وإن كان في موضوع خاص بالولاء. "د". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الفرائض، باب الولاء لمن أعتق، 12/ 39/ رقم 6751، 6754"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، 2/ 1141/ رقم 1504" من حديث عائشة, رضي الله عنها. 4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، 4/ 376/ رقم 2168"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، 2/ 1042/ رقم 1504" من حديث عائشة, رضي الله عنها. وهو وما قبله دليل على أن ما جعله الله مسببا عن شيء، فقصد العبد رفع هذا المسبب لغو؛ إلا أن الأول خاص، وهذا عام في الولاء وغيره. "د". 5 من الفروع الموضحة لهذه القاعدة أن الزوج لا يملك إسقاط الرجعة لأنها حق أثبته الله شرعا، فمن قال لزوجته: أنت طالق ولا رجعة لي عليك؛ نفذ طلاقه وبقي حق الرجعة في يده لأنها من الحقوق التي رتبها الشارع على الطلاق غير البائن، وما قرره الشارع لا يملك المكلف رفعه بحال. "خ".

فَهَذَا الْقَصْدُ بَاطِلٌ، وَالْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِيَارَ الْمُكَلَّفِ وَقَصْدَهُ شَرْطٌ فِي وَضْعِ الْأَسْبَابِ1، فَإِذَا كَانَ اخْتِيَارُهُ مُنَافِيًا لِاقْتِضَاءِ الْأَسْبَابِ لِمُسَبَّبَاتِهَا؛ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَسْبَابَ لَمْ يَتَعَاطَهَا الْمُكَلَّفُ عَلَى كَمَالِهَا، بَلْ مَفْقُودَةُ الشَّرْطِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ جِهَةِ فَقْدِ الشَّرْطِ؛ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْمُسَبَّبَاتُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْأَسْبَابِ غَيْرَ وَاقِعَةٍ لِفَقْدِ الِاخْتِيَارِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْقَصْدَ الْمُنَاقِضَ لِقَصْدِ الشَّارِعِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَتَعَاطِي الْأَسْبَابِ الْمُبِيحَةِ مَثَلًا بِقَصْدِ أَنْ لَا تَكُوَنَ مُبِيحَةً مُنَاقِضَةً لِقَصْدِ الشَّارِعِ ظَاهِرَةٌ، مِنْ حَيْثُ كَانَ قصد الشارع التحليل2 بِوَسَاطَةِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ؛ فَيَكُونُ إِذًا تَعَاطِي هَذِهِ الْأَسْبَابِ بَاطِلًا وَمَمْنُوعًا؛ كَالْمُصَلِّي قَاصِدًا بِصَلَاتِهِ مَا لَا تُجْزِئُهُ لِأَجْلِهِ, وَالْمُتَطَهِّرِ يَقْصِدُ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَبِيحًا لِلصَّلَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْأَصْلِ وَالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَوْقِعِ الْأَسْبَابِ بِالِاخْتِيَارِ لِأَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا, لَكِنْ مَعَ عَدَمِ اخْتِيَارِهِ لِلْمُسَبَّبِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي مَوْقِعِهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ عَقْلًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا سَابِقٌ عَلَى الْآخَرِ؛ فَلَا يَتَنَافَيَانِ؛ كَمَا إِذَا قَصَدَ الْوَطْءَ وَاخْتَارَهُ وَكَرِهَ خَلْقَ الْوَلَدِ، أَوِ اخْتَارَ وَضْعَ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ وَكَرِهَ نَبَاتَهُ، أَوْ رَمَى بِسَهْمٍ صَوَّبَهُ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ كَرِهَ أن يصيبه، وما أشبه

_ 1 فإن الأفعال والتروك إذا عريت عن القصد كانت لغوا, كما تقرر في المسألة السادسة من كتاب الأحكام. "د". 2 في جميع النسخ "التحصيل" والمثبت من "ط".

ذلك، فكما يمكن اجتماعها1 فِي الْعَادِيَّاتِ؛ فَكَذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّ فَاعِلَ السَّبَبِ فِي مَسْأَلَتِنَا قَاصِدٌ أَنْ يَكُونَ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ مُنْتِجًا غَيْرَ مُنْتَجٍ, وَمَا وَضَعَهُ سَبَبًا فَعَلَهُ هُنَا عَلَى أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَا يَكُونُ لَهُ مُسَبَّبٌ، وَهَذَا لَيْسَ لَهُ؛ فَقَصْدُهُ فِيهِ عَبَثٌ بِخِلَافِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي قَاعِدَةِ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ؛ فَإِنَّ فَاعِلَ السَّبَبِ فِيهِ قَاصِدٌ لِجَعْلِهِ سَبَبًا لمسب لَمْ يَجْعَلْهُ الشَّارِعُ مُسَبَّبًا لَهُ، كَنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِمَنْعِهِ؛ فَإِنَّهُ قَاصِدٌ بِنِكَاحِهِ التَّحْلِيلَ لِغَيْرِهِ، وَلَمْ يَضَعِ الشَّارِعُ النِّكَاحَ لِهَذَا الْمُسَبَّبِ؛ فَقَارَنَ هَذَا الْقَصْدُ الْعَقْدَ فَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا شرعيا2؛ فلم يكن محللا لِلنَّاكِحِ وَلَا لِلْمُحَلَّلِ لَهُ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَخَذَ السَّبَبَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ3، وَالْآخَرَ أَخَذَهُ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَا يُنْتِجُ؛ فَالْأَوَّلُ لَا يُنْتِجُ لَهُ شَيْئًا، وَالْآخَرُ يُنْتِجُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْإِنْتَاجُ بِاخْتِيَارِهِ وَلَا عَدَمِهِ، فَهَذَا لَمْ يُخَالِفْ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَبَبٌ، وَلَكِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مُسَبَّبُهُ، وَهَذَا كَذِبٌ أَوْ طَمَعٌ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَالْأَوَّلُ تَعَاطَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِالسَّبَبِ الْمَوْضُوعِ لِلشَّارِعِ؛ فَاعْرِفِ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ فَهُوَ دَقِيقٌ. وَيُوَضِّحُهُ4 أَنَّ الْقَصْدَ فِي أَحَدِهِمَا مُقَارِنٌ لِلْعَمَلِ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْآخِرِ تَابِعٌ لَهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ.

_ 1 أي: اختيار السبب وقصده ليكون سببا، وقصده عدم المسبب، وقوله: "العاديات"؛ أي: الأمثلة الثلاثة. "د". 2 في الأصل: "مرعيا". 3 أي: مع أنه ليس بسبب, أي: قصد به ما لم يجعل سببا له، والثاني بعد ما تعاطى السبب كاملا قصد ألا يقع مسببه وطلب رفع الواقع كما يقولون. "د". 4 أي: يوضح المقام في ذاته لا الحاصل المتقدم. "د".

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَكُونُ هَذَا فِي الْحُكْمِ كَالرَّفْضِ فِي الْعِبَادَاتِ؟ فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَفْضٌ لِكَوْنِهِ سَبَبًا شَرْعِيًّا؛ فَالطَّهَارَةُ مَثَلًا سَبَبٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، فَإِذَا قُصِدَ أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ؛ فَهُوَ مَعْنَى رَفْضِ النِّيَّةِ فِيهِ، وقد قالوا: إن رفض النية ينهض سَبَبًا فِي إِبْطَالِ الْعِبَادَةِ؛ فَرَجَعَ الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِبْطَالٌ لِأَنْفُسِ الْأَسْبَابِ1 لَا إِبْطَالُ الْمُسَبَّبَاتِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الرَّفْضُ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ إِذَا كَانَ قَاصِدًا بِهَا امْتِثَالَ الْأَمْرِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ بِنْيَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ بِعِبَادَتِهِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا؛ كَالْمُتَطَهِّرِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ، ثُمَّ يَنْسَخُ تِلْكَ النِّيَّةَ بِنْيَةِ التَّبَرُّدِ أَوِ التَّنَظُّفِ مِنَ الْأَوْسَاخِ الْبَدَنِيَّةِ، وَأَمَّا بَعْدَ مَا تَمَّتِ الْعِبَادَةُ وَكَمُلَتْ عَلَى شُرُوطِهَا؛ فَقَصْدُهُ أَنْ لَا تَكُونَ عِبَادَةً وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ آخَرُ مِنْ إِجْزَاءٍ أَوِ اسْتِبَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا؛ بَلْ هِيَ عَلَى حُكْمِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَصْدُ؛ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ. وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ كَلَامَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الرَّفْضِ، وَقَالَ إِنَّهُ يُؤَثِّرُ، ولم يفصل2

_ 1 أي: فيعود الإشكال الأول. "د". 2 بل جعل رفض الوضوء ولو بعد تمامه وقبل أداء الصلاة به مبطلا له. "د". قلت: من نسب القول إلى مالك بأن رفض النية له أثر في بطلان الطهارة بعد تمامها لم يأخذه من نص كلامه، وإنما قاسوه على قوله: "من تصنع لنوم؛ فعليه الوضوء، وإن لم ينم". قالو: هذه عبادة يبطلها الحدث؛ فصح رفضها. والقول بهذا قول عند الشافعية، والصحيح المشهور في مذهبهم أنها لا تبطل، ومن الغريب أن يحكي القرافي في "الذخيرة" "1/ 244-ط المصرية، و2/ 520-ط دار الغرب" أن رفض الصلاة والصوم يؤثر ولو بعد الكمال، ويقول: "هذا هو المشهور عندهم"؛ إلا أنه استشكل هذا بأنه يقتضي إبطال جميع الأعمال، ولعل القول الفصل في هذه المسألة ما قاله ابن رشد: "من ادعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض؛ فعليه الدليل". انظر: "مواهب الجليل" "1/ 241"، و"المجموع" "1/ 388"، و"نهاية الأحكام في بيان ما للنية من الأحكام" "45 وما بعدها"، و"مقاصد المكلفين" "239-240"، وانظر رفض النية في أثناء العبادة: "المحلى" "6/ 174" و"قواعد الأحكام" "1/ 214-215"، و"المجموع" "6/ 331-332" وما سيأتي "3/ 16".

الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ فِي رَفْضِ الْوُضُوءِ وَخِلَافَهُمْ فِيهِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ هُنَا لَهَا وَجْهَانِ فِي النَّظَرِ: فَمَنْ نَظَرَ1 إِلَى فِعْلِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي؛ قَالَ: إِنَّ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِهَا لَازِمٌ وَمُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ؛ فَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إِلَّا بِنَاقِضٍ طَارِئٍ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى حُكْمِهَا -أَعْنِي: حُكْمَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، مُسْتَصْحِبًا إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ, وَذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ- فَيُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ الْأُولَى الْمُقَارِنَةِ لِلطَّهَارَةِ، وَهِيَ بِالنِّيَّةِ الْمُنَافِيَةِ مَنْسُوخَةٌ؛ فَلَا يَصِحُّ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ الْآتِيَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالرَّفْضِ الْمُقَارِنِ لفعل، وَلَوْ قَارَنَ الْفِعْلَ لَأَثَّرَ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا، فَلَوْ رَفَضَ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ بَعْدَمَا أَدَّى بِهَا الصَّلَاةَ وَتَمَّ حُكْمُهَا؛ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ؛ فَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَفَضَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ أَتَى بِهَا عَلَى مَا أمر به، فإن قال به [أحد] فِي مِثْلِ هَذَا2؛ فَالْقَاعِدَةُ ظَاهِرَةٌ فِي خِلَافِ مَا قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ. هَذَا حُكْمُ الْأَسْبَابِ إِذَا فُعِلَتْ بِاسْتِكْمَالِ شَرَائِطِهَا وَانْتِفَاءِ موانعها، وأما إذا

_ 1 مآل الفرق بين النظرين أن من اعتبر الوضوء عبادة تامة مستقلة بنفسها بقطع النظر عن الصلاة وإن كانت شرطا فيها؛ قال: لا يؤثر الرفض بعدما تمت، ومن نظر إلى أن الوضوء شرط في صحة الصلاة وكأنه جزء منها؛ لم يجعل تمامه إلا بأداء الصلاة، فرفضه قبل الصلاة رفض له قبل تمامه؛ فيؤثر فيه. "د". 2 أي: فإن قال: إن الوضوء يبطل حتى إذا كان رفضه بعد تمام الصلاة به؛ فيكون مخالفا للقاعدة. "د".

لَمْ تُفْعَلِ الْأَسْبَابُ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَلَا اسْتَكْمَلَتْ شَرَائِطَهَا، وَلَمْ تَنْتِفْ مَوَانِعُهَا؛ فَلَا تَقَعُ مُسَبَّبَاتُهَا شَاءَ الْمُكَلَّفُ أَوْ أَبَى لِأَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ لَيْسَ وُقُوعُهَا أَوْ عَدَمُ وُقُوعِهَا لِاخْتِيَارِهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْهَا أَسْبَابًا مُقْتَضِيَةً إِلَّا مَعَ وُجُودِ شَرَائِطِهَا وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَوَفَّرْ؛ لَمْ يَسْتَكْمِلِ السَّبَبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا شرعيا، سواء علينا أقلنا: إن الشرط وَانْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ أَجْزَاءُ أَسْبَابٍ أَمْ لَا؛ فَالثَّمَرَةُ وَاحِدَةٌ. وَأَيْضًا، لَوِ اقْتَضَتِ الْأَسْبَابُ مُسَبَّبَاتِهَا وَهِيَ غَيْرُ كَامِلَةٍ بِمَشِيئَةِ الْمُكَلَّفِ، أَوِ ارْتَفَعَتِ اقْتِضَاءَاتُهَا وَهِيَ تَامَّةٌ؛ لَمْ يَكُنْ لِمَا وَضَعَ الشَّارِعُ منها فائدة، ولكان وضعه لها عَبَثًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا أَسْبَابًا شَرْعِيَّةً هُوَ أَنْ تَقَعَ مُسَبَّبَاتُهَا شَرْعًا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا غَيْرَ أَسْبَابٍ شَرْعًا أَنْ لَا تَقَعَ مُسَبَّبَاتُهَا شَرْعًا، فَإِذَا كَانَ اخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ يَقْلِبُ حَقَائِقَهَا شَرْعًا؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَضْعٌ مَعْلُومٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهَا مَوْضُوعَةً فِي الشَّرْعِ عَلَى وَضْعٍ مَعْلُومٍ، هَذَا خَلْفٌ مُحَالٌ؛ فَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِثْلُهُ, وَبِهِ يَصِحُّ أَنَّ اخْتِيَارَاتِ الْمُكَلَّفِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ1. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، أَوْ بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ، أَوْ بِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ لِذَاتِهِ أَوْ لِوَصْفِهِ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَذَاهِبَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّسَبُّبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ -وهو الذي لم يستكمل الشروط ولا

_ 1 ليس في يد المكلف أن يتصرف فيما وضع من الأسباب التي تترتب عليها مصالح تعود إلى غيره بإجماع، فإن كان الوضع الشرعي قائما على مراعاة حظ ذلك المكلف خاصة؛ فهذا هو الذي يطرقه الاختلاف وتتفاوت الأنظار في تحقيق أمره، ومن هذا نشأ الخلاف في بعض مسائل يلتزم فيها المكلف ما لا يلزمه شرعا كمن التزم عدم القيام بعيب يجده في المبيع، والذي يرى أن التزامه لغو يبني الحكم على أن الشارع جعل القيام بالعيب حقا للمشتري؛ فالتزامه لإسقاطه لا يؤثر في وضعه الشرعي وله التمسك به حيث أراد. "خ".

انْتَفَتْ مَوَانِعُهُ- يُفِيدُ حُصُولَ الْمُسَبَّبِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ1 مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْبُيُوعَ الْفَاسِدَةَ عِنْدَهُ تُفِيدُ مِنْ أَوَّلِهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ عِنْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَأَيْضًا؛ فَتُفِيدُ الْمِلْكَ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُفِيتُ الْعَيْنَ, وَكَذَلِكَ الْغَصْبُ وَنَحْوُهُ يُفِيدُ عِنْدَهُ الْمِلْكَ وَإِنْ لَمْ تَفُتْ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ فِي مَسَائِلَ، وَالْغَصْبُ أَوْ نَحْوُهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ مِنْ أَصْلِهِ؛ فَيَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمُسَبَّبُ، إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ عامة، إفادة الْمِلْكِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِنَّمَا هُوَ2 لِأُمُورٍ أُخَرَ خَارِجَةٍ عَنْ نَفْسِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ3، وَبَيَانُ ذلك لا يسع ههنا، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِيمَا بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَصْلٌ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ أَنَّ الْفَاعِلَ لِلسَّبَبِ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُسَبَّبَ لَيْسَ إِلَيْهِ إِذَا وَكَلَهُ إِلَى فَاعِلِهِ وَصَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهُ؛ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَالتَّفْوِيضِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّبْرِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَالْخُرُوجِ عَنِ الْأَسْبَابِ الْمَحْظُورَةِ، وَالشُّكْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الْمَرَضِيَّةِ, وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْبَعْضِ، عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرٌ! أَمَّا الْإِخْلَاصُ؛ فَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ -إِذَا لَبَّى الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ فِي السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَا سِوَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ- خَارِجٌ عَنْ حُظُوظِهِ، قَائِمٌ بِحُقُوقِ رَبِّهِ، وَاقِفٌ

_ 1 أي: وكما قاله أبو حنيفة وغيره في عدم الحد، وفي ثبوت النسب في نكاح المحارم. فقالوا: إن هذا ليس حكم العقد، وإنما هو شيء آخر، وهو حكم الشبهة بصورة العقد، ولم يقل به الأئمة الثلاثة، بل أوجبوا الحد وعدم ثبوت النسب. "د". 2 في الأصل: "هي". 3 من هذه الأمور مراعاة الخلاف في البيوع التي اختلف أهل العلم في إجازتها. "خ".

مَوْقِفَ الْعُبُودِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا الْتَفَتَ إِلَى الْمُسَبَّبِ وَرَاعَاهُ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ شَطْرَهُ، فَصَارَ تَوَجُّهُهُ إِلَى رَبِّهِ بِالسَّبَبِ, بِوَاسِطَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْمُسَبَّبِ، وَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ فِي الْإِخْلَاصِ. وَأَمَّا التَّفْوِيضُ؛ فَلِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُسَبَّبَ لَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَ مَا كُلِّفَ بِهِ, وَلَا هُوَ مِنْ نَمَطِ مَقْدُورَاتِهِ؛ كَانَ رَاجِعًا بِقَلْبِهِ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ؛ فَصَارَ مُتَوَكِّلًا وَمُفَوِّضًا، هَذَا فِي عُمُومِ التَّكَالِيفِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ، وَيَزِيدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِبَادِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَزَالُ بَعْدَ التَّسَبُّبِ خَائِفًا وَرَاجِيًا1، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ2 يَلْتَفِتُ إِلَى الْمُسَبَّبِ بِالدُّخُولِ فِي السَّبَبِ؛ صَارَ مترقبا له ناظرا إلى ما يئول إِلَيْهِ تَسَبُّبُهُ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى إِعْرَاضِهِ عَنْ تَكْمِيلِ السَّبَبِ اسْتِعْجَالًا لِمَا يُنْتِجُهُ؛ فَيَصِيرُ تَوَجُّهُهُ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَقَدْ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إِلَى مَا طُلِبَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَهُنَا تَقَعُ حِكَايَةُ مَنْ سَمِعَ أَنَّ "مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"3؛ فَأَخَذَ -بِزَعْمِهِ- فِي الْإِخْلَاصِ لِيَنَالَ الْحِكْمَةَ، فَتَمَّ الْأَمَدُ وَلَمْ تَأْتِهِ الْحِكْمَةُ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا أَخْلَصْتَ لِلْحِكْمَةِ وَلَمْ تُخْلِصْ لِلَّهِ. وَهَذَا وَاقِعٌ كَثِيرًا فِي مُلَاحَظَاتِ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْأَسْبَابِ، رُبَّمَا غطت ملاحظاتها

_ 1 أي: جامعا بين الأمرين, بخلافه إذا نظر إلى المسبب دائما؛ فإنه يغلب عليه جانب الرجاء، ولا يخفى ما يترتب على ذلك من تضعضع همته وفتور نفسه عن الأعمال التكليفية. "د". 2 هل هذا غير ما شرحه في الفصل التالي؟ ولا يخفى أن قوله: "فإن كان" مقابل لقوله: "إذا علم أن المسبب ... إلخ"؛ فالكلام هنا شامل للعادي والعبادي، كما هو شامل لهما في الفصل التالي؛ فكان يمكن الاستغناء بما يأتي عن هذا، على أنه لا خصوصية لبيان ابتناء مقام التفويض على ما سبق في ذكر الإعراض عن تكميل السبب، بل هذا شأن آخر يترتب على النظر للمسبب، ونسبته لموضوع التفويض كنسبته لمقام الصبر والشكر والإخلاص، وهي الأمور التي بناها على قطع النظر عن المسبب. "د". 3 سيورده المصنف "3/ 148"، ويصرح بأنه حديث، وهو ضعيف، ضعفه جماعة من الحفاظ كما سيأتي إن شاء الله تعالى مفصلا، والصحيح أنه من قول مكحول.

فَحَالَتْ بَيْنَ الْمُتَسَبِّبِ وَبَيْنَ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ، وَبِذَلِكَ يَصِيرُ الْعَابِدُ مُسْتَكْثِرًا لِعِبَادَتِهِ، وَالْعَالَمُ مُغْتَرًّا بِعِلْمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ؛ فَلِأَنَّهُ إذا كان ملتفتا1 إِلَى أَمْرِ الْآمِرِ وَحْدَهُ، مُتَيَقِّنًا2 أَنَّ بِيَدِهِ مِلَاكَ الْمُسَبَّبَاتِ وَأَسْبَابِهَا، وَأَنَّهُ عَبْدٌ مَأْمُورٌ؛ وَقَفَ مع أمر الآمر، ولم يكن له عن3 ذَلِكَ مَحِيدٌ وَلَا زَوَالٌ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ حَدِّ الْمُرَاقَبَةِ، وَمِمَّنْ عَبَدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِذَا وَقَعَ الْمُسَبَّبُ كَانَ مِنْ أَشْكَرِ الشَّاكِرِينَ؛ إِذْ لَمْ يَرَ لِتَسَبُّبِهِ فِي ذَلِكَ الْمُسَبَّبِ وِرْدا وَلَا صَدَرا4، وَلَا اقْتَضَى مِنْهُ فِي نَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَإِنْ كَانَ عَلَامَةً وَسَبَبًا عَادِيًّا؛ فَهُوَ سَبَبٌ بِالتَّسَبُّبِ5 وَمُعْتَبَرٌ فِي عَادِيِّ التَّرْتِيبِ، وَلَوْ كَانَ مُلْتَفِتًا إِلَى الْمُسَبَّبِ؛ فَالسَّبَبُ قَدْ يُنْتِجُ وَقَدْ يُعْقِمُ، فَإِذَا أَنْتَجَ فَرِحَ، وَإِذَا لَمْ يُنْتِجْ؛ لَمْ يَرْضَ بِقَسْمِ اللَّهِ وَلَا بِقَضَائِهِ، وَعَدَّ السَّبَبَ كَلَا شَيْءٍ، وَرُبَّمَا مَلَّهُ فَتَرَكَهُ، وَرُبَّمَا سَئِمَ مِنْهُ فَثَقُلَ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُشْبِهُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، وَهُوَ خِلَافُ عَادَةِ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ سَائِرَ الْمَقَامَاتِ السَّنِيَّةِ وَجَدَهَا فِي تَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا أَعْظَمَ نفع الْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ تَارِكَ النَّظَرِ فِي الْمُسَبَّبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لِلَّهِ إنما همه السبب

_ 1 تحرفت في "د": "ملفتا". 2 في الأصل: "يقينا". 3 هكذا في الأصل, وفي النسخ المطبوعة: "من". 4 الورد والصدر من أورد الماشية الماء وأصدرها عنه، والمعنى هنا: لم ير لنفسه شيئا أولا ولا آخرا. انظر: "لسان العرب" "ور د"، و"ص د ر". 5 في الأصل: "التسبب".

الَّذِي دَخَلَ فِيهِ؛ فَهُوَ عَلَى بَالٍ مِنْهُ فِي الْحِفْظِ لَهُ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ وَالنَّصِيحَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْمُسَبَّبَ مِنَ السَّبَبِ؛ لَكَانَ مَظِنَّةً لِأَخْذِ السَّبَبِ عَلَى غَيْرِ أَصَالَتِهِ، وَعَلَى غَيْرِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ فِيهِ؛ فَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى الْإِخْلَالِ بِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَرُبَّمَا شَعَرَ بِهِ وَلَمْ يُفَكِّرْ فِيمَا عَلَيْهِ فِيهِ، وَمِنْ هُنَا تَنْجَرُّ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ أَصْلُ الْغِشِّ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ، نَعَمْ وَالْعِبَادِيَّةِ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ فِي الْخِصَالِ الْمُهْلِكَةِ. أَمَّا فِي الْعَادِيَّاتِ؛ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَغُشُّ إِلَّا اسْتِعْجَالًا لِلرِّبْحِ الَّذِي يَأْمُلُهُ فِي تِجَارَتِهِ، أَوْ لِلنِّفَاقِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ فِي صِنَاعَتِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوضَعَ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، بَعْدَ مَا يُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ؛ فَالتَّقَرُّبُ بِالنَّوَافِلِ سَبَبٌ لِلْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ يُوضَعُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ؛ فَرُبَّمَا الْتَفَتَ الْعَابِدُ لِهَذَا الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ النَّوَافِلُ، ثُمَّ يَسْتَعْجِلُ وَيُدَاخِلُهُ طَلَبُ مَا لَيْسَ لَهُ؛ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ السَّبَبُ، وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْمُهْلِكَاتِ، وَكَفَى بِذَلِكَ فَسَادًا. فَصْلٌ: -وَمِنْهَا: أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْتَرِيحُ النَّفْسِ، سَاكِنُ الْبَالِ، مُجْتَمَعُ الشَّمْلِ، فَارِغُ الْقَلْبِ مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا، مُتَوَحِّدُ الْوُجْهَةِ1؛ فَهُوَ بِذَلِكَ طَيِّبُ الْمَحْيَا، مُجَازَى فِي الْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} الآية [النحل: 97] 2.

_ 1 أي: جاعل وجهه إلى الله في كل ما يفعل وما يقول من عبادة وعادة. "ماء". 2 محل شاهده فيما ذكره منها كما سيأتي في بيان معنى الحياة الطيبة، أما بقية الآية؛ فراجع إلى قوله: "مجازى في الآخرة", ولا يتعلق به غرضه هنا. "د".

وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ: "هِيَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَصِدْقُ الْمَقَامِ مَعَ اللَّهِ، وَصِدْقُ الْوُقُوفِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ"1. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: "الْعَيْشُ مَعَ اللَّهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَى اللَّهِ". وَأَيْضًا؛ فَفِيهِ كِفَايَةُ جَمِيعِ الْهُمُومِ، بِجَعْلِ هَمِّهِ هَمًّا وَاحِدًا، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ نَاظِرًا إِلَى الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ؛ فَإِنَّهُ نَاظِرٌ إِلَى كُلِّ مُسَبَّبٍ فِي كُلِّ سَبَبٍ يَتَنَاوَلُهُ، وَذَلِكَ مُكْثِرٌ وَمُشَتَّتٌ. وَأَيْضًا؛ فَفِي النَّظَرِ إِلَى كَوْنِ السَّبَبِ مُنْتِجًا أَوْ غَيْرَ مُنْتِجٍ تَفَرُّقُ بَالٍ، وَإِذَا أَنْتَجَ؛ فَلَيْسَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَصَاحِبُهُ مُتَبَدِّدُ الْحَالِ، مَشْغُولُ الْقَلْبِ فِي أَنْ لَوْ كَانَ الْمُسَبَّبُ أَصْلَحَ مِمَّا كَانَ؛ فَتَرَاهُ يَعُودُ تَارَةً بِاللَّوْمِ عَلَى السَّبَبِ، وَتَارَةً بِعَدَمِ الرِّضَى بِالْمُسَبَّبِ, وَتَارَةً عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ يُشِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ 2؛ فَإِنَّ اللَّهَ هو الدهر" 3 وأمثاله.

_ 1 ذكره عنه القرطبي في "التفسير" "10/ 174". 2 أي: لا تسبوا الدهر؛ لعدم مؤاتاتكم بمطالبكم ومسببات أعمالكم على ما تشتهونه، فإن الله هو الفاعل للمسببات الواقعة من الدهر. "د". 3 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر، 4/ 1763/ رقم 2246 بعد 5" من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا اللفظ. قال المصنف في "الاعتصام" "2/ 304" شارحا الحديث: "المعنى: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب, ولا تنسبوها إليه؛ فإن الله هو الذي أصابكم بذلك لا الدهر، فإنكم إذا سببتم الدهر؛ وقع السب على الفاعل لا على الدهر؛ لأن العرب كان من عادتها في الجاهلية أن تنسب الأفعال إلى الدهر؛ فتقول: أصابه الدهر في ماله، ونابته قوارع الدهر ومصائبه؛ فينسبون إلى كل شيء تجري به أقدار الله تعالى عليهم إلى الدهر؛ فيقولون: لعن الله الدهر، ومحا الله الدهر، وأشباه ذلك، وإنما يسبونه لأجل الفعال المنسوبة إليه؛ فكأنهم إنما سبوا الفاعل، والفاعل هو الله وحده؛ فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى".

وَأَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِالسَّبَبِ مُعْرِضًا عَنِ النَّظَرِ فِي غَيْرِهِ؛ فَمُشْتَغِلٌ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ بِالسَّبَبِ أَيِّ سَبَبٍ كَانَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَمًّا وَاحِدًا خَفِيفٌ عَلَى النَّفْسِ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هُمُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بَلْ هَمٌّ وَاحِدٌ ثَابِتٌ، خَفِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَمٍّ وَاحِدٍ مُتَغَيِّرٍ مُتَشَتِّتٍ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ "مَنْ جَعَلَ هَمَّهُ هَمًّا وَاحِدًا؛ كَفَاهُ اللَّهُ سَائِرَ الْهُمُومِ، وَمَنْ جَعَلَ هَمَّهُ أُخْرَاهُ؛ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ" 1.

_ 1 أخرج ابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، 2/ 1375/ رقم 4105"، وأحمد في "المسند" "5/ 183"، و"الزهد" "33"، والدارمي في "السنن" "1/ 75"، وابن أبي عاصم في "الزهد" "رقم 163", وابن حبان في "الصحيح" "رقم 67، 68- الإحسان"، والطبراني في "الكبير" "5/ 158", وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" "1/ 354"، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" "رقم 352"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 184" من طرق عن شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه عن زيد بن ثابت مرفوعا، وفيه: "من كانت الدنيا همه؛ فرق الله عليه أمره, وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا؛ إلا ما كتب له, ومن كانت الآخرة نيته؛ جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". لفظ أحمد. وأوله: "نضر الله امرأ سمع منا ... ". وأخرجه جماعة غير المذكورين بهذا اللفظ دون القطعة السابقة. وإسناده صحيح، صححه البوصيري في "زوائد ابن ماجه" "3/ 270-271/ رقم 1454"، والمنذري في "الترغيب والترهيب" "4/ 121"، وشيخنا الألباني في "الصحيحة" "رقم 404". وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "13/ 220-221" -ومن طريقه ابن ماجه في "السنن" "رقم 257-4106"- وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" "ص29"، والهيثم بن كليب الشاشي في "مسنده" "رقم 317"، وأبو نعيم في "الحلية" "2/ 105"، وابن عدي في "الكامل" "7/ 2521-2522"، والدارقطني في "العلل" "رقم 688"، و"الأفراد" "ق 207/ أ-مع أطراف الغرائب"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1128" بإسناد ضعيف جدا عن ابن مسعود مرفوعا: "من جعل الهموم هما واحدا؛ كفاه الله هم آخرته، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا؛ لم يبال الله في أي أوديتها وقع".

وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ مَنْ قَالَ: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ؛ فَالْقَلِيلُ مِنَ الْعِلْمِ يَكْفِيهِ1، وَمَنْ طَلَبَهُ لِلنَّاسِ؛ فَحَوَائِجُ النَّاسِ كَثِيرَةٌ". وَقَدْ لَهِجَ الزُّهَّادُ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ، وَفَرِحُوا بِالِاسْتِبَاقِ فِيهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ2: "لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ؛ لَقَاتَلُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ". ورُوي فِي الْحَدِيثِ: "الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُريح القلب والبدن"3، والزهد

_ = وفي إسناده نهشل بن سعيد يروي المناكير، وقيل: بل يروي الموضوعات. قاله البوصيري، وقال أبو حاتم في "العلل" "2/ 122-123": "هذا حديث منكر، ونهشل بن سعيد متروك الحديث"، وبنهشل أعله ابن مفلح في "الآداب الشرعية" "2/ 54". وللحديث شواهد عن أنس وابن عمر وأبي هريرة وأبي الدرداء وابن عباس, ومن مرسل سليمان بن حبيب المحاربي ومن مرسل محمد بن المنكدر، وهو صحيح بها، وأحسنها حديث زيد المتقدم، وانظر: "الزهد" لابن أبي عاصم "باب ما ذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من كانت همته ونيته الآخرة؛ أتته الدنيا وهي راغمة"، ص62 وما بعدها"، و"زهد وكيع" "رقم 359، 360" والتعليق عليه. 1 أي: من طلبه ليعمل هو به؛ فما يتعلق به منه قليل لا يشتت عليه باله. "د". 2 هو إبراهيم بن أدهم، أسنده عنه البيهقي في "الزهد" "رقم 81"، وابن الجوزي في "الصفة" "4/ 127"، و"سلوة الأحزان" "رقم 98"، وأبو نعيم "7/ 370". 3 أخرجه الطبراني في "الأوسط" "2/ ق 78" -وكما في "مجمع البحرين" "8/ 228/ رقم 5016"- والعقيلي في "الضعفاء الكبير" "4/ 394"، وابن عدي في "الكامل" "1/ 367" -ومن طريقه البيهقي في "الشعب" "7/ 348/ رقم 10538"، وابن الجوزي في "الواهيات" "2/ 803/ رقم 1343"- عن أبي هريرة مرفوعا. وإسناده ضعيف جدا مسلسل بالضعفاء، فيه: علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، وأشعث بن براز، تصحف على الهيثمي في "المجمع" "10/ 286" إلى "ابن نزار"؛ فقال: "لم أعرفه"!! وهو ضعيف جدا، قال البخاري: "منكر الحديث"، وضعفه ابن معين وغيره، وقال النسائي: "متروك الحديث"، كذا في "الميزان" "1/ 262"، وقال ابن عدي: "الضعف بيّن على رواياته"، ونقل تضعيفه عن غير واحد من أئمة الجرح والتعديل, وأعله العقيلي بيحيى بن بسطام =

لَيْسَ عَدْمَ ذَاتِ الْيَدِ، بَلْ هُوَ حَالٌ لِلْقَلْبِ يُعَبَّرُ عَنْهَا -إِنْ شِئْتَ- بِمَا تَقَرَّرَ مِنَ الْوُقُوفِ مَعَ التَّعَبُّدِ [بِالْأَسْبَابِ] 1، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِلْمُسَبَّبَاتِ الْتِفَاتًا إِلَيْهَا فِي الْأَسْبَابِ؛ فَهَذَا أُنْمُوذَجٌ يُنَبِّهُكَ عَلَى جُمْلَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ النَّظَرَ2 فِي الْمُسَبَّبِ قَدْ يَكُونُ على التوسط، كما سيأتي ذكره

_ = الراوي له عن الأشعث، وقال عنه: "حديثه غير محفوظ"، وهو قد تفرد به، كما أفاده الطبراني. وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ أحمد: علي بن زيد ليس بشيء، قال يحيى: علي وأشعث ليسا بشيء". وأخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" "رقم 131"، والبيهقي في "الشعب" "7/ 347-348/ رقم 10536" عن طاوس مرسلا، وفيه محمد بن مسلم الطائفي، وهو ضعيف لسوء حفظه، وأخرجه أيضا "برقم 289" بسنده عن الفضيل بن عياض؛ قال: يذكر عن النبي, صلى الله عليه وسلم ... وسرده. وهو معضل، وفيه إبراهيم بن الأشعث ضعيف من قبل حفظه. وأخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" "1/ 188/ رقم 278"، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا، وفيه زيادة: "والرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن، والبطالة تقسي القلب". وإسناده ضعيف جدا، فيه أحمد بن الفرج الحمصي، وهو ضعيف، ومثله بكر بن خنيس، وفيه أيضا بقية وقد عنعن، وهو مدلس. وأخرجه البيهقي في "الشعب" "7/ 368/ رقم 10609" من طريق ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" "رقم 155" عن عمر قوله، وهو الأشبه، وفيه عنعنة بقية. والخلاصة: الحديث ضعيف مرفوعا، وقد ضعفه شيخنا الألباني في "السلسلة الضعيفة" "رقم 1292". 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 أي: ومما يبني على أن للمسبب ليس من مقدور المكلف، ولا هو مكلف به؛ أنه إذا اتفق للمكلف نظره للمسبب فيحسن به أن يكون نظره على التوسط والاعتدال، ولا يجهد نفسه في العناية به، حتى إذا زاد عن ذلك؛ نبه على القصد والاعتدال، وإن كان ذلك ناشئا من مقام العبد من المقامات السنية؛ كالشفقة على عبادة الله وكثرة الخوف من عدم قيامه بواجبهم عليه. "د".

إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى1، وَذَلِكَ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ مَجَارِي الْعَادَاتِ، وَهُوَ أَسْلَمُ لِمَنِ الْتَفَتَ إِلَى الْمُسَبَّبِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُ الْبَشَرُ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ لِلْمُتَسَبِّبِ؛ إِمَّا شَدَّةُ التَّعَبِ، وَإِمَّا الْخُرُوجُ عَمَّا هُوَ لَهُ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ. أَمَّا شِدَّةُ التَّعَبِ؛ فَكَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ لِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ فِي السُّلُوكِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ التَّسَبُّبِ كَثِيرَ الْإِشْفَاقِ أَوْ كَثِيرَ الْخَوْفِ، وَأَصْلُ هَذَا تَنْبِيهُ اللَّهِ نَبِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ -حَالَةَ دُعَائِهِ الْخَلْقَ بِشِدَّةِ الْحِرْصِ- عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى بِهِ الرُّجُوعُ إِلَى التَّوَسُّطِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} الآية، إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 33-35] . وَقَوْلِهِ: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 3] . وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 41] . وَقَوْلِهِ: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ... } الْآيَةَ, إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هُودٍ: 12] . وَقَوْلِهِ: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النَّحْلِ: 127] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يُشِيرُ إِلَى الْحَضِّ عَلَى الْإِقْصَارِ مِمَّا كَانَ يُكَابِدُ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْوُقُوفِ مَعَ مَا أَمَرَ بِهِ مِمَّا هُوَ تَسَبُّبٌ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، بِقَوْلِهِ2: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ} [الرعد: 7] ،

_ 1 وللمصنف كلام بديع على الوسطية بوجه عام في "2/ 279 وما بعدها". 2 أفرد هذه الآيات عما قبلها وعلق عليها بأن المطلوب منك التسبب، وليس في هذه الآيات الحض على الإقصار مما يكابد كما كان ذلك في الآيات السابقة، وهو وجيه؛ إلا أنه يبقى الكلام في الآيتين الأخيرتين؛ فإن آية {لَيْسَ لَكَ ... } إلخ ترجع في المعنى إلى مثل آية: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} ، ولكن هذه أصرح في طلب الرجوع والوقوف عند حد وظيفته، بخلاف آية: {لَيْسَ لَكَ} ؛ فلم يذكر فيها ما كلف به من ربه، والآية الأخيرة أبعدت الآيات المذكورة هنا عما يريده منها؛ إذ إنها ليس فيها ما يفهم من طلب إقصاره مما يكابد، ولا طلب رجوعه إلى التسبب. "د".

{إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} [هُودٍ: 12] ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَجَمِيعُهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْكَ التَّسَبُّبُ، وَاللَّهُ هُوَ الْمُسَبِّبُ1، وَخَالِقُ الْمُسَبَّبِ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 128] ، وَهُوَ يُنَبِّهُكَ عَلَى شِدَّةِ مَقَاسَاتِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي الْحِرْصِ عَلَى إِيمَانِهِمْ، وَمُبَالَغَتِهِ فِي التَّبْلِيغِ؛ طَمَعًا فِي أَنْ تَقَعَ نَتِيجَةُ الدَّعْوَةِ، وَهِيَ إِيمَانُهُمُ الَّذِي بِهِ نَجَاتُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ؛ حَتَّى جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التَّوْبَةِ: 128] . وَمَعَ هَذَا؛ فَقَدَ نُدِبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى أَمْرٍ هُوَ أَوْفَقُ وَأَحْرَى بِالتَّوَسُّطِ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ، وَأَدْنَى مِنْ خِفَّةِ مَا يَلْقَاهُ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، وَأَجْرَى فِي سَائِرِ الرُّتَبِ الَّتِي دُونَ النُّبُوَّةِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ مَقَامُ النُّبُوَّةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ شَرَفِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَا يُدَانِيهِ فِيهَا أَحَدٌ؛ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِأَحْكَامِهِ فِيمَا دُونَهَا مِنَ الْمَرَاتِبِ اللَّائِقَةِ بِالْأُمَّةِ، كَمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ مِنْ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِأَحْوَالِهِ وَأَحْكَامِهِ فِي أَحْكَامِ أُمَّتِهِ، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ دُونَ أُمَّتِهِ. وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَمَّا هُوَ لَهُ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ؛ فَلِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ عَيْنَ الْمُسَبَّبِ أَنْ يَكُونَ أَوْ لَا يَكُونَ؛ كان مخالفا لمقصود الشرع؛ إذ قد تبين أن المسبب ليس

_ 1 وليس هذا مما فيه أن الالتفات إلى المسبب التفات إلى حظوظ -وهو عليه السلام بريء من مثله- لأن ذلك منه غاية الرحمة لعباد الله، لا نظر إلى حظه في ذلك. "د".

لِلْمُكَلَّفِ، وَلَمْ يُكَلَّفْ بِهِ، بَلْ هُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ قَصَدَهُ؛ فَالْغَالِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ إِفْرَاطِهِ أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِوُقُوعِهِ بِحَسَبِ غَرَضِهِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَجْرِي عَلَى مُقْتَضَى إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا عَلَى وَفْقِ غَرَضِ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَقَدْ صَارَ غَرَضُ الْعَبْدِ وَقَصْدُهُ مُخَالِفًا بِالْوَضْعِ لِمَا أُرِيدَ بِهِ، وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْأَدَبِ، وَمُعَارَضَةٌ لِلْقَدَرِ، أَوْ مَا هُوَ يَنْحُو ذَلِكَ النَّحْوَ. وَقَدْ جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ" التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقُولِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ؛ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدر الله وما شاء الله فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" 1. فَقَدْ نَبَّهَكَ عَلَى أَنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ الْتِفَاتٌ إِلَى الْمُسَبَّبِ فِي السَّبَبِ، كَأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ أَوْ لَازِمٌ عَقْلًا، بَلْ ذَلِكَ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ إِذْ لَا يُعِينُهُ وُجُودُ السَّبَبِ، وَلَا يُعْجِزُهُ فُقْدَانُهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ نُفُوذَ الْقَدْرِ الْمَحْتُومِ هُوَ مَحْصُولُ الْأَمْرِ، وَيَبْقَى السَّبَبُ: إِنْ كَانَ مُكَلَّفًا بِهِ عَمِلَ فِيهِ بِمُقْتَضَى التَّكْلِيفِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي مَقْدُورِهِ، اسْتَسْلَمَ اسْتِسْلَامَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَلَا يَنْفَتِحُ [عَلَيْهِ] 2 بَابُ الشَّيْطَانِ، وَكَثِيرًا مَا يُبَالِغُ الْإِنْسَانُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، حَتَّى يصير منه

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله، 4/ 2052/ رقم 2664"، وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب في القدر/ رقم 79، وكتاب الزهد، باب التوكل واليقين/ رقم 4168"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" "رقم 623، 624"، وأحمد في "المسند" "2/ 366، 370"، والطحاوي في "المشكل" "رقم 259، 260، 261، 262"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 356"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 89"، و"الأسماء والصفات" "1/ 263" من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه. 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

إِلَى مَا هُوَ مَكْرُوهٌ شَرْعًا؛ مِنْ تَشْوِيشِ الشَّيْطَانِ، وَمُعَارَضَةِ الْقَدَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ تَارِكَ النَّظَرِ فِي الْمُسَبَّبِ أَعْلَى مَرْتَبَةً وَأَزْكَى عَمَلًا، إِذَا كَانَ عَامِلًا فِي الْعِبَادَاتِ، وَأَوْفَرُ أَجْرًا فِي الْعَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ عَلَى إِسْقَاطِ حَظِّهِ، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مُلْتَفِتًا إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ، فَإِنَّهُ عَامِلٌ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى الْحُظُوظِ؛ لِأَنَّ نَتَائِجَ الْأَعْمَالِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْعِبَادِ مَعَ أَنَّهَا خَلْقُ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مَصَالِحُ أَوْ مَفَاسِدُ تَعُودُ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: "إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ, ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا" 1، وَأَصْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فُصِّلَتْ: 46] ؛ فَالْمُلْتَفِتُ إِلَيْهَا عَامِلٌ بِحَظِّهِ، وَمَنْ رَجَعَ إِلَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ [عَامِلٌ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ] 2، وَلِهَذَا بَسْطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ3. فَإِنْ قِيلَ: عَلَى أَيِّ مَعْنًى يُفْهَمُ إِسْقَاطُ النَّظَرِ فِي الْمُسَبَّبَاتِ، وَكَيْفَ يَنْضَبِطُ مَا يُعَدُّ كَذَلِكَ مِمَّا لَا يعد كذلك؟

_ 1 قطعة من حديث إلهي طويل، أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/ 1994-1995/ رقم 2577"، والترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، 4/ 656-657/ رقم 2495" -وقال: "هذا حديث حسن"- وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/ 1422/ رقم 4257"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم 20272"، والخطيب في "التاريخ" "7/ 203-204"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص65، 159، 213-214، 227، 285"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 125-126" من حديث أبي ذر, رضي الله عنه. 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 انظر: "2/ 227".

فَالْجَوَابُ: أَنَّ تَرْكَ الْحُظُوظِ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا بِمَعْنَى عَدَمِ الْتِفَاتِ الْقَلْبِ إِلَيْهَا1 جُمْلَةً وَهَذَا قَلِيلٌ، وَأَكْثَرُ مَا يَخْتَصُّ بِهَذَا أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ2؛ فَهُوَ يَقُومُ بِالسَّبَبِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ لَهُ مُسَبَّبٌ أَمْ لا، وقد يكون غير ظاهر

_ 1 في الأصل و"ط": "إليه". 2 الصوفي من يزن أفعاله وأقواله بميزان الشريعة ويأخذ نفسه بالاستقامة على آدابها؛ حتى تستنير بصيرته، وتكون الأخلاق العالية مثل الإخلاص وخشية الله والغيرة على الحق أقطابا تدور عليها سائر تصرفاته ومعاملاته؛ وكذلك كان الصوفية إلى أن خرج في لباسهم قوم نطقوا بكلمات تعبر عن الحلول والاتحاد، وظهر في أثرهم آخرون بمحدثات تتبرأ منها الفضيلة، وانخرط فريق منهم في أعوان الحاكم المغتصب؛ فكانوا لسانه الذي ينطق، وقلمه الذي يكتب، وقد كسا هؤلاء الطوائف الثلاث التصوف صبغة مكروهة اتخذها المتجافون عن الطرق المنسوبة إليه سندا لحكمهم عليها بأنها منابت أخلاق ذميمة وبدع سيئة وعقائد غير خالصة. "خ". قلت: لم يرد في الكتاب ولا في السنة لفظة "التصوف"، والوارد "التزكية"، وهي إحدى مهمتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ حصر الله بعثة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في أمرين اثنين: {يُزَكِّيهِمْ} ، و {يُعَلِّمُهُمُ} ؛ فالواجب النزول عند الأسامي والألقاب الشرعية، وقد ألمح المصنف إلى فساد الصوفية في عصره في كتابه "الاعتصام" "1/ 120-121-ط ابن عفان"؛ فقال نقلا عن أبي القاسم القشيري: "ثم ظهرت البدع، وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا؛ فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف". ثم قال عقبه: "هذا معنى كلامه؛ فقد عد هذا اللقب لهم مخصوصا باتباع السنة ومباينة البدعة، وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبرة به من المدعين للعلم. وفي غرضي -إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسر لي الأسباب- أن ألخص في طريقة القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما داخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به؛ حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد, صلى الله عليه وسلم. وأعظم من ذلك أنهم يتساهلون في اتباع السنة، ويرون اختراع العبادات طريقا للتعبد صحيحا، وطريقة القوم بريئة من هذا الخباط بحمد الله".

-بِمَعْنَى أَنَّ الْحَظَّ لَا يَسْقُطُ جُمْلَةً مِنَ الْقَلْبِ؛ إِلَّا أَنَّهُ الْتَفَتَ إِلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ- وَيَكُونُ هَذَا مَعَ الْجَرَيَانِ عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ مُجْرِيهَا كَيْفَ شَاءَ، وَيَكُونُ أَيْضًا مَعَ طَلَبِ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ؛ أَيْ: يَطْلُبُ مِنَ الْمُسَبَّبِ مُقْتَضَى السَّبَبِ؛ فَكَأَنَّهُ يَسْأَلُ الْمُسَبَّبَ بَاسِطًا يَدَ السَّبَبِ، كَمَا يَسْأَلُهُ الشَّيْءَ بَاسِطًا يَدَ الضَّرَاعَةِ, أَوْ يَكُونُ مُفَوِّضًا فِي الْمُسَبَّبِ إِلَى مَنْ هُوَ إِلَيْهِ؛ فَهَؤُلَاءِ قَدْ أَسْقَطُوا النَّظَرَ فِي الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ، وَإِنَّمَا الِالْتِفَاتُ لِلْمُسَبَّبِ بِمَعْنَى الْجَرَيَانِ مَعَ السَّبَبِ؛ كَالطَّالِبِ لِلْمُسَبَّبِ مِنْ نَفْسِ السَّبَبِ، أَوْ كَالْمُعْتَقِدِ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْمُوَلِّدُ لِلْمُسَبَّبِ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُخَوِّفُ الَّذِي هُوَ حرٍ بِتِلْكَ الْمَفَاسِدِ الْمَذْكُورَةِ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ وَسَائِطُ هِيَ مَجَالُ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ؛ فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ؛ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ، وَمِثْلُ هَذَا مُقَرَّرٌ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ الْحُظُوظِ1. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ مُرَتَّبَةٌ2 عَلَى فِعْلِ الْأَسْبَابِ شَرْعًا، وَأَنَّ الشَّارِعَ يَعْتَبِرُ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْخِطَابِ بِالْأَسْبَابِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ -إِذَا اعْتَبَرَهُ- أُمُورٌ: - مِنْهَا: أَنَّ الْمُسَبَّبَ إِذَا كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى الْمُتَسَبِّبِ3 شَرْعًا، [أَوِ] 4 اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ فِي تَعَاطِي السَّبَبِ مُلْتَفِتًا إِلَى جِهَةِ الْمُسَبَّبِ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي حِسَابِهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا يَكُونُ التَّسَبُّبُ مَأْمُورًا بِهِ كَذَلِكَ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَكَمَا يَكُونُ التَّسَبُّبُ فِي الطَّاعَةِ مُنْتِجًا مَا لَيْسَ فِي ظَنِّهِ من الخير؛ لقوله تعالى:

_ 1 انظر: المسألة الثالثة والرابعة من النوع الرابع من كتاب المقاصد "2/ 305 وما بعد". 2 كما تقدم في المسألة الرابعة "ص311". 3 في "د": "المسبب". 4 ما بين المعقوفتين سقط من النسخ المطبوعة، وأثبتناه من الأصل.

{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [الْمَائِدَةِ: 32] . وَقَوْلِهِ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا" 1، وَقَوْلِهِ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يَظُنُّ أَنَّهَا تَبْلُغُ مَا بَلَغَتِ" 2 الْحَدِيثَ3. كَذَلِكَ يَكُونُ التَّسَبُّبُ فِي الْمَعْصِيَةِ مُنْتِجًا مَا لَمْ يَحْتَسِبْ مِنَ الشَّرِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [الْمَائِدَةِ: 32] . وَقَوْلِهِ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا؛ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا" 4، وَقَوْلِهِ: "وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا" 5، وَقَوْلِهِ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ" 6 الْحَدِيثَ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ.

_ 1 مضى تخريجه "ص222"، وهو صحيح. 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، 11/ 308/ رقم 6478" بلفظ: " ... من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم ". وأخرجه أيضا برقم "6477" مقتصرا على الشق الثاني بلفظ " ... بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق ". وأخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس، 4/ 557/ رقم 2314"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، 2/ 1313/ رقم 3970"، وأحمد في "المسند" "2/ 334، 355، 533" من حديث ابن مسعود مقتصرين على الشق الثاني بلفظ مقارب. 3 الدليل في بقيته، وهو: "يرفع الله بها في الجنة" "د". 4 مضى تخريجه "ص223"، والحديث في "الصحيحين". 5 مضى تخريجه "ص222"، وهو صحيح، "و" الدليل في بقية الحديث. "د". 6 جزء من حديث صحيح, أوله: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ... " مضى تخريجه أعلاه.

وَقَدْ قَرَّرَ الْغَزَالِيُّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ "الْإِحْيَاءِ" وَفِي غَيْرِهِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَقَدْ قَالَ فِي "كِتَابِ الْكَسْبِ": "تَرْوِيجُ الدِّرْهَمِ الزَّائِفِ مِنَ الدَّرَاهِمِ فِي أَثْنَاءِ النَّقْدِ ظُلْمٌ؛ إِذْ بِهِ يَسْتَضِرُّ الْمُعَامَلُ إِنْ لَمْ يَعْرِفْ، وَإِنْ عَرَفَ؛ فَيُرَوِّجُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ، وَلَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي الْأَيْدِي، وَيَعُمُّ الضَّرَرُ، وَيَتَّسِعُ الْفَسَادُ, وَيَكُونُ وِزْرُ الْكُلِّ وَوَبَالُهُ رَاجِعًا إِلَيْهِ, فَإِنَّهُ الَّذِي فَتَحَ ذَلِكَ الْبَابَ". ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً" 1 إِلَخْ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ إِنْفَاقَ دِرْهَمٍ زَائِفٍ أَشَدُّ مِنْ سَرِقَةِ مِائَةِ دِرْهَمٍ؛ قَالَ: "لِأَنَّ السَّرِقَةَ مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ تَمَّتْ وَانْقَطَعَتْ، وَإِظْهَارَ الزَّائِفِ بِدْعَةٌ أَظْهَرَهَا فِي الدِّينِ، وَسَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً يُعْمَلُ عَلَيْهَا مِنْ بَعْدِهِ؛ فَيَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى مِائَةِ سَنَةٍ، وَمِائَتَيْ سَنَةٍ، إِلَى أَنْ يَفْنَى ذَلِكَ الدِّرْهَمُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا فَسَدَ وَنَقَصَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِسَبَبِهِ، وَطُوبَى لِمَنْ مَاتَ وَمَاتَتْ مَعَهُ ذُنُوبُهُ، وَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ يَمُوتُ وَتَبْقَى ذُنُوبُهُ مِائَةَ سَنَةٍ وَمِائَتَيْ سَنَةٍ، يُعَذَّبُ بِهَا فِي قَبْرِهِ، وَيُسْأَلُ عَنْهَا إِلَى انْقِرَاضِهَا، وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] ؛ أَيْ: نَكْتُبُ أَيْضًا مَا أَخَّرُوهُ مِنْ آثَارِ أَعْمَالِهِمْ كَمَا نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوهُ2، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [الْقِيَامَةِ: 13] ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ أَثَرَ أَعْمَالِهِ، مَنْ سَنَّ سُنَّةً سيئة عمل بها غيره"3.

_ 1 مضى تخريجه "ص222"، وهو صحيح. 2 فسر بعض أهل العلم الآثار بالخطا مستندا لما يروى من أن الآية نزلت في قوم كانت منازلهم بعيدة عن المسجد؛ فأرادوا أن ينتقلوا إلى منازل قريبة منه، وهذه الرواية على فرض صحتها لا تمنع من إبقاء الآثار في الآية على عمومها حتى يدخل فيها آثار خيانة الأمم الغافلة، وتمكين يد العدو من ناصيتها؛ فأي أذية أو إهانة تقع على نفس مسلمة إلا كان على من فتح له سبيل التسلط أو جرك القلم في مساعدته كفل منها؟! والوارد في الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قرأ لأولئك القوم هذه الآية ولم يصرح بأنها نزلت في حقهم. "خ". 3 انظر: "الإحياء" "2/ 73-74".

هَذَا مَا قَالَهُ هُنَاكَ، وَقَاعِدَةُ إِيقَاعِ السَّبَبِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إِيقَاعِ الْمُسَبَّبِ قَدْ بَيَّنَتْ1 هَذَا. وَلَهُ فِي "كِتَابِ الشُّكْرِ" مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا؛ حَيْثُ قَدَّرَ النِّعَمَ أَجْنَاسًا وَأَنْوَاعًا، وَفَصَّلَ فِيهَا تَفَاصِيلَ جَمَّةً، ثُمَّ قَالَ: "بَلْ أَقُولُ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَلَوْ فِي نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ؛ بِأَنْ فَتَحَ بَصَرَهُ حَيْثُ يَجِبُ غَضُّ البصر؛ فقد كفر [كل] 2 نعمة الله في السموات وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا, فَإِنَّ كُلَّ مَا خَلَقَ الله حتى الملائكة, والسموات، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَالنَّبَاتِ بِجُمْلَتِهِ نِعْمَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِبَادِ قَدْ تَمَّ بِهَا3 انْتِفَاعُهُ". ثُمَّ قَرَّرَ شَيْئًا مِنَ النِّعَمِ الْعَائِدَةِ إِلَى الْبَصَرِ مِنَ الْأَجْفَانِ، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي الْأَجْفَانِ، وَلَا تَقُومُ الْأَجْفَانُ إِلَّا بِعَيْنٍ، وَلَا الْعَيْنُ إِلَّا بِالرَّأْسِ، وَلَا الرَّأْسُ إِلَّا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ, وَلَا الْبَدَنُ إِلَّا بِالْغِذَاءِ، وَلَا الْغِذَاءُ إِلَّا بِالْمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ وَالْمَطَرِ وَالْغَيْمِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَلَا يَقُومُ شَيْءٌ مِنْ ذلك إلا بالسموات، ولا السموات إِلَّا بِالْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، يَرْتَبِطُ الْبَعْضُ مِنْهُ بِالْبَعْضِ ارْتِبَاطَ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ". قَالَ: وَكَذَلِكَ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ: "أَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا النَّاسُ؛ إِمَّا أَنْ تلعنهم إذا تفرقوا، أو تستغفر لهم"4.

_ 1 في الأصل: "تبين". 2 زيادة من "الإحياء". 3 في الأصل: "به". 4 قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" "4/ 122": "لم أجد له أصلا"، وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" "6/ 360": "لم أجد له إسنادا"، وكذا أودعه السويدي في كتابه "الموضوعات في الإحياء" "ص101". وأخرج أبو يعلى في "مسنده" "7/ 143/ رقم 4110" عن أنس مرفوعا: "ما من بقعة يذكر الله عليها بصلاة أو بذكر؛ إلا استبشرت بذلك إلى منتهاها من سبع أرضين، وفخرت على ما حولها من البقاع، وما من عبد يقوم بفلاة من الأرض يريد الصلاة إلا تزخرفت له الأرض ". وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي، وشيخه يزيد الرقاشي, كلاهما ضعيف، وضعفه المناوي في "فيض القدير" "5/ 475".

وكذلك1 وَرَدَ: "إِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ" 2، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَاصِيَ بِتَطْرِيفَةٍ وَاحِدَةٍ جَنَى عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ، وَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ إلا أَنْ يُتْبِعَ السَّيِّئَةَ بِحَسَنَةٍ تَمْحُوهَا؛ فَيَتَبَدَّلُ اللَّعْنُ بِالِاسْتِغْفَارِ؛ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ وَيَتَجَاوَزَ عَنْهُ"3، ثُمَّ حَكَى غَيْرَ ذَلِكَ، وَمَضَى فِي كَلَامِهِ. فَإِذَا نَظَرَ الْمُتَسَبِّبُ إِلَى مَآلَاتِ الْأَسْبَابِ؛ فَرُبَّمَا كَانَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ إِذْ يَبْدُو لَهُ يَوْمَ الدِّينِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ يَحْتَسِبُ، والعياذ بالله.

_ 1 في الطبعات الثلاث: "ولذلك"، والمثبت من "الإحياء". 2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، 5/ 50/ رقم 2685"، والطبراني في "الكبير" "8/ 278/ رقم 17911، 17912"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 183" عن أبي أمامة مرفوعا: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر؛ ليصلون على معلم الناس الخير". وفي سنده سلمة بن رجاء، صدوق يغرب. وله شواهد عن علي وعائشة وابن عباس مرفوعا وموقوفا، وأبي الدرداء ومن مرسل مكحول والحسن، والحديث حسن. وانظر: "المجالس الخمسة" للسلفي "رقم 8- بتحقيقي". 3 "إحياء علوم الدين" "3/ 122-123".

فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا الْتَفَتَ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ مَعَ أَسْبَابِهَا رُبَّمَا ارْتَفَعَتْ عَنْهُ إِشْكَالَاتٌ تَرِدُ فِي الشَّرِيعَةِ، بِسَبَبِ تَعَارُضِ أَحْكَامِ أَسْبَابٍ تَقَدَّمَتْ مَعَ أَسْبَابٍ1 أُخَرَ حَاضِرَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُتَعَاطِيَ السَّبَبِ قَدْ يَبْقَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ أَوْ تَابَ مِنْهُ؛ فَيَظُنُّ أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ بِرُجُوعِهِ عَنِ السَّبَبِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ. مِثَالُهُ: مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً ثُمَّ تَابَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا؛ فَالظَّاهِرُ الْآنَ أَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِالْخُرُوجِ فَأَخَذَ فِي الِامْتِثَالِ، غَيْرُ عاصٍ وَلَا مُؤَاخَذٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُمْتَثِلًا عَاصِيًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي تَوَسُّطِهِ مُكَلَّفًا بِالْخُرُوجِ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ النَّهْيِ فِي نَفْسِ الْخُرُوجِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْتَفِعَ عَنْهُ حُكْمُ النَّهْيِ فِي الْخُرُوجِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ2: هُوَ عَلَى حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِانْفِصَالِهِ عَنِ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَرَدَّ النَّاسُ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَالْإِمَامُ أَشَارَ فِي "الْبُرْهَانِ" إِلَى تَصَوُّرِ هَذَا وَصِحَّتِهِ3 بِاعْتِبَارِ أَصْلِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ عِصْيَانٌ؛ فَانْسَحَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّسَبُّبِ وَإِنِ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ4، ونظر ذلك بمسائل، وهو

_ 1 أي: مع أحكام أسباب "د". 2 يراجع المقام في كتب الأصول كالتحرير، وابن الحاجب في مسألة يستحيل كون الشيء الواحد واجبا حراما من جهة واحدة ... إلخ. "د". 3 بقوله في "البرهان" "2/ 97". 4 أي: ولا تتم التوبة إلا بعد الخروج فعلا؛ لأن من شرط قبولها رد التبعات والمظالم. "د". =

صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ التَّسَبُّبِ أَنْتَجَ مُسَبَّبَاتٍ خَارِجَةً عَنْ نَظَرِهِ، فَلَوْ نَظَرَ الْجُمْهُورُ إِلَيْهَا؛ لَمْ يَسْتَبْعِدُوا اجْتِمَاعَ الِامْتِثَالِ مَعَ اسْتِصْحَابِ1 حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الِانْفِصَالِ عَنِ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَهَذَا أَيْضًا2 يَنْبَنِي عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ خَارِجٌ عَنْ نَظَرِهِ3، فَإِنَّهُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ؛ وَجَدَ نَفْسَ الْخُرُوجِ ذَا وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَجْهُ كَوْنِ الْخُرُوجِ سَبَبًا فِي الْخُلُوصِ عَنِ التَّعَدِّي بِالدُّخُولِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ مِنْ كَسْبِهِ. وَالثَّانِي: كَوْنُهُ نَتِيجَةَ دُخُولِهِ ابْتِدَاءً، وَلَيْسَ من كسبه بهذا الاعتبار؛ إذ ليس

_ = وكتب "خ" هنا ما نصه: "اعترف إمام الحرمين بانتفاء النهي عمن شرع في الخروج من الأرض المغصوبة تائبا؛ حيث قال: هو مرتبك في المعصية بحكم الاستصحاب مع انقطاع تكليف النهي، والوجه الذي اعترضوا به هذه المقالة أن وصف المعصية والعقاب إنما يرتبطان بالنهي؛ فيجب ارتفاعهما حيث انتفى النهي إذ لم يعهد في موارد الشريعة فعل يوصف بكونه معصية ويستحق صاحبه العقاب من غير أن يتعلق به نهي، والظاهر من مقام التوبة في نظر ... فشارع أن حكمها يسري إلى كل ما يترتب على السبب من أثر لا قدرة للمكلف على اجتنابه، فمن سن سنة سيئة، ثم تاب توبة نصوحا، وأصلح وبين جهد استطاعته؛ لا يضره من بقي عاملا بها بعد ذلك البيان". 1 لا أن النهي حاصل مع الأمر حتى يرد ما تقدم: "د". 2 كتب ناسخ الأصل في الهامش ما نصه: قوله: "وهذا أيضا ... " إلخ، معناه أن مسألة أبي هاشم والجمهور تنبني على أن الداخل في أرض غصبا؛ هل هو محمول على أنه ملتفت إلى ما تسبب عن دخوله وهو الخروج، فيكون مؤاخذا به في الدنيا، فيعد فاعل حرام كما هو مؤاخذ به في الآخرة وهو مذهب أبي هاشم، أو غير محمول على ذلك؛ فيكون ذا وجهين كما قال؟! وعلى هذا؛ فضمير "في نظره" راجع إلى المكلف الداخل، وقوله: "وما ذلك"؛ أي: والمسبب خارجا، والمراد بالمسبب بالفتح: الخروج. وهذا إيضاح ذلك مأخوذا من كلام المصنف في آخر المسألة حيث ... 3 كما تقدم أنه ليس له رفعه وليس من نمط مقدوراته. "د".

لَهُ قُدْرَةٌ عَنِ الْكَفِّ عَنْهُ. وَمِنْ هَذَا مَسْأَلَةُ مَنْ تَابَ عَنِ الْقَتْلِ بَعْدَ رَمْيِ السَّهْمِ عَنِ الْقَوْسِ، وَقَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الرَّمِيَّةِ، وَمَنْ تَابَ مِنْ بِدْعَةٍ بَعْدَ مَا بَثَّهَا فِي النَّاسِ وَقَبْلَ أَخْذِهِمْ بِهَا، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْلَ رُجُوعِهِمْ عَنْهَا، وَمَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، وَبِالْجُمْلَةِ بَعْدَ تَعَاطِي السَّبَبِ عَلَى كَمَالِهِ، وَقَبْلَ تَأْثِيرِهِ وَوُجُودِ مَفْسَدَتِهِ، أَوْ بَعْدَ وُجُودِهَا وَقَبْلَ ارْتِفَاعِهَا إِنْ أَمْكَنَ ارْتِفَاعُهَا؛ فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ هُنَا الِامْتِثَالُ مَعَ بَقَاءِ الْعِصْيَانِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ؛ كَانَ عَاصِيًا مُمْتَثِلًا، إِلَّا أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لَا يَتَوَارَدَانِ عَلَيْهِ فِي هَذَا التَّصْوِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْعِصْيَانِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ1 لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ؛ فَلَا نَهْيَ إِذْ ذَاكَ، وَمِنْ جِهَةِ الِامْتِثَالِ مُكَلَّفٌ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ وَمُمْتَثِلٌ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى مَا أَرَادَهُ الْإِمَامُ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي هَاشِمٍ لَا يَرِدُ مَعَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ2 إِذَا تَأَمَّلْتَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- جَعَلَ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْعَادَةِ تَجْرِي عَلَى وِزَانِ الْأَسْبَابِ فِي الِاسْتِقَامَةِ أَوِ الِاعْوِجَاجِ، فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ تَامًّا وَالتَّسَبُّبُ عَلَى مَا يَنْبَغِي؛ كَانَ الْمُسَبَّبُ كذلك، وبالضد.

_ 1 بل هو باقٍ من أثر التكليف في السبب وهو الدخول، وإيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب؛ فهو مؤاخذ بالمسبب وإن لم يكن مقدورا له. "د". 2 أي: بخلاف ما إذا قيل: إن النهي يتوجه عليه حين الخروج، كما يتوجه عليه الأمر به؛ لأنه يكون تكليفا بما لا يطاق كما قال، والذي رفع الإشكال هو الابتناء على القاعدة القائلة: إن المسببات معتبرة شرعا بفعل الأسباب، ومرتبة عليها؛ فيبني عليه أن المسببات ما دامت موجودة تأخذ حكم الأسباب وإن عدمت، وهو ما أشار إليه العضد شارح ابن الحاجب. "د".

ومن ههنا إِذَا وَقَعَ خَلَلٌ فِي الْمُسَبَّبِ نَظَرَ الْفُقَهَاءُ إِلَى التَّسَبُّبِ: هَلْ كَانَ عَلَى تَمَامِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ عَلَى تَمَامِهِ؛ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ لَوْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى تَمَامِهِ؛ رَجَعَ اللَّوْمُ وَالْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ وغيره مِنَ الصُّنَّاعِ إِذَا ثَبَتَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَحَدِهِمْ؛ إِمَّا بِكَوْنِهِ غَرَّ مِنْ نَفْسِهِ وَلَيْسَ بِصَانِعٍ، وَإِمَّا بِتَفْرِيطٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَلَطَ فِي الْمُسَبَّبَاتِ1 أَوْ وُقُوعِهَا عَلَى غَيْرِ وِزَانِ التَّسَبُّبِ قَلِيلٌ؛ فَلَا يُؤَاخَذُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَبْذُلِ الْجَهْدَ؛ فَإِنَّ الْغَلَطَ فِيهَا كَثِيرٌ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ. فَمَنِ الْتَفَتَ إِلَى الْمُسَبَّبَاتِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَلَامَةً عَلَى الْأَسْبَابِ فِي الصِّحَّةِ أَوِ الْفَسَادِ، لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى2؛ فَقَدْ حَصَلَ عَلَى قَانُونٍ عَظِيمٍ يَضْبُطُ بِهِ جَرَيَانَ الْأَسْبَابِ عَلَى وِزَانِ مَا شُرِعَ، أَوْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا جُعِلَتِ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ فِي الشَّرْعِ دَلِيلًا عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مُنْخَرِمًا؛ حُكِمَ عَلَى الْبَاطِنِ بِذَلِكَ، أَوْ مُسْتَقِيمًا؛ حُكِمَ عَلَى الْبَاطِنِ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ أَصْلٌ عَامٌّ فِي الْفِقْهِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّاتِ وَالتَّجْرِيبِيَّاتِ، بَلِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ نَافِعٌ فِي جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ جِدًّا، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَفَى بِذَلِكَ عُمْدَةً أَنَّهُ الْحَاكِمُ بِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِ، وَكُفْرِ الْكَافِرِ، وَطَاعَةِ الْمُطِيعِ، وَعِصْيَانِ الْعَاصِي، وَعَدَالَةِ الْعَدْلِ، وَجَرْحَةِ الْمُجَرَّحِ، وَبِذَلِكَ تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ وَتَرْتَبِطُ الْمَوَاثِيقُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ، بَلْ هُوَ كلية التشريع، وعمدة التكليف

_ 1 في الأصل: "التسببات". 2 أي: من الجهات السابق إبطال النظر إليها؛ ككونها من مقدور المكلف أو كسبه، وكذا الجهات التي أشار إلى أن الأفضل عدم النظر إلى المسبب باعتبارها، وهي كثير فيما تقدم؛ أي: فالنظر في المسببات هنا ليس مقصودا لذاته، بل لاكتشاف حال السبب: هل أخذه العبد على طريق5 الكمال؟ لتبنى عليه أحكام شرعية. "د".

بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِقَامَةِ حُدُودِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ1 قَدْ تَكُونُ خَاصَّةً، وَقَدْ تَكُونُ عَامَّةً. وَمَعْنَى كَوْنِهَا خَاصَّةً أن تكون بحسب وقوع السَّبَبِ؛ كَالْبَيْعِ الْمُتَسَبَّبِ بِهِ إِلَى إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ، وَالنِّكَاحِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ حلِّية الِاسْتِمْتَاعِ، وَالذَّكَاةِ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ حِلُّ الْأَكْلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ جَانَبُ النَّهْيِ؛ كَالسُّكْرِ النَّاشِئِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَإِزْهَاقِ الرُّوحِ الْمُسَبَّبِ عَنْ حَزِّ الرَّقَبَةِ. وَأَمَّا الْعَامَّةُ؛ فَكَالطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي الْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ، وَالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي دُخُولِ الْجَحِيمِ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الْمَعَاصِي الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْهَا فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ؛ كَنَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ الْمُسَبَّبِ عَنْهُ قَطْعُ الرِّزْقِ، وَالْحُكْمِ بِغَيْرِ الْحَقِّ النَّاشِئِ2 عَنْهُ الدَّمُ، وَخَتْرِ3 الْعَهْدِ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ تَسْلِيطُ الْعَدُوِّ، وَالْغُلُولِ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ قَذْفُ الرُّعْبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ4، ولا شك أن أضداد

_ 1 يحتاج الفرق بين مضمون هذا الفصل ومضمون صدر المسألة إلى دقة نظر؛ لأن الغرض من كل منهما أن المتسبب إذا نظر إلى المسبب وأنه يجر خيرا كثيرا، أو شرا له آثار كبيرة؛ فإنه يزداد إقداما على فعل السبب وإتقانا له، أو يخاف من السبب؛ فلا يدخل فيه، إلا أنه في الأول من طريق أنه سن سنة اتبعه فيها غيره، فوزر فعل غيره لاحق له؛ فالشر الكثير ليس من فعله مباشرة، أما هنا؛ فإن فعله مما يترتب عليه فساد كبير في الأرض أو خير كثير من إقامة العدل، إذا كان حاكما مثلا وإن لم يكن اقتدى به غيره فيه؛ فهذا نوع آخر من النظر إلى المسبب غاير الأول باعتبار تنوع آثار المسبب. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "الفاشي"، والتصحيح من الأصل و"ط". 3 الختر: الغدر، وفي حاشية الأصل: "الغدر والخديعة أو أقبح الغدر". 4 يشير المصنف إلى ما أخرجه مالك في "الموطأ" "1/ 362-363/ رقم 927- رواية أبي مصعب، و1/ 460- رواية يحيى" عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن ابن عباس؛ قال: "ما ظهر =

..........................................................................

_ = الغلول في قوم قط؛ إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم قط؛ إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان؛ إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق؛ إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد؛ إلا سلط الله عليهم العدو". قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "14/ 211": "وقد روينا هذا الحديث عن ابن عباس متصلا"، وقال قبل ذلك: "مثل هذا لا يكون إلا توقيفا؛ لأن مثله لا يروى بالرأي". ثم أخرجه "14/ 212" متصلا عن ابن عباس قوله مختصرا، وقال: "حديث مالك أتم، وكلها تقضي القول بها والمشاهدة بصحتها". قلت: قوله "كلها"؛ أي: شواهده، وقد ساق له شاهدا من حديث ابن عمر مرفوعا، وآخر عن بريدة مرفوعا أيضا. أما حديث ابن عمر؛ فقد أخرجه ابن ماجه في "السنن" "رقم 4019"، وأبو نعيم في "الحلية" "8/ 333-334" من طريق ابن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عنه مرفوعا بلفظ: "يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن؛ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان؛ إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله؛ إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم, فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم". وإسناده ضعيف، فيه ابن أبي مالك، وهو: خالد بن يزيد بن عبد الرحمن، ضعيف، واتهمه ابن معين، وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه": "هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلفوا في ابن أبي مالك وأبيه"، وتعقبه شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" "رقم 106"؛ فقال: "قلت: الأب لا بأس به، وإنما العلة من ابنه". وبه أعله ابن حجر في "بذل الماعون" "ص210". وأخرجه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" "ق 62/ ب"، وابن عبد البر في "التمهيد" "14/ 211-212" من طريق نافع بن عبد الله عن فروة بن قيس المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر نحوه مرفوعا، وإسناده ضعيف، نافع وفروة لا يعرفان. =

.........................................................................

_ = وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "4/ 540" من طريق حفص بن غيلان عن عطاء به، وإسناده حسن، ابن غيلان وثقه الجمهور، وضعفه بعضهم. وأخرجه الروياني في "مسنده" "ق 247/ أ" عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عمر مرفوعا. وإسناده ضعيف، عطاء هو ابن أبي مسلم الخراساني، صدوق، لكنه مدلس، وقد عنعن، وابنه عثمان ضعيف. وأما حديث بريدة، فقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" "2/ 126"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 346"، وابن عبد البر في "التمهيد" "14/ 212"، وابن حجر في "بذل الماعون" "ص211-212" عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعا مختصرا بلفظ: "ما نقض قوم العهد قط؛ إلا كان القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة في قوم قط؛ إلا سلط الله -عز وجل- عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة؛ إلا حبس الله عنهم القطر ". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وبشير تكلم فيه، وقد خولف؛ فقال البيهقي عقبه: "كذا ورواه بشير بن المهاجر"، ثم ساقه بإسناده من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن ابن عباس قوله، وإسناده صحيح. وعد ابن حجر في "بذل الماعون" "ص212" طريق بشير -وعزاها لأبي يعلى- أصح طرق هذا الحديث، ثم قال: "وله علة غير قادحة". ثم ساق طريق ابن واقد، وقال: "ويحتمل أن يكونا محفوظين، وإلا؛ فهذه الطريق أرجح، لاحتمال أن يكون بشير بن المهاجر سلك الجادة". قلت: وتابع بشيرا على رفعه وجعله من "مسند بريدة": الفضيل بن غزوان، كما عند الطبراني في "الأوسط" -كما في "مجمع البحرين" "1/ ق 122/ أ"- وتمام في "الفوائد" "رقم 519- ترتيبه" بإسناد رواته ثقات؛ كما قال المنذري في "الترغيب" "1/ 543"، والهيثمي في "المجمع" "3/ 66"، وكان ابن حجر قد أشار أن له شاهدا عند الطبراني من حديث عمرو بن العاص، وعند تمام في "الفوائد" "رقم 520" عن ابن عباس مرفوعا، وهو منكر جدا، كما في "الميزان" "4/ 165"، و"اللسان" "6/ 79". والخلاصة: الحديث صحيح، وصححه شيخنا الألباني في "الصحيحة" "رقم 106، 107".

هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَسَبَّبُ عَنْهَا أَضْدَادُ مُسَبَّبَاتِهَا. فَإِذَا نَظَرَ الْعَامِلُ فِيمَا يَتَسَبَّبُ عَنْ عَمَلِهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ أَوِ الشُّرُورِ؛ اجْتَهَدَ فِي اجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ وَامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ، رَجَاءً فِي اللَّهِ وَخَوْفًا مِنْهُ، وَلِهَذَا جَاءَ الْإِخْبَارُ فِي الشَّرِيعَةِ بِجَزَاءِ الْأَعْمَالِ، وَبِمُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَالْفَوَائِدُ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ كَثِيرَةٌ. فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ: تَقَرَّرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُسَبَّبَاتِ يَسْتَجْلِبُ مَفَاسِدَ، وَالْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى الْمُسَبَّبِ فِي التَّسَبُّبِ، وَتَبَيَّنَ الْآنَ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمُسَبَّبَاتِ يَسْتَجِرُّ مَصَالِحَ، وَالْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ كَانَ تَنَاقُضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَوْضِعِ الِالْتِفَاتِ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَصَالِحَ، مِنَ الِالْتِفَاتِ الَّذِي يَجُرُّ الْمَفَاسِدَ، بِعَلَامَةٍ يُوقَفُ عِنْدَهَا، أَوْ ضَابِطٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ1، وَلَكِنَّ ضَابِطَهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمُسَبَّبِ مِنْ شَأْنِهِ التَّقْوِيَةُ لِلسَّبَبِ، وَالتَّكْمِلَةُ لَهُ، وَالتَّحْرِيضُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِكْمَالِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَصْلَحَةَ2، وإن كان

_ 1 أي: في تفاصيل المسائل والفصول السابقة؛ لأنه بين النظر في المسبب بالاعتبار الذي يجر إلى المفاسد، وبالاعتبار الذي يجر إلى المصالح. "د". 2 من مواضع الالتفات إلى المسبب مقام الدعوة إلى الأسباب؛ فإن الحكمة تقتضي بيان ما ينتج عنها من أثر نافع وعاقبة حميدة، فلو بذل رئيس القوم وسعه في اتخاذ وسائل المنعة ومظاهر القوة امتثالا لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ، غير ملتفت إلى ما يتصل بها من عزة الجانب والتقلب في نعمة الاستقلال؛ لأدى الواجب بإخلاص فائق، فإن أخذ يدعو الناس على القيام بهذه الوسائل؛ فلا غنى له عن إرسال نظره إلى ما ينتج عن إقامتها من عز وسعادة، ثم إلى ما يحدث عن إضاعتها من النزول إلى درك الخزي والشقاء. "خ".

مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُرَّ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِبْطَالِ، أَوْ بِالْإِضْعَافِ، أَوْ بِالتَّهَاوُنِ بِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَفْسَدَةَ. وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَوِّي السَّبَبَ أَوْ يُضْعِفُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ زَمَانٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ حَالٍ يَكُونُ عَلَيْهَا الْمُكَلَّفُ. وَالثَّانِي: مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ لَا بِإِطْلَاقٍ، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ دُونَ بَعْضٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَكُونُ فِي التَّقْوِيَةِ أَوِ التَّضْعِيفِ مَقْطُوعًا بِهِ. وَالثَّانِي: مَظْنُونًا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ؛ فَيَكُونُ مَوْضِعَ نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ؛ فَيُحْكَمُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ، وَيُوقَفُ عِنْدَ تَعَارُضِ الظُّنُونِ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُجْمَلَةٌ غَيْرُ مُفَسَّرَةٍ، وَلَكِنْ إِذَا رُوجِعَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا يَأْتِي؛ ظَهَرَ مَغْزَاهُ، وَتَبَيَّنَ مَعْنَاهُ بِحَوْلِ اللَّهِ. وَيَخْرُجُ عَنْ هَذَا التَّقْسِيمِ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِينَ, فَإِنَّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا لِمَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْسِيمِ رَاجِعٌ إِلَى أَصْحَابِ الْأَعْمَالِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

فَصْلٌ: وَقَدْ يَتَعَارَضُ الْأَصْلَانِ مَعًا عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ؛ فَيَمِيلُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ: فَقَدْ1 قَالُوا فِي السَّكْرَانِ إِذَا طَلَّقَ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ أَوِ الْقِصَاصُ: عُومِلَ مُعَامَلَةَ مَنْ فَعَلَهَا عَاقِلًا، اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ الثَّانِي2، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِأَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ الْأَوَّلِ، عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٍ فِي الْفِقْهِ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَرَخُّصِ3 الْعَاصِي بِسَفَرِهِ، بِنَاءً عَلَى الْأَصْلَيْنِ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ4، وفي قطع التتابع5 بالسفر

_ 1 في "م": "وقد". 2 وهو اعتبار المسببات في الخطاب بالأسباب، وهو المذكور في صدر هذه المسألة، والأصل الأول هو أن المسببات غير مقدورة للمكلف، ولا هو مخاطب بها، وأيضا الأصل القائل: إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب وهي المسألة الثامنة يتعارض مع ظاهر الأصل الأول على المجتهد. "د". 3 أي: فاعتبار المسبب مرتبا على السبب آخذا حكمه يقتضي ألا رخصة، وإذا اعتبر المسبب منفصلا عن السبب؛ فمنع تحقق السفر المدة المشترطة يرخص له؛ لأنه مسافر وعصيانه في قصده السفر؛ أي: عصيانه بالتسبب لا أثر في الترخص. "د". 4 أي: فإذا اعتبر أنه صائم بالفعل وقد أبطل عمله؛ فيجب عليه القضاء بقطع النظر عن كون تسببه والدخول فيه لم يكن واجبا؛ لأنا لا نعتبر المسبب مرتبا على السبب حتى يأخذ حكمه، وإذا اعتبر ذلك؛ فقد كان التسبب غير واجب، فيبقى المسبب كذلك؛ فلا يجب القضاء. "د". 5 حيث كان مسافرا بدون ضرورة ولكن طرأت عليه ضرورة تلجئه للفطر؛ فهل تعتبر الضرورة ولا ينقطع التتابع؟ لأن المسبب له شأن آخر غير شأن السبب؛ فيعتبر منفصلا في أحكامه عن السبب، أو أن له حكمه، وقد كان مسافرا بدون عذر، فينجر عليه حكمه ولا يعتبر عذره الذي طرأ، فينقطع التتابع. "د".

الِاخْتِيَارِيِّ إِذَا عَرَضَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ أَفْطَرَ مِنْ أَجْلِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ1 إِذَا اضْطُرَّ بِسَبَبِ السَّفَرِ الَّذِي عَصَى بِسَبَبِهِ، وَعَلَيْهِمَا يَجْرِي الْخِلَافُ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذَا بَيْنَ أَبِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِ، فِيمَنْ تَوَسَّطَ2 أَرْضًا مَغْصُوبَةً. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْأَسْبَابُ الْمَمْنُوعَةُ أَسْبَابٌ لِلْمَفَاسِدِ لَا لِلْمَصَالِحِ، كَمَا أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمَشْرُوعَةَ أَسْبَابٌ لِلْمَصَالِحِ لَا لِلْمَفَاسِدِ. مِثَالُ ذَلِكَ3: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَإِخْمَادِ الْبَاطِلِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلَيْسَ بِسَبَبٍ -فِي الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ- لِإِتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ، وَلَا نَيْلٍ مِنْ عِرْضٍ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ مَوْضُوعٌ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى مَفْسَدَةٍ فِي الْمَالِ أَوِ النَّفْسِ، وَدَفْعُ الْمُحَارِبِ مَشْرُوعٌ لِرَفْعِ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ، وَالطَّلَبُ بِالزَّكَاةِ مَشْرُوعٌ لِإِقَامَةِ ذَلِكَ الرُّكْنِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْقِتَالِ، كَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصُ مَشْرُوعٌ لِمَصْلَحَةِ الزَّجْرِ عَنِ الْفَسَادِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى إِتْلَافِ النُّفُوسِ، وَإِهْرَاقِ الدِّمَاءِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَفْسَدَةٌ، وَإِقْرَارُ حُكْمِ الْحَاكِمِ4 مَشْرُوعٌ لِمَصْلَحَةِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَإِنْ أدى إلى

_ 1 على النحو الذي قررناه في ترخص العاصي بسفره. "د". 2 فإذا قلنا: يعتبر المسبب وحده بقطع النظر عن السبب؛ فلا إثم عليه بالخروج عن الأرض، وإن قلنا: إن السبب ملاحظ فيه، وقد تسبب؛ فالإثم باقٍ حتى يخرج. "د". 3 انظر حول المثال المذكور: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "28/ 126، 129-134، 165-168". 4 أي: عدم نقضه، ولو كان خطأ؛ فلا ينقض إلا إذا خالف إجماعا أو نصا, أو خالف القواعد الشرعية. "د".

الْحُكْمِ بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، هَذَا فِي الْأَسْبَابِ المشروعة. وأما في الأسباب1 الممنوعة؛ كالأنكحة2 الْفَاسِدَةُ مَمْنُوعَةٌ، وَإِنْ أَدَّتْ إِلَى إِلْحَاقِ الْوَلَدِ، وَثُبُوتِ الْمِيرَاثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ مَصَالِحُ3، وَالْغَصْبُ مَمْنُوعٌ لِلْمَفْسَدَةِ اللَّاحِقَةِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ4، وَإِنْ أَدَّى إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُلْكِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْفَوْتِ. فَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ النَّاشِئَةَ عَنِ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ، [وَالْمَصَالِحَ النَّاشِئَةَ عَنِ الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوعَةِ] 5 لَيْسَتْ بِنَاشِئَةٍ عَنْهَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ نَاشِئَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ مُنَاسِبَةٍ لَهَا6. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهَا7 إِذَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً؛ فَإِمَّا أَنْ تُشْرَعَ لِلْمَصَالِحِ، أَوْ لِلْمَفَاسِدِ، أَوْ لَهُمَا مَعًا، أَوْ لِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُشْرَعَ لِلْمَفَاسِدِ لِأَنَّ السَّمْعَ يَأْبَى ذَلِكَ، فَقَدْ ثبت الدليل الشرعي على أن [تلك] 8

_ 1 في "ط": "وكذلك الأسباب ... ". 2 في النسخ المطبوعة: "فالأنكحة". 3 أي: هذه المسببات التي أدت إليها الأسباب الممنوعة هي في الحقيقة مصالح، والمراد بالمصالح ما يعتد به الشارع؛ فيبني عليه الحكم الشرعي المترتب على الصحيح من نوعه؛ كالملك في الغصب يرتب عليه أثره من صحة تصرفات المالك، وكميراث الولد الملحق بالنكاح الفاسد، وكالأحكام الأخرى للأولاد من ولايات ومن حقوق الأولاد على آبائهم وحقوق آبائهم عليهم، وهكذا؛ فلا يقال: كيف يعتبر انتقال الملك من المغصوب إلى الغاصب مصلحه مع أنه عين المفسدة بعدم استقرار ملك المالكين وخروجه من أيديهم بطرق غير مشروعة؟ "د". 4 بل ومفسدة في الأرض من حيث عدم استقرار الأملاك والتعدي المترتب عليه مفاسد اجتماعية عظمى. "د". 5 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 6 أي: حدثت لاحقة لها وجاءت تبعا. "د". 7 أي: الأسباب مطلقا. "د". 8 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط".

الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا جِيءَ بِالْأَوَامِرِ فِيهَا جَلْبًا لِلْمَصَالِحِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الْعُقُولِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي السَّمْعِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُشْرَعَ لَهُمَا مَعًا بِعَيْنِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَلَا لِغَيْرِ شَيْءٍ لِمَا ثَبَتَ مِنَ السَّمْعِ أَيْضًا1؛ فَظَهَرَ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِلْمَصَالِحِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَمِرُّ فِيمَا مُنِعَ؛ إِمَّا أَنْ يُمْنَعَ لِأَنَّ فِعْلَهُ مؤدٍّ إِلَى مَفْسَدَةٍ، أَوْ إِلَى مَصْلَحَةٍ، أَوْ إِلَيْهِمَا، أَوْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، وَالدَّلِيلُ جارٍ إلى آخره؛ فإذًا لا سبب مشروعا إِلَّا وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِأَجْلِهَا شُرِعَ، فَإِنْ رَأَيْتَهُ وَقَدِ انْبَنَى عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ؛ فَاعْلَمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَاشِئَةٍ عَنِ السَّبَبِ الْمَشْرُوعِ. وَأَيْضًا؛ فَلَا سَبَبَ ممنوعا إِلَّا وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ لِأَجْلِهَا مُنِعَ، فَإِنْ رَأَيْتَهُ وَقَدِ انْبَنَى عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ؛ فَاعْلَمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَاشِئَةٍ عَنِ السَّبَبِ الْمَمْنُوعِ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ إِنْ كَانَ مَشْرُوعًا، وَمَا مُنِعَ لِأَجْلِهِ إِنْ كَانَ مَمْنُوعًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مَثَلًا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشَّارِعُ إِتْلَافَ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يَتْبَعُ السَّبَبَ الْمَشْرُوعَ لِرَفْعِ الْحَقِّ وَإِخْمَادِ الْبَاطِلِ؛ كَالْجِهَادِ لَيْسَ مَقْصُودُهُ إِتْلَافَ النُّفُوسِ، بَلْ إِعْلَاءَ الْكَلِمَةِ، لَكِنْ يَتْبَعُهُ فِي الطَّرِيقِ الْإِتْلَافُ مِنْ جِهَةِ نَصْبِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ فِي مَحَلٍّ يَقْتَضِي تَنَازُعَ الْفَرِيقَيْنِ، وَشَهْرَ السِّلَاحِ، وَتَنَاوُلَ الْقِتَالِ، وَالْحُدُودُ وَأَشْبَاهُهَا يَتْبَعُ الْمَصْلَحَةَ فِيهَا الْإِتْلَافُ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْمَصْلَحَةِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ سَبَبٌ لرفع2 التَّشَاجُرِ، وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ؛ حَتَّى تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ ظَاهِرَةً، وَكَوْنُ الْحَاكِمِ مُخْطِئًا رَاجِعٌ إِلَى أَسْبَابٍ أُخَرَ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي النَّظَرِ، أَوْ كون

_ 1 أي: من أن التكاليف لم تكن عبثا. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "لدفع"، وما أثبتناه من الأصل و"ط".

الظَّاهِرِ عَلَى خِلَافِ الْبَاطِنِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ1 فِي أَمْرِ الْحَاكِمِ، وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ2 -إِذَا كَانَ لَهُ مَسَاغٌ مَا- بِسَبَبِ أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْفَسْخَ يُؤَدِّي إِلَى ضِدِّ مَا نُصِبَ لَهُ الْحَاكِمُ، مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَرَفْعِ التَّشَاجُرِ؛ فَإِنَّ الْفَسْخَ ضِدُّ3 الْفَصْلِ. وَأَمَّا قِسْمُ الْمَمْنُوعِ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ إِنَّمَا نَشَأَ مِنَ الْحُكْمِ بِالتَّصْحِيحِ لِذَلِكَ النِّكَاحِ بَعْدَ الْوُقُوعِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ فَاسِدًا، حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ4، وَالْبُيُوعُ الْفَاسِدَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ؛ لِأَنَّ لِلْيَدِ الْقَابِضَةِ هَنَا حُكْمَ الضَّمَانِ شَرْعًا، فَصَارَ الْقَابِضُ كَالْمَالِكِ لِلسِّلْعَةِ بِسَبَبِ الضَّمَانِ لَا بِسَبَبِ الْعَقْدِ، فَإِذَا فَاتَتْ عَيْنُهَا؛ تَعَيَّنَ الْمِثْلُ أَوِ الْقِيمَةُ، وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى غَيْرِ تَغَيُّرٍ وَلَا وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْفَوْتِ؛ فَالْوَاجِبُ مَا يَقْتَضِيهِ النَّهْيُ مِنَ الْفَسَادِ، فَإِذَا حَصَلَ فِيهَا تَغَيُّرٌ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا لَيْسَ بِمُفِيتٍ لِلْعَيْنِ؛ تَوَارَدَتْ أَنْظَارُ الْمُجْتَهِدِينَ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْفَوْتِ جُمْلَةً بِسَبَبِ التَّغَيُّرِ أَمْ لَا؟ فَبَقِيَ حُكْمُ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ حَمْلًا عَلَى صَاحِبِ السِّلْعَةِ إِذَا ردت عليه متغيرة5 مثلا، كما

_ 1 أي: وليس بمقصود في توليته الحكم أن يخطئ، ولكن الخطأ جاء تابعا ولاحقا، وهو مفسدة ليست بناشئة عن نفس توليته القضاء، ولكنها نشأت عن أمر آخر وهو تقصيره في النظر أو استبهام الأمر عليه، فقد يصادفه أن ظاهر الأمر الذي يمكنه الاطلاع عليه غير باطنه الذي يعسر الاطلاع عليه؛ فلا يكلف به. "د". 2 هذه فائدة جديدة لا يتوقف عليها البيان المطلوب، وهو أن المصلحة التي شرع لها تنصيب القاضي قد يكون في طريقها مفسدة طرأت بسبب آخر. "د". 3 في "م" زيادة: "هذا" بين المعقوفتين. 4 وسيأتي في موضوع مراعاة الخلاف بعد الوقوع والنزول؛ حتى إن المجتهد يتغير رأيه ويجعل للواقعة بعد النزول حكما ما كان يقول به قبله. "د". 5 أي: بنقص، أما بزيادة؛ فيكون الحمل -لو ردت- على المشتري من هذه الجهة، ومن الجهة التي أشار إليها المؤلف. "د". قلت: وفي الأصل: "ردت إليه متغيرة".

أَنَّ فِيهَا حَمْلًا عَلَى الْمُشْتَرِي، حَيْثُ أَعْطَى ثَمَنًا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَا تعنَّى فِيهِ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْمَبِيعِ؛ فَكَانَ الْعَدْلُ النَّظَرَ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ، فَاعْتُبِرَ فِي الْفَوْتِ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ، وَالتَّغَيُّرُ الَّذِي لَمْ يَفُتِ الْعَيْنَ، وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ عَدَمَ الْفَسْخِ، وَتَسْلِيطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الِانْتِفَاعِ؛ لَيْسَ سَبَبُهُ الْعَقْدَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، بَلِ الطَّوَارِئَ الْمُتَرَتِّبَةَ بَعْدَهُ. وَالْغَصْبُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ أَيْضًا, فَإِنَّ عَلَى الْيَدِ الْعَادِيَةِ حُكْمَ الضَّمَانِ شَرْعًا1، وَالضَّمَانُ2 يَسْتَلْزِمُ تَعَيُّنَ الْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ فِي الذِّمَّةِ؛ فَاسْتَوَى فِي هَذَا الْمَعْنَى مَعَ الْمَالِكِ بِوَجْهٍ مَا، فَصَارَ لَهُ بِذَلِكَ شُبْهَةُ مِلْكٍ، فَإِذَا حَدَثَ فِي الْمَغْصُوبِ حَادِثٌ تَبْقَى مَعَهُ الْعَيْنُ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ صَارَ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ، نَظَرًا إِلَى حَقِّ صَاحِبِ الْمَغْصُوبِ، وَإِلَى الْغَاصِبِ؛ إِذْ لَا يَجْنِي عَلَيْهِ غَصْبُهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي الْغُرْمِ عُقُوبَةً3 لَهُ، كَمَا أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ لَا يُظْلَمُ بِنَقْصِ حَقِّهِ؛ فَكَانَ فِي

_ 1 أسباب الضمان ثلاثة: الإتلاف، والتسبب، ووضع اليد غير المؤتمنة، وقد جعل بعض الفقهاء الغاصب ضامنا للرقبة دون الغلة مستندا إلى حديث: "قضى أن الخراج بالضمان"، وهذا الحديث قضية معينة لا يلحق بها إلا ما ماثلها من الصور، ولا وجه في النظر الصحيح يقضي باستواء المبطل والمحق، كما أن تضمينه الرقبة بأرفع القيم أقرب إلى العدل من تضمينه قيمتها يوم الغصب فقط؛ إذ هو مأمور بإرجاعها إلى صاحبها في كل الأحوال ومن جملتها ارتفاع قيمتها إلى غايتها القصوى. "خ". 2 في الأصل زيادة: "لا". 3 لا يظهر فيما إذا كان التغير بارتفاع الأسواق، ولا في كل ما كانت زيادتها لا ترجع إلى تكاليفه أو صنعه، بل كان ناشئا عن حالتها هي بأن كانت عشراء فولدت مثلا، فيزيد ثمنها كثيرا، فهذا وأمثاله لا يظهر أن يقال فيه: إنه تغير يعتد به مفوتا، ويلزم الغاصب بخصوص القيمة يوم الغصب؛ لأن هذا حمل على خصوص صاحبها، ولذلك جرى الخلاف في مثله. "د".

ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ بَيْنَ هَذَيْنِ؛ فَالسَّبَبُ فِي تَمَلُّكِ الْغَاصِبِ الْمَغْصُوبَ لَيْسَ نَفْسَ الْغَصْبِ، بَلِ التَّضْمِينَ أَوَّلًا، مُنْضَمًّا إِلَى مَا حَدَثَ بَعْدُ فِي الْمَغْصُوبِ؛ فَعَلَى هَذَا النَّوْعِ أَوْ شَبَهِهِ يَجْرِي النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمَشْرُوعَةَ لَا تَكُونُ أَسْبَابًا لِلْمَفَاسِدِ، وَالْأَسْبَابَ الْمَمْنُوعَةَ لَا تَكُونُ أَسْبَابًا لِلْمَصَالِحِ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِحَالٍ. فَصْلٌ: وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يُفْهَمُ حُكْمُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. فَفِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَقْضِيَ فُلَانًا حَقَّهُ إِلَى زَمَانِ كَذَا، ثُمَّ خَافَ الْحِنْثَ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ، فَخَالَعَ1 زَوْجَتَهُ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ وَوَقَعَ الْحِنْثُ وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، ثُمَّ رَاجَعَهَا؛ أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ مَذْمُومًا وَفِعْلُهُ مَذْمُومًا؛ لِأَنَّهُ احْتَالَ بِحِيلَةٍ أَبْطَلَتْ حَقًّا، فَكَانَتِ الْمُخَالَعَةُ1 مَمْنُوعَةً وَإِنْ أَثْمَرَتْ عَدَمَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْحِنْثِ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الْمُخَالَعَةِ، بَلْ بِسَبَبِ أَنَّهُ حَنِثَ وَلَا زَوْجَةَ لَهُ فَلَمْ يُصَادِفِ الْحِنْثُ مَحَلًّا. وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ فِيمَنْ قَصَدَ بِسَفَرِهِ التَّرَخُّصَ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَإِنْ كُرِهَ لَهُ هَذَا الْقَصْدُ؛ لِأَنَّ فِطْرَهُ بِسَبَبِ الْمَشَقَّةِ اللَّازِمَةِ لِلسَّفَرِ، لَا بِسَبَبِ نَفْسِ السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ، وَإِنْ عَلَّلَ الْفِطْرَ بِالسَّفَرِ؛ فَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَشَقَّةِ لَا لِنَفْسِ السَّفَرِ، وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي كُرِهَ لَهُ السَّفَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ كَسْبِهِ، وَالْمَشَقَّةُ خَارِجَةٌ عَنْ كَسْبِهِ؛ فَلَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ هِيَ عَيْنَ الْمَكْرُوهِ لَهُ, بَلْ سببها، والمسبب هو السبب في الفطر.

_ 1 في "ط": "فصالح، المصالحة".

فَأَمَّا لَوْ فَرَضْنَا1 أَنَّ السَّبَبَ الْمَمْنُوعَ لَمْ يُثْمِرْ مَا يَنْهَضُ سَبَبًا لِمَصْلَحَةٍ، أَوِ السَّبَبَ الْمَشْرُوعَ لَمْ يُثْمِرْ مَا يَنْهَضُ سَبَبًا لِمَفْسَدَةٍ؛ فَلَا يَكُونُ عَنِ الْمَشْرُوعِ مَفْسَدَةٌ تُقْصَدُ شَرْعًا؛ وَلَا عَنِ الْمَمْنُوعِ2 مَصْلَحَةٌ تُقْصَدُ شَرْعًا، وَذَلِكَ كَحِيَلِ3 أَهْلِ العِينة فِي جَعْلِ السِّلْعَةِ وَاسِطَةً فِي بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارَيْنِ إِلَى أَجَلٍ4؛ فَهُنَا طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ: طَرَفٌ لَمْ يَتَضَمَّنْ سَبَبًا ثَابِتًا عَلَى حَالٍ؛ كَالْحِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَطَرَفٌ تَضَمَّنَ سَبَبًا قَطْعًا أَوْ ظَنًّا؛ كَتَغْيِيرِ الْمَغْصُوبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَيُمَلَّكُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَعْلُومِ، وَوَاسِطَةٌ لَمْ ينتفِ فِيهَا السَّبَبُ أَلْبَتَّةَ، وَلَا ثَبَتَ قَطْعًا5؛ فهو محل أنظار المجتهدين.

_ 1 أي: فالأمثلة المتقدمة جميعها مثمرة لذلك. "د". 2 في "د": "المنوع" بنقصان ميم. 3 فالحيلة مدخول فيها على أنها عقدة واحدة في صورة عقدتين؛ فليس هناك شيئان أحدهما يعتبر سببا ممنوعا أنتج مسببا هو سبب في مصلحة يعتد بها، بخلاف سائر الأمثلة السابقة؛ فتأمل. "د". 4 استدل المالكية والحنفية والحنابلة على تحريم بيع العِينة بأحاديث لم تكن لها القوة الكافية في الاحتجاج، ولكن أيدوها من جهة النظر بأنها عقدة ربا، وإنما استعير لها اسم البيع وألقي عليها ثوب المعاملة الجائزة، ولا عبرة بالصورة ما دامت الحقيقة التي تترتب عليها المفسدة قائمة، ومدرك الشافعية في إجازتها أنها تشتمل على عقدين, كل منهما منفصل عن الآخر، والتفاوت بين الثمنين في العقدين لا أثر له، وهي وإن كانت وسيلة إلى ما يقصد من الربا وهو الفضل؛ لم تكن وسيلة إلى عين الربا الذي هو مقابلة الدينار بالدينارين مباشرة، كما أن النكاح وسيلة إلى ما يقصد بالزنى وهو التلذذ بالوطء؛ لا إلى نفس الزنى الذي هو التلذذ على وجه غير مشروع. "خ". قلت: أحاديث تحريم بيع العينة صحيحة، وسيأتي تخريج ذلك "3/ 114". 5 يحسن مراعاة الظن أيضا ليتقابل مع سابقه الذي اعتبره فيه؛ حتى تصح المقابلة. "د".

فَصْلٌ: هَذَا كُلُّهُ إِذَا نَظَرْنَا1 إِلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ بِهَذَا الْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ، فَإِنْ تُؤُملت مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ كَانَ الْحُكْمُ آخَرَ، وَتَرَدَّدَ النَّاظِرُونَ2 فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَحَلًّا لِلتَّرَدُّدِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ إِيقَاعَ الْمُكَلَّفِ الْأَسْبَابَ فِي حُكْمِ إِيقَاعِ الْمُسَبَّبَاتِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ اقْتَضَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ فِي حُكْمِ الْوَاقِعِ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا شَرْعِيًّا، فَلَا يَقَعُ لَهُ مُقْتَضًى؛ فَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ كَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ3 بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ سَبَبِهِ، وَالْمُحْتَالُ للحِنْث بِمُخَالَعَةِ امْرَأَتِهِ لَا يُخَلِّصُهُ احْتِيَالُهُ مِنَ الْحِنْثِ، بَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ إِذَا رَاجَعَهَا، وَكَذَلِكَ الْمُحْتَالُ لِمُرَاجَعَةِ زَوْجَتِهِ بِنِكَاحِ المحلل، وما أشبه ذلك؛ فههنا إِذَا رُوجِعَ الْأَصْلَانِ كَانَتِ الْمَسَائِلُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَصْلٌ قَالَ بِمُقْتَضَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: 4 مَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْأَصْلِ نَظَرٌ فِي مُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابِ مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْأَسْبَابُ مَشْرُوعَةً أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ؛ أَيْ: مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ نَظَرِ الشَّرْعِ، لَا مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ أَسْبَابٌ عادية لمسببات عادية؛ فإنها إذا نظر إليها من

_ 1 في "م" و"خ": "نظر". 2 في "م": "الناظر". 3 في "د": "واقعلة" بزيادة لام. 4 يقصد به إيضاحا للأصل السابق في المسألة، ويدفع به ما يقال: كيف لا تكون الأسباب الممنوعة سببا للمصالح، والعاقل لا يفعلها إلا وهي سبب في مصالحه وأغراضه؟ ومحصله أنه ليس المراد بالمصلحة ما هي ملائمة لطبعه أو منافرة، بل ما يعتد بها الشارع ويرتب عليها مقتضياتها. "د".

هَذَا الْوَجْهِ؛ كَانَ النَّظَرُ فِيهَا آخَرَ؛ فَإِنَّ قَصْدَ التَّشَفِّي بِقَصْدِ1 الْقَتْلِ مُتَسَبِّبٌ فِيمَا هُوَ عِنْدَهُ مَصْلَحَةٌ أَوْ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ, وَكَذَلِكَ تَارِكُ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ إِنَّمَا تَرَكَهَا فِرَارًا مِنْ إِتْعَابِ النَّفْسِ، وَقَصْدًا إِلَى الدَّعة وَالرَّاحَةِ بِتَرْكِهَا؛ فَهُوَ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِإِطْلَاقٍ، أَوْ تَارِكٌ بِإِطْلَاقٍ، مُتَسَبِّبٌ فِي دَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ لَهَا، كَمَا كَانَ النَّاسُ فِي أَزْمَانِ الْفَتْرَاتِ، وَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ هُنَا هي المعتبرة بملاءمة الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ؛ فَلَا كَلَامَ هُنَا فِي مِثْلِ هَذَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْأَسْبَابُ -مِنْ حَيْثُ هِيَ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ لِمُسَبَّبَاتٍ- إِنَّمَا شُرِعَتْ لِتَحْصِيلِ مُسَبَّبَاتِهَا، وَهِيَ الْمَصَالِحُ الْمُجْتَلَبَةُ، أَوِ الْمَفَاسِدُ الْمُسْتَدْفَعَةُ. وَالْمُسَبَّبَاتُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَسْبَابِهَا ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا شُرِعَتِ الْأَسْبَابُ2 لَهَا؛ إِمَّا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ3، وَهِيَ مُتَعَلِّقُ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ4 أَوِ الْمَقَاصِدِ5 الأُوَل أَيْضًا، وَإِمَّا بِالْقَصْدِ الثَّانِي وَهِيَ مُتَعَلِّقُ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ6، وكلا الضربين مبين في كتاب "المقاصد".

_ 1 في الأصل: "بسبب". 2 أي: علما أو ظنا بدليل مقابليه، وما جاء له في بيانه لهذا القسم. "د". 3 قصد الشارع في الأمور من جلب المصالح ودفع المفاسد. "ماء". 4 سيأتي أنها ما لم يكن فيها حظ للمكلف بالقصد الأول، وأنها هي الواجبات العينية والكفائية، ومقابلها ما كان فيه حظ للمكلف ولم يؤكد الشارع في طلبها إحالة على ما جبل عليه طباعه من سد الخلات ونيل الشهوات، وبيانه في المسألة الثانية من النوع الرابع من المقاصد الشرعية. "د". 5 مغايرة في العبارة. "د". 6 وهو قصد أحدنا لما قصد الشارع ... وهو تابع للقصد الأول. "ماء".

وَالثَّانِي: مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ الْأَسْبَابَ لَمْ تُشْرَعْ لَهَا، أَوْ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنُّ أَنَّهَا شُرِعَتْ لَهَا، أَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَهَا؛ فَتَجِيءُ الْأَقْسَامُ ثَلَاثَةً: أَحَدُهَا: مَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ السَّبَبَ شُرِعَ لِأَجْلِهِ؛ فَتَسَبُّبُ الْمُتَسَبِّبِ فِيهِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ أَتَى الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِمَا أَذِنَ الشَّارِعُ فِي التَّوَسُّلِ بِهِ إِلَى مَا أَذِنَ أَيْضًا فِي التَّوَسُّلِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّا1 فَرَضْنَا أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ مَثَلًا التَّنَاسُلَ أَوَّلًا2، ثُمَّ يَتْبَعُهُ اتِّخَاذُ السَّكَنِ، وَمُصَاهَرَةُ أَهْلِ الْمَرْأَةِ لِشَرَفِهِمْ أَوْ دِينِهِمْ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوِ الْخِدْمَةِ، أَوِ الْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِهِ، أَوِ التَّمَتُّعِ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ النِّسَاءِ، أَوِ التَّجَمُّلِ بِمَالِ الْمَرْأَةِ، أَوِ الرَّغْبَةِ فِي جَمَالِهَا، أَوِ الْغِبْطَةِ بِدِينِهَا، أَوِ التَّعَفُّفِ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ, أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَسْبَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ؛ فَصَارَ إِذًا مَا قَصَدَهُ هَذَا الْمُتَسَبِّبُ مَقْصُودَ الشَّارِعِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهَذَا كَافٍ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" أَنَّ الْقَصْدَ الْمُطَابِقَ لِقَصْدِ الشَّارِعِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِ هَذَا التَّسَبُّبِ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الْقَصْدَ إِلَى الِانْتِفَاعِ مُجَرَّدًا لَا يُغْنِي دُونَ قَصْدِ حِلِّ الْبُضْعِ بِالْعَقْدِ أَوَّلًا؛ فَإِنَّهُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَصْدُ، وَالشَّارِعُ إِنَّمَا قَصْدُهُ بِالْعَقْدِ أولا

_ 1 لعله سقط هنا كلمة "إذا"، وبعد قوله: "دلت عليه الشريعة" سقطت هذه الجملة: "وقصد الشخص المتسبب بالنكاح التناسل وحده أو هو مع بعض المنافع المذكورة، أو مجرد بعض المنافع غير التناسل" صار إذا ... إلخ، وبهذا يلتئم الكلام. "د". 2 فالتناسل مقصد أصلي, كما في الحديث: "تزوجوا الوَلُود الوَدُود؛ فإني مكاثر بكم الأمم"؛ فجاء بصيغة الأمر على طريقة ما لم يكن من حظ المكلف كما يأتي شرحه في كتاب "المقاصد"، وبقيتها تبع، فالسكن كما في آية {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} والمال والجمال ... إلخ كما في الحديث: "تنكح المرأة لأربع خصال: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها"، والقيام على المصالح كما في حديث جابر بن عبد الله في تزوجه المرأة الثيب للقيام على مصالح أخواته، وهكذا الباقي؛ فكلها مقاصد للنكاح أقرها الشرع. "د".

الْحِلُّ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ، فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا مُجَرَّدَ الِانْتِفَاعِ؛ فَقَدْ تَخَلَّفَ قَصْدُهُ عَنْ قَصْدِ الشَّارِعِ؛ فَيَكُونُ مُجَرَّدُ الْقَصْدِ إِلَى الِانْتِفَاعِ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا بِمَا إِذَا1 أَرَادَ التَّمَتُّعَ بِفُلَانَةٍ كَيْفَ اتَّفَقَ، بِحِلٍّ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالنِّكَاحِ الْمَشْرُوعِ، وقصده أنه لو أمكنه [بالزنى] لَحَصَّلَ مَقْصُودَهُ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا وَالْحَالُ هَذِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِحَلِّهِ، وَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ حِلَّهَا؛ فَقَدْ خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ بِالْعَقْدِ فَكَانَ بَاطِلًا، وَالْحُكْمُ فِي كُلِّ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ جار هذا المجرى. لأنا نقول: [بل] هُوَ2 عَلَى مَا فُرِضَ فِي السُّؤَالِ صَحِيحٌ وَذَلِكَ أَنَّ حَاصِلَ قَصْدِ هَذَا الْقَاصِدِ أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَا قَصَدَ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ جَائِزٍ؛ فَأَتَاهُ مِنْ وَجْهٍ قَدْ جَعَلَهُ الشَّارِعُ مُوَصِّلًا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ بِالْعَقْدِ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ، بَلْ قَصَدَ انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِإِذْنِ مَنْ إِلَيْهِ الْإِذْنُ، وَأَدَّى مَا الْوَاجِبُ أَنْ يُؤَدَّى فِيهِ، لَكِنْ مُلْجَأً إِلَى ذَلِكَ؛ فَلَهُ بِهَذَا التَّسَبُّبِ الْجَائِزِ مُقْتَضَاهُ، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي قَصْدِهِ إِلَى الْمَحْظُورِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ3 عَزْمٍ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا؛ أَثِمَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ4، وَإِنْ كَانَ خَاطِرًا عَلَى غَيْرِ عَزِيمَةٍ؛ فَمُغْتَفَرٌ كَسَائِرِ الْخَوَاطِرِ، فَلَمْ يَقْتَرِنْ إِذًا بِالْعَقْدِ مَا يُصَيِّرُهُ بَاطِلًا؛ لِوُقُوعِهِ كَامِلَ الْأَرْكَانِ، حَاصِلَ الشُّرُوطِ، مُنْتَفِيَ الْمَوَانِعِ، وَقَصْدُ الْقَاصِدِ لِلْعِصْيَانِ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ خارج عن قصده5 الاستباحة

_ 1 في "م": "إذ". 2 أي: العقد. "د". 3 في "م" و"خ": "عنده" بزيادة الضمير. 4 من باشر امرأة معتقدا أنها أجنبية فإذا بها زوجته؛ كان فاسقا، وكتب عليه إثم هذه النية السيئة وإن لم يحتمل خطيئة الزنى؛ لأن نفس الوطء كان مباحا، وهذه الصورة المنكرة أشد من مجرد العزم الذي لم ينفذه صاحبه في صورة عمل كأنه يتركه ناسيا أو مغلوبا على قصده، والظاهر أن موضع الخلاف يختص بهذا العزم الذي لم يكن له أثر في الظاهر، ولا يتعدى إلى تلك الصورة التي تمثل فيها العزم بمظهر فظيع. "خ". 5 أي: منفصل عنه ولا يضره لانفكاكه عنه. "د".

بِالْوَجْهِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ، وَهَذَا الْقَصْدُ الثَّانِي مَوْجُودٌ1 عِنْدَهُ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ بِوَضْعِ السَّبَبِ؛ فَصَحَّ التَّسَبُّبُ، وَأَمَّا إِلْزَامُ قَصْدِ الْحِلِّ؛ فَلَا يَلْزَمُ، بَلْ يَكْفِي الْقَصْدُ إِلَى إِيقَاعِ السَّبَبِ الْمَشْرُوعِ، وَإِنْ غَفَلَ عَنْ وُقُوعِ الْحِلِّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ النَّاشِئَ عَنِ السَّبَبِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ2 تَحْتَ التَّكْلِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: مَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ السَّبَبَ لَمْ يُشْرَعْ لِأَجْلِهِ ابْتِدَاءً3؛ فَالدَّلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ التَّسَبُّبَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يُشْرَعْ أَوَّلًا لِهَذَا الْمُسَبَّبِ الْمَفْرُوضِ، وَإِذَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ؛ فَلَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ حِكْمَتُهُ فِي جَلْبِ مَصْلَحَةٍ وَلَا دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قُصِدَ بِالسَّبَبِ؛ فَهُوَ إِذًا بَاطِلٌ، هَذَا وَجْهٌ. وَوَجْهٌ ثانٍ: وَهُوَ أَنَّ هَذَا السَّبَبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذَا الْمَقْصُودِ الْمَفْرُوضِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ فَصَارَ كَالسَّبَبِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ أَصْلًا, وَإِذَا كَانَ التَّسَبُّبُ غَيْرَ الْمَشْرُوعِ أَصْلًا؛ لَا يَصِحُّ، فَكَذَلِكَ مَا شُرِعَ إِذَا أُخِذَ لِمَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّ كَوْنَ الشَّارِعِ لَمْ يَشْرَعْ هَذَا السَّبَبَ لِهَذَا الْمُسَبَّبِ الْمُعَيَّنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ التَّسَبُّبِ مَفْسَدَةً لَا مَصْلَحَةً، أَوْ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَشْرُوعَ لَهَا السَّبَبُ مُنْتَفِيَةٌ بِذَلِكَ الْمُسَبَّبِ؛ فَيَصِيرُ السَّبَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عَبَثًا، فَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ التَّسَبُّبِ الْخَاصِّ؛ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ4، فَإِذَا قُصِدَ بالنكاح

_ 1 أي: حكما كما يقتضيه فرض السؤال، وكما يشير إليه قوله: "وأما إلزام قصد الحل ... إلخ". "د". 2 فهو مسبب لا يلزم قصده ولا عدم قصده؛ لأنه فعل غيره. "د". 3 أي: إنه ليس من مقاصد الشرع بهذا السبب، وإن كان قد يترتب على مسببه، كالطلاق والعتق بالنسبة لعقد النكاح والبيع؛ فالطلاق لا يكون إلا عن نكاح، والعتق لا يكون إلا عن ملك، كما لا يكون هدم البيت إلا عن بناء يهدم، ولكن الطلاق، والعتق، وهدم البيت؛ لم تقصد بالنكاح والبيع وبناء البيت. "د". 4 في الأصل: "أوضح".

مَثَلًا التَّوَصُّلُ إِلَى أَمْرٍ فِيهِ إِبْطَالُهُ كَنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، أَوْ بِالْبَيْعِ التَّوَصُّلُ إِلَى الرِّبَا مَعَ إِبْطَالِ الْبَيْعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَقْصِدُهَا؛ كَانَ هَذَا الْعَمَلُ بَاطِلًا لِمُخَالَفَتِهِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَعْمَالِ وَالتَّسَبُّبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا وَالنَّاكِحُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ؟ وَإِنْ كَانَ قَصَدَ رَفْعَ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ لِتَحِلَّ لِلْأَوَّلِ؛ فَمَا قَصَدَهُ إِلَّا ثَانِيًا عَنْ قَصْدِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا فِي مِلْكِ نِكَاحٍ، فَهُوَ قَصَدَ نِكَاحًا يَرْتَفِعُ بِالطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحُ مِنْ شَأْنِهِ وَوَضْعِهِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالطَّلَاقِ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ؛ فَيَصِحُّ، لَكِنْ كَوْنُهُ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ التَّحْلِيلَ لِلْأَوَّلِ أَمْرٌ آخَرُ، وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا، فَإِنَّهُ إِذَا اقْتَرَنَ أَمْرَانِ مُفْتَرِقَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا؛ فَلَا تَأْثِيرَ لِأَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ؛ لِانْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ تَحْقِيقًا، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ1. وَفِي الْفِقْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا: فَقَدِ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالْعِتْقِ قَبْلَ الْمِلْكِ؛ فَيَقُولُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلِلْعَبْدِ: إِنِ اشْتَرَيْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إِنَّ تَزَوَّجَ، وَالْعِتْقُ إِذَا اشْتَرَى، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يُبِيحَانِ2 لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ وَأَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ. وَفِي "الْمَبْسُوطَةِ" عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ كُلِّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ يَخَافُ الْعَنَتَ؛ قَالَ: "أَرَى لَهُ جَائِزًا أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَكِنْ إِنْ تَزَوَّجَ طُلِّقَتْ عَلَيْهِ"3، مَعَ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ وَهَذَا الشِّرَاءَ لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مما قصده

_ 1 أي؛ فهو مما يتوجه فيه النهي لوصف منفك، لا للذات ولا لوصف ملازم، ومعروف أن فيه خلافا في فساده وعدمه. "د". 2 أي: فيحكمان بصحة التسبب مع أنه مما علم أن السبب لم يشرع له. "د". 3 انظر: "المدونة" "2/ 132-ط العلمية".

الشَّارِعُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَلَا بِالْقَصْدِ الثَّانِي؛ إِلَّا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ، وَلَمْ يُشْرَعِ النِّكَاحُ لِلطَّلَاقِ، وَلَا الشِّرَاءُ لِلْخُرُوجِ عَنِ1 الْيَدِ، وَإِنَّمَا شُرِعَا لِأُمُورٍ أُخَرَ، وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مِنَ التَّوَابِعِ غَيْرِ الْمَقْصُودَةِ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِمَا؛ فَمَا جَازَ هَذَا إِلَّا لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ أَوِ الْعِتْقِ ثانٍ عَنْ حُصُولِ النِّكَاحِ أَوِ الْمِلْكِ وَعَنِ الْقَصْدِ إِلَيْهِ؛ فَالنَّاكِحُ قَاصِدٌ بِنِكَاحِهِ الطَّلَاقَ، وَالْمُشْتَرِي قَاصِدٌ بِشِرَائِهِ الْعِتْقَ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَصْدِ الْمُنَافَاةُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ2؛ إِمَّا جَوَازُ التَّسَبُّبِ بِالْمَشْرُوعِ إِلَى مَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ السَّبَبُ، وَإِمَّا بُطْلَانُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا؛ فَفِي "الْمُدَوَّنَةِ" فِيمَنْ نَكَحَ وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُفَارِقَ3 أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَإِذَا4 تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ لِيَمِينٍ؛ لَزِمَتْهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَدْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ5: إِنَّ النِّكَاحَ حَلَالٌ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ أَقَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفَارِقَ فَارَقَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّا عَلِمْنَا أَوْ سَمِعْنَا. قَالَ: وَهُوَ عِنْدَنَا نِكَاحٌ ثَابِتٌ، الَّذِي6 يَتَزَوَّجُ يُرِيدُ أَنْ يَبُرَّ فِي يَمِينِهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ لِلَذَّةٍ يُرِيدُ أَنْ يُصِيبَ مِنْهَا، لَا يُرِيدُ حَبْسَهَا وَلَا يَنْوِي ذَلِكَ، عَلَى ذَلِكَ نِيَّتُهُ وَإِضْمَارُهُ فِي تَزْوِيجِهَا؛ فَأَمْرُهُمَا وَاحِدٌ، فَإِنْ شاءا أَنْ يُقِيمَا أَقَامَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ حَلَالٌ. ذَكَرَ هَذِهِ فِي "الْمَبْسُوطَةِ". وَفِي "الْكَافِي" فِي الَّذِي يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ السَّفَرِ: "أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ جوازه".

_ 1 في "ط": "من". 2 في "ط": "لازم". 3 لكنه لم يحدد مدة على ما يأتي لمالك. "د". قلت: وانظر "الذخيرة" "4/ 404". 4 هكذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "فإذًا إذا". 5 في "ط": "قال فيها مالك". قلت: أي: في "المدونة" "2/ 131-ط العلمية". 6 أي: نكاح الذي ... إلخ. "د".

وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مُبَالَغَةَ مَالِكٍ فِي مَنْعِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُجِيزُهُ بِالنِّيَّةِ؛ كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِقَصْدِ الْإِقَامَةِ مَعَهَا مُدَّةً وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَجَازَهُ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ، وَمَثَّلَ بِنِكَاحِ الْمُسَافِرِينَ، قَالَ: "وَعِنْدِي أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ أَنْ يَنْوِيَ1 بِقَلْبِهِ النِّكَاحَ الْأَبَدِيَّ2؛ لَكَانَ نِكَاحًا نَصْرَانِيًّا، فَإِذَا سَلِمَ لَفْظُهُ؛ لَمْ تَضُرُّهُ نِيَّتُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَتَزَوَّجُ عَلَى حُسْنِ العشرة ورجاء الأُدْمَة3، فَإِنْ وَجَدَهَا وَإِلَّا فَارَقَ، كَذَلِكَ يَتَزَوَّجُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِصْمَةِ، فَإِنِ اغْتَبَطَ ارْتَبَطَ، وَإِنْ كَرِهَ فَارَقَ"، وَهَذَا كَلَامُهُ فِي كِتَابِ "النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ"، وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ [فَمَنْ نَكَحَ] 4 لِغُرْبَةٍ أَوْ لِهَوًى لِيَقْضِيَ أَرَبَه وَيُفَارِقَ؛ فَلَا بَأْسَ. فَهَذِهِ مَسَائِلُ دَلَّتْ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَاعِدَةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا، وَأَشَدُّهَا5 مَسْأَلَةُ حِلِّ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ النِّكَاحَ رَغْبَةً فِيهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنَّ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يُشْرَعِ النِّكَاحُ لِمِثْلِ هَذَا، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَجَمِيعُهَا صَحِيحٌ مَعَ الْقَصْدِ الْمُخَالِفِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِلنِّكَاحِ أولا، ثم

_ 1 فرق بين أن ينوي النكاح الأبدي وبين ألا ينوي النكاح إلا لمدة، وهو ما يشترطه مالك، والتنظير أيضا نابٍ؛ لأنه متزوج على الأبدية إن حسنت عشرتها، فليس فيه دخول على التوقيت القطعي، وهو نكاح المتعة. "د". 2 بعدها في "الناسخ والمنسوخ" لابن العربي "1/ 171": "حتى لا مثنوية فيه". 3 "استدراك2". 4 سقط ما بين المعقوفتين من الأصل. 5 وإنما كان هذا أشدها؛ لأنه قصد ألا يدخل بها ولا يرتب المسببات مطلقا على سببها وهو العقد، ولكنه في الأمثلة الأخرى يرتب المسبب ويتمتع، لكن لا على الوجه المعروف للشرع في النكاح مثلا، وظاهر أن الكلام في الأمثلة التي بعد قوله: "وفي مذهب مالك من هذا كثير"، ولا يدخل في المفضل عليه المسائل السابقة من المحلوف بطلاقها والمعلق حريته على مشتراه؛ فلا تظهر الأفضلية في الشدة، بل قد يقال العكس؛ لأن النكاح المقصود به بر اليمين يمكنه أن يرتب عليه حكمته ويستمسك بها بخلاف المحلوف بطلاقها. "د".

الْفِرَاقِ ثَانِيًا: وَهُمَا قَصْدَانِ غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، [وَإِلَّا] فَإِنْ جَعَلْتَهُمَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى1 بِحَيْثُ يُؤَثِّرُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ2؛ فَعَلَى الْجُمْلَةِ يَلْزَمُ: إِمَّا بُطْلَانُ هَذَا كُلِّهِ، وَإِمَّا بُطْلَانُ مَا تَقَدَّمَ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِجْمَالِيٌّ، وَالْآخَرُ تَفْصِيلِيٌّ. فَأَمَّا الْإِجْمَالِيُّ؛ فَهُوَ أَنْ نَقُولَ: أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْتَهَا وَلَا هِيَ مِنْهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ بِالْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ فِيهَا، فَمَا اتَّفَقُوا مِنْهَا عَلَى جَوَازِهِ؛ فَلِسَلَامَتِهِ مِنْ مُقْتَضَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَلِدُخُولِهِ عِنْدَ الْمَانِعِينَ تَحْتَهَا، وَلِسَلَامَتِهِ عِنْدَ الْمُجِيزِينَ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُمْ3، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ مَا وُجِدَ إِلَى غَيْرِهِ سَبِيلٌ، وَهَذَا جَوَابٌ يَكْفِي الْمُقَلِّدَ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَيُورَدُ عَلَى الْعَالَمِ4 مِنْ بَابِ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِمَنْ تَقَدَّمَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لِيَتَوَقَّفَ، وَيَتَأَمَّلَ، وَيَلْتَمِسَ الْمَخْرَجَ، وَلَا يَتَعَسَّفَ بإطلاق الرد. وأما التفصيلي؛ فنقول: إن هذا الْمَسَائِلَ لَا تَقْدَحُ فِيمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا مَسْأَلَةُ

_ 1 مسألة نكاح المحلل. "د". 2 من هذا الأصل وهو أن الدليل يقتضي أن هذا التسبب غير صحيح. "د". 3 العالم المتين لا يرضى لنفسه التناقض في الكلام ولبعد غوصه ودقة ملاحظته قد يبدو لبعض الناظرين أنه وقع في زلة التناقض، وهو بريء منها، وليس مع هذا بمعصوم من أن يبني على أصل مرة ويغفل عنه مرة أخرى، فيأخذ بعض الفروع المندرجة تحته ويرجع بها إلى أصل آخر؛ فيقع في التناقض من حيث لا يقصد ولا يدري؛ فغرض المصنف من هذه الجملة أخذ طالب العلم إلى التؤدة والأناة في تفهم أقوال العلماء، وأن لا يسارع إلى رميها بالخطأ كما يصنع كثير ممن وقفوا على الشاطئ الأدنى من العلم وتخبطهم الغرور بالإثم؛ فعاثوا في أعراض العلماء بألسنة حداد. "خ". 4 أي: المجتهد، أي: يعرض عليه ليتنبه، وذلك من تحسين الظن به. "د".

التَّعْلِيقِ؛ فَقَدْ قَالَ الْقَرَافِيُّ1: "إِنَّهَا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ عَلَى الْإِمَامَيْنِ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ بِشَرْعِيَّةِ النِّكَاحِ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ الْمِلْكِ؛ فَقَدِ الْتَزَمَ الْمَشْرُوعِيَّةَ مَعَ انْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ شَرْعًا". قَالَ: "وَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَلْبَتَّةَ، لَكِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ إِجْمَاعًا؛ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ تَحْصِيلًا لِحِكْمَةِ الْعَقْدِ". قَالَ: "فَحَيْثُ أَجْمَعْنَا عَلَى شَرْعِيَّتِهِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ حِكْمَتِهِ، وَهُوَ بَقَاءُ النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَقَاصِدِهِ". قَالَ: "وَهَذَا مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْحَابِنَا". انْتَهَى قَوْلُهُ. وَهُوَ عَاضِدٌ2 لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلٍ آخَرَ نُدْرِجُهُ أَثْنَاءَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلضَّرُورَةِ إِلَيْهِ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ الْمَشْرُوعَ لِحِكْمَةٍ لَا يَخْلُو أَنْ يُعْلَمَ أَوْ يُظَنَّ وُقُوعُ الْحِكْمَةِ بِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ عُلِمَ أَوْ ظُنَّ ذَلِكَ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَلَا ظُنَّ ذَلِكَ؛ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ ارْتَفَعَتِ الْمَشْرُوعِيَّةُ أَصْلًا، فَلَا أَثَرَ لِلسَّبَبِ شَرْعًا أَلْبَتَّةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ، مِثْلَ الزَّجْرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ العاقل إذا جنى، والعقد

_ 1 في "الفروق" "3/ 171، الفرق الخامس والستون والمائة". 2 لأن فيه تسليما للقاعدة مآلا، وإنما الإشكال في التفريع كما قال: "وكان يلزم ألا يصح العقد ... إلخ"، وقال: "وهذا موضع مشكل على أصحابنا"؛ أي: حيث فرعوا ما ينافي مع القاعدة التي سلموها. "د".

عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَالطَّلَاقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ1، وَالْعِتْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِلْكِ الْغَيْرِ2، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ، وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ أَصْلَ السَّبَبِ قَدْ فُرِضَ أَنَّهُ لِحِكْمَةٍ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ إِثْبَاتِ الْمَصَالِحِ حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَوْ سَاغَ شَرْعُهُ مَعَ فُقْدَانِهَا جُمْلَةً؛ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مَشْرُوعًا، هَذَا خَلْفٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْحُدُودُ وُضِعَتْ لِغَيْرِ قَصْدِ الزَّجْرِ، وَالْعِبَادَاتُ لِغَيْرِ قَصْدِ الْخُضُوعِ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِتَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ امْتِنَاعُ وُقُوعِ حُكْمِ الْأَسْبَابِ -وَهِيَ الْمُسَبَّبَاتُ- لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ، مَعَ قَبُولِ الْمَحَلِّ مِنْ حَيْثُ نَفْسُهُ؛ فَهَلْ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْأَمْرُ الْخَارِجِيُّ فِي شَرْعِيَّةِ السَّبَبِ، أَمْ يَجْرِي السَّبَبُ عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ، وَالْخِلَافُ فِيهِ سَائِغٌ، وَلِلْمُجِيزِ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ لَا تَقْدَحُ فِيهَا قَضَايَا الْأَعْيَانِ وَلَا نَوَادِرُ3 التَّخَلُّفِ، وَسَيَأْتِي4 لِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي موضعه, إن شاء الله.

_ 1، 2 أي: بدون تعليق. "د". 3 في الأصل: "موارد". 4 في كتاب المقاصد في المسألة العاشرة؛ أي: فحيث إن المحل قابل في ذاته؛ فتخلف الحكمة في هذا الفرد بخصوصه لأمر خارج لا يضر في اطراد الحكم، كالملك المترفه مثلا، لا مشقة في سفره ومع ذلك يطرد معه حكم السفر من قصر وفطر؛ ولذلك يقال فيمن علق الطلاق على النكاح: المحل قابل للحكمة والمانع خارج؛ فيجري التسبب على أصله. وهذا الدليل عام في المسائل الفقهية لا يخص موضع تخلف الحكمة عن سببها. "د".

وَالثَّانِي, وَهُوَ الْخَاصُّ بِهَذَا الْمَكَانِ: أَنَّ الْحِكْمَةَ إِمَّا أَنْ تُعْتَبَرَ بِمَحَلِّهَا وَكَوْنِهِ قَابِلًا لَهَا فَقَطْ، وَإِمَّا أَنْ تُعْتَبَرَ بِوُجُودِهَا فِيهِ، فَإِنِ اعْتُبِرَتْ بِقَبُولِ الْمَحَلِّ فَقَطْ؛ فَهُوَ الْمُدَّعَى، وَالْمَحْلُوفُ بِطَلَاقِهَا فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ قَابِلَةٌ لِلْعَقْدِ عَلَيْهَا مِنَ الْحَالِفِ وَغَيْرِهِ؛ فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِي الْمَنْعِ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَإِنِ اعْتُبِرَتْ بِوُجُودِهَا فِي الْمَحَلِّ1؛ لَزِمَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْمَنْعِ فُقْدَانُهَا مُطْلَقًا، لِمَانِعٍ أَوْ لِغَيْرِ مَانِعٍ، كَسَفَرِ الْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ لَهُ فِي السَّفَرِ، أَوْ هُوَ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ، فَكَانَ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِي حَقِّهِ مُمْتَنِعَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِبْدَالُ الدِّرْهَمِ بِمِثْلِهِ، وَإِبْدَالُ الدِّينَارِ بِمِثْلِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَجِدُ الْحُكْمَ فِيهَا جَارِيًا عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَالْحِكْمَةُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ. وَلَا يُقَالُ2: إِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ بِإِطْلَاقٍ، وَإِبْدَالَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ.

_ 1 أي: فعلا. "د". 2 أي: ردا على اعتبار مجرد قابلية المحل، وعلى الاستناد في ذلك إلى أن الحكمة غير موجودة فعلا في مسألة الملك المترفه المسافر، وكذا في مسألة إبدال الدينار بمثله، وأمثال ذلك؛ أي: لا يقال: نحن لا نقارن خصوص الملك المترفه بمسألة نكاح المحلوف بطلاقها، بل إنما يلزم أن نقارن السفر مطلقا بنكاح المحلوف بطلاقها، يعني: والسفر في ذاته مظنة المشقة وإن لم توجد في بعض الأفراد النادرة؛ كالملك مثلا, أما مسألة نكاح المحلوف بطلاقها؛ فليست مظنة وجود الحكمة في أي فرد، فضلا عن الفرد النادر، وعلى ذلك لا يصح أن تجعل هذه المسألة من هذا الباب، يعني: فعلى فرض أن المحل قابل؛ فهو قبول ذهني صرف لا يحتمل تحققه، بخلاف مسألة الملك والدينار؛ فالمحل قابل ويتحقق وجود الحكمة في السفر المطلق؛ لأن المقيس عليه السفر بإطلاق، وغالبه تتحقق فيه الحكمة، أما هنا؛ فلا تتحقق الحكمة في مسألة المحلوف بطلاقها ولا في فرد. "د".

مَظِنَّةٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِإِطْلَاقٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي فِي مَعْنَاهَا؛ فَلْيَجُزِ التَّسَبُّبُ بِإِطْلَاقٍ، بِخِلَافِ نِكَاحِ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهَا بِإِطْلَاقٍ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَظِنَّةٍ لِلْحِكْمَةِ، وَلَا تُوجَدُ فِيهَا عَلَى حَالٍ. لِأَنَّا نَقُولُ1: إِنَّمَا نَظِيرُ السَّفَرِ بِإِطْلَاقٍ نِكَاحُ الْأَجْنَبِيَّةِ بِإِطْلَاقٍ، فَإِنْ قُلْتُمْ بِإِطْلَاقِ الْجَوَازِ مَعَ عَدَمِ اعْتِبَارِ [وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ] 2 الْمُقَيَّدَةِ؛ فَلْتَقُولُوا بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا صُورَةٌ مُقَيَّدَةٌ مِنْ مُطْلَقِ صُوَرِ نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، بِخِلَافِ نِكَاحِ الْقَرَابَةِ الْمُحَرَّمَةِ، كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ مَثَلًا؛ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِإِطْلَاقٍ3؛ فَالْمَحَلُّ غَيْرُ قَابِلٍ بِإِطْلَاقٍ، فَهَذَا مِنَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ4؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ بِهِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَإِذْ ذَاكَ يَكُونُ بَعْضُ الْأَسْبَابِ مَشْرُوعًا وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الْحِكْمَةُ وَلَا مَظِنَّتُهَا، إِذَا كَانَ الْمَحَلُّ فِي نَفْسِهِ قَابِلًا؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْمَحَلِّ فِي نَفْسِهِ مَظِنَّةٌ لِلْحِكْمَةِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ وُقُوعًا، وَهَذَا مَعْقُولٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ اعْتِبَارَ وُجُودِ الْحِكْمَةِ فِي مَحَلٍّ عَيْنًا لَا يَنْضَبِطُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحِكْمَةَ لَا تُوجَدُ إِلَّا ثَانِيًا عَنْ وُقُوعِ السَّبَبِ، فَنَحْنُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّبَبِ جَاهِلُونَ بِوُقُوعِهَا أَوْ عَدَمِ وُقُوعِهَا؛ فَكَمْ مِمَّنْ طَلَّقَ عَلَى أَثَرِ إِيقَاعِ النِّكَاحِ، وَكَمْ مِنْ نِكَاحٍ فُسِخَ إِذْ ذَاكَ لِطَارِئٍ طَرَأَ أَوْ مَانِعٍ مَنَعَ، وَإِذَا لَمْ نَعْلَمْ وُقُوعَ الْحِكْمَةِ؛ فَلَا يصح

_ 1 أي: فالمقارنة على ما صورتم غير مستقيمة؛ لأنه يلزم أن يقارن المطلق بالمطلق, والمطلق هنا نكاح الأجنبية حلف بطلاقها أو لا، هذا هو الذي يقارن بالسفر مطلقا، فإذا قلتم بإطلاق الجواز في السفر ولو لم تتحقق المشقة في مثل مسألة الملك؛ فلتقولوا بإطلاق الجواز في زواج الأجنبية وإن لم تتحقق الحكمة من النكاح في المحلوف بطلاقها. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وفيه: "اعتباره مقيدة"، وفي "ط" بدله "الصورة". 3 في "د": "بإطلا" من غير قاف. 4 أي: إذا لم يكن المحل غير قابل، بل كان قابلا وإن منع منه مانع خارج؛ صح التسبب، وتحمل عليه المسائل المتقدمة التي استشكلها القرافي؛ فينحل الإشكال. "د".

تَوَقَّفُ مَشْرُوعِيَّةِ السَّبَبِ عَلَى وُجُودِ الْحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا تُوجَدُ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ، وَقَدْ فَرَضْنَا وُقُوعَ السَّبَبِ بَعْدَ وُجُودِ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ دَوْرٌ مُحَالٌ؛ فَإِذًا لَا بُدَّ مِنَ الِانْتِقَالِ إِلَى اعْتِبَارِ مَظِنَّةِ قَبُولِ الْمَحَلِّ لَهَا عَلَى الْجُمْلَةِ1 كَافِيًا2. وَلِلْمَانِعِ أَيْضًا أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بِأَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: إِنَّ قَبُولَ الْمَحَلِّ؛ إِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ شَرْعًا بكونه قابلا في الذهن

_ 1 إنما قال: "على الجملة"؛ ليصح الكلام، فتدخل مسألة الملك مثلا ونكاح الأجنبية المحلوف بطلاقها، أما على التفصيل؛ فإن اعتباره ينقض كثيرا من المسائل المحكوم فيها باطراد السبب، وهي ما لم توجد فيها مظنته في خصوص المحل مهما كان قابلا وجاء المانع من أمر خارج. لكن يبقى الكلام في تحديد المعنى الذي أفاده هذا الدليل الثالث، وبالتأمل فيه نجده دليلا ثانيا على عدم صحة اعتبار الحكمة بوجودها في المحل، وقد استدل عليه أولا بأنه يلزمه باطل، وهو كون المسائل الشرعية المذكورة في قصر وفطر الملك وإبدال الدرهم بالدرهم باطلة مع أنها متفق عليها، ثم استدل عليه هنا بأمر عقلي، وهو أن الحكمة لا توجد إلا بعد وقوع السبب، وقد فرضنا وقوع السبب بعد وجود الحكمة، وهو دور باطل، فما أدى إليه -وهو اعتبار وجودها في المحل- باطل؛ فلا بد من اعتبار مظنة قبول المحل إجمالا، وعليه؛ فهو وإن كان دليلا ثالثا على أصول الموضوع، وهو أن الاعتبار بقبول المحل ولو منع من الحكمة أمر خارج، إلا أنه يشترك مع الدليل الثاني في الفرض الذي بنيا عليه، وهو اعتبار الحكمة بوجودها في المحل، وهذا الفرض كان أحد فرضين أدرجهما تحت قوله: "والدليل الثاني"؛ فحصل بهذا الصنيع شيء من الغموض في وضع هذا الدليل الثالث وتوجهه، فما جعله الدليل الثاني في الحقيقة تحته الدليلان الثاني والثالث، بقي شيء آخر وهو قوله: "وقد فرضنا وقوع السبب بعد وجود الحكمة"، هذا غير ظاهر؛ فإن المفروض هو أن اعتبار السبب بعد وجود الحكمة لا وجوده، ولا يحصل الدور إلا بناء على ما فرضه من توقف كل من الوجودين على الآخر؛ لأن توقف وجود الحكمة على وقوع السبب ثم توقف اعتبار السبب ومشروعيته على وجود الحكمة لا دور فيه, فلا يتم هذا الدليل إذا لوحظ فيه مسألة الدور، ولكنه يمكن تمامه بما قاله قبل الكلام في مقدمات الدور. "د". 2 وقعت العبارة في الأصل هكذا: "اعتبار أن مظنة ... كافٍ".

خَاصَّةً1، وَإِنْ فُرِضَ غَيْرُ قَابِلٍ فِي الْخَارِجِ، فَمَا لَا يُقْبَلُ2 لَا يُشْرَعُ التَّسَبُّبُ فِيهِ، وَإِمَّا بِكَوْنِهِ تُوجَدُ حِكْمَتُهُ فِي الْخَارِجِ، فَمَا لَا تُوجَدُ حِكْمَتُهُ فِي الْخَارِجِ؛ لَا يُشْرَعُ أَصْلًا، كَانَ فِي نَفْسِهِ قَابِلًا لَهَا ذِهْنًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ؛ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمَشْرُوعَةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَهِيَ حِكَمُ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَمَا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا هُوَ مَظِنَّةُ مَصْلَحَةٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ؛ فَقَدْ سَاوَى مَا لَا يَقْبَلُ3 الْمَصْلَحَةَ لَا فِي الذِّهْنِ وَلَا فِي الْخَارِجِ، مِنْ حَيْثُ الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ، وَإِذَا اسْتَوَيَا؛ امْتَنَعَا أَوْ جَازَا، لَكِنَّ جَوَازَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى جَوَازِ مَا اتُّفِقَ عَلَى مَنْعِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ بمنعهما مطلقا، وهو المطلوب. والثاني: أَنَّا لَوْ أَعْمَلْنَا السَّبَبَ هُنَا، [مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَا تَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ وَلَا تُوجَدُ بِهِ؛ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِ الْحُكْمِ، لِأَنَّ التَّسَبُّبَ هُنَا يَصِيرُ] 4 عَبَثًا، وَالْعَبَثَ لَا يُشْرَعُ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ [مَعْنَى] 4 كَلَامِ الْقَرَافِيِّ5. وَالثَّالِثُ: أَنَّ جَوَازَ مَا أُجِيزَ مِنْ تِلْكَ المسائل إنما هو باعتبار6 وجود

_ ــ 1 كنكاح المحلوف بطلاقها مثلا؛ فإن فرض حصول الحكمة فيها عقلا مع وجود هذا التعليق غير محال. "د". 2 أي: ذهنا، وأما ما يقبل ولو ذهنا فقط؛ فيشرع فيه التسبب. "د". 3 وذلك كنكاح القرابة المحرمة المتفق على منعه. "د". 4 سقط ما بين المعقوفتين من الأصل. 5 أي في قوله: "وكان يلزم ألا يصح العقد ألبتة". "د". قلت: انظر "الفروق" "3/ 171". 6 أي: فلا بد من وجود مظنة الحكمة تفصيلا، وهي موجودة كذلك في مسألة الملك، والمشقات متفاوتة في الأشخاص والأحوال، حتى الملك المترفه يحصل له مشقة في السفر تناسبه، وإذا فرض أنه لم يحصل له مشقة؛ فلا يضر لأن الضابط هو المظنة وهي متحققة فيه، دون مسائل النكاح والعتق المتقدمة؛ لأنه لا يوجد فيها مظنة الحكمة مطلقا، بل مقطوع فيها بعدم ترتب الحكمة عليها. "د".

الْحِكْمَةِ، فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْمَشَقَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، بَلِ الظَّنُّ بِوُجُودِهَا غَالِبٌ؛ غير أن المشقة تختلف اختلاف النَّاسِ وَلَا تَنْضَبِطُ، فَنَصَبَ الشَّارِعُ الْمَظِنَّةَ فِي مَوْضِعِ الْحِكْمَةِ؛ ضَبْطًا لِلْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا جَعَلَ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ ضَابِطًا لِمُسَبَّبَاتِهِ الْمَعْلُومَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَاءُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ، وَجَعَلَ الِاحْتِلَامَ مَظِنَّةَ حُصُولِ الْعَقْلِ الْقَابِلِ لِلتَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ فِي نَفْسِهِ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرَةٍ. وَأَمَّا إِبْدَالُ الدِّرْهَمِ بِمِثْلِهِ؛ فَالْمُمَاثَلَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَدْ لَا تُتَصَوَّرُ عَقْلًا، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مُتَمَاثِلَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا افْتِرَاقٌ وَلَوْ فِي تَعْيِينِهِمَا، كَمَا أَنَّهُ مَا مِنْ مُخْتَلِفَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ وَلَوْ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا، وَلَوْ فُرِضَ التَّمَاثُلُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَهُوَ نَادِرٌ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا، وَالْغَالِبُ الْمُطَّرِدُ اخْتِلَافُ الدِّرْهَمَيْنِ وَالدِّينَارَيْنِ وَلَوْ بِجِهَةِ الْكَسْبِ1؛ فَأَطْلَقَ الْجَوَازَ لِذَلِكَ، [وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ] 6 كَذَلِكَ؛ فَلَا دَلِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى مَسْأَلَتِنَا. فَصْلٌ: وَقَدْ حَصَلَ فِي ضِمْنِ2 هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النِّكَاحِ لِلْبِرِّ فِي الْيَمِينِ وَمَا ذكر معها3؛ فإنه موضع فيه احتمال

_ 1 أي: البريء من الشبهة وغير البريء؛ أي: فإن لم يوجد اختلاف في ذات الدينارين وأوصافهما اللازمة؛ فقد يوجد بأوصاف أخرى لاحقة لهما كما أشار إليه. "د". 2 بناء على القول بإجراء السبب على أصله ولو لم توجد الحكمة بالفعل متى كان المحل قابلا في ذاته وكان المانع خارجا عنه. "د". 3 هذه المسائل أيسر كثيرا من مسألة التعليق؛ لأن التعليق لا يتأتى فيه تحقق الحكمة بوجه، أما هذه؛ فإنها لا مانع من تحقق الحكمة فيها ووجود منافع النكاح ومقاصده الشرعية، غايته أنه لابسها قصد قضاء اللذة ولو لم ينو التمسك بها، أو حل اليمين، يعني: والغلب أنه لا يتمسك بها أو قضاء شهوته مدة إقامته حتى إذا سافر فارق، وهكذا من المقاصد التي لا تناسب الزوجية أو لا تتفق مع المعتبر فيها، وكلها لا تنافي تحقق المقاصد المشروعة بالنكاح؛ فصار الفرق أن كلا من التعليق وهذه المسائل المحل فيها قابل لحصول الحكمة، لكن يوجد في الأولى مانع من الحصول وفي هذه المسائل لا مانع منه. "د". قلت: وانظر في هذه المسائل "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 534، 535، و29/ 13-21".

لِلِاخْتِلَافِ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ الصِّحَّةِ هُوَ الْأَقْوَى، فَمَنْ نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ نِكَاحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ الْقَابِلِ لَهُ -كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ- لَمْ يُمْنَعْ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى أَنَّهُ -لَمَّا كَانَ لَهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ أَوْ كَانَ مَظِنَّةً لِذَلِكَ- أَشْبَهَ النِّكَاحَ الْمُؤَقَّتَ؛ لَمْ يَجُزْ، هَذَا وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَحْكِ فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْبِرِّ خِلَافًا؛ فَقَدْ غَمَزَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ، وَهَذَا كَافٍ فِيمَا فِيهِ مِنَ الشُّبْهَةِ؛ فَالْمَوْضِعُ مَجَالُ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ وَجَدْنَا نِكَاحَ الْبِرِّ نِكَاحًا مَقْصُودًا لِغَرَضِهِ الْمَقْصُودِ، لَكِنْ عَلَى أَنْ يَرْفَعَ حُكْمَ الْيَمِينِ، وَكَوْنُهُ مَقْصُودًا بِهِ رَفْعُ الْيَمِينِ يَكْفِي بِأَنَّهُ قُصِدَ لِلنِّكَاحِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ الْمَرْأَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَقَاصِدِهِ؛ إِلَّا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رَفْعَ الْيَمِينِ، وَهَذَا غَيْرُ قَادِحٍ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لِقَضَاءِ الوَطَر مَقْصُودٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْوَطَرِ مِنْ مَقَاصِدِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ1، وَنِيَّةُ الْفِرَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ خَارِجٌ إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الطَّلَاقِ الَّذِي جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ، وَقَدْ يَبْدُو لَهُ فَلَا يُفَارِقُ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ فَإِنَّهُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ بانٍ عَلَى شَرْطِ التَّوْقِيتِ. وَكَذَلِكَ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مَا يُقْصَدُ بِالنِّكَاحِ، إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَحْلِيلُهَا لِلْمُطَلِّقِ الْأَوَّلِ بِصُورَةِ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ، لَا بِحَقِيقَتِهِ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ غرضا

_ 1 في الأصل: "الشرع".

مِنْ أَغْرَاضِهِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا. وَأَيْضًا، فَمِنْ حَيْثُ كَانَ لِأَجْلِ الْغَيْرِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْبَقَاءُ مَعَهَا عُرْفًا أَوْ شَرْطًا؛ فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ نِكَاحًا يُمْكِنُ اسْتِمْرَارُهُ. وَأَيْضًا؛ فَالنَّصُّ1 بِمَنْعِهِ عَتِيدٌ2، فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ تَرَاوُضٌ3 وَلَا شَرْطٌ، وَكَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْقَاصِدَ لِذَلِكَ؛ فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُصَحِّحُ هَذَا النِّكَاحَ اعْتِبَارًا بِأَنَّهُ قاصد للاستمتاع عَلَى الْجُمْلَةِ، ثُمَّ الطَّلَاقَ؛ فَقَدْ قَصَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ مَا يُقْصَدُ بِالنِّكَاحِ مِنْ أَغْرَاضِهِ الْمَقْصُودَةِ، وَيَتَضَمَّنُ4 ذَلِكَ الْعَوْدَ إِلَى الْأَوَّلِ إِنِ اتُّفِقَ، على قول، ولا يتضمنه على قول،

_ 1 "لعن الله المحلل والمحلل له"، ولعل هذا هو الوجه الوجيه، وإلا؛ فالتعليق أشد منه بعدا عن صحة التسبب؛ لأنه لا يترتب عليه مقصد من مقاصد النكاح، بخلاف نكاح التحليل الذي لا بد فيه من الوطء، وقد يبدو له؛ فلا يفارق كما حصل كثيرا، فيكون كقضاء الوطر، ولكن ورد النص فيه بخصوصه لمعنى خاص ومفسدة أخلاقية رأى الشارع دفعها بتحريمه، وأنت إذا تأملت قوله بعد: "إذا لم يكن تَرَاوُضٌ وَلَا شَرْطٌ وَكَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْقَاصِدَ؛ فإن بعض العلماء يصحح النكاح اعتبارا بأنه ... إلخ" تعلم وجه ما قلنا، وأن مسألة المنع لا ترجع إلى عدم وجود منافع النكاح الشرعية؛ لأنها حاصلة على الجملة، ولا إلى القصد؛ لأنه مع حصول القصد من الزوج وهو صاحب الشأن صح النكاح، فالكلام في هذا التراوض المهين للزوج والزوجة والمحلل المؤدي إلى انحطاط الأخلاق وقبول الجميع ما يشبه الزنى بمن تعتبر زوجة للأول وحرما له حتى في هذا الوقت نفسه في نظرهم، وهذا أمر يصح أن يرجع فيه للوجدان ليعلم مقدار ما يصيب الكرامة وعزة النفس من جزائه. "د" قلت: سيأتي تخريج حديث: "لعن الله المحلل ... " "ص429". 2 أي: حاضر مهيأ. انظر: "لسان العرب " "ع ت د". 3 أي: كلام بين الطرفين للاتفاق. انظر: "لسان العرب" "ر وض". 4 أي: يتضمن نكاح التحليل -مع مقاصد النكاح الأصلية- قصده أن تعود إلى الزوج الأول إن كان هناك اتفاق وشرط، وقال بعضهم: بل لا يتضمن حتى مع الشرط، وإنما هو أمر تبعي وليس مقصودا أصليا؛ فلا يمنع صحة العقد. "د".

وَذَلِكَ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَرْجُوحَةِ؛ فَلَا يَخْلُو مِنْ وَجْهٍ مِنَ النظر. ومما يدل على أن يحل الْيَمِينِ إِذَا قُصِدَ بِالنِّكَاحِ لَا يَقْدَحُ فِيهِ؛ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ قُرْبَةٍ؛ مِنْ صَلَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ؛ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَيَصِحُّ مِنْهُ قُرْبَةً، وَهَذَا مِثْلُهُ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِنَ الْيَمِينِ وَشَبَهِهِ قَادِحًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ؛ لَكَانَ قَادِحًا فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِبَادَةِ التَّوَجُّهُ بِهَا إِلَى الْمَعْبُودِ قَاصِدًا بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ، فَكَمَا تَصِحُّ1 الْعِبَادَةُ الْمَنْذُورَةُ أَوِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا إِلَّا حَلَّ الْيَمِينِ -وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ فِيهِ- فَكَذَلِكَ هُنَا، بَلْ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً يَمْلِكُهَا؛ فَالْعَقْدُ بِبَيْعِهَا صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إِلَّا حَلَّ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ إِنْ حَلَفَ أَنْ يَصِيدَ أَوْ يَذْبَحَ هَذِهِ الشَّاةَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْأَحْكَامَ الْمَشْرُوعَةَ لِلْمَصَالِحِ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَحَالِّهَا، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَظِنَّةً2 لَهَا خَاصَّةً. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأُمُورَ الْعَادِيَّةَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهَا أَنْ لَا تَكُونَ مُنَاقِضَةً لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْمُوَافَقَةِ، وَكِلَا الْأَصْلَيْنِ سيأتي إن شاء الله تعالى.

_ 1 في الأصل: "فهكذا تقع". 2 أي على الجملة، وإلا؛ فنكاح حل اليمين مظنة ألا يترتب عليه شيء من مقاصد النكاح المذكورة فيما سبق وأمثالها، وإن كان يترتب، وقلنا "على الجملة"؛ أي: باعتبار أنه مطلق نكاح أجنبية مستوف للأركان والشروط، وقوله: "خاصة" توكيد للحصر المستفاد من إنما. "د".

فَصْلٌ: وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ 1 مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِالسَّبَبِ مُسَبَّبًا لَا يُعْلَمُ وَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ أَوْ غَيْرُ مَقْصُودٍ [لَهُ] 2، وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، وَهُوَ مَحَلُّ إِشْكَالٍ وَاشْتِبَاهٍ، وَذَلِكَ أَنَّا لَوْ تَسَبَّبْنَا لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّبَبُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لِهَذَا الْمُسَبَّبِ الْمَفْرُوضِ, كَمَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ3 يَكُونُ التَّسَبُّبُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَإِذَا دَارَ الْعَمَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى التَّسَبُّبِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ. لَا يُقَالُ: إِنَّ السَّبَبَ قَدْ فُرِضَ مَشْرُوعًا عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فلِم لَا يُتَسَبَّبُ بِهِ؟ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا فُرِضَ مَشْرُوعًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَفْرُوضٍ مَعْلُومٍ، لَا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا كَانَ يَصِحُّ التَّسَبُّبُ [بِهِ] مُطْلَقًا إِذَا عَلِمَ شَرْعِيَّتَهُ لِكُلِّ مَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَلَيْسَ مَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِيهِ مِنْ هَذَا، بَلْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَسْبَابِ شُرِعَتْ لِأُمُورٍ تَنْشَأُ عَنْهَا، وَلَمْ تُشْرَعْ لِأُمُورٍ، وَإِنْ كَانَتْ تَنْشَأُ عَنْهَا وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا؛ كَالنِّكَاحِ؛ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِأُمُورٍ كَالتَّنَاسُلِ وَتَوَابِعِهِ، وَلَمْ يُشْرَعْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلتَّحْلِيلِ وَلَا مَا أَشْبَهَهُ، فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ؛ كَانَ مَا جُهِلَ كَوْنُهُ مَشْرُوعًا لَهُ مَجْهُولَ الْحُكْمِ؛ فَلَا4 تَصِحُّ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِقْدَامِ حَتَّى يُعْرَفَ الْحُكْمُ. وَلَا يُقَالُ: الْأَصْلُ الْجَوَازُ. لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ فالأصل في الأبضاع المنع، إلا بأسباب

_ 1 يظهر أن هذا الموضع يدخل تحت قاعدة الأمور المشتبهات. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط"، وفيه: "مقصود للشارع". 3 في "د": "الأولى". 4 في "ط": "فلم".

مَشْرُوعَةٍ، وَالْحَيَوَانَاتُ الْأَصْلُ فِي أَكْلِهَا الْمَنْعُ حَتَّى تَحْصُلَ الذَّكَاةُ الْمَشْرُوعَةُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ بَعْدَ تَحْصِيلِ أَشْيَاءَ لَا مُطْلَقًا، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَتَبَيَّنَ مُسَبَّبٌ1 لَا نَدْرِي: أَهْوَ مِمَّا قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِالتَّسَبُّبِ الْمَشْرُوعِ أَمْ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْهُ؟ وَجَبَ التَّوَقُّفُ حَتَّى يُعْرَفَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَلِهَذَا قَاعِدَةٌ يَتَبَيَّنُ بِهَا مَا هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ2 مِنْ مُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابِ وَمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" [وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ] . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمَا أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمَشْرُوعَةَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامٌ ضِمْنًا، كَذَلِكَ غَيْرُ الْمَشْرُوعَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَيْضًا أَحْكَامٌ ضِمْنًا؛ كَالْقَتْلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْجَانِي أَوِ الْعَاقِلَةِ، وَغُرْمُ الْقِيمَةِ إِنْ كَانَ المقتول عبدا3، والكفارة، وكذلك [الإتلاف و] التَّعَدِّي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَالْعُقُوبَةُ، وَالسَّرِقَةُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الضَّمَانُ وَالْقَطْعُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوعَةِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، الْمُسَبِّبَةِ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمَمْنُوعَةِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ، الْمُسَبِّبَةِ لِهَذِهِ الأسباب4 في خطاب الوضع.

_ 1 في الأصل و"ط": "تسبب". 2 في "ط": "للشارع". 3 لم يرد في قتل الحر بالعبد وعدم قتله نص صريح صحيح، وإذا قطعنا النظر عن الأحاديث الصريحة المروية في نفي القصاص وإثباته حيث لم تبلغ مبلغ الصحة الكافية في تقرير الأحكام؛ بقي بيد الجمهور مفهوم الخطاب في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ، وفي يد الإمام النخعي وتابعيه بعض أدلة عامة كحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ". "خ". 4 كذا في النسخ المطبوعة وفي الأصل، وفي هامشه: "لعله تصحيف والصواب الأشياء".

وَقَدْ يَكُونُ هَذَا السَّبَبُ الْمَمْنُوعُ يُسَبِّبُ مَصْلَحَةً1 مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَيْسَ ذَلِكَ سَبَبًا فِيهَا؛ كَالْقَتْلِ2 يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِيرَاثُ الْوَرَثَةِ، وَإِنْفَاذُ الْوَصَايَا، وعتق المدبرين، وحرية أمهات الأولاد و [كذلك] 3 الْأَوْلَادُ4، وَكَذَلِكَ الْإِتْلَافُ بِالتَّعَدِّي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِلْكُ الْمُتَعَدِّي لِلْمُتْلَفِ، تَبَعًا لِتَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ، وَالْغَصْبُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ إِذَا تَغَيَّرَ فِي يَدَيْهِ، عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَعْلُومِ بِنَاءً عَلَى تَضْمِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ؛ فَالْعَاقِلُ لَا يَقْصِدُ التَّسَبُّبَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَفْسَدَةٍ عَلَيْهِ، لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْصَدَ. الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ إِذَا قُصِدَ؛ فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْمُسَبَّبَ الَّذِي مُنِعَ لِأَجْلِهِ لَا غَيْرَ ذلك؛ كالتشفي5

_ 1 أي: يترتب عليه أمر معتد به شرعا له أحكامه ومستتبعاته، وإن كان السبب الممنوع لم يقصد به ذلك في نظر الشارع، كما تقدم في النكاح، يترتب عليه الطلاق وإن لم يكن في مقاصده؛ لأنه لا طلاق إلا في ملك عصمة، إلا أن هذا يمكن أن يقال في كل ما تضمنته الأسباب الممنوعة لأنها غير مقصودة بالتسبب، بخلاف المشروعة؛ فبعض ما ينبني عليها مقصود بالتسبب. "د". 2 كتب ناسخ الأصل في الهامش ما نصه: "قوله: "ليس ذلك سببا فيها، كالقتل ... إلخ" يريد: إن الميراث وما معه مسبب عن الموت المسبب عن القتل". 3 سقطت من "د"، وأثبته من الأصل و"خ" و"م"، "وكذلك الأولاد" ليست في "ط". 4 كتب الناسخ في هامش الأصل: "إن صحت الرواية بهذا؛ فالمراد أولاد أمهات الأولاد من غيره إذا خلقوا بعد صيرورتها أم ولد". 5 هل يعتبر شفاء النفس من غيظها بقتل من غاظها مصلحة؟ وكذا مطلق الانتفاع بالمسروق والمغصوب بقطع النظر عما يترتب عليهما من الملك، الظاهر أن ذلك كله لا يسمى مصلحة، أعني أمرا معتدا به شرعا، له أحكام؛ كالملك فهو مصلحة لها توابع كثيرة، وعليه؛ فلا يظهر وجه لإدراج هذا في الضرب الثاني الذي يترتب عليه مصلحة، وكان يجمل به أن يجعله أمرا ثالثا غير الضربين المذكورين، يرشدك إلى أن التشفي وما معه ليس مصلحة بالمعنى المقصود، قوله: "فهذا القصد غير قادح في ترتب الأحكام المصلحية" يعني كملك المغصوب، فيؤخذ منه أن التشفي ليس حكما مصلحيا. "د".

فِي الْقَتْلِ، وَالِانْتِفَاعِ الْمُطْلَقِ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ، فَهَذَا الْقَصْدُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ التَّبَعِيَّةِ الْمَصْلَحِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهَا إِذَا كَانَتْ حَاصِلَةً حَصَلَتْ مُسَبَّبَاتُهَا؛ إِلَّا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، كَمَا فِي حِرْمَانِ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا التَّشَفِّي، أَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً عِنْدَ مَنْ قَالَ بِحِرْمَانِهِ1، وَلَكِنْ2 قَالُوا: إِذَا تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ أَتْلَفَهُ؛ فَإِنَّ مِنْ أَحْكَامِ [ذَلِكَ] التَّغَيُّرِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ كَثِيرًا؛ فَصَاحِبُهُ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِيهِ، وَيَجُوزُ لِلْغَاصِبِ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى ضَمَانِ الْقِيمَةِ، عَلَى كَرَاهِيَةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى غَيْرِ كَرَاهِيَةٍ3 عِنْدَ آخَرِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَصْدَ هَذَا الْمُتَسَبِّبِ لَمْ يُنَاقِضْ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي تُرَتُّبِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهَا تَرَتَّبَتْ عَلَى ضَمَانِ الْقِيمَةِ أَوِ التَّغَيُّرِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا، وَإِنَّمَا نَاقِضَةٌ فِي إِيقَاعِ السَّبَبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْقَصْدُ إِلَى السَّبَبِ بِعَيْنِهِ لِيَحْصُلُ بِهِ غَرَضٌ مُطْلَقٌ غَيْرُ الْقَصْدِ إِلَى هَذَا الْمُسَبَّبِ بِعَيْنِهِ الَّذِي هُوَ نَاشِئٌ عن الضمان أو القيمة أو

_ 1 هذا مذهب جمهور الفقهاء واقفين على عموم قوله, عليه الصلاة والسلام: "ليس لقاتلٍ ميراثٌ"، وفهم الإمام مالك أن العلة في حرمان القاتل من الميراث هي المعاملة بنقيض قصده حتى لا يتخذ الناس القتل ذريعة لاستعجال الإرث قبل أوانه؛ فخص الحديث بالمتعمد للقتل، وقضى بصحة إرث المخطئ على عادته في رعاية المصالح، وحمل الأحاديث على ما يطابقها. "خ". 2 بالتأمل يعرف الفرق بين القتل والغصب، حيث أجروا قاعدة سد الذرائع في الأول دون الثاني؛ فمرتبة النفس في حفظ الضروريات غير مرتبة المال، وأيضا في الغصب لا يضيع على المغصوب منه شيء؛ فيمكن تدارك حفظ ماله بالقيمة، ولا يتأتى ذلك في النفس بعد القتل، ويمكن لكل قاتل ادعاء قصد التشفي ولو كان قاصدا للتوابع كالميراث؛ لأنه أمر مستور عنا، فلو أخذ بهذا؛ لطاحت نفوس وهدرت دماء وراء ستار قصد التشفي فقط. "د". 3 في الأصل: "كراهة".

مَجْمُوعِهِمَا، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَصْبَ يَتْبَعُهُ لُزُومُ الضَّمَانِ عَلَى فَرْضِ تَغَيُّرِهِ؛ فَتَجِبُ الْقِيمَةُ بِسَبَبِ التَّغَيُّرِ النَّاشِئِ عَنِ الْغَصْبِ، وَحِينَ وَجَبَتِ الْقِيمَةُ وَتَعَيَّنَتْ؛ صَارَ الْمَغْصُوبُ لِجِهَةِ الْغَاصِبِ مِلْكًا لَهُ1، حِفْظًا لِمَالِ الْغَاصِبِ أَنْ يَذْهَبَ بَاطِلًا بِإِطْلَاقٍ؛ فَصَارَ مِلْكُهُ تَبَعًا لِإِيجَابِ الْقِيمَةِ عَلَيْهِ، لَا بِسَبَبِ الْغَصْبِ؛ فَانْفَكَّ الْقَصْدَانِ، فَقَصْدُ الْقَاتِلِ التَّشَفِّيَ غَيْرُ قَصْدِهِ لِحُصُولِ الْمِيرَاثِ، وَقَصْدُ الْغَاصِبِ الِانْتِفَاعَ غَيْرُ قَصْدِهِ لِضَمَانِ الْقِيمَةِ وَإِخْرَاجُ الْمَغْصُوبِ عَنْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ جَرَى الْحُكْمُ التَّابِعُ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ الْقَاتِلُ وَالْغَاصِبُ عَلَى مَجْرَاهُ، وَتَرَتَّبَ نَقِيضُ مَقْصُودِهِ2 فِيمَا قَصَدَ مُخَالَفَتَهُ، وَذَلِكَ عِقَابُهُ، وَأَخْذُ الْمَغْصُوبِ مِنْ يَدِهِ أَوْ قِيمَتِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ؛ إِلَّا مَا سُدَّتْ فِيهِ الذَّرِيعَةُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ تَوَابِعَ السَّبَبِ، وَهِيَ الَّتِي تَعُودُ عَلَيْهِ بِالْمَصْلَحَةِ ضِمْنًا؛ كَالْوَارِثِ يَقْتُلُ الْمَوْرُوثَ لِيَحْصُلَ لَهُ الْمِيرَاثُ، وَالْمُوصَى لَهُ يَقْتُلُ الْمُوصِي لِيَحْصُلَ لَهُ الْمُوصَى بِهِ، وَالْغَاصِبُ يَقْصِدُ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ فَيُغَيِّرُهُ لِيَضْمَنَ قِيمَتَهُ

_ 1 أي: فقصد الغاصب بالغصب إلى مجرد الانتفاع بقطع النظر عن الملك غير القصد من الغاصب بالغصب إلى الملك، وحيث إن الأخير لم يحصل منه؛ فلا يقال: كيف يملك بسبب الغصب وقد ناقض قصد الشارع حيث لم يجعل الغصب سببا في الملك؟ فإنه إنما ناقض في فعل السبب الممنوع، وسبب الملك هنا ليس هو الغصب الممنوع، بل السبب التغير والضمان وإن ترتبا عليه، فلم ينبن الملك على سبب ناقض فيه قصد الشارع، ويبقى الكلام فيما لو قصد بالغصب التملك ولم يغيره بنفسه، بل حصل فيه موجب فوت المغصوب بدون إرادته، هل يكون حكمه صحة تملكه بالقيمة أم لا؟ لم يفرقوا في الفروع بين القصدين متى حصل موجب الفوت، كما أنهم لم يفرقوا في قتل العمد بين القصدين التشفي وغيره في حرمانه من توابع السبب التي تعود على القاتل بالمصلحة. "د". 2 وهو مطلق الانتفاع بلا مقابل. "د".

وَيَتَمَلَّكَهُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا التَّسَبُّبُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشارع لم يضع1 تِلْكَ الْأَشْيَاءَ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ لِيَحْصُلَ بِهَا فِي خِطَابِ الْوَضْعِ مَصْلَحَةٌ؛ فَلَيْسَتْ إِذًا بِمَشْرُوعَةٍ فِي ذَلِكَ التَّسَبُّبِ، وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ التَّسَبُّبِ الْمَخْصُوصِ كَوْنُهُ مُنَاقِضًا فِي الْقَصْدِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنًا2، حَتَّى لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا قَصَدَهُ الْمُتَسَبِّبُ، فَتَنْشَأُ مِنْ هُنَا قَاعِدَةُ "الْمُعَامَلَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ"، وَيُطْلَقُ الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِهَا إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْقَصْدُ الْمَفْرُوضُ، وَهُوَ مُقْتَضَى3 الْحَدِيثِ فِي حِرْمَانِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ، وَمُقْتَضَى الْفِقْهِ فِي حَدِيثِ الْمَنْعِ مِنْ جَمْعِ الْمُفْتَرِقِ وَتَفْرِيقِ الْمُجْتَمِعِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ4، وَكَذَلِكَ مِيرَاثُ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَرَضِ, أَوْ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ عَلَى مَنْ نَكَحَ فِي الْعِدَّةِ، إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا، أَوْ يَعْتَبَرُ جَعْلُ الشَّارِعِ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ قَصْدُ هَذَا الْقَاصِدِ؛ فَيَسْتَوِي فِي الْحُكْمِ مَعَ الْأَوَّلِ، هَذَا مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ اتِّسَاعُ نَظَرٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَطْعِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ فَلْنَقْبِضْ عَنَانَ الْكَلَامِ فيه.

_ 1 كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "يمنع". 2 فقد قصد بالسبب بعينه إلى المسبب بعينه الذي لم يجعله الشارع من أسبابه؛ فليس الغصب والسرقة مثلا من أسباب الملك في نظر الشارع، ولكنه قصد إلى ذلك؛ فيكون قصده بعينه مناقضا لقصد الشارع بعينه. "د". 3 وإن كان الحديث لم يفرق في القصد، بل قال: "القاتل لا يرث"، فإذا كان قاصدا الميراث بالقتل؛ فظاهر، وإن لم يظهر قصده؛ عومل بذلك أيضا سدا للذريعة، ولو قال: "مقتضى الفقه في الحديثين"؛ كان أحسن. "د". قلت: وسيأتي تخريج حديث: "القاتل لا يرث" في "2/ 521"، وهو صحيح بشواهده كما فصلناه هناك، والله الهادي. 4 سيأتي لفظه وتخريجه "ص424".

النوع الثاني في الشروط

النَّوْعُ الثَّانِي فِي الشُّرُوطِ: وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأَوْلَى: أَنَّ الْمُرَادَ1 بِالشَّرْطِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَا كَانَ وَصْفًا مُكَمِّلًا لِمَشْرُوطِهِ فِيمَا اقْتَضَاهُ ذَلِكَ الْمَشْرُوطُ، أَوْ فِيمَا اقْتَضَاهُ الْحُكْمُ فِيهِ2؛ كَمَا نَقُولُ: إِنَّ الْحَوْلَ أَوْ

_ 1 الشرط من عدمه انعدام ... وليس في وجوده إلزام "منور الأفهام-ماء". 2 يؤخذ من شراح ابن الحاجب أنه كما أن المانع نوعان: مانع للسبب، ومانع للحكم؛ فكذا الشرط شرط للسبب وشرط للحكم، وإن الشرط مطلقا في الحقيقة يرجع إلى أنه مانع، لكن بجهة عدمه، والمسمى مانعا منعه بجهة وجوده، وإن شرط السبب يشتمل عدمه على أمر ينافي حكمة السبب، مثاله البيع سبب في ثبوت الملك، وحكمته حل الانتفاع، وشرطه القدرة على تسليم المبيع، وعدم القدرة يقتضي العجز عن الانتفاع، وهو يخل بحكمة حل الانتفاع، وشرط الحكم اختلفت عبارتهم فيه: فمن قائل: إن عدمه يقتضي حكمه تنافي حكمة الحكم، وعند تطبيقه يتعسر وجود حكمتين مطردتين متنافيتين، فلذلك قال غيره: شرط الحكم ما اشتمل عدمه على حكمة تنافي نفس الحكم، ومثلوه بالصلاة؛ فهي سبب الحكم وهو ترتب الثواب وعدم العقاب، وحكمة الصلاة التوجه لجناب القدس، وشرطها الطهارة؛ فعدم الطهارة يشتمل على أمر هو مخالفة الشارع في جعله الطهارة شرطا للثواب، وهذا ينافي الحكم وهو حصول الثواب وعدم العقاب، وإن كانت حكمة الصلاة -وهي مطلق التوجه لجناب القدس- موجودة فيما هو مسمى الصلاة ولو دون الطهارة. وعليه؛ فشرط السبب عدمه يخل بحكمة السبب؛ فيخل بتسبب الحكم عنه أيضا، وشرط الحكم يخل بالحكم وإن كانت حكمة السبب موجودة؛ فلنعد إلى بيان كلام المؤلف ومقارنته بما قالوه: يقول: إن الشرط "ما كان مكملا للمشروط فيما اقتضاه المشروط"؛ أي: فيما ترتب على المشروط من الحكمة، أي: وإذا كان مكملا له في حكمته؛ فعدم الشرط مخل بحكمته، ولا يخفى أن هذا هو شرط السبب. ثم قال: "أو فيما اقتضاه الحكم فيه"؛ أي: يكون الشرط مكملا للمشروط =

...........................................................................

_ = لا في حكمته هو بل في الحكمة التي اقتضاها الحكم الحاصل بسبب هذا المشروط، وإذا كان كذلك؛ فعدمه يقتضي حكمة تخل بحكمة الحكم، ولا يخفى أن هذا هو شرط الحكم على الرأي الأول الذي اعترض بأنه يتعسر تطبيقه على كل شرط للحكم؛ لاستدعائه حكمتين متنافيتين: إحداهما في عدم الشرط، والأخرى في الحكم، وهو ما لم يذكروا له مثالا فضلا عن اطراده. وقد علمت مثاله على الرأي الثاني، وهو يريد بإدماج النوعين في تعريف واحد جعل الشرط نوعا واحدا كما سيأتي له ذلك في المانع أيضا، ويجعل ذلك اصطلاحه، أما أمثلته؛ فالمثال الأول لشرط السبب لأن ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة، وحكمته التي اقتضاها وصف الغنى، وشرط هذا السبب المكمل له في هذه الحكمة الحول وبعبارة أخرى إمكان النماء؛ لأن استقرار حكم الملك إنما يكون بالتمكن من الانتفاع به في وجود المصالح؛ فقدر له حول جعل مناطا لهذا التمكن الذي يظهر به وجه كونه غنيا، فعدم الشرط وهو التمكن ينافي حكمة السبب وهي الغنى، وعليه؛ فمتى اختلت حكمة السبب لعدم الشرط؛ فلا يترتب الحكم أيضا، فقوله: "أو لحكمة الغنى" تنويع في العبارة، أي: إن ما يقتضيه الملك هو الحكمة التي هي وصف الغنى، وكذا يقال في أمثاله الآتية بعد. ومثاله الثاني لشرط الحكم؛ فالزنى سبب لحكم هو الرجم، وحكمته حفظ النسل وبقاء النوع الإنساني، أي: حكمة ترتب الحكم عليه وشرعيته عنده حفظ النسل، وشرطه الإحصان، فإذا عدم الإحصان؛ كان معذورا، فعدم الحكم وهو الرجم مع بقاء حكمة السبب وهي حفظ النسل؛ لأن حفظ النسل يحصل برجم المحصن وغير المحصن، ولا يخفى عليك أنه لا يظهر في مثاله هذا تطبيقه على ما جرى عليه من أن شرط الحكم مكمل لحكمة الحكم التي اقتضاها؛ لأنه لا يوجد فيه حكمتان متنافيتان بين عدم الشرط والحكم، أما على الرأي الثاني؛ فظاهر كما صورناه. ومثاله الثالث من شرط السبب؛ فالقتل العمد العدوان سبب في القصاص، وحكمته المترتبة من شرعية الحكم عنده الزجر واستتباب الأمن، وشرطه التكافؤ بحيث لا يقتل الأعلى بالأدنى، فإذا عدم الشرط وهو التكافؤ؛ اختلت حكمة السبب وهي الزجر، واستتباب الأمن؛ لأنه يترتب على قتل الأعلى بالأدنى مفسدة، ونزاع وهرج؛ لأنه لا تقبله النفوس، فعدم الشرط مخل بحكمة السبب؛ فلا حكم أيضا. ومثاله الرابع من شرط السبب أيضا؛ فالصلاة سبب للثواب، وحكمتها الانتصاب للمناجاة =

...........................................................................

_ = بالخضوع والأدب، والطهارة شرطها، وعدم الطهارة ينافي حكمة الخضوع والأدب؛ لا يترتب الحكم وهو الثواب. وقوله: "سواء علينا.. إلخ" يشير به إلى ما قالوه في تقسم الحكم الوضعي إلى ما جعله الشارع علة وما جعله سببا وما جعله علامة وما جعله ركنا ... إلخ، كما جاء في "تحرير الكمال"، وشرحه أن الذي وضعه الشارع لحكم فكان ذلك الحكم موقوفا عليه، إن كانت المناسبة ظاهرة بين ما وضع وبين الحكم المشروع لذلك الموضوع، يعني بحيث تتلقاه العقول السليمة بالقبول والتسليم بأن هذا يترتب عليه عند العقل هذا الحكم؛ فيسمى وضع العلة كالقتل العمد العدوان الموجب لانتشار العدوان، وجعله الشارع علة للقصاص لإبطال انتشار القتل المذكور؛ فالعقول السليمة تقبل ترتب هذا الحكم على هذه العلة؛ لأن ملاءمته ظاهرة، وأما إن كانت المناسبة غير ظاهرة إلا بوسائط، وفي الجملة بحيث يقال: إن هذا الموقوف عليه يفضي إلى الحكم في الجملة؛ فيسمى وضع السبب كملك النصاب، فإنه يفضي إلى الغنى في الجملة، وهو يفضي إلى طلب الزكاة، وإن كان جعله الشارع دلالة على الحكم وليس فيه مناسبة ظاهرة ولا إفضاء؛ فهو وضع العلامة كالأوقات للصلاة ... إلخ ما قال؛ فالمؤلف يقول: "إن المنظور إليه في الشرط إنما هو أن يكون مكملا للمشروط؛ سواء أكان الشرط وصفا لما يسمونه سببا يعني كالمثال الثاني، وهو ملك النصاب؛ فالشرط وهو التمكن من النماء وصف له؛ فتقول: يشترط في النصاب أن يكون متمكنا من نمائه، وكما تقول: يشترط في الملك أن يكون تاما، أم كان الشرط وصفا لما يسمونه علة كما في شرط التكافؤ في القتل العمد، فتقول: يشترط في القتل العمد لترتب القصاص أن يحصل من مكافئ للمقتول، أم كان وصفا لما يسمى مسببا؛ كما تقول: يشترط في الملك المسبب من صيغة البيع كونه برضى المتعاقدين، أم كان وصفا لما يسمى معلولا؛ كما تقول: يشترط في القصاص المعلول للقتل العمد أن يكون من الحاكم أو جماعة المسلمين، أم وصفا لمحالها؛ كما تقول: يشترط في القتل الذي يوجب القصاص أن يصدر من عاقل؛ فهو وصف لمحل القتل الذي هو العلة، أم وصفا لمحل المسبب كما تقول: يشترط في ملك المبيع بالعقد أن يكون منتفعا به؛ فكونه منتفعا به قائم بالمبيع الذي تعلق به الملك، يعني: فالمدار على أن يكون الشرط مكملا للمشروط في حكمته أو حكمة الحكم الذي ترتب عليه، وهذا شامل لكل الشروط مهما نظرت إليها بكونها وصفا لأي شيء مما ذكروه من هذه الأنواع، كما أنه شامل أيضا للشروط التي هي أوصاف حقيقية كما =

إِمْكَانَ النَّمَاءِ مُكَمِّلٌ لِمُقْتَضَى الْمِلْكِ أَوْ لِحِكْمَةِ الْغِنَى، وَالْإِحْصَانَ مُكَمِّلٌ لِوَصْفِ الزِّنَى فِي اقْتِضَائِهِ لِلرَّجْمِ، وَالتَّسَاوِي فِي الْحُرْمَةِ مُكَمِّلٌ لِمُقْتَضَى الْقِصَاصِ أَوْ لِحِكْمَةِ الزَّجْرِ، وَالطَّهَارَةَ وَالِاسْتِقْبَالَ وَسِتْرَ الْعَوْرَةِ مُكَمِّلَةٌ لِفِعْلِ الصَّلَاةِ أَوْ لِحِكْمَةِ الِانْتِصَابِ لِلْمُنَاجَاةِ وَالْخُضُوعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ وَصْفًا لِلسَّبَبِ أَوِ الْعِلَّةِ، أَوِ الْمُسَبَّبِ أَوِ المعلول, أو لمحالها، أو لغي ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُقْتَضَى الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ ذَلِكَ الْمَشْرُوطِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لَهُ، بِحَيْثُ1 يُعْقَلُ الْمَشْرُوطُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الشُّرُوطِ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَكِسْ، كَسَائِرِ الْأَوْصَافِ مَعَ الْمَوْصُوفَاتِ حَقِيقَةً أَوِ اعْتِبَارًا، وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّطْوِيلِ هنا؛ فإنه تقرير اصطلاح.

_ = تقول: يشترط في وجوب الصلاة العقل والبلوغ، أو اعتبارية كما تقول: يشترط لصحتها طهارة الحدث ولصحة الشهادة الحرية؛ فالأولان وصفان حقيقيان والأخيران اعتباريان ثبوتهما بمجرد اعتبار الشارع. وبهذا البيان تعلم أنه لم يخالف اصطلاحهم إلا في العبارة، وجعل النوعين للشرط مندرجين في عبارة واحدة، مع أنك ترى فيها النوعين صريحين، ولكنه يريد أن يجعل الشرط شرطا للسبب مطلقا؛ إلا أنه تارة يكون مكملا لحكمته هو، أو مكملا لحكمة الحكم المترتب عليه والمآل واحد، وسيأتي له في المانع جعله قسما واحدا وهو مانع السبب فقط كما هو صريح تعريفه له وإدراجه الأمثلة التي ذكروها للنوعين تحته، وسيأتي الكلام معه فيه. لا يقال: إنه لم يذكر في الشرط أن عدمه ينافي أو لا ينافي، وإنما اعتبر كونه مكملا، وهم قد اعتبروا فيه المنافاة؛ فاصطلاحه بعيد عن اصطلاحهم، لنا نقول أولا: إن عدم المكمل ينافي كمال المكمل؛ سواء أكان سببا، أم حكما؛ فهو آيل إلى كلامهم، وثانيا، فإن الشرط والمانع من باب واحد كلاهما يعد مانعا، ولا فرق إلا أن هذا مانع بجهة عدمه، وقد صرح في المانع بالتنافي بين مقتضى المانع وعلة الحكمة كما يأتي؛ فلا معنى لاعتبار التنافي في أحد المانعين دون الآخر، وبالجملة؛ فقد أراد أن يخالف الاصطلاح كما يقول، وأوجز حتى صار الكلام ألغازا؛ فاضطرنا إلى هذا الإطناب، والله أعلم. "د". 1 في "ط": "وبحيث".

المسألة الثانية: وَإِذْ ذُكِرَ اصْطِلَاحُ هَذَا الْكَتَابِ فِي الشَّرْطِ؛ فَلْيُذْكَرِ اصْطِلَاحُهُ فِي السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَالْمَانِعِ. فَأَمَّا السَّبَبُ؛ فَالْمُرَادُ بِهِ: مَا وُضِعَ1 شَرْعًا لِحُكْمٍ لِحِكْمَةٍ يَقْتَضِيهَا ذَلِكَ الْحُكْمُ، كَمَا كَانَ حُصُولُ النِّصَابِ سَبَبًا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالزَّوَالُ سَبَبًا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَالسَّرِقَةُ سَبَبًا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَالْعُقُودُ أَسْبَابًا فِي إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ أَوِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْعِلَّةُ؛ فَالْمُرَادُ بِهَا: الْحِكَمُ وَالْمَصَالِحُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ2 بِهَا الأوامر أو

_ 1 أي: وصف ظاهر منضبط بخلاف العلة؛ فلا يلزم فيها الوصفان، كما سيقول, وقوله: "لحكم"؛ أي: وضعي أو تكليفي؛ فإباحة الانتفاع حكم تكليفي، وانتقال الأملاك حكم وضعي. "د". قلت: انظر السبب ومباحثه عند الأصوليين في "شرح الكوكب المنير" "1/ 359، 445"، و"التمهيد" للكلوذاني "1/ 68"، و"المستصفى" "1/ 94"، و"جمع الجوامع" "1/ 94"، و"أصول السرخسي" "2/ 301"، و"التلويح على التوضيح" "3/ 102"، و"شرح تنقيح الفصول" "81"، و"مختصر المنتهى" "2/ 7- مع العضد والحواشي"، و"نشر البنود" "1/ 42"، و"إرشاد الفحول" "6، 7". 2 أي: شرعت عندها، وظاهر كلامه قصرها على ما تعلق به حكم تكليفي، مع أن الواقع أن العلة أعم، فدفع حاجة المتعاقدين في البيوع مثلا حكمة تعلق بها انتقال الملك. "د". قلت: انظر في مناقشة تعريف المصنف وما يؤخذ عليه: "مباحث العلة في القياس" "ص92"، وانظر عن العلة: "نبراس العقول" "215 وما بعدها"، و"المسودة" "385"، و"شرح الكوكب المنير" "4/ 15"، و"المستصفى" "2/ 230"، و"الإحكام" "3/ 276" للآمدي، و"اللمع" "58"، و"أصول السرخسي" "2/ 174"، و"تيسير التحرير" "3/ 302"، و"المحلى على جمع الجوامع" "2/ 231"، و"شرح العضد" "2/ 209"، و"الإبهاج" "3/ 28"، و"فواتح الرحموت" "3/ 249"، و"إرشاد الفحول" "207".

الْإِبَاحَةُ، وَالْمَفَاسِدُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَا النَّوَاهِي؛ فَالْمَشَقَّةُ عِلَّةٌ فِي إِبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَالسَّفَرُ هُوَ السَّبَبُ الْمَوْضُوعُ سَبَبًا لِلْإِبَاحَةِ؛ فَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ الْعِلَّةُ هِيَ الْمَصْلَحَةُ نَفْسُهَا أَوِ الْمَفْسَدَةُ لَا مَظِنَّتُهَا1، كَانَتْ ظَاهِرَةً أَوْ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ، مُنْضَبِطَةً أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قوله, عليه الصلاة والسلام: "لا يقضي القاضي وَهُوَ غَضْبَانُ" 2؛ فَالْغَضَبُ سَبَبٌ، وَتَشْوِيشُ الْخَاطِرِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ هُوَ الْعِلَّةُ3، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ هُنَا لَفْظُ السَّبَبِ عَلَى نَفْسِ الْعِلَّةِ لِارْتِبَاطِ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ. وَأَمَّا الْمَانِعُ؛ فَهُوَ السَّبَبُ الْمُقْتَضِي لِعِلَّةٍ تُنَافِي عِلَّةَ مَا مَنَعَ4؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَبَبٍ مُقْتَضٍ لِحُكْمٍ لِعِلَّةٍ فِيهِ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَانِعُ وَهُوَ مُقْتَضٍ عِلَّةً تُنَافِي تِلْكَ الْعِلَّةَ؛ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَبَطَلَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ، لَكِنْ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ مَانِعًا أَنْ يَكُونَ مُخِلًّا بِعِلَّةِ السَّبَبِ الَّذِي نُسِبَ لَهُ الْمَانِعُ5؛ فيكون رفعا

_ 1 أما المظنة؛ فهي التي جعلها الشارع سببا للحكم بحيث ينضبط به؛ كالسفر مثلا. "د". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأحكام، باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان، 13/ 136/ رقم 7158"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الأقية، باب كراهية قضاء القاضي وهو غضبان، 3/ 1342-1343/ رقم 1717"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب آداب القضاة، باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يجتنبه، 8/ 237-238"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، 2/ 776/ رقم 2316" من حديث أبي بكرة, رضي الله عنه. 3 ولما كان التشويش وصفا غير منضبط، وكان الغضب مظنته، وكان وصفا ظاهرا؛ ضبط به وجعل سببا. "د". 4 جرى على أن المانع مطلقا يقتضي علة تنافي علة السبب حتى فيما يسميه الأصوليون مانع الحكم؛ كما تراه في تعريفه وسائر بيانه، وهو اصطلاح له كما صدر به المسألة، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن إذا كان مبنيا على أمر معقول، وستأتي مناقشته في هذا الأمر. "د". 5 المعروف في الأصول أن المانع ينقسم إلى مانع الحكم، وهو ما يستلزم حكمة تقتضي بقاء نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب؛ كالأبوة مع القتل العمد العدوان، وإلى مانع السبب وهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب كالدين مع ملك النصاب. "خ".

لِحُكْمِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ كَانَ حُضُورُهُ مَعَ مَا هُوَ مَانِعٌ لَهُ مِنْ بَابِ تَعَارُضِ سَبَبَيْنِ أَوْ حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وَهَذَا بَابُهُ كِتَابُ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ، فَإِذَا قُلْنَا: الدَّيْنُ مَانِعٌ مِنَ الزَّكَاةِ؛ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي افْتِقَارَ الْمِدْيَانِ إِلَى مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنُهُ، وَقَدْ تَعَيَّنَ فِيمَا بِيَدِهِ مِنَ النِّصَابِ؛ فَحِينَ تَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ انْتَفَتْ حِكْمَةُ وُجُودِ النصاب، وهي الغنى الذي هو عِلَّةُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ فَسَقَطَتْ1، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي الْأُبُوَّةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْقِصَاصِ؛ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ عِلَّةً تُخِلُّ بِحِكْمَةِ الْقَتْلِ2 الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ3، وَمَا أَشْبَهَ ذلك مما هو كثير.

_ 1 هذا أحد مدارك جمهور أهل العلم القائلين بعدم وجوب الزكاة على من عليه دين يستغرق النصاب أو ينقصه، وذهب الشافعية إلى وجوبها عليه نظرا إلى أن الزكاة حق متعلق بعين المال؛ فتقدم على الدين الذي هو متعلق بالذمة، وهذا مذهب المالكية أيضا في زكاة الحرث والماشية، وأما زكاة العين؛ فوافقوا فيها الجمهور بناء على أن تفويضها إلى أمانة المزكي جعلها كالدين المتعلق بالذمة، وترجح جانب صاحب الدين لتقدم حقه على حق مستحق الزكاة؛ ولأنه حق لمعين؛ فيقدم على الحق الثابت لغير معين. "خ". وفي "ط": "علة في وجوب ... ". 2 جرى في المانع على أنه لا بد فيه من علة تنافي علة السبب، وجعله نوعا واحدا، وأدرج ما يسمونه مانع الحكم في مانع السبب، ومثل لمانع السبب بالمثالين اللذين جعلوا الأول منهما مثالا لمانع السبب, والثاني مثالا لمانع الحكم، وظاهر أن مثال الأبوة الذي جعلوه مثالا لمانع الحكم فيه حكمة المانع -وهي: كون الأب سببا لوجود الابن- هذه لا تخل بتحقق حكمة السبب وهي الزجر؛ إذ الزجر والانكفاف وضرورة استتباب الأمن لا تزال قائمة إذا اقتص من الوالد فلم يخل بها حكمة الأبوة حتى يكون في هذا ما يخل بحكمة السبب كما يريد، بل فيه تعارض سببين؛ فكان مقتضى تقريره في المانع ألا تعد الأبوة مانعا؛ فأنت ترى أن قصره المانع على ما نافت حكمته حكمة السبب أخرج هذا النوع من المانع، وصير تعريف المانع قاصرا، وعليه؛ فاصطلاحه مبني على اطراد أن كل مانع فيه علة تنافي علة السبب؛ فعليه تحقيق ذلك، وما لم يتحقق لا يكون هناك وجه للعدول عن كلام الأصوليين في جعلهم المانع نوعين. "د". 3 هذه العلة هي كون الأب سببا في وجوب الابن؛ فلا يليق أن يكون الابن سببا في عدمه، قال أبو بكر بن العربي: حضرت فخر الإسلام ببغداد يناظر القاضي أبا ثعلب الواسطي؛ فقال القاضي أبو ثعلب: لا يقتل الأب بابنه لأنه سبب وجوده؛ فلا يكون سبب عدمه. فقال فخر الإسلام: هذا يبطل بما إذا زنى بابنته؛ فإنه سبب وجودها ويقتل بزناه بها. وفي الزنى مفسدة أعظم وأعم من مفسدة القتل؛ فيصح أن يكون لها تأثير في اختلاف حكمهما، ومن أدلة المسألة حديث ابن عباس: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد" "خ".

المسألة الثالثة: الشُّرُوطُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْعَقْلِيَّةُ؛ كَالْحَيَاةِ فِي الْعِلْمِ، وَالْفَهْمِ فِي التَّكْلِيفِ. وَالثَّانِي: الْعَادِيَّةُ؛ كَمُلَاصِقَةِ النَّارِ الْجِسْمَ الْمُحْرَقَ, فِي الْإِحْرَاقِ، وَمُقَابَلَةِ الرَّائِي لِلْمَرْئِيِّ وَتَوَسُّطِ الْجِسْمِ الشَّفَّافِ فِي الْإِبْصَارِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: الشَّرْعِيَّةُ؛ كَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْإِحْصَانِ فِي الزِّنَى، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، فَإِنْ حَدَثَ التَّعَرُّضُ لِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَمِنْ حَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَيَصِيرُ إِذْ ذَاكَ شَرْعِيًّا بهذا الاعتبار؛ فيدخل تحت القسم الثالث. المسألة الرابعة: افْتَقَرْنَا إِلَى بَيَانِ أَنَّ الشَّرْطَ مَعَ الْمَشْرُوطِ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ وَلَيْسَ بِجُزْءٍ، وَالْمُسْتَنَدُ فِيهِ الِاسْتِقْرَاءُ فِي الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَوْلَ هُوَ الْمُكَمِّلُ لِحِكْمَةِ1 حُصُولِ النِّصَابِ وَهِيَ الْغِنَى فَإِنَّهُ إِذَا مَلَكَ فَقَطْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ إِلَّا بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ؛ فَجَعَلَ الشَّارِعُ الْحَوْلَ مَنَاطًا لِهَذَا التَّمَكُّنِ الَّذِي ظَهَرَ بِهِ وَجْهُ الْغِنَى، والحنث في اليمين مكمل

_ 1 في "ط": "الحول مكمل لحكمة ... ".

لِمُقْتَضَاهَا؛ فَإِنَّهَا لَمْ يُجْعَلْ لَهَا كَفَّارَةٌ إِلَّا وَفِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا جِنَايَةٌ مَا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْرِيرِهَا؛ فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَتَحَقَّقُ مُقْتَضَى الْجِنَايَةِ إِلَّا عِنْدَ الْحِنْثِ فَعِنْدَ ذَلِكَ كَمُلَ مُقْتَضَى الْيَمِينِ وَالزُّهُوقُ1 أَيْضًا مُكَمِّلٌ لِمُقْتَضَى إِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ الْمُوجِبِ2 لِلْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَمُكَمِّلٌ لِتَقَرُّرِ حُقُوقِ الْوَرَثَةِ فِي مَالِ الْمَرِيضِ مَرَضًا مُخَوِّفًا3، وَالْإِحْصَانُ مُكَمِّلٌ لِمُقْتَضَى جِنَايَةِ الزِّنَى الْمُوجِبَةِ لِلرَّجْمِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ مَشْرُوطَاتِهَا. وَرُبَّمَا يُشْكِلُ هَذَا التَّقْرِيرُ بِمَا يُذْكَرُ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، وَالْإِيمَانَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ وَالتَّقَرُّبَاتِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ إِنْ لَمْ يَكُنْ؛ فَالتَّكْلِيفُ مُحَالٌ عَقْلًا أَوْ سَمْعًا، كَتَكْلِيفِ الْعَجْمَاوَاتِ وَالْجَمَادَاتِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ مُكَمِّلٌ؟ بَلْ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ مُكَمِّلٌ لِلْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ عِبَادَةَ الْكَافِرِ لَا حَقِيقَةَ لَهَا يَصِحُّ أَنْ يُكَمِّلَهَا الْإِيمَانُ، وَكَثِيرٌ مِنْ هَذَا. وَيَرْتَفِعُ هَذَا الْإِشْكَالُ4 بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا مِنَ الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ5، وكلامنا في الشروط الشرعية.

_ 1 خروج أي روح. "ماء". 2 إن اعتبر الزهوق مكملا لحكمة المشروط وهو القتل؛ كان من النوع الأول للشرط، وإن كان مكملا لحكمة الزجر المترتبة على القصاص؛ كان من النوع الثاني. "د". 3 فمجرد المرض المذكور سبب في تقرر حقوقهم، ولكن شرطه الموت. "د". 4 أي: في العقل خاصة، أما الإيمان؛ فجوابه يأتي بعده بعدم التسليم بشرطيته. "د". 5 ولكنا قلنا: إذا اعتبرها الشرع من حيث تعلق بها حكم شرعي؛ صارت شرعية تدخل تحت قسم الشروط الشرعية، وتنالها أحكامها؛ إلا أن يقال: إن كلامنا في الشرعية الصرفة التي ليست في الأصل عادية ولا عقلية، ولكن هذا لا يتناسب مع اعتباره الزهوق شرطا، وقد سلمه. "د".

وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَقْلَ فِي الْحَقِيقَةِ شَرْطٌ مُكَمِّلٌ لِمَحَلِّ التَّكْلِيفِ1 وَهُوَ الْإِنْسَانُ، لَا فِي نَفْسِ التَّكْلِيفِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ مُكَمِّلٌ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ؛ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ, أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَاتِ التَّوَجُّهُ إِلَى الْمَعْبُودِ بِالْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ؟ وَهَذَا فَرْعُ الْإِيمَانِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ أَصْلُ الشَّيْءِ وَقَاعِدَتُهُ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا شَرْطًا فِيهِ؟ هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَمَنْ أَطْلَقَ هُنَا لَفْظَ الشَّرْطِ؛ فَعَلَى التَّوَسُّعِ فِي الْعِبَارَةِ. وَأَيْضًا، فَإِنْ سُلِّمَ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ؛ فَفِي الْمُكَلَّفِ لَا فِي التَّكْلِيفِ, وَيَكُونُ شَرْطَ صِحَّةٍ عِنْدَ بَعْضٍ، وَشَرْطَ وُجُوبٍ عِنْدَ بَعْضٍ -فِيمَا عَدَا التَّكْلِيفَ بِالْإِيمَانِ- حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي مَسْأَلَةِ خطاب الكفار بالفروع. المسألة الخامسة: الْأَصْلُ الْمَعْلُومُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ مُتَوَقِّفَ التَّأْثِيرِ عَلَى شَرْطٍ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ الْمُسَبَّبُ دُونَهُ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ شَرْطُ الْكَمَالِ وَشَرْطُ الْإِجْزَاءِ؛ فَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالْكَمَالِ مَعَ فَرْضِ تَوَقُّفِهِ عَلَى شَرْطٍ، [كَمَا لَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْإِجْزَاءِ مَعَ فَرْضِ تَوَقُّفِهِ عَلَى شَرْطٍ] 2، وَهَذَا مِنْ كَلَامِهِمْ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ وُقُوعُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ؛ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ، وَقَدْ فُرِضَ كَذَلِكَ، هَذَا خَلْفٌ. وَأَيْضًا، لَوْ صَحَّ ذَلِكَ؛ لَكَانَ مُتَوَقِّفَ الْوُقُوعِ عَلَى شَرْطِهِ غَيْرَ مُتَوَقِّفِ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ مَعًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الشَّرْطَ مِنْ حَيْثُ هُوَ [شَرْطٌ] 3 يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ المشروط

_ 1 أي: فيكون في التعبير بشرط التكليف تساهل، والغرض هو ما ذكر. "د". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 3 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط"، وسقط من النسخ المطبوعة.

إِلَّا عِنْدَ حُضُورِهِ, فَلَوْ جَازَ وُقُوعُهُ دُونَهُ؛ لَكَانَ الْمَشْرُوطُ وَاقِعًا وَغَيْرَ وَاقِعٍ مَعًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالْأَمْرُ أَوْضَحُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِيهِ. وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَصْلٌ آخَرُ، وَعُزِيَ إِلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا حَضَرَ سَبَبُهُ وَتَوَقَّفَ حُصُولُ مُسَبَّبِهِ عَلَى شَرْطٍ؛ فَهَلْ يَصِحُّ وُقُوعُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ؛ اعْتِبَارًا بِاقْتِضَاءِ السَّبَبِ، أَوْ بِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ، فَمَنْ رَاعَى السَّبَبَ وَهُوَ مقتضٍ لِمُسَبَّبِهِ؛ غلَّب اقْتِضَاءَهُ وَلَمْ يُرَاعِ تَوَقُّفَهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَمَنْ رَاعَى الشَّرْطَ وَأَنَّ تَوَقُّفَ السَّبَبِ عَلَيْهِ مَانِعٌ مِنْ وُقُوعِ مُسَبَّبِهِ؛ لَمْ يُرَاعِ حُضُورَ السَّبَبِ بِمُجَرَّدِهِ، إِلَّا أَنْ يَحْضُرَ الشَّرْطُ فَيَنْتَهِضُ السَّبَبُ عِنْدَ ذَلِكَ فِي اقْتِضَائِهِ. وَرُبَّمَا أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْأَصْلِ مُطْلَقًا1، وَيُمَثِّلُونَ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ، مِنْهَا: إِنَّ حُصُولَ النِّصَابِ سَبَبٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَدَوَرَانَ الْحَوْلِ شَرْطُهُ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْحَوْلِ عَلَى الْخِلَافِ. وَالْيَمِينَ سَبَبٌ فِي الْكَفَّارَةِ، وَالْحِنْثَ شَرْطُهَا، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَإِنْفَاذَ الْمَقَاتِلِ سَبَبٌ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، وَالزُّهُوقَ شَرْطٌ، وَيَجُوزُ الْعَفْوُ قَبْلَ الزُّهُوقِ وَبَعْدَ السَّبَبِ, وَلَمْ يَحْكُوا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ خِلَافًا. وَفِي الْمَذْهَبِ: إِذَا جَعَلَ الرَّجُلُ أَمْرَ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا بِيَدِ زوجة هي في ملكه،

_ 1 تعرض القرافي في الثالث والثلاثين من "قواعده" [1/ 196] لهذا المبحث، وذكر أن الحكم الذي يتقدم على سببه وشرطه غير معتبر إجماعا، والذي يتأخر عن السبب ويتقدم عن الشرط يختلف العلماء في كثير من صوره؛ هل هو معتبر أو لا؟ ثم ضرب لذلك أمثلة وأهمها ما تصدى المصنف للجواب عنه في هذا التحرير. "خ".

إِنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ أَوْ أَبْقَتْ، فَاسْتَأْذَنَهَا1 فِي التَّزْوِيجِ فَأَذِنَتْ لَهُ، فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا أَرَادَتْ هَذِهِ أن تطلق عليه، قال مَالِكٌ: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا قَدْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ جَرَيَانِ السَّبَبِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ. وَإِذَا أَذِنَ الْوَرَثَةُ عِنْدَ الْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ جَازَ، مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَتَقَرَّرُ مِلْكُهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَالْمَرَضُ هُوَ السَّبَبُ لِتَمَلُّكِهِمْ، وَالْمَوْتُ شَرْطٌ؛ فَيُنَفَّذُ إِذْنُهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ -خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ- وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الشَّرْطُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ بِإِنْفَاذِ إِذْنِهِمْ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ؛ فَالسَّبَبُ عَلَى رَأْيِ هَؤُلَاءِ هُوَ الْقَرَابَةُ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَوْتَ شَرْطٌ. وَفِي الْمَذْهَبِ: مَنْ جَامَعَ فَالْتَذَّ وَلَمْ يُنْزِلْ فَاغْتَسَلَ فأنزل2 فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ ثَانِيَةً قَوْلَانِ، وَنَفْيُ الْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْغُسْلِ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْ مَقَرِّهِ، وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَلَا يَغْتَسِلُ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، هَذِهِ حُجَّةُ سَحْنُونَ وَابْنِ الْمَوَّازِ؛ فَالسَّبَبُ هُوَ الِانْفِصَالُ، وَالْخُرُوجُ شَرْطٌ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ، إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ تُدَارُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُعَارَضَةِ لِلْأَصْلِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْضِي بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُقُوعُ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَالثَّانِي يَقْضِي بِأَنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَرُبَّمَا صَحَّ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَفْوِ قَبْلَ الزُّهُوقِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ الْأَصْلَانِ مَعًا بِإِطْلَاقٍ، وَالْمَعْلُومُ صِحَّةُ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ في

_ 1 المذكور في كتب المذهب أنه إذا ملكها أمر امرأة يتزوجها، ثم أسقطت حقها الذي ملكها إياه بأن قالت مثلا: أسقطت حقي، ثم تزوج بالمرأة التي جعل لزوجته حق تطليقها، فإذا أرادت أن تتمسك بهذا الحق؛ فليس لها ذلك على المشهور المعتمد، ومقابله ضعيف، وبتنزيل كلام المؤلف عليه يظهر الكلام هنا، والجواب الآتي، أما مجرد الإذن له على ما هو ظاهر كلامه؛ فإنه لا يسقط حقها ولا يتم معه الجواب الآتي، ولا يخفى عليك أن قوله: "بناء على ... إلخ" ليس من مقول مالك "د". 2 في "ط": "ثم أنزل".

كَلَامِهِمْ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي: أَمَّا أَوَّلًا؛ فَنَفْسُ التَّنَاقُضِ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ كافٍ فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ1 الْأَصْلِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تِلْكَ الْمَسَائِلَ جَارِيَةٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْطِ؛ فَإِنَّا نَقُولُ: مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ قَبْلَ [حُلُولِ] 2 الْحَوْلِ مُطْلَقًا -مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِنَا- فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الِانْحِتَامِ؛ فَالْحَوْلُ كُلُّهُ كَأَنَّهُ وَقْتٌ -عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ- لِوُجُوبِ3 الزَّكَاةِ مُوَسَّعٌ، وَيَتَحَتَّمُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَسَائِرِ أَوْقَاتِ التَّوْسِعَةِ، وَأَمَّا الْإِخْرَاجُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ -عَلَى مَذْهَبِنَا- فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الشَّيْءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، فَشَرْطُ الْوُجُوبِ حَاصِلٌ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي شَرْطِ الْحِنْثِ: مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي الِانْحِتَامِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ، لَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الزُّهُوقِ؛ فَهُوَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ، لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعَفْوِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ إِذِ الْعَفْوُ بَعْدَهُ لَا يُمْكِنُ4؛ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ قَبْلَهُ إِنْ وَقَعَ، وَلَا يَصِحُّ5 أَنْ يَكُونَ شَرْطًا إِذْ ذَاكَ فِي صحته، ووجه صحته أنه

_ 1 أي: بإطلاق ليصح التناقض. "د". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، واستظهرها ناسخ المخطوط. 3 ومثل هذا الجواب للسعد في "حاشيته" على ابن الحاجب في مسألة الأداء والقضاء. "د". 4 وهو ظاهر متى كان الاعتراض في خصوص عفو المجروح. "د". 5 لو كان تفريعا بالفاء؛ لكان أوضح. "د".

حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَجْرُوحِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ؛ فَجَازَ عَفْوُهُ عَنْهُ مُطْلَقًا1 كَمَا يَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْ سَائِرِ الْجِرَاحِ، وَعَنْ عِرْضه إِذَا قُذِفَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُدْرَكَ حُكْمِ الْعَفْوِ لَيْسَ مَا قَالُوهُ2 أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْمَجْرُوحِ وَلَا لِأَوْلِيَائِهِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ أَوْ أَخْذُ دِيَةِ النَّفْسِ كَامِلَةً قَبْلَ الزُّهُوقِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالُوهُ؛ لَكَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ3. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَمْلِيكِ الْمَرْأَةِ؛ فَإِنَّهَا لَمَّا أَسْقَطَتْ حَقَّ نَفْسِهَا فِيمَا شَرَطَتْ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ تَزَوُّجِهِ؛ لَمْ يَبْقَ لَهَا مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَتْ تَمْلِكُهُ بِالتَّمْلِيكِ قَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا4 فِيهِ بَعْدَ مَا جَرَى سَبَبُهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِتُزَوُّجِهِ تَأْثِيرٌ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِسْقَاطِ، وَهُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ. وَمَسْأَلَةُ إِذْنِ الْوَرَثَةِ بَيِّنَةُ5 الْمَعْنَى؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ سَبَبٌ فِي صِحَّةِ الْمِلْكِ لَا فِي تَعَلُّقِهِ، وَالْمَرَضَ سَبَبٌ فِي تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِمَالِ الْمَوْرُوثِ لَا فِي تَمَلُّكِهِمْ لَهُ؛ فَهُمَا سَبَبَانِ، كل واحد منهما يَقْتَضِي حُكْمًا لَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ، فَمِنْ حَيْثُ

_ 1 أي: زاد عن ثلث ماله أم لا؛ فلا شأن للورثة بذلك. "د". 2 أي: فيما سبق من بنائه على أن مجرد حصول السبب قاضٍ بترتب المسبب, وإن لم يحصل الشرط اعتبارا باقتضاء السبب. "د". 3 ومعلوم أن الزهوق شرط في القصاص والدية، وقد اتفقوا على أنه إن لم يحصل هذا الشرط؛ فلا يتأتى القصاص ولا أخذ دية النفس، فاتفاقهم دليل على أن مجرد حصول السبب بدون الشرط لا يترتب عليه المسبب، ولو كان هناك من يقول باعتبار السبب وحده بدون الشرط؛ لكان قائلا بصحة استيفاء الدية والقصاص قبل تحقق الشرط وهو الزهوق، ولم يقل بذلك أحد؛ فدل على اعتبار الجميع للشرط في تحقق حكم المسبب. "د". 4 أي: فليس تزوج المرأة شرطا في صحة التمليك؛ لأن الملك تم بمجرد الصيغة، غايته أن أثره إنما يكون بعد التزوج، فإذا أسقطت الملك؛ فليس إسقاطا قبل حصول الشرط في الملك. "د". 5 في الأصل: "مبينة".

كَانَ الْمَرَضُ سَبَبًا لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ وَإِنْ لَمْ يكن ملك كَانَ إِذْنُهُمْ وَاقِعًا فِي [مَحَلِّهِ] لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِ الْمَوْرُوثِ صَارَتْ لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكِ, فَإِذَا أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مُطَالَبَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي الْحَالِ الَّذِي أَنْفَذُوا تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِيهِ حَالَةَ الْمَرَضِ كَالْأَجَانِبِ1، فَإِذَا حَصَلَ الْمَوْتُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ كَالثُّلُثِ وَ [قَوْلُ] 2 الْقَائِلِ بِمَنْعِ الْإِنْفَاذِ يَصِحُّ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَوْتَ شَرْطٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَذِنُوا قَبْلَ التَّمْلِيكِ3 وَقَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ؛ فَلَا يَنْفُذُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ مَعَ مَشْرُوطَاتِهَا. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْإِنْزَالِ فَيَصِحُّ4 بِنَاؤُهَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي هَذَا الْغُسْلِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْزَالٌ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ لَذَّةٍ. فَعَلَى الْجُمْلَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا التَّخْرِيجُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشرط.

_ 1 فقد أسقطوا المقدار الذي ترتب لهم على مرض مورثهم، وصاروا كالأجانب لا يقبل منهم بعد الموت كلام فيما تصرف فيه زائدا على الثلث؛ كحال الأجانب في ذلك، وكل هذا خارج عن تقرر ملك لهم في حالة المرض. "د" وفي "ط": "صاروا في المال ... ". 2 ما بين المعقوفتين زيادة من "ط" و"م". 3 أي: قبل تمامه بحصول شرطه. "د". وفي "ط": "قبل التملك أو قبل ... ". 4 أي: تبنى على أن الجماع ليس من شرط وجوب الغسل فيه الإنزال، وفرض المسألة الجماع؛ فدعوى أن الإنزال شرط ليست بصحيحة في هذا الفرض، أو يقال: إن عدم وجوب الغسل مبني على ما هو أعم من ذلك، وهو أن كل إنزال لم يقترن بلذة يكون كالعدم لا حكم له، ولو لم يكن ناشئا عن الجماع، اللهم إلا ما كان في النوم؛ فإنهم وإن لم يشترطوا مقارنته للذة إلا أنه لما كانت الحالة حالة نوم وغفلة عن ضبط اللذة مع كون الغالب أن المني لا يكون إلا مع لذة؛ طردوا الباب في النوم حتى فيما لم يشعر فيه باللذة، وهذا إنما يصح إذا سلمنا أنه يشترط مقارنة اللذة في اعتبار الإنزال موجبا، مع أنهم صرحوا في غير الجماع بأن الإنزال بسبب اللذة موجب للغسل، وإن لم يقارنها، بل تأخر عنها؛ فتأمل، ثم رأيت أن ما قلناه ليس متفقا عليه بل هو المعتمد، ومقابله يشترط في الإنزال الموجب للغسل أن يكون بلذة مقارنة، حتى إذا التذ وبعد انقضاء اللذة خرج منه المني؛ فإنه لا يطالب بالغسل مطلقا، سواء اغتسل قبل خروجه -وإن لم يطالب به- أو لم يغتسل؛ فكلام المؤلف مبني على هذا. راجع الزرقاني وحاشية العدوي عليه. "د".

المسألة السادسة: الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَشْرُوطَاتِ شَرْعًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ إِمَّا مَأْمُورًا بِتَحْصِيلِهَا -كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَأَخْذِ الزِّينَةِ لَهَا وَطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ- وَإِمَّا مَنْهِيًّا عَنْ تَحْصِيلِهَا -كَنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ الَّذِي هُوَ شرط لمراجعة الزوج الأول والجمع بين المتفرق وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِنُقْصَانِ الصَّدَقَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ- فَهَذَا الضَّرْبُ وَاضِحٌ قَصْدُ الشَّارِعِ فِيهِ, فَالْأَوَّلُ مَقْصُودُ الْفِعْلِ وَالثَّانِي مَقْصُودُ التَّرْكِ وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ الْمُخَيَّرُ فِيهِ -إِنِ اتَّفَقَ1- فَقَصْدُ الشَّارِعِ فِيهِ جَعْلُهُ لِخِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ فَيَحْصُلُ الْمَشْرُوطُ, وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ فَلَا يَحْصُلُ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَالْإِحْصَانِ فِي الزِّنَى وَالْحِرْزِ فِي الْقَطْعِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ, فَهَذَا الضَّرْبُ لَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَرْطٌ وَلَا فِي عَدَمِ تَحْصِيلِهِ فَإِبْقَاءُ النِّصَابِ حَوْلًا حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ لَيْسَ بِمَطْلُوبِ الْفِعْلِ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ عَلَى [صَاحِبِهِ] 2 إِمْسَاكُهُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ, وَلَا مَطْلُوبِ التَّرْكِ أن يقال:

_ 1 كالنكاح الذي يكون به محصنا؛ فهو مباح وشرط في ترتب حكم الرجم على الزنى. "د". 2 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"م" و"خ" و"ط"، وسقطت من "د".

يَجِبُ عَلَيْهِ إِنْفَاقُهُ خَوْفًا أَنْ تَجِبَ فِيهِ الزَّكَاةُ, وَكَذَلِكَ الْإِحْصَانُ, لَا يُقَالُ: إِنَّهُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ1 لِيَجِبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ إِذَا زَنَى, وَلَا مَطْلُوبُ التَّرْكِ لِئَلَّا يَجِبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ إِذَا زَنَى. وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَطْلُوبًا, لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ, وَقَدْ فَرَضْنَاهُ كَذَلِكَ, هَذَا خَلْفٌ, وَالْحُكْمُ فِيهِ ظَاهِرٌ2. فَإِذَا تَوَجَّهَ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِلَى فِعْلِ الشَّرْطِ أَوْ إِلَى تَرْكِهِ, مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ, وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ3، مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَوْ مُخَيَّرًا فِيهِ أَوْ لَا, فَإِنْ كَانَ ذلك, فلا إشكال فيه؛ وتنبني

_ 1 أي: ليس مطلوب التحصيل بفعل سببه وهو النكاح، وإلا؛ فالإحصان وصف لا يفعل. "د". 2 في "م": "ظاهرة"؛ فضبط الجملة الأستاذ محيي الدين تبعا لذلك: "والحِكَمُ فيه ظاهرة". 3 لا يقال: موضوع المسألة عام في الضربين، وقد خصه بخطاب التكليف؛ فيكون خاصا بالضرب الأول في المسألة قبلها، وهذا لا يناسب فرض المسألة كما لا يناسب الأمثلة الآتية. لأنا نقول: إن خطاب الوضع يدخل تحت قوله: "أو مخيرا فيه"، وكذا تحت ما قبله من المأمور به والمنهي عنه، من حيث إن خطاب الوضع في المسائل الآتية يحصل مسببا عن فعل المخير فيه مثلا كما تقدمت أمثلته؛ فإن الحول في الزكاة يحصل من إمساك المال مدة الحول، وهو فعل مخير فيه، له أن ينفق أو يمسك, والإحصان مرتب على النكاح المخير فيه, وجمع المتفرق وتفريق المجتمع مخير فيه, وكل منهما مترتب عليه خطاب الوضع؛ فالكلام جارٍ مع فرضه المسألة؛ فإن فعل الشرط؛ لأنه مأمور به أو تركه؛ لأنه منهي عنه، أو فعله لأنه مخير فيه، وكان قصده قضاء حاجته، لا إبطال مسبب شرعي، فلا كلام في ترتب أحكام الشرط عليه. "د".

الْأَحْكَامُ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأَسْبَابُ عَلَى حُضُورِهِ، وَتَرْتَفِعُ عِنْدَ فَقْدِهِ؛ كَالنِّصَابِ إِذَا أُنْفِقَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِلْحَاجَةِ إِلَى إِنْفَاقِهِ، أَوْ أَبْقَاهُ لِلْحَاجَةِ إِلَى إِبْقَائِهِ، أَوْ يَخْلِطُ مَاشِيَتَهُ بِمَاشِيَةِ غَيْرِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَى الْخُلْطَةِ، أَوْ يُزِيلُهَا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ أَوْ لِحَاجَةٍ أُخْرَى، أَوْ يَطْلُبُ التَّحَصُّنَ بِالتَّزْوِيجِ لِمَقَاصِدِهِ، أَوْ يَتْرُكُهُ لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الْجَارِيَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ1 فِعْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ شَرْطًا قَصْدًا لِإِسْقَاطِ حُكْمِ الِاقْتِضَاءِ [فِي السَّبَبِ] 2 أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ؛ فَهَذَا عَمَلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَسَعْيٌ بَاطِلٌ؛ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ دَلَائِلُ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مَعًا. فَمِنَ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الباب قوله, صلى الله عليه وسلم3: "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق

_ 1 أي: فإن فعل ما يحقق الشرط أو فعل ما يخل به بهذا القصد؛ فإنه يكون باطلا لا يترتب عليه أثره، وظاهره أن ذلك جار فيما ترتب عليه ما لا يعد هربا من الأثر؛ كأن يجمع لتلزمه الزكاة أو يفرق لتلزمه أيضا، وكذا إذا أبقى النصاب بقصد وجوب الزكاة، أو فعل موجب الإحصان ليرجم إذا زنى ظاهره أن هذا لا يترتب عليه أثره؛ لأنه قصد إلى الشرط من جهة كونه شرطا بنية إسقاط حكم الاقتضاء السابق على فعل ما يحقق الشرط حتى لا يترتب عليه أثره، وهو عدم الزكاة في المثالين الأول والثاني، وعدم الرجم في المثال الثالث، ولا يخفى أن هذا الظاهر غير واضح؛ لأنه متى بقي النصاب إلى الحول عنده ولو بهذا القصد لزمته الزكاة، وكذا يقال في بقية الأمثلة؛ فهل تقيد المسألة بما إذا كان الفعل أو الترك قصدا إلى إسقاط أثر شرعي لا يراه في مصلحته، وهربا مما ينافي مقاصد الناس في المألوف عند العقلاء؛ فيكون الحكم في المسائل السابقة وأمثالها اعتبار الحالة الواقعة ولو كان القصد مندرجا فيما يقوله المؤلف؟ "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 فهو فعل منهيا عنه ليخل بشرط الزكاة أو زيادتها، وفي المثال الثاني فعل منهيا عنه ليخل بشرط الخيار، وفي المثال الثالث فعل منهيا عنه وهو إدخال فرس معروف فيها أنها تسبق الخيل ليحقق شرط حوز الرهان وهو السبق؛ فهو مخل بقصد المسابقة ومقترن بقصد حصول الشرط، وكذا يقال في شرط الولاء: إنه فعل منهيا عنه بقصد إسقاط حكم الاقتضاء ألا يترتب عليه أثره، وكذا =

بين مجتمع خشية الصدقة" 1.

_ = البيع، وشرط ألا يبيعه المشتري مطلقا أو لغيره مثلا؛ فهذا إسقاط لما يترتب على البيع من حق المشتري في سائر تصرفات الملك، وما بعده قيد فيه السلف الذي لا يكون إلا لله وليس فيه مشاحة ولا ربح بالبيع الذي فيه ذلك؛ فقد خرج السلف بذلك عن مقتضاه، وشرط في شرط كشرط أن يكون الولاء للبائعين في مسألة بريرة حيث اشترطوا في بيعها أن تعتقها، واشترطوا في عتقها أن يكون الولاء لهم، والفقهاء استثنوا من عدم جواز البيع والشرط مسألة شرط العتق فقد أجازوها؛ فيتصور فيها شرط في شرط، وكذا فعل اليمين المنهي عنها ليرتب عليها حقا له لم يكن؛ فقد فعل شرطا يترتب عليه القضاء له بغير حقه، وقد فعله من جهة كونه شرطا بالقصد المعلوم، وجعل الشارع اليمين على نية المستحلف حتى لا يمكن الحالف من فعل شرط بهذا القصد الباطل، وآية {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ ... } إلخ من هذا أيضا، فإذا فعل ما يقتضي نشوزها وعدم قيامها بحدود الله؛ فقد فعل منهيا عنه بقصد حصوله على غرضه من الفدية، وآية شهادة الزور؛ فالشهادة يحقق بها شرطا لحكم القاضي للمشهود له بقصد إسقاط حكم الاقتضاء قبل الشهادة، والتيس المستعار يريد تحقيق شرط عودها للأول بهذا القصد. "د". وفي "م": "قوله, عليه السلام"، وفي "خ": "قوله, عليه الصلاة والسلام". 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع، 3/ 314/ رقم 1450" من حديث أنس, رضي الله عنه. وأخرجه من حديث ابن عمر ضمن قطعة من آخر حديث طويل, أبو داود في "السنن" "كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، 2/ 244-225/ رقم 1568"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، 2/ 66-67/ رقم 617"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزكاة، باب صدقة الإبل، 1/ 573، 574/ رقم 1798"، وأحمد في "المسند" "2/ 15"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 121، 122"، وابن زنجويه في "الأموال" "رقم 1519"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 392"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 88"، وابن حزم في "المحلى" "6/ 32، 40" من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه ابن عمر به، وإسناده ضعيف لضعف سفيان في رواية عن الزهري. ولكن للحديث شواهد عديدة اعتنى بسردها ابن زنجويه في "الأموال" "2/ 861-863"، وانظر: "التلخيص الحبير" "2/ 151، 155"، و"فتح الباري" "3/ 314".

وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1: "الْبَيِّعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ" 2. وَقَالَ: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ تُسْبَقَ؛ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ تُسْبَقَ؛ فهو قمار"3.

_ 1 في "م": "عليه السلام"، وفي "خ": "عليه الصلاة والسلام". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار، 4/ 326/ رقم 2107، وباب إذا لم يوقت الخيار هل يجوز البيع، 4/ 327-328/ رقم 2109"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، 3/ 1163/ رقم 1531"، وأبو داود في "السنن" "كتاب البيوع والإجارات، باب في خيار المتبايعين/ رقم 3454، 3455"، والترمذي في "الجامع" "أبواب البيوع, باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا/ رقم 1245", والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما، 7/ 248-249"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات، باب البيعان بالخيار ما لم يفترقا، 2/ 736/ رقم 2181"، ومالك في "الموطأ" "2/ 2671"، وأحمد في "المسند" "2/ 4، 9، 73", وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 617"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 268، 272" عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- بألفاظ متعددة منها هذا. 3 أخرجه أحمد في "المسند" "3/ 505"، وابن ماجه في "السنن" "2/ 960/ رقم 2876"، وأبو داود في "السنن" "3/ 30/ رقم 2579"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "12/ 499"، والدراقطني في "السنن" "4/ 305"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "2/ 365-366"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 114"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 20"، والبغوي في "شرح السنة" "10/ 395-396/ رقم 2654"، وابن حزم في "المحلى" "7/ 354"، وأبو نعيم في "الحلية" "2/ 175"، والحربي في "غريب الحديث" "2/ 373"، والطبراني في "المعجم الصغير" "1/ 285/ رقم 470- الروض الداني"، وابن المنذر في "الإقناع" "2/ 506"، وأبو عبيد في "غريب الحديث" "2/ 143"، وابن عدي في "الكامل" "3/ 1208-1209"، وأبو يعلى في "المسند" "10/ 259/ رقم 5864"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "7/ 103/ 2" من طريقين "سفيان بن حسين وسعيد بن بشير" بأسانيد متفرقة عن الزهري عن سعيد بن المسيب =

...........................................................................

_ = عن أبي هريرة به. وهذا إسناد ضعيف، والحديث معلول، أعله جهابذة الجرح والتعديل. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" "2/ 252/ رقم 2249" له: "سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون وغيره عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا: "أيما رجل أدخل فرسا بين فرسين وهو يأمن أن يسبق؛ فهو قمار" قال أبي: هذا خطأ، لم يعمل سفيان بن حسين شيئا لا يشبه أن يكون عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحسن أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيب من قوله، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد من قوله". وقال ابن أبي خيثمة في "تاريخه", كما في "التلخيص الحبير" "4/ 163"، و"الفروسية" "230- بتحقيقي" لابن القيم: "سألت يحيى بن معين عن حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي, صلى الله عليه وسلم: "من أدخل فرسا بين فرسين ... " الحديث؛ فقال: باطل وخطأ على أبي هريرة". وقال أبو داود في "سننه" بعد أن أخرجه "رقم 2580": "رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري عن رجال من أهل العلم، قالوا: "من أدخل فرسا"، وهذا أصح عندنا. هذا لفظ أبي داود؛ فلا ينبغي أن يقتصر المخرج له من "السنن" على قوله: رواه أبو داود، ويسكت عن تعليله له. وقد رواه مالك في "الموطأ" "2/ 468"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 20" "عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب؛ أنه قال: "من أدخل فرسا"؛ فجعله من كلام سعيد نفسه. وكذلك رواه الأساطين الأثبات, من أصحاب الزهري معمر بن راشد، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد الأيلي، وهؤلاء أعيان أصحاب الزهري، كلهم رووه عن سعيد بن المسيب من قوله. وممن أعله أبو عبيد القاسم بن سلام في "غريب الحديث" "2/ 143"، وأعله أبو عمر ابن عبد البر في "التمهيد" "14/ 87"، وقال: "هذا حديث انفرد به سفيان بن حسين من بين أصحاب ابن شهاب، ثم أعله بكلام أبي داود". =

وَقَالَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ حِينَ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ: "مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ" 1 الْحَدِيثَ. وَنَهَى عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] عَنْ بَيْعِ وَشَرْطٍ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ2، وَسَائِرُ أَحَادِيثِ الشُّرُوطِ المنهي عنها.

_ = وقال بعض الحفاظ فيما نقل ابن القيم في "الفروسية" "231-232- بتحقيقي": "يبعد جدا أن يكون الحديث عند الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا، ثم لا يرويه واحد من أصحابه الملازمين له، المختصين به, الذين يحفظون حديثه حفظا، وهم أعلم الناس بحديثه، وعليهم مداره، وكلهم يروونه عنه كأنما من قول سعيد نفسه، وتتوفر هممهم ودواعيهم على ترك رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم الطبقة العليا من أصحابه، المقدمون على كل من عداهم ممن روى عن الزهري، ثم ينفرد برفعه من لا يدانيهم ولا يقاربهم؛ لا في الاختصاص به، ولا في الملازمة له، ولا في الحفظ، ولا في الإتقان، وهو معدود عندهم في الطبقة السادسة من أصحاب الزهري على ما قال أبو عبد الرحمن النسائي، وهو سفيان بن حسين؛ فمن له ذوق في علم الحديث لا يشك ولا يتوقف أنه من كلام سعيد بن المسيب لا من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يتأتى له الحكم برفع الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بل إما أن يرويه ويسكت عنه، أو ينبه عليه". قال ابن القيم: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: رفع هذا الحديث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- خطأ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب". قال: "وهذا مما يعلم أهل العلم بالحديث أنه ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب نفسه، وهكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري عنه عن سعيد بن المسيب؛ مثل: الليث بن سعد، وعقيل، ويونس، ومالك بن أنس، وذكره في "الموطأ" عن سعيد بن المسيب نفسه، ورفعه سفيان بن حسين الواسطي، وهو ضعيف لا يحتج بمجرد روايته عن الزهري لغلطه في ذلك". ونحوه في "مجموع الفتاوى" "18/ 63-64". 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل, 4/ 376/ رقم 2168"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، 2/ 1042/ رقم 1504" من حديث عائشة, رضي الله عنها. 2 في الأصل و"ط": "عن شرطين في شرط"، وفي النسخ الثلاث المطبوعة: "وعن شرط =

وَمِنْهُ حَدِيثُ: "مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مسلمٍ بِيَمِينِهِ" 1. وَحَدِيثُ: إِنَّ "الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ المستحلِف" 2. وَعَلَيْهِ جَاءَتِ الْآيَةُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 77] . وَفِي الْقُرْآنِ أَيْضًا: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 229] . وَآيَةُ شَهَادَةِ الزُّورِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا مِنْ هَذَا أَيْضًا. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النِّسَاءِ: 29] . وَمَا جَاءَ مِنَ3 الْأَحَادِيثِ. وَقَالَ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] .

_ = في شرط"! والصواب: "وعن شرطين في بيع"؛ كما أثبتناه. وسيأتي النهي عن ذلك في حديث بلفظ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن ... ". انظره وتخريجه "ص469". وما بين المعقوفتين سقط من "م"، وكتب "خ" هنا ما نصه: "لم يجر البيع والسلف لاتهام المتعاقدين على قصد السلف بزيادة، ولأن فيه الجمع بين عقدين متضادين؛ فإن السلف معروف، والبيع موضوع للتجارة، ومبني على المشاحَّة". 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، 1/ 122/ رقم 137" بلفظ: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب الله له النار". 2 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الأيمان، باب يمين الحالف على نية المستحلف، 3/ 1247/ رقم 1653، بعد 21" من حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. 3 فِي "ط": "وما في معناه من".

وَمَا جَاءَ مِنْ أَحَادِيثِ لَعْنِ المحلِّل والمحلَّل لَهُ1 وَالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ. وَحَدِيثِ التَّصْرِيَةِ فِي شِرَاءِ الشَّاةِ عَلَى أَنَّهَا غَزِيرَةُ الدَّرِّ2. وَسَائِرِ أَحَادِيثِ النهي عن الغش3.

_ 1 أخرج الترمذي في "الجامع" "2/ 294"، وأبو داود في "السنن" "2/ 227"، وابن ماجه في "السنن" "1/ 622"، والنسائي في "المجتبى" "6/ 149"، وأحمد في "المسند" "1/ 450"، والدارمي في "السنن" "2/ 294"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "4/ 295"، وعبد الرزاق في "المصنف" "6/ 269"، والدارقطني في "السنن" "3/ 251"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 198"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "7/ 207" من حديث ابن مسعود: "لعن المحلل والمحلل له ". وقال الذهبي في "الكبائر" "ص213- بتحقيقنا" بعد أن أورد حديث: "لعن الله المحلل والمحلل له"، قال: "جاء ذلك من وجهين جيدين عنه, صلى الله عليه وسلم". وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "3/ 170": "صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري". وانظر غير مأمور: "الاقتراح" "207"، و"تحفة المحتاج" "2/ 372". 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر والغنم/ 3/ 361/ رقم 2148"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب البيوع، باب حكم بيع المصراة، 3/ 1158/ رقم 1524" من حديث أبي هريرة مرفوعا: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع، فمن ابتاعها بعد ذلك؛ فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها؛ إن رضي أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر"، وفي رواية لمسلم: "من اشترى مصراة؛ فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها؛ رد معه صاعا من تمر لا سمراء ". وهي في البخاري معلقة، دون "لا سمراء". 3 أخرج ابن حبان في "الصحيح" "2/ 326/ رقم 567- الإحسان"، والطبراني في "الكبير" "رقم 10234"، و"الصغير" "1/ 261"، وأبو نعيم في "الحلية" "4/ 189"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "رقم 253، 254" بإسناد حسن عن ابن مسعود مرفوعا: "من غشنا فليس منا ". وأخرجه مسلم في "صحيحه" "رقم 101"، وأبو داود في "السنن" "رقم 3455"، والترمذي في "الجامع" "رقم 1315"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 2224"، وأحمد في "المسند" "2/ 242، 417"، وأبو عوانة في "المسند" "1/ 57"، والطحاوي في "المشكل" "2/ 139"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 564"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 8، 9"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "5/ 230" من حديث أبي هريرة.

وَالْخَدِيعَةِ. وَالْخِلَابَةِ1. وَالنَّجْشِ2. وَحَدِيثِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ حين طلقها وتزوجها3 عبد الرحمن بن

_ 1 وأخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب البيوع، باب ما يكره من الخداع في البيع، 4/ 337/ رقم 2117", ومسلم في "الصحيح" "كتاب البيوع، باب من يخدع في البيع، 3/ 1165/ رقم 1533"؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمن يخدع في البيع: " متى بايعت؛ فقل: لا خلابة"، وهذا الرجل هو حبان بن منقذ، وقيل: بل والده، وهذا هو الصحيح، وانظر: "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم 596"، وتعليقنا عليه. 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب النجشي، 4/ 355/ رقم 2142"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه" من حديث ابن عمر: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن النجش". قال "د": "تصرية الشاة وما معها من مسائل الغش والخديعة والخلابة والنجش -ويجمعها في الحقيقة جنس الغش- قد فعل بها أمرا يقتضي زيادة الثمن عما إذا كانت غير مغشوشة، ولو كان ما فعله بهذا القصد صحيحا؛ لرتب الشارع عليه ملكه للزيادة وحل الانتفاع بها، ولكنه لا يرتب ذلك لأنه فعل شرط الزيادة بهذا القصد السيئ ولا بد؛ فلا تكون الزيادة ملكا له، ولا يحل انتفاعه بها، وللمشتري رد المبيع واسترداد الثمن". 3 في جميع الأمثلة السابقة وجد الشرط فعلا، ولكن بقصد غير صحيح, فكان سعيا باطلا من هذه الجهة، أما في مسألة امرأة رفاعة؛ فليس فيها تحقق الشرط وهو نكاح الزوج الآخر، وأنه فعل بقصد سيئ كالتحليل مثلا حتى يلغى الأثر المترتب على الشرط, ويبقى الأمر كما كان قبل فعله، وإنما الذي في المسألة أن الشرط لم يتحقق بدليل قوله, عليه السلام: "لا، حتى تذوقي عسيلته ... " إلخ، أي: إنه لم يتحقق المس مع الانتشار بدليل أنها لما عادت إليه -عليه السلام- بعد مدة تقول: إنه قد مسني؛ فقال لها: "كذبت بقولك الأول، فلن أصدقك في الآخر"؛ فلا يظهر وجه إدراج المسألة في هذا الباب. "د".

الزُّبَيْرِ1. وَالْأَدِلَّةُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُؤْتَى عَلَيْهَا هنا.

_ 1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الشهادات، باب شهادة المختبئ، 5/ 249/ رقم 2639"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، 2/ 1055-1056/ رقم 1433"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الطلاق، باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا غيره، 2/ 731-732/ رقم 2309"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثا والنكاح الذي يحلها به، 6/ 148"، والترمذي في "الجامع" "أبواب النكاح، باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها، 2/ 293/ رقم 1127"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب النكاح، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا فتتزوج فيطلقها قبل أن يدخل بها أترجع إلى الأول؟ 1/ 621-622/ رقم 1932"، وأحمد في "المسند" "6/ 42، 96" من حديث عائشة قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا؛ حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ". وأخرج مالك في "الموطأ" "2/ 531" عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب، وذكر نحوه. وهو مرسل عند أكثر رواة "الموطأ"، ورواه ابن وهب وابن القاسم وعلي بن زياد وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، جميعهم عن مالك؛ فقالوا: عن الزبير بن عبد الرحمن عن أبيه موصولا، وهو صاحب القصة. "فائدة": الزبير ضبطها الحافظ في "التقريب" "3860" بفتح الزاي، وفي حاشية الأصل بكسر الباء وفتح الزاي المشددة.

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ1 يُصَيِّرُ مَا انْعَقَدَ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ جَلْبًا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعًا لِمَفْسَدَةٍ، عَبَثًا لَا حِكْمَةَ لَهُ وَلَا مَنْفَعَةَ بِهِ2، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا ثَبَتَ فِي قَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ، وَأَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ السَّبَبَ لَمَّا انْعَقَدَ وَحَصَلَ فِي الْوُجُودِ؛ صَارَ مُقْتَضِيًا شَرْعًا لِمُسَبَّبِهِ، لَكِنَّهُ تَوَقَّفَ عَلَى حُصُولِ شَرْطٍ3، هُوَ تَكْمِيلٌ لِلسَّبَبِ؛ فَصَارَ هَذَا الْفَاعِلُ أَوِ التَّارِكُ بِقَصْدِ رَفْعِ حُكْمِ السَّبَبِ قَاصِدًا لِمُضَادَّةِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِهِ سَبَبًا، وَقَدْ تَبَيَّنَ [أَنَّ] 4 مُضَادَّةَ قَصْدِ الشَّارِعِ بَاطِلَةٌ؛ فَهَذَا الْعَمَلُ بَاطِلٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي سَبَبٍ تَوَقَّفَ اقْتِضَاؤُهُ لِلْحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ، فَإِذَا فُقِدَ الشَّرْطُ بِحُكْمِ الْقَصْدِ إِلَى فَقْدِهِ؛ كَانَ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْقَصْدِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَنْهَضِ5 السَّبَبُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا؛ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ؛ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ بِدُونِهِ بِالْفَرْضِ، وَالْمَعْلُومُ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ أَنَّ السَّبَبَ إِنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا مُقْتَضِيًا عِنْدَ وُجُودِ الشُّرُوطِ، لَا عِنْدَ فَقْدِهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْتَهِضْ سَبَبًا؛ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ كَمَنْ أَنْفَقَ النِّصَابَ قَبْلَ حُلُولِ الحول لمعنى

_ 1 ما تقدم من الآيات والأحاديث استدلال بالنقل والاستنباط منه، وهذا وما بعده استدلال بطريق العقل المبني على ما استقرئ من مقاصد الشرع في شرع الأحكام للمصالح، فلو جرى العمل باعتبار هذا الشرط الذي قصد به هذا القصد؛ لبطلت تلك المصالح التي يبنيها الشاع على تلك الأسباب، فمثلا لو اعتبر التفريق والجمع بهذه النية، ولو اعتبر الإنفاق قبل الحول بقليل ليهرب من الزكاة في المسألتين؛ لأمكن لكل واحد أن يخلص من وجوب الزكاة بفعل هذا الشرط أو تركه مثلا، وضاعت المصلحة المترتبة على الزكاة، وكذا يقال في سائر الأمثلة. "د". 2 في "ط": "فيه". 3 كمرور الحول مثلا في النصاب، فإذا أنفق بعضه بقصد رفع الزكاة؛ كان قصده رفع الزكاة عن هذا النصاب المملوك له مضادا لقصد الشارع إيجاب الزكاة فيه. "د". 4 سقط من الأصل. 5 في الأصل و"ط": "ينتهض".

مِنْ مَعَانِي الِانْتِفَاعِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يقتضِ إِيجَابَهَا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا، فَمِنْ حَيْثُ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ يُقَالُ: إِنَّهُ مُوَافِقٌ1، وَهَكَذَا سَائِرُ الْمَسَائِلِ. فَالْجَوَابُ: إِنَّ هَذَا الْمَعْنَى إِنَّمَا يَجْرِي فِيمَا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ رَفْعَ حُكْمِ السَّبَبِ، وَأَمَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ شَهِدَ لَهُ بِالْإِلْغَاءِ عَلَى الْقَطْعِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ إِذَا عُرِضَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُتَفَرِّقِ2 أَوِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ قَدْ نُهِيَ عَنْهَا إِذَا قُصِدَ بِهَا إِبْطَالُ3 حُكْمِ السَّبَبِ، بِالْإِتْيَانِ بِشَرْطٍ يُنْقِصُهَا حَتَّى تُبْخَسَ الْمَسَاكِينُ؛ فَالْأَرْبَعُونَ شَاةً فِيهَا شَاةٌ بِشَرْطِ الِافْتِرَاقِ، وَنِصْفُهَا بِشَرْطِ اخْتِلَاطِهَا بِأَرْبَعِينَ أُخْرَى مَثَلًا، فَإِذَا جَمَعَهَا بِقَصْدِ إِخْرَاجِ النِّصْفِ؛ فَذَلِكَ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ مِائَةً مُخْتَلِطَةً بِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ، فَفَرَّقَهَا قَصْدًا أَنْ يُخْرِجَ وَاحِدَةً؛ فَكَذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُ أَتَى بِشَرْطٍ أَوْ رَفَعَ شَرْطًا يَرْفَعُ عَنْهُ مَا اقْتَضَاهُ السَّبَبُ الْأَوَّلُ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفِقُ نِصَابَهُ بِقَصْدِ رَفْعِ مَا اقْتَضَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ" 4؛ فَنَهَى عَنِ الْقَصْدِ إِلَى رفع شرط الخيار الثابت

_ 1 هو مضاد لقصد الشارع كما ذكر في الدليل السابق، وموافق له من جهة أن قصد الشارع أن السبب إنما يقتضي مسببه عند وجود الشرط لا عند فقده، يعني: فكان يقتضي ذلك على أكثر الفروض أن يقال: إنه فعل منهيا عنه وأثم مثلا، ولكنه لا تجب عليه الزكاة؛ فإثمه من جهة المضادة لقصد الشارع وعدم وجوب الزكاة لفقد الشرط الذي قصد الشارع توقف تأثير السبب على حصوله. "د". 2 في الأصل: "المفترق". 3 وتقدمت القاعدة الأصولية وهي أنه ليس لأحد أن يرفع حكم السبب؛ لأن المسبب من فعل الله لا من فعل المكلف، ولما كان هذا الشرط يقصد به رفع المسبب؛ كان لاغيا وكأنه لم يكن. "د". 4 قطعة من حديث صحيح مضى تخريجه "ص425".

لَهُ بِسَبَبِ الْعَقْدِ، وَعَنِ الْإِتْيَانِ بِشَرْطِ الْفَرَسِ الْمُحَلِّلَةِ1 [لِلْجُعْلِ] 2 بِقَصْدِ أَخْذِهِ، لَا بِقَصْدِ الْمُسَابَقَةِ مَعَهُ، وَمِثْلُهُ مَسَائِلُ الشُّرُوطِ؛ فَإِنَّهَا شُرُوطٌ يُقْصَدُ بِهَا رَفْعُ أَحْكَامُ الْأَسْبَابِ الْوَاقِعَةِ3؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْكِتَابَةِ4 اقْتَضَى أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى جَمِيعِ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَلَاءُ، فَمَنْ شَرَطَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ مِنَ الْبَائِعِينَ؛ فَقَدْ قَصَدَ بِالشَّرْطِ رَفْعَ حُكْمِ السَّبَبِ فِيهِ، وَاعْتَبِرْ هَكَذَا سَائِرَ مَا تَقَدَّمَ تَجِدْهُ كَذَلِكَ؛ فَعَلَى هَذَا الْإِتْيَانُ بِالشُّرُوطِ أَوْ رَفْعُهَا بِذَلِكَ الْقَصْدِ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ5، وَإِذَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ

_ 1 في النسخ المطبوعة: "المحلية". 2 سقط من الأصل. 3 قيد به لما سبق له من أن المسبب الذي لا يرفع هو مسبب سبب وقع بالفعل؛ فارجع إليه. "د". 4 كتب ناسخ الأصل هنا ما نصه: قوله: "فإن العقد على الكتابة ... إلخ" كلام غير صحيح؛ فإن بيع الكتابة منعه أبو حنيفة والشافعي، وأجازه مالك، لكنه يقول: "الولاء لعاقدها لا لمشتريها" عكس ما قاله المصنف، وكلامه يشير إلى أن حديث بريرة محمول على بيع كتابتها لا رقبتها، وهو حمل فاسد كما ذكرناه من كون الولاء في بيع الكتابة عند من يجيزها للعاقد، والذي في الحديث خلافه. وأيضا؛ فإن الكتابة إذا كانت نقدا إنما تباع بعرض، والذي في القصة خلافه، والمحققون من المالكية يحملون بيعها على بيع رقبتها بعد "عجزها"، فمن اشترطه من بائعي الرقبة: الولاء على المشتري أن أعتق، فقد قصد رفع حكم السبب فيه؛ فكان الصواب التمثيل على هذا الوجه، وكان المصنف اعتمد على ما في "بداية المجتهد" للحفيد ابن رشد، حيث نقل عن المالكية حمل الحديث على بيع الكتابة وهو كلام فاسد بما أوضحناه، والله تعالى أعلم. وممن أشار إلى فساده بالوجه الأول الأبي في "شرح مسلم"، وبالوجه الثاني ابن قيم الجوزية في كتاب "الهدي". ا. هـ. كاتبه. 5 أي: فقوله, في الاعتراض السابق: إنه موافق من جهة ومخالف من جهة؛ غير صحيح، فإنه مخالف من كل جهة؛ لأنه متى كان المنهي عنه هو فعل الشرط نفسه؛ فيكون باطلا وكأنه لم يحصل؛ فبقي الحكم كما كان قبل فعله. "د".

كَانَ مُضَادًّا لِقَصْدِ الشَّارِعِ1؛ فَيَكُونُ بَاطِلًا. فَصْلٌ: هَذَا الْعَمَلُ هَلْ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ بِإِطْلَاقٍ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: إِنَّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أن نقول2: لا تخلو أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الْحَاصِلُ فِي مَعْنَى الْمُرْتَفِعِ، أَوِ الْمَرْفُوعُ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ مَعْنًى، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ الَّذِي اقْتَضَاهُ السَّبَبُ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ هَذَا الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ بَاطِلٌ ضَائِعٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَلَا حُكْمَ لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ وَهَبَ الْمَالَ قَبْلَ الْحَوْلِ لِمَنْ رَاوَضَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَكَالْجَامِعِ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِ3 رَيْثَمَا يَأْتِي السَّاعِي ثُمَّ تُرَدُّ إِلَى التَّفْرِقَةِ، أَوِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ كَذَلِكَ ثُمَّ يَرُدُّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ, وَكَالنَّاكِحِ لِتَظْهَرَ صُورَةُ الشَّرْطِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ الْمَعْمُولَ فِيهِ لَا مَعْنًى لَهُ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ تُقْصَدُ شَرْعًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَالنَّظَرُ فِيهَا مُتَجَاذِبٌ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: 4 أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مُجَرَّدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ كافٍ؛ فَإِنَّهُ هو الباعث5 على

_ 1 أي: مضاد له عينا، وسيأتي لهذا ذكر في الفصل بعده. "د". 2 في "ط": "يقال". 3 في "ط": "المتفرق". 4 ضعيف في النظر إن لم يكمل بما سبق من أنه منهي عنه ومضاد لقصد الشارع قطعا؛ فيكون باطلا، أما مجرد أن الشرط أمر خارجي ... إلخ؛ فإنه لا يفيد، ولو جعل ما بعده مكملا له لا دليلا مستقلا، وكان هو روح الدليل لصح، ولكن قوله: "وأيضا" يقتضي استقلاله في نظره بالاستدلال، وكلامه في التطبيق على الأمثلة بعد يقتضي أن محل الاستدلال وروحه ما بعد قوله: "وأيضا"؛ فتأمل. "د". 5 لا يخفى ما فيه من التسامح. "د".

الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَمْرٌ خَارِجِيٌّ مُكَمِّلٌ، وَإِلَّا؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ جُزْءَ الْعِلَّةِ1، وَالْفَرْضُ بِخِلَافِهِ، وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ فِيهِ قَدْ صَارَ غَيْرَ شَرْعِيٍّ؛ فَصَارَ الْعَمَلُ فِيهِ مُخَالِفًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ، وَاتَّحَدَ مَعَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي الْحُكْمِ؛ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ حُكْمٌ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: إِنْ أَنْفَقَ النِّصَابَ قَبْلَ الْحَوْلِ فِي مَنَافِعِهِ أَوْ وَهَبَهُ هِبَةً بَتْلة لَمْ2 يَرْجِعْ فِيهَا، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ -وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَصْدِ الْفِرَارِ مِنَ الزَّكَاةِ- لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ إِلَى مَا كَانَ عليه قبول الْحَوْلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ عَلِمْنَا -حِينَ نَصَبَ الشَّارِعُ ذَلِكَ السَّبَبَ لِلْحُكْمِ- أَنَّهُ قَاصِدٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِهِ، فَإِذَا أَخَذَ هَذَا بِرَفْعِ حُكْمِ السَّبَبِ مَعَ انْتِهَاضِهِ سَبَبًا؛ كَانَ مُنَاقِضًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، وَكَوْنُ الشَّرْطِ -حِينَ رُفع أَوْ وُضع- عَلَى وَجْهٍ يَعْتَبِرُهُ الشَّارِعُ عَلَى الْجُمْلَةِ3 قَدْ أَثَّرَ فِيهِ الْقَصْدُ الْفَاسِدُ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْتَهِضَ شَرْطًا شَرْعِيًّا، فَكَانَ كَالْمَعْدُومِ بِإِطْلَاقٍ، وَالْتَحَقَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مُجَرَّدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ غَيْرُ كَافٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَاعِثًا؛ قَدْ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ مُقَيَّدًا بِوُجُودِ الشَّرْطِ، فَإِذًا لَيْسَ كَوْنُ السَّبَبِ بَاعِثًا بِقَاطِعٍ فِي أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ إِيقَاعَ الْمُسَبَّبِ بِمُجَرَّدِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَصَدَهُ إِذَا وَقَعَ شَرْطُهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْقَاصِدُ لِرَفْعِ حُكْمِ السَّبَبِ مَثَلًا بِالْعَمَلِ فِي رَفْعِ الشَّرْطِ لَمْ يُنَاقِضْ قصدُه قصدَ الشَّارِعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا قَصَدَ لِمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الشَّارِعِ لِلْإِيقَاعِ أَوْ عَدَمِهِ، وَهُوَ الشَّرْطُ أَوْ عَدَمُهُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ القصد آيلا لمناقضة

_ 1 في ط: "علة". 2 أي: بائنة قاطعة. انظر: "لسان العرب" "ب ت ل". 3 فالشارع يعتبر إنفاق النصاب قبل الحول في منافعه، والهبة البتلة، وجمع المتفرق مثلا بهذا القصد نافذا؛ فيرتب في الهبة ملك الموهوب له، ولا يرد ما أنفقه في قضاء مصالحه، وهكذا لا يلزمه بتفريق المجتمع؛ فتكون التصرفات صحيحة في الجملة، لا من كل وجه؛ لأنه بهذا القصد الفاسد يكون آثما، وأيضا لا يرتب عليه الحكم الذي أراده وهو الفرار من الزكاة. "د".

قَصْدِ الشَّارِعِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَا عَيْنًا؛ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ تَرَتُّبِ أَحْكَامِ الشُّرُوطِ عَلَيْهَا. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ لَمَّا كَانَ مُؤَثِّرًا وَحَاصِلًا وَوَاقِعًا؛ لَمْ يَكُنِ الْقَصْدُ الْمَمْنُوعُ فِيهِ مُؤَثِّرًا فِي وَضْعِهِ شَرْطًا شَرْعِيًّا أَوْ سَبَبًا شَرْعِيًّا، كَمَا كَانَ تَغَيُّرُ الْمَغْصُوبِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا فِي مَنْعِ صَاحِبِهِ مِنْهُ وَفِي تَمَلُّكِ الْغَاصِبِ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بِقَصْدِ الْعِصْيَانِ سَبَبًا فِي ارْتِفَاعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي صِحَّةُ مَا يَقُولُ اللَّخْمِيُّ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ لِتَسْقُطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ، أَوْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ قَصْدًا لِلْإِفْطَارِ، أَوْ أَخَّرَ صَلَاةَ حَضَرٍ عَنْ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ لِيُصَلِّيَهَا فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَخَّرَتِ امْرَأَةٌ صَلَاةً بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا رَجَاءَ أَنْ تَحِيضَ فَتَسْقُطُ عَنْهَا، قَالَ: فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَجِبُ عَلَى هَذَا فِي السَّفَرِ صِيَامٌ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، وَلَا عَلَى الْحَائِضِ قَضَاؤُهَا، وَعَلَيْهِ أَيْضًا يَجْرِي الْحُكْمُ فِي الْحَالِفِ: لَيَقْضِينَّ فُلَانًا حَقَّهُ إِلَى شَهْرٍ، وَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ؛ فَخَافَ الْحِنْثَ فَخَالَعَ زَوْجَتَهُ لِئَلَّا يَحْنَثَ، فَلَمَّا انْقَضَى1 الْأَجَلُ رَاجَعَهَا؛ فَهَذَا الْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِوُقُوعِ الْحِنْثِ وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ ماضٍ شَرْعًا وَإِنْ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الْمَمْنُوعِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ؛ فَيُبْطِلُ الْعَمَلَ فِي الشَّرْطِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، وَإِنْ ثَبَتَ لَهُ فِي نَفْسِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ كَمَسْأَلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ، وَمَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَافِذٌ مَاضٍ وَلَا يُحِلُّهَا ذَلِكَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنْ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ حَقُّ اللَّهِ؛ لِغَلَبَةِ حُقُوقِ اللَّهِ فِي النِّكَاحِ عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَيَنْفُذُ مُقْتَضَى الشَّرْطِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ؛ كَالسَّفَرِ لِيَقْصُرَ أو ليفطر أو نحو ذلك.

_ 1 في الأصل: "قضى".

وهذا كُلُّهُ مَا لَمْ يَدُلُّ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى خِلَافِهِ؛ صِيرَ إِلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ نَقْضًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاكَ دَالٌّ عَلَى إِضَافَةِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَاصِّ إِلَى حَقِّ اللَّهِ، أَوْ إِلَى حَقِّ الْآدَمِيِّينَ، وَيَبْقَى بَعْدُ مَا إِذِ1 اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ مَحَلَّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ؛ فَيَغْلِبُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِحَسَبَ مَا يَظْهَرُ لِلْمُجْتَهِدِ، والله أعلم. المسألة الثامنة: الشُّرُوطُ مَعَ مَشْرُوطَاتِهَا2 عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِحِكْمَةِ الْمَشْرُوطِ وَعَاضِدًا لَهَا3 بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهِ مُنَافَاةٌ لَهَا عَلَى حَالٍ؛ كَاشْتِرَاطِ الصِّيَامِ فِي الِاعْتِكَافِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهُ، وَاشْتِرَاطِ الْكُفْءِ وَالْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتَّسْرِيحِ4 بِإِحْسَانٍ فِي النِّكَاحِ، وَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ وَالنَّقْدِ أَوِ النَّسِيئَةِ فِي الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَاشْتِرَاطِ الْعُهْدَةِ فِي الرَّقِيقِ، وَاشْتِرَاطِ مَالِ الْعَبْدِ وَثَمَرَةِ الشَّجَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَا اشْتِرَاطُ الْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْإِحْصَانُ فِي الزِّنَى، وَعَدَمُ الطَّوْل فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَالْحِرْزُ فِي الْقَطْعِ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ مُكَمِّلٌ لِحِكْمَةِ كُلِّ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُكْمًا، فَإِنَّ5 الِاعْتِكَافَ لَمَّا كَانَ انْقِطَاعًا إِلَى الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ لائق

_ 1 في "ماء": "إذا". 2 في المسألتين السادسة والسابعة قيد الشروط بقوله: "المعتبرة في المشروطات شرعا"، وهنا أطلقها حتى يتأتى التقسيم إلى الأقسام الثلاثة؛ فالكلام هنا عام فيما اشترطه الشارع وما اشترطه الشخص نفسه من شرط ملائم أو منافٍ أو لا ملائم ولا منافٍ. "د". 3 مقويا لها. "ماء". 4 في "ط": "أو التسريح". 5 في الأصل: "فإن كان الاعتكاف ... " بزيادة "كان".

بِلُزُومِ الْمَسْجِدِ؛ كَانَ لِلصِّيَامِ فِيهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ، وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ الْكُفْءِ مَظِنَّةً لِلنِّزَاعِ وَأَنَفَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ عُصْبَتِهِمَا وَكَانَتِ الْكَفَاءَةُ أَقْرَبَ إِلَى الْتِحَامِ الزَّوْجَيْنِ وَالْعُصْبَةِ، وَأَوْلَى بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ؛ كَانَ اشْتِرَاطُهَا مُلَائِمًا لِمَقْصُودِ النِّكَاحِ، وَهَكَذَا الْإِمْسَاكُ بِمَعْرُوفٍ، وَسَائِرُ تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ تَجْرِي عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ فَثُبُوتُهَا شَرْعًا وَاضِحٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِمَقْصُودِ الْمَشْرُوطِ وَلَا مُكَمِّلٍ لِحِكْمَتِهِ، بَلْ هُوَ عَلَى الضِّدِّ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا إِذَا اشْتَرَطَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهَا إِذَا أَحَبَّ، أَوِ اشْتَرَطَ فِي الِاعْتِكَافِ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْمَسْجِدِ إِذَا أَرَادَ بِنَاءً عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ1، أَوِ اشْتَرَطَ فِي النِّكَاحِ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ أَنْ لَا يَطَأْهَا وَلَيْسَ بِمَجْبُوبٍ وَلَا عِنِّين، أَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِالْمَبِيعِ، أَوْ إِنِ انْتَفَعَ؛ فَعَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ شَرَطَ الصَّانِعُ عَلَى الْمُسْتَصْنِعِ أَنْ لَا يضمن المستأجر عليه إن تلف، أو أن يُصَدِّقَهُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا لَا إِشْكَالَ فِي إِبْطَالِهِ؛ لِأَنَّهُ منافٍ لِحِكْمَةِ السَّبَبِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهُ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ منافٍ لِمَا شُرِعَتْ لَهُ مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَالْمُنَاجَاةِ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِطُ فِي الِاعْتِكَافِ الْخُرُوجَ مُشْتَرِطٌ مَا يُنَافِي حَقِيقَةَ الاعتكاف من لزوم المسجد، واشترط النَّاكِحِ أَنْ لَا يُنْفِقَ يُنَافِي اسْتِجْلَابَ الْمَوَدَّةِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ، وَإِذَا اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَطَأَ أَبْطَلَ حِكْمَةَ النِّكَاحِ الْأَوْلَى وَهِيَ التَّنَاسُلُ، وَأَضَرَّ بِالزَّوْجَةِ؛ فَلَيْسَ مِنَ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الدَّوَامِ وَالْمُؤَالَفَةِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَّا أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ بَاطِلَةً؛ فَهَلْ تُؤَثِّرُ فِي الْمَشْرُوطَاتِ أَمْ لَا؟ هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ يستمد2 من المسألة التي قبل هذه.

_ 1 من لزوم المسجد. "د". 2 فهي شروط تقتضي رفع حكمة السبب، ويقصد بها رفع المسبب الواقع، وتقدم تفصيل ذلك "د". قلت: مما ينبغي أن يلاحظ أن عقد الزواج لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ لأنه ليس عقد معاوضة، بل يبطل الشرط وحده، ويبقى العقد صحيحا منتجا لآثاره.

وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَظْهَرَ فِي الشَّرْطِ مُنَافَاةٌ لِمَشْرُوطِهِ وَلَا مُلَاءَمَةٌ1 وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ؛ هَلْ يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ؛ أَوْ بِالثَّانِي مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمُلَاءَمَةِ ظَاهِرًا؟ وَالْقَاعِدَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي أَمْثَالِ هَذَا التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، فَمَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ دُونَ أَنْ تَظْهَرَ الْمُلَاءَمَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَالْأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَيْهَا إِلَّا بِإِذْنٍ؛ إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي اخْتِرَاعِ التَّعَبُّدَاتِ؛ فَكَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الشُّرُوطِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْعَادِيَّاتِ يُكْتَفَى فِيهِ بِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي دُونَ التَّعَبُّدِ، وَالْأَصْلَ فِيهَا الْإِذْنُ حَتَّى يدل الدليل على خلافه2، والله أعلم.

_ 1 موافقة. "ماء". 2 تقسيم الشروط إلى ثلاثة أقسام يذكره المالكية في البيع، ويقولون: ما كان من مقتضيات العقد أو مصلحاته؛ صح فيه البيع والشرط، وما كان منافيا للعقد، أو مؤديا إلى غرر فسد فيه البيع والشرط، وما لا يفيد مصلحة في البيع ولا مفسدة، ولا يؤثر في زيادة الثمن أو نقصه؛ صح فيه البيع وبطل الشرط، ويضاف إلى هنا قسم رابع وهو ما إذا تمسك المشترط بالشرط بطل البيع، وإن أسقطه كان البيع ماضيا، وبهذا التفصيل أمكنهم الجمع بين ما روي في هذا الصدد من الأحاديث المتعارضة في بادئ النظر. "خ".

النوع الثالث في الموانع

النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي الْمَوَانِعِ: وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمَوَانِعُ1 ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ2 اجْتِمَاعُهُ مَعَ الطَّلَبِ. وَالثَّانِي: مَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْفَعُ أَصْلَ الطَّلَبِ. وَالثَّانِي: لَا يَرْفَعُهُ, وَلَكِنْ يَرْفَعُ انْحِتَامَهُ. وَهَذَا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُخَيَّرًا3 فِيهِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ. وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا إثم على مخالف الطلب.

_ 1 الموانع جمع مانع، وإلى تعريف المانع أشرت بقولي في "منور الأفهام". ومانع وجوده منه العدم ... كالحيض عكس ما إذا يرى انعدم "ماء". 2 أي: عقلا، وقوله: "أحدهما يرفع أصل الطلب"؛ أي: وهو ما أمكن اجتماعه مع الطلب عقلا وامتنع الاجتماع شرعا، والقسمان الباقيان يصح فيهما الاجتماع عقلا وشرعا. "د". قلت: انظر تفصيل ما عند المصنف مع تعليق عليه في "بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله" "2/ 431-436"، وقارن ما عنده بـ"بداية المجتهد" "2/ 159"، و"الفتاوى الكبرى" "3/ 239" لابن تيمية، و"إعلام الموقعين" "4/ 6 وما بعدها"، و"المدخل الفقهي" "1/ 522". 3 يعني: ليس واجبا وإن كان مطلوبا شرعا كما يوضحه فيما بعد. "د".

فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ1: فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ زَوَالِ الْعَقْلِ بِنَوْمٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ أَصْلِ الطَّلَبِ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ إِمْكَانُ فَهْمِهِ لِأَنَّهُ إِلْزَامٌ يَقْتَضِي الْتِزَامًا، وَفَاقِدُ الْعَقْلِ لَا يُمْكِنُ إِلْزَامُهُ2 كَمَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ طَلَبٌ3 يَقْتَضِي اسْتِجْلَابَ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءَ مَفْسَدَةٍ؛ فَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْغَيْرِ، كَرِيَاضَةِ الْبَهَائِمِ وَتَأْدِيبِهَا, وَالْكَلَامُ فِي هَذَا مُبَيَّنٌ فِي الْأُصُولِ4. وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَهُوَ رَافِعٌ لِأَصْلِ الطَّلَبِ وَإِنْ أَمْكَنَ حُصُولُهُ مَعَهُ، لَكِنْ إِنَّمَا يَرْفَعُ مِثْلُ هَذَا الطَّلَبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لَا يُطْلَبُ بِهِ5 أَلْبَتَّةَ؛ كَالصَّلَاةِ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يُطْلَبُ بِهِ6 بَعْدَ رَفْعِ الْمَانِعِ؛ فَالْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ فِيهِ مَشْهُورٌ، لَا حَاجَةَ بنا7 إِلَى ذِكْرِهِ هُنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ حَالَةَ وُجُودِ الْمَانِعِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ8 كذلك؛

_ 1 بلا تخالف فيها بين العلماء. "ماء". 2 في الأصل: "التزامه". 3 أي: بسبب عمل صدر من غير العاقل؛ كإتلاف البهيمة مال الغير، وكالصبي يقتل غيره مثلا، فضمان المتلف وغيره من الأحكام لا يتعلق بالبهيمة والصبي، وإنما يتعلق بربها وبولي الصبي. "د". 4 وهي مسألة الفهم شرط التكليف، راجع ابن الحاجب. "د". 5 يعني: اتفاقا. "د". وفي "ط": "مثل هذا أصل الطلب ... ". 6 كقضاء الصوم على الحائض؛ فهل هو بأمر جديد ولم تكن مأمورة به وقت الحيض؟ وهو المعتمد، راجع مسألة الأداء والقضاء في ابن الحاجب. "د". 7 في النسخ المطبوعة: "لنا"، وما أثبتناه من الأصل و"ط". 8 الدليلان الأولان عامان في رفع أصل الطلب لما لا يطلب بعد وما يطلب، بخلاف الثالث؛ فخاص بما لا يطلب. "د".

لَاجْتَمَعَ الضِّدَّانِ؛ لَأَنَّ الْحَائِضَ مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالنُّفَسَاءَ كَذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ مَأْمُورَةً بِهَا أَيْضًا1؛ لَكَانَتْ مَأْمُورَةً حَالَةَ كَوْنِهَا مَنْهِيَّةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ2، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَيْضًا إِذَا كَانَتْ مَأْمُورَةً أَنْ تَفْعَلَ, وَقَدْ نُهِيَتْ أَنْ تَفْعَلَ؛ لَزِمَهَا شَرْعًا أَنْ تَفْعَلَ وَأَنْ لَا تَفْعَلَ مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَيْضًا؛ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَمْرِ بِشَيْءٍ لَا يَصِحُّ لَهَا فِعْلُهُ حَالَةَ وُجُودِ الْمَانِعِ وَلَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُورَةٍ بِالْقَضَاءِ بِاتِّفَاقٍ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَكَالرِّقِّ وَالْأُنُوثَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجِهَادِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قد لصق بهم مانع مع انْحِتَامِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ، الْجَارِيَةِ فِي الدِّينِ مَجْرَى التَّحْسِينِ3 وَالتَّزْيِينِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ غَيْرُ مقصودين بالخطاب فيها إلا

_ 1 في الأصل: "أيضا بها". 2 وهو الصلاة, أي: ومن جهة واحدة؛ فليست كالصلاة في الأرض المغصوبة؛ فلهذا صحت الاستحالة. "د". 3 جعل الجهاد من النوع الثالث التحسيني، ولم يجعله من المقاصد الضرورية ولا الحاجية، وقد عده هو في تحرير الأصول من الضروري وقال: "محل كونه كذلك إذا كانوا حربا علينا لا لكفرهم؛ ولذا لم تقتل المرأة والصبي والراهب وقبلت الجزية؛ فالدين لا يحفظ مع كونهم حربا علينا لأنه مفضٍ إلى قتل المسلم أو فتنته عن دينه". ا. هـ. فيبقى الكلام فيما إذا لم يكونوا حربا بل كانوا لا يتعرضون لنا وهم في بلاد بعيدة عن بلاد المسلمين، وليس هناك عهد بيننا وبينهم؛ فهل يكون قتالهم في هذه الحالة من الضروري أم من التحسيني؟ الظاهر هذا، ويكون الجهاد منه ما لا يتم حفظ الدين إلا به، ومنه ما لا يكون كذلك؛ فيكون تحسينيا من باب الأخذ بالأحوط، ليحمل كلامه هنا وهناك على هذا التفصيل. "د". وكتب "خ" هنا ما نصه: "ساق المصنف الجهاد هنا مساق التحسينات، وسيصرح في كتاب المقاصد بأنه من قبيل الضروريات وهو الصواب؛ إذ لا يستقيم الدين ولا يحفظ العرض إلا بإقامته على وجه صحيح، بل دلت التجارب الطويلة على أن في إضاعته إتلافا للأموال، وسقوطا في هاوية الفقر، وإلقاء بالأنفس المسلمة في قبضة من لا يرى سفك دمها الطاهر جناية تستحق عقابا، بل يسوقها إلى حروب لا تنال منها إلا موتة خاسرة وخزيا لا ينمحي".

بِحُكْمِ التَّبَعِ، فَإِنْ تَمَكَّنُوا مِنْهَا؛ جَرَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ مَجْرَاهَا مَعَ الْمَقْصُودِينَ بِهَا، وَهُمُ الْأَحْرَارُ الذُّكُورُ، وَهَذَا مَعْنَى التَّخْيِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا؛ فَالْحُكْمُ مِثْلُ1 الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَكَأَسْبَابِ الرُّخَصِ، هِيَ مَوَانِعُ مِنَ الِانْحِتَامِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْعَزِيمَةَ مَيْلًا إِلَى جِهَةِ الرُّخْصَةِ؛ كَقَصْرِ الْمُسَافِرِ، وَفِطْرِهِ، وتركه2 للجمعة، وما أشبه ذلك. المسألة الثانية: 3 الْمَوَانِعُ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الْمُكَلَّفِ لَهَا وَلَا رَفْعَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ مِنْهَا دَاخِلٌ تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ -مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ- وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ كَالِاسْتِدَانَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ انْتِهَاضِ سبب الوجوب بالتأثير لوجود إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ وُجِدَ النِّصَابُ؛ فَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَقْدِ الْمَانِعِ، وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَوْ مِنْ وُجُوبِهِمَا4، وَمِنَ الِاعْتِدَادِ بِمَا طَلَّقَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مَنَعَ مِنْهَا الْكُفْرُ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ مَانِعٌ مِنَ انتهاك حرمة الدم والمال والعرض إلا

_ 1 أي: من رفع أصل الطلب، وهل يندرج فيه أيضا؟ بحيث يقال: إنه وجد مانع شرعي من توجه الطلب؛ لأن امتثال أمر السيد بأعمال أخرى في وقت هذه العبادات يعد مانعا شرعا، وحينئذ؛ فينتقل هذا النوع الثالث إلى النوع الثاني. "د". 2 في "د": "تركه" بدون الواو. 3 يحاذى بها وبما بعدها المباحث المتقدمة في المسألتين السادسة والسابعة في الشروط. "د". 4 أي: على الخلاف بين الجمهور والحنفية في تكليف الكفار بالفروع. "د".

بِحَقِّهَا؛ فَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْبَاهِهَا مِنْ جِهَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ خَارِجٌ عَنْ مَقْصُودِ الْمَسْأَلَةِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ الدَّاخِلُ تَحْتَ خِطَابِ الْوَضْعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ؛ فَلَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَانِعٌ، وَلَا فِي عَدَمِ تَحْصِيلِهِ؛ فَإِنَّ المِدْيَان لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِرَفْعِ الدَّيْن إِذَا كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ لِتَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، كَمَا أَنَّ مَالَكَ النِّصَابِ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِتَحْصِيلِ الِاسْتِدَانَةِ لِتَسْقُطَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ ارْتَفَعَ مُقْتَضَى السَّبَبِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَضْعَ السَّبَبِ مُكَمَّلَ الشُّرُوطِ، يَقْتَضِي قَصْدَ الْوَاضِعِ إِلَى تَرَتُّبِ الْمُسَبَّبِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ، وَقَدْ فُرِضَ كَذَلِكَ، هَذَا خَلْفٌ، وَإِذَا ثَبَتَ قَصْدُ الْوَاضِعِ إِلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ؛ فَفَرْضُ الْمَانِعِ مَقْصُودًا لَهُ أَيْضًا إِيقَاعُهُ قَصْدٌ إِلَى رَفْعِ تَرَتُّبِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاصِدٌ إِلَى نَفْسِ التَّرَتُّبِ، هَذَا خَلْفٌ، فَإِنَّ الْقَصْدَيْنِ مُتَضَادَّانِ، وَلَا هُوَ أَيْضًا قَاصِدٌ إِلَى رَفْعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَاصِدًا إِلَى ذَلِكَ؛ لَمْ يُثْبِتْ فِي الشَّرْعِ مَانِعًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَاصِدًا إِلَى رَفْعِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَانِعٌ؛ لَمْ يَثْبُتْ حُصُولُهُ مُعْتَبَرًا شَرْعًا، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرُ؛ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ السَّبَبِ، وَقَدْ فُرِضَ كَذَلِكَ، وَهُوَ عَيْنُ التَّنَاقُضِ. فَإِذَا تَوَجَّهَ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِلَى إِيقَاعِ الْمَانِعِ أَوْ إِلَى رفعه؛ ففي ذلك تفصيل، وهي:

المسألة الثالثة: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ مَأْمُورًا بِهِ، أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مُخَيَّرًا فِيهِ، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ؛ فَظَاهِرٌ؛ كَالرَّجُلِ يَكُونُ بِيَدِهِ1 لَهُ نِصَابٌ، لَكِنَّهُ يَسْتَدِينُ لِحَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ، وَتَنْبَنِي الْأَحْكَامُ عَلَى مُقْتَضَى حُصُولِ الْمَانِعِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَهُ مَثَلًا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَانِعًا، قَصْدًا لِإِسْقَاطِ حُكْمِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا اقْتَضَاهُ؛ فَهُوَ عَمَلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ النَّقْلِ أُمُورٌ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ, جَلَّ وَعَلَا: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا} الْآيَةَ [الْقَلَمِ: 17] ؛ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْإِخْبَارَ بِعِقَابِهِمْ عَلَى قَصْدِ التَّحَيُّلِ لِإِسْقَاطِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ، بِتَحَرِّيهُمُ الْمَانِعَ مِنْ إِتْيَانِهِمْ وَهُوَ وَقْتُ الصُّبْحِ الَّذِي لَا يُبَكِّرُ فِي مِثْلِهِ الْمَسَاكِينُ عَادَةً2، وَالْعِقَابُ إِنَّمَا يَكُونُ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ. وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] 3: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [الْبَقَرَةِ: 231] ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُضَارَّةِ الزَّوْجَاتِ بِالِارْتِجَاعِ أَنْ لا ترى بعده زوجا آخر مطلقا4،

_ 1 كلمة "بيده" ليست في "م" و"خ". 2 يعني: فالمانع عادي، وليس بشرعي حتى ينطبق عليه تعريف المانع الذي هو موضوع هذه المباحث، وهو ما اقتضى حكمة تنافي حكمة السبب، وعليه فما وجه ذكره هنا؟ إلا أن يقال: إن العقاب على تحصيل المانع العادي يفيد أن تحصيل المانع الشرعي قصدا مثله؛ فإن القصد في كل الوصول إلى موجب الحرمان. "د". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 4 هذا إنما يظهر حسبما كان عليه الأمر قبل نزول آية: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} ؛ فقد كانوا يطلقون ويرتجعون لا إلى حد، يضارون الزوجات بذلك، فلا يضمنها الرجل إليه ولا يدعها تتزوج طول حياتها. "د".

وَأَنْ1 لَا تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا إِلَّا بَعْدَ طُولٍ؛ فَكَانَ الِارْتِجَاعُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ إِذْ هُوَ مَانِعٌ مِنْ حَلِّهَا لِلْأَزْوَاجِ. وَفِي الْحَدِيثِ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا 2 فَبَاعُوهَا"، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا" 3. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ4: "لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ وَيُسَمُّونَهَا بغير اسمها " 5.

_ 1 في "م": "أو". 2 قال "ماء": "فجملوها؛ بالجيم، والميم المشددة؛ أي: أذابوها". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، 4/ 424/ رقم 2236، وكتاب المغازي، باب منه، 8/ 20/ رقم 4296" مختصرا، وليس فيه اللفظ المذكور، "وكتاب التفسير، باب {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} ، 8/ 295/ رقم 4633"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، 3/ 1207/ رقم 1581"، وأحمد في "المسند" "3/ 324، 326"، وأبو داود في "السنن" "كتاب البيوع، باب في ثمن الخمر والميتة، 3/ 279/ رقم 3486"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب بيع الخنزير، 7/ 309"، والترمذي في "الجامع" "أبواب البيوع، باب ما جاء في بيوع جلود الميتة والأصنام، 3/ 591/ رقم 1297"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات، باب ما لا يحل بيعه، 2/ 732/ رقم 2167" مطولا من حديث جابر بن عبد الله، وفيه اللفظ المذكور. 4 في "م": "عليه السلام". 5 أخرجه ابن ماجه في "السنن" "كتاب الأشربة، باب الخمر يسمونها بغير اسمها، 2/ 1123/ رقم 3385"، وابن أبي الدنيا في "ذم المسكر" "رقم 8" عن بلال بن يحيى العبسي عن أبي بكر بن حفص عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة مرفوعا بلفظ: " ... باسم يسمونها إياه ". وإسناده جيد، رجاله رجال الشيخين؛ غير بلال بن يحيى، قال ابن معين: "ليس به بأس"، ووثقه ابن حبان. وتابعه شعبة، ولكنه أبهم الصحابي، وذلك لا يضر، وأسقط "ثابت بن السمط"، ولفظه لفظ المصنف. أخرجه أحمد في "المسند" "4/ 237" بإسناد صحيح. وللحديث شواهد من حديث أبي مالك الأشعري وسيأتي تخريجه "3/ 113"، وعائشة، وأبي أمامة الباهلي، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم, رضي الله عنهم.

وَفِي رِوَايَةٍ: "لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ" 1 الْحَدِيثَ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا، وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ، وَالزِّنَى بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ"2. فَكَأَنَّ الْمُسْتَحِلَّ هُنَا رَأَى أن المانع

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، 10/ 51/ رقم 5590"؛ فقال: وقال هشام بن عمار عن صدقة بن خالد عن ابن جابر عن عطية بن قيس عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري به. وقد وصله جماعة؛ منهم: ابن حبان في "الصحيح" "15/ 154/ رقم 6754- الإحسان"، والطبراني في "الكبير" "رقم 3417"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "3/ 272 و10/ 221"، وابن حجر في "تغليق التعليق" "5/ 17-19"، وهو حديث صحيح. وانظر: "السلسلة الصحيحة" "رقم 91". وكتب "خ" هنا ما نصه: "الحر: هذا اللفظ مضبوط في معظم الروايات من "صحيح البخاري" بالحاء المهملة والراء الخفيفة، قال ابن العربي: روايته بالمعجمتين تصحيف، وإنما رويناه بالمهملتين، وهو الفرج، والمعنى: يستحلون الزنى". قلت: وهو في الأصل المخطوط و"ماء" بالمعجمتين؛ فاقتضى التنويه. 2 أخرجه الخطابي في "غريب الحديث" "1/ 218" ثنا عبد العزيز بن محمد المسكي نا ابن الجنيد نا سويد عن ابن المبارك عن الأوزاعي رفعه. وإسناده ضعيف؛ لأنه معضل، الأوزاعي ثقة من أتباع التابعين, رحمه الله تعالى. وكتب "خ" هنا ما نصه: "استحلال القتل باسم الإرهاب هو ما يرتكبه السلطان الجائر في طمس أعلام العدالة، وإطفاء نور الحرية, من اضطهاد بغاة الإصلاح والدعاة إلى الحق ورفعهم على أعواد المشانق، أو ضرب السيوف على أعناقهم بدعوى حماية الملك والذود عن "حرم" السياسة"!!

ثهو الِاسْمُ؛ فَنَقَلَ الْمُحَرَّمَ إِلَى اسْمٍ آخَرَ، حَتَّى يَرْتَفِعَ ذَلِكَ الْمَانِعُ فَيَحِلَّ لَهُ. وَقَالَ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النِّسَاءِ: 12] ؛ فَاسْتَثْنَى الْإِضْرَارَ، فَإِذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِدِينٍ لِوَارِثٍ، أَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ قَاصِدًا حِرْمَانَ الْوَارِثِ أَوْ نَقْصَهُ بَعْضَ حَقِّهِ بِإِبْدَاءِ هَذَا الْمَانِعِ مِنْ تَمَامِ حَقِّهِ؛ كَانَ مُضَارًّا، وَالْإِضْرَارُ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} الْآيَةَ [النَّحْلِ: 91] . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: عَجِبْتُ مِمَّا يَقُولُونَ فِي الْحِيَلِ وَالْأَيْمَانِ، يُبْطِلُونَ الْأَيْمَانَ بِالْحِيَلِ، [وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النَّحْلِ: 91]] 1. وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ 2 " 3. وَفِيهِ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ -يَعْنِي: الْوَبَاءَ- بِأَرْضٍ؛ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا؛ فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه" 4.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "د". 2 في الأرض المباحة بئر للشخص، وفي الأرض كلأ مباح يريد أن يمنع الناس منه بإيجاده مانعا لهم من رعيه، وهو بخله بسقيهم من فضل ماء بئره، فنهي عن ذلك. "د". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب من قال: إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى، 5/ 31/ رقم 2253"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب تحريم فضل بيع الماء، 3/ 1198/ رقم 1566" عن أبي هريرة, رضي الله عنه. 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، 10/ 178 =

وَالْأَدِلَّةُ هُنَا فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ, رِضَى اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فِي الشُّرُوطِ جارٍ مَعْنَاهُ فِي الْمَوَانِعِ، وَمِنْ هُنَالِكَ يُفْهَمُ حُكْمُهَا، وَهَلْ يَكُونُ الْعَمَلُ بَاطِلًا أَمْ لَا؛ فَيَنْقَسِمُ إِلَى الضَّرْبَيْنِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ الْمُسْتَجْلِبُ مَثَلًا فِي حُكْمِ الْمُرْتَفِعِ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْحُكْمُ مُتَوَجِّهٌ، كَصَاحِبِ النِّصَابِ اسْتَدَانَ لِتَسْقُطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ، بِحَيْثُ قَصَدَ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْحَوْلُ رَدَّ الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ الْمَانِعُ وَاقِعًا شَرْعًا؛ كَالْمُطَلِّقِ خَوْفًا مِنَ انْحِتَامِ الْحِنْثِ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ -عَلَى وِزَانِ مَا تَقَدَّمَ في الشروط- ولا فائدة في التكرار.

_ = -179/ رقم 5728"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، 3/ 1737/ رقم 2218" من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه- وهو أشهر ما ورد في الباب، وفيه عن سعد بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت وزيد بن ثابت وشرحبيل بن حسنة وجد عكرمة بن خالد وأم أيمن -رضي الله عنهم- وأخرج ذلك بتفصيل حسن شيخ المحدثين ابن حجر العسقلاني في كتابه "بذل الماعون في فضل الطاعون" "ص250 وما بعدها". قال: "د": "وهذا الحجر الصحي الذي يتبجح باختراعه خدمة للإنسانية أهل هذا العصر فيه في كلتا جهتيه قصد إلى المانع لكونه مانعا؛ فقدومهم على أرضه رفع للمانع من إصابتهم عادة؛ فنهوا عنه، وخروجهم من أرضه تحصيل للمانع من إصابتهم وهو بعدهم عنه، وحكمة الأول ظاهرة، وحكمة الثاني من الوجهة الدينية الصرفة الفرار من قدر الله والركون إلى محض الأسباب، وإن كان عمر قال في مثله: "نَعَمْ، نَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ الله"، ومن الوجهة الشرعية الصحية: خشية تلويث الجهات الأخرى بالجراثيم التي ربما تكون علقت بهم أو بأمتعتهم".

النوع الرابع في الصحة والبطلان

النَّوْعُ الرَّابِعُ: فِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ 1 وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي مَعْنَى الصِّحَّةِ، وَلَفْظُ الصِّحَّةِ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ تَرَتُّبُ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا نَقُولُ فِي الْعِبَادَاتِ: إِنَّهَا صَحِيحَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ، وَمُبْرِئَةٌ لِلذِّمَّةِ، وَمُسْقِطَةٌ لِلْقَضَاءِ فِيمَا فِيهِ قَضَاءٌ، وما أشبه ذلك2 من العبارات الْمُنْبِئَةِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَكَمَا نَقُولُ فِي الْعَادَاتِ3: إِنَّهَا صَحِيحَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهَا مُحَصِّلَةٌ شَرْعًا لِلْأَمْلَاكِ, وَاسْتِبَاحَةِ4 الْأَبْضَاعِ، وَجَوَازِ الِانْتِفَاعِ، وَمَا يُرْجَعُ5 إِلَى ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرَادَ بِهِ تَرَتُّبُ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، كَتَرَتُّبِ الثَّوَابِ؛ فَيُقَالُ: هَذَا عَمَلٌ صَحِيحٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُرْجَى6 به الثواب في الآخرة؛ ففي

_ 1 اعلم أن الصحة والبطلان ليسا على التحقيق من الأحكام الوضعية في شيء، بل من الأمور العقلية؛ لأنه بعد ورود أمر الشارع بالفعل ومعرفة شرائطه وموانعه لا يحتاج إلى توقيف من الشارع، بل يعرف بمجرد العقل صحته أو بطلانه، ولذا أسقطهما كثير من الأصوليين؛ فلم يعدوهما في الأحكام. "د". 2 كموافقة أمر الشرع كما قالوه. "د". 3 المعاملات. "ماء". 4 ولا يقال: حصول الانتفاع وحصول التوالد والتناسل؛ لأنها قد تترتب على الباطل، وقد تتخلف عن الصحيح. "د". 5 كصحة تصرفاته الشرعية فيما ابتاعه بيعا صحيحا مثلا. "د". 6 لم يقل: يحصل الثواب في الآخرة تفاديا مما اعترض به عليه من أن الثواب قد لا يترتب على الصحة الصحيحة كما سيأتي. "د".

الْعِبَادَاتِ ظَاهِرٌ، وَفِي الْعَادَاتِ1 يَكُونُ فِيمَا نَوَى بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَقَصَدَ بِهِ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُخَيَّرِ إِذَا عَمِلَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ خَيَّرَهُ، لَا مِنْ حَيْثُ قَصَدَ مُجَرَّدَ حَظِّهِ فِي الِانْتِفَاعِ، غَافِلًا عَنْ أَصْلِ التَّشْرِيعِ؛ فَهَذَا أَيْضًا يُسَمَّى عَمَلًا صَحِيحًا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إِطْلَاقًا غَرِيبًا لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ عُلَمَاءُ الْفِقْهِ؛ فَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ عُلَمَاءُ التَّخَلُّقُ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِمَّا يُحَافِظُ عَلَيْهِ السَّلَفُ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَتَأْمَلْ مَا حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ من ذلك2. المسألة الثانية: فِي مَعْنَى الْبُطْلَانِ، وَهُوَ مَا يُقَابِلُ مَعْنَى الصِّحَّةِ؛ فَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا نَقُولُ فِي الْعِبَادَاتِ: إِنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ، وَلَا مُبْرِئَةٍ لِلذِّمَّةِ، وَلَا مَسْقَطَةٍ لِلْقَضَاءِ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّ هُنَا نَظَرًا؛ فَإِنَّ كَوْنَ الْعِبَادَةِ بَاطِلَةً إِنَّمَا هُوَ لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا قَصَدَ الشَّارِعُ فِيهَا، حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَكِنْ قَدْ تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ رَاجِعَةً إِلَى نَفْسِ الْعِبَادَةِ3؛ فَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْبُطْلَانِ إِطْلَاقًا؛ كَالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، أَوْ نَاقِصَةً رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِهَا مِنَ الْأَصْلِ، وَقَدْ تَكُونُ رَاجِعَةً إِلَى وَصْفٍ خَارِجِيٍّ مُنْفَكٍّ عَنْ حقيقتها وإن كانت

_ 1 كما تقدم له في النكاح أنه مندوب بالجزء وهو عادي؛ فلا ثواب إلا بهذه النية، وكما سيأتي في الواجب العادي كأداء الديون والنفقة على الأولاد ورد الودائع. "د". 2 "إحياء علوم الدين" "4/ 370 وما بعد"، أثناء "بيان تفصيل الأعمال المتعلقة بالنية"، ثم انظر في "الإخلاص" "حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب عليه, 4/ 384". 3 كخلل في بعض شروطها أو أركانها. "د".

مُتَّصِفَةً بِهِ؛ كَالصَّلَاةِ1 فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مَثَلًا؛ فَيَقَعُ الِاجْتِهَادُ: فِي اعْتِبَارِ الِانْفِكَاكِ؛ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِلشَّارِعِ، وَلَا يَضُرُّ حُصُولُ الْمُخَالَفَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ. أَوْ فِي اعْتِبَارِ الِاتِّصَافِ؛ فَلَا تَصِحُّ بَلْ تَكُونُ فِي الْحُكْمِ بَاطِلَةً2 مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمُوَافِقَةَ إِنَّمَا هِيَ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ، وَلَيْسَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا. وَنَقُولُ أَيْضًا فِي الْعَادَاتِ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ، بِمَعْنَى عَدَمِ حُصُولِ فَوَائِدِهَا بِهَا شَرْعًا؛ مِنْ حُصُولِ أَمْلَاكٍ، وَاسْتِبَاحَةِ فُرُوجٍ، وَانْتِفَاعٍ بِالْمَطْلُوبِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْعَادِيَّاتُ فِي الْغَالِبِ رَاجِعَةً إِلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا؛ كَانَ النَّظَرُ فِيهَا رَاجِعًا إِلَى اعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ هِيَ أُمُورٌ مَأْذُونٌ فِيهَا أَوْ مَأْمُورٌ بِهَا شَرْعًا. وَالثَّانِي: مِنْ حَيْثُ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَاعْتَبَرَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ، وَأَهْمَلُوا النَّظَرَ فِي جِهَةِ الْمَصَالِحِ، وَجَعَلُوا مُخَالَفَةَ أَمْرِهِ مُخَالَفَةً لِقَصْدِهِ بِإِطْلَاقٍ؛ كَالْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ سَوَاءً، وَكَأَنَّهُمْ مَالُوا إِلَى جِهَةِ التَّعَبُّدِ -وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" بَيَانُ أَنَّ فِي كُلِّ مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ تَعَبُّدًا- وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمُوَاجَهَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ بِالْمُخَالَفَةِ يَقْضِي بِالْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ عَنْ مُقْتَضَى خِطَابِهِ، وَالْخُرُوجُ فِي الْأَعْمَالِ عَنْ خِطَابِ الشَّارِعِ يَقْضِي بِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ بَاطِلٌ؛ فَهَذَا كَذَلِكَ، كَمَا لَمْ تَصِحَّ.

_ 1 وكصوم الأيام المنهية. "د". 2 والبطلان والفساد مترادفان عند غير الحنفية، أما عندهم؛ فيقولون في مثله فاسد لا باطل، وبنوا على الفرق إمكان تصحيح الفاسد لا الباطل كما يأتي "ص455" من هذا الجزء.

العبادات الخارجة عن مقتضى خطاب الشارع. فِي اعْتِبَارِ الِانْفِكَاكِ؛ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ على الموافقة للشارع، ولا على اعتبار المصلحة، بمعنى أن المعنى أن الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ الْعَمَلُ بَاطِلًا يُنْظَرُ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ حَاصِلًا أَوْ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ، بِحَيْثُ1 لَا يُمْكِنُ التَّلَافِي فِيهِ؛ بَطَلَ الْعَمَلُ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِيمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ لِبَادِئِ الرَّأْيِ؛ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنْ لَا مَصْلَحَةَ فِي الْإِقْدَامِ وَإِنْ ظَنَّهَا الْعَامِلُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَلَا2 كَانَ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ لَكِنْ أَمْكَنَ تَلَافِيهِ، لَمْ يَحْكُمْ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ كَمَا يقول مالك3

_ 1 كبيع الملاقيح، فإن المعنى الذي بطل البيع من أجله حاصل مستديم؛ لأن بيع ما في بطون الأمهات منعدم فيه ركن البيع، ولا يتأتى تلافي تصحيحه. "د". 2 كذا في "ط" فقط، وفي غيره: "يحصل مدة كان"، وكتب "د": "لعل الأصل: "وإن كان حاصلا مدة أو في حكم الحاصل" يعني: مدة أيضا؛ فيكون مقابلا للقسم قبله، وتنطبق عليه التفاريع الآتية، فإن المفوت غالبا للعتق وهو البيع في حكم الحاصل، ولكن أثره لم يدم، بل ارتفع بالعتق، وأمكن تلافي مفوت العتق بسبب عتق المشتري، وإنما قلنا: "في حكم الحاصل"؛ لأن التفويت إنما يظهر أثره بعد موت السيد، فهناك كان يغلب عتقه، أعني إذا لم يوجد مانع، كبعض الصور التي يسترق فيها المدبر ولا ينفذ عتقه، أما الكتابة الفاسدة لفقد شرط مثلا؛ فالمعنى الذي لأجله بطلت حاصل بالفعل، لكن لمدة، وهي ما قبل خروجه حرا بسببها, وأمكن التلافي بسبب الحرية؛ فجعل الأمر في المثال وما قبله منزلا على المصلحة، وهي تشوف الشارع للحرية مع إمكان التلافي بإهدار بقاء الموجب للبطلان، ومثالا الغصب والبيع والسلف مما فيه حصول المعنى الموجب للبطلان فعلا، ولكنه لمدة وهي ما قبل الإجازة، وإسقاط الشرطين اللذين أمكن بهما إهدار الموجب للبطلان". قلت: وانظر نحو ما ذكره المصنف في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "25/ 283 و29/ 281-292 و32/ 87-88". قلت: وفي حاشية الأصل: "هنا تحريف في لفظ مرة". 3 انظر: "الموطأ" "2/ 423- رواية أبي مصعب".

فِي بَيْعِ الْمُدَبَّرِ: إِنَّهُ يُرَدُّ إِلَّا أَنْ يعتقه المشتري فَلَا يُرَدُّ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا مُنِعَ لِحَقِّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ، أَوْ لِحَقِّ اللَّهِ فِي الْعِتْقِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ يُفِيتُهُ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي حَصَلَ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي الْعِتْقِ؛ فَلَمْ يُرَدُّ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ تُرَدُّ مَا لَمْ يَعْتِقِ الْمُكَاتَبُ, وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْغَاصِبِ لِلْمَغْصُوبِ، مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ رَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّهِ، فَإِذَا أَجَازَهُ جَازَ، وَمِثْلُهُ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِذَا1 أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ؛ جَازَ مَا عَقَدَاهُ، وَمَضَى عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ، وَقَدْ يَتَلَافَى بِإِسْقَاطِ الشَّرْطِ شَرْعًا2، كَمَا فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ3، وَعَلَى مُقْتَضَاهُ جَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي تَصْحِيحِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ4؛ كَنِكَاحِ الشَّغَارِ، وَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَنَحْوَهُمَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ الَّتِي هِيَ بَاطِلَةٌ عَلَى وَجْهٍ؛ فَيُزَالُ ذَلِكَ الْوَجْهُ فَتَمْضِي الْعُقْدَةُ، فَمَعْنَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ نَهْيَ الشَّارِعِ كَانَ لِأَمْرٍ، فَلَمَّا زَالَ ذَلِكَ الْأَمْرُ ارْتَفَعَ النَّهْيُ؛ فَصَارَ الْعَقْدُ مُوَافِقًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ إِمَّا عَلَى حُكْمِ الِانْعِطَافِ5 إِنْ قَدَّرْنَا رُجُوعَ الصِّحَّةِ إِلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، أَوْ غَيْرِ حُكْمِ الِانْعِطَافِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ تَصْحِيحَهُ وَقَعَ الْآنَ لَا قَبْلُ, وَهَذَا الْوَجْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَصَالِحَ الْعِبَادِ مُغَلَّبَةٌ عَلَى حُكْمِ التَّعَبُّدِ. وَالثَّانِي مِنَ الْإِطْلَاقَيْنِ: أَنْ يُرَادَ بِالْبُطْلَانِ عَدَمُ ترتب آثار العمل عليه في

_ 1 في الأصل: "إذا". 2 ما قبله كان بإسقاط مشترط السلف، أما هذا؛ فإن أهل بريرة لم يسقطوه، بل بقوا متمسكين به، ولكن أسقطه الشارع كما في الحديث. "د". 3 مضى تخريجه "ص340". 4 الباطل عندهم هو ما يكون غير مشروع ألبتة؛ كبيع الملاقيح، لا ما كان النهي باعتبار وصف عارض؛ فإنه يسمى فاسدا، والثاني يمكن تصحيحه بإهدار الوصف الموجب للفساد، كإسقاط الزيادة في الربا، ولا يحتاج لعقد جديد؛ كالأمثلة التي ذكرها. "د". 5 وانسحاب آثار العقد الأول على ما تم بعد زوال الوصف. "د".

الْآخِرَةِ، وَهُوَ الثَّوَابُ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ. فَتَكُونُ الْعِبَادَةُ بَاطِلَةً بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا جَزَاءٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُطَابِقَةٍ لِمُقْتَضَى الْأَمْرِ بِهَا، وَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ أَيْضًا. فَالْأَوَّلُ: كَالْمُتَعَبِّدِ رِئَاءَ النَّاسِ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ. وَالثَّانِي: كَالْمُتَصَدِّقِ بِالصَّدَقَةِ يُتْبِعُهَا بِالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} 1 الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 264] . وَقَالَ: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 2 [الزُّمَرِ: 65] . وَفِي الْحَدِيثِ: "أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ لم يتب"3.

_ 1 فقد قضت الآية بأنها كالعدم في الآخرة؛ لأنها كتراب على حجر صلد نزل عليه وابل فلم يترك له أثرا، وظاهر أن هذا باعتبار الآخرة. "د". 2 فالعبادة التي حصل فيها الإشراك مع الله باطلة بالمعنيين؛ أي: في الدنيا والآخرة. "د". 3 أخرج عبد الرزاق في "المصنف" "8/ 184-185/ رقم 4812، 4813"، وأحمد في "المسند"، وسعيد بن منصور -كما في "نصب الراية" "4/ 16"- والدارقطني في "السنن" "3/ 52"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 320-331" عن معمر والثوري عن أبي إسحاق عن امرأته "أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها؛ فقالت: يا أم المؤمنين! كانت لي جارية؛ فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى أجل، ثم اشتريتها منها بستمائة، فنقدته الستمائة، وكتبت عليه ثمانمائة؛ فقالت عائشة: بئس والله ما اشتريت، وبئس والله ما بعت، أخبري زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلا أن يتوب".

على تأويل من جعل الإبطال حقيقة1.

_ = وفي رواية البيهقي: إن التي باعت الجارية من زيد بن أرقم هي أم محبة، وهي امرأة أبي السفر، وزوجة أبي إسحاق هي العالية بنت أيفع؛ كما عند الدارقطني. وضعفه الدارقطني بقوله: "أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما". وأعله الشافعي في "الأم" "3/ 33-ط الشعب"، وابن حزم في "المحلى" "9/ 60" بجهالة العالية. وأم محبة لا وجود لها في الإسناد، وإنما هي التي باعت الجارية، وهذا ظاهر في رواية الدارقطني خاصة، أما إعلاله بالعالية؛ فمتعقب بما قاله ابن الجوزي في "التحقيق" كما في "نصب الراية" "4/ 16": "قالوا: العالية مجهولة لا يقبل خبرها، قلنا: بل هي امرأة معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في "الطبقات" "8/ 487"؛ فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي، سمعت عائشة"، وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" "5/ 330": "العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وابن حنبل والحسن بن صالح"؛ فإسناد هذا الأثر حسن إن شاء الله تعالى، وجوده محمد بن عبد الهادي، وابن القيم في "إعلام الموقعين" "3/ 216"، وقال: "وهذا حديث فيه شعبة، وإذا وجد شعبة في حديث؛ فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله؛ فقد استوثق لدينه"، وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 259-260". قال "د": "ولا يتجه جواب بعضهم هنا عن الشافعية بأن إنكار عائشة راجع إلى البيع لأجل مجهول لا لتفاوت الثمنين". 1 يعني: ويكون من الإطلاق الثاني. "د". وكتب "خ" هنا ما نصه: "أصل هذا الحديث أن امرأة ذكرت لعائشة -رضي الله عنها- شيئا باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء، ثم اشترته منه بأقل من ذلك؛ فقالت عائشة: بئس ما اشتريت، أخبري زيد بن أرقم ... إلخ" الحديث. وحيث كانت صورة العقد المشتمل عليها الحديث جائزة عند الشافعية؛ أجابوا عنه بوجوه، أحدها: القدح في سنده بجهالة الراوي، ثانيها: القدح في متنه بأن الأعمال الصالحة لا يحبطها إلا الردة، ومحال أن تلزم عائشة زيدا برأيها وتكفره باجتهاده، ثالثها: أن إنكار عائشة على فرض صحة الحديث عائد إلى البيع لأجل مجهول لا لتفاوت الثمنين، رابعها: أن الحديث يتضمن اختلاف صحابيين في حكم، وإذا اختلف الصحابة في شيء؛ أخذنا بقول الذي يعضده القياس، وهو قول زيد".

وَتَكُونُ أَعْمَالُ الْعَادَاتِ بَاطِلَةً أَيْضًا بِمَعْنَى عَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَتْ بَاطِلَةً بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا؛ فَالْأَوَّلُ كَالْعُقُودِ الْمَفْسُوخَةِ شَرْعًا، وَالثَّانِي كَالْأَعْمَالِ الَّتِي يَكُونُ الْحَامِلُ عَلَيْهَا مُجَرَّدَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ فِيهَا؛ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَأَشْبَاهِهَا، وَالْعُقُودِ الْمُنْعَقِدَةِ بِالْهَوَى وَلَكِنَّهَا وَافَقَتِ الْأَمْرَ أَوِ الْإِذْنَ الشَّرْعِيَّ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ، لَا بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ؛ فَهِيَ أَعْمَالٌ مُقَرَّةٌ شَرْعًا لِمُوَافَقَتِهَا لِلْأَمْرِ أَوِ الْإِذْنِ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي الدُّنْيَا؛ فَرُوعِيَ فِيهَا هَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ حَيْثُ وَافَقَتْ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ, وَتَبْقَى جِهَةُ قَصْدِ الِامْتِثَالِ مَفْقُودَةً؛ فَيَكُونُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ مَفْقُودًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا الْهَوَى الْمُجَرَّدَ، إِنْ وَافَقَتْ قَصْدَ الشَّارِعِ بَقِيَتْ بِبَقَاءِ حَيَاةِ الْعَامِلِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا فَنِيَتْ بِفَنَاءِ الدُّنْيَا وَبَطَلَتْ {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النَّحْلِ: 96] . {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشُّورَى: 20] . {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الْأَحْقَافِ: 20] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نَصٌّ أَوْ ظَاهِرٌ، أَوْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ فَمِنْ هُنَا أَخَذَ مَنْ تَقَدَّمَ بِالْحَزْمِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ أَنْ يُضِيفُوا إِلَيْهَا قَصْدًا يَجِدُونَ بِهِ أَعْمَالَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَانْظُرْ في "الإحياء"1 وغيره.

_ 1 انظره "4/ 374" أثناء "بيان أن النية غير داخلة تحت الاختيار".

المسألة الثالثة: مَا ذُكِرَ مِنْ إِطْلَاقِ الْبُطْلَانِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ تَقْسِيمًا، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفِعْلِ الْعَادِيِّ؛ إِذْ لَا يَخْلُو الْفِعْلُ الْعَادِيُّ -إِذَا خَلَا عَنْ قَصْدِ التَّعَبُّدِ- أَنْ يُفْعَلَ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَالْمَفْعُولُ بِقَصْدٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ مُجَرَّدَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَنْظُرَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْمُوَافَقَةِ فَيَفْعَلَ، أَوْ فِي الْمُخَالَفَةِ فَيَتْرُكَ؛ إِمَّا اخْتِيَارًا، وَإِمَّا اضطرار؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُفْعَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ كَالْغَافِلِ وَالنَّائِمِ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ اقْتِضَاءٍ وَلَا تَخْيِيرٍ، فَلَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَعْمَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، فَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابُ تَكْلِيفٍ؛ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَمَرَتُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُفْعَلَ لِقَصْدِ نَيْلِ غَرَضِهِ مُجَرَّدًا؛ فَهَذَا أَيْضًا لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ, كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ التَّكْلِيفِ أَوْ وَقَعَ وَاجِبًا؛ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا تَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ بِحُكْمِ الطَّبْعِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجر إليه" 1، ومعنى الحديث

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" في مواطن كثيرة، منها: "كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، 1/ 9/ رقم 1", ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب قوله, صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، 3/ 1515/ رقم 1907"، والترمذي في "الجامع" "أبواب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء، 4/ 179/ رقم 1647"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الطلاق، باب فيما عني به الطلاق والنيات، 2/ 651/ رقم 2201"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الطهارة، باب النية في الوضوء، 1/ 58"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب النية، 2/ 1413/ رقم 4227"، وأحمد في "المسند" "1/ 25، 43" من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ولم يصح إلا من حديثه.

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَقْطُوعٌ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ. فَهَذَا الْقِسْمُ وَالَّذِي قَبْلَهُ بَاطِلٌ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ الثَّانِي. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَلَ مَعَ اسْتِشْعَارِ الْمُوَافَقَةِ اضْطِرَارًا؛ كَالْقَاصِدِ لِنَيْلِ لَذَّتِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ بِالزِّنَى لِامْتِنَاعِهَا أَوْ لِمَنْعِ أَهْلِهَا؛ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ نِكَاحٍ لِيَكُونَ مُوَصِّلًا لَهُ إِلَى مَا قَصَدَ؛ فَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ بِالْإِطْلَاقِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى حُكْمِ الْمُوَافَقَةِ إِلَّا مُضْطَرًّا، وَمِنْ حَيْثُ كَانَ مُوَصِّلًا إِلَى غَرَضِهِ لَا مِنْ حَيْثُ أَبَاحَهُ الشَّرْعُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَاطِلٍ بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الزَّكَاةُ1 الْمَأْخُوذَةُ كُرْهًا؛ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ الأول, إذ كانت مسقطة للقضاء [أ] 2 ومبرئة لِلذِّمَّةِ، وَبَاطِلَةً عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ خَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا، أَوِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٍ فَقَطْ3؛ فَلَمْ يُخْبِرِ الشَّارِعُ عَنْهَا أَنَّهَا مُرَتِّبَةٌ ثَوَابًا على

_ 1 قال: "ومثل ذلك" لأنه أتى به لمجرد الفائدة المناسبة، وإلا؛ فهذا ليس من موضوع المسألة؛ لأن الزكاة من العبادات. "د". 2 زيادة من الأصل. 3 إقامة الحدود من خطاب التكليف المسبب عن خطاب الوضع بفعل المحدود عليه، وهذا بالنسبة للإمام، أما بالنسبة لمن أقيمت عليه؛ فلا خطاب يتوجه عليه فيها، فلا ينتظر أن تكون له نية؛ لأن إقامة الحد ليس من فعله؛ إلا أنه يبقى الكلام فيما إذا طلبها كماعز -رضي الله عنه- والغامدية والجهنية, طلبوا إقامة الحد للطهر من الزنى؛ فتم الرجم، وقال عليه الصلاة والسلام لخالد حين سب الماعزية*: "مهلا يا خالد؛ فقد تابت توبة لو قالها صاحب مَكْس لغفر له"، ولما صلى =

حَالٍ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كَوْنُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَفْعَلَ لَكِنْ مَعَ اسْتِشْعَارِ الْمُوَافَقَةِ اخْتِيَارًا؛ كَالْفَاعِلِ لِلْمُبَاحِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَمْ يَفْعَلْهُ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ النَّظَرُ فِيهِ فِي الْمُبَاحِ، أَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ يَفْعَلُهُ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ، أَوِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَتْرُكُهُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ أَيْضًا؛ فَهُوَ مِنَ الصَّحِيحِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ, كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوْ فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَصْدًا لِلْمُخَالَفَةِ؛ فَهُوَ مِنَ الْبَاطِلِ بِالِاعْتِبَارَيْنِ، فَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ أَوْ تَرْكِهِ مِنْ حَيْثُ خَاطَبَهُ الشَّرْعُ بِالتَّخْيِيرِ، فَاخْتَارَ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ لِمُجَرَّدِ حَظِّهِ؛ فَتَحْتَمِلُ فِي النَّظَرِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ، بَاطِلًا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَصَوُّرِ الْمُبَاحِ بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ، لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزِمُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارَيْنِ مَعًا، بِنَاءً عَلَى تَحَرِّيهِ فِي نَيْلِ حَظِّهِ مِمَّا أُذِنَ لَهُ فِيهِ، دُونَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ الْحَدِيثُ فِي الْأَجْرِ فِي وَطْءِ الزَّوْجَةِ، وَقَوْلِهِمْ: أَيَقْضِي شَهْوَتَهُ ثُمَّ يُؤْجَرُ؟ فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ! " 1، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي كِتَابِ "المقاصد" من هذا الكتاب.

_ = على الجهنية؛ قال له عمر, رضي الله عنه: أتصلي عليها وقد زنت؟ قال له عليه الصلاة والسلام: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله, عز وجل"، والظاهر أنه يترتب عليه المغفرة لا غير؛ لأنه الذي ورد في الحديث في هؤلاء الذين جادوا بأنفسهم لله، وقد يقال: إن الطلب غير إقامة الحد الذي هو من فعل الغير؛ فليس فيه إلا التكفير، أما الطلب من المحدود كما حصل من هؤلاء؛ فعمل آخر مستقل له فضله ونيته، كما يدل على قوله: "أن جادت بنفسها لله"، وهذا عمل ديني خطير؛ فلا يحرم ثوابه. "د". 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/ 697/ رقم 1006". =

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارَيْنِ مَعًا, فِي الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ، وَصَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ بَاطِلًا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي, فِي الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ التَّرْكِ بِالْكُلِّ، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَيِ الْأَحْكَامِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ الْمُبَاحِ، وَالْأَوَّلُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. فَصْلٌ: وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ إِطْلَاقِ الصِّحَّةِ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً، فَإِنْ كَانَ عِبَادَةً؛ فَلَا تَقْسِيمَ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ عَادَةً؛ فَإِمَّا أَنْ يَصْحَبَهُ مَعَ قَصْدِ التَّعَبُّدِ قَصْدُ الْحَظِّ، أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْحَظِّ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يَصْحَبُهُ حَظٌّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ. وَالثَّانِي: 1 كَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ الَّذِي لَهُ الحكم، وما سواه في حكم

_ = وكتب "خ" هنا ما نصه: "أصل الحديث في "صحيح مسلم": "أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام: أكان عليها فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " ". ثبت عليه الصلاة والسلام الأجر لوضع الشهوة في حلال مقارنا له على وجه التمثيل بثبوت الوزر بوضعها في حرام، وهذا ما يسميه الأصوليون قياس العكس، وهو الاستدلال بنقيض العلة على الحكم، والتحقيق أنه بطريق أضعف من قياس الشبه؛ فلا يستقل بتفصيل الحكم، والحديث خبر آحاد، وهو لا يكفي في تقرير الأصول الواجب إقامتها على أدلة تفيد القطع، ومن الجائز أن يكون ثبوت الأجر لوضع الشهوة في الحلال متلقى من طريق الوحي، وتكون مقارنته بوضعها في حرام واردة لغرض آخر كتقريب المعنى إلى فهم المخاطب، لا للتنبيه على دخول هذا النوع في المقاييس المعتد بها في أصول الأحكام". 1 وهو ما يكون قصد الحظ فيه مغلوبا؛ فالنشر على عكس اللف. "د".

الْمُطَّرِحِ. وَالثَّالِثُ: مُحْتَمِلٌ لِأَمْرَيْنِ: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي أَيْضًا؛ إِعْمَالًا لِلْجَانِبِ الْمَغْلُوبِ، وَاعْتِبَارًا بِأَنَّ جَانِبَ الْحَظِّ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَادِيَّاتِ بِخِلَافِ الْعِبَادِيَّاتِ، وَأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ إِعْمَالًا لِحُكْمِ الْغَلَبَةِ، وَبَيَانُ هَذَا التَّقْسِيمِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

النوع الخامس في العزائم والرخص

النَّوْعُ الْخَامِسُ فِي الْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ: 1 وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْعَزِيمَةُ2 مَا شُرِعَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ابْتِدَاءً. وَمَعْنَى كَوْنِهَا "كُلِّيَّةً" أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ؛ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا؛ فَإِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي كُلِّ شَخْصٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالْجِهَادُ، وَسَائِرُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْكُلِّيَّةِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا مَا شُرِعَ لِسَبَبٍ مَصْلَحِيٍّ فِي الْأَصْلِ؛ كَالْمَشْرُوعَاتِ الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إِلَى إِقَامَةِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ, مِنَ الْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ، وَالْقِصَاصِ، وَالضَّمَانِ، وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيعُ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ. وَمَعْنَى "شَرْعِيَّتِهَا ابْتِدَاءً" أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِهَا إنشاء الأحكام

_ 1 جرى المصنف في جعل الرخصة من خطاب الوضع على طريقة بعض الأصوليين كالآمدي, وعدها آخرون من قبيل الحكم الشرعي وهو الذي يقتضيه صنيع من قسمها إلى واجب ومندوب ومباح، وخلاف الأولى كما فعل تاج الدين ابن السبكي في "جمع الجوامع" [1/ 162- مع "حاشية العطار"] . "خ". 2 المحققون على أنه لا تطلق العزيمة إلا فيما كانت فيه الرخصة مقابلة لها, أما ما لا رخصة فيه بحال؛ فلا يطلق عليه عزيمة, وإن كان حكما ابتدائيا كليا؛ فالتعريف للعزيمة شامل لها، وذلك خلاف رأي المحققين. "د". قلت: انظر كلام ابن القيم على الرخصة والعزيمة في "المدارج" "2/ 57-59، 282"، و"الزاد" "3/ 88"، و"روضة المحبين" "ص163-165"، و"الوابل الصيب" "ص9، 17".

التَّكْلِيفِيَّةِ1 عَلَى الْعِبَادِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ؛ فَلَا يَسْبِقُهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ سَبَقَهَا وَكَانَ مَنْسُوخًا بِهَذَا الْأَخِيرِ؛ كَانَ2 هَذَا الْأَخِيرُ كَالْحُكْمِ الِابْتِدَائِيِّ، تَمْهِيدًا لِلْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ الْعَامَّةِ. وَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ؛ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ قَدْ تَكُونُ مفقودة قبل ذلك, فإذا وجد اقْتَضَتْ أَحْكَامًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} [الْبَقَرَةِ: 104] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الْأَنْعَامِ: 108] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 198] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 187] . وَقَوْلِهِ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [الْبَقَرَةِ: 203] . وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ تَمْهِيدٌ لأحكام وردت [شيئا] 3 بعد شيء بحسب

_ 1 لا ينافي هذا وما يأتي له في المسألة الثانية من أن حكم الرخصة الإباحة جعله العزيمة والرخصة أحكاما وضعية؛ فإن الصوم والصلاة مثلا يتعلق بهما حكم تكليفي هو الوجوب مثلا، وحكم وضعي هو كونهما عزيمة أو رخصة، قال في "التحرير": "للشارع في الرخص حكمان: كونها وجوبا أو ندبا أو أباحة، وهي من أحكام التكليف، وكونها مسببة عن عذر طارئ في حق المكلف يناسبه تخفيف الحكم مع قيام الدليل على الأصل، وهو من أحكام الوضع؛ فإيجاب الجلد للزاني من أحكام الاقتضاء من وجه، ومن أحكام الوضع من حيث كونه مسببا عن الزنى"، وعليه مشى الأبهري. "د". 2 في "ط": "كان منسوخا ... وكان هذا ... ". 3 سقط من الأصل.

الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ فَكُلُّ هَذَا يَشْمَلُهُ اسْمُ الْعَزِيمَةِ، فَإِنَّهُ شَرْعٌ ابْتِدَائِيٌّ حُكْمًا1، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنَ الْعُمُومَاتِ وَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ كُلِّيَّاتٌ ابْتِدَائِيَّةٌ أَيْضًا؛ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] 2: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 229] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى3: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النِّسَاءِ: 19] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التَّوْبَةِ: 5] . وَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ4، هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْعَزَائِمِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَحْكَامٍ كُلِّيَّةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ. وَأَمَّا الرُّخْصَةُ؛ فَمَا شُرِعَ لِعُذْرٍ شَاقٍّ، اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ5، مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ. فَكَوْنُهُ "مَشْرُوعًا لِعُذْرٍ" هُوَ الْخَاصَّةُ الَّتِي6 ذَكَرَهَا عُلَمَاءُ الأصول.

_ 1 لعل أصل العبارة: "فإنه حكم كلي شرع ابتداء"، ولا داعي للفظ "حكما"؛ لأن الابتداء حقيقي في جميع هذه الأمثلة، إلا في آية {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ} ؛ فإنها من قبيل الناسخ، وهو ابتدائي حكما كما تقدم له. "د". 2 سقط من الأصل. 3 كلمة "تعالى" ليست في "م" و"خ" و"ط" و"ج". 4 أخرجه البخار في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب قتل الصبيان والنساء في الحرب، 6/ 148/ رقم 3014، 3015"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، 3/ 1364/ رقم 1744" من حديث عبد الله بن عمرو. وورد عن جماعة من الصحابة حتى عده بعضه متواترا، وتفصيل ذلك يطول, ولا يتسع المقام له، والله الموفق. 5 في قول كل العلماء. "ماء". 6 ظاهر صنيعه أنه يريد الاستدراك على الأصوليين بأن تعريفهم غير مانع، وأنه لولا زيادته كلمة "شاقة"؛ لاختل التعريف، ودخل في الرخصة القراض وما معه، ولكن الواقع أنهم لم يقتصروا على هذه الخاصة، بل قالوا: "ما شرع لعذر مع قيام الدليل المحرم لولا العذر"، ولا يخفى أن هذه الخاصة التي ذكروها لا تبقي شيئا من القراض وما معه داخلا في الرخصة؛ لأن معنى قيام الدليل المحرم بقاؤه معمول به لولا العذر، ولا شيء من ذلك في القراض وما معه. "د".

وَكَوْنُهُ "شَاقًّا"؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعُذْرُ مُجَرَّدَ الْحَاجَةِ، مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ مَوْجُودَةٍ؛ فَلَا يُسَمَّى ذَلِكَ رُخْصَةً؛ كَشَرْعِيَّةِ الْقِرَاضِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ لِعُذْرٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ عَجْزُ صَاحِبِ الْمَالِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَلَا عَجْزَ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ، وَالْقَرْضُ، والسلَم؛ فَلَا يُسَمَّى هَذَا كُلُّهُ رُخْصَةً وَإِنَّ كَانَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا دَاخِلًا تَحْتَ أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّاتِ، وَالْحَاجِيَّاتُ لَا تُسَمَّى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِاسْمِ الرُّخْصَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الْعُذْرُ رَاجِعًا إِلَى أَصْلٍ تَكْمِيلِيٍّ، فَلَا يُسَمَّى رُخْصَةً أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا، أَوْ يَقْدِرُ بِمَشَقَّةٍ؛ فَمَشْرُوعٌ فِي حَقِّهِ الِانْتِقَالُ إِلَى الْجُلُوسِ، وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، لَكِنْ بِسَبَبِ الْمَشَقَّةِ اسْتُثْنِيَ فَلَمْ يَتَحَتَّمْ عَلَيْهِ الْقِيَامُ؛ فَهَذَا رُخْصَةٌ مُحَقَّقَةٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُتَرَخِّصُ إِمَامًا؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ -ثُمَّ قَالَ:- وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا؛ فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" 1؛ فَصَلَاتُهُمْ جُلُوسًا وَقَعَ لِعُذْرٍ، إِلَّا أَنَّ الْعُذْرَ فِي حَقِّهِمْ لَيْسَ الْمَشَقَّةَ، بَلْ لِطَلَبِ الْمُوَافِقَةِ2 لِلْإِمَامِ وَعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ عَلَيْهِ؛ فَلَا يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا رُخْصَةً، وَإِنْ كَانَ مستثنى لعذر.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، 2/ 173/ رقم 688، وكتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، 2/ 584/ رقم 1113، وكتاب السهو، باب الإشارة في الصلاة، 3/ 108/ رقم 1236"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، 1/ 309/ رقم 412" من حديث عائشة, رضي الله عنها. 2 هذا هو الأصل التكميلي؛ فصلاة الإمام جالسا رخصة، وموافقتهم له ليس برخصة. "د".

وَكَوْنُ هَذَا الْمَشْرُوعِ لِعُذْرٍ "مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ" يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الرُّخَصَ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ ابْتِدَاءً؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ كُلِّيَّاتٍ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ عَرَضَ لَهَا ذَلِكَ؛ فَبِالْعَرَضِ، فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَجَزْنَا لَهُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ؛ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، هَذَا وَإِنْ كَانَتْ آيَاتُ الصَّوْمِ نَزَلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ثانٍ عَنِ اسْتِقْرَارِ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 173] . وَكَوْنُهُ "مُقْتَصِرًا بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ" خَاصَّةً مِنْ خَوَاصِّ الرُّخَصِ أَيْضًا لَا بُدَّ مِنْهُ1، وَهُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ مَا شُرع مِنَ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ وَمَا شُرِعَ مِنَ الرُّخَصِ؛ فَإِنَّ شَرْعِيَّةَ الرُّخَصِ جُزْئِيَّةٌ يُقتصر فِيهَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا انْقَطَعَ سَفَرُهُ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَإِلْزَامِ الصَّوْمِ، وَالْمَرِيضُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يصلِّ قَاعِدًا، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لَمْ يَتَيَمَّمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّخَصِ، بِخِلَافِ الْقَرْضِ، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ يُشْبِهُ الرُّخْصَةَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ فِي حَقِيقَةِ هَذَا الِاصْطِلَاحِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ أَيْضًا وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ، فَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَرِضَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى الِاقْتِرَاضِ، وَأَنْ يُسَاقِيَ حَائِطَهُ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التِّجَارَةِ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاسْتِئْجَارِ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ كُلِّيٍّ ابْتِدَائِيٍّ، وَالرُّخْصَةُ راجعة

_ 1 يلوح أنه حكم مفرع على الرخصة لازم لها، ولا يتوقف تعريفها عليه؛ لأنه تم بالقيود قبله، بدليل أنه أخرج به القرض وما معه وهو نفس ما أخرجه بقيد المشقة؛ فإن كان مراده أنه لا بد منه في التعريف؛ فغير ظاهر، وإن كان مراده أنه وصف ملازم وحكم ثابت للرخصة؛ فظاهر، وهو مفهوم من تعريفها بما شرع لعذر شاق؛ لأن موضع الحاجة هو العذر الشاق؛ فعند زوال هذا العذر لا يوجد محل الرخصة؛ فلا يتأتى الترخص حينئذ. "د".

إِلَى جُزْئِيٍّ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْكُلِّيِّ. فَصْلٌ: وَقَدْ تُطْلَقُ الرُّخْصَةُ عَلَى مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِكَوْنِهِ لِعُذْرٍ شَاقٍّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَرْضُ، وَالْقِرَاضُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَرَدُّ الصَّاعِ مِنَ الطَّعَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ، وَبَيْعُ العريَّة بِخَرْصِهَا تَمْرًا، وَضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ: "نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا ليس عندك"1،

_ 1 أخرج أحمد في "المسند" "2/ 174، 178-179، 205"، والطيالسي في "المسند" "2257"، وأبو داود في "السنن" "كتاب البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده/ رقم 3504"، والترمذي في "الجامع" "أبواب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك/ رقم 1234"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب بيع ما ليس عند البائع، 7/ 288"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك، 2/ 737-738/ رقم 2188"، والدارمي في "السنن" "2/ 253"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 601"، والدارقطني في "السنن" "3/ 15"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 17"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 339-340، 348" بإسناد صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بلفظ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك ". وصححه الحاكم، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ولفظ الطيالسي: "نهى عن سلف وبيع". وكتب "خ" ما نصه: "أبقى أكثر أهل العلم هذا الحديث وهو قوله, عليه الصلاة والسلام: "لا تبع ما ليس عندك" على ما يقتضيه لفظه من العموم، وجعلوا السلم مستثنى منه بالأدلة الدالة على جوازه، وذهب ابن القيم في "إعلام الموقعين" إلى أن المراد من الحديث النهي عن بيع العين المعينة وهي لم تزل في ملك الغير، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وصرح بأن جعل السلم داخلا في الحديث من قبيل التوهم، والفرق بين طريقة الجمهور وهذه الطريقة أن ابن القيم يجعل الحديث من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، والجمهور يجعلونه من العام المخصوص، ويقولون مع هذا: إن بين السلم وبين بقية الصور الممنوعة وجها من الفرق يستدعي الاختلاف في الحكم؛ فكلام ابن القيم إنما يطعن في قول من صرح بأن السلم مخالف للقياس، ونفي أن يكون هناك فارق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له وبين المضمون في الذمة المقدور على تسليمه".

"وأرخَصَ فِي السَّلَمِ" 1، وَكُلُّ هَذَا مُسْتَنَدٌ إِلَى أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ؛ فَقَدِ اشْتَرَكَتْ مَعَ الرُّخْصَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَيَجْرِي عَلَيْهَا حُكْمُهَا فِي التَّسْمِيَةِ، كَمَا جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، وَهُنَا أَيْضًا يَدْخُلُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ جُلُوسًا اتِّبَاعًا لِلْإِمَامِ الْمَعْذُورِ، وَصَلَاةِ الْخَوْفِ الْمَشْرُوعَةِ بِالْإِمَامِ كَذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنَّ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ تُسْتَمَدَّانِ مِنْ أَصْلِ التكميلات2 لا

_ 1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب السلم، باب السلم في وزن معلوم، 4/ 429/ رقم 2240، 2241"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب السلم، 3/ 1226-1227/ رقم 1604"، وأحمد في "المسند" "1/ 282"، والترمذي في "الجامع" "أبواب البيوع، باب ما جاء في السلف في الطعام والتمر، 3/ 602-603/ رقم 1311"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب السلف في الثمار، 7/ 290"، وأبو داود في "السنن" "كتاب البيوع والتجارات، باب في السلف, 3/ 741-742/ رقم 3463", وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات, باب السلف في كيل معلوم، 2/ 765/ رقم 2280"، والدارمي في "السنن" "2/ 260"، وابن الجارود في "المنتقى" "614، 615"، والبيهقي في "الكبرى" "6/ 18" من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "من أسلف، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم"، وعند الدارقطني في "السنن" "3/ 3": "وهم يسلمون" بدل "يسلفون". 2 أي: التكميلات للتحسينيات؛ فإن الجماعة على العموم من أصل التحسينيات، وموافقة الإمام في الجلوس مكمل لها، كما أن قسمة الجيش إلى فرقتين تؤديان الصلاة مع الإمام تكميل لها أيضا، وليس في المسألتين خاصة المشقة حتى يندرجا في سلك الرخصة بالمعنى الأول. "د". وفي "ط": "التكميليات".

مِنْ أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ؛ فَيُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ1 الرُّخْصَةِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهَا فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الرُّخْصَةِ وَإِنِ اسْتُمِدَّتْ مِنْ أَصْلِ الضَّرُورِيَّاتِ، كَالْمُصَلِّي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ؛ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي حَقِّهِ ضَرُورِيَّةٌ لَا حَاجِيَّةٌ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَاجِيَّةً إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ، لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ فِيهِ أَوْ بِسَبَبِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ. فَصْلٌ: وَقَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الرُّخْصَةِ عَلَى مَا وُضِعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ التَّكَالِيفِ الْغَلِيظَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الْأَعْرَافِ: 157] . فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي اللُّغَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنَى اللِّينِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- صَنَعَ شَيْئًا تَرَخَّصَ فيه"2،

_ 1 أي: بغير الإطلاق الأول؛ لأن مثل هذا لا يتعلق به حكم آخر يسمى عزيمة، بل إن صلاته جالسا هي العزيمة؛ فالرخصة بالإطلاق الأول إنما تكون في أصل الحاجيات لا غير، فما كان من التحسينيات أو الضروريات لا تطلق عليه الرخصة بالمعنى الأول، وإن أطلقت عليه بالمعنى الذي في هذا الفصل. "د". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب، 10/ 513/ رقم 6101، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع، 13/ 276/ رقم 7301" من حديث عائشة قالت: صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا ترخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فخطب، فحمد الله، ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؛ فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية ".

وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ مَعْنَى1 الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ" 2، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ3؛ فَكَانَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ السَّمْحَةِ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ رُخْصَةً، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا حَمَلَتْهُ4 الْأُمَمُ السَّالِفَةُ مِنَ الْعَزَائِمِ الشَّاقَّةِ. فَصْلٌ: وَتُطْلَقُ الرُّخْصَةُ أَيْضًا عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْمَشْرُوعَاتِ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ مُطْلَقًا5، مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَيْلِ حُظُوظِهِمْ وَقَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ؛ فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ الْأُولَى هِيَ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ} [الذَّارِيَاتِ: 56] . وَقَوْلُهُ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} الْآيَةَ [طه: 132] . وما كان نحو ذلك مما دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ مِلْكُ اللَّهِ6 عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ؛ فَحَقٌّ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهُ إِلَيْهِ، وَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي عِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَلَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ لَدَيْهِ، وَلَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَهَبَ لَهُمْ حَظًّا يَنَالُونَهُ؛ فَذَلِكَ كَالرُّخْصَةِ لَهُمْ لِأَنَّهُ تَوَجُّهٌ إِلَى غَيْرِ الْمَعْبُودِ، وَاعْتِنَاءٌ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَتْهُ الْعُبُودِيَّةُ. فَالْعَزِيمَةُ فِي هَذَا الْوَجْهِ هُوَ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، كَانَتِ الْأَوَامِرُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، وَالنَّوَاهِي كَرَاهَةً أو تحريا، وترك7 كل

_ 1 في "ط": "بمعنى". 2 سيأتي تخريجه في "ص480". 3 انظر: "ص506-507". 4 كذا في "ط"، وفي غيره: "حمله". 5 عن القيود والاعتبارات التي لوحظت في الإطلاقات الثلاثة السابقة؛ فهو أوسع الإطلاقات الأربعة، ولكنه على ما ترى منظور فيه إلى الخاصة من أرباب الأحوال. "د". 6 في "ط": "ملك لله". 7 هو محل الفرق بين هذا الإطلاق وغيره. "د".

مَا يَشْغَلُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنَ الْآمِرِ مَقْصُودٌ أَنْ يَمْتَثِلَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَالْإِذْنَ فِي نَيْلِ الْحَظِّ الْمَلْحُوظِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ رُخْصَةٌ؛ فَيَدْخُلُ فِي الرُّخْصَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ مَا كَانَ تَخْفِيفًا وَتَوْسِعَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ فَالْعَزَائِمُ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَالرُّخَصُ حَظُّ الْعِبَادِ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ؛ فَتَشْتَرِكُ الْمُبَاحَاتُ مَعَ الرُّخَصِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، مِنْ حَيْثُ كَانَا مَعًا تَوْسِعَةً1 عَلَى الْعَبْدِ، وَرَفْعَ حَرَجٍ عَنْهُ، وَإِثْبَاتًا لِحَظِّهِ، وَتَصِيرُ الْمُبَاحَاتُ -عِنْدَ هَذَا النَّظَرِ- تَتَعَارَضُ مَعَ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْأَوْقَاتِ؛ فَيُؤْثِرُ حَظَّهُ2 فِي الْأُخْرَى عَلَى حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ يُؤْثِرُ حَقَّ رَبِّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ؛ فَيَكُونُ رَافِعًا لِلْمُبَاحِ مِنْ عَمَلِهِ رَأْسًا، أَوْ آخِذًا لَهُ حَقًّا لِرَبِّهِ؛ فَيَصِيرُ حَظُّهُ مُنْدَرِجًا تَابِعًا لِحَقِّ اللَّهِ، وحق الله هو المقدم المقصود؛ فَإِنَّ [عَلَى] 3 الْعَبْدِ بَذْلَ الْمَجْهُودِ، وَالرَّبُّ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. وَهَذَا الْوَجْهُ يَعْتَبِرُهُ الْأَوْلِيَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ، وَيَعْتَبِرُهُ أَيْضًا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ رَقَى عَنِ الْأَحْوَالِ، وَعَلَيْهِ يُرَبُّونَ التَّلَامِيذَ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ مَذَاهِبِهِمُ الْأَخْذَ بِعَزَائِمِ الْعِلْمِ وَاجْتِنَابَ الرُّخَصِ جُمْلَةً، حَتَّى آلَ الْحَالُ بِهِمْ أَنْ عدوا أصل

_ 1 شامل للرخصة بالمعنى المعروف، وبالمعنى الذي أريد هنا، وقوله: "ورفع حرج عنه" خاص بمحل الرخص المعروف، وقوله: "وإثباتا لحظه" هذا ما زاده هنا على ما سبق، وهو تلك المباحات التي تشغل عن مقام العبودية. "د". 2 أي: فتارة يقدم المندوب على المباح؛ فيؤثر حظه في الآخرة على حظه في الدنيا، وفي هذه الحالة يصح أن يقال أيضا: إنه آثر حق ربه المطلوب بفعل هذا المندوب على حظ نفسه وهو المباح، وتارة يقدم المباح على المندوب، لكن بقصد أن من حق الله عليه ألا يعرض عن رخصته وتفضله عليه بالتوسعة بهذا المباح، وحينئذ يكون آخذا للمباح لا من جهة حظ نفسه بل من جهة أنه حق لربه وإن كان في ضمنه حصل حظ نفسه بالمباح؛ إلا أنه تابع؛ فعلى التقدير الأول يكون رفع المباح وباعده عن عمله رأسا، وعلى الثاني يكون فعل المباح لكن على أنه حق لربه لا لحظ نفسه. "د". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

الْحَاجِيَّاتِ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا مِنَ الرُّخَصِ، وَهُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ مِنْهَا1، حَسْبَمَا بَانَ لَكَ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ الْأَخِيرِ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ تَقْرِيرٌ فِي هَذَا النَّوْعِ, إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَصْلٌ: وَلَمَّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ الْأَرْبَعَةُ؛ ظَهَرَ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَمَا هُوَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، فَأَمَّا الْعَامُّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ؛ فَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ يَقَعُ التَّفْرِيعُ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ الثَّانِي؛ فَلَا كَلَامَ عليه هنا؛ إذا لَا تَفْرِيعَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ إِطْلَاقٌ شَرْعِيٌّ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ، وَأَمَّا الرَّابِعُ، فَلَمَّا كَانَ خَاصًّا بِقَوْمٍ؛ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ، إِلَّا أَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى الْأَوَّلِ يَتَبَيَّنُ بِهِ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْرِيعٍ خَاصٍّ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حُكْمُ الرُّخْصَةِ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا1 مِنْ حَيْثُ هِيَ رُخْصَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: مَوَارِدُ النُّصُوصِ عَلَيْهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [الْبَقَرَةِ: 173] . وَقَوْلِهِ: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْمَائِدَةِ: 3] . وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} الآية

_ 1 وأما ما يرجع إلى حق الله منها؛ فليس من الرخص كما أشرنا إليه. "د". 2 أي: من غير تفصيل حتى فيما يتوهم فيه الوجوب أو الندب. "د".

[النِّسَاءِ: 101] . وَقَوْلِهِ: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النَّحْلِ: 106] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا1. وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ مُجَرَّدًا لِقَوْلِهِ: {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [الْبَقَرَةِ: 173] ، وَقَوْلِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْمَائِدَةِ: 3] ، وَلَمْ يَرِدْ فِي جَمِيعِهَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْإِقْدَامَ عَلَى الرُّخْصَةِ، بَلْ إِنَّمَا أَتَى بِمَا يَنْفِي الْمُتَوَقَّعَ فِي تَرْكِ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ، وَهُوَ الْإِثْمُ وَالْمُؤَاخَذَةُ، عَلَى حَدِّ مَا جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ بِحَقِّ الأصل؛ كقوله تعالى: {لَا جُنَا حَ 2 عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [الْبَقَرَةِ: 236] . {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْ تَغُوا 3 فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 198] . {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [الْبَقَرَةِ: 235] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُصَرِّحَةِ بِمُجَرَّدِ رفع الجناح، وبجواز الإقدام خاصة.

_ 1 المشتمل على عقوبة من كفر وهو الغضب والعذاب العظيم، وقد استثنى منه من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، يعني: فلا غضب ولا عذاب، أي: فلا إثم عليه؛ فالترخيص للمؤمن بالقول في هذه الحالة إنما رفع عنه فيه الحرج والإثم، وهو معنى الإباحة على أحد المعنيين السابقين في الكلام على المباح. "د". 2 أي: لا تبعة مهر؛ فلا تطالبون به إلا بالمس ولو بدون فرض للمهر، أو بفرض له ولو مع عدم المس, وهذا المعنى هو الظاهر، وقيل: لا وزر، فكأنه لما كثر ذم الطلاق؛ فهموا أنه لا يجوز، فقال: لا جناح، ولكن هذا المعنى كما ترى إذا نظر فيه إلى بقية الكلام، وكلام المؤلف مبني على المعنى الثاني. "د". 3 لما تحرجوا عن التجارة في موسم الحج؛ لأنها تستدعي جدالا وقد نهوا عن الجدال، سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزلت الآية. "د". "استدراك3".

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ1} [الْبَقَرَةِ: 185] . وَفِي الْحَدِيثِ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمِنَّا الْمُقْصِرُ2, وَمِنَّا الْمُتِمُّ، وَلَا يَعِيبُ3، بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ" 4. وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذلك كثيرة.

_ 1 أي: إن فطر فعليه عدة، لكنه لم يأتِ فيه بما يقتضي جواز الإقدام عليه، وظاهر أن الاستدلال بهذا المقدار من الآية ضعيف، لكن ما بعدها وهو قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} معناه: أنه لا يريد حرجكم؛ فهو يرفع عنكم إثم الإفطار في المرض والسفر، وبهذا يظهر ما يستدل عليه المؤلف، أما مجرد عدم ذكر حكم الإفطار من وجوب أو حرمة؛ فلا يفيد المطلوب، وتأمل. "د". 2 من أقصر على لغة فيه. "د". 3 وذلك يدل على الإباحة. "د". 4 أخرجه الدارقطني في "السنن" "2/ 189"، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى" "3/ 141"، وابن الجوزي في "التحقيق" "2/ 1161- مع التنقيح" عن عائشة بلفظ: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم" بإسناد فيه سعيد بن محمد بن ثواب، وهو مجهول الحال، وقد استنكر هذا الحديث الإمام أحمد؛ كما قاله ابنه عبد الله في "العلل" "3/ 29". والذي صح من فعلها -رضي الله عنها- في "الصحيحين" وغيرهما، ولذا قال البيهقي: "والصحيح عن عائشة أنها كانت تتم موقوفا". قلت: ويتأيد ذلك أن عروة لما ذكر إتمامها؛ قال: "تأولت ما تأول عثمان"، فلو كان عندها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- رواية؛ لم يقل عروة: إنها تأولت. واللفظ المذكور عند المصنف أخرجه أبو بكر الأثرم من حديث أنس؛ غير أنه لا يصح، تفرد به زيد العمي وليس بشيء، وإنما الحديث المعروف: "فمنا الصائم ومنا المفطر"، كذا في "تنقيح التحقيق" "2/ 1164". وانظر تفصيل ذلك في: "نصب الراية" "2/ 192"، و"الإرواء" "رقم 563".

وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّخْصَةَ أَصْلُهَا التَّخْفِيفُ عَنِ الْمُكَلَّفِ وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ؛ حَتَّى يَكُونَ مِنْ ثِقَلِ التَّكْلِيفِ فِي سَعَةٍ وَاخْتِيَارٍ، بَيْنَ الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ، وَالْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ، وَهَذَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [الْبَقَرَةِ: 29] . {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} 1 [الْأَعْرَافِ: 32] . {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النَّازِعَاتِ: 33] . بَعْدَ تَقْرِيرِ نِعَمٍ كثيرة. وأصل الرخصة2 السهولة، ومادة "ر خ ص" لِلسُّهُولَةِ وَاللِّينِ؛ كَقَوْلِهِمْ: شَيْءٌ رَخْصٌ3: بَيِّنُ الرُّخُوصَةِ، وَمِنْهُ الرُّخْصُ ضِدُّ الْغَلَاءِ، وَرَخَّصَ لَهُ فِي الْأَمْرِ فَتَرَخَّصَ هُوَ فِيهِ: إِذَا لَمْ يَسْتَقْصِ لَهُ فِيهِ، فَمَالَ هُوَ إِلَى ذَلِكَ، وَهَكَذَا سَائِرُ اسْتِعْمَالِ الْمَادَّةِ4. وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ لَوْ كَانَتِ5 الرُّخَصُ مَأْمُورًا بِهَا نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا؛ كانت عَزَائِمَ لَا رُخَصًا، وَالْحَالُ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْحَتْمُ وَاللَّازِمُ الَّذِي لَا خِيرَةَ فِيهِ،

_ 1 في الأصل زيادة "و". 2 أي: وقد ورد إطلاق الشارع هذه المادة بهذا المعنى؛ كما في الحديث: "إن الله يجب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"، وكثيرا ما يرجعون في بيان المعاني الشرعية إلى معرفة المعاني اللغوية، لكن ما هنا حكم شرعي، وكون الأحكام الشرعية من إباحة أو غيرها يرجع فيها إلى مناسبات ومعانٍ لغوية هو كما ترى يشبه أن يكون استئناسا لا دليلا في مسألة أصولية، والمؤلف وإن كان من عادته أن يجمع على مدعاه ما يتيسر له من أدلته قوية وغيرها؛ إلا أنه في العادة يجعل هذه بعد تلك ويظهر على أسلوبه أن غرضه منها الاستئناس، لا أنها من صلب الأدلة كظاهر صنيعه هنا. "د". 3 في "ط": "يرخص". 4 انظر: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس. 5 في "م": "كان".

وَالْمَنْدُوبُ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَنْدُوبَاتِ: إِنَّهَا شُرِعَتْ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّسْهِيلِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ ثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالرُّخْصَةِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تَكُونُ مَأْمُورًا بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ رُخْصَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُعْتَرَضٌ؛ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِ الْمَسْأَلَةِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْجُنَاحِ وَالْإِثْمِ عَنِ الْفَاعِلِ لِلشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُبَاحًا، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، أَمَّا أَوَّلًا؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [الْبَقَرَةِ: 158] ، وَهُمَا مِمَّا يَجِبُ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا، وقال تعالى: {وَمَنْ تَأَ خَّرَ 1 فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [الْبَقَرَةِ: 203] ، وَالتَّأَخُّرُ مَطْلُوبٌ طَلَبَ النَّدْبِ، وَصَاحِبُهُ أَفْضَلُ عَمَلًا مِنَ الْمُتَعَجِّلِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ نَزَلَتْ عَلَى أَسْبَابٍ حَيْثُ تَوَهَّمُوا الْجُنَاحَ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ2؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مواضع الإباحة أيضا نزلت على أسباب،

_ 1 قوله: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} ؛ فإنه كما جاء في "روح المعاني" رد على الجاهلية حيث كان بعضهم يؤثم المتعجل وبعضهم يؤثم المتأخر. "د". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الحج، باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله، 3/ 497-498/ رقم 1643" بسنده إلى عروة؛ قال: "سألت عائشة -رضي الله عنها- فقلت لها: أرأيت قول الله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ؛ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يابن أختي! إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت "لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما"، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كان يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذلك؛ قالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية".

وَهِيَ تَوَهُّمُ الْجُنَاحِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} 1 [الْبَقَرَةِ: 198] . وَقَوْلِهِ: {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا 2 مِنْ بُيُوتِكُمْ} [النُّورِ: 61] إِلَى آخِرِهَا3. وَقَوْلِهِ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النُّورِ: 61] . "اسْتِدْرَاكٌ4". {وَلا جُنَاحَ 4 عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [الْبَقَرَةِ: 235] . جَمِيعُ هَذَا وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مُتَوَهَّمٌ فِيهِ الْجُنَاحُ وَالْحَرَجُ، وَإِذَا اسْتَوَى الْمَوْضُوعَانِ5؛ لَمْ يَكُنْ فِي النَّصِّ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ وَالْجُنَاحِ دَلَالَةٌ عَلَى حُكْمِ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ ودليل خارجي.

_ 1 انظر ما قدمناه: "ص475- الاستدراك". 2 كان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى طعام فيقول: إني لأجنح أن آكل منه "والجنح: الحرج"، ويقول: المسكين أحق به مني؛ فنزلت الآية. ا. هـ. تيسير "د". 3 في "م": "آخره". وانظر: "أسباب النزول" "ص223-224" للواحدي. 4 لم أرَ في كتب التفسير والحديث وأسباب النزول ذكرًا لسبب نزول هذه الآية أو ما يفيد أنهم توهموا الحرج؛ فلذا قال: "هذا وما كان مثله متوهم فيه الحرج"، وهو يشمل ما حصل فيه التوهم بالفعل، ونزلت الآيات لنفي ذلك التوهم، وما كان شأنه ذلك وإن لم يحصل فيه توهم بالفعل حتى كان سببا للنزول، فيكون ذكر هذه الآية وجيها، لكنه لا يناسب قوله في الدخول على هذه الآيات: "مواضع الإباحة أيضا نزلت على أسباب وهي توهم الجناح؛ كقوله تعالى ... إلخ"؛ فعله يريد التوهم ولو شأنا وإن لم يكن سببا للنزول. "د". 5 في الأصل و"ط": "الموضعان".

وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ نَصُّوا عَلَى رُخَصٍ مَأْمُورٍ بِهَا؛ فَالْمُضْطَرُّ إِذَا خَافَ الْهَلَاكَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْغَاذِيَةِ1 وَنَصُّوا عَلَى طَلَبِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ، وَقِيلَ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ: إِنَّهُ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ 2 " 3، وَقَالَ رَبُّنَا تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] إِلَى كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ حُكْمَ الرُّخَصِ الْإِبَاحَةُ دُونَ التَّفْصِيلِ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: إِنَّهُ لَا يُشَكُّ أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرَائِنِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي التَّنَاوُلِ وَالِاسْتِعْمَالِ، فَإِذَا خُلِّينَا وَاللَّفْظَ كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَعْنَى الْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِنْ كَانَ لِرَفْعِ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ سَبَبٌ خَاصٌّ؛ فَلَنَا أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ؛ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ فِيمَا هُوَ مُبَاحٌ شَرْعًا أَنَّ فِيهِ إِثْمًا، بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِ عَادَةٍ تَقَدَّمَتْ، أَوْ رَأْيٍ عَرَضَ، كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمُ الْإِثْمَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ بِالثِّيَابِ، وَفِي بَعْضِ الْمَأْكُولَاتِ، حَتَّى نَزَلَ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الْأَعْرَافِ: 32] ، وَكَذَلِكَ فِي الأكل من بيوت الآباء

_ 1 في "ماء": "العادية". 2 أي: والمباح الصرف لا تتعلق به محبة الله تعالى، وأيضا إرادته تعالى لنا اليسر ومحبته لذلك تقتضي أن الرخص محبوبة له تعالى، وأقل ذلك أن تكون مطلوبة طلب المندوب. "د". 3 أخرجه أحمد في "المسند" "2/ 108" من حديث ابن عمر بإسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أيضا من حديث ابن عمر, ابن حبان في "صحيحه" "914- موارد"، وابن خزيمة في "صحيحه" "2/ 73"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 140"، وابن منده في "التوحيد" "3/ 223-224/ رقم 716، 717"، وله شواهد من حديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وأنس وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع، انظرها في "الإرواء" "رقم 564".

وَالْأُمَّهَاتِ وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ، وَفِي التَّعْرِيضِ بِالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [الْبَقَرَةِ: 158] ، يُعْطِي مَعْنَى الْإِذْنِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ وَاجِبًا1؛ فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الْبَقَرَةِ: 158] ، أَوْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ؛ فَيَكُونُ التَّنْبِيهُ هُنَا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِذْنِ الَّذِي يَلْزَمُ الْوَاجِبَ مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ الْإِقْدَامِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَوَازِ التَّرْكِ أَوْ عَدَمِهِ. وَلَنَا أَنْ نَحْمِلَهُ2 عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ، وَيَكُونُ قوله في مثل الآية3: {مِنْ شَعَائِرِ} [البقرة: 158] قَرِينَةً صَارِفَةً لِلَّفْظِ عَنْ مُقْتَضَاهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، أَمَّا مَا لَهُ سَبَبٌ مِمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ؛ فَيَسْتَوِي مَعَ مَا لَا سَبَبَ لَهُ فِي مَعْنَى الْإِذْنِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى4، وَسَائِرِ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالرُّخْصَةِ جَمْعٌ بَيْنَ

_ 1 ويكون مثاله أن يجاب سائل فاتته صلاة العصر مثلا وظن أنه لا يجوز قضاؤها عند الغروب؛ فيقال له: لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت، فالغرض إجابته بمقدار ما يدفع شبهته، لا بيان أصل وجوب العصر عليه. "د". 2 أي: فيكون المراد منه الطلب والوجوب، ولوحظ في هذا التعبير السبب وهو كراهة المسلمين الطواف؛ لمكان إساف ونائلة "الصنمين اللذين كانا يتمسح بهما أهل الجاهلية فوق الصفا والمروة" فنزلت الآية بطلب السعي، ولوحظ في التعبير تحرج المسلمين وكراهتهم، ويكون قوله: {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} صارفا للفظ {لَا جُنَاحَ} عن أصل وضعه من رفع الإثم فقط. "د". 3 في النسخ المطبوعة: "ويكون مثل قوله في الآية", وما أثبتناه من الأصل و"ط". 4 إلا أنه لا يوجد فيها قرينة لفظية لصرف اللفظ عن ظاهره إذا اعتبرنا السبب وجعلناها للطلب، نعم فيها قرينة حالية وهي نفس السبب، وهو أن بعضهم كان يؤثم المتعجل وبعضهم يؤثم المتأخر. "د".

مُتَنَافِيَيْنِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْجِعَ الْوُجُوبُ أَوِ الندب إلى عزيمة أصلية1، لا إلى الرخصة بِعَيْنِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُضْطَرَّ الَّذِي لَا يَجِدُ مِنَ الْحَلَالِ مَا يَرُدُّ بِهِ نَفْسَهُ أُرْخِصَ لَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ؛ قَصْدًا لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ وَرَدًّا2 لِنَفْسِهِ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ وَأَمْكَنَهُ تَلَافِي نَفْسِهِ بِأَكْلِهَا؛ كَانَ مَأْمُورًا بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] ، كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ مِنْ مِثْلِهَا إِذَا أَمْكَنَهُ تَلَافِيهِ، بَلْ هُوَ مِثْلُ مَنْ صَادَفَ شَفَا جُرُفٍ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِيهِ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ3 الزَّوَالَ عَنْهُ مَطْلُوبٌ، وَأَنَّ إِيقَاعَ نَفْسِهِ فِيهِ مَمْنُوعٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُسَمَّى رُخْصَةً؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى أَصْلٍ كُلِّيٍّ ابْتِدَائِيٍّ، فَكَذَلِكَ مَنْ خَافَ التَّلَفَ إِنْ تَرَكَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ هُوَ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ؛ فَلَا يُسَمَّى رُخْصَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ سُمِّيَ رُخْصَةً مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ نَفْسِهِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ إِحْيَاءَ النَّفْسِ عَلَى الْجُمْلَةِ مَطْلُوبٌ طَلَبَ الْعَزِيمَةِ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرُّخْصَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا لِرَفْعِ الْحَرَجِ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا؛ فَلَمْ تَتَّحِدِ الْجِهَتَانِ، وَإِذَا تعددت الجهات؛ زال التدافع، وذهب التنافي،

_ 1 قال الآمدي: أكل الميتة حال الاضطرار وإن كان عزيمة من حيث هو واجب استبقاء للمهجة فرخصة من جهة ما في الميتة من الخبث المحرم، وواضح من كلامه أنه رخصة من جهة وعزيمة من جهة أخرى، ولكن كلاهما حالة الاضطرار, وكلام المؤلف يخالفه؛ إذ جعله رخصة في غير الاضطرار، وهو وقت الحرج والمشقة الزائدة بألم الجوع الذي لا يصل إلى التلف، وعزيمة إذا وصلت المسألة لتلف النفس لرجوعها لأصل كلي وهو وجوب المحافظة على النفس، هذا ما يقتضيه بيانه الأول، لكنه قال آخرا: "وَإِنْ سُمِّيَ رُخْصَةً مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ عن نفسه" فكأنه في حالة خوف التلف يصح أن يكون عزيمة ورخصة من جهتين، وحينئذ يرجع إلى كلام الآمدي، ويوضحه الحاصل بعده؛ إلا أنه لا يبقى لقوله أولا: "وذلك أن المضطر إلى قوله: فإن خاف" فائدة في هذا المقام. "د". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "ردا" من غير واو. 3 مكررة في "د".

وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ1. وَأَمَّا جَمْعُ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَنَحْوُهُ؛ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالطَّلَبِ رُخْصَةٌ، بَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ مُتَعَبَّدٌ بِهَا عِنْدَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ -رِضَى اللَّهِ عَنْهَا- فِي الْقَصْرِ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ"2 الْحَدِيثَ، وَتَعْلِيلُ الْقَصْرِ بِالْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ رَفْعًا لِلْحَرَجِ يُسَمَّى رُخْصَةً3 عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ الْعَامِّ، وَإِلَّا؛ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا رُخْصَةً لِخِفَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَوْ يَكُونَ شَرْعُ الصَّلَاةِ خَمْسًا رُخْصَةً؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي السَّمَاءِ خَمْسِينَ, وَيَكُونُ الْقَرْضُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالْقِرَاضُ، وَضَرْبُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ رُخْصَةً، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَكُلُّ مَا خَرَجَ4 عَنْ مُجَرَّدِ الْإِبَاحَةِ فَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخْصُهُ" 5؛ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إن شاء الله تعالى.

_ 1 تردد ابن دقيق العيد كإمام الحرمين في أن الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة؟ والحق ما أشار إليه المصنف، من أن وصف العمل بالوجوب والرخصة معا لا يصح إلا مع اختلاف الجهة؛ فإساغة الغصة بالخمر كتناول الميتة للمضطر هو من حيث الدليل المانع رخصة، ومن حيث الوجوب عزيمة. "خ". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب تقصير الصلاة، باب تقصير الصلاة إذا خرج من موضعه، 2/ 569/ رقم 1090", ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، 1/ 478/ رقم 685" من حديث عائشة, رضي الله عنها. 3 أي: بل لا بد فيه من قيد "مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع" كما سبق له، وإذا كان الذي فرض أولًا هو الركعتين فقط؛ فيكون هو الأصل فلا رخصة. "د". 4 أي: وهذا هو مدعاه في رأس المسألة؛ فثبت. "د". 5 مضى تخريجه في "ص480".

وَأَيْضًا؛ فَالْمُبَاحَاتُ مِنْهَا مَا هُوَ مَحْبُوبٌ1، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبْغَضٌ؛ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ؛ فَلَا تَنَافِيَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ] 2} [الْبَقَرَةِ: 185] ، وَمَا كَانَ نَحْوَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الرُّخَصِ الْمُبَاحَةِ تَيْسِيرُ وَرَفْعُ حَرَجٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الرُّخْصَةَ إِضَافِيَّةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ فِي الْأَخْذِ بِهَا فَقِيهُ نَفْسِهِ، مَا لَمْ يُحَدَّ فِيهَا حَدٌّ شَرْعِيٌّ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ الْمَشَقَّةُ3، وَالْمَشَاقُّ تختلف بالقوة والضعف و4 بحسب الْأَحْوَالِ، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الْعَزَائِمِ وَضَعْفِهَا، وَبِحَسَبَ الْأَزْمَانِ، وَبِحَسَبِ الْأَعْمَالِ؛ فَلَيْسَ سَفَرُ الْإِنْسَانِ رَاكِبًا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي رِفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، وَأَرْضٍ مَأْمُونَةٍ، وَعَلَى بُطْءٍ، وَفِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، وَقِصَرِ الْأَيَّامِ؛ كَالسَّفَرِ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ، وَكَذَلِكَ الصَّبْرُ5 عَلَى شَدَائِدِ السَّفَرِ وَمَشَقَّاتِهِ يختلف؛ فرُبَّ

_ 1 فلا يلزم من كونه محبوبا ألا يكون مباحا، وأن يكون مطلوبا كما هو مبنى الاعتراض. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 3 أسباب التخفيف في الشريعة حسبما دل عليه الاستقراء سبعة، وهي: المرض، والسفر، والنسيان، والإكراه، والجهل، والحرج، وعموم البلوى، والضعف المعنوي؛ كالأنوثة، والرقية، وجميعها تدور حول المشقة. "خ". 4 لو حذفت الواو وجعل ما بعدها من الحيثيات أسبابا للقوة والضعف في المشقة؛ لكان أوجه. "د". 5 ما قبله بيان لاختلاف المشقة قوة وضعفا باختلاف الأزمان والأحوال الخارجة عن صفات الشخص، وهذا بيان لاختلاف العزائم، ويصح أن يكون راجعا لاختلاف الأحوال بقطع النظر عن قوة الإرادة وضعفها، ويكون مرجعه التعود وعدمه ولا دخل لقوة العزيمة فيه. "د".

رَجُلٍ جَلْدٍ ضَرِيَ عَلَى قَطْعِ الْمَهَامِهِ1 حَتَّى صَارَ لَهُ ذَلِكَ عَادَةً لَا يَحْرَجُ بِهَا وَلَا يَتَأَلَّمُ بِسَبَبِهَا، يَقْوَى عَلَى عِبَادَاتِهِ، وَعَلَى أَدَائِهَا عَلَى كَمَالِهَا وَفِي أَوْقَاتِهَا، وَرَبُّ رَجُلٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَيَخْتَلِفُ أَيْضًا بِاخْتِلَافِ الْجُبْنِ وَالشَّجَاعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُقْدَرُ عَلَى ضَبْطِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَيْسَ لِلْمَشَقَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّخْفِيفَاتِ ضَابِطٌ مَخْصُوصٌ، وَلَا حَدٌّ مَحْدُودٌ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ أَقَامَ الشَّرْعُ فِي جُمْلَةٍ مِنْهَا السَّبَبَ مَقَامَ الْعِلَّةِ؛ فَاعْتَبَرَ السَّفَرَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَظَانِّ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ، وَتَرَكَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَلَى مَا يَجِدُ، أَيْ: إِنْ كَانَ قَصْرٌ أَوْ فِطْرٌ؛ فَفِي السَّفَرِ، وَتَرَكَ كَثِيرًا مِنْهَا مَوْكُولًا إِلَى الِاجْتِهَادِ كَالْمَرَضِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقْوَى فِي مَرَضِهِ عَلَى مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ الْآخَرُ؛ فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ مَشْرُوعَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا لَا مِرْيَةَ فِيهِ، فَإِذًا؛ لَيْسَتْ أَسْبَابُ الرُّخَصِ بِدَاخِلَةٍ تَحْتَ قَانُونٍ أَصْلِيٍّ، وَلَا ضَابِطٍ مَأْخُوذٍ بِالْيَدِ، بَلْ هُوَ إِضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُخَاطَبٍ فِي نَفْسِهِ، فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُضْطَرِّينَ مُعْتَادًا لِلصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَلَا تَخْتَلُّ حَالُهُ بِسَبَبِهِ، كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ، وَكَمَا ذُكِرَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ؛ فَلَيْسَتْ إِبَاحَةُ الْمَيْتَةِ لَهُ عَلَى وِزَانِ مَنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ2، هَذَا وَجْهٌ. وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْعَامِلِ الْمُكَلَّفِ حَامِلٌ عَلَى الْعَمَلِ حَتَّى يَخِفَّ عَلَيْهِ مَا يَثْقُلُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ أخبار المحبين الذين صابروا

_ 1 ضري: تعود. والمهامه: جمع مهمه: المفازة البعيدة. انظر: "لسان العرب" "ض ر ا"، "م هـ م". 2 أي: فمن تختل حاله يجب عليه الترخص، ومن لا تختل وتلحقه المشقة فقط يكون مخيرا، هذا مراده؛ فلذا لم يقل: "فلا يترخص في أكلها" بعد وصفه بالمضطر. "د".

الشَّدَائِدَ، وَحَمَلُوا أَعْبَاءَ الْمَشَقَّاتِ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ إِتْلَافِ مُهَجِهِمْ إِلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، وَطَالَتْ عَلَيْهِمُ الْآمَادُ وَهُمْ عَلَى أَوَّلِ أَعْمَالِهِمْ، حِرْصًا عَلَيْهَا وَاغْتِنَامًا لَهَا، طَمَعًا فِي رِضَى الْمَحْبُوبِينَ، وَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ تِلْكَ الشَّدَائِدَ وَالْمَشَاقَّ سَهْلَةٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَذَّةٌ لَهُمْ وَنَعِيمٌ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَأَلَمٌ أَلِيمٌ؛ فَهَذَا مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمَشَاقِّ تَخْتَلِفُ بِالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ، وَذَلِكَ يَقْضِي بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهَا يَخْتَلِفُ بِالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ. وَالثَّالِثُ: مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنَ الشَّرْعِ؛ كَالَّذِي جَاءَ فِي وِصَالِ الصِّيَامِ، وَقَطْعِ الْأَزْمَانِ فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِالرِّفْقِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، ثُمَّ فَعَلَهُ1 مِنْ بَعْدُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِلْمًا بِأَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ وَهُوَ الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِمْ؛ وَلِذَلِكَ أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مَعَ وِصَالِهِمُ الصِّيَامَ لَا يَصُدُّهُمْ ذَلِكَ عَنْ حوائجهم، ولا يقطهم عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِهِمْ؛ فَلَا حَرَجَ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا الْحَرَجُ فِي حَقِّ مَنْ يَلْحَقُهُ الْحَرَجُ حَتَّى يَصُدَّهُ عَنْ ضَرُورَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ2، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ إِضَافِيًّا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ كَذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا الْوَجْهُ اسْتِدْلَالٌ بِجِنْسِ الْمَشَقَّةِ3 عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا، وَهُوَ غير منتهض إلا أن يجعل

_ 1 سيأتي "ص526". 2 ما قرره المصنف من التفصيل في حكم الوصال منقول عن عبد الله بن الزبير وجماعة من التابعين، وقال جمهور أهل العلم بمنعه على وجه التحريم لحديث ابن عمر؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الوصال، وحديث أبي هريرة: "إياكم والوصال"، وقوله, عليه الصلاة والسلام: "إني لست كهيئتكم أو لست مثلكم" صريح في أن الوصال من خصائصه. "خ". 3 لأن المشقة هنا نوع آخر غير السابق؛ فالمشقة فيما تقدم تقتضي الترخص، وهنا المشقة تمنع مفارقة الحكم الأصلي وهو النهي عن الوصال، وعدم المشقة يجعلهم يترخصون بفعل المنهي عنه، وهو أيضا ليس حكما سهلا انتقل إليه من حكم صعب، فليست من مواضع الرخصة؛ إلا أنه على كل حال وُجد فيه نوع من المشقة ينبني عليه حكم في اجتهادهم، فالاستدلال به على أن المشقة في النوع الأول تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص يكون استدلالا بجنس المشقة لا بنفس نوع المشقة؛ فيكون من الاستدلال بالمطلق على المقيد من حيث هو مقيد، أو بالعام على الخاص من حيث هو خاص، وذلك لا يصح كما يأتي، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ مُنْضَمًّا إِلَى مَا قَبْلَهُ؛ فيفيد مجرد أن المشقة تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص وإن كان لا يفيد أن ذلك في موضوع الرخصة المعروفة؛ فتنبه. "د".

مُنْضَمًّا إِلَى مَا قَبْلَهُ؛ فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمَجْمُوعِ صَحِيحٌ, حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي فَصْلِ الْعُمُومِ فِي كِتَابِ الْأَدِلَّةِ. فَإِنْ قِيلَ1: الْحَرَجُ الْمُعْتَبَرُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْمُكَلَّفِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ بِسَبَبِهِ عَلَى التَّفَرُّغِ لِعَادَةٍ وَلَا لِعِبَادَةٍ، أَوْ لَا يُمْكِنُ2 لَهُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرَ بِهِ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، بَلْ يَكُونُ مَغْلُوبَ صَبْرِهِ وَمَهْزُومَ عَزْمِهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ؛ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ محل الرخصة، إلا أن يُطْلَبُ فِيهِ الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ وُجُوبًا3 أَوْ نَدْبًا عَلَى حَسَبِ تَمَامِ الْقَاطِعِ عَنِ الْعَمَلِ أَوْ عَدَمِ تَمَامِهِ، وَإِذَا كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا4؛ فَلَا تَكُونُ رُخْصَةً كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ عَزِيمَةً، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا حَرَجَ5 فِي الْعَمَلِ وَلَا مَشَقَّةَ، إِلَّا [مَا] 6 فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ، وَذَلِكَ يَنْفِي كَوْنَهُ حَرَجًا يَنْتَهِضُ عِلَّةً لِلرُّخْصَةِ، وَإِذَا انْتَفَى مَحَلُّ الرُّخْصَةِ فِي الْقِسْمَيْنِ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا؛ ارْتَفَعَتِ الرُّخْصَةُ مِنْ أَصْلِهَا، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وجودها معلوم، هذا خلف؛

_ 1 هذا السؤال وإن كان واردا على أصل وجود الرخصة، وكان يناسبه أول الباب، لكن لمناسبة الكلام في المشقة؛ صح أن يذكر هنا. "د". 2 في "ط": "يكمل". 3 أي: فيما يعجز فيه عن أصل العبادة والعادة، وقوله: "أو ندبا"؛ أي: إذا كان لا يعجز ولكنه لا يكون كاملا على حسب ما أمر به. "د". 4 في الأصل: "به". 5 فرض فيه أنه مغلوب صبره ومهزوم عزمه؛ فكيف مع هذا يقال: لا مَشَقَّةَ إِلَّا مَا فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ؟ وَذَلِكَ ينفي كونه حرجا ينتهض علة للرخصة؛ فوضع السؤال هكذا غير وجيه؛ فتأمل. "د". 6 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

فَمَا انْبَنَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ مُنْقَلِبٌ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الرُّخَصُ كُلُّهَا مَأْمُورًا بِهَا وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، إِذْ مَا مِنْ رُخْصَةٍ تُفْرَضُ إِلَّا وَهَذَا الْبَحْثُ جارٍ فيها, فإذا كان مشترك الإلزام؛ لم ينتهض دَلِيلًا1، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِلْزَامَاتِ. وَالثَّانِي: إِنَّهُ إِنْ سَلَّمَ؛ فَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ انْحِصَارَ الرُّخَصِ فِي الْقِسْمَيْنِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِإِمْكَانِ قِسْمٍ ثَالِثٍ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَرَجُ مُؤَثِّرًا فِي الْعَمَلِ، وَلَا يَكُونَ الْمُكَلَّفُ رَخِيَّ الْبَالِ عِنْدَهُ2، وَكُلُّ أَحَدٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ حَرَجًا فِي الصَّوْمِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ سَفَرِهِ، وَلَا يُخِلُّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، وَلَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْإِخْلَالِ بِالْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَعْرِضُ مِنَ الرُّخَصِ، جارٍ فِيهِ هَذَا التَّقْسِيمُ، وَالثَّالِثُ هُوَ مَحَلُّ الْإِبَاحَةِ؛ إِذْ لَا جَاذَبَ [لَهُ] 3 يَجْذِبُهُ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ. وَالْآخَرُ: أَنَّ طَلَبَ الشَّرْعِ لِلتَّخْفِيفِ حَيْثُ طَلَبُهُ4 لَيْسَ مِنْ جهة كونه

_ 1 لأنه يقال للسائل: الاعتراض مشترك، فما هو جوابكم هو جوابنا، يعني ومثله لا يذكر في طريق الإلزام. "د". 2 هو الذي قال فيه: "مغلوب صبره، مهزوم عزمه". "د". قلت: وفي الأصل: "البال عنه". 3 ما بين المعقوفتين من الأصل و"م" و"خ" و"ط"، وليست في "د". 4 راجع لقوله: "وَإِذَا كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا؛ فَلَا تَكُونُ رُخْصَةً"؛ فالجواب الأول: يراعى أن هناك محلا للرخصة التي الكلام فيها وهي المباحة؛ لوجود قسم ثالث لم يذكره في السؤال، على ما فيه مما أشرنا إليه، والجواب الثاني: ترق على هذا يقول: الرخصة موجودة حتى في المأمور به، =

رُخْصَةً، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْعَزِيمَةِ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهَا، أَوْ كَوْنِهَا تُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَالِ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا؛ فَالطَّلَبُ مِنْ حَيْثُ النَّهْيُ عَنِ الْإِخْلَالِ لَا مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ بِنَفْسِ الرُّخْصَةِ، وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَمَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ1، وَنَحْوَ ذَلِكَ2؛ فَالرُّخْصَةُ3 بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ مِنْ حَيْثُ هِي رُخْصَةٌ، فَلَيْسَتْ بِمُرْتَفِعَةٍ مِنَ الشَّرْعِ بِإِطْلَاقٍ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ جِهَتَيِ الطَّلَبِ وَالْإِبَاحَةِ، والله أعلم.

_ = ولكن الطلب من جهة غير جهة كونه رخصة؛ فجهة العزيمة ظاهرة من نفس الطلب وجهة الرخصة أنه حكم سهل انتقل إليه من حكم صعب مع بقاء دليل الصعب معمولا به في الجملة، وإنما قلنا في الجملة؛ لأنه ليس معمولا به في حق الشخص الذي طولب بالرخصة، ولا يخفى عليك أنهم اشترطوا بقاء العمل به في حق الشخص نفسه، وإلا لخرج عن كونه رخصة إلى كونه عزيمة، قال الأبهري: "إن المكلف إذا لم يبق مكلفا عند طرو العذر لم تثبت رخصة في حقه؛ لأن الرخصة إنما تكون في الأحكام التكليفية، والتكليف شرط لها فلا يكون عدم تحريم إجراء كلمة الكفر على لسان المكره رخصة؛ لأن الإكراه يمنع التكليف، ومثله يقال في الإكراه على إفطار رمضان، وإتلاف مال الغير عدم تحريمه ليس رخصة، يعني لأن الدليل القائم على التحريم ليس باقيا بالنسبة لهذا الشخص، فلا رخصة إلا حيث يبقى دليل الصعب معمولا به بالنسبة للشخص نفسه، وبهذا تعلم ما في هذا الجواب الثاني، هذا ولا يذهب عنك أنه عرف الرخصة بما ينطبق على هذا فقال: "ما شرع من الأحكام لعذر شاق استثناء عن حكم كلي"؛ فلا يرد عليه ما تقدم. "د". 1 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، 1/ 393/ رقم 560"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن، 1/ 22/ رقم 89"، وأحمد في "المسند" "6/ 43، 54، 73" من حديث عائشة -رضي الله عنها- مرفوعا: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان ". 2 كالصلاة في الأرض المغصوبة، يعني: فهناك جهتان تسلط على إحداهما الطلب والعزيمة، وعلى الأخرى الرخصة، كما توجه النهي والطلب في الصلاة في هذه المسائل على جهتين مختلفتين، ولامانع من ذلك ما دامت الجهة لم تتحد؛ فالغرض تقريب الجواب بذكر شبيه بالمقام. "د". 3 هذا التفريع ظاهر على الجواب الأول، أما الثاني؛ فلم يبين فيه إلا أن الترخيص له جهة غير جهة الطلب، أما كونه مباحا في هذه الحالة؛ فإنه لم يبينه هنا اعتمادا على ما سبق، ولذا قال: "وقد مر بيان ... إلخ". "د".

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْإِبَاحَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الرُّخْصَةِ؛ هَلْ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْإِبَاحَةِ بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ، أَمْ مِنْ قَبِيلِ الْإِبَاحَةِ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؟ فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ نُصُوصِ الرُّخَصِ أنه بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ، لَا بِالْمَعْنَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [الْبَقَرَةِ: 173] ، وَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْمَائِدَةِ: 3] ؛ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ التَّنَاوُلَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ يَرْفَعُ الْإِثْمَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [الْبَقَرَةِ: 184] ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَهُ الْفِطْرُ، وَلَا فَلْيُفْطِرْ1، وَلَا يَجُوزُ لَهُ2، بَلْ ذَكَرَ نَفْسَ الْعُذْرِ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَفْطَرَ؛ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النِّسَاءِ: 101] عَلَى الْقَوْلِ3 بِأَنَّ الْمُرَادَ الْقَصْرُ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَكُمْ أَنْ

_ 1 هذا ليس ظاهرا؛ لأن الكلام في أنه لم يذكر لفظا يدل على التخيير بين الفعل والترك؛ فلا يتوهم أن يؤتى هنا بلفظ الأمر أو النهي، وهو أيضا خلاف صنيعه السابق واللاحق. "د". 2 في "خ" و"ط": "لك", ومكانها في الأصل بياض. 3 نسب إلى طاوس والضحاك أن القصر يرجع لأحوال الصلاة من الإيماء وتخفيف التسبيح والتوجه إلى أي وجه شاء، وحينئذ يبقى الشرط في الآية على ظاهره {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ} إلا أنه على هذا أيضا تكون رخصة؛ فلماذا قيد بقوله: "على القول ... إلخ"؟ "د".

تَقْصُرُوا، أَوْ: فَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْصُرُوا1. وَقَالَ [تَعَالَى] 2 فِي الْمُكْرَهِ: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ... } الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ} [النَّحْلِ: 106] ؛ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ؛ فَلَا غَضَبَ عَلَيْهِ، وَلَا عَذَابَ يَلْحَقُهُ إِنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَلَهُ أَنْ يَنْطِقَ أَوْ إِنْ شَاءَ فَلْيَنْطِقْ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَكْذِبُ امْرَأَتِي؟ قَالَ لَهُ: "لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ ". قَالَ لَهُ: أَفَأَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا؟ قَالَ: "لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ 3 " 4، وَلَمْ يقل له نعم، ولا افعل إن

_ 1 في الأصل و"م": "أن تقصروا". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 يقتضي أن الوعد وهو عارف أنه لا يقدر على الوفاء، رخصة للزوج بالنسبة لامرأته. "د". 4 أخرجه الحميدي في "مسنده" "رقم 329"، ثنا سفيان ثنا صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار؛ قال: جاء رجل إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يا رسول الله: هل علي جناح أن أكذب أهلي؟ قال: "لا؛ فلا يحب الله الكذب"، قال: يا رسول الله! أستصلحها وأستطيب نفسها. قال: "لا جناح عليك ". هكذا وقع فيه عن عطاء بن يسار مرسلا، وهو قد أورده تحت "أحاديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط, رضي الله عنها"؛ فلا أدري أسقط اسمها من السند أو الناسخ، أم الرواية عند الحميدي هكذا مرسلا؟ والسند صحيح إلى عطاء بن يسار، قاله شيخنا في "السلسلة الصحيحة" "رقم 498". قلت: وأخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" من رواية صفوان بن سليم عن عطاء مرسلا، وهو في "الموطأ" عن صفوان بن سليم معضلا من غير ذكر عطاء، قاله الزبيدي في "شرح الإحياء" "7/ 524". إلا أن الحديث صحيح وله شواهد عديدة، انظرها في "السلسلة الصحيحة" "رقم 498، 545".

شِئْتَ1. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ غَيْرُ مُرَادٍ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ أَنَّ الْجُمْهُورَ أَوِ الْجَمِيعَ يَقُولُونَ: مَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَ الْإِكْرَاهِ مَأْجُورٌ وَفِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِي تَرْجِيحَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ2 من المواضع

_ 1 ذهب فريق من أهل العلم إلى أن الكذب لا يجوز في شيء، وحملوا الكذب الذي وردت الرخصة به في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل لزوجته على معنى التورية والتعريض، ومن شهد رجلا يحرك لسانه بالكذب الصريح ولو ليتخذه وسيلة إلى قضاء مصلحة؛ فإنه يحس كيف أخذ مقام ذلك الرجل ينحط في نفسه، وكيف ابتدأت الثقة به تتداعى إلى انحلال، وهذا ما ينبهك على أن الشريعة لا تأذن بالكذب؛ إلا أن تضيق على الرجل دائرة المعاريض، ويضطر إليه في مثل تخليص النفس البريئة من ظالم يريد إتلافها، ولعل السياسي يرى أنه أحرى بهذه الرخصة حيث يضطر إليها في إحياء أمة أو إنقاذها من قارعة الاستعمار، والمخلص من الكذب في حديث الزوجة أن يعدها بالعطية في قوة العازم وينوي في ضميره التعليق على تقدير الله ومشيئته. "خ". 2 تقدم له في مباح المباح أن الصبر على عدم ذكر الكلمة مندوب، إلا أنه يبقى الكلام في قوله: "فكذلك غيره" الذي يقتضي أن الجمهور أو الكل قائلون بأن ترك الرخصة أفضل، مع أن أبا حنيفة يقول بوجوب القصر والفطر، وتسمى رخصة إسقاط بحيث لا يصح منه الإتمام والصيام، والشافعي يقول: إذا زادت المسافة عن مرحلتين؛ كانا أفضل من الصيام والإتمام، قال عياض في "الإكمال": "كون القصر سنة هو المشهور من مذهب مالك وأكثر أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف"، ونص المالكية على أن رخصة الجمع بين الظهرين والعشاءين للمسافر رخصة جائزة والجائز بمعنى التخيير؛ فانظر هذا مع ما قاله المؤلف. "د". قلت: وقد صرح بعض المالكية أن الجمع بين الظهرين والعشاءين سنة، فقال ابن العربي في "القبس" "1/ 326-327": "لا يطمئن إلى الجمع ولا يفعله إلا جماعة مطمئنة النفوس بالسنة، كما لا يكع -أي: يبتعد وينحي- عنه إلا أهل الجفاء والبداوة". انظر: "التاج والإكليل" "2/ 156"، و"الفواكه الدواني" "1/ 271"، و"أسهل المدارك" "1/ 237"، وكتابي "الجمع بين الصلاتين في الحضر" "ص117".

الْمَذْكُورَةِ وَسِوَاهَا. وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ الَّتِي بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ؛ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [الْبَقَرَةِ: 223] ، يُرِيدُ: كَيْفَ شِئْتُمْ: مُقْبِلَةً، وَمُدْبِرَةً، وَعَلَى جَنْبٍ؛ فَهَذَا تَخْيِيرٌ وَاضِحٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} [الْبَقَرَةِ: 35] ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِسْمِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الْمُبَاحَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ: يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ العارض في مسألتنا أنا إن قلنا: [إن] 1 الرُّخْصَةُ مُخَيَّرٌ فِيهَا حَقِيقَةً؛ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ مَعَ مُقْتَضَى الْعَزِيمَةِ مِنَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا مُبَاحَةٌ بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهَا؛ إِذْ رَفْعُ الْحَرَجِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّخْيِيرَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ مَعَ الْوَاجِبِ؟ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْوُجُوبِ الْمُعَيَّنِ الْمَقْصُودِ شَرْعًا، فَإِذَا عَمِلَ بِهَا؛ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الْعَمَلِ بِهَا فَرْقٌ، لَكِنَّ الْعُذْرَ رَفَعَ التَّأْثِيمَ عَنِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهَا إِنِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الِانْتِقَالَ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا بَسْطٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: التَّرَخُّصُ الْمَشْرُوعُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ مَشَقَّةٍ لَا صَبْرَ عَلَيْهَا طَبْعًا؛ كَالْمَرَضِ الَّذِي يَعْجِزُ مَعَهُ عَنِ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِهَا مثلا، أو عن الصوم لفوت

_ 1 ما بين المعقوفتين زيادة من "م" و"خ" و"ط".

النَّفْسِ. أَوْ شَرْعًا؛ كَالصَّوْمِ الْمُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ عَلَى إِتْمَامِ أَرْكَانِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ مَشَقَّةٍ بِالْمُكَلَّفِ قُدْرَةٌ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَأَمْثِلَتُهُ ظَاهِرَةٌ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى حَقِّ اللَّهِ؛ فَالتَّرَخُّصُ فِيهِ مَطْلُوبٌ، وَمِنْ هُنَا جَاءَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" 1، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يُشِيرُ النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ أَوْ: "وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ" 2، وَ: "إِذَا حَضَرَ 3 الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ؛ فابدءوا بِالْعَشَاءِ" 4 إِلَى مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَالتَّرَخُّصُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُلْحَقٌ بِهَذَا الْأَصْلِ5، وَلَا كلام أن الرخصة ههنا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْعَزَائِمِ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ بِوُجُوبِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ خَوْفَ التَّلَفِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَمَاتَ؛ دَخَلَ النَّارَ. وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَرَاجِعٌ إِلَى حُظُوظِ الْعِبَادِ، لِيَنَالُوا مِنْ رِفْقِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ بِحَظٍّ؛ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

_ 1 سيأتي تخريجه في "ص517". 2 مضى تخريجه "ص489"، والحديث صحيح. 3 في الأصل و"ط": "حضرت". 4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، 2/ 159/ رقم 671، وكتاب الأطعمة، باب إذا حضر العشاء؛ فلا يعجل عن عشائه، 9/ 584/ رقم 5465". 5 فهو راجع إلى حق الله؛ لأنه لا يتأتى الحضور في الصلاة والإتيان بها على كمالها مع هذه الأمور. "د".

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْتَصَّ بِالطَّلَبِ حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِيهِ حَالُ الْمَشَقَّةِ أَوْ عَدَمُهَا؛ كَالْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ؛ فَهَذَا أَيْضًا لَا كَلَامَ فِيهِ أَنَّهُ لَاحِقٌ بِالْعَزَائِمِ، مِنْ حَيْثُ صَارَ مَطْلُوبًا مُطْلَقًا طَلَبَ الْعَزَائِمِ، حَتَّى عَدَّهُ النَّاسُ سُنَّةً لَا مُبَاحًا، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ رُخْصَةً؛ إِذِ الطَّلَبُ الشَّرْعِيُّ فِي الرُّخْصَةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهَا رُخْصَةً؛ كَمَا يَقُولُهُ الْعُلَمَاءُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، فَإِذَا هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ حَيْثُ وَقَعَ عَلَيْهَا حَدُّ الرُّخْصَةِ، وَفِي حُكْمِ الْعَزِيمَةِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَطْلُوبَةً طَلَبَ الْعَزَائِمِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِالطَّلَبِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّخْفِيفِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ؛ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَلِلْمُكَلَّفِ الْأَخْذُ بِأَصْلِ الْعَزِيمَةِ وَإِنْ تَحَمَّلَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً، وَلَهُ الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ. وَالْأَدِلَّةُ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ ظَاهِرَةٌ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِهَا، فَإِنْ تَشَوَّفَ أَحَدٌ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ فَنَقُولُ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ الْمَشَقَّةَ إِذَا أَدَّتْ إِلَى الْإِخْلَالِ بِأَصْلٍ كُلِّيٍّ؛ لَزِمَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِيهِ أَصْلُ الْعَزِيمَةِ، إِذْ قَدْ صَارَ إِكْمَالُ الْعِبَادَةِ هُنَا وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِهَا مِنْ أَصْلِهَا1، فَالْإِتْيَانُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهَا2 مِنْهَا -وَهُوَ مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ- هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَتَقْرِيرُ هَذَا الدَّلِيلِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ من هذا الكتاب.

_ 1 أي: عدم تحصيلها، هذا فيما كان العجز* فيه بالطبع، أما ما كان العجز فيه شرعا كأمثلته المتقدمة؛ فيكون رفعا للكمال لا للأصل، وتأمله؛ فإن الحضور في الصلاة ليس ركنا لقوله: "إتمام أركانها"؛ إن كان معناه هو معنى استيفاء أركانها السابق له؛ فظاهر، وإن كان معناه الإكمال الزائد على أصل الركن؛ فلا يتأتى فيه ظاهر دليله. "د". 2 في الأصل: "عليه".

وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِذَا فُرِضَ اخْتِصَاصُ الرُّخْصَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ [الْعَمَلِ بِهَا عَلَى الْخُصُوصِ؛ خَرَجَتْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَحْكَامِ الرُّخْصَةِ فِي نَفْسِهَا، كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ مَالِكٍ] 1 [الدَّلِيلُ عَلَى] 2 طَلَبِ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ؛ فَهَذَا وَشَبَهُهُ مِمَّا اخْتُصَّ عَنْ عُمُومِ حُكْمِ الرُّخْصَةِ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاضِحٌ فِي الْإِذْنِ3 فِي الرُّخْصَةِ، أَوْ فِي رَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ فَاعِلِهَا. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: حَيْثُ قِيلَ4 بِالتَّخْيِيرِ5 بَيْنَ الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ والأخذ بالرخصة؛ فللترجيح

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 ما بين المعقوفتين من "ط" فقط. 3 ما تقدم له من الأدلة واضح في رفع الإثم لا في الإذن، غايته أنه في آخر المسألة الرابعة بنى على كل من الوجهين فائدته؛ فراجعها. "د". 4 وأما إذا قيل برفع الإثم عن فاعلها؛ فالظاهر أن الرجحان أخذًَا للعزيمة مما تقدم له في آخر المسألة الرابعة من مسائل المباح، حيث قال: "وَأَمَّا قِسْمُ مَا لَا حَرَجَ فِيهِ؛ فَيَكَادُ يكون شبيها باتباع الهوى المذموم؛ لأنه كالمضاد لقصد الشارع في طلب النهي الكلي على الجملة" غير أن رجحان العزيمة يحتاج إلى تقييد بما إذا لم تصر الرخصة مطلوبة شرعا؛ كالجمع بمزدلفة مثل. "د". 5 مع كونه لم يرتض هذا، وأقام الدليل على أن الإباحة في الرخصة بمعنى رفع الحرج، ولم يقم على هذا التخيير دليلا فرع عليه ما أطال به في المسألتين السادسة والسابعة، ويبقى الكلام في المراد بالترجيح بعد فرض التخيير: هل المراد به أنه هو الأحب والمثاب عليه في نظر الشارع؟ ويدل على هذا ما يأتي له في أدلة ترجيح الأخذ بالعزيمة المفيد أنهم لما أخذوا بها مدحهم الله، وأن الأمر بالمعروف مستحب، وإن أدى إلى الإضرار بالمال ... إلخ، وإذا كان كذلك؛ فكيف يتأتى أن يكون هنا تخيير؟ وقد تقدم له في المسألة الأولى في المباح بمعنى المخير فيه سبعة أدلة على أنه لا فرق بين الفعل والترك في نظر الشارع بالنسبة للمباح المخير فيه، وما عورضت به الأدلة دفعه كله، وحقق أنه لا فرق بين الفعل والترك؛ فلم يبق إلا أن يكون غرضه بالترجيح هنا أمرا آخر =

بَيْنَهُمَا مَجَالٌ رَحْبٌ، وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ، فَلْنَذْكُرْ جُمَلًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ طَرَفٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ. فَأَمَّا الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ؛ فَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ أَوْلَى لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَزِيمَةَ هِيَ الْأَصْلُ الثَّابِتُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَوُرُودُ الرُّخْصَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ أَيْضًا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا مَقْطُوعًا بِهِ فِي الْوُقُوعِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُتَرَخِّصٍ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ إِلَّا فِي الْقِسْمِ الْمُتَقَدِّمِ1، وَمَا سِوَاهُ لَا تَحَقُّقَ فِيهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ؛ فَإِنَّ مِقْدَارَ الْمَشَقَّةِ الْمُبَاحَ مِنْ أَجْلِهَا التَّرَخُّصُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّفَرَ قَدِ اعْتُبِرَ فِي مَسَافَتِهِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَأَكْثَرَ، كَمَا اعْتُبِرَ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ، وَعِلَّةُ الْقَصْرِ الْمَشَقَّةُ، وَقَدِ اعْتُبِرَ فِيهَا أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَشَقَّةِ، وَاعْتُبِرَ فِي الْمَرَضِ أَيْضًا أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ؛ فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَفْطَرَ لِوَجَعِ أُصْبُعِهِ، كَمَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَرَ فِي ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَاعْتَبَرَ آخَرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَجَالِ الظُّنُونِ لَا مَوْضِعَ فِيهِ لِلْقَطْعِ، وَتَتَعَارَضُ فِيهِ الظُّنُونُ، وَهُوَ مَحَلُّ التَّرَجُّحِ2 وَالِاحْتِيَاطِ؛ فَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى هَذَا كُلِّهِ أَنْ لَا يُقْدَمَ عَلَى الرُّخْصَةِ مَعَ بَقَاءِ احتمال في السبب.

_ = غير كونه محبوبا للشارع ومطلوبا ومثابا عليه؛ فلينظر ما هو معنى كونه أولى وأرجح في نظر الشارع غير هذه المعاني؛ حتى لا يتنافى كلامه هنا مع كلامه في المباح فيا سبق؛ فقد يقال: إن مراده بالترجح الأخذ بما هو أحوط فقط وإن لم يكن بالغا مبلغ الاستحباب والثواب عليه؛ كما يشير إليه قوله: "وهو محل الترجح والاحتياط"، ولكن يبقى الكلام في الأدلة الآتية، وسيأتي له في آخر المسألة السابعة قبل الفصل الأول أن الأحروية في الأخذ بالعزيمة تارة تكون بمعنى الندب وتارة تكون بمعنى الوجوب؛ فتنبه للتوفيق بين كلامه في هذه المواضع؛ فإنه يحتاج إلى فطنة وقوة ذاكرة للجمع بين أطراف الكلام في هذا المقام الذي طالت جولته فيه. "د". 1 وهو ما ألحق بالعزائم بقسميه، وقوله: "وما سواه" هو القسم الثالث. "د". 2 في "ماء": "الترجيح".

والثاني: إِنَّ الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ فِي التَّكْلِيفِ كُلِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ عَامٌّ عَلَى الْأَصَالَةِ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالرُّخْصَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى جُزْئِيٍّ بِحَسَبِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ، وَبِحَسَبِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَبَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي أَهْلِ الْأَعْذَارِ، لَا فِي كُلِّ حَالَةٍ وَلَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَا لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَهُوَ كَالْعَارِضِ الطَّارِئِ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي مَوْضِعِهَا أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ وَأَمْرٌ جُزْئِيٌّ؛ فَالْكُلِّيُّ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ يَقْتَضِي مَصْلَحَةً جُزْئِيَّةً، وَالْكُلِّيَّ يَقْتَضِي مَصْلَحَةً كُلِّيَّةً، وَلَا يَنْخَرِمُ نِظَامٌ فِي الْعَالَمِ بِانْخِرَامِ الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا قُدِّمَ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْكُلِّيَّةَ يَنْخَرِمُ نِظَامُ كُلِّيَّتِهَا، فَمَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ؛ إِذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْعَزِيمَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَمْرٌ كُلِّيٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ، وَالرُّخْصَةُ إِنَّمَا مَشْرُوعِيَّتُهَا أَنْ تَكُونَ جُزْئِيَّةً، وَحَيْثُ يَتَحَقَّقُ الْمُوجَبُ، وَمَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِيهِ1 لَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ صُورَةٍ تُفْرَضُ إِلَّا وَالْمُعَارِضُ الْكُلِّيُّ يُنَازِعُهُ؛ فَلَا يُنْجِي مِنْ طَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا الرُّجُوعُ إلى الكلي، وهو العزيمة. والثالث: مَا جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْأَمْرِ2 بِالْوُقُوفِ مَعَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُجَرَّدًا، وَالصَّبْرِ عَلَى حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَإِنِ انْتَهَضَ مُوجِبُ الرُّخْصَةِ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 173] ؛ فَهَذَا مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ، فَأَقْدَمُوا3 عَلَى الصَّبْرِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ؛ فَكَانَ عَاقِبَةُ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ به4.

_ 1 وهو القسم الثالث. "د". 2 وهل مع الأمر يكون مجرد احتياط، أم يقتضي هذا الأمر أن يكون أفضل مثابا عليه؟ وكيف يبنى هذا على التخيير؟ "د". 3 كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "فأقاموا". 4 ومنه: {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} ، وأي ثواب أجزل من رضوان الله؟ وفي الآية بعدها: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} ؛ فكلتا الآيتين فيهما الجزاء والثواب، ولا يكون مع التخيير، وبالجملة لو ترك الأدلة التي فيها طلب الأخذ بالعزيمة والثواب عليها؛ لكان موافقا لأصل الموضوع من بناء المسألة على التخيير. "د".

وَقَالَ تَعَالَى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ... } إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ حَيْثُ قَالَ: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الْأَحْزَابِ: 10-23] ؛ فَمَدَحَهُمْ بِالصِّدْقِ مَعَ حُصُولِ الزِّلْزَالِ الشَّدِيدِ وَالْأَحْوَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي بَلَغَتِ الْقُلُوبُ فِيهَا الْحَنَاجِرَ1 وَقَدْ عَرَضَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يُعْطُوا الْأَحْزَابَ مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ؛ لِيَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ فَيَخِفَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ؛ فَأَبَوْا مِنْ ذَلِكَ، وَتَعَزَّزُوا بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ2؛ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ. وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكَانَ الرَّأْيُ مِنَ الصَّحَابَةِ, رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ- اسْتِئْلَافُهُمْ بِتَرْكِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ مَنَعَهَا مِنْهُمْ؛ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ الْأُمَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَا يَكُونُ؛ فَأَبَى أَبُو بكر -رضي الله عنه-

_ 1 جمع حنجور بالضم؛ أي: الحلقوم. "ماء". 2 أخرج البزار في "مسنده" "رقم 1803- زوائده"، والطبراني بإسناد فيه محمد بن عمرو -وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات؛ كما في "مجمع الزوائد" "6/ 132"- من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "جاء الحارث الغطفاني إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يا محمد! شاطرنا تمر المدينة. فقال صلى الله عليه وسلم: "حتى أستأمر السعود ". فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن مسعود، وسعد بن خيثمة؛ فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وأن الحارث سألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في أمركم بعد ". فقالوا: يا رسول الله! أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك وهواك؟ فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا؛ فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هو ذا تسمعون ما يقولون ". قالوا: غدرت يا محمد، فرد عليهم حسان بن ثابت بأبيات من الشعر. وانظر: "شرح الزرقاني على المواهب" "3/ 131".

فَقَالَ: "وَاللَّهِ لِأُقَاتِلَنَّهُمْ1 حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي"، وَالْقِصَّةُ مشهورة2.

_ 1 في "د": "لأقاتلهن". 2 انظر تفصيل ذلك عند البخاري في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، 3/ 262/ رقم 1399، 1400، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل من أبى قبول الفرائض وما نسبوا إلى الردة، 12/ 275/ رقم 6924، 6925" مع كلام الشارح ابن حجر في الموطن الثاني، والتعليل المذكور في عدم قتال مانعي الزكاة اجتهاد من المصنف، والمذكور في الروايات والشرح خلافه؛ فراجعه، والله الموفق والهادي. وكتب "خ" هنا ما نصه: "لا يظهر في هذه القضية معنى الرخصة والعزيمة بعد قول أبي بكر -رضي الله عنه- في محاجة عمر: "إن الزكاة حق المال"، وقول عمر, رضي الله عنه: "ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر فعرف أنه الحق"، وإذا كان رأي أبي بكر الصديق هو الحق، ورأي غيره خطأ؛ كان العمل على الرأي الخطأ بعد أن انكشف أمره باطلا شرعا، والباطل لا يدخل في معنى الرخصة بحال". وكتب "د" ما نصه: "ولا يخفى على المطلع على أخبار هذه الردة أنه لم يبق مذعن لأحكام الإسلام من قبائل العرب إلا قريش وثقيف والأنصار، واضطرمت نار الفتنة في سائر الجزيرة، فتجمع القبائل قرب المدينة، وأرسلوا وفودهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤدوا الزكاة؛ لأنهم اعتبروها كإتاوة لا تتفق مع عزة نفوس العرب، وقام متنبئون من العرب ذكورا وإناثا، فارتد معهم كثير ممن لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم وهكذا أصبح أكثر القبائل بين باغ ومرتد، بل شاع تسمية الكل مرتدين "ردة عامة أو خاصة"، وكان جيش المسلمين إذ ذاك مع أسامة بالشام؛ فكاد يجمع الصحابة على أنه ليس من المصلحة حرب جزيرة العرب كلها، وأن الضرورة تقضي باستئلاف مانعي الزكاة بعدم طلبها منهم؛ فأرادوا أن يأخذوا إذ ذاك بالرخصة في عدم حرب هؤلاء البغاة حتى لا يتعرض الإسلام لطعنة نجلاء تقضي عليه في مهده، وأن يتربصوا حتى يقوى أمر المسلمين بانطفاء هذه الفتن، ثم يكون الرجوع للجهاد لإعلاء كلمة الله الذي هو واجب ضروري من أقوى العزائم؛ فأبى أبو بكر وتشدد وأقسم، وحاجهم؛ فحجهم، ورجعوا إلى رأيه، وقال عمر كلمته المشهورة؛ فمعنى الحق في كلام عمر أنه الأوفق بالمصلحة، وهذا لا ينافي أنه اجتهد ورأى المصلحة في الحرب، واجتهدوا بقبول الرخصة خوفا على الإسلام؛ فحل الخلاف الترجيح بين الأخذ بالعزيمة كما هو رأيه أو الأخذ بالرخصة المتحقق سببها كما هو رأي غيره، ومعلوم أن أسباب الرخص ظنية، والظنون تتعارض كما قال المؤلف، ثم انشرح صدرهم لموافقته؛ فكان رأيه الأوفق؛ فأذعن البغاة، وشرد المتنبئون، وسكنت الجزيرة، وسار الإسلام في طريقه. وبهذا تبين أن هذا المثال كسابقه من الأمثلة التي يستدل بها على ترجيح الأخذ بالعزيمة مع انتهاض موجب الرخصة؛ فلم يكن رأي الصحابة خطأ في وجود سبب الرخصة، حتى يقال: إنه لا يظهر في هذه القصة معنى الرخصة والعزيمة كما اعترض به بعضهم".

وَأَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} الْآيَةَ [النَّحْلِ: 106] ؛ فَأَبَاحَ التَّكَلُّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، مَعَ أَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَفْضَلُ عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، أَوْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ1، وَهَذَا جارٍ فِي قَاعِدَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ أَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَحَبٌّ، وَالْأَصْلَ مُسْتَتِبٌّ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى الْإِضْرَارِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، لَكِنْ يَزُولُ الِانْحِتَامُ وَيَبْقَى تَرَتُّبُ الْأَجْرِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ خَيْرًا لِأَحَدِكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا " 2؛ فَحَمَلَهُ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَقَ مَنِ الْتَزَمَ هَذَا الْعَقْدَ مَشَقَّاتٌ كَثِيرَةٌ فَادِحَةٌ، وَلَمْ يَأْخُذُوهُ إِلَّا عَلَى عُمُومِهِ حتى اقتدى

_ 1 في "ط": "جمهورها". 2 أخرج أبو يعلى في "المسند" "1/ 156/ رقم 167" -ومن طريقه الضياء في "المختارة" "1/ 181-182/ رقم 89"- وعبد بن حميد في "المنتخب" "رقم 42" بإسناد صحيح عن عمر؛ قال: قلت: يا رسول الله! أليس قد قلت لي: إن خيرا أن لا تسأل أحدا من الناس شيئا؟. قال: "إنما ذاك أن تسأل، وما أتاك الله من غير مسألة؛ فإنما هو رزق رزقكه الله ". قال الهيثمي في "المجمع": "هو في "الصحيح" باختصار، ورواه أبو يعلى، ورجاله موثقون". قلت: ليس في "الصحيح" ما أورده المصنف، والحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "رقم 1473، 7193، 7164"، ومسلم في "صحيحه" "رقم 1045"، والنسائي في "المجتبى" "5/ 105"، والحميدي في "المسند" "رقم 21"، وأحمد في "المسند" "1/ 21"، والدارمي في "السنن" "1/ 388"، وغيرهم كثير.

بِهِمُ الْأَوْلِيَاءُ، مِنْهُمْ أَبُو حَمْزَةَ الْخُرَاسَانِيُّ؛ فَاتَّفَقَ لَهُ مَا ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ1 وَغَيْرُهُ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْبِئْرِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا النَّمَطُ مِمَّا يُنَاسِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ2 مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ. وَقِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا3 حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصَدَقُوهُ، وَلَمْ يَعْتَذِرُوا لَهُ فِي مَوْطِنٍ كَانَ مَظِنَّةً لِلِاعْتِذَارِ، فَمُدِحُوا لِذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ وَمَدَحَهُمْ فِي الْقُرْآنِ بَعْدَ مَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَلَكِنْ ظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ؛ فَفَتَحَ لَهُمْ بَابَ الْقَبُولِ، وَسَمَّاهُمْ صَادِقِينَ لِأَخْذِهِمْ بِالْعَزِيمَةِ دُونَ التَّرَخُّصِ4.

_ 1 في "رسالته" المشهورة "ص80"، وستأتي في "2/ 497". 2 فيكون رخصة، ولكنهم لم يأخذوا بها، وما ذاك إلا لأولوية العزيمة. "د". 3 أخرج قصتهم بتفصيل البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، 8/ 113/ رقم 4418، وكتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، 4/ 2120/ رقم 2769"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم، 4/ 199/ رقم 4600" مختصرا، وأحمد في "المسند" "3/ 454، 456-459"، وغيرهم. 4 كان من السهل التمسك بالأعذار العامة في حق الثلاثة؛ إذ كان الوقت قيظا والسفر بعيدا، وكان أوان جني الثمار، ولا داعي لأعذار خاصة، وقد قال كعب: إنه أوتي جدلا لم يؤته غيره، فكان يتأتى له أن يحسن الاعتذار مع لزوم الصدق، وهلال بن أمية كان شيخا مسنا؛ فعذره الخاص مقبول أيضا، وقد اعتذر بضعة وثمانون؛ فقبل منهم عليه الصلاة والسلام واستغفر لهم، ولم يثبت أن هؤلاء جميعا منافقون وإن كانت عبارة كعب في رواية القصة ربما يؤخذ منها أن أكثرهم كانوا كذلك؛ فالثلاثة لم يرتضوا المواربة بالأعذار العامة أو الأعذار الخاصة الضعيفة، وتحملوا مشاق الصدق وأثره؛ فمكثوا في البلاء خمسين يوما يبكون وينتحبون، وكان لهم منجى منه بعذر عام أو خاص صادق ولو ضعيفا، فكان يقبل منهم ويستغفر لهم، فتركوا الرخصة لهذه العزيمة؛ كما قال المؤلف. "د". وكتب "خ" ما نصه: "لا يظهر في هذه الواقعة وجه للرخصة حتى يعقد بينها وبين اعترافهم بالذنب موازنة، ويقال: إن أولئك الثلاثة رجحوا جانب العزيمة؛ إذ ليس لهم أعذار صادقة يقدمونها بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو أنهم لفقوا أعذارا ابتدعوها؛ لكانوا قد أضافوا إلى ذنب التخلف عن الغزو ذنب الكذب المذموم، واعتذارات كاعتذارات المنافقين وإن كانت نافعة لهم في الدنيا لا تدخل في قبل الرخصة؛ إذ الرخصة رفع الحرج الذي لا يلحقه العقاب عاجلا وآجلا".

وَقِصَّةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ1 وَغَيْرِهِ2 مِمَّنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا يَقْدِرُ عَلَى دُخُولِ مَكَّةَ إِلَّا بِجِوَارٍ، ثُمَّ تَرَكُوا الْجِوَارَ رِضًى بِجِوَارِ اللَّهِ، مَعَ مَا نَالَهُمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَلَكِنْ هَانَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ فِي اللَّهِ؛ فَصَبَرُوا إِيمَانًا بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمَرِ: 10] . وَقَالَ تَعَالَى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آلِ عِمْرَانَ: 186] . وَقَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَ] 3 السلام: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الْأَحْقَافِ: 35] . وَقَالَ: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشُّورَى: 41] . ثُمَّ قَالَ: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشُّورَى: 43] . وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 284] ؛ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَقِيلَ لَهُمْ: قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا, فَقَالُوهَا؛ فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا

_ 1 ذلك أنه -رضي الله عنه- بعد رجوعه من الحبشة دخل في جوار الوليد بن المغيرة، ثم رد جواره ورضاه بما عليه النبي, صلى الله عليه وسلم. انظر: "الإصابة" "2/ 464". 2 كقصة أبي بكر لما قبل من ابن الدغنة ترك جواره وبقي مستعلنا بشعائر الإسلام اعتمادا على جوار الله، مع تألب الكفار عليه ألا يستعلن القرآن خشية على من كان يسمعه من نسائهم وشبانهم أن يميلوا إلى الإسلام. "د". 3 ما بين المعقوفتين سقط من "م".

أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 285] 1. وَجَهَّزَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُسَامَةَ فِي جَيْشٍ إِلَى الشَّامِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ2، فَتَوَقَّفَ خُرُوجُهُ بِمَرَضِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- ثُمَّ جَاءَ مَوْتُهُ؛ فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي بَكْرٍ: احْبِسْ أُسَامَةَ بِجَيْشِهِ تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَنْ حَارَبَكَ مِنَ الْمُجَاوِرِينَ لَكَ3. فقال: لو لعبت4 الْكِلَابُ بِخَلَاخِيلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ مَا رَدَدْتُ جَيْشًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولكن سأل

_ 1 أين الرخصة هنا متى كانت آية {آمَنَ الرَّسُولُ} ناسخة؟ وكذا لو قيل: إنها محكمة على معنى "إن تبدوا ما استقر في أنفسكم من الأخلاق الذميمة؛ كالكبر، والحسد، وكتمان الشهادة، أو تخفوه؛ يحاسبكم به الله" فلا رخصة أيضا، إنما يكون موضع رخصة إذا بقي الحكم الصعب معمولا به ورفع الحرج في فعله عند المشقة، وأين هذا؟ فإذا كان مناط دليله ما ذكره بقوله: "فشق عليهم فقيل لهم قولوا: سمعنا فقالوها ... إلخ" يعني: فليس كلامه فيما بين الآيتين بل في الآية مع بقية القصة التي ذكرها، قلنا أيضا: نعم، يكون تكليفا شاقا، ولكن أين الرخصة التي كان يمكنهم الأخذ بها في مقابلته فتركوها؛ لأنه أفضل من الترخص؟ "د". قلت: ومضى تخريج "سبب النزول" "ص93"، وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "14/ 130، 131". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام، 7/ 510/ رقم 4261"، من حديث عبد الله بن عمر, رضي الله عنهما. وانظر: "مسند الحب ابن الحب" "رقم 1، 2" لابن المرزبان، و"طبقات ابن سعد" "4/ 67"، و"مسند أحمد" "5/ 205، 206، 209"، و"سنن أبي داود" "رقم 2616"، و"مسند الطيالسي" "رقم 526"، و"سنن ابن ماجه" "رقم 2843". 3 قامت القبائل المرتدة بمحاربة المسلمين حول المدينة واشتد الأمر عليهم جدا، وفي الوقت نفسه لا يترخص باستبقاء جيش أسامة وفيه وجوه الصحابة وأعيانهم وأقوى المقاتلة من المؤمنين، لا شك أن هذا كان محل الرخصة في بقاء الجيش، ولكنه أخذ بالعزيمة والعزم؛ فكان خيرا رضي الله عنه، قال ابن مسعود: "لقد قمنا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقاما كدنا نهلك فيه، لولا أن من الله علينا بأبي بكر، حتى أجمعنا على ألا نقاتل على بنت مخاض؛ فعزم الله لأبي بكر على قتالهم". "د". 4 المثبت من "ط"، وفي غيره: "لعب".

أُسَامَةَ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ عُمَرَ؛ فَفَعَلَ، وَخَرَجَ فبلغ الشام ونكى1 فِي الْعَدُوِّ بِهَا؛ فَقَالَتِ الرُّومُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَضْعُفُوا بِمَوْتِ نَبِيِّهِمْ، وَصَارَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ هَيْبَةً فِي قُلُوبِهِمْ لَهُمْ2. وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ مِمَّا يَقْتَضِي الْوُقُوفَ مَعَ الْعَزَائِمِ وَتَرْكَ التَّرَخُّصِ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ عَرَفُوا أَنَّهُمْ مُبْتَلَوْنَ، وَهُوَ: الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ الطَّارِئَةَ وَأَشْبَاهَهَا مِمَّا يَقَعُ لِلْمُكَلَّفِينَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَاقِّ؛ هِيَ مِمَّا يَقْصِدُهَا الشَّارِعُ3 فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ، أَعْنِي أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي التَّشْرِيعِ إِنَّمَا هُوَ جارٍ عَلَى تَوَسُّطِ مَجَارِي الْعَادَاتِ، وَكَوْنُهُ شَاقًّا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِمَّا هُوَ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لَهُ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْجُزْئِيَّةَ لَا تَخْرِمُ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ، وَإِنَّمَا تُسْتَثْنَى حَيْثُ تُسْتَثْنَى نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ بِحَسَبِ الِاجْتِهَادِ، وَالْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ مِنَ الْعَزِيمَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ لِلْمُجْتَهِدِ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِسَبَبٍ قَوِيٍّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْمِلِ الْعُلَمَاءُ مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ الْخَاصَّةِ بِالسَّفَرِ فِي غَيْرِهِ؛ كَالصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ فِي الْحَضَرِ، مَعَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي هِيَ الْعِلَّةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ، فَإِذًا؛ لَا يَنْبَغِي الْخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ الْعَزِيمَةِ مَعَ عَوَارِضِ الْمَشَقَّاتِ الَّتِي لَا تَطَّرِدُ وَلَا تَدُومُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جارٍ أَيْضًا فِي الْعَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلَمْ يُخْرِجْهَا ذَلِكَ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَادِيَّةً؛ فَصَارَ عَارِضُ الْمَشَقَّةِ -إِذَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا أَوْ دَائِمًا- مَعَ أَصْلِ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ، كَالْأَمْرِ الْمُعْتَادِ أَيْضًا؛ فَلَا يخرج عن ذلك الأصل.

_ 1 أي: قتل فيهم وجرح. انظر: "لسان العرب" "ن ك ا". 2 انظر: "البداية والنهاية" "6/ 308-309". 3 ولا ينافيه ما يأتي في كتاب "المقاصد" من أن الشارع لم يقصد من التكليف بالشاق الإعنات فيه، بل ما يأتي في المسألتين السادسة والسابعة من النوع الثاني من المقاصد يوضح هذا المقام. "د".

لَا يُقَالُ: كَيْفَ يَكُونُ اجْتِهَادِيًّا وَفِيهِ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] . وقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] 1} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 184] . وَ "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ" 2. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَسِوَاهُ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ. لِأَنَّا نَقُولُ: حَالَةُ الِاضْطِرَارِ قَدْ تُبَيِّنُ أَنَّهُ الَّذِي يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَ الرُّوحِ3، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ عُذْرٌ أَيْضًا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَمَحْمُولٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْمَشَقَّةِ4 الَّتِي يَعْجِزُ مَعَهَا عَنِ الْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الدُّنْيَوِيَّةِ، بِحَيْثُ تَرْجِعُ الْعَزِيمَةُ إِلَى نَوْعٍ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ منتفٍ سَمْعًا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَشَاقِّ مُفْتَقِرٌ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِ تَحْتَ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَفِيهِ تَضْطَرِبُ أَنْظَارُ النُّظَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ -وَهُوَ رُوحُ هَذَا الدَّلِيلِ- هُوَ أَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ الطَّارِئَةَ تَقَعُ لِلْعِبَادِ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا لِإِيمَانِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرَدُّدِ الْمُتَرَدِّدِينَ، حَتَّى يَظْهَرَ لِلْعَيَانِ مَنْ آمَنَ بِرَبِّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ، مِمَّنْ هُوَ فِي شَكٍّ، وَلَوْ كَانَتِ التَّكَالِيفُ كُلُّهَا يَخْرِمُ كُلِّيَّاتِهَا كُلُّ مَشَقَّةٍ عَرَضَتْ؛ لَانْخَرَمَتِ الْكُلِّيَّاتُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الْخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ؛ فَالِابْتِلَاءُ في

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من النسخ المطبوعة. 2 مضى تخريجه في "ص480". 3 أي: أو العضو. "د". 4 تقدم أن ذلك فيما لم يحد فيها حد شرعي، كالسفر مثلا وجمع العشاءين بمزدلفة. "د".

التَّكَالِيفِ وَاقِعٌ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ؛ فَيُبْتَلَى الْمَرْءُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، قَالَ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الْمُلْكِ: 2] . {الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ: 1-3] . {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} ثُمَّ قَالَ: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آلِ عِمْرَانَ: 186] . {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [مُحَمَّدٍ: 31] . {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 141] . {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [الْبَقَرَةِ: 155] إِلَى آخِرِهَا. فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ صَبَرُوا لَهَا، وَلَمْ يَخْرُجُوا بِهَا عَنْ أَصْلِ مَا حملوه إلى غيره، وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} [البقرة: 155] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْبَلْوَى قَلِيلَةُ الْوُقُوعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُمْهُورِ الْأَحْوَالِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَحْوَالِ التَّكْلِيفِ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ مِنَ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ طَلَبَ الِاصْطِبَارَ عَلَيْهَا، وَالتَّثَبُّتَ فِيهَا، حَتَّى يَجْرِيَ التَّكْلِيفُ عَلَى مَجْرَاهُ الْأَصْلِيِّ؛ كَانَ التَّرَخُّصُ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَالْمُضَادِّ لِمَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ مِنْ تَكْمِيلِ الْعَمَلِ عَلَى أَصَالَتِهِ لِتَكْمِيلِ الْأَجْرِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ التَّرَخُّصَ إِذَا أُخِذَ بِهِ فِي مَوَارِدِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى انْحِلَالِ عَزَائِمِ الْمُكَلَّفِينَ فِي التَّعَبُّدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِذَا أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ؛ كَانَ حَرِيًّا1 بِالثَّبَاتِ في التعبد والأخذ بالحزم فيه.

_ 1 في "م": "حرى".

بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّ "الْخَيْرَ عَادَةٌ، وَالشَّرَّ لَجَاجَةٌ" 1، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ، وَالْمُتَعَوِّدُ لِأَمْرٍ يَسْهُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَا لَا يَسْهُلُ عَلَى غَيْرِهِ؛ كَانَ خَفِيفًا فِي نَفْسِهِ أَوْ شَدِيدًا، فَإِذَا اعْتَادَ التَّرَخُّصَ؛ صَارَتْ كُلُّ عَزِيمَةٍ فِي يَدِهِ كَالشَّاقَّةِ الْحَرِجَةِ، وَإِذَا صَارَتْ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَقُمْ بِهَا حَقَّ قِيَامِهَا، وَطَلَبَ الطَّرِيقَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْمُتَوَقَّعُ فِي أُصُولٍ كُلِّيَّةٍ، وَفُرُوعٍ جُزْئِيَّةٍ، كَمَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِالْهَوَى فِي اخْتِلَافِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، وَمَسْأَلَةِ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نُبِّهَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ أَوْ لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ. وَبَيَانُ الثَّانِي ظَاهِرٌ أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ؛ فَإِنَّهُ ضِدُّهُ. وَسَبَبُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ أَسْبَابَ الرُّخَصِ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ مُقَدَّرَةً وَمُتَوَهَّمَةً لَا مُحَقَّقَةً، فَرُبَّمَا عَدَّهَا شَدِيدَةً وَهِيَ خَفِيفَةٌ فِي نَفْسِهَا؛ فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّعَبُّدِ، وَصَارَ عَمَلُهُ ضَائِعًا وَغَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَصْلٍ, وَكَثِيرًا مَا يُشَاهِدُ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ؛ فَقَدْ يَتَوَهَّمُ الْإِنْسَانُ الْأُمُورَ صَعْبَةً، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ إِلَّا بِمَحْضِ التَّوَهُّمِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لِخَوْفِ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ، إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ أَعَادَ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ عَدَّهُ مُقَصِّرًا؛ لِأَنَّ هَذَا يَعْتَرِي فِي أَمْثَالِهِ مُصَادَمَةُ الْوَهْمِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَى اللُّصُوصَ أَوِ السِّبَاعَ وَقَدْ مَنَعَتْهُ مِنَ الْمَاءِ؛ فَلَا إِعَادَةَ هُنَا، وَلَا يُعَدُّ هَذَا مُقَصِّرًا، وَلَوْ تَتَبَّعَ الْإِنْسَانُ الْوَهْمَ؛ لَرَمَى به في مهاوٍ

_ 1 أي: البقاء عليه والعودة إليه تمادٍ من صاحبه لأنه ممقوت بخلاف الخير، انظر: "لسان العرب" "ل ج ج"، وسيأتي "2/ 150" على أنه حديث، وهو في "مجمع الأمثال" للميداني "1/ 247/ رقم 1325" على أنه مثل. وفي حاشية الأصل: "في القاموس: اللجاجة: الخصومة"، ثم ذكر آخر المادة أنه يقال في مواده لجاجة؛ أي: خفقا من الجوع.

بَعِيدَةٍ، وَلَأَبْطَلَ عَلَيْهِ أَعْمَالًا كَثِيرَةً، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي الْعَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ1 وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ. وَقَدْ تَكُونُ شَدِيدَةً، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ مَطْلُوبٌ بِالصَّبْرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَفِي "الصَّحِيحِ": "مَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ" 2، وَجَاءَ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ في وقوف الواحد للاثنين بعدما نُسِخَ وُقُوفُهُ لِلْعَشَرَةِ: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الْأَنْفَالِ: 66] ، قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لَمَّا نَزَلَتْ: "نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ مِنَ الْعَدَدِ"3، هَذَا بمعنى الخبر، وهو موافق للحديث والآية.

_ 1 كل من يهاب المصاعب وتساور فكره الأوهام لا يرتفع شأنه في عمل الخير ولا يبعد شأوه في مجال الصلاح والتقوى، وكم من إنسان يقضي حياته الطويلة دون أن يقوم فيها بعمل ذي بال, ولا علة لوقوعه في هذا الخسران سوى تغلب الوهم وانحلال العزم عند ما يلاقي مشقة أو تتمثل أمامه المخاوف، وكذلك الجماعات لا تقع في خزي وخمول أو يضيع من يدها استقلالها إلا أن تلقى أمرها إلى رأي من أسلمه فساد النشأة وقلة التجارب إلى خور العزيمة، والانقياد إلى الأوهام. "خ". 2 قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، 3/ 335/ رقم 1469، وكتاب الرقائق، باب الصبر عن محارم الله، 13/ 303/ رقم 6470"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، 2/ 729/ رقم 1053" من حديث أبي سعيد الخدري وفيه: "ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبره الله" لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "ومن يتصبر ". 3 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} ، 8/ 312/ رقم 4653"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الجهاد، باب التولي يوم الزحف/ رقم 2646"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 1049"، وابن المبارك في "الجهاد" "237"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 76"، وابن جرير في "التفسير" "10/ 40"، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" "ص157" عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "لما نزلت {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ؛ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف، فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ، قال: فلما خفف الله عنهم من العدة؛ نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم". لفظ البخاري.

وَالسَّادِسُ: إِنَّ مَرَاسِمَ الشَّرِيعَةِ مُضَادَّةٌ لِلْهَوَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَكَثِيرًا مَا تَدْخُلُ الْمَشَقَّاتُ وَتَتَزَايَدُ مِنْ جِهَةِ مُخَالِفَةِ الْهَوَى، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى ضِدُّ اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ؛ فَالْمُتَّبِعُ لِهَوَاهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي نَفْسِهِ شَاقًّا أَمْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ يَصُدُّهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصُودِهِ، فَإِذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ قَدْ أَلْقَى هَوَاهُ وَنَهَى نَفْسَهُ عَنْهُ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ؛ خَفَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ بِحُكْمِ الِاعْتِيَادِ يُدَاخِلُهُ حُبُّهُ، وَيَحْلُو لَهُ مُرُّهُ، حَتَّى يَصِيرَ ضِدَّهُ ثَقِيلًا عَلَيْهِ، بعدما كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ فَصَارَتِ الْمَشَقَّةُ وَعَدَمُهَا إِضَافِيَّةً تَابِعَةً لِغَرَضِ الْمُكَلَّفِ؛ فَرُبَّ صَعْبٍ يَسْهُلُ لِمُوَافِقَةِ الْغَرَضِ، وَسَهْلٍ يَصْعُبُ لِمُخَالَفَتِهِ. فَالشَّاقُّ عَلَى الإطلاق في هذا المقام إنما هو1 مَا لَا يُطِيقُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ2؛ كَانَ مُطِيقًا لَهُ بِحُكْمِ الْبَشَرِيَّةِ، أَمْ لَا، هَذَا لَا كَلَامَ فِيهِ, إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ إِضَافِيٌّ، لَا يُقَالُ فِيهِ: [إِنَّهُ] 3 مَشَقَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا إِنَّهُ لَيْسَ بِمَشَقَّةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِذَا كَانَ دَائِرًا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَصْلُ الْعَزِيمَةِ حَقِيقِيٌّ ثَابِتٌ؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى أَصْلِ الْعَزِيمَةِ حَقٌّ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الرُّخْصَةِ يُنْظَرُ فِيهِ بِحَسَبِ كُلِّ شَخْصٍ، وَبِحَسَبِ كُلِّ عَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ قَطْعِيٌّ، وَكَانَ أَعْلَى ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي لَا يَخْلُو عَنْ مَعَارِضَ؛ كَانَ الْوَجْهُ الرُّجُوعَ إِلَى الْأَصْلِ،

_ 1 في "د": "المقام وهو"، وفي "م": "المقام هو". 2 وهو الذي أشار إليه أول المسألة الخامسة بقوله: "أو شرعا كالصوم ... " إلخ. "د". 3 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل و"ط".

حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ حَقٌّ، وَلَا تَكُونُ حَقًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ حَتَّى تَكُونَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُهَا، فَتَلْحَقُ حِينَئِذٍ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ، هَذَا إِذَا لَمْ يأتِ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الرُّخْصَةِ وَالتَّخْفِيفِ مُطْلَقًا؛ كَفِطْرِهِ عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَ] السَّلَامُ1 فِي السَّفَرِ2 حِينَ أَبَى النَّاسُ مِنَ الْفِطْرِ وَقَدْ شَقَّ الصَّوْمُ عليهم؛ فهذا ونحوه أمر آخر يرجع إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَقْسَامِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْوُقُوفَ مَعَ الْعَزَائِمِ أَوْلَى، وَالْأَخْذَ بِهَا فِي مَحَالِّ التَّرَخُّصِ أَحْرَى. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلِ الْوُقُوفُ مَعَ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِبِ أَوِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ3، أَمْ ثَمَّ انْقِسَامٌ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ بِتَفْصِيلِ أَحْوَالِ الْمَشَقَّاتِ؛ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَالْمَشَقَّاتُ4 الَّتِي هِيَ مَظَانُّ التَّخْفِيفَاتِ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ على ضربين: أحدهما: أن تكون حقيقية، وهي5 مُعْظَمُ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرَخُّصُ؛ كَوُجُودِ الْمَشَقَّةِ الْمَرَضِيَّةِ وَالسَّفَرِيَّةِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ سَبَبٌ مُعَيَّنٌ وَاقِعٌ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ تَوَهُّمِيَّةً مُجَرَّدَةً، بحيث لم يوجد السبب المرخص

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "م". 2 سيأتي نصه في التعليق على "ص523" وتخريجه هناك. 3 بقطع النظر عن قوله قبله: "وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي غَيْرِهِ؛ فَثَبَتَ أَنَّ الْوُقُوفَ مع العزائم أولى"؛ فهو سؤال من يريد التثبت من الموضوع بأكمله، بالجواب المبني على التفصيلات التي يذكرها بعد ما ذكر تفاصيل كثيرة لم تنضبط بضابط مملوك باليد؛ فغرضه التمهيد لإعضاء هذا الضابط. "د". 4 كذا في النسخ المطبوعة و"ط"، وفي الأصل: "في المشقات". 5 كذا في "ط"، وفي غيره: "وهو".

لِأَجْلِهِ، وَلَا وُجِدَتْ حِكْمَتُهُ1, وَهِيَ الْمَشَقَّةُ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهَا شَيْءٌ، لَكِنْ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ. فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْعَزِيمَةِ يُدْخِلُ عَلَيْهِ فَسَادًا لَا يُطِيقُهُ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُحَقَّقًا لَا مَظْنُونًا وَلَا مُتَوَهَّمًا، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ؛ فَرُجُوعُهُ إِلَى الرُّخْصَةِ مَطْلُوبٌ، وَرَجَعَ إِلَى الْقِسْمِ الَّذِي لَمْ يَقَعِ الْكَلَامُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا حَقٌّ لِلَّهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي -وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَظْنُونًا- فَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ، وَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ الْعَزِيمَةِ، وَمَتَى قَوِيَ الظَّنُّ ضَعُفَ مُقْتَضَى الْعَزِيمَةِ، وَمَتَى ضَعُفَ الظَّنُّ قَوِيَ؛ كَالظَّانِّ2 أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِ الْمَرَضِ الَّذِي مِثْلُهُ يُفْطِرُ فِيهِ، وَلَكِنْ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الظَّنُّ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ مَثَلًا فَلَمْ يُطِقِ الْإِتْمَامَ، أَوِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ فَقَعَدَ فَهَذَا هُوَ الْأَوَّلُ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا لا3 يقدر عليه، وإما

_ 1 إذا لم يوجد السبب؛ فلا توجد حكمته، فما فائدة ذكره؟ وهو لم يدرج في التوهمية صورة وجوب السبب فعلا مع عدم وجود حكمته، أو وجودها غير خارجة عن مجاري العادات، بل قصرها على ما لم يتحقق فيه السبب، وهذا متعين، وإلا كل مثل السفر مع الترفه مما لا يصح فيه القصر والفطر أو مما يختلف فيه، وليس كذلك. "د". 2 المثال لقوة الظن وضعفه باعتبار الفرضين، وقوله: "دَخَلَ فِي الصَّوْمِ مَثَلًا، فَلَمْ يُطِقِ الْإِتْمَامَ، فلم يقدر؛ فقعد"، أي: إنه جرب نفسه في هذا المرض قبل هذا اليوم في الصوم، أو قبل هذه الصلاة في صلاة سابقة؛ فلم يطق, فصار لذلك عنده ظن قوي في الصلاة الحاضرة أو اليوم الحاضر بأنه لا يقدر، وليس الغرض أنه فعل ذلك في نفس هذا اليوم للصوم أو نفس هذه الصلاة فعجز؛ لأنه حينئذ يكون العجز محققا لا مظنونا؛ فيختل نظم كلامه، وهو ظاهر، فقوله: "فهذا هو الأول"؛ أي: حكمه حكمه، وقول: "إذ ليس عليه ما لا يقدر عليه"؛ أي: ولو بظن قوي كمثاله. "د". 3 سقطت من ناسخ الأصل، واستظهرها ثم قال: "وبه يستقيم الكلام"، وفي "ط": "عليه غير ما يقدر".

أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ مَأْخُوذٍ1 مِنَ الْكَثْرَةِ وَالسَّبَبُ مَوْجُودٌ عَيْنًا بِمَعْنَى أَنَّ الْمَرَضَ حَاضِرٌ، وَمِثْلُهُ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الصِّيَامِ وَلَا عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا أَوْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَادَةً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَهَذَا قَدْ يَلْحَقُ بِمَا قَبْلَهُ، وَلَا يَقْوَى قُوَّتَهُ، أَمَّا لُحُوقُهُ بِهِ؛ فَمِنْ جِهَةِ وُجُودِ السَّبَبِ، وَأَمَّا مُفَارَقَتُهُ لَهُ؛ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ لَمْ يُوجَدْ2 عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِالْعِبَادَةِ، وَهُوَ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ فِي الْعَزِيمَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ قُدْرَتُهُ عليها أو3 عدم قُدْرَتِهِ؛ فَيَكُونُ الْأَوْلَى هُنَا الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ، إِلَى أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَكُونَ تَوَهُّمِيَّةً، بِحَيْثُ لَمْ يُوجَدِ السَّبَبُ وَلَا الْحِكْمَةُ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِلسَّبَبِ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي أَنَّهُ يُوجَدُ بَعْدُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا، فَإِنْ وُجِدَ فَوَقَعَتِ الرُّخْصَةُ مَوْقِعَهَا؛ فَفِيهِ خِلَافٌ، أَعْنِي فِي إِجْزَاءِ الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ لَا فِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ ابْتِدَاءً؛ إِذْ لَا يَصِحُّ4 أَنْ يُبْنَى حُكْمٌ عَلَى سَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، بَلْ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ عَلَى سَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ وَإِنْ وُجِدَ السَّبَبُ وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ؛ فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ نَفْسُ السَّبَبِ؟ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي نَحْوِ الظَّانِّ أَنَّهُ تَأْتِيهِ الْحُمَّى غَدًا بِنَاءً عَلَى عَادَتِهِ فِي أَدْوَارِهَا؛ فَيُفْطِرُ قَبْلَ مَجِيئِهَا، وَكَذَلِكَ الطَّاهِرُ إِذَا بَنَتْ عَلَى الْفِطْرِ ظَنًّا أَنَّ حَيْضَتَهَا سَتَأْتِي ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بعض العلماء على

_ 1 أي: مأخوذ أثره وما يترتب عليه من كثرة التجارب في هذا السبب الحاصل بالفعل، وتكون التجارب من غيره، أو من نفسه في زمن بعيد لا يقاس عليه، حتى يغاير ما قبله. "د". 2 أي: بمقتضى ظن قوي جاء له من تجربة في نفسه، وإنما عنده ظن بسبب كثرة التجارب في غيره، أو في نفسه لكن في زمن مضى بعيدا بحيث يحتمل تغير الحال. "د". 3 في النسخ المطبوعة: "وعدم"، والمثبت من الأصل و"ط". 4 أي: فلا يجوز الإقدام عليه. "د".

صِحَّةِ هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي إِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الْأَنْفَالِ: 68] ؛ فَإِنَّ هَذَا إِسْقَاطٌ لِلْعُقُوبَةِ لِلْعِلْمِ1 بِأَنَّ الْغَنَائِمَ سَتُبَاحُ لَهُمْ وَهَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَرَتُّبُ الْعَذَابِ هُنَا لَيْسَ بِرَاجِعٍ إِلَى تَرَتُّبٍ شَرْعِيٍّ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ إِلَهِيٌّ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ اللَّاحِقَةِ لِلْإِنْسَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشُّورَى: 30] . وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّبَبِ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ؛ فَلَا إِشْكَالَ هُنَا. وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّ الظُّنُونَ وَالتَّقْدِيرَاتِ غَيْرَ الْمُحَقَّقَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى قِسْمِ التَّوَهُّمَاتِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، وَكَذَلِكَ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ؛ فَإِنَّهَا تُقَدِّرُ أَشْيَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا؛ فَالصَّوَابُ الْوُقُوفُ مَعَ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ إِلَّا فِي الْمَشَقَّةِ الْمُخِلَّةِ الْفَادِحَةِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ2 أَوْلَى مَا لَمْ يؤدِّ ذَلِكَ إِلَى دَخْلٍ فِي عَقْلِ الْإِنْسَانِ أَوْ دِينِهِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّبْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ إِلَّا مَنْ يُطِيقُهُ، فَأَنْتَ تَرَى بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْفَادِحَةَ لَا يَلْحَقُ بِهَا تَوَهُّمُهَا بَلْ حُكْمُهَا أَضْعَفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوَهُّمَ غَيْرُ صَادِقٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِذًا لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ بِحَقِيقِيَّةٍ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْعِلَّةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلرُّخْصَةِ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ؛ كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ لَازِمٍ، إِلَّا إِذَا قَامَتِ الْمَظِنَّةُ -وَهِيَ السَّبَبُ3- مَقَامَ الْحِكْمَةِ؛ فَحِينَئِذٍ يكون

_ 1 على أحد التفاسير في الآية، وعده في "روح المعاني" [10/ 34] تكلفا فراجعه. "د". 2 حتى مع المخلة الفادحة، هذا غير واضح، وسيأتي له في الفصل التالي أن الرخص المحبوبة ما ثبت الطلب فيه وهو ما فيه المشقة القادحة التي ينزل عليها مثل قوله, عليه الصلاة والسلام: "وليس من البر الصيام في السفر "؛ فكيف تكون مطلوبة والصبر على العزيمة أولى؟ "د". 3 أي: الذي وضعه الشارع كالسفر. "د".

السَّبَبُ مُنْتَهِضًا عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْحِكْمَةَ الَّتِي هِيَ الْعِلَّةُ عَلَى كَمَالِهَا؛ فَالْأَحْرَى الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ، وَأَيْضًا؛ فَالْمَشَقَّةُ التَّوَهُّمِيَّةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْمَشَقَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ, وَالْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي الْوُقُوعِ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَكُنْ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا مُتَمَكِّنًا. وَأَمَّا الرَّاجِعَةُ إِلَى أَهْوَاءِ النُّفُوسِ خُصُوصًا؛ فَإِنَّهَا ضِدُّ الْأُولَى؛ إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ مِنْ وَضْعِ الشَّرَائِعِ إِخْرَاجُ النُّفُوسِ عَنْ أَهْوَائِهَا وَعَوَائِدِهَا، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي شَرْعِيَّةِ الرُّخْصَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَنْ هَوِيَتْ نَفْسُهُ أَمْرًا، أَلَا تَرَى كَيْفَ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنِ اعْتَذَرَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَهْوَاءِ النُّفُوسِ لِيَتَرَخَّصَ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي} الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 49] ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ بْنَ قَيْسٍ قَالَ: ائْذَنْ لِي فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْغَزْوِ، وَلَا تَفْتِنِّي بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ؛ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْهُنَّ1، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} الْآيَةَ [التَّوْبَةِ: 81] ، ثُمَّ بَيَّنَ الْعُذْرَ الصَّحِيحَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91] الآيات؛ فَبَيَّنَ أَهْلَ الْأَعْذَارِ هُنَا، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الْجِهَادَ، وَهُمُ الزَّمْنى، وَالصِّبْيَانُ، وَالشُّيُوخُ، وَالْمَجَانِينُ، وَالْعُمْيَانُ، وَنَحْوُهُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَفَقَةً أَصْلًا, وَلَا وَجَدَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَقَالَ فِيهِ: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91] ، وَمِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ لَا يُبْقُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ بَقِيَّةً فِي طَاعَةِ اللَّهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} ؟ [التَّوْبَةِ: 41] وَقَالَ: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ} الْآيَةَ [التوبة: 39] ؛ فما ظنك بمن كان

_ 1 أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "2/ 308" من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وفيه يحيى الحماني، وهو ضعيف، وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "14/ 287-288" عن يزيد بن رومان والزهري وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر وغيرهم به. وهذه مقاطيع لا تثبت.

عُذْرُهُ هَوَى نَفْسِهِ؟! نَعَمْ، وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ تَابِعَةً لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ فِي شَهَوَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَتَنَعُّمَاتِهِمْ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إِلَى مَفْسَدَةٍ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا الْمُكَلَّفُ عَلَى مَشَقَّةٍ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِهَا عَنْهُ التَّمَتُّعُ إِذَا أَخَذَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْدُودِ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَهُ ابْتِدَاءً رُخْصَةَ السَّلَم، والقِرَاض، وَالْمُسَاقَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَانِعٌ فِي قَاعِدَةٍ أُخْرَى1، وَأَحَلَّ لَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، فَمَتَى جَمَحَتْ نَفْسُهُ إِلَى هَوًى قَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا وَإِلَيْهِ سَبِيلًا فَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ بَابِهِ؛ كَانَ هَذَا هَوًى شَيْطَانِيًّا وَاجِبًا عليه الانكفاف2 عَنْهُ؛ كَالْمُولَعِ بِمَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا هِيَ عَيْنُ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الرُّخَصِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّ لَهَا فِي الشَّرْعِ مُوَافِقَةً إِذَا وُزِنَتْ بِمِيزَانِهَا. فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَشَقَّةَ مُخَالَفَةِ الْهَوَى لَا رُخْصَةَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِيهَا الرُّخْصَةُ بِشَرْطِهَا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا؛ فَالْأَحْرَى بِمَنْ يُرِيدُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَخَلَاصَ نَفْسِهِ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلِ الْعَزِيمَةِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرَوِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ مِنْ بَابِ النَّدْبِ، وَتَارَةً تَكُونُ من باب الوجوب، والله أعلم.

_ 1 هذا مبني على ما يقوله بعض الفقهاء من أن الأصل في هذه الأبواب المنع؛ ظنا منهم أن القرض والمساقاة من نوع الإجارة، وقد اختل منهما شرط صحتهما الذي هو العلم بالعوض والمعوض، وأن السلم من قبيل بيع الإنسان ما ليس عنده, الوارد في حقه النهي، وقد حقق ابن القيم نقلا عن أستاذه ابن تيمية أن القرض والمساقاة ليسا من الإجارة في شيء؛ إذ الإجارة ما يقصد منها العمل المعلوم المقدور على تسليمه, وأما القرض والمساقاة؛ فإنهما من قبيل المشاركة؛ هذا بماله، وهذا ببدنه، وكذلك السلم غير داخل في حديث نهي الإنسان عن بيع ما ليس عنده؛ إذ المراد من الحديث النهي عن بيع العين أو ما في الذمة مما لا يقدر على تسليمه. "خ". 2 كذا في "ط", وفي غيره: "الانفكاك".

فَصْلٌ: - وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: الِاحْتِيَاطُ فِي اجْتِنَابِ الرُّخَصِ فِي الْقِسْمِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ، وَالْحَذَرُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الْتِبَاسٍ، وَفِيهِ تَنْشَأُ خُدَعُ الشَّيْطَانِ، وَمُحَاوَلَاتُ النَّفْسِ، وَالذَّهَابُ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى عَلَى غَيْرِ مَهْيَع1، وَلِأَجْلِ هَذَا أَوْصَى شُيُوخُ الصُّوفِيَّةُ تَلَامِذَتَهُمْ بِتَرْكِ اتِّبَاعِ الرُّخَصِ جُمْلَةً، وَجَعَلُوا مِنْ أُصُولِهِمُ الْأَخْذَ بِعَزَائِمِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَصْلٌ صَحِيحٌ مَلِيحٌ, مِمَّا أَظْهَرُوا مِنْ فَوَائِدِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَإِنَّمَا يَرْتَكِبُ مِنَ الرُّخَصِ مَا كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، أَوْ صَارَ شَرْعًا مَطْلُوبًا كَالتَّعَبُّدَاتِ، أَوْ كَانَ ابْتِدَائِيًّا كَالْمُسَاقَاةِ2 وَالْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ حَاجِيٌّ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فاللَّجَأ إِلَى الْعَزِيمَةِ. - وَمِنْهَا: أَنْ يُفْهَمَ مَعْنَى الْأَدِلَّةِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَلَى مَرَاتِبِهَا؛ فَقَوْلُهُ, عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ3: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ" 4؛ فَالرُّخَصُ الَّتِي هِيَ مَحْبُوبَةٌ مَا ثَبَتَ الطَّلَبُ فِيهَا، فَإِنَّا إِذَا حَمَلْنَاهَا عَلَى الْمَشَقَّةِ الْفَادِحَةِ الَّتِي قَالَ فِي مِثْلِهَا رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَ الْبَرِّ الصيام في السفر" 5، كان موافقا لقوله

_ 1 طريق مهيع: واضحة بينة. انظر: "لسان العرب" "هـ ي ع". 2 لا داعي لهذا؛ فإنه من الإطلاق الذي قال فيه: إنه "لا تفريع يترتب عليه وإنما ذكر لمعرفة أنه إطلاق شرعي لا غير". "د". 3 في "م": "عليه السلام". 4 مضى تخريجه في "ص480". 5 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن ظلل عليه واشتد الحر: "ليس من البر الصوم في السفر "، 4/ 183/ رقم 1946" -ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" "6/ 308/ رقم 1864"- والبيهقي في "السنن" "4/ 242" من طريق آدم، وأبو داود في "الصوم، 2/ 796/ رقم 2407"، والدارمي في "الصوم، ص405"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "2/ 62" من طريق أبي الوليد، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" "رقم 1721" =

تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] . بعدما قَالَ فِي الْأُولَى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 184] . وَفِي الثَّانِيَةِ: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النِّسَاءِ: 25] . فَلْيَتَفَطَّنِ النَّاظِرُ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَى هَذِهِ الدَّقَائِقِ؛ لِيَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ فِي الْمَجَارِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَمِنْ تَتَبَّعَ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ تَبَيَّنَ لَهُ مَا ذُكِرَ أَتَمَّ بَيَانٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، هَذَا تَقْرِيرُ وَجْهِ النَّظَرِ فِي هَذَا الطَّرَفِ. فَصْلٌ: وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ لَيْسَ بِأُولَى مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا 1: إِنَّ أَصْلَ الْعَزِيمَةَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا؛ فَأَصْلُ التَّرَخُّصِ قَطْعِيٌّ

_ = -ومن طريقه البيهقي في "السنن" "4/ 242"- والنسائي في "الصيام، 4/ 177/ رقم 2262"، وأحمد في "مسنده" "3/ 319" من طريق يحيى بن سعيد، وأيضا النسائي في "الصيام، 4/ 177/ رقم 2262" من طريق خالد بن الحارث بدون القصة، والدارمي في "الصوم، ص405" عن هشام بن القاسم، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "2/ 62" من طريق روح بن عبادة، وابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 14"، وعنه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، 2/ 786/ رقم 1115"، والفريابي في "الصيام" "رقم 78، 79"، وابن خزيمة في "الصحيح" "3/ 254/ رقم 3017" عن غندر، كلهم عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد عن محمد بن عمرو عن جابر بن عبد الله مرفوعا. وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة كما تراه مبسوطا عند الفريابي في "الصيام" "ص69-76". 1 هذا معارض للوجه الأول من الوجوه الستة التي أقامها على ترجيح العزيمة، وهذا الوجه لا يفيد ترجح الرخصة، إنما يفيد -كما قال- أن العزيمة ليست بأولى؛ لأن غلبة الظن في وجود سبب الرخصة لا تجامع القطع في العزيمة الذي كان مناط الترجيح في ذلك الوجه. "د".

أَيْضًا، فَإِذَا وَجَدْنَا الْمَظِنَّةَ اعْتَبَرْنَاهَا كَانَتْ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَجْرَى الظَّنَّ فِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ مَجْرَى الْقَطْعِ، فَمَتَى ظُنَّ وُجُودُ سَبَبِ الْحُكْمِ اسْتَحَقَّ السَّبَبُ لِلِاعْتِبَارِ؛ فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى أَنَّ الدَّلَائِلَ الظَّنِّيَّةَ تَجْرِي فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مَجْرَى الدَّلَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْقَاطِعَ إِذَا عَارَضَ الظَّنَّ سَقَطَ اعْتِبَارُ الظَّنِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي بَابِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِحُكْمِ الْآخَرِ جُمْلَةً، أَمَّا إِذَا كَانَا جَارِيَيْنِ مَجْرَى الْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ، أَوِ الْمُطْلَقِ مَعَ الْمُقَيَّدِ؛ فَلَا، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الثَّانِي لَا مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْعَزَائِمَ وَاقِعَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِشَرْطِ أَنْ لَا حَرَجَ، فَإِنْ كَانَ الْحَرَجُ؛ صَحَّ اعْتِبَارُهُ وَاقْتَضَى الْعَمَلَ بِالرُّخْصَةِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ قَدْ تَنْسَخُ حُكْمَ الْقَطْعِ السَّابِقِ، كَمَا إِذَا كَانَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ فِي الشَّيْءِ، ثُمَّ طَرَأَ سَبَبٌ مُحَلِّلٌ ظَنِّيٌّ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الصَّائِدِ أَنَّ مَوْتَ الصَّيْدِ بِسَبَبِ ضَرْبِ الصَّائِدِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِهِ أَوْ يُعِينَ عَلَى مَوْتِهِ غَيْرَهُ؛ فَالْعَمَلُ عَلَى مُقْتَضَى الظَّنِّ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ الْأَصْلَ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا؛ فَاسْتِصْحَابُهُ مَعَ هَذَا الْمُعَارِضِ الظَّنِّيِّ لَا يُمْكِنُ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ بَقَاءُ الْقَطْعِ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ وُجُودِ الظَّنِّ هُنَا، بَلْ مَعَ الشَّكِّ؛ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ لَا تُبْقِي لِلْقَطْعِ الْمُتَقَدِّمِ حُكْمًا، وَغَلَبَاتُ الظُّنُونِ مُعْتَبِرَةٌ؛ فَلْتَكُنْ مُعْتَبِرَةً فِي التَّرَخُّصِ. وَالثَّانِي 1: إِنَّ أَصْلَ الرُّخْصَةِ وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَزِيمَتِهَا؛

_ 1 معارض للوجه الثاني في ترجيح العزيمة، وهو أيضا إنما يفيد أنه لا ترجح للعزيمة. "د".

فذلك غير مؤثر وإلا لزم أن يقدح فِيمَا أُمِرَ بِهِ1 بِالتَّرَخُّصِ، بَلِ الْجُزْئِيُّ إِذَا كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ كُلِّيٍّ؛ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّخْصِيصِ لِلْعُمُومِ، أَوْ مِنْ بَابِ التَّقْيِيدِ لِلْإِطْلَاقِ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ صِحَّةُ تَخْصِيصِ الْقَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ؛ فَهَذَا أَوْلَى2، وَأَيْضًا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ الرُّجُوعَ إِلَى التَّخْصِيصِ وَهُوَ بِظَنِّيٍّ، دُونَ أَصْلِ الْعُمُومِ وَهُوَ قَطْعِيٌّ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَكَمَا لَا يَنْخَرِمُ الْكُلِّيُّ بِانْخِرَامِ بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ -كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ- فَكَذَلِكَ هُنَا، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَنْخَرِمَ بِالرُّخَصِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَذَلِكَ فَاسِدٌ؛ فَكَذَلِكَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ. وَالثَّالِثُ 3: إِنَّ الْأَدِلَّةَ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَلَغَتْ مَبْلَغَ الْقَطْعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] . وَسَائِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ كَقَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] . {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاءِ: 28] . {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الْأَحْزَابِ: 38] .

_ 1 في "ط": "منه". 2 لأنه تخصيص قطعي بقطعي، فإن ورود الرخصة مقطوع به أيضا، وقوله: "وأيضا" يعني بعد تسليم أن النظر في الرخصة إلى سببها، وهو موضع اجتهاد وظن لا قطع؛ فإن التخصيص كله يرجع إليه، ولو كان بظني في مقابلة عموم قطعي، وقد راعى في هذا معارضة كل ما سبق في الوجه الثاني تفصيلا. "د". 3 وهذا معارض للثالث، وهو أن الأدلة جاءت بالوقوف عند حد الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُجَرَّدًا، وَالصَّبْرِ عَلَى حُلْوِهِ وَمُرِّهِ وإن انتهض موجب العزيمة، أي: إن هذا يعارضه الأدلة الدالة على التيسير ورفع الحرج عن الأمة والامتنان به عليها، وهذا أيضا إنما يفيد أن العزيمة ليست بأولى كأصل دعواه، ثم أضرب عنه في آخر الدليل بما يقتضي ترجح الرخصة، ويكون فيه المدعى وزيادة. "د". وانظر في تفصيل ما ذكره المصنف هنا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 622".

{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الْأَعْرَافِ: 157] . وَقَدْ سُمِّيَ هَذَا الدِّينُ "الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ"1 لِمَا فِيهَا مِنَ التَّسْهِيلِ وَالتَّيْسِيرِ، وَأَيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسَائِلِ2 قَبْلَ هَذَا أَدِلَّةُ إِبَاحَةِ الرُّخَصِ، وَكُلُّهَا وَأَمْثَالُهَا جَارِيَةٌ هُنَا، وَالتَّخْصِيصُ بِبَعْضِ الرُّخَصِ دُونَ بَعْضٍ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَشَقَّةَ إِذَا كَانَتْ قَطْعِيَّةً؛ فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ الظَّنِّيَّةِ. فَإِنَّ الْقَطْعَ مَعَ الظَّنِّ مُسْتَوَيَانِ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْفَرْقُ فِي التَّعَارُضِ، وَلَا تَعَارُضَ فِي اعْتِبَارِهِمَا مَعًا ههنا، وَإِذْ ذَاكَ لَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ أَوْلَى، بَلْ قَدْ يُقَالُ: الْأَوْلَى الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ الْعَبْدِ مَعًا؛ فَإِنَّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا وَاقِعَةٌ لَكِنْ عَلَى مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ، لَا أَنَّهَا سَاقِطَةٌ رَأْسًا بِخِلَافِ الْعَزِيمَةِ؛ فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ حَقَّ اللَّهِ مُجَرَّدًا، وَاللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَالرُّخْصَةُ أَحْرَى لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهَا. وَالرَّابِعُ 3: إِنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخْصَةِ الرِّفْقُ بِالْمُكَلَّفِ عَنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ؛ فَالْأَخْذُ بِهَا مُطْلَقًا مُوَافَقَةٌ لقصده، بخلاف الطرف الآخر؛ فإنه

_ 1 كما ورد في "مسند أحمد" "6/ 116، 233" من حديث عائشة مرفوعا بسند حسن، قاله ابن حجر في "تغليق التعليق" "1/ 43"، وفيه: "وفي الباب عن أبي بن كعب وجابر وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة وأسعد بن عبد الله الخزاعي وغيرهم"، ونحوه في "هدي الساري" "120"، وقد خرجتها في تعليقي على "الجواب الذي انضبط ... " للسخاوي "44/ 46"، وانظر تعليقي عليه "2/ 122". 2 في الأصل: "المسألة". 3 معارض للوجه الرابع، وقوله: "بخلاف الطرف الآخر" يقتضي ترجيح الرخصة؛ ففيه المدعى وزيادة. "د".

مَظِنَّةُ التَّشْدِيدِ، وَالتَّكَلُّفِ، وَالتَّعَمُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي الْآيَاتِ [وَالْأَحَادِيثِ] 1؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] . وَقَوْلِهِ: {وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] . وَفِي الْتِزَامِ الْمَشَاقِّ تَكْلِيفٌ2 وَعُسْرٌ، وَفِيهَا3 رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَوْ ذَبَحُوا بَقَرَةً مَا لَأَجْزَأَتْهُمْ، وَلَكِنْ شَدَّدُوا؛ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" 4، وَفِي الْحَدِيثِ: "هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ" 5. وَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ وَقَالَ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي" 6 بِسَبَبِ مَنْ عَزَمَ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وقيام الليل، واعتزال النساء، إلى أنواع [من] الشِّدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأُمَمِ؛ فَخَفَّفَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] .

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "د". 2 و3 سياق الأصل و"ط": "تكلف وعسر، وفيما روي". 4 مضى تخريجه "ص45"، وإسناده صحيح. 5 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، 4/ 2055/ رقم 2670"، وأحمد في "المسند" "1/ 386"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب لزوم السنة، 4/ 201/ رقم 4608"، والطبراني في "الكبير" "10/ 216". 6 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، 9/ 104/ رقم 5036"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، 2/ 1020/ 1401" من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- وأخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ: حسبك، 9/ 94/ رقم 5052" دون لفظة: "من رغب ... "، وهي ثابتة من طريق سند البخاري؛ كما عند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "1/ 97".

وَقَدْ تَرَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّرَخُّصِ خَالِيًا1 وَبِمَرْأًى مِنَ النَّاسِ؛ كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ2، وَالصَّلَاةِ جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّه3، وَكَانَ -حِينَ بَدَّنَ4- يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ قَاعِدًا، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ؛ قَامَ فَقَرَأَ شَيْئًا ثُمَّ رَكَعَ5، وَجَرَى أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- ذَلِكَ الْمَجْرَى من غير عَتْب ولا لوم،

_ 1 إنما ذكره؛ لأنه لو كان ترخصه بمرأى من الناس فقط لقيل: إن ذلك للتشريع؛ فلا يقوم حجة على أن العزيمة لا تفضل الرخصة. "د". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه، 2/ 569"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، 1/ 480/ رقم 690" عن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر بالمدينة أربعا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين. وأخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان، 8/ 3/ رقم 4275"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر، 2/ 784/ رقم 1113" عن ابن عباس؛ قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج عام الفتح في رمضان؛ فصام حتى بلغ الكَديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. 3 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، 2/ 173/ رقم 689، وكتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، 3/ 584/ رقم 1114"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، 1/ 308/ رقم 411" من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ركب فرسا فصرع عنه، فجحش شقه، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد؛ فصلينا وراءه قعودا، فلما انصرف قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ... وإذا صلى جالسا, فصلوا جلوسا أجمعون ". 4 يقال: بَدَّنَ الرجل؛ بفتح الدال مشددة؛ إذا أسن، وتوضحها رواية في البخاري: "حتى أسن"، وفي رواية أخرى: "حتى إذا كبر" "خ". 5 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب تقصير الصلاة، باب إذا صلى قاعدا ثم صح، 2/ 589/ رقم 1118, 1119، وكتاب التهجد، باب قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- بالليل في رمضان وغيره، 3/ 33/ رقم 1148"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز النافلة قائما وقاعدا، 1/ 505/ رقم 731، 732" من حديث عائشة، رضي الله عنها.

كَمَا قَالَ: "وَلَا يَعِيبُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ"، وَالْأَدِلَّةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. وَالْخَامِسُ 1: أَنَّ تَرْكَ التَّرَخُّصِ مَعَ ظَنِّ سَبَبِهِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنِ الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْخَيْرِ، وَالسَّآمَةِ وَالْمَلَلِ، وَالتَّنْفِيرِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَرَاهِيَةِ الْعَمَلِ، وَتَرْكِ الدَّوَامِ، وَذَلِكَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَوَهَّمَ التَّشْدِيدَ أَوْ طُلِبَ [بِهِ] أَوْ قِيلَ لَهُ فِيهِ؛ كَرِهَ ذَلِكَ وملَّه، وَرُبَّمَا عَجَزَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَصْبِرُ أَحْيَانًا وَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَصْبِرُ فِي بَعْضٍ، وَالتَّكْلِيفُ دَائِمٌ، فَإِذَا لَمْ يَنْفَتِحْ لَهُ مِنْ بَابِ التَّرَخُّصِ إِلَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ2، وَسُدَّ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ؛ عَدَّ الشَّرِيعَةَ شَاقَّةً، وَرُبَّمَا سَاءَ ظَنُّهُ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَائِلُ رَفْعِ الْحَرَجِ، أَوِ انْقَطَعَ أَوْ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ مَا يَكْرَهُ شَرْعًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الْحُجُرَاتِ: 7] . وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [الْمَائِدَةِ: 87] . قِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَشْدِيدًا على النفس3؛ فسمي

_ 1 معارض للخامس. "د". 2 أي: تحقيقا أو بظن قوي يلحق به، كما سبق في ضابط المسألة السابعة. "د". 3 يشير المصنف إلى ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب في تفسير سورة المائدة، 5/ 255-256/ رقم 3054"، وابن جرير في "التفسير" "10/ 520/ رقم 12350"، والطبراني في "المعجم الكبير" "11/ 350/ رقم 11981"، وابن عدي في "الكامل" "5/ 1817"، وابن أبي حاتم في "التفسير" "3/ ق 24/ أ"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص198"، جميعهم من طريق الضحاك بن مخلد عن عثمان بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس؛ =

اعْتِدَاءً لِذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى

_ = أن رجلا أتى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم؛ فأنزل الله، وذكر الآية. قال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب"، ثم قال: "ورواه بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلا، ليس فيه عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا". قلت: إسناده ضعيف، فيه عثمان بن سعد، متكلم فيه من قبل حفظه، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقد خولف كما قال الترمذي، وهذا البيان: أخرج ابن جرير في "التفسير" "10/ 514، 515، 520-521/ رقم 12337، 12338، 12340، 12351" من طريق يزيد بن زريع وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، ثلاثتهم عن خالد الحذاء عن عكرمة؛ قال: كان أناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء؛ فنزلت هذه الآية. وإسناده صحيح؛ إلا أنه مرسل. وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "1/ 192", ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" "رقم 12341" عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة وذكر نحوه، وإسناده صحيح وهو مرسل. وأخرجه بنحوه سعيد بن منصور في "سننه" "رقم 771-ط المحققة"، وأبو داود في "مراسيله" "رقم 201" من طريقين عن خالد بن عبد الله عن حصين عن أبي مالك به. وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "10/ 514/ رقم 12336" من طريق آخر عن حصين به، وإسناده صحيح، وهو مرسل، أبو مالك هو غزوان الغفاري الكوفي، مشهور بكنيته، من الثالثة؛ كما في "التقريب" "5354". وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" "3/ 139" لعبد بن حميد أيضا من مرسل أبي مالك. فلم يثبت في سبب النزول إلا المراسيل، نعم، ثبت في "صحيح البخاري" "رقم 4615، 5071، 5075"، و"صحيح مسلم" "رقم 1404" عن ابن مسعود؛ قال: كنا نغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس لنا نساء فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك. ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله الآية.

تَمَلُّوا" 1، "وَمَا خُيِّر عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَ] السَّلَامُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؛ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا "2، الْحَدِيثَ. وَنَهَى عَنِ الْوِصَالِ، فَلَمَّا لَمْ يَنْتَهُوا؛ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ الشَّهْرُ لَزِدْتُكُمْ" 3 كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا،

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، 4/ 213/ رقم 1969"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صيام النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير رمضان، 2/ 811/ رقم 782"، والنسائي في "المجتبى" "4/ 151" من طريق معاذ بن هشام، وأحمد في "المسند" "6/ 128" من طريق عبد الوهاب، و"6/ 249" من طريق عبد الصمد، و"6/ 249-250"، وابن خزيمة في "صحيحه" "3/ 283/ رقم 2079" من طريق أبي عامر، والفريابي في "الصيام" "رقم 6" من طريق خالد بن الحارث، والطيالسي في "مسنده" "رقم 1475" -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "4/ 210"- جميعهم عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة به، وزادوا على المذكور: "وأحب الصلاة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما دُووم عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها"، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم بعد المذكور: "وكان يقول: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل ". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المناقب، باب صفة -النبي صلى الله عليه وسلم- 6/ 566/ رقم 3560، وكتاب الأدب، باب قول النبي, صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا"، 10/ 524/ رقم 6126، وكتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله، 12/ 86/ رقم 6786، وباب كم التعزير والأدب، 12/ 176/ رقم 6853"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب مباعدته -صلى الله عليه وسلم- للآثام، 4/ 1813/ رقم 2327" من حديث عائشة, رضي الله عنها. وما بين المعقوفتين سقط من "م". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال، 4/ 205-206/ رقم 1965، وكتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، 12/ 175-176/ رقم 6848، وكتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، 13/ 225/ رقم 7242، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع، 13/ 275/ رقم 7299"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن الوصل في الصوم، 2/ 774/ رقم 1103" من حديث أبي هريرة, رضي الله عنه.

وَقَالَ: "لَوْ مُدَّ لَنَا فِي الشَّهْرِ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ" 1، وَقَدْ قَالَ [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ] عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ2. وَفِي الْحَدِيثِ: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ زَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؛ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؟ خذوا من العمل ما تطيقون" 3 الحديث؛

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، 13/ 224-225/ رقم 7241"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم، 2/ 775-776/ رقم 1104"، وأحمد في "المسند" "3/ 124، 253"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 82"، والفريابي في "الصيام" "28"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "4/ 282" من حديث أنس, رضي الله عنه. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، 4/ 217-218/ رقم 1975"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، 2/ 813-814/ رقم 11159"، والمذكور لفظ البخاري. ولمسلم في رواية: "لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب إلي من أهلي ومالي"، وما بين المعقوفتين سقط من "ط". وله في رواية: "فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله, صلى الله عليه وسلم". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، 3/ 36/ رقم 1151"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، 1/ 542/ رقم 785"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، 3/ 218". قال ناسخ الأصل ما صورته: "الحولاء بالمد: اسمها، وتويت أبوها بتاءين فوقيتين مصغر، ابن حبيب بن أسد بن عبد العزى بن قصي من رهط خديجة, رضي الله عنها. وقوله عليه السلام: "لا تنام الليل" إنكار للفعل، وقد رواه مالك بلفظ: فكره ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانظره. ا. هـ.

فَأَنْكَرَ فِعْلَهَا كَمَا تَرَى. وَحَدِيثُ إِمَامَةِ مُعَاذٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أفتَّان أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ " 1، وَقَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ" 2 الحديث. وحديث الحبل المربوط بين ساريتين، [إذ] سَأَلَ عَنْهُ عَلَيْهِ [الصَّلَاةُ وَ] 3 السَّلَامُ، قَالُوا: حبل لزينب، تصلي, فإذا كسلت أو فترت؛ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَالَ: "حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فإذا كسل أو فتر؛ قعد" 4.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، 2/ 192/ رقم 700، 701، وباب من شكا إمامه إذا طول، 2/ 200/ رقم 705، وكتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا، 10/ 515-516/ رقم 6106"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، 1/ 339-340/ رقم 465" من حديث جابر بن عبد الله, رضي الله عنه. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود، 2/ 197-198/ رقم 702، وكتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، 13/ 136/ رقم 7159"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، 1/ 340/ رقم 466" من حديث أبي مسعود الأنصاري, رضي الله عنه. 3 ما بين المعقوفتين سقط من "م". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، 3/ 36/ رقم 1150"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، 1/ 541-542/ رقم 784"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، 3/ 218"، وابن خزيمة في "الصحيح" "2/ 200/ رقم 1180 و1181" من حديث أنس, رضي الله عنه.

وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ؛ فَتَرَكَ الرُّخْصَةَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ 1 فِي السَّفَرِ" 2، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ ثَبَتَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ أَوْلَى، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى؛ فَالْعَزِيمَةُ لَيْسَتْ بِأَوْلَى3. وَالسَّادِسُ 4: إِنَّ مَرَاسِمَ الشَّرِيعَةِ إِنْ كَانَتْ مُخَالَفَةً لِلْهَوَى، كَمَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهَا أَيْضًا إِنَّمَا أَتَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ، وَالْهَوَى لَيْسَ بِمَذْمُومٍ إِلَّا إِذَا كَانَ مُخَالِفًا لِمَرَاسِمِ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا؛ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا نَصَبَ لَنَا الشَّرْعُ سَبَبًا لِرُخْصَةٍ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ, فَأَعْمَلْنَا مقتضاه وعلمنا بِالرُّخْصَةِ؛ فَأَيْنَ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي هَذَا؟ وَكَمَا أَنَّ5 اتِّبَاعَ الرُّخَصِ يَحْدُثُ بِسَبَبِهِ الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَذَلِكَ اتِّبَاعُ التَّشْدِيدَاتِ وَتَرْكُ الْأَخْذِ بِالرُّخَصِ يَحْدُثُ بِسَبَبِهِ الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَالْمُتَّبِعُ لِلْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الرُّخَصِ وَالْعَزَائِمِ سَوَاءً، فإن كانت غلبة الظن في العزائم

_ 1 أخذه هنا على عمومه ليصح دليلا هنا، وفيما سبق حمله على أن المراد منه ما كان فيه المشقة الفادحة؛ فكان بذلك مناسبا للطرفين "د". 2 مضى تخريجه "ص517". 3 سيقول في الوجه السادس: "ليس أحدهما بأولى من الآخر" بناء على هذا الوجه من المعارضة. "د". 4 هذا معارض لما سبق في السادس. "د". 5 يعارض به ما تقدم له في الوجه الخامس من أدلة ترجيح العزيمة؛ إلا أنه صرح فيه بالوجهين المتعارضين، كأنه يقول: كما يلزمنا هذا يلزمكم مثله عند التشدد بالأخذ بالعزائم، بكل منهما يحدث بسببه ما ذكرتم؛ فما هو جوابكم فهو جوابنا، وأما قوله: "وليس أحدهما بأولى من الآخر"؛ فهو عين الدعوى فرعها على ما ذكره من الاشتراك في الإلزام، وكذا قوله: "والمتبع ... إلخ"؛ فلم يبق إلا دعوى مخالفة الإجماع في التفريق بينهما؛ فأين هذا الإجماع؟ وعلى فرض وجوده ما فائدة هذه المباحث، وهل تعد حينئذ من مُلَح العلم أم تنزل عن ذلك؟ "د".

معتبرة؛ فكذلك فِي الرُّخَصِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحْرَى مِنَ الْآخَرِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، هَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الطَّرَفِ. فَصْلٌ: 1 وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ فِي تَرْكِ التَّرَخُّصِ إِذَا تَعَيَّنَ سَبَبُهُ2 بِغَلَبَةِ ظَنٍّ أَوْ قَطْعٍ، وَقَدْ يَكُونُ التَّرَخُّصُ أَوْلَى فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَقَدْ يَسْتَوِيَانِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَلَبَةُ ظَنٍّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِ التَّرَخُّصِ. [وَأَيْضًا] 3؛ فَتَكُونُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَخْذِ بِالتَّخْفِيفِ مَحْمُولَةً عَلَى عُمُومِهَا وَإِطْلَاقِهَا، مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِبَعْضِ الْمَوَارِدِ دُونَ بَعْضٍ، وَمَجَالُ النَّظَرِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ صَاحِبَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ إِنَّمَا جَعَلَ الْمُعْتَبَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي هِيَ الْمَشَقَّةُ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْمَظِنَّةُ، وَصَاحِبَ الطَّرِيقِ الثَّانِي إِنَّمَا جَعَلَ الْمُعْتَبَرَ الْمَظِنَّةَ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ؛ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ؛ فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَتِ4 الْعِلَّةُ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مَظِنَّةٌ مُنْضَبِطَةٌ؛ فَالْمَحَلُّ مَحَلُّ اشْتِبَاهٍ، وَكَثِيرًا مَا يُرْجَعُ هُنَا إِلَى أَصْلِ الِاحْتِيَاطِ؛ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ مُعْتَبَرٌ حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ في موضعه.

_ 1 يقابل الفصل الأول، يذكر فيه ما ينبني على أن أحدهما ليس بأولى من الآخر كما بين في ذلك ما ينبني على ترجح العزيمة. "د". 2 أي: الترخص، يعني: ولم توجد الحكمة. "د". 3 مقابل لقوله هناك: "وَمِنْهَا أَنْ يُفْهَمَ مَعْنَى الْأَدِلَّةِ فِي رَفْعِ الحرج على مراتبها". "د". وما بين المعقوفتين سقط من "م". 4 أي: فإذا كانت المظنة منضبطة كالسفر؛ فالأمر ظاهر، وإذا كانت غير منضبطة، والعلة التي هي المشقة غير منضبطة أيضا كالمرض؛ فالواجب الاحتياط على كلا الطريقين، فلا يدخل تحت النظرين السابقين، وهو ظاهر؛ لأنه لم يجعل هذا موضع النزاع في الأولوية، بل لم يدخله في أصل موضوع الرخصة في تقريراته السابقة. "د".

فَصْلٌ: فَإِنْ قِيلَ: الْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ إِيرَادُ أَدِلَّةٍ مُتَعَارِضَةٍ، وَذَلِكَ وَضْعُ إِشْكَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَهَلْ لَهُ مَخْلَصٌ أَمْ لَا؟ قِيلَ: نَعَمْ، مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوكَلَ ذَلِكَ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ؛ فَإِنَّمَا أَوْرَدَ هُنَا اسْتِدْلَالَ كُلِّ فَرِيقٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَرْجِيحٌ، فَيَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ، حَتَّى يَتَرَجَّحَ لَهُ أَحَدُهُمَا مُطْلَقًا، أَوْ يَتَرَجَّحَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَالْآخِرُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذَا الْكَلَامِ وَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" فِي تَقْرِيرِ أَنْوَاعِ الْمَشَاقِّ وَأَحْكَامِهَا، فَإِنَّهُ إِذَا تُؤُمِّلَ الْمَوْضِعَانِ؛ ظَهَرَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَجْهُ الصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: كُلُّ أَمْرٍ شَاقٍّ جَعَلَ الشَّارِعُ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ مَخْرَجًا؛ فَقَصْدُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ الْمَخْرَجِ أَنْ يَتَحَرَّاهُ الْمُكَلَّفُ إِنْ شَاءَ، كَمَا جَاءَ فِي الرُّخَصِ شَرْعِيَّةُ الْمَخْرَجِ مِنَ الْمَشَاقِّ، فَإِذَا تَوَخَّى الْمُكَلَّفُ الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ؛ كَانَ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ، آخِذًا بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ؛ وَقَعَ1 في

_ 1 مثال ذلك أن الشارع جعل للزوج أن ينفس كربته الشديدة من الزوجة بتطليقها واحدة؛ فيؤدبها بهذا الإزعاج الشديد، حتى إذا عرف توبتها وراجع نفسه في أن يتحملها أكثر مما كان حفظا لمصلحته أيضا؛ راجعها، فإذا اشتد كربه ثانيا؛ كان له أن يطلق أيضا لذلك، لكنه إذا خالف الطريق الشرعي فطلق ثلاثا ابتداء؛ فقد خالف ما رسمه له الشرع، وفقد المخرج من ورطته؛ فلا مخلص له منها، وسيأتي له أمثلة كثيرة. "د".

مَحْظُورَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مُخَالَفَتُهُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، كَانَتْ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ فِي وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ. وَالثَّانِي: سَدُّ أَبْوَابِ التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ، وَفَقْدُ الْمَخْرَجِ عَنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ الشَّاقِّ، الَّذِي طَلَبَ الْخُرُوجَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّ الشَّارِعَ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ جَاءَ بِالشَّرِيعَةِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَكَانَتِ الْأُمُورُ الْمَشْرُوعَةُ ابْتِدَاءً قَدْ يَعُوقُ عَنْهَا عَوَائِقُ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْمَشَاقِّ الْخَارِجَةِ عَنِ الْمُعْتَادِ؛ شَرَعَ لَهُ أَيْضًا تَوَابِعَ وَتَكْمِيلَاتٍ وَمَخَارِجَ، بِهَا يَنْزَاحُ عَنِ الْمُكَلَّفِ تِلْكَ الْمَشَقَّاتُ، حَتَّى يَصِيرَ التَّكْلِيفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عَادِيًّا وَمُتَيَسِّرًا، وَلَوْلَا أَنَّهَا كَذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْأُمُورِ الِابْتِدَائِيَّةِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي التَّكْلِيفَاتِ أَدْرَكَ هَذَا بِأَيْسَرِ تَأْمُّلٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمُكَلَّفُ فِي طَلَبِ التَّخْفِيفِ مَأْمُورٌ أَنْ يَطْلُبَهُ مِنْ وَجْهِهِ الْمَشْرُوعِ؛ لِأَنَّ مَا يُطْلَبُ مِنَ التَّخْفِيفِ حَاصِلٌ فِيهِ حَالًا وَمَآلًا عَلَى الْقَطْعِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَوْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ؛ لَمْ يَكُنْ مَا طَلَبَ مِنَ التَّخْفِيفِ مَقْطُوعًا بِهِ وَلَا مَظْنُونًا، لَا حَالًا وَلَا مَآلًا، لَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَلَا عَلَى التَّفْصِيلِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَكَانَ مَشْرُوعًا أَيْضًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ؛ فَثَبَتَ أَنَّ طَالِبَ التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّرْعِ لَا مَخْرَجَ لَهُ. وَالثَّانِي: إِنَّ هَذَا الطَّالِبَ إِذَا طَلَبَ التَّخْفِيفَ مِنَ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؛ فَيَكْفِيهِ فِي حُصُولِ التَّخْفِيفِ طَلَبُهُ مِنْ وَجْهِهِ، وَالْقَصْدُ إِلَى ذَلِكَ يُمْنٌ وَبَرَكَةٌ، كَمَا أَنَّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ الْمَشْرُوعِ؛ يَكْفِيهِ فِي عَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ شُؤْمُ قَصْدِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطَّلَاقِ: 2، 3] ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ لَا يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.

خرَّج إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ؛ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ الْجَهْدَ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اذْهَبْ فَاصْبِرْ"، وَكَانَ ابْنُهُ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَأَفْلَتَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَأَتَاهُ بِغَنِيمَةٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "طَيِّبَةٌ ". فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ} الْآيَةَ1 [الطَّلَاقِ: 2] . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا. فَقَالَ: "إِنْ عَمَّكَ عَصَى اللَّهَ فَأَنْدَمَهُ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا". فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحَلَّهَا لَهُ رَجُلٌ؟ فَقَالَ: "مَنْ يُخَادِعْ يَخْدَعْهُ اللَّهُ"2. وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطَّلَاقِ: 2] ؛ قَالَ: "مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَاقَ عَلَى النَّاسِ"3.

_ 1 أخرجه الحاكم في "المستدرك" "2/ 492"، والواحدي في "أسباب النزول" "464" من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله به، وإسناده واهٍ جدا، فيه عبيد بن كثير تركه الأزدي، وعباد بن يعقوب رافضي، أفاده الذهبي في "التخليص". وأخرجه البيهقي في "الدلائل" "6/ 106-107"، وابن مردويه في "تفسيره" -كما قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "4/ 52"- من طريق أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود به، وإسناده منقطع، وفيه بعض المجاهيل. وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" "12/ 141/ أ" بسند ضعيف جدا أيضا فيه الكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف؛ فالحديث ضعيف. وانظر: "الكافي الشاف" "4/ 445- مع الكشاف"، و"زاد المسير" "8/ 290"، و"الدر المنثور" "6/ 232"، و"معالم التنزيل" "4/ 357"، و"الفتح السماوي" "3/ 1046". 2 أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "5/ 11"، وعبد الرزاق في "المصنف" "6/ 397/ رقم 11352"، وسعيد بن منصور في "سننه" "رقم 1065"، وابن حزم في "المحلى" "10/ 181"، وابن بطة في "إبطال الحيل" "ص48"، ولفظ: "فأبده" بدل من "فأندمه". 3 نقله عن الربيع, ابن الجوزي في "زاد المسير" "8/ 291-292".

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ؛ يُنْجِهِ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ1. وَقِيلَ: من يتق الحرام2 وَالْمَعْصِيَةَ؛ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إِلَى الْحَلَالِ. وَخَرَّجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا؛ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ} [النِّسَاءِ: 5] ، وَرَجُلٌ دَايَنَ بِدَيْنٍ وَلَمْ يُشهِد، وَرَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَا يُطَلِّقُهَا" 3، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَمَرَ بالإشهاد على البيع، وأن

_ 1 ذكره أيضا عن ابن عباس, ابن الجوزي في "زاد المسير" "8/ 291". وقال ابن الجوزي عقبه: "والصحيح أن هذا عامّ؛ فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه، ومن لا يتقي يقع في كل شدة". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "الله والمعصية". 3 أخرجه ابن شاذان في "المشيخة الصغرى" "ق 57/ أ" -كما في "السلسلة الصحيحة" "رقم 1805"- وابن مردويه كما في "تفسير ابن كثير" "1/ 344"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 302", والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 146" من طريق المثنى بن معاذ العنبري عن أبيه، وأبو نعيم في "مسانيد أبي يحيى فراس بن يحيى المكتب" "رقم 29" من طريق داود بن إبراهيم الواسطي، والطحاوي في "المشكل" "3/ 216"، وأبو نعيم في "مسانيد أبي يحيى المُكْتِب" "ص93" من طريق عمرو بن حكام، وأبو نعيم من طريق عثمان بن عمر، أربعتهم عن شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا. قال أبو نعيم عقبه: "ورواه غندر وروح موقوفا"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى". ورجح شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" "رقم 1805" رواية الرفع، وقال: "وقد وجدت له طريقا أخرى عن الشعبي، رواه ابن عساكر، 8/ 182/ 1-2, عن إسحاق بن وهب -وهو بخاري- عن الصلت بن بهرام عن الشعبي به"، قال: "لكن إسحاق هذا ذكره الخليلي في "الإرشاد" وقال: "يروى عنه ما يعرف وينكر، ونسخ رواها ضعفاء"" ا. هـ. قلت: عمرو بن الحكام ضعيف، وهو ممن رفعه، والآخرون موثقون، ومن وقفه أثبت في شعبة ممن رفعه، ولا سيما أن منهم غندرا ويحيى بن سعيد -كما عند ابن أبي شيبة- وروح، والله أعلم. قال "خ" هنا: "وهو على تقدير ثبوته محمول على الدعاء على الثلاثة الملوح إليهم في الحديث؛ لأنه هو الذي ابتلى نفسه بمعاشرة تلك الزوجة، وقصر في عدم الإشهاد على المدين، وألقى بماله في ذمة خربة".

لَا نُؤْتِي السُّفَهَاءَ أَمْوَالَنَا حِفْظًا لَهَا، وَعَلَّمَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ شُرِّعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ كَانَ التَّارِكُ لِمَا أَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَدْ يَقَعُ فِيمَا يَكْرَهُ، وَلَمْ يُجَبْ دُعَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ. وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ تَدُلُّ بِظَوَاهِرِهَا وَمَفْهُومَاتِهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا؛ فَتَلَا: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... } حَتَّى بَلَغَ: {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطَّلَاقِ: 1-2] ، وَأَنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، فلا1 أَجِدْ لَكَ مَخْرَجًا2. وَخَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْبَلَاغَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امرأتي ثماني تَطْلِيقَاتٍ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَمَاذَا قِيلَ لَكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَدَقُوا، مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ؛ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ لَبَّسَ3 عَلَى نَفْسِهِ لَبْسًا؛ جَعَلْنَا لَبْسَهُ بِهِ، لَا تُلَبِّسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلُهُ عَنْكُمْ، هُوَ كما تقولون4.

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "لم". 2 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "6/ 396/ رقم 11346"، وسعيد بن منصور في "سننه" "رقم 1064"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 337". 3 أي: خلط. 4 أخرجه مالك في "الموطأ" "1/ 605/ رقم 1570- رواية أبي مصعب، و2/ 550/ رقم 2- رواية يحيى" بلغه أن رجلا جاء إلى عبد الله بن مسعود "وذكره". ووصله عبد الرزاق في "المصنف" "6/ 394-395/ رقم 11342"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "5/ 14"، وإسحاق بن راهوية -كما في "المطالب العالية"- والبيهقي في "الكبرى" "7/ 335"، وابن حزم في "المحلى" "10/ 172".

وَتَأَمَّلْ حِكَايَةَ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ1 حِينَ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ2؛ فَرُفِعَ عَنْهُ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْحَجَرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ طَالِبَ الْمَخْرَجِ مِنْ وَجْهِهِ طَالِبٌ لِمَا ضَمِنَ لَهُ الشَّارِعُ النُّجْحَ فِيهِ، وَطَالِبَهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ قَاصِدٌ لِتَعَدِّي طَرِيقِ الْمَخْرَجِ؛ فَكَانَ قَاصِدًا لِضِدِّ مَا طُلِبَ، مِنْ حَيْثُ صَدَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى مِنْ قِبَلِ ضِدِّ الْمَقْصُودِ إِلَّا ضِدُّ الْمَقْصُودِ؛ فَهُوَ إِذًا طَالِبٌ لِعَدَمِ الْمَخْرَجِ، وَهَذَا مُقْتَضَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورُ فِيهَا الِاسْتِهْزَاءُ وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ؛ كَقَوْلِهِ: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] .

_ 1 اسمه طيفور بن عيسى، شيخ الصوفية، له نبأ عجيب وحال غريب، وهو من كبار مشايخ "الرسالة"، وما أحلى قوله: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي، وحفظ حدود الشريعة". وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياء الشأن في صحتها عنه؛ منها: "سبحاني"، "وما في الجبة إلا الله"، "أما النار لأستندن إليها غدا، وأقول: اجعلني لأهلها فداء، أو لأبلغنها"، "ما الجنة إلا لعبة صبيان"، ومن الناس من يصحح هذا عنه، ويقول: قاله في حال سكره، ونتبرأ إلى الله من كل من تعمد مخالفة الكتاب والسنة، ومات أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، قاله الذهبي في "الميزان" "2/ 346-347". وانظر لزاما: "البدر الطالع" للشوكاني "2/ 37 وما بعدها". 2 كذلك يلزم الصوفي أن يزن خواطره وأعماله بميزان الشريعة؛ كما قال أبو سليمان الداراني: "تعرض علي النكتة من نكت القوم؛ فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل: الكتاب والسنة"، وقال الإمام الجنيد: "مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث؛ لا يقتدى به في طريقنا هذا"؛ فإلى أي كتاب أم آية سنة يستند بعض الخارجين في مظاهر الصوفية حيث يوالون من حاد الله ورسوله، ويحثون أتباعهم الذين انخدعوا لهم بالله أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الباطل بعد أن اشتراها الله لتبذل في سبيل طاعته ورضوانه؟! "خ".

وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [الْبَقَرَةِ: 15] . وَقَوْلِهِ: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ 1 إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الْبَقَرَةِ: 9] . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهِ} [الطَّلَاقِ: 1] . وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ2 أَجْرًا عَظِيمًا} [الْفَتْحِ: 10] . {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فُصِّلَتْ: 46] . إِلَى سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَجَمِيعُهُ مُحَقَّقٌ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَدِّيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ الْمَشْرُوعِ سَاعٍ فِي ضِدِّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالرَّابِعُ: إِنَّ الْمَصَالِحَ الَّتِي تَقُومُ بِهَا أَحْوَالُ الْعَبْدِ لَا يَعْرِفُهَا حَقَّ مَعْرِفَتِهَا إِلَّا خَالِقُهَا وَوَاضِعُهَا، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ بِهَا عِلْمٌ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي يَبْدُو لَهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ سَاعِيًا فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ لَا يُوَصِّلُهُ إِلَيْهَا، أَوْ يُوَصِّلُهُ إِلَيْهَا عَاجِلًا لَا آجِلًا، أَوْ يُوَصِّلُهُ إِلَيْهَا نَاقِصَةً لَا كَامِلَةً، أَوْ يَكُونُ فِيهَا مَفْسَدَةٌ تُرْبِي فِي الْمُوَازَنَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ؛ فَلَا يَقُومُ خَيْرُهَا بَشَرِّهَا، وَكَمْ مِنْ مُدَبِّرٍ أَمْرًا لَا يَتِمُّ لَهُ عَلَى كَمَالِهِ أَصْلًا، وَلَا يَجْنِي مِنْهُ ثَمَرَةً أَصْلًا، وَهُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، فَلِهَذَا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛

_ 1 هكذا قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف والياء مضمومة، وقرأها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء بغير ألف. انظر: "السبعة" "141"، و"التذكرة" "2/ 248". 2 قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: "فسنؤتيه" بالنون وروى أبان عن عاصم بالنون، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي {فَسَيُؤْتِيهِ} بالياء، وروى عبيد عن هارون عن أبي عمرو: بالنون، وعن عبيد أيضا بالياء، قاله ابن مجاهد في "السبعة" "603". وانظر: "التذكرة في القراءات الثمان" "2/ 560"، و"إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربعة عشر" "2/ 482".

فَالرُّجُوعُ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ رُجُوعٌ إِلَى وَجْهِ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ عَلَى الْكَمَالِ، بِخِلَافِ الرُّجُوعِ إِلَى مَا خَالَفَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْجُمْلَةِ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ، وَلَكِنْ سِيقَ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْضِعِ فِي طَلَبِ التَّرَخُّصِ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، أَوْ طَلَبَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ فَإِنَّ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ عَزِيمَةً مَا لَا تَخْفِيفَ فِيهِ وَلَا تَرْخِيصَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ فِي هَذَا النَّوْعِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ تَرْخِيصٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ تَرْخِيصٌ يَخْتَصُّ بِهِ لَا يُتَعَدَّى. وَأَيْضًا؛ فَمِنَ الْأَحْوَالِ اللَّاحِقَةِ لِلْعَبْدِ مَا يَعُدُّهُ مَشَقَّةً وَلَا يَكُونُ فِي الشَّرْعِ كَذَلِكَ؛ فَرُبَّمَا تَرَخَّصَ بِغَيْرِ سَبَبٍ شرعي، ولهذا الأصل فوائد كثير فِي الْفِقْهِيَّاتِ؛ كَقَاعِدَةِ الْمُعَامَلَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ، وَغَيْرِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْحِيَلِ، وَمَا كَانَ نَحْوَهَا. الْمَسْأَلَةُ التاسعة: سباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع ولا مقصودة الرَّفْعُ1 لِأَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَنْعِ انْحِتَامِ الْعَزَائِمِ التَّحْرِيمِيَّةِ أَوِ الْوُجُوبِيَّةِ؛ فَهِيَ إِمَّا مَوَانِعُ لِلتَّحْرِيمِ أَوِ التَّأْثِيمِ2، وَإِمَّا أَسْبَابٌ3 لِرَفْعِ الْجُنَاحِ أَوْ إِبَاحَةِ4 مَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ؛ فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ إِنَّمَا هِيَ مَوَانِعُ5 لِتَرَتُّبِ أَحْكَامِ الْعَزَائِمِ مُطْلَقًا، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي الْمَوَانِعِ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةِ الْحُصُولِ وَلَا الزَّوَالِ لِلشَّارِعِ، وَأَنَّ مَنْ قَصَدَ إِيقَاعَهَا رَفَعًا لِحُكْمِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ أَوِ الْمُوجِبِ؛ فَفِعْلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الشُّرُوطِ6 فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ إلى أسباب الرخص، من غير فرق.

_ 1 أي: الزوال. "ماء". 2 في "ط": "فهي موانع إما للتحريم، وإما موانع للتأثيم". 3 تنويع في العبارة، لا أن هذين قسمان يقابلان سابقهما. "د". 4 أشمل مما قبله؛ إذ يدخل فيه الترخص في المندوبات. "د". 5 في الأصل: "موانع إما". 6في المسألة الثامنة منها. "د".

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: إِذَا فَرَّعْنَا1 عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ مُبَاحَةٌ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزِيمَةِ؛ صَارَتِ الْعَزِيمَةُ مَعَهَا مِنَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ؛ إِذْ صَارَ هَذَا الْمُتَرَخِّصُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ شِئْتَ فَافْعَلِ الْعَزِيمَةَ، وَإِنْ شِئْتَ فَاعْمَلْ بِمُقْتَضَى الرُّخْصَةِ، وَمَا عَمِلَ مِنْهُمَا؛ فَهُوَ الَّذِي وَاقِعٌ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ، عَلَى وِزَانِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ فَتَخْرُجُ الْعَزِيمَةُ فِي حَقِّهِ عَنْ أَنْ تَكُونَ عَزِيمَةً. وَأَمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِيهَا بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ؛ فَلَيْسَتِ الرُّخْصَةُ مَعَهَا مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّخْيِيرَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ مَوْجُودٌ مَعَ الْوَاجِبِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْوُجُوبِ الْمُعَيَّنِ الْمَقْصُودِ لِلشَّارِعِ، فَإِذَا فَعَلَ الْعَزِيمَةَ؛ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَرْقٌ, لَكِنَّ الْعُذْرَ رَفَعَ الْحَرَجَ عَنِ التَّارِكِ لَهَا إِنِ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ الِانْتِقَالَ إِلَى الرُّخْصَةِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ قَبْلُ أَنَّ الشَّارِعَ إِنْ كَانَ قَاصِدًا لِوُقُوعِ الرُّخْصَةِ؛ فَذَلِكَ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَالْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ وُقُوعُ الْعَزِيمَةِ. وَالَّذِي يُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْحَاكِمُ إِذَا تَعَيَّنَتْ لَهُ فِي إِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيِّنَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَادِلَةٌ2، وَالْأُخْرَى غَيْرُ عَادِلَةٍ2، فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ فِي قَوْلِهِ تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] .

_ 1 هذا هو بسط ما أجمله في آخر المسألة الرابعة ووعد به هناك. "د". 2 في "ط ": "عدلة".

وقال: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] . فَإِنْ حَكَمَ بِأَهْلِ الْعَدَالَةِ؛ أَصَابَ أَصْلَ الْعَزِيمَةِ وَأُجِرَ أَجْرَيْنِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْأُخْرَى؛ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِعُذْرِهِ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَهُ أَجْرٌ فِي اجْتِهَادِهِ، وَيَنْفُذُ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى الْمُتَحَاكِمِينَ، كَمَا يَنْفُذُ مُقْتَضَى الرُّخْصَةِ عَلَى الْمُتَرَخِّصِينَ1، فَكَمَا لَا يُقَالُ فِي الْحَاكِمِ: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْحُكْمِ بِمَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ كَذَلِكَ لَا يُقَالُ هُنَا: إِنَّهُ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا بَيْنَ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ شَرْعَ الرُّخَصِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي؟ وَقَدْ ثَبَتَتْ قَاعِدَةُ رَفْعِ الْحَرَجِ مُطْلَقًا2 بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] . وَجَاءَ بَعْدَ تَقْرِيرِ الرُّخْصَةِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] . قِيلَ: كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ التَّنَاسُلُ وَهُوَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ اتِّخَاذِ السَّكَنِ وَنَحْوِهِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الرُّومِ: 21] . وَقَوْلِهِ: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الْأَعْرَافِ: 189] . وَأَيْضًا3؛ فَإِنَّ رَفْعَ الْجُنَاحِ نَفْسِهِ عَنِ الْمُتَرَخِّصِ تسهيل وتيسير عليه، مع

_ 1 في "ط": "المترخص". 2 أي: بقطع النظر عن خصوص محل الرخصة، ومعنى الجواب أنه لا يلزم من ورود الآية دالة على الحكم استقلالا أن يكون مقصودا بالقصد الأول؛ فقد جاءت الآية بفائدة النكاح استقلالا وهو السكن، ومع ذلك؛ فالقصد الأول النسل، فكذا هنا. "د". 3 عود إلى السؤال وترقّ عليه؛ أي: إنه لا يلزم من وجود رفع الحرج في الرخصة أن تكون مقصودة للشارع بالقصد الثاني لا بالأول، بدليل أنه ثبت رفع الحرج أيضا في بعض المسائل التي =

كَوْنِ الصَّوْمِ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ؛ فَهُوَ تَيْسِيرٌ أَيْضًا وَرَفْعُ حَرَجٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ فِي الْكُلِّيَّاتِ؛ فَلَا تَجِدُ كُلِّيَّةً شَرْعِيَّةً مُكَلَّفًا بِهَا وَفِيهَا حَرَجٌ كُلِّيٌّ أَوْ أَكْثَرِيٌّ أَلْبَتَّةَ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] . وَنَحْنُ نَجِدُ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ النَّوَادِرِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ رُخْصَةً تَعْرِيفًا بِأَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّارِعِ إِنَّمَا هُوَ مُنْصَرِفٌ إِلَى الْكُلِّيَّاتِ؛ فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي مَحَالِّ الرُّخَصِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِكُلِّيَّاتٍ، وَإِنَّمَا هِيَ جُزْئِيَّاتٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ أَوِ الرُّخْصَةِ. فَإِذًا الْعَزِيمَةُ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ كُلِّيَّةً هِيَ مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَالْحَرَجُ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ عَارِضٌ لِتِلْكَ الْكُلِّيَّةِ، إِنْ قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِالرُّخْصَةِ؛ فَمِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا اعْتَبَرَنَا الْعَزَائِمَ من الرُّخَصِ؛ وَجَدْنَا الْعَزَائِمَ مُطَّرِدَةً مَعَ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ، وَالرُّخَصُ جَارِيَةٌ عِنْدَ انْخِرَاقِ تِلْكَ الْعَوَائِدِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَظَاهِرٌ، فَإِنَّا وَجَدْنَا الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى تمامها في أوقاتها،

_ = فيها الرخصة والسهولة -في نفس أصل عزيمتها؛ كصيام أيام معدودات، ولم تكن شهورا مثلا- ففي أصل العزيمة هنا أيضا تيسير ورفع حرج، وهي مقصودة بالقصد الأول؛ فلا يلزم من حصول رفع الحرج في الرخصة أن تكون بالقصد الثاني، ثم ترقى عليه ثانيا قال: "وأيضا ... إلخ"؛ أي: إن رفع الحرج موجود في سائر الكليات التي هي عزائم، ومحل الجواب عن الجميع قوله: "فإذا العزيمة ... إلخ"؛ فهو يحسم الاعتراض الأول أيضا، وقوله: "ونحن نجد في بعض ... إلخ" تمهيد للجواب, ولا يخفى أن كلا من هذين الترقيين تفصيل لما دخل تحت الإطلاق في أصل الإشكال؛ فالترقي من جهة تعيين مكان الاعتراض بعد إجماله. "د".

وَبِالصِّيَامِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ أَوَّلًا، وَبِالطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ، عَلَى [حَسَبِ] مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ1: مِنَ الصِّحَّةِ، وَوُجُودِ الْعَقْلِ2، وَالْإِقَامَةِ فِي الْحَضَرِ، وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ؛ كَالْأَمْرِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ مُطْلَقًا أَوْ لِلصَّلَاةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهَا، إِنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَنُهِيَ عَنْهُ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَتَأَتَّى بِهِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ، وَوُجُودُ ذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَادُ عَلَى الْعُمُومِ التَّامِّ أَوِ الْأَكْثَرِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَعْلُومٌ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ عُلِمَ الْأَوَّلُ؛ فَالْمَرَضُ، وَالسَّفَرُ، وَعَدَمُ الْمَاءِ أَوِ الثَّوْبِ أَوِ الْمَأْكُولِ، مُرَخِّصٌ لِتَرْكِ مَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ، أَوْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ3 مِنَ الْمَسَائِلِ، وَلِمَعْنَاهُ تَقْرِيرٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" بِحَمْدِ اللَّهِ. إِلَّا أَنَّ انْخِرَاقَ الْعَوَائِدِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ، فَالْعَامُّ مَا تَقَدَّمَ، وَالْخَاصُّ كَانْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ لِلْأَوْلِيَاءِ إِذَا عَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا؛ فَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى حُكْمِ الرُّخْصَةِ؛ كَانْقِلَابِ الْمَاءِ لَبَنًا، وَالرَّمْلِ سَويقا، وَالْحَجَرِ ذَهَبًا، وَإِنْزَالِ الطَّعَامِ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْأَرْضِ4؛ فَيَتَنَاوَلُ الْمَفْعُولُ لَهُ ذَلِكَ

_ 1 في "ط": "العادات". 2 غير ظاهر هنا لأن الكلام في أمور إذا وجدت كانت العزيمة، وإذا فقدت كانت الرخصة، وليس منها العقل؛ لأنه شرط مطلق التكليف، ولذلك لم يذكر مقابلة فيما بعد مع أنه ذكر مقابل غيره. "د". 3 في "ط": "فيما تقدم". 4 أراد الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أن يضع بين الكرامة والمعجزة فاصلا، فقال: إن مبلغ الكرامة إجابة دعوة أو موافاة ماء من غير توقع المياه ونحو ذلك، وجرى على أثره الإمام القشيري؛ فقال: "لا تنتهي الكرامة إلى خلق ولد بغير والد أو قلب جماد حيوانا"، وارتضاه تاج الدين ابن السبكي، وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: إنه أعدل المذاهب، يعني: إنه ما بين مذهب المعتزلة المنكرين لها جملة ومذهب جمهور أهل السنة المجوزين لها بإطلاق؛ إلا ما دل النص على اختصاصه بالرسول لمعجزة القرآن. "خ".

وَيَسْتَعْمِلُهُ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ لَهُ رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ، وَالرُّخْصَةُ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا كَانَ الْأَخْذُ بِهَا مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا يَقْصِدَهَا وَلَا يَتَسَبَّبَ فِيهَا لِيَنَالَ تَخْفِيفَهَا؛ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا كَذَلِكَ؛ إِذْ كَانَ مُخَالَفَةُ هَذَا الشَّرْطِ مُخَالَفَةً لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِذْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ1 أَنْ يَتَرَخَّصَ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ فِي التَّشْرِيعِ أَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ إِنْ وَقَعَ تَوَجَّهَ الْإِذْنُ فِي مُسَبِّبِهِ كَمَا مر؛ فههنا أَوْلَى؛ لِأَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ لَمْ تُوضَعْ لِرَفْعِ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِأَمْرٍ آخَرَ؛ فَكَانَ الْقَصْدُ إِلَى التَّخْفِيفِ مِنْ جِهَتِهَا قَصْدًا إِلَيْهَا لَا إِلَى رَبِّهَا، وَهَذَا مُنَافٍ لِوَضْعِ الْمَقَاصِدِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ "الْمَقَاصِدِ" أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ عَامَّةٌ لَا خَاصَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ، لَا خَاصَّةٌ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بِقَصْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِإِظْهَارِ الْخَارِقِ كَرَامَةً وَمُعْجِزَةً؛ لِأَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ مَعْنًى شَرْعِيًّا مُبَرَّأً مِنْ طَلَبِهِ حَظَّ النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْصِدَ إِظْهَارَ الْكَرَامَةِ الْخَارِقَةِ لِمَعْنًى شَرْعِيٍّ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ هَذَا الْقِسْمُ خَارِجًا عن حكم الرخصة بل2 يَكُونَ بِحَسَبِ الْقَصْدِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى ظَهَرَتْ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ الرَّاقِينَ عَنِ الْأَحْوَالِ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاءُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا؛ فَالشَّرْطُ مُعْتَبَرٌ بِلَا إِشْكَالٍ، وَلَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْعُمُومِ، بَلْ هُوَ فِي الْخُصُوصِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: الْوَلِيُّ إِذَا انْخَرَقَتْ لَهُ الْعَادَةُ؛ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْعَادَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ الَّذِي هُيِّئَ لَهُ الطَّعَامُ أَوِ الشَّرَابُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ عَادِيٍّ مساوٍ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِالتَّكَسُّبِ الْعَادِيِّ، فَكَمَا لَا يُقَالُ فِي صَاحِبِ التَّكَسُّبِ الْعَادِيِّ: إِنَّهُ فِي التَّنَاوُلِ مُتَرَخِّصٌ، كَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي صَاحِبِ انخراق العادة؛

_ 1 في "ط": "قصده". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "بأن".

إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّمَطِ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْأَدِلَّةَ الْمَنْقُولَةَ دَلَّتْ عَلَى تَرْكِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا إِيجَابًا، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خُيِّرَ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالْعُبُودِيَّةِ؛ فَاخْتَارَ الْعُبُودِيَّةَ1، وَخُيِّرَ فِي أَنْ تَتْبَعَهُ جِبَالُ تِهَامَةَ ذَهَبًا وفضة؛ فلم يختر ذلك2، وكان

_ 1 أخرج هناد في "الزهد" "رقم 796" ثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن الشعبي؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "خيرني ربي -عز وجل- أن أكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فلم أدر ما أقول، وكان صفيي من الملائكة جبريل، فنظرت إليه؛ فقال بيده: أن تواضع؛ قال: فقلت: نبيا عبدا". وإسناده ضعيف؛ لأنه مرسل؛ إلا أن أحمد أخرجه في "مسنده" "2/ 231"، وأبو يعلى في "مسنده" 10/ 491/ رقم 6105"، وابن حبان في "صحيحه" "14/ 280/ رقم 6365- الإحسان"، والبزار في "مسنده" "رقم 2462- زوائده" من طريق محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة به نحوه. وإسناده صحيح على شرط الشيخين, وصححه الهيثمي في "مجمع الزوائد" "9/ 18"، وله شواهد من حديث عائشة وابن عباس ومن مرسل الحسن والزهري وغيرهما. انظر: "السلسلة الصحيحة" "رقم 1002"، و"فتح الباري" "9/ 541"، و"الإصابة" "4/ 516". 2 أخرج الترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه/ رقم 2348"، ونعيم بن حماد في "زياداته على الزهد" "رقم 196"، وأحمد في "المسند" "5/ 254", وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "1/ 381", وأبو نعيم في "الحلية" "8/ 133"، والبغوي في "الأنوار في شمائل النبي المختار" "1/ 324/ رقم 427" من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة رفعه: "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا؛ فقلت: لا, ولكن أشبع يوما وأجوع يوما "أو قال ثلاثا: ونحو هذا"، فإذا جعت؛ تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت؛ حمدتك وشكرتك". وإسناده ضعيف جدا، ابن زحر وعلي بن يزيد -وهو الألهاني- كلاهما ضعيف، قال ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة الأول: "منكر الحديث جدا، يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الخبر إلا مما عملت أيديهم؛ فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة، بل التنكب عن رواية عبيد الله بن زحر على جميع الأحوال أولى".

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَلَوْ شَاءَ [لَهُ] 1 لَدَعَا بِمَا يُحِبُّ فَيَكُونُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَلِ اخْتَارَ الْحَمْلَ عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ: يَجُوعُ يَوْمًا فَيَتَضَرَّعُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَشْبَعُ يَوْمًا فَيَحْمَدُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ؛ حَتَّى يَكُونَ فِي الْأَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ الْعَادِيَّةِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُرِي أَصْحَابَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي مُوَاطِنَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ فِي تَقْوِيَةِ الْيَقِينِ، وَكِفَايَةٍ مِنْ أَزَمَاتِ الْأَوْقَاتِ2، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ3، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكِ التَّكَسُّبَ لِمَعَاشِهِ وَمَعَاشِ أَهْلِهِ، فَإِذَا كَانَتِ الْخَوَارِقُ فِي حَقِّهِ مُتَأَتِّيَةً، وَالطَّلَبَاتُ مُحْضَرَةً لَهُ؛ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ"4، وَكَانَ -لِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ شَرَفِ الْمَنْزِلَةِ- مُتَمَكِّنًا مِنْهَا؛ فَلَمْ يُعَوِّلْ إِلَّا عَلَى مَجَارِي الْعَادَاتِ فِي الْخَلْقِ، كَانَ ذَلِكَ أَصْلًا لِأَهْلِ الْخَوَارِقِ وَالْكَرَامَاتِ عَظِيمًا فِي أَنْ لَا يَعْمَلُوا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْخَوَارِقُ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَتْمًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لم يكن

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "م" و"خ" و"ط". 2 فالجاري على عادته حمل نفسه على مجاري العادات مع تيسر الخوارق له، كثيرا ما كانت تنخرق له العادات وتوافيه الكرامات، لكن ذلك في مواطن لمقصد مبرأ من حظ النفس، وهو تقوية اليقين عند أصحابه، وكفايتهم ضرر الأزمات الشديدة التي تحل بهم، كنبع الماء مثلا لما اشتد بهم الحال في الحديبية حتى لا يجمع عليهم الشدائد في هذه الأوقات المضنية. "د". 3 ورد ذلك في حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب الوصال، 4/ 202/ رقم 1964"، وغيره وسيأتي لفظه وتخريجه عند المصنف "2/ 239". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب "تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ"، 8/ 524-525/ رقم 4788"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، 2/ 1085/ رقم 1464".

حَتْمًا عَلَى الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمُ الْوَرَثَةُ فِي هَذَا النَّوْعِ. وَالثَّانِي: [إِنَّ] 1 فَائِدَةَ الْخَوَارِقِ عِنْدَهُمْ تَقْوِيَةُ اليقين، ويصحبها الابتلاء الذي هو لازم التكاليف2 كُلِّهَا، وَلِلْمُكَلَّفِينَ أَجْمَعِينَ فِي مَرَاتِبِ التَّعَبُّدِ؛ فَكَانَتْ كَالْمُقَوِّي لَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا آيَاتٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بَرَزَتْ عَلَى عُمُومِ الْعَادَاتِ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا خُصُوصٌ فِي الطُّمَأْنِينَةِ؛ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ, عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 260] ، وَكَمَا قَالَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى فِرَاقَ مُوسَى لِلْخَضِرِ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي مُوسَى، وَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا" 3، فإذا كانت هذه

_ 1 سقط من الأصل. 2 في "د": "لازم التكليف"، وفي "م"، و"ط": "لازم التكاليف"، وفي الأصل: "لازم البلاء والتكاليف"، وما أثبتناه من "خ". 3 قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم/ رقم 122، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده/ رقم 3278، وكتاب أحاديث الأنبياء/ رقم 3401، وكتاب التفسير، باب {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} / رقم 4725، وباب {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} / رقم 4727، وكتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، 6672"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل/ رقم 2380"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في القدر/ رقم 4707"، والترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب ومن سورة الكهف/ رقم 3249"، وأحمد في "المسند" "5/ 117"، والحميدي في "المسند" "رقم 371"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "4/ 199"، وابن حبان في "الصحيح" "6187"، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه أحمد "5/ 119"، والبخاري في "صحيحه" "كتاب الإجارة، باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا يريد أن ينقض/ رقم 2267، وكتاب الشروط، باب الشروط مع الناس في القول/ رقم 2728، وكتاب التفسير، باب {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ =

فَائِدَتَهَا؛ كَانَ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى حُظُوظِ النَّفْسِ كَالصَّدَقَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِ؛ فَهُوَ فِي التَّنَاوُلِ وَالِاسْتِعْمَالِ بِحُكْمِ الْخِيَرَةِ، فَإِنْ تَكَسَّبَ وَطَلَبَ حَاجَتَهُ مِنَ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ؛ صَارَ كَمَنْ تَرَكَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ وَتَكَسَّبَ فَرَجَعَ إِلَى الْعَزِيمَةِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ قَبِلَ الصَّدَقَةَ؛ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْأَسْبَابَ وَالْمُسَبَّبَاتِ، وَأَجْرَى الْعَوَائِدَ فِيهَا تَكْلِيفًا وَابْتِلَاءً، وَإِدْخَالًا لِلْمُكَلَّفِ تَحْتَ قَهْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، كَمَا وَضَعَ لَهُ الْعِبَادَاتِ تَكْلِيفًا وَابْتِلَاءً أَيْضًا، فَإِذَا جَاءَتِ الْخَارِقَةُ لِفَائِدَتِهَا الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا؛ كَانَ فِي ضِمْنِهَا رَفْعٌ لِمَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْكَسْبِ، وَتَخْفِيفٌ عَنْهُ؛ فَصَارَ قَبُولُهُ لَهَا مِنْ بَابِ قَبُولِ الرُّخَصِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ رَفْعًا لِمَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ [بِالْكَسْبِ وَتَخْفِيفًا عَنْهُ] 1 فَمِنْ هُنَا صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرُّخَصِ وَمِنْ حَيْثُ كَانَتِ ابْتِلَاءً أَيْضًا فِيهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ تَنَاوُلَ مُقْتَضَاهَا مَيْلٌ مَا إِلَى جِهَتِهَا، وَمِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعَزَائِمِ فِي السُّلُوكِ عُزُوبُ أَنْفُسِهِمْ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، كَمَا كَانَتِ النِّعَمُ الْعَادِيَّةُ الِاكْتِسَابِيَّةُ ابْتِلَاءً أَيْضًا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ جِهَةَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنَّمَا أَخَذُوهَا مآخذ

_ = فِي الْبَحْرِ سَرَبًا} / رقم 4726" من طريق ابن جريج، أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب في القدر/ رقم 4705، 4706"، وابن حبان في "الصحيح" "8/ 38، 6188"، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف" "2/ 828"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "4/ 198 و199" من طريق أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به مختصرا. وأخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب ما ذكر في ذهاب موسى -عليه السلام- في البحر إلى الخضر/ رقم 74، وقوله تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} ، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى, عليهما السلام/ رقم 3400" من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب به. 1 ما بين المعقوفتين سقط من "ط".

الرُّخَصِ، كَمَا تَبَيَّنَ1 وَجْهُهُ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ؛ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ صَارَ قَبُولُ مُقْتَضَى الْخَوَارِقِ رُخْصَةً مِنْ وَجْهَيْنِ! فَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يَسْتَنِدُوا إِلَيْهَا، وَلَمْ يُعَوِّلُوا عَلَيْهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلْ قَبِلُوهَا2 وَاقْتَبَسُوا مِنْهَا مَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُعِينَةِ لَهُمْ عَلَى مَا هُمْ بِسَبِيلِهِ، وَتَرَكُوا مِنْهَا مَا سِوَى ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَتْ مَعَ أَنَّهَا كَرَامَةٌ وَتُحْفَةٌ؛ تَضَمَّنَتْ تَكْلِيفًا3 وَابْتِلَاءً. وَقَدْ حَكَى الْقُشَيْرِيُّ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى: فَرَوَى عَنْ أَبِي الْخَيْرِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ بِعَبَّادَانَ4 رَجُلٌ أَسْوَدُ فَقِيرٌ يَأْوِي إِلَى الْخَرَابَاتِ5؛ قَالَ: فَحَمَلْتُ مَعِي شَيْئًا وَطَلَبْتُهُ، فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَيَّ تَبَسَّمَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَرَأَيْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا ذَهَبًا تَلْمَعُ. ثُمَّ قَالَ: هَاتِ مَا مَعَكَ. فَنَاوَلْتُهُ وَهَالَنِي أَمْرُهُ وَهَرَبْتُ6. وَحُكِيَ عَنِ النُّورِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ لَيْلَةً إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ؛ فَوَجَدَهَا وَقَدِ الْتَزَقَ الشَّطَّانِ، فَانْصَرَفَ وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا أَجُوزُهَا إِلَّا فِي زَوْرَقٍ7. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْبَصْرِيِّ؛ قَالَ: أَتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلٍّ، فَقُلْتُ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَيْكَ الرِّزْقَ لَرَجَوْتُ أَنْ يَفْعَلَ. فَقَالَ: رَبِّي أَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ، ثُمَّ أَخَذَ حَصًى مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَهَا ذَهَبًا فَعَلْتَ، فَإِذَا هِيَ وَاللَّهِ فِي يده ذهب، فألقاها إلي

_ 1 أي: في المسألة الأولى. "د". 2 في "ط" زيادة "علما". 3 كما يؤخذ من كلام عبد الرحمن بن زيد الآتي: "لا خير في الدنيا إلا للآخرة ... " فما حصل من التحفة يتضمن تكليفا جديدا في التصرف فيه واستعماله. "د". 4 في النسخ المطبوعة: "بفناء داره"، والتصويب من الأصل و"الرسالة القشيرية". 5 في "م" و"ط": "الخَرِبات"، وهو الجمع الصحيح لغة، وفي غيرهما: "الخرابات"، وكذا عند القشيري. 6 "الرسالة القشيرية" "ص163". 7 "الرسالة القشيرية" "ص164".

وَقَالَ: أَنْفِقْهَا أَنْتَ؛ فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِلْآخِرَةِ1. بَلْ كَانَ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْهَا وَمِنْ طَلَبِهَا، وَالتَّشَوُّفِ إِلَيْهَا، كَمَا يُحْكَى2 عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْعَادَاتِ، مِنْ حَيْثُ شَاهَدَ خُرُوجَ الْجَمِيعِ مِنْ تَحْتِ يَدِ الْمِنَّةِ, وَوَارِدَةً مِنْ جِهَةِ مُجَرَّدِ الْإِنْعَامِ؛ فَالْعَادَةُ فِي نَظَرِ هَؤُلَاءِ خَوَارِقُ لِلْعَادَاتِ؛ فَكَيْفَ يَتَشَوَّفُ إِلَى خَارِقَةٍ، وَمِنْ3 بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ مِثْلُهَا، مَعَ أَنَّ مَا لَدَيْهِ مِنْهَا أَتَمُّ فِي تَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ كَمَا مَرَّ فِي الشَّوَاهِدِ، وَعَدُّوا مَنْ رَكَنَ إِلَيْهَا مُسْتَدْرَجًا، مِنْ حَيْثُ كَانَتِ ابْتِلَاءً لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا آيَةً أَوْ نِعْمَةً. حَكَى الْقُشَيْرِيُّ4 عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّرَفِيِّ؛ قَالَ: "كُنَّا مَعَ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَعَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى نَاحِيَةٍ؛ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا5: أَنَا عَطْشَانُ. فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ، فَإِذَا عَيْنُ مَاءٍ زُلَالٍ؛ فَقَالَ الْفَتَى: أُحِبُّ أَنْ أَشْرَبَهُ بِقَدَحٍ6. فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَنَاوَلَهُ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ أَبْيَضَ كَأَحْسَنِ مَا رَأَيْتُ، فَشَرِبَ وَسَقَانَا، وَمَا زَالَ الْقَدَحُ مَعَنَا إِلَى مَكَّةَ؛ فَقَالَ لِي أَبُو تُرَابٍ يَوْمًا: مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يُكْرِمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يُؤْمِنُ بِهَا. فَقَالَ: مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا فَقَدْ كَفَرَ7، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مِنْ طَرِيقِ الْأَحْوَالِ. فَقُلْتُ: مَا أَعْرِفُ لَهُمْ قَوْلًا فيه. فقال:

_ 1 "الرسالة القشيرية" "ص170". 2 "الرسالة القشيرية" "ص164". 3 في "ط": "وما". 4 في "الرسالة" "ص169". 5 كذا في الأصل والنسخ الثلاث، وعند القشيري: "أصحابه". 6 كذا في الأصل والنسخ الثلاث، وعند القشيري: "في قدح". 7 لا يصح حمل الكفر على حقيقته؛ لأن المنكرين لخرق العادة على وجه الكرامة؛ كالمعتزلة، والإمام أبي إسحاق، والقشيري، والحليمي؛ هم من فرق الإسلام بإجماع. "خ".

بَلْ قَدْ زَعَمَ أَصْحَابُكَ أَنَّهَا خُدَعٌ مِنَ الْحَقِّ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا الْخُدَعُ فِي حَالِ السُّكُونِ إِلَيْهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْتَرِحْ ذَلِكَ وَلَمْ يُسَاكِنْهَا؛ فَتِلْكَ مَرْتَبَةُ الرَّبَّانِيِّينَ". وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهَا فِي حُكْمِ الرُّخْصَةِ، لَا فِي حُكْمِ الْعَزِيمَةِ؛ فَلْيُتَفَطَّنْ لِهَذَا الْمَعْنَى فِيهَا؛ فَإِنَّهُ أَصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِيهَا مَسَائِلُ: مِنْهَا أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ لِلْقَوْمِ، وَالْأَحْوَالُ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَحْوَالٌ لَا تُطْلَبُ بِالْقَصْدِ، وَلَا تُعَدُّ مِنَ الْمَقَامَاتِ، وَلَا هِيَ مَعْدُودَةٌ فِي النِّهَايَاتِ، وَلَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا بَالِغٌ مَبْلَغَ التَّرْبِيَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَالِانْتِصَابِ لِلْإِفَادَةِ، كَمَا أَنَّ الْمَغَانِمَ فِي الْجِهَادِ لَا تُعَدُّ مِنْ مَقَاصِدِ الْجِهَادِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا هِيَ دَلِيلٌ عَلَى بُلُوغِ النِّهَايَةِ، والله أعلم. تم الجزء الأول

الاستدراكات

الاستدراكات: * "استدراك1": ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي "تَفْسِيرِهِ" "1/ 212، الْبَقَرَةِ: 173" وَقَالَ: "وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِـ"أَلْكِيَا الْهَرَّاسِيِّ" رَفِيقُ الْغَزَالِيِّ فِي الِاشْتِغَالِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَالْإِفْطَارِ لِلْمَرِيضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ". * "اسْتِدْرَاكٌ2": كَذَا فِي "ط" وَ"النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ" "1/ 171" لِابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: "رجاء الأبدية". * "استدراك3": قُلْتُ: أَخْرَجَ سَبَبَ النُّزُولِ الْمَذْكُورَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" "كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بَابِ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} 8/ 186/ رَقْمِ 4519"، وَأَبُو دَاوُدَ فِي "السُّنَنِ" "2/ 75"، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" "2/ 277"، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي "التَّفْسِيرِ" "2/ 273"، وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. * "اسْتِدْرَاكٌ4": عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرْغَبُونَ فِي النَّفِيرِ مَعَ

رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَيَدْفَعُونَ مَفَاتِيحَهُمْ إِلَى ضُمَنَائِهِمُ -الضَّمِنُ: الزَّمِنُ الْمُبْتَلَى- وَيَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أَحْلَلْنَا لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا أَحْبَبْتُمْ. فَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَنَا أَنَّهُمْ أَذِنُوا عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ في "مسنده" -كما في "كشف الأستار" "رقم 2241"- وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ -كَمَا فِي "الْمَجْمَعِ" "7/ 83"- وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي "لُبَابِ النُّقُولِ": "سَنَدُهُ صَحِيحٌ"، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي "مُخْتَصَرِ زَوَائِدِ الْبَزَّارِ" "2/ 97/ رقم 1490": "صحيح".

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات الموضوع الصفحة مقدمة المحقق خطبة الحاجة 5 التعريف بكتاب الموافقات 8 المباحث التي أغفلوها فيما تكلموا عليه 12 السبب في عدم تداول الكتاب 16 مصادر الشاطبي وموارده في الكتاب 19 مدح العلماء وثناؤهم على الكتاب 24 الجهود التي بذلت حول الكتاب وأثره في الدعوة الإصلاحية الحديثة 31 المحور الأول: مختصراته 33 الثاني: دراسات عن الكتاب ومنهج الشاطبي فيه 36 الرد على "المجددين"! المعاصرين والعقلانيين وبيان افتراءاتهم على الشاطبي "ت" 42 المحور الثالث: طبعات الكتاب 57 تقويم الطبعات التي وقفت عليها 58 تحقيق اسم الكتاب 64 الأصول المعتمدة في التحقيق 65 عملي في التحقيق 74 ملاحظاتي على مادة المصنف الحديثية 76 ملاحظاتي على تخريج الأحاديث في طبعة الشيخ دراز 78

الخلاصة 80 ومن عملي في التحقيق أيضا 81 مقارنة بين مدرسة ابن تيمية والشاطبي "ت" 81 مسألة ... هل اجتمع الشاطبي بابن القيم أو شيخه ابن تيمية؟ 82 ومن عملي في التحقيق أيضا 84 الخاتمة 85 نماذج من النسخ المعتمدة في التحقيق 86 الموافقات المقدمة 3 حال الناس قبل بعثة النبي, صلى الله عليه وسلم 3 أهل الفترات 4 الإجماع وعقيدة ختم النبوة 4 الإجماع والقطع وموانع حصول القطع 4 بعثة الأنبياء بلغة أقوامهم 4 من فضائل النبي, صلى الله عليه وسلم 5 الأمانة التي حملها الإنسان 5-6 الأنبياء بعثوا لهداية الناس 6 القرآن مدعو به، مدعو إليه 6 تفاضل العلوم/ أفضل العلوم 7 الصحابة الأعلم بالأصول والمقاصد 7 تخريج حديث: "أنا النذير العريان" 7 مدح المؤلف كتابه 8 استقراء المؤلف للأصول الكلية للشرع 9 أقسام كتاب الموافقات الخمسة 9 المقدمات العلمية, الأحكام, مقاصد الشرع, الأدلة الشرعية, أحكام الاجتهاد والتقليد 10 تسمية الكتاب بقصة طريفة

الحث على ترك التقليد والعادة وأمر المؤلف بالتفكر 11-13 تخريج حديث: "إنما الأعمال بالنيات" 13 - القسم الأول: مقدمات المؤلف 15 المقدمة الأولى 17 أصول الفقه قطعية وهي: الكليات المنصوصة في الأصلين والقوانين المستنبطة وهي الأدلة إثبات ذلك بالاستقراء للأدلة الشرعية وإرجاع ذلك إلى الأصول العقلية 18 هل يوجد مخالفة حقيقية أو خلاف في أن أصول الفقه قطعية؟ 18 الفرق بين أصول الفقه، وعلم أصول الفقه 18 الاستقراء طريق إثبات شرعي 18-19 الأمر للوجوب 19 الظن في العقل وكليات الشريعة، وبالنسبة إلى الأشخاص 19 العادي مع العقلي والشرعي 19 حكم الفرع حكم الأصل 19 إثبات أن المبنى على القطعي 18 أولا: أنها ترجع إلى أصول عقلية أو شرعية أو عادية وهذا معروف بالاستقراء ثانيا: الظن لا يقبل في العقليات ولا الكليات الشرعية 19 ثالثا: لَوْ جَازَ جَعْلُ الظَّنِّيِّ أَصْلًا فِي أُصُولِ الفقه جاز في أصول الدين 20 معاني الضروريات والحاجيات والتحسينيات 20 الأحكام التي تعد ظنية إذا كانت مبنية على أصل قطعي 21 الأصول عند الجويني 22 معنى حفظ الذكر 22-23 الأصول والفرع والظن 23 الرد على المصنف في مسألة قطعية الأصول 24 تعريف أصول الفقه والقاعدة والأصل والفقه والأصولي والدليل الإجمالي 24 المقدمة الثانية المقدمات العلمية في الأصول قطعية، والتعقيب على المصنف فيها 25

الوجوب والجواز والاستحالة من مباحث الأصول وقولهم الأمر للوجوب ليست من الأصول 25 المقدمة الثالثة 26 استعمال الأدلة العقلية في الأصول مرتبط مع الأدلة النقلية 27 أخبار الآحاد والتواتر المعنوي واللفظي 27 معنى القطع في دلالة الألفاظ 28 الظن في المقدمات والأدلة 28 استقراء الأدلة نوع من التواتر 28 دلالات الأخبار مبنية على مقدمات ظنية كنقل اللغات وآراء النحويين 28 الاستدلال على فرضية الصلاة باستقراء الأدلة أو بالإجماع مع اجتماع الأدلة 29-30 الضرورات الخمس 30-31 أسباب اختلاف الظن 31 التمثيل بالصلاة وقتل النفس على أنهما من الأصول لا من الفروع باستقراء الأدلة31 حكمة الزكاة والحكومات والجهاد والأطعمة المحرمة المضطر إليها 31-32 فصل إلماحة المصالح المرسلة والاستحسان 32 تعريف المصالح المرسلة جمع المصحف وترتيب الدواوين 32 بيع العرايا 33 تقديم الاستحسان على أصول وعمومات أخرى عند مالك والشافعي 33 فصل 33 حجية الإجماع ظنية أم قطعية؟ 35 المقدمة الرابعة مسائل أصول الفقه لبناء فروع الفقه أو الآداب أو عونا عليها 37 علوم ليست من أصول الفقه بل هي مما يحتاج إليه فيه 37 ذكر أمثلة على ذلك 37

القرآن عربي الأسلوب والخلاف في وجود كلمات أعجمية فيه 39 فصل: خطأ فهم النصوص بالعقل لا بطريقة الوضع 39-40 خصال الكفارة والواجب المخير 40 نقل عن حاشية المخطوط والتعقب عليه 40 الجمع بين الأختين 41 مدخل الوجوب والتحريم هل هو الشرع أم العقل؟ 40-41 مسائل الاعتقاد هل يبنى عليها عمل, ضمن أصول الفقه؟ 41 مسائل خصال الكفارة وإتلاف المحرمات والوطء نهار رمضان للكتابية من زوجها القادم من السفر ضمن أحكام تكليف الكفار بالفروع 41 المقدمة الخامسة 43 عمل الجوارح والقلب/ المسائل التي لا ينبني عليها عمل 43 المباح 43 النظر في آيات الله 43 السؤال عن الأهلة 43 إتيان البيوت من أبوابها 43-44 تخريج أحاديثها 44 سبب النزول الصحيح 44 السؤال عن الساعة 44 ذم الأسئلة 45 تخريج أحاديث أخرى في ذم الأسئلة 45 قصة بقرة بني إسرائيل 45 تخريج حديثها 45-46 تخريج حديث السؤال عن الحج أهو لكل عام 46 النهي عن قيل وقال 47 حديث جبريل في الإيمان والإسلام 47 الساعة وأماراتها 47 أعظم الناس جرما وتخريج حديثه 48

سؤال عمر عن الأبّ 49 السؤال عن الروح 49 حديث: أن الصحابة ملوا ملة 50 حديث عمر مع صبيغ 51 تضعيف رفع القصة 51 حديث علي مع ابن الكواء 52 فصل عن الإمام مالك في ذم السؤال 53 ذم السؤال بالاستدلال منها أنها شغل عما يعني 53 الفائدة ما شهد لها الشرع بذلك 53 ومنها أن الشارع قد بين المصالح 53 فتنة العالم والمتعلم 53 منها أن هذا شأن الفلاسفة - وهو مذموم 54 فضل العلم 54 عصمة نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- من الزنى وخلاف بين اثنين من مشايخ العصر 54 تعلم كل علم فرض كفاية 54 السحر والطلسمات 54 حكاية يهودي فسر آية 54 كتاب "كتب حذر منها العلماء" فيه تحذير من كتب السحر والشعوذة المنتشرة 55 الرد على من قال تعلم كل علم فرض كفاية 55 السلف لم يخوضوا في العلوم التي ليس تحتها عمل 55 قصة صبيغ 55 الدين الإسلامي أمته أمة أمية وهي العرب وهذه علوم ليست من علومها 56 تخريج حديث نحن أمة أمية 56 توضيح مناط فرض الكفاية في العلوم 56 تعلم العرب للعلوم 56 السحر وذمه 57 الرد على الفريق الأول بأنه من التكلف فهم ما لا يتوقف فهم المعنى عليه 57

قصة عمر مع قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} 57 معنى الأبّ 57 معنى التخوف في قوله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} 58 تخريج الأثر وكذا عزو بيت الشعر إلى مصادره وتفسيره 58 أهمية الشعر في تفسير القرآن 58-59 قصة صبيغ 59 علم الهيئة 59 علم العدد 60 الهندسة والتعديل النجومي والمنطق والضروب 60 الخط بالرمل وتخريج حديثه مطولا 60 الطعن في حديث في "الصحيح" بأنه زيد فيما بعد 60-63 الرد على من ضعف الحديث وجمعهم في سياق واحد, مختصرا التنبيه على خطأ عند الرافعي في متن الحديث 64 عد الذهبي الحديث من الأحاديث المتواترة 64 ذكر من هو النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يخط 64 استدلالهم بآيات من القرآن على علومهم أفسد استدلال 65 بل لا بد من الفهم على لسان العرب 65 الاعتبار من علوم الفلاسفة 65 ما يتوقف عليه مطلوب أصول الفقه 66 المقدمة السادسة 67 1- في المعاني الإجمالية 68 نقض منطق الفلاسفة وإبطاله 67 2- في المعاني التفصيلية التي لا تليق بالجمهور 68 صعوبة تفسير كلام الفلاسفة عليهم وعلى العوام 68 يكفي في الإيمان التصديق 69 اهتمام العرب بالمعاني 70 وكذلك القرآن 71

الأقيسة المركبة لا يفسر بها القرآن 71 تكليف ما لا يطاق 72 المقدمة السابعة 73 العلم الشرعي وسيلة التعبد لله تعالى 73 الدليل الأول: العلم هو ما فاد عملا علوم مساعدة للعلوم الشرعية 73 الدليل الثاني: الشرع إنما جاء بالتعبد 74 التوحيد 74 التعقيب على تفسير قتادة وتخريجه 75 تخريج حديث مخالفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 76 تأثير الغزالي على الشاطبي 76 تخريج أحاديث السؤال عن العلم 77 مطابقة العلم العمل 77-82 ذكر أحاديث في العلم والعمل وتخريجها 77 العلم وسيلة للعمل في طاعة الله 83 هل يحصل علم وتكذيب؟ 84 المستشرقون كفار مع علمهم 84 فصل: 85 فضل العلم جملة 85 فوائد العلم 86 لذة العلم والقصد إلى العلم صحيح 86 تعلم العلم لغير الله غير صحيح 87 تخريج أحاديث في ذلك 87 المقدمة الثامنة 89 مراتب أهل العلم 89 الأولى: الطالبون في رتبة التقليد 89 الثانية: الواقفون على براهينه 89 الموازنة بين علماء السلف وعلماء العصور المتأخرة 90

الثالثة: المجتهدون 90 الإيمان والحفظ عن المعاصي من فوائد العلم 90-91 تخريج حديث نزول: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} 93 القلق والخوف من آثار العلم 93 الرسوخ في العلم 94 ذم علماء السوء 95 الرسوخ في العلم 95-96 عز الدين بن عبد السلام وجهاده 95 أسباب تخلف الحفظ من المعاصي 95-96 1- العناد 2- الفلتات في الغفلات 96 معنى الجهالة 96 3- أن لا يكون من الراسخين 97 حديث افتراق الأمة، تخريجه والتعقيب عليه 98 كثرة الفرق 98 ذم القياس 99 أحاديث رفع العلم وآثار في العمل به 100-103 الاقتصار على الصحيح 101 علماء السوء 103 كيف يصير العلم لله 103 فصل: 104 العلم والخشية 104-105 المقدمة التاسعة 107 صلب وملح العلم وتفسيرها 107 صلب العلم: الأصل المعتمد 107 إفادة العلم القطعي 107 خواص هذا العلم 108 1- العموم والاطراد 108

2- الثبوت 109 3- كون العلم حاكما لا محكوما عليه 110 ملح العلم 110 هو ما تخلف عنه شرط من الخواص السابقة 110 أمثلة على تخلف الخواص 110 الأول: الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه 111 الطهارة والصلاة والصيام 111 الثاني: التزام كيفيات في تحمل الأخبار والآثار مثل الأحاديث المسلسلة 112 تخريج حديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن" 112 الثالث: استخراج الحديث من طرق كثيرة دون فائدة 113 قصة حمزة الكناني في ذلك 114 الرابع: الرؤيا فيما لا يرجع إلى بشارة أو نذارة 114 الخامس: المسائل التي ليس تحتها خلاف ينبني عليه عمل 115 ذكر مسائل في النحو من اللغة 115 السادس: الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية 116 السابع: تثبيت المعاني بأعمال الصالحين 116 معنى الصوفية وأصلها 116 الثامن: كلام أهل الولاية 117 التاسع: حمل بعض العلوم على بعض دون وجود ترابط بينهما مع ذكر قصة طريفة 116 قصة أخرى للكسائي مع أبي يوسف 118-119 وأخرى لابن البناء في تفسير: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} 120 الثالث: ما ليس من صلب العلم ولا من ملحه ويرجع إلى أصله بالإبطال 120 عدة أهل الأهواء 121 الباطنية 121 كتب وعلوم حذر منها العلماء 121 فصل 123 اختلاط في صور القسمين 123

تحديث الناس بما يفهمون 123 كلمة عظيمة في ذم التقليد 124 المقدمة العاشرة 125 مقاصد العقل والنقل والعقل تابع بأدلة: 125 الأول: أنه لا يكون متجاوزا حده 125 الثاني: أن العقل لا يحسن ولا يقبح - التحسين والتقبيح 125 التحسين والتقبيح: المذاهب فيه والقول الراجح 125-130 الثالث: أن لو كان كذلك جاز إبطال الشريعة بالعقل 131 العقل في الشرع 131 مناقشة هذا القول 131-132 رد على المناقشة 132 كيفية إثبات اللغات العربية ومعانيها 132 القياس والعقل 133 قضاء القاضي الغضبان وقياس غيره عليه 134-135 المقدمة الحادية عشرة 137 العلم المعتبر ما انبنى عليه عمل ودلت عليه الأدلة الشرعية 137 المقدمة الثانية عشرة 139 أخذ العلم عن أهله المتحققين فيه 139 طرق العلم 139 الأول: الفطرة 139 الثاني: التعلم 139 فصل 141 علامات العالم الذي يؤخذ عنه العلم 141 أولا: العمل بما علم 141 ثانيا: أن يكون أخذ العلم عن الشيوخ 142 ذكر أمثلة عن الصحابة وقصة الحديبية 142 قصة أبي جندل يوم الحديبية 143

سير التابعين على سير الصحابة، وأن ذلك منهج أهل الحق ومخالفته منهج أهل الابتداع 144 ذم ابن حزم الظاهري لأنه بدون شيوخ 144 مدح الأئمة الأربعة 144 ثالثا: الاقتداء بأهل العلم قبله 144 مدح مالك 145 فصل 145 طرق أخذ العلم عن العلماء 145 أولا: المشافهة وفيها فوائد 145 خاصية جعلها الله بين المعلم والمتعلم 145 حديث موافقات عمر وفضله 146 قلة تأليف السابقين للكتب وسببه 147 ثانيا: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين بشرطين: 147 الأول: حصول الفهم 147 الثاني: تحري كتب المتقدمين 148 دليل ذلك: التجربة 148 سبب فساد الفقه المالكي عند المصنف: 148 الأول: بناء فروع فقهية على قواعد أصولية أُدخلت في المذهب 148 الثاني: إدخال جملة من مسائل الغزالي في مذهب مالك 148 الخبر 149 تفسير الملك العضوض 149 تخريج أحاديث وآثار في فضل المتقدمين 150 دلالة الأحاديث على نقص الدين والدنيا 153 المقدمة الثالثة عشرة 155 اطراد الأصول على مجاري العادات 155 أمثلة على فهم الأقوال 156 تفسير قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} 156

مناقشة الشيخ دراز للشيخ خضر حسين 156 تفسير آيات على هذا المنوال وتعقب الشيخ دراز عليه في آية: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} 157 أمثلة على مجاري الأسلوب 157 تحريم الخمر 158 أمثلة على مجاري الأفعال 159 مناقشات المصنف مع معاصريه 159 مسألة الخشوع في الصلاة وترك التفكير 160 ترك الحرام والخروج عن المال 160 الخروج عن الخلاف 161 الورع 161 نقل عزيز من حاشية المخطوط عن مناقشة المصنف لابن عرفة 162 التفريق بين اختلاف الأدلة واختلاف الأقوال 164 الخلاف غير المعتد به 164 الخلاف المعتد به 165 المتعة 165 الورع في تساوي الأدلة 165 تعسر الخروج من الخلاف بين المذاهب 165 القسم الثاني: كتاب الأحكام 167 كتاب الأحكام 169 أقسام الأحكام الشرعية 169 ما يرجع إلى خطاب التكليف 169 ما يرجع إلى خطاب الوضع 169 المسألة الأولى 171 المباح 171 استفادة المصنف من السابقين 171 المباح هل هو مطلوب الفعل أم الاجتناب وبداية المناقشة 171 المباح ليس مطلوب الاجتناب لأمور: 171

أولا: المباح مخير فيه 172 ثانيا: المباح مساوٍ للواجب والمندوب في أنه غير مطلوب الترك 172 ثالثا: استواء الفعل والترك شرعا 172 رابعا: إجماع المسلمين أن ناذر المباح لا يلزمه الوفاء 173 تخريج أحاديث في النذر 173 مناقشة المصنف كلام الإمام مالك 173 خامسا: أن تارك المباح لو كان مطيعا لكان أرفع درجة ممن فعله 174 الدرجات في الآخرة ومناقشة المصنف 174 سادسا: لزوم رفع المباح من الشريعة 175 سابعا: الترك فعل داخل تحت الاختيار 175 معارضة ما سبق بأمور: 176 أضرار المباح اشتغال عن الأهم 176 اشتغال عن الواجبات ووسيلة إلى الممنوعات 176 الشرع جاء بذم الدنيا 176 تخريج أحاديث في ذم الدنيا 176 تعقب العراقي في تخريج حديث لم يظفر به 177 الأشبه أنه من قول الحسن 177 عودة أصولية إلى المباح ومناقشة المعارضة 178 الكلام في المباح "حيث هو متساوي الطرفين" 178 الوسائل والمقاصد 179 أقسام المباح من حيث هو وسيلة وباب الوسائل 179 المباح قد يكون فيه ترك حرام 180 شبهة أن المباح سبب في طول الحساب 180 مناقشة ذلك من أوجه 180 المباح له أركان ومقدمات وأنواع وشروط 181 الحقوق تتعلق بالتروك والأفعال 182 المباح من جملة المنن 182 الاحتجاج للمباح بترك السلف له 184

هي حكايات أحوال 184 معارضة بمثلها 185 خريج الأحاديث في ذلك 185 مبادرة السابقين إلى الخيرات 187 ترك المباح لأمور خارجة عن كونه مباحا فقط 188 فعل عائشة في ترك الأموال 188 ترك المباح لتحصيل أخلاق معينة 188 ترك المباح مع الشبهة 190 ترك المباح لعدم النية 190 الانشغال بالتعبد لترك المباح 191 تركه خوف الإسراف 191 الزهد 192 فصل: المباح غير مطلوب الفعل أيضا 194 الاستدلال عليه 195 مذهب الكعبي وتصوير مأخذه 195 أولا: لزوم أن لا توجد الإباحة 195 ثانيا: وإلا ارتفعت الإباحة رأسا 196 ثالثا: الواجب ذلك في جميع الأحكام 196 قصد الشارع فعل بعض المباحات وترك بعضها 197 التمتع بالطيبات 197 التمتع بالنعم 198 قبول هدايا الله وصدقاته وتخريج أحاديثها 198 الرخصة والإباحة 200 المباح قد يكون فعله الراجح 200 الطلاق السني 200 اللهو المباح والباطل وتخريج الحديث 202 الإجابة على المناقشة 203

الإجمالي: المباح هو المتساوي الطرفين 203 التفصيلي: المباح ضربان 203 أحدهما: خادم لأصل والثاني أن لا يكون 203 الثاني: إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِمَا يَنْقُضُ أَصْلًا أو لا يكون خادما 204 الطلاق وذم الدنيا 204 اللهو المباح 205 الجهاد 205 المسألة الثانية 206 المباح يكون مباحا بالجزء مطلوبا بالكل ندبا أو وجوبا وَمُبَاحًا بِالْجُزْءِ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْكُلِّ عَلَى جِهَةِ الكراهة أو المنع 206 القسم الأول كالتمتع بالطيبات 206 تخريج أحاديث في التوسعة 207 القسم الثاني: كالأكل والشرب ووطء الزوجات 208 القسم الثالث: التنزه في البساتين وغيرها 209 القسم الرابع: المباحات التي تقدح في العدالة "بشروط" 209 أمثلة على اللهو المنهي عنه والاحتراف بها 210 تخريج حديث: $"لا كبيرة مع الإصرار" 210 فصل: الفعل المندوب بالجزء واجبا بالكل 211 ذكر بعض الأمثلة على ذلك ومناقشة المؤلف فيها 211 فصل: الفعل المكروه بالجزء ممنوع بالكل 212 ذكر الأمثلة على الشطرنج والغناء 212 فصل: الواجب والفرض 213 قاتل العمد 213 ترك الصلوات والجمعات 213-214 الشهادة وترك الجمعات 214 المداومة على المعاصي 215 السرقة 216

فصل: اختلاف أحكام الأفعال 216 أمثلة في المباح 216 أمثلة في المندوب 217 أمثلة في المكروه 218 تخريج حديث في قتل النمل 218 الواجب والمحرم وتساويهما 219 أمثلة في الحدود وأمور أخرى 219 حكم اتفاق الناس على ترك المندوب 220 فصل: الدليل على صحة تصوير الكلية والجزئية: 221 منها: تجريح من داوم على شيء ... 221 منها: الشريعة وضعت على اعتبار المصالح 221 منها: التحذير من زلة العالم 222 المسألة الثالثة 223 اختلافات المباح 223 الأول: المخير بين الفعل والترك 223 الثاني: ما لا حرج فيه فهو أقسام 223 خادم لأمر مطلوب الفعل أو لمطلوب الترك أو المخير أو لخالٍ منها 224 أمثلة على ذلك 224 توضيحات لتلك الأمور في الحاشية 225 ما كان غير خادم لشيء 226 المسألة الرابعة 225 المباح إذا أطلق بمعنى لا حرج 227 المباح المطلوب الترك والتخيير 228 الرماية 229 قصة سلطنة بخارى في رفض الأسلحة الحديثة 229 الوجه الأول: أحد الإطلاقين صريح في رفع الحرج والإثم 230 إطلاقات ترفع الجناح مع الواجب ومع المندوب 230-231

الوجه الثاني: لفظ التخيير مفهوم من قصد الشارع إلى تقرير الإذن 231 الوجه الثالث: مَا لَا حَرَجَ فِيهِ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِيهِ على الإطلاق 231 المسألة الخامسة 233 وصف المباح هو بالنسبة للمكلف 233-234 المسألة السادسة 234 الأحكام الخمسة تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد 234 الدليل الأول: ما ثبت أن الأعمال بالنيات 234 الدليل الثاني: عدم اعتبار أفعال المجنون والنائم ... 235 خطاب الوضع وخطاب التكليف 235 تخريج حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" 236 الدليل الثالث: الإجماع على عدم تكليف ما لا يطاق 237 خطاب الوضع وخطاب التكليف 237 أحكام السكر 238 المسألة السابعة 239 المندوب باعتبار أعم خادم للواجب 239 فصل: المكروه باعتبار أعم خادم للحرام 240 الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ 240 مَا حَدَّ لَهُ الشَّارِعُ وَقْتًا محدودا من الواجبات والمندوبات 240 ذم إخراج العبادة عن وقتها 240 أولا: الوقت لمعنى قصده الشارع 240 ثانيا: يلزم أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فيه العتب ليس من الوقت المعين 241 إثبات أن حديث: "أول الوقت" واهٍ 241 أول الوقت عند مالك 242 قضاء الصوم 243 الحج على الفور 243 المسابقة إلى الخيرات 244 أوقات الصلاة أولها وآخرها 244

فروض مطلوبة مرة في العمر 245 الكفارات والواجب المخير 245 الحج ماشيا والخطا إلى المساجد 246 تضعيف حديث الأوقات السابق 246 الرد على مذهب مالك في المسابقة 246 المسألة التاسعة 246 الحقوق الواجبة على المكلف ضربان 246 حقوق محدودة شرعا 246 حقوق غير محدودة 247 اللزوم والترتيب في الذمة 247 غير المحدودة لا تترتب في الذمة لأمور 247 أولا: لأنها مجهولة 247 فروض الكفايات 247 إطعام وكساء الفقراء بما يسد الحاجة 248 ثانيا: يؤدي ترتيبها في الذمة إلى ما لا يعقل 248 ثالثا: يترتب أن يكون فِي ذِمَّةِ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ بَاطِلٌ 249 رابعا: يؤدي إلى العبث 249 الزكاة تؤدى ولو لم تظهر عين الحاجة 250 هل الجهل مانع من الترتب في الذمة 250 الجهل المانع من أصل التكليف 250 فصل: فروض العين والكفاية 252 المسألة العاشرة 253 مرتبة العفو عليها أدلة 253 أولا: أن الأحكام الخمسة تتعلق بأفعال المكلفين 253 ثانيا: النص على هذه المرتبة 253 أسئلة الصحابة للنبي, صلى الله عليه وسلم 254 ثالثا: ما يدل على المعنى بالجملة 255

كراهية السؤال عن الأحكام لغير حاجة 256 كراهة كثرة السؤال 256 فصل: مواطن العفو في الشريعة 259 1- الخطأ والنسيان 259 2- الخطأ في الاجتهاد أصولا وفروعا والخلاف في هذه المسألة 259 3- الإكراه 260 4- الرخص؛ فيها رفع الجناح وسقوط الإثم 260 5- الترجيح بين الأدلة 260 6- مخالفة الدليل الذي لم يبلغ العالم 260 7- الترجيح بين الخطابين عند التزاحم 261 8- المسكوت عنه 261 فصل: استدلالات من منع مرتبة العفو 261 أولا: أن أفعال العباد داخلة تحت أحكام الشرع ولا زائد عليها 261 ثانيا: الحكم الشرعي له الاعتبار وغير الشرعي لا اعتبار به 261 ثالثا: أنه واقع ضمن مسألة هل تخلو بعض الوقائع عن حكم الله؟ 262 فصل: ضوابط ما يدخل تحت العفو 263 حصر أنواع النصوص: 363 أحدها: الوقوف مع مقتضى الدليل المعارض 263 الثاني: الخروج عن مقتضاه عن غير قصد 263 الثالث: العمل بما هو مسكوت عن حكمه 263 النوع الأول: يدخل تحته العزيمة 263 الخطأ في الاجتهاد لمن ليس أهله 264 طاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتخريج بعض الأحاديث في ذلك 264 المصنف يقلد غيره في تخريج الأحاديث والتنبيه على خطأ له في ذلك 265 قصة بني قريظة 266 قضاء القاضي وخطؤه في الاجتهاد 266 النوع الثاني: الْخُرُوجُ عَنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ 267

جهالة تحريم الخمر 267 الرجوع إلى الحق 268 الخطأ والنسيان 268 التجاوز عن عثرات ذوي الهيئات ومناقشة المؤلف في إدخاله في العفو 269 تخريج حديث المسألة ومناقشة المصنف 269 درء الحدود بالشبهات 271 العفو الأخروي 271 مخالفة التأويل مع معرفة الدليل 272 قصة قدامة بن مظعون في شرب الخمر 272 المستحاضة والنفساء والصلاة 273 المسافر يقدم قبل الفجر 273 النوع الثالث: العمل بما هو مسكوت عن حكمه 273 ترك الاستفصال مع وجود مظنته 274 طعام أهل الكتاب 274 مجاري العادات مع استصحابها في الوقائع 275 تحريم الخمر 275 الربا 276 البيوع المحرمة وغيرها 276-277 الثالث: السُّكُوتِ عَنْ أَعْمَالٍ أُخِذَتْ قَبْلُ مِنْ شَرِيعَةِ إبراهيم, عليه السلام 277 أمثلة من أفعال العرب قبل الإسلام 277 النكاح والسفاح والحج والعمرة وأحكام أخرى كانت معروفة عند العرب 277 هل العفو حكم, أي: ينبني عليه حكم عملي؟ 277 المسألة الحادية عشرة 278 فرض الكفاية 278 أدلته: 278 أولا: القرآن 278 ثانيا: القواعد الشرعية 279

الإمامة/ الولاية/ الخلافة 279 ثالثا: ما وقع من فتاوى العلماء 280 فرض الكفاية -كما مر- بخصوص الأهلية 280 النهي عن الإمارة 281 القصاص 281 طلب العلم 282 الإمامة 282-283 حكم الناس إقامة القادر 283 فصل: 284 تقديم في التعليم والتربية بكلام لا تجده عن فصحاء التربية ولسانها الآن 284 "ويمكن تسميته سبيل إنهاض الأمة" المسألة الثانية عشرة 287 الإباحة للضرورة أو الحاجة وأقسامه 287 أولا: الاضطرار إلى فعل المباح، يلزم فيه الرجوع للأصل وترك العارض لأوجه: 287 منها: أن المباح صار واجب الفعل 287 ومنها: أن محال الاضطرار مغتفرة 288 ومنها: أنه يؤدي إلى رفع الإباحة 288 ثانيا: أن لا يضطر إليه ولكن يلحقه الحرج بالترك 288 المسألة الثالثة عشرة 290 سبب فقدان العوارض بالنسبة للأصل 290 الاعتراض على المصنف في ترتيب المسألة 290 مفسدة فقد الأصل أعظم من غيره لأمور: 291 1- لأن المكمل مع مكمله كالصفة مع الموصوف 291 2- لأن الأصل مع مكملاته كالكلي مع الجزئي 291 3- المكمل مقوٍّ لأصل المصلحة 291 عودة إلى المسألة السابقة 291 القسم الثالث: أَنْ لَا يُضْطَرَّ إِلَى أَصْلِ الْمُبَاحِ وَلَا يلحق بتركه حرج 291

البيوع الفاسدة والصحيحة والربا 292 الحيل والوسائل 292 العفو والإباحة 292 المتشابهات 293 الاحتياط للدين ثابت 294 القسم الثاني من قسمي الأحكام، وهو ما يَرْجِعُ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ، وَهُوَ يَنْحَصِرُ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَالْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ 297 هذه خمسة أنواع عند المصنف 297 الآمدي خالف المصنف في أمور لا ثمرة تحتها 297 النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْأَسْبَابِ 298 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 298 الْأَفْعَالُ الشرعية ضربان: 298 أحدهما: خارج عن مقدور المكلف 298 الثاني: ما يصح دخوله تحت مقدور المكلف 298 الأول قد يكون سببا وشرطا ومانعا 298 أمثلة على السبب 298 والشرط 298 والمانع 299 والثاني: له نظران: 299 أحدهما: ما يدخل تحت خطاب التكليف 299 ثانيهما: مَا يَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِ الْوَضْعِ: 300 إِمَّا سَبَبًا مثل النكاح سبب في حصول الإرث بين الزوجين 300 وإما شرطا: ككون النكاح شرطا في الطلاق 300 والمانع: كنكاح الأخت مانع من الأخرى 300 قد تجتمع هذه الثلاثة في أمر واحد لكن لا على حكم واحد 301 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: 301 مَشْرُوعِيَّةُ الْأَسْبَابِ لَا تَسْتَلْزِمُ مَشْرُوعِيَّةَ المسببات؛ لأنها قد تكون غير داخلة تحت =

= مقدور العبد كنفس الإزهاق 301 الأمر بالبيع لا يستلزم الأمر بإباحة الانتفاع بالمبيع 302 للمكلف تعاطي الأسباب والمسببات من فعل الله 302 أدلة ذلك وتمثيل ذلك بالرزق 302 تمثيل ذلك في الرزق بالزرع وطلب التوكل على الله 303 تخريج حديثين في التوكل 303-304 ذكر أدلة من القرآن على ذلك وتفسيرها بما يقتضي مقام السبب والمسبب 305 إثبات أن ذلك مقطوع به بالاستقراء 306 التكليف لا يتعلق إلا بمكتسب 306 شبهة ومناقشتها في مسألة الاستلزام في السبب والمسبب 306 الأسباب الممنوعة غير معتبرة شرعا 307 المسألة الثالثة: 308 لا يلزم في تعاطي الأسباب الالتفات إلى المسببات: 308 1- لأن المسببات راجعة إلى الحاكم المسبب "الله" 308 2- المطلوبات الشرعية قد يكون للنفس فيها حظ 308 الولاية الشرعية وعدم إعطائها لمن سألها 308 أخذ المال بإشراف نفس 309 3- عباد الأمة أخذوا بتخليص الأعمال من شوائب الحظوظ 310 قاعدة تقديم ما لا حظ من الأعمال على ما حظ فيه 310 الخلاصة: أن الالتفات إلى المسببات في الدخول إلى الأسباب ليس شرطا 311 أسباب مشروعة وغير مشروعة 311 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: 311 وَضْعُ الْأَسْبَابِ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْوَاضِعِ إلى المسببات 311 الدليل: أَنَّ الْعُقَلَاءَ قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَمْ تَكُنْ أسبابا لأنفسها 311 وآخر: أن الأحكام الشرعية شرعت لأجل المصالح ودرء المفاسد 311 الثالث: الْمُسَبَّبَاتِ لَوْ لَمْ تُقْصَدْ بِالْأَسْبَابِ، لَمْ يَكُنْ وضعها على أنها أسباب 312 الْمُسَبَّبَاتِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ بالأسباب ومناقشة ذلك مع ما مر 312

المسألة الخامسة: 313 للمكلف ترك القصد إلى المسبب وله القصد أيضا 313 الشارع ينهى ويأمر لأجل المصالح 313 السبب غير فاعل بنفسه 314 مثل العدوى، وتخريج حديثها 314 حديث التوكل 314 ليس فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ نَاصٌّ عَلَى طَلَبِ الْقَصْدِ إلى المسبب 315 المراد بالتكليف: مطابقة قصد المكلف قصد الشارع 316 هذه شبهة ومناقشتها 316 فصل 317 للمكلف قصد المسبب 317 التمثيل بالرزق 317 قصد المسببات في العاديات لازم لظهور المصالح بخلاف العباديات 319 المجتهد وقصد المسببات 320 المقلد في ذلك 320 القضاء في الغضب وغيره 320 المسألة السادسة: 321 مراتب الالتفات إلى المسببات: 321 الأولى: أنه فاعل للمسبب وهو شرك 321 الثانية: الدخول على أن المسبب يكون عادة وهو موضع الكلام 322 الثالثة: الدخول على أن المسبب من الله 322 العدوى 323 فصل: مراتب ترك الالتفات إلى المسبب: 323 إحداها: الدخول مِنْ حَيْثُ هُوَ ابْتِلَاءٌ لِلْعِبَادِ وَامْتِحَانٌ لَهُمْ 323 وهذا ضربان: 323 ما وضع لابتلاء العقول وهو العالم كله 324 مَا وُضِعَ لِابْتِلَاءِ النُّفُوسِ وَهُوَ الْعَالَمُ كُلُّهُ أيضا 324

أدلته من القرآن 24 الثانية: أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِحُكْمِ قَصْدِ التَّجَرُّدِ عَنِ الالتفات إلى الأسباب 325 التوحيد والشرك 325 الثالثة: الدخول فِي السَّبَبِ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ مُجَرَّدًا عَنِ النظر في غير ذلك 326 المسألة السابعة: 327 الدخول في السبب المنهي عنه وغير المنهي عنه ورفع التسبب 327 أمثلة على ذلك وتفصيلها 327 الأولى 327 الثانية 328 الثالثة 328 التوكل عند أهل التصوف والأخذ بالأسباب 328 الإيمان بالقدر 329 قصة في التوكل عند غلاء الأسعار 329 العمليات الانتحارية أم الاستشهادية؟ 330 أمثلة قريبة منه 331 الفتوى على حسب السائل والسؤال 332 صاحب اليقين والتوكل والأخذ بالأسباب وتفصيل ذلك 332 مرتبة الابتلاء 334 مرتبة أخرى 335 وأخرى 335 الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: 335 إِيقَاعُ السَّبَبِ بِمَنْزِلَةِ إِيقَاعِ الْمُسَبَّبِ 335 أدلة ذلك 336 الداخل فِي السَّبَبِ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مُقْتَضِيًا لِمُسَبَّبِهِ 338 الثواب والعقاب على الفعل وعدمه 338 المسألة التاسعة: 339 ما بني على ما سبق وهو ثمرة البحث 339

أحدها: متعاطي الأسباب على وجه صحيح ثم قصد أن لا يقع المسبب فقد قصد محالا 339 الأسباب المشروعة وغير المشروعة 339 الشارع قاصد لوقوع المسببات عن أسبابها 340 كل قصد ناقض ذلك فهو باطل 340 الإشكال على ذلك من وجهين والجواب عليه 341 رفض العبادة 343 الأسباب الشرعية ومسبباتها 344 النهي لا يدل على الفساد 345 البيوع الفاسدة عند مالك 346 فصل: فعله السبب عالما بأن المسبب ليس إليه زاد أعمال القلب كالإخلاص والتفويض والتوكل والصبر 346 الإخلاص 346 التفويض 347 الصبر والشكر 348 فصل: ومن الثمرات النصيحة للنفس والغير 348 في العاديات والعباديات 349 فصل: الطمأنينة 349-350 كفاية الهموم 351 الزهد 352 فصل: ومن الثمرات التوسط في الأمور 353 النصب والخوف والإشفاق مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الناس 354 نفوذ القدر المحتوم 356 فصل: تَارِكَ النَّظَرِ فِي الْمُسَبَّبِ أَعْلَى مَرْتَبَةً وَأَزْكَى 357 الصوفية لفظ مبتدع والتزكية لفظ شرعي 358 المسألة العاشرة: 359 اعتبار المسببات بالأسباب 359

أنه إذا لم يلتزم الشرع فيها قد يقع فيها ما ليس في حسابه من الشر مثل السنن السيئة 359 تزييف الدراهم والدنانير، ترويج العملة 361 كثرة الخطا إلى المساجد 361 قيام الساعة على الأمة 361 النعم شكرها وكفرها 362 عود إلى التسبب واستغفار الأرض للعالم 363 فصل: فائدة ارتفاع الإشكالات التي ترد 364 مثل: توسط الأرض المغصوبة ومناقشتها مناقشة مختلفة الأوجه 364 ومن تاب عن القتل بعد إطلاق وسيلة القتل 366 فصل: المسببات علامة على فساد أو صحتها الأعمال 366 تضمين الصناع 367 الأعمال الظاهرة دليل على الأعمال الباطنة 367 فصل: المسببات قد تكون عامة وقد تكون خاصة 368 ذكر أمثلة على الخاصة 368 وأمثلة عن العامة وهي سبب الفساد في الأرض 368 تخريج حديث الغلول 368 ازدياد الحرص على الخير 371 فصل: مواضع الالتفات إلى الأسباب والضابط فيها أن لا يمر على الأصل بالفساد 371 الاستعداد للقتال والجهاد دفاعا عن الأمة 371 الضابط قسمان: 372 قسم بإطلاق وقسم على بعض المكلفين 372 وله تقسيم من جهة أخرى ما كان مظنونا به أو مقطوعا به 372 فصل: تعارض الأصلين على المجتهد 373 الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: 374 الْأَسْبَابُ الْمَمْنُوعَةُ أَسْبَابٌ لِلْمَفَاسِدِ لا للمصالح 374 مِثَالُ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ 374

المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة ناشئة عن أسباب أخرى مناسبة لها 375 الاستدلال على ذلك وتوضيحه 375 القضاء والحكمة 376 اختلاف الاجتهاد والمجتهدين 377 الغصب وأمثلة أخرى 378 فصل: أحكام ترتبت على ذلك في مذهب مالك 379 الطلاق والسفر 379 بيع العينة 381 فصل: قد يكون للمسائل نظر من باب آخر 381 فصل: النظر إلى المسببات العادية 381 المسألة الثانية عشرة: 382 الأسباب شرعت لتحصيل المسببات "المصالح والمفاسد" 382 والمسببات ضربان 382 - ما شرعت الأسباب لها بقصد الشارع أو بقصد المكلف 382 - ما كان لغير ذلك 383 وهذه أقسام: 383 مَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ السَّبَبَ شُرِعَ لأجله, أمثلة على ذلك بالنكاح وغيره 383 الثاني: مَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ السَّبَبَ لَمْ يشرع لأجله ابتداء فهو باطل 383 من أوجه بطلانه الثلاثة 384 نكاح المحلل وغيره 386 تعليق الطلاق على النكاح 386 أمثلة من مذهب مالك كنكاح من في نفسه أن يفارق 387 مناقشة ما سبق من وجهين: إجمالي وتفصيلي 389 المسألة الثالثة عشرة: 390 السَّبَبَ الْمَشْرُوعَ لِحِكْمَةٍ لَا يَخْلُو أَنْ يُعْلَمَ أَوْ يُظَنَّ وُقُوعُ الْحِكْمَةِ بِهِ أَوْ لَا 390 وهذا على ضربين: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِتِلْكَ الحكمة أو لآخر خارجي 390 فالأول ينفي المشروعية 390

وأدلة ذلك 391 والثاني: فيه خلاف على تأثيره على أصل المشروعية وأدلة المجيز 391 1- القضايا الكلية لا تقدح فيها قضايا الأعيان 391 2- الحكمة تعتبر بمحلها أو بوجودها 392 التمثيل على ذلك بمشقة السفر والملك المترفه 392 مناقشة ذلك والرد والرد على الرد 392 3- اعْتِبَارَ وُجُودِ الْحِكْمَةِ فِي مَحَلٍّ عَيْنًا لَا ينضبط 393 مناقشة المسألة 394 أدلة المانع 394 1- قبول المحل ذهنا أو في الخارج 394 2- فيه نقض لقصد الشارع 395 3- غلبة الظن في ذلك 395 الملك المترفه والربا في الصدق 395 العلة في موضع الحكمة 396 فصل: 396 مسألة التعليق والجواب عنها 396 النكاح للبر في اليمين 396 اعتماد ذلك على أصلين 399 فصل: القسم الثالث: أن يقصد مسببا لا يظن أو يعلم أنه مقصود الشارع وهو محل إشكال 400 المسألة الرابعة عشرة: 400 الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا وكذلك غير المشروعة 401 أمثلة على ذلك منها قتل الحر بالعبد 401 قد يكون ذلك يسبب مصلحة ليس ذلك سببا فيها 402 وقد يكون يفعل ذلك لقصد وهو على وجهين 402 - أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْمُسَبَّبَ الَّذِي مُنِعَ لِأَجْلِهِ لا غير ذلك 402 أمثلة على ذلك 403

منها ميراث القاتل 403 وضمان المغصوب 403 والثاني: أن يقصد توابع السبب 405 قاعدة "المعاملة بنقيض المقصود" 405 النوع الثاني في الشروط 405 المسألة الأولى: 405 معنى الشرط عند المصنف وعند ابن الحاجب 406 أمثلة ذلك 407 المسألة الثانية: اصطلاح الكتاب في السبب والعلة والمانع وتعريفها 410 المسألة الثالثة: الشروط ثلاثة أقسام: عقلية وعادية وشرعية 413 المسألة الرابعة: الشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف 413 أمثلة على ذلك 413 إشكال على ما سبق وذكر أمرين لرفعه 414 أولا: أن ما سبق هو من العقليات 414 ثانيا: أن العقل شرط مكمل لمحل التكليف 415 المسألة الخامسة: السَّبَبَ إِذَا كَانَ مُتَوَقِّفَ التَّأْثِيرِ عَلَى شَرْطٍ فلا يصح أن يقع المسبب دونه 415 في مذهب مالك وغيره: أن الحكم إذ حَضَرَ سَبَبُهُ وَتَوَقَّفَ حُصُولُ مُسَبَّبِهِ عَلَى شَرْطٍ هل يصح وقوعه بدون شرط؟ 416 أمثلة على ذلك 416 المسألة السادسة: الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَشْرُوطَاتِ شَرْعًا عَلَى ضَرْبَيْنِ: 421 أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ 421 والثاني: ما كان راجعا إلى خطاب الوضع 421

المسألة السابعة: إذا تَوَجَّهَ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِلَى فِعْلِ الشَّرْطِ أَوْ تركه من حيث هو فعل فلا يخلو أن يفعله أو يتركه وهو داخل تحت خطاب التكليف 422 أمثلة على ذلك مع تخريج أحاديثها 423 الجمع بين المتفرق والتفريق بين المجتمع في الصدقات 423 الخيار في البيع والمحلل في السباق 425 حديث بريرة في الولاء 427 بيوع منهي عنها 427 أمثلة أخرى مع تخريج أحاديثها 428 المصالح معتبرة في الأحكام 432 الشَّرْطَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَنْهَضِ السَّبَبُ أن يكون مقتضيا 432 مناقشة للأدلة السابقة ومناقشة لبعض إشكالات لزومها 433 فصل: بطلان العمل السابق أو عدمه 435 أوجه تجاذب المسألة من ثلاثة أوجه 435 أحدها: مجرد انعقاد السبب كافٍ 436 الثاني: مجرد انعقاد السبب غير كافٍ 436 الثالث: أن يفرق بين حقوق الله وحقوق الآدميين 437 المسألة الثامنة: 438 الشُّرُوطُ مَعَ مَشْرُوطَاتِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: 438 أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُكَمِّلًا لِحِكْمَةِ الْمَشْرُوطِ وَعَاضِدًا لَهَا 438 الثاني: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِمَقْصُودِ الْمَشْرُوطِ وَلَا مكمل لحكمته 439 الثالث: أَنْ لَا يَظْهَرَ فِي الشَّرْطِ مُنَافَاةٌ لِمَشْرُوطِهِ ولا ملاءمة 440 النوع الثالث: في الموانع 441 المسألة الأولى: 441 أنواع الموانع وتقسيماتها 441 أمثلة على هذا التقسيم 442

المسألة الثانية 444 الموانع ليست بمقصودة للشارع ومعناه 444 وهي على ضربين 444 ضرب داخل تحت خطاب التكليف 444 الضرب الثاني -وهو المقصود- وهو الداخل تحت خطاب الوضع 445 المسألة الثالثة: 446 الموانع الداخلة تحت خطاب التكليف 446 تمثيله والأدلة عليه 446 الإرهاب 449 الحجر الصحي 450 النوع الرابع في الصحة والبطلان 451 المسألة الأولى: 451 في معنى الصحة وإطلاقاتها 451 المسألة الثانية: 452 في معنى البطلان وإطلاقاته 452 تخريج حديث عائشة وزيد بن أرقم في الربا 456 المسألة الثالثة: 459 البطلان في العادات وتقسيمه إلى أربعة تقسيمات: 459 1- أن يفعل من غير قصد 459 2- أن يفعل لقصد نيل غرض مجردا 459 3- أن يفعل مع استشعار الموافقة اضطرارا 460 4- أن يفعل مع استشعار الموافقة اختيارا 461 وفيه تفصيل 461 فصل: إطلاق الصحة بالاعتبار الثاني 462 النوع الخامس: في العزائم والرخص 464 المسألة الأولى: 464 معنى العزيمة والتمثيل لها 464

الرخصة ومعناها 466 فصل: إطلاق الرخصة وأمثلة ذلك 469 فصل: التخفيف عن الأمة 469 فصل: وما فيه توسعة على العباد مطلقا 472 عود إلى العزيمة 472 العزيمة وأصحاب الأحوال 473 فصل: ما سبق من إطلاقاتها قد يكون لبعض الناس وقد يكون للعامة 474 المسألة الثانية: 474 حكم الرخصة من حيث هي رخصة الإباحة مطلقا 474 أدلة ذلك: 474 1- النصوص الدالة على رفع الحرج وإسقاط الإثم 474 2- أن الرخصة أصلها التخفيف وتوضيح ذلك 477 3- أنها لو كانت مأمورا بها ندبا أو إيجابا كانت عزائم 477 مناقشة ذلك والاستدلال له 478 الرد على المناقشة 480 المسألة الثالثة: 484 الرخصة إضافية لا أصلية 484 1- سبب الرخصة هو المشقة 484 المشقة في العادة 484 2- قَدْ يَكُونُ لِلْعَامِلِ الْمُكَلَّفِ حَامِلٌ عَلَى الْعَمَلِ 485 3- ما يدل على هذا من الشرع 486 مناقشة الحرج في الشرع 487 المسألة الرابعة 490 الإباحة المنسوبة إلى الرخص بمعنى رفع الحرج لا التخيير 490 توضيح ذلك بالأمثلة 490 كلمة الكفر والإكراه 491 الإباحة بمعنى التخيير 493

فوائد المسألة 493 الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: 493 التَّرَخُّصُ الْمَشْرُوعُ ضَرْبَانِ 493 أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون في مقابلة مشقة لا صابر عليها طبعا 493 الثاني: أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ مَشَقَّةٍ بِالْمُكَلَّفِ قُدْرَةٌ على الصبر عليها 494 حق الله وحظوظ العباد 494 حظوظ العباد على ضربين 494 ما يختص بالطلب وما لا يختص 495 تنبيهان 495 المسألة السادسة: 496 التخيير بين العزيمة والرخصة 496 الترجيح بينهما 496-497 الأخذ بالعزيمة من طرف أولى لأمور: 497 أولا: لأن العزيمة هي الأصل الثابت 497 ثانيا: لأن الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ فِي التَّكْلِيفِ كُلِّيٍّ 498 ثالثا: مَا جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْوُقُوفِ مع مقتضى الأمر والنهي 498 ذكر حال الصحابة في الأزمات وحين وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وارتداد العرب 499 الإكراه على كلمة الكفر 501 قصة أبي حمزة الخراساني ووقوعه في بئر 502 قصة الثلاثة الذين خلفوا 502 قصة عثمان بن مظعون ودخوله مكة بجوار 503 الصبر والابتلاء 503 سبب نزول {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ... } 503 جيش أسامة 504 الوجه الرابع: العوارض الطارئة ونحوها من المشقات مما يقصده الشارع 504 الاضطرار وتحمل المشاق 506

الخامس: أخذ الترخص بإطلاق ذريعة إلى الانحلال 506 الأخذ بالهوى 508 التيمم لخوف لصوص أو سباع 508 الصبر في ذات الله على المشاق الشديدة 509 السادس: مراسم الشريعة مضادة للهوى 510 الشاق على الإطلاق 510 الوقوف مع أصل العزيمة من الواجب أم المندوب؟ 510 إجابته تحتاج إلى تفصيل "أحوال المشقات" 510 المسألة السابعة 511 المشقات ضربان 511 أحدهما: حقيقية: وهو معظم ما يقع فيه الترخص 511 الثاني: توهمية مجردة 511 تفصيل الضرب الأول 512 تفصيل الضرب الثاني 513 الظنون والتقديرات غير المحققة داخلة في هذا الباب 514 أهواء النفس فهي ضد الضرب الأول 515 الاحتياط 516 فصل: الفوائد من هذه الطريقة 517 الاحتياط في اجتناب الرخص 517 فهم معنى الأدلة في رفع الحرج 517 فصل: ترجيح الرخص 518 أصل الترخص قطعي أيضا 518 أصل الرخصة وإن كان جزئيا مع العزيمة ولكن ذلك غير مؤثر 519 أدلة رفع الحرج عن الأمة قطعية 520 الرخصة المقصود منها الرفق بالمكلف 521 التزام المشاق تكليف وعسر 522 ترخص النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنواع من الرخص 523

ترك الترخص قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنِ الِاسْتِبَاقِ إِلَى الخير 524 تخريج أحاديث في ذلك 525 مراسم الشريعة جاءت لمصالح العباد 529 فصل: الأولوية في ترك الترخص 530 الحكم بين من قدم الترخص ومن قدم العزيمة ووجه كل فريق 530 فصل: الخلاص من الإشكال من وجهين 531 الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: 531 كُلُّ أَمْرٍ شَاقٍّ جَعَلَ الشَّارِعُ فيه للمكلف مخرجا، قصد أن يتحراه المكلف 531 مخالفة ذلك توقع في محظورين: 532 مخالفة قصد الشارع وسد أبواب التيسير عليه 532 بيان ذلك من أوجه 532 الأول والثاني 532 الاستدلال عليه 532-533 الثالث: طَالِبَ الْمَخْرَجِ مِنْ وَجْهِهِ طَالِبٌ لِمَا ضَمِنَ له الشارع النجح فيه 536 الرابع: إِنَّ الْمَصَالِحَ الَّتِي تَقُومُ بِهَا أَحْوَالُ الْعَبْدِ لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها 537 الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: 538 أَسْبَابُ الرُّخَصِ لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةِ التَّحْصِيلِ ولا الرفع 538 المسألة العاشرة: 539 إذا كانت الرُّخْصَةَ مُبَاحَةٌ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَزِيمَةِ صارت العزيمة معها من الواجب المخير 539 إذا كانت بمعنى رفع الحرج فالعزيمة على أصلها من الوجوب 539 مثل حكم الحاكم والعمل بالبينات 539 قاعدة رفع الحرج مطلقا 541 المسألة الحادية عشرة: 541 العزائم مطردة مع العادات الجارية 541 الرخص جارية عند انخراق العوائد 542 توضيح ذلك بالأمثلة 542

الكرامات 543 اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- السير مع مجاري العادات 544 فائدة الخوارق 546 حال الأولياء مع الكرامات 547 تعذرهم منها 549 نهاية الجزء الأول 550

المجلد الثاني

المجلد الثاني كتاب المقاصد مدخل ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ1 كِتَابُ الْمَقَاصِدِ 2 وَالْمَقَاصِدُ الَّتِي يُنْظَرُ فِيهَا قِسْمَانِ3: أَحَدُهُمَا يرجع إلى قصد الشارع.

_ 1 ليست في الأصل، وأثبتناها من النسخ المطبوعة. 2 المقاصد: جمع مقصد، وهو الشيء الذي يقصد، موضعا كان أو غيره، والقصد: إتيان الشيء. قال صاحب "لسان العرب": "قال ابن جني: أصل "ق ص د" ومواقعها في كلام العرب: الاعتزام والتوجيه، والنهوض نحو الشيء على اعتدال كان ذلك أم جور، هذا أصله في الحقيقة، وإن كان قد يخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل، ألا ترى أنك تقصد الجور تارة كما تقصد العدل أخرى؛ فالاعتزام والتوجل شامل لهما" "ماء/ ص113". قلت: احتل كتابنا هذا بجملته وهذا القسم منه على وجه الخصوص المكانة الأولى بين كتب المقاصد ومباحثها النادرة، وقد بذلت جهود متأخرة في هذا الموضوع؛ منها: "مقاصد الشريعة الإسلامية" ليوسف العالم، و"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" لأحمد الريسوني، و"الشاطبي ومقاصد الشريعة" لحمادي العبيدي، وتعرض لها أيضا المؤلفون في المصالح، من مثل: مصطفى زيد في "المصلحة في التشريع الإسلامي"، ومصطفى شلبي في "تعليل الأحكام"، والبوطي في "ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية"، وحسين حامد حسان في "نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي". 3 وغيرهما لا ينظر فيه في الأزمان؛ أي: الدهور كلها. "ماء".

وَالْآخَرُ يَرْجِعُ إِلَى قَصْدِ الْمُكَلَّفِ. فَالْأَوَّلُ يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ ابْتِدَاءً1، وَمِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ فِي وَضْعِهَا لِلْأَفْهَامِ، وَمِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ فِي وَضْعِهَا لِلتَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَاهَا، وَمِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ فِي دُخُولِ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ حُكْمِهَا؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ. وَلْنُقَدِّمْ قَبْلَ الشُّرُوعِ في المطلوب:

_ 1 أي: بالقصد الذي يعتبر في المرتبة الأولى، ويكون ما عداه كأنه تفصيل له، وهذا القصد الأول هو أنها وضعت لمصالح العباد في الدارين؛ فإن هذا في المرتبة الأولى بالنسبة إلى قصده في أفهامها، وأنها يراعى فيها معهود الأميين في عرفهم وأساليبهم مثلا، وكذا بالنسبة إلى قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها، وأن ذلك إنما يكون فيما يطيقه الإنسان من الأفعال المكسوبة، لا ما كان في مثل الغرائز كشهوة الطعام والشراب؛ فلا يطلب برفعها مثلا، وتفاصيل ما ينضبط به ما يصح أن يكون مقصودا للتكليف به وما لا يصح، وكذا بالنسبة إلى قصده دخول المكلف تحت أحكام التكليف من جهة عموم أحكامها واستدامة المكلف على العمل بها، وأنها كلية لا تخص بعضا دون بعض، وأن المعتبر في مصلحة العباد ما يكون على الحد الذي حده الشرع لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم، وأنه لا يلزم من كون مصالح التكليف عائدة على العباد لا غير في العاجل والآجل أن يكون نيله لها خارجا عما رسمه الشرع له. وهكذا من تفاصيل هذه الأنواع الثلاثة في مقاصد الشرع من وضع الشريعة؛ فإنها تعتبر في المرتبة الثانية بالنسبة للقصد في أصل وضعها، كما سيأتي له بسط ذلك كله على وجه لم يسبق إليه رحمه الله. وليلاحظ أنه ليس المراد من كتاب المقاصد مقاصد الفن كما يتبادر؛ لأنك إذا قسمت هذه المقاصد بما ذكروه في الأصول؛ تجد أنها تعد في مبادئ الفن، فمثلا تراهم يعدون الكلام في المحكوم به والمحكوم عليه من المبادئ، ولا يخفى عليك أن النوع الثالث –بجميع المسائل التي ذكرها فيه- من قبيل الكلام في المكلف به، وأنه لا بد أن يكون مقدورا للعبد داخلا تحت كسبه، وهكذا الباقي من الأنواع الأربعة إذا تأملتها تجدها من المبادئ لا مقاصد الفن التي هي الأدلة، اللهم إلا على نوع من التوسع في الأصول بأن كل ما انبنى عليه فقه؛ فهو من أجزاء الأصول، ولا حاجة إليه مع ظهور الغرض. "د".

مُقَدِّمَةٌ كَلَامِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ 1 فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَهِيَ أَنَّ وَضْعَ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا هُوَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ مَعًا، وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهَا صِحَّةً أَوْ فَسَادًا، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَزَعَمَ [الْفَخْرُ] الرازي2 أن

_ 1 وصفه هذه المقدمة بأنها "مسلمة" يعني أنه لا خلاف عليها، ومع ذلك، فقد احتاج إلى القول: "وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عليها صحة أو فسادًا". وليس هذا شأن المُسَلمات، ثم لست أدري ما عنى بقوله: "وليس هذا موضع ذلك"؟ مع أن هذا أنسب موضع لذلك، ثم هو قد أقام البرهان فعلا على صحة القضية، وإن كان بإيجاز شديد، ولعله يشير إلى أن البراهين المفصلة للمسألة ستأتي مبثوثة في مواضع أخرى من الكتاب. ثم استمر في مناقضة قوله "مسلمة"؛ فذكر أن هذه المسألة وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة بعلة ألبتة ... "؛ فكيف يجتمع هذا مع قوله "مسلمة"؟ إلا أن يقصد أنها "مسلمة" عنده، أو أنها "مسلمة" وإن خالف فيها من خالف، وهذا هو الأقرب، ولكن كان ينبغي توضيحه. فأما كونها "مسلمة" عنده؛ فهذا لا شك فيه، بل إنه يعتبرها قضية قطعية، وفي مواضع متفرقة ومناسبات مختلفة يعود ويؤكد هذه القضية، وعلى هذا الأساس يمضي في جميع أجزاء "الموافقات". انظر: "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" "ص 169-170". 2 المصنف لم يسم من المنكرين للتعليل أحدا غير الرازي، وفي هذا نظر من وجهين: الأول: أن ابن حزم بخاصة والظاهرية بعامة يهدمون فكرة "التعليل" من أساسها، وخصص ابن حزم في كتابه "الإحكام" بابا لذلك، قال: "الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين"، ونسب ذلك لجميع الظاهرية؛ قال: "وقال أبو سليمان –أي: داود الظاهري- وجميع أصحابه رضي الله عنهم: لا يفعل الله شيئا من الأحكام وغيرها لعلة أصلا بوجه من الوجوه". قال "8/ 77": "وهذا هو ديننا الذي ندين الله به، وندعو عباد الله إليه، ونقطع على أنه الحق عند الله تعالى"، بل بالغ في هذا الإنكار، فاسمع إليه وهو يقول "8/ 113": "إن القياس وتعليل الأحكام دين إبليس، وإنه مخالف لدين الله تعالى، نعم، ولرضاه، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين، ومن إثبات علة لشيء من الشريعة"، ولعل هذا الذي استفز ابن القيم؛ فقال=

.................................................................................

_ = وهو يتهيأ للرد المفصل على منكري القياس في "إعلام الموقعين" "2/ 74": "الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم.....". ولا أدري لم أهمل المصنف قول ابن حزم هذا، مع تعرضه بلطف وإنصاف للظاهرية في مواطن كثيرة من كتابه، وتصريحه السابق يفيد أنه لم يقف على أن المذكور قول لهم، وهذا ما أستبعده لشهرته عنهم، إلا أن ردد في مثل هذه المسألة خاصة مع الجويني في "البرهان "2/ 819" أنهم "ملتحقون بالعوام، وكيف يُدعَون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم؟ وإنما غاية التصرف التردد على ظواهر الألفاظ؟! والآخر: في نسبة نفي التعليل للرازي وقفة، وقد تابع المصنف في زعمه المذكور الشيخ علال الفاسي في كتابه "مقاصد الشريعة" "ص 7- ط دار الغرب"، وأحمد الخلميشي في كتابه "وجهة نظر" "ص 286"، وبنى عليه حَشْرَ الرازي مع الظاهرية في صفٍّ واحد. ويمكن توضيح موقف الرازي من هذه القضية كالآتي: أولا: إنه ينكر التعليل الفلسفي في كتاباته الكلامية، وصرح بهذا في "تفسيره" "2/ 154" عند قوله تعالى في [البقرة: 29] : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} . ثانيا: هذا الإنكار منه ومن الأشاعرة كان فرارا من المقولات والإلزامات الاعتزالية، التي تجعل القول بالتعليل مقدمة للقول بوجوب الصلاح والأصلح على الله. ثالثا: يرى تعليل الأحكام الشرعية تعليلا أصوليا فقهيا، ليس فيه إلزام لله سبحانه، وليس فيه تحتيم على مشيئته، وصرح بهذا ودافع عنه بقوة في كتابه "المحصول" "2/ 2/ 237- 242، 291"، بل قال في "مناظراته" "25": "وأما بيان أن التعليل بالأوصاف المصلحية جائز، فهذا متفق عليه بين العقلاء". رابعا: نفي المصنف في نقله هذا عن الرازي ما أثبته هو، إذ كلامه في مقام التعليل الأصولي لا الفلسفي، وقد فرق بينهما ابن الهمام بقوله في "التحرير" "3/ 304- 305- مع التيسير": والأقرب إلى التحقيق أن الخلاف لفظي، مبني على معنى الغرض، فمن فسره بالمنفعة العائدة إلى الفاعل، قال: لا تعلل، ولا ينبغي أن ينازع في هذا، ومن فسره بالعائدة إلى العباد، قال: تعلل، وكذلك لا ينبغي أن ينازع فيه".=

أَحْكَامَ اللَّهِ لَيْسَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ أَلْبَتَّةَ، كَمَا أَنَّ أَفْعَالَهُ كَذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ أَحْكَامَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةً بِرِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ1، وَلَمَّا اضْطُرَّ2 فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ إِلَى إِثْبَاتِ الْعِلَلِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، أُثْبِتَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلَلَ بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة،

_ = وانظر في الفرق بينهما: "التحرير والتنوير" "1/ 379- 381" لابن عاشور، و"ضوابط المصلحة" "96- 97" للبوطي خامسا: ما لم يستقم التوفيق المذكور، فنردد مع شيخ الإسلام ابن تيمية قوله في "مجموع الفتاوى" "6/ 55": "أما ابن الخطيب- وهو الرازي، فكثير الاضطراب جدا، لا يستقر على حال، وإنما هو بحث وجدل بمنزلة الذي يطلب ولم يهتد إلى مطلوبه، بخلاف أبي حامد، فإنه كثيرا ما يستقر". سادسا: المشهور عن الرازي القول بأن الأحكام الشرعية معللة، نقل ابن القيم في "إعلام الموقعين" "2/ 75" عنه، قال: "غالب أحكام الشريعة معللة برعاية المصالح المعلومة، والخصم إنما بين خلاف ذلك في صور قليلة جدا، وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن". 1 ذهبت عبارات الأصوليين في تعليل الأحكام مذاهب شتى، والتحقيق الذي لم يبق فيه محل للشبهة أن الأحكام قائمة على رعاية مصالح العباد،، وهذه المصالح هي التي يسمونها بالعلل، ولكن تعيين العلة وكيفية مراعاتها إنما يتلقى من الشارع نصا أو تلويحا، ولا مانع من أن تكون أحكام الله معللة بالغايات المحمودة، إذ الغاية التي تشعر بالحاجة إنما هي الغاية العائدة إلى تكميل الحاكم، أما ما يقصد بها تكميل غيره، فرعايتها ضرب من الكرم، ومظهر من مظاهر الحكمة البالغة "خ". قلت: انظر في المسألة "شرح الكوكب المنير" "1/ 312، "والتوضيح في حل غوامض التنقيح" "2/ 63"، و"شفاء الغليل" "ص 103"، و"نبراس العقول" "323- 328"، و"جمع الجوامع" "2/ 233"، و"الإبهاج" "3/ 41"، و"إيثار الحق على الخلق" "ص 181 وما بعدها"، و"نفائس الأصول" "9/ 3995"، و"تعليل الأحكام" لمحمد مصطفى شلبي، ففيه بحث واف عن هذا الموضوع. 2 أي: ليتأتى له القول بالقياس وأنه دليل شرعي. "د".

وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَحْقِيقِ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَالْمُعْتَمَدُ إِنَّمَا هُوَ أَنَّا اسْتَقْرَيْنَا مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ اسْتِقْرَاءً لَا يُنَازِعُ فِيهِ الرَّازِيُّ وَلَا غَيْرُهُ، فَإِنَّ1 اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْثِهِ الرُّسُلَ وَهُوَ الْأَصْلُ: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النِّسَاءِ: 165] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 107] . وَقَالَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هُودٍ: 7] ، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذَّارِيَاتِ: 56] ، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [المُلك: 2] . وَأَمَّا التَّعَالِيلُ2 لِتَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى3، كَقَوْلِهِ بَعْدَ آيَةِ الْوُضُوءِ: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 6] . وَقَالَ فِي الصِّيَامِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 183] وَفِي الصَّلَاةِ: {إِنَّ الصَّلاةَ 4 تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] .

_ 1 أي: ولا يتأتى للرازي أن يقول في هذه العلل العامة: إنها علامات للأحكام، ثم لا يخفى عليك أنه يستعمل كلمة "العلة" في كتابه بمعنى الحكمة كما سبق له. "د" 2 في "ط": "التعليل". 3 في "ط": "فأكثر من أن يؤتى على آخره". 4 أخذ المعنى على أنه علة للأمر بإقامة الصلاة، وتأمله، "د".

وَقَالَ فِي الْقِبْلَةِ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [الْبَقَرَةِ: 150] وَفِي الْجِهَادِ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الْحَجِّ: 39] وَفِي الْقِصَاصِ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [الْبَقَرَةِ: 179] . وَفِي التَّقْرِيرِ عَلَى التَّوْحِيدِ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الْأَعْرَافِ: 172] ، وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ. وَإِذَا دَلَّ الِاسْتِقْرَاءُ عَلَى هَذَا، وَكَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ1، فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ2 ثَبَتَ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ، فَلْنَجْرِ عَلَى مُقْتَضَاهُ- وَيَبْقَى الْبَحْثُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ مَوْكُولًا إلى علمه- فنقول والله المستعان:

_ 1 في نسخة ماء/ ص 114": "مفيد العلم". 2 سيأتي له في كتاب الاجتهاد في المسألة العاشرة توسع في هذه الجملة وفي تفاريع القواعد الفقهية على اعتبار المصالح. "د".

القسم الأول: مقاصد الشارع

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَقَاصِدُ الشَّارِعِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ 1 وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 2: تَكَالِيفُ الشَّرِيعَةِ تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَقَاصِدِهَا فِي الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ لَا تَعْدُو ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَاجِيَّةً. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ تَحْسِينِيَّةً. فَأَمَّا الضَّرُورِيَّةُ، فَمَعْنَاهَا أَنَّهَا لَا بُدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا،

_ 1 هذا النوع الأول من هذه الأنواع جاء في بيان، أي: ظهور قصد الشارع في وضع الشريعة، والشارع هو الله تعالى، والشريعة والشرعة، ما سن الله من الدين وأمر به، كالصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، وسائر أعمال البر مشتق من شاطئ البحر الذي تشرع فيه الدواب والناس، فيشربون منها ويستقون. "ماء / ص 115". 2 سيأتي في المسألة الرابعة من السنة بيان واف للمقاصد الشرعية وتفاريعها ومكملاتها وإن كان على نحو آخر "د". قلت: انظر أيضا "مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 114".

بِحَيْثُ إِذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بَلْ عَلَى فَسَادٍ وَتَهَارُجٍ1 وَفَوْتِ حَيَاةٍ، وَفِي الْأُخْرَى فَوْتُ النَّجَاةِ وَالنَّعِيمِ، وَالرُّجُوعُ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ وَالْحِفْظُ لَهَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ2. وَالثَّانِي: مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الِاخْتِلَالَ الْوَاقِعَ أَوِ الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا3 مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ. فَأُصُولُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ الدِّينِ مِنْ جانب الوجود، كالإيمان4.

_ 1 أي: فتن وقتال. "ماء/ ص 115". 2 مراعاة الضروريات من جانب الوجود تكون بفعل ما به قيامها وثباتها، ومراعاتها من جانب العدم تكون بترك ما به تنعدم، كالجنايات، فلا يقال: إن مراعاتها من جانب الوجود بمثل الصلاة، وتناول المأكولات مثلا هو مراعاة لها من جانب العدم، إذ بفعل هذه الأشياء التي بها الوجود والاستقرار لا تنعدم مبدئيا أو لا يطرأ عليها العدم، فما كان مراعاة لها من جانب الوجود هو أيضا مراعاة لها من جانب العدم بهذا المعنى. "د". قلت: انظر "شرح العضد على ابن الحاجب" "2/ 238"،و"المستصفى" "1/ 251"، و"شرح المحلى على جمع الجوامع" "2/ 280". 3 مما ينبغي الانتباه له أن المحافظة لدى المصنف لا تعني الصيانة فقط، وإنما تتناول الإقامة أو الإنشاء، لما تلح الحاجة أو الضرورة إلى إقامته من المصالح العامة، والمرافق في الدولة، كما تتناول التنمية، فليس المقصود إذن بالمحافظة خصوص الصيانة، بل ما يتناول الإنشاء والتنمية لسائر مرافق الحياة والمصالح العامة والفردية على السواء، وفي هذا من السعة ما فيه مما يمنع التخلف والجمود الحضاري. أفاده الأستاذ الدريني في كتابه "بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله" "1/ 99". 4 قال في "التحرير" و"شرحه": "حفظ الدين يكون بوجوب الجهاد وعقوبة الداعي إلى=

وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالْعَادَاتُ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ أَيْضًا، كَتَنَاوُلِ1 الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، وَالْمَلْبُوسَاتِ، وَالْمَسْكُونَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالْمُعَامَلَاتُ2 رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ النَّسْلِ وَالْمَالِ مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَإِلَى حِفْظِ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ أَيْضًا، لَكِنْ بِوَاسِطَةِ3 الْعَادَاتِ. وَالْجِنَايَاتُ- وَيَجْمَعُهَا4 الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عن المنكر- ترجع إلى

_ = البدع، ويقول الحنفية: إن وجوب الجهاد ليس لمجرد الكفر، بل لكونهم حربا علينا، ولذلك لا يحارب الذمي والمستأمن، ولا تقتل المرأة والراهب، وقبلت الجزية، وهذا لا ينافي أنه لحفظ الدين، إذ حفظ الدين لا يتم مع حربهم المفضي إلى قتل المسلم أو فتنته عن دينه". أهـ. فأنت ترى المؤلف توسع في حفظ الدين، فجعله مقصدا لجميع التكاليف أصولها وفروعها، ولعله لا يوافق قوله بعد "فإنها مراعاة في كل ملة"، لأن ذلك قد لا يسلم بالنسبة لنحو الزكاة.... إلخ. "د". 1 أي: أصل تناول الغذاء الذي يتوقف عليه بقاء الحياة والعقل، وسيأتي في الحاجيات التمتع بالطيبات من مأكل وملبس.... إلخ، أي: مما يكون تركه غير مخل بالنفس والعقل، ولكنه يؤدي إلى الضيق والحرج، فالفرق بين المقامين واضح. "د". 2 أي: بالمقدار الذي يتوقف عليه حفظ النفس والمال، فهي بهذا المقدار من الضروري، وهذا هو الذي عناه الآمدي بجعل المعاملات من الضروري، أما مطلق البيع مثلا، فليس من الضروري، بل من الحاجي خلافا لإمام الحرمين، وبهذا يتضح لك ما يأتي للمؤلف في هذه المسألة والمسألة التي تليها. "د". 3 في "د": "بوسطه"، وفي الأصل و"ط": بوساطة". 4 جملة معترضة، والظاهر أنها مقدمة من تأخير، وأن موضعها قبل قوله: "والعبادات والعادات قد مثلت"، وهي راجعة إلى جميع ما تقدم مما يحفظ من جانبي الوجود والعدم، ومعنى كونها تجمع ذلك أنها تتعلق به جميعه وتنصب عليه من باب تكميل أبواب الشريعة، إذ ما من أمر ولا نهي إلا يتعلق به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم أخبر عن الجنايات بأنها ترجع إلى حفظ ما سبق من جانب العدم- ثم اكمل المقام بالتمثيل للمعاملات والجنايات لأنه مثل لغيرهما آنفا، وسيأتي في المسألة السابعة من مبحث الكتاب في قوله: "وجامعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ما يساعد على ما قررنه في فهم قوله هنا: "ويجمعها...." إلخ. "د".

حِفْظِ الْجَمِيعِ مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ. وَالْعِبَادَاتُ وَالْعَادَاتُ قَدْ مُثِّلَتْ، وَالْمُعَامَلَاتُ مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ مَعَ غَيْرِهِ، كَانْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِالْعَقْدِ عَلَى الرِّقَابِ أَوِ الْمَنَافِعِ أَوِ الْأَبْضَاعِ، وَالْجِنَايَاتُ مَا كَانَ عَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْإِبْطَالِ، فَشُرِعَ فِيهَا مَا يَدْرَأُ ذَلِكَ الْإِبْطَالَ، وَيَتَلَافَى1 تِلْكَ الْمَصَالِحَ، كَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَّاتِ -لِلنَّفْسِ، وَالْحَدِّ- لِلْعَقْلِ2، وَتَضْمِينِ 3 قِيَمِ الْأَمْوَالِ- لِلنَّسْلِ وَالْقَطْعِ وَالتَّضْمِينِ- لِلْمَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَمَجْمُوعُ الضَّرُورِيَّاتِ خَمْسَةٌ، وَهِيَ4: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ، وَالْعَقْلِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّهَا مُرَاعَاةٌ في كل ملة5.

_ 1 في "ط": "أو يتلافى" 2 في الأصل: "الحد - الحد". 3 الذي قاله غيره أن حفظ النسل شرع له حد الزنا جلدا ورجما، لأنه مؤد إلى اختلاط الأنساب، المؤدي إلى انقطاع التعهد من الآباء، المؤدي إلى انقطاع النسل وارتفاع النوع الإنساني من الوجود، وأما ما قاله المؤلف، فغير واضح. "د". 4 ترتيبها من العالي للنازل هكذا: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، على خلاف في ذلك، فإن بعضهم يقدم النفس على الدين "د". 5 قال في "شرح التحرير": "حصر المقاصد في هذه الخمسة ثابت بالنظر للواقع وعادات الملل والشرائع بالاستقراء" اهـ. فبعد هذا لا يقال: إن الشوكاني تأمل التوراة والإنجيل فلم يجد فيهما إلا إباحة الخمر مطلقا، على أن المعروف من لسان النصارى وقسيسهم تحريمها عندهم، وعلى فرض صحة ما عزي للشوكاني، لو قيل: إن الممنوع في جميع الشرائع ضياع العقل رأسا والخمر تذهبه وقتا ثم يعود، لكان له وجه =

وَأَمَّا الْحَاجِيَّاتُ1، فَمَعْنَاهَا أَنَّهَا مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةِ وَرَفْعِ الضِّيقِ2 الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا لم تراع دخل علتى الْمُكَلَّفِينَ- عَلَى الْجُمْلَةِ3- الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْفَسَادِ الْعَادِيِّ الْمُتَوَقَّعِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَهِيَ جَارِيَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْعَادَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالْجِنَايَاتِ4: فَفِي الْعِبَادَاتِ: كَالرُّخَصِ الْمُخَفَّفَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى لحوق المشقة بالمرض

_ = أما تعريض الغنائم في الأمم السابقة لحرق النار السماوية بجمعها في مكان خاص وعدم نيل شيء منها، فظاهر أنه ليس من إتلاف الإنسان للمال، وكان تحريمها عليهم لحكمة تخليص نفوسهم من قصد الغنائم بالجهاد، وقد رخص فيها في شرعنا خاصة كما في الحديث: "ولم تحل لأحد قبلي، وقصة: "فطفق مسحا بالسوق والأعناق" ليس فيها إتلاف لها، بل إما أن يكون من باب استعراضها وتفقد أحوالها بيده لا بالسيف كما حققه الفخر، وإما أن يكون ذلك تقربا إلى الله بأحب المال عنده لأكل الفقراء كما هو المشهور، أو ليكون كالوسم بالنار لحبسها في سبيل الله. "د". قلت: قال هذا ردا على "خ" حيث قال: "أوردوا على هذه الدعوى أن الخمر كانت مباحة في الشرائع المتقدمة كما كانت مباحة في صدر الإسلام، وما أجيب به من أن المباح في تلك الشرائع هو ما لا يبلغ حد السكر غير مستقيم، قال الشوكاني في "إرشاد الفحول" قد تأملت التوراة والإنجيل، فلم أجد فيهما إلا إباحة الخمر مطلقا من غير تقييد بعدم السكر، فلم يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم". 1 انظر عنها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "5/ 270، 274، 275، 8/ 194، 195" ط. 2 في نسخة "ماء/ ص 117ط: "التضييق". 3 أي: ليس كل المكلفين يدخل عليه الحرج بفقد هذه الحاجيات. "د". 4 يستفاد من تمثيل المصنف وكلامه الآتي أنه يفرق بين العادات والمعاملات، إذ يجعل العادات مما يفتقر إليه الناس من الحاجات والمصالح التي لا يتوقف تحصيلها على إبرام عقد، أو إنشاء علاقة في تصرف شرعي، وأما المعاملات، فهي ما ما كان ناشئا عن عقد أو تصرف شرعي أو غير شرعي تربطه بغيره، والجنايات وإن اعتبرها المصنف قسما قائما برأسه غير أنها تدخل في المعاملات بما تنشئ من علاقة بين الجاني والمجني عليه، أو بين الجاني والمجتمع أو الدولة، أفاده الدريني في "بحوث مقارنة" "1/ 414".

وَالسَّفَرِ، وَفِي الْعَادَاتِ كَإِبَاحَةِ الصَّيْدِ وَالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ، مَأْكَلًا وَمَشْرَبًا وَمَلْبَسًا وَمَسْكَنًا وَمَرْكَبًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، كَالْقِرَاضِ1، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالسَّلَمِ، وَإِلْقَاءِ2 التَّوَابِعِ فِي الْعَقْدِ عَلَى المتبوعات، كمثرة الشَّجَرِ، وَمَالِ الْعَبْدِ. وَفِي الْجِنَايَاتِ، كَالْحُكْمِ بِاللَّوْثِ، وَالتَّدْمِيَةِ، وَالْقَسَامَةِ، وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَأَمَّا التَّحْسِينَاتُ، فَمَعْنَاهَا الْأَخْذُ بِمَا يَلِيقُ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَتَجَنُّبُ الْمُدَنِّسَاتِ الَّتِي تَأْنَفُهَا الْعُقُولُ الرَّاجِحَاتُ3، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ قِسْمُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. وَهِيَ جَارِيَةٌ فِيمَا جَرَتْ فِيهِ الْأُولَيَانِ: فَفِي الْعِبَادَاتِ، كَإِزَالَةِ4 النَّجَاسَةِ -وَبِالْجُمْلَةِ الطَّهَارَاتُ كُلُّهَا- وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَأَخْذِ الزِّينَةِ، وَالتَّقَرُّبِ بِنَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ5، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.

_ 1 بل سائر المعاملات التي لا يتوقف عليها حفظ النفس وغيرها من الضروريات الخمس كما أشرنا إليه فيما سبق، لا ما يعطيه ظاهر أنواع الأمثلة من خصوص ما كان له أصل حظر لدخوله تحت قاعدة منع كلي، واستثنى ذلك منه حتى عد رخصة بالإطلاقات الأربعة السابقة. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "وإلغاء"، والصواب بالقاف، وكذا في الأصل ونسخة "ماء/ ص 117" و"ط". 3 سواء كان ذلك لخائف أو آمن، فإنه يجب عليه ذلك الأخذ وذلك التجنب. "ماء/ ص 117ط". 4 في "م": "إزالة". 5 في "ط": "والقربانات".

وَفِي الْعَادَاتِ، كَآدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمُجَانَبَةِ الْمَآكِلِ النَّجِسَاتِ وَالْمَشَارِبِ الْمُسْتَخْبَثَاتِ، وَالْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ فِي الْمُتَنَاوَلَاتِ. وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، كَالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ النَّجَاسَاتِ، وَفَضْلِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ، وَسَلْبِ الْعَبْدِ مَنْصِبَ1، الشَّهَادَةِ وَالْإِمَامَةِ، وَسَلْبِ الْمَرْأَةِ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ، وَإِنْكَاحَ نَفْسِهَا، وَطَلَبِ الْعِتْقِ وَتَوَابِعِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَمَا أَشْبَهَهَا. وَفِي الْجِنَايَاتِ، كَمَنْعِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، أَوْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرُّهْبَانِ فِي الْجِهَادِ. وَقَلِيلُ الْأَمْثِلَةِ يَدُلُّ عَلَى مَا سِوَاهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا، فَهَذِهِ الْأُمُورُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَحَاسِنَ زَائِدَةٍ عَلَى أَصْلِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ وَالْحَاجِيَّةِ، إِذْ لَيْسَ فِقْدَانُهَا بِمُخِلٍّ بِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ وَلَا حَاجِيٍّ، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين.

_ 1 في نسخة "ماء" "منصبي".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كُلُّ مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا مَا هُوَ كَالتَّتِمَّةِ وَالتَّكْمِلَةِ، مِمَّا لَوْ فَرَضْنَا فَقْدَهُ لَمْ يُخِلَّ بِحِكْمَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ1. فَأَمَّا الْأُولَى2، فَنَحْوُ التَّمَاثُلِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وَلَا تَظْهَرُ فِيهِ شِدَّةُ حَاجَةٍ، وَلَكِنَّهُ تَكْمِيلِيٌّ3، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْمِثْلِ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ4، وَقِرَاضُ الْمِثْلِ5، وَالْمَنْعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، وَشُرْبُ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ، وَمَنْعُ الرِّبَا، وَالْوَرَعُ اللَّاحِقُ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ، وَإِظْهَارُ شَعَائِرِ6 الدِّينِ، كَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْقِيَامُ بِالرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ7، وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إِذَا قلنا: إنه من الضروريات

_ 1 في نسخة "ماء": ".... لو فرضنا انفقاده، لم يخل بحكمتها الأصلية فقده". 2 أي: مرتبة الضروريات. "د". 3 أي: إنما هو مكمل لحكمة القصاص، فإن قتل الأعلى بالأدنى مؤد إلى ثوران نفوس العصبة، فلا يكمل بدونه ثمرة القصاص من الزجر والحياة التي قصدها الشرع منه، ومثله تحريم قليل المسكر، لأنه بما فيه من لذة الطرب يدعو إلى الكثير المضيع للعقل، فتحريم القليل تكميل لحكمة تحريم الكثير، فيحمل كلام المؤلف على هذا الغرض. "د". 4 في "ط" زيادة ومساقاة المثل". 5 أي: إن هذه الأمثلة الثلاثة مكملة للضروري من حفظ المال للطرفين، كما أن منع النظر للأجنبية مكمل للضروري من حفظ النسل بالمنع من الزنا، لأن النظر مقدمة للزنا وداعية إليه، وتحريم داعية المحرم ثبت بها الدليل الشرعي، وكذا منع الربا تكميل لحفظ المال الذي هو ضروري، فإن الزيادة جزء من مال الدافع يذهب هدرا بدون مقابل معتبر شرعا، والورع تكميل لما هو من نوعه، فإن كان في عبادة، فمكمل لها، وإن كان في عادة أو معاملة، فمكمل لذلك. "د". قلت: انظر في هذا: "شرح العضد على ابن الحاجب" "2/ 240- 241"، و"شرح ألفية البرماوي" "ق313"، مخطوط في جامعة الرياض. 6 في "م": شعار". 7 كأمير: الدعي والكفيل: "قاموس".

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ1، فَكَاعْتِبَارِ2 الْكُفْءِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الصَّغِيرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِثْلُ الْحَاجَةِ إِلَى أَصْلِ النِّكَاحِ فِي الصَّغِيرَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْبَيْعَ مِنْ بَابِ الْحَاجِيَّاتِ، فَالْإِشْهَادُ وَالرَّهْنُ وَالْحَمِيلُ مِنْ بَابِ التَّكْمِلَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَجَمْعُ الْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ كَالْمُكَمِّلِ لِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُشْرَعْ لَمْ يُخِلَّ بِأَصْلِ التَّوْسِعَةِ وَالتَّخْفِيفِ. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ3، فَكَآدَابِ4 الْأَحْدَاثِ، وَمَنْدُوبَاتِ الطَّهَارَاتِ، وَتَرْكِ إِبْطَالِ الْأَعْمَالِ الْمَدْخُولِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَالْإِنْفَاقِ مِنْ طَيِّبَاتِ الْمَكَاسِبِ، وَالِاخْتِيَارِ فِي الضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَالْعِتْقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحَاجِيَّاتِ كَالتَّتِمَّةِ لِلضَّرُورِيَّاتِ، وَكَذَلِكَ التَّحْسِينَاتُ كَالتَّكْمِلَةِ لِلْحَاجِيَّاتِ، فَإِنَّ الضَّرُورِيَّاتِ هِيَ أَصْلُ الْمَصَالِحِ5 حسبما يَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ الله تعالى.

_ 1 أي: مرتبة الحاجيات، فما هو لها كالتكملة، فكاعتبار الكفء.... إلخ ما ذكره المصنف. 2 فإن أصل المقصود من النكاح وإن كان حاصلا بدونهما لكنهما أشد إفضاء لدوام النكاح وتمام الألفة بين الزوجين، وما به دوامه من مكملاته. "د". 3 أي: مرتبة التحسينيات، فما هو لها كالتكملة، فكآداب.... إلخ ما ذكره المصنف. 4 في الأصل: "كأدب". 5 والجميع تتمة لها.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 1: كُلُّ تَكْمِلَةٍ فَلَهَا- مِنْ حَيْثُ هِيَ تَكْمِلَةٌ- شَرْطٌ، وَهُوَ: أَنْ لَا يَعُودَ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْأَصْلِ بِالْإِبْطَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَكْمِلَةٍ يُفْضِي اعْتِبَارُهَا إِلَى رَفْضِ أَصْلِهَا، فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهَا عِنْدَ ذَلِكَ2، لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي إِبْطَالِ الْأَصْلِ إِبْطَالَ التَّكْمِلَةِ، لِأَنَّ التَّكْمِلَةَ مَعَ مَا كَمَّلَتْهُ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، فَإِذَا كَانَ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ يُؤَدِّي إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَوْصُوفِ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ ارْتِفَاعُ الصِّفَةِ أَيْضًا، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ التَّكْمِلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُؤَدٍّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَهَذَا مُحَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ، لَمْ تُعْتَبَرِ التَّكْمِلَةُ، وَاعْتُبِرَ الْأَصْلُ مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ. وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا تَقْدِيرًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ التَّكْمِيلِيَّةَ تَحْصُلُ مَعَ فَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَكَانَ حُصُولُ الْأَصْلِيَّةِ أَوْلَى3 لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حِفْظَ الْمُهْجَةِ مُهِمٌّ كُلِّيٌّ، وَحِفْظُ الْمُرُوءَاتِ مُسْتَحْسَنٌ، فَحَرُمَتِ النَّجَاسَاتُ حِفْظًا لِلْمُرُوءَاتِ، وَإِجْرَاءً لِأَهْلِهَا عَلَى مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، فَإِنْ4 دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِحْيَاءِ الْمُهْجَةِ بِتَنَاوُلِ النَّجِسِ، كَانَ تَنَاوُلُهُ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْبَيْعِ ضَرُورِيٌّ، وَمَنْعُ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ مُكَمِّلٌ، فَلَوِ اشْتَرَطَ نَفْيَ الْغَرَرِ جُمْلَةً لَانْحَسَمَ بَابُ الْبَيْعِ، وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية5،

_ 1 في الأصل أدخل كلام من المسألة الثانية في هذا الموضع! 2 في نسخة "ماء": "عند أصل ذلك". 3 أي: تحصيلها أولى بالاعتبار، فيجب أن تترجح على التكميلية، لأن حفظ المصلحة يكون بالأصل، وغاية التكميلية أنها كالمساعد لما كملته، فإذا عارضته، فلا تعتبر. "د". 4 في "م": "فإذا". 5 قد تكون الإجارة ضرورية كالاستئجار لإرضاع من لا مرضعة له وتربيته، وقد تكون حاجية وهو الأكثر، ومثله يقال في البيع وسائر المعاملات باعتبار توقف حفظ أحد الضروريات الخمسة أو عدم التوقف. "د".

واشترط حُضُورِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ بَابِ التَّكْمِيلَاتِ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ، مُنِعَ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ1 إِلَّا فِي السَّلَمِ، وَذَلِكَ فِي الْإِجَارَاتِ مُمْتَنِعٌ، فَاشْتِرَاطُ وُجُودِ الْمَنَافِعِ فِيهَا وَحُضُورِهَا يَسُدُّ بَابَ الْمُعَامَلَةِ بِهَا، وَالْإِجَارَةُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، فَجَازَتْ وَإِنْ لَمْ يُحْضَرِ الْعِوَضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَمِثْلُهُ جَارٍ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ لِلْمُبَاضَعَةِ وَالْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهِمَا. وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ قَالَ الْعُلَمَاءُ بِجَوَازِهِ، قَالَ مَالِكٌ: "لَوْ تُرِكَ ذَلِكَ كان ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالْجِهَادُ ضَرُورِيٌّ، وَالْوَالِي فِيهِ ضَرُورِيٌّ، وَالْعَدَالَةُ فِيهِ مُكَمِّلَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَالْمُكَمِّلُ إِذَا عَادَ لِلْأَصْلِ بِالْإِبْطَالِ، لَمْ يُعْتَبَرْ، وَلِذَلِكَ جَاءَ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ2 عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم3.

_ 1 المقابل للحضور الغيبة، والمقابل للعدم الوجود، فإما أن يقول: "واشتراط وجود العوضين"، ثم يقول: "منع بيع المعدوم إلا في السلم" وهو ظاهر، وإما أن يقول كما قال أولا ثم يقول: "منع من بيع الغائب إلا في السلم"، فيعترض عليه بأن بيع الغائب الموصوف جائز، ومقتضى قوله بعد: "فاشتراط وجود المنافع وحضورها"، ثم قوله: "وَإِنْ لَمْ يُحْضَرِ الْعِوَضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ" أن غرضه بقوله: "واشتراط حضور العوضين" اشتراط وجودهما وحضورهما، ولما كان الحضور يحرز الوجود استغنى به عنه أولا، فيبقى الكلام في اشتراط الحضور في البيع وقد علمت ما فيه. "د". 2 الحاكم الجائر متى انطوت نفسه على أصل الاعتقاد بالإسلام يتسنى للذين أوتوا الحكمة أن يلقوا إليه بالنصيحة، ويقوموه بالموعظة، فإن لم يأتوا به إلى سبيل العدل جملة، خففوا من وطأة مظالمه شيئا كثيرا، وعلى فرض أن يتمادى في طغيانه الذي لا يخلو من رحمة تأخذه في كثير من الأحيان، فمن المتوقع انصرام أجله ورجوع الدولة إلى يد من هو أقوم سيرة وأشد رعاية للمصلحة، وترك الجهاد مع الحاكم الجائر يفضي بالأمة إلى أن يضرب عليها المخالفون سلطة قاتلة، ويضعوا بينها وبين الحياة الشريفة عقبات لا تتزلزل إلا بعد جهاد عنيف. "خ". 3 يشير إلى ما أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أئمة الجور،=

وكذلك مَا جَاءَ مِنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْوُلَاةِ السوء1 فإن في ترك ذلك

_ = 3/ 18/ رقم 2532" من طريق سعيد بن منصور- وهو في "سننه" "رقم 2367- ط القديمة"-، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 156"- من طريق أبي داود-، وأبو عبيد في "الإيمان "رقم 27"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "7/ 1227/ رقم 2301" عن أنس مرفوعا: "ثلاث من أصول الإيمان"، وذكر من بينها: "والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل". وإسناده ضعيف، فيه يزيد بن أبي نشبة السلمي، وهو مجهول، قال الزيلعي في "نصب الراية" "3/ 377": "قال المنذري في "مختصره": يزيد بن أبي نشبة في معنى المجهول، وقال عبد الحق: يزيد بن أبي نشبة هو رجل من بني سليم، لم يرو عنه إلا جعفر بن برقان". قلت: ويشهد له ما أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم 2533"، والبيهقي في "الكبرى" "3 / 121و 8/ 125"، والدراقطني في "السنن" "2/ 56/ 57"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "7/ 1226" / رقم 2299"، وابن الجوزي في "الواهيات" "1/ 422" عن أبي هريرة مرفوعا: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برا كان أو فاجرا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر....". وإسناد ضعيف، وفيه انقطاع، مكحول لم يلق أبا هريرة، وفيه العلاء بن الحارث، كان اختلط، وتابعه يزيد بن يزيد بن جابر عند الدراقطني، ولكن رواه عنه أشعث وهو مجروح، وبقية لا يقوم على روايته. وأورد الدراقطني واللالكائي وابن الجوزي والزيلعي في "نصب الراية" "2/ 26- 29" أحاديث كثيرة تدل على ما ذكرها المصنف، أرجاها وأصحها الحديثان المذكوران ولذا اقتصر عليهما أبو داود في "سننه" على منهجه المعروف، ولذا، فلا داعي للإطالة في تخريجها، ولكن يعجبني ما صنعه البيهقي في "الكبرى" 9/ 56"، فإنه ذكر قبل الحديثين المذكورين حديث عروة البارقي -أخرجه الشيخان- مرفوعا: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة"، وبوب عليها "باب الغزو مع أئمة الجور"،وحديث عروة يدل على التبويب بدلالة اللازم، فتأمل. 1 ورد في ذلك حديث أبي هريرة المرفوع المتقدم آنفا، ومعنى ما ذكره المصنف صحيح، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف. وأخرج مسلم في صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان،=

تَرْكَ سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ، وَالْجَمَاعَةُ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ الْمَطْلُوبَةِ1، وَالْعَدَالَةُ مُكَمِّلَةٌ لِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِالتَّكْمِلَةِ. وَمِنْهُ إِتْمَامُ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ مُكَمِّلٌ لِضَرُورَاتِهَا2، فَإِذَا أَدَّى طَلَبُهُ إِلَى أَنْ لَا تُصلَّى -كَالْمَرِيضِ غَيْرِ الْقَادِرِ-، سَقَطَ الْمُكَمِّلُ، أَوْ كَانَ فِي إِتْمَامِهَا حَرَجٌ ارْتَفَعَ الْحَرَجُ عَمَّنْ لَمْ يُكْمِلْ، وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا أَوْسَعَتْهُ الرُّخْصَةُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ بَابِ مَحَاسِنِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ طُلِبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَتَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا على من

_ = 1/ 69/ رقم 49"، وأهل السنن، أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراجه منبر النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، 1/ 188/ رقم 695" عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما نرى، ويصلى لنا إمام فتنة ونتحرج؟! فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا، فاجتنب إساءتهم". ويدل عليه عموم ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "رقم 694"، وغيره عن أبي هريرة مرفوعا: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم". قال الشوكاني: "ثبت إجماع أهل العصر الأول من الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعا فعليا- ولا يبعد أن يكون قوليا- على الصلاة خلف الجائرين، لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير، وكانت الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحالهم وحال أمرائهم لا يخفى". وانظر: "نيل الأوطار" "3/ 200"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "1/ 108- 109"، و"العلل المتناهية" "1/ 418- 419". 1 أي: المكملة للضروري كما سبق له، والعدالة في الإمام مكملة لهذا المكمل. "د" وفي "ط": "شعائر الإسلام المطلوبة". 2 المناسب لضروريها، أي أن الصلاة من الضروريات الخمس، وهذا القيام مكمل لها. "د".

لَمْ يَجِدْ سَاتِرًا، إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي الشَّرِيعَةِ تَفُوقُ الْحَصْرَ، كُلُّهَا جَارٍ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ وَانْظُرْ فِيمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْكِتَابِ "الْمُسْتَظْهِرِيِّ"1 فِي الْإِمَامِ الَّذِي لَمْ يستجمع شروط الإمامة، واحمل عليه نظائره.

_ 1 قال فيه "ص 119- 120" بعد أن ذكر شروط الإمامة: "..... فإن خلا الزمان عن قرشي مجتهد يستجمع جميع الشروط، وجب الاستمرار على الإمامة المعقودة إن قامت له الشوكة، وهذا حكم زماننا، وإن قدر- ضربا للمثل- حضور قرشي مجتهد مستجمع للورع والكفاية وجميع شرائط الإمامة، واحتاج المسلمون في خلع الأول إلى تعرض لإثارة فتن واضطراب أمور، لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته، إنا نعلم بأن العلم مزية روعيت في الإمامة تحسينا للأمر وتحصيلا لمزيد المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد، وإن الثمرة المطلوبة من الإمامة تطفئة الفتن الثائرة في تفرق الآراء المتنافرة، فكيف يستجيز العاقل تحريك الفتنة وتشويش نظام الأمور وتفويت أصل المصلحة في الحال تشوفا إلى مزيد دقيقة في الفرق بين النظر والتقليد. وعند هذا ينبغي أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق بسبب عدول الإمام عن النظر إلى تقليد الأئمة بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه واستبداله أو حكموا إمامته غير منعقدة، وإذا أحسن إيراد هذه المقالة، علم أن التفاوت بين اتباع الشرع نظرا واتباعه تقليدا قريب هين، وأنه لا يجوز أن تخرم بسببه قواعد الإمامة ... " إلخ ما قال.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْمَقَاصِدُ الضَّرُورِيَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ لِلْحَاجِيَّةِ وَالتَّحْسِينِيَّةِ. فَلَوْ فُرِضَ اخْتِلَالُ الضَّرُورِيِّ بِإِطْلَاقٍ، لَاخْتَلَّا بِاخْتِلَالِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَالِهِمَا [أَوِ اخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا] اخْتِلَالُ الضَّرُورِيِّ بِإِطْلَاقٍ، نَعَمْ، قَدْ يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَالِ التَّحْسِينِيِّ بِإِطْلَاقٍ اخْتِلَالُ الْحَاجِيِّ بِوَجْهٍ مَا، وَقَدْ يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَالِ الْحَاجِيِّ بِإِطْلَاقٍ اخْتِلَالُ الضَّرُورِيِّ بِوَجْهٍ مَا، فَلِذَلِكَ إِذَا حُوفِظَ عَلَى الضَّرُورِيِّ، فَيَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْحَاجِيِّ، وَإِذَا حُوفِظَ عَلَى الْحَاجِيِّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافَظَ عَلَى التَّحْسِينِيِّ إِذَا1 ثَبَتَ أَنَّ التَّحْسِينِيَّ يَخْدُمُ الْحَاجِيَّ، وَأَنَّ الْحَاجِيَّ يَخْدُمُ الضَّرُورِيَّ، فَإِنَّ الضَّرُورِيَّ هُوَ الْمَطْلُوبُ2. فَهَذِهِ مَطَالِبُ خَمْسَةٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا: أَحَدُهَا: أَنَّ الضَّرُورِيَّ أَصْلٌ لِمَا سِوَاهُ مِنَ الْحَاجِيِّ وَالتَّكْمِيلِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّ اخْتِلَالَ الضَّرُورِيِّ يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَالُ الْبَاقِيَيْنِ [بِإِطْلَاقٍ] 3. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَالِ الْبَاقِيَيْنِ [بِإِطْلَاقٍ] اخْتِلَالُ الضَّرُورِيِّ [بِإِطْلَاقٍ] . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَالِ التَّحْسِينِيِّ بِإِطْلَاقٍ أَوِ الْحَاجِيِّ بِإِطْلَاقٍ اخْتِلَالُ الضَّرُورِيِّ بِوَجْهٍ مَا. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْحَاجِيِّ وَعَلَى التَّحْسِينِيِّ لِلضَّرُورِيِّ.

_ 1 لعل الأصل: "إذ" لا "إذا" كما يفيده السياق. "د". 2 أي: الأصلي والأشد في الطلب، وإلا، فالكل مطلوب، وسيأتي له ما يفسره في آخر المسألة. "د". 3 أي: اختلالا تاما لا يبقى معه وجود، يقابله الاختلال الجزئي بوجه ما، وفي الأصل و"خ": "واختلال الضروري"، وما بين المعقوفتين سقط من "ط".

بيان الأول: أن مصالح الدين مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا اعْتُبِرَ قِيَامُ هَذَا الْوُجُودِ الدُّنْيَوِيِّ مَبْنِيًّا عَلَيْهَا، حَتَّى إِذَا انْخَرَمَتْ لَمْ يَبْقَ لِلدُّنْيَا وُجُودٌ- أَعْنِي: مَا هُوَ خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ وَالتَّكْلِيفِ-، وَكَذَلِكَ الْأُمُورُ الْأُخْرَوِيَّةُ لَا قِيَامَ لَهَا إِلَّا بِذَلِكَ. فَلَوْ عُدِمَ الدينُ عُدِمَ ترتُّبُ الْجَزَاءِ الْمُرْتَجَى، وَلَوْ عُدِمَ المكَلَّف1 لعُدِمَ مَنْ يَتَديَّن، وَلَوْ عَدِم الْعَقْلُ لَارْتَفَعَ التديُّن، وَلَوْ عُدِمَ النسلُ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَادَةِ بَقَاءٌ، وَلَوْ عُدِمَ المالُ لَمْ يبقَ عيشٌ- وأعني بالمال ما يقع عليه الملك ويستبد بِهِ الْمَالِكُ عَنْ غَيْرِهِ إِذَا أَخَذَهُ مِنْ وَجْهِهِ2، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَاللِّبَاسُ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمُتَمَوِّلَاتِ، فَلَوِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَقَاءٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ لَا يَرْتَابُ فِيهِ مَنْ عَرَفَ تَرْتِيبَ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا زَادٌ لِلْآخِرَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأُمُورُ الْحَاجِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ حَائِمَةٌ حَوْلَ هَذَا الْحِمَى، إِذْ هِيَ تَتَرَدَّدُ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ، تُكْمِلُهَا بِحَيْثُ تَرْتَفِعُ فِي الْقِيَامِ بها واكتسابها المشتقات، وَتَمِيلُ بِهِمْ فِيهَا إِلَى التَّوَسُّطِ وَالِاعْتِدَالِ فِي الْأُمُورِ، حَتَّى تَكُونَ جَارِيَةً عَلَى وَجْهٍ لَا يَمِيلُ إِلَى إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ. وَذَلِكَ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فِي الْبُيُوعِ، وَكَمَا نَقُولُ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الصلاة قاعدا

_ 1 أي: النفس. 2 هذا التعريف يعرف المال انطلاقا من كون المال محل الملك، والملك- الذي هو في حقيقته اختصاص- لا يتعلق إلا بما له قيمة بين الناس، وإلا، فلا معنى للاختصاص به، فأساس المالية هو العلاقة التي تقوم بين الناس والشيء، وذلك لحاجة الانتفاع به بوجوه الانتفاع المشروعة وانظر: "الفروق" "2/ 208".

وَمُضْطَجِعًا، وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الصِّيَامِ فِي وَقْتِهِ إِلَى زَمَانِ صِحَّتِهِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَسَائِرُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّمْثِيلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِذَا فُهِمَ هَذَا؛ لَمْ يَرْتَبِ الْعَاقِلُ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْحَاجِيَّةَ فُرُوعٌ دَائِرَةٌ حَوْلَ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي التَّحْسِينِيَّةِ، لِأَنَّهَا تُكْمِلُ مَا هُوَ حَاجِيٌّ أَوْ ضَرُورِيٌّ، فَإِذَا كَمَّلَتْ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، فَظَاهِرٌ، وَإِذَا كَمَّلَتْ مَا هُوَ حَاجِيٌّ، فَالْحَاجِيُّ مُكَمِّلٌ لِلضَّرُورِيِّ، وَالْمُكَمِّلُ لِلْمُكَمِّلِ مُكَمِّلٌ، فَالتَّحْسِينِيَّةُ إِذًا كَالْفَرْعِ لِلْأَصْلِ الضَّرُورِيِّ وَمَبْنِيٌّ عَلَيْهِ. بَيَانُ الثَّانِي: يَظْهَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الضَّرُورِيَّ هُوَ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ، وَأَنَّ مَا سِوَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ كَوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ كَفَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهِ، لَزِمَ مِنِ اخْتِلَالِهِ اخْتِلَالُ الْبَاقِيَيْنِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ إِذَا اخْتَلَّ اخْتَلَّ الْفَرْعُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى1. فَلَوْ فَرَضْنَا ارْتِفَاعَ أَصْلِ الْبَيْعِ مِنَ الشريعة، لم يمكن اعْتِبَارُ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ، وَكَذَلِكَ لَوِ ارْتَفَعَ أَصْلُ الْقِصَاصِ؛ لَمْ يُمْكِنِ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِ الْقِصَاصِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَثْبُتَ الْوَصْفُ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَوْصُوفِ، وَكَمَا إِذَا سَقَطَ عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَوِ الْحَائِضِ أَصْلُ الصَّلَاةِ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، أَوِ التَّكْبِيرِ، أَوِ الْجَمَاعَةِ، أَوِ الطَّهَارَةِ الحديثة أو الخبيثة، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ ثَمَّ2 حُكْمًا هُوَ ثَابِتٌ لِأَمْرٍ فَارْتَفَعَ ذَلِكَ الْأَمْرُ، ثُمَّ بَقِيَ الْحُكْمُ مَقْصُودًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ، كَانَ هَذَا فَرْضَ مُحَالٍ، وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ مَثَلًا أَنَّ الصَّلَاةَ إِذَا ارْتَفَعَتِ ارْتَفَعَ مَا هُوَ تَابِعٌ3 لَهَا وَمُكَمِّلٌ، مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا مِنْ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ بِالْفَرْضِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ هُوَ الْمُرْتَفِعُ، وَأَوْصَافُهَا بخلاف ذلك.

_ 1 في ط: "الأولى". 2 في "م": "تم". 3 في الأصل: "ثابت".

وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِذَا كَانَ أَصْلُ الصَّلَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ قَصْدًا، أَوِ الصِّيَامُ كَذَلِكَ، كَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الصِّيَامِ فِي الْعِيدِ، فَكُلُّ مَا تَتَّصِفُ بِهِ مِنْ مُكَمِّلَاتِهَا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ أَصْلِ النَّهْيِ، مِنْ حَيْثُ نُهِيَ عَنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَهَا هَيْئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ فِي الْوُقُوعِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ، وَلَا تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا إِلَّا بِمَجْمُوعِ أَفْعَالِهَا وَأَقْوَالِهَا، فَانْدَرَجَتِ الْمُكَمِّلَاتُ تَحْتَ النَّهْيِ بِانْدِرَاجِ الْكُلِّ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَقَائِقَ فِي أَنْفُسِهَا لَا تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهَا مُطْلَقًا، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَمْ يَلْزَمِ ارْتِفَاعُهَا بِارْتِفَاعِ مَا هِيَ تَابِعَةٌ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ اخْتِلَالِ الْأَصْلِ اخْتِلَالُ الْفَرْعِ كَمَا أَصَّلْتُ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا مَعَ مَقَاصِدِهَا هَذِهِ النِّسْبَةُ، كَالطَّهَارَةِ مَعَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَثْبُتُ الْوَسَائِلُ شَرْعًا مَعَ انْتِفَاءِ الْمَقَاصِدِ، كَجَرِّ الْمُوسَى فِي الْحَجِّ عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعَرَ لَهُ، فَالْأَشْيَاءُ إِذَا كَانَ لَهَا حَقَائِقُ فِي أَنْفُسِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا وُضِعَتْ مُكَمِّلَةً أَنْ تَرْتَفِعَ بِارْتِفَاعِ الْمُكَمَّلِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ الْقِرَاءَةَ وَالتَّكْبِيرَ وَغَيْرَهُمَا لَهَا اعْتِبَارَانِ: * اعْتِبَارٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ. * وَاعْتِبَارٌ مِنْ حَيْثُ أَنْفُسِهَا. فَأَمَّا اعْتِبَارُهَا مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي، فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي اعْتِبَارِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ أَجْزَاءٌ مُكَمِّلَةٌ لِلصَّلَاةِ، وَبِذَلِكَ الْوَجْهِ صَارَتْ بِالْوَضْعِ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، وَمِنَ الْمُحَالِ بَقَاءُ الصِّفَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَوْصُوفِ، إِذِ الْوَصْفُ مَعْنًى لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ عَقْلًا، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي الِاعْتِبَارِ مِثْلَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِبَقَاءِ المكمِّل مَعَ انْتِفَاءِ المكمَّل، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ،

وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَأَشْبَاهُهُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوَسَائِلِ، فَأَمْرٌ آخَرُ، وَلَكِنْ إِنْ فَرَضْنَا كَوْنَ الْوَسِيلَةِ كَالْوَصْفِ لِلْمَقْصُودِ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِأَجْلِهِ1، فَلَا يُمْكِنُ وَالْحَالُ هذه أن تبقى الوسيلة مع انتفاء القصد2، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ بِبَقَائِهَا3، فَتَكُونُ إِذْ ذَاكَ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا، وَإِنِ انْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى مَقْصُودٍ آخَرَ، فَلَا امْتِنَاعَ فِي هَذَا، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ4 مَنْ لَا شَعَرَ لَهُ5. وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِإِمْرَارِ الموسى على مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْإِمْرَارِ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا، لَمْ يَصِحَّ فَالْقَاعِدَةُ صَحِيحَةٌ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ لَا نَقْضَ فِيهِ عَلَيْهَا، [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِغَيْبِهِ وَأَحْكَمُ] 6. بَيَانُ الثَّالِثِ: أَنَّ الضَّرُورِيَّ مَعَ غيره كالموضوف مع أوصافه، ومن المعلوم

_ 1 كطلب أنواع الطهارة لأجل الصلاة، لا يبقى هذا الطلب إذا ارتفع طلب الصلاة. "د". 2 أي: ببقاء طلبها، أي: فإذا دل دليل على طلبها بقطع النظر عن اعتبارها وسيلة إلى مقصد آخر، فذلك لا مانع منه أن يكون الشيء مقصودا لنفسه ومقصودا ليكون وسيلة لغيره باعتبارين، فالوضوء مثلا عبادة مقصودة في نفسها، ووسيلة إلى مقصود آخر هو الصلاة والطواف ومس المصحف وهكذا، فقد لا يكون طواف ولا غيره ويبقى الوضوء مطلوبا، ولكن الكلام في وسيلة اعتبرت وصفا للغير، فباعتبار هذا الوصف متى سقط المتوسل إليه بها بطل طلبها من هذه الجهة التي تعتبر فيها مكملة لغيرها. "د". 3 هكذا في الأصل، وفي "د" و"خ" و"ط": "المقصد". 4 في "د": "شعر"، وهو خطأ. 5 قال القرافي في الفرق "الثامن والخمسين" "القاعدة أنه كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فإنها تبع له في الحكم، وقد خولفت هذه القاعدة في الحج في إمرار الموسى على رأس ما لا شعر له مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر، فيحتاج إلى دليل يدل على أنه مقصود في نفسه، وإلا، فهو مشكل على القاعدة". "خ". 6 ليست في الأصل، ولا في "ط".

أَنَّ الْمَوْصُوفَ لَا يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ بَعْضِ أَوْصَافِهِ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ يُضَاهِيهِ. مِثَالُ ذَلِكَ الصَّلَاةُ إِذَا بَطَلَ مِنْهَا الذِّكْرُ أَوِ الْقِرَاءَةُ أَوِ التَّكْبِيرُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ مِنْ أَوْصَافِهَا1 لِأَمْرٍ، لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الصَّلَاةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا ارْتَفَعَ اعْتِبَارُ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ، لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الْبَيْعِ، كَمَا فِي الْخَشَبِ، وَالثَّوْبِ الْمَحْشُوِّ، وَالْجَوْزِ، وَالْقَسْطَلِ، وَالْأُصُولِ الْمُغَيَّبَةِ فِي الْأَرْضِ، كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ، وَأُسُسِ الْحِيطَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ2. وَكَذَا3 لَوِ ارْتَفَعَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثِلَةِ فِي الْقِصَاصِ، لَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ الْقِصَاصِ، وَأَقْرَبُ الْحَقَائِقِ إِلَيْهِ الصِّفَةُ مَعَ الْمَوْصُوفِ، فَكَمَا أَنَّ الصِّفَةَ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِهَا بُطْلَانُ الْمَوْصُوفِ [بِهَا] 4، كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ ذَاتِيَّةً بِحَيْثُ صَارَتْ جُزْءًا مِنْ مَاهِيَّةِ الْمَوْصُوفِ، فَهِيَ إِذْ ذَاكَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْمَاهِيَّةِ، وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَيَنْخَرِمُ الأصل بانخرام قاعدة من قواعده، كما [نقول] 5 فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنَحْوِهِمَا فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَنْخَرِمُ مِنْ أَصْلِهَا بِانْخِرَامِ شَيْءٍ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا، هَذَا لَا نَظَرَ فيه، والوصف

_ 1 أي: مما ليس ركنا فيها كما يأتي بيانه. "د". 2 أكثر البيوع لا تخلو عن الغرر اليسير، ولهذا كان من المعفو عنه، وقيد الإمام المازري العفو بشرطين: أحدهما أن يكون ذلك اليسير غير مقصود، وثانيهما أن تدعو إليه الضرورة، وقدح ابن عبد السلام في هذا الشرط بأنه يقتضي أن تكون أكثر البيوع رخصة وهو باطل، وأجاب الشيخ ابن عرفة بأن الرخصة ما شرع عند الحاجة خاصة كأكل الميتة، وأما ما جاء عند الحاجة لكل الناس وفي كل الأزمنة، فليس برخصة "خ". 3 في الأصل: "وكذلك". 4 ليست في الأصل. 5 سقطت من "د".

الَّذِي شَأْنُهُ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ وَلَا مِنَ الْحَاجِيَّاتِ، بَلْ هُوَ1 مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ. لَا يُقَالُ: إِنَّ مِنْ أَوْصَافِ الصَّلَاةِ مَثَلًا الْكَمَالِيَّةِ أن لا تَكُونَ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، وَكَذَلِكَ الذَّكَاةُ مِنْ تمامها أن لا تكون بسكين مغصوبة وما أشبه، وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِبُطْلَانِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَأَصْلِ الذَّكَاةِ، فَقَدْ عَادَ بُطْلَانُ الْوَصْفِ بِالْبُطْلَانِ عَلَى الْمَوْصُوفِ، لِأَنَّا نَقُولُ: مَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَالذَّكَاةِ، فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ بَنَى، وَمَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ فَبَنَى2 عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْوَصْفِ كَالذَّاتِيِّ، فَكَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ أَرْكَانُهَا كُلُّهَا- الَّتِي هِيَ أَكْوَانٌ- غَصْبًا، لِأَنَّهَا أَكْوَانٌ حاصلة في الدار المغصوبة، وتحريم الغصب3 إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْرِيمِ الْأَكْوَانِ، فَصَارَتِ الصَّلَاةُ نَفْسُهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا، كَالصَّلَاةِ فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ4، وَالصَّوْمِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ5. وَكَذَلِكَ الذَّكَاةُ حِينَ صَارَتِ السِّكِّينُ مَنْهِيًّا عَنِ الْعَمَلِ بِهَا لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا غَصْبٌ، كَانَ هَذَا الْعَمَلُ الْمُعَيَّنُ وَهُوَ الذَّكَاةُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَصَارَ أَصْلُ الذَّكَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، فَعَادَ الْبُطْلَانُ إِلَى الْأَصْلِ بِسَبَبِ بطلان وصف 6 ذاتي بهذا الاعتبار.

_ 1 كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة بدلا من "بل هو": "ولا". 2 في "ط": "فبناء". 3 هكذا في الأصل، و"ط" ونسختي "م" و"خ"، وفي "د": "الأصل". 4 سيأتي ذلك "ص 516". 5 ورد النهي في أحاديث كثيرة أشهرها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد بيت المقدس، 3/ 70/ رقم 1197، وكتاب الصيام، باب صوم يوم الفطر، 4/ 239/ رقم 1991، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، 2/ 799، 800/ رقم 827" عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر. وستأتي في الباب أحاديث أخر عند المصنف، انظر: "3/ 404، 469". 6 كذا في النسخ المطبوعة و"ط"، وفي الأصل: "أصل ذاتي".

وَيُتَصَوَّرُ هُنَا النَّظَرُ فِي أَبْحَاثٍ هِيَ مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ قَادِحَةٍ فِي أَصْلِنَا الْمَذْكُورِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ لِأَنَّ أَصْلَهُ عَقْلِيٌّ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فِي إِلْحَاقِ الْفُرُوعِ بِهِ أَوْ عَدَمِ إِلْحَاقِهَا بِهِ1. بَيَانُ الرَّابِعِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ لَمَّا كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي تَأَكُّدِ الِاعْتِبَارِ، فَالضَّرُورِيَّاتُ آكَدُهَا، ثُمَّ تَلِيهَا الْحَاجِيَّاتُ وَالتَّحْسِينَاتُ، وَكَانَ2 مُرْتَبِطًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَانَ فِي إِبْطَالِ الْأَخَفِّ جُرْأَةٌ عَلَى مَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ، وَمَدْخَلٌ لِلْإِخْلَالِ بِهِ، فَصَارَ الْأَخَفُّ كَأَنَّهُ حِمًى لِلْآكَدِ، وَالرَّاتِعُ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، فَالْمُخِلُّ بِمَا هُوَ مكمِّل كَالْمُخِلِّ بالمكمَّل مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ الصَّلَاةُ، فَإِنَّ لَهَا مكملات وهي ما3 سِوَى الْأَرْكَانِ وَالْفَرَائِضِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُخِلَّ بِهَا مُتَطَرِّقٌ لِلْإِخْلَالِ بِالْفَرَائِضِ وَالْأَرْكَانِ، لِأَنَّ الْأَخَفَّ طَرِيقٌ إِلَى الْأَثْقَلِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "كَالرَّاتِعِ حول الحمى يوشك أن يقع فيه" 4.

_ 1 باعتبار الاختلاف في وصفية هذه الفروع لأصلها: هل هي أوصاف مكملة أم أوصاف ذاتية "د" 2 كذا في "د" و"خ" و"ط"، وفي الأصل و"م": "كانت". 3 كذا في "ط"، وفي غيره: "هنا" 4 قطعة من حديث أوله: "إن الحلال بين وإن الحرام بين...." وفيه: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"، أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، 1/ 126/ رقم 52، وكتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، 4/ 290/ رقم 2051"، ومسلم في "الصحيح" كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، 3/ 1219- 1220/ رقم 1599"عن النعمان ابن بشير رضي الله عنه.

وَفِي الْحَدِيثِ: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" 1. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: "إِنِّي لَأَجْعَلُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلَالِ وَلَا أَخْرِقُهَا"2. وَهُوَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ ذِكْرِهِ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. فَالْمُتَجَرِّئُ عَلَى الْأَخَفِّ بِالْإِخْلَالِ بِهِ مُعَرَّضٌ لِلتَّجَرُّؤِ عَلَى مَا سِوَاهُ، فَكَذَلِكَ الْمُتَجَرِّئُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا يَتَجَرَّأُ عَلَى الضروريات؛ فإذًا قد يكون في

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الحدود، باب لعن السارق إذا لم يسم، 12/ 81/ رقم 6783، 6799"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، 3/ 1314/ رقم 1687"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب قطع السارق، باب تعظيم السرقة، 8/ 65"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الحدود، باب حد السارق، 2/ 862/ رقم 2583"، وأحمد في "المسند" "2/ 253" وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وكتب "خ" هنا ما نصه: "وقد جرى المصنف في تأويل هذا الحديث على معنى أن من يمد يده إلى سرقة الشيء الحقير لم يلبث أن يتعدى به إلى ما كان أعظم، فصح أن يعد سارق البيضة والحبل بمنزلة من وقع في سرقة المقدار الذي تقطع فيه اليد، وهذا غير تأويله على أن المراد المبالغة في التنفير من السرقة على شاكلة "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة". 2 في النسخ المطبوعة: "ولا أحرمها" والتصويب من الأصل و"ط"،وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود في "الزهد" "رقم 320" من طريق مالك، بلغه أن عبد الله بن عمر قوله، وإسناده منقطع، ونسبه لابن عمر ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "1/ 209". وأخرج البلاذري في "أنساب الأشراف" "ص 201- أخبار الشيخين" بسند ضعيف عن عمر، قال: "ولقد تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام".

إِبْطَالِ الْكَمَالَاتِ بِإِطْلَاقٍ إِبْطَالُ الضَّرُورِيَّاتِ بِوَجْهٍ مَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْمُكَمِّلَاتِ وَمُخِلًّا بِهَا بِإِطْلَاقٍ، بِحَيْثُ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَ نَزْرًا، أَوْ يَأْتِي بِجُمْلَةٍ مِنْهَا إِنْ تَعَدَّدَتْ؛ إِلَّا أَنَّ الْأَكْثَرَ هُوَ الْمَتْرُوكُ والمخَلُّ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَوِ اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى مَا هُوَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ، لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاتِهِ مَا يُسْتَحْسَنُ، وَكَانَتْ إِلَى اللَّعِبِ أَقْرَبَ، وَمِنْ هُنَا يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ فِي ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْبَيْعِ: إِذَا فَاتَ فِيهِ مَا هُوَ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ كَانْتِفَاءِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ؛ أَوْشَكَ أَنْ لَا يَحْصُلَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا مَقْصُودٌ، فَكَانَ وُجُودُ الْعَقْدِ كَعَدَمِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ عَدَمُهُ أَحْسَنَ مِنْ وُجُودِهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ النَّظَائِرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ آكَدُ مِنْهَا كَالنَّفْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ فَرْضٌ، فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ كَالْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَالتَّكْبِيرُ، وَالتَّسْبِيحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَهَكَذَا كَوْنُ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ غَيْرَ نَجِسٍ، وَلَا مَمْلُوكٍ للغيرن ولا مفقود الزكاة بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ إِقَامَةِ الْبِنْيَةِ، وَإِحْيَاءِ النَّفْسِ كَالنَّفْلِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الْمَبِيعِ مَعْلُومًا، وَمُنْتَفَعًا بِهِ شَرْعًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الْبَيْعِ كَالنَّافِلَةِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهِ بِالْجُزْءِ يَنْتَهِضُ أَنْ يَصِيرَ وَاجِبًا بِالْكُلِّ؛ فَالْإِخْلَالُ بِالْمَنْدُوبِ مُطْلَقًا يُشْبِهُ الإخلال بركن1 مِنْ أَرْكَانِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ ذَلِكَ المندوب بمجموعه واجبا في ذلك الواجب، ولو أخل الإنسان بركن من أركان الواجب من غير2 عذر بطل أصل الْوَاجِبِ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَخَلَّ بِمَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ أَوْ شَبِيهٍ بِهِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِبْطَالَ الْمُكَمِّلَاتِ بِإِطْلَاقٍ قد يبطل الضروريات بوجه ما.

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "بالركن". 2 في "د": "بغير".

والثالث: أن مجموع الحاجيات والتحسينات يَنْتَهِضُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرُورِيَّاتِ1، وَذَلِكَ أَنَّ كَمَالَ الضَّرُورِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ضَرُورِيَّاتٌ إِنَّمَا يَحْسُنُ مَوْقِعُهُ حَيْثُ يَكُونُ فِيهَا عَلَى الْمُكَلَّفِ سَعَةٌ وَبَسْطَةٌ، مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ وَلَا حَرَجٍ وَحَيْثُ يَبْقَى مَعَهَا خِصَالُ مَعَانِي2 الْعَادَاتِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ مُوَفَّرَةَ الْفُصُولِ، مُكَمَّلَةَ الْأَطْرَافِ، حَتَّى يَسْتَحْسِنَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعُقُولِ، فَإِذَا أَخَلَّ بِذَلِكَ، لَبِسَ قِسْمُ الضَّرُورِيَّاتِ لِبْسَةَ الْحَرَجِ وَالْعَنَتِ3، وَاتَّصَفَ بِضِدِّ مَا يُسْتَحْسَنُ فِي الْعَادَاتِ، فَصَارَ الْوَاجِبُ الضَّرُورِيُّ مُتَكَلَّفَ الْعَمَلِ، وَغَيْرَ صَافٍ فِي النَّظَرِ الَّذِي وُضِعَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَا وُضِعَتْ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ" 4، فَكَأَنَّهُ لَوْ فرض فقدان المكملات،

_ 1 قرر فيما سبق "1/ 206" أن الأحكام تختلف بحسب الكلية والجزئية، فقد يكون الفعل مباحًا بالجزء لكنه واجب أو مندوب بالكل.... وبهذا الميزان قرر هذا الكلام، وشبيه به نجده عند الجويني في "البرهان" "2/ 923" حيث يرى مثلا أن البيع يعتبر من الضروريات بالنظر إلى العموم، بحيث "إن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم، لجر ذلك ضرورة ظاهرة، فمستند البيع إذا آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع والجملة"، أي أنه من حيث الجزء "بالنسبة للفرد للواحد"، إنما هو من الحاجيات، ولكنه بالنسبة إلى مجموع الناس أمر ضروري، فهذه الفكرة عند الجويني بذرة، وعند المصنف شجرة، إذ صقلها ووضحها وطورها ووسعها. 2 في "ط": "محاسن". 3 في "خ": "الحرج والمشقة". 4 أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" "7/ 188" و"الأدب المفرد" "رقم 273". وأحمد في المسند" "2/ 381ط، والبرجلاني في "الكرم والجود" "رقم 1" وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "1/ 192" والبزار في "مسنده" "رقم 2470- زوائده"، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" "13"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 613"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 191-192" و"الشعب" "6/ 230، 231"، والسمعاني في "أدب الإملاء" "ص 25". وتمام في "الفوائد" "رقم 1070- ترتيبه"، جميعهم من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق". وإسناده حسن، قال الهيثمي في "المجمع" "9/ 15" والسخاوي في "المقاصد الحسنة"، "ص 105": "رجاله رجال الصحيح". قلت: ابن عجلان فيه كلام يسير لا يضر إن شاء الله تعالى. وذكره مالك في "الموطأ" "2/ 904" بلاغا، وقال ابن عبد البر: "وهو متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره مرفوعا". وأخرجه بلفظ المصنف الطبراني في "مكارم الأخلاق" "رقم 119" من حديث جابر بسند ضعيف.

لَمْ يَكُنِ الْوَاجِبُ وَاقِعًا عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ خَلَلٌ فِي الْوَاجِبِ ظَاهِرٌ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْخَلَلُ فِي الْمُكَمِّلِ لِلضَّرُورِيِّ وَاقِعًا فِي بَعْضِ ذَلِكَ1 وَفِي يَسِيرٍ مِنْهُ، بِحَيْثُ لَا يُزِيلُ حُسْنَهُ وَلَا يَرْفَعُ بَهْجَتَهُ وَلَا يُغْلِقُ بَابَ السَّعَةِ عَنْهُ، فَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ كُلَّ حَاجِيٍّ وَتَحْسِينِيٍّ إِنَّمَا هُوَ خَادِمٌ لِلْأَصْلِ الضَّرُورِيِّ وَمُؤْنَسٌ [بِهِ] 2 وَمُحَسِّنٌ لِصُورَتِهِ الْخَاصَّةِ، إِمَّا مُقَدِّمَةً لَهُ، أَوْ مُقَارِنًا، أَوْ تَابِعًا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهُوَ يَدُورُ بِالْخِدْمَةِ حَوَالَيْهِ، فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يُتَأَدَّى بِهِ الضَّرُورِيُّ عَلَى أَحْسَنِ حَالَاتِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَثَلًا إِذَا تَقَدَّمَتْهَا الطَّهَارَةُ أَشْعَرَتْ بِتَأَهُّبٍ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَشْعَرَ التَّوَجُّهُ بِحُضُورِ الْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَحْضَرَ نِيَّةَ التَّعَبُّدِ، أثمر الخضوع والسكون، ثم يدخل فيه عَلَى نَسَقِهَا بِزِيَادَةِ السُّورَةِ خِدْمَةً لِفَرْضِ أُمِّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ3 كَلَامُ الرَّبِّ الْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَبَّحَ وَتَشَهَّدَ، فَذَلِكَ كُلُّهُ تَنْبِيهٌ لِلْقَلْبِ، وَإِيقَاظٌ لَهُ أَنْ يَغْفُلَ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ مُنَاجَاةِ رَبِّهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِهَا، فَلَوْ قَدَّمَ قَبْلَهَا نَافِلَةً، كان ذلك تدريجا للمصلي.

_ 1 أي: بحيث لا يقال فيه: إنه اختل بإطلاق، كما هو أصل الدعوى. "د". 2 ما بين المعقوفتين زيادة من "د" و"ط". 3 في "م": "الجمع".

وَاسْتِدْعَاءً لِلْحُضُورِ، وَلَوْ أَتْبَعَهَا نَافِلَةً أَيْضًا، لَكَانَ خَلِيقًا بِاسْتِصْحَابِ الْحُضُورِ فِي الْفَرِيضَةِ. وَمِنَ1 الِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ أَنْ جُعِلَتْ أَجْزَاءُ الصَّلَاةِ غَيْرَ خَالِيَةٍ مِنْ ذِكْرٍ مَقْرُونٍ بِعَمَلٍ، لِيَكُونَ اللِّسَانُ وَالْجَوَارِحُ مُتَطَابِقَةً عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْحُضُورُ مَعَ اللَّهِ فِيهَا بِالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ وَالِانْقِيَادِ، وَلَمْ يَخْلُ مَوْضِعٌ مِنَ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ فَتْحًا لِبَابِ الْغَفْلَةِ وَدُخُولِ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذِهِ الْمُكَمِّلَاتِ الدَّائِرَةَ حَوْلَ حِمَى الضَّرُورِيِّ خَادِمَةٌ لَهُ وَمُقَوِّيَةٌ لِجَانِبِهِ، فَلَوْ خَلَتْ عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَنْ أَكْثَرِهِ، لَكَانَ خَلَلًا فِيهَا، وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي سَائِرُ الضَّرُورِيَّاتِ مَعَ مُكَمِّلَاتِهَا لِمَنِ اعْتَبَرَهَا. بَيَانُ الْخَامِسِ: ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الضَّرُورِيُّ قَدْ يَخْتَلُّ بِاخْتِلَالِ مُكَمِّلَاتِهِ، كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا لِأَجْلِهِ مَطْلُوبَةً؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ زِينَةً لَا يَظْهَرُ حُسْنُهُ إِلَّا بِهَا، كَانَ مِنَ الْأَحَقِّ أَنْ لَا يُخِلَّ بِهَا. وَبِهَذَا كُلِّهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ فِي الْمَطَالِبِ الثَّلَاثَةِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهَا وَهُوَ قِسْمُ الضَّرُورِيَّاتِ، وَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ مُرَاعًى فِي كُلِّ مِلَّةٍ، بِحَيْثُ لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهِ الْمِلَلُ كَمَا اخْتَلَفَتْ فِي الْفُرُوعِ، فَهِيَ أُصُولُ الدين، وقواعد الشريعة، وكليات الملة.

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "وفي".

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْمَصَالِحُ الْمَثْبُوتَةُ فِي هَذِهِ الدَّارِ يُنْظَرُ فِيهَا مِنْ جِهَتَيْنِ: - مِنْ جِهَةِ مَوَاقِعِ الْوُجُودِ. - وَمِنْ جِهَةِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ بِهَا. فَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ -مِنْ حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا- لَا يَتَخَلَّصُ كَوْنُهَا مَصَالِحَ مَحْضَةً، وَأَعْنِي بِالْمَصَالِحِ1 مَا يَرْجِعُ إِلَى قِيَامِ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَتَمَامِ عَيْشِهِ، وَنَيْلِهِ مَا تَقْتَضِيهِ أَوْصَافُهُ الشَّهْوَانِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، حَتَّى يَكُونَ مُنَعَّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا فِي مُجَرَّدِ الِاعْتِيَادِ لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَصَالِحَ مَشُوبَةٌ بِتَكَالِيفَ وَمَشَاقَّ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، تَقْتَرِنُ بِهَا أَوْ تَسْبِقُهَا أَوْ تَلْحَقُهَا، كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَاللِّبْسِ، وَالسُّكْنَى، وَالرُّكُوبِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ2، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِكَدٍّ وَتَعَبٍ. كَمَا أَنَّ الْمَفَاسِدَ الدُّنْيَوِيَّةَ لَيْسَتْ بِمَفَاسِدَ مَحْضَةٍ مِنْ حَيْثُ مَوَاقِعِ الْوُجُودِ، إِذْ مَا مِنْ مَفْسَدَةٍ تُفْرَضُ فِي الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ إِلَّا وَيَقْتَرِنُ بِهَا أَوْ يَسْبِقُهَا أَوْ يَتْبَعُهَا مِنَ الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ وَنَيْلِ اللَّذَّاتِ كَثِيرٌ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ مَا هُوَ الْأَصْلُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وُضِعَتْ عَلَى الِامْتِزَاجِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَالِاخْتِلَاطِ بَيْنَ الْقَبِيلَيْنِ، فَمَنْ رَامَ اسْتِخْلَاصَ جِهَةٍ فِيهَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ3، وَبُرْهَانُهُ التَّجْرِبَةُ التَّامَّةُ مِنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ الْإِخْبَارُ بِوَضْعِهَا عَلَى الِابْتِلَاءِ والاختبار والتمحيص،

_ 1 انظر في تعريفها وأقسامها: "روضة الناظر" "1/ 412"، و"المستصفى" "1/ 286"، و"قواعد الأحكام" "1/ 11-12"، و"إرشاد الفحول" "215". 2 أي: مثل اكتساب المعارف الذي يقتضيه وصفه العقلي. "د". 3 في نسخة "ماء/ ص 124" زيادة: "لا من كدرها عن صفائها، ولا من صفائها عن كدرها".

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الْأَنْبِيَاءِ: 35] ، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الْمُلْكِ:2] ، وَمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" 1، فَلِهَذَا لَمْ يَخْلُصْ فِي الدُّنْيَا لِأَحَدٍ جِهَةٌ خَالِيَةٌ مِنْ شَرِكَةِ الْجِهَةِ الْأُخْرَى. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ الرَّاجِعَةُ إِلَى الدُّنْيَا إِنَّمَا تُفْهَمُ عَلَى مُقْتَضَى مَا غَلَبَ، فَإِذَا كَانَ الْغَالِبُ جِهَةَ الْمَصْلَحَةِ، فَهِيَ الْمَصْلَحَةُ الْمَفْهُومَةُ عُرْفًا، وَإِذَا غَلَبَتِ الْجِهَةُ الْأُخْرَى، فَهِيَ الْمَفْسَدَةُ الْمَفْهُومَةُ عُرْفًا، وَلِذَلِكَ كَانَ الْفِعْلُ ذُو الْوَجْهَيْنِ مَنْسُوبًا إِلَى الْجِهَةِ الرَّاجِحَةِ، فَإِنْ رَجَحَتِ الْمَصْلَحَةُ، فَمَطْلُوبٌ، وَيُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ مَصْلَحَةٌ، وَإِذَا غَلَبَتْ جِهَةُ الْمَفْسَدَةِ، فَمَهْرُوبٌ عَنْهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ2 مَفْسَدَةٌ، [وَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ عَلَى تساوٍ، فَلَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ أَوْ مَفْسَدَةٌ] عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ مُقْتَضَى الْعَادَاتِ، فَلَهُ نِسْبَةٌ أُخْرَى3 وَقِسْمَةٌ غَيْرُ هذه [القسمة] 4.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الرقاق، باب حجبت النار بالشهوات، 11/ 320/ رقم 6487"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب منه، 4/ 2174/ رقم 2823"من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال "خ" تعقيبًا على الحديث: "طبعت النفوس على داعية حب الراحة والانغماس في اللذائذ ولكن المعالي والشرف لا تنال إلا باقتحام مصاعب هذه الحياة والخوض في معامع الأخطار، فسعادة الأرواح تكون على قدر ما تحتمل من المتاعب وتقاسيه من آلام مخالفة الهوى، وقد رسم الشارع لها في هذا السبيل حدودًا حجر عليها أن تتعداها، وفوض ما يعدو ذلك إلى همم المكلفين ليتسابقوا في مغالبة الدواعي الزائغة ومصارعه ما يلاقونه من الشدائد". 2 في "خ" ونسخة "ماء/ ص 125": "إنما". 3 وهي غير ما يأتي الكلام عليها في الفصل بعده؛ لأنه باعتبار تعلق الخطاب لا من حيث مواقع الوجود. "د". 4 ما بين المعقوفتين زيادة من "ط" و"د".

هَذَا وَجْهُ النَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ مَوَاقِعِ الْوُجُودِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ1. وَأَمَّا النَّظَرُ الثَّانِي2 فِيهَا مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقِ الْخِطَابَ بِهَا شَرْعًا فَالْمَصْلَحَةُ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْغَالِبَةَ عِنْدَ مُنَاظَرَتِهَا مَعَ الْمَفْسَدَةِ فِي حُكْمِ الِاعْتِيَادِ، فَهِيَ الْمَقْصُودَةُ شَرْعًا، وَلِتَحْصِيلِهَا وَقَعَ الطَّلَبُ عَلَى الْعِبَادِ، لِيَجْرِيَ قَانُونُهَا عَلَى أَقْوَمِ طَرِيقٍ وَأَهْدَى سَبِيلٍ، وَلِيَكُونَ حُصُولُهَا أَتَمَّ وَأَقْرَبَ وَأَوْلَى بِنَيْلِ الْمَقْصُودِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ تَبِعَهَا مَفْسَدَةٌ أَوْ مَشَقَّةٌ، فَلَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ فِي شَرْعِيَّةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَطَلَبِهِ., وَكَذَلِكَ الْمَفْسَدَةُ إِذَا كَانَتْ هِيَ الْغَالِبَةَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ فِي حُكْمِ الِاعْتِيَادِ، فَرَفْعُهَا هُوَ الْمَقْصُودُ شَرْعًا، وَلِأَجْلِهِ وَقَعَ النَّهْيُ، لِيَكُونَ رَفْعُهَا على أتم وجوه الإمكان العادي فيمثلها، حسبما يَشْهَدُ لَهُ كُلُّ عَقْلٍ سَلِيمٍ، فَإِنْ تَبِعَتْهَا مَصْلَحَةٌ أَوْ لَذَّةٌ، فَلَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مَا غَلَبَ فِي الْمَحَلِّ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُلْغًى فِي مُقْتَضَى النَّهْيِ، كَمَا كَانَتْ جِهَةُ الْمَفْسَدَةِ مُلْغَاةً فِي جِهَةِ الْأَمْرِ. فَالْحَاصِلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا أَوِ الْمَفَاسِدَ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا هِيَ خَالِصَةٌ3 غَيْرُ مَشُوبَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَفَاسِدِ4، لا قليلا ولا كثيرا، وإن توهم

_ 1 انظر في مسألة اختلاط المصالح بالمفاسد: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 48-61" و"شرح تنقيح الفصول" "78"، و"قواعد الأحكام" "1/ 7"، وقال فيه: "إن المصالح الخالصة عزيزة الوجود". وفي ط: "أو المفسدة الدنيوية ... ". 2 سيأتي تقييد هذا النظر في المسألة الثانية. "د". 3 في نسخة "ماء/ ص 126" زيادة: "ولا من المصالح". 4 لأنه إنما نظر فيها إلى الجهة الغالبة لا غير، وألغى مقابلها، فلا التفات إليه، وكأنه عدم؛ لأنه غير جار في الاعتياد الكسبي الذي جعله الشرع ميزانا للمصلحة والمفسدة. د.=

أَنَّهَا مَشُوبَةٌ، فَلَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَغْلُوبَةَ1 أَوِ الْمَفْسَدَةَ الْمَغْلُوبَةَ2 إِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا مَا يَجْرِي فِي الِاعْتِيَادِ الْكَسْبِيِّ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إِلَى زِيَادَةٍ تَقْتَضِي الْتِفَاتَ الشَّارِعِ إِلَيْهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ3 هُوَ الَّذِي قِيلَ إِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِيَّةِ الْأَحْكَامِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أن الجهة المغلوبة4 لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ -أَعْنِي: مُعْتَبَرَةً عِنْدَ الشَّارِعِ-، لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ مَأْمُورًا بِهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهُ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ كَانَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَصْلَحَةِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْمَفْسَدَةِ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَهَذَا يَتَبَيَّنُ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ في الأمر والنهي، كوجوب الإيمان وحرمة

_ = قلت: إلغاء المصلحة المرجوحة بحيث تجعل كأنها غير موجودة ولا قيمة لها هو رأي ابن الحاجب، وذهب الرازي وجماعة منهم البيضاوي أن النفع وإن كان قليلًا يسمى نفعا، لوجود الحقيقة فيه، فالمفسدة وإن كانت راجحة لا تجعل النفع ضررا؛ لأن قلب الحقائق لا يكون بالاعتبار، وإنما يكون بذهاب الحقيقة بذهاب أجزائها كلها، وما دام النفع باقيا، فالحقيقة لا تزال موجودة، ولكن الحكم لا يشرع عند وجود المفسدة الراجحة أو المساوية، فالخلاف إذن لفظي، ولا ثمرة فيه. وفي "ط": شرعا والمفاسد....". وانظر: "الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده" "ص 126-127"، و"إعلام الموقعين""3/ 1 وما بعدها"، والسياسة الشرعية" "ص 6 وما بعدها" لعبد الوهاب خلاف، و"تعليل الأحكام" "ص 307 وما بعدها" لمصطفى شلبي، وانظر في معنى ما عند المصنف: "قواعد الأحكام" "1/ 106-107"، و"مفتاح دار السعادة" "2/ 14 وما بعدها". "1و 2 لعل الأصل: "الغالبة" فيهما. د. 3 وهو الخارج الزائد عن حالة الاعتياد الكسبي. "د". 4 هكذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "الجهالة المعلومة"، ولا معنى لها، وصوب ما أثبتناه محققا "د" و"م".

الْكُفْرِ، وَوُجُوبِ إِحْيَاءِ النُّفُوسِ وَمَنْعِ إِتْلَافِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَكَأَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ الَّذِي لَا أَعْلَى مِنْهُ فِي مَرَاتِبِ التَّكْلِيفِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ عن1 إِطْلَاقِهَا وَقَطْعِهَا عَنْ نَيْلِ أَغْرَاضِهَا وَقَهْرِهَا تَحْتَ سُلْطَانِ التَّكْلِيفِ الَّذِي لَا لَذَّةَ فِيهِ لَهَا، وَكَانَ الْكُفْرُ الَّذِي يَقْتَضِي إِطْلَاقَ النَّفْسِ مِنْ قيد التكاليف2، وَتَمَتُّعَهَا بِالشَّهَوَاتِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْمَلْذُوذَةَ وَالْمُخْرِجَةَ عَنِ الْقُيُودِ الْقَاهِرَةِ مَصْلَحَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ مَحْضٌ، بَلِ الْإِيمَانُ مَطْلُوبٌ بِإِطْلَاقٍ، والكفر منهي عنه بإطلاق، فدل [هذا] 3 عَلَى أَنَّ جِهَةَ الْمَفْسَدَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى طَلَبِ الْإِيمَانِ وَجِهَةَ الْمَصْلَحَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّهْيِ عَنِ الْكُفْرَانِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، وَإِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا عَادَةً وَطَبْعًا. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَقْصُودَ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا، لَكَانَ تَكْلِيفُ الْعَبْدِ كُلُّهُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ بَاطِلٌ شَرْعًا، أَمَّا كَوْنُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بَاطِلًا شَرْعًا، فَمَعْلُومٌ فِي الْأُصُولِ، وَأَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ، فَلِأَنَّ الْجِهَةَ الْمَرْجُوحَةَ مَثَلًا مُضَادَّةٌ فِي الطَّلَبِ لِلْجِهَةِ الرَّاجِحَةِ، وَقَدْ أُمِرَ مَثَلًا بِإِيقَاعِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ مَنْهِيًّا عَنْ إِيقَاعِ الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ وَمَنْهِيٌّ عَنْ إِيقَاعِهِ مَعًا، وَالْجِهَتَانِ غَيْرُ مُنْفَكَّتَيْنِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ، فَلَا بُدَّ فِي إِيقَاعِ الْفِعْلِ أَوْ عَدَمِ إِيقَاعِهِ مِنْ تَوَارُدِ4 الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا فَقَدْ قِيلَ لَهُ: "افْعَلْ" "وَلَا تَفْعَلْ" لِفِعْلٍ وَاحِدٍ، أَيْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فِي الْوُقُوعِ، وَهُوَ عَيْنُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهَا، وَلَكِنْ مَأْذُونًا فِيهَا، فَلَا يَجْتَمِعُ الأمر والنهي معا، فلا يلزم المحظور.

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "من". 2 في "د" و"خ": "التكليف"، وفي الأصل: "غير التكليف". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"د". 4 في "ط": "تولد".

لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ كَمَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَأْذُونًا فِيهَا، يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا، وَإِنْ سَلِمَ ذَلِكَ، فَالْإِذْنُ مُضَادٌّ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا، فَإِنَّ التَّخْيِيرَ مُنَافٍ لِعَدَمِ التَّخْيِيرِ، وَهُمَا وَارِدَانِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، فَوُرُودُ الْخِطَابِ بِهِمَا مَعًا خِطَابٌ بِمَا لَا يُسْتَطَاعُ إِيقَاعُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُخَاطَبِ بِهِ1، وَهُوَ مَا أَرَدْنَا بَيَانَهُ، وَلَيْسَ هَذَا كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، لِإِمْكَانِ الِانْفِكَاكِ بِأَنْ يُصَلَّى فِي غَيْرِ الدَّارِ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا التَّقْرِيرَ2 مُشِيرٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ بِمَقْصُودِ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْخَيْرُ، فَإِذَا3 خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقًا مُمْتَزِجًا خَيْرُهُ بَشَّرِّهِ، فَالْخَيْرُ هُوَ الَّذِي خُلِقَ الْخَلْقُ لِأَجْلِهِ، وَلَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ الشَّرِّ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا بِهِ، كَالطَّبِيبِ عِنْدَهُمْ إِذَا سَقَى المريضَ الدَّوَاءَ الْمُرَّ الْبَشِعَ الْمَكْرُوهَ، فَلَمْ يَسْقِهِ إِيَّاهُ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَرَارَةِ وَالْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ، بَلْ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ الشِّفَاءِ وَالرَّاحَةِ، وَكَذَلِكَ الْإِيلَامُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَقَطْعِ العضو وَالرَّاحَةِ، وَكَذَلِكَ الْإِيلَامُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَقَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ، إِنَّمَا قَصْدُهُ بِذَلِكَ جَلْبُ الرَّاحَةِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ، فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ جَمِيعُ مَا فِي الْوُجُودِ مِنَ الْمَفَاسِدِ الْمُسَبَّبَةِ عَنْ أَسْبَابِهَا، فَمَا تَقَدَّمَ شَبِيهٌ بِهَذَا مِنْ حَيْثُ قُلْتُ: إِنَّ الشَّارِعَ -مَعَ قَصْدِهِ التَّشْرِيعَ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ- لَا يَقْصِدُ وَجْهَ الْمَفْسَدَةِ، مَعَ أَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ4. وَهُوَ أَيْضًا مُشِيرٌ إِلَى مَذَاهِبِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الشُّرُورَ وَالْمَفَاسِدَ غَيْرُ مَقْصُودَةِ الْوُقُوعِ، وَأَنَّ وُقُوعَهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى خِلَافِ الْإِرَادَةِ، تَعَالَى اللَّهُ عن ذلك

_ 1 إنما قيد بهذا حتى لا يعترض بأن إيقاعه لا ينافي التخيير كما لا ينافي الطلب، أما عدم إيقاعه، فهو الذي ينافي مقتضى الطلب فقط، فالتنافي فيه إنما يحصل مع اعتبار هذا القيد. "د". 2 هكذا في الأصل و"ط"، وفي "د": "التقدير"، وقال محققها: لعلها "التقرير". 3 في "م": "فإن". 4 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "8/ 207- 211و 14/ 299- 302".

عُلُوًّا كَبِيرًا1 فَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقَصْدِ الْخَلْقِيِّ التَّكْوِينِيِّ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِيهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي الْقَصْدِ التَّشْرِيعِيِّ، وَقَدْ تَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الخلق بإطلاق2 حسبما تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ، فَكُلُّ مَا شُرِعَ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ فَغَيْرُ مَقْصُودٍ فِيهِ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا [فِي] الْوُجُودِ3، فَبِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ وَعَنِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ، لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَحُكْمُ التَّشْرِيعِ أَمْرٌ آخَرُ، لَهُ نَظَرٌ وَتَرْتِيبٌ آخَرُ عَلَى حَسَبِ مَا وَضَعَهُ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا يَسْتَلْزِمَانِ إِرَادَةَ الْوُقُوعِ، أَوْ عَدَمِ الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا هَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَبُطْلَانُهُ مَذْكُورٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، فَالْقَصْدُ التَّشْرِيعِيُّ شَيْءٌ، وَالْقَصْدُ الْخُلُقِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، لَا مُلَازَمَةَ بَيْنِهِمَا. فَصْلٌ: وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْمَفْسَدَةُ خَارِجَةً4 عَنْ حُكْمِ الِاعْتِيَادِ، بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مَقْصُودَةَ الِاعْتِبَارِ لِلشَّارِعِ، فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَمْثِيلِ ذَلِكَ ثُمَّ تَخْلِيصِ الْحُكْمِ فيه بحول الله.

_ 1 حكى صاحب "إيثار الحق على الخلق" [ص 277] أن الشهرستاني ذكر في كتاب "نهاية الإقدام" أن إرادة الله لا يصح أن تتعلق إلا بأفعاله دون كسب العباد من طاعة أو معصية، ولكن المعروف من مذهب الأشاعرة أن الإرادة تتعلق بالمعاصي، ولما ورد عليهم أن الله تعالى يقول: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} ، والمكروه لا يكون مرادا، أجابوا بأن الكراهة تتعلق بذوات المعاصي الصادرة عن العصاة، والإرادة تتوجه إليها من جهة الحكمة المترتبة عليها. "خ". 2 في "ط": "على الإطلاق". 3 في "د": "بالوجود". 4 أي: بأن تكون مترددة بين الطرفين، وتعارضت فيها الأدلة، "د".

مِثَالُهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَأَكْلُ النَّجَاسَاتِ وَالْخَبَائِثِ اضْطِرَارًا، وَقَتْلُ الْقَاتِلِ، وَقَطْعُ الْقَاطِعِ؛ وَبِالْجُمْلَةِ الْعُقُوبَاتُ وَالْحُدُودُ- لِلزَّجْرِ، وَقَطَعُ الْيَدِ الْمُتَأَكِّلَةِ1، وَقَلْعُ الضِّرْسِ الْوَجِعَةِ، وَالْإِيلَامُ بِقَطْعِ الْعُرُوقِ وَالْفَصْدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي [لَوِ] 2 انْفَرَدَتْ عَمَّا غَلَبَ عَلَيْهَا لَكَانَ النَّهْيُ عَنْهَا مُتَوَجِّهًا، وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَدِلَّةُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَتَسَاوَى الْجِهَتَانِ، أَوْ تَتَرَجَّحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. فَإِنْ تَسَاوَتَا، فَلَا حُكْمَ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، إِذَا ظَهَرَ التَّسَاوِي بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ، وَلَعَلَّ هَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ فُرِضَ وُقُوعُهُ، فَلَا تَرْجِيحَ إِلَّا بِالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّرَفَيْنِ مَعًا: طَرَفِ الْإِقْدَامِ، وَطَرَفِ الْإِحْجَامِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، إِذْ قَدْ فَرَضْنَا تَسَاوِيَ الْجِهَتَيْنِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ مَعًا، وَلَا يَكُونُ أَيْضًا الْقَصْدُ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، إِذْ قَدْ فَرَضْنَا أَنَّ3 تَوَارُدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا، وهما4 علمان على القصد على الجملة حسبما يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، إِذْ لَا أَمْرَ وَلَا نَهْيَ مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ لِلْمُكَلَّفِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ5. وَأَمَّا إِنْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إن قصد

_ 1 بالتشديد. 2 زيادة من "خ". 3 لعل كلمة "أن" زائدة، وقد فرض ذلك بقوله: "وبالجملة كان ما تعارضت فيه الأدلة". "د". 4 في الأصل: "وما معه"، وفي "خ" و"ط": "وهما معا". 5 أي: أو التخيير كما ذكروه عند تعارض الأدلة وتساويها. "د".

الشَّارِعِ مُتَعَلِّقٌ1 بِالْجِهَةِ [الرَّاجِحَةِ -أَعْنِي فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ- وَغَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْجِهَةِ] 2 الْأُخْرَى، إِذْ لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْجِهَةِ الْأُخْرَى لَمَا صَحَّ التَّرْجِيحُ، [وَلَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا إِذَا تَسَاوَتِ الْجِهَتَانِ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ3، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ مَعَ وُجُودِ التَّرْجِيحِ] 4، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْجِهَتَيْنِ مَعًا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ مُعْتَبَرَتَانِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَةَ لِلشَّارِعِ، وَنَحْنُ إِنَّمَا كُلِّفْنَا بِمَا يَنْقَدِحُ5 عِنْدَنَا أَنَّهُ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ، لَا بِمَا هُوَ مَقْصُودُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَالرَّاجِحَةُ -وَإِنْ تَرَجَّحَتْ- لَا تَقْطَعُ إِمْكَانَ كَوْنِ الْجِهَةِ الْأُخْرَى هِيَ الْمَقْصُودَةَ لِلشَّارِعِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْإِمْكَانَ مُطَّرَحٌ فِي التَّكْلِيفِ إِلَّا عِنْدَ تَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ، وَغَيْرُ مُطَّرَحٍ فِي النَّظَرِ، وَمِنْ هَنَا نَشْأَتْ6 قَاعِدَةُ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ عِنْدَ طَائِفَةٍ من الشيوخ7.

_ 1 لعل صوابها غير متعلق، يعني: وحينئذ، فليس للشارع إلا جهة واحدة تقصد بالطلب، فمن أصابها أصاب وله أجران، ومن أخطأها فقد أخطأ وله أجر، وهذا القول للمخطئة. "د". 2 زيادة من الأصل و"ط" ونسخة "ماء/ ص 127"، وسقطت من النسخ المطبوعة، وبهذا يظهر عدم الحاجة إلى تعليق "د" السابق. 3 في النسخ المطبوعة: "الوقف". 4 سقطت من الأصل. 5 فالحكم الشرعي بالنسبة للمجتهد ومن يقلده هو ما انقدح في نفس المجتهد، وحينئذ يمكن تعدد الحكم الشرعي في الواقعة الواحدة، وهذا هو رأي المصوبة حيث قالوا: إن كل صورة لا نص فيها ليس لها حكم معين عند الله، بل ذلك تابع لظن المجتهد، وعلى هذا يكون الإمكان الثاني مبنيا على قاعدة المصوبة والإمكان قبله على قاعدة المخطئة، فلعل في النسخة تحريفا فيما يأتي له بعد."د". 6 لأنه لولا أنه يجوز أن تكون الجهة الأخرى معتبرة، ما كان لمن بيده دليل قائم على إحدى الجهتين أن يراعي الجهة الأخرى، ويبني عليها حكما. "د". 7 مراعاة الخلاف هي إعمال المجتهد لدليل خصمه في لازم مدلوله الذي أعمل في عكسه دليلا آخر، وقد اعترضه القاضي عياض بوجهين: أحدهما: أنه مخالف للقياس الشرعي، إذ يجب على المجتهد أن يجري على مقتضى دليله ومراعاة الخلاف جرى على خلاف ما يقتضيه الدليل. ثانيهما: أنه غير متطرد في كل مسألة خلاف، وتخصيصه ببعض مسائل الخلاف تحكم أي ترجيح بلا مرجح، وقد اعتنى المصنف بهذه المسألة، فكتب فيها إلى الشيوخ سؤالا ومراجعة، وسيوافيك بحثها مبسوطا في هذا الكتاب. "خ". قلت: انظره في آخر المسألة الثالثة من الطرف الأول من كتاب الاجتهاد.

وَالْإِمْكَانُ الْأَوَّلُ جَارٍ1 عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَوِّبِينَ، وَالثَّانِي جَارٍ2 عَلَى طَرِيقَةِ الْمُخَطِّئِينَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَالَّذِي تَلَخَّصَ3 مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْجِهَةَ الْمَرْجُوحَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةِ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا4 عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا مَعَ الْجِهَةِ الرَّاجِحَةِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ لَاجْتَمَعَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعًا عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فَكَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ كُلِّهَا، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَقُلْنَا: إِنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَمْ لَا، فَلَا فَرْقَ إِذًا بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ الجهات المرجوحة جارية عَلَى الِاعْتِيَادِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ، فَالْقِيَاسُ مُسْتَمِرٌّ، وَالْبُرْهَانُ مُطْلَقٌ فِي الْقِسْمَيْنِ، وَذَلِكَ مَا أَرَدْنَا بَيَانَهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَفَلَا تَكُونُ الْجِهَةُ الْمَغْلُوبَةُ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، فَإِنَّ مَقَاصِدَ الشَّارِعِ تَنْقَسِمُ إِلَى ذَيْنَكَ الضَّرْبَيْنِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَصْدَ الثَّانِيَ إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا لَمْ يُنَاقِضِ الْقَصْدَ الْأَوَّلَ، فَإِذَا نَاقَضَهُ، لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَلَا بِالْقَصْدِ الثَّانِي، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي موضعه من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.

_ "1، 2" علمت ما فيهما. "د". 3 في النسخ المطبوعة: "يلخص". 4 أي: في التكليف، لأن هذا هو محل الاتفاق، وهو مناط الاستدلال بعده. "د".

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: لَمَّا كَانَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: دُنْيَوِيَّةٍ، وَأُخْرَوِيَّةٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ، اقْتَضَى الْحَالُ الْكَلَامَ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَنَقُولُ: إِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لَا امْتِزَاجَ لِأَحَدِ الْقَبِيلَيْنِ بِالْآخَرِ، كَنَعِيمِ أَهْلِ الْجِنَانِ، وَعَذَابِ أَهْلِ الْخُلُودِ فِي النِّيرَانِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنَ النَّارِ وَأَدْخَلَنَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ. الثاني: أَنْ تَكُونَ مُمْتَزِجَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، فِي حَالِ كَوْنِهِ فِي النَّارِ خَاصَّةً، فَإِذَا أُدْخِلَ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ رَجَعَ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وهذا كله حسبما جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ، إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ مَجَالٌ، وَإِنَّمَا تَتَلَقَّى أَحْكَامَهَا مِنَ السَّمْعِ. أَمَّا كَوْنُ هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي مُمْتَزِجًا فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ النَّارَ لَا تَنَالُ مِنْهُمْ مَوَاضِعَ السُّجُودِ1، وَلَا مَحَلَّ الْإِيمَانِ2، وَتِلْكَ مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ.

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب فضل السجود، 2/ 292- 293/ رقم 806، وكتاب الرقاق، باب الصراط جسر جهنم، 11/ 444- 445/ رقم 6573، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، 13/ 419- 420/ 7437"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، 1/ 163- 166/ رقم 182" عن أبي هريرة ضمن حديث مرفوع طويل جدا، فيه: ".... فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود". وفي لفظ البخاري: "فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود". 2 في هذا يحتاج لدليل! "استدراك1".

وَأَيْضًا، فَإِنَّمَا تَأْخُذُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ1، وَأَعْمَالُهُمْ لَمْ تَتَمَحَّضْ لِلشَّرِّ خَاصَّةً، فَلَا تَأْخُذُهُمُ النَّارُ أَخْذَ مَنْ لَا خَيْرَ فِي عَمَلِهِ عَلَى حَالٍ، وَهَذَا كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ2 الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، ثُمَّ الرَّجَاءُ الْمُعَلَّقُ بِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ رَاحَةٌ مَا، حَاصِلَةٌ لَهُ مَعَ التَّعْذِيبِ، فَهِيَ تُنَفِّسُ عَنْهُ مِنْ كُرَبِ النَّارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الْآتِيَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، مَنِ اسْتَقْرَاهَا أَلْفَاهَا. وَأَمَّا كَوْنُ الْأَوَّلِ مَحْضًا، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزُّخْرُفِ: 75] . وَقَوْلِهِ: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ} الآية [الحج: 19] وقوله: {لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى} [طه: 74] . وَهُوَ أَشَدُّ مَا هُنَالِكَ، إِلَى سَائِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ مِنَ الرَّحْمَةِ. وَفِي الْجَنَّةِ آيَاتٌ أُخَرُ وَأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لا عذاب ولا مشقة ولا

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، 4/ 2185" عن سمرة مرفوعا: "إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى عنقه". وفي لفظ: "منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته". وفي لفظ: "حقويه" مكان "حجزته". وفي "صحيح مسلم "رقم 185" عن أبي سعيد ضمن حديث: "ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم". وانظر: "الباب الثامن والعشرين في ذلك حال الموحدين في النار، وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين" من كتاب ابن رجب: "التخويف من النار" بتحقيقنا يسر الله إتمامه ونشره، ففيه كثير من الأحاديث تدل على ما ذكره المصنف، والله الموفق. 2 هكذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "من".

مَفْسَدَةَ، كَقَوْلِهِ: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الْحِجْرِ: 45- 48] وَقَوْلِهِ: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزُّمَرِ: 73] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ رَبُّنَا بِقَوْلِهِ فِي الْجَنَّةِ: "أَنْتِ رَحْمَتِي"، وَفِي النَّارِ: "أَنْتِ عَذَابِي 1 " 2، فسمَّى هَذِهِ بِالرَّحْمَةِ مُبَالَغَةً، وَهَذِهِ بِالْعَذَابِ مُبَالَغَةً. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ فِي النَّارِ دَرَكَاتٍ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، كَمَا أَنَّهُ جَاءَ فِي الْجَنَّةِ أَنَّ فِيهَا دَرَجَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ أَهْلِ النَّارِ أَنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ3 مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْمُخَلَّدِينَ، وَجَاءَ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْ يُحْرَمُ بَعْضَ نَعِيمِهَا، كَالَّذِي يَمُوتُ مُدْمِنَ خَمْرٍ وَلَمْ يتب منها4، وإذا كانت

_ 1 في نسخة "ماء/ ص 128" زيادة: "أي: أهل حزن وسكت على الغم". 2 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير،، باب {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} ، 8/ 595/ رقم 4850"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 4/ 2186/ رقم 2846" عن أبي هريرة: وفيه: "قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي" لفظ البخاري. ولفظ مسلم: "أنت عذابي أعذب بك من أشاء"، وأوله: "تحاجت الجنة والنار......". 3 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، 7/ 193/ رقم 3883، وكتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، 11/ 417/ رقم 6564"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، 1/ 195/ رقم 210" عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغة" وفي "ط": "أنه منها في ضحضاح". 4 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأشربة، باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلام} "10/ 30 /5575" ومسلم في صحيحه، "كتاب الأشربة" "كتاب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يكن منها" "3/ 1588 رقم 2003" عن ابن عمر مرفوعا: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة".

دَرَكَاتُ الْجَحِيمِ -أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا- بَعْضُهَا أَشَدُّ، فَالَّذِي دُونَ الْأَشَدِّ أَخَفُّ مِنَ الْأَشَدِّ، وَالْخِفَّةُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ وَصْفُ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُحَصِّلُ مَصْلَحَةً مَا. وَأَيْضًا، فَالْقَدْرُ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ الْعَذَابُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُتَوَهَّمُ فَوْقَهُ خَفِيفٌ، كَمَا أَنَّهُ شَدِيدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ، وَإِذَا تُصُوِّرَتِ الْخِفَّةُ وَلَوْ بِنِسْبَةٍ مَا، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ فِي ضِمْنِ مَفْسَدَةِ الْعَذَابِ، كَمَا أَنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ1 الْعَمَلِ، وَإِذَا كَانَ عَمَلُ الطَّاعَةِ قَلِيلًا بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ، كَانَ الْجَزَاءُ على تلك بالنسبة، وَمَعْلُومٌ أَنَّ رُتْبَةَ آخِرِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ليست كرتبة من لم يعص الله [تعالى] 2 وَدَأَبَ عَلَى الطَّاعَاتِ عُمُرَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَجْلِ عَمَلِ الْأَوَّلِ السَّبَبِيِّ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي الْآخِرَةِ نَعِيمًا كَدَّرَهُ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْمُخَالَفَةِ، وَهَذَا مَعْنَى مُمَازَجَةِ الْمَفْسَدَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْقِسْمَانِ مَعًا قِسْمٌ وَاحِدٌ3. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْمَنْقُولِ أَلْبَتَّةَ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ مُمْتَزِجَةَ النَّعِيمِ بِالْعَذَابِ، وَلَا أَنَّ فِيهَا مَفْسَدَةً مَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، هَذَا مُقْتَضَى نَقْلِ الشَّرِيعَةِ، نَعَمِ، الْعَقْلُ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَحْوَالَ الْآخِرَةِ لَيْسَتْ4 جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الْعُقُولِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي النَّارِ: إِنَّ فِيهَا لِلْمُخَلَّدِينَ رَحْمَةً تَقْتَضِي مَصْلَحَةً مَا، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف:75]

_ 1 هكذا في الأصل، وفي النسخ المطبوعة و"ط": "حسب". 2 زيادة من خ". 3 لا بد فيه من الامتزاج كحالة الدنيا. "د". 4 في "ط": "غير".

فَلَا حَالَةَ1، هُنَالِكَ يَسْتَرِيحُونَ2 إِلَيْهَا وَإِنْ قَلَّتْ، كَيْفَ وَهِيَ دَارُ الْعَذَابِ؟! عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْهَا. وَمَا جَاءَ فِي حِرْمَانِ الْخَمْرِ، فَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى الْمَرَاتِبِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يُحْرَمُهَا أَلَمًا بِفَقْدِهَا، كَمَا لَا يَجِدُ الْجَمِيعُ أَلَمًا بِفَقْدِ شَهْوَةِ الْوَلَدِ، أَمَّا الْمُخْرَجُ إِلَى الضَّحْضَاحِ، فَأَمْرٌ خَاصٌّ، كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ3، وَعَنَاقِ أَبِي بُرْدَةَ4، وَلَا نَقْضَ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى الْأُصُولِ الِاسْتِقْرَائِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ هُنَا فِي وَجْهِ تَفَاوُتِ الدَّرَجَاتِ وَالدَّرَكَاتِ، لِمَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرَاتِبَ- وَإِنَّ تَفَاوَتَتْ- لَا يَلْزَمُ مِنْ تَفَاوُتِهَا نَقِيضٌ وَلَا ضِدٌّ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: "فُلَانٌ عَالِمٌ"، فَقَدْ وَصَفْتَهُ بِالْعِلْمِ، وَأَطْلَقْتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِطْلَاقًا بِحَيْثُ لَا يُسْتَرَابُ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لَهُ عَلَى كَمَالِهِ، فَإِذَا قُلْتَ: "وَفُلَانٌ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ"، فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الثَّانِيَ حَازَ رُتْبَةً فِي الْعِلْمِ فَوْقَ رُتْبَةِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ مُتَّصِفٌ بِالْجَهْلِ وَلَوْ عَلَى وَجْهٍ مَا، فَكَذَلِكَ إِذَا قُلْتَ: "مَرْتَبَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْعُلَمَاءِ"، فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ نَقْصًا مِنَ النَّعِيمِ وَلَا غَضًّا مِنَ الْمَرْتَبَةِ بِحَيْثُ يُدَاخِلُهُ ضِدُّهُ، بَلِ الْعُلَمَاءُ مُنَعَّمُونَ نَعِيمًا لَا نَقْصَ فِيهِ، وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَوْقَ ذَلِكَ فِي النَّعِيمِ الَّذِي

_ 1 في الأصل: "حجة". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "ليستريحوا". 3 أي: حين شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة التي أنكرها الأعرابي، فجعل شهادته بشهادة اثنين كما في حديث أبي داود والنسائي. "د". قلت: سيأتي تخريجه "ص 469". 4 أي: التي كانت دون السن المجزئة في الضحية، وصرح بأنها لا تجزئ لغيره كما في حديث البخاري. "د". قلت: سيأتي تخريجه "ص 410".

لَا نَقْصَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْعَذَابِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ. كُلٌّ فِي الْعَذَابِ لَا يُدَاخِلُهُ رَاحَةٌ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْ بَعْضٍ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ، أَجَابَ بِمَا عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: "خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ"، ثُمَّ قَالَ: "وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ" 1 رَفْعًا لتوهم الضد، من حيث كانت أفعل التفضيل قد تستعمل

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب مناقب الأنصار، باب فضل دور الأنصار، 7/ 115/ رقم 3789, 3790، وباب منقبة سعد بن عبادة، 7/ 126/ 3807، وكتاب الأدب، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ"، 10/ 471/ رقم 6053" وفي "التاريخ الكبير" "7/ 299"، ومسلم في "صحيحه "كتاب فضائل الصحابة، باب في خير دور الأنصار رضي الله عنهم، 4/ 1949- 1950/ رقم 2511"، والطيالسي في "المسند" "2/ 136- مع المنحة"، والترمذي في "جامعه" "أبواب المناقب، باب في أي دور الأنصار خير، 5/ 716- 717/ رقم 3911"، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في "الكبرى"، كما في "التحفة" "8/ 341"، ومن طريقه ابن حيويه في "من وافقت كنيته" "41- بتحقيقي"، وأحمد في "المسند" "3/ 497"، و"فضائل الصحابة" "2/ 805/ رقم 1450و 1453"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "6/ 371" عن أبي أسيد الساعدي. وأخرجه البخاري في "الصحيح" "9/ 439"، والترمذي في الجامع" "5/ 716"، وأحمد في "فضائل الصحابة" "2/ 801و 803- 804"، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" "6/ 354" من حديث أنس بن مالك. وأخرجه مسلم في "الصحيح" "4/ 1951/ رقم 2512"، ومعمر في "الجامع" "11/ 61/ رقم 19910"، وأحمد في "المسند" "2/ 267"، و"فضائل الصحابة" "2/ 800/ رقم 1436" من حديث أبي هريرة. وله شاهد آخر عن أبي حميد الساعدي، كما عند البخاري في "الصحيح" "3/ 344/ رقم 1481و 7/ 115/ رقم 3791"، ومسلم في "الصحيح" "4/ 1785/ رقم 1392". ووقع اختلاف في تقديم بني النجار على بني عبد الأشهل في بعض الروايات، ورجح الحافظ في "الفتح" "7/ 116" تقديم بني النجار بناء على أن أنسا من بني النجار، فله مزيد عناية بحفظ فضائلهم.

عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الْأَعْلَى: 16] وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْضَ دُورِ الْأَنْصَارِ عَلَى بَعْضٍ تَنْقِيصًا بِالْمَفْضُولِ، وَلَوْ قُصِدَ ذَلِكَ، لَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الذَّمِّ مِنْهُ إِلَى الْمَدْحِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْحَدِيثُ هَذَا الْمَعْنَى الْمُقَرَّرَ، فَإِنَّ فِي آخِرِهِ: فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ نَبِيَّ الله خير الأنصار، فجعلنا خيرا؟ فَقَالَ: "أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أنْ تَكُونُوا مَنِ الْأَخْيَارِ؟ "1، لَكِنَّ التَّقْدِيمَ فِي التَّرْتِيبِ يَقْتَضِي [رَفْعَ الْمَزِيَّةِ، وَلَا يَقْتَضِي] 2 اتِّصَافَ الْمُؤَخَّرِ بِالضِّدِّ، لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَكَذَلِكَ يَجْرِي حُكْمُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ، وَبَيْنَ الْأَنْوَاعِ، وَبَيْنَ الصِّفَاتِ، وَقَدْ قَالَ الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ} [البقرة: 253] .

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب مناقب الأنصار، باب فضل دور الأنصار، 7/ 115/ رقم 3789، 3790، وباب منقبة سعد بن عبادة، 7/ 126/ رقم 3807، وكتاب الأدب، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ"، 10/ 471/ رقم 6053"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب في خير دور الأنصار رضي الله عنهم، 4/ 1949- 1950/ رقم 2511"، عن أبي أسيد الساعدي. قلت: هكذا الرواية في الأصول، وفي "صحيح البخاري" "3791": "فجعلنا آخرا". وسعد هنا يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: "..... الخيار". والخيار هكذا في الأصل و"ط". وقلت: وعلق عليه في "خ": "وقعت المفاضلة بين الأنصار بحسب السبق في الإسلام وعلى قدر تفاوتهم في نصرة الدين وإعلاء كلمته، وكذلك نظر الشارع لا يعتد بوجه من الوجوه التي يذكرها الناس في قبيل الشرف سوى العمل الصالح، ولا سيما ما يكون له أثر في تخليص الجماعات من ظلمات الباطل ورفع شأنهم إلى مستوى الحرية والسيادة". 2 ساقط من الأصل.

{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} [الْإِسْرَاءِ: 55] وَفِي الْحَدِيثِ: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ" 1. وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ تَرْتِيبَ أَشْخَاصِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِيقَةِ النَّوْعِ لَا يُمْكِنُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَمْتَازُ بِهِ بَعْضُ الْأَشْخَاصِ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالْأَوْصَافِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ النَّوْعِ، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ جِدًّا، مَنْ تَحَقَّقَهُ هَانَتْ عَلَيْهِ مُعْضِلَاتٌ وَمُشْكِلَاتٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ، كَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ2 عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي زَلَّتْ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهَا أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، 4/ 2052/ رقم 2664" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومضى تخريجه "1/ 356". 2 فالأنبياء مثلا متساوون في حقيقة النبوة، فليس يفضل بعضهم بعضا فيها، إنما التفاضل بالمزايا من كثرة الأتباع والمهتدين، ومن التفوق في الصبر على ما لاقوا في هذا السبيل، حتى عد بعضهم من أولى العزم، وكذا يقال في الإيمان: زيادته ونقصه ليست في نفس الحقيقة، وإنما هي بالمزايا والثمرات وهكذا. "د". قلت: سيأتي تفصيل هذه المسألة في الطرف الثاني من "الفتوى" في المسألة الثالثة.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِذًا1، ثَبَتَ أَنَّ الشَّارِعَ قَدْ قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية، فذلك1 عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَلُّ لَهَا بِهِ نِظَامٌ، لَا بِحَسَبِ الْكُلِّ وَلَا بِحَسَبِ الْجُزْءِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورِيَّاتِ أَوِ الْحَاجِيَّاتِ أَوِ التَّحْسِينِيَّاتِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَلَّ نِظَامُهَا أَوْ تَنْحَلَّ2 أَحْكَامُهَا، لَمْ يَكُنِ التَّشْرِيعُ مَوْضُوعًا لَهَا، إِذْ لَيْسَ كَوْنُهَا مَصَالِحَ إِذْ ذَاكَ بِأَوْلَى مِنْ كَوْنِهَا مَفَاسِدَ، لَكِنَّ3 الشَّارِعَ قَاصِدٌ بِهَا أَنْ تَكُونَ مَصَالِحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَضْعُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ أَبَدِيًّا وَكُلِّيًّا وَعَامًّا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّكْلِيفِ وَالْمُكَلَّفِينَ من جميع4 الْأَحْوَالِ، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَا الْأَمْرَ فِيهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأَيْضًا، فَسَيَأْتِي بَيَانُ أَنَّ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ كُلِّيَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لَا تَخْتَصُّ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ تَنَزَّلَتْ إِلَى الْجُزْئِيَّاتِ، فَعَلَى [وَجْهٍ] 5 كُلِّيٍّ، وَإِنْ خَصَّتْ بَعْضًا، فَعَلَى نَظَرِ الْكُلِّيِّ6، كَمَا أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ كُلِّيَّةً، فَلِيَدْخَلَ تَحْتَهَا الْجُزْئِيَّاتُ، فَالنَّظَرُ الْكُلِّيُّ فِيهَا مَنْزِلٌ لِلْجُزْئِيَّاتِ، [وَتَنَزُّلُهُ لِلْجُزْئِيَّاتِ] 7 لَا يَخْرِمُ كَوْنَهُ كُلِّيًّا، وَهَذَا الْمَعْنَى إِذَا ثَبَتَ دَلَّ عَلَى كَمَالِ النِّظَامِ فِي التَّشْرِيعِ، وَكَمَالُ النِّظَامِ فِيهِ يَأْبَى أَنْ يَنْخَرِمَ مَا وُضِعَ له، وهو المصالح.

_ 1 أي: بمجموع ما تقدم من أول كتاب المقاصد ثبت أن الشارع..... إلخ، فإذن منونة، وزاد هنا التصريح بكون ذلك أبديا وكليا وعاما لا يختل نظامها. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "تخل"، وما أثبتناه من الأصل ونسخة "ماء/ ص 129". 3 في نسخة "ماء/ ص 129": "ولكن". 4 في النسخ المطبوعة و"ط": "......... والمكلفين وجميع الأحوال"،وما أثبتناه من نسخة "ماء"والأصل. "5, 7" سقط من الأصل. 6 في "ط": "الكل".

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: الْمَصَالِحُ الْمُجْتَلَبَةُ شَرْعًا وَالْمَفَاسِدُ الْمُسْتَدْفَعَةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ تُقَامُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لِلْحَيَاةِ الْأُخْرَى1، لَا مِنْ حَيْثُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِي جَلْبِ مَصَالِحِهَا الْعَادِيَّةِ، أَوْ دَرْءِ مَفَاسِدِهَا الْعَادِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: مَا سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى من أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِتُخْرِجَ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ دَوَاعِي أَهْوَائِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا عِبَادًا لِلَّهِ2، وَهَذَا الْمَعْنَى إِذَا ثَبَتَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ فَرْضِ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَفْقِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، وَطَلَبِ مَنَافِعِهَا الْعَاجِلَةِ كَيْفَ كَانَتْ، وَقَدْ قال ربنا سبحانه3:

_ 1 يلزم أن تقيد المسألة الخامسة بهذا حتى لا يتنافى مع ظاهر الكلام هناك في النظر الأول والثاني الذي انبنى عليه، فإنه قال في الأول: "وَأَعْنِي بِالْمَصَالِحِ مَا يَرْجِعُ إِلَى قِيَامِ حَيَاةِ الإنسان في نفسه.... إلخ" وقال بعد: "إن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة، إِذْ مَا مِنْ مَفْسَدَةٍ تُفْرَضُ فِي الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ إِلَّا وَيَقْتَرِنُ بِهَا أَوْ يَسْبِقُهَا أَوْ يلحقها رفق ونيل لذات"، ثم قال: "فالمصالح والمفاسد إنما تفهم على مقتضى ما غلب" ثم قال في النظر الثاني: "فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب"، فقد بنى المصلحة والمفسدة على ما غلب منهما باعتبار قيام الحياة ونيل الشهوات التي تقتضيها أوصاف الإنسان الشهوانية، فجعلها مما ينبني عليه كونها مصلحة تطلب أو مفسدة تدفع، وهنا يقول: إن مجرد كونها مصلحة في نظر الشخص لا تعتبر، والمعتبر أن تكون بحيث تقوم بها الحياة الدنيا للأخرى، وذلك طبعا لا يكون إلا تبعا لرسم الشرع الذي يعلم المصلحة من هذه الحيثية موفقا بينها وبين ما أجراه في سنة الوجود. "د". قلت: ما أحسن ما قاله العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" "1/ 8": "ورب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا وعذابا وبيلا". 2 أي: اختيارا، كما أنهم عبيد له اضطرارا. "د". 3 راجع "روح المعاني" في معاني الآية، تجدها كلها مناسبة للاستدلال الذي يريده المؤلف. "د".

{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} الْآيَةَ1 [الْمُؤْمِنُونَ: 71] وَالثَّانِي: مَا تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ2 مِنْ أَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَاصِلَةَ لِلْمُكَلَّفِ مَشُوبَةٌ بِالْمَضَارِّ عَادَةً، كَمَا أَنَّ الْمَضَارَّ مَحْفُوفَةٌ بِبَعْضِ الْمَنَافِعِ3، كَمَا نَقُولُ: إِنَّ النُّفُوسَ مُحْتَرَمَةٌ مَحْفُوظَةٌ وَمَطْلُوبَةُ الْإِحْيَاءِ، بِحَيْثُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ إِحْيَائِهَا وَإِتْلَافِ الْمَالِ عَلَيْهَا، أَوْ إِتْلَافِهَا وَإِحْيَاءِ المال، كان إحياؤها أولى، فإن عرض إِحْيَاؤُهَا إِمَاتَةَ الدِّينِ، كَانَ إِحْيَاءُ الدِّينِ أَوْلَى وَإِنْ أَدَّى إِلَى إِمَاتَتِهَا، كَمَا جَاءَ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَمَا إِذَا عَارَضَ إِحْيَاءُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِمَاتَةَ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ فِي الْمُحَارِبِ مَثَلًا، كَانَ إِحْيَاءُ النُّفُوسِ الْكَثِيرَةِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ4 إِذَا قُلْنَا: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهِ إِحْيَاءُ النُّفُوسِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ، مَعَ أَنَّ فِيهِ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْآلَامِ فِي تَحْصِيلِهِ ابْتِدَاءً وَفِي اسْتِعْمَالِهِ حَالًا وَفِي لَوَازِمِهِ وَتَوَابِعِهِ انْتِهَاءً كَثِيرًا. وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، لَا مِنْ حَيْثُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ- حَتَّى إِنَّ الْعُقَلَاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا النَّوْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا مِنْ تَفَاصِيلِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ مَا أَتَى بِهِ الشرع،

_ 1 بقيتها أيضا فيه الدليل، فإنه تشنيع عليهم بأنهم أعرضوا عما فيه ذكرهم وشرفهم اتباعا لأهوائهم الباطلة. "د". 2 مجرد هذا لا يفيد بعدما اعتبر سابقا أن ما غلبت فيه جهة المنفعة، فهو المصلحة، وما ترجحت فيه المضرة، فهو المفسدة، وأما قوله بعد: "وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ وهو جهة المصلحة....إلخ"، فهو دعوى أخرى خاصة لا يدل عليها ذلك العام المتقدم، ولذا قلنا: إنه يلزم لصحة الكلام تقييد ما سبق بهذا، فإذا كان محط الاستدلال هو أن العقلاء اتفقوا على أن المعتبر هُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هي عماد الدين والدنيا بقطع النظر عن أهواء النفوس، فذلك يصح أن يكون دليلا، لكن لا حاجة إلى توسيط المقدمات السالفة قبله. "د". 3 في نسخة "ماء/ ص 130" بعدها: "وهو معني وعكس يتبع". 4 بدلها في نسخة "ماء/ ص 130": "كما".

فَقَدِ اتَّفَقُوا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى اعْتِبَارِ إِقَامَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَهَا أَوْ لِلْآخِرَةِ1، بِحَيْثُ مَنَعُوا مِنِ اتِّبَاعِ جُمْلَةٍ مِنْ أَهْوَائِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، هَذَا وَإِنْ كَانُوا بِفَقْدِ الشَّرْعِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، فَالشَّرْعُ لَمَّا جَاءَ بَيَّنَ هَذَا كُلَّهُ، وَحَمَلَ الْمُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لِيُقِيمُوا أَمْرَ دُنْيَاهُمْ لِآخِرَتِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ عَامَّتَهَا أَنْ تَكُونَ إِضَافِيَّةً لَا حَقِيقِيَّةً، وَمَعْنَى كَوْنِهَا إِضَافِيَّةً أَنَّهَا مَنَافِعُ أَوْ مَضَارُّ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، أَوْ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مَثَلًا مَنْفَعَةٌ لِلْإِنْسَانِ ظَاهِرَةٌ، وَلَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ دَاعِيَةِ الْأَكْلِ، وَكَوْنِ الْمُتَنَاوَلِ لَذِيذًا طَيِّبًا، لَا كَرِيهًا وَلَا مُرًّا، وَكَوْنِهِ لَا يُوَلِّدُ ضَرَرًا عَاجِلًا وَلَا آجِلًا، وَجِهَةُ اكْتِسَابِهِ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ عَاجِلٌ وَلَا آجِلٌ، وَلَا يَلْحَقُ غَيْرَهُ بِسَبَبِهِ أَيْضًا ضَرَرٌ عَاجِلٌ وَلَا آجِلٌ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ2 قَلَّمَا تَجْتَمِعُ، فَكَثِيرٌ مِنَ الْمَنَافِعِ تَكُونُ ضَرَرًا عَلَى قَوْمٍ لَا مَنَافِعَ، أَوْ تَكُونُ ضَرَرًا فِي وَقْتٍ أَوْ حَالٍ، وَلَا تَكُونُ ضَرَرًا فِي آخَرَ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيِّنٌ فِي كَوْنِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَشْرُوعَةً أَوْ مَمْنُوعَةً لِإِقَامَةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ، لَا لِنَيْلِ الشَّهَوَاتِ3، وَلَوْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ، لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ مَعَ مُتَابَعَةِ الْأَهْوَاءِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ لَا تَتْبَعُ الْأَهْوَاءَ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْأَغْرَاضَ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ تَخْتَلِفُ، بِحَيْثُ إِذَا نَفِذَ غَرَضُ بَعْضٍ وَهُوَ مُنْتَفِعٌ بِهِ تَضَرَّرَ آخَرُ لِمُخَالِفَةِ غَرَضِهِ، فَحُصُولُ الِاخْتِلَافِ في الأكثر

_ 1 في خ": "الآخرة". 2 في الأصل و"ط": "أمور". 3 يؤيد ما قلناه من وجود شبه التنافي بين ما هنا وما سبق في المسألة الخامسة حيث يقول هناك: وأعني بالمصلحة ... " إلى أن قال: "ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية"، ثم بنى عليه أن ما غلب فيه المنفعة، فهو المصلحة، ولأجلها وقع الطلب. "د".

يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَفْقِ الْأَغْرَاضِ، وَإِنَّمَا يَسْتَتِبُّ1 أَمْرُهَا بِوَضْعِهَا عَلَى وفق المصالح مطلقا، وافقت الأغرض أَوْ خَالَفَتْهَا. فَصْلٌ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا انْبَنَى عَلَيْهِ قَوَاعِدُ: - مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ، وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ، كَمَا قَرَّرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ2، إِذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ انْتِفَاعٌ حَقِيقِيٌّ وَلَا ضَرَرٌ حَقِيقِيٌّ، وَإِنَّمَا عَامَّتُهَا أَنْ تَكُونَ إِضَافِيَّةً. وَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ إِذَا كَانَتْ رَاجِعَةً إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ -وَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ خِطَابِهِ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ3 حَتَّى يَكُونَ الِانْتِفَاعُ الْمُعَيَّنُ مَأْذُونًا فِيهِ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالٍ أَوْ بِحَسَبِ شَخْصٍ، وَغَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ إِذَا كَانَ

_ 1 في نسخة "ماء / ص 131": "يثبت". 2 لا مانع أن يحمل الإطلاق في كلام الرازي على أنه بعد التحقق من كونه الشيء منفعة أو مضرة من استقراء مقاصد الشرع يكون الحكم ما قاله من أن المنفعة الأصل فيها الإذن، والمضرة المنع، لا أن مراده أن الأصل في كل ما يطلق عليه أحدهما ولو بوجه من الوجوه يعتبر له حكمه، وهذا الذي أشرنا إليه هو الذي يصح أن يفهم به كلام مثل الإمام الرازي، على أن هذا هو بعينه الذي جرى عليه المؤلف في النظر الثاني في المسألة الخامسة، ولذا قلنا: إنه يلزم أن تكون المسألة الثامنة مقيدة لإطلاق المسألة الخامسة. "د". قلت: وكلام الرازي في "المحصول" "1/ 158وما بعدها، و 6/ 97 وما بعدها"، وانظر في المسألة: "البرهان" "1/ 99"، والمستصفى" "1/ 41"، و"الإحكام" "1/ 130". للآمدي، و"الإحكام" "1/ 58/ 68" لابن حزم، و"شرح التنقيح" "ص 92"، و"شرح الكوكب" "1/ 325"، و"سلاسل الذهب" "423- 424"، و"المسودة" "ص 474"، "وتيسير التحرير" "2/ 167" و"نشر البنود" "1/ 27"، و"مذكرة الشنقيطي" "19". 3 لكن على وجه عام كلي كما سبقت الإشارة إليه. "د".

عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ-، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ إِطْلَاقُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ؟ وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَتِ الْمَنَافِعُ لَا تَخْلُو مِنْ مَضَارَّ وَبِالْعَكْسِ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْإِذْنُ وَالنَّهْيُ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَكَيْفَ يُقَالُ: "أَنَّ الأصل في الخمر مثلا الإذان مِنْ حَيْثُ مَنْفَعَةِ الِانْتِشَاءِ وَالتَّشْجِيعِ1 وَطَرْدِ الْهُمُومِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا أَيْضًا الْمَنْعُ مِنْ حَيْثُ مَضَرَّةِ سَلْبِ الْعَقْلِ وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَهُمَا لَا يَنْفَكَّانِ2، أَوْ يُقَالُ: الْأَصْلُ فِي شُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَنْعُ لِمَضَرَّةِ شُرْبِهِ لِكَرَاهَتِهِ وَفَظَاعَتِهِ وَمَرَارَتِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ لِأَجْلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَهُمَا غَيْرُ مُنْفَكَّيْنِ؟ فَيَكُونُ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْإِذْنَ وَعَدَمَ الْإِذْنِ مَعًا، وَذَلِكَ مُحَالٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّعَارُضِ الرَّاجِحُ، فَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْحُكْمُ، وَمَا سِوَاهُ فِي حُكْمِ المغفَل المطرَح. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَشُدُّ مَا تَقَدَّمَ3، إِذْ هُوَ دَلِيلٌ على أن المنافع ليس

_ 1 بعدها في نسخة "ماء/ ص 131 زيادة: "والتجويد"، ولها وجه قوي لما سيأتي "ص 123" في فوائد الخمر: "وتبعث البخيل على البذل"، وهي في "ط" كذلك. 2 ادعى أبو بكر الجصاص أن في قوله تعالى: {قُلْ فِيهمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} دليلًا كافيًا في تحريم الخمر، وأن عمر بن الخطاب فهم منها وجه التحريم، وإنما قال بعد نزولها: "اللهم بين لنا في الخمر"؛ لأن بعض المسلمين وجدوا للتأويل فيها مساغًا، فتمادوا على تناولها، ويقدح في هذه الدعوى أن الآية لو نزلت لتقرير حكم الحرمة لرجع عمر بن الخطاب بهؤلاء المُؤَوِّلين إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبين لهم ما نزل إليهم "خ". 3 نقول: وهذا أيضًا يشد ما تقدم في الجواب عن الرازي، إذ لا يعقل أن يعني أن كل ما فيه اسم مصلحة ما مأذون فيه كالخمر مثلا، وما فيه مفسدة ما ممنوع كمرارة الدواء، بل ما يعتبر مثله مصلحة أو مفسدة في نظر الشارع، فالاعتراض إن كان بمعنى التنبيه على غرض الرازي، فظاهر، وإلا فلا. "د".

أَصْلُهَا الْإِبَاحَةَ بِإِطْلَاقٍ، وَأَنَّ الْمَضَارَّ لَيْسَ أَصْلُهَا الْمَنْعَ بِإِطْلَاقٍ، بَلِ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَا تَقُومُ بِهِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ ضَرَرٌ مَا مُتَوَقَّعٌ، أَوْ نَفْعٌ مَا مُنْدَفِعٌ. - وَمِنْهَا: أَنَّ الْقَرَافِيَّ أَوْرَدَ إِشْكَالًا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَلَمْ يُجِبْ عَنْهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبِرِينَ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَقَالَ: "الْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ والمفسدة إن كان مسماها كَيْفَ كَانَا، فَمَا مِنْ مُبَاحٍ إِلَّا وَفِيهِ فِي الْغَالِبِ مَصَالِحُ وَمَفَاسِدُ، فَإِنَّ أَكْلَ الطَّيِّبَاتِ وَلُبْسَ اللَّيِّنَاتِ فِيهَا مَصَالِحُ الْأَجْسَادِ وَلَذَّاتُ النُّفُوسِ، وَآلَامٌ وَمَفَاسِدُ فِي تَحْصِيلِهَا، وَكَسْبِهَا، وَتَنَاوُلِهَا، وَطَبْخِهَا، وَإِحْكَامِهَا، وَإِجَادَتِهَا بِالْمَضْغِ، وَتَلْوِيثِ الْأَيْدِي.... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ خُيِّرَ الْعَاقِلُ بَيْنَ وُجُودِهِ وَعَدِمِهِ لَاخْتَارَ عَدَمَهُ، فَمَنْ يُؤْثِرُ وَقِيدَ1 النِّيرَانِ وَمُلَابَسَةَ الدُّخَانِ وَغَيْرَ ذَلِكَ2؟ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَبْقَى مُبَاحٌ أَلْبَتَّةَ. وَإِنْ أَرَادُوا3 مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِهِمَا مَعَ أَنَّ مَرَاتِبَ الْخُصُوصِ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّ الْعُدُولَ4 عَنْ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الِاعْتِزَالِ، فَإِنَّهُ سَفَهٌ. وَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا5: إِنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَصْلَحَةٍ تَوَعَّدَ الله على

_ "1، 2" انظر: "الاستدراك 2". 3 أي: حتى تبقى المباحثات قائمة. "د". 4 أي: فإن أراد المعتزلة الخلوص من هذه الورطة بالعدول عن جعل المصلحة والمفسدة مبنى الحكم بالإذن والمنع، نقضوا مذهبهم المعلل بأنه لو لم يكن هذا البناء، لكان تحكما وسفها وخلوا عن الحكمة، تعالى الله عن ذلك. "د". 5" أي: جوابا عن الإشكال بأن إرادة المطلق الذي هو مسمى المصلحة والمفسدة لا تبقي شيئا من المباح، يعني: فإن قالوا: "نختار هذا المطلق، ولكن باعتبار مجرد توعد الله على الفعل والترك بدون تخصيص، حتى لا يقال: إن مراتب التخصيص ليس بعضها أولى من بعض، وبهذا الاعتبار يبقى المباح قائما ويندفع الإشكال"، نقول لهمك يلزمكم الدور. "د".

تَرْكِهَا، وَكُلَّ مَفْسَدَةٍ1 تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى فِعْلِهَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَمَا أَهْمَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ داخل في مقصدونا، فَنَحْنُ نُرِيدُ مُطْلَقَ الْمُعْتَبَرِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْوَعِيدُ عِنْدَكُمْ وَالتَّكْلِيفُ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، وَيَجِبُ عِنْدَكُمْ بِالْعَقْلِ أَنْ يَتَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَى2 تَرْكِ الْمَصَالِحِ وَفِعْلِ الْمَفَاسِدِ، فَلَوِ اسْتَفَدْتُمُ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ الْمُعْتَبَرَةَ مِنَ الْوَعِيدِ، لَزِمَ الدَّوْرُ3، وَلَوْ صَحَّتِ الِاسْتِفَادَةُ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ [مِنَ الْوَعِيدِ] ، لَلَزِمَكُمْ4 أَنْ تُجَوِّزُوا أَنْ يَرِدَ التَّكْلِيفُ بِتَرْكِ الْمَصَالِحِ وَفِعْلِ الْمَفَاسِدِ، وَتَنْعَكِسُ الْحَقَائِقُ حِينَئِذٍ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ5 التَّكْلِيفُ، فَأَيُّ شَيْءٍ كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ كَانَ مَصْلَحَةً، وَهَذَا يُبْطِلُ أَصْلَكُمْ". قَالَ: "وَأَمَّا حَظُّ أَصْحَابِنَا مِنْ هذا الإشكال، فهو أنه6 يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَاعَى مُطْلَقَ الْمَصْلَحَةِ وَمُطْلَقَ الْمَفْسَدَةِ عَلَى سَبِيلِ التفضيل7؛ لأن المباحت فِيهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُرَاعَ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ الله ألغى بعضها

_ "1، 2، 5، 6" انظر: "الاستدراك 3". 3 وتقريره أنهم يقولون: إن العقل يتأتى له الاستقلال بفهم أكثر المصالح والمفاسد، ويأتي الشرع كاشفا ومقررا لما أدركه العقل، ويقولون أيضا: إنه يجب عقلا أن يتوعد الله على ترك المصلحة، فكأنهم يقولون: إن التوعد على ترك المصلحة يفهمه العقل تبعا لإدراكه المصلحة، فلو قالوا: إن إدراك المصلحة يعلم من التوعد الوارد من الشرع، لزم توقف علم المصلحة على التوعد، وقدكان علم التوعد موقوفا على علم المصلحة، وهذا هو الدور بعينه. "د". 4 وذلك؛ لأنهم يقولون: المصالح والمفاسد منضبطة متمايزة، وهي حقيقية لا اعتبارية، فإذا كانت تابعة لاعتبار الشرع أيا كان، فقد ينعكس الأمر فيعتبر الشرع ما ليس كذلك؛ لأنا لم نتقيد حينئذٍ إلا بأنه أمر به أو نهي عنه فقط. "د". 7 أي: فقد يفضل مطلق المصلحة في الفعل على ما فيه من مطلق المفسدة فيوجبه، وبالعكس، لا يمكنهم الإجابة بهذا؛ لأن المباحثات فيها المطلقان موجودان، وبقي مباحا لم يوجب ولم يمنع، ولكن يمكنهم الجواب بأنه تعالى ألغى هذه المطلقات في المباحات، فبقي الطرفان كما هما لا إيجاب ولا تحريم، واعتبرها في غير المباحات مفضلا مطلق المصلحة في بعضها، فجعله مطلوبا، ومطلق المفسدة في بعض آخر فجعله محظورا، ولا حجر عليه تعالى في ذلك، هذا إلا أنه يقال عليه: إنه تسليم بأن كون الفعل معتبرًا مصلحة أو مفسدة متوقف على النص بإيجابه أو تحريمه، فالقياس إنما يكون دليلا عند النص على علة القياس واعتباره لها، أما مسالك العلة الأخرى أو بعضها على الأقل، فإنه حينئذ لا يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام، فتأمله، وهو داخل فيما أشار إليه بقوله: "وإن كان يخل بنمط من الاطلاع ... " إلخ. "د". "استدراك 4".

فِي الْمُبَاحَاتِ، وَاعْتَبَرَ بَعْضَهَا، وَإِذَا سُئِلُوا عَنْ ضَابِطِ الْمُعْتَبَرِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ عسر الجواب، بل سبيلهم استقراء الواقع فَقَطْ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُخِلُّ بِنَمَطٍ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ أَسْرَارِ الْفِقْهِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إِبْرَاهِيمَ: 27] ، وَ {يَحْكُمُ مَا يُرِيْدُ} [الْمَائِدَةِ: 1] ، وَيَعْتَبِرُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ لَا غَرْوَ فِي ذَلِكَ1، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يُوجِبُونَ ذَلِكَ عَقْلًا، فَيَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا فَتَحُوا هَذَا الْبَابَ2 تَزَلْزَلَتْ قَوَاعِدُ الِاعْتِزَالِ". هَذَا مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ3. وَأَنْتَ إِذَا رَاجَعَتْ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهَا، لَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْإِشْكَالِ مَوْقِعٌ، أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْأَشَاعِرَةِ، فَإِنَّ اسْتِقْرَاءَ الشَّرِيعَةِ دَلَّ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ مِمَّا لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يُحَصِّلُ ضَوَابِطَ ذَلِكَ4، وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ أَحْوَالِ الْجَارِينَ عَلَى جَادَّةِ الشَّرْعِ من غير [إخلال بالخروج5 في

_ 1 في "د": "لا غيره"، وفي الأصل و"خ": "لا غير وفي ذلك"، وكتب "م": "الذي يظهر لي أن أصل العبارة "لا غير ذلك" يعني إنهم يتمسكون بهذا الكلام، ولا يذكرون غيره"، والمثبت من "ط" و"النفائس". 2 أي: باب أنه يعتبر ما يشاء ويترك ما يشاء، بقطع النظر عن مصلحة ومفسدة. "د". 3 ذكر ذلك في النفائس" "1/ 352-353"، وانظر مناقشته في "شرح الأسنوي" "1/ 130- ط السلفية". 4 جواب عما لزمهم من أنهم إذا سئلوا عن الضابط عسر الجواب. "د". 5 أي: مصور بالخروج عن الجادة، وقوله: "في جريانها" راجع لاستقراء الأحوال، أي: فإننا عند استقراء أحوالهم نجدها جارية على الصراط المستقيم، معطين كل ذي حق حقه، فلا يخلون بنظام، أي لا تفوتهم مصلحة، ولا تنهدم في عملهم قاعدة من قواعد الدين، كما أننا نجد الأمر بخلاف ذلك عند استقراء أحوال الذين لا يلتزمون الجادة، فبمقدار ما خالفوا نجد الخلل في أحوالهم بفوات المصالح، فقوله: "وفي وقوع الخلل" عطف على المعنى. "د".وفي "ط": "إخلال بالحدود".

جَرَيَانِهَا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ] 1 إِخْلَالٍ بِنِظَامٍ، وَلَا هَدْمٍ لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَفِي وُقُوعِ الْخَلَلِ فِيهَا بِمِقْدَارِ مَا يَقَعُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرْعِ، وَكُلِّ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ التَّكْلِيفِ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ2، لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، حَصَلَ لَهُمْ بِهِ ضَوَابِطُ فِي كُلِّ بَابٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَمَبْسُوطٌ3 فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْتَبِرُونَ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ بِحَسَبِ مَا أَدَّاهُمْ إِلَيْهِ الْعَقْلُ فِي زَعْمِهِمْ، وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ فِي الْمَصَالِحِ، أَوْ يَنْخَرِمُ بِهِ فِي الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ جَعَلُوا الشَّرْعَ كَاشِفًا لِمُقْتَضَى مَا ادَّعَاهُ الْعَقْلُ عِنْدَهُمْ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَشَاعِرَةِ فِي مَحْصُولِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في المدرك4.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 أي: إذا حصل استقراؤهم لأحوال الجارين على الجادة، واستقراؤهم لوقوع الخلل بمقدار ما يقع من المخالفة، حصل لهم ضوابط في كل باب لما يعتبره الشرع مصلحة وما يعتبره مفسدة، فلا يعسر عليهم الجواب، ولا يحصل خلل بنمط معرفة أسرار الأحكام الشرعية. "د". 3 يفيد أن ضوابط المصلحة والمفسدة المعتبرتين شرعا في كل باب من أبواب الشرع مبسوطة في علم الأصول، وهو كذلك؛ لأن هذه الضوابط هي عبارة عن القواعد الأصولية الكلية التي بملاحظتها يمكن تفريع الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام بمراعاة الأدلة الجزئية من الكتاب والسنة وغيرهما، كما سيأتي في المسألة الأولى من كتاب الأدلة. "د". 4 فالأشاعرة يقولون: لم نتعرفها إلا من تتبع موارد الشرع، وقبله لا قبل للعقل بإدراكها والمعتزلة يقولون: بل العقل يدركها في أكثر الأبواب قبل الشرع، والشرع ورد كاشفا ومثبتًا ما فهمه العقل في هذه الأبواب، فالنتيجة في الموضوع واحدة، وهي أن المصالح والمفاسد معتبرة في الأحكام الشرعية، ولا يرد اعتراض القرافي. "د".

وَاخْتِلَافُهُمْ فِيهِ لَا يَضُرُّ فِي كَوْنِ الْمَصَالِحِ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا وَمُنْضَبِطَةً1 فِي أَنْفُسِهَا. وَقَدْ نَزَعَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا2 فِي كَلَامِهِ عَلَى الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ، حِينَ فَسَّرَهَا الْإِمَامُ الرَّازِيُّ بِأَنَّهَا "جَوَازُ الْإِقْدَامِ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ"، قَالَ: "هُوَ3 مُشْكَلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ وَالْحُدُودُ وَالتَّعَازِيرُ وَالْجِهَادُ وَالْحَجُّ رُخْصَةً، إِذْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِيهِ مَانِعَانِ: ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِلْزَامِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] ، وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 4، وَذَلِكَ مَانِعٌ من وجوب

_ 1 أي: فلا يفتحون باب أنه يعتبر ما يشاء، ويترك ما يشاء بقطع النظر عن المصلحة حتى يترتب عليه ما رتبه القرافي من تزلزل قواعدهم."د". 2 أي: الترديد في معنى المصلحة والمفسدة، وأنه ما من فعل إلا وفيه شيء من المصلحة وشيء من المفسدة، فجعل المشاق والمضار في كل الأفعال موانع، وما من فعل إلا وفيه ذلك، فكل ما في الشريعة من الأحكام المباحة أو المطلوبة يكون رخصة متى جرينا على تفسير الإمام الرازي لها بناء على ما فهمه القرافي فيه، هذا ولم يتعرض المؤلف لتصحيح كلام الرازي هنا، ولو فسر المانع في كلام الرازي بما قاله الجمهور عند تعريف الرخصة وأن المراد بها الدليل على الأصل الذي استثنيت منه هذه الرخصة كما سبق بيانه جوابا عن استدراك المؤلف على تعريف الجمهور للرخصة، لكان تفسير الرازي لها جيدا، نعم، لو فسر المانع في كلامه بما يكون مفسدة ومضرة تلحق الشخص مثل مشقات الصلاة وسجوده على الجبهة التي هي أشرف أعضاء الإنسان المكرم وأمثال ذلك، لاتجه إشكال القرافي على هذا التفسير ثم عجزه أخيرًا عن ضبط الرخصة كما ذكره في كتابيه المذكورين. "د". قلت: انظر كلام الرازي في "المحصول" "1/ 120". 3 في "ط": "وهو". 4 ورد من حديث عبادة بن الصامت، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر، وعائشة، وعمرو بن عوف، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وأبي لبابة. فحديث عبادة رواه ابن ماجه في "السنن" "كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، 2/ 784/ رقم 2340"، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" "5/ 326-327"،=

.......................................................

_ = والبيهقي في "السنن" "10/ 133"، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" "1/ 344"، كلهم من رواية موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار، وقال أبو نعيم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار"، قال ابن عساكر في "الأطراف": "وأظن إسحاق لم يدرك جد أبيه عبادة"، نقله الزركشي في "المعتبر" "رقم 295"، وابن حجر في "التهذيب" "1/ 256"، والهيثمي في "المجمع" "4/ 205"، ومع ذلك، فقد ضعفه ابن عدي وقال: "عامة أحاديثه غير محفوظة". وحديث ابن عباس رواه عبد الرزاق في "المصنف" وأحمد في "المسند" "1/ 313" عنه وابن ماجه في "السنن" "2/ 784/ 2341"، والبيهقي في "السنن" "6/ 69"، من طريقه أيضًا، عن معمر عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره، والطريق الميتاء سبعة أذرع"، وتابع عبد الرزاق: محمد بن ثور كما عند الطبراني في "الكبير" "11/ 302/ رقم 11806"، وجابر الجعفي فيه مقال كثير معروف، لكن الحديث ورد من وجه آخر خرجه "الدارقطني في "السنن" "4/ 228"، وأبو يعلى في "المسند" "4/ 397/ رقم 2520" من طريق عبيد الله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للجار أن يضع خشبة على جدار جاره وإن كره، والطريق الميتاء سبع أذرع، ولا ضرر ولا ضرار". وإبراهيم بن إسماعيل مختلف فيه، وثقة أحمد، وضعفه أبو حاتم، وروايات داود عن عكرمة مناكير، فإسناده ضعيف. وتابع إبراهيم بن إسماعيل سعيد بن أيوب كما عند الطبراني في "الكبير" "11/ 228-229/ رقم 11576"، ثنا أحمد بن رشدين، ثنا روح بن صلاح، ثنا سعيد، عن داود به موقوفًا على ابن عباس. وإسناده واه بمرة، روح ضعيف، وابن رشدين متهم. وأخرجه الخطيب في "الموضح" "2/ 96-97" من طريق يعقوب بن سفيان عن روح به مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي شيبة -كما في "نصب الراية" "4/ 384"- ثنا معاوية بن عمر، ثنا زائدة، عن سماك، عن عكرمة به. وإسناده رجاله كلهم ثقات، وفي رواية سماك عن عكرمة اضطراب.=

............................................................................

_ = وحديث أبي سعيد رواه الدينوري في "المجالسة"، والدارقطني في "السنن" "4/ 228"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 57"، والبيهقي في "الكبرى" "6/ 69-70"، وابن عبد البر في "التمهيد" "20/ 159"، كلهم من طريق الدراوردي عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري به بلفظ: "لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه"، وقال الدينوري: "لا ضرورة ولا ضرار، من ضار ضر الله به...." الحديث، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد على شرط مسلم"، وهو كما قال: وقال البيهقي: "تفرد به عثمان بن محمد عن الداروردي". ورواه مالك -يعني في "الموطأ" "2/ 745"- عن عمرو بن يحيى عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرار ولا ضرار" مرسلا. وأفاد ابن التركماني في "الجوهر النقي" أن عثمان لم ينفرد به، كما قال البيهقي، بل تابعه على روايته عن الدراوردي موصولا عبد الملك بن معاذ النصيبي، أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"، وقال: "إن هذا الحديث لا يسند من وجه صحيح"، وقال: "وأما معنى هذا الحديث، فصحيح في الأصول". وليس كما قال أيضا، فالداروردي حافظ ثقة، وقد أسنده عنه اثنان، ومالك علم من حاله أنه يرسل كثيرا ما هو عنده موصول، ورجح ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 208" رواية الإرسال. وحديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في "السنن" "4/ 228" بإسناد فيه يعقوب بن عطاء وهو ضعيف، وأبو بكر بن عياش مختلف فيه، كما في "نصب الراية" "4/ 385"، وحديث جابر أخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" "رقم 2002" و"نصب الراية" "4/ 386"، من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان به. قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 209": "وهذا إسناد مقارب، وهو غريب، لكن خرجه أبو داود في "المراسيل" "رقم 407" من رواية عبد الرحمن بن مغراء عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع مرسلًا، وهو أصح"، ولأبي لبابة ذكر فيه. وحديث عائشة أخرجه الدارقطني في "السنن" "4/ 227" وفيه الواقدي وهو متروك، ومن طريق آخر ضعيف أيضًا، الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين" "رقم 2003"، وحديث ثعلبة أخرجه الطبراني في "الكبير" "رقم 1377"، وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم بن سعيد الصواف، وهو لين الحديث. وحديث عوف بن عمرو أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" "20"، وقال: "إسناده غير صحيح"، فالحديث صحيح لشواهده الكثيرة، ولذا قال النووي عن شواهده في "أربعينه": "يقوي بعضها بعضا" وقال ابن الصلاح: "مجموعها يقوي الحديث ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به"، وعد أبو داود السجستاني هذا الحديث من الأحاديث التي يدور عليها الفقه، وهذا مشعر بأنه يراه حجة، والله أعلم. وانظر: "الإرواء" "3/ 408-414"، و"السلسلة الصحيحية" "رقم 250".

هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْآخَرُ أَنَّ صُورَةَ الْإِنْسَانِ مُكَرَّمَةٌ لِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الْإِسْرَاءِ: 70] ، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التِّينِ: 4] ، وَذَلِكَ يُنَاسِبُ أَنْ لَا يُهْلِكَ بِالْجِهَادِ، وَلَا يُلْزِمُهُ الْمَشَاقَّ وَالْمَضَارَّ. وَأَيْضًا الْإِجَارَةُ رُخْصَةٌ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ، وَالسَّلَمُ كَذَلِكَ، وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ رُخْصَتَانِ لِجَهَالَةِ الْأُجْرَةِ، وَالصَّيْدُ رُخْصَةٌ لِأَكْلِ الْحَيَوَانِ بِدَمِهِ، وَلَمْ تُعَدَّ مِنْهَا، وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا مَصْلَحَةَ إِلَّا وَفِيهَا مَفْسَدَةٌ وَبِالْعَكْسِ، وَإِنْ قَلَّتْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، فَمَا ظَنُّكَ بِغَيْرِهِمَا؟ وَعَلَى هَذَا مَا فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ إِلَّا وهو مع المانع الشرعين؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ1 أَنْ يُرَادَ بِالْمَانِعِ مَا سَلِمَ عَنِ الْمَعَارِضِ الرَّاجِحِ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وغيره.

_ 1 أي: لا يمكن الجواب بأن المراد المانع القوي الذي لم يعارضه ما هو راجح، يعني: وهذه الأمور المستشكل بها من صلاة وحدود وغيرها ليس فيها مانع قوي، بل هو ضعيف في مقابلة المثبت لها بخلاف الرخص، فإن المانع فيها قوي، فذلك كانت رخصا -قال: إن هذا الجواب لا يحسم الإشكال؛ لأن بعض الرخص- كرخصة أكل الميتة طلب الرخصة فيها أقوى من معارضه الذي يطلب الأصل وهو التحريم، وإذا، فالمراد بالمانع ما هو أعم من أن يكون راجحا أو مرجوحا، فتدخل أحكام الشريعة كلها؛ لأنها لا تخلو من مانع ولو ضعيفا، مثل الموانع التي أشرنا إليها في صدر الإشكال، هذا ويمكنك أن تنقض للقرافي رده على الجواب، وذلك أنه جاء في رده بما هو من مواضع الرخصة الواجبة، وقد علمت سابقا أن تسميتها رخصة تسمح، وأن الرخصة الحقيقة لا تعدو حكم الإباحة بأحد المعنيين، فالمانع فيها سلم عن المعارض الراجح، وقد عالج المؤلف سابقا توجيه تسمية الواجبة رخصة بعد ما قرر ما ذكرنا واستدل عليه، فللرازي أن يلتزم أن كل الميتة للمضطر ليس رخصة، بل هو واجب شرعا. "د". وفي "ط": "لأنه يمكن" بحذف "لا".

وُجِدَ فِيهِ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمَيْتَةِ، فَحِينَئِذٍ مَا الْمُرَادُ إِلَّا الْمَانِعُ الْمَغْمُورُ بِالرَّاجِحِ، وَحِينَئِذٍ تَنْدَرِجُ جَمِيعُ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ فِيهِ مَانِعٌ مَغْمُورٌ بِمُعَارِضِهِ". ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حَالُهُ فِي شَرْحَيِ "التَّنْقِيحِ" وَ"الْمَحْصُولِ"1 الْعَجْزُ عَنْ ضَبْطِ الرُّخْصَةِ. وَمَا تَقَدَّمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى يُغْنِي فِي الْمَوْضِعِ2، مَعَ مَا ذُكِرَ فِي الرُّخْصَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِذَا فُهِمَتْ حَصَلَ بِهَا فَهْمُ كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَحْكَامِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [الْبَقَرَةِ: 29] . وَقَوْلِهِ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الْجَاثِيَةِ: 13] . وَقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} 3 الآية [الأعراف: 22] .

_ 1 انظر: "المحصول" "1/ 120"، وشرحه "نفائس الأصول" "1/ 331 وما بعد". 2 لأن ما اعترض به القرافي كلام الرازي مبني على أنه ما من مصلحة إلا وفيها مفسدة وقد جعلها مانعا، وقد علمت أن الأمر ليس كذلك، بل المصالح متمايزة عن المفاسد شرعا، سواء عند المعتزلة والأشاعرة، وبهذا ينحسم إشكاله على الرخص، كما انحسم إشكاله الذي أورده على جميع العلماء في أصل الموضوع هنا، وأيضًا كلام المؤلف في باب الرخصة كاف في دفع استشكاله وتحيره في ضبط الرخصة "د". 3 صدرها وإن كان فيه إنكار التحريم فقط، إلا أن بقيتها فيه التصريح بالحل المطلق. "د".

وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِهَا بِإِطْلَاقٍ، بَلْ بِقُيُودٍ تَقَيَّدَتْ بها، حسبما دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ فِي وَضْعِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَفَاسِدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. - وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ1 قَالَ: "إِنَّ مَصَالِحَ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَمَفَاسِدَهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، وَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ، فَتُعْرَفُ بِالضَّرُورَاتِ وَالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ وَالظُّنُونِ الْمُعْتَبَرَاتِ". قَالَ: "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْمُنَاسَبَاتِ فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، رَاجِحَهَا مِنْ مَرْجُوحِهَا، فَلْيَعْرِضْ ذَلِكَ عَلَى عَقْلِهِ2 بِتَقْدِيرِ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، فَلَا يَكَادُ حُكْمٌ مِنْهَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا التَّعَبُّدَاتُ الَّتِي لَمْ يُوقَفْ عَلَى مَصَالِحِهَا أَوْ مَفَاسِدِهَا". هَذَا قَوْلُهُ. وَفِيهِ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ نَظَرٌ، أَمَّا أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، فَكَمَا قَالَ: وَأَمَّا مَا قَالَ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاءَ الشَّرْعُ بَعْدَ زَمَانِ فَتْرَةٍ، تَبَيَّنَ بِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَتْرَةِ مِنِ انْحِرَافِ الْأَحْوَالِ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنْ مُقْتَضَى الْعَدْلِ فِي الْأَحْكَامِ. وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ بِإِطْلَاقٍ، لَمْ يَحْتَجْ فِي الشَّرْعِ إِلَّا إِلَى بَثِّ مَصَالِحِ الدَّارِ الْآخِرَةِ خَاصَّةً، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِمَا يُقِيمُ أَمْرَ الدُّنْيَا وَأَمْرَ الْآخِرَةِ مَعًا، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِإِقَامَةِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ3، فَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ كَوْنِهِ

_ 1 هو العز بن عبد السلام، والمذكور قوله في "قواعد الأحكام" "1/ 10". 2 أشبه بمذهب المعتزلة. "د". 3 في الأصل: "الآخرة".

قَاصِدًا لِإِقَامَةِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا1، حَتَّى يَتَأَتَّى فِيهَا سُلُوكُ طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وَقَدْ بَثَّ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، وَحَسَمَ مِنْ أَوْجُهِ الْفَسَادِ الَّتِي كَانَتْ جَارِيَةً مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَالْعَادَةُ تُحِيلُ اسْتِقْلَالَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا وَمَفَاسِدِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ2 هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِهَا تَحْصُلُ بِالتَّجَارِبِ وَغَيْرِهَا، بَعْدَ وَضْعِ الشَّرْعِ أُصُولَهَا، فَذَلِكَ لَا نزاع فيه.

_ 1 ورود الشريعة لإقامة مصالح الدنيا اقتضى أن يكون في تعاليمها قواعد كلية تندرج فيها أحكام الوقائع التي تعرض للأفراد والجماعات، وليس على الراسخين في العلم بها سوى النظر في الوقائع وفحص ما يترتب عليها من آثار المصالح والمفاسد حتى يصوغوا لها من تلك القواعد القيمة حكما عادلا، وإذا كان الإسلام يقوم على هذه الحقيقة، فمن المتعين على علمائه أن يبحثوا في حال الاجتماع، ويدرسوا شؤون الأمم حتى تكون فتاويهم مفرغة في حكمه وسداد، والرئيس الذي يحاول صرفهم عن الخوض في مذاهب السياسة وحصرهم في دائرة ضيقة من التعليم إنما يفعل ما يفعل جهلا بحقائق الإسلام أو قصدًا للعبث بذلك النظام الذي بهر جهابذة الفلسفة، فأطرقوا لحكمته خاضعين. "خ". وفي "ط": "صلاح الدنيا". 2 وهو بعيد من قوله: "بتقدير أن الشرع لم يرد". "د".

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: كَوْنُ الشَّارِعِ قَاصِدًا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ: الضَّرُورِيَّةِ، وَالْحَاجِيَّةِ وَالتَّحْسِينِيَّةِ، لَا بُدَّ عليه من دليل يستند غليه، وَالْمُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا ظَنِّيًّا أَوْ قَطْعِيًّا، وَكَوْنُهُ ظَنِّيًّا بَاطِلٌ، مَعَ أَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، بَلْ هو أصل أصولها، وأصول الشريعة قطعية، حسبما تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ، فَأُصُولُ أُصُولِهَا أَوْلَى أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً، وَلَوْ جَازَ إِثْبَاتُهَا بِالظَّنِّ، لَكَانَتِ الشَّرِيعَةُ مَظْنُونَةً أَصْلًا وَفَرْعًا، وَهَذَا بَاطِلٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً، فَأَدِلَّتُهَا قَطْعِيَّةٌ بِلَا بُدٍّ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكَوْنُ هَذَا الْأَصْلِ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا أَوْ نَقْلِيًّا. فَالْعَقْلِيُّ لَا مَوْقِعَ لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى تَحْكِيمِ الْعُقُولِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَقْلِيًّا. وَالْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ نُصُوصًا جَاءَتْ مُتَوَاتِرَةَ السَّنَدِ، لَا يَحْتَمِلُ مَتْنُهَا التَّأْوِيلَ عَلَى حَالٍ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نُصُوصًا، أَوْ كَانَتْ وَلَمْ يَنْقُلْهَا أَهْلُ التَّوَاتُرِ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِنَادُ مِثْلِ هَذَا إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَإِفَادَةُ الْقَطْعِ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَتْ نُصُوصًا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَمُتَوَاتِرَةَ السَّنَدِ، فَهَذَا مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ، إِلَّا أَنَّهُ مُتَنَازَعٌ فِي وُجُودِهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَالْقَائِلُ بِوُجُودِهِ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ تُفْرَضُ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ. وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي الشَّرِيعَةِ يَقُولُ: إِنَّ التَّمَسُّكَ بِالدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً مَوْقُوفٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ عَشْرٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ظَنِّيَّةٌ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَى

الظَّنِّيِّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا، فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلِ اللُّغَاتِ وَآرَاءِ النَّحْوِ، وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ، وَعَدَمِ الْمَجَازِ، وَعَدَمِ النَّقْلِ الشَّرْعِيِّ أَوِ العادي، وعدم الإضمار، و [عدم] 1 التخصيص للعموم، و [عدم] 1 التَّقْيِيدِ لِلْمُطْلَقِ، وَعَدَمِ النَّاسِخِ، وَعَدَمِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ. ومن المعترفين بوجود مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الدَّلَائِلَ فِي أَنْفُسِهَا لَا تُفِيدُ قَطْعًا، لَكِنَّهَا إِذَا اقْتَرَنَتْ بِهَا قَرَائِنُ مشاهدة أو منقولة، فقد تفيد اليقين، وهذا لَا يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّ دَلِيلَ مَسْأَلَتِنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الْمُفِيدَةَ لِلْيَقِينِ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِكُلِّ دَلِيلٍ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ2 كُلُّهَا قَطْعِيَّةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تَلْزَمُ، ثُمَّ وَجَدْنَا أَكْثَرَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ أَوِ الْمَتْنِ وَالدَّلَالَةِ مَعًا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ افْتِقَارِ الْأَدِلَّةِ إِلَى النَّظَرِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْقَطْعِ3 وَالْيَقِينِ نَادِرٌ عَلَى قَوْلِ الْمُقِرِّينَ بِذَلِكَ، وَغَيْرُ مَوْجُودٍ عَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ. فَثَبَتَ أَنَّ دَلِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّعْيِينِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ. وَلَا يقال: إن الإجماع كاف، وهو دليل قطعين؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا أَوَّلًا: مُفْتَقِرٌ إِلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ شَرْعًا، نَقْلًا مُتَوَاتِرًا عَنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا يَعْسُرُ إِثْبَاتُهُ، وَلَعَلَّكَ لَا تَجِدُهُ، ثُمَّ نَقُولُ:

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط"، وفيه: "أو التخصيص". 2 أي: التي هي من النصوص المتواترة التي لا تحتمل تأويلًا كما هو موضوع الكلام، لا أنه يلزم أن يكون كل دليل ولو كان ظني الدلالة أو المتن كذلك، فإنه لا يلزم مع أخذ الموضوع كما قلنا. "د". 3 في "خ": "للدليل القطعي"، وفي الأصل: "للدليل القطع".

ثَانِيًا: إِنْ فُرِضَ وُجُودُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يَكُونُ مُسْتَنَدَهُمْ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ قَطْعِيٌّ، فَقَدْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى دَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةً لَا قَطْعِيَّةً، فَلَا تُفِيدُ الْيَقِينَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ قَطْعِيًّا عَلَى فَرْضِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ لَهَا مُسْتَنَدٌ قَطْعِيٌّ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى مُسْتَنَدٍ ظَنِّيٍّ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ خَالَفَ1 فِي كَوْنِ هَذَا الْإِجْمَاعِ حُجَّةً2 فَإِثْبَاتُ الْمَسْأَلَةِ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَتَخَلَّصُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصْعُبُ الطَّرِيقُ إِلَى إِثْبَاتِ كَوْنِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الْقَطْعِيِّ. وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ثَابِتٌ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ هُوَ رُوحُ الْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ3 أَنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ الثَّلَاثَ لَا يَرْتَابُ فِي ثُبُوتِهَا شَرْعًا أَحَدٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إِلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَأَنَّ اعْتِبَارَهَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ اسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ، وَالنَّظَرُ فِي أَدِلَّتِهَا الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ عَلَى حَدِّ الِاسْتِقْرَاءِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي لَا يُثْبَتُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، بَلْ بِأَدِلَّةٍ مُنْضَافٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، مُخْتَلِفَةِ الْأَغْرَاضِ، بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَمْرٌ وَاحِدٌ تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ، عَلَى حَدِّ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْعَامَّةِ جُودُ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ4، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَمْ يعتمد

_ 1 على أن بعض من قال: إنه حجة لا يقول إنها قطعية كما هو الغرض هنا. "د". 2 جرى الخلاف في استناد الإجماع إلى اجتهاد وقياس، فمنعه الظاهرية لإنكارهم أصل القياس وابن جرير الطبري نظرًا إلى أن الإجماع الصادر عن القياس لم ينعقد على مستند قاطع، فلا يكون حجة، والراجح لدى الجمهور أنه واقع وحجة، ومن أمثلته إجماع الصحابة على إمامة أبي بكر الصديق مستندين إلى الاجتهاد الملوح إليه بقول جماعة منهم رضيه "رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا". "خ". 3 في "خ": "كذلك". 4 انظر في تخريج ذلك: "موافقة الخبر الخبر" لابن حجر "1/ 193"، وما مضى "1/ 29".

النَّاسُ فِي إِثْبَاتِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ عَلَى دَلِيلٍ مَخْصُوصٍ، وَلَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، بَلْ حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنَ الظَّوَاهِرِ وَالْعُمُومَاتِ، وَالْمُطْلَقَاتِ وَالْمُقَيَّدَاتِ، وَالْجُزْئِيَّاتِ الْخَاصَّةِ، فِي أَعْيَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَوَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ، فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ، حَتَّى أَلْفَوْا أَدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ كُلَّهَا دَائِرَةً عَلَى الْحِفْظِ عَلَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ، هَذَا مَعَ مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ مَنْقُولَةٍ وَغَيْرِ مَنْقُولَةٍ. وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ أَفَادَ خَبَرُ التَّوَاتُرِ الْعِلْمَ، إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ فِيهِ آحَادُ الْمُخْبِرِينَ، لَكَانَ إِخْبَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى فَرْضِ عَدَالَتِهِ مُفِيدًا لِلظَّنِّ، فَلَا يَكُونُ اجْتِمَاعُهُمْ يَعُودُ بِزِيَادَةٍ عَلَى إِفَادَةِ الظَّنِّ، لَكِنْ لِلِاجْتِمَاعِ خَاصِّيَّةٌ لَيْسَتْ لِلِافْتِرَاقِ، فَخَبَرٌ وَاحِدٌ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ مَثَلًا، فَإِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ آخَرُ قَوِيَ الظَّنُّ، وَهَكَذَا خَبَرٌ آخَرُ وَآخَرُ، حَتَّى يَحْصُلَ بِالْجَمِيعِ الْقَطْعُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ1، فَكَذَلِكَ هَذَا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ إِفَادَةِ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْأَخْبَارُ. وَهَذَا بُيِّنَ فِي كِتَابِ الْمُقَدِّمَاتِ2 مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَمَنْ كَانَ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ النَّاظِرِينَ فِي مُقْتَضَاهَا، وَالْمُتَأَمِّلِينَ لِمَعَانِيهَا، سَهُلَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِإِثْبَاتِ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ فِي [إِثْبَاتِ] 3 هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثلاث.

_ 1 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 258-259". 2 تقدم له في المقدمة الثالثة بيان أوسع من هذا في صحة الاعتماد على هذا الاستقراء، وجعله من باب التواتر المعنوي، ولكنه هنا بسط الكلام في بيان أنه لا يمكن الاعتماد في إثبات هذا الأصل المهم على العقل ولا على النقل الأحادي ولا على الإجماع، وتوصل ذلك إلى أن لا بد من الرجوع لشبه التواتر، فما أوجزه هناك بسطه هنا، وبالعكس، فلا يقال: إن هذه المسألة تكرار محض مع ما تقدم هناك. "د". 3 سقط من "ط".

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: هَذِهِ الْكُلِّيَّاتُ الثَّلَاثُ إِذَا كَانَتْ قَدْ شُرِعَتْ لِلْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ بِهَا، فَلَا يَرْفَعُهَا تَخَلُّفُ1 آحَادِ الْجُزْئِيَّاتِ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ2: أَمَّا فِي الضَّرُورِيَّاتِ، فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ مَشْرُوعَةٌ لِلِازْدِجَارِ، مَعَ أَنَّا نَجِدُ مَنْ يُعَاقَبُ فَلَا يَزْدَجِرُ عَمَّا عُوقِبَ عَلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَأَمَّا فِي الْحَاجِيَّاتِ، فَكَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ، مَشْرُوعٌ لِلتَّخْفِيفِ وَلِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَلِكُ الْمُتَرَفِّهُ لَا مَشَقَّةَ لَهُ، وَالْقَصْرُ فِي حَقِّهِ مَشْرُوعٌ، وَالْقَرْضُ أُجِيزَ لِلرِّفْقِ بِالْمُحْتَاجِ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَيْضًا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا فِي التَّحْسِينِيَّاتِ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ شُرِعَتْ لِلنَّظَافَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهَا عَلَى خِلَافِ النَّظَافَةِ كَالتَّيَمُّمِ. فَكُلُّ هَذَا غَيْرُ قَادِحٍ فِي أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْكُلِّيَّ إِذَا ثَبَتَ كُلِّيًّا، فَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ مُقْتَضَى الْكُلِّيِّ لَا يخرجه عن كونه كليا، وأيضًا3،

_ 1 أي: بأن تكون مع كونها داخلة في الكلي آخذة حكما آخر، أو تكون آخذة حكمه، ولكن المصلحة المعتبرة في الكلي ليست متحققة فيها، هذا هو الذي يقتضيه النظر في ذاته، ويقتضيه أيضا قوله الآتي: "وَأَيْضًا، فَالْجُزْئِيَّاتُ الْمُتَخَلِّفَةُ قَدْ يَكُونُ تَخَلُّفُهَا لِحِكَمٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُقْتَضَى الْكُلِّيِّ، فَلَا تَكُونُ دَاخِلَةً ... إلخ"، فإن ذلك ليس إلا في الغرض الأول الذي فرضناه هنا، وهو ما يكون داخلا في الكلي ولكنه أخذ حكما آخر، فيكون الجواب أنه ليس داخلا؛ لأنه أخرجه عنه حكمة غير حكمه هذا الكلي جعلته خارجا عنه. "د". 2 هذه الأمثلة للنوع الثاني، وهو ما يكون تخلف الجزئي بمعنى أخذه حكم الكلي، ولكنه ليس في المصلحة المعتبرة في الكلي، وقد يمثل للأول بأن حكمة وجوب الزكاة الغنى، وهي موجودة في مالك الجواهر النفيسة كالماس مثلا، ومع ذلك أخذ حكما آخر وهو عدم وجوب الزكاة "د". 3 لو جعل هذا دليلًا على ما قبله، لكان أوضح من جعله دليلا مستقلا؛ لأن ما قبله كدعوى لا تتم إلا بهذا. "د".

فَإِنَّ الْغَالِبَ الْأَكْثَرِيَّ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرِيعَةِ اعْتِبَارَ الْعَامِّ الْقَطْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّفَاتِ الْجُزْئِيَّةَ لَا يَنْتَظِمُ مِنْهَا كُلِّيٌّ يُعَارِضُ هَذَا الْكُلِّيَّ الثَّابِتَ. هَذَا شَأْنُ الْكُلِّيَّاتِ الِاسْتِقْرَائِيَّةِ1 وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّاتِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهَا أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَبِيلَيْنِ أَمْرًا وَضْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ تَخَلُّفُ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ قَادِحًا فِي الْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةِ، كَمَا نَقُولُ: "مَا ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِمِثْلِهِ عَقْلًا"، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّخَلُّفُ أَلْبَتَّةَ، إِذْ لَوْ تَخَلَّفَ لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ بِالْقَضِيَّةِ الْقَائِلَةِ: "مَا ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِمِثْلِهِ". فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْكُلِّيَّةُ فِي الِاسْتِقْرَائِيَّاتِ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ مُقْتَضَاهَا بَعْضُ الْجُزْئِيَّاتِ. وَأَيْضًا2، فَالْجُزْئِيَّاتُ الْمُتَخَلِّفَةُ3 قَدْ يَكُونُ تَخَلُّفُهَا لِحِكَمٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُقْتَضَى الكلي، فلا يكون دَاخِلَةً تَحْتَهُ أَصْلًا4، أَوْ تَكُونُ دَاخِلَةً لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا دُخُولُهَا، أَوْ دَاخِلَةً عِنْدَنَا، لَكِنْ عَارَضَهَا عَلَى الْخُصُوصِ مَا هِيَ بِهِ أولى5،

_ 1 في "ط": "الاستقرائيات". 2 هذا الجواب بمنع التخلف، أي فنقول: إنه لا تخلف أصلا، وأن ما يظهر فيه أنه تخلف هو في الواقع كذا أو كذا. "د". 3 في "خ": المختلفة". 4 أي: فلا تكون من جزئيات الكلي، فلا يصح الاعتراض بتخلفها؛ لأنها خارجة عنه حتى في نظرنا. "د". قلت: كلام المصنف هذا أشبه ما يكون بما يسمى اليوم بـ "مناهج العلوم"، فكأني به يريد أن يثبت أن للشريعة منهجا لا يمكن خلطه بالطرق العقلية المجردة، وانظر عن الاستقراء وحجيته وأقسامه: "شرح القطب على الشمسية" "ص 315 وما بعدها"، و" البحر المحيط" "2/ 103و 6 / 110" للزركشي، و" المنطق الحديث" "ص 32" لمحمود القاسم، والمرشد السليم في المنطق الحديث والقديم" "ص 183 وما بعدها" لعوض الله حجازي. 5 أي: وإن لم نقف عليه، فيأخذ الجزئي حكما آخر لحكمة خفيت علينا، وإن كان مقتضى الظاهر أنه يأخذ حكم الكلي؛ لأنه في نظرنا مندرج فيه. "د".

فَالْمَلِكُ الْمُتَرَفِّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُهُ، لَكُنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِخَفَائِهَا، أَوْ نَقُولُ1 فِي الْعُقُوبَاتِ الَّتِي لَمْ يَزْدَجِرْ صَاحِبُهَا: إِنِ الْمَصْلَحَةَ لَيْسَتِ الِازْدِجَارَ فَقَطْ، بَلْ ثَمَّ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ كَوْنُهَا كَفَّارَةً؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ زَجْرًا أَيْضًا عَنْ2 إِيقَاعِ الْمَفَاسِدِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ خَادِمٌ لِلْكُلِّيِّ. فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا اعْتِبَارَ بِمُعَارَضَةِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي صِحَّةِ وَضْعِ الْكُلِّيَّاتِ لِلْمَصَالِحِ.

_ 1 هذا انظر آخر في الجواب، أي: قد نفهم أحيانا أن الحكمة كذا، ويكون الواقع أن هذا بعض ما يراعيه الشارع في الحكمة، ويكون هناك أمر آخر أعم منه يراعي ويكون مطردا، كالكفارات في الحدود مثلا. "د". 2 كذا في ط"،وفي غيره: "على".

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَقَاصِدُ الشَّارِعِ فِي بَثِّ الْمَصَالِحِ فِي التَّشْرِيعِ أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً عَامَّةً، لَا تَخْتَصُّ بِبَابٍ دُونَ بَابٍ، وَلَا بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ، وَلَا بِمَحَلِّ وِفَاقٍ دُونَ مَحَلِّ خِلَافٍ1، وَبِالْجُمْلَةِ الْأَمْرُ فِي الْمَصَالِحِ مُطَّرِدٌ مُطْلَقًا فِي كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَجُزْئِيَّاتِهَا. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَصَالِحِ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ مَشْرُوعَةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلَوِ اخْتَصَّتْ لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِلْمَصَالِحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنَّ2 الْبُرْهَانَ قَامَ عَلَى ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَصَالِحَ فِيهَا غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ- وَهُوَ الْقَرَافِيُّ3- أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَصَالِحِ إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُصِيبَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْعَقْلِيَّةَ أَنَّ الرَّاجِحَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشَّيْءَ وَالنَّقِيضَ4، بل متى كان أحدهما

_ 1يشير إلى ما سيأتي عن القرافي وابن عبد السلام، وقد عقد هذه المسألة للرد عليهما، وبيان ما هو الواقع فيما ادعياه، وقد أصاب كل الإصابة، وملك عليهما جميع النوافذ، رحمه الله. "د". 2 في نسخة "ماء/ ص 134": "ولكن". 3 في كتابه "نفائس الأصول" "9/ 3901". 4 أي: لأن المصلحة الغالبة في المحل- أي: الراجحة التي يعتبرها الشرع- واحدة لا تتعدد، أي: فلا يسلم العقل بأن المصلحة الراجحة التي يراعيها أحدهما يكون نقيضها مصلحة راجحة أخرى يراعيها القائل الآخرن فلا يتأتى مع القول بإصابة كل مجتهد أن تكون الأحكام تابعة للمصالح، كما لا يتأتى معه أيضا القول بالقياس، لأنه مبني على وجود العلة التي هي المصلحة المراعاة في المقيس عليه. "د". قلت: وفي هذا الموضع من الأصل: "أن يكون هو النقيضين"،وكذا في "النفائس".

رَاجِحًا كَانَ الْآخَرُ مَرْجُوحًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا وَهُوَ الْمُفْتِي بِالرَّاجِحِ، وَغَيْرُهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا، لِأَنَّهُ مفتٍ بِالْمَرْجُوحِ، فَتَتَنَاقَضُ قَاعِدَةُ الْمُصَوِّبِينَ مَعَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ، وَأَنَّ الشَّرَائِعَ تَابِعَةٌ لِلْمَصَالِحِ. هَذَا مَا قَالَ. وَنَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ1 فِي الْجَوَابِ أنه يتعين على هؤلاء أن يقولوا: عن هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا تَكُونُ2 إِلَّا فِي الْأَحْكَامِ الْإِجْمَاعِيَّةِ، أَمَّا فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ، فَلَمْ يَكُنِ الصَّادِرُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ3 للراجح في نفس الأمر، بل ما4 فِي الظُّنُونِ فَقَطْ، كَانَ رَاجِحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ مَرْجُوحًا، وَسُلِّمَ أَنَّ قَاعِدَةَ التَّصْوِيبِ تَأْبَى قَاعِدَةَ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ لِتُعِينَ الرَّاجِحَ، وَكَانَ يَقُولُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَائِلِ بِالتَّصْوِيبِ أَنْ يَصْرِفَ الخطأ في حديث الحاكم5 إلى

_ 1 في "م": "عن شيخه العز في ... ". 2 ويكون معناها أنهم حيث اتفقوا على الحكم وصادفوا هدفا واحدا، فكلهم مصيب وهذا في غاية البعد بعد الاطلاع على أدلة الطرفين وتقرير ردودهما، وانظر كتاب "التحرير" في مسألة "لا حكم في المسائل الاجتهادية التي لا قاطع فيها من نص أو إجماع" فقد جعلوا هذا محل القاعدة، لا المسائل الإجماعية. "د". 3 أي: إن الحكم الذي يجب على المجتهد العمل به ليس تابعا لما في نفس الأمر حتى يكون صوابا دائما، فيتأتى أن كل مجتهد مصيب، بل هذا الحكم تابع لما ترجح في ظنه فقط، ولو كان مخالفا لما في نفس الأمر، فالظنون الموافقة صواب، والمخالفة خطأ، وإن وجب عليه العمل بها ما دام ظنه بأرجحيتها قائما، أي فلا يتأتى أن يكون كل مجتهد مصيبا. "د". 4 كذا في "النفائس"، وفي جميع النسخ: "فيما". 5 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، 13/ 318/ رقم 7352"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الأقضية، باب بيان آجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، 3/ 1342/ رقم 1716" عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر". قال "د": "أي أن الخطا الوارد في الحديث ليس موجها إلى الحكم، بل إلى وسائل الاجتهاد التي اتبعت في استنباطه والخطأ في ذلك لا نزاع فيه، فحمل كلام الشارع عليه أولى من حمله على نفس الحكم، لأن في تخطئة المجتهد في نفس الحكم خلافا".

الْأَسْبَابِ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ يَقَعُ فِيهَا، وَحَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى. هَذَا مَا نُقِلَ عَنْهُ. وَيَظْهَرُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ جَارِيَةٌ عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ عَلَى [تصويب] 1 مَذْهَبِ التَّصْوِيبِ إِضَافِيَّةٌ2، إِذْ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ تَابِعٌ لِنَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَالْمَصَالِحُ تَابِعَةٌ3 لِلْحُكْمِ أَوْ مَتْبُوعَةٌ4 لَهُ فَتَكُونُ الْمَصَالِحُ أَوِ الْمَفَاسِدُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ثَابِتَةً بِحَسَبِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَفِي ظَنِّهِ5، وَلَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ الْمُخَطِّئَةِ وَالْمُصَوِّبَةِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ جَائِزٌ، فَجِهَةُ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَهُ هِيَ الرَّاجِحَةُ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي ظَنِّهِ، لِأَنَّهَا عِنْدَهُ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ، فَالْمُقْدِمُ عَلَى التَّفَاضُلِ فِيهَا مُقْدِمٌ عَلَى مَا هُو جَائِزٌ، وَمَا هُوَ جَائِزٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِأَجْلِهَا أُجِيزَ، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرِّبَا فِيهَا غَيْرُ جَائِزٍ، فَهِيَ عِنْدُهُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ حُكْمِ الرِّبَا الْمُحَرَّمِ، وُجْهَةُ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَهُ هِيَ الْمَرْجُوحَةُ لَا الرَّاجِحَةُ، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ

_ 1 زيادة من الأصل و"ط". 2 هذا الوجه صرح به الإمام الغزالي وهو ناصر مذهب المصوبة في "كتاب المستصفى". "خ". "3، 4" أي: على ما تقدم من مذهب الأشاعرة، ومذهب المعتزلة، إذ تفهم من الحكم على الأول، ويفهم الحكم منها على الثاني. "د". 5 أي: فهي إضافية أيضا، فيتأتى تعدد المصلحة الراجحة بالإضافة، فلا فرق بين مصوب ومخطئ حينئذ "د".

على ما ظنه، فالضرر1 لَاحِقٌ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فَحُكْمُ المصوب ههنا حُكْمُ الْمُخَطِّئِ وَإِنَّمَا يَكُونُ2 التَّنَاقُضُ وَاقِعًا إِذَا عُدَّ الرَّاجِحُ مَرْجُوحًا مِنْ نَاظِرٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ مِنْ نَاظِرَيْنِ، ظَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعِلَّةَ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْحُكْمَ مَوْجُودَةً فِي الْمَحَلِّ بِحَسَبِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُ وَفِي ظَنِّهِ3، لَا مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، إِذْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا فِي مسائل الإجماع4، فههنا اتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا بَعْدُ، فَالْمُخَطِّئَةُ حَكَمَتْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ هُوَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُ وَفِي ظَنِّهِ، وَالْمُصَوِّبَةُ حكمت بناء على أن لاحكم فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ هُوَ مَا ظَهَرَ الْآنَ، وَكِلَاهُمَا بانٍ حكمَه عَلَى عِلَّةٍ مَظْنُونٍ بِهَا أَنَّهَا كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَيَتَّفِقُ ههنا مَنْ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ لُزُومًا أَوْ تُفَضُّلًا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ5، أَوْ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الْأَعْيَانِ6، وَهَذَا مَجَالٌ يَحْتَمِلُ بَسْطًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَهُوَ مِنْ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "فلا ضرر"، وكتب "د": "كان المناسب أن يقول: ففيه ضرر لاحق به في الدنيا أو الآخرة". 2 هو روح الجواب عن قوله: "لأن القاعدة العقلية أن الراجح ... إلخ"، وقوله "من نظر واحد" أي: أو من ناظرين يعتبران الواقع ونفس الأمر في ذاته بقطع النظر عن الظن. "د". 3 توكيد لقوله: "ظن كل واحد.... إلخ"، وتمهيد لقوله: "لا ما هو عليه في نفسه"، أي: الذي لو كان لكان التناقض حاصلا. "د" وفي "ط": "وظنه لا على ما....". 4 أي: الإجماع القطعي السند لأن الجميع قاطع فيه بأن العلة كذا 1في نفس الأمر، أما الإجماع الظني السند؛ فالاتفاق فيه على أن العلة كذا في نفس الأمر من باب المصادفة فقط، وإلا، فالمعتبر فيه ظن كل واحد عنه نفسه أنها العلة، كمواضع الخلاف، ولكن اتفق اتحاد ظنهم ذلك. "د". "5، 6" هو الخلاف بين القدماء من المعتزلة وغير القدماء منهم في أن الحسن والقبح من ذات الفعل أو من صفة عارضة. "د".

هَذَا، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى الِاعْتِذَارِ الَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَارْتَفَعَ إِشْكَالُ الْمَسْأَلَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَتَأَمَّلْ، فَإِنَّ الْجُوَيْنِيَّ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّصْوِيبِ اجْتِهَادًا وَحُكْمًا1، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ اجْتِمَاعِ قَاعِدَةِ التَّصْوِيبِ عِنْدَهُمْ مَعَ الْقَوْلِ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الذَّوَاتِ2، فَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ مُشْكِلٌ عَلَى كُلِّ تقدير، والله أعلم

_ 1 أي: فلا يلتزمون صرف الخطأ المشار إليه بحديث الحاكم إلى الأسباب، بل يقولون إن كل مجتهد بشرطه مصيب في اجتهاده ووسائله، وفي حكمه الذي استنبطه مع أنهم يقولون بالمصالح عقلا، فيجمعون بين القول بها والتصويب، لا في الاجتهاد فقط، بل وفي نفس الحكم "د". قلت: انظر: "البرهان" "2/ 1316- 1329". 2 أي: الحسن أو القبح جاء من ذات الفعل، كما يقوله قدماء المعتزلة، فإنهم يقولون: حسن الفعل وقبحه لذات الفعل لا لصفة توجبه، وقال بعضهم: بل لصفة توجبه لا لذات الفعل.... إلخ ما قرره في هذا الخلاف، فقوله: "وأن ذلك راجع إلى الذوات" ليس من محل الاتفاق بينهم, ولكنه اختاره لأن إشكال القرافي يكون عليه أوجَه مما إذا قالوا: لصفة توجبه لا لذات الفعل، لأنه حينئذ يمكن الانفكاك. "د". وقال "خ" "إذا كانت الوقائع منشأ للمصالح والمفاسد، وكانت الأحكام قائمة على رعايتها، فالواقعة الواحدة إنما يكون لها حكم واحد، وهو الذي يطابق ما تقتضيه مصلحتها أو مفسدتها، ومن أداه اجتهاده إلى هذا الحكم، فهو مصيب وغير مخطئ، فلا يظهر وجه استقامة القول بتصويب كل مجتهد مع القول بأن الأحكام تفصل على مقتضى المصالح والمفاسد في نفس الأمر".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُبَارَكَةَ معصومة، كما أن صاحبها صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ، وَكَمَا كَانَتْ أُمَّتُهُ فِيمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَعْصُومَةً1.. وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] وَقَوْلِهِ {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هُودٍ: 1] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} [الْحَجِّ: 52] ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحْفَظُ آيَاتِهِ وَيُحْكِمُهَا حَتَّى لَا يُخَالِطَهَا غَيْرُهَا وَلَا يُدَاخِلَهَا التَّغْيِيرُ وَلَا التَّبْدِيلُ، وَالسُّنَّةُ وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ، فَإِنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لَهُ وَدَائِرَةٌ حَوْلَهُ، فَهِيَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ فِي مَعَانِيهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَقَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} [الْمَائِدَةِ: 3] . حَكَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي "طَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ"2 لَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُنْتَابِ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ، فَقِيلَ لَهُ: لم

_ 1 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "27/ 447". 2 قال ابن الجرزي في "غاية النهاية" "1/ 505": "كتاب "طبقات القراء" في أربعة أسفار، عظيم في بابه، لعلي أظفر بجميعه"، وهذا الكتاب عزيز منذ القدم، كما أفاد المقري في "نفح الطيب" "4/ 474" ولم أظفر بأي نسخة خطية منه في المكتبات اليوم.

جَازَ التَّبْدِيلُ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يَجُزْ عَلَى أَهْلِ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ التَّوْرَاةِ: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [الْمَائِدَةِ: 44] ، فَوَكَلَ الْحِفْظَ إِلَيْهِمْ، فَجَازَ التَّبْدِيلُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] ، فَلَمْ يَجُزِ التَّبْدِيلُ عَلَيْهِمْ، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَضَيْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيِّ، فَذَكَرْتُ لَهُ الْحِكَايَةَ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ كَلَامًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا1. وَأَيْضًا مَا جَاءَ مِنْ حَوَادِثِ الشُّهُبِ أَمَامَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْعِ الشَّيَاطِينِ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لَمَّا كَانُوا يَزِيدُونَ فِيمَا سَمِعُوا مِنْ أَخْبَارِ السَّمَاءِ، حَيْثُ كانوا يسمعون الكلمة فيزيدون معها مئة كِذْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ2، فَإِذَا كَانُوا قَدْ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ عَجَزَتِ الْفُصَحَاءُ اللُّسُنُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ

_ 1 ذهب بعض أهل العلم كالرازي إلى أن تحريف أهل الكتاب للتوراة والإنجيل إنما هو بسوء تأويلهما وحمل نصوصهما على ما يطابق أهواءهم، وقد تتبع فريق من العلماء المحققين، كابن حزم، وابن تيمية، والشيخ رحمة الله الهندي جملة من نسخهما، وأفاضوا في بيان ما دخل عليها من تحريف اللفظ وتبديل العبارة، وتحريف الكلم بالتأويل الباطل قد دخل في تفسير القرآن كما مني به غيره من الكتب المتقدمة، ولكن الله وقاه من تحريف اللفظ، ولم تستطع أيدي الزنادقة أن تمسه بسوء. "خ". قلت: انظر نحو الحكاية المذكورة في: تفسير القرطبي" "10/ 5-6"، و"حاشية الجمل على الجلالين" "2/ 606". 2 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، 6/ 304/ رقم 2210"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام" باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، 4/ 1750/ رقم 2228" عن عائشة مرفوعا: "إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون منها مائة كذبة من عند أنفسهم" لفظ البخاري. وفي "ط": "أو أكثر من مائة كذبة".

مَنْ مِثْلِهِ، وَهُوَ كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ1 الْحِفْظِ، وَالْحِفْظُ2 دَائِمٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تدلُّك عَلَى حِفْظِ الشَّرِيعَةِ وَعِصْمَتِهَا عَنِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ الْوُجُودِيُّ الْوَاقِعُ مِنْ زَمَنِ3 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْآنَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وفَّر دَوَاعِيَ الْأُمَّةِ لِلذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ عَنْهَا بِحَسَبِ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ. أَمَّا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، فَقَدْ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ حَفَظَةً بِحَيْثُ لَوْ زِيدَ فِيهِ حَرْفٌ وَاحِدٌ لَأَخْرَجَهُ آلَافٌ مِنَ الْأَطْفَالِ الْأَصَاغِرِ، فَضْلًا عَنِ الْقُرَّاءِ الْأَكَابِرِ4. وَهَكَذَا جَرَى الْأَمْرُ فِي جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَقَيَّضَ اللَّهُ لِكُلِّ عِلْمٍ رِجَالًا حَفِظَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ. فَكَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ يَذْهَبُونَ الْأَيَّامَ الْكَثِيرَةَ فِي حِفْظِ اللُّغَاتِ وَالتَّسْمِيَاتِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، حَتَّى قَرَّرُوا لُغَاتِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ -وَهُوَ الْبَابُ الْأَوَّلُ مِنْ أَبْوَابِ فِقْهِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ أَوْحَاهَا اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ. ثم قيض رجالا يبحثون يَبْحَثُونَ عَنْ تَصَارِيفِ هَذِهِ اللُّغَاتِ فِي النُّطْقِ فِيهَا5 رَفْعًا وَنَصْبًا، وَجَرًّا وَجَزْمًا، وَتَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَإِبْدَالًا وَقَلْبًا، وَإِتْبَاعًا وَقَطْعًا، وَإِفْرَادًا وَجَمْعًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ تَصَارِيفِهَا فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ، وَاسْتَنْبَطُوا لِذَلِكَ قَوَاعِدَ ضَبَطُوا بِهَا قَوَانِينَ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَسَهَّلَ اللَّهُ بذلك.

_ 1 في الأصل: "جهة". 2 في خ: "أو الحفظ". 3 في الأصل و"ط": زمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4 في نسخة "ماء / ص135" زيادة: "وكذلك لو نقص لرده آلاف". 5 في نسخة "ماء/ ص 135": "بها".

الفهم عنه في كتابه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خِطَابِهِ. ثُمَّ قَيَّضَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ رِجَالًا يَبْحَثُونَ عن الصحيح مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وَعَنْ1 أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ مِنَ النَّقَلَةِ، حَتَّى مَيَّزُوا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ، وَتَعَرَّفُوا التَّوَارِيخَ وَصِحَّةَ الدَّعَاوَى فِي الْأَخْذِ لِفُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الثَّابِتُ الْمَعْمُولُ بِهِ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. وَكَذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ الْعَظِيمُ لِبَيَانِ السُّنَّةِ عَنِ الْبِدْعَةِ نَاسًا مِنْ عَبِيدِهِ بَحَثُوا عَنْ أَغْرَاضِ الشَّرِيعَةِ كِتَابًا وَسُنَّةً، وَعَمَّا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ، وَدَاوَمَ2 عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَرَدُّوا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، حَتَّى تَمَيَّزَ أَتْبَاعُ الْحَقِّ عَنْ أَتْبَاعِ الْهَوَى. وَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عِبَادِهِ قُرَّاءً3 أَخَذُوا كِتَابَهُ تَلَقِّيًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَّمُوهُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ حِرْصًا عَلَى مُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ فِي تَأْلِيفِهِ فِي الْمَصَاحِفِ، حَتَّى يَتَوَافَقَ الْجَمِيعُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَقَعَ فِي الْقُرْآنِ اخْتِلَافٌ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ فيض اللَّهُ تَعَالَى نَاسًا يُنَاضِلُونَ عَنْ دِينِهِ، وَيَدْفَعُونَ الشُّبَهَ بِبَرَاهِينِهِ، فَنَظَرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاسْتَعْمَلُوا الْأَفْكَارَ، وَأَذْهَبُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يَشْغَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَاتَّخَذُوا الْخَلْوَةَ أَنِيسًا، وَفَازُوا بِرَبِّهِمْ جَلِيسًا، حَتَّى نَظَرُوا إِلَى عَجَائِبِ صُنْعِ اللَّهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَهُمُ الْعَارِفُونَ مِنْ خَلْقِهِ، وَالْوَاقِفُونَ مَعَ أَدَاءِ حَقِّهِ، فَإِنْ عَارَضَ دِينَ الْإِسْلَامِ مُعَارِضٌ، أَوْ جَادَلَ فِيهِ خصم

_ 1 في الأصل و"ط": "وعلى". 2 في الأصل و"ط": "ودام". 3 ليس تكرارا مع قوله: "قيض الله له حفظة.... إلخ"؛ لأن ذلك في الحفظ، وهذا في طريق وضعه في المصاحف، وضبط ترتيبه وكلماته، ووقوفه وفواصل آياته. "د".

مُنَاقِضٌ، غَبَّرُوا فِي وَجْهِ شُبُهَاتِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ1، فهُم جُنْدُ الْإِسْلَامِ وَحُمَاةُ الدِّينِ. وَبَعَثَ اللَّهُ مِنْ هَؤُلَاءِ سَادَةً فَهِمُوا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَنْبَطُوا أَحْكَامًا فَهِمُوا مَعَانِيَهَا مِنْ أَغْرَاضِ الشَّرِيعَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، تَارَةً مِنْ نَفْسِ الْقَوْلِ، وَتَارَةً مِنْ مَعْنَاهُ، وَتَارَةً مِنْ عِلَّةِ الْحُكْمِ، حَتَّى نزَّلوا الْوَقَائِعَ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَسَهَّلُوا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ طَرِيقَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا جَرَى الْأَمْرُ فِي كُلِّ عِلْمٍ تَوَقَّفَ فَهْمُ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ أَوِ احْتِيجَ [فِي] 2 إِيضَاحِهَا إِلَيْهِ. وَهُوَ عَيْنُ الْحِفْظِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الأدلة المنقولة، [وبالله التوفيق] 3.

_ 1يتعين على علماء الشريعة أن يكون لهم اطلاع واسع على ما يقوله المخالفون أو يكتبونه في حق الإسلام، حتى يقضوا على الشبه والأراجيف التي يلقونها كالعثرات في سبيل الدين، ويتصدوا لإماطتها بدلائل تلائم أذواق الناشئين بأسلوب بيانها وطرق منطقها، وكم من عقيدة ارتخت وفطرة كانت صافية فأغبرت وإنما أتاها البلاء من فساد طريقة التعليم وقلة مراعاة حال العصر وإخراج الحقائق في عبارات سائغة ونظام مألوف. "خ". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 ما بين المعقوفتين سقط من "ط".

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: كَمَا أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ قاعدة كلية في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات، فَلَا تَرْفَعُهَا آحَادُ الْجُزْئِيَّاتِ كَذَلِكَ نَقُولُ: إِذَا ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَوْ فِي آحَادِهَا1، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقُومُ بِهِ الْكُلِّيُّ وَذَلِكَ الْجُزْئِيَّاتُ، فَالْجُزْئِيَّاتُ مَقْصُودَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي إِقَامَةِ الْكُلِّيِّ أَنْ2 لَا يَتَخَلَّفَ الْكُلِّيُّ فَتَتَخَلَّفَ مَصْلَحَتُهُ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّشْرِيعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: - مِنْهَا: وُرُودُ الْعَتَبِ عَلَى التَّارِكِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، كَتَرْكِ الصَّلَاةِ، أَوِ الْجَمَاعَةِ، أَوِ الْجُمْعَةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْجِهَادِ، أَوْ مُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِ أَمْرٍ مَطْلُوبٍ أَوْ مَهْرُوبٍ عَنْهُ، كَانَ الْعَتَبُ وَعِيدًا أَوْ غَيْرَهُ، كَالْوَعِيدِ بِالْعَذَابِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَالتَّجْرِيحِ فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. - وَمِنْهَا: أَنَّ عَامَّةَ التَّكَالِيفِ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهَا دَائِرَةٌ على القواعد الثلاث، والأمر والنهي فيما قَدْ جَاءَ حَتْمًا، وَتَوَجَّهَ الْوَعِيدُ عَلَى فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْهَا أَوْ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ وَلَا مُحَاشَاةٍ، إِلَّا فِي مَوَاضِعِ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُسْقِطُ أَحْكَامَ الْوُجُوبِ أَوِ التَّحْرِيمِ، وَحِينَ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ دَاخِلَةٌ مَدْخَلَ الْكُلِّيَّاتِ فِي الطَّلَبِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا. - وَمِنْهَا: أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً مَقْصُودَةً فِي إِقَامَةِ الْكُلِّيِّ، لَمْ يَصِحَّ الْأَمْرُ بِالْكُلِّيِّ مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّ الْكُلِّيَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ لَا يَصِحُّ الْقَصْدُ فِي التَّكْلِيفِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِأَمْرٍ مَعْقُولٍ لَا يَحْصُلُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي ضِمْنِ الْجُزْئِيَّاتِ، فَتَوَجُّهُ الْقَصْدِ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ التَّكْلِيفُ بِهِ تَوَجُّهٌ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ،

_ 1 في "ط": "أحدها". 2 بدل من إقامة "د".

وَذَلِكَ مَمْنُوعُ الْوُقُوعِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِحُصُولِ الْجُزْئِيَّاتِ، فَالْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْجُزْئِيَّاتِ1. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكُلِّيِّ هُنَا أَنْ تَجْرِيَ أُمُورُ الْخَلْقِ عَلَى تَرْتِيبٍ وَنِظَامٍ وَاحِدٍ لَا تَفَاوُتَ فيه ولا اختلاف، وإهمال القصد في الجزئيات2 يَرْجِعُ إِلَى إِهْمَالِ الْقَصْدِ فِي الْكُلِّيِّ، فَإِنَّهُ مع الإهمال لا يرجي كُلِّيًّا بِالْقَصْدِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مَقْصُودًا، هَذَا خُلْفٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ صِحَّةِ الْقَصْدِ إِلَى حُصُولِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ، فَانْحَتَمَ الْقَصْدُ إِلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

_ 1 هذا وحده غير كاف في الدليل، لأنه محتاج إلى إثبات أن ذلك في جميع الجزئيات وسيأتي تكميله بقوله: "وَلَيْسَ الْبَعْضُ فِي ذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ.... إلخ"، إلا أنه يبقى الكلام في تأخير هذه المقدمة عن الدليل المشار إليه بقوله: وأيضا، فإن القصد.... إلخ"، فهل ذلك لأنه محتاج إليها في إكماله؟ كما أن هذا محتاج إليها، فإن كان كذلك، كان تأخرها لتعود إليهما معا تكملة لهما، وربما يساعد على أن هذا غرضه قوله في نهاية الدليل الثاني: "فلا بد من صحة القصد إلى حصول الجزئيات"، فيكون مساويا لما فرعه على الدليل الذي نحن بصدده حيث قال: "فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات، يعني: ويكون كل من الدليلين محتاجا إلى هذه التكملة الأخيرة. ولكن الذي يظهر أن الدليل الأخير لا يحتاج إليها؛ لأن القصد بالكلي أن لا يكون تفاوت بين الخلق في الترتيب والنظام، فإذا أهمل القصد في بعض الجزئيات، اقتضى أن لا يجري كليا بالقصد، أي: فتخلف أي جزئي ينافي هذا القصد الكلي، وعليه يتم الدليل، ولا حاجة لقوله: "وليس البعض أولى.... إلخ". وإذا تم هذا، كان المناسب تقديم هذه المقدمة قبل قوله: "وأيضا"، ولو قال قائل: إنها مؤخرة عن موضعها بعمل النساخ لم يبعد. "د". 2 أي: في أي جزئي، هذا الذي يقتضيه روح الدليل بعد تقرير الدليل قبله، لأنه لا يناسب أن يقال: إنه يكفي النظر إلى الجزئيات مطلقا كلا أو بعضا، لأن هذا هو ما قبله من لزوم النظر إلى الجزئيات الخارجية التي يكون بها التكليف، وأيضا، فقد قال: "لا يجري كليا بالقصد إذا أهملت الجزئيات"، فتعين قصد جميع الجزئيات لا بعضها، فتنبه لتقف على وجه ما قلناه من أن الدليل الأخير تام بدون التكملة. "د".

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُعَارِضُ الْقَاعِدَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ لَا يَقْدَحُ فِيهَا تَخَلُّفُ آحَادِ الْجُزْئِيَّاتِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ صَحِيحَةٌ، وَلَا مُعَارَضَةَ فِيهَا لِمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مُعْتَبَرٌ مِنْ حَيْثُ السَّلَامَةِ مِنَ الْعَارِضِ الْمُعَارِضِ، فَلَا شَكَّ فِي انْحِتَامِ الْقَصْدِ إِلَى الْجُزْئِيِّ1، وَمَا تَقَدَّمَ مُعْتَبَرٌ مِنْ حَيْثُ وُرُودِ الْعَارِضِ عَلَى الْكُلِّيِّ، حَتَّى إِنَّ تَخَلُّفَ الْجُزْئِيِّ هُنَالِكَ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْجُزْئِيِّ فِي كُلِّيِّهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كَمَا نَقُولُ: إِنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مَشْرُوعٌ- وَهَذَا كُلِّيٌّ مَقْطُوعٌ بِقَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرَعَ الْقِصَاصَ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ، فَقَتْلُ النَّفْسِ فِي الْقِصَاصِ مُحَافَظَةٌ عَلَيْهَا بِالْقَصْدِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَخَلُّفُ جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْكُلِّيِّ الْمُحَافَظِ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِتْلَافُ هَذِهِ النَّفْسِ لِعَارِضٍ عَرَضَ وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ، فَإِهْمَالُ هَذَا الْجُزْئِيِّ فِي كُلِّيِّهِ [مِنْ جِهَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى جُزْئِيٍّ فِي كَلَيِّهِ أَيْضًا، وَهُوَ النَّفْسُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا، فَصَارَ عَيْنُ اعْتِبَارِ الْجُزْئِيِّ فِي كُلِّيٍّ] 2 هُوَ عَيْنُ إِهْمَالِ الْجُزْئِيِّ3، لَكِنْ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّيِّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَهَكَذَا سائر ما يرد من هذا الباب.

_ 1 أي: الذي بقي سالما من المعارض، أما ما تقدم، فهو في موضوع أنه يتخلف الجزئي عن الكلي لمعارض أخرجه من هذا الكلي وأدخله في كلي آخر، أو يكون عارضه اعتبار جزئي آخر لهذا الكلي ورجح عليه، وليس معناه أنه مع بقائه داخلا في هذا الكلي بدون معارضة يتخلف عنه ولا يأخذ حكمه من أمر أو نهي، فشتان ما بين الموضعين، ومثاله فيه إهمال لجزئي من قاعدة حفظ النفس لاعتبار جزئي آخر منها يعارضه اعتبار هذا المهمل، وإن كان في كل منهما أصل المحافظة على الكلي، لكنه أهمل أحدهما وهو المحافظة على الجاني بسبب جنايته. "د". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وفي "ط": "كليه هو عين....". 3 أي: إن اعتبار الجزئي وهو حفظ النفس المجني عليها إهمال للجزئي الآخر من هذا الكلي، وهو حفظ النفس الجانية، فأهمل هذا وأتلفت. "د".

فَعَلَى هَذَا تَخَلُّفُ آحَادِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ مُقْتَضَى الْكُلِّيِّ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ عَارِضٍ، فَلَا يَصِحُّ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ، فَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى ذَلِكَ الْكُلِّيِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَوْ عَلَى كُلِّيٍّ آخَرَ1، فَالْأَوَّلُ يَكُونُ قَادِحًا تَخَلُّفُهُ فِي الْكُلِّيِّ، وَالثَّانِي لَا يَكُونُ تَخَلُّفُهُ قادحا.

_ 1 أي: كلي آخر أشد رعاية من هذا الكلي، كقتل تارك الصلاة عمدا، لم يحافظ على هذا الجزئي من كلي حفظ النفس، رعاية لكلي آخر أقوى منه في الرعاية وهو حفظ الدين "د".

النوع الثاني: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام

النَّوْعُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلْإِفْهَامِ وَيَتَضَمَّنُ مَسَائِلَ1 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُبَارَكَةَ عَرَبِيَّةٌ، لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلْأَلْسُنِ الْعَجَمِيَّةِ، وَهَذَا- وَإِنْ كَانَ مُبَيَّنًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ2، أَوْ فِيهِ أَلْفَاظٌ أَعْجَمِيَّةٌ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، فَوَقَعَ فِيهِ الْمُعَرَّبُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَصْلِ كَلَامِهَا-، فَإِنَّ هَذَا البحث

_ 1 المسائل الخمس الأولى تحتوي على مبادئ قيمة وضرورية في فهم القرآن والسنة وتحصيل مقاصدها، وهي ليست من المقاصد، وإنما هي ضوابط لفهم مقاصد الشارع، وقد بحث المصنف المسألة الأولى في كتابه "الاعتصام" "2/ 293- 297"، وأفاد أنها من "الأدوات التي بها تفهم المقاصد". 2 وعلى رأسهم الإمام الشافعي في "الرسالة" "50"، وأبو عبيدة معمر بن المثنى في "مجاز القرآن" 1/ 17، 28"، والطبري في "تفسيره" "1/ 8"، وابن فارس في "الصاحبي" "60 - 62"، وابن العربي في "أحكام القرآن" "4/ 1652- 1653"، وانظر: "البرهان في علوم القرآن". "1/ 249"، و"روضة الناظر" "1/ 184- 185"، و"المسودة" "174"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "32/ 255"، و"الإتقان" "1/ 136 وما بعدها"، و"الكتاب والسنة من مصادر الفقه الإسلامي" "ص 41- 43" لمحمد البنا، ط مطابع سجل العرب، ط الثالثة، سنة 1969م، و"من الدراسات القرآنية" لعبد العال سالم مكرم "ص 49- 64".

عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ هُنَا. وَإِنَّمَا الْبَحْثُ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَطَلَبُ فَهْمِهِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ خَاصَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يُوسُفَ: 2] . وَقَالَ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشُّعَرَاءِ: 195] . وَقَالَ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النَّحْلِ: 103] . وَقَالَ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فُصِّلَتْ: 44] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ1 عَلَى أَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ، لَا أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَلَا بِلِسَانِ الْعَجَمِ، فَمَنْ أَرَادَ تَفَهُّمَهُ، فَمِنْ جِهَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ يُفْهَمُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَطَلُّبِ فَهْمِهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ جَاءَتْ فِيهِ أَلْفَاظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَجَمِ، أَوْ لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَتِ الْعَرَبُ قَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ، وَجَرَى فِي خِطَابِهَا، وَفَهِمَتْ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ إِذَا تَكَلَّمَتْ بِهِ صَارَ مِنْ كَلَامِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَدَعُهُ عَلَى لَفْظِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَجَمِ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ حُرُوفُهُ فِي الْمَخَارِجِ وَالصِّفَاتِ كَحُرُوفِ الْعَرَبِ، وَهَذَا يَقِلُّ وُجُودُهُ2، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مَنْسُوبًا إِلَى الْعَرَبِ، فَأَمَّا إِذَا3 لَمْ تَكُنْ حُرُوفُهُ كَحُرُوفِ الْعَرَبِ، أَوْ كان بعضها كذلك دون

_ 1 في الأصل: "دل". 2 قالوا: إن لفظ "تنور" اتفقت فيه اللغة العربية مع اللغات الأعجمية لفظا ومعنى، وقالوا: إن لفظ "صابون" اشترك فيه مع العربية جملة من اللغات الأعجمية. "د". 3 في الأصل: "إن".

بَعْضٍ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَرُدَّهَا حُرُوفِهَا، وَلَا تَقْبَلَهَا عَلَى مُطَابَقَةِ حُرُوفِ الْعَجَمِ أَصْلًا، وَمِنْ أَوْزَانِ الْكَلِمِ مَا تَتْرُكُهُ عَلَى حَالِهِ فِي كَلَامِ الْعَجَمِ، وَمِنْهَا مَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالتَّغْيِيرِ كَمَا تَتَصَرَّفُ فِي كَلَامِهَا، وَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، صَارَتْ تِلْكَ الْكَلِمُ مَضْمُومَةً إِلَى كَلَامِهَا كَالْأَلْفَاظِ الْمُرْتَجَلَةِ وَالْأَوْزَانِ الْمُبْتَدَأَةِ لَهَا، هَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا نِزَاعَ فِيهِ وَلَا إِشْكَالَ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْخِلَافُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ1 فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ تُوضَعَ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ يَنْبَنِي عَلَيْهَا اعْتِقَادٌ، وَقَدْ كَفَى اللَّهُ مَؤُونَةَ الْبَحْثِ فِيهَا بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيَّةِ. فَإِنْ2 قُلْنَا: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا عُجْمَةَ فِيهِ، فَبِمَعْنَى أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَى لسان معهود العرب فِي أَلْفَاظِهَا الْخَاصَّةِ وَأَسَالِيبِ مَعَانِيهَا، وَأَنَّهَا فِيمَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ مِنْ لِسَانِهَا تُخَاطِبُ بِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ ظَاهِرُهُ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ فِي وَجْهٍ وَالْخَاصُّ فِي وَجْهٍ، وَبِالْعَامِّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ، وَالظَّاهِرُ3 يُرَادُ بِهِ غَيْرُ الظَّاهِرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ، [وَتَتَكَلُّمُ بِالْكَلَامِ يُنْبِئُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ، أَوْ آخِرُهُ عَنْ أَوَّلِهِ] 4، وَتَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ يُعْرَفُ بِالْمَعْنَى كَمَا يُعْرَفُ بِالْإِشَارَةِ، وَتُسَمِّي الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِأَسْمَاءَ كَثِيرَةٍ، وَالْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ بِاسْمٍ وَاحِدٍ، وَكُلُّ هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهَا لَا تَرْتَابُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ هِيَ وَلَا مَنْ تَعَلَّقَ بِعِلْمِ كلامها.

_ 1 قال الآمدي: "اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية، فأثبته ابن عباس وعكرمة، ونفاه آخرون"، فالخلاف قديم، ومحله أسماء الأجناس لا الأعلام. "د". 2 في "ط": "فإذا". 3 في الأصل و"ط": "وظاهر". 4 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْقُرْآنُ فِي مَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَكَمَا أَنَّ لِسَانَ بَعْضِ1 الْأَعَاجِمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ جِهَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ، كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ لِسَانُ الْعَرَبِ مِنْ جِهَةِ فَهْمِ لِسَانِ الْعَجَمِ، لِاخْتِلَافِ الْأَوْضَاعِ وَالْأَسَالِيبِ، وَالَّذِي نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الشَّافِعِيُّ الْإِمَامُ، فِي "رِسَالَتِهِ"2 الْمَوْضُوعَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُ لَمْ يَأْخُذْهَا هَذَا الْمَأْخَذَ، فَيَجِبُ التنبه لذلك، وبالله التوفيق.

_ 1 كتب في هامش الأصل ما نصه: "لعل الصواب إسقاط لفظ بعض لأن "جميع" ألسنة العجم لا تفهم من جهة لسان العرب، والله أعلم". 2 "ص 50 وما بعدها" بتحقيق الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَلْفَاظٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ نَظَرَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَلْفَاظًا وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةً، دَالَّةً عَلَى مَعَانٍ مُطْلَقَةٍ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ الْأَصْلِيَّةُ. وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَلْفَاظًا وَعِبَارَاتٍ مُقَيَّدَةً دَالَّةً عَلَى مَعَانٍ خَادِمَةٍ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ التَّابِعَةُ1. فَالْجِهَةُ الْأُولَى: هِيَ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الْأَلْسِنَةِ، وَإِلَيْهَا تَنْتَهِي مَقَاصِدُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَلَا تَخْتَصُّ بِأُمَّةٍ دُونَ أُخْرَى، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ فِي الْوُجُودِ فِعْلٌ لِزَيْدٍ مَثَلًا كَالْقِيَامِ، ثُمَّ أَرَادَ كُلُّ صَاحِبِ لِسَانٍ الْإِخْبَارَ عَنْ زَيْدٍ بِالْقِيَامِ، تأتَّى لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُمْكِنُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْإِخْبَارُ عَنْ أَقْوَالِ الْأَوَّلِينَ -مِمَّنْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ- وَحِكَايَةُ كَلَامِهِمْ، ويتأتَّى فِي لِسَانِ الْعَجَمِ حِكَايَةُ أَقْوَالِ الْعَرَبِ وَالْإِخْبَارُ عَنْهَا، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَأَمَّا الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَخْتَصُّ2 بِهَا لِسَانُ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ الْحِكَايَةِ وَذَلِكَ الْإِخْبَارُ، فَإِنَّ كُلَّ خَبَرٍ يَقْتَضِي فِي هَذِهِ الْجِهَةِ أُمُورًا خَادِمَةً لِذَلِكَ الْإِخْبَارِ، بِحَسَبِ [الخبر والمخبر و] المخبر عَنْهُ وَالْمُخْبَرِ بِهِ، وَنَفْسِ الْإِخْبَارِ، فِي الْحَالِ وَالْمَسَاقِ، وَنَوْعِ الْأُسْلُوبِ: مِنَ الْإِيضَاحِ، وَالْإِخْفَاءِ، وَالْإِيجَازِ، وَالْإِطْنَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّكَ تَقُولُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِخْبَارِ: "قَامَ زَيْدٌ" إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ عِنَايَةٌ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ، بَلْ بِالْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ قُلْتَ: "زَيْدٌ قَامَ"، وَفِي جَوَابِ السُّؤَالِ أَوْ مَا هُوَ مُنَزَّلٌ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ: "إِنَّ زَيْدًا قَامَ"، وَفِي جَوَابِ المنكر

_ 1 وتنتقل حيث انتقل المتبوع 2 في نسخة "ماء/ ص 137": "اختص".

لِقِيَامِهِ: "وَاللَّهِ إِنَّ زَيْدًا قَامَ"، وَفِي إِخْبَارِ مَنْ يَتَوَقَّعُ قِيَامَهُ أَوِ الْإِخْبَارَ بِقِيَامِهِ: "قَدْ قَامَ زَيْدٌ"، أَوْ: "زَيْدٌ قَدْ قَامَ"، وَفِي التَّنْكِيتِ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ: "إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ". ثُمَّ يَتَنَوَّعُ أَيْضًا بِحَسَبِ تَعْظِيمِهِ أَوْ تَحْقِيرِهِ -أَعْنِي: الْمُخْبَرَ عَنْهُ- وَبِحَسَبِ الْكِنَايَةِ عَنْهُ وَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَبِحَسَبِ مَا يُقْصَدُ فِي مَسَاقِ الْأَخْبَارِ، وَمَا يُعْطِيهِ مُقْتَضَى الْحَالِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا، وَجَمِيعُ ذَلِكَ دَائِرٌ حَوْلَ الْإِخْبَارِ بِالْقِيَامِ عَنْ زَيْدٍ. فَمِثْلُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْكَلَامِ الْوَاحِدِ بِحَسَبِهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ، وَلَكِنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ وَمُتَمِّمَاتِهِ، وَبِطُولِ الْبَاعِ فِي هَذَا النَّوْعِ يَحْسُنُ مَسَاقُ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُنْكَرٌ، وَبِهَذَا النَّوْعِ الثَّانِي اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَقَاصِيصِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ يَأْتِي مَسَاقُ الْقِصَّةِ فِي بَعْضِ السُّورِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي بعضها على وجه آخر، وفي ثالث عَلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ، وَهَكَذَا مَا تَقَرَّرَ1 فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارَاتِ لَا بِحَسَبِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ، إِلَّا إِذَا سَكَتَ عَنْ بَعْضِ التَّفَاصِيلِ فِي بَعْضٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضٍ، وَذَلِكَ أَيْضًا لِوَجْهٍ اقْتَضَاهُ الْحَالُ وَالْوَقْتُ2، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] . فصل: وإذا ثبت هذ، فَلَا يُمْكِنُ مَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الْوَجْهَ الْأَخِيرَ أَنْ يُتَرْجِمَ كَلَامًا مِنَ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ بِكَلَامِ الْعَجَمِ عَلَى حَالٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَرْجِمَ القرآن3 وينقل إلى

_ 1 في "ط": "تكرر". 2 انظر في هذا: رسالة محمد بن إسماعيل الصنعاني "الإيضاح والبيان في تحقيق عبارات قصص القرآن"، نشر مكتبة الإرشاد- صنعاء. 3 لا تتيسر ترجمة القرآن بالنظر إلى مستتبعات التراكيب "أعنى: المباني التي يرتفع بها شأن الكلام، كما أن من الآيات ما يحتمل معاني متعددة، والمترجم إنما يمكنه نقله إلى لغة أخرى بإحدى تلك المعاني، كما في قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} ، فقد رأيت مترجم القرآن إلى اللسان الألماني سلك في ترجمة لفظ الإبل معنى السحاب الذي هو أحد الوجهين في تفسيرها. "خ".

لِسَانٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ، إِلَّا مَعَ فَرْضِ اسْتِوَاءِ اللِّسَانَيْنِ فِي اعْتِبَارِهِ عَيْنًا، كَمَا إِذَا اسْتَوَى اللِّسَانَانِ فِي اسْتِعْمَالِ مَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ مَعَ لِسَانِ الْعَرَبِ، أَمْكَنَ أَنْ يُتَرْجَمَ أَحَدُهُمَا إلى آخر، وَإِثْبَاتُ مِثْلِ هَذَا بِوَجْهٍ بَيِّنٌ عسيرٌ جِدًّا، وَرُبَّمَا أَشَارَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَنْطِقِ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كافٍ وَلَا مغنٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَقَدْ نَفَى ابْنُ قُتَيْبَةَ1 إِمْكَانَ التَّرْجَمَةِ فِي الْقُرْآنِ -يَعْنِي: عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الثَّانِي- فَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ مُمْكِنٌ، وَمِنْ جِهَتِهِ صَحَّ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ لِلْعَامَّةِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَهْمٌ يَقْوَى عَلَى تَحْصِيلِ مَعَانِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَصَارَ هَذَا الِاتِّفَاقُ حُجَّةً فِي صِحَّةِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ2. فَصْلٌ: وَإِذَا اعْتَبُرِتِ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْأُولَى وُجِدَتْ كَوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا، لِأَنَّهَا كَالتَّكْمِلَةِ لِلْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الْوَضْعِ لِلْإِفْهَامِ، وَهَلْ تُعَدُّ مَعَهَا كَوَصْفٍ مِنَ

_ 1 في كتابه: "تأويل مشكل القرآن" "ص 21" طبعة الشيخ أحمد صقر رحمه الله، وتبعه على هذا ابن فارس في كتابه "الصاحبي" "ص 16- 25"، وبحث فيه موضوع الترجمة بحث خبير، ورد فيه على الرواية المرجوحة لأبي حنيفة رد بصير، وإلى ابن فارس هذا كانت تضرب آباط الإبل، وعند جهينة الخبر اليقين، وانظر: "الكتاب والسنة" لمحمد البنا "ص 45 وما بعدها". 2 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "6/ 542".

الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ؟ أَوْ هِيَ كَوَصْفٍ1 غَيْرِ ذَاتِيٍّ؟ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَبَحْثٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ جُمْلَةٌ، إِلَّا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهَا كافٍ، فَإِنَّهُ كَالْأَصْلِ لِسَائِرِ الْأَنْظَارِ الْمُتَفَرِّعَةِ، فَالسُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى، وَبِاللَّهِ التوفيق.

_ 1 في نسخة "ماء/ ص 139": "وصف". وفي "ط": "أم هي".

الْمُسَالَةُ الثَّالِثَةُ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ أُمِّيَّةٌ1؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا كَذَلِكَ، فَهُوَ أَجْرَى2 عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الْمُتَوَاتِرَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الْجُمُعَةِ: 2] . وَقَوْلِهِ: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} [الأعراف: 158] .

_ 1 أي: لا تحتاج في فهمها وتعرف أوامرها ونواهيها إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضيات وما إلى ذلك، والحكمة في ذلك: أولا: أن من باشر تلقيها من الرسول صلى الله عليه وسلم أميون على الفطرة كما سيشرحه المؤلف. ثانيا: فإنها لو لم تكن كذلك، لما وسعت جمهور الخلق من عرب وغيرهم، فإنه كان يصعب على الجمهور الامتثال لأوامرها ونواهيها المحتاجة إلى وسائل علمية لفهمها أولا، ثم تطبيقها ثانيا، وكلاهما غير ميسور لجمهور الناس المرسل إليهم من عرب وغيرهم، وهذا كله فيما يتعلق بأحكام التكليف، لأنه عام يجب أن يفهمه العرب والجمهور ليمكن الامتثال، أما الأسرار والحكم والمواعظ والعبر، فمنها ما يدق عن فهم الجمهور ويتناول بعض الخواص منه شيئا فشيئا بحسب ما يسره الله لهم وما يلهمهم به، وذلك هو الواقع لمن تتبع الناظرين في كلام الله تعالى على مر العصور، يفتح على هذا بشيء ولم يفتح به على الآخر، وإذا عرض على الآخرة أقره على أنه ليست كل الأحكام التكليفية التي جاءت في الكتاب والسنة مبذولة ومكشوفة للجمهور، وإلا لما كان هناك خواص مجتهدون وغيرهم مقلدون حتى في عصر الصحابة، وكل ما يؤخذ من مثل حديث "نحن أمة أمية" ما ذكرناه على أن التكاليف لا تتوقف في امتثالها على وسائل علمية وعلوم كونية وهكذا. "د". قلت: "انظر تفصيلا قويا حول هذا في "السير" "14/ 191- 192" للذهبي، والمراجع المذكورة في تعليقنا على آخر هذه المسألة. 2 أي: فإن تنزيل الشريعة على مقتضى حال المنزل عليهم أوفق برعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم. "د".

وَفِي الْحَدِيثِ: "بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ" 1 لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِعُلُومِ الْأَقْدَمِينَ، وَالْأُمِّيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ وِلَادَةِ الْأُمِّ لَمْ يَتَعَلَّمْ كِتَابًا وَلَا غَيْرَهُ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا2. وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نَكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا" 3، وَقَدْ فَسَرَ مَعْنَى الْأُمِّيَّةِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ: لَيْسَ لَنَا عِلْمٌ بِالْحِسَابِ وَلَا الْكِتَابِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 48] . وَمَا أَشْبَهَ هَذَا4 مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الدالة على أن

_ 1 سيأتي نحوه "ص 138". 2 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "17/ 435 و25/ 167". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكتب ولا نحسب"، 4/ 126/ رقم 1913"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 2/ 761 / رقم 1080 بعد 15" من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ: "إنا أمة....." بتقديم "نكتب" على "نحسب"، ومضى "1/ 56". 4 أخذ بظاهر حديث البخاري المروي في عمرة القضاء والكتابة إلى قريش وطائفة من العلماء، ففهموا أن الكتابة مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الحقيقة، وممن ذهب إلى هذا أبو الفتح النيسابوري وأبو ذر وأبو الوليد الباجي، وقد قام في وجه أبي الوليد فريق من علماء عصره كأبي بكر بن الصائغ وأبي محمد بن مفوز، ولكن علماء صقلية وافقوا أبا الوليد على هذه المقالة، والحق أن أبا الوليد لم يأت أمرا يقدح في المعجزة كما يدعي خصومه، إذ آية {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ} ، إنما نفت عن النبي عليه السلام الكتابة قبل نزول القرآن، وبقي الحال فيما بعد مسكوتًا عنه، ولكن أبا الوليد تشبث بسندٍ واهٍ وهو مجرد إسناد الكتابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ الحديث، وليس إسناد الأمر إلى الرئيس وقد فعله أحد أتباعه عن أمره بعزيز "خ". قلت: وفتوى الباجي مع أجوبة العلماء عليها منشورة بتحقيق أبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، مع دراسة ضافية له في المقدمة في بيان معاني النصوص الواردة في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم بعنون "تحقيق المذهب"، وفيه "ص 243- 281" جواب ابن مفوز.

الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى وَصْفِ الْأُمِّيَّةِ لِأَنَّ أَهْلَهَا كَذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بُعِثَ بِهَا النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْعَرَبِ خُصُوصًا وَإِلَى مَنْ سِوَاهُمْ عُمُومًا، إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى نِسْبَةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مَنْ وَصْفِ الْأُمِّيَّةِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا أُمِّيَّةً، أَيْ: مَنْسُوبَةً إِلَى الْأُمِّيِّينَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَزِمَ أَنْ تَكُونَ عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدُوا، فَلَمْ تَكُنْ لِتَتَنَزَّلَ1 مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَنْزِلَةً مَا تُعْهَدُ، وَذَلِكَ خِلَافُ مَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا يَعْهَدُونَ، وَالْعَرَبُ2 لَمْ تَعْهَدْ إِلَّا مَا وَصَفَهَا اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأُمِّيَّةِ، فَالشَّرِيعَةُ إِذًا أُمِّيَّةٌ. وَالثَّالِثُ 3: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يَعْهَدُونَ لم يكن عندهم معجزا.

_ 1 في النسخ المطبوعة: "لتنزل". 2 وأما غيرهم، فهو تابع، والتابع لا حكم له. 3 جعل هذا الثالث دليلا على أنه يجب أن تكون على ما عهدوا حتى تكون حجة عليهم، وقد كان كونها على ما عهدوا دليلا بنفسه على أنها أمية، وعليه، فليس الدليل الثاني إلا دعوى محتاجة إلى الدليل الثالث، ولا يصلح أن يكون دليلا بنفسه إلا أن يبقى الكلام في هذا الدليل الثالث فيقال: هل لو جاءت الشريعة على طريق يحتاج لعلوم كونية ووسائل فلسفية، ولكنها صيغت في القالب العربي المعجز لهم عن الإتيان بمثله، بحيث يفهمون معناه والغرض منه، وإن كانوا في تطبيقه وتعرف مبنى أحكامه محتاجين إلى تلك الوسائل، كما إذا بنى أوقات الصلوات الخمس على مواعيد تحتاج إلى الآلات والتقاويم الفلكية، ولم يكتف بالمشاهدات الحسية كما صنع في الزوال والغروب والشفق إلخ، أو بنى الصوم لا على رؤية الهلال بالبصر، بل وضع القاعدة على لزوم معرفة علم الميقات لمعرفة أول رمضان، لو كان الشارع بدل أن يبني الأحكام على الأمور الحسية التي تسع جميع الخلق بناها على أمور علمية كما صورنا، هل كان ذلك يمنع عن فهم القرآن وغرضه، ويكون الحال مثل ما إذا جاء بلغة أعجمية بالنسبة للعرب؟ الجواب بالنفي، غايته أنه يكون في تكاليفها مشاق على أكثر الخلق بإلزامهم بتعرف هذه الوسائل ليطبقوا أوامر الشريعة حسبما أرادت، أما أنهم يعجزون عن فهم الكتاب حتى لا يكون حجة، فليس بظاهر لأن حجيته عليهم جاءت من جملة أمور أهمها عندهم أنه كلام من جنس كلامهم في كل شيء إلا أنه بأسلوب أعجزهم عن الإتيان بمثله. "د".

وَلَكَانُوا يَخْرُجُونَ عَنْ مُقْتَضَى التَّعْجِيزِ بِقَوْلِهِمْ: هَذَا عَلَى غَيْرِ مَا عَهِدْنَا، إِذْ لَيْسَ لَنَا عَهْدٌ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ كَلَامَنَا مَعْرُوفٌ مَفْهُومٌ عِنْدَنَا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَفْهُومٍ وَلَا مَعْرُوفٍ، فَلَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فُصِّلَتْ: 44] ، فَجَعَلَ الْحُجَّةَ1 عَلَى فَرْضِ كَوْنِ الْقُرْآنِ أَعْجَمِيًّا، وَلَمَّا قَالُوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النَّحْلِ: 103] ، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النَّحْلِ: 103] ، لَكِنَّهُمْ أذغنوا لِظُهُورِ الْحُجَّةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ به وعهدم بِمِثْلِهِ، مَعَ الْعَجْزِ عَنْ مُمَاثَلَتِهِ، وَأَدِلَّةُ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ2. فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ لَهَا اعْتِنَاءٌ بِعُلُومٍ ذَكَرَهَا النَّاسُ3، وَكَانَ لِعُقَلَائِهِمِ اعتناء بمكارم الأخلاق، واتصاف بمحاسن الشيم، فَصَحَّحَتِ الشَّرِيعَةُ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ وَزَادَتْ عَلَيْهِ، وَأَبْطَلَتْ مَا هُوَ بَاطِلٌ، وَبَيَّنَتْ مَنَافِعَ مَا يَنْفَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَضَارَّ مَا يَضُرُّ منه. فمن هذه العلوم: عِلْمُ النُّجُومِ: وَمَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الِاهْتِدَاءِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ بِاخْتِلَافِ سَيْرِهَا، وَتَعَرُّفِ مَنَازِلِ سَيْرِ النَّيِّرَيْنِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا

_ 1 في "ط": "فجعل لهم الحجة". 2 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "5/ 157". 3 تجد تفصيل هذه العلوم على وجه مستوعب في "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" لمحمود شكري الآلوسي، وهو مطبوع، وفي آخر المجلد الأول من "صبح الأعشى".

الْمَعْنَى، وَهُوَ مَعْنًى مُقَرَّرٌ فِي أَثْنَاءِ الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الْأَنْعَامِ: 97] وَقَوْلِهِ: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النَّحْلِ: 16] . وَقَوْلِهِ: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 39- 40] . وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يُونُسَ: 5] . وَقَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} الآية [الإسراء: 12] . وَقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الْمُلْكِ: 5] . وَقَوْلِهِ: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [الْبَقَرَةِ: 189] . وَمَا أشبه ذلك1.

_ 1 لو لم يكن لهم علم بسير النجوم بالمقدار الذي ينسبه لهم، فهذه الآيات يمكن فهمها لهم بعد لفت نظرهم إليها، إنها لا تحتاج إلا إلى التدبر في تطبيقها بطريق المشاهدة، على أن علم النجوم لم يكن لجمهورهم بل للبعض القليل الذي كان يستعمل غالبا دليلا للقوافي* في سير الليل ومع ذلك، فلم يتوقف الجمهور في فهمها، ومثله يقال في علوم الأنواء أن ذلك ليس لجمهورهم، بدليل ما رواه عن عمر وسؤاله للعباس، فإذا كان مثل عمر ليس عارفا، فما ذلك إلا لأن هذا يختص به جماعة منهم، كما هو الحال عندنا اليوم، الملاحون يعرفون كثيرا من هذه الأنواء وشأن الرياح، وهي أسباب عادية غير مطردة، ولا يعرفها الجمهور الذين عنايتهم بما يتسببون فيه لمعاشهم يعرفون=

وَمِنْهَا: عُلُومُ الْأَنْوَاءِ 1 وَأَوْقَاتُ نُزُولِ الْأَمْطَارِ، وَإِنْشَاءُ السَّحَابِ، وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ الْمُثِيرَةِ لَهَا، فَبَيَّنَ الشَّرْعُ حَقَّهَا مِنْ بَاطِلِهَا، فَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} الآية [الرعد: 12-13] . وَقَالَ: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الْوَاقِعَةِ: 68-69] . وَقَالَ: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النَّبَأِ: 14] . وَقَالَ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} [الْوَاقِعَةِ: 82] خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} [الْوَاقِعَةِ: 82] ، قَالَ: "شُكْرُكُمْ، تَقُولُونَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، وَبِنَجْمِ كَذَا

_ = منه ما لا يعرفه فيه غيرهم، وقد قال في الآية الثانية: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُون} ، ثم قال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُون} ، فهل كان للعرب من علوم الزراعة وتكوين المني وخلق الإنسان ما تفهم فيه مثل هذا ومثل: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِب} ، ومثل أدوار الجنين: {نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ} إلخ، ومثل قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَه} ، فإن معرفة أن تسوية الأصابع على ما هي عليه يعد من أدق تكوين الإنسان وكمال صنعته، حيث امتازت تقاسيم الجلد الكاسي لها، فلا يوجد تشابه بين شخص وآخر في هذه التقاسيم، حتى نبه الله سبحانه إليها وقال: {بَلَى} ، أي: نجمعها قادرين على جمعها وتسويتها على أدق ما يكون كما في تسوية البنان، إن هذا لا يعرفه العرب ووجه إليهم الخطاب به، وقد فهم سره في هذا العصر، وانبنى عليه علم تشبيه الأشخاص "ببصمة الأصابع"، وجعلت له إدارة تسمى "تحقيق الشخصية"، الواقع أن هذه وغيرها مما لا يحصى أمور كونية عامة يفهمها كل من توجه إليه الخطاب بفهمها والاستدلال بها على الصانع الحكيم القادر. "د". 1 انظر في ذلك كتاب "الأنواء" لابن قتيبة، و"أحكام القرآن" "3/ 1149-1150" لابن العربي.

وَكَذَا" 1. وَفِي الْحَدِيثِ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بي وكافر [بي] " 2 الحديث في الأنواء.

_ 1 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، 1/ 84/ رقم 73"، وأبو عوانة في "مسنده" "1/ 27"،والبيهقي في "الكبرى" "3/ 358" من حديث ابن عباس، قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليم وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر"، قالوا هذه رحمة الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا": قال: نزلت هذه الآية: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم} ، حتى بلغ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} . وأخرج اللفظ الذي أورده المصنف الترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الواقعة، 5/ 401-402/ رقم 3295"، وأحمد في "المسند" "1/ 108"، وابنه عبد الله في "زياداته عليه" "1/ 131" والبزار في "البحر الزخار" "2/ 208/ رقم 593"، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" "2/ 1068- 1069/ 775" من حديث علي مرفوعا، وقال الترمذي عقبه: "هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث إسرائيل، ورواه سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي نحوه، ولم يرفعه". قلت: رواية الوقف أشبه وأصح، وما كان ينبغي للمصنف عفا الله عنا وعنه إهمال تعليق الترمذي على الحديث، وانظر: "العلل" للدارقطني "رقم 487". وقد صح كما قال ابن حجر في "الفتح" "2/ 522"، أن ابن عباس أيضا قرأ الآية: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون} . علق عنه ذلك البخاري في "صحيحه" "كتاب الاستسقاء، باب 28" ووصله بإسناد صحيح ابن جرير في "التفسير" "27/ 208"، وسعيد بن منصور، ومن طريقه ابن حجر في "التغليق" 2/ 397"، وابن مردويه في "التفسير المسند" كما في "الفتح" "2/ 522"، "وعمدة القاري" "6/ 45". 2 سيأتي تخريجه "ص 445" ومضى "1/ 321"، والحديث في "الصحيحين" وغيرهما، وما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

وَفِي "الْمُوَطَّأِ" مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ: "إِذَا أَنْشَأَتْ بحرية ثم تشاءمت، فتلك عين غديقة"1.

_ 1 أخرجه مالك في "الموطأ" "1/ 192" بلاغا، والحديث ضعيف. قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "7/ 161": "وهذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير "الموطأ" ومن ذكره إنما ذكره عن مالك في "الموطأ"، إلا ما ذكره الشافعي [في "الأم" "1/ 255"] في كتاب الاستسقاء، [ومن طريقه البيهقي في "المعرفة" "5/ 200/ رقم 7281- ط قلعجي"] عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أنشأت بحرية ثم استحالت شامية، فهو أمطر لها" وابن أبي يحيى مطعون عليه متروك، وإسحاق ابن عبد الله هو ابن أبي فروة ضعيف أيضا متروك الحديث". ثم قال: "وهذا الحديث لا يحتج به أحد من أهل العلم بالحديث؛ لأنه ليس له إسناد". وقال: "وقال الشافعي في حديثه هذا: "بحرية" بالنصب، كأنه يقول: "إذا ظهرت السحاب بحرية من ناحية البحر، ومعنى نشأت: ظهرت وارتفعت" وقال: "وناحية البحر بالمدينة الغرب"، ثم تشاءمت، أي: أخذت نحو الشام، والشام من المدينة في ناحية الشمال، يقول: إذا مالت السحابة الظاهرة من جهة الغرب إلى الشمال -وهو عندنا البحرية- ولا تميل كذلك إلا بالريح النكباء التي بين الغرب والجنوب هي القبلة، فإنها يكون ماؤها غدقا، يعني: غزيرًا معينًا؛ لأن الجنوب تسوقها وتستدرها، وهذا معروف عند العرب وغيرهم". ونحوه في "التمهيد" "24/ 377" أيضا، واستدرك ابن الصلاح في "رسالته في وصل بلاغات مالك الأربعة في الموطأ" "ص 11-13" على ابن عبد البر، فوصله من طريق ابن أبي الدنيا في كتابه "المطر" عن الواقدي، قال: "وفيه استدراك على الحافظين حمزة بن محمد وابن عبد البر، وليس إسناده بذاك". قلت: وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1247-1248/ رقم 722"، والطبراني في "الأوسط" "8/ 370-371/ رقم 7753" من طريق الواقدي عن عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة عن عوف بن الحارث عن عائشة به مرفوعا نحوه، قال الطبراني: "تفرد به الواقدي". قلت: وهو متروك، وعوف مقبول، وابن أبي فروة فيه كلام، فالحديث ضعيف جدا وانظر: "المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير" "ص 282-283" لابن قتيبة، و"الأنواء" له ص 170"، و"كنز العمال" "7/ 838"، و"الهيئة السنية" "ق10/ أ" للسيوطي، والفائق" "3/ 56"، و"النهاية" "2/ 437 و3/ 346" و"غريب الحديث" "2/ 147" لابن الجوزي، و"توجيه النظر" "1/ 408 و2 / 913- 928".

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْعَبَّاسِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ: "كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثريا؟ فقال به الْعَبَّاسُ: بَقِيَ مِنْ نَوْئِهَا كَذَا وَكَذَا"1. فَمِثْلَ هَذَا مُبَيِّنٌ لِلْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي أَمْرِ الْأَنْوَاءِ وَالْأَمْطَارِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوه} الآية [الحجر: 22] . وَقَالَ: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [فَاطِرٍ: 9] . إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا. وَمِنْهَا: عِلْمُ التَّارِيخِ وَأَخْبَارُ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ احْتَفَلَ2 فِي ذَلِكَ، وَأَكْثَرُهُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ بِهَا عِلْمٌ3، لَكِنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا كانوا ينتحلون4.

_ وفي الأصل: "نشأت في". 1 أخرجه الطبري في "تفسيره" "27/ 208" بإسناد فيه مجهول، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس، فالإسناد ضعيف. وذكره ابن قتيبة في كتابه "الأنواء" "ص14" وابن العربي في "أحكام القرآن" "3/ 1149" من غير سند. 2 أي: قام بالأمر فيه. 3 هذا يعضد ما قلناه، من أنه ليس بلازم أن يكون القرآن مجاريا لما عند العرب، فيصحح صحيحه، أو يزيد عليه، أو يبطل باطله، كل هذا تكلف لا داعي إليه في هذا المقام؛ لأن الرسول بعث بالكتاب؛ ليخرج الناس كافة من الظلمات إلى النور بتعليم ما لم يعلموا، وتصحيح ما أخطأوا فيه، وتوجيه همتهم وعقولهم إلى ما فيه إصلاحهم بالعلم والعمل، سواء أكان لهذا كله أصل عند العرب أم لم يكن له أصل ولا رابطة مطلقا بين كون الشريعة أمية وكون كل ما جاءت به منطبقا على ما عند العرب، وإعجاز العرب شيء آخر لا يتوقف على ما قال، فتأمل، فالمقام جدير بالتدبر؛ لأنه إذا كان يكتفي بجنس ما كانوا يعرفون وإن لم يكن هو ولا نوعه، فما الذي يبقى حتى نحترز عنه، ولا يبعد أن يكون لبعضهم إلمام بهذه الأجناس والكائنات التي تتعلق بما ورد في الكتاب والسنة. "د".

قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم} الآية [آل عمران: 44] . وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [هُودٍ: 49] . وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةُ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ1 وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَى. وَمِنْهَا: مَا كَانَ أَكْثَرُهُ بَاطِلًا أَوْ جَمِيعُهُ كَعِلْمِ الْعِيَافَةِ، وَالزَّجْرِ، وَالْكِهَانَةِ، وَخَطِّ الرَّمْلِ، وَالضَّرْبِ بِالْحَصَى، وَالطِّيَرَةِ2، فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل.

_ 1 أخرجها البخاري في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه/ رقم 2368، وكتاب الأنبياء، باب "يزفون"، النسلان في المشي/ رقم 3362 و3363 و3364 و3365"، وأحمد في "المسند" "1/ 347، 360"، وابنه عبد الملك في "زوائد المسند" "5/ 121"، وعبد الرزاق في "المصنف" "5/ 105/ رقم 9107"، والنسائي في "فضائل الصحابة" رقم 271، 272، 273، 274"، والأزرقي في "أخبار مكة" "1/ 59-60" وغيرهم. وقد جمعت قسما من الأحاديث الصحيحة في الأخبار التى قصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن قبلنا في كتاب بعنوان "من قصص الماضين"، وذكرت فيه القصة التي أشار إليها المصنف "ص 89-104"، فانظرها فيه. 2 فائدة في معاني الألفاظ المذكورة: - العيافة: زجر الطير، وهو أن يرى طائرا أو غرابا فيتطير، وإن لم ير شيئا، وإن قال بالحدس=

وَنَهَتْ عَنْهُ كَالْكِهَانَةِ وَالزَّجْرِ، وَخَطِّ الرَّمْلِ، وَأَقَرَّتِ الْفَأْلَ لَا مِنْ جِهَةِ تَطَلُّبِ الْغَيْبِ، فَإِنَّ الكهانة والزجر كذلك، وأكثر هذه الأمور تخرُّصٌ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجهةٍ مِنْ تعرُّف عِلْمِ الْغَيْبِ مِمَّا هُوَ حَقٌّ مَحْضٌ، وَهُوَ الْوَحْيُ وَالْإِلْهَامُ، وَأُبْقِيَ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ1، وَأُنْمُوذَجٌ2 مِنْ غَيْرِهِ لِبَعْضِ الخاصة وهو الإلهام3 والفراسة.

_ = أي: بالظن والتخمين- كان عيافة أيضا. - الزجر: أن تزجر طائرا أو ظبيا سانحا أو بارحا، فتطير منه، وهو ضرب من التكهن، تقول: زجرت أنه يكون كذا وكذا. - الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. -خط الرمل: يقال له علم الخط وعلم الرمل، ويقال له: "الطَرْق" -بفتح فسكون آخره قاف-، وهو علم يعرف به الاستدلال على أحوال المسألة حين السؤال، وأكثر مسائله تخمينية مبنية على التجاريب، وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفا معينا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة، فحين السؤال عن المطلوب يقتفي أوضاع البروج، وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال بسبب مدلولاتها من البروج تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج، راجع: "مفتاح السعادة" "1/ 336"، و"كشف الظنون"" 1/ 912-913". - الضرب بالحصى: هو ضرب من التكهن والخط في التراب، يأخذ الكاهن حصيات، فيضرب بها الأرض، وينظر فيها، فيخبر بالمغيبات. - الطِيَرَة- بكسر ففتح وبسكون الياء- هي ما يتشاءم به من الفأل الرديء 1 وسيأتي الحديث وتخريجه "ص419". 2 الأنموذج قال في "المصباح: "بضم الهمزة، ما يدل على صفة الشيء، وهو معرب، وفي لغة نموذج -بفتح النون والذال معجمة مفتوحة مطلقا-، قال الصغاني: "النموذج: مثال الشيء الذي يعمل عليه". "ماء / ص142". 3 كما حصل لعمر وغيره. قلت: ولا بد من التنبه إلى أن الإلهام لا يصح أن يكون دليلا كليًّا عامًّا تبنى عليه الأحكام، كما هو عند بعض أهل البدع، وانظر في ذلك: "القائد لتصحيح العقائد" "ص 37 وما بعدها"، و"مجموع الفتاوى" "5/ 491"، و"الجواب الصحيح" "2/ 92"، و"تفسير القرطبي" "4/ 21 و7/ 39 و11/ 40-41".

وَمِنْهَا: عِلْمُ الطِّبِّ فَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ مِنْهُ شَيْءٌ لَا عَلَى مَا عِنْدَ الْأَوَائِلِ، بَلْ مَأْخُوذٌ مِنْ تَجَارِيبِ الْأُمِّيِّينَ، غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى عُلُومِ الطَّبِيعَةِ الَّتِي يُقَرِّرُهَا الْأَقْدَمُونَ، وَعَلَى ذَلِكَ الْمَسَاقِ جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ جَامِعٍ شافٍ1 قليلٍ يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى كَثِيرٍ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الْأَعْرَافِ: 31] . وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ التَّعْرِيفُ بِبَعْضِ الْأَدْوِيَةِ لبعض الأدواء2، وأبطل من

_ 1 قال ابن القيم في "زاد المعاد" [4/ 6-7] : "وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادة المضرة، وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاثة مواضع في كتابه، فحمى المريض من استعمال الماء خشية الضرر، فقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] . فأباح التيمم للمريض حمية له كما أباحه للعادم، وقال في حفظ الصحة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] ، فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظا لصحته لئلا يجتمع على قوته الصوم ومشقة السفر، فيضعف القوة والصحة، وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه وهو محرم أن يحلق رأسه ويستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة الرديئة التي تولد عليه القمل كما حصل لكعب بن عجرة، أو تولد عليه المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كل جنس منها شيئا وصورة تنبيها بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم وحفظ صحتهم واستفراغ مواد أذاهم، رحمة لعباده ولطفا بهم ورأفة، وهو الرؤوف الرحيم". "د". قلت: والمنقول بتصرف كبير عن ابن القيم. 2 يشير المصنف في عبارته إلى عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب الدواء بالعسل، 10/ 139/ رقم 5684، وباب دواء المطعون، 10/ 168=

ذَلِكَ مَا هُوَ بَاطِلٌ، كَالتَّدَاوِي بِالْخَمْرِ1، وَالرُّقَى الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا2. وَمِنْهَا: التَّفَنُّنُ فِي عِلْمِ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ وَالْخَوْضُ فِي وُجُوهِ الْفَصَاحَةِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي أَسَالِيبِ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مُنْتَحَلَاتِهِمْ، فَجَاءَهُمْ بِمَا أَعْجَزَهُمْ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .

_ = رقم 5716"،ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب التداوي بسقي العسل، 4/ 1736 - 1737/ رقم 2217" عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أخي يشتكي بطنه. فقال: "اسقه عسلا". ثم آتاه الثانية، فقال "اسقه عسلا" ثم أتاه الثالثة، فقال: "اسقه عسلا"، ثم أتاه، فقال، فعلت. فقال: "صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا"، فسقاه، فبرأ. ويصلح للاستشهاد على ما ذكره المصنف كثيرا من أحاديث الطب في "صحيح البخاري"، ولا سيما "باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، وباب الشفاء في ثلاث، وباب الدواء بألبان الإبل، وباب الدواء بأبوال الإبل، وباب الحبة السوداء، وباب التلبينة للمريض، وباب السعوط، وباب السعوط بالقسط الهندي والبحري"، وكذلك ما جاء في الحجامة، وغير حديث مما ورد تحت هذه الأبواب في "صحيح مسلم" "كتاب السلام"، ولا نتوسع في ذكر ذلك، والمذكور يكفي، والله الموفق. 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب تحريم التداوي بالخمر، 3/ 1573/ رقم 1984" عن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر؟ فنهاه، أو كره أن يصنعها. فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء". 2 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، 4/ 1727/ رقم 2200" عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنا نرقي في الجاهلية. فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".

وَمِنْهَا: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ 1 [وَقَدْ قَالَ تَعَالَى] 2: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا [لِلنَّاس] 2 فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الرُّومِ: 58] إِلَّا ضَرْبًا وَاحِدًا، وَهُوَ الشِّعْرُ، فَإِنَّ اللَّهَ نَفَاهُ وَبَرَّأَ الشَّرِيعَةَ مِنْهُ، قَالَ تعالى في حكايته عن الكفار: {أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ، بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصَّافَّاتِ: 36] ، أَيْ: لَمْ يَأْتِ بِشِعْرٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} الآية [يس: 69] . وَبَيَّنَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشُّعَرَاءِ: 224-226] . فَظَهَرَ أَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ مَبْنِيًّا3 عَلَى أَصْلٍ، وَلَكِنَّهُ هَيَمَانٌ عَلَى غَيْرِ تَحْصِيلٍ، وَقَوْلٌ لَا يُصَدِّقُهُ فِعْلٌ، وَهَذَا مُضَادٌّ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى. فَهَذَا أُنْمُوذَجٌ يُنَبِّهُكَ عَلَى4 مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عُلُومِ الْعَرَبِ الْأُمِّيَّةِ. وَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الِاتِّصَافِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَا يَنْضَافُ إِلَيْهَا، فَهُوَ أَوَّلُ مَا خُوطِبُوا بِهِ، وَأَكْثَرُ مَا تَجِدُ ذَلِكَ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، مِنْ حيث كان آنس لهم،

_ 1 المثل عند البيانيين هو المركب الذي يفشو استعماله على سبيل الاستعارة، فإن فشا استعماله وكان من باب الحقيقة نحو: السعيد من اتعظ بغيره، أو التشبيه نحو: فلان كالخمر يُشتهى شربها ويُخشى صداعها، فهذا هو الذي يعبرون عنه بما يجري مجرى المثل، والذين صنفوا في الأمثال، كأبي عبيدة، والزمخشري، وابن قتيبة، والميداني، وابن الأنباري، وابن هلال أرادوا من المثل القول السائر مطلقا سواء كان استعارة أو تشبيها أو حقيقة. "خ". 2 سقط ما بين المعقوفتين من الأصل. 3 في "ط": "بمبني". 4 في الأصل: "فيما".

وَأُجْرِيَ عَلَى مَا يُتَمَدَّحُ بِهِ عِنْدَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النَّحْلِ: 90] إِلَى آخِرِهَا1. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الْأَنْعَامِ: 151] إِلَى انْقِضَاءِ تِلْكَ الْخِصَالِ. [وَقَوْلِهِ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِه} ] 2 [الْأَعْرَافِ: 32] وَقَوْلِهِ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الْأَعْرَافِ: 33] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى. لَكِنْ أُدْرِجَ فِيهَا مَا هُوَ أَوْلَى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْإِشْرَاكِ وَالتَّكْذِيبِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، وَأَبْطَلَ لَهُمْ مَا كَانُوا يُعِدُّونَهُ كَرْمًا وَأَخْلَاقًا حَسَنَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ فِيهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ مَا يُرْبِي عَلَى الْمَصَالِحِ الَّتِي تَوَهَّمُوهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [الْمَائِدَةِ: 90] . ثُمَّ بَيَّنَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ خُصُوصًا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، مِنْ إِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا فِي الْفَسَادِ أَعْظَمُ مِمَّا ظَنُّوهُ فِيهِمَا صَلَاحًا، لِأَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ عِنْدَهُمْ تُشَجِّعُ الْجَبَانَ، وَتَبْعَثُ الْبَخِيلَ عَلَى الْبَذْلِ، وَتُنَشِّطُ الْكُسَالَى، وَالْمَيْسِرُ كَذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ مَحْمُودًا لِمَا كَانُوا يَقْصِدُونَ بِهِ مِنْ إِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْعَطْفِ عَلَى المحتاجين، وقد قال تعالى:

_ 1 بعدها في نسخة "ماء / ص 147": "فما من شيء يحتاج إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى أو يترك، إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية. 2 سقط ما بين المعقوفتين من الأصل.

{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا 1 إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [الْبَقَرَةِ: 219] . وَالشَّرِيعَةُ [كُلُّهَا] 2 إِنَّمَا هِيَ تَخَلُّقٌ بمكارمِ الْأَخْلَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ" 3. إِلَّا أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مَأْلُوفًا وَقَرِيبًا مِنَ الْمَعْقُولِ الْمَقْبُولِ، كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ إِنَّمَا خُوطِبُوا بِهِ، ثُمَّ لَمَّا رَسَخُوا فِيهِ تَمَّمَ لَهُمْ مَا بَقِيَ، وَهُوَ: الضَّرْبُ الثَّانِي: وَكَانَ مِنْهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فأُخِّرَ، حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِهِ تَحْرِيمُ الرِّبَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ الَّذِي كان معهودا4 عندهم على الجملة.

_ 1 في "خ": "فيها". 2 ليست في الأصل. 3 مضى تخريجه "ص 41". 4 لو لم يكن للعرب عهد بالتعرف عن مكارم الأخلاق رأسا، ثم جاء الرسول ببيان الفضائل والرذائل من الأخلاق، لما وسعهم بعد التصديق بالرسالة إلا الأخذ بالمكارم، كما هو الحال فيما أخطئوا فيه من أصولها، كوأد البنات والربا، والخمر، والسلب والنهب، وغيرها من الرذائل التي تأصلت فيهم، ومع ذلك، فالإيمان بكتاب الله وسنة رسوله طهرتهم من هذه الأرجاس تطهيرا، فلا علاقة لأمية الشريعة بهذه المباحث، ولا توجد أمة من الأمم إلا وفيها شيء من المكارم وشيء من الرذائل، لا خصوصية لجاهلية العرب، بل هذا في كل جاهلية. "د". قلت: خلتان فضلت بهما العرب على سائر الناس: الأولى الصدق، والثانية الجود، فالصدق بناء العبادات، والجود بناء المعاملات، ويعبر عن الأصلين بالصلاة والزكاة ألا ترى كيف كانوا يمدحون بهاتين الصفتين؟ قال صخر أخو الخنساء يرثي أخا لها: وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا أفاده الفراهي في "القائد" "ص 183".

أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ لِلْعَرَبِ أَحْكَامٌ1 عِنْدِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ، كَمَا قَالُوا فِي الْقِرَاضِ، وَتَقْدِيرِ الدِّيَةِ وَضَرْبِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْقَافَةِ2، وَالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَالْحُكْمِ فِي الْخُنْثَى، وَتَوْرِيثِ الْوَلَدِ لِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْقَسَامَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ. ثُمَّ نَقُولُ: لَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ حَتَّى خُوطِبُوا3 بِدَلَائِلِ التَّوْحِيدِ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ سَمَاءٍ، وَأَرْضٍ، وَجِبَالٍ، وَسَحَابٍ، وَنَبَاتٍ وَبِدَلَائِلِ الْآخِرَةِ وَالنُّبُوَّةِ كَذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْبَاقِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ شَرَائِعِ الأنْبياء شَيْءٌ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبِيهِمْ، خُوطِبُوا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَدُعُوا إِلَيْهَا، وَأَنَّ مَا جاء به محمد صلى الله عليهوسلم هِيَ تِلْكَ بِعَيْنِهَا: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} [الْحَجِّ: 78] . وَقَوْلِهِ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا} الآية [آل عمران: 67] . غَيْرَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا جُمْلَةً مِنْهُمْ، وَزَادُوا، وَاخْتَلَفُوا، فَجَاءَ تَقْوِيمُهَا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُخْبِرُوا بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا هُوَ لَدَيْهِمْ وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأُخْبِرُوا عَنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَأَصْنَافِهِ بِمَا هُوَ مَعْهُودٌ فِي تَنَعُّمَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، لَكِنْ مُبَرَّأٌ مِنَ الْغَوَائِلِ والآفات التي تلازم التنعم4 الدُّنْيَوِيَّ، كَقَوْلِهِ: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الْوَاقِعَةِ: 27-30] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وبَيَّنَ مَنْ مَأْكُولَاتِ الْجَنَّةِ وَمَشْرُوبَاتِهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، كَالْمَاءِ،

_ 1 لعلها بعض ميراثهم من أبيهم إبراهيم، كما يقول بعد. "د". 2 أي: تبع أثره. "قاموس". 3 خوطب الناس كلهم بِدَلَائِلِ التَّوْحِيدِ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ.... إلخ، فليس هذا خاصا بهم، وهو واضح "د". 4 كذا في "ط"، وفي غيره: "التنعيم".

وَاللَّبَنِ، وَالْخَمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالنَّخِيلِ، وَالْأَعْنَابِ، وَسَائِرِ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ مَأْلُوفٌ دُونَ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَوَاكِهِ الْأَرْيَافِ وَبِلَادِ الْعَجَمِ، بَلْ أَجْمَلَ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْفَاكِهَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النَّحْلِ: 125] فَالْقُرْآنُ كُلُّهُ حِكْمَةٌ، وَقَدْ كَانُوا عَارِفِينَ بِالْحِكْمَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ حُكَمَاءُ، فَأَتَاهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ بِمَا عَجَزُوا عَنْ مِثْلِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ أَهْلُ وَعْظٍ وَتَذْكِيرٍ، كقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ1 وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُجَادِلْهُمْ إِلَّا عَلَى طَرِيقَةِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْجَدَلِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ الْقُرْآنَ وَتَأَمَّلَ كَلَامَ الْعَرَبِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ2، وَجَدَ الْأَمْرَ سَوَاءً إِلَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ مِنَ الْخَوَاصِّ الْمَعْرُوفَةِ. وَسِرْ فِي جَمِيعِ مُلَابَسَاتِ الْعَرَبِ هَذَا السَّيْرَ، تَجِدِ الْأَمْرَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَضَحَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ أُمِّيَّةٌ لَمْ تَخْرُجْ عما ألفته العرب3.

_ 1 جاء خبر تذكيره في حديث طويل مشهور على الألسنة، وفي كتب التاريخ، وروي في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع منه كلاما لم يحفظه حتى رواه له بعض الصحابة عنه، وقال في آخره: "رحم الله قُسًّا، إني لأرجو أن يبعثه الله أمة واحدة" وله طرق ولم يثبت، كما قاله ابن القيم في "الفوائد الحديثية" "ص101/ 106"، وفصلنا علله في التعليق عليه، وانظر -غير مأمور: "حديث قُسِّ بن ساعدة الإيادي" لابن درستويه، وهو مطبوع. 2 الحكمة والوعظ والجدل يتوقف عليها إصابة الدعوة وإرشاد الخلق، ولو لم يكن عندهم قوة فيها ولا ولع بها؛ لأنها دعوة إلى هدم عقائد، وتصحيح معارف، وتمهيد طريق جديد للسير عليه في طريق عبادة الله وحده، وطريق معاملتهم بعضهم لبعض، فلا بد لها من اجتماع هذه القوى الثلاثة لوصول إلى الغاية من الرسالة، وعلى كل حال، فليس بلازم في كون الشريعة أمية أن تكون جاءت مسايرة لهم في شئونهم، بل معنى كونها أمية ما قدمناه في أول المسألة، وأما كون ما جاءت به كان عندهم منه شيء أو لم يكن، فهذا لا شأن له بهذا المبحث، ولا يتوقف عليه. "د". 3 انظر في معنى كون الأمة المحمدية أمة أمية: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "16/ 190، 17/ 434- 436 و25 / 169- 172"، و"أحكام القرآن" "3/ 443" للجصاص، و"تفسير القرطبي" "7/ 298"، و"البحر المحيط" "4/ 403" لأبي حيان، و"روح البيان" "3/ 255"، والتحرير والتنوير" "9/ 133".

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: مَا تَقَرَّرَ مِنْ أُمِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِهَا وَهُمُ الْعَرَبُ، يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ: - مِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَجَاوَزُوا فِي الدَّعْوَى عَلَى الْقُرْآنِ الْحَدَّ، فَأَضَافُوا إِلَيْهِ كُلَّ عِلْمٍ يُذْكَرُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ أَوِ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْ عُلُومِ الطَّبِيعِيَّاتِ، وَالتَّعَالِيمِ1، وَالْمَنْطِقِ، وَعِلْمِ الْحُرُوفِ2، وَجَمِيعِ مَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُونَ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ وَأَشْبَاهِهَا، وَهَذَا إِذَا عَرَضْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَى هَذَا، فَإِنَّ3 السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِالْقُرْآنِ وَبِعُلُومِهِ وَمَا أُودِعَ فِيهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمُدَّعَى، سِوَى مَا تَقَدَّمَ4، وَمَا ثَبَتَ5 فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ، وَأَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَمَا يَلِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ خَوْضٌ وَنَظَرٌ، لَبَلَغَنَا مِنْهُ مَا يدلنا على أصل المسألة، إلا أن

_ 1 أي: الرياضيات من الهندسة وغيرها. "د". 2 يعلم من هذا البحث [أن] تفسير القرآن بالمعاني التي تخطر على قلوب المتصوفة غير صحيح، كقول بعضهم في قوله تعالى: {ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} ، هذا خطاب للجوارج حال الدعاء، والمراد من الأخ القلب ومن الأب الجسم، ومثل هذا النوع لم ينقل عن السلف، وإنما هو وليد مذهب الباطنية الذين يوجسون في أنفسهم المكيدة للشريعة بسوء التأويل حتى تتعطل أحكامها وتنطمس أعلام حقائقها. "خ". 3 في نسخة "ماء / ص 142": "..... لم يصح، وأيضًا، فإن السلف". 4 في المسألة قبلها. "د". 5 في نسخة ماء / ص 149": "بث".

ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ عِنْدَهُمْ1، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُقْصَدْ2 فِيهِ تَقْرِيرٌ لِشَيْءٍ مِمَّا زَعَمُوا، نَعَمْ، تَضَمَّنَ عُلُومًا هِيَ مِنْ جِنْسِ عُلُومِ الْعَرَبِ، أَوْ مَا يَنْبَنِي3 عَلَى مَعْهُودِهَا مِمَّا يَتَعَجَّبُ4 مِنْهُ أُولُو الْأَلْبَابِ، وَلَا تَبْلُغُهُ إِدْرَاكَاتُ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ دُونَ الِاهْتِدَاءِ بِإِعْلَامِهِ وَالِاسْتِنَارَةِ بِنُورِهِ، أَمَا أَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ، فلا5.

_ 1 في الأصل: "لهم". 2 كونه لم يقصد فيه تقرير شيء من هذه العلوم الكونية ظاهر؛ لأنه ليس بصدد ذلك، أما كونه لا يجيء في طريق دلائله على التوحيد ما ينبني عليه التوسع في إدراكها وإتقان معرفتها إذا لم يكن معروفا عند العرب، فهو محل نظر. "د". 3 كالجدل المأخوذ فيه مقدمات معهودة للعرب، بل ولغيرهم كما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَات} ..... إلخ، فإنه لولا توجيه الأفكار إليه للاستدلال به والمحاجة، ما بلغته العقول الراجحة. "د". 4 في الأصل: "تعجب". 5 وهل كل ما تضمنه القرآن من أوصاف نعيم الجنة وعذاب النار من معهود العرب في الدنيا؟ وهل مثل الإسراء والمعراج من معهوداتهم؟ أما أصل الموضوع، فمسلم أنه لا يصح أن يتكلف في فهم كتاب الله بتحميله لما لا حاجة بالتشريع والهداية إليه من أنواع العلوم الكونية، ولكن قصره بطريق القطع على ما عند العرب في علمها ومألوفها، فهذا ما لا سبيل إليه، ولا حاجة له: "د". قلت: تلقى الباحثون والمطلعون كلام المصنف هذا بعناية فائقة، واستفادوا منه في موضوع "التفسير العلمي للقرآن"، وقد وقفوا عنده طويلا وناقشوه، وقلبوا النظر فيه بين مؤيد ومخالف، تجد تفصيل ذلك في "التحرير والتنوير" "1/ 44، 45"، لابن عاشور، و"القرآن العظيم، هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين" "ص260 وما بعدها" لمحمد صادق عرجون، و"التفسير، معالم حياته، منهجه اليوم" "ص19-27"، و"مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب" "ص287-296" كلاهما لأمين الخولي، وفيه تأييد وتدعيم لكلام الشاطبي هذا بأدلة كثيرة، ثم ظفرت بكلامه في كتابيه السابقين في مادة "تفسير" في "دائرة المعارف الإسلامية" "5/ 348-374" له أيضا، و"اتجاهات التفسير في العصر الراهن" "ص297-302" لعبد المجيد المحتسب. وانظر في التفسير العلمي أيضا: "مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه" "ص231-250" لعدنان زرزور، و"التفسير العلمي للقرآن في الميزان" لأحمد عمر أبو حجر.

وَرُبَّمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى دَعْوَاهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النَّحْلِ: 89] . وَقَوْلِهِ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 38] وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِفَوَاتِحِ السُّوَرِ وَهِيَ مِمَّا لَمْ يُعْهَدْ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَبِمَا نُقِلَ عَنِ النَّاسِ فِيهَا، وَرُبَّمَا حُكِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ أَشْيَاءُ1. فَأَمَّا الْآيَاتُ، فَالْمُرَادُ بِهَا عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ، أَوِ2 الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء} [الْأَنْعَامِ: 38] اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَضَمُّنَهُ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ. وَأَمَّا فَوَاتِحُ السُّوَرِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهَا بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْعَرَبِ بِهَا عَهْدًا، كَعَدَدِ الْجُمَّلِ الَّذِي تَعَرَّفُوهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، حسبما ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السِّيَرِ، أَوْ هِيَ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِمَا لَا عَهْدَ بِهِ3، فَلَا يَكُونُ، وَلَمْ يدَّعِهِ أَحَدٌ مِمَّنْ تقدم، فلا دليل فيها على ما

_ 1 انظر: "الدر المنثور" "1/ 56-59"، وسيأتي قريبا تضعيف المصنف لما ورد عن علي في ذلك. 2 في الأصل: "و". 3 أي: من فهمها على أنها أسرار ورموز لحقائق أو أحداث حاصلة أو تحصل، من مثل ما يشير إليه الألوسي في مقدمة "التفسير". "د". قلت: وأورد الرازي في "تفسيره" "1/ 150-151"، والنيسابوري في "غرائبه" "1/ 119-120" نصين فيهما نحو ما ذكر المصنف، انظر مناقشتهما في "براعة الاستهلال في فواتح القصائد والسور" "ص117 وما بعدها"، وتجد تفسيرا لهذه الحروف بما لا عهد للسلف به في كتب الصوفية، مثل: "شمس المعارف الكبرى"، و"خزينة الأسرار الكبرى" "ص108 وما بعدها" وكذا في "رسائل إخوان الصفا" "4/ 191"، وكذا في الرسالة النيروزية" "ص92" لابن سينا، وابن أبي الأصبع في كتابه: "الخواطر السوانح في أسرار الفواتح" وهو مطبوع، وكذا في كتب المستشرقين، انظر ما نقله زكي مبارك عن أستاذه بلانشو في "النثر الفني في القرن الرابع" "1/ 40"، وانظر ما سيأتي "3/ 326" مع تعليقنا عليه.

ادَّعوا، وَمَا يُنْقَلُ عَنْ عَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ فِي هَذَا لَا يَثْبُتُ1؛ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْقُرْآنِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْكَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ، وَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي الِاسْتِعَانَةِ عَلَى فَهْمِهِ عَلَى كُلِّ مَا يُضَافُ عِلْمُهُ إِلَى الْعَرَبِ خاصة2،

_ 1 ولم يعرف عن أحد في هذه الأمة كُذِبَ عليه ما كذب على علي رضوان الله عليه، وأوضح الكذب وأبينه عليه ما زعموه في "الجفر" على نحو ما بيناه في المجموعة الأولى من كتابنا "كتب حذر منها العلماء"، والله الموفق. 2 لو قال: جمهور الناس لا خاصتهم لكان أحسن؛ لأن الخطاب به لكل من بلغه، فقد يفقه بعضه بغير ما يضاف إلى العرب كما ورد: "بلغوا عني ولو آية، قرب مبلغ أوعى من سامع". على أنه لم ينقل فيما سبق نسبة علم الحيوان المسمى بالتاريخ الطبيعي إلى العرب، ولم ينقل أحد أنهم اشتغلوا به، "وليكن على ذكر منك أنه إذا قال في هذا المقام: "العرب، فإنما يعني الذين كانوا في عهد الرسول عليه السلام"، فعلى رأي المؤلف لا يجوز لنا أن نتوصل إلى فهم مثل آيتي سورة النحل في تكوين اللبن والعسل وما فيهما من أعاجيب ربنا في صنعه، لا يجوز لنا أن نتوصل إلى ذلك من علم حياة النحل وحياة الحيوان ذي الدر، مع أنه لا يمكن أن تتم العظة والاعتبار الذي يشير إليه الكتاب في آخر كل آية منهما: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} ، {يَعْقِلُون} لا يتم ذلك على وجهه إلا بمعرفة تكوين العسل واللبن، في علم حياة النحل وغيره، وكذا لا يتم فهم: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} على وجهها إلا بعد معرفة ما يصلح من الأمراض أن يكون العسل دواء له، وما لا يصلح بل يكون ضارًّا، ويترتب عليه أن تكون اللام في الناس للجنس أو العموم، وهكذا، والواقع أن كتاب الله للناس كلهم يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، وإلا لاستوى العرب أنفسهم في الفهم للكتاب، والأمر ليس كذلك، ألا ترى إلى قول علي: "إلا فهما يعطاه الرجل في كتاب الله" الحديث. "د".

فَبِهِ1 يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ مَا أُودِعَ مِنَ الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغيره مَا هُوَ أَدَاةٌ لَهُ، ضَلَّ عَنْ فَهْمِهِ، وتقوَّل عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ مِنِ اتِّبَاعِ مَعْهُودِ الْأُمِّيِّينَ، وَهُمُ الْعَرَبُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَرَبِ فِي لِسَانِهِمْ عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ، فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عُرْفٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْرَى فِي فَهْمِهَا عَلَى مَا لَا تَعْرِفُهُ2. وَهَذَا جارٍ فِي الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ وَالْأَسَالِيبِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْهُودَ الْعَرَبِ أَنْ لَا تَرَى الْأَلْفَاظَ تَعَبُّدًا عِنْدَ مُحَافَظَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي، وَإِنْ كَانَتْ تُرَاعِيهَا أَيْضًا، فَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهَا بِمُلْتَزَمٍ، بَلْ قَدْ تَبْنِي عَلَى أَحَدِهِمَا مَرَّةً، وَعَلَى الْآخَرِ أُخْرَى، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ كَلَامِهَا وَاسْتِقَامَتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ: أَحَدُهَا: خُرُوجُهَا3 فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَوَانِينِ الْمُطَّرِدَةِ وَالضَّوَابِطِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَجَرَيَانُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَنْثُورِهَا عَلَى طَرِيقِ مَنْظُومِهَا4، وإن

_ 1 في الأصل: "فيه". 2 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "25/ 168"، والاعتصام" "2/ 297"، و"تفسير ابن جرير" "1/ 7- المقدمة"، و"الرسالة" "ص51، 52، 54، 55، 56، 57"، و"مختصر الصواعق المرسلة" "1/ 15"، و"الإبانة" "ص54- جامعة الإمام". 3 أي: فيصح أن يجري ذلك في القرآن، ولكن بشرط أن لا يكون شاذًّا ونادرًا يخل بالفصاحة، فإن هذا -وإن كان جاريا في كلام العرب- لا يصح أن يقال به في الكتاب "د". 4 أي: في تجويز مخالفات للقياس المطرد، كصرف ما لا ينصرف، ومد المقصور وعكسيه، مع أنه أجيز في الشعر لضرورة الوزن ولا توجد ضرورة في النثر لمثله، فقوله: "وجريانها" عطف خاص على عام للبيان. "د".

لَمْ يَكُنْ بِهَا حَاجَةٌ، وَتَرْكُهَا لِمَا هُوَ أَوْلَى فِي مَرَامِيهَا، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ قَلِيلًا فِي كَلَامِهَا وَلَا ضَعِيفًا، بَلْ هُوَ كَثِيرٌ قَوِيٌّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الِاسْتِغْنَاءَ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ عَمَّا يرادفها أَوْ يُقَارِبُهَا، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا وَلَا اضْطِرَابًا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَالْكَافِي مِنْ ذَلِكَ نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ1، كُلُّهَا شافٍ كافٍ2، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ السَّلَفِ الْعَارِفِينَ بِالْقُرْآنِ3 كَثِيرٌ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ أَهْلُ الْقِرَاءَاتِ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عِنْدَهُمْ مِمَّا وَافَقَ الْمُصْحَفَ، وَأَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ قَارِئُونَ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ شك ولا إشكال، وإن كان بين القرائتين مَا يَعُدُّهُ النَّاظِرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ اخْتِلَافًا فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بِحَسَبِ مقصود الخطاب، كـ: {مَالِكِ} و "مَلِكِ" [الفاتحة: 4] . "د". {وَمَا يَخْدَعُون َ4 إِلَّا أَنْفُسَهُم} ، [البقرة: 9] .

_ 1 ومن ذلك تبديل لفظ بآخر، كتبينوا وتثبتوا مثلا. "د". 2 حديث نزول القرآن على سبعة أحرف متواتر، ووردت لفظة: "كلها شافٍ كافٍ" في حديث أبي بن كعب عند أحمد في "المسند" "5/ 124"، وابنه عبد الله في "زياداته" "5/ 124، 125"، وأبي داود "1477"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" "رقم 670"، وابن جرير في مقدمة "التفسير" "1/ 15"، والضياء في "المختارة" "3/ رقم 1173، 1174، 1175، 1176"، وإسناده صحيح، وجمع طرقه الشيخ عبد الفتاح القاري في جزء مفرد وهو مطبوع. وللحديث لفظ آخر يأتي قريبا "ص138". 3 في "خ" زيادة: "على"، والصواب حذفها. 4 انظر ما تقدم: "1/ 537".

{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا} ، "لَنُبَوِّينَّهُمْ1 [مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا] 2" [العنكبوت: 58] . إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا3 لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بِحَسَبِ فَهْمِ مَا أُرِيدَ مِنَ الْخِطَابِ، وَهَذَا كَانَ عَادَةَ الْعَرَبِ. أَلَا تَرَى مَا حَكَى ابْنُ جِنِّي4 عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ5 أَيْضًا، قَالَ: سَمِعْتُ ذَا الرُّمَّةِ يُنْشِدُ: وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ وَاسْتَعِنْ ... عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لها سترا6 فقلت: أنشدني: "من بائس"، فقال: "يابس" و"بائس" وَاحِدٌ. فَأَنْتَ تَرَى ذَا الرُّمَّةِ لَمْ يَعْبَأْ بِالِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْبُؤْسِ وَالْيُبْسِ، لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْبَيْتِ قَائِمًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَصَوَابًا عَلَى كِلْتَا الطَّرِيقَتَيْنِ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَحْوَلِ: "الْبُؤْسُ وَالْيُبْسُ وَاحِدٌ"، يَعْنِي: بِحَسَبِ قَصْدِ الكلام لا بحسب تفسير اللغة7.

_ 1 بالثاء المثلثة على ما قرأها حمزة والكسائي كما في "السبعة" "502"، وكذا في الأصل و"ط". 2 في "خ": "لنبوينهم"، وما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 كما في قوله تعالى: {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} ، بكسر اللام للتعليل أو بفتحها على أنها فارقة. "د". 4 في "الخصائص" "2/ 469- ط العراقية" 5 في "ط": "وحكاه غيره" 6 الشخت: الحطب الدقيق، ولم أر تعليقا على البيت في كتب الأدب، ويلوح أن الضمائر المؤنثة في البيت كناية عن النار يذكيها البدوي بالوقود ويستعين على إشعالها بالريح، ثم يجلس إليها للاصطلاء وتدفئة يديه وأطرافه من البرد. "د". قلت: والبيت في "ديوانه" "176"،وله رواية أخرى في "اللسان" "مادة فوت" 7 فمادة البؤس تدور على الشدة من الشجاعة وغيرها، ومادة اليبس تدور على الجفاف بعد الرطوبة ويلزمها الشدة ضد اللين، فهما متغايران متلازمان. "د".

وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: أَنْشَدَنِي ابْنُ الأعرابي: وموضع زبن1 لَا أُرِيدُ مَبِيتَهُ ... كَأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوْعِ آنِسُ2 فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَيْسَ هَكَذَا أَنْشَدْتَنَا، [وَإِنَّمَا أَنْشَدْتَنَا] 3: "وَمَوْضِعُ ضِيقٍ" فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَصْحَبُنَا مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ولا تعلم أن الزبن4 وَالضِّيقَ وَاحِدٌ؟! وَقَدْ جَاءَتْ أَشْعَارُهُمْ عَلَى رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَبِأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَةٍ، يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَلْتَزِمُونَ5 لَفْظًا وَاحِدًا عَلَى الْخُصُوصِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مُرَادِفُهُ أَوْ مُقَارَبُهُ عَيْبًا أَوْ ضَعْفًا، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَا يَكُونُ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ مَحْمُولًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا مَعْهُودُهَا الْغَالِبُ مَا تَقَدَّمَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا قَدْ تُهْمِلُ بَعْضَ أَحْكَامِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَتْ تَعْتَبِرُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَمَا اسْتَقْبَحُوا الْعَطْفَ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا لَهُ لَفْظٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ لَفْظٌ، فَقُبِّحَ "قُمْتُ وَزِيدٌ" كَمَا قُبِّحَ "قَامَ وَزِيدٌ"، وَجَمَعُوا في الردف بين "عمود" و"يعود" مِنْ غَيْرِ اسْتِكْرَاهٍ، وَوَاوُ عَمُودٍ أَقْوَى فِي المد،

_ 1 كذا في الأصل، وهو الصواب، وأورده هكذا ابن جني في "الخصائص" "2/ 469"، وابن منظور في "اللسان" "مادة ز ب ن، 13/ 195"، وقال: "ومقام زبن: إذا كان ضيقا لا يستطيع الإنسان أن يقوم عليه في ضيقه وزلقه"، وفي "المفضليات" "225": "ومنزل ضنك"، وتصحف في النسخ المطبوعة من "الموافقات" إلى "زير" بياء آخر الحروف وراء، ولذا كتب "د" في الهامش: "المعنى المناسب للضيق في الزير أنه الدن"!! انتهى. قلت: ومعنى البيت: قد أنست بهذا المنزل لما نزلت به من شدة ما بي من الروع، وإن كان ضيقا ليس بموضع نزول. 2 من قصيدة المرقش الأكبر في "المفضليات" "ص225". 3 سقطت من الأصل و"ط" والنسخ المطبوعة كلها، وأثبتناها من "الخصائص" "2/ 469" لابن جني. 4 سبق في هامش1 5 في "ط": "أنهم ما كانوا يلتزمون".

وجمعوا بين "سعيد" و"عمود" مَعَ اخْتِلَافِهِمَا، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأَلْفَاظُ فِي قِيَاسِهَا النَّظَرِيِّ، لَكِنَّهَا تُهْمِلُهَا وَتُولِيهَا جَانِبَ الْإِعْرَاضِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِعَدَمِ تَعَمُّقِهَا فِي تَنْقِيحِ لِسَانِهَا. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْمَمْدُوحَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ مَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ تَكَلُّفِ الِاصْطِنَاعِ، وَلِذَلِكَ إِذَا اشْتَغَلَ الشَّاعِرُ الْعَرَبِيُّ بِالتَّنْقِيحِ اخْتُلِفَ فِي الْأَخْذِ عَنْهُ، فَقَدْ كَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَعِيبُ الْحُطَيْئَةَ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ1: "وَجَدْتُ شِعْرَهُ كُلَّهُ جَيِّدًا" فَدَلَّنِي عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصْنَعُهُ، وَلَيْسَ هَكَذَا الشَّاعِرُ الْمَطْبُوعُ، إِنَّمَا الشَّاعِرُ الْمَطْبُوعُ الَّذِي يَرْمِي بِالْكَلَامِ عَلَى عَوَاهِنِهِ2، جَيِّدِهِ عَلَى رَدِيئِهِ"،وَمَا قَالَهُ هُوَ الْبَابُ الْمُنْتَهَجُ، وَالطَّرِيقُ الْمَهَيْعُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَمِنْ زَاوَلَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَقَفَ مِنْ هَذَا عَلَى عِلْمٍ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لِلْمُتَكَلِّمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِيهِمَا3 فَوْقَ مَا يَسَعُهُ لِسَانُ الْعَرَبِ، وَلْيَكُنْ شَأْنُهُ الِاعْتِنَاءَ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ تَعْتَنِيَ الْعَرَبُ به، والوقوف عند ما حدته4.

_ 1 قوله في "الأغاني" "2/ 43- 44" بنحوه. 2 أي: عواجله وحواضره. 3 هذه النتيجة ليست هي المنتظرة في هذين الوجهين الأخيرين، بل كان ينتظر أن يأتي من الكتاب أو الحديث بما فيه إهمال بعض أحكام اللفظ، أو ما رمي به الكلام على عواهنه جيده على غير جيده، ولعل ذلك لا يكون في الكتاب والسنة أصلا، وإذا كان هكذا كان المناسب حذف هذين الوجهين من المقام. "د". 4 في الأصل: "حدث"، وانظر في معنى ما ذكره المصنف: "مجاز القرآن" "1/ 8" لأبي عبيدة، و"الرسالة" "ص42" للشافعي، و"الصاحبي" "ص47-48" لابن فارس.

فَصْلٌ: - وَمِنْهَا1: أَنَّهُ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي مَسْلَكِ الْأَفْهَامِ وَالْفَهْمِ مَا يَكُونُ عَامًّا لِجَمِيعِ الْعَرَبِ، فَلَا يُتَكَلَّفُ فِيهِ فَوْقَ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي، فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْفَهْمِ وَتَأَتِّي التَّكْلِيفِ فِيهِ لَيْسُوا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ وَلَا مُتَقَارِبٍ، إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَقَارَبُونَ فِي الْأُمُورِ الْجُمْهُورِيَّةِ وَمَا وَالَاهَا، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ مَصَالِحُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَتَعَمَّقُونَ فِي كَلَامِهِمْ وَلَا فِي أَعْمَالِهِمْ، إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا لَا يُخِلُّ بِمَقَاصِدِهِمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقْصِدُوا أَمْرًا خَاصًّا لِأُنَاسٍ خَاصَّةٍ، فَذَاكَ كَالْكِنَايَاتِ الْغَامِضَةِ، وَالرُّمُوزِ الْبَعِيدَةِ، الَّتِي تَخْفَى عَنِ الْجُمْهُورِ، وَلَا تَخْفَى عَمَّنْ قُصِدَ بِهَا، وَإِلَّا كَانَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ مَعْهُودِهَا. فَكَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَنْزِلَ فَهْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مَعَانِيهِ مُشْتَرَكَةً لِجَمِيعِ الْعَرَبِ، وَلِذَلِكَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أحرف2، واشتركت فيه اللغات

_ 1 أي: القواعد. 2 أحسن ما رأيته في بيانه ما ذكره النويري في "شرحه للطيبة" في مقدمات الكتاب، وليس فيما عده الإمالة والترقيق لا شيء من صفات الحروف، بل هي أنواع سبعة ترجع لحذف لفظ أو زيادة لفظ كـ "تجري تحتها الأنهار" و"من تحتها"، وإبدال لفظ بمرادفه، كـ"تبينوا وتثبتوا"، وتقديم لفظ وتأخيره، وإبدال حركة بأخرى بتغير المعنى بسببها، ولكنه يكون كل منها صحيحا ومرادان إلى آخر ما ذكره "د". وكتب "خ" هنا ما نصه: "حكى القرطبي عن ابن حبان أن الاختلاف في معنى الأحرف السبعة بلغ خمسة وثلاثين قولا، وأظهر هذه الأقوال أن يكون المراد منها وجوه تغاير الألفاظ مع الاتفاق أو التقارب في المعنى، ومن أصحاب هذا القول من يرى لفظ السبعة مستعملا في الكثرة، ومنهم من يجعل هذا العدد الخاص مقصودا، ويذكر في بيانه الإبدال واختلاف تصريف الأفعال، واختلاف وجوه الإعراب والتقديم والتأخير والنقص والزيادة، والاختلاف بمثل الإمالة والترقيق والإدغام، واختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع، ومن وجوه هذا التغاير ما ينشأ عن اختلاف اللغات، ومنها ما يكون في لغة وحده. "خ". وانظر في ذلك: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 389" وما بعدها".

حَتَّى كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ تَفْهَمُهُ. وَأَيْضًا، فَمُقْتَضَاهُ مِنَ التَّكْلِيفِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا النَّمَطِ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَيْسَ كَالْقَوِيِّ، وَلَا الصَّغِيرَ كَالْكَبِيرِ، وَلَا الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ، بَلْ كُلٌّ لَهُ حَدٌّ ينتهي إليه في العبارة1 الْجَارِيَةِ، فَأَخَذُوا بِمَا يَشْتَرِكُ الْجُمْهُورُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَلْزَمُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِهِمْ: بِالْحُجَّةِ الْقَائِمَةِ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَلْزَمَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَلَكَلَّفَهُمْ بِغَيْرِ قِيَامِ حُجَّةٍ، وَلَا إِتْيَانٍ بِبُرْهَانٍ، وَلَا وَعْظٍ وَلَا تَذْكِيرٍ، وَلَطَوَّقَهُمْ فَهْمَ مَا لَا يُفْهَمُ وَعِلْمَ مَا لَمْ يُعْلَمْ، فَلَا حِجْرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ حُجَّةَ الْمُلْكِ قَائِمَةٌ: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الْأَنْعَامِ: 149] . لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَهُمْ مِنْ حَيْثُ عَهِدُوا، وَكَلَّفَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَهُمُ الْقُدْرَةُ2 عَلَى مَا بِهِ كُلِّفُوا، وَغُذُّوا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ بِمَا يَسْتَقِيمُ بِهِ مُنْآدُهُمْ3، وَيَقْوَى بِهِ ضَعِيفُهُمْ، وَتَنْتَهِضُ بِهِ عَزَائِمُهُمْ: مِنَ الْوَعْدِ تَارَةً، وَالْوَعِيدِ أُخْرَى، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ أُخْرَى، وَبَيَانِ مَجَارِي الْعَادَاتِ فِيمَنْ سَلَفَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْفَرِدُوا بِهَذَا الأمر دون الخلق الماضيين، بَلْ هُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي مُقْتَضَاهُ، وَلَا يَكُونُونَ مُشْتَرِكِينَ إِلَّا فِيمَا لَهُمْ مُنَّةٌ4 عَلَى تَحَمُّلِهِ، وَزَادَهُمْ تَخْفِيفًا دُونَ الْأَوَّلِينَ، وَأَجْرَى فَوْقَهُمْ فَضْلًا من الله ونعمة، والله عليم حكيم.

_ 1 كذا في الأصل و"ط"، وفي "ماء/ ص 153": "العبارات"، وفي باقي النسخ المطبوعة: "العادة". 2 في "ط": "قدرة" بالتنكير. 3 في الأصل: "متادهم"، وقال في الحاشية: "هو جهة من الأود"، وفي "خ": "مناديهم"، وفسرها "د" في الهامش بقوله: "أي: معوجهم". 4 المنة: القوة ".

وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ ". قَالَ: "يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" 1. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِجْرَاءُ الْفَهْمِ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى وِزَانِ الِاشْتِرَاكِ الْجُمْهُورِيِّ الَّذِي يَسَعُ الْأُمِّيِّينَ كَمَا يَسَعُ غَيْرَهُمْ. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الِاعْتِنَاءُ بِالْمَعَانِي الْمَبْثُوثَةِ فِي الْخِطَابِ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا كَانَتْ عِنَايَتُهَا بِالْمَعَانِي، وَإِنَّمَا أَصْلَحَتِ الْأَلْفَاظَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهَذَا الْأَصْلُ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَاللَّفْظُ إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا أَيْضًا كُلُّ الْمَعَانِي، فإن

_ 1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب القراءات، باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف، 5/ 194/ رقم 2944"، والطيالسي في "المسند" "رقم 543"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 518"، وأحمد في "المسند" "5/ 132"، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" 3/ رقم 1168، 1169، وابن حبان في "الصحيح" "3/ 14/ رقم 739- الإحسان، والشاشي في "مسنده" "3/ 362/ رقم 1480، 1481" من طرق عن عاصم عن زر عن أبي به. وإسناده حسن، عاصم صدوق له أوهامن حجة في القراءة، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه أبي بن كعب"، وقال قبل ذلك: "وفي الباب عن عمر وحذيفة بين اليمان وأم أيوب وسمرة وابن عباس وأبي هريرة وأبي جهم بن الحارث بن الصمة وعمرو بن العاص وأبي بكرة". قلت: وأقرب ألفاظها للفظ المصنف حديث حذيفة عند أحمد في "المسند" "5/ 405-406".

المعنى الإفرادي قد لا يُعْبَأُ بِهِ، إِذَا كَانَ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيُّ مَفْهُومًا دُونَهُ، كَمَا لَمْ يَعْبَأْ ذُو الرُّمَّةِ "بِبَائِسٍ" وَلَا "يَابِسٍ" اتِّكَالًا مِنْهُ عَلَى أَنَّ حَاصِلَ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا مَا فِي "جَامِعِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ المخرَّج عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قرأ: {فَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] ، قَالَ: مَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا كُلِّفْنَا هَذَا. أَوْ قَالَ: مَا أُمِرْنَا بِهَذَا1. وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا سأل عمر بن الخطاب عن قوله: {فَاكِهَةً وَأَبًّا} [عَبَسَ: 31] : مَا الْأَبُّ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نُهِينَا عَنِ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ2. وَمِنَ الْمَشْهُورِ تَأْدِيبُهُ لِصَبِيغٍ3 حِينَ كَانَ يُكْثِرُ السُّؤَالَ عَنِ {الْمُرْسَلاتِ} [الْمُرْسَلَاتِ: 1] ، وَ {الْعَاصِفَاتِ} [الْمُرْسَلَاتِ: 2] وَنَحْوِهِمَا. وَظَاهِرُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى التَّرْكِيبِيَّ مَعْلُومٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى فَهْمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، فَرَأَى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ تكلُّفٌ، وَلِهَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ صَحِيحٌ، نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [الْبَقَرَةِ: 177] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: فَلَوْ كَانَ فَهْمُ اللَّفْظِ الْإِفْرَادِيِّ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ التَّرْكِيبِيِّ، لَمْ يَكُنْ تَكُلُّفًا، بَلْ هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف} [النَّحْلِ: 47] ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: التَّخَوُّفُ عِنْدَنَا التنقص، ثم أنشده:

_ 1 مضى تخريجه "1/ 49"، وهو صحيح. 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، 13/ 264- 265". 3 مضى تخريجه "1/ 51"، وهو صحيح، وفي "خ": "ضبيع". قلت: وفي حاشية الأصل قال: "صبيغ، كأمير، آخره معجمة".

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ1 فَقَالَ عُمَرُ: "أَيُّهَا النَّاسُ! تَمَسَّكُوا بِدِيوَانِ شِعْرِكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُمْ"2، فَلَيْسَ بَيْنَ الْخِبْرَيْنِ تَعَارُضٌ لِأَنَّ هَذَا [قَدْ] 3 تَوَقَّفَ فَهْمُ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا، فَاللَّازِمُ الِاعْتِنَاءُ بِفَهْمِ مَعْنَى الْخِطَابِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْمُرَادُ، وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي4 الْخِطَابُ ابْتِدَاءً، وَكَثِيرًا مَا يُغْفَلُ هَذَا النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكِتَابِ5 وَالسُّنَّةِ، فَتُلْتَمَسُ غَرَائِبُهُ وَمَعَانِيهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي6، فَتَسْتَبْهِمُ عَلَى الْمُلْتَمِسِ، وَتَسْتَعْجِمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَقَاصِدَ الْعَرَبِ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ فِي غَيْرِ مَعْمَلٍ، وَمَشْيُهُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَاللَّهُ الْوَاقِي بِرَحْمَتِهِ.

_ 1 التامك: السنام، والقرد: الذي تجعد شعره فكان كأنه وقاية للسنام، والنبع: شجر للقسي والسهام، والسفن: كل ما ينحت به غيره. "د". في حاشية المخطوط ما نصه: "الرحل، بالحاء المهملة: ما يوضع على الدابة، والضمير في "منها" لناقة، وتامكا، على وزن فاعل: سنام الناقة، وقرد، بفتح القاف، وكسر الراء: لبد من السمن، وعود النبعة معروف، والسفن، بفتح السين والفاء: آلة القطع كالقدوم، يقول: إن الرحل قطع من ناقته سناما سمينا كما قطع القدوم شجرة النبع". 2 مضى تخريجه "1/ 58"، وهو ضعيف، وتقدم بيان ما في الشعر من الغريب بتفصيل، ولله الحمد. 3 ليست في الأصل ولا في "ماء". 4 في الأصل: "بني". 5 في الأصل: و"ط": "إلى الكتاب",. 6 ومن أطرف ما يحكى ما عزاه النعيمي في "الدارس في تاريخ المدارس" "1/ 25" إلى النووي بقوله: "وبقيت أكثر من شهرين أو أقل، لما قرأت في "التنبيه": يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج"، أعتقد أن ذلك قرقرة البطن، فكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني". ونقلها أيضا الذهبي في "تاريخ الإسلام" "ق 574- نسخة رامبور" والسخاوي في ترجمة الإمام النووي" "ص5، 6"، والسيوطي في "المنهاج السوي" "ص32" وعقب عليها بعضهم بقوله: "والظاهر أن الحياء كان يمنعه السؤال عن ذلك".

فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ التَّكَالِيفُ الِاعْتِقَادِيَّةُ وَالْعَمَلِيَّةُ مِمَّا يَسَعُ الْأُمِّيَّ تَعَقُّلُهَا، لِيَسَعَهُ الدُّخُولُ تَحْتَ حُكْمِهَا. أَمَّا الِاعْتِقَادِيَّةُ -بِأَنْ تَكُونَ مِنَ الْقُرْبِ لِلْفَهْمِ، وَالسُّهُولَةِ عَلَى الْعَقْلِ، بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْجُمْهُورُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ أَوْ بَلِيدًا-، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ، لَمْ تَكُنِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً، وَلَمْ تَكُنْ أُمِّيَّةً، وَقَدْ ثَبَتَ كَوْنُهَا كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذِ1. وَأَيْضًا، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لزمه بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُمْهُورِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ2، وَلِذَلِكَ تَجِدُ الشَّرِيعَةَ لَمْ تُعَرِّفْ مِنَ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَّا بِمَا يَسَعُ فَهْمُهُ، وَأَرْجَتْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَرَّفَتْهُ بِمُقْتَضَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَحَضَّتْ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَأَحَالَتْ3 فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشُّورَى: 11] ، وَسَكَتَتْ عَنْ أَشْيَاءَ لَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا العقول، نعم، لا ينكر

_ 1 انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "9/ 37". 2 انظر في ذلك: "البرهان" "1/ 105"، و"المستصفى" "1/ 56، 86-88، و"البحر المحيط" "1/ 220 و 388"، و"الإبهاج" "1/ 170"، و"سلاسل الذهب" "136"، و"روضة الناظر" "1/ 234- 235- ط الرشد"، و"المحصول" "1/ 2/ 363"، و"المسودة" "80"، و"الإحكام" "1/ 137" للآمدي، و"تيسير التحرير" "2/ 135"، و"إرشاد الفحول" 9، و"رفع الحرج في الشريعة الإسلامية" "187- 205" ليعقوب الباحسين. 3 في "خ": "وإحالة".

تَفَاضُلُ الْإِدْرَاكَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الْقَدْرِ الْمُكَلَّفِ بِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَا1 يَكُونُ أَصْلًا لِلْبَاحِثِينَ وَالْمُتَكَلِّفِينَ، كَمَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، بَلِ الَّذِي جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ النَّهْيُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى قَالَ: "لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ " 2. وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَعَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِي3 عَامًّا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَأَخْبَرَ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ إِلَّا فِيمَا تَحْتَهُ عَمَلٌ4، وَإِنَّمَا يُرِيدُ مَا كَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَهْتَدِي الْعُقُولُ لِفَهْمِهَا مما

_ 1 في الأصل: "وما". 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، 6/ 336 / رقم 3276"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، 1/ 119- 120م رقم 134" عن أبي هريرة مرفوعا: "يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله، ولينته". وأورده مسلم بألفاظ مقاربة أخرى، واللفظ الذي عند المصنف هو من حديث أنس مرفوعا، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، 13/ 265/ رقم 7296". 3 أما النهي عن كثرة السؤال، فقد ورد في غير حديث عند المصنف، منها حديث المغيرة المتقدم "1/ 48"، وأما النهي عن التكلف، فقد أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، 13/ 264- 265" بسنده إلى أنس، قال: "كنا عند عمر، فقال: نُهِينا عن التكلف"، ومن المقرر في علم المصطلح أن قول الصحابي: "نُهِينا"، و"أُمِرنا" له حكم المرفوع. 4 أسند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "309"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "2/ 938/ رقم 1786" بسند عن مالك، قال: "الكلام في الدين أكرهه، وكان أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه.... ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل".

سُكِتَ عَنْهُ، أَوْ مِمَّا وَقَعَ نَادِرًا مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ مُحَالًا بِهِ عَلَى آيَةِ التَّنْزِيهِ. وَعَلَى هَذَا، فَالتَّعَمُّقُ فِي الْبَحْثِ فِيهَا وَتَطَلُّبُ مَا لَا يَشْتَرِكُ الْجُمْهُورُ فِي فَهْمِهِ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضَى وَضْعِ الشَّرِيعَةِ الْأُمِّيَّةِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَمَحَتِ النَّفْسُ إِلَى طَلَبِ مَا لَا يُطْلَبُ مِنْهَا فَوَقَعَتْ فِي ظُلْمَةٍ لَا انْفِكَاكَ لَهَا مِنْهَا، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ: وَلِلْعُقُولِ قُوًى تَسْتَنُّ1 دُونَ مَدًى ... إِنْ تَعْدُهَا2 ظَهَرَتْ فِيهَا اضْطِرَابَاتُ وَمِنْ طِمَاحِ النُّفُوسِ إِلَى مَا لَمْ تُكَلَّفْ بِهِ نَشَأَتِ الْفِرَقُ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا. وَأَمَّا الْعَمَلِيَّاتُ، فَمِنْ مُرَاعَاةِ الْأُمِّيَّةِ فِيهَا أَنْ وَقَعَ تَكْلِيفُهُمْ بِالْجَلَائِلِ فِي الْأَعْمَالِ وَالتَّقْرِيبَاتِ3 فِي الْأُمُورِ، بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الْجُمْهُورُ كَمَا عَرَّفَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ بِالْأُمُورِ الْمُشَاهَدَةِ لَهُمْ، كَتَعْرِيفِهَا بِالظِّلَالِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ، وَغُرُوبِهَا وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [الْبَقَرَةِ: 187] ، وَلَمَّا كَانَ فِيهِمْ مَنْ حَمَلَ الْعِبَارَةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، نَزَلَ4: {مِنَ الْفَجْرِ} . وَفِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم" 5.

_ 1 من استن الفرس قمص وهو أن ترفع يديها وتطرحهما معا وتعجن برجليهان وهو غاية الاعوجاج في سيرها، فلا تقطع به الطريق، وتؤذي راكبها. "د". 2 في الأصل: "تعده". 3 لعل الأصل "بالتقريبات"، أي فلم يكلفوا بما يقتضي الضبط التام للأوقات، بل بأمارات وعلامات تقريبية، مع أنها جعلت أمارات لجلائل الأعمال كالصلاة والصوم والحج. "د". 4 سيأتي تخريج ذلك "3/ 298". 5 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم باب متى يحل فطر الصائم، 4/ 196 رقم 1954"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، 2/ 772/ رقم 1100"، والترمذي في "الجامع "أبواب الصوم، باب وقت انقضاء الصوم وخروج النهار/ رقم 698"، والنسائي في "الكبرى"- كما في "تحفة الأشراف" "8/ 34"-، وأحمد في "المسند" "1/ 28، 35، 48، 54"،والبيهقي في الكبرى "4/ 216، 237، 238" عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَالَ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسُبُ وَلَا نَكْتُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا" 1. وَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ" 2. وَلَمْ يُطَالِبْنَا بِحِسَابِ مَسِيرِ الشَّمْسِ مَعَ الْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَعْهُودِ الْعَرَبِ وَلَا مِنْ عُلُومِهَا3، وَلِدِقَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ، وَصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ4، وَأَجْرَى لَنَا غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ مُجْرَى الْيَقِينِ، وَعَذَرَ الْجَاهِلَ فَرَفَعَ

_ 1 مضى تخريجه "1/ 56"، والحديث في الصحيحين" بلفظ: "إنا" بتقديم "نكتب" على "نحسب". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، 4/ 113/ رقم 1900، وباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" 4 / 119/ رقم 1906"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، 2/ 759/ رقم 1080" عن ابن عمر رضي الله عنهما. 3 كيف يتفق هذا مع ما تقدم له في المسألة الثالثة؟ "د". 4 ذهب قوم منهم ابن شريح* إلى اعتبار منازل القمر والرجوع إلى المنجمين، وتأولوا على هذا الرأي قوله عليه الصلاة والسلام: "فإذا غم عليكم، فاقدروا له"، والمحقق أن المراد من قوله: "فاقدروا له" ما بينته رواية: "فإن غم عليكم، فاقدروا ثلاثين"، ورواية: "فأكملوا العدة ثلاثين"،ويؤيده من جهة النظر ما أومأ إليه المصنف من أن الصوم عبادة يتوجه الخطاب بها إلى المكلفين عامة، فلم يكن من اللائق تعليق الحكم فيها بما لا يعرفه إلا طائفة خاصة من الناس. "خ".

عَنْهُ الْإِثْمَ، وَعَفَا عَنِ الْخَطَأِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ لِلْجُمْهُورِ، فَلَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ عَمَّا حُدَّ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَا تَطَّلُّبُ مَا وَرَاءَ هَذِهِ الْغَايَةِ، فَإِنَّهَا مَظِنَّةُ الضَّلَالِ، وَمَزِلَّةُ الْأَقْدَامِ. فَإِنْ قِيلَ1: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ تَدْقِيقِ2 النَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ الْأَحْكَامِ، وَمَظَانِّ الشُّبُهَاتِ، وَمَجَارِي الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعِ لِلنَّاسِ، وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي التَّحَرُّزِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهْلِكَاتِ، الَّتِي هِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الدَّقَائِقِ الَّتِي لَا يَهْتَدِي إِلَى فَهْمِهَا وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا إِلَّا الْخَوَاصُّ، وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ عَظَائِمَ وَهِيَ مِمَّا لَا يَصِلُ إِلَيْهَا الْجُمْهُورُ. وَأَيْضًا، لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْعُلَمَاءِ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَقَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ خَاصَّةً وَعَامَّةً، وَكَانَ لِلْخَاصَّةِ مِنَ الْفَهْمِ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ عَرَبًا وَأُمَّةً أُمِّيَّةً، وَهَكَذَا سَائِرُ الْقُرُونِ إِلَى الْيَوْمِ، فَكَيْفَ3 هذَا؟ وَأَيْضًا، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ عَامَّةً، وَمَا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ خَاصَّةً، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ الْمُتَشَابِهَاتُ، فَهِيَ شَامِلَةٌ لِمَا يُوصَلُ إِلَى فَهْمِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَا لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، فَأَيْنَ الِاخْتِصَاصُ بِمَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ خَاصَّةً؟ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْمُتَشَابِهَاتُ، فَإِنَّهَا مِنْ قَبِيلٍ غَيْرِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهَا إِمَّا رَاجِعَةٌ إِلَى أُمُورٍ إِلَهِيَّةٍ لَمْ يَفْتَحِ الشَّارِعُ لِفَهْمِهَا بَابًا غَيْرَ التَّسْلِيمِ والدخول تحت

_ 1 السؤال وارد على كلامه في الاعتقاديات والعمليات بدليل قوله: "فإن الشريعة قد اشتملت.... إلخ". "د". 2 في الأصل: "وتدقيق". 3 في الأصل: "وكيف".

آيَةِ التَّنْزِيهِ، وَإِمَّا رَاجِعَةٌ إِلَى قَوَاعِدَ شَرْعِيَّةٍ، فَتَتَعَارَضُ أَحْكَامُهَا1، وَهَذَا خَاصٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى عَامٍّ2 هُوَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا يُجَابُ عَنْهَا بِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أُمُورٌ إِضَافِيَّةٌ لَمْ يُتَعَبَّدْ بِهَا أَوَّلَ الْأَمْرِ لِلْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ تَعْرِضُ لِمَنْ تَمَرَّنَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَزَاوَلَ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ، وَامْتَازَ عَنِ الْجُمْهُورِ بِمَزِيدِ فَهْمٍ فِيهَا، حَتَّى زَايَلَ الْأُمِّيَّةَ مِنْ وَجْهٍ، فَصَارَ تَدْقِيقُهُ فِي الْأُمُورِ الْجَلِيلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَتَهُ، فَنِسْبَتُهُ إِلَى مَا فَهِمَهُ نِسْبَةُ الْعَامِّيِّ إِلَى مَا فَهِمَهُ، وَالنِّسْبَةُ إِذَا كَانَتْ مَحْفُوظَةً، فَلَا يَبْقَى تَعَارُضٌ3 بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَرَاتِبَ لَيْسُوا فِيهَا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، كَمَا أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ، فَلَيْسَ مَنْ لَهُ مَزِيدٌ فِي فَهْمِ الشَّرِيعَةِ كَمَنْ لَا مَزِيدَ لَهُ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ جَارٍ عَلَى أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ. وَالِاخْتِصَاصَاتُ فِيهَا هِبَاتٌ مِنَ اللَّهِ لَا تُخْرِجُ أَهْلَهَا عَنْ حُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، بَلْ يَدْخُلُونَ مَعَ غَيْرِهِمْ فِيهَا، وَيَمْتَازُونَ هُمْ بِزِيَادَاتٍ في ذلك الأمر المشترك.

_ 1 أي أن المسألة تكون محتملة الدخول تحت قواعد شرعية مختلفة، فتتعارض أحكامها بحسب الظاهر، ويحصل الاشتباه. "د". وفي "ط": "تتعارض أحكامها". 2 في "خ": "هام". 3 كيف لا يعارض هذا ما قرره في نتيجة هذا الفصل من قوله آنفا: "وعلى هذا، فالتعمق في البحث في الشريعة وتطلب ما لا يشترك فيه الجمهور خروج عن مقتضى وضع الشريعة الأمية"، وهنا يقول: "إنها أمور إضافية"، و"إن تدقيق الذي يتمرن على علم الشريعة في الأمور الجليلة، وإن نسبة ما فهمه إلى ما يفهمه العامي نسبة محفوظة"، ولا يقال: إن ما قرره كان خاصا بالاعتقاديات، لأنا نقول: الجواب أصله عام في المتشابهات الاعتقادية وغيرها، كما يعلم من النظر في الاعتراض، وعلى كل حال، فهو هنا يثبت أن للخاصة أن تفهم وتدقق في الشريعة بما لا يناسب الجمهور ولا يشتركون فيه، وهل هذا إلا عين التسليم بالإشكال على ما سبق؟ "د".

بِعَيْنِهِ، فَإِنِ امْتَازُوا بِمَزِيدِ الْفَهْمِ لَمْ يُخْرِجْهُمْ ذَلِكَ عَنْ حُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَزِيدَ أَصْلُهُ الْأَمْرُ الْمُشْتَرَكُ. كَمَا نَقُولُ: إِنَّ الْوَرَعَ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مِنَ الْجَلَائِلِ، كَالْوَرَعِ عَنِ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ، وَالْمَكْرُوهِ الْبَيِّنِ، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ مِنَ الْجَلَائِلِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ مِنْهَا عِنْدَ قَوْمٍ آخَرِينَ، فَصَارَ الَّذِينَ عَدُّوهُ مِنَ الْجَلَائِلِ دَاخِلِينَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ عَلَى الْجُمْلَةِ وإن كانوا قد امتازوا عنهم بالورع على بَعْضِ مَا لَا يَتَوَرَّعُ عَنْهُ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، بِنَاءً عَلَى الشَّهَادَةِ بِكَوْنِ الْمَوْضِعِ مُتَأَكَّدًا لِبَيَانِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَأَكَّدٍ لِدِقَّتِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا الْخَوَاصُّ عَنِ الْعَوَامِّ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْقَانُونِ، فَقَدْ بَانَ أَنَّ الْجَمِيعَ جَارُونَ عَلَى حُكْمِ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ1 مَفْهُومٍ لِلْجُمْهُورِ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا فِيهِ التَّفَاوُتُ إِنَّمَا تَجِدُهُ2 فِي الْغَالِبِ فِي الْأُمُورِ الْمُطْلَقَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَمْ يُوضَعْ لَهَا حَدٌّ يُوقَفُ عِنْدَهُ، بَلْ وُكِلَتْ إِلَى نَظَرِ الْمُكَلَّفِ، فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ فِيهَا مَطْلُوبًا بِإِدْرَاكِهِ، فَمِنْ مُدْرِكٍ فِيهَا أَمْرًا قَرِيبًا فَهُوَ3 الْمَطْلُوبُ مِنْهُ، وَمِنْ مُدْرِكٍ فِيهَا أَمْرًا هُوَ4 فَوْقَ الأول، فهو المطلوب منه، وربما تفاوت

_ 1 وهل هذه هي الدعوى التي يشتغل في هذه الفصول بإثباتها، وهي أن الشريعة أمية، وأنه لا يصح أن تفهم إلا بالوجه الذي يعهده الأميون والجمهور، أما كون الأمر المشترك في التكليف هو ما يفهمه الجمهور وما يقدر على أدائه الجمهور، فلا مرية فيه، إنما الكلام فيما أطال فيه النفس في هذه الفصول من الحجر على الخواص أن يفهموا الكتاب إلا بمقدار الأميين والجمهور، وبنى على هذه النتائج. "د". 2 على كل حال هو موجود، سواء أكان في هذا النوع فقط أم على الإطلاق، فلا ينحسم الإشكال. "د". 3 في الأصل: "هو". 4 في الأصل: "فهو".

الْأَمْرُ فِيهَا بِحَسَبِ قُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ عَلَى الدَّوَامِ فِيمَا1 دَخَلَ فِيهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِ، فَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِهِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا، بَلْ بِمَا هُوَ دُونَهَا، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ كَانَ مَطْلُوبًا، وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ يُعْتَبَرُ مَا جَاءَ مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ وُضِعَتِ الْعَمَلِيَّاتُ عَلَى وَجْهٍ لَا تُخْرِجُ الْمُكَلَّفَ إِلَى مَشَقَّةٍ يَمَلُّ2 بِسَبَبِهَا، أَوْ إِلَى تَعْطِيلِ عَادَاتِهِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا صَلَاحُ دُنْيَاهُ، وَيَتَوَسَّعُ بِسَبَبِهَا فِي نَيْلِ حُظُوظِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي لَمْ يُزَاوِلْ شَيْئًا مِنَ الْأُمُورِ3 الشَّرْعِيَّةِ وَلَا الْعَقْلِيَّةِ- وَرُبَّمَا اشْمَأَزَّ قَلْبُهُ عَمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ مُعْتَادِهِ4- بِخِلَافِ مَنْ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عَهْدٌ، وَمِنْ هُنَا كَانَ نُزُولُ الْقُرْآنِ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَوَرَدَتِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا5 وَلَمْ تَنْزِلْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ لِئَلَّا تَنْفِرَ عَنْهَا النُّفُوسُ دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَفِيمَا يُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: "مَا لَكَ لَا تُنَفِّذُ الْأُمُورَ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي لَوْ أَنَّ الْقُدُورَ غَلَتْ بِي وَبِكَ فِي الْحَقِّ". قَالَ لَهُ عُمَرُ: "لَا تَعْجَلْ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَرَّمَهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّى أَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملة، ويكون من ذا فتنة"6.

_ 1 في "خ": "فيها". 2 في الأصل: "يقل". 3 في "ط": "العلوم". 4 في "ط": "معتاداته". 5 في الأصل: "شيئا". 6 نحوه في "سيرة عمر بن عبد العزيز" "60" لابن عبد الحكم، وكتب "خ": من أقوى الدعائم في نجاح السياسة أن يفحص الرئيس مزاج الأمة ويسير في علاجها وترقية شأنها شيئا فشيئا للوجه الذي بسطه المصنف في هذا المقام، وقد يتخذ الأجنبي المتغلب هذه الطريقة محورًا يدير عليها سياسته في الشعوب الغافلة، فيوجس في نفسه أن يضع عليها من القوانين والتصرفات ما ينحدر بها إلى هاوية الشقاء والجهالة، ولكنه يحذر أن تطرحها جملة وتفضل الموت في مواقع الدفاع على الحياة تحت نير الأسر والاستعباد، فيأخذها بتلك القوانين والتصرفات رويدا رويدا حتى تألف مرارتها ويتهون عليها المقام تحت أعبائها".

وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ فِي الِاسْتِقْرَاءِ الْعَادِيِّ، فَكَانَ مَا كَانَ أَجْرَى بِالْمَصْلَحَةِ وَأَجْرَى عَلَى جِهَةِ التَّأْنِيسِ1، وَكَانَ أَكْثَرُهَا عَلَى أَسْبَابٍ وَاقِعَةٍ، فَكَانَتْ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ حِينَ صَارَتْ تَنْزِلُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، وَكَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى التَّأْنِيسِ حِينَ كَانَتْ تَنْزِلُ حُكْمًا حُكْمًا وَجُزْئِيَّةً جُزْئِيَّةً؛ لِأَنَّهَا إِذَا نَزَلَتْ كَذَلِكَ، لَمْ يَنْزِلْ حُكْمٌ إِلَّا وَالَّذِي قَبْلَهُ قَدْ صَارَ عَادَةً، وَاسْتَأْنَسَتْ بِهِ نَفْسُ الْمُكَلَّفِ الصَّائِمِ عَنِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْعِلْمِ بِهِ رَأْسًا، فَإِذَا نَزَلَ الثَّانِي كَانَتِ النَّفْسُ أَقْرَبَ لِلِانْقِيَادِ لَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ. وَلِذَلِكَ أُونسوا فِي الِابْتِدَاءِ2 بِأَنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا يُؤْنَسُ الطِّفْلُ فِي الْعَمَلِ بِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ أَبِيهِ، يَقُولُ تَعَالَى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الْحَجِّ: 78] . {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِي} [النَّحْلِ: 123] . {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه} [آلِ عِمْرَانَ: 68] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ: فَلَوْ نَزَلَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَتَكَاثَرَتِ التَّكَالِيفُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَنْقَادَ إِلَيْهَا انْقِيَادَهُ إِلَى الحكم الواحد أو الاثنين.

_ 1 في "خ": "التأنيث". 2 ظاهر فيما كان من ذلك مكيا وسابقا، وأما ما كان مدنيا أو متأخرا كآية: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ} ، فلا يظهر فيه قوله أونسوا في الابتداء، إلا أن يقال: إن مثله زيادة في التوكيد والتقرير كما هو شأن ما تكرر من المكيات في المدينة. "د". قلت: والجملة في الأصل: "أنسوا في الابتداء"، وفي "ط": "ولذلك أيضا أُونسوا".

وَفِي الْحَدِيثِ: "الْخَيْرُ عَادَةٌ" 1 وَإِذَا اعْتَادَتِ النَّفْسُ فعلا مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ حَصَلَ لَهُ بِهِ نُورٌ فِي قَلْبِهِ، وَانْشَرَحَ بِهِ صَدْرُهُ، فَلَا يَأْتِي فِعْلٌ ثانٍ إِلَّا وَفِي النَّفْسِ لَهُ الْقَبُولُ؛ هَذَا فِي عَادَةِ اللَّهِ فِي أَهْلِ الطَّاعَةِ، وَعَادَةٌ أُخْرَى جَارِيَةٌ فِي النَّاسِ أَنَّ النَّفْسَ أَقْرَبُ انْقِيَادًا إِلَى فِعْلٍ يَكُونُ عِنْدَهَا فِعْلٌ آخَرُ مِنْ نَوْعِهِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَكْرَهُ أَضْدَادَ هَذَا وَيُحِبُّ مَا يُلَائِمُهُ، فَكَانَ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَكْرَهُ الْعُنْفَ2، وَيَنْهَى عَنِ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ3 وَالدُّخُولِ تَحْتَ مَا لَا يُطَاقُ حَمْلُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الانقياد، وأسهل في التشريع للجمهور.

_ 1 أخرجه ابن ماجة في "السنن" "المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم 1/ 80/ رقم 221"، وابن حبان في "الصحيح" "2/ 8/ رقم 310 - الإحسان"، والطبراني في "الكبير" "19/ 385-386/ رقم 904"، و"مسند الشاميين" "رقم 2215"، وابن عدي في الكامل" "3/ 1005"، وأبو الشيخ في "الأمثال" "رقم 20"، وابن أبي عاصم في "الصمت" "100"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 252"، و"تاريخ أصبهان" "1/ 345"،والقضاعي في "مسند الشهاب" رقم 22 عن معاوية مرفوعا، وإسناده حسن، والحديث في "السلسلة الصحيحة" لشيخنا الألباني "رقم 651". 2 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق 4/ 2003-2004/ رقم 2593" عن عائشة مرفوعا: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه". وأخرج برقم "2594" عنها رضي الله عنها مرفوعا: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". 3 وقد مضى ذلك في التعليق على "ص142".

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى اعْتِبَارَيْنِ: [مِنْ جِهَةِ دلالته على المعنى الأصلي، و] 1 من جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ الَّذِي هُوَ خَادِمٌ لِلْأَصْلِيِّ2، كَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يُنْظَرَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي تُسْتَفَادُ مِنْهُ الْأَحْكَامُ، وَهَلْ يَخْتَصُّ بِجِهَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ؟ أَوْ يَعُمُّ الْجِهَتَيْنِ مَعًا؟ أَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ اعْتِبَارِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا يَسَعُ فِيهِ خِلَافٌ عَلَى حَالٍ، وَمِثَالُ ذَلِكَ صِيَغُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْعُمُومَاتِ وَالْخُصُوصَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مُجَرَّدًا مِنَ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ لَهَا عَنْ مُقْتَضَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا جِهَةُ الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ، فَهَلْ يَصِحُّ اعْتِبَارُهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهَا مَعَانٍ زَائِدَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا؟ هَذَا مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. فَلِلْمُصَحِّحِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا النَّوْعَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ لَا، وَلَا يُمْكِنُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِهِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، [فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِيهِ، وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى الْمَعْنَى] 3 الْأَصْلِيِّ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي حُكْمًا شَرْعِيًّا، لَمْ يُمْكِنْ إِهْمَالُهُ وَاطِّرَاحُهُ، كَمَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ إِذًا مُعْتَبَرٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالشَّرِيعَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ إِنَّمَا هُوَ من جهة كونها

_ "1و 3" ساقط من الأصل، والمعنى الأصلي: هو لفظ القائل الذي يقصد به الأشياء أو يعمه، والمعنى التبعي: الذي هو الحال الذي يفهم منه زائدا على المعنى الأصلي. "ماء / 156". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "للأصل".

بِلِسَانِ الْعَرَبِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كَلَامًا فَقَطْ، وَهَذَا الِاعْتِبَارُ يَشْمَلُ مَا دَلَّ بِالْجِهَةِ الْأَوْلَى، وَمَا دَلَّ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، هَذَا وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى كَالصِّفَةِ مَعَ الموصوف كالفصل والخاصة، فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ضَائِرٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَخْصِيصُ الْأُولَى بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ دُونَ الثَّانِيَةِ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصَّصٍ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مرجح، وذلك كله باطل، فليست1 الأولى إذا ذَاكَ بِأَوْلَى لِلدَّلَالَةِ2 مِنَ الثَّانِيَةِ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُمَا مَعًا هُوَ الْمُتَعَيَّنَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدِ اعْتَبَرُوهَا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَتِهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَمَا اسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي"3، والمقصود الإخبار بنقصان

_ 1 في "خ": "ليست" 2 في "ط": "بالدلالة". 3 قال البيهقي في "المعرفة" "1/ 367": "وأما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية عن قعودها شطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيرا، فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادًا بحال، والله أعلم". وقال ابن منده فيما حكاه ابن دقيق العيد في "الإمام" عنه: "ذكر بعضهم هذا الحديث، ولا يثبت بوجه من الوجوه"، كذا في "التلخيص الحبير" "1/ 162". وقال ابن الجوزي في "التحقيق": "وهذا لفظ لا أعرفه"، وأقره محمد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" "1/ 615"، ونقل كلامهما ولم يتعقبهما الزيلعي في "نصب الراية" "1/ 193". وقال أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب""1/ 46- ط المصرية القديمة" بعد ذكره: "لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه". وقال النووي في "شرحه" المسمى "المجموع" "2/ 377": و"أما حديث " تمكث شطر دهرها"، فحديث باطل لا يعرف"،وقال في "الخلاصة": باطل لا أصل له"، وقال المنذري: "لم يوجد له إسناد بحال، وأغرب الفخر ابن تيمية في "شرح الهداية" لأبي الخطاب، فنقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: ذكر هذا الحديث عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب "السنن" له، كذا قال، وابن أبي حاتم ليس هو بستيا إنما هو رازي، وليس له كتاب يقال له "السنن". تنبيه: في قريب من المعنى ما اتفقا عليه من حديث أبي سعيد، قال: "أليس إذا حاضت =

الدِّينِ، لَا الْإِخْبَارُ بِأَقْصَى الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ1 اقْتَضَتْ ذِكْرَ ذَلِكَ، وَلَوْ تُصُوِّرَتِ الزِّيَادَةُ لَتَعَرَّضَ لَهَا. وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِنَجَاسَةٍ لَا تُغَيِّرُهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإناء حتى يغلسها" 2 الْحَدِيثَ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ لكان توهمه لا يوجب.

_ = لم تصل ولم تصم، فذلك من نقصان دينها؟ "،ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: "تمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها"، ومن حديث أبي هريرة كذلك، وفي "المستدرك" من حديث ابن مسعود نحوه، ولفظه: "فإن إحداهن تقعد ما شاء الله من يوم وليلة لا تسجد لله سجدة". قلت: وهذا وإن كان قريبا من معنى الأول، لكنه لا يعطي المراد من الأول، وهو ظاهر من التفريع، والله أعلم، وإنما أورد الفقهاء هذا محتجين به على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، ولا دلالة في شيء من الأحاديث التي ذكرناها على ذلك، والله أعلم. قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير" "1/ 162- 163". ولقد تلقى المتأخرون ما أطلقه ابن منده والبيهقي وغيرهما من أن الحديث بهذا اللفظ لا أصل له، كما تراه في "المقاصد" "ص164"، و"مختصر المقاصد" "ص88"، و"التمييز" "ص62"، و"الكشف" "1/ 39"، و"المصنوع" "ص85"، و"الدرر المنتثرة" "ص113"، و"الأسرار المرفوعة" "ص177- 178"، و"الغماز على اللماز" "ص85"و "النخبة البهية" "ص48"، واللؤلؤ المرصوع" رقم 153". 1 أي: فالمقام يقتضي ذكر أقصى ما يقع لها من الحيض الذي يمنع الصلاة وينقص به الدين. "د". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا، 1/ 263/ رقم 162"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثا، 1/ 233/ رقم 278" والمذكور لفظه عن أبي هريرة وقد أسهبت في تخريجه في تعليقي على كتاب "الطهور" "رقم 279". قال الشيخ "د": "وتمامه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يداه". فقال الأئمة: "إنه مستحب، أي لهذا التوهم، أن تكون يده مست نجاسة من ذكره أو غيره، فأخذ منه الشافعي الحكم المذكور".

الِاسْتِحْبَابَ، فَهَذَا الْمَوْضِعُ لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ بَيَانُ حُكْمِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ تَحُلُّهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ، لَكِنَّهُ لَازِمٌ مِمَّا قُصِدَ ذِكْرُهُ. وَكَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الْأَحْقَافِ: 15] ، مَعَ قَوْلِهِ: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لُقْمَانَ: 14] ، فَالْمَقْصِدُ فِي1 الْآيَةِ الْأُولَى بَيَانُ مُدَّةِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الثَّانِيَةِ مُدَّةَ الْفِصَالِ قَصْدًا، وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَحْدَهَا قَصْدًا، فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُدَّةً فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} الآية [البقرة: 187] إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا وَصِحَّةِ الصِّيَامِ، لِأَنَّ إِبَاحَةَ الْمُبَاشَرَةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ تَقْتَضِي2 ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودَ الْبَيَانِ، لِأَنَّهُ لَازِمٌ مِنَ الْقَصْدِ إِلَى بَيَانِ إِبَاحَةِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ3. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 26] . وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ4 بِإِثْبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ لغير الله

_ 1 في الأصل و"ط": "فالقصد". 2 في الأصل: "يقتضي". 3 الدلالة في هذه الآية وما تقدمها من قبيل دلالة الإشارة التي هي دلالة اللفظ على معنى لازم للمعنى المقصود من السياق، وهي أحد أقسام المنطوق غير الصريح كدلالة الاقتضاء ودلالة الإيماء. "خ". 4 أي: الأصلي الذي سيق له التركيب، أما كونه لا يملك، فهو معنى تبعي ولازم من إثبات كونه عبدا ونفي كونه ولدا، لأنه لما نفى الولدية بسبب العبودية وهو المقصود الأصلي، دل على أن هناك تنافيا بين الولدية والعبودية، فالولد لا يملك ولا يكون عبدا، فقوله: "لكنه" الضمير فيه لقوله لا أن الولد لا يملك، وقوله: "وأن لا يكون" سقط منه في الأصل حرف العطف ولا غنى عنه، والمعنى أن كون الولد لا يملك لزم من أمرين في الآية وهما نفي الولد وإثبات ألا يكون إلا عبدا، وكلاهما صريح الآية ومنطوقها، وكونه لا يملك لازم لهذين المعنيين، لأنه إذا كان هناك تنافٍ بين الولدية والعبودية أي الملكية فالولد لا يملك، حتى صح الاستدلال بتنافيهما. "د".

وخصوصا للملائكة نفي اتخاذ الولد، إلا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُمْلَكُ، لَكِنَّهُ لَزِمَ مِنْ نَفْيِ الْوِلَادَةِ1 أَنْ2 لَا يَكُونَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا إِلَّا عَبْدًا، إِذْ لَا مَوْجُودَ3 إِلَّا رَبٌّ أَوْ عَبْدٌ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ثُبُوتِ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ الْحُبُوبِ وَكَثِيرِهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ" 4 الْحَدِيثَ، مَعَ أَنَّ المقصود5 تقدير

_ 1 أي: بقوله: {سُبْحَانَهُ} ، وبالحصر في قوله: {بَلْ هُمْ عِبَادٌ} . "د". 2 كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "وأن" بزيادة واو، وفي "ط": "المنسوب لها". 3 هذا كلام آخر دليل على الحصر الذي قبله. "د". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، 3/ 347/ رقم 1438"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع 2/ 252 / رقم 1596"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الزكاة" باب ما جاء في الصدقة فيما يسقى بالأنهار وغيرها 2/ 75/ رقم 635"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر، 5/ 41" وابن ماجه في "السنن": "كتاب الزكاة، باب صدقة الزروع والثمار 1/ 581/ رقم 1817" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه زيادة وتتمة ستأتي عند المصنف "ص3/ 162". وأخرجه بنحوه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة" باب ما فيه العشر أو نصف العشر 2/ 675/ رقم 981"، والنسائي في "المجتبى" "5/ 41، 42"، من حديث جابر. وفي الباب عن معاذ وأبي هريرة وعلي رضي الله عنهم جميعًا. 5 من أين للمؤلف هذا؟ ولم لا يكون المقصود إفادة المعنيين المخرج والمخرج منه قصدًا أصليًّا؟. "د".

الْجُزْءِ الْمُخْرَجِ لَا تَعْيِينَ الْمُخْرَجِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ كُلُّ عَامٍّ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ1، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى الْأَخْذِ بِالتَّعْمِيمِ اعْتِبَارًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَالْمَقْصُودِ، [وَإِنْ] 2 كَانَ السَّبَبُ عَلَى الْخُصُوصِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الْجُمُعَةِ: 9] مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ إِيجَابُ السَّعْيِ لَا بَيَانَ فَسَادِ الْبَيْعِ3. وَأَثْبَتُوا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ 4 قِيَاسًا كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، مَعَ5 أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ" 6 مُطْلَقُ الملك،

_ 1 لعله يريد أنه حينئذ يكون القصد الأصلي الإجابة على قدر السبب، ويكون الزائد من قبيل ما نحن فيه ليس مقصودا أصليا بل تبعي، وهو محل تأمل؛ لأن الدلالة عليه في مثل الحديث بنفس صيغة العموم، وهي ما بأصل الوضع، فليس من باب اللازم كما يدل عليه قوله: "اعتبارا بمجرد اللفظ"، وقوله: "ومثله" ليس المراد المماثلة الخاصة وأن الحديث السابق مما ورد على سبب، فإنهم لم يذكروا أن حديث الزكاة المذكور نزل على سبب بل المراد المماثلة العامة في أصل الموضوع، وهو الاعتداد بالمعاني الثانوية في استنباط "الأحكام" الشرعية كبقية الأمثلة السابقة. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 3 يريد أن الدلالة على فساده لزمته من النهي عنه، وهو متمشٍ مع ما سبق في الموضوع. "د". 4 وهو ما قُطع فيه بنفي الفارق كمثاله، فإن قصد الشارع للحرية لا فرق فيه بين الذكر والأنثى قطعا. "د". 5 الظاهر الواو بدل مع، والمعنى أن اللفظ بحسب وضعه دال على خصوص الذكر، لكنهم حملوا الأنثى عليه في سريان العتق؛ لأنه لا فارق، ولزم من كونه لا فارق أن يكون مقصود الشارع بالعبد هنا مطلق الملك مجازا، وهو معنى تبعي لا أصلي. "د". 6 تمام الحديث: "وكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد، قوِّم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء، 5/ 132 / رقم 2491"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب العتق، باب منه، 2/ 1139/ رقم 1501"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأحكام، باب العبد يكون بين الرجلين ... 3/ 629/ رقم 1346"، وأبو داود في "السنن" "كتاب العتق، باب من روي أنه لا يستسعى، 4/ 256/ رقم 3940"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب الشركة في الرقيق، 7/ 319"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب العتق، باب من أعتق شركا له في عبد 2/ 844/ رقم 2527"، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

لَا خُصُوصُ الذَّكَر ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُحْصَى كَثْرَةً، وَجَمِيعُهَا تَمَسُّكٌ بِالنَّوْعِ الثَّانِي لَا بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، ثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ جِهَتِهِ صَحِيحٌ مَأْخُوذٌ بِهِ. وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَسْتَدِلَّ أَيْضًا بِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْجِهَةَ إِنَّمَا هِيَ بِالْفَرْضِ خَادِمَةٌ لِلْأُولَى وَبِالتَّبَعِ لَهَا، فَدَلَالَتُهَا عَلَى مَعْنًى إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى، وَمُقَوِّيَةٌ لَهَا، وَمُوَضِّحَةٌ لِمَعْنَاهَا، وَمُوقِعَةٌ لَهَا مِنَ الْأَسْمَاعِ مَوْقِعَ الْقَبُولِ، وَمِنَ الْعُقُولِ مَوْقِعَ الْفَهْمِ، كما تقول فِي الْأَمْرِ الْآتِي لِلتَّهْدِيدِ أَوِ التَّوْبِيخِ، كَقَوْلِهِ: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} [فُصِّلَتْ: 40] . وَقَوْلِهِ: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدُّخَانِ: 49] . فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْأَمْرُ1، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَةٌ في التهديد أو الخزي،

_ 1 أي: فليس المقصود المعنى الأصلي، والتهديد مثلا هو المعنى التبعي، وأن كلا منهما* يأخذ منه حكم، بل المعنى المقصود هنا في الحقيقة هو التهديد مثلا، أما طلب الفعل، فليس مقصودا، وكأن المعنى الأصلي هو المقوي للمعنى التبعي، وهذا وإن كان عكس ما قرره، إلا أنه يفيد أنهما لا ينفكان في الدلالة على المعنى المقصود وتقويته ووقوعه الموقع من الفهم، ولو قال ذلك، لكان أتم، ولعله يقول: إن الصيغة موضوعة** للتهديد، وأنه معنى أصلي لها أيضا، والأمر هو المعنى الثانوي مبالغة في التهديد. "د".

فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حُكْمٌ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ، وَكَمَا نَقُولُ فِي نَحْوِ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يُوسُفَ: 82] : إِنَّ الْمَقْصُودَ: سَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَلَكِنْ جُعِلَتِ الْقَرْيَةُ مَسْئُولَةً مُبَالَغَةً1 فِي الِاسْتِيفَاءِ بِالسُّؤَالِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمْ ينبنِ عَلَى إِسْنَادِ السُّؤَالِ لِلْقَرْيَةِ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هُودٍ: 107] بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا تَفْنَيَانِ وَلَا تَدُومَانِ2، لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ الْإِخْبَارَ بِالتَّأْبِيدِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ انْقِطَاعُ مُدَّةِ الْعَذَابِ لِلْكُفَّارِ3 ... إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى لَا يؤتى على حصرها، وإذا كان

_ 1 فهو تقوية للمعنى المقصود، حتى كأنه لا يدع أحدا من أهلها بدون سؤال. "د". 2 قال بعضهم: المراد بالسموات والأرض هذه الأرض المشاهدة، والكواكب والأفلاك الموجودة، وهذه تبدل وتغير قطعا كما في النصوص، وإن المراد بهذا التعليق التأبيد كما هو معهود العرب في مثله نحو: ما طلع نجم، وما غنت حمامة، مما يقصد به التأبيد لا التعليق، فكون السماوات والأرض تفنيان لا يؤثر في هذا المعنى المقصود وهو التأبيد، ولكن التعليق يقوي هذا المعنى ويوقعه في الفهم الموقع، أما على القول بأن المراد بالسموات والأرض جنسهما، وأنه لا بد من أرض وسماء للجنة والنار غير هذين، وأن التعليق على دائم يقتضي الدوام، فلا يكون مما نحن فيه، فلذا قال: "بناء على القول بأنهما تفنيان"، وبهذا تعلم أن كلام بعضهم هنا انتقال نظر، فإنه ليس الكلام في بقاء الجنة والنار وفنائهما كما هو واضح، فإن القول بأن الجنة تفن لم يقل به مسلم فضلا عن أن نبني عليه استدلالا كهذا. "د". 3 القول بأن الجنة والنار تفنيان هو مذهب جهم بن صفوان إمام الجهمية، وقد تحطمت عقيدتهم الإسلامية على صخرة هذه المقالة، ودخلوا في زمرة المخالفين لصريح كتاب الله وسنة=

كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيضَاحِ وَالتَّأْكِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ لِلْجِهَةِ الْأُولَى، فَإِذًا لَيْسَ لَهَا خصوص حكم يؤخذ منها زئدا عَلَى ذَلِكَ بِحَالٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا مَوْضِعُ خُصُوصِ حُكْمٍ يُقَرَّرُ شَرْعًا دُونَ الْأُولَى لَكَانَتْ هِيَ الْأَوْلَى1، إِذْ كَانَ يَكُونُ تقرير2 ذلك المعنى مقصود بِحَقِّ الْأَصْلِ فَتَكُونُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ مِنَ الْجِهَةِ الْأَوْلَى لَا مِنَ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ مِنَ الثانية، هذا خلف لا يمكن

_ = رسول الله، وما القول بأن الجنة أبدية والنار فانية، فقد حكاه الشيخ ابن تيمية عن بعض الصحابة والتابعين، وتصدى ابن القيم في كتاب "حادي الأرواح" إلى ترجيحه وبسط أدلته. "خ". قلت: كذا قال الشيخ "خ" رحمه الله تعالى، ولم يصب في ذلك، فقد حكاه ابن تيمية وتبعه ابن القيم، فأسهب في هذا المبحث في كتابيه "شفاء العليل" "ص528-552"، و"حادي الأرواح" "ص276-311"، وذكر أدلة القائلين بالفناء، وسكت عليها، فأوهم أنه يرى فناء النار، مع أنه صرح في كتابه "الوابل الصيب" "ص29" أن نار الكافرين والمنافقين لا تفنى، وأن نار عصاة الموحدين هي التي تفنى، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، وهذا ما صرح به ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" "1/ 157"، و"درء تعارض العقل والنقل" "1/ 305"، و"مجموع الفتاوى" "3/ 304"، وله "قاعدة في الرد على من قال بفناء الجنة والنار" ذكرها يوسف بن عبد الهادي في "فهرسته" "ق 26/ أ"، وانظر في المسألة: "رفع الأستار" للصنعاني مع مقدمة شيخنا الألباني، و"دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في الحركات الإسلامية المعاصرة" "ص246-267" لصلاح مقبول، و"دفع إيهام الاضطراب" "ص122" للشنقيطي، و"دفع الشبه الغوية عن شيخ الإسلام ابن تيمية" لأخينا مراد شكري "ص111-119"، و"كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار" لعلي بن علي جابر الحربي، نشر دار طيبة- مكة المكرمة. 1 أي: لكانت جهة تقصد قصدا أوليا، فتكون العبارة عنه من الجهة الأولى لا من الجهة الثانية. "د". 2 في الأصل: "تقدير".

لَا يُقَالُ: إِنَّ كَوْنَهَا دَالَّةً بِالتَّبَعِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا دَالَّةً بِالْقَصْدِ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ ثَانِيًا كَمَا نَقُولُ فِي الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ: إِنَّهَا مَقَاصِدُ أَصْلِيَّةٌ وَمَقَاصِدُ تَابِعَةٌ، وَالْجَمِيعُ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ، وَيَصِحُّ مِنَ الْمُكَلَّفِ الْقَصْدُ إِلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْأَصْلِيَّةِ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ1 في أحكام التكليف حسبما يَأْتِي بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ هُنَا: إِنْ دَلَالَةَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لَا تَمْنَعُ2 قَصْدَ الْمُكَلَّفِ إِلَى فَهْمِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهَا مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ نِسْبَةُ تِلْكَ مِنَ الأخذ بها عملا، وإذا اتحدت النسبةكان التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلَزِمَ مِنِ اعْتِبَارِ إِحْدَاهُمَا اعْتِبَارُ الْأُخْرَى، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ إِهْمَالِ إِحْدَاهُمَا إِهْمَالُ الْأُخْرَى. لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا -إِنْ سُلِّمَ- مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ بِقَصْدِ قَضَاءِ الوَطَر مَثَلًا صَحِيحًا، مِنْ حَيْثُ كَانَ مُؤَكِّدًا لِلْمَقْصُودِ الْأَصْلِيِّ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ النَّسْلُ، فَغَفْلَةُ الْمُكَلَّفِ عَنْ كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ مُؤَكِّدًا فِي قَصْدِ الشَّارِعِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي مَسْأَلَتِنَا: إِنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولَى، فِي نَفْسِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأُولَى، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هُوَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ، فَالْمَعْنَى التَّبَعِيُّ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقًا، وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ بِقَصْدِ قَضَاءِ الْوَطَرِ إِنْ كَانَ دَاخِلًا مِنْ وَجْهٍ تَحْتَ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ لِلضَّرُورِيَّاتِ فَهُوَ دَاخِلٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ تَحْتَ الْحَاجِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِبَادِ فِي نَيْلِ مَآرِبِهِمْ، وَقَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ، وَإِذَا دَخَلَ تحت أصل الحاجيات، صح

_ 1 في الأصل استظهر ناسخ الأصل أن هناك كلمة أمور أو أحكام هنا. 2 في الأصل و"خ" و"ط": "ممتنع".

إِفْرَادُهُ بِالْقَصْدِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَرَجَعَ إِلَى كَوْنِهِ مَقْصُودًا لَا بِالتَّبَعِيَّةِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْجِهَةَ التَّابِعَةَ لَا يَصِحُّ إِفْرَادُهَا بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ التَّأْكِيدِ لِلْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا وَضَعَتْ كَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِهَذَا الْقَصْدِ؛ فَلَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ تَبَعًا لِلْأُولَى يَقْتَضِي أَنَّ مَا تُؤَدِّيهِ مِنَ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، فَلَوْ جَازَ أَخْذُهُ مَنْ غَيْرِهَا، لَكَانَ خُرُوجًا بِهَا عَنْ وَضْعِهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى حُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى مَا في الأولى خروج لها عن كونها تَبَعًا لِلْأُولَى، فَيَكُونُ اسْتِفَادَةُ الْحُكْمِ مِنْ جِهَتِهَا عَلَى غَيْرِ فَهْمٍ عَرَبِيٍّ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَمَا ذُكِرَ مِنِ اسْتِفَادَةِ الْأَحْكَامِ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا إِلَى الْجِهَةِ الْأُولَى، وَإِمَّا إِلَى جِهَةٍ ثَالِثَةٍ غَيْرِ ذَلِكَ1. فَأَمَّا مُدَّةُ الْحَيْضِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَدِيثَ دَالٌّ عَلَيْهَا، وَفِيهِ النِّزَاعُ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ2: إِنَّ أَكْثَرَهَا عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَإِنْ سُلِّمَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ3، وَفِيهِ الْكَلَامُ. وَمَسْأَلَةُ الشَّافِعِيِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ 4 أَوْ غَيْرِهِ، وَأَقَلِّ مُدَّةِ.

_ 1 أي: وإما لا استفادة أصلا كما في مدة الحيض على الشق الأول قبل التسليم، فإنه يمنع دلالة الحديث عليها، ويحتمل أنه يشير بالجهة الثالثة إلى ما سيأتي له في الفصل التالي من التأسي بالآداب القرآنية. "د". 2 في الأصل و"ط": "الحنفي". 3 أي: بل بدلالة غير وضعية، وكلامنا إنما هو في مستتبعات التراكيب، أي: دلالة الألفاظ. "د". قلت: انظر المسألة وأدلتها في "الخلافيات" "3/ رقم 48- وتعليقي عليها". 4 غير واضح؛ لأنه إما أن يكون ما تقدم في الاستدلال من نفس كلام الشافعي أو لا، فإن كان الأول، فهذا الجواب غير ظاهر؛ لأن صريح الكلام يمنع هذا الجواب، وإن كان الثاني، فكيف ساغ نسبة هذا الدليل للشافعي من طرف المصحح؟ "د"

الحمل مأخوذة مِنَ الْجِهَةِ الْأُولَى1 لَا مِنَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا، إِذْ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ2، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَدِ لَا يُمْلَكُ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ مَمْنُوعٌ وَفِيهِ النِّزَاعُ، وَمَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ، فَالْقَائِلُ بِالتَّعْمِيمِ إِنَّمَا بَنَى عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مَقْصُودٌ، وَلَمْ يَبْنِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَإِلَّا كَانَ تَنَاقُضًا، لِأَنَّ أَدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْهَا الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْعُمُومِ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَهَكَذَا الْعَامُّ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَمَنْ قَالَ بِفَسْخِ الْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} 3 [الْجُمُعَةِ: 9] ، فَهُوَ عِنْدُهُ مَقْصُودٌ لَا مُلْغًى، وَإِلَّا، لَزِمَ التَّنَاقُضُ فِي الْأَمْرِ4 كَمَا ذُكِرَ، وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، لَمْ يَجْعَلُوا دُخُولَ الْأَمَةِ فِي حُكْمِ الْعَبْدِ بِالْقِيَاسِ إِلَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ بِخُصُوصِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُفْرَضُ فِي هَذَا الْبَابِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْجِهَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ لَا يَثْبُتُ، فَلَا يَصِحُّ إِعْمَالُهُ أَلْبَتَّةَ، وَكَمَا أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنِ الدَّلِيلِ الثَّالِثِ، كَذَلِكَ يُمْكِنُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، فَإِنَّ فِي الْأَوَّلِ مُصَادَرَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: "فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا يُمْكِنُ إِهْمَالُهُ"، وَهَذَا عَيْنُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي اسْتِقْلَالِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ، فَالصَّوَابُ إِذًا الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا، والله أعلم.

_ 1 ليس هنا لفظ وضع للدلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، بل إنما أخذ ذلك من عملية جمع وطرح، فكان الباقي هو العدد المذكور، وهو من باب اللزوم قطعا، "د". 2 أي: فيتوقف صحة الكلام على ثبوت هذا المعنى، وهو ما يسمى اقتضاء على بعض الاصطلاحات. "د". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 4 في "ط": "في الاستدلال".

فَصْلٌ: قَدْ تَبَيَّنَ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَظَهَرَ أَنَّ الْأَقْوَى مِنَ الْجِهَتَيْنِ جِهَةُ الْمَانِعِينَ، فَاقْتَضَى الْحَالُ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعْنَى التَّبَعِيِّ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ زَائِدٍ أَلْبَتَّةَ. لَكِنْ يَبْقَى فِيهَا نَظَرٌ آخَرُ رُبَّمَا أَخَالُ أَنَّ لَهَا دَلَالَةً عَلَى معانٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ، هِيَ آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ، وَتَخَلُّقَاتٌ حَسَنَةٌ، يُقِرُّ بِهَا كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ، فَيَكُونُ لَهَا اعْتِبَارٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَلَا تَكُونُ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ خَالِيَةً عَنِ الدَّلَالَةِ جُمْلَةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُشَكَلُ الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَمْثِلَةٍ سَبْعَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ أَتَى بِالنِّدَاءِ1 مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ، وَمِنَ الْعِبَادِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، إِمَّا حِكَايَةً، وَإِمَّا تَعْلِيمًا، فَحِينَ أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَاءَ بِحَرْفِ النِّدَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْبُعْدِ، ثَابِتًا غَيْرَ مَحْذُوفٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} [الْعَنْكَبُوتِ: 56] . {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الزُّمَرِ: 53] . {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الْأَعْرَافِ: 158] . {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [الْأَعْرَافِ: 158] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [الْبَقَرَةِ: 104] . فَإِذَا أَتَى بِالنِّدَاءِ مِنَ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، جَاءَ مِنْ غَيْرِ حَرْفٍ [فَلَا تَجِدُ فِيهِ نِدَاءً بِالرَّبِّ تَعَالَى بِحَرْفِ] نِدَاءٍ ثَابِتٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَرْفَ النِّدَاءِ لِلتَّنْبِيهِ فِي الْأَصْلِ، وَاللَّهُ منزه عن التنبيه.

_ 1 راجع المسألة السابعة من مباحث الكتاب في هذا الموضوع. "د".

وَأَيْضًا، فَإِنَّ أَكْثَرَ حُرُوفِ النِّدَاءِ لِلْبَعِيدِ، وَمِنْهَا "يَا" الَّتِي هِيَ أُمُّ الْبَابِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الدَّاعِي خُصُوصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية [البقرة: 186] . وَمِنَ الْخَلْقِ عُمُومًا، لِقَوْلِهِ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] . وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] . فَحَصَلَ مِنْ هَذَا التنبيهُ عَلَى أَدَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْكُ حَرْفِ النِّدَاءِ. وَالْآخَرُ: اسْتِشْعَارُ الْقُرْبِ. كَمَا أَنَّ فِي إِثْبَاتِ الْحَرْفِ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ إِثْبَاتُ التَّنْبِيهِ لِمَنْ شَأْنُهُ الْغَفْلَةُ وَالْإِعْرَاضُ وَالْغَيْبَةُ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى ارْتِفَاعِ شَأْنِ الْمُنَادَى وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مُدَانَاةِ الْعِبَادِ، إِذْ هُوَ فِي دُنُوِّهِ عالٍ، وَفِي عُلُوِّهِ دانٍ، سُبْحَانَهُ! وَالثَّانِي: أَنَّ نِدَاءَ الْعَبْدِ لِلرَّبِّ نِدَاءُ رَغْبَةٍ وَطَلَبٍ لِمَا يُصْلِحُ شَأْنَهُ، فَأَتَى فِي النِّدَاءِ الْقُرْآنِيِّ1 بِلَفْظِ: "الرَّبِّ" فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ، تَنْبِيهًا وَتَعْلِيمًا لِأَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ فِي دُعَائِهِ بِالِاسْمِ الْمُقْتَضَى لِلْحَالِ الْمَدْعُوِّ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبَّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَائِمُ بِمَا يُصْلِحُ الْمَرْبُوبَ، فَقَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ بَيَانِ دُعَاءِ الْعِبَادِ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [الْبَقَرَةِ: 286] إِلَى آخِرِهَا، {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] .

_ 1 أي: وأما الدعاء في الحديث، فالشائع فيه لفظ الجلالة، ولكل سرٌّ وحكمة، وسيأتي له التعبير بكثرة بدل "عامة". "د".

وَإِنَّمَا أَتَى قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} [الْأَنْفَالِ: 32] مِنْ غَيْرِ إِتْيَانٍ بِلَفْظِ الرَّبِّ"؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ1 بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا دَعَوْا بِهِ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُنَافِيهِ، بِخِلَافِ الْحِكَايَةِ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاء} الآية: [المائدة: 114] ، فَإِنَّ لَفْظَ الرَّبِّ فِيهَا مُنَاسِبٌ جِدًّا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَتَى فِيهِ الْكِنَايَةُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يستحيى مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَا، كَمَا كَنَّى عَنِ الْجِمَاعِ بِاللِّبَاسِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَعَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِالْمَجِيءِ مِنَ الْغَائِطِ، وَكَمَا قَالَ فِي نَحْوِهِ: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَام} 2 [الْمَائِدَةِ: 75] فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ أَدَبًا لَنَا اسْتَنْبَطْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي بِحُكْمِ التَّبَعِ لَا بِالْأَصْلِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ أَتَى فِيهِ بِالِالْتِفَاتِ الَّذِي يُنْبِئُ فِي الْقُرْآنِ عَنْ أَدَبِ الْإِقْبَالِ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْحُضُورِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ مُقْتَضَى الْحَالِ يَسْتَدْعِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الْفَاتِحَةِ: 2-4] . ثُمَّ قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] . وبالعكس إذا اقتصاه الْحَالُ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة} [يُونُسَ: 22] .

_ 1 ومع هذا، فلا حاجة إلى الاعتذار عنه؛ لأنه محكي على لسان الجحدة الذين لم يصلوا للآداب إنما يحتاج للاعتذار عن مثل قوله تعالى حكاية عن نُوحٌ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} والجواب أن هلاك هؤلاء رحمة بسائر أولاد آدم، كما قال: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَك} . "د". قلت: سيأتي إيضاح ذلك في التعليق على "4/ 203، 432" بوجه أوضح وأوعب. 2 أي: ويلزمه قضاء الحاجة التي لا تليق بالإله. "د".

وَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَسَاقِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عَبَسَ: 1-2] حَيْثُ عُوتِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ [هَذَا] 1 الْعِتَابِ، لَكِنْ عَلَى حَالٍ2، تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ الَّتِي شَأْنُهَا أَخَفُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المعاتَب، ثُمَّ رَجَعَ الْكَلَامُ إِلَى الْخِطَابِ، إِلَّا أَنَّهُ بِعِتَابٍ أخفَّ مِنَ الْأَوَّلِ3، وَلِذَلِكَ خُتِمَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة} [عَبَسَ: 11] . وَالْخَامِسُ: الْأَدَبُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَى نِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى4، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ، كَمَا قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} ..... [آلِ عِمْرَانَ: 26] إِلَى قَوْلِهِ: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آلِ عِمْرَانَ: 26] ، وَلَمْ يَقُلْ: "بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ" وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ مَعًا، لِأَنَّ نَزْعَ الْمُلْكِ وَالْإِذْلَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَحِقَ ذَلِكَ بِهِ شَرٌّ ظَاهِرٌ، نَعَمْ قَالَ فِي أَثَرِهِ: {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [آلِ عِمْرَانَ: 26] تَنْبِيهًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ خَلْقُهُ، حَتَّى جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ ليس إليك" 5.

_ 1 سقط من "ط". 2 في "ط": "حالة". 3 انظر: "روح المعاني" "30/ 39"، و"تفسير القرطبي" "19/ 211"، و"فتح القدير" "5/ 382"، و"آيات عتاب المصطفى صلى الله عليه وسلم في ضوء العصمة والاجتهاد" "ص279-287". 4 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "8/ 207-211 و14/ 18-28 و299-302"، و"الحسنة والسيئة" "ص190"، و"شفاء العليل" "ص178"، و"مدارج السالكين" "1/ 194"، و"شرح الطحاوية" "282". 5 أخرج البخاري في "الصحيح" كتاب الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج 6/ 382/ رقم 3348، وكتاب الرقاق، باب قوله عز وجل: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} 11/ 388/ رقم 6530" عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك". وأخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، 1/ 534-535/ رقم 771" عن علي مرفوعًا، "إنه كان إذا قام إلى الصلاة قال.... والخير كله فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ".

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشُّعَرَاءِ: 78] إِلَخْ، فَنَسَبَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ، وَالْهِدَايَةَ، وَالْإِطْعَامَ، وَالسَّقْيَ، وَالشِّفَاءَ، وَالْإِمَاتَةَ، وَالْإِحْيَاءَ، وَغُفْرَانَ الْخَطِيئَةِ، دُونَ مَا جَاءَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنَ الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ سَكَتَ عَنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ. وَالسَّادِسُ: الْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ1 أَنْ لَا يُفَاجِئَ بِالرَّدِّ كِفَاحًا دُونَ التَّقَاضِي بِالْمُجَامَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سَبَأٍ: 24] . وَقَوْلِهِ: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزُّخْرُفِ: 81] . {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} [هُودٍ: 35] . وَقَوْلِهِ: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ} [الزُّمَرِ: 43] . {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [الْمَائِدَةِ: 104] . لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ وَتَرْكِ الْعِنَادِ وَإِطْفَاءِ نَارِ الْعَصَبِيَّةِ. وَالسَّابِعُ: الْأَدَبُ فِي إِجْرَاءِ الْأُمُورِ عَلَى الْعَادَاتِ فِي التَّسَبُّبَاتِ وَتَلَقِّي الْأَسْبَابِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ قَدْ أَتَى مِنْ وَرَاءِ مَا يَكُونُ أَخْذًا مِنْ مَسَاقَاتِ التَّرَجِّيَاتِ الْعَادِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الْإِسْرَاءِ: 79] . {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [الْمَائِدَةِ: 52] . {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] .

_ 1 انظر: "المنهاج" للباجي "ص9-10".

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جَاءَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} [الْبَقَرَةِ: 21] . {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} [الْأَنْعَامِ: 152] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرَجِّيَ وَالْإِشْفَاقَ وَنَحْوَهُمَا إِنَّمَا تَقَعُ حَقِيقَةً مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ وَاللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [كَانَ] 1 يَكُونُ، وَلَكِنْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى الْمَجْرَى الْمُعْتَادِ فِي أَمْثَالِنَا، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ عَالِمًا بِعَاقِبَةِ أَمْرٍ- بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ مُعْتَادِ الْجُمْهُورِ- أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِحُكْمِ غَيْرِ الْعَالِمِ، دُخُولًا فِي غِمَارِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ بَانَ عَنْهُمْ بِخَاصِّيَّةٍ يَمْتَازُ بِهَا وَهُوَ مَنِ التَّنَزُّلَاتِ الْفَائِقَةِ الْحُسْنِ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلَمُ بِأَخْبَارِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ2 وَيُطْلِعُهُ رَبُّهُ عَلَى أَسْرَارِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُ كَانَ يُعَامِلُهُمْ فِي الظَّاهِرِ مُعَامَلَةً يَشْتَرِكُ مَعَهُمْ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ3؛ لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي عَدَمِ انْخِرَامِ الظَّاهِرِ4، فَمَا نَحْنُ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، فإن كَانَ كَذَلِكَ، ظَهَرَ أَنَّ الْجِهَةَ الثَّانِيَةَ يُسْتَفَادُ بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَفَوَائِدُ عَمَلِيَّةٌ لَيْسَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الدَّلَالَةِ بِالْجِهَةِ الْأُولَى، وَهُوَ تَوْهِينٌ لِمَا تقدم اختياره.

_ 1 زيادة من "خ" و"ط". 2 في "ط": "يعلم بكثير من أخبار المنافقين". 3 وكان يعلل ذلك بقوله: "خَوْفًا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصحابه" كما سيأتي "ص467". 4 قبوله عليه الصلاة والسلام لدخول المنافقين في جملة أتباعه مع معرفته بما تنطوي عليه صدورهم كان من حسن النظر والبعد في مذاهب السياسة بالمكان الذي ليس وراءه مرمى، حيث يكثر بهم سواد حزبه رأي العين، ويفصلهم عن أن يكونوا أعوانا لأعدائه وكان يرجو مع ذلك هدايتهم وخلوص عقيدتهم لكثرة ما يشاهدونه من آيات نبوته ودلائل صدقه، وقد انقلب كثير منهم بعدما تخبطتهم وساوس النفاق إلى إيمان كفلق الصبح، وهذه كلها مصالح لا يظهر بجانبها المفاسد الناجمة عن بقائهم في جماعة المسلمين ولا سيما مع تتبع خطواتهم والحذر من مكايدهم. "خ".

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا لَمْ يُسْتَفَدِ الْحُكْمُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِلْمَعَانِي، وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وهي جهة الاقتداء بالأفعال1، [والله أعلم] 2.

_ 1 قال ابن تيمية في "المسودة" "ص298": "الأصل قول الله تعالى وفعله وتركه القول، وتركه9 الفعل، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وإن كانت جرت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه". قلت: والاحتجاج بأفعاله سبحانه فيها خلاف، والصواب التفصيل، واختيار المصنف حسن. وانظر: "إعلام الموقعين" "3/ 231"، و"شرح تنقيح الفصول" "ص123"، و"إرشاد الفحول" "173"، وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم" "2/ 150-154" للأشقر. 2 زيادة من "ط".

النوع الثالث: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف

النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلتَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَاهَا وَيَحْتَوِي عَلَى مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ أَوْ سَبَبَهُ1 الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهِ، فَمَا لَا قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا وَإِنْ جَازَ عَقْلًا2، وَلَا معنى لبيان ذلك ههنا، فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ3 قَدْ تَكَفَّلُوا بِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ، وَلَكِنْ نَبْنِي عَلَيْهَا وَنَقُولُ: إِذَا ظَهَرَ مِنَ الشَّارِعِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ الْقَصْدُ إِلَى التَّكْلِيفِ بِمَا4 لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فَذَلِكَ رَاجِعٌ فِي التَّحْقِيقِ إِلَى سَوَابِقِهِ أَوْ لَوَاحِقِهِ أَوْ قرائنه،

_ 1 لم أقف على قول بالسببية بالمعنى الذي ذكره في تعريف السبب. "د". 2 خلافا للحنفية والمعتزلة القائلين بالمنع عقلا أيضا. "د". 3 انظر على سبيل المثال: "البرهان" "1/ 105" للجويني، و"المستصفى" "1/ 86-88" للغزالي، و"البحر المحيط" "1/ 388"، و"سلاسل الذهب" "136"، كلاهما للزركشي، و"المسودة" "80" لآل تيمية، و"روضة الناظر" "1/ 234 - ط الرشد" و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 288، 10/ 344-348، 22/ 41-43، 100-102"، و"إعلام الموقعين" "4/ 220"، و"تهذيب السنن" "1/ 47"، و"بدائع الفوائد" "4/ 29-31"، و"أحكام أهل الذمة" "2/ 770"، كلها لابن القيم. 4 أي: بالذي

فقول الله تعالى: {فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 1 [البقرة: 132] ، قوله فِي الْحَدِيثِ: "كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تكن عبد الله القاتل" 2، قوله: "لا تمت

_ 1 الآية مثال للتكليف بالإسلام السابق على الموت، ولا يفيد عند المقارنة والمثال الثاني من التكليف بالسوابق أيضا، فإنه لما تعارض عليه الأمر وكان بين أن يقتل غيره أو يقتله غيره فيما لا تحل فيه النفس، أمر بإسلام الأمر لله، وعدم الإقدام على قتل الغير، والمثال الثالث يصح أن يكون من النهي عن الظالم السابق على الموت والظلم الذي يقارن الموت، كأن لا يتحلل عند الموت من الظلم، أو تبقى بعض الوسائل التي بها الظلم مقارنة للموت، كمن غصب بيتا سكنه ومات فيه، أو ثوبا بقي في حوزته مغصوبا حتى مات، وما أحسن تعبير أبي طلحة بقوله: "لا يصيبوك"، ولم يقل "فيصيبوك" تفريعا على المنهى عنه، وكان هو المتبادر، لكنه لا يريد النطق بهذه الكلمة على طريق الإثبات، وليس من الأمثلة المذكورة ما فيه اللواحق، وفيما تقدم في الأسباب في المسألة العاشرة فيمن سن سنة حسنة أو سيئة ما يؤخذ منه استنباط أمثلة اللواحق. "د". قلت: وانظر في هذا: "الأحكام" "1/ 192" للآمدي، و"الابتهاج" "1/ 172"، و"البحر المحيط" "1/ 220"، و"سبل السلام" 4/ 298"، و"أصول الفقه" "304" لأبي زهرة، و"رفع الحرج" "214- 215" لباحسين. 2 عزاه الرافعي في "شرح الوجيز" لحذيفة، وتعقبه ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 84" بقوله: "هذا الحديث لا أصل له من حديث حذيفة، وإن زعم إمام الحرمين في "النهاية" أنه صحيح، فقد تعقبه ابن الصلاح، وقال: لم أجده في شيء من الكتب المعتمدة، وإمام الحرمين لا يعتمد عليه في هذا الشأن". قلت: وجاء معناه في غير حديث: منها: - لا ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، 4/ 1476/ 1847 بعد 52" بسنده إلى حذيفة، قال: قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر، فجاء الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم. الحديث، وفيه: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع، وأطع". - وما أخرجه الطبراني في "الكبير" "2/ 177/ رقم 1724" عن جندب بن سفيان مرفوعا: "سيكون بعدي فتن كقطع الليل...." وفي آخره: "وليكن عبد الله المقتول ولا يكن عبد الله القاتل". =

وَأَنْتَ ظَالِمٌ"1، وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ إِلَّا مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ وَهُوَ: الْإِسْلَامُ وَتَرْكُ الظُّلْمِ، وَالْكَفُّ عَنِ الْقَتْلِ، وَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ حَيْثُ تَرَّسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَتَطَلَّعُ لِيَرَى الْقَوْمَ، فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: "لا

_ = وفيه شهر بن حوشب وعبد الحميد بن بهرام، وقد وثقا وفيهما ضعف، قال الهيثمي في "المجمع" "7/ 303". - وما أخرجه أحمد في المسند" "5/ 110"، والطبراني في "الكبير" "4/ 59-60/ رقم 3628-3631"، وأبو يعلى في "المسند" "3/ 176-178/ رقم 7215" عن خباب في حديث طويل، فيه: "فكن عبد الله المقتول"، وفي بعض رواياته زيادة: "ولا تكن عبد الله القاتل" على الشك وبدونه، ورجاله ثقات، إلا أن فيه مجهولا، فهو ضعيف. قال الهيثمي في "المجمع" "7/ 303": "لم أعرف الرجل الذي من عبد القيس، وبقية رجاله رجال الصحيح". - وما أخرجه أحمد في "المسند" "5/ 292"، والبخاري في "التاريخ الكبير" 3/ 138"، ونعيم بن حماد في "الفتن" "1/ 156/ رقم 399"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "1/ 466/ رقم 646"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 281"، والطبراني في "الكبير" "4/ 225"، والبزار في "المسند" "4/ 125/ رقم 3356 - زوائده" من طرق عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن خالد بن عرفطة مرفوعا: "يا خالد! إنها ستكون أحداث واختلاف وفتن، فإن استطعت أن تكون المقتول لا القاتل، فافعل". قال البزار عقبه: "لا نعلمه يروى عن خالد بن عرفطة إلا بهذا الإسناد". وعلي بن زيد هو ابن جدعان، ضعيف لكن اعتضد كما ترى، قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 84"، وعزاه فيه إلى ابن قانع، واضطرب فيه ابن جدعان، فكان يجعله من مسند سعد رفعه بلفظ: "إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول ولا تقتل أحدا من أهل القبلة، فافعل". أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" "ص484-485/ ترجمة عثمان"، وإسناده ضعيف. 1 لم أعثر عليه بهذا اللفظ.

تُشْرِفْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا يُصِيبُوكَ" الْحَدِيثَ1 فقوله: "لا يصيبوك" من هذا القبيل.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الجهاد، باب المجن ومن يترس بترس صاحبه، 6/ 93/ رقم 2902"، وأحمد في "المسند" "3/ 265"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "9/ 162"، والبغوي في "شرح السنة" "10/ 401/ رقم 2661" من طريق عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، قال: "كان أبو طلحة يتترس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بترس واحد، وكان أبو طلحة رضي الله عنه حسن الرمي، وكان إذا رمي يشرف النبي صلى الله عليه وسلم، ينظر إلى موضع نبله. وأخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، 6/ 78 مختصرا / رقم 2880، وكتاب مناقب الأنصار، باب مناقب أبي طلحة، 7/ 128/ رقم 3811، وكتاب المغازي، باب {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ، 7/ 361/ رقم 4064"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب غزو النساء مع الرجال، 3/ 1443/ رقم 1811"، وأبو يعلى في "المسند" "7/ 24/ رقم 3921"، ومن طريقه ابن عساكر "تاريخ دمشق" "6/ 8" - تهذيب عبد القادر بدران" من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بنحو اللفظ الذي أورده المصنف.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَوْصَافُ الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ كَالشَّهْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَا يُطْلَبُ بِرَفْعِهَا، وَلَا بِإِزَالَةِ مَا غُرِزَ فِي الْجِبِلَّةِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، كَمَا لَا يُطْلَبُ بِتَحْسِينِ مَا قَبُحَ مِنْ خِلْقَةِ جِسْمِهِ، وَلَا تَكْمِيلِ مَا نَقَصَ مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْإِنْسَانِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقْصِدُ الشَّارِعُ طَلَبًا لَهُ وَلَا نَهْيًا عَنْهُ، وَلَكِنْ يَطْلُبُ قَهْرَ النَّفْسِ عن الجنوح إلا مَا لَا يَحِلُّ، وَإِرْسَالَهَا بِمِقْدَارِ الِاعْتِدَالِ فِيمَا يَحِلُّ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يَنْشَأُ مِنَ الْأَفْعَالِ مِنْ جِهَةِ1 تِلْكَ الْأَوْصَافِ مِمَّا هُوَ داخل تحت الاكتساب

_ 1 أي: سواء أكان مما يسبق تلك الأوصاف أم مما يلحقها وينشأ عنها كما سيبينه، فلذا عمم، وقال: "من جهة تلك الأوصاف"، ليشمل ما تكون الأوصاف هي الناشئة عنه. "د". قلت: انظر في هذا "قواعد الأحكام" "1/ 117"، و"مباحث الحكم عند الأصوليين" "1/ 193-194" لمحمد سلام مدكور.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِنْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ ثَمَّ أَوْصَافًا تُمَاثِلُ مَا تَقَدَّمَ فِي كَوْنِهَا مَطْبُوعًا عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ، فَحُكْمُهَا حُكْمُهَا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَطْبُوعَ عَلَيْهَا ضَرْبَانِ: - مِنْهَا: مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِ مشاهدا ومحسوسا كَالَّذِي تَقَدَّمَ. - وَمِنْهَا: مَا يَكُونُ خَفِيًّا حَتَّى يَثْبُتَ بِالْبُرْهَانِ فِيهِ ذَلِكَ، وَمِثَالُهُ الْعَجَلَةُ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِمَّا طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الْأَنْبِيَاءِ: 37] . وَفِي "الصَّحِيحِ": "إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا رَأَى آدَمَ أَجْوَفَ عَلِمَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ" 1. وَقَدْ جَاءَ أَنَّ "الشَّجَاعَةُ وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ"2. وَ"جُبِلَتِ الْقُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وبغض من أساء إليها"3.

_ 1 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب خلق الإنسان خلقا لا يتمالك، 4/ 2016/ رقم 2611" عن أنس مرفوعا: "لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر به ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك". وأخرجه أحمد في "المسند" "3/ 152، 229، 240، 254". 2 سيأتي تخريجه "ص185". 3 أخرجه ابن عدي في "الكامل" "2/ 701"- ومن طريقه البيهقي في "الشعب" "6/ 481/ رقم 8984"، وابن الأعرابي في "المعجم" "2/ ق 21/ 22"، وأبو موسى المديني في "جزء من أدركه الخلال من أصحاب ابن منده" "ق 150- 151"، وأبو نعيم في "الحلية" "4/ 121"، والخطيب في "تاريخ بغداد" "7/ 346"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "رقم 599، 600"، وأبو الشيخ في "الأمثال" "رقم 160"، والقزويني في "تاريخ قزوين" "4/ 172"، وابن الجوزي في "الواهيات" "2/ 29" من طريق إسماعيل بن أبان عن الأعمش عن خيثمة عن ابن=

إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَقَدْ جُعِلَ مِنْهَا الْغَضَبُ وَهُوَ مَعْدُودٌ عِنْدَ الزُّهَّادِ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ. وَجَاءَ: "يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ ليس الخيانة والكذب" 1.

_ = مسعود مرفوعًا. قال أبو نعيم: "غريب، لم نكتبه إلا من هذا الوجه"، ونحوه عند ابن عدي، وزاد -وعنه القضاعي- "وهو معروف عن الأعمش موقوفا"، وإسماعيل بن أبان متهم بالكذب، قال أبو داود: "كان كذابا"، وقال ابن حبان في "المجروحين" "1/ 116": "كان يضع الحديث على الثقات"، ورواه ابن أخت عبد الرزاق عن عبد الرزاق عن يحيى بن العلاء عن الأعمش عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود موقوفا، قال أبو حاتم في "العلل" "2/ 333-334": "هذا حديث منكر، وكان ابن اخت عبد الرزاق يكذب". وأخرجه موقوفا ابن حبان في "روضة العقلاء" "ص255" من الطريق المرفوعة الأولى، وهي موضوعة، والبيهقي في "الشعب" "6/ 481/ 8983" من طريق ابن أخت عبد الرزاق..... وقال: "هذا هو المحفوظ موقوفا". قلت: لم يصح موقوفا أيضا، وإنما هو من قول الأعمش، ونقل المناوي عن الأزدي قوله في الحديث: "هذا الحديث باطل"، وقال: "ورأيت بخط ابن عبد الهادي في "تذكرته" قال مهنَّأ: سألت أحمد ويحيى عنه، فقالا: ليس له أصل، وهو موضوع" وقال السخاوي في "المقاصد": "هو باطل مرفوعا وموقوفا". 1 أخرجه أحمد في "المسند" "5/ 252"، وعبد الرزاق في "المصنف" "11/ 161"، وابن أبي الدنيا في "الصمت" "رقم 472"، و"مكارم الأخلاق" "رقم 144"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "1/ 344"، وابن أبي شيبة في "الإيمان" رقم 82"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 114"، والدارقطني في "العلل" "4/ 329"، وابن أبي حاتم في "العلل" "2/ 328-329"، والبيهقي في "الكبرى" "10/ 197"، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" "2/ 217"، والبزار وأبو يعلى كما في "المجتمع" "1/ 92" مرفوعا. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" "رقم 828"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "10/ 592 و11/ 18"، و"الإيمان" "رقم 81"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 197"، وابن أبي الدنيا في "الصمت" "رقم 491" موقوفا على سعد بن أبي وقاص. ورجح أبو زرعة والدارقطني وقفه، وهو الصحيح. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود موقوفا عليهم عند الطبراني في "المعجم الكبير". انظر: "مجمع الزوائد" "1/ 93".

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الطَّلَبُ ظَاهِرًا مِنَ الْإِنْسَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا1 تَحْتَ كَسْبِهِ قَطْعًا، وهذا قليل، كقوله: {فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون} [الْبَقَرَةِ: 132] ، وَحُكْمُهُ أَنَّ الطَّلَبَ بِهِ مَصْرُوفٌ إِلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ. وَالثَّانِي: مَا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ كَسْبِهِ قَطْعًا، وَذَلِكَ جُمْهُورُ الْأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا الَّتِي هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ كَسْبِهِ، وَالطَّلَبُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِهَا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَتْ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِهَا أَمْ لِغَيْرِهَا. وَالثَّالِثُ: مَا قَدْ يُشْتَبَهُ أَمْرُهُ، كَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، فَحَقُّ النَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَنْظُرَ فِي حَقَائِقِهَا، فَحَيْثُ ثَبَتَتْ لَهُ مِنَ الْقِسْمَيْنِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ أَمْرِ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالْجُبْنِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْغَضَبِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِهَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ اضْطِرَارًا، إِمَّا لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ2، فَلَا يُطْلَبُ إِلَّا بِتَوَابِعِهَا، فَإِنَّ مَا فِي فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَوْصَافِ يَتْبَعُهَا بِلَا بُدٍّ أَفْعَالٌ اكْتِسَابِيَّةٌ، فَالطَّلَبُ وَارِدٌ عَلَى تِلْكَ الْأَفْعَالِ لَا عَلَى مَا نَشَأَتْ عَنْهُ، كَمَا لَا تَدَخُلُ الْقُدْرَةُ وَلَا الْعَجْزُ تَحْتَ الطَّلَبِ، وَإِمَّا لِأَنَّ لَهَا3 بَاعِثًا مِنْ غَيْرِهِ فَتَثُورُ فِيهِ فَيَقْتَضِي لِذَلِكَ أَفْعَالًا أُخَرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُثِيرُ لَهَا هُوَ السَّابِقَ وَكَانَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ كَسْبِهِ، فَالطَّلَبُ يَرِدُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: "تهادوا تحابوا" 4، فيكون كقوله: "أحبوا

_ 1 في "ط": "ما كان غير داخل......". 2 سيأتي تمثيلها بالشجاعة والجبن والحلم. "د". 3 أي: كالحب والبغض "د". 4 أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" "رقم 594"، والنسائي في "الكنى" -كما في=

اللَّهَ لِمَا أَسْدَى إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ" 1 مُرَادًا بِهِ التَّوَجُّهُ إِلَى النَّظَرِ فِي نِعَمِ اللَّهِ تعالى

_ = "نصب الراية" "4/ 120"، وأبو يعلى في "المسند" "11/ 9/ رقم 6148"، والدولابي في "الكنى" "1/ 150، 2/ 7"، وتمام في "فوائده" "رقم 712- ترتيبه"، وابن عدي في الكامل" "4/ 1424"، وأبو الشيخ في الأمثال" "رقم 245"، والبيهقي في "الكبرى" "6/ 169"، والمزي في "تهذيب الكمال" "2/ ق 620" عن أبي هريرة مرفوعا بإسناد حسن، وحسنه ابن حجر في "التلخيص الحبير" "3/ 70"، و" بلوغ المرام" "ص116" وقال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" "2/ 40"، وتبعه السخاوي في "المقاصد الحسنة" "ص166"، فقالا: "سنده جيد". وللحديث شواهد كثيرة يتقوى بها بألفاظ مغايرة، وحسنه شيخنا في "الإرواء" "رقم 1602"، و"صحيح الأدب المفرد" "رقم 462". 1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، 5/ 664/ رقم 3789"، وعبد الله بن أحمد في "زياداته على فضائل الصحابة" "2/ 986/ رقم 1952"، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "3/ 46/ رقم 2639 و10 / 341-342/ رقم 10664"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "1/ 183" والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "1/ 497"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 149-150"، والبيهقي في "مناقب الشافعي" "1/ 45", "الشعب" "1/ 288"، و"الاعتقاد" "ص327، 328"، وأبو نعيم في "الحلية" "3/ 211"، والخطيب في "تاريخ بغداد" "4/ 160"، والشجري في "أماليه" "1/ 152"، وابن عدي في "الكامل" "7/ 2569-2570"، والختلي في "المحبة لله" "ق1/ أ" وابن الجوزي في "الواهيات" "1/ 267/ رقم 430"، وابن المستوفي في "تاريخ إربل" "1/ 224"، والمزي في "تهذيب الكمال" "ق 691" والذهبي في "الميزان" "2/ 432"، كلهم من طريق هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي"، وسيأتي عند المصنف "ص189". قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "التلخيص". قال ابن عدي: "وهذا لا أعلم يرويه غير هشام بن يوسف بهذا الإسناد"، وقال: وهشام بن يوسف هذا له أحاديث حسان وغرائب، وقد روى عنه الأئمة من الناس، وهو ثقة". قلت: إسناده ضعيف، وأعله الخطيب وتبعه ابن الجوزي بأحمد بن رزقويه والذراع، وقد توبعا، وآفة الحديث عبد الله بن سليمان النوفلي، قال الذهبي في "الميزان" "2/ 432": "فيه جهالة، ما حدث عنه سوى هشام بن يوسف بالحديث الذي ... "وساقه". فالحديث ضعيف، لتفرد هذا المجهول به، وضعفه شيخنا في "تخريجه لأحاديث فقه السيرة "ص23".

عَلَى الْعَبْدِ وَكَثْرَةِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، وَكَنَهْيِهِ عَنِ النظر المثير للشهوة الداعية إلا مَا لَا يَحِلُّ1، وَعَيْنُ الشَّهْوَةِ لَمْ ينهَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُثِيرُ لَهَا دَاخِلًا تحت كسبه،

_ 1 ورد ذلك في أحاديث كثيرة، خرجناها في رسالة أبي بكر بن حبيب العامري "ت 530هـ" "أحكام النظر إلى المحرمات"، منها ما أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الأدب، باب نظر الفجأة/ رقم 2159" عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة، فقال لي: "اصرف بصرك". ومنها حديث على بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الفضل بن عباس خلفه في الحج، فجاءت جارية من خثعم تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلوى النبي صلى الله عليه وسلم عنق الفضل لئلا ينظر إليها، فقال له عمه العباس: لويت عنق ابن عمك يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: "رأيت شابا وشابة؛ فلم آمن الشيطان عليهما". والحديث صحيح، أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 76، 157"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف/ رقم 885"، وأبو داود مختصرا في "السنن" "كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع / رقم 1935"، وابن ماجه مختصرا في "السنن" "كتاب المناسك، باب الوقف بعرفات/ رقم 3010" والطحاوي في "مشكل الآثار" "2/ 72"، وابن خزيمة في "الصحيح" "4/ 262/ رقم 2837"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 471"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "5/ 122و 7/ 89"، وأبو يعلى في "المسند" "1/ 264-265، 413-414 / رقم 312، 544" من طرق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي به. وإسناده صحيح، وتابع الثوري جماعة، منهم: المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم بن خالد الزنجي، كما عند عبد الله في "زوائد المسند" "1/ 76، 81"، وإبراهيم بن إسماعيل -هو ضعيف- كما عند البزار في "البحر الزخَّار" "رقم 479"، وقد وهم فيه، فقال: "عن عبد الرحمن".=

فَالطَّلَبُ يَرِدُ عَلَى اللَّوَاحِقِ1 كَالْغَضَبِ الْمُثِيرِ لِشَهْوَةِ الانتقام كما يثير النظر شهوة الوقاع.

_ = ابن الحارث عن زيد بن على عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع عن علي". قال البزار عقبه: "وهذا الحديث قد رواه الثوري والمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفهما إبراهيم بن إسماعيل في هذا الإسناد، فقال: عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والصواب حديث الثوري والمغيرة". قلت: وذكره الدارقطني في "العلل" "رقم 411"، وقال: "هو حديث يرويه الثوري والداروردي ومحمد بن فليح والمغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن الحارث، وخالفهم إبراهيم ابن إسماعيل بن مجمع، فرواه عنه.... زاد فيه أبا رافع، ووهم، والقول قول الثوري ومن تابعه، والله أعلم. ورواه يحيى بن عبد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي بن علي عن أبيه عن علي، ولم يذكر ابن أبي رافع، والصواب ما ذكر من قول الثوري ومن تابعه". قلت: وللحديث شواهد كثيرة، منها حديث الفضل بن العباس وابن عباس وجابر، وغيرهم رضوان الله عليهم، وانظر: "التلخيص الحبير" "3/ 150". قال ابن بطال: "وفي الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة"، وقال: "ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشى الفتنة عليه" وقال: "وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهن" راجع: فتح الباري" "11/ 10". 1 فمثل قوله عليه الصلاة والسلام لمن قال له أوصني: "لا تغضب" مكررا ذلك، يرد النهي فيه على لاحق الغضب. "د". قلت: فالمطلوب من المكلف حينئذ أن يكظم غيظه فلا يندفع في وقت الغضب في قول أو فعل، وأن لا يسترسل في الغضب، كما أنه مطلوب منه أن يجتنب مثيرات الغضب وأسبابه، فلا يقحم نفسه فيما يورثه ذلك. انظر: "أصول الفقه" "304" لأبي زهرة.

فَصْلٌ: وَمِنْ هَذَا الْمَلْمَحِ فِقْهُ الْأَوْصَافِ الْبَاطِنَةِ1 كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا مِنَ الكبْر وَالْحَسَدِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَالْجَاهِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ2 وَغَيْرُهُ. وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَكَذَلِكَ فِقْهُ الْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ، كَالْعِلْمِ، وَالتَّفَكُّرِ، وَالِاعْتِبَارِ، وَالْيَقِينِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا هُوَ نَتِيجَةُ عَمَلٍ3، فَإِنَّ الْأَوْصَافَ الْقَلْبِيَّةَ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى إِثْبَاتِهَا وَلَا نَفْيِهَا، أَفَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلْمَ وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا، فَلَيْسَ تَحْصِيلُهُ بِمَقْدُورٍ أَصْلًا؟ فَإِنَّ الطَّالِبَ إِذَا تَوَجَّهَ نَحْوَ مَطْلُوبٍ إِنْ كَانَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، فَهُوَ حَاصِلٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ الِانْصِرَافُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ، لم يكن تَحْصِيلُهُ إِلَّا بِتَقْدِيمِ النَّظَرِ، وَهُوَ الْمُكْتَسَبُ دُونَ نَفْسِ الْعِلْمِ4؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَيْهِ بَعْدَ النَّظَرِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ النَّتِيجَةَ لَازِمَةٌ لِلْمُقَدِّمَتَيْنِ، فَتَوْجِيهُ النَّظَرِ فِيهِ هُوَ الْمُكْتَسَبُ، فَيَكُونُ الْمَطْلُوبَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا الْعِلْمُ عَلَى أَثَرِ النَّظَرِ، فَسَوَاءٌ عَلَيْنَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْمُسَبَّبَاتِ مَعَ أَسْبَابِهَا -كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ-5 أَمْ لَمْ نقل ذلك، فالجميع متفقون على

_ 1 هذا ما قرره عصري المصنف العلامة ابن خلدون أيضا، فقال في كتابه "شفاء السائل لتهذيب المسائل" "ص26": "الأعمال الظاهرة كلها في زمام الاختيار، وتحت طوع القدرة البشرية، وأعمال الباطن في الأكثر خارجة عن الاختيار متعاصية على الحكم البشري، إذ لا سلطان له على الباطن"، وهذا ما أكد عليه الغزالي في "الإحياء" "4/ 373 وما بعدها". 2 وهو في المجلد الثالث بتمامه من "الإحياء". 3 فالتكليف بها أمرا أو نهيا تكليف بالسوابق والأعمال المنتجة لها. "د". 4 بهذا التحرير يندفع ما يخطر في الذهن من استشكال القول بأن العلم من قبيل مقولة الكيف، أو الانفعال مع أنه مكلف به ولا تكليف إلا بفعل "خ". 5 القائلون بأن العلم ع3.قب النظر يستند إلى الله ابتداء على مذهبين: أحدهما أن التلازم بينهما عادي بحيث يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر، ثانيهما أنه من قبيل اللزوم الذي لا بد منه عقلا بحيث يمتنع الانفكاك بينهما، يخرق العادة كما يمتنع خلو الجواهر عن الأعراض، ومعنى كونه جائز الترك والفعل عند أصحاب هذا الرأي أن الفاعل المختار، إما أن يخلق الملزوم واللازم، وإما أن يتركهما، فجواز ترك المقدور هنا مشروط بارتفاع مانع هو أيضا مقدور."خ".

أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الْكَسْبِ نَفْسِهِ، وَإِذَا حَصَلَ لَمْ يُمْكِنْ إِزَالَتُهُ عَلَى حَالٍ. وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَكُونُ وَصْفًا بَاطِنًا، إِذَا اعْتَبَرْتَهُ وَجَدْتَهُ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، وَإِذَا1 كَانَتْ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، لَمْ يَصِحَّ التَّكْلِيفُ بِهَا أَنْفُسِهَا، وَإِنْ جَاءَ فِي الظَّاهِرِ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَمَصْرُوفٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَدَّمُهَا، أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا، أَوْ يُقَارِنُهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

_ 1 في الأصل: "وإن".

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْأَوْصَافُ الَّتِي لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى جَلْبِهَا وَلَا دَفْعِهَا بِأَنْفُسِهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ نَتِيجَةَ عَمَلٍ، كَالْعِلْمِ وَالْحُبِّ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: "أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا أَسْدَى إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ" 1. وَالثَّانِي: مَا كَانَ فِطْرِيًّا2 وَلَمْ يَكُنْ نَتِيجَةَ عَمَلٍ، كَالشَّجَاعَةِ، وَالْجُبْنِ، وَالْحِلْمِ، وَالْأَنَاةِ الْمَشْهُودِ بِهِمَا فِي أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ3، وَمَا كَانَ نَحْوَهَا. فَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ أَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مُسَبَّبَاتٍ عَنْ أَسْبَابٍ مُكْتَسَبَةٍ، وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَلَّقُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَلَا قَصَدَهَا، وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ، عَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ. وَالثَّانِي وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهَا فِطْرِيًّا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ مَحْبُوبَةٌ لِلشَّارِعِ أَوْ غَيْرُ مَحْبُوبَةٍ لَهُ. وَالثَّانِيَةُ: مِنْ جِهَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهَا ثَوَابٌ أَوْ لَا يَقَعُ. فَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ ظَاهِرَ النَّقْلِ أَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ يَتَعَلَّقُ بِهَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يحبهما

_ 1 مضي تخريجه قريبا، وهو ضعيف. 2 انظره مع ما ورد في الحديث: "إنكم مجبنون ومبخلون" يخاطب الحسن وأسامة بن زيد "د". 3 سيأتيك نص الحديث قريبا.

اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ" 1. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ [أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَطْبُوعٌ2 عَلَيْهِمَا، وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ] 3: "الشَّجَاعَةُ والجبن غرائز"4.

_ 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الإسلام، 1/ 48 -49/ رقم 18"، والبخاري في "الأدب المفرد" "رقم 585"، وأحمد في "المسند" "3/ 23"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 238- موارد" من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وأخرجه مسلم في "الصحيح" "رقم 17"، والترمذي في "الجامع" "رقم 2012"، والبخاري في "الأدب المفرد" "رقم 586"، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" "ص92"، و"المساوئ" "رقم 339" من حديث ابن عباس رضي الله، وفي الباب عن غيرهما لا نطيل بذكر ذلك، والله الموفق. في حاشية الأصل ما نصه: "الإناة: بالقصر: كذا في شروح مسلم من حديث وفد عبد القيس من كتاب الإيمان". 2 يريد الاستدلال على أنها فطرية وعلى تعلق الحب والبغض بها كما ترى ذلك في صنيعه كله. "د". 3 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ومن "ماء". 4 أخرجه ابن حبان في "المجروحين" "3/ 41" من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "الجبن والشجاعة غرائز....". وإسناده واهٍ جدا، فيه معدي بن سليمان، قال أبو زرعة: "واهي الحديث"، وقال النسائي: "ضعيف"، وقال ابن حبان: "كان ممن يروي المقلوبات عن الثقات، والملزقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد". راجع: "الميزان" "4/ 142". وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "12/ 333"، وسعيد بن منصور في "السنن" "رقم 2534- ط القديمة و 4/ 1283/ رقم 649- ط الجديدة"، والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير في "التفسير" "5/ 417/ رقم 5834، 5835 و8/ 462/ رقم 9766، 9767"، وابن المنذر وابن أبي حاتم ورستة في "الإيمان"، كما في "الدر المنثور" "2/ 564"، وأبو القاسم البغوي وساق سنده ابن كثير في "مسند الفاروق" "2/ 569"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "ص307- ترجمة عمر"، وابن عبد البر في "الاستذكار" 14/ 254-255/ رقم 20259، 20260" موقوفا على عمر بلفظ المصنف، وهو أشبه. وانظر: "تغليق التعليق" "4/ 196".

وَجَاءَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قتل حية"1.

_ 1 جزء من حديث، أخرجه ابن عدي في "الكامل" "4/ 1502" عن الزبير بن العوام، قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجبذ عمامتي بيده، فالتفتُّ إليه، فقال: "يا زبير! إن باب الرزق مفتوح من لدن العرش إلى قرار بطن الأرض، فيرزق الله كل عبد على قدر همته، يا زبير! إن الله يحب السخاء ولو بفلقة تمرة، ويحب الشجاعة لو بقتل الحية والعقرب". وأخرجه من طريق ابن عدي ابن الجوزي في "الموضوعات" "2/ 179" ومن طريق آخر أبو نعيم في "الحلية" "10/ 73" مختصرا دون المذكور عند المصنفد. والحديث موضوع، مداره على عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، يروي الموضوعات على الأثبات، لا يحل كتب حديثه، والحديث في "الدر الملتقط في بيان الغلط" "ص36" للصغاني، و"شرح الإحياء" للزبيدي "8/ 182-183". وأخرج ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" "رقم 44" بإسناد واهٍ من حديث على، وفيه: "وكن شجاعا، فإن الله تعالى يحب الشجاع". وأخرجه البيهقي في "الزهد" "رقم 952"، والسلمي في "أربعي الصوفية" "رقم 6"، وأبو نعيم في "أربعي الصوفية" "رقم 25"، وقال: "هذا حديث شريف يجمع من أصولهم معاني لطيفة"، والحلية" "6/ 199"، والقضاعي في "الشهاب" "رقم 1080، 1081"، و"الديلمي في "الفردوس" "رقم 565"، وكما قال السخاوي في "تخريج الأربعين السلمية" "ص49"، وأبو بكر المقرئ في "فوائده" -كما في "فتح الوهاب" "2/ 141"- عن عمران بن حصين ضمن حديث في آخره: "ويحب الشجاعة ولو على قتل حية". وإسناده واهٍ بمرة، فيه عمر بن حفص العبدي، تركه أحمد والنسائي، وضعفه الدراقطني، كما في "الميزان" "3/ 189"، وتفرد به كما قال البيهقي، وفيه أيضا العلاء والد هلال، قال السخاوي: "قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث" وقال ابن حبان: "لا يجوز الاحتجاج به". وهو من رواية الحسن عن عمران، أفاد الحاكم في مواطن من "مستدركه" منها "2/ 234" أن الأكثر على إثبات السماع، فقال: "اختلف مشايخنا في سماعه منه، والأكثر على إثباته"، والخلاصة: الحديث لم يثبت، ولا يوجد له إسناد قائم، والله الموفق.

وَفِي الْحَدِيثِ: "الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" 1 وَهَذَا مَعْنَى التَّحَابِّ وَالتَّبَاغُضِ، وَهُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ" 2. وَقَدْ حُمِلَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خير وأحب إلى اللهِ

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "6/ 369/ رقم 3336" معلقا عن عائشة رضي الله عنها، ووصله أبو يعلى في "المسند" "7/ 344/ رقم 4381" بإسناد رجاله رجال الصحيح، كما في "المجمع" "8/ 88"، والبخاري في "الأدب المفرد" "900"، وابن عدي في "الكامل" "6/ 2299 و7/ 2671"، وأبو الشيخ في "الأمثال" "100" والخطيب في "التلخيص" "1/ 141"، والبيهقي في "الآداب" "310"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "274"، والإسماعيلي في "مستخرجه"، وابن زنبور في "فوائده" كما في "الفتح" "6/ 370"، و"التغليق" "4/ 7"، و"عمدة القاري" "15/ 225". والحديث صحيح، له شواهد من حديث أبي هريرة عند مسلم في "الصحيح" "4/ 2031/ رقم 2638" وغيره، وابن مسعود وسلمان الفارسي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وورد عن على مرفوعا بلفظ: "إن الأرواح تلاقى في الهوى، فتشام، فما تعارف منها....." أخرجه ابن منده في النفس والروح" كما قال ابن القيم في "الروح" "44", أبو الشيخ في الأمثال" "107"، والطبراني في "الأوسط" كما في المجتمع" "1/ 162"، وصوب الدارقطني في "العلل" "4/ 188"، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" "1/ 135"، وقفه على علي رضي الله عنه، وهو الأشبه. 2 أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 953-954"، وأحمد في "المسند" "5/ 229، 233، 247"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 168، 169، 170"، وابن حبان في "الصحيح" "2/ 335"/ رقم 575- الإحسان، والطبراني في "الكبير" "20/ رقم 150-154" والقضاعي في "مسند الشهاب" "رقم 1449، 1450"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 206" عن معاذ مرفوعا، وهو قسم من حديث إلهي صحيح، بعض أسانيده على شرط الشيخين، وتتمته: "والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ".

مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ" 1عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقُوَّةِ شِدَّةَ الْبَدَنِ2 وَصَلَابَةَ الْأَمْرِ؛ وَالضَّعْفُ خِلَافُ ذَلِكَ. وَجَاءَ: "إِنَّ اللَّهَ يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها" 3.

_ 1 مضي تخريجه "1/ 356 وص 61 من هذا الجزء"، والحديث صحيح. 2 بل لو حمل على ما هو الظاهر من قوة الإرادة وصلابة العزيمة وهي خلق فطري، لكان الأمر على ما يريد من تعلق الحب بهذا الخلق الفطري، إلا أنه يريد أن يدخل فيه شدة البدن لظهور أنه فطري، فيتم له به الاستدلال على الأمرين معا، وليس من الضروري أن يكون الدليل عليهما حديثا واحدا. "د". 3 أخرجه أبو الشيخ في "حديثه" "رقم 68"، والطبراني في "الأوسط" "رقم 2964" و"الكبير" "6/ 223/ رقم 5928" والحاكم في "المستدرك" "1/ 48"، والبيهقي في "الكبرى" "10/ 191"، و"الشعب" "6/ 240-241"، و"الأسماء والصفات، "ص53" والسلفي في "معجم السفر" "1/ 174"، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" "رقم 2- المنتقى"، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "2/ 226/ 1"، جميعهم من طرق عن أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا فضيل بن عياش ثنا محمد بن ثور الصنعاني عن معمر عن أبي حازم عن سهل بن سعد رفعه، وأوله: "إن الله عز وجل كريم يحب الكرم ومعالي....". وأخرجه البيهقي في "الشعب" "6/ 241" من طريق محمد بن عبيد عن الصنعاني به. وإسناده صحيح، مع مخالفة عبد الرزاق للصنعاني "محمد بن ثور"، فقد أخرجه في "المصنف" "11/ 143/ رقم 20150"، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "10/ 191"، و"الشعب" "6/ 241"، والبغوي في "شرح السنة" "13/ 82/ 83"، عن معمر عن أبي حازم عن طلحة بن كريز الخزاعي مرسلا. وقال البيهقي: "وكذلك رواه سفيان الثوري عن أبي حازم عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا". قلت: أخرجه من طريق سفيان به البخاري في "التاريخ الكبير" "4/ 347"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 48" وقال: "وهذا لا يوهن حديث سهل بن سعد على ما قدمت ذكره من قبول الزيادات من الثقات، والله أعلم". قلت: أصاب الحاكم في مقولته، ولا سيما أن للحديث شواهد، منها: - حديث الحسين بن علي، أخرجه الطبراني في "الكبير" "3/ 142/ رقم 2894"، وابن عدي في "الكامل" "3/ 879"، والدولابي في "الذرية الطاهرة" "رقم 162"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "رقم 1076، 1077"، والخطيب في "تلخيص المتشابه" "1/ 16- 17". - حديث جابر بن عبد الله، أخرجه الطبراني في "مكارم الأخلاق" "رقم 120"، وانظر "السلسلة الصحيحة" "رقم 1378".

وَجَاءَ: "يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ" 1. وَقَالَ تَعَالَى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَل} [الْأَنْبِيَاءِ: 37] . وَجَاءَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ وَالْكَرَاهِيَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ ضِدُّ الْعَجَلِ مَحْبُوبًا وَهُوَ الْأَنَاةُ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ يَتَعَلَّقَانِ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا مِنَ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ: أَوَّلًا: خُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَثَانِيًا: أَنَّهُمَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُمَا بِالذَّوَاتِ، وَهِيَ أَبْعَدُ عَنِ الْأَفْعَالِ مِنَ الصِّفَاتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} الآية [المائدة: 54] . "أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا غَذَاكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ"2. وَ "مِنَ الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ 3 وَالْبُغْضُ في الله" 4.

_ 1 مضي تخريجه "ص177"، وهو صحيح موقوفا على سعد بن أبي وقاص. 2 مضي تخريجه "ص179"، وهو ضعيف. 3 لأن معناه أن تحب الشخص لا تحبه إلا لأجل الله لا لغرض دنيوي، فالحب فيه تعلق بالذوات. "د". 4 أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، 4/ 22/ رقم 4681، والطبراني في "الكبير" "رقم 7613، 7737، 7738"، والبيهقي في "الاعتقاد" "ص178-179"، والبغوي في "شرح السنة" "13/ 54" بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعا: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان".

ولا يسوغ في هذا الْمَوَاضِعِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ حُبُّ الْأَفْعَالِ فَقَطْ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي الصِّفَاتِ -إِذَا تَوَجَّهَ الْحُبُّ إِلَيْهَا فِي الظَّاهِرِ- إِنَّ الْمُرَادَ الْأَفْعَالُ. فَصْلٌ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَيَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُبُّ وَالْبُغْضُ بِالْأَفْعَالِ1، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النِّسَاءِ: 148] . {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [التَّوْبَةِ: 46] . "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ"2. "لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ الله، من أجل ذلك مدح نفسه" 3.

_ 1 لشيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة كاملة في المحبة، نشرها محمد رشاد سالم في الجزء الثاني من "جامع الرسائل" وقد شملت جميع هذه المعاني التي تكلم عليها الشاطبي. 2 مضي تضعيف المصنف له "1/ 200"، وهو كما قال كما بينته في التعليق عليه، والله الموفق. 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ، 8/ 301- 302/ رقم 4637، وكتاب النكاح، باب الغيرة، 9/ 319/ رقم 5220، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، 13، 283/ رقم 7403"، ومسلم في "صحيحه" -والمذكور لفظه- "كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، 4/ 2113/ رقم 2760" عن ابن مسعود مرفوعا. وأخرج نحوه البخاري في "صحيحه" "كتاب التوحيد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا شخص أغيرُ من الله"، 13/ 399/ رقم 7416"، مسلم في "الصحيح" "كتاب اللعان، 3/ 1136/ رقم 1499" ضمن حديث طويل عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا.

وَهَذَا كَثِيرٌ. وَإِذَا قُلْتَ: أُحِبُّ الشُّجَاعَ وَأَكْرَهُ الْجَبَانَ، فَهَذَا حُبٌّ وَكَرَاهَةٌ يَتَعَلَّقَانِ بِذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 134] . {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 146] . {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [الْبَقَرَةِ: 222] . وَفِي الْقُرْآنِ أَيْضًا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لُقْمَانَ: 18] . {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 57] . وَفِي الْحَدِيثِ: "إن الله يبغض الحبر السمين"1.

_ 1 قال أبو الليث السمرقندي في "بستانه" "ص28 في الباب الرابع والأربعين": "وروي أبو أمامة الباهلي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال "وذكره". وكتب أبي الليث السمرقندي مليئة بالأحاديث والأخبار الموضوعة، وربما يذكر صاحبها فيها سنده، فهي مفيدة لطالب العلم الذي ينظر في الأسانيد، ويمحص عن الرواة، وهي من مظان الحكم على كثير مما هو سائد بين العوام بالوضع أو الضعف، وإن راجت على صاحبها، قال الذهبي في ترجمته في "السير" 16/ 323": "وتروج عليه الأحاديث الموضوعة"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على البكري" "15"، وذكر جمهور مصنفي السير والأخبار وقصص الأنبياء، ومنهم أبو الليث، قال: "فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم، ولا لهم خبرة بالنقلة، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف، ولا يميزون بينهما، لكن منهم من يروي الجميع ويجعل العهدة على الناقل". ولذا قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" "ص124/ رقم 245" مستدركا على أبي الليث: "ولكن ما علمته في المرفوع"، ثم قال: "نعم، عند أحمد [في "المسند" "3/ 471 و 4/=

......................................................................................

_ = 339"] ، والحاكم في "مستدركه" ["4/ 121-122] ، والبيهقي في "الشعب" ["5/ 33/ رقم 5666، 5667"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "3/ 238"] من حديث جعدة الجشمي أنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل سمين، فأومأ إلى بطنه بأصبعه، وقال: "لو كان هذا في غير هذا، لكان خير لك"، وسنده جيد. قلت: ولكنه مرسل، ولم تثبت لجعدة صحبة، وانظر تفصيل ضعفه في "السلسلة الضعيفة" "رقم 1131" لشيخنا الألباني، و"الأقوال القويمة في صحة النقل من الكتب القديمة" للبقاعي، بتحقيقنا، يسر الله إتمامه ونشره. والمذكور عند المصنف وارد في المرفوع على أنه من التوراة في كتب التفسير في سورة الأنعام عند قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأية: 91] . أخرج ابن جرير في "التفسير" "7/ 267"، بسند ضعيف، فيه ابن حميد- وابن المنذر وابن أبي حاتم - كما في "شرح الإحياء" "7/ 388"- من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من اليهود يقال له "مالك بن الصيف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين......"؟ وذكر قصة، وهو مرسل. وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 147" عن سعيد بن جبير بدون إسناد، وإليهما عزاه الزيلعي في "تخريج الكشاف" "1/ 442-443"، وتبعه ابن حجر في "الكافي الشافي" "ص62"، وكذا المناوي في "تخريج البيضاوي" "2/ 611/ رقم 499". وأخرج البيهقي في "الشعب" "5/ 33/ رقم 5668" بسند فيه مجهول ومستور عن كعب، قال: إن الله يبغض أهل البيت اللحميين والحبر السمين"، ثم أخرج عن سفيان الصوري قوله في تفسير "أهل البيت اللحميين": "هم الذين يكثرون أكل اللحم"، ثم قال: "وهذا تأويل حسن غير أن ظاهره الإكثار من أكل اللحم، وفي جمعه بينه وبين "الحبر السمين" كالدلالة على ذلك". وأخرج أبو نعيم في "الحلية" "2/ 362" في "ترجمة مالك بن دينار" بسنده إليه، قال: "قرأت في الحكمة: إن الله يبغض كل حبر سمين". وعند أبي نعيم في "الطب النبوي" له من طريق بشر الأعور عن عمر بن الخطاب أثر طويل، في آخره: "وإن الله ليبغض الحبر السمين" ونقل الغزالي عن ابن مسعود، أنه قال: "إن الله يبغض القارئ السمين"، أفاده السخاوي في "المقاصد" "ص125". والخلاصة هذا الحديث لا يصح ألبتة مرفوعا، فذكر المصنف له على أنه حديث غير جيد، والله الموفق.

فإذن، الْحُبُّ وَالْبُغْضُ مُطْلَقٌ فِي الذَّوَاتِ1 وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، فَتَعَلُّقُهُمَا بِهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا ذَاتٌ أَوْ صِفَةٌ أَوْ فِعْلٌ. وَأَمَّا النَّظَرُ الثَّانِي2 وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ -وَهِيَ غَيْرُ الْمَقْدُورَةِ [لِلْإِنْسَانِ إِذَا اتَّصَفَ بِهَا] 3- الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَمْ لَا يَصِحُّ؟ هَذَا يُتَصَوَّرُ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ. [وَالثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَا مَعًا بِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ. أَمَّا هَذَا الْأَخِيرُ، فَيُؤْخَذُ النَّظَرُ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَطْبُوعَ عَلَيْهَا وَمَا أَشْبَهَهَا لَا يكلَّف بِإِزَالَتِهَا وَلَا بِجَلْبِهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَمَا لَا يُكَلَّفُ بِهِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقَبُ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ تَابِعٌ لِلتَّكْلِيفِ شَرْعًا، فالأوصاف المشار إليها لا

_ 1 قرر ابن القيم في "الداء والدواء" "ص282، 292"، و"الفوائد" "ص182" أنه ليس من شيء يحب لذاته إلا الله وحده. 2 قوله: وأما النظر الثاني مقابل لقوله قبلُ في المسألة الرابعة، فأما النظر الأول، فإن ظاهر النقل....." إلخ وقد وجدت في النسخة الخطية هنا زيادات يتوقف الكلام عليها كما لا يخفى على من اطلع على النسخة المطبوعةن فأثبتها. ا. هـ مصححه "خ". 3 سقط من "ط".

ثَوَابَ عَلَيْهَا وَلَا عِقَابَ] 1 وَالثَّانِي: أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى تِلْكَ الْأَوْصَافِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ ذَوَاتِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ صِفَاتٌ2، أَوْ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلَّقَاتِهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، لَزِمَ فِي كُلِّ صِفَةٍ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مُثَابًا عَلَيْهَا، كَانَتْ صِفَةً مَحْبُوبَةً أَوْ مَكْرُوهَةً شَرْعًا، وَمُعَاقَبًا عَلَيْهَا أَيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لِلشَّيْءِ وَجَبَ لِمِثْلِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ عَلَى الصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ مُتَعَلَّقَاتِهَا، فَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْمُتَعَلَّقَاتِ -وَهِيَ الْأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ- لَا عَلَيْهَا، فَثَبَتَ أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَلَا يُعَاقَبُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا الثَّانِي، فَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمَذْكُورَةَ قَدْ ثَبَتَ تَعَلُّقُ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ بِهَا، وَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِمَا نَفْسُ الْإِنْعَامِ أَوِ الِانْتِقَامِ، فَيَرْجِعَانِ إِلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِمَا إِرَادَةُ الْإِنْعَامِ وَالِانْتِقَامِ، فَيَرْجِعَانِ إِلَى صِفَاتِ الذَّاتِ لِأَنَّ نَفْسَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ الْمَفْهُومَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ حَقِيقَةً مُحَالَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى3، وَهَذَا رَأْيُ طائفة

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 هناك ثالث، وهو أنه لا يتعلق بها من جهة كونها صفة فقط، ولا من جهة ما ينشأ عنها من الأفعال والتروك فقط؛ بل من جهة كونها صفة محبوبة أو مكروهة، فلا اجتماع للضدين كما سبق له في مثل "والله يحب المحسنين"، وحينئذ، فلا يتم هذا الدليل، وسيأتي له فيه كلام من جهة أخرى. "د". 3 الآيات والأحاديث طافحة بإضافة المحبة إلى الله، ولا مانع من اعتقاد أنها صفة غير الإرادة والإحسان والثناء، فنقول: إن لله حبا ليس من نوع الحب المضاف إلى المخلوق، كما أن علمه وإرادته ليسا من نوع علم المخلوق وإرادته. "خ". قلت: اعتقاد هذا هو الواجب، وانظر تعليقنا بعد الآتي.

أُخْرَى، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ؛ فَالْحُبُّ وَالْبُغْضُ رَاجِعَانِ إِلَى نَفْسِ الْإِنْعَامِ أَوِ الِانْتِقَامِ، وَهُمَا عَيْنُ الثواب والعقاب1، فالأوصاف المذكورة -إذن- يتعلق بها الثواب والعقاب. والثاني: أن لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ لَا يَرْجِعَانِ إِلَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَتَعَلُّقُهُمَا بِالصِّفَاتِ، إِمَّا أَنْ يَسْتَلْزِمَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، أَوْ لَا: فَإِنِ اسْتَلْزَمَ، فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ، فَتَعَلُّقُ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ إِمَّا لِلَذَّاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ2، وَإِمَّا لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، تَعَالَى أَنْ يَفْتَقِرَ لِغَيْرِهِ أَوْ يَتَكَمَّلَ بِشَيْءٍ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَذُو الْكَمَالِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَإِمَّا لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الْجَزَاءُ، لَا زَائِدَ3 يَرْجِعُ لِلْعَبْدِ إلا ذلك4.

_ 1 قد يقال: إن الثواب والعقاب أخص من الإنعام والانتقام؛ لأن الأولين منظور فيهما إلى الدار الآخرة، إما الإنعام وما معه، فكما يكون في الآخرة يكون في الدنيا، فقد يحمل في هذه الموارد على الإحسان في الدنيا والنوازل فيها، فلا يتم الدل يل إلا إذا كانا عين الثواب والانتقام، وقد عرفت ما فيه. "د". 2 سبق دليله، وهو أن ما وجب للشيء وجب لمثله، إلا أنه يبقى الكلام في قوله: "للذات هل ذات الصفة، فيكون عين شق الترديد السالف، أو ذات الشخص ذي الصفة فيأتي فيه نظير الدليل المقتضي للاستحالة، إلا أنه إذا كان الغرض هذا الأخير يقال: وهل الذات غير العبد الذي سيقول فيه: "إما للعبد"؟ فيجاب بأن العبد الذات المتصفة بصفة محبوبة أو مبغضة، فلا تأتي الاستحالة المشار إليها سابقا، إلا أنه حينئذ يكون هذا هو الاحتمال الثالث الذي تركه سابقا ونبهنا عليه. "د". 3 كذا في "ط" فقط، وفي غيره: "إذ لا يرجع.....". 4 كلام المصنف رحمه الله تعالى في صفتي الحب والبغض من التأويل المردود، وليس عن منهج السلف الصالح في إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته نبيه صلى الله عليه وسلم لربه؛ فإنه سبحانه نزه نفسه ثم أعقب ذلك بمدحه رسله؛ لأنه لا يصدر عنهم إلا ما يليق به جل جلاله، وذلك في قوله: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} . ومن بين هذه الصفات التي وردت في الكتاب وصحيح السنة على وجه الإثبات الحب والبغض، وهي صفات الفعل لله عز وجل، نمرها كما جاءت من غير تأويل، وهي له سبحانه صفات =

.........................................................

_ = حقيقية على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق، وهذا أوقع المصنف وغيره في حمأة التأويل الذي هو في حقيقته ضرب من ضروب التعطيل؛ لأنه نفى هذه الصفات بحجة أنها إرادة، فالحب عنده الإنعام أو إرادته، وقال غيره: إرادة الثواب والبغض والسخط والكراهة والغضب الانتقام أو إرادته، وقال غيره: إرادة العقاب، فإرجاع هذه الصفات إلى الإرادة أو إيقاع الفعل خطأ ظاهر، وخلاف مذهب السلف الصالح. قال ابن أبي العز الحنفي في "شرح العقيدة الطحاوية" "524" معلقا على مقولة الطحاوي في "عقيدته" المشهورة المجمع عليها: "والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى" ما نصه: "ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات". ثم قال رحمه الله تعالى: "ص525-526": "ويقال لمن تأول الغضب والرضى بإرادة الإحسان: لما تأولت هذا؟ فلا بد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه الغضب. ويقال له: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا، فهي ميل الحي إلى الشيء، أو إلى ما يلائمه ويناسبه؛ فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه، ويزداد بوجوده، وينتقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك. فإن قال: الإرادة التي يوصف بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهماحقيقة؟ قيل له: فقل: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة. فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض وتسلم أيضا من تعطيل أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا يكون الموجب للصرف ما دل عليه عقله، إذ العقول مختلفة، فكل يقول: إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر". =

......................................................................

_ = وهذا الذي ذكره ابن أبي العز الحنفي هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في كثير من المناسبات فقد توجها رحمهما الله تعالى إلى من أول هذه الصفات بالنقد، وإليك بعضا من كلامهما. قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" "3/ 17-18": ".... فإن كان المخاطب ممن يقول بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمعن بصير ببصر، متكلم بكلام، ويجعل ذلك حقيقة وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازا ويفسره إما بالإرادة وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر. فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل. وإن قلت: إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل له: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضى وغضب يليق به، وللمخلوق رضى وغضب يليق به. وإن قلتك الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فيقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة. فإن قلت: هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق". وبنحوه في "المجموع" أيضا "6/ 119-120". وعرض ابن القيم شبه المأولة لهذه الصفات، وردها بحجج دامغة، فقال في "مختصر الصواعق المرسلة" "1/ 23": فإن قلت: إن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيها وتجسيما، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم، فإنها لا تعقل إلا في الأجسام، فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها، والغضب غليان دم القلب لورود ما يرد عليه. قيل لك: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها، ودفع ما يضرها، وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد، فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم، أو صفة عرضية قائمة به، وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه؟! " انتهى. فهذا كلام متين قوي للغاية، وهو في مناقشة ما أورده من تأول هذه الصفات، فالحق وأهل=

......................................................................................

_ = الحق يثبتون هذه الصفات لله عز وجل على أنها صفات فعلية ذاتية حقيقية له سبحانه على ما يليق به، فلا تقتضي عندهم نقصا ولا تشبيها، كما أنهم يثبتون لازم تلك الصفات، وهي إرادته سبحانه الثواب والعقاب، ولكن لا يوجبان ذلك عليه، كما تقول المعتزلة، ولا يقولون بما قد يفهم من كلام المصنف وصرح به بعض أهل التعطيل من أن تفسير سخطه وكرهه بزعمهم ما يقعون فيه من البلايا والهلكة والضيق والشدة، وآية ذلك عندهم ما يتقلب فيه من هذه الحالات، وما أشبهها، وأن حبه ورضاه عكس ذلك، فهذه دعوى ما رأينا أبطل ولا أبعد من صحيح لغات العرب والعجم منها، ففيها: إذا كان أولياء الله المؤمنون من رسله وأنبيائه وسائر أوليائه في ضيق وشدة وعوز من المآكل والمشارب، وفي خوف وبلاء، كانوا على حسب هذه الدعوى في سخط من الله وغضب وعقاب، وإذا كان الكافر في خصب ودعة وأمن وعافية، واتسعت عليه دنياه من مآكل الحرام وشرب الخمور، كانوا في رضي من الله وفي محبة، ما رأينا تأويلا أبعد عن الحق من هذا التأويل، اللهم إنا نبرأ إليك منه، ونبرأ من كل ما يخالف منهج السلف في العقيدة والدعوة والعلم والعمل، ومن كل من يطعن فيه وفي أهله قديما وحديثا، والحاصل أن تأويل الحب والبغض الوارد عند المصنف بنفس الإنعام أو الانتقام، أو أن يراد بهما إرادة الإنعام والانتقام مخالف لما عليه السلف الصالح، وفيه تعطيل لهاتين الصفتين، لأن معناه: إن الله تعالى لا يحب، وإنما محبته محبة طاعته وعبادته، وإرادته الإحسان إليهم، والذي دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن الله تعالى يحب ويُحَبُّ لذاته، وأما حب ثوابه، فدرجة نازلة كما قاله الطوفي، نقله، في "أقاويل الثقات" "77"، وفيه قوله أيضا: "وأول من أنكر المحبة في الإسلام الجعد بن درهم" وحكاه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" "2/ 354" عن الجعد أيضا، والصواب إثبات صفة المحبة والبغض اللتين تليقان بجلاله. وعظمته. قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "2/ 354": "إن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبت محبة الله لعباده المؤمنين له، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 195] ، وقوله: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، وقوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 24] . وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7] ، {يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 135] ، {يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب =

....................................................................................

_ = إليه مما سواهما.....". قلت: أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، 1/ 60/ رقم 16"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، 1/ 66/ رقم 43" عن أنس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام". قلت: ليت شعري بماذا يجيب النافون للمحبة عن مثل قول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في "الصحيح" "رقم 6040"، ومسلم في "الصحيح" "رقم 2637" عن أبي هريرة مرفوعا: "إن الله عز وجل إذا أحب عبدا قال لجبريل عليه السلام: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيقول جبريل عليه السلام لأهل السماء: إن ربكم عز وجل يحب فلانا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغضه فمثل ذلك". إذن، فليس للتأويلات والمقولات المذكورة وجه سائغ، ولو قدر أن بعضها فيها لازم صفتي الحب والبغض، وأنها تفسير لهما يلازمهما، فإن بعضها الآخر فيه باطل، كما قدمناه، ويعجبني بهذا الصدد ما قاله العلامة القاسمي رحمه الله تعالى في "محاسن التأويل" "6/ 253- 254": "مذهب السلف في المحبة المسندة له تعالى أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها كما تقدم في الفاتحة في {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} . فتأويل مثل الزمخشري لها بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم والثناء عليهم والرضا عنهم، تفسير باللازم منزع كلامي لا سلفي" انتهى. فالتأويل المذكور منزعه اعتزالي، ولذا تعقب ابن المنير الزمخشري بكلام طويل، ومما قال في "الانتصاف" "1/ 345- 346": "فليس معلوم أكمل ولا أجمل من المعبود الحق، فاللذة الحاصلة في معرفته تعالى ومعرفة جلاله وكماله تكون أعظم، والمحبة المنبعثة عنها تكون أمكن، وإذا حصلت هذه المحبة بعثت على الطاعات والموافقات، فقد تحصل من ذلك أن محبة العبد ممكنة، بل واقعة من كل مؤمن، فهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم، وإذا كان كذلك وجب تفسير محبة العبد لله بمعناها الحقيقي لغة، وكانت الطاعة والموافقات كالمسبب عنها والمغاير لها، ألا ترى إلى الأعرابي الذي سأل عن الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أعددت لها"؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل، ولكن حب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: "أنت مع من أحببت". فهذا الحديث ناطق بأن المفهوم من المحبة لله غير الأعمال والتزام الطاعات، لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب، وأقره عليه الصلاة والسلام على ذلك. وانظر منه "4/ 9"، وهو بذيل"الكشاف" ط- دار المعرفة.

وَأَمْرٌ ثَالِثٌ1: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَنَّهَا مَحْبُوبَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلَّقَاتِهَا وَهُوَ2 الْأَفْعَالُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ عَلَى تِلْكَ الْأَفْعَالِ مَعَ الصِّفَاتِ مِثْلَ الْجَزَاءِ عَلَيْهَا بدون تلك الصفات، أولا، فَإِنْ كَانَ الْجَزَاءُ مُتَفَاوِتًا، فَقَدْ صَارَ لِلصِّفَاتِ قِسْطٌ مِنَ الْجَزَاءِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ حِينَ صَاحَبَهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ مُسَاوِيًا لِفِعْلِ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِمَا وَإِنِ3 اسْتَوَيَا فِي الْفِعْلِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَحْبُوبُ عِنْدَ اللَّهِ مُسَاوِيًا لِمَا لَيْسَ بِمَحْبُوبٍ، وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ لَيْسَ بِمَحْبُوبٍ4، وَبِالْعَكْسِ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ لِلْوَصْفِ حَظًّا مِنَ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ، وَإِذَا ثَبَتَ [أَنَّ لَهُ] 5 حَظًّا مَا مِنَ الْجَزَاءِ ثَبَتَ مُطْلَقُ الْجَزَاءِ، فَالْأَوْصَافُ الْمَطْبُوعُ عَلَيْهَا وَمَا أَشْبَهَهَا مُجَازًى عَلَيْهَا، وَذَلِكَ مَا أردنا.

_ 1 إنما جعله دليلا ثالثا مستقلا، ولم يبنه على مبنى الدليلين قبله، لأنه فيهما جارٍ على تعلق الحب والبغض بنفس الصفات، أما في هذا، فجعلهما متعلقين بتوابع هذه الصفات ولواحقها من الأفعال، ولذا غير الأسلوب ولم يقل من أول الأمر بثلاثة أمور. "د". 2 في "ط": "وهي". 3 الواو للحال، وإن زائدة. "د". 4 من أين هذا اللزوم؟ لا يلزم من مساواة المحبوب لغيره في حكم من الأحكام أن يكون ليس بمحبوب ولا العكس. "د". 5 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط"، ولذا جاءت التي بعدها "حظ" بالرفع.

وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا مُشْكِلٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مَعَ التَّكْلِيفِ لَا يَتَلَازَمَانِ، فَقَدْ يَكُونُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْدُورِ لِلْمُكَلَّفِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّكْلِيفُ وَلَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ، فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْمَصَائِبِ النَّازِلَةِ بِالْإِنْسَانِ اضْطِرَارًا1، عَلِمَ بِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالثَّانِي كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَمَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَإِنَّهُ جَاءَ "أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" 2، وَلَا أَعْلَمَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُ بِعَدَمِ إِجْزَاءِ صلاته إذا استكملت

_ 1 إنك إذا قرأت آيات الكتاب العزيز، وجدت أن الثناء والوعد بالثواب في مواضع الابتلاء إنما هو على الصبر والتسليم لله والرضى، فعليك بتتبع الآيات الكثيرة في سورة البقرة وآل عمران والعنكبوت والأحزاب وغيرها، وكذا الأحاديث مثل: "إذا أحبّ الله قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط" وعليه، فليست المصائب والنوازل هي المثاب عليها، بل هو ما يقارنها أو يعقبها من الصبر والرضا، ولا شك أن ذلك مقدور للمكلف ومطلوب منه، فلا يتم له ما أراده هنا، وبه يعلم أيضا ما في قوله: "علم بها أو لم يعلم"، فإنه إذا لم يعلم لا يتأتى منه الصبر والرضا الذي يكون به الثواب، وسيأتي تتميم لهذا الكلام قريبا. "د". قلت: وصرح العز بن عبد السلام في "القواعد الصغرى" "ص96" بما قاله المعلق: ونص عبارته: "لا أجر ولا وزر إلا على فعل مكتسب، فالمصائب لا أجر عليها لأنها غير مكتسبة، بل الأمر على الصبر عليها أو الرضى بها" ونحوه في "قواعد الأحكام" "1/ 115" له أيضا. 2 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان، 4/ 1751/ رقم 2230"، عن صفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما" وأخرج النسائي في "المجتبى" "كتاب الأشربة، باب ذكر الرواية المبينة عن صلوات شارب الخمر، 8/ 314، وباب ذكر الآثام المتولدة عن شرب الخمر من ترك الصلوات، 8/ 316، وباب توبة شارب الخمر، 8/ 317"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأشربة"، باب من شرب الخمر لم تقبل له صلاة، 2/ 1120-1121/ رقم 3377"، وأحمد في "المسند" "2/ 176، 189، 197"، والدارمي في "السنن" "2/ 111"، والبزار في "مسنده" "رقم 2936- زوائده" والحاكم في المستدرك" 1/ 30-31 و 4/ 146" عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا: "لا يشرب الخمر رجل من أمتي فيقبل الله منه صلاة أربعين يوما" وإسناده صحيح.

أَرْكَانُهَا وَشُرُوطُهَا، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، وَإِذَا لَمْ يَتَلَازَمَا، لَا1 يَصِحُّ هَذَا الدَّلِيلُ. وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَدِ اعْتَرَضَهُ الدَّلِيلُ الثَّالِثُ الدَّالُّ عَلَى الْجَزَاءِ، فَقَوْلُهُ: إِنَّ الْجَزَاءَ وَقَعَ على الفعل أَوِ التَّرْكِ إِنْ أَرَادَ بِهِ مُجَرَّدًا كَمَا يَقَعُ دُونَ الْوَصْفِ، فَقَدْ ثَبَتَ بُطْلَانُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مَعَ اقْتِرَانِ الْوَصْفِ، فَقَدْ صَارَ لِلْوَصْفِ2 أَثَرٌ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ3، وَذَلِكَ دَلِيلٌ دَالٌّ عَلَى صِحَّةِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ لَا عَلَى نَفْيِهِ. وَلِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى الثَّانِي فِي أَدِلَّتِهِ: [أَمَّا الْأَوَّلُ] 4، فَإِنَّهُ إِذَا صَارَ مَعْنَى الْحُبِّ وَالْبُغْضِ إِلَى الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، امْتَنَعَ5 أَنْ يَتَعَلَّقَا بِمَا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وَهُوَ الصِّفَاتُ وَالذَّوَاتُ الْمَخْلُوقُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، إِذْ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَتَعَلَّقَا لِأَمْرٍ رَاجِعٍ لِلْعَبْدِ غَيْرِ الثَّوَابِ أَوِ الْعِقَابِ، وَذَلِكَ كَوْنُهُ اتَّصَفَ بِمَا هُوَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَإِنَّ الْأَفْعَالَ لَمَّا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنِ الصِّفَاتِ، فَوُقُوعُهَا عَلَى حَسَبِهَا6 فِي الْكَمَالِ أَوِ النُّقْصَانِ، فَنَحْنُ نَسْتَدِلُّ بِكَمَالِ الصَّنْعَةِ عَلَى كَمَالِ.

_ 1 في الأصل، و"ط": "لم". 2 في الأصل: "الوصف". 3 في "ط": "أو العقاب". 4 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط" و"خ". 5 تقدم رده بأنه لا تلازم بين الثواب والعقاب، وبين أن يكون المثاب عليه مقدورا عليه بل ولا معلوما. "د". 6 أي: فيلزم من زيادة قوة الصفة زيادة في الفعل حسنا وقبحا، فلا يتأتى الاختلاف في الصفات مع تساوي الأفعال، حتى يصح الدليل الثالث. "د".

الصانع وبالضد، فكذلك ههنا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ الثَّوَابُ بِالْأَفْعَالِ، وَيَكُونُ التَّفَاوُتُ رَاجِعًا إِلَى تَفَاوُتِهَا لَا إِلَى الصِّفَاتِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّظَرَ يَتَجَاذَبُهُ الطَّرَفَانِ، وَيَحْتَمِلُ تَحْقِيقُهُ بَسْطًا أَوْسَعَ مِنْ هَذَا، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْمُكَلَّفِ، وَبَقِيَ النَّظَرُ فيما يدخل تحت مقدوره، لكنه شاق عليه، فَهَذَا مَوْضِعُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إِذَا عَلِمْنَا مَنْ قَصْدِ الشَّارِعِ نَفْيَ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، أَنْ نَعْلَمَ مِنْهُ نَفْيَ التَّكْلِيفِ بِأَنْوَاعِ الْمَشَاقِّ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ1 فِي الشَّرَائِعِ الأُوَل التَّكْلِيفُ بِالْمَشَاقِّ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ. [وَأَيْضًا، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ] 2 قَدْ مَنَعَهُ جَمَاعَةٌ عُقَلَاءُ، بَلْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ من الأشعرية وغيرهم3.

_ 1 لو قال بدليل أنه ثبت.... إلخ، لكان أظهر، أي: وحيث إنه لا تلازم بين التكليف بالمشاق والتكليف بما لا يطاق إثباتا ولا نفيا، فلا يتأتى التلازم بين العلم في النفيين، إلا أن يقال: إنه لما كان راجعا إلى الشرائع السابقة لم يأخذه على صورة دليل، بل بصورة استئناس فقط، حتى كأنه مفرع على الدعوى، وجعل الثاني دليلا لأنه من نظر علماء هذه الشريعة. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 انعقد الإجماع على أنه لم يقع التكليف بما لا قدرة للمكلف عليه، وهو الممتنع لنفس مفهومه كالجمع بين الضدين، أو لاستحالة تعلق قدرة العبد به مع صحة وجوده في نفسه كخلق الجواهر، أو لمجرى العادة كالطيران في الهواء، وأما ما يكون في ذاته ممكنا عقلا وعادة وإنما يمتنع حيث سبق في علم الله أنه لا يقع، فلا نزاع في جواز التكليف به ووقوعه كإيمان كثير ممن بلغتهم الدعوة وماتوا وهو كافرون. "خ". قلت: اختار هذا الآمدي في "أحكامه" "1/ 192" ونقله عن الغزالي، واختاره صاحب "المنهاج" "1/ 172- مع الإبهاج"، وبه قال ابن دقيق العيد، انظر: "البحر المحيط" "1/ 220". وفصل هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "4/ 175-177، و 8/ 469 وما بعدها" وتلميذه ابن القيم في "بدائع الفوائد" "4/ 175-177" بما لا مزيد عليه، وكلام ابن القيم عليها مختصر قوي، وهو عبارة عن قواعد وضوابط, ولذا آثرت نقله بحرفه، قال رحمه الله تعالى: "الفعل بالنسبة إلى التكليف نوعان: أحدهما اتفق الناس على جوازه ووقوعه واختلفوا في =

....................................................................................

_ = نسبة إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق، والثاني: اتفق الناس على أنه لا يطاق، وتنازعوا في جواز الأمر به ولم يتنازعوا في عدم وقوعه، ولم يثبت بحمد الله أمر اتفق المسلمون على أنه لا يطاق وقالوا: إنه يكلف به العبد، ولا اتفق المسلمون على فعل كلف به العبد وأطلقوا القول عليه بأنه لا يطاق. وللمسألة ثلاثة مآخذ: أحدها: أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله، والصواب أنها نوعان: نوع قبله وهو المصححة للتكليف التي هي شرط فيه، ونوع مقارن له، فليست شرطا في التكليف. المأخذ الثاني: أن تعلق علم الله سبحانه بعدم وقوع الفعل هل يخرجه عن كونه مقدورا للعبد، فمن أخرجه عن كونه مقدورا قال الأمر به أمر بما لا يطاق، ومن لم يخرجه عن كونه مقدورا لم يطلق عليه ذلك، والصواب أنه لا يخرجه عن كونه مقدورا القدرة المصححة التي هي مناط التكليف وشرط فيه، وإن أخرجه عن كونه مقدورًا القدرة الموجبة للفعل المقارنة له. المأخذ الثالث: أن ما تعلق علم الله بأنه لا يكون من أفعال المكلفين نوعان: أحدهما: أن يتعلق بأنه لا يكون لعدم القدرة عليه، فهذا لا يكون ممكنا مقدورا ولا مكلفا به، الثاني: ما تعلق بأنه لا يكون لعدم إرادة العبد له، فهذا لا يخرج بهذا العلم عن الإمكان، ولا عن جواز الأمر به ووقوعه، ولهذا مأخذ رابع وهو من أدقها وأغمضها، وهو أن ما علم الله أنه لا يكون لعدم مشيئته له ولو شاء للعبد لفعله، هل يخرجه عدم مشيئة الرب تعالى له عن كونه مقدورا ويجعل الأمر به أمرا بما لا يطاق؟ والصواب أن عدم مشيئة الرب له لا يخرجه عن كونه ممكنا في نفسه، كما أن عدم مشيئته لما هو قادر عليه من أفعاله لا يخرجه عن كونه مقدورا له، وإنما يخرج الفعل عن الإمكان إذا كان بحيث لو أراده الفاعل، لم يمكنه فعله، وأما امتناعه لعدم مشيئته فلا يخرجه عن كونه مقدورا ويجعله محالا. فإن قيل: هو موقوف على مشيئة الله وهي غير مقدورة للعبد، والموقوف على غير المقدور غير مقدور، قيل: إنما يكون غير مقدور إذا كان بحيث لو أراده العبد لم يقدر عليه، فيكون عدم وقوعه لعدم قدرة العبد عليه، فأما إذا كان عدم وقوعه لعدم مشيئته له، فهذا لا يخرجه عن كونه مقدورا له، وإن كانت مشيئته موقوفة على مشيئة الرب تعالى، كما أن عدم وقوع الفعل من الله لعدم مشيئته له لا يخرجه عن كونه مقدورا له، وإن كانت مشيئته تعالى موقوفة على غيرها من صفاته، كعلمه، =

وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ، فَذَلِكَ أَصْلُهُمْ1، بِخِلَافِ التَّكْلِيفِ بِمَا يَشُقُّ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْفَاضِلَةِ. وَلَا بُدَّ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَطْلُوبِ مِنَ النَّظَرِ فِي مَعْنَى "الْمَشَقَّةِ"، وَهِيَ فِي

_ = وحكمته، فالنزاع في هذا الأصل يتنوع إلى النظر إلى المأمور به وإلى النظر إلى جواز الأمر به ووقوعه، ومن جعل القسمين واحدا أو ادعى جواز الأمر به مطلقا لوقوع بعض الأقسام التي يظنها مما لا يطاق وقاس عليها النوع الذي اتفق الناس على أنه لا يطاق، وأن وقوع ذلك النوع يستلزم لوقوع القسم المتفق على أنه لا يطاق أو على جوازه، فقد أخطأ خطأ بيِّنًا، فإن من قاس الصحيح المتمكن من الفعل القادر عليه الذي لو أراده لفعله على العاجز عن الفعل؛ إما لاستحالته في نفسه، أو لعجزه عنه لجامع ما يشتركان فيه من كون الاستطاعة مع الفعل، ومن تعلق علم الرب تعالى بعدم وقوع الفعل منهما، فقد جمع بين ما علم الفرق بينهما عقلا وشرعا وحسنا، وهذا من أفسد القياس وأبطله، والعبد مأمور من جهة الرب تعالى ومنهي، وعند هؤلاء أن أوامره تكليف لما لا يطاق، فهي غير مقدورة للعبد، وهو مجبور على ما فعله من نواهيه، فتركها غير مقدور له، فلا هو قادر على فعل ما أمر به، ولا على ترك ما ارتكبه مما نهي عنه، بل هو مجبور في باب النواهي مكلف ما بلا يطيقه في باب الأوامر، وبإزاء هؤلاء القدرية الذين يقولون: إن فعل العبد لا يتوقف على مشيئة الله ولا هو مقدور له سبحانه وأنه يفعله بدون مشيئة الله لفعله، وبتركه بدون مشيئة الله لتركه، فهو الذي جعل نفسه مؤمنا وكافرا وبرا وفاجرا ومطيعا وعاصيا، والله لم يجعله كذلك، ولا شاء منه أفعاله، ولا خلقها، ولا يوصف بالقدرة عليها، وقول هؤلاء شر من قول أولئك من وجه، وقول أولئك شر من قول هؤلاء من وجه، وكلاهما ناكب عن الحق حائد عن الصراط المستقيم". 1 لأنهم يشترطون في الأمر الإرادة، فلما اشترطوا كون الأمر مريدا لوقوع ما أمر به، استحال عندهم تكليف المستحيل وما لا يطاق؛ لأن الله إذا أمر بإيقاع أمر مستحيل، فلا شك أنه سبحانه عالم بأنه لا يقع، ومن أصلهم: أن الآمر يريد وقوع ما أمر به، والجمع بين العلم بعدم وقوعه وإرادته بأن يقع متنافٍ، وكذلك قولهم: إن القدرة قبل الفعل، وتقدم بيان ذلك في كلام ابن القيم، وهذا مراد المصنف بقوله: "فذلك أصلهم". انظر "سلاسل الذهب" "137"، و"البحر المحيط" "1/ 219" للزركشي، و"المعتمد" "1/ 150، 177".

أَصْلِ اللُّغَةِ مِنْ قَوْلِكَ: شَقَّ عَلَيَّ الشَّيْءُ [يَشُقُّ] شَقًّا وَمَشَقَّةً إِذَا أَتْعَبَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النَّحْلِ: 7] . وَالشِّقُّ هُوَ الِاسْمُ مِنَ الْمَشَقَّةِ1، وَهَذَا الْمَعْنَى إِذَا أُخِذَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ، اقْتَضَى أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ اصْطِلَاحِيَّةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ، فَتَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ يُسَمَّى مَشَقَّةً، مِنْ حَيْثُ كَانَ تَطَلُّبُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِحَمْلِهِ موقعا في عناء وتعب لا يجدي، كالمعقد إِذَا تَكَلَّفَ الْقِيَامَ، وَالْإِنْسَانِ إِذَا تَكَلَّفَ الطَّيَرَانَ فِي الْهَوَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَحِينَ اجْتَمَعَ مَعَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الشَّاقِّ الْحِمْلِ إِذَا تَحَمَّلَ في نفسه الْمَشَقَّةِ، سُمِّيَ الْعَمَلُ شَاقًّا وَالتَّعَبُ فِي تَكَلُّفِ2 حَمْلِهِ مَشَقَّةً. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ، بِحَيْثُ يُشَوِّشُ عَلَى النُّفُوسِ3 فِي تَصَرُّفِهَا، وَيُقْلِقُهَا فِي الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ. إِلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ مُخْتَصَّةً بِأَعْيَانِ الْأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا، بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَوُجِدَتْ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ الرُّخَصُ الْمَشْهُورَةُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، كَالصَّوْمِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَالْإِتْمَامِ فِي السَّفَرِ، وَمَا أشبه ذلك. والثاني: أن لا تَكُونَ مُخْتَصَّةً، وَلَكِنْ إِذَا نُظِرَ إِلَى كُلِّيَّاتِ الْأَعْمَالِ وَالدَّوَامِ عَلَيْهَا، صَارَتْ شَاقَّةً، وَلَحِقَتِ الْمَشَقَّةُ الْعَامِلَ بِهَا وَيُوجَدُ هَذَا فِي النَّوَافِلِ وَحْدَهَا إِذَا تَحَمَّلَ الْإِنْسَانُ مِنْهَا فَوْقَ مَا يَحْتَمِلُهُ عَلَى وَجْهٍ مَا، إِلَّا أَنَّهُ فِي الدَّوَامِ

_ 1 انظر مادة "ش ق" من "اللسان" و"النهاية" "2/ 491" لابن الأثير. 2 في "ط": "تطلب". 3 في "ط": "النفس".

يُتْعِبُهُ، حَتَّى يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ بِسَبَبِهِ مَا يَحْصُلُ لَهَا بِالْعَمَلِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ الرِّفْقُ وَالْأَخْذُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا لَا يحصِّل مَلَلًا، حسبما نَبَّهَ عَلَيْهِ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ الْوِصَالِ1، وَعَنِ التَّنَطُّعِ2 وَالتَّكَلُّفِ3، وَقَالَ: "خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا" 4. وَقَوْلُهُ: "الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغوا" 5. وَالْأَخْبَارُ هُنَا كَثِيرَةٌ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهَا مَوْضِعٌ آخَرُ6، فَهَذِهِ مَشَقَّةٌ نَاشِئَةٌ مَنْ أَمْرٍ كُلِّيٍّ، وَفِي الضَّرْبِ الأول ناشئة من أمر جزئي.

_ 1 كما سيأتي "ص239". 2 كما سيأتي "ص228". 3 كما مضى "ص/ 45، 257". 4 سيأتي تخريجه في "ص405، وتقدم 1/ 526"، وهو في "الصحيحين" وغيرهما. 5 جزء من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لن ينجي أحدا منكم عمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرَوِّحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، والقصد القصد تبلغوا". أخرجه البخاري في "الصحيح" "رقم 6463 -واللفظ له- رقم 5673"، ومسلم في "الصحيح" "17/ 159-160 / شرح النووي"، وابن ماجه في السنن" "4201"، وأحمد في "المسند" "2/ 235، 256، 264، 319، 326، 343، 344، 385-386، 390، 451-452، 466، 469، 473، 488، 495، 503، 509، 514، 519، 524، 537"، وفي "الزهد" "475"، والطيالسي في المسند" "2322"، وابن حبان في "الصحيح" "348، 350، 660"، وعبد الرزاق في "المصنف" "20562"، والبزار كما في "كشف الأستار" "3448"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 377"، وأبو نعيم في "الحلية" "7/ 129 و8 / 379"، والبغوي في "شرح السنة" "4192، 4193، 4194". وقد شرحه ابن رجب في جزء مفرد مطبوع، عنوانه "المحجة في سير الدلجة". 6 انظرها فيما يأتي.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي تَعَبِ النَّفْسِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ، وَلَكِنَّ نَفْسَ التَّكْلِيفِ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ قَبْلَ التَّكْلِيفِ شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ "التَّكْلِيفِ"، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي مَعْنَى الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: "كَلَّفْتُهُ تَكْلِيفًا" إِذَا حَمَّلْتَهُ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ وأمرته به، و"تكلفت الشَّيْءَ" إِذَا تَحَمَّلْتَهُ عَلَى مَشَقَّةٍ، وَحُمِّلْتُ الشَّيْءَ تَكَلَّفْتَهُ إِذَا لَمْ تُطِقْهُ إِلَّا تَكَلُّفًا، فَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى مَشَقَّةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّهُ إِلْقَاءٌ بِالْمَقَالِيدِ1، وَدُخُولٌ فِي أَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِمَا يَلْزَمُ2 عَمَّا قَبْلَهُ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ إِخْرَاجٌ لِلْمُكَلَّفِ عَنْ هَوَى نَفْسِهِ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى شَاقَّةٌ عَلَى صَاحِبِ الْهَوَى مُطْلَقًا، وَيَلْحَقُ الْإِنْسَانَ بِسَبَبِهَا تَعَبٌ وَعَنَاءٌ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ فِي الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ فِي الْخَلْقِ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجَهٍ مِنْ حَيْثُ النطر إِلَى الْمَشَقَّةِ فِي نَفْسِهَا، انْتَظَمَتْ فِي أَرْبَعَةٍ3: فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَقَدْ تَخَلَّصَ فِي الْأُصُولِ، وَتَقَدَّمَ ما يتعلق به. وأما الثاني: وهي:

_ 1 المقاليد: الخزائن والمفاتيح، انظر "اللسان" "مادة ق ل د 3/ 366". 2 المراد قد ينشأ عنه، لا أنه لا ينفك عنه، وإلا؛ لكان الأول يتعين فيه أن يلحق الإنسان فيه تعب ومشقة، كما قال هنا؛ وفي المسألة الثامنة في شرح الرابع، وهو يخالف قوله في الثالث: "ليس فِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي تَعَبِ النَّفْسِ خُرُوجٌ عن المعتاد". "د". 3 أي: لأنه أدرج اثنين منها تحت الثاني، حيث جعله ضربين. "د". قلت: نحو المذكور عند المصنف -مع اختلاف في العرض والعد وتشابه في المضمون- تراه في "قواعد الأحكام" "2/ 7، 8"، و"شرح الفروق" "1/ 119" لابن الشاط.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى التكاليف بالمشاق الْإِعْنَاتَ1 فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ2: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الْأَعْرَافِ: 157] . وَقَوْلِهِ: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} .... الآية [البقرة: 286] . وَفِي3 الْحَدِيثِ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ فَعَلْتُ" 4. وَجَاءَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .

_ 1 هكذا في "خ"، وفي الأصل و"ط": "بالمشاق والإعنات"، وفي "د" مثله، إلا أنه قال "بالشاق". وفي "ماء / ص166": "بالمشاق الإعنات فيه ولا في أموره". 2 انظر المسألة وبسطها مع أدلتها في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "14/ 102-104، 108-109، 137-139"، و"إعلام الموقعين" "1/ 268"، و"روضة المحبين" "181". 3 هو تمام الدليل؛ لأن الآية دعاء بذلك، والحديث فيه الإجابة. "د". 4 قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق 1/ 116/ رقم 126" والترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة 5/ 221- 222/ رقم 2992"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير 1/ 293-294/ رقم 79"، وأحمد في "المسند" "1/ 233"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 286"، وابن جرير في "التفسير" "3/ 95"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "210/ 211"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص67-68"، وابن حبان في "الصحيح" "11/ 458/ رقم 5069" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] . {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاءِ: 28] . {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} ... الآية [المائدة: 6] 1. وَفِي الْحَدِيثِ: "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" 2. "وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يكن إثما"3.

_ 1 الدليل في صدر الآية، وكذا فيما بعد الاستدراك، فلذا قال: "الآية". "د". 2 أخرجه أبو بكر بن سلمان الفقيه في "مجلس من الأمالي" "16/ 1"، والخطيب في "التاريخ" "7/ 209"، وابن النجار في "ذيل تاريخ بغداد "18/ 5" عن جابر مرفوعا بإسناد ضعيف، فيه مسلم بن عبد ربه، ضعفه الأزدي، وضعف إسناده العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" "4/ 149"، ولكن قال العلائي؛ كما في "فيض القدير": "مسلم؛ ضعفه الأزدي، ولم أجد أحدا وثقه، ولكن له طرق ثلاث، ليس يبعد أن لا ينزل بسببها عن درجة الحسن". قلت: أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "1/ 192" عن حبيب بن أبي ثابت مرفوعا، وهو مرسل. وأخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" "2/ 204" عن أبي أمامة مرفوعا: "إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بعثت بالحنيفية السمحاء"، وإسناده ضعيف. وأخرجه أحمد في "المسند" "6/ 116، 233"، عن عائشة، وفي آخره: "إني أرسلت بحنيفية سمحة" وسنده حسن، وحسنه ابن حجر في "تغليق التعليق" "1/ 43" وفيه: "وفي الباب عن أبي بن كعب وجابر وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة وأسعد بن عبد الله الخزاعي وغيرهم"، ونحوه في "هدى الساري" "ص120". وقد خرجت بعضها في تحقيقي لرسالة السخاوي: "الجواب الذي انضبط عن لا تكن حلوا فتسترط" "ص44-46". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 6/ 566/ رقم 3560، وكتاب الأدب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا"، 10/ 524/ رقم 6126 =

وَإِنَّمَا قَالَ: "مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا"؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِثْمِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، مِنْ حَيْثُ كَانَ مُجَرَّدَ تَرْكٍ1، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَوْ كَانَ قَاصِدًا لِلْمَشَقَّةِ لَمَا كَانَ مُرِيدًا لِلْيُسْرِ وَلَا لِلتَّخْفِيفِ، وَلَكَانَ مُرِيدًا لِلْحَرَجِ وَالْعُسْرِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الرُّخَصِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَمِمَّا عُلِمَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةٌ، كَرُخَصِ الْقَصْرِ، وَالْفِطْرِ، وَالْجَمْعِ، وَتَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ في الاضطرار، فإن هذا نمط يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى مُطْلَقِ رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ وَالتَّسَبُّبِ فِي الِانْقِطَاعِ عَنْ دَوَامِ الْأَعْمَالِ، وَلَوْ كَانَ الشَّارِعُ قَاصِدًا لِلْمَشَقَّةِ فِي التَّكْلِيفِ، لَمَا كَانَ ثَمَّ تَرْخِيصٌ2 وَلَا تَخْفِيفٌ. وَالثَّالِثُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ وُجُودًا فِي التَّكْلِيفِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، و3 لو كان واقعا لحصل في الشريعة التناقض.

_ = وكتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله 12/ 86/ رقم 6786، وباب كم التعزيز والأدب 12/ 176/ رقم 6853"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام 4/ 1813/ رقم 2327"، ومالك في "الموطأ" "2/ 902-903"، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" "رقم 270"، وأبو داود في "سننه" "كتاب الأدب، باب التجاوز في الأمر 4/ 250/ رقم 4785"، وابن أبي داود في "مسند عائشة" "رقم 15، 92"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه" "35، 36" من حديث عاشئة رضي الله عنها. وكتب "خ" هنا ما نصه: "وقولها: "ما لم يكن إثما، فإن كان إثما، كان أبعد الناس منه" ينادي بأن المراد التخيير بين أمرين من أمور الدنيا، وأن المخير له غير الله من المخلوقين؛ إذ لا يصح أن يقع من الله تخيير بين إثم وغيره". 1 هذا لا يخص ترك الإثم، بل يجري في كل ترك لما فيه من الحيثية المذكورة، وبالجملة، فقوله: "وإنما قال..... إلخ" غير ظاهر. "د". 2 أي: في الضرب الأول، وقوله: "ولا تخفيف"، أي: في الضرب الثاني. "د". 3 في الحقيقة هو دليل رابع، فلو قال: "والرابع" أو "وأيضا" مثلا، لكان أظهر "د".

وَالِاخْتِلَافُ، وَذَلِكَ مَنْفِيٌّ عَنْهَا؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَصْدِ الْإِعْنَاتِ وَالْمَشَقَّةِ -وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ- كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضًا وَاخْتِلَافًا، وَهِيَ مُنَزَّهَةٌ على ذَلِكَ. وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فَإِنَّهُ لَا يُنَازَعُ فِي أَنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ لِلتَّكْلِيفِ بِمَا يَلْزَمُ فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ مَا، وَلَكِنْ لَا تُسَمَّى فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَشَقَّةً، كَمَا لَا يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً طَلَبُ الْمَعَاشِ بِالتَّحَرُّفِ1 وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ مُعْتَادٌ لَا يُقْطَعُ مَا فِيهِ مِنَ الْكُلْفَةِ عَنِ الْعَمَلِ فِي الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ، بَلْ أَهْلُ الْعُقُولِ وَأَرْبَابُ الْعَادَاتِ يَعُدُّونَ الْمُنْقَطِعَ عَنْهُ كَسْلَانَ، وَيَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَادُ فِي التَّكَالِيفِ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُعَدُّ مَشَقَّةً عَادَةً، [وَالَّتِي تُعَدُّ مَشَقَّةً] 2، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعَمَلُ يُؤَدِّي الدوامُ عَلَيْهِ إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنْهُ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، أَوْ إِلَى3 وُقُوعِ خَلَلٍ فِي صَاحِبِهِ، فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، فَالْمَشَقَّةُ هُنَا خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ، فَلَا يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً، وَإِنَّ سُمِّيَتْ كُلْفَةً، فَأَحْوَالُ الْإِنْسَانِ كُلُّهَا كُلْفَةٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلَكِنْ جُعِلَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهَا بِحَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ تَحْتَ قَهْرِهِ، لَا أَنْ يَكُونَ هُوَ تَحْتَ قَهْرِ التَّصَرُّفَاتِ، فَكَذَلِكَ التَّكَالِيفُ؛ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ التَّكْلِيفُ وَمَا تَضَمَّنَ من المشقة4.

_ 1 أي: باتخاذ الحرفة والصنعة. 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل ومن نسخة "ماء/ ص 167". 3 في النسخ المطبوعة: "وإلى". 4 صفوة ما حرره القرافي في هذا الصدد من الفرق "الرابع عشر" أن المشاق قسمان: قسم لا تنفك عنه العبادة، كالوضوء في البرد، والمخاطرة بالنفس في الجهاد، فهذا القسم لا يوجب تخفيفا في العبادة لأنه قرر معها، ثانيهما: المشاق التي تنفك العبادة عنها، وهي ثلاثة أنواع متفق على اعتباره في الإسقاط أو التخفيف، ومتفق على عدم اعتباره لكونه ضعيفا، ومختلف فيه لتجاذب الطرفين له، والضابط في المشاق المؤثرة يرجع إلى اجتهاد الفقيه، وهو لا يكاد يصيب الحقيقة إلا أن ينظر إلى مقام العبادة وأهميتها في نفسها، ثم إلى مقدار التعب والضرر الذي يلحق المكلف من الدخول فيها. "خ".

وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَمَا تَضَمَّنَ التَّكْلِيفُ الثَّابِتُ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْمُعْتَادَةِ أَيْضًا لَيْسَ بِمَقْصُودِ الطَّلَبِ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الْمَشَقَّةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَائِدَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ1 فِي الْمَسَالَةِ قَبْلَ هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقَدَّمَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَى الْمَشَقَّةِ فِي التَّكْلِيفِ، لِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ نَفْسَ تَسْمِيَتِهِ تَكْلِيفًا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، إِذْ حَقِيقَتُهُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286] مَعْنَاهُ: لَا يَطْلُبُهُ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهُ بِمَا تَتَّسِعُ لَهُ قُدْرَتُهُ عَادَةً، فَقَدْ ثَبَتَ التَّكْلِيفُ بِمَا هُوَ مَشَقَّةٌ، فَقَصْدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَسْتَلْزِمُ بِلَا بُدٍّ طَلَبَ الْمَشَقَّةِ، وَالطَّلَبُ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَشَقَّةٌ، لِتَسْمِيَةِ الشَّرْعِ لَهُ تَكْلِيفًا2، فَهِيَ إذن مقصودة له، وعلى هذا النحو

_ 1 ما تقدم في المسألة كانت الأدلة فيه على عدم قصد المشقة الخارجة عن المعتاد، وهي ما فيها الرخص وما طلب فيها التخفيف، أما هنا، فالمشقة هي المعتادة، وإذا كان الموضوع مختلفا، فالأدلة لأحدهما لا يلزم أن تكون أدلة للآخر، وإن اتحدا في عنوان المشقة، فعليك بتتبعها تجد أن بعض الآيات يصلح دليلا، وكان الدليل الأخير الذي يؤخذ من قوله: "ولو كان.... إلخ"، فإنه يؤخذ منه أنه لا يقصد المشقة لكونها مشقة مطلقا، كانت من القسم الثاني أو الثالث، لئلا يلزم التناقض مع قصده الرفق والتيسير، ولكن سيأتي في المسألة الحادية عشرة أنه كما لا يقصد حصول المشقة المعتادة، كذلك لا يقصد رفعها، وهو لا يوافق هذا الدليل الأخير بالطريق الذي قررناه، فلا يبقى إلا بعض الآيات. "د". قلت: انظر في المسألة وأدلتها: "قواعد الأحكام" "1/ 25، 29" للعز بن عبد السلام، و"رفع الحرج في الشريعة الإسلامية" "ص173 وما بعدها" ليعقوب الباحسين. 2 استقرأ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى هذه الكلمة في الكتاب والسنة، وأفادا أنه لم يأت فيهما تسمية أوامر الله وشرائعه "تكليفا"، بل سماها روحا ونورا..... وإنما جاء ذلك في جانب النفي {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وهذا الإطلاق إثبات لا يعرف أيضا في لسان السلف، وإنما جاء من لدن كثير من المتكلمة والمتفقهة، والله أعلم. انظر: "مجموع الفتاوى" "1/ 25-26"، و"إغاثة اللهفان" "1/ 32"، و"معجم" المناهي اللفظية" "ص129 للشيخ بكر أبو زيد.

يَتَنَزَّلُ1 قَوْلُهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] وَأَشْبَاهُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّارِعَ عَالِمٌ بِمَا كَلَّفَ بِهِ وَبِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّكْلِيفِ يَسْتَلْزِمُ الْمَشَقَّةَ، فَالشَّارِعُ عالم بلزوم المشقة من غير انفكاك، فإذن يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ طَالِبًا لِلْمَشَقَّةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاصِدَ إِلَى السَّبَبِ عَالِمًا بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ قَاصِدٌ لِلْمُسَبِّبِ، وَقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُ هذه المسألة في كتاب الأحكام، فاقضتى أَنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ لِلْمَشَقَّةِ هُنَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الْجُمْلَةِ مُثَابٌ عَلَيْهَا إِذَا لَحِقَتْ فِي أَثْنَاءِ التَّكْلِيفِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ثَوَابِ التَّكْلِيفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 120] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [الْعَنْكَبُوتِ: 69] . وَمَا جَاءَ فِي "كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ" 2 "وَأَنَّ أعظمهم أجرا أبعدهم دارا"3.

_ 1 أي: فهذا أحد الأدلة المتقدمة. التي قلت: إنها تجري هنا- لا يدل، لأنه محمول على مشقة وحرج غير موضوع الدعوى هنا، إلا أنه لم يذكر بقية الآيات لما عرفت من أم مثل {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} تدل على دعواه هنا في قوله: وإذا تقرر هذا..... إلخ وبضميمة أن يكون متناقضا لو قصد المشقة مطلقا ولو معتادة على ما تقدم. "د". 2 قطعة من حديث في "الصحيحين" سيأتي لفظه قريبا. 3 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، 2/ 137/ رقم 651"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة=

وَمَا جَاءَ فِي "إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ" 1. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 216] الْآيَةَ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الْقِتَالِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ، حَتَّى قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة} [التَّوْبَةِ: 111] ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّاتُ -مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشَقَّاتٌ- مُثَابًا عَلَيْهَا زِيَادَةً عَلَى معتادة التكليف، دل على أنها مقصودة لَهُ، وَإِلَّا، فَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا، لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا ثَوَابٌ كَسَائِرِ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يُكَلِّفْ بها، فأوقعها المكلف باختياره حسبما هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُبَاحِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ لِطَلَبِ الْمَشَقَّةِ بِالتَّكْلِيفِ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ التَّكْلِيفَ إِذَا وُجِّه عَلَى الْمُكَلَّفِ يُمْكِنُ الْقَصْدُ فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مَشَقَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مصلحة وخير للمكلف عاجلا وآجلا.

_ 1 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره 1/ 219/ رقم 251" عن أبي هريرة مرفوعا: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط".

فَأَمَّا الثَّانِي: فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِالْعَمَلِ، وَالشَّرِيعَةُ كُلُّهَا نَاطِقَةٌ1 بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ، وَالْقَصْدَانِ لَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُهُمَا، فَإِنَّ الطَّبِيبَ يَقْصِدُ بِسَقْيِ الدَّوَاءِ الْمُرِّ الْبَشِعِ، وَالْإِيلَامِ بِفَصْدِ الْعُرُوقِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْمُتَأَكِّلَةِ، نَفْعَ الْمَرِيضِ لَا إِيلَامَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ حُصُولِ2 الْإِيلَامِ، فَكَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَى مَصَالِحِ الْخَلْقِ بِالتَّكْلِيفِ، فِي الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ يَقْصِدُ بِالتَّكْلِيفِ الْمَصَالِحَ عَلَى الْجُمْلَةِ3، فَالنِّزَاعُ فِي قَصْدِهِ لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَكْلِيفًا بِاعْتِبَارِ مَا يَلْزَمُهُ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الِاسْتِعْمَالِ غَيْرَ مَقْصُودٍ حسبما هُوَ مَعْلُومٌ فِي عِلْمِ الِاشْتِقَاقِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجَازًا بَلْ عَلَى حَقِيقَةِ الوضع اللغوي4.

_ 1 مكانها بياض في الأصل. 2 في الأصل: "محصول". 3 ذكر هذا الإجماع أيضا الآمدي في "الإحكام" "3/ 380، 411"، وابن الحاجب في "منتهى الوصول" "ص184"، ونقل الدهلوي في "حجة الله البالغة" "1/ 6" إجماع السلف عليه، وهذا ما تبناه ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 196-200"، ودافع عنه بقوة، ومما قال في "مفتاح السعادة" "2/ 22": "والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة نحو مئة موضع أو مئتين، لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"، وانتقد ابن السبكي في "الإبهاج" "3/ 62" الإجماع المذكور. 4 فاللفظ موضوع له وضعا أوليا، بدون ملاحظة علاقة، ولا توقف على قرينة، فيكون حقيقة لا مجازا. "د". قلت: انظر ما قدمناه قريبا عن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بهذا الخصوص.

وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ الْعِلْمَ بِوُقُوعِ الْمُسَبَّبُ عن السبب -وإن ثبت أنه يقوم1 الْقَصْدِ إِلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ- فَإِنَّمَا هُوَ جارٍ مَجْرَى الْقَصْدِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ أَعْنِي: فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بِالتَّسَبُّبِ متعدٍّ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ قَاصِدٌ لِلْمَفْسَدَةِ الْوَاقِعَةِ، إِذْ قَدْ فَرَضْنَاهُ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ، وَإِذَا2 كَانَ غَيْرَ قَاصِدٍ، فَهُوَ الْمَطْلُوبُ هُنَا فِي حَقِّ الشَّارِعِ، إِذْ هُوَ قَاصِدٌ نَفْسَ الْمَصْلَحَةِ لَا مَا يَلْزَمُ فِي طَرِيقِهَا مِنْ بَعْضِ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا تَقْرِيرٌ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَيْضًا، لَوْ لَزِمَ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَى التَّكْلِيفِ بِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ مَفْسَدَةٌ فِي طَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ قَصْدُهُ إِلَى إِيقَاعِ الْمَفْسَدَةِ شَرْعًا، لَزِمَ بُطْلَانُ مَا تَقَدَّمَ الْبُرْهَانُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلْمَصَالِحِ لَا لِلْمَفَاسِدِ، وَلَزِمَ فِي خُصُوصِ مَسْأَلَتِنَا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ3 وَإِيقَاعِهَا مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ بَاطِلٌ عَقْلًا وَسَمْعًا. وَأَيْضًا؛ فَلَا يَمْتَنِعُ قَصْدُ الطَّبِيبِ لِسَقْيِ الدَّوَاءِ الْمُرِّ، وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ المتآكلة، وقلع الأضراس الوجعة، وبط الجراحات [الواجعة] 4، وَأَنْ يَحْمِيَ الْمَرِيضَ مَا يَشْتَهِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْهُ إِذَايَةُ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هو5

_ 1 أي: فقد يكون عالما بالمسبب ولا يقصده، وإنما يقصد نفع نفسه فقط بقطع النظر عن كونه يلزمه التعدي على الغير بمفسدة تلحقه، ولكن الشارع في هذه الحالة يجعله كأنه قاصد له، ويلزمه نتيجة التعدي على الغير، ويقيم علمه بوقوع المسبب مقام القصد إليه، فالشارع هنا أيضا، وإن كان عالما بالمفسدة التي تكون في طريق المصلحة، لكنه لا يقصدها". "د". 2 في الأصل: "وإن". 3 أي: بأدلة قصده التخفيف واليسر ونحو ذلك، وقوله: "وإيقاعها"، أي: بمقتضى هذا الاعتراض الثاني. "د". 4 ما بين المعقوفتين من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة و"ط". 5 في الأصل: "هي".

الْمَصْلَحَةُ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ وَأَشَدُّ1 فِي الْمُرَاعَاةِ مِنْ مَفْسَدَةِ الْإِيذَاءِ الَّتِي هِيَ بِطْرِيقِ اللُّزُومِ، وَهَذَا شَأْنُ الشَّرِيعَةِ أَبَدًا، فَإِذَا كَانَ التَّكْلِيفُ عَلَى وَجْهٍ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ أَدَّى إِلَى مَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَصْلَحَةُ، فَالتَّكْلِيفُ أَبَدًا جارٍ عَلَى هَذَا الْمَهْيَعِ، فَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّارِعِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ يُنْهَى عَنْهَا، فَإِذَا أَمَرَ بِمَا تَلْزَمُ عَنْهُ فَلَمْ يَقْصِدْهَا، إِذْ لَوْ كَانَ قَاصِدًا لَهَا لَمَا نَهَى عَنْهَا، وَمِنْ هُنَا لَا يُسَمَّى مَا يَلْزَمُ عَنِ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّاتِ مَشَقَّةً عَادَةً. وَتَحْصِيلُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمُعْتَادَاتِ وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَمَا يَلْزَمُ عَنِ التَّكْلِيفِ2 لَا يُسَمَّى مَشَقَّةً، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِوُقُوعِهَا يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهَا أَوِ الْقَصْدَ إِلَيْهَا. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ أَنَّ الثَّوَابَ حَاصِلٌ مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْمَشَقَّةُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا لُزُومًا عَنْ مُجَرَّدِ التَّكْلِيفِ، وَبِهَا حَصَلَ الْعَمَلُ الْمُكَلَّفُ بِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ كالمقصودة، لَا أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ مُطْلَقًا، فَرَتَّبَ الشَّارِعُ فِي مُقَابَلَتِهَا أَجْرًا زَائِدًا عَلَى أَجْرِ إِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ النَّصَب مَطْلُوبٌ أَصْلًا3، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الثَّوَابَ يَحْصُلُ بِسَبَبِ الْمَشَقَّاتِ وَإِنْ لَمْ تَتَسَبَّبْ عَنِ الْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ، كَمَا يُؤَجَرُ4 الْإِنْسَانُ وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِسَبَبِ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالْمَشَقَّاتِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَب وَلَا نَصَب وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَن حَتَّى الشَّوْكَةٍ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ" 5 وَمَا أشبه ذلك.

_ 1 في "ط": "أعظم وآكد". 2 في ط: "التكاليف". 3 انظر كلاما قويا حول هذا في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 621-623". 4 التكفير صريح الحديث، لكن من أين الأجر على مجرد ما يلحقه بدون عمل له كالصبر؟ "د". 5 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، 10 =

وَأَيْضًا، فَالْمُبَاحُ إِذَا عُلِم أَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ مَمْنُوعٌ لَا يَكُونُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ كَالْقَصْدِ إِلَى نَفْسِ الْمَمْنُوعِ، وَكَذَلِكَ يُتَّفَقُ عَلَى مَنْعِ الْقَصْدِ إِلَى نَفْسِ الْمَمْنُوعِ اللَّازِمِ عَنِ الْمُبَاحِ، وَيَخْتَلِفُونَ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ إِلَيْهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.

_ = 103/ رقم 5640، 5641، 5642"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك 4/ 1992/ رقم 2572" عن عائشة بلفظ مقارب. وأخرجه مسلم في"صحيحه" "رقم 2573" عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما. قال في "فتح الباري" "10/ 105/ رقم 5640" في شرح هذا الحديث: "وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" "1/29"، حيث قال: "ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو بالكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا، ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، أما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليها زيادة على ثواب المصيبة، قال القرافي: المصائب كفارات جزما، سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير، وإلا قلَّ. كذا قال؛ والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك" "انتهى كلام ابن حجر*. قال "د" عقبه: "أقول: ولعل هذا التحقيق في كلام القرافي جمع بين القولين فالتكفير غير الثواب والجزاء، فلا مانع أن يكون "لا" في مقابلة عمل من المكلَّف، أما الأجر والثواب، فالمعقول ومغزى الآيات القرآنية أنه متعلق بالصبر والرضا والتسليم، وهذا التحقيق لا ينافي كلام العز؛ لأنه لا ينفي التكفير، وإنما نفى الأجر، وهو وجيه". وقال "خ": هذا مذهب بعض أهل العلم أخذا بالظاهر من هذا الحديث وما شاكله، وذهب الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "القواعد" إلى أن المصائب والآلام لا ثواب عليها، وإنما الثواب على الصبر عليها، إذ هو الذي يدخل تحت كسب الإنسان".

فَصْلٌ: وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَصْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقْصِدَهَا فِي التَّكْلِيفِ نَظَرًا إِلَى عِظَمِ أَجْرِهَا1، وَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْظُمُ أَجْرُهُ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَمَلٌ. أَمَّا هَذَا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّهُ شَأْنُ التَّكْلِيفِ فِي الْعَمَلِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ نَفْسَ الْعَمَلِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الْأَجْرُ، وَذَلِكَ هُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِوَضْعِ التَّكْلِيفِ بِهِ، [وَمَا جَاءَ] 2 عَلَى مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ هُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ كَمَا يُذْكَرُ3 فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا يَصْلُحُ مِنْهَا إِلَّا مَا وَافَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَإِذَا كَانَ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِيقَاعَ الْمَشَقَّةِ، فَقَدْ خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ4 لَا يَقْصِدُ بِالتَّكْلِيفِ نَفْسَ الْمَشَقَّةِ، وَكُلُّ قَصْدٍ يُخَالِفُ قَصْدَ الشَّارِعِ باطل، فالقصد إلى المشقة باطل5، فهو إذن مِنْ قَبِيلِ مَا يُنْهَى عَنْهُ، وَمَا يُنْهَى عَنْهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلْ فِيهِ الْإِثْمُ إِنِ ارْتَفَعَ النَّهْيُ عَنْهُ إِلَى دَرَجَةِ التَّحْرِيمِ، فَطَلَبُ الْأَجْرِ بِقَصْدِ الدُّخُولِ فِي الْمَشَقَّةِ قَصْدٌ مناقض.

_ 1 قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "10/ 620": "قول بعض الناس: "الثواب على قدر المشقة" ليس بمستقيم على الإطلاق"؛ ثم فصل في ذلك، وانظر أيضا في رد عموم هذه القاعدة: "رفع الحرج في الشريعة الإسلامية" "ص171 وما بعدها". 2 ساقط من الأصل و"خ" و"ط"، واستظهر ناسخ الأصل كلمة الإتيان وهو قريب كما ترى. 3 في "ط": "سيذكر". 4 في الأصل: "إذ الشارع". 5 انظر في هذا: "الاعتصام" للمصنف "1/ 341".

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي "الصَّحِيحِ" مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ1، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قرب المسجد، فبلغ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ". قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: "بَنِي سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ! ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالُوا: مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا2. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَتْ دِيَارُنَا نَائِيَةً عَنِ الْمَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبِيعَ بُيُوتَنَا فَنَقْتَرِبَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً" 3. وَفِي "رَقَائِقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ" عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ مَرْفُوعٍ شِرَاعُهَا، فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: "يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ! قِفُوا" سَبْعَ مِرَارٍ، فَقُلْنَا: أَلَا تَرَى عَلَى أَيِّ حَالٍ نَحْنُ؟ ثُمَّ قَالَ فِي السَّابِعَةِ: "لَقَضَاءٌ قَضَاهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَنْ عَطَّشَ لِلَّهِ نَفْسَهُ فِي يَوْمٍ [حَارٍّ] مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا شَدِيدِ الْحَرِّ، كَانَ [حَقًّا] عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرْوِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". فَكَانَ أَبُو مُوسَى يَتَتَبَّعُ اليوم المعمعاني الشديد.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد 1/ 462/ رقم 665 بعد 280" عن جابر، وأخرجه البخاري عن أنس مختصرا، وسيأتي. 2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، "1/ 462/ رقم 665 بعد 281" عن جابر. 3 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، 1/ 461/ رقم 464" عن جابر رضي الله عنه. قلت: وفي الأصل و"ط" والنسخ المطبوعة كلها: "فنتقرب" وما أثبتناه من "صحيح مسلم".

الْحَرِّ فَيَصُومُهُ1. وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الْمُكَلَّفِ إِلَى التَّشْدِيدِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَسَائِرِ التَّكَالِيفِ صَحِيحٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَحَبُّوا الِانْتِقَالَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالثُّبُوتِ لِأَجْلِ عِظَمِ الْأَجْرِ بِكَثْرَةِ الْخُطَا، فَكَانُوا كَرَجُلٍ لَهُ طَرِيقَانِ إِلَى الْعَمَلِ: أَحَدُهُمَا سَهْلٌ، وَالْآخَرُ صَعْبٌ، فأُمِرَ بِالصَّعْبِ ووُعِدَ عَلَى ذَلِكَ بِالْأَجْرِ، بَلْ جَاءَ نَهْيُهُمْ عَنْ ذَلِكَ إِرْشَادًا إِلَى كَثْرَةِ الْأَجْرِ. وَتَأَمَّلْ أَحْوَالَ أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّهُمْ رَكِبُوا فِي التَّعَبُّدِ إِلَى رَبِّهِمْ أَعْلَى مَا بَلَغَتْهُ طَاقَتُهُمْ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَصْلِهِمُ الْأَخْذُ بِعَزَائِمِ الْعِلْمِ، وَتَرْكِ الرُّخَصِ جُمْلَةً، فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ. وَفِي "الصَّحِيحِ" أَيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ الصَّلَاةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا فُلَانُ! لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا يَقِيكَ مِنَ الرَّمْضَاءِ وَيَقِيكَ مِنْ هوام الأرض؟ فقال: أم وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطْنَبٌ بِبَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ2 حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ له مثل

_ 1 أخرجه ابن المبارك في الزهد" "رقم 1309 وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 260"، وابن أبي الدنيا في "الهواتف" "رقم 13"، وابن شاهين في "فضائل الأعمال" "رقم 133" بسند حسن، وحسنه شيخنا الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" "رقم 975". وأخرج البزار في "مسنده" "1/ 488/ رقم 1039- زوائده" من وجه آخر عن ابن عباس، وحسنه شيخنا أيضا في "صحيح الترغيب والترهيب" "رقم 974". وفي إسناد ابن شاهين عبد الله بن المؤمل المخزومي، وهو ضعيف. قلت: وما بين المعقوفتين في الموطن الأول ساقط من "د"، وفي الموطن الأخير ساقط من الأصل. 2 في "ط": "به حملا".

ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَرْجُو لَهُ فِي أَثَرِهِ الأجر. فقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ مَا احْتَسَبْتَ" 1. فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: أَوَّلًا: إِنَّ هذه أخبار آحاد في قصية وَاحِدَةٍ2 لَا يَنْتَظِمُ مِنْهَا اسْتِقْرَاءٌ قَطْعِيٌّ، وَالظَّنِّيَّاتُ لَا تُعَارِضُ الْقَطْعِيَّاتِ، فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْقَطْعِيَّاتِ. وَثَانِيًا: إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى قَصْدِ نَفْسِ الْمَشَقَّةِ، فَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَدْ جَاءَ فِي "الْبُخَارِيِّ" مَا يُفَسِّرُهُ، فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ: "وَكَرِهَ أَنْ تُعَرَّى الْمَدِينَةُ قِبَلَ ذَلِكَ، لِئَلَّا تَخْلُوَ نَاحِيَتُهُمْ مِنْ حِرَاسَتِهَا". وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا نَازِلًا بِالْعَقِيقِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقِيلَ لَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ الْعَقِيقَ3: لِمَ تَنْزِلُ الْعَقِيقَ فَإِنَّهُ يَشُقُّ بُعْدُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّهُ وَيَأْتِيهِ4، وَأَنَّ بَعْضَ الأنصار

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، 1/ 460/ رقم 663" عن أبي بن كعب رضي الله عنه. 2 هي البعد عن المسجد والمشقة في التردد إليه من المساكن البعيدة، وهذه القضية الواحدة هي التي وردت فيها أحاديث الآحاد، أما ما بقي من نقل ابن المبارك وعمل أصحاب الأحوال، فسيأتي الجواب عنه. "د". 3 إن كان العقيق هو مساكن بني سلمة، فلا مانع أن يكون للمحل فضيلة يفسرها الحديث بقوله: "وكره أن تعرى المدينة" فكان موضع رباط يثاب المرء على قصد وجوده فيه من هذه الوجهة، فلا تنافي بين فهم مالك وما يؤخذ من بقية الحديث لتفسيره، وإن كانت مساكنهم في غير العقيق، وأن مالكا إنما يتكلم عن أنصار غيرهم، وحادثة غير حادثتهم، فالأمر ظاهر، وسنزيدك بيانا. "د". 4 أخرج ابن شبَّة في"تاريخ المدينة" "1/ 147/ 148"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "4/ 195" والطبراني في "الكبير" "7/ 6/ رقم 6222"، والبيهقي في "المعرفة" "2/ 367- 368" عن سلمة بن الأكوع في حديث في آخره: "إني أحب العقيق". وإسناده ضعيف، فيه موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، واختلف عليه فيه وقال البيهقي: "وأما حديث موسى بن محمد بن إبراهيم، فهو حديث ضعيف، تفرد به موسى بن محمد، وكان يحيى بن معين يضعفه، ويقول: لا يكتب حديثه، وكذلك غيره من الأئمة قد أنكرواعليه ما روى من المناكير التي لم يتابع عليها". وانظر له "الميزان" "4/ 218". ويغني عنه ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "رقم 1534، 2337" عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: "أتاني آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حج". و"الآتِ" هو جبريل، كما في رواية عند البيهقي، وانظر: "فتح الباري" "3/ 392".

أَرَادُوا النَّقْلَةَ مِنْهُ إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا تَحْتَسِبُونَ خُطَاكُمْ" 1، فَقَدْ فَهِمَ مَالِكٌ أَنَّ قَوْلَهُ: "أَلَا تَحْتَسِبُونَ خُطَاكُمْ" لَيْسَ مِنْ جِهَةِ إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ فَضِيلَةِ الْمَحِلِّ2 الْمُنْتَقَلِ عنه.

_ 1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب احتساب الآثار 2/ 139/ رقم 655" عن أنس مرفوعا: "يا بني سلمة! ألا تحتسبون آثاركم؟ " وقال عقبه: "قال مجاهد في قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} . قال: خطاهم. وأخرجه أيضا رقم "655" عن أنس بلفظ: "إن بني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبا من النبي صلى الله عليه وسلم: "قال: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعَرُّوا المدينة، فقال: "ألا تحتسبون آثاركم؟ " قال مجاهد: خطاهم: آثارهم، أن يُمشى في الأرض بأرجلهم". وأخرجه أيضا في "صحيحه" "كتاب فضائل المدينة، باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تُعرى المدينة 4/ 99/ رقم 1887" بنحو اللفظ الثاني. 2 كما ورد في البخاري في "صحيحه" "رقم 1534، 2337، 7343"، وأبي داود في "السنن" "رقم 1800" عن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي العقيق يقول: "أتاني آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي، وقل: عمرة وحجة". وأخرج أبو داود عن مالك، قال: "لا ينبغي لأحد أن يجاوز المعرس إذا قفل إلى المدينة حتى يصلي ركعتين أو ما بدا له، وهو على مسافة ستة أميال من المدينة، ويؤخذ من حديث الترمذي: "كانت بنو سلمة في ناحية المدينة"، ومن كون العقيق على ستة أميال من المدينة أن العقيق غير مساكن بني سلمة، فإذا تم هذا، كانت الفضيلة هنا غير الفضيلة في مساكن بني سلمة، فهذه كأنها رباط وحراسة للمدينة، بخلاف العقيق، فالأشبه أن يكون تعبُّدًا، إلا أن الأمر يحتاج إلى إثبات أنها حادثة أخرى. "د".

وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَإِنَّهُ حُجَّةٌ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابِيِّ إِذَا صَحَّ سَنَدُهُ عَنْهُ1، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ عِظَمَ الْأَجْرِ ثَابِتٌ لِمَنْ عَظُمَتْ مَشَقَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ2، كَالْوُضُوءِ عند الكريهات، والظمأ والنصب في الجهاد، فإذن اخْتِيَارُ أَبِي مُوسَى رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ كَاخْتِيَارِ مَنِ اخْتَارَ الْجِهَادَ عَلَى3 نَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَا أَنَّ فِيهِ قَصْدَ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ؛ لِيَحْصُلَ الْأَجْرُ بِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ قَصْدُ الدُّخُولِ فِي عِبَادَةٍ عَظُمَ أَجْرُهَا؛ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهَا، فَالْمَشَقَّةُ فِي هَذَا الْقَصْدِ تَابِعَةٌ لَا مَتْبُوعَةٌ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ فِي الْقَصْدِ غَيْرَ تَابِعَةٍ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْأَنْصَارِيِّ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ التَّشْدِيدِ، وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الصَّبْرِ عَلَى مَشَقَّةِ بُعْدِ الْمَسْجِدِ لِيَعْظُمَ أَجْرُهُ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَأَمَّا شَأْنُ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ، فَمَقَاصِدُهُمُ الْقِيَامُ بِحَقِّ مَعْبُودِهِمْ، مَعَ اطِّرَاحِ النَّظَرِ فِي حُظُوظِ نُفُوسِهِمْ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ قَصَدُوا مُجَرَّدَ التَّشْدِيدِ عَلَى النُّفُوسِ وَاحْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَلِمَا سَيَأْتِي بعدُ إن شاء الله.

_ 1 وسنده إليه حسن، وله شاهد به يصح، كما قدمنا. وقال "خ": "اتفقوا على أن مذهب الصحابي ليس بحجة على غيره من الصحابة، واختلفوا في كونه حجة على التابعي فما دونه، والتحقيق أنه إذا لم يصرح بسنده في القضية لم يجب على المجتهد اتباعه؛ إذ لم يقم دليل على تكليف المجتهد باتباع من لم تثبت عصمته". 2 انظر: "فتاوى ابن تيمية" "26/ 85، 86". 3 هذا اختار نوعا من العبادة كانت المشقة من لوازمه، فلا يظهر فيه قصد المشقة، أما تحرى أبي موسى لليوم الشديد الحرارة ليصومه دون اليوم القليل الحرارة لا يصومه، فإنه ظاهر في تحريه هذا قصد المشقة ليعظم أجره، اتباعا لنصيحة الرجل الذي ناداهم، ولعل محل الجواب قوله: "إنما فيه قصد الدخول..... إلخ". "د".

وَثَالِثًا: إِنَّ مَا اعْتُرِضَ بِهِ مُعَارَضٌ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ أَرَادُوا التَّشْدِيدَ بِالتَّبَتُّلِ، حِينَ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا، فَأَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أنا، فأقوم وَلَا أَنَامُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا، فَلَا آتِي النِّسَاءَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَقَالَ: "مَنْ رغب من سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" 1. وَفِي الْحَدِيثِ: "وردَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَتُّلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا"2. "وردَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَأَمَرَهُ بِإِتْمَامِ صِيَامِهِ، وَنَهَاهُ عَنِ الْقِيَامِ فِي الشَّمْسِ"3. وَقَالَ: "هلك المتنطعون" 4.

_ 1 مضى تخريجه "1/ 522"، وهو صحيح. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء 9/ 117/ رقم 5073، 5074" ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة 2/ 1020/ رقم 1402"، والترمذي في "الجامع" "أبواب النكاح، باب ما جاء في النهي عن التبتل 3/ 394/ رقم 1083"- وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب النكاح، باب النهي عن التبتل، 6/ 58"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب النكاح، باب النهي عن التبتل 1/ 593/ 1848"، وأحمد في "المسند" "1/ 173، 175، 176"، وعبد الرزاق في "المصنف" "6/ 168"، والدارمي في "السنن" "2/ 133"، وأبو يعلى في "المسند" "2/ 120، 128/ رقم 778، 802"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 79"، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، 11/ 586/ رقم 6704" من حديث ابن عباس رضي الله عنه. 4 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب العلم، باب هلك المتنطعون، 4/ 2055/ رقم 2670"، وأحمد في "المسند" "1/ 386"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب لزوم السنة 4/ 201/ رقم 4608"، والطبراني في "الكبير" "10/ 216".

وَنَهْيُهُ عَنِ التَّشْدِيدِ شَهِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ، بِحَيْثُ صَارَ أَصْلًا فِيهَا قَطْعِيًّا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ التَّشْدِيدُ عَلَى النَّفْسِ، كَانَ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِلَيْهِ مُضَادًّا لِمَا قَصَدَ الشَّارِعُ مِنَ التَّخْفِيفِ الْمَعْلُومِ الْمَقْطُوعِ بِهِ، فَإِذَا خَالَفَ قَصْدُهُ قَصْدَ الشَّارِعِ، بَطَلَ وَلَمْ يَصِحَّ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَصْلٌ: وَيَنْبَنِي أَيْضًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَصْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأْذُونَ فِيهَا، إِمَّا وُجُوبًا، أَوْ نَدْبًا، أَوْ إِبَاحَةً، إِذَا تَسَبَّبَ عَنْهَا مَشَقَّةٌ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، أَوْ لَا تَكُونَ مُعْتَادَةً؛ فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، فَذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ فِيهِ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ مَشَقَّةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً، فَهِيَ أَوْلَى أن لا تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ، وَلَا يَخْلُو عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً بِسَبَبِ الْمُكَلَّفِ وَاخْتِيَارِهِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ لَا يَقْتَضِيهَا بِأَصْلِهِ، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً بِسَبَبِهِ كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ1 وَغَيْرَ صَحِيحٍ فِي التَّعَبُّدِ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَقْصِدُ الْحَرَجَ فِيمَا أَذِنَ فيه، ومثال هذا حديث2 الناذر للصيام

_ 1 أي: في الأنواع الثلاثة، وقوله: غير صحيح في التعبد به" خاص بنوعي الواجب والمندوب، ولا يأتي في المباح. "د". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي المعصية 11/ 586/ رقم 6704"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في النذر في المعصية 3/ 235/ رقم 3300"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الكفارات، باب من خلط في نذره طاعة بمعصية 1/ 690/ رقم 2136" عن ابن عباس، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. قال: "مُرْهُ؛ فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه".

قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ1 فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ وَأَمْرِهِ لَهُ بِالْقُعُودِ وَالِاسْتِظْلَالِ: "أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً، وَنَهَاهُ عَمَّا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً"؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ تَعْذِيبَ النُّفُوسِ سَبَبًا لِلتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَلَا لِنَيْلِ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّهْيَ مَشْرُوطٌ2 بِأَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ أَدْخَلَهَا عَلَى نَفْسِهِ مُبَاشَرَةً، لَا بِسَبَبِ الدُّخُولِ فِي الْعَمَلِ، كَمَا فِي الْمِثَالِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ بيِّن. وأما إن كانت تابعة للعمل كالمريض غير الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ أَوِ الصَّلَاةِ قَائِمًا، والحاجِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، إِلَّا بِمَشَقَّةٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي مِثْلِ الْعَمَلِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] ، وَجَاءَ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الرُّخَصِ. وَلَكِنَّ صَاحِبَ هَذَا إِنْ عَمِلَ بِالرُّخْصَةِ، فَذَاكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ3 عَامِلًا لِمُجَرَّدِ حَظِّ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَكُونَ4 قَبِلَ الرُّخْصَةَ مِنْ رَبِّهِ؛ تَلْبِيَةً لِإِذْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِالرُّخْصَةِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ جِسْمِهِ أَوْ عَقْلِهِ أَوْ عَادَتِهِ فسادٌ يَتَحَرَّجُ بِهِ وَيَعْنَتُ، وَيَكْرَهُ بِسَبَبِهِ الْعَمَلَ، فَهَذَا أَمْرٌ لَيْسَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَلَا ظَنَّ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ فِي الْعَمَلِ دَخَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَحُكْمُهُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْمُشَوِّشُ. وَفِي مِثْلِ هَذَا جَاءَ: "لَيْسَ مِنَ الْبَرِّ الصِّيَامُ في السفر" 5.

_ 1 في "الموطأ" "2/ 476- رواية يحيى". 2 هذا أصل الفرض في كلامه، حيث قال: "مع أن ذلك العمل لا يقتضيها"، فهذا الشرط كالتأكيد لموضوع الكلام. "د". "3، 4" وتقدم الفرق بينهما، هو أنه في الأولى لا ثواب له، إلا أنه دفع عن نفسه الحرج، وفي الثاني له ثوابه مع رفع الحرج "د". 5 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظُلِّلَ عليه واشتد الحر: "ليس من البر الصوم في السفر"، 4/ 183/ رقم 1946"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر" 2/ 786/ رقم 1115" عن جابر رضي الله عنه.

وَفِي نَحْوِهِ نُهِي عَنِ الصَّلَاةِ وَهُوَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ أَوْ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ1، وَقَالَ: "لَا يقضِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" 2. وَفِي الْقُرْآنِ: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النِّسَاءِ: 43] . إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا نَهَى عَنْهُ بِسَبَبِ عَدَمِ اسْتِيفَاءِ الْعَمَلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ عَلَى كَمَالِهِ، فَإِنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى عَمَلِ الْعَبْدِ لِيَكُونَ خَالِصًا مِنَ الشَّوَائِبِ، وَالْإِبْقَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ فِي ترفُّهٍ وسعةٍ حالَ دخولِهِ فِي رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفَسَادُ، وَلَكِنْ فِي الْعَمَلِ مَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ، فَهَذَا أَيْضًا مَوْضِعٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الرخصة على الجملة، وينفصل الْأَمْرُ فِيهِ3 فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ زِيَادَةَ الْمَشَقَّةِ مِمَّا يَنْشَأُ عَنْهَا الْعَنَتُ، بَلِ الْمَشَقَّةُ فِي نَفْسِهَا هِيَ الْعَنَتُ وَالْحَرَجُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا، فَهِيَ مِمَّا لَا يُقْدَرُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهِ عَادَةً.

_ 1 مضي تخريجه "1/ 489". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأحكام، باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان، 13/ 136/ 7158"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان 3/ 1342-1343/ رقم 1717"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب آداب القضاة، باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يجتنبه، 8/ 237- 238"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، 2/ 776/ رقم 2316" من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. 3 أي: في أي الأمرين أفضل، أهو الأخذ بالرخصة أم بالعزيمة؟ وقد شفى العليل في ذلك رحمه الله. "د".

إِلَّا أَنَّ هُنَا وَجْهًا ثَالِثًا1، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَشَقَّةُ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ، لَكِنَّهَا صَارَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ كَالْمُعْتَادَةِ، وَرُبَّ شَيْءٍ هَكَذَا، فَإِنَّ أَرْبَابَ الْأَحْوَالِ مِنَ العُبّاد وَالْمُنْقَطِعِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، الْمُعَانِينَ عَلَى بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي التَّكَالِيفِ قَدْ خُصوا بِهَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ، وَصَارُوا مُعانين عَلَى مَا انْقَطَعُوا إِلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [الْبَقَرَةِ: 45] ، فَجَعَلَهَا كَبِيرَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَاسْتَثْنَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ كَانَ إِمَامَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الَّذِي كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصَّلَاةِ2، حَتَّى كَانَ يَسْتَرِيحُ إِلَيْهَا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا3، وَقَامَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ4، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمَنْ خُصّ بِوِرَاثَتِهِ فِي هَذَا النَّحْوِ نَالَ مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ5. وَهَذَا الْقِسْمُ6 يَسْتَدْعِي كَلَامًا يَكُونُ فِيهِ مَدُّ بَعْضِ نَفَسٍ، فَإِنَّهُ مَوْضِعٌ مُغْفَلٌ قَلَّ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ، مَعَ تَأَكُّدِهِ فِي أصول الشريعة.

_ 1 هو بعض ما دخل في الثاني، فالمشقة غير معتادة، ويعلم أو يظن أنها لا تدخل فسادا، إلا أنها صارت بالنسبة له كأنها معتادة. "د". 2 كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، وسيأتي تخريجه "ص240"، وهو صحيح" 3 كما سيأتي "ص240". 4 كما سيأتي "ص241". 5 من أقبل على العبادة بيقين ساطع وجد فيها من الارتياح ما يود معه لو أن الحياة لا تطالبه بما يلفته عنها ولو لحظة، فليس العابد ببصيرة وضاءة كما يحسب أسارى الأهواء في ضائقة من حرج النفس واقتحام المكاره، بل هو في لذة لا تنقص عند من يذوق طعمها عن لذة إدراك المعارف السامية والحكمة الغامضة. "خ". 6 أي: الثاني بنوعيه، وهو أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عليه في العمل به فساد في نفسه أو عقله..... إلخ، فقوله: "وَيَنْتَظِمُ تَحْتَ هَذَا الْمَعْنَى الْخَوْفُ مِنْ إِدْخَالِ الفساد عليه في جسمه أو عقله ... إلخ" لا ينافي أصل موضوع هذا القسم؛ لأن الخوف من ذلك أو من التقصير غير العلم أو الظن بحصول هذا الفساد...... إلخ، الذي جعله أول الوجهين في الفصل السابق، هذا وقد تكلم في هذا الفصل على الوجه الأول من وجهي رفع الحرج وهو الخوف من الانقطاع.....إلخ، وسيأتي في الفصل بعده تفصيل الوجه الثاني، وهو الخوف من التقصير عند المزاحمة.... إلخ، هذا باعتبار النظر في الموضع هنا، وسيأتي لنا في آخر المسألة مناقشة المؤلف في صنيعه فيها بوجه عام. "د".

فَصْلٌ: فَاعْلَمْ أَنَّ الْحَرَجَ مَرْفُوعٌ عَنِ الْمُكَلَّفِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْخَوْفُ مِنَ الِانْقِطَاعِ مِنَ الطَّرِيقِ، وَبُغْضِ الْعِبَادَةِ، وَكَرَاهَةِ التَّكْلِيفِ، وَيَنْتَظِمُ تَحْتَ هَذَا الْمَعْنَى الْخَوْفُ مِنْ إِدْخَالِ الْفَسَادِ عَلَيْهِ فِي جِسْمِهِ أَوْ عَقْلِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حَالِهِ. وَالثَّانِي: [خَوْفُ التَّقْصِيرِ] 1 عِنْدَ مُزَاحَمَةِ الْوَظَائِفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَبْدِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ، مِثْلِ قِيَامِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، إِلَى تَكَالِيفَ أُخَر تَأْتِي فِي الطَّرِيقِ، فَرُبَّمَا كَانَ التَّوَغُّلُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ شَاغِلًا عَنْهَا، وَقَاطِعًا بِالْمُكَلَّفِ دُونَهَا، وَرُبَّمَا أَرَادَ الْحَمْلَ لِلطَّرَفَيْنِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِقْصَاءِ، فَانْقَطَعَ عَنْهُمَا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ اللَّهَ وَضَعَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُبَارَكَةَ حَنِيفِيَّةً سَمْحَةً سَهْلَةً، حَفِظَ2 فِيهَا عَلَى الْخَلْقِ قُلُوبَهُمْ، وَحَبَّبَهَا لَهُمْ بِذَلِكَ، فَلَوْ عَمِلُوا عَلَى خِلَافِ السَّمَاحِ وَالسُّهُولَةِ، لَدَخَلَ عَلَيْهِمْ فِيمَا كُلِّفُوا بِهِ مَا لَا تَخْلُصُ بِهِ أَعْمَالُهُمْ3، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الْحُجُرَاتِ: 7] إِلَى آخِرِهَا، فَقَدْ أَخْبَرَتِ الْآيَةُ أَنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ بِتَيْسِيرِهِ وَتَسْهِيلِهِ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِنَا بِذَلِكَ، وَبِالْوَعْدِ الصادق بالجزاء عليه.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 أي: من النفرة من تكاليفها. "د". 3 انظر أثر وقوع ذلك في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 114/ 115".

وَفِي الْحَدِيثِ: "عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا" 1 وَفِي حَدِيثِ قِيَامِ رَمَضَانَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ، وَلَكِنْ خشيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا" 2. وَفِي حَدِيثِ الْحَوْلَاءِ بِنْتِ تُوَيْتٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: هَذِهِ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ، زَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تَنَامُ اللَّيْلَ؟! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا" 3. وَحَدِيثِ أَنَسٍ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بين ساريتين،

_ 1 سيأتي تخريجه في "ص405،وتقدم 1/ 526"، وهو في "الصحيحين" وغيرهما. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، 4/ 251/ رقم 2012"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، 1/ 524/ رقم 761 بعد 178" عن عائشة مرفوعا، والمذكور لفظ مسلم. قال "خ" هنا ما نصه" "قد يكون في العمل نفسه وجه من الوجوه الداعية إلى التكليف به على سبيل الوجوب كالصلوات الخمس وقد يكون إيجابه منوطا بحالة تعرض له كأدب الوفاء والصدق مع الخالق في تقرير حكمة إيجاب النذر، ومن الجائز أن يقع في الشريعة قسم ثالث وهو ما يكون سببه قيام الجماعة بالعمل ومداومتهم عليه حتى ينتظم في إعلام هدايتهم ويصبح من مظاهر طاعتهم، ويقرب من هذا إيجاب بعض المندوبات على الفرد متى دخل في عملها، وهذا ما وقع في نفس النبي عليه الصلاة والسلام ومن أجله ترك الاستمرار على صلاة التراويح في جماعة". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، 3/ 36/ رقم 1151"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، 1/ 542/ رقم 785" وغيرهما. قال في حاشية الأصل: "تويت: بتاءين مصغر كما تقدم في حاشية على هذا الكتاب".

فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: "حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فَتَرَ، قَعَدَ" 1. وَحَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أفتانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ" 2 حِينَ أَطَالَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ، وَقَالَ: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ" 3. وَنَهَى عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ4. وَنَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، وَإِنَّهُ لَا يُغْنِي مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا" 5، أَوْ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ مُعَلَّلٌ معقول المعنى بما دل عليه.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد" باب ما يكره من التشديد في العبادة، 3/ 36/ رقم 1151"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، 1/ 541-542/ رقم 785". 2 سيأتي لفظ الحديث في "ص248"، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى هناك. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود 2/ 197-198/ رقم 702، وكتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان 13/ 136/ رقم 7159"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام 1/ 340/ رقم 466" من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، 4 قطعة من حديث سيأتي لفظه عند المصنف قريبا. 5 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر، 11/ 499/ رقم 6608، وكتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، 11/ 575/ رقم 6692 و 3393"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب النذر، باب النهي عن النذر وأنه لا يردُّ شيئا 3/ 1260-1261 / رقم 1639"، وأبو داود في "سننه" "كتاب الأيمان والنذور، باب النهي عن النذر 3/ 231- 232/ رقم 3287"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الأيمان والنذور، النهي عن النذر 7/ 15- 16، 16"، والدارمي في "السنن" "كتاب النذور والأيمان، باب النهي عن النذر 2/ 185، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الكفارات، باب النهي عن النذر، 1/ 686/ رقم 2122"، وأحمد في المسند" "2/ 61"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 77" عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه. وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري "رقم 6694"، ومسلم "رقم 1640"، والترمذي "رقم 1538"، وابن الجارود" "رقم 932"، وأحمد "2/ 235، 242، 314، 373، 412، 463"، وغيرهم.

ما تقدم من السآمة والمل وَالْعَجْزِ، وَبُغْضِ الطَّاعَةِ وَكَرَاهِيَتِهَا1. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ عبادةَ اللَّهِ، فَإِنَّ المُنبَتَّ لَا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى"2.

_ 1 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "25/ 272 وما بعدها". 2 تكلم عليه السخاوي في "الأجوبة المرضية" "ق 2، 3"، بكلام بديع، نسوق نصه، ونزيد عليه في حنايا كلامه، ونضع ذلك بين معقوفتين، ثم نتبع ذلك بما فاته. قال رحمه الله تعالى: حديث: "المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى" البزار في "مسنده" [كشف الأستار 74"، "مجمع الزوائد" "1/ 67"، وقال عقبه: "وهذا روي عن ابن المنكدر مرسلا، ورواه عبيد الله بن عمرو عن سوقة عن ابن المنكدر عن عائشة، وابن المنكدر لم يسمع من عائشة] ، وأبو نعيم في بعض تصانيفه، والحاكم في "علوم الحديث" له [ص 95و 96] ، والبيهقي في "سننه" "عنه ["3/ 18] ، وابن طاهر في "صفوة التصوف" من طريق الحاكم، [والقضاعي في مسنده "الشهاب" "1147و 1148"، والقزويني في "التدوين" "1/ 237- 238"، وأبو الشيخ في "الأمثال" "رقم 229"، والخطابي في "العزلة" "111"، والعسكري في "الأمثال" "1/ 544- 545"] ، كلهم من حديث خلاد بن يحيي عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى"، قال الحاكم عقب تخريجه" "هذا حديث غريب المتن والإسناد، وكل ما روي فيه فهو من الخلاف =

.........................................................................................

_ = على محمد بن سوقة، فأما ابن المنكدر عن جابر، فليس يرويه غير محمد بن سوقة وعنه أبو عقيل، وعنه خلاد بن يحيى" انتهى. وقال البخاري في ترجمة محمد بن سوقة من "تاريخه" [1/ 1/ 102] : "قال لي إسحاق: أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا محمد بن سوقة حدثني ابن محمد بن المنكدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين"، قال عيسى: أنا نصصت ابن سوقه عنه، فقال ابن محمد المنكدر، ورواه أبو عقيل عن ابن سوقة عن ابن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح" انتهى. وأبو عقيل ضعفه ابن المبارك، وعلي بن المديني [في "سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة" له رقم 64] ، والنسائي [في الضعفاء والمتروكين] له "635"] وغيرهم وقال، وقال حرب: "قلت لأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- كيف حديثه؟ فكأنه ضعفه" وقال أبو زرعة: "لين" وقال ابن حبان [في المجروحين" "3/ 116] : "ينفرد بأشياء ليس لها أصول، ولا يرتاب الممعن في الصناعة أنها معمولة"، وقال ابن عدي [في الكامل" "7/ 2665"] : "عامة أحاديثه غير محفوظة" وقال الساجي: منكر الحديث: وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالقوي عندهم"، وقال ابن عبد البر: "هو عند جميعهم ضعيف"، [وانظر "تهذيب الكمال" "31/ 511"] . ولحديثه شاهد، لكنه ضعيف أيضا، أخرجه البيهقي في "سننه" ["3/ 19"، و"الشعب" "3886] ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -هو الحاكم- أخبرنا محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى حدثنا الفضل بن محمد الشعراني حدثنا أبو صالح -يعني: عبد الله بن صالح كاتب الليث- حدثنا الليث -هو ابن سعد- عن ابن عجلان -يعني محمدا- عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى، فاعمل عمل امرئ يظن أن لا يموت أبدا، واحذر حذرا تخشى أن تموت غدا"، والفضل بن محمد، قال أبو حاتم: "تكلموا فيه" وقال الحاكم [كما في "السير" "13/ 317"، و"سؤالات السجزي" "224] : "كان أديبا فقيها عابدا عارفا بالرجال، وكان يرسل شعره فلقب بالشعراني، وهو ثقة، لم يطعن فيه بحجة، وقد سئل عنه الحسين بن محمد القباني فرماه بالكذب، وقال: سمعت أبا عبد الله ابن الأخرم يسأل عنه، فقال: صدوق، إلا أنه كان غاليا في التشيع، والمولى- يعنى: المبهم المتقدم في إسناد الحديث- لم أقف على اسمه وما عرفته، والله أعلم".

......................................................................................

_ = [وضعفه شيخنا في "الضعيفة" 1/ 64-65] . وله طريق ثالثة، لكنها مختصرة، أخرجها عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسند أبيه" [3/ 199] ، قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا زيد بن الحباب أخبرني عمرو بن حمزة حدثنا خلف أبو الربيع إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال خلف أبو الربيع إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق"، وخلف هذا غير خلف بن مهران العدوي الذي روى له النسائي في "المجتبى" ["رقم 4446"] حديث: "من قتل عصفورا عبثا...."، وإن كان صنيع المزي في "تهذيبه" ["8/ 296"] يقتضي أنهما واحد، فإن البخاري قد فرق بينهما في ["تاريخه" "3/ رقم 653، 655"] ، فجعل خلف بن مهران إمام مسجد بني عدي غير خلف أبي الربيع إمام مسجد سعيد بن أبي عروبة، وكذا قال أبو حاتم [في "الجرح والتعديل" "3/ رقم 1678، 1679"] ، وذكر أن إمام مسجد سعيد يروي عن أنس، قال البخاري: "وعنه عمرو بن حمزة القيسي، لا يتابع في حديثه"، وقال ابن خزيمة: "لا أعرف خلفا بعدالة ولا جرح"، وكذا قال في الراوي عنه، وتوقف في صحة حديثهما، وقال ابن عدي في الراوي عنه [في "الكامل" "5/ 1793"] : "مقدار ما يرويه غير محفوظ" وقال الدارقطني: "ضعيف". قلت: وزعم الهيثمي [في "مجمع الزوائد" "1/ 67"] أن رجاله موثقون، وأن خلفا لم يدرك أنسا ويتعقب عليه بما تقدم، [وزاد الزبيدي في "اتحاف السادة المتقين" "9/ 41" نسبته للضياء، وعزاه ابن رجب في "المحجة" "70" لحميد بن زنجويه] . وعلى كل حال، فالحديث ضعيف، إلا أن هذه الطريق على اختصارها أجود من اللتين قبلها، وبالله التوفيق، انتهى كلام السخاوي، ثم تحدث عن شرح الحديث، فراجعه إن شئت، وهو في "فتاويه" "1/ 14/ 19" المطبوعة حديثا. وله طريق رابعة أخرجه البيهقي في "الشعب" "رقم 3885"، أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد المصري حدثنا عبد الله بن أبي مريم حدثنا علي بن معبد حدثنا عبيد الله بن عمرو عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره وقال: "ورواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر، ورواه أبو معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن النبي مرسلا وهو الصحيح، وقيل غير ذلك". وذكره ابن حجر في "فتح الباري" "11/ 297" من حديث جابر، ثم قال: "وله شاهد في "الزهد" ابن المبارك "رقم 1334" من حديث عبد الله بن عمرو موقوف" والحديث مرفوعا ضعيف، والله أعلم.

وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: نَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ: قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. فَقَالَ: "إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي" 1. وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ النَّهْيَ لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالنَّهْيُ دَائِرٌ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَإِذَا وُجِدَ مَا عَلَّلَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ النَّهْيُ مُتَوَجِّهًا وَمُتَّجِهًا، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ، فَالنَّهْيُ مَفْقُودٌ، إِذِ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ إِدْخَالِ نَفْسِهِ فِي الْعَمَلِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْمُعْتَادِ، فَتُؤَثِّرُ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَسَادًا، أَوْ تُحْدِثُ لَهُ ضَجَرًا وَمَلَلًا، وَقُعُودًا عَنِ النَّشَاطِ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْمُكَلَّفِينَ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَكِبَ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا فِيهِ ذَلِكَ بَلْ يَتَرَخَّصُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا شُرِعَ لَهُ فِي التَّرَخُّصِ، إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، أَوْ يَتْرُكُهُ إِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ تَرْكُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ، وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا يقضِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" 2، وَقَوْلُهُ: "إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" 3، وهو الذي أشار به عليه.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" كتاب الصوم، باب الوصال، 4/ 202/ رقم 1964"،وإسحاق بن راهويه في "المسند" "4/ ق 77/ ب" ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "4/ 282"- وأحمد في "المسند" "6/ 242، 258"، والفريابي في "الصيام" "29" وغيرهم. 2 مضى تخريجه "ص231"، وهو في "الصحيحين". 3 جزء من حديث، وفيه قصة ستأتي عند المصنف قريبا "ص247- 248" أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع، 4/ 209/ رقم 1968، وكتاب الأدب، باب صنع الطعام والتكلف للضيف، 10/ 534/ رقم 6139"، ومسلم في صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، 2/ 813/ رقم 182".

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَقَدْ قَالَ بَعْدَ الْكِبَرِ: لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1. وَالضَّرْبُ الثَّانِي شَأْنُهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَلَلُ وَلَا الْكَسَلُ، لِوَازِعٍ هُوَ أَشَدُّ2 مِنَ الْمَشَقَّةِ أَوْ حَادٌّ يَسْهُلُ بِهِ الصَّعْبُ أَوْ لِمَا لَهُ فِي الْعَمَلِ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَلِمَا حَصَلَ لَهُ فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ، حَتَّى خَفَّ عَلَيْهِ مَا ثَقُلَ عَلَى غَيْرِهِ، وَصَارَتْ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ فِي حَقِّهِ غَيْرَ مَشَقَّةٍ، بَلْ يَزِيدُهُ كَثْرَةُ الْعَمَلِ وَكَثْرَةُ الْعَنَاءِ فِيهِ نُورًا وَرَاحَةً، أَوْ يُحْفَظُ عَنْ تَأْثِيرِ ذَلِكَ الْمُشَوِّشِ فِي الْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ" 3. وَفِي الْحَدِيثِ: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ...."، قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" 4.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، 4/ 217- 218/ رقم 1975" ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، 2/ 813- 814/ رقم 1159"، والمذكور لفظ البخاري. ولمسلم في رواية "لأن أكون قبلت الثلاث الأيام التي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إلى من أهلي ومالي". وله في رواية: "فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم". 2 في "ط": "أشق". 3 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الآداب، باب في صلاة العتمة، "4/ 296-297/ رقم 4985, 4986"، وأحمد في "المسند" "5/ 394، 371" من حديث رجل من الصحابة، وإسناده صحيح، وسماه الطبراني في "المعجم الكبير" "6/ 276-277/ رقم 6214"، فأخرجه من مسند سلمان بن خالد الخزاعي. وانظر: "تخريج أحاديث الإحياء" "3/ 101"، و"صحيح الجامع الصغير" "رقم 7892"، و"مشكاة المصابيح" "رقم 1253". 4 أخرجه أحمد في "المسند" "3/ 128، 199، 285"، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "8/ 39"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، 7/ 61،=

وَقَالَ لَمَّا قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ أَوْ تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟! " 1. وَقِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَنَأْخَذُ عَنْكَ فِي الْغَضَبِ والرضى؟ قال: "نعم" 2.

_ = والحاكم في "المستدرك" "2/ 160"، ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" "1/ 331، 332 / رقم 322 و323"، وأبو يعلى في "المسند" "6/ 199-200، 237/ رقم 3482, 3530"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "7/ 78"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم "ص98، 229-230"، والطبراني في "المعجم الصغير" "1/ 262"، وسنده حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن القيم في "زاد المعاد" "1/ 150-151" وقال: "ومن رواه "حبب إليَّ من دنياكم ثلاث"، فقد وهم، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: "ثلاث" والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليها". وقال ابن كثير في "الشمائل" "ص38" في الرواية التي فيها "من دنياكم": "وليس بمحفوظ بهذا، فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا وإنما هي من أهم شئون الآخرة". وكذا قال العراقي وابن حجر والسخاوي، وانظر: "التلخيص الحبير" "3/ 116"، و"المقاصد الحسنة" "ص180". 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير"، باب " {يَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر} ، 8/ 584/ رقم 4837"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صفة القيامة والجنة والنار، 4/ 2172/ رقم 2820" من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه البخاري في "الصحيح" "رقم 4836"، ومسلم في "الصحيح" "رقم 2819"، وغيرهما من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. 2 أخرج نحوه أبو داود في السنن" "كتاب العلم، باب في كتابة العلم، 3/ 318/ رقم 3646"، وأحمد في المسند "2/ 162، 192، 207، 215"، وابن أبي شيبة "المصنف" "9/ 49" والدارمي في "السنن" "1/ 125"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 105-106"، والخطيب البغدادي في "تقييد العلم" "77-80"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 388، 389" من طرق عن عبد الله بن عمرو، وبعضها صحيح. قال ابن حجر في "الفتح" "1/ 207": ولهذا طرق عن عبد الله بن عمرو يقوي بعضها بعضا".

وَهُوَ الْقَائِلُ فِي حَقِّنَا: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ" 1 وَهَذَا2 وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، فَالدَّلِيلُ صَحِيحٌ. وَجَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنِ احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي الْأَعْمَالِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا دَائِمًا كَثِيرٌ. وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ يَلِيهِمْ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِمَّنِ اشْتَهَرَ بِالْعِلْمِ وَحَمْلِ الْحَدِيثِ وَالِاقْتِدَاءِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، كَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ وَمِنَ التَّابِعِينَ، كَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ، وَأُوَيْسٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَاهِبِ قُرَيْشٍ، وَكَمَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَهُشَيْمٍ وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ، وَهُمْ مِنِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا مَا هُمْ. وَمِمَّا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ كله3.

_ 1 مضى تخريجه "ص231" وهو في "الصحيحين". 2 ولا يخفى عليك استيفاؤه لأمثلة الأنواع الثلاثة للضرب الثاني في الأحاديث المذكورة، مع مراعاة أنها كلها ليس فيها العلم أو الظن بأنه يدخل على نفسه بسببها فسادا ... إلخ, إن كان قد يحصل ذلك كما هو أحد الأقسام الثلاثة التي أشارت إليها الأحاديث. "د". 3 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" "1/ 367، 368، 2/ 292-293، 502-503"، وسعيد بن منصور في "السنن" "2/ 469/ رقم 158"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "4/ 1272"، وابن المبارك في "الزهد" "رقم 1275، 1277"، وعبد الرزاق في "المصنف" "3/ =

وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ صلَّى الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ كَذَا وَكَذَا سَنَة، وَسَرَدَ الصِّيَامَ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ1. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يُوَاصِلَانِ الصِّيَامَ، وَأَجَازَ مَالِكٌ صِيَامَ الدَّهْرِ2. وَكَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ يَقُومُ لَيْلَةً حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا سجودًا أبدًا3.

_ = 124/ 4635"،وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "3/ 75، 76"، وأبو عبيد في فضائل القرآن" "رقم 277، 278"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 294"، وأحمد في "الإيمان" "ق 49/ ب"، والطبراني في "الكبير" "1/ 87/ رقم 135" وأبو نعيم في "حلية الأولياء" "1/ 56، 57"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "225، 226، 227، 228"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 24-25"، وفي "الشعب" "5/ 145-146/ رقم 1993" من طرق عن ابن سيرين عن نائلة زوج عثمان، قالت: إن تدعوه أو تقتلوه فهو كان يحيى الليل بركعة يجمع فيها القرآن -يعني: يوترها"- وبعضهم أسقط "نائلة"، وابن سيرين لم يسمع من عثمان. ورواه أيوب عن نائلة كما عند ابن الأعرابي في "المعجم" "1/ ق 120/ ب" ومسعر عنها كما عند ابن شبة في "تاريخ المدينة" "4/ 1272"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" "1/ 56-57"، وقال أنس بن مالك؛ وهو وهم والأثر صحيح بمجموع طرقه، وتعدد استشهاد المصنف به في موطن آخر، وانظر: الاعتصام" "1/ 399"- دار ابن عفان". 1 ترى أمثلة كثيرة من ذلك في "إقامة الحجة" للكنوي مع التعليق عليها، وكذا في الحلية" "3/ 163"، وذكره المصنف في "الاعتصام" "1/ 399" مع زيادة: "وكانوا هم العارفين بالسنة، لا يميلون عنها لحظة". 2 كذا في "الاعتصام" "1/ 399 أيضًا. 3 انظر: "الحلية" "2/ 87، 88"، ففيها نحو المذكور، وذكره عنه المصنف في "الاعتصام" "1/ 399" ط ابن عفان" وعلق على الخبر بقوله: "يريد أنه كان يتنفل بالصلاة، فتارة يطول فيها القيام، وتارة الركوع، وتارة السجود" وفي "ط" زيادة عليه: ثم يركع أخرى حتى يصبح، ثم يقول: "بلغني أن لله عبادا ركوعا أبدا" ثم يسجد حتى يصبح، ثم يقول: "بلغني ان لله عبادا سجودا أبدا".

وَنَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ1 وَعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ، حَتَّى يَخْضَرَّ جَسَدُهُ وَيَصْفَرَّ، فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ! لِمَ تُعَذِّبُ هَذَا الْجَسَدَ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ2، [إِنَّ الأمر جد] . وعن [أنس] ابن سِيرِينَ أَنَّ امْرَأَةَ مَسْرُوقٍ قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ أَبْكِي خَلْفَهُ مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ3. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: غُشِيَ عَلَى مَسْرُوقٍ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: أَفْطِرْ! قَالَ: مَا أَرَدْتِ بِي؟ قَالَتِ: الرِّفْقَ. قَالَ: يَا بُنَيَّةُ! إِنَّمَا طَلَبْتُ الرِّفْقَ لِنَفْسِي فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ4. إِلَى سَائِرِ مَا ذُكِرَ5 عَنِ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي لَا يُطِيقُهَا إِلَّا الْأَفْرَادُ؛ هَيَّأَهُمُ اللَّهُ لَهَا وَهَيَّأَهَا لَهُمْ وَحَبَّبَهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ بَلْ كَانُوا مَعْدُودِينَ فِي السَّابِقَيْنِ، جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُهِيَ عَنِ الْعَمَلِ الشَّاقِّ مَفْقُودَةٌ فِي حَقِّهِمْ، فَلَمْ يُنْتَهِضِ النَّهْيُ فِي حَقِّهِمْ، كَمَا أنه لما

_ 1 انظر ترجمته في "العبر" "1/ 110". 2 ترى ذلك في ترجمته في "زهد الثمانية من التابعين" "ص53-54"، و"الحلية" "2/ 103"، والسير" "4/ 52"، و"الاعتصام" "1/ 399" للمصنف. 3 الخبر في "العبر" "1/ 68"، و"السير" "4/ 65"، و"الاعتصام" "1/ 399، 400" للمصنف، "مرآة الجنان" 6/ 39"، و"إقامة الحجة" "ص66"، وما بين المعقوفتين من الأصل. 4 ذكره الذهبي في ترجمته في "السير" "4/ 67-68"، والمصنف في "الاعتصام" "1/ 400". 5 في الأصل: "ذكره".

قَالَ: لَا يقضِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ"1 وَكَانَ وَجْهُ النَّهْيِ وَعِلَّتُهُ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ اطَّرد النَّهْيُ مَعَ كُلِّ مَا يُشَوِّشُ الْفِكْرَ، وَانْتَفَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، حَتَّى إِنَّهُ منتفٍ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يُشَوِّشُ، وَهَذَا صَحِيحٌ مَلِيحٌ. فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ حَالُهُ حَالُ مَنْ يَعْمَلُ بِحُكْمِ عَهْدِ الْإِسْلَامِ وَعَقْدِ الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ زَائِدٍ، وَالثَّانِي حَالُهُ حَالُ مَنْ يَعْمَلُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ، أَوِ الرَّجَاءِ، أَوِ الْمَحَبَّةِ، فَالْخَوْفُ سَوْطٌ سَائِقٌ، وَالرَّجَاءُ حادٍ قَائِدٌ وَالْمَحَبَّةُ تَيَّارٌ حَامِلٌ، فَالْخَائِفُ يَعْمَلُ مَعَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْخَوْفَ مِمَّا هُوَ أَشَقُّ يَحْمِلُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا هُوَ أَهْوَنُ وَإِنْ كَانَ شَاقًّا وَالرَّاجِي يَعْمَلُ مَعَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّ الرَّجَاءَ فِي تَمَامِ الرَّاحَةِ يَحْمِلُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى تَمَامِ التَّعَبِ، وَالْمُحِبُّ يَعْمَلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ شَوْقًا إِلَى الْمَحْبُوبِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّعْبُ، وَيَقْرُبُ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ، وَيَفْنَى الْقَوِيُّ وَلَا يَرَى أَنَّهُ أَوْفَى بِعَهْدِ الْمَحَبَّةِ وَلَا قَامَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ، وَيُعَمِّرُ الْأَنْفَاسَ وَلَا يَرَى أَنَّهُ قَضَى نَهْمَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْعَقْلِ أَوِ الْمَالِ يَمْنَعُ مِنَ الْعَمَلِ الْمُسَبِّبِ لِذَلِكَ إِنْ كَانَ لِخَيْرَةِ الْإِنْسَانِ، وَيُرَخَّصُ لَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ، حَتَّى لَا يَحْصُلَ فِي مَشَقَّةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشْوِيشَ النَّفْسِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَكِنَّ الْعَمَلَ2 الْحَاصِلَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ هَلْ يَكُونُ مُجَزِئًا أَمْ لَا إِذَا خَافَ تَلَفَ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ عَقْلِهِ؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ نَظَرٌ يُطَّلَعُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِيهِ مِنْ قَاعِدَةِ "الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ" وَقَدْ نُقِلَ مَنْعُ الصَّوْمِ إِذَا خَافَ التَّلَفَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَنَّهُ لَا يُجَزِئُهُ إِنْ فَعَلَ، وَنُقِلَ الْمَنْعُ فِي الطَّهَارَةِ عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ، وَالِانْتِقَالُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَفِي خَوْفِ الْمَرَضِ أَوْ تلف المال احتمال3، والشاهد للمنع قوله

_ 1 مضى تخريجه "ص231"، وهو في "الصحيحين". 2 في الأصل زيادة كلمة: "الصالح. وفي "ط": ".... يكون مجزئة". 3 انظر بسط المسألة في "الخلافيات" "2/ 477، 483" مع تعليقي عليه.

تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمَ} [النِّسَاءِ: 29] ، وَإِذَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْبَاهِهَا بِسَبَبِ الْخَوْفِ، لَا مِنْ جِهَةِ إِيقَاعِ نَفْسِ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ، فَالْأَمْرَانِ مُفْتَرِقَانِ؛ فَإِنَّ إِدْخَالَ الْمَشَقَّةِ الْفَادِحَةِ1 عَلَى النَّفْسِ يُعْقَلُ النَّهْيُ عَنْهَا مُجَرَّدَةً عَنِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ يُعْقَلُ الْأَمْرُ بِهَا مُجَرَّدَةً عَنِ الْمَشَقَّةِ، فَصَارَتْ ذَاتَ قَوْلَيْنِ2. وَأَيْضًا، فَيَدْخُلُ فِيهَا النَّظَرُ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ يُقَالَ: هَلْ قَصَدَ الشَّارِعُ رَفْعَ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ، أَمْ لِأَجْلِ أَنَّهَا حَقٌّ لِلْعَبْدِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ، فَيَتَّجِهُ الْمَنْعُ حَيْثُ وَجَّهَهُ الشَّارِعُ، وَقَدْ رَفَعَ الْحَرَجَ فِي الدِّينِ، فَالدُّخُولُ فِيمَا فِيهِ الْحَرَجُ مُضَادٌّ لِذَلِكَ الرفع، وإن قلنا: إنه حق العبد، فإذ سَمَحَ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ بِحَظِّهِ كَانَتْ عِبَادَتُهُ صَحِيحَةً، وَلَمْ يَتَمَحَّضِ النَّهْيُ عَنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ. وَالَّذِي يُرَجِّحُ هَذَا الثَّانِيَ أُمُورٌ: - مِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] قد دَلَّ بِإِشَارَتِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرِّفْقِ بِالْعِبَادِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النِّسَاءِ: 29] يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِمْ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 107] وَأَشْبَاهُهَا3 مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ. - وَمِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَإِرَادَةِ الْيُسْرِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ النَّهْيُ منتهضا مع فرض الحجر وَالْعُسْرِ، فَإِذَا فُرِضَ ارْتِفَاعُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْمٍ ارْتَفَعَ النَّهْيُ، وَمِمَّا يَخُصُّ مَسْأَلَتَنَا قِيَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ، أَوْ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ4، وَالْعِبَادَةُ إِذَا صَارَتْ إِلَى هَذَا الْحَدِّ شَقَّتْ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنَّ المر في طاعة

_ 1 هكذا في الأصل و"ط" بالفاء، وفي "د" القادحة. 2 أي: كما في الصلاة في الدار المغصوبة كما قال؛ لأن الأمر والنهي المتوجهين إلى العمل يمكن انفكاكهما، والخلاف جارٍ فيما لم يكن هناك تلازم كمسألة الصلاة المذكورة. "د" 3 في "ط": "وما أشبهها". 4 مضى تخريجه "ص241".

إليه يَحْلُو لِلْمُحِبِّينَ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إمامهم، وكذلك جاء السَّلَفِ تَرْدَادُ الْبُكَاءِ حَتَّى عَمِيَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ بِوَاسِطٍ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ عَيْنَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ وَقَدْ ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا خَالِدٍ! مَا فَعَلَتِ الْعَيْنَانِ الْجَمِيلَتَانِ؟ فَقَالَ: ذَهَبَ بِهِمَا بُكَاءُ الْأَسْحَارِ1. وَمَا تَقَدَّمَ فِي احْتِمَالِ مُطْلَقِ الْمَشَقَّةِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَاضِدٌ لهذا المعنى، فإذن مَنْ غَلَّب جَانِبَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَنَعَ بِإِطْلَاقٍ، وَمَنْ غلَّب جَانِبَ حَقِّ الْعَبْدِ لَمْ يَمْنَعْ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنْ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَى خِيَرَتِهِ. فَصْلٌ: وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ مَطْلُوبٌ بِأَعْمَالٍ وَوَظَائِفَ شَرْعِيَّةٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، وَلَا مَحِيصَ لَهُ عَنْهَا، يَقُومُ فِيهَا بِحَقِّ رَبِّهِ تعالى، فإذا أوغل في عمل شَاقٍّ، فَرُبَّمَا قَطَعَهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا سِيَّمَا حُقُوقُ الْغَيْرِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهِ، فَيَكُونُ عِبَادَتُهُ أَوْ عَمَلُهُ الدَّاخِلُ فِيهِ قَاطِعًا عَمَّا كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِ، فَيُقَصِّرُ فِيهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَلُومًا غَيْرَ مَعْذُورٍ؛ إِذِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْقِيَامُ بِجَمِيعِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَلَا بِحَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ فِيهَا2. ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ -وَهِيَ زَوْجُهُ- مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ: مَا أنا بآكل حتى

_ 1 أخرجه بسنده إلى الحسن بن عرفة به الخطيب في "تاريخه" "14/ 341-342". 2 انظر "منهج التربية الإسلامية" "1/ 169-170"، ففيه تفصيل حسن لنحو المذكور هنا.

تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَقُومَ، فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيْنَا1، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقِّهِ". فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَدَقَ سَلْمَانُ" 2. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمُعَاذٍ: "أفتَّان أَنْتَ، أَوْ أَفَاتِنٌ أَنْتَ؟ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"، فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] ، و {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشَّمْسِ: 1] ، وَ {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيْلِ: 1] ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ": وَكَانَ الشَّاكِيَ بِهِ رَجُلٌ أَقْبَلَ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ. انْظُرْهُ فِي الْبُخَارِيِّ3. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ: "إِنِّي لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صلاتي" الحديث4.

_ 1 مقتضى السياق "فصليا" بالغائب، فتراجع الرواية، والذي في البخاري "صليا" بألف الغائب، ولم يذكروا فيه رواية أخرى. "د". 2 مضى تخريجه "ص239"، والحديث في "الصحيحين وغيرهما. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة، فخرج، فصلى 2/ 192/ رقم 700، 701، وباب من شكا إمامه إذا طول 2/ 200/ رقم 705، وكتاب الأدب، باب من لم يرَ إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلا، 1/ 515-516/ رقم 6106"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء 1/ 339-340/ رقم 465" من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وانظر في تعيين الشاكي: "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم 244، 245" مع تعليقي عليه. 4 أخرجه البخاري في الصحيح" "كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي 2/ 202/ رقم 709، 710"، ومسلم في "صحيحه" كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام 2/ 342/ 343/ رقم 470" وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وَيُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ دَخَلَ صَوَامِعَ الْمُنْقَطِعِينَ وَمَوَاضِعَ الْمُتَعَبِّدِينَ، فَرَأَى رَجُلًا يَبْكِي بكاء عظيما بسبب أن فاتته صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَةِ لِإِطَالَتِهِ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ. وَأَيْضًا، فَقَدْ يَعْجِزُ الْمُوغِلُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَنِ الْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْغِنَاءِ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ فِي دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يفرُّ إِذَا لَاقَى" 1. وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَإِنَّكَ لتقلُّ الصَّوْمَ. فَقَالَ: "إِنَّهُ يَشْغَلُنِي عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وقراءة القرآن أحب إليَّ منه"2.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم داود عليه السلام 4/ 224 / رقم 1979، 1980"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، 2/ 815/ رقم 1159 بعد 186" عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. قال "خ": "لم تغضِ الشريعة عن حق الجسم وتترك شأنه لصاحبه الذي ربما تغالى به السعي في تكميل نفسه إلى أن يصرف عنه النظر جملة، بل رسمت له في سيره حدودا لا يسوغ له اختراقها ووقوفه عند هذه الحدود مما يجعله سائرا في سبيل لا يلاقي فيها عقبات ولا ينقطع به قبل الوصول إلى الغاية المطلوبة، وانظر إلى قوله في هذا الحديث: "ولا يفر إذا لاقى" بعد قوله: "كان يصوم يومًا ويفطر يومًا" فإن في ذلك إيماء إلى أن عدم سرد داود عليه السلام للصوم إنما هو ليتقوى بالفطر على واجب أعظم وهو جهاد العدو والصبر على مكافحته بقلب لا يجبن وعزم لا ينثني". 2 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "7903"، والطبراني في "الكبير" "9/ 195-197 / رقم 8868-8870، 8872، 8874، 8878" بأسانيد عنه، وبعضها صحيح، وانظر: "مجمع الزوائد" "2/ 257".

وَنَحْوُ هَذَا مَا حَكَى عِيَاضٌ1 عَنِ ابْنِ وهب أنه آلى أن لا يَصُومَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمًا صَائِمًا، وَكَانَ شَدِيدَ الْحَرِّ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ: فَكَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ الرَّحْمَةَ وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْإِفْطَارَ. وَكَرِهَ مَالِكٌ إِحْيَاءَ اللَّيْلِ كُلِّهِ2 وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُصْبِحُ مَغْلُوبًا، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ، ثُمَّ قَالَ: "لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَإِنْ كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْحُ وَهُوَ نَائِمٌ، فَلَا، وَإِنْ كَانَ وَهُوَ بِهِ فُتُورٌ أَوْ كَسَلٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ". فَإِذَا ظَهَرَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنِ الْإِيغَالِ فِي الْعَمَلِ، وَأَنَّهُ يُسَبِّبُ تَعْطِيلَ وَظَائِفَ، كَمَا أَنَّهُ يُسَبِّبُ الْكَسَلَ وَالتَّرْكَ وَيُبَغِّضُ الْعِبَادَةَ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ أَوْ كَانَتْ مُتَوَقَّعَةً، نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فالإيغال فيه حسن3، وسبب القيام

_ 1 في "ترتيب المدارك" "1/ 430- ط بيروت"، وفيه "نذر ابن وهب....". 2 ودليله ما أخرجه أبو داود في "سننه" "كتاب الصلاة، باب في صلاة الليل 2/ 41/ رقم 1342" عن عائشة ضمن حديث طويل، فيه: ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يتمها إلى الصباح"، ولفظ الدارمي في "سننه" "1/ 346": "وما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح"، ولفظ مسلم "6/ 27- مع شرح النووي": "ولا صلى ليلة إلى الصبح"، وفي رواية له "6/ 29": وما رأيته قام ليلة حتى الصباح". قلت: والتعليل الآتي يشهد له ما أخرجه مالك في "الموطأ" "1/ 131- رواية يحيى" عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: إن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح، وإن عمر غدا إلى السوق، وسكنُ سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان، فقال لها: لم أرَ سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي، فغلبته عيناه. فقال عمر: "لإن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلى من أقوم ليلة"، وكذلك من يقوم الليل ويسرد الصوم إن كان ذلك بحيث يفوت من حضور الجماعات وصلاة الجنائز، ونشر العلم بالتدريس والتصنيف ونحو ذلك، لا ينبغي له ذلك، قاله اللكنوي في "إقامة الحجة" "ص148-149". 3 هذا ما قرره اللكنوي في كتابه "إقامة الحجة" بتفصيل وإسهاب مع تمثيل من حياة السلف والصالحين والعلماء بما لا مزيد عليه.

بِالْوَظَائِفِ مَعَ الْإِيغَالِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَوِ الرَّجَاءِ أَوِ الْمَحَبَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: دُخُولُ الْإِنْسَانِ فِي الْعَمَلِ وَإِيغَالُهُ فِيهِ- وَإِنْ كَانَ لَهُ وَازِعُ الْخَوْفِ، أَوْ حَادِي الرَّجَاءِ، أَوْ حَامِلُ الْمَحَبَّةِ- لَا يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا اللَّيْلَ، صَائِمًا النَّهَارَ، واطئنا أَهْلَهُ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الصِّيَامِ مَعَ الْقِيَامِ عَلَى الْكَسْبِ لِلْعِيَالِ، أَوِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْجِهَادِ عَلَى كَمَالِهَا، وَكَذَلِكَ إِدَامَةُ الصَّلَاةِ مَعَ إِعَانَةِ الْعِبَادِ، وَإِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهَا تُضَادُّ أَعْمَالًا أُخَر بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاجْتِمَاعُ فِيهَا، وَقَدْ لَا تُضَادُّهَا، وَلَكِنْ تُؤَثِّرُ فِيهَا نَقْصًا، وَتَزَاحُمُ الْحُقُوقِ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَجْهُولٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ أَوْ بِأَكْثَرِهَا وَالْحَالَةُ1 هَذِهِ؟ وَلِهَذَا جَاءَ: "مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" 2. وَأَيْضًا، فَإِنْ سُلِّمَ مِثْلُ هَذَا فِي أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَمُسْقِطِي الْحُظُوظِ، فَكَيْفَ الْحَالُ مَعَ إِثْبَاتِهَا وَالسَّعْيِ فِيهَا وَالطَّلَبِ لَهَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّاسَ كَمَا تَقَدَّمَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَرْبَابُ الْحُظُوظِ، وَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنِ اسْتِيفَاءِ حُظُوظِهِمُ الْمَأْذُونِ لَهُمْ فِيهَا شَرْعًا، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يُخِلُّ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَضُرُّ بِحُظُوظِهِمْ. فَقَدْ وَجَدْنَا عَدَمَ التَّرَخُّصِ فِي مَوَاضِعِ التَّرَخُّصِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ مُوقِعًا فِي مَفْسَدَةٍ أَوْ مَفَاسِدَ يَعْظُمُ مَوْقِعُهَا شَرْعًا، وَقَطْعُ الْعَوَائِدِ المباحة قد يوقع في

_ 1 في الأصل: "الحال". 2 قطعة من حديث أوله: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"، أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب الدين يسر، 1/ 93/ رقم 39" عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الْمُحَرَّمَاتِ، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَا الْمُرُورَ مَعَ الْحُظُوظِ مُطْلَقًا خُرُوجًا عَنْ رِبْقَةِ الْعُبُودِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَرْسِلَ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ تَقْيِيدٍ ملقٍ حِكْمَةَ الشَّرْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ، وَلِرَفْعِ هَذَا الِاسْتِرْسَالِ جَاءَتِ الشَّرَائِعُ، كَمَا أَنَّ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ مُسَخَّرٌ لِلْإِنْسَانِ1. فَالْحَقُّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمرين تحت تظر الْعَدْلِ، فَيَأْخُذُ فِي الْحُظُوظِ مَا لَمْ يُخِلَّ بِوَاجِبٍ، وَيَتْرُكُ الْحُظُوظَ مَا لَمْ يُؤَدِّ التَّرْكُ إِلَى مَحْظُورٍ، وَيَبْقَى فِي الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَى تَوَازُنٍ، فَيَنْدُبُ إِلَى فِعْلِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي فِيهِ حَظُّهُ كَالنِّكَاحِ مَثَلًا، وَيَنْهَى عَنِ الْمَكْرُوهِ الَّذِي لَا حَظَّ فِيهِ عَاجِلًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَيَنْظُرُ فِي الْمَنْدُوبِ الَّذِي لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ، وَفِي الْمَكْرُوهِ الَّذِي لَهُ فِيهِ حَظٌّ -أَعْنِي: الْحَظَّ الْعَاجِلَ-، فَإِنْ كَانَ تَرْكُ حَظِّهِ فِي الْمَنْدُوبِ2 يُؤَدِّي لِمَا يُكْرَهُ شَرْعًا، أَوْ لِتَرْكِ مَنْدُوبٍ هُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا، كَانَ اسْتِعْمَالُهُ الْحَظَّ وَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ أَوْلَى، كَتَرْكِ التَّمَتُّعِ بزوجته المؤدي إلى التشوف إلى الأجنبيات، حسبما نَبَّهَ عَلَيْهِ حَدِيثُ3: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فأعجبته....." 4.

_ 1 ومهيأ لحظوظه، فالمطلوب الاعتدال، فلا حرمان مما هيأه الله له، ولا استرسال فيه. "د". قلت: وفي الأصل "مسخرة للإنسان". 2 أي: فإن كان ترك حظ من حظوظه بسبب فعله مندوبا لا حظ لنفسه فيه يؤدي إلى فعل مكروه شرعا، أو إلى ترك مندوب آخر أفضل منه، كان استعماله لحظه بترك هذه المندوب المؤدي فعله لأحد هذين الأمرين أولى به، وذلك كما إذا كان اشتغاله بنافلة الصلاة يحول بينه وبين التمتع بزوجته، فيؤدي ذلك إلى تطلعه للأجنبيات وتشوقه للنظر إليهن، فيكون ترك النافلة وتمتعه بزوجه أولى. "د". 3 أي، فإنه يفيد أن التمتع بالزوجة يكسر من الشهوة حتى لا ينبعث إلى النظر للأجنبية. "د". 4 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب النكاح، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه =

إِلَخْ. وَكَذَلِكَ [تَرْكُ] 1 الصَّوْمِ2 يَوْمَ عَرَفَةَ3، أَوْ لأجل أن يقوى على قراءة القرآن.

_ = إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها، 2/ 1021/ رقم 1403"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الرضاع، باب ما جاء في الرجل يرى المرأة تعجبه3/ 464/ رقم 1158" -والمذكور لفظه، وتتمته: "فليأت أهله، فإن معها الذي معها"- وأحمد في المسند" "3/ 330، 341، 395" بألفاظ منها المذكور عن جابر رضي الله عنه. وفي الباب عن ابن مسعود عند الدارمي في "السنن" "2/ 146"، وعن أبي كبشة الأنماري عند البخاري في "التاريخ الكبير" "6/ 139"، وأحمد في "المسند" "4/ 231"، وأبي نعيم في "الحلية" "2/ 20"، وإسناده حسن، وانظر له: "العلل" "5/ 196" للدارقطني. 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وفي "ط": "وكترك". 2 مثال لما كان فيه فعل المندوب يؤدي إلى ما يكره شرعا، وهو كراهة العبادة والملل منها، وما بعده مثال لما يؤدي إلى ترك مندوب هو أعظم منه أجرًا -ومثله ما في الحديث بعده- ويؤخذ منه أن قراءة القرآن أفضل من الصوم، والمثالان إشارة لما تقدم عن ابن مسعود وابن وهب. "د". 3 يدل عليه ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، 4/ 236-237/ رقم 1988"، وغيره عن أم الفضل بنت الحارث، أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه". وفطره صلى الله عليه وسلم يوم عرفة كان لحكمة، واختلفوا فيها، فقالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهو قول الخرقي وغيره، وقال غيرهم -منهم شيخ الإسلام ابن تيمية: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم، قال: "والدليل عليه الحديث الذي في "السنن" عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام". قلت: أخرجه أبو داود "كتاب الصوم، باب صيام أيام التشريق 2/ 320/ رقم 2419"، والترمذي في الجامع" "أبواب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق 3/ 143/ رقم 773"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة، 5/ 252"، وأحمد "4/ 152"، وابن أبي شيبة في المصنف" "3/ 104 و4/ 21"، والدارمي "2/ 23"، والطحاوي "1/335"، وابن حبان "8/ 368/ رقم 3603- الإحسان"، وابن خزيمة في "صحيحه" "رقم 2100"، والطبراني في "الكبير" "17/ رقم 803"، والحاكم "1/ 434"، والبيهقي "4/ 298"، والبغوي "1796" عن عقبة بن عامر، وإسناده صحيح. قال ابن تيمية: "وإنما يكون يوم عرفة عيدا في حق أهل عرفة، لاجتماعهم فيه، بخلاف أهل الأمصار، فإنهم إنما يجتمعون يوم النحر، فكان هو العيد في حقهم". انظر: "زاد المعاد" "1/ 61-62".

وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّكُمْ قَدِ اسْتَقْبَلْتُمْ عَدُّوَّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ" 1. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ تَرْكُ الْمَكْرُوهِ الَّذِي لَهُ فِيهِ حَظٌّ يُؤَدِّي إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنْهُ، غُلِّبَ الْجَانِبُ الْأَخَفُّ، كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ فِي تَنَاوُلِ الْمُتَشَابِهَاتِ2، عَلَى التَّوَرُّعِ عَنْهَا مَعَ عَدَمِ طَاعَتِهِمَا، فَإِنَّ تَنَاوُلَ الْمُتَشَابِهَاتِ2 لِلنَّفْسِ فِيهَا حَظٌّ، فَإِذَا كَانَ فِيهَا اشْتِبَاهٌ طُلِبَ التَّوَرُّعُ عَنْهَا وَكُرِهَ تَنَاوُلُهَا لِأَجْلِهِ، فَإِنْ كان في تناولها رضى الْوَالِدَيْنِ، رُجِّحَ جَانِبُ الْحَظِّ هُنَا بِسَبَبِ مَا هُوَ أَشَدُّ فِي الْكَرَاهِيَةِ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْوَالِدَيْنِ، وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ فِي شُبْهَةٍ أَحْسَنُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى النَّاسِ3. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُظُوظَ لِأَصْحَابِ الْحُظُوظِ تُزَاحِمُ الْأَعْمَالَ، فَيَقَعُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهَا فَإِذَا تَعَيَّنَ الرَّاجِحُ ارْتُكِبَ وَتُرِكَ مَا عَدَاهُ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ هِيَ عُمْدَةُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي تَفَارِيعِ الْفِقْهِ.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل، 2/ 789/ رقم 1120"، عن أبي سعيد الخدري، بلفظ: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم"، و"إنكم مُصَبِّحُو عدوكم، والفطر أقوى لكم". 2 في "ط": "المشتبهات". 3 الوجه في ذلك أن الحاجة إلى الناس مما يترامى بالنفوس على أبواب المهانة، وقد عنيت الشريعة بما يرفعها إلى مراقي العز والشرف حتى أسقطت للمحافظة على كرامة النفس وصيانة ماء المحيا بعض الواجبات، كما أجازت للرجل أن يتيمم ولا يقبل الماء ممن يقدمه له على وجه الهبة لما في مثل ذلك من المنة المكروهة لدى النفوس المتطلعة إلى عز شامخ ومجد أثيل. "خ".

وَالثَّانِي: أَهْلُ إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْأَعْمَالِ، غَيْرَ أَنَّ سُقُوطَ حُظُوظِهِمْ لِعُزُوفِ1 أَنْفُسِهِمْ عَنْهَا مَنَعَ الْخَوْفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الِانْقِطَاعِ وَكَرَاهِيَةِ الْأَعْمَالِ، وَوَفَّقَهُمْ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْحُقُوقِ، وَأَنْهَضَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا لَمْ يَنْهَضْ بِهِ غَيْرُهُمْ، فَصَارُوا أَكْثَرَ أَعْمَالًا، وَأَوْسَعَ مَجَالًا فِي الْخِدْمَةِ، فَيَسَعُهُمْ مِنَ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ مَا يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُمْ وَيَعُدُّهُ فِي خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَأَمَّا أَنَّهُ2 يُمْكِنُهُمُ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ مَا كُلِّفَهُ الْعَبْدُ وَنُدِبَ إِلَيْهِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَمُتَعَذِّرٌ، إِلَّا فِي الْمَنْهِيَّاتِ، فَإِنَّهُ تَرْكٌ بِإِطْلَاقٍ، وَنَفْيُ أَعْمَالٍ لَا إِعْمَالٍ، وَالنَّفْيُ الْعَامُّ مُمْكِنُ الْحُصُولِ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ الْعَامِّ، وَلَمَّا سَقَطَتْ حُظُوظُهُمْ صَارَتْ عِنْدَهُمْ لَا تُزَاحِمُ الْحُقُوقَ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِ: "إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"3، وَحَقُّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَقٌّ لَهُ ضَعِيفٌ عِنْدَهُ أَوْ سَاقِطٌ، فَصَارَ غَيْرُهُ عنده أقوى من حظ نفسه، فحظه إذن4 آخِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَحَقَّةِ، وَإِذَا سَقَطَتِ الْحُظُوظُ لَحِقَ مَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهَا5؛ لِأَنَّ زَمَانَ طَلَبِ الْحَظِّ لَا يَبْقَى خَالِيًا، فَدَخَلَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ كَثِيرٌ، وَإِذَا عَمِلَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرِ، فَهُوَ عِبَادَةٌ كَمَا سَيَأْتِي، فَصَارَ عِبَادَةً بَعْدَ مَا كَانَ عَادَةً، فَهُوَ سَاقِطٌ مِنْ جِهَتِهِ، ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ كَسَائِرِ الطَّاعَاتِ، وَمِنْ هُنَا صَارَ مُسْقِطُ الْحَظِّ أَعْبَدَ النَّاسِ، بَلْ يَصِيرُ أَكْثَرُ عَمَلِهِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَهُنَا مَجَالٌ رَحْبٌ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا. فَصْلٌ 6: مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مَشَقَّةٌ وَهُوَ من

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "عزوب". 2 في الأصل و"خ": "أن". 3 مضى تخريجه "ص239"، وهو صحيح. 4 كذا في "ط" وفي غيره: "أيضًا". 5 في "ط": "منها". 6 تكميل للمقام ببيان أن الأعمال المنهي عنها إذا تسبب عنها مشقة، فإن الشارع لا يقصد فيها المشقة أيضا، وإن جاءت في الطريق بسبب المكلف. "د".

الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ وَتَسَبَّبَ عَنْهُ مَشَقَّةٌ فَادِحَةٌ، فَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ التَّسَبُّبِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى ارْتِكَابِ النَّهْيِ إِدْخَالَ الْعَنَتِ وَالْحَرَجِ عَلَى نَفْسِهِ. إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الشَّرْعِ1 سَبَبًا لِأَمْرٍ شَاقٍّ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ قَصْدٌ مِنَ الشَّارِعِ لِإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَصْدُ الشَّارِعِ جَلْبُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ، كَالْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَاتِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْأَعْمَالِ الْمَمْنُوعَةِ، فَإِنَّهَا زَجْرٌ لِلْفَاعِلِ، وَكَفٌّ لَهُ عَنْ مُوَاقَعَةِ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَعِظَةٌ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقَعَ فِي مِثْلِهِ أَيْضًا، وَكَوْنُ هَذَا الْجَزَاءِ مُؤْلِمًا وَشَاقًّا مضاهٍ لِكَوْنِ قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَأَكِّلَةِ وَشُرْبِ الدَّوَاءِ البشع مُؤْلِمًا وَشَاقًّا، فَكَمَا لَا يُقَالُ لِلطَّبِيبِ: إِنَّهُ قَاصِدٌ لِلْإِيلَامِ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ، فَكَذَلِكَ هُنَا، فَإِنَّ الشَّارِعَ هُوَ الطَّبِيبُ الْأَعْظَمُ. وَالْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَلَا يُرِيدُ جَعْلَهُ فِيهِ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: "مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْمَوْتِ" 2؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ حَتْمًا عَلَى الْمُؤْمِنِ وَطَرِيقًا إِلَى وُصُولِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَتَمَتُّعِهِ بِقُرْبِهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، صَارَ فِي الْقَصْدِ إِلَيْهِ مُعْتَبَرًا، وَصَارَ مِنْ جِهَةِ الْمَسَاءَةِ فِيهِ مَكْرُوهًا3، وَقَدْ يَكُونُ لَاحِقًا بِهَذَا الْمَعْنَى النُّذُورُ الَّتِي يَشُقُّ على الإنسان

_ 1 لعل فيه سقط: "ما يكون" "د". 2 قطعة من آخر حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الرقائق، باب التواضع، 11/ 340-341/ رقم 6502" عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا، وقد استشكل بعضهم "التردد" الوارد في الحديث، وانظر له لزاما: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "18/ 129-131 و 10/ 58-59"، و"السلسلة الصحيحة" "رقم 1640". وفي "ط": "ولا بد منه". 3 أي: غير مقصود ما فيه من جهة المكروهية، ولكنه مقصود من جهة أنه موصل إلى السعادة، وإنما كان شبيها ولم يكن مما تقدم؛ لأنه ليس في موضوع التكاليف الدنيوية. "د". قلت: وبنحو هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "18/ 129-131 و 10/ 58-59".

الْوَفَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَمَّا أُرِيحَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا كَانَ الْتِزَامُهَا مَكْرُوهًا، فَإِذَا وَقَعَ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ عِبَادَاتٌ وَإِنْ شَقَّتْ، كَمَا لَزِمَتِ الْعُقُوبَاتُ بِنَاءً عَلَى التَّسَبُّبِ فِيهَا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ النُّذُورُ فِيمَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، أَوْ كَانَتْ فِي عِبَادَةٍ لَا تُطَاقُ وَشُرِعَتْ لَهَا تَخْفِيفَاتٌ، أَوْ كَانَتْ مُصَادِمَةً لِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ أَوْ حَاجِيٍّ فِي الدِّينِ سَقَطَتْ، كَمَا إِذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ، فَإِنَّهُ يُجَزِئُهُ الثُّلْثُ، أَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَكَّةَ رَاجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، فَإِنَّهُ يَرْكَبُ وَيُهْدِي، أَوْ كَمَا إِذَا نَذَرَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ لَا يَأْكُلَ الطعام [الفلاني] ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُهُ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَانْظُرْ كَيْفَ صَحِبَهُ الرِّفْقُ الشَّرْعِيُّ فِيمَا أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّاتِ. فَعَلَى هَذَا كَوْنُ الشَّارِعِ لَا يَقْصِدُ إِدْخَالَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ1 عَامٌّ فِي الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] ، فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ اعْتِدَاءً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْقَصْدَ إِلَى الِاعْتِدَاءِ، وَمَدْلُولُهُ الْمَشَقَّةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُعْتَدِي. لِأَنَّا نَقُولُ: تسمية الجزاء المرتب على الاعتداء اعتداء مجاز مَعْرُوفٌ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ2، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] .

_ 1 في الأصل: "العبد". 2 قلت: كلام المصنف في صفة الاستهزاء والمكر وغيرهما من صفات الفعل لله عز وجل من الأمور المردودة غير المقبولة، ومنهج السلف في فهم الأسماء والصفات على خلافها، وما الداعي لهذا المعنى وذات الله غير ذواتنا، وبالتالي أسماؤه وصفاته غير أسمائنا وصفاتنا، فإن التأويل=

.........................................................................

_ = لا يكون إلا بعد الوقوع في التشبيه، وحينئذ يكون هنالك داع لصرف اللفظ عن معناه، وهو في حقيقته تعطيل. واعلم وفقني الله وإياك للصواب، أن الصفات إذا كانت كمالا في حال، ونقصا في حال، لم تكن جائزة في حق الله، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتا مطلقا، ولا تنفى عنه نفيا مطلقا، بل لا بد من التفصيل، فتجوز في الحال التي تكون كمالا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصا، وذلك كالمكر، وهذه الصفات وغيرها من صفات الأفعال كالكيد والخداع، فهذه تكون كمالا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم على أنها من صفاته سبحانه بإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسوله بمثلها: كقوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] ، وقوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15-16] ، وقوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182-183] ، وقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] ، وقوله: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 14، 15] . وقد ألمح ابن القيم إلى نحو ما ذكره المصنف من تأويل هذه الصفات ورده بنحو ما قررناه، فقال في "إعلام الموقعين" "3/ 217-218": "وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرا وكيدا واستهزاء وخداعا من باب الاستعارة، ومجاز المقابلة، نحو {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] ، ونحو قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ، وقيل: وهو أصوب، بل تسمية ذلك حقيقة على بابه، فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح، وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه. وحسن: وهو إيصاله إلى من يستحقه، عقوبة له. فالأول مذموم، والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة، وهو تعالى يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب، لا كما يفعل الظلمة بعباده. وأما السيئة، فهي "فيعلة" مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها، فهي سيئة له، =

...........................................................................................

_ = حسنة من الحكم العدل". وزيادة في توضيح ما سبق أود أن أبين ما يلي: أولا: إن الله لم يصف نفسه بالكيد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصف ربه بالإحصاء إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وهذا الوصف على حقيقته دون مجاز؛ إذ الموجب للمجاز منتفٍ كما سيأتي. ثانيا: إن دعوى إطلاق هذه الألفاظ على الله سبحانه بالشرط السابق على سبيل المجاز لأنها توهم التشبيه باطلة، والمراد بهذا المجاز نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله سبحانه، وهذا باطل، وقد مر معنا الرد على المصنف عندما أَوَّلَ بعض هذه الصفات مثل "الحب والبغض"، راجع "ص195 وما بعدها". ثالثا: إن هذه الأفعال لا تذم على الإطلاق، ولا تمدح على الإطلاق، ومجازاة المسيء بمثل إساءته جائز في جميع الملل، مستحسن في جميع العقول، ولهذا كاد الله سبحانه وتعالى ليوسف حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه، جزاء على كيدهم له مع أبيه. رابعا: هذه المجازة من المخلوق حسنة، فكيف من الخالق، هذا إذا نزلنا على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وأنه سبحانه منزه عما يقدر عليه مما لا يليق بكماله، ولكنه لا يفعله لقبحه وغناه عنه، وإن نزلنا ذلك على نفي التحسين والتقبيح عقلا، وأنه يجوز عليه كل ممكن، ولا يكون قبيحا فلا يكون المكر وغيره من صفات الفعل منه قبيحا البتة، فلا يمتنع وصفه به ابتداء، لا على سبيل المقابلة على هذا التقدير. وعلى التقديرين، فإطلاق ذلك عليه سبحانه على حقيقته دون مجاز؛ إذ الموجب للمجاز منتفٍ على التقديرين. خامسا: لا يشرع اشتقاق أسماء لله عز وجل من هذه الصفات، ومن فعل ذلك من الجهلة، فقد افترى على الله الكذب، وفاهَ بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه. قال السفاريني في "الدرة المضيئة"- كما في "العقائد السلفية" "59" في مبحث الأسماء الحسنى: لكنها في الحق توقيفية ... لنا بذا أدلة وفية يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في "مدارج السالكين" "3/ 415": "فنسبة الكيد =

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آلِ عِمْرَانَ: 54] . {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطَّارِقِ: 15، 16] . إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَا اعْتِرَاضَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. فَصْلٌ 1: وَقَدْ تَكُونُ الْمَشَقَّةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ خَارِجٍ، لَا بِسَبَبِهِ، وَلَا بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي عَمَلٍ تَنْشَأُ عنه، فههنا لَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي بَقَاءِ ذَلِكَ الْأَلَمِ وَتِلْكَ الْمَشَقَّةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ فِي التَّسَبُّبِ فِي إِدْخَالِهَا عَلَى النَّفْسِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُؤْذِيَاتِ وَالْمُؤَلِّمَاتِ خَلْقَهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِلَاءً لِلْعِبَادِ وَتَمْحِيصًا2، وَسَلَّطَهَا عَلَيْهِمْ كَيْفَ شَاءَ وَلِمَا شَاءَ: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الْأَنْبِيَاءِ: 23] ، وَفُهِمَ مِنْ مَجْمُوعِ الشَّرِيعَةِ الْإِذْنُ فِي دَفْعِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ رَفْعًا3 لِلْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ، وَحِفْظًا عَلَى الْحُظُوظِ الَّتِي أَذِنَ لَهُمْ فيها، بل

_ = والمكر ونحوها إليه سبحانه من إطلاق الفعل عليه تعالى، والفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل، كأراد وشاء وأحدث، ولم يسم بـ "المريد". و"الشائي" و"المحدث"، كما لم يسم نفسه بـ "الصانع" و"الفاعل" و"المتقن"، وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه، فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء، وقد أخطأ أقبح الخطأ من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف، فسماه: الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد، ونحو ذلك، وكذلك باب الإخبار عنه بالاسم أوسع من تسميته به، فإنه يخبر عنه بأنه شيء موجود ومذكور ومعلوم ومراد، ولا يسمى بذلك". وانظر في إثبات هذا الصفات أيضا: "مختصر الصواعق المرسلة" "2/ 32-34"، و"طريق الهجرتين" "427-429"، و"أقاويل الثقات" "72". 1 هذا مقابل لسائر ما تقدم في موضوع لحوق المشقات تكميلا للمقام. "د". 2 انظر ما تقدم "2/ 45". 3 في "ط": "ورفعا" بواو.

أُذِنَ فِي التَّحَرُّزِ مِنْهَا عِنْدَ تَوَقُّعِهَا وَإِنْ لَمْ تَقَعْ، تَكْمِلَةً لِمَقْصُودِ الْعَبْدِ، وَتَوْسِعَةً [عَلَيْهِ، وَحِفْظًا] 1 عَلَى تَكْمِيلِ الْخُلُوصِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَالْقِيَامِ بِشُكْرِ النِّعَمِ. فَمِنْ2 ذَلِكَ الْإِذْنُ فِي دَفْعِ أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَفِي التَّدَاوِي عِنْدَ وُقُوعِ الْأَمْرَاضِ، وَفِي التَّوَقِّي مِنْ كُلِّ مؤذٍ آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَالتَّحَرُّزِ مِنَ الْمُتَوَقِّعَاتِ حَتَّى يُقَدِّمَ الْعُدَّةَ لَهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَقُومُ بِهِ عَيْشُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَجَلْبِ الْمَصَالِحِ، ثُمَّ رَتَّبَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ دَفْعَ الْمُؤْلِمَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَجَلْبَ مَنَافِعِهَا بِالْتِزَامِ الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا رَتَّبَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَسَبَّبُ عَنْ أَفْعَالِهِ وَكَوْنُ هَذَا مَأْذُونًا فِيهِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً. إِلَّا أَنَّ هَذَا الدَّفْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ إِنْ ثَبَتَ انْحِتَامُهُ، فَلَا إِشْكَالَ فِي عِلْمِنَا أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ رَفْعَ تِلْكَ الْمَشَقَّةِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْنَا دَفْعَ الْمُحَارِبِينَ، وَالسَّاعِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ بِالْفَسَادِ، وَجِهَادَ الْكُفَّارِ الْقَاصِدِينَ لِهَدْمِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ هُنَا جِهَةُ التَّسْلِيطِ وَالِابْتِلَاءِ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِإِيجَابِ الدَّفْعِ أَنَّ ذَلِكَ مُلْغًى فِي التَّكْلِيفِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الْعَقْدِ الْإِيمَانِيِّ، كَمَا لَا تُعْتَبَرُ3 جِهَةُ التَّكْلِيفِ ابْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ ابْتِلَاءٌ4؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ أو معصية من جهة.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 كذا في "د" وفي الأصل و"ط" فأول" وفي "خ": "فإن". 3 أي: فكما أن التكليف نفسه ابتلاء كما بينه بقوله: لأنه.... إلخ"، ولا يعتبر فيه هذا الابتلاء بل طولب المكلف بالامتثال، فكذلك هنا طولب المكلف بما يدفع هذا الابتلاء الذي ينزل به من الأمراض وغيرها، وبعبارة أخرى إذا كان ابتداء التكليف العام وأصله ابتلاء ولم يعتبر ذلك حتي يمنع توجهه للمكلفين ليعملوا على ما فيه النجاة من هذا الابتلاء، فكذا هذا التكليف الخاص المطلوب به دفع ابتلاء خاص من ألم الجوع مثلا يكون تكليفا مقبولا، ولا يعتبر الابتلاء مانعا من توجهه. "د". 4 قال ابن العربي في "أحكام القرآن" "2/ 656"، "والتكليف كله ابتلاء، وإن تفاضل" في الكثرة والقلة، وتباين في الضعف والشدة". وانظر: "تفسير القرطبي" "6/ 300"، والروح "123".

الْعَبْدِ، خَلْقٌ لِلرَّبِّ، فَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ، فَلَيْسَ لَهُ في الأصل حيلة إلا الاستلام لِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَثْبُتِ انْحِتَامُ الدَّفْعِ1، فَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ جِهَةِ التَّسْلِيطِ وَالِابْتِلَاءِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الشَّاقَّ مُرْسَلٌ مِنَ الْمُسَلِّطِ الْمُبْلِي، فَيَسْتَسْلِمُ الْعَبْدُ لِلْقَضَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَكُنِ التَّدَاوِي مُحَتَّمًا2 تَرَكَهُ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَذِنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْبَقَاءِ عَلَى حُكْمِ الْمَرَضِ، كَمَا فِي حَدِيثِ السَّوْدَاءِ الْمَجْنُونَةِ3 الَّتِي سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ لَهَا، فَخَيَّرَهَا فِي الْأَجْرِ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى حَالَتِهَا أَوْ زَوَالِ ذَلِكَ4، وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ: "وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" 5. وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ جِهَةِ الْحَظِّ بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ ويتأيَّدُ بِالنَّدْبِ، كَمَا فِي التَّدَاوِي حَيْثُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "تَدَاوَوْا، فَإِنَّ الَّذِي أنزل الداء أنزل

_ 1 في "ط": "في الدفع" 2 في "ط": "متحتما". 3 كان الأولى أن يقول: التي كانت تصرع" كما هي عبارة الحديث. "د". 4 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المرضى، باب فضل من يصرع من الريح، 10 / 114/ رقم 5652"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، 4/ 1994/ رقم 2576" عن ابن عباس، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف. فدعا لها. لفظ البخاري. 5 جزء من حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، 11/ 405-406/ رقم 6541، وكتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو، 10/ 155/ رقم 5705"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين بغير حساب ولا عقاب، 1/ 199/ رقم 220" من حديث ابن عباس رضي الله عنه.

الدواء" 1، وأما إن ثبتت2 الْإِبَاحَةُ، فَالْأَمْرُ أَظْهَرُ. وَهُنَا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ3 مِنْ أَوْجُهِ الْمَشَقَّاتِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَبَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ، وذلك مشقة مخالفة الهوى، وهي:

_ 1 مضى تخريجه "1/ 217" من حديث أسامة بن شريك، وهو حديث صحيح. وأخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، 10/ 134/ رقم 5678" عن أبي هريرة مرفوعا: "وما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء". 2 في الأصل: "ثبت". 3 عقد المسألة السابقة لمسمى لفظ المشقة في الوجه الثالث، فتكلم عنه في أولها، وفرق بين ما يعد مشقة معتادة وما لا يعد، وإن كان فيه كلفة، وانجر به الكلام إلى أن الشارع لا يقصد المشقة المعتادة الحاصلة في التكاليف، كما لا يقصد غير المعتادة، بل يقصد الفعل من جهة كونه مصلحة عائدة على المكلف فقط، ثم رتب على ذلك في الفصل الأول أنه ليس للمكلف أن يقصد المشقة في التكليف نظرا إلى عظم أجرها، ثم ذكر في الفصل الثاني أن الأعمال المأذون فيها إذا تسبب عنها مشقة، فإما أن تكون معتادة، أو غير معتادة، وتوسع في تفاصيل غير المعتادة التي هي محل مشروعية الرخص، وخارجة عما عقدت له المسألة، ثم مد النفس في تفاصيل غير المعتادة التي تتسبب عن العبادة، إما لخوف الانقطاع عن العمل أو كراهيته، وإما لمزاحمة الوظائف المطلوبة من العبد بعضها لبعض، وذلك في الفصلين الثاني والثالث، ثم أكمل المقام في الفصل الرابع بالأفعال غير المأذون فيها في مقابلة موضوع الفصل الثاني الذي قيده بالمأذون فيها، ثم ذكر فصلا خامسا لمجرد إكمال الكلام في مطلق المشقة، وبمراجعة هذه الفصول لا تجد منها فصلا خاصا بالوجه الثالث، بل عنايته كما رأيت بالوجهين الاول والثاني أكر من عنايته بالوجه الثالث وما يشبهه، الذي فيه المشقة غير معتادة، ولكنها صارت عند قوم كالمعتادة، ثم قال في آخر المسألة: "وهنا انقضى الكلام على الوجه الثالث"، فهذا الصنيع غير موجه، وكان يحسن به أن يضع كل مبحث مما اشتملت عليه تلك الفصول في محله الخاص به من تلك الوجوه الثلاثة حتى تمتاز المباحث بعضها عن بعض ويظهر ارتباطها بتلك الوجوه. "د".

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَذَلِكَ أَنَّ مُخَالِفَةَ مَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ شَاقٌّ عَلَيْهَا، وَصَعْبٌ خُرُوجُهَا عَنْهُ، وَلِذَلِكَ بَلَغَ أَهْلُ الْهَوَى فِي مُسَاعَدَتِهِ مَبَالِغَ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى ذَلِكَ حَالُ الْمُحِبِّينَ1، وَحَالُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَمَّمَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَضُوا بِإِهْلَاكِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِمُخَالَفَةِ الْهَوَى، حَتَّى قَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الْجَاثِيَةِ: 23] . وَقَالَ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النَّجْمِ: 23] . وَقَالَ: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [مُحَمَّدٍ: 14] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَلَكِنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا قَصَدَ بِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجَ2 الْمُكَلَّفِ عَنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عبدًا لله، فإذن مُخَالَفَةُ الْهَوَى لَيْسَتْ مِنَ الْمَشَقَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّكْلِيفِ، وَإِنْ كَانَتْ شَاقَّةً فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً حَتَّى يُشْرَعَ التَّخْفِيفُ لِأَجْلِ ذَلِكَ3، لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِمَا وُضِعَتِ الشَّرِيعَةُ لَهُ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَبَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ بَعْدُ إِنْ شاء الله.

_ 1 انظر شيئا من ذلك في كتاب "ذم الهوى" لابن الجوزي في الباب التاسع والثلاثين وما بعده "ص259 وما بعدها" وفي طوق الحمامة" لابن حزم "ص7 وما بعدها " 2 في "خ" محرفة إلى "إخراس". 3 في "ط": "لأجلها".

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: كَمَا أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَكُونُ دُنْيَوِيَّةً، كَذَلِكَ تَكُونُ أُخْرَوِيَّةً، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ إِذَا كَانَ الدُّخُولُ فِيهَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ، فَهُوَ أَشَدُّ مَشَقَّةً بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُخِلَّة بِدِينٍ، وَاعْتِبَارُ الدِّينِ مُقَدَّمٌ1 عَلَى اعْتِبَارِ النَّفْسِ وَغَيْرِهَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ هُنَا2، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ3 فِي إِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُدْخَلُ4 تَحْتَهَا هَذَا الْمَطْلَبُ مَا فيه كفاية.

_ 1 أي: إن أصول الدين تقدم على اعتبار النفس والأعضاء، فإذا توقف حفظ الدين على المخاطرة بالنفس أو الأعضاء قدم الدين، ولذا وجب الجهاد لحفظ الدين وإن أدى إلى ضياع كثير من النفوس، أما غير أصول الدين، فأنت تعلم أن الأمر فيها غير ذلك، فكثيرا ما يسقط الشارع واجبات دينية محافظة على النفس حتى من نحو المرض، وحينئذ، فليس اعتبار الأمور الدينية مقدما على النفس ولا على المال في كل شيء، والمقام يحتاج إلى بسط أوفى من هذا، ولذا قال صاحب "التحرير" في موضوع الضروريات الخمس: "إن حفظ الدين يكون بوجوب الجهاد، وعقوبة الداعي إلى البدع"، فلا شك أن هذا فيما يتعلق بأصول الدين، وسيأتي في المسألة العاشرة ما يحتاج فيه إلى الترجيح بين مصلحتين قد تكون إحداهما دينية والأخرى دنيوية، فلو كانت الدينية تقدم مطلقا ما كان هناك حاجة إلى الترجيح المذكور. "د". 2 أي: فالمشقة الدينية مقدمة في الاعتبار على الدنيوية. "د". 3 أي: فمع كونه يقدم ما فيه حفظ الدين -مع كونه مشقته أعظم- على ذي المشقة الدنيوية الصرفة، فإنه لا يقصد إدخال هذه المشقة على المكلف، ولكنها جاءت في طريق حفظ الدين غير مقصودة. "د". 4 لأنه داخل في عموم المشقة التي برهن على أن الشارع لم يقصدها في التكليف مطلقا، وإن جاءت في طريق امتثال التكليف. "د".

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَدْ تَكُونُ الْمَشَقَّةُ النَّاشِئَةُ مِنَ التَّكْلِيفِ تَخْتَصُّ بِالْمُكَلَّفِ وَحْدَهُ، كَالْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ تَكُونُ عَامَّةً1، لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَقَدْ تَكُونُ دَاخِلَةً عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ. وَمِثَالُ الْعَامَّةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَالْوَالِي الْمُفْتَقَرِ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ ذَا كِفَايَةٍ فِيمَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الْوِلَايَةَ تَشْغَلُهُ عَنِ الِانْقِطَاعِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْأُنْسِ بِمُنَاجَاتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ عَمَّ الْفَسَادُ وَالضَّرَرُ، وَلَحِقَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَلْحَقُ غَيْرَهُ. وَمِثَالُ الدَّاخِلَةِ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ كَالْقَاضِي وَالْعَالِمِ الْمُفْتَقَرِ إِلَيْهِمَا، إِلَّا أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ يَجُرُّهُمَا إِلَى مَا لَا يَجُوزُ2، أَوْ يَشْغَلُهُمَا عَنْ مُهِمٍّ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، وَهُمَا إِذَا لَمْ يَقُومَا بِذَلِكَ، عَمَّ الضَّرَرُ غَيْرَهُمَا مِنَ النَّاسِ، فَقَدْ نَشَأَ هُنَا عَنْ طَلَبِهِمَا لِمَصَالِحِهِمَا المأذون فيها والمطلوبة منهما فساد عام.

_ 1 هذا نوع آخر من المشقة ليس داخلا في المعاني الأربعة التي تقدمت؛ لأن تلك كان المشقة فيها حاصلة من نفس الفعل، وهنا حصول المشقة يحدث من التعارض للوظائف التي تناط بالمكلف، فإذا قدم بعضها على بعض حصل له ولغيره ضرر أو لغيره فقط، مع كون أصل الفعل المطلوب لم يلاحظ فيه مشقة خارجة عن المعتاد، فالمشقة هنا تحصل من عدم العمل، عكس المعاني الأربعة السابقة "د". 2 من الأمور التي تعرض في القضاء غير الجور في الحكم، فليس القاضي معصوما، وقد يجره الأمر إلى الجور أيضا، وهذا ما دعا مثل أبي حنيفة إلى التنحي عنه مع توجيه الأذى إليه بسبب التنحي، فلا يظهر وجه للانتقاد من بعض الناظرين هنا على ذلك. "د". وكتب "خ" ما نصه: "لا يقع القاضي أو المفتي في أمر غير جائز، إلا أن يحيد عن طريق الاستقامة من تلقاء نفسه؛ إذ الخطأ في الاجتهاد مغتفر والإكراه إنما يخضع أمامه من يؤثر المنصب على الشرف والفضيلة، وليس العزل من الوظيفة عذرا يبيح لمن يتقلدها أن يقول على الله غير الحق، أو يتصرف في حق من حقوق الأمة على وجه يلقي به في تلف أو يهبط بالأمة هاوية ذل وصغار".

وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَالْمَشَقَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ تَكُونُ غَيْرَ مَطْلُوبَةٍ، وَلَا الْعَمَلُ الْمُؤَدِّي إِلَيْهَا1 مَطْلُوبًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَقَدْ نَشَأَ هُنَا نَظَرٌ فِي تَعَارُضِ مَشَقَّتَيْنِ، فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ إِنْ لَزِمَ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِنَفْسِهِ فَسَادٌ وَمَشَقَّةٌ لِغَيْرِهِ، فَيَلْزَمُ أَيْضًا مِنَ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ فَسَادٌ وَمَشَقَّةٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَصَدَّى النَّظَرُ فِي وَجْهِ اجْتِمَاعِ الْمَصْلَحَتَيْنِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَشَقَّتَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ2 وَإِنْ لَمْ يُمَكِنْ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ، فَإِذَا كَانَتِ الْمَشَقَّةُ الْعَامَّةُ أَعْظَمَ، اعْتُبِرَ جَانِبُهَا وَأُهْمِلَ جَانِبُ الْخَاصَّةِ3، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ، فَالْعَكْسُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ، فَالتَّوَقُّفُ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

_ 1أي: إلى المشقة الخارجة عن المعتاد، كما سبق وكما هو مساق كلام المؤلف هنا، أو يقال: إن العمل المؤدي إلى المشقة من حيث تأديته إليها لا يطلب، والطلب إنما هو من جهة كونه مصلحة كما سبق مثله. "د". 2 كأن تكون مشقته من حيث عيش عياله، فتقوم له الأمة بذلك ويقوم لها بوظيفة القضاء أو العلم أو الجندية التي تتضرر بعدمها، وبهذا تجتمع المصلحتان وتنتفي المشقتان. "د". 3 كما إذا كان التعارض بين وظيفة عامة تتعين عليه، وبين مهم ديني غير متأكد عليه. "د".

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: حَيْثُ تَكُونُ الْمَشَقَّةُ الْوَاقِعَةُ بِالْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ خَارِجَةً عَنْ مُعْتَادِ الْمَشَقَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ1، حَتَّى يَحْصُلَ بِهَا فَسَادٌ ديني أو دنيوي،

_ 1 الذي يفهم من قول الشاطبي عن المشقة التي تقتضي التخفيف أنها ما كانت "خارجة عن المعتاد في الأعمال العادية" إنه يرجع في تعيين الخلل على العبد إلى عرف الناس وعاداتهم، ومما يؤكد ذلك قوله في شأن ما يبدو أنه غير معتاد، ولكنه معتاد في الحقيقة: " ... فإذا كان كذلك، فكثير مما يظهر ببادئ الرأي من المشقات أنها خارجة عن المعتاد لا يكون كذلك لمن كان عارفا بمجاري العادات". وخلاصة ذلك أن المشقات التي تقتضي التخفيف مما لم يَرِد بشأنها شيء من الشارع، هي المشقات التي تكشف العادات والأعراف عن أنها خارجة عن المعتاد وتلحق خللا في العبد أو ماله أو حال من أحواله. وقد استشكل القرافي في "الفروق" "1/ 119-120- الفرق 14" أن يكون العرف ضابطا للمشقة التي تجلب التيسير فيما لا نص فيه، وذكر أن الفقهاء يحيلون على العرف عند سؤالهم، مع أنهم من أهل العرف، فلو كان هناك عرف قائم لوجدوه معلوما لهم أو معروفا، ولا تصح الإحالة على غير الفقهاء؛ لأنه ليس بعد الفقهاء من أهل العرف إلا العوام، وهم مما لا يصح تقليدهم في الدين. ولذلك، فقد مال القرافي إلى الأخذ بمنهج ابن عبد السلام في التقريب بقواعد الشرع، كما تراه في كتابه" قواعد الأحكام" "2/ 9-10"، ولكن الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" "6/ 271" تعقب كلام القرافي، وذكر أن فيه نظرا ظاهرا، قال: "وأقول فيما استشكله من نوط ما لم يرد في الشرع بالعرف نظر ظاهر، فإن العلماء الذين ناطوا بعض المسائل بالعرف إنما وقع ذلك منهم أفذاذا أثناء البحث أو التصنيف، ويجوز أن يجهل كل فرد منهم العرف العام في كثير من المسائل، وما اجتمع علماء عصر أو قطر للبحث عن عرف الناس في أمر ومحاولة ضبطه وتحديده، ثم عجزوا عن معرفته وأحالوا في ذلك على العامة، أن من العلماء الفقير البائس والضعيف المنة -أي: القوة والجلد- والغني المترف، والقوي الجلد وغير ذلك، فيشق على بعضهم ما لا يشق على الجمهور، ويسهل على بعضهم ما لا يسهل على الجمهور، فالرجوع إلى العرف فيما يشق على الناس وما لا يشق عليهم ضروري لا بد منه، وهو لا يعرف إلا بمباشرة الناس وتعرف شئونهم وأحوالهم".

فَمَقْصُودُ الشَّارِعِ فِيهَا الرَّفْعُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِيهَا الرُّخَصُ مُطْلَقًا. وَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ خَارِجَةً عَنِ الْمُعْتَادِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَعُ الْمَشَقَّةُ فِي مِثْلِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ، فَالشَّارِعُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وُقُوعَهَا، فَلَيْسَ بِقَاصِدٍ لِرَفْعِهَا أَيْضًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَاصِدًا لِرَفْعِهَا لَمْ يَكُنْ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ مَعَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَادِيٍّ أَوْ غَيْرِ عَادِيٍّ يَسْتَلْزِمُ تَعَبًا وَتَكْلِيفًا عَلَى قَدْرِهِ، قَلَّ أَوْ جَلَّ، إِمَّا فِي نَفْسِ الْعَمَلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَإِمَّا فِي خُرُوجِ الْمُكَلَّفِ عَمَّا كَانَ فِيهِ إِلَى الدُّخُولِ فِي عَمَلِ التَّكْلِيفِ، وَإِمَّا فِيهِمَا مَعًا، فَإِذَا اقْتَضَى الشَّرْعُ رَفْعَ ذَلِكَ التَّعَبِ، كَانَ ذَلِكَ اقْتِضَاءً لِرَفْعِ الْعَمَلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَكَانَ ما يَسْتَلْزِمُهُ غَيْرَ صَحِيحٍ. إِلَّا أَنَّ هُنَا نَظَرًا1، وَهُوَ أَنَّ التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ، فَلَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ فِي صَلَاةِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ كَالْمَشَقَّةِ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ، وَلَا الْمَشَقَّةُ فِي الصَّلَاةِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الصِّيَامِ، وَلَا الْمَشَقَّةُ فِي الصِّيَامِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الْحَجِّ، وَلَا الْمَشَقَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْمَشَقَّةِ فِي الْجِهَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ التَّكْلِيفِ، وَلَكِنَّ كُلَّ عَمَلٍ فِي نَفْسِهِ لَهُ مَشَقَّةٌ مُعْتَادَةٌ فِيهِ تُوَازِي مَشَقَّةَ مِثْلِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ، فَلَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْمُعْتَادِ عَلَى الْجُمْلَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْأَعْمَالَ الْمُعْتَادَةَ2 لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ فِيهَا تجري على وزان واحد، في

_ 1 هذا هو محل الفائدة من هذه المسألة، يحقق فيه أن المشقة المعتادة نسبية يحتاج فهمها إلى دقة نظر بالنسبة لكل عمل في ذاته، حتى لا تختلط أنواع المشقات، فتختلط الأحكام المترتبة عليها. "د". قلت: انظر في حدود المشقة: "الذخيرة" للقرافي "1/ 340- ط دار الغرب". 2 أي: من أعمال التكليف بدليل سابقه ولاحقه. "د".

كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَيْسَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ1 يُسَاوِي إِسْبَاغَهُ فِي الزَّمَانِ الْحَارِّ، وَلَا الْوُضُوءُ مَعَ حَضْرَةِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فِي اسْتِقَائِهِ يُسَاوِيهِ مَعَ تَجَشُّمِ طَلَبِهِ أَوْ نَزْعِهِ مِنْ بِئْرٍ بَعِيدَةٍ، وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ إِلَى الصَّلَاةِ مِنَ النَّوْمِ فِي قِصَرِ اللَّيْلِ أَوْ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ، مَعَ فِعْلِهِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّه فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ 2 جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [الْعَنْكَبُوتِ: 10] بَعْدَ قَوْلِهِ: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 2] إِلَى آخِرِهَا. وَقَوْلِهِ: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الْأَحْزَابِ: 10-11] . ثُمَّ مَدَحَ اللَّهُ مَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَصَدَقَ فِي وَعْدِهِ بِقَوْلِهِ: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الْأَحْزَابِ: 23] . وَقِصَّةُ3 كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي تَخَلُّفِهِمْ عن غزوة

_ 1 جمع سَبْرة، بفتح، فسكون: وهي الغداة الباردة. "د". 2 أي: فالإيمان قد يستتبع الوفاء بواجباته مشقات وفتنًا يجب الصبر عليها، ولا تعد خارجة عن المعتاد في موضوع الإيمان، وهو من أعمال التكليف، وآية الأحزاب فيها مشقة الجهاد دفاعا عن الدين، وطبيعة الجهاد تقتضي مثل هذه المشقة ولا تكون خارجة عن المعتاد في الجهاد، وإن كانت هي في نفسها شاقة، ومدحهم بالصدق فيما عاهدوا الله عليه يقتضي أن ذلك من لوازم عقد الإيمان، وأنه يلزمه الصبر على المشقات بالجهاد وغيره في سبيل المحافظة عليه. "د". 3 أخرجها البخاري في "صحيحه" "كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، 8/ 113/ رقم 4418"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه 4/ 2120/ رقم 2769"، وأحمد في "المسند" "3/ 454 و456-459"، وأبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب مجانبة أهل الأهواء وبغضهم، 4/ 199/ رقم 4600" مختصرا، وسقتها مع تخريجها في كتابي "الهجر في الكتاب والسنة" "ص157-159".

تَبُوكَ وَمَنْعُ1 رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُكَالَمَتِهِمْ، وَإِرْجَاءُ أَمْرِهِمْ: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} [التَّوْبَةِ: 118] . وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ2 عِنْدَ خَشْيَةِ الْعَنَتِ، ثُمَّ قَالَ: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [النِّسَاءِ: 25] . إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَشَقَّةَ قَدْ تَبْلُغُ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَلَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُعْتَادٌ، وَمَشَقَّتُهُ فِي مثله مِمَّا يُعْتَادُ؛ إِذِ الْمَشَقَّةُ فِي الْعَمَلِ الْوَاحِدِ لَهَا طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ، طَرَفٌ أَعْلَى بِحَيْثُ لَوْ زَادَ شَيْئًا لَخَرَجَ3 عَنِ الْمُعْتَادِ، وَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَطَرَفٌ أَدْنَى بِحَيْثُ لَوْ نَقَصَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَشَقَّةٌ تُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَوَاسِطَةٌ هِيَ الْغَالِبُ وَالْأَكْثَرُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَثِيرٌ مِمَّا يَظْهَرُ بِبَادِئِ الرَّأْيِ مِنَ الْمَشَقَّاتِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ لَا4 يَكُونُ كَذَلِكَ لِمَنْ كَانَ عَارِفًا بِمَجَارِي الْعَادَاتِ، وَإِذَا لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الْمُعْتَادِ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي رَفْعِهَا، كَسَائِرِ الْمَشَقَّاتِ الْمُعْتَادَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْعَادَةِ فَلَا يَكُونُ فِيهَا رُخْصَةٌ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَوْضِعُ مشتبها فيكون محلا للخلاف5.

_ 1 ربما يقال: إن هذا ليس تكليفا لهم، ولكنه نوع من العقوبة؛ لأن غيرهم هو الذي كلف بهجرهم، ولم يكلفوا إلا بهجر نسائهم في آخر المدة تقريبا، وليس هذا من المشقات التي يتوهم فيها الخروج عن المعتاد، فما هو الذي كان يمكنهم فعله ليخلصوا من عقوبة الهجر فلم يفعلوه؟ "د". 2 أي: المشقة في عدم إباحة التزوج بهن إلا عند بلوغ الأمر خوف الزنا، أما ما قبل ذلك من شدة الداعية إلى النكاح، فلا يعتد به وإن كان مشقة، ومع وجود المشقة التي اعتبرت هنا في الرخصة، فقد ندب إلى الصبر عند نكاحهن، فدل على أن المشقة في هذا الباب تقدر بحسبها فيه، لا بحسب نسبتها إلى المشقات في الأبواب الأخرى. "د". 3 في الأصل: "يخرج". 4 في "ط": "ولا". 5 في "ط": "محل خلاف".

فَحَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التَّوْبَةِ: 41] ، ثُمَّ قَالَ: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التَّوْبَةِ: 39] ، كَانَ هَذَا مَوْضِعَ شِدَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا رُخْصَةَ أَصْلًا فِي التَّخَلُّفِ، إِلَّا أَنَّهُ بِمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ مَحْمُولٌ عَلَى أَقْصَى الثِّقَلِ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادَةِ، بِحَيْثُ يَتَأَتَّى النَّفِيرُ وَيُمْكِنُ الْخُرُوجُ، وَقَدْ كَانَ اجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمْرَانِ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَبُعْدُ الشُّقَّةِ، زَائِدًا عَلَى مُفَارَقَةِ الظِّلَالِ، وَاسْتِدْرَارِ الْفَوَاكِهِ وَالْخَيْرَاتِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ زَائِدٌ فِي مَشَقَّةِ الْغَزْوِ زِيَادَةً ظَاهِرَةً، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ لَهَا عَنِ الْمُعْتَادِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ، فَكَذَلِكَ أَشْبَاهُهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [مُحَمَّدٍ: 31] . وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ: 78] : إِنَّمَا ذَلِكَ سَعَةُ الْإِسْلَامِ؛ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ1. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَا أُحِلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ2. وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّهُ جَاءَ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَرَجِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتُمُ الْعَرَبَ؟! [فَسَأَلُوهُ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: أَوَلَسْتُمُ الْعَرَبَ؟!] ثُمَّ قال: ادع رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَالَ [لَهُ] : مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ؟ قَالَ: الْحَرَجَةُ مِنَ الشَّجَرِ مَا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ذَلِكَ الْحَرَجُ؛ ما لا مخرج له3.

_ 1 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "17/ 205-206"، وقال ابن العربي في "أحكامه" "3/ 1305" قبله: "وثبت صحيحا عن ابن عباس". قلت: وجاء في الأصل و"خ": ".... ولا مخرج". 2 ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" "3/ 1305". 3 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "17/ 206" بنحوه، وذكره ابن العربي في "أحكامه" "3/ 1304-1305" بحرفه ونصه.

فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الْحَرَجَ مَا لَا مَخْرَجَ لَهُ، وَفَسَّرَ رَفْعَهُ بِشَرْعِ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَأَصْلُ الْحَرَجِ الضِّيقُ، فَمَا كَانَ مِنْ مُعْتَادَاتِ الْمَشَقَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ الْمُعْتَادِ مِثْلُهَا، فَلَيْسَ بِحَرَجٍ لُغَةً وَلَا شَرْعًا، كَيْفَ وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْحَرَجِ وُضِعَ لِحِكْمَةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ وَهِيَ التَّمْحِيصُ وَالِاخْتِبَارُ حَتَّى يَظْهَرَ فِي الشَّاهِدِ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ فِي الغائب1، فقد تبين إذن مَا هُوَ مِنَ الْحَرَجِ مَقْصُودُ الرَّفْعِ، وَمَا لَيْسَ بِمَقْصُودِ الرَّفْعِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "إِذَا كَانَ الْحَرَجُ فِي نَازِلَةٍ عَامَّةٍ فِي النَّاسِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ، وَإِذَا كَانَ خَاصًّا لَمْ يُعْتَبَرْ عِنْدَنَا، وَفِي بَعْضِ أُصُولِ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارُهُ"2 انْتَهَى مَا قَالَ. وَهُوَ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنَّهُ إِنْ عَنَى بِالْخَاصِّ الْحَرَجَ الَّذِي فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُعْتَادِ، فَالْحُكْمُ كَمَا قَالَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُعْتَادِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَادَ لَا إِسْقَاطَ فِيهِ، وَإِلَّا؛ لَزِمَ فِي أَصْلِ التَّكْلِيفِ، فَإِنْ تُصُوِّرَ وُقُوعُ اخْتِلَافٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحَرَجَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْتَادِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْخَارِجِ عَنِ الْمُعْتَادِ، لَا أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَأَيْضًا، فَتَسْمِيَتُهُ خَاصًّا يُشَاحُّ فِيهِ، فَإِنَّهُ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ عَامٌّ غَيْرُ خاص، إذ

_ 1هذا كالتفسير لكل آية وقع فيها تعليل التكليف بعلم الله نحو: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} وصفوة المقال أن الله يعلم السرائر كما يلعم ما سيكون؛ إذ العلم يتعلق بالمعدوم وبالموجود، وإنما يضع التكاليف؛ لتنكشف سريرة العبد حيث إن الجزاء إنما يترتب على ما يقع، كما أن الأحكام إنما تجري على حسب ما يظهر للعيان، فيرجع التعليل بالعلم إلى التعليل بما يلزمه العلم، وهو التبين أو الانكشاف، ويكون المعنى؛ ليتعلق به علمنا موجودا ظاهرا. "خ". 2 أحكام القرآن" "3/ 1306".

لَيْسَ مُخْتَصًّا بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى التَّعْيِينِ دُونَ بَعْضٍ. وَإِنْ عَنَى بِالْحَرَجِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَمِنْ جِنْسِ مَا تَقَعُ فِيهِ الرُّخْصَةُ وَالتَّوْسِعَةُ، فَالْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ فِيهِ أَيْضًا مِمَّا يُشْكَلُ فَهْمُهُ، فَإِنَّ السَّفَرَ مَثَلًا سَبَبٌ لِلْحَرَجِ مَعَ تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ التَّخْفِيفُ، فَهَذَا عَامٌّ، وَالْمَرَضُ قَدْ شُرِعَ فِيهِ التَّخْفِيفُ وَهُوَ لَيْسَ بِعَامٍّ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسُوغُ التَّخْفِيفُ فِي كُلِّ مَرَضٍ؛ إِذْ مِنَ الْمَرْضَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِكْمَالِ الصَّلَاةِ قائما أو قاعدا، ومنه مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ، فَهَذَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي نَفْسِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ شُرِعَ فِيهِ التَّخْفِيفُ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَاصٌّ، وَلَكِنْ لَا يُخَالِفُ فِيهِ مَالِكٌ الشَّافِعِيَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا جَعَلُوا هَذَا مِنَ الْحَرَجِ الْعَامِّ عِنْدَ تَقْيِيدِ الْمَرَضِ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحَرَجُ غَيْرُ الْمُعْتَادِ، فَيَرْجِعُ إِذْ ذَاكَ إِلَى قِسْمِ الْعَامِّ، وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ مَالِكٌ الشَّافِعِيَّ أَيْضًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصْعُبُ تَمْثِيلُ الْخَاصِّ، وَإِلَّا؛ فَمَا مِنْ حَرَجٍ يُعَدُّ1 أَنْ يَكُونَ لَهُ تَخْفِيفٌ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقٍ أَوْ بِاخْتِلَافٍ إِلَّا وَهُوَ عَامٌّ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ فِي الْوُجُودِ إِلَّا فَرْدٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ التَّشْرِيعُ لَهُ وَحْدَهُ أَوْ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الشَّرِيعَةِ إِلَّا مَا اخْتُصَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خُصَّ بِهِ أحد أَصْحَابِهِ، كَتَضْحِيَةِ أَبِي بُرْدَةٍ بِالْعِنَاقِ الْجَذَعَةِ2 وَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ3 فَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِ النُّبُوَّةِ دُونَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ مَا كَانَ عَامًّا لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ، وَمَا كَانَ خَاصًّا4 بِبَعْضِ الْأَقْطَارِ، أَوْ بَعْضِ الْأَزْمَانِ، أو بعض الناس، وما أشبه

_ 1 في "ط": "يقدر". 2 كما سيأتي "ص410"، وهناك تخريجه. 3 كما سيأتي "ص469"، وهناك تخريجه. 4 مثل له بعضهم بالمسافر ينقطع عن رفقته ومعه تبر، فيأتي دار الضرب بتبره ويأخذ منها دنانير بقدر ما يتخلص من تبره ويعطيهم أجرة الضرب، قال: وقد أجازها مالك مع انها مصلحة جزئية في شخص معين وحالة معينة. ا. هـ. وهذا غير ظاهر؛ لأن كل مسافر هذه حاله فحكمه هكذا، كما يشير إليه قول المؤلف: "فَإِنَّ الْحَرَجَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّوْعِ أَوِ الصِّنْفِ عام في ذلك الكلي..... إلخ". "د".

ذَلِكَ1. فَالْجَوَابُ: إِنَّ هَذَا أَيْضًا مِمَّا يُنْظُرُ فِيهِ، فَإِنَّ الْحَرَجَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّوْعِ أَوِ الصِّنْفِ عَامٌّ فِي ذَلِكَ الْكُلِّيِّ لَا خَاصٌّ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخَاصِّ مَا كَانَ الْحَرَجُ فِيهِ خَاصًّا بِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ الْمُعَيَّنِينَ، أَوْ بَعْضِ الْأَزْمَانِ الْمُعَيَّنَةِ، أَوِ الْأَمْكِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي زَمَانِ النُّبُوَّةِ، أَوْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، كَنَهْيِهِ2 عَنِ ادِّخَارِ لحوم الأضاحي زمن الدافة3، وكتخصيص الكعبة

_ 1 استعمل الأصوليون الكلية والجزئية بهذا المعنى في بحث المصالح التي قد ترجع إلى نوع المشاق، وفسروا الجزئية بما يعرض لبعض الناس أو في حالة مخصوصة، وذكروا الخلاف في حكمها، غير أن المعروف في المذهب المالكي اعتبارها، ومن أمثلتها المسافر يعجله السفر، فيأتي دار الضرب بتبره، فيعطيهم أجرة الضرب، ويأخذ منهم دنانير بمقدار ما يخلص من تبره، وقد أجاز الإمام مالك هذه الصورة لضرورة الانقطاع عن الرفقة، قال الزركشي في "البحر المحيط": ولكنها مصلحة جزئية بالنسبة إلى شخص معين وحالة معينة"."خ". 2 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء 3/ 1651/ رقم 1971" بسنده إلى عبد عبد الله بن واقد، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دَفَّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا ثلاثا، ثم تصدقوا بما بقي". فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله! إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويحملون منها الودك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟ ". قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا، وتصدقوا". 3 في حاشية الأصل: "الدافة، بالدال المهملة، وتشديد الفاء: "الجماعة الذين يسيرون سيرا خفيفا، وقد ورد منهم على المدينة في زمنه عليه السلام، فنهى الناس عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ثم أباح ذلك بعد، وقال لما سئل عن النهي إنه من أجل الدافة، أي: لأنهم إذا نهوا عن الإدخار جاءوا به على أولئك القوم الوافدين وأطعموا منه" ا. هـ. وكتب "د" ما نصه: "الدافة: قوم من الأعراب يردون المصر، وقد نهي عن الادخار حينذاك ليأكل هؤلاء القادمون منها.

بِالِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ [بِمَا اشْتُهِرَ مِنْ فَضْلِهَا] 1 عَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، فَتَصَوُّرُ مِثْلِ هَذَا2 فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ غَيْرُ متأتٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَفِي النَّوْعِ أَوِ الصِّنْفِ خُصُوصٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَوْعٌ أَوْ صِنْفٌ دَاخِلٌ تَحْتَ جِنْسٍ شَامِلٍ لَهُ وَلِغَيْرِهِ3. قِيلَ وَفِيهِ أَيْضًا عُمُومٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ شَامِلًا لِمُتَعَدِّدٍ لَا يَنْحَصِرُ فَلَيْسَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ الْخُصُوصُ أَوْلَى بِهِ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْعُمُومُ، بَلْ جِهَةُ الْعُمُومِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهَا كُلِّيٌّ، بِحَيْثُ لَوْ لَحِقَ نَوْعًا آخَرَ أَوْ صِنْفًا آخَرَ لَلَحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ، فَنِسْبَةُ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوِ الصِّنْفِ إِلَى سَائِرِ الْأَنْوَاعِ أَوِ الْأَصْنَافِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ نِسْبَةُ بَعْضِ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ فِي لُحُوقِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ إِلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي بَعْضِهَا ثَبَتَ فِي الْبَعْضِ، وَإِنْ سَقَطَ سَقَطَ فِي الْبَعْضِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ، فَمَسْأَلَتُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهَا كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلُ التَّغَيُّرِ اللَّاحِقِ لِلْمَاءِ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَهُوَ عَامٌ، كَالتُّرَابِ وَالطُّحْلُبِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، أَوْ خَاصٌّ كَمَا إِذَا كَانَ عَدَمُ

_ 1 جاء في الأصل ما بين المعقوفتين بعد عبارة: "سائر المساجد". 2 أي: فخصوص مثل الخصوص في هذه الأمثلة التي أشار إليها لا يعقل هنا في كلام ابن العربي، فلا يمكن حمل الخصوص في كلامه عليه وغرضه بكثرة الاحتمالات التي يطرقها ثم ينفيها أخذ الطريق على ابن العربي في جملته هذه. "د". 3 في "ط": "أو لغيره".

الِانْفِكَاكِ خَاصًّا بِبَعْضِ الْمِيَاهِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ سَاقِطٌ لِعُمُومِهِ، وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِخُصُوصِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ: هَلْ هُوَ طَهُورٌ أَمْ لَا؟ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ خَاصٌّ، وَكَالتَّغَيُّرِ بِتَفَتُّتِ الْأَوْرَاقِ فِي الْمِيَاهِ خُصُوصًا فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ1 إِنْ كَانَ عَامًا سَقَطَ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَفِيهِ خِلَافٌ، كَمَا إِذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ أَوْ مِنَ السُّودَانِ أَوْ مِنَ الْبِيضِ أَوْ كُلُّ بِكْرٍ أَتَزَوَّجُهَا أَوْ كُلُّ ثَيِّبٍ وَمَا أَشْبَهَ2 ذَلِكَ، فَهِيَ طَالِقٌ، وَمِثْلُهُ كُلُّ أَمَةٍ اشْتَرَيْتُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَصْدِ الْوَطْءِ مِنَ الْخَاصِّ3، كَمَا لَوْ قَالَ: كُلُّ حُرَّةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى قَصْدِ مُطْلَقِ الْمِلْكِ مِنَ الْعَامِ فَيَسْقُطُ، فَإِنْ قَالَ فِيهِ: كُلُّ أَمَةٍ اشْتَرَيْتُهَا مِنَ السُّودَانِ كَانَ خَاصًّا، وَجَرَى فِيهِ الْخِلَافُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُمْكِنٌ، وَهُوَ أَقْرَبُ مَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ، إِلَّا أَنَّ نَصَّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْبَاهِهَا عَنْ مَالِكٍ بِعَدَمِ الِاعْتِبَارِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ بِالِاعْتِبَارِ يَجِبُ أَنَّ يُحَقَّقَ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ وَفِي غيرها بالنسبة إلى علم الفقه4، لا

_ 1 في حاشية الأصل: "انظر هذا، فإن حمل مسألة الطلاق قبل الملك على عموم الحرج وخصوصه يقتضي أن سبب خلاف الإمامين مراعاة الحرج وعدمه وليس كذلك، وإنما سبب الخلاف مراعاة الملك التقديري في الخاص عند مالك وعدم مراعاته مطلقا عن الشافعي، كذا قيل، وفيه نظر، والصواب ما عند المصنف، فإن مالكا اعتبر الملك التقديري في الخاص لعموم الحرج أو غلبته فيه وإلا فلا فرق، فلو كان....". 2 في الأصل: "أو". 3 لأنه له نكاح غير الإماء، أما الملك فلا يكون لغير الإمام، وقد عمم الحرج بهذه الصيغة، فوسع عليه بإسقاط ما تقتضيه تلك الضيغة، فله أن يملك الإماء، ولكن ليس له نكاحهن، عملا بالعموم في الأول، والخصوص في الثاني. "د". 4 أي: فالخلاف بالاعتبار وعدمه في المذهبين يكون من الخلاف في الفروع لا في الأصول، ولكن ابن العربي نقله على أنه خلاف في الأصول كما هو صريح عبارته، يقول المؤلف: إذا ثبت هذا الخلاف الذي يعزوه ابن العربي إلى المذهبين، كان المراد به ما شرحه المؤلف في هذا الوجه، وكان مقتضى قواعد الأصولية مصححا له لكن على أنه نظر فقهي لا أصولي. "د"

بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَظَرِ الْأُصُولِ، إِلَّا أَنَّهُ1 إِذَا ثَبَتَ الْخِلَافُ، فَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا2 وَالنَّظَرُ الْأُصُولِيُّ يَقْتَضِي مَا قَالَ، فَإِنَّ الْحَرَجَ الْعَامَّ هُوَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ فِي الِانْفِكَاكِ عَنْهُ، كَالْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ، فَلَيْسَ بِحَرَجٍ عَامٍ بِإِطْلَاقٍ، إِلَّا أَنَّ الِانْفِكَاكَ عَنْهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ حَرَجٌ آخَرُ وَإِنْ كَانَ أَخَفُّ؛ إِذْ لَا يطَّرد الِانْفِكَاكُ عَنْهُ دُونَ مَشَقَّةٍ؛ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ. وأيضا، فكما لا يطَّرد الانفكاك عند دُونَ مَشَقَّةٍ كَذَلِكَ لَا يطَّرد مَعَ وُجُودِهَا، فَكَانَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ذَا نَظَرَيْنِ، فَصَارَتِ الْمَسْأَلَةُ ذَاتَ طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةٍ: الطَّرَفُ الْعَامُّ الَّذِي لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ، وَيُقَابِلُهُ طَرَفٌ خَاصٌّ يطَّرد الِانْفِكَاكُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ كَتَغَيُّرِ هَذَا الْمَاءِ بِالْخَلِّ وَالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهُ، وَوَاسِطَةٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ هِيَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، والله أعلم.

_ 1 في الأصل و"خ": "لأنه". 2 في "ط": "ها هنا".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّرِيعَةُ جَارِيَةٌ فِي التَّكْلِيفِ بِمُقْتَضَاهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْوَسَطِ الْأَعْدَلِ، الْآخِذِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ بِقِسْطٍ لَا مَيْلَ فِيهِ، الدَّاخِلِ تَحْتَ كَسْبِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ عَلَيْهِ وَلَا انْحِلَالٍ، بَلْ هُوَ تَكْلِيفٌ جارٍ عَلَى مُوَازَنَةٍ تَقْتَضِي فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ غَايَةَ الِاعْتِدَالِ، كَتَكَالِيفِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَالزَّكَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ، أَوْ لِسَبَبٍ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ العلم بطريق العمل، كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 215] . {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [الْبَقَرَةِ: 219] . وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ التَّشْرِيعُ لِأَجْلِ انْحِرَافِ الْمُكَلَّفِ، أَوْ وُجُودِ مَظِنَّةِ انْحِرَافِهِ عَنِ الْوَسَطِ إِلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، كَانَ التَّشْرِيعُ رَادًّا إِلَى الْوَسَطِ الْأَعْدَلِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَمِيلُ فِيهِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ؛ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدَالُ فِيهِ، فِعْلَ الطَّبِيبِ الرَّفِيقِ [أَنْ] 1 يَحْمِلَ الْمَرِيضَ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُ بِحَسَبِ حَالِهِ وَعَادَتِهِ، وَقُوَّةِ مَرَضِهِ وَضَعْفِهِ، حَتَّى إِذَا اسْتَقَلَّتْ صِحَّتُهُ هَيَّأَ لَهُ طَرِيقًا فِي التَّدْبِيرِ وَسَطًا لَائِقًا بِهِ2 فِي جميع أحواله. أولا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ النَّاسَ3 فِي ابتداء التكليف خطاب

_ 1 زيادة ما بين المعقوفتين من الأصل فقط. 2 في "ط" "فيه". 3 الترتيب في ذاته صحيح، وأنه تعالى بدأ بإرشاد الخلق وإنارة عقولهم بالحقائق المتعلقة بخلقهم، وبث النعم في هذه الوجود لأجلهم، ولم يصل إلى تكليفهم بعد أصل الإيمان والكليات التي سيشير إليها المؤلف في الكتاب عند الكلام على التكاليف المكية والمدنية، إلا بعد بيانات وإرشادات وإعدادات للعقول إلى فهم هذه التكاليف، هذا مفهوم، ولكن غير المفهوم استشهاده بالآية الأولى وجعلها مما أنزل في ابتداء التكليف مع أنها مدنية، وكان يمكنه أن يجد ما اشتملت =

التَّعْرِيفِ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي بَثَّهَا فِي هَذَا الْوُجُودِ لِأَجْلِهِمْ، وَلِحُصُولِ مَنَافِعِهِمْ وَمَرَافِقِهِمْ الَّتِي يَقُومُ بِهَا عَيْشُهُمْ، وَتَكْمُلُ بِهَا تَصَرُّفَاتُهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 22] . وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إِبْرَاهِيمَ: 32-34] . وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النَّحْلِ: 10] . إِلَى آخِرِ مَا عَدَّ لَهُمْ مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ وُعِدُوا عَلَى ذَلِكَ بِالنَّعِيمِ إِنْ آمَنُوا، وَبِالْعَذَابِ إِنْ تَمَادَوْا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَلَمَّا عَانَدُوا وَقَابَلُوا النِّعَمَ بِالْكُفْرَانِ، وَشَكُّوا فِي صِدْقِ مَا قِيلَ لَهُمْ، أُقِيمَتْ عَلَيْهِمْ الْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ بِصِدْقِ مَا قِيلَ لَهُمْ وَصِحَّتِهِ فَلَمَّا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا؛ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْعَاجِلَةِ، أخبروا

_ = عليه في آيات مكية، كقوله تعالى في سورة غافر: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} إلخ، وفي سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} إلخ، وكالآية الثانية التي ذكرها من سورة إبراهيم؛ لأنها مكية، ثم قوله بعد: فلما عاندوا، أقيمت عليهم البراهين القاطعة، أي: وذلك في آيات مكية أيضا كما في سورة ق، انظر [كتاب الفوائد" "ص5-18" و"التبيان" "425-426" كلاهما" لابن القيم في الاستدلال بها على البعث وقدرة الله، وقوله: "فلما لم يلتفتوا إليها، أُخبِروا بحقيقتها، وضربت لهم الأمثال"، كما في الآيتين بعده وهما مكيتان ولو كان بدلهما مدني لما أضر بترتيبه، ولا ينافي هذا كله أن تكون هذه المعاني في المواطن الثلاثة وجدت أيضا في السور المدنية من باب التوكيد والتقرير، إلا أنه يبقى الكلام في أن هذه الآيات التي اختارها في المعاني الثلاثة مرتبة في النزول حسبما جاء في ترتيبه هو، فعليك بمراجعة تواريخها في النزول؛ لتعرف هل يتم له تقريره في هذا الترتب؟ "د".

بِحَقِيقَتِهَا، وَأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ كلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا زَائِلَةٌ فَانِيَةٌ. وَضُرِبَتْ لَهُمُ الْأَمْثَالُ فِي ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} الآية [يونس: 24] . وقوله: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} 1 [إلى آخر الآية] [الحديد:20] . وَقَوْلِهِ: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الْحَدِيدِ: 20] . وَقَوْلِهِ: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 64] . بَلْ لَمَّا آمَنَ النَّاسُ وَظَهَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ في الدنيا رغبة رُبَّمَا أَمَالَتْهُ عَنِ الِاعْتِدَالِ فِي طَلَبِهَا أَوْ نَظَرًا2 إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهَرَاتِ الدُّنْيَا" 3. وَلَمَّا4 لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ وَلَا مَظِنَّتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الْأَعْرَافِ: 32] . وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] .

_ 1 في "ط" بعدها: {وَزِينَةَ} . 2 يعني: وأنه مظنة لذلك كما أشار إليه سابقا. "د". 3 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها 11/ 244/ رقم 6427" من حديث أبي سعيد مرفوعا، "إن أكثر مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ". قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الْأَرْضِ؟ قال: "زهرة الدنيا"، وذكر أشياء، منها ما تقدم عند المصنف "1/ 177". 4 المراد من كلام المؤلف في مثل هذا أنه قال هذا في مقام كذا، وقال ذلك في مقام كذا، لا أن هناك في الخارج هذا الترتيب، وإلا؛ فالحديث قاله صلى الله عليه وسلم على المنبر في المدينة، والآية في الأعراف وهي مكية، وكذا الآية الثانية في المؤمنون المكية "د".

وَوَقْعَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ النَّهْيُ عَنِ الظُّلْمِ1، وَالْوَعِيدُ فِيهِ وَالتَّشْدِيدُ، وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} 2 [فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَنَزَلَ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لُقْمَانَ: 13] فَخَفَّفَ عَنْهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ قَلِيلَ الظُّلْمِ وَكَثِيرَهُ منهيٌّ عَنْهُ، لَكِنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ مُطْلَقَ الظُّلْمِ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْأَمْنُ فِي الْآخِرَةِ وَالْهِدَايَةُ؛ لِقَوْلِهِ: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ] أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الْأَنْعَامِ: 82] . وَلَمَّا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمن خَانَ" 3، شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ إِذْ لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَفَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ حِينَ أَخْبَرُوهُ بِكَذِبٍ وَإِخْلَافٍ وَخِيَانَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِأَهْلِ الْكُفْرِ4. وَكَذَلِكَ لَمَّا5 نَزَلَ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الْآيَةَ [البقرة: 284] شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . وَقَارَفَ6 بَعْضُهُمْ بِارْتِدَادٍ أَوْ غَيْرِهِ وَخَافَ أَنْ لَا يُغْفَرَ لَهُ، فَسُئِلَ في ذلك

_ 1 أي: المطلق الشامل لشرك وغيره من المعاصي. "د". 2 المعروف أن الظلم في الآية هو الشرك كما ورد تفسيره في الحديث بآية: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ، ولو رجع قوله: "شق ذلك عليهم" للآية والحديث، وزاد كلمة: "بظلم" قبل قوله: "بكذب" لكان جيدا، وبغير هذا لا يكون لذكر آية الظلم موقع، وفي الواقع هي والحديث بعدها من وادٍ واحد في أنها لما نزلت شق عليهم، ففسرت بما يخفف وقعها عليهم، حيث قالوا: أينا لم يظلم؟ أو نحوه، والتفسير أن رُد إلى الطريق الأعدل. "د" "استدراك5". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" كتاب الإيمان، باب علامة المنافق 1/ 89/ رقم 23 ومسلم في "صحيحه" كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق 1/78/ رقم 59"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الإيمان، باب ما جاء في علامة المنافق/ رقم 2623"، النسائي في "المجتبى" "كتاب الإيمان باب علامة المنافق 8/ 117". 4 ستأتي هذه التتمة في "3/ 402". 5 مضى تخريجه "ص210، وهو صحيح. 6 في "خ": "قارن".

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ1 اللَّهُ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الْآيَةَ [الزُّمَرِ: 53] .

_ 1 أخرج ابن إسحاق في "السيرة" -كما في "سيرة ابن هشام" "1/ 475"، ومن طريقه أبو بكر النجاد في "مسند عمر" "ق 124/ أ-ب"، والبزار في "البحر الزخار" "1/ 258-260 / رقم 155"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 435"، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي- وابن جرير في "التفسير" "24/ 11"، قال: حدثني نافع عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب قال: لما اجتمعنا للهجرة اعتدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاصي الميضأة ميضأة بنى غفار، فوق سرف وقلنا: أيكم لم يصبح عندها فقد احتبس، فلينطلق صاحباه، فحبس عنا هشام بن العاص، فلما قدمنا المدينة فنزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا المدينة فكلماه، فقالا له: إن أمك نذرت أن لا تمس رأسها بمشط حتى تراك فَرَقَّ لها، فقلت له: يا عياش1 إنه والله إن يريدك القوم إلا عن دينك فاحذرهم فوالله لو قد أذى أمك القمل لقد امتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة- أحسبه قال: لاستظلت- فقال: إن لي هناك مالا فأخذه. قال: قلت والله إنك لتعلم أني من أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال: فأبى عليَّ ألا أن يخرج معهما. فقلت لما لما أبى عليَّ: أما إذ فعلت ما فعلت: فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب، فانج عليها. فخرج معهما عليها حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال أبو جهل ابن هشام: والله لقد استبطأت بعيري هذا أفلا تحملني على ناقتك هذه؟ قال: بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عديا عليه وأوثقاه ثم أدخلاه مكة وفتناه فافتتن. قال: وكنا نقول: والله لا يقبل الله ممن افتتن صرفا ولا عدلا، ولا تقبل توبة قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا لهم وقولهم لأنفسهم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} إلى قوله: {وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} ، قال عمر: فكتبتها في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص، قال هشام: فلم أزل أقرؤها بذي طول أصعد بها فيه حتى فهمتها. قال: فألقي في نفسي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت، فجلست على بعيري، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة". قال البزار عقبه: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر، ولا نعلم روي عن عمر متصلا إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد". قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، فيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وقد صرح بالتحديث.

وَلَمَّا ذَمَّ الدُّنْيَا وَمَتَاعَهَا، همَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَبَتَّلُوا وَيَتْرُكُوا النِّسَاءَ وَاللَّذَّةَ وَالدُّنْيَا، وَيَنْقَطِعُوا إِلَى الْعِبَادَةِ، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" 1. وَدَعَا لِأُنَاسٍ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ بَعْدَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التَّغَابُنِ: 15] ، وَالْمَالُ وَالْوَلَدُ هِيَ الدُّنْيَا2، وَأَقَرَّ الصَّحَابَةَ عَلَى جَمْعِ الدُّنْيَا وَالتَّمَتُّعِ بِالْحَلَالِ مِنْهَا، وَلَمْ يُزَهِّدْهُمْ وَلَا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِهَا، إِلَّا عِنْدَ ظُهُورِ حِرْصٍ أَوْ وُجُودِ مَنْعٍ مِنْ حَقِّهِ، وَحَيْثُ تَظْهَرُ مَظِنَّةُ مُخَالَفَةِ التَّوَسُّطِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ، فَلَا. وَمِنْ غَامِضِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَمَّا يُجَازِي بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ جَزَاءٌ لِأَعْمَالِهِمْ، فَنَسَبَ إِلَيْهِمْ3 أَعْمَالًا وَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السَّجْدَةِ: 17] . وَنَفَى الْمِنَّةَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} 4 [التِّينِ: 6] . فَلَمَّا منُّوا بِأَعْمَالِهِمْ قَالَ تَعَالَى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الْحُجُرَاتِ: 17] . فَأَثْبَتَ الْمِنَّةَ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا هُوَ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْطَعُ حَقٍّ، وَسَلَبَ5.

_ 1 مضى تخريجه "1/ 522". 2 أي: التي قد ذمها: "د". 3 في "ط": "لهم". 4 جارٍ على أن المعنى غير ممنون به، وأكثر المفسرين على تفسيره بأنه غير مقطوع. "د". 5 فلم يضف العمل لهم، بل أضافه لنفسه ومَنَّ به عليهم بخلاف غيرهم، فإنه أضافه لهم وسلب المنة فيه عنهم. "د".

عَنْهُمْ مَا أَضَافَ إِلَى الْآخَرِينَ، بِقَوْلِهِ: {أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الْحُجُرَاتِ: 17] ، كَذَلِكَ أَيْضًا، أَيْ فَلَوْلَا الْهِدَايَةُ لَمْ يَكُنْ مَا مَنَنْتُمْ بِهِ، وَهَذَا يُشْبِهُ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ حَدِيثَ شِرَاجِ1 الْحَرَّةِ حِينَ تَنَازَعِ فِيهِ الزُّبَيْرُ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ -فَأْمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ- وَأَرْسِلَ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ": فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنْ كَانَ ابْنُ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ"، وَاسْتَوْفَى لَهُ حَقَّهُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: {فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية [النساء: 65] 2. وَهَكَذَا تَجِدُ الشَّرِيعَةَ أَبَدًا فِي مَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا. وَعَلَى نَحْوٍ مَنْ هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي الطَّبِيبُ الماهر، يعطي الغذاء ابتداء

_ 1 الشراج: جمع شرجة، بفتح، فسكون، وهي مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والحرة: أرض ذات حجارة سود، وهي هنا اسم لمكان خاص قرب المدينة. "د". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب سكر الأنهار 5/ 34/ رقم 2359/ 2360، وكتاب التفسير، باب: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} 8/ 254/ رقم 4585، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم 4/ 1829-1830/ رقم 2357"، والترمذي في "جامعه" "أبواب الأحكام، باب ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء 3/ 644/ رقم 1363، وأبواب التفسير، باب ومن سورة النساء 5/ 238-239/ رقم 3027"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير 1/ 391/ رقم 130"، و"المجتبى" "كتاب آداب القضاة، باب إشارة الحاكم بالرفق 8/ 245"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأقضية، أبواب من القضاء 3/ 315-316/ رقم 3637" وابن ماجه في "السنن" "المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه 1/ 7-8/ رقم 15، وكتاب الرهون، باب الشرب من الأودية ومقدار حبس الماء 2/ 829/ رقم 2480" عن عبد الله ابن الزبير.

عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الِاعْتِدَالُ فِي تَوَافُقِ مِزَاجِ الْمُغْتَذِي مَعَ مِزَاجِ الْغِذَاءِ، وَيُخْبِرُ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْكُولَاتِ الَّتِي يَجْهَلُهَا الْمُغْتَذِي؛ أَهْوَ غِذَاءٌ، أَمْ سُمٌّ، أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَإِذَا أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ بِانْحِرَافِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ، قَابَلَهُ فِي مُعَالَجَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى انْحِرَافِهِ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ؛ لِيَرْجِعَ إِلَى الِاعْتِدَالِ وَهُوَ الْمِزَاجُ الْأَصْلِيُّ، وَالصِّحَّةُ الْمَطْلُوبَةُ، وَهَذَا غَايَةُ الرِّفْقِ، وَغَايَةُ الْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. فَصْلٌ: فَإِذَا نَظَرْتَ فِي كُلِّيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فَتَأَمَّلْهَا تَجِدْهَا حَامِلَةً عَلَى التَّوَسُّطِ، فَإِنْ رَأَيْتَ مَيْلًا إِلَى جِهَةِ طَرَفٍ مِنَ الْأَطْرَافِ، فَذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ وَاقِعٍ أَوْ مُتَوَقَّعٍ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ. فَطَرَفُ التَّشْدِيدِ -وَعَامَّةُ مَا يَكُونُ فِي التَّخْوِيفِ وَالتَّرْهِيبِ وَالزَّجْرِ- يُؤْتَى بِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الِانْحِلَالُ فِي الدِّينِ. وَطَرَفُ التَّخْفِيفِ -وَعَامَّةُ مَا يَكُونُ فِي التَّرْجِيَةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْخِيصِ- يُؤْتَى بِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَرَجُ فِي التَّشْدِيدِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا وَلَا ذَاكَ رَأَيْتَ التَّوَسُّطَ لَائِحًا، وَمَسْلَكَ الِاعْتِدَالِ وَاضِحًا، وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَالْمَعْقِلُ الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَيْتَ فِي النَّقْلِ مِنَ الْمُعْتَبِرِينَ فِي الدِّينِ مَنْ مَالَ عَنِ التَّوَسُّطِ، فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ مُرَاعَاةً مِنْهُ لِطَرَفٍ وَاقِعٍ أَوْ متوقع في الجهة الأخرى1،

_ 1 الميل عن التوسط الصالح لأن يكون علاجا للأنفس إنما يصح في العمل ذي الوجوه الجائزة كالعزيمة والرخصة، أما في الفتوى، فقد سوغ بعض أهل العلم للمجتهد أن ينظر إلى حال المكلف المعين ويأخذ له في الفتوى بقول غيره من الصحابة والتابعين عندما يفهم من حاله أنه إن أفتاه بالقول الراجح في نظره، لم يقبل الفتوى، وأفضت به الاستهانة بأمر الدين إلى اقتحام ما هو أشد من المخالفات، وممن قرر المسألة على هذا الوجه وقصر النظر فيها على المجتهد دون المقلد أبو بكر بن العربي في كتاب "العواصم من القواصم"، ولكنا لم نظفر بدليل يشهد بصحة أن يفتي المجتهد بغير ما يراه القول الحق، وسيمر بك تحقيق هذا في بحث العمل بالقول الراجح. "خ".

وَعَلَيْهِ يَجْرِي النَّظَرُ فِي الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ وَأَشْبَاهِهِمَا، وَمَا قَابَلَهَا. وَالتَّوَسُّطُ يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ1، وَقَدْ يُعْرَفُ بِالْعَوَائِدِ، وَمَا يَشْهَدُ بِهِ مُعْظَمُ الْعُقَلَاءِ كَمَا في الإسراف والإقتار في النفقات.

_ 1 من المفيد أن يعلم أن "الوسط" في نصوص الشرع ليس فقط ما يكون بين شيئين، وإنما جاء بمعنى: العدل الخيار، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] ، والوسطى بمعنى خيرها وأعدلها وأفضلها، وقال تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] ، أي: خيره وأعدله، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] ، أي: خيارا عدولا، والمقصود من ذلك جميعه أن يفهم أن الوسطية في الدين هي الخيرية والعدالة الدينية. انظر: "تنوير الأفهام لبعض مفاهيم الإسلام" "ص51" للشيخ محمد شقرة، و"الحقيقة الشرعية" "174".

النوع الرابع: في بيان قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة

النَّوْعُ الرَّابِعُ: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي دُخُولِ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجَ الْمُكَلَّفِ1 عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ، حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا، كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا2. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النَّصُّ الصَّرِيحُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ خُلِقُوا للتعبد لله، والدخول

_ 1 هذا قصد آخر للشارع من وضع الشريعة غير النوع الأول الذي قرره من أن مقصد الشرع إقامة المصالح الدنيوية والأخروية على وجه كلي، ولا تنافي بين القصدين، إنما المطلوب منك معرفة الفرق بين القصدين، حتى تميز المباحث الخاصة بكل منهما، فالنوع الأول معناه وضع نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة لمن تمسك به، والرابع أن الشارع يطلب من العبد الدخول تحت هذا النظام، والانقياد له لا لهواه، وهكذا تجد مسائل النوع الأول كلها في تفاصيله، وكذلك سائر الأنواع بطريق الاستقراء التام. "د". قلت: ويتضح الفرق جليا بين النوعين من النظر في مباحث كل منهما، ولكن العبارات التي افتتح بها الكلام في كل من النوعين كافية أيضا في التفريق بينهما. 2 نحوه في "الاعتصام" "1/ 434- ط دار المعرفة و1/ 134-135- ط محمد رشيد رضا" للمصنف، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 346-347، 479"، و"المرآة" "1/ 294- بحاشية الإزميري".

تَحْتَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذَّارِيَاتِ: 56-57] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132] . وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 21] . ثُمَّ شَرَحَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ فِي تَفَاصِيلَ السُّورَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 177] . وَهَكَذَا إِلَى تَمَامِ مَا ذُكِرَ فِي السُّورَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقَوْلِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النِّسَاءِ: 36] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْآمِرَةِ بِالْعِبَادِةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِتَفَاصِيلِهَا عَلَى الْعُمُومِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالِانْقِيَادِ إِلَى أَحْكَامِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى التَّعَبُّدِ لِلَّهِ. وَالثَّانِي: مَا دَلَّ عَلَى ذَمِّ مُخَالَفَةِ هَذَا الْقَصْدِ مِنَ النَّهْيِ أَوَّلًا عَنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ، وَذَمِّ من أعرض عن الله، وإيعادهم بالعذاب العادل مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْخَاصَّةِ بِكُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْمُخَالَفَاتِ، وَالْعَذَابِ الْآجِلِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَالِانْقِيَادُ إِلَى طَاعَةِ الْأَغْرَاضِ الْعَاجِلَةِ، وَالشَّهَوَاتِ الزَّائِلَةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ اتِّبَاعَ الْهَوَى مُضَادًّا لِلْحَقِّ، وَعَدَّهُ قَسِيمًا لَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ... الآية [ص: 26] .

وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النَّازِعَاتِ: 37-39] . وَقَالَ فِي قَسِيمِهِ1: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النَّازِعَاتِ: 40-41] . وَقَالَ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجْمِ: 3-4] . فَقَدْ حَصَرَ الْأَمْرَ فِي شَيْئَيْنِ: الْوَحْيِ وَهُوَ الشَّرِيعَةُ، وَالْهَوَى، فَلَا ثَالِثَ لَهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُمَا مُتَضَادَّانِ، وَحِينَ تَعَيَّنَ الْحَقُّ فِي الْوَحْيِ توجَّه لِلْهَوَى ضِدَّهُ، فَاتِّبَاعُ الْهَوَى مُضَادٌّ لِلْحَقِّ. وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الْجَاثِيَةِ: 23] . وَقَالَ: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الْمُؤْمِنُونَ: 71] . وَقَالَ: {الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [مُحَمَّدٍ: 16] . وَقَالَ: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [مُحَمَّدٍ: 14] . وَتَأَمَّلْ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْهَوَى، فَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ وَلِمُتَّبِعِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: "مَا ذَكَرَ اللَّهُ الْهَوَى فِي كِتَابِهِ إِلَّا ذَمَّهُ"1 فَهَذَا كُلُّهُ وَاضِحٌ فِي أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْخُرُوجَ عَنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى والدخول تحت التعبد للمولى.

_ 1 ذكره ابن الجوزي في "ذم الهوى" "ص18"، وعزاه لابن عباس، ولم ينسبه لأحد، ثم وجدته في "الاعتصام" "2/ 688- ط ابن عفان" معزوا لطاوس، قال: "حكى ابن وهب عن طاوس....." "وذكره". وأخرجه الهروي في "ذم الكلام" "ص123" بسنده إلى سليمان الأحول قوله.

وَالثَّالِثُ: مَا عُلِمَ بِالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ لَا تَحْصُلُ مَعَ الِاسْتِرْسَالِ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَالْمَشْيِ مَعَ الْأَغْرَاضِ؛ لِمَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّهَارُجِ1 وَالتَّقَاتُلِ وَالْهَلَاكِ، الَّذِي هُوَ مُضَادٌّ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِالتَّجَارِبِ وَالْعَادَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى ذَمِّ مَنِ اتَّبَعَ شَهَوَاتِهِ، وَسَارَ حَيْثُ سَارَتْ بِهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِمَّنْ لَا شَرِيعَةَ لَهُ يَتْبَعُهَا، أَوْ كَانَ لَهُ شَرِيعَةٌ دَرَسَتْ، كَانُوا يَقْتَضُونَ الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ بِكَفِّ كُلِّ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ فِي النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ2، وَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ إِلَّا لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ، واطِّراد الْعَوَائِدِ بِاقْتِضَائِهِ مَا أَرَادُوا مِنْ إِقَامَةِ صَلَاحِ الدُّنْيَا، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا السِّيَاسَةَ الْمَدَنِيَّةَ، فَهَذَا أَمُرُّ قَدْ تَوَارَدَ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُستدَل عَلَيْهِ3. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى مُقْتَضَى تَشَهِّي الْعِبَادِ وَأَغْرَاضِهِمْ؛ إِذْ لَا تَخْلُو أَحْكَامُ الشَّرْعِ مِنَ الْخَمْسَةِ، أَمَّا الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ، فَظَاهِرٌ مُصَادَمَتُهَا لِمُقْتَضَى الِاسْتِرْسَالِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ؛ إِذْ يُقَالُ لَهُ: "افْعَلْ كَذَا" كَانَ لَكَ فِيهِ غَرَضٌ أَمْ لَا، وَ"لَا تَفْعَلْ كَذَا". كَانَ لَكَ فِيهِ غَرَضٌ أَمْ لَا، فَإِنِ اتَّفَقَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ غَرَضٌ مُوَافِقٌ، وَهَوًى بَاعِثٌ على

_ 1 الهَرْج: القتل والفتنة. 2 أي: من يعد متبعا لهواه بحسب ما يؤدي إليه النظر العقلي عندهم، وقد اطردت العوائد عندهم أن هذا الكف يترتب عليه ما أرادوا من إقامة المصالح. "د". 3 يتفق المصنف في كلامه هذا مع أحداث الآراء الفلسفية التي تُرجع انهيار الحضارات إلى الأهواء الجامحة، كما تراه مثلا في كتاب "منبعا الأخلاق والدين" "ص277" لبرقسون، وسبقه إلى هذا ابن القيم؛ قال في "إعلام الموقعين" "1/ 72": "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم الفساد".

مُقْتَضَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ، فَبِالْعَرْضِ لَا بِالْأَصْلِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْسَامِ -وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الدُّخُولَ تَحْتَ خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّمَا دَخَلَتْ بِإِدْخَالِ الشَّارِعِ لَهَا تَحْتَ اخْتِيَارِهِ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى إِخْرَاجِهَا عَنِ اخْتِيَارِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ وَغَرَضٌ، وَقَدْ لَا يَكُونُ؟ فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَيْسَ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ، بَلْ فِي رَفْعِهِ مَثَلًا، كَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ؟ فَكَمْ مِنْ صَاحِبِ هَوًى يودُّ لَوْ كَانَ الْمُبَاحُ الْفُلَانِيُّ مَمْنُوعًا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وُكِّلَ إِلَيْهِ مَثَلًا تَشْرِيعُهُ لِحَرَّمَهُ، كَمَا يَطْرَأُ لِلْمُتَنَازِعَيْنِ فِي حَقٍّ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ اخْتِيَارَهُ وَهَوَاهُ فِي تَحْصِيلِهِ يَوَدُّ لَوْ كَانَ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ، حَتَّى لَوْ فُرِضَ جَعْلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِأَوْجَبَهُ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْمُبَاحِ بِعَيْنِهِ عَلَى الْعَكْسِ، فَيُحِبُّ الْآنَ مَا يَكْرَهُ غَدًا، وَبِالْعَكْسِ، فَلَا يستتبُّ فِي قَضِيَّةِ حُكْمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَوَارَدُ الْأَغْرَاضُ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَيَنْخَرِمُ النظام بسبب فرض اتِّباع الْأَغْرَاضِ وَالْهَوَى، فَسُبْحَانَ الَّذِي أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] . فإذن، إِبَاحَةُ الْمُبَاحِ مَثَلًا لَا تُوجِبُ دُخُولَهُ بِإِطْلَاقٍ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ، إِلَّا مِنْ حَيْثُ كَانَ قَضَاءً مِنَ الشَّارِعِ، وَإِذْ ذَاكَ يَكُونُ اخْتِيَارُهُ تَابِعًا لِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَغَرَضُهُ مَأْخُوذًا مِنْ تَحْتِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ لَا بِالِاسْتِرْسَالِ الطَّبِيعِيِّ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ إِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ. فَإِنْ قِيلَ: وَضْعُ الشَّرَائِعِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبَثًا، أَوْ لِحِكْمَةٍ، فَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} 1 [المؤمنون: 115] .

_ 1 أي: بل لحكمة تقتضي تكليفكم وبعثكم للجزاء، فهي توبيخ للكفار على تغافلهم، وإرشاد إلى أن الشريعة وضعت لحكمة، ولو زاد كلمة "إلخ"، لكان أحسن؛ لأن ظهور الإشارة تام في قوله: {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} . "د".

وَقَالَ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} 1 [ص: 27] . {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدُّخَانِ: 38-39] . وَإِنْ كَانَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ، فَالْمَصْلَحَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِعَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ إِلَى الْعِبَادِ، وَرُجُوعُهَا إِلَى اللَّهِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ وَيَسْتَحِيلُ عَوْدُ الْمَصَالِحِ إِلَيْهِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يبقَ إِلَّا رُجُوعُهَا إِلَى الْعِبَادِ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى أَغْرَاضِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ إِنَّمَا يَطْلُبُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، وَمَا يُوَافِقُ هَوَاهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَالشَّرِيعَةُ تَكَفَّلَتْ لَهُمْ بِهَذَا الْمَطْلَبِ فِي ضِمْنِ التَّكْلِيفِ، فَكَيْفَ يُنْفَى أَنْ تُوضَعَ الشَّرِيعَةُ عَلَى وَفْقِ أَغْرَاضِ الْعِبَادِ وَدَوَاعِي أَهْوَائِهِمْ؟ وَأَيْضًا فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جاءت على وفق أغراض العباد وأثبتت2 لَهُمْ حُظُوظُهُمْ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُحَقِّقُونَ، أَوْ وُجُوبًا عَلَى مَا يَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ حَقًّا، كَانَ مَا يُنَافِيهِ بَاطِلًا. فَالْجَوَابُ أَنَّ وَضْعَ الشَّرِيعَةِ إِذَا سُلِّمَ أَنَّهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَهِيَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أَمْرِ الشَّارِعِ، وَعَلَى الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ، لَا عَلَى مُقْتَضَى أَهْوَائِهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلِذَا3 كَانَتِ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ ثَقِيلَةً عَلَى النُّفُوسِ، وَالْحِسُّ وَالْعَادَةُ وَالتَّجْرِبَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، فَالْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي مُخْرِجَةٌ لَهُ عَنْ دَوَاعِي طَبْعِهِ وَاسْتِرْسَالِ أَغْرَاضِهِ، حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنْ تَحْتِ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَهُوَ عَيْنُ مُخَالَفَةِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَغْرَاضِ، أَمَّا أَنَّ مَصَالِحَ التَّكْلِيفِ عَائِدَةٌ على المكلف في

_ 1 الباطل ما لا حكمة فيه، والآية مقررة لما قبلها من أمر المَعاد والحساب، ولا يكون إلا بعد شرع وبيان، والآية بعدها مثلها، فإن معنى اللعب واللهو ما لا حكمة فيه، وبما ذكرناه ظهر وجه الاستدلال بالآيات، فلا يقال: إن الآيات في أصل الخلق لا في وضع الشريعة. "د". 2 في "د": "ثبَّتت". 3 في الأصل و"ط": "ولذلك".

الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَصَحِيحٌ1 وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَيْلُهُ لَهَا خَارِجًا عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لَهَا بِنَفْسِهِ دون أن يناولها إياه الشرع، وهو ظَاهِرٌ، وَبِهِ يُتَبَيَّنُ أَنَّ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا الْكَلَامِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ نَظَرٌ فِي ثُبُوتِ الْحَظِّ وَالْغَرَضِ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ، لَا مِنْ حَيْثُ اقْتَضَاهُ الهوى والشهوة، وذلك ما أردنا ههنا. فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا انْبَنَى عَلَيْهِ قَوَاعِدُ: - مِنْهَا: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ الْهَوَى بِإِطْلَاقٍ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَمَلِ مِنْ حَامِلٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وداعٍ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِتَلْبِيَةِ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ مَدْخَلٌ، فَلَيْسَ إِلَّا مُقْتَضَى الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْحَقِّ بِإِطْلَاقٍ، فَهَذَا الْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ بِمُقْتَضَى الدَّلَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَتَأَمَّلْ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي "الْمُوَطَّأِ": "إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وتُضَيَّع حُرُوفُهُ، قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ، كَثِيرٌ مَنْ يُعطِي، يُطِيلُونَ فيه الصلاة ويُقْصِرُون فيه الخطبة، يبدءون أعمالهم قبل أهوائهم2،

_ 1 أما المعاملات، فأثرها في المصالح العاجلة بانتظام حياة الاجتماع والتمتع بنعمة الاستقلال وعزة الجانب، وأما العبادات، فلما في إقامتها من الفوز برضا الخالق الذي هو مبدأ فيضان النعم الروحية، من اطمئنان النفس، وراحة الضمير، واحتقار متاع هذه الحياة، وقلة المبالاة بنوائب البأساء والضراء، وهذه النعم التي هي ملاك الحياة الطيبة ملازمة للقيام بالأعمال الصالحة ملازَمة النتائج لمقدماتها الصحيحة، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} . "خ". 2 فعملهم يبدأ قبل ظهور شهوتهم وهواهم فيه، فإذن عملهم يُحمَل عليه شيء آخر غير الهوى، وهو انقيادهم إلى ما شرعه الله، أما هواهم فمرتبته متأخرة عن البدء في العمل، فليسوا فيه متبعين للهوى، بخلاف الفريق الآخر الذي لا يبدأ في العمل إلا بعد ظهور الهوى فيه؛ فإن المتغلب عليه في العمل هواه، وشتان بين الفريقين. "د".

وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ، وَتَضِيعُ حُدُودُهُ، كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ وَيُقْصِرُونَ الصَّلَاةَ، يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ"1. فَأَمَّا الْعِبَادَاتُ، فَكَوْنُهَا بَاطِلَةً ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْعَادَاتُ، فَذَلِكَ2 مِنْ حَيْثُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَوُجُودُهَا فِي ذَلِكَ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ فِي عَدَمِ أَخْذِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُنْعِمِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَفِي هَذَا الْكِتَابِ. وَكُلُّ فِعْلٍ كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ بِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ صَحِيحٌ وحق؛ لأنه قد أتى مِنْ طَرِيقِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَوَافَقَ فِيهِ صَاحِبُهُ قصد الشارع،

_ 1 أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 173" عن يحيى بن سعيد، أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان..... "وذكره". وإسناده منقطع؛ يحيى بن سعيد لم يسمع من ابن مسعود شيئا، لكن قال ابن عبد البر في "الاستذكار" 6/ 345": "إن هذا الحديث قد روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة". قلت: نعم، أخرجه أبو خيثمة في "العلم" "109" بإسناد حسن، ولكنه مختصر، وأخرجه من طرق عن ابن مسعود البخاريُّ في "الأدب المفرد" "رقم 789"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم 3787"، ومن طريقه وغيره الطبراني في "الكبير" "9/ 345/ رقم 9496، 8567". وحسنه ابن حجر في "الفتح" "10/ 510"، وشيخنا الألباني في "صحيح الأدب المفرد" "رقم 605". قلت: ووقع في "خ" محرفا: "فقاؤه" في الموضع الثاني منه. 2 في نسخة "ماء/ ص179": "فكذلك".

فَكَانَ كُلُّهُ صَوَابًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا إِنِ امْتَزَجَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، فَكَانَ مَعْمُولًا بِهِمَا، فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ1 وَالسَّابِقِ2، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ أَمْرَ الشَّارِعِ بِحَيْثُ قَصَدَ الْعَامِلُ نَيْلَ غَرَضِهِ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي إِلْحَاقِهِ3 بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ مَا كَانَ الْمُتَّبَعُ فِيهِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ طَلَبِ الْحُظُوظِ وَالْأَغْرَاضِ لَا يُنَافِي وَضْعَ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ أَيْضًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَإِذَا جُعِلَ الْحَظُّ تَابِعًا، فَلَا ضَرَرَ عَلَى الْعَامِلِ. إِلَّا أَنَّ هُنَا شَرْطًا مُعْتَبَرًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَجْهُ الَّذِي حصَّلَ أَوْ يُحَصِّل بِهِ غَرَضُهُ مِمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهُ لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ الْغَرَضِ، وَإِلَّا، فَلَيْسَ السَّابِقُ فِيهِ أَمْرَ الشَّارِعِ، وَبَيَانُ هَذَا الشَّرْطِ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ وَالسَّابِقُ هُوَ الْهَوَى وَصَارَ أَمْرُ الشَّارِعِ كَالتَّبَعِ، فَهُوَ لَاحِقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَعَلَامَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ تَحَرِّي قَصْدِ الشَّارِعِ وَعَدَمُ ذَلِكَ، فَكُلُّ عَمَلٍ شَارَكَ العاملَ فِيهِ هَوَاهُ، فَانْظُرْ؛ فَإِنْ كَفَّ هَوَاهُ وَمُقْتَضَى شَهْوَتِهِ عِنْدَ نَهْيِ الشَّارِعِ4، فَالْغَالِبُ وَالسَّابِقُ لِمِثْلِ هَذَا أَمْرُ الشَّارِعِ، وَهَوَاهُ تَبَع، وَإِنْ لَمْ يكفَّ عِنْدَ وُرُودِ النَّهْيِ عَلَيْهِ، فَالْغَالِبُ وَالسَّابِقُ لَهُ الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ، وَإِذْنُ الشَّارِعِ تَبَعٌ لَا حُكْمَ لَهُ عِنْدَهُ، فَوَاطِئُ زَوْجَتِهِ وَهَيَ طَاهِرٌ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَابِعًا لِهَوَاهُ، أَوْ لِإِذْنِ الشارع، فإن حاضت فانكف، دل عل أَنَّ هَوَاهُ تَبَعٌ، وَإِلَّا؛ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ السابق.

_ 1، 2 أي: الأقوى في الحمل على الفعل، والذي سبق إلى النفس منهما. "د". 3 في "د" و"خ" و"ط": "لحاقه". 4 في "ط" زيادة "له".

فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى طَرِيقٌ إِلَى الْمَذْمُومِ وَإِنْ جَاءَ فِي ضِمْنِ الْمَحْمُودِ1؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُضَادٌّ بِوَضْعِهِ لِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ، فَحَيْثُمَا زَاحَمَ مُقْتَضَاهَا فِي الْعَمَلِ كَانَ مَخُوفًا. أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّهُ سَبَبُ تَعْطِيلِ الْأَوَامِرِ وَارْتِكَابِ النَّوَاهِي؛ لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لَهَا. وَأَمَا ثَانِيًا، فَإِنَّهُ إِذَا اتُّبِعَ وَاعْتِيدَ، رُبَّمَا أَحَدَثَ لِلنَّفْسِ ضَرَاوَةً وَأُنْسًا بِهِ، حَتَّى يَسْرِيَ مَعَهَا فِي أَعْمَالِهَا، وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مَخْلُوقٌ مَعَهَا مُلْصَقٌ بِهَا فِي الْأَمْشَاجِ، فَقَدْ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِالِامْتِثَالِ الشَّرْعِيِّ فيصير سابقا له، وإذا صَارَ سَابِقًا لَهُ صَارَ الْعَمَلُ الِامْتِثَالِيُّ تَبَعًا لَهُ وَفِي حُكْمِهِ، فَبِسُرْعَةٍ مَا يَصِيرُ صَاحِبُهُ إِلَى الْمُخَالَفَةِ وَدَلِيلُ التَّجْرِبَةِ حَاكِمٌ هُنَا. وَأَمَّا ثَالِثًا: فَإِنَّ الْعَامِلَ بِمُقْتَضَى الِامْتِثَالِ مِنْ نَتَائِجِ عَمَلِهِ الِالْتِذَاذُ بِمَا هُوَ فِيهِ، وَالنَّعِيمُ بِمَا يَجْتَنِيهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْفُهُومِ، وَانْفِتَاحِ مَغَالِيقِ الْعُلُومِ، وَرُبَّمَا أُكْرِمَ بِبَعْضِ الْكَرَامَاتِ، أَوْ وُضِعَ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، فَانْحَاشَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وحلَّقوا عَلَيْهِ، وَانْتَفَعُوا بِهِ، وأمُّوه لِأَغْرَاضِهِمُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِدُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَى السَّالِكِينَ طُرُقَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، مِنَ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْخَلْوَةِ لِلْعِبَادَةِ، وَسَائِرِ الْمُلَازِمِينَ لِطُرِقِ الْخَيْرِ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَانَ لِلنَّفْسِ بِهِ بَهْجَةٌ وَأُنْسٌ، وَغِنًى وَلَذَّةٌ، وَنَعِيمٌ بِحَيْثُ تَصْغُرُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَحْظَةٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ2: "لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَقَاتَلُونَا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ"، أَوْ كَمَا قَالَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَعَلَّ النفس تنزع3

_ 1 بعدها في نسخة "ماء/ ص179": "وذا حقيق". 2 هو إبراهيم بن أدهم، أسنده عنه البيهقي في "الزهد" "رقم 81"، وابن الجوزي في "صفة الصفوة" "4/ 127" و"سلوة الأحزان" "رقم 198"، وأبو نعيم "7/ 370". 3 وتشتد رغبتها في القيام بالصلاة والصيام والخلوة للعبادة؛ ليزداد أنسها وبهجتها، ولذتها ونعيمها، وإكرامها بالكرامات وزيادة القبول في الأرض، وكل هذا هوى خالط المحمود من العمل، لكنه قد يسبق إلى النفس، فيخسر صاحبه مرتبته. "د".

إِلَى مُقَدِّمَاتِ تِلْكَ النَّتَائِجِ، فَتَكُونُ سَابِقَةً لِلْأَعْمَالِ، وَهُوَ بَابُ السُّقُوطِ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ وَالْعِيَاذُ بالله، هذا وإن كان الهوى في الْمَحْمُودُ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إِلَى الْمَذْمُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَدَلِيلُ هَذَا الْمَعْنَى مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِقْرَاءِ أَحْوَالِ السَّالِكِينَ وَأَخْبَارِ الْفُضَلَاءِ والصالحين، فلا حاجة إلى تقريره ههنا. فَصْلٌ: - وَمِنْهَا: أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَظِنَّةٌ لِأَنْ يُحْتَالُ بِهَا عَلَى أَغْرَاضِهِ، فَتَصِيرُ1 كَالْآلَةِ الْمُعَدَّةِ لِاقْتِنَاصِ2 أَغْرَاضِهِ، كَالْمُرَائِي يَتَّخِذُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ سُلَّمًا لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَبَيَانُ هَذَا ظَاهِرٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَآلَاتِ اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَجَدَ مِنَ الْمَفَاسِدِ كَثِيرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى جُمْلَةً عِنْدِ الْكَلَامِ عَلَى الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبِّبَاتِ فِي أَسْبَابِهَا، وَلَعَلَّ الْفِرَقَ الضَّالَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثَ3 أَصْلُ ابْتِدَاعِهَا اتِّبَاعُ أَهْوَائِهَا، دُونَ توخي مقاصد الشرع.

_ 1 في "ط": "حتى تصير". 2 في نسخة "ماء/ ص179": "الانتقاص". 3 سيأتي نصه وتخريجه "ص335".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ: مَقَاصِدٌ أَصْلِيَّةٌ، وَمَقَاصِدٌ تَابِعَةٌ1. فَأَمَّا الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ، فَهِيَ الَّتِي لَا حَظَّ فِيهَا للمكلَّف، وَهَى الضَّرُورِيَّاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا لَا حَظَّ فِيهَا لِلْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا قِيَامٌ بِمَصَالِحَ عَامَّةٍ مُطْلَقَةٍ، لَا تَخْتَصُّ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ، وَلَا بِصُورَةٍ دُونَ صُورَةٍ، وَلَا بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، لَكِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى ضَرُورِيَّةٍ عَيْنِيَّةٍ، وَإِلَى ضَرُورِيَّةٍ كِفَائِيَّةٍ. فَأَمَّا كَوْنُهَا عَيْنِيَّةً، فَعَلَى كُلِّ مكلَّف فِي نَفْسِهِ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ دِينِهِ2 اعْتِقَادًا وَعَمَلًا، وَبِحِفْظِ نَفْسِهِ قياما بضروريات حَيَاتِهِ، وَبِحِفْظِ عَقْلِهِ حِفْظًا لِمَوْرِدِ الْخِطَابِ مِنْ رَبِّهِ إِلَيْهِ، وَبِحِفْظِ نَسْلِهِ الْتِفَاتًا إِلَى بَقَاءِ عِوَضِهِ فِي عِمَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ، وَرَعْيًا لَهُ عَنْ وَضْعِهِ فِي مَضْيَعَةِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْعَاطِفَةِ3 بِالرَّحْمَةِ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنْ مَائِهِ، وَبِحِفْظِ مَالِهِ اسْتِعَانَةً عَلَى إِقَامَةِ تِلْكَ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ خلاف هذه الأمور لجر عليه، ولحيل بينه

_ 1 في الأصل وفي نسخة "ماء/ ص 180": "تابعية". 2 يحتاج المقام لبيان القدر الذي لا حظ فيه للنفس من هذه الأمور الخمسة، فحفظ نفسه بألا يعرضها للهلاك كأن يقذف بنفسه في مهواة، ودينه بأن يتعلم ما يدفع عن نفسه به الشُّبَه التي تورد عليه مثلا، وعقله بأن يمتنع عما يكون سببا في ذهابه أو غيبوبته، بأي سبب من الأسباب، ونسله بألا يضع شهوته إلا حيث أحلَّ الله حتى تحفظ، وماله بألا يتلفه بحرق أو نحوه مما يوجب عدم الانتفاع به، وبهذا يظهر قوله: "أنه لو فرض اختياره لغير هذه الأمور لحجر عليه"، أما حفظ نفسه بالتحرف والتسبب لينال ما تقوم به حياته من لباس ومسكن وهكذا، فهذا من النوع الثاني، أي: المقاصد التابعة التي فيها حظه، وإن كان ضروريا أيضا كما سيأتي: "د". 3 صفة للأنساب، وقوله: "الرحمة" متعلق بالعاطفة، أي: الأنساب التي من شأنها أن تتعطف الوالد على والده بالرحمة والإحسان. "د".

وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِ، فَمِنْ هُنَا صَارَ فِيهَا مَسْلُوبَ الْحَظِّ، مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ صَارَ لَهُ فِيهَا حَظٌّ، فَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَابِعَةٍ لِهَذَا الْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ. وَأَمَّا كَوْنُهَا كَفَائِيَّةً، فَمِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَنُوطَةً بِالْغَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، لِتَسْتَقِيمَ الْأَحْوَالُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا تَقُومُ الْخَاصَّةُ إِلَّا بِهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُكَمِّلٌ لِلْأَوَّلِ، فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ فِي كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا؛ إِذْ لَا يَقُومُ الْعَيْنِيُّ إِلَّا بِالْكِفَائِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِفَائِيَّ قِيَامٌ بِمَصَالِحَ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَأْمُورٌ بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ تَخْصِيصٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ إِذْ ذَاكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَإِلَّا صَارَ عَيْنِيًّا1، بَلْ بِإِقَامَةِ الْوُجُودِ، وَحَقِيقَتُهُ2 أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ عَلَى حَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَا هيء لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَالْقِيَامِ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ3، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِقَبِيلِةٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِمَصَالِحِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْخَلْقَ خَلَائِفَ فِي إِقَامَةِ الضَّرُورِيَّاتِ الْعَامَّةِ، حَتَّى قَامَ الْمُلْكُ فِي الْأَرْضِ. وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ الْكِفَائِيَّ مُعَرًّى مِنَ الْحَظِّ شَرْعًا أَنَّ الْقَائِمِينَ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ4 مَمْنُوعُونَ مِنْ اسْتِجْلَابِ الْحُظُوظِ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا قَامُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لوالٍ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً مِمَّنْ تَوَلَّاهُمْ عَلَى وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا لقاضٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ أُجْرَةً عَلَى قَضَائِهِ5، وَلَا لِحَاكِمٍ عَلَى حُكْمِهِ،

_ 1 في الأصل: "عينا". 2 أي: القائم الكفائي 3 في "ط": "بجميع ما يحتاج إليه". 4 وإنما قال في ظاهر الأمر لأنه وإن لم يأخذ الأجر من خصوص من ترافعوا إليه، فإنه يأخذه من بيت المال الذي يأتي دخله ممن ترافعوا ومن غيرهم، إلا أن هذا ليس كالأجر الذي يأخذه من أرباب القضايا مباشرة، فهو لا يؤثر في ذمته ولا يبعثه على أن يغير حكما حقا رآه بين المتخاصمين، كما هو ظاهر. "د". 5 قرر القرافي في "الفرق الخامس عشر والمئة" بين قاعدة الأرزاق وقاعدة الإجارات أن القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعا، ولا يجوز أن يستأجروا على القضاء إجماعا لأن الأرزاق عامة من الإمام لهم على القيام بالمصالح لا أنها عوض عما يجب عليهم من تنفيذ الحكم عند قيام الحِجاج ونهوضها. "خ".

وَلَا لِمُفْتٍ عَلَى فَتْوَاهُ، وَلَا لِمُحْسِنٍ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَلَا لِمُقْرِضٍ عَلَى قَرْضِهِ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي لِلنَّاسِ فِيهَا مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَتِ الرُّشَا وَالْهَدَايَا الْمَقْصُودُ بِهَا نَفْسُ الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِجْلَابَ الْمَصْلَحَةِ1 هُنَا مؤدٍ إِلَى مَفْسَدَةٍ عَامَّةٍ تُضَادُّ حِكْمَةَ الشَّرِيعَةِ فِي نَصْبِ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ. وَعَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ يَجْرِي الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْأَنَامِ، وَيَصْلُحُ النِّظَامُ، وَعَلَى خِلَافِهِ يَجْرِي الْجَوْرُ فِي الْأَحْكَامِ، وَهَدْمُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَبِالنَّظَرِ فِيهِ يَتَبَيَّنُ2 أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْعَيْنِيَّةَ لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَلَا قُصْدُ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا، وَلَا نَيْلُ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ بِهَا، وَأَنَّ تَرْكَهَا سَبَبٌ لِلْعِقَابِ وَالْأَدَبِ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مُوجِبٌ تَرْكَهَا لِلْعُقُوبَةِ3؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَيَّ مَفْسَدَةٍ فِي الْعَالَمِ. وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ التَّابِعَةُ4، فَهِيَ الَّتِي رُوعِيَ فِيهَا حظ المكلف، فمن جهتها

_ 1 أي: بأخذ الرشوة أو القضاء وما أشبه، يؤدي إلى مفسدة عامة هي الجور وعدم الاستقامة في تأدية واجبات الولاية والقضاء، من رعاية العدالة والنصفة بين الناس، والبعد عن تهمة التحيز. "د". 2 لأنه مسلوب الحظ فيها، وليس له الخيرة في التخلي عنها. "د". 3 هذا إذا تعين النظر على الشخص بوجه من وجوه التعين. "د". 4 وهي التسببات المتنوعة التي لا يلزم المكلف أن يأخذ بشيء خاص منها، بل وكل إلى اختياره أن يتعلق بما يميل إليه وتقوى منته عليه، فلم يلزم بالتجارة دون الصناعة، ولا بالتعليم دون الزراعة، وهكذا من ضروب التسببات التي لا يسعها التفصيل، فهذه كلها مكملة للمقاصد الأصلية وخادمة لها؛ لأنها لا تقوم في الخارج إلا بها، ولو عدمت التابعة رأسا لم تتحقق الأصلية لتوقفها عليها، وفرق آخر، وهو أن الأصلية واجبة والتابعة مباحة: "أي: بالجزء كما تقدم في المسألة الثانية من المباح": وسيأتي له في المسألة التالية عدها من الضروريات أيضا كالمقاصد الأصلية. "د".

يَحْصُلُ لَهُ مُقْتَضَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ نَيْلِ الشَّهَوَاتِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْمُبَاحَاتِ، وَسَدِّ الْخَلَّاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ حِكْمَةَ الْحَكِيمِ الْخَبِيِرِ حَكَمَتْ أَنَّ قِيَامَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إِنَّمَا يَصْلُحُ وَيَسْتَمِرُّ بدواعٍ مِنْ قِبَلِ الْإِنْسَانِ تَحْمِلُهُ عَلَى اكْتِسَابِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَخَلَقَ لَهُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِذَا مَسَّهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ؛ لِيُحَرِّكَهُ ذَلِكَ الْبَاعِثُ إِلَى التَّسَبُّبِ فِي سَدِّ هَذِهِ الْخَلَّةِ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَكَذَلِكَ خَلَقَ لَهُ الشَّهْوَةَ إِلَى النِّسَاءِ لِتُحَرِّكَهُ إِلَى اكْتِسَابِ الْأَسْبَابِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ خَلَقَ لَهُ الِاسْتِضْرَارَ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالطَّوَارِقِ الْعَارِضَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إِلَى اكْتِسَابِ اللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ، ثُمَّ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَأَرْسَلَ [الرُّسُلَ] 1 مبينة أن الاستقرار ليس ههنا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدَّارُ مَزْرَعَةٌ لِدَارٍ أُخْرَى، وَأَنَّ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ وَالشَّقَاوَةَ الْأَبَدِيَّةَ هُنَالِكَ، لَكِنَّهَا تَكْتَسِبُ أَسْبَابَهَا هُنَا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، أو الخروج عَنْهُ، فَأَخَذَ2 الْمُكَلَّفُ فِي اسْتِعْمَالِ الْأُمُورِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى تِلْكَ الْأَغْرَاضِ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، لِضَعْفِهِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَطَلَبَ التَّعَاوُنَ بِغَيْرِهِ، فَصَارَ يَسْعَى فِي نَفْعِ نَفْسِهِ وَاسْتِقَامَةِ حَالِهِ بِنَفْعِ غَيْرِهِ، فَحَصَلَ الِانْتِفَاعُ لِلْمَجْمُوعِ بِالْمَجْمُوعِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ إِنَّمَا يَسْعَى فِي نَفْعِ نَفْسِهِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ صَارَتِ الْمَقَاصِدُ التَّابِعَةُ خَادِمَةً لِلْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ وَمُكَمِّلَةً لَهَا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَكُلِّفَ بِهَا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْحُظُوظِ، أَوْ لَكُلِّفَ بِهَا مَعَ سَلْبِ الدَّوَاعِي الْمَجْبُولِ عَلَيْهَا، لَكِنَّهُ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا جَعَلَهُ وَسِيلَةً إِلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ عِمَارَةِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، وَجَعَلَ الِاكْتِسَابَ لِهَذِهِ الْحُظُوظِ مُبَاحًا لَا مَمْنُوعًا، لَكِنْ عَلَى قَوَانِينَ شَرْعِيَّةٍ هِيَ أَبْلَغُ فِي الْمَصْلَحَةِ وَأَجْرَى عَلَى الدَّوَامِ مِمَّا يَعُدُّهُ الْعَبْدُ مَصْلَحَةً {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 216] ، وَلَوْ شَاءَ لَمَنَعَنَا فِي الِاكْتِسَابِ الْأُخْرَوِيِّ الْقَصْدَ إِلَى الحظوظ، فإنه المالك وله الحجة البالغة،

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط في الأصل. 2 في الأصل ونسخة "ماء/ ص183": "مأخذ".

وَلَكِنَّهُ رَغَّبَنَا فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْنَا بِوَعْدٍ حَظِيٍّ لَنَا، وَعَجَّلَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ حُظُوظًا كَثِيرَةً نَتَمَتَّعُ بِهَا فِي طَرِيقِ مَا كلفنا به، فبهذا اللحظ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَقَاصِدَ تَوَابِعٌ، وَإِنَّ تِلْكَ هِيَ الْأُصُولُ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِيهُ مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِيهِ لُطْفُ الْمَالِكِ بِالْعَبِيدِ.

المسألة الثالثة 1: قد تحصَّلَ إذن أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ، كَقِيَامِ2 الْإِنْسَانِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، فِي الِاقْتِيَاتِ، وَاتِّخَاذِ السَّكَنِ3، وَالْمَسْكَنِ وَاللِّبَاسِ، وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنَ الْمُتَمِّمَاتِ، كَالْبُيُوعِ، وَالْإِجَارَاتِ، وَالْأَنْكِحَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ وُجُوهِ الِاكْتِسَابِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْهَيَاكِلُ الْإِنْسَانِيَّةُ. وَالثَّانِي: مَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ4، كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ كَالْعِبَادَاتِ5 الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، مِنَ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، كَالْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ، مِنَ6 الْخِلَافَةِ، وَالْوِزَارَةِ، وَالنِّقَابَةِ، وَالْعِرَافَةِ7، وَالْقَضَاءِ، وَإِمَامَةِ الصَّلَوَاتِ، وَالْجِهَادِ، وَالتَّعْلِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي شُرِعَتْ عَامَّةً لِمَصَالِحَ عَامَّةٍ إِذَا فُرِضَ عَدَمُهَا أَوْ تَرْكُ النَّاسِ لَهَا انْخَرَمَ النِّظَامُ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَمَّا كَانَ لِلْإِنْسَانِ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ، وَبَاعِثٌ من نفسه يستدعيه.

_ 1 كلام المصنف تحتها تعميق لما في "البرهان" "2/ 919، 938"، للجويني. 2 في الأصل: "لقيام". 3 أي: الزوجة "د". 4 إنما قال: "مقصود" لأن في فروض الكفاية كالولاية حظا عاجلا، كعزة الرياسة، وتعظيم المأمورين للآمر، وهكذا مما سيأتي له، إلا أنه غير مقصود شرعا، بل منهي عنه أشد النهي، وسيأتي له تفسير الحظ المقصود بعد. "د". 5 وكغير العبادات، من سائر الضروريات التي ليس فيها حظ عاجل، كما تقدم إيضاحه، "د". 6 في الأصل: "والخلافة". 7 النقابة والعرافة منصب دون الرئاسة، ويطلق على صاحبه "النقيب" و"العريف".

إِلَى طَلَبِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الدَّاعِي قَوِيًّا جِدًّا بِحَيْثُ يَحْمِلُهُ قَهْرًا عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُؤَكَّدْ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفْسِهِ1، بَلْ جُعِلَ الِاحْتِرَافُ وَالتَّكَسُّبُ وَالنِّكَاحُ عَلَى الْجُمْلَةِ مَطْلُوبًا طَلَبَ النَّدْبِ لَا طَلَبَ الْوُجُوبِ، بَلْ كَثِيرًا مَا يَأْتِي فِي مَعْرِضِ الْإِبَاحَةِ، كَقَوْلِهِ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [الْبَقَرَةِ: 275] . {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الْجُمْعَةِ: 10] . {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 198] . {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الْأَعْرَافِ: 32] . {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 172] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَخْذَ النَّاسِ لَهُ كَأَخْذِ الْمَنْدُوبِ بِحَيْثُ يَسَعُهُمْ جَمِيعًا التَّرْكُ لَأَثِمُوا2؛ لِأَنَّ الْعَالَمَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالتَّدْبِيرِ وَالِاكْتِسَابِ، فَهَذَا مِنَ الشَّارِعِ كَالْحِوَالَةِ عَلَى مَا فِي الْجِبِلَّةِ مِنَ الدَّاعِي الْبَاعِثِ عَلَى الِاكْتِسَابِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظٌّ أَوْ جِهَةُ نَازِعٍ طَبْعِيٍّ أَوْجَبَهُ الشرع عينا أو كفاية3، كما

_ 1 أما بالنسبة إلى غيره كالأقارب والزوجات مما لم يكن الداعي للنفس فيه قويا، فسيأتي أن الشارع يوجبه. "د". 2 قد يقال: إذن يكون واجبا كفائيا، وإلا لاختل حد الأحكام الخمسة، إلا أن يقال: إن هذا من المندوب بالجزء الواجب كفاية بالكل كما تقدم في الأحكام، فيصح التأثيم بترك الكل مع كونه مندوبا بالجزء. "د". 3 صرح الإمام الغزالي في كتاب "الوسيط" بأن الحِرف والصنائع لا تندرج في فرض الكفاية، والصواب ما جرى عليه المصنف من دخولها في هذا القبيل، ولا مخلص من إثم الجميع متى تظافروا على ترك حرفة يحتاج إليها في وسائل القوة أو مرافق الحياة، والشعب الذي لا يعني بالصنائع ويعول على أن يستمد حاجاته من أمة أخرى، لا يلبث أن يقع في غمرة بؤس وشقاء، واختلال الحالة الاقتصادية مطية إلى الإفلاس في السياسة، والابتلاء بسيطرة أجنبي يعبث بحقائق الدين وتجول يده في الأموال والثمرات، ويسوق النفوس الشريفة إلى عارٍ خالد أو موتة خاسرة. "خ". قلت: ورجح ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" "18/ 82" أن الحرف من باب فرض الكفاية، ومتى لم يقم بها غير الإنسان صارت فرض عين عليه، لا سيما إن كان غيره عاجزا عنها، وكان الناس محتاجين إليها.

لَوْ فُرِضَ هَذَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ1، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَكُونُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ فِيهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، كَقِيَامِهِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ مُبَاشَرَةً. وَقِسْمٌ يَكُونُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ فِيهِ بِوَاسِطَةِ الْحَظِّ فِي الْغَيْرِ، كَالْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ، وَالِاكْتِسَابِ بِمَا لِلْغَيْرِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، كَالْإِجَارَاتِ، وَالْكِرَاءِ، وَالتِّجَارَةِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الصَّنَائِعِ وَالِاكْتِسَابَاتِ، فَالْجَمِيعُ يَطْلُبُ الْإِنْسَانُ بِهَا حَظَّهُ فَيَقُومُ بِذَلِكَ حَظُّ الْغَيْرِ، خِدْمَةً دَائِرَةً بَيْنَ الْخَلْقِ، كَخِدْمَةِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ بَعْضًا حَتَّى تَحْصُلَ الْمَصْلَحَةُ لِلْجَمِيعِ. وَيَتَأَكَّدُ الطَّلَبُ فِيمَا فِيهِ حَظُّ الْغَيْرِ عَلَى طَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ الْمُبَاشِرِ، وَهَذِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ هَكَذَا، وَكَانَتْ جِهَةُ الدَّاعِي كَالْمَتْرُوكَةِ2 إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ، وَكَانَ مَا يُنَاقِضُ الدَّاعِيَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ3، بل هو على الضد من ذلك.

_ 1 فالتكسب لنفقة هؤلاء واجب. "د". 2 فلم توجب، بل ندب إليها، أو ذكرت في معرض الإباحة. "د". 3 أي: لما كان الداعي هو المتسلط وحده على الإنسان يدعوه إلى طلب المصلحة ودرء المفسدة من أي طريق كان، وكان ما يناقض الداعي وهو ما يقتضي عدم الدخول في طلب مصلحته ودرء مفسدته ليس له من جهة الطبع ما يخدمه ويعين عليه، صار من الحكمة تخفيف وطأة هذا الداعي بالزواجر الشديدة عن السير وراء الداعي في كل شيء ليقف عند حد عدم المساس بحقوق الغير. "د".

أُكِّدَتْ جِهَةُ الْكَفِّ هُنَا بِالزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِيعَادِ بِالنَّارِ فِي الْآخِرَةِ، كَالنَّهْيِ عَنْ قتل النفس والزنى، وَالْخَمْرِ، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَأَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالسَّرِقَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الطَّبْعَ النَّازِعَ إِلَى طَلَبِ مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ وَدَرْءِ مَفْسَدَتِهِ يَسْتَدْعِي الدُّخُولَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ جَرَى الرَّسْمُ الشَّرْعِيُّ فِي قِسْمِ الْكِفَايَةِ مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي أَوْ أَكْثَرِ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّ عِزَّ السُّلْطَانِ، وَشَرَفَ الْوِلَايَاتِ، وَنَخْوَةَ الرِّيَاسَةِ، وَتَعْظِيمَ الْمَأْمُورِينَ لِلْآمِرِ مِمَّا جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَى حبه، فكان الأمر بهم جَارِيًا مَجْرَى النَّدْبِ لَا الْإِيجَابِ، بَلْ جَاءَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِالشُّرُوطِ الْمُتَوَقَّعِ خِلَافُهَا، وَأَكَّدَ النَّظَرَ فِي مُخَالَفَةِ الدَّاعِي، فَجَاءَ كَثِيرٌ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَمَّا تَنْزِعُ إِلَيْهِ النَّفْسُ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] إِلَى آخِرِهَا. وَفِي الْحَدِيثَ: "لَا تَطْلُبُ الْإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ طَلَبْتَهَا بِاسْتِشْرَافِ نَفْسٍ وُكِّلْتَ إِلَيْهَا" 1، أَوْ كَمَا قَالَ. وَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ غُلُولِ الْأُمَرَاءِ2، وَعَنْ عَدَمِ النُّصْحِ فِي الْإِمَارَةِ3، لما كان

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ} ، 11/ 516-517/ رقم 6622، وكتاب كفارات الأيمان، باب الكفارة قبل الحنث وبعده، 11/ 608/ رقم 6722" من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه. 2 من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "هدايا الأمراء غلول"، وسيأتي تخريجه "3/ 118". 3 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح، 13/ 126-127/ رقم 7150/ 7151"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، 1/ 125/ رقم 227، وكتاب الإمارة، باب فضيلة الإم العادل، 3/ 1460" عن معقل بن يسار مرفوعا: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، لم يجد رائحة الجنة".

هَذَا كُلُّهُ عَلَى خِلَافِ الدَّاعِي مِنَ النَّفْسِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا كُلُّهُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي الْأَصْلِ، بَلْ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا فِي مَصَالِحِ الْخَلْقِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ. وَأَمَّا قِسْمُ الْأَعْيَانِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ، أُكِّدَ الْقَصْدُ إِلَى فِعْلِهِ بِالْإِيجَابِ، وَنَفْيِهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَأَعْنِي بِالْحَظِّ الْمَقْصُودِ مَا كَانَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِوَضْعِهِ السَّبَبَ [الْبَاعِثَ عَلَيْهِ، وَغَيْرَ الْمَقْصُودِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ بِوَضْعِهِ السَّبَبَ] ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ شَرْعَ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ لَا لِنُحْمَدَ عَلَيْهَا، وَلَا لِنَنَالَ بِهَا فِي الدُّنْيَا شَرَفًا وَعِزًّا أَوْ شَيْئًا مِنْ حُطَامِهَا، فَإِنَّ هَذَا ضِدُّ مَا وُضِعَتْ لَهُ الْعِبَادَاتُ، بَلْ هِيَ خَالِصَةٌ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزُّمَرِ: 3] . وَهَكَذَا شُرِعَتْ أَعْمَالُ الْكِفَايَةِ لَا لِيُنَالَ بِهَا عِزُّ السُّلْطَانِ، وَنَخْوَةُ الْوِلَايَةِ، وَشَرَفُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّبَعِ، فَإِنَّ عِزَّ الْمُتَّقِي لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا وَشَرَفَهُ عَلَى غَيْرِهِ، لَا يُنْكَرُ، وَكَذَلِكَ ظُهُورُ الْعِزَّةِ فِي الْوِلَايَاتِ مَوْجُودٌ مَعْلُومٌ ثَابِتٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ يَأْتِي تَبَعًا لِلْعَمَلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَهَكَذَا الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْوُلَاةِ مِنْ حَيْثُ لَا يُقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ1 حَسْبَمَا حَدَّهُ الشَّارِعُ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَلَا مَمْنُوعٍ، بَلْ هُوَ مَطْلُوبٌ مُتَأَكَّدٌ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِي الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَعَلَى الْعَامَّةِ الْقِيَامُ بِوَظَائِفِهِ مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمْ إِنِ احْتَاجَ إلى ذلك2، وقد قال تعالى:

_ 1 بأن يكون ذلك من بيت المال لا بالرشوة، ولا بهدايا الخصوم، ولا بأجر منهم. "د". 2 تقوم الأمة بنفقة ولاة الأمور، وهي التي تفرض لهم من بيت المال ما يكفي لسداد حاجاتهم بالمعروف، ولا حق للوالي في أن يعد ما في الخزينة العامة بمنزلة تراث أبيه وجده، فيرمي فيه في سبيل أهوائه الواسعة، وإلى الله المشتكى من ذلك التصرف الذي انطلقت به أيدي كثير من الأمراء والوزراء في بعض الممالك الإسلامية حتى سقطت في بؤس وغرقت دولها في ديون اتخذها الأجنبي في وسائل امتلاك البلاد والقبض على زمام سياستها. "خ". قلت: وقال ابن خلدون في "مقدمته" "ص322": "إن الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش"، وانظر: "الإشارة في محاسن التجارة" "38"، و"الأحكام السلطانية" "ص120" للماوردي، و"الأموال" "ص469" لأبي عبيد، و"تحرير المقال" للبلاطنسي. وكان المصنف رحمه الله ممن يرى رأي من يجيز ضرب الخراج على الناس عند ضعفهم وحاجتهم لضعف بيت المال عن القيام بمصالح الناس، كما تراه في ترجمته انظر على سبيل المثال: "نيل الابتهاج" "49" ونقله عنه الونشريسي في "المعيار المعرب" "11/ 131"، وانظر: "فتاوى الشاطبي" "ص187-188".

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} الآية [طه: 132] . وَقَالَ: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطَّلَاقِ: 2-3] . وَفِي الْحَدِيثَ: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ، تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ"1. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قيام المكلف بحقوق الله سببب لِإِنْجَازِ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرِّزْقِ. فَصْلٌ: فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ حَظٌّ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ حَظُّهُ بِالْقَصْدِ الثَّانِي مِنَ الشَّارِعِ، وَمَا فيه للمكلف حظ بالقصد الأول

_ 1 أخرجه الخطيب في "تاريخه" "3/ 180"، و"الجامع" "رقم 69" والشجري في "أماليه" "1/ 60" من حديث زياد بن الحارث الصدائي مرفوعا. قال الخطيب: "غريب من حديث الثوري عن أبيه عن جده، لا أعلم رواه إلا يونس بن عطاء" قلت: ويونس بن عطاء قال عنه ابن حبان: "يروي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به"، وانظر له: "الميزان" "4/ 482" فالحديث مرفوعا ضعيف جدا، ولعله من قول الثوري، والله أعلم.

يَحْصُلُ فِيهِ1 الْعَمَلُ الْمُبَرَّأُ مِنَ الْحَظِّ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ مَا ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ أوَّلًا مِنْ حَظِّ نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنِ احْتِرَامِ أَهْلِ التَّقْوَى وَالْفَضْلِ وَالْعَدَالَةِ، وَجَعْلِهِمْ عُمْدَةً فِي الشَّرِيعَةِ فِي الْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْمَعَالِمِ الدِّينِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ زَائِدًا إِلَى مَا جُعِلَ لَهُمْ مِنْ حُبِّ اللَّهِ وَحُبِّ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ لَهُمْ، وَوُضِعَ الْقَبُولُ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى يُحِبَّهُمْ النَّاسُ وَيُكْرِمُونَهُمْ وَيُقَدِّمُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَمَا يُخَصُّونَ بِهِ مِنِ انْشِرَاحِ الصُّدُورِ، وَتَنْوِيرِ الْقُلُوبِ، وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ، وَالْإِتْحَافِ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ مُسْنَدًا إِلَى رَبِّ الْعِزَّةِ: "مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارِبَةِ" 2. وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَ مَن هَذَا وصفُه قَائِمًا بِوَظِيفَةٍ عَامَّةٍ لَا يَتَفَرَّغُ بِسَبَبِهَا لِأُمُورِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَنِيلِ حُظُوظِهِ، وَجَبَ عَلَى الْعَامَّةِ أَنْ يَقُومُوا له بذلك ويتكلفوا لَهُ بِمَا يُفَرِّغُ بَالَهُ لِلنَّظَرِ فِي مَصَالِحِهِمْ، مِنْ بُيُوتِ أَمْوَالِهِمُ الْمُرْصَدَةِ لِمَصَالِحِهِمْ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى نَيْلِ حَظِّهِ عَلَى الْخُصُوصِ، فَأَنْتَ تَرَاهُ لَا يُعَرَّى عَنْ نَيْلِ حُظُوظِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي طَرِيقِ تَجَرُّدِهِ عَنْ حُظُوظِهِ، وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَعْظَمُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّ اكْتِسَابَ الْإِنْسَانِ لِضَرُورِيَّاتِهِ فِي ضِمْنِ قَصْدِهِ إِلَى الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يَتَنَعَّمُ بِهَا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ أَكْلَ الْمُسْتَلِذَّاتِ، وَلِبَاسَ اللينات، وركوب

_ 1 أي: يحصل بسببه العمل المطلوب منه الذي جعل مما لا حظ فيه كإقامة الحياة بسائر أسبابها من أكل وشرب ولباس ومسكن وغيرها، فالقسم الذي فيه للمكلف حظ يحصل بسبب القسم الذي لا حظ فيه. "د". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب التواضع 11/ 340-341/ رقم 6502".

الْفَارِهَاتِ، وَنِكَاحَ الْجَمِيلَاتِ قَدْ تَضَمَّنَ سَدَّ الْخَلَّاتِ وَالْقِيَامَ بِضَرُورَةِ الْحَيَاةِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَيَاةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ضَرُورِيٌّ لَا حَظَّ فِيهِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِي اكْتِسَابِهِ بِالتِّجَارَاتِ وَأَنْوَاعِ البِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعَامَلَةٌ بَيْنَ الْخَلْقِ قِيَامًا بِمَصَالِحِ الْغَيْرِ1، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقِ الْحَظِّ، فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَظٌّ لَهُ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ غَرَضٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ طَرِيقٌ إِلَى حَظِّهِ، وَكَوْنُهُ طَرِيقًا وَوَسِيلَةً غَيْرُ كَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَهَكَذَا نَفَقَتُهُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَسَائِرِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ شَرَعًا مِنْ حَيَوَانٍ عَاقِلٍ وَغَيْرِ2 عَاقِلٍ، وَسَائِرِ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى الْحَظِّ الْمَطْلُوبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي اعْتِبَارِ حُظُوظِ الْمُكَلَّفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قِسْمِ الْكِفَايَةِ، وَجَدْنَا الْأَعْمَالَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ حَظُّ الْمُكَلَّفِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ عَلَى حَالٍ، وَذَلِكَ الْوِلَايَاتُ الْعَامَّةُ وَالْمَنَاصِبُ الْعَامَّةُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ. وَقِسْمٌ اعْتُبِرَ فِيهِ ذَلِكَ، وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةُ الْغَيْرِ فِي طَرِيقِ مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ، كَالصِّنَاعَاتِ وَالْحِرَفِ الْعَادِيَّةِ كُلِّهَا، وَهَذَا الْقِسْمُ في الحقيقة راجع إلى مصلحة الإنسان واستجلاب3 حَظَّهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِجْلَابُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِيهِ بِالْعَرْضِ. وَقِسْمٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا، فَيَتَجَاذَبُهُ قَصْدُ الْحَظِّ وَلَحْظُ4 الْأَمْرِ الَّذِي لَا حظ

_ 1 أي: فكما أن فيه الضروري العيني، فيه الضروري الكفائي. "د". 2 في "ط": "أو غير". 3 في "د": "واستجلابه". 4 أي: وملاحظة.

فِيهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تتمحض فِي الْعُمُومِ وَلَيْسَتْ خَاصَّةً، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا وِلَايَةُ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْأَذَانُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومِ يَصِحُّ فِيهَا التَّجَرُّدُ مِنَ الْحَظِّ، وَمِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِ وَأَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ الْخَاصَّةِ بِالْإِنْسَانِ فِي الِاكْتِسَابِ يَدْخُلُهَا الْحَظُّ، وَلَا تَنَاقُضَ فِي هَذَا، فَإِنَّ جِهَةَ الْأَمْرِ بِلَا حَظٍّ غَيْرُ وَجْهِ الْحَظِّ؛ فيؤمر انتدابا أن يقوم به لا لِحَظٍّ، ثُمَّ يُبْذَلُ لَهُ الْحَظُّ فِي مَوْطِنِ ضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، حِينَ لَا يَكُونُ ثمَّ قَائِمٌ بِالِانْتِدَابِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّسَاءِ: 6] . وَانْظُرْ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ وَالنَّاظِرِ فِي الْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ الْجَارِيَةِ، وَتَعْلِيمِ الْعُلُومِ عَلَى تَنَوُّعِهَا1، فَفِي ذَلِكَ مَا يُوَضِّحُ هَذَا القسم.

_ 1 ما يصرف لمن يقوم بمصلحة يتعدي نفعها، كالعلم، أو القسام للعقار بين الخصوم، أو ترجمان الحاكم أو كاتبه، هو من باب المعونة على القيام بهذه المصالح، وتقاضيه لهذه المعونة لا يقطع عنه ثواب الله في الآخرة، بل ينال جزاءه الأخروي لقيامه بذلك العمل النافع موفورا، ولباذل المعونة ثواب التبرع بالمال في سبيل المصالح العامة. "خ". قلت: ذهب إلى مشروعية أخذ الأجرة على الطاعات المذكورة ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "30/ 202، 206-207"، وانظر في المسألة: "المغني" "6/ 143- مع الشرح الكبير" و"كشاف القناع" "4/ 12"، و"المحلى" "8/ 191"، و"حاشية ابن عابدين" "6/ 56"، و"بدائع الصنائع" "4/ 191"، و"حاشية الدسوقي" "2/ 16"، و"فتح العلي المالك "2/ 229"، و"مغني المحتاج" "2/ 344"، و"نيل الأوطار" "5/ 322".

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ 1: مَا فِيهِ حَظُّ الْعَبْدِ مَحْضًا -مِنَ الْمَأْذُونِ فِيهِ- يَتَأَتَّى تَخْلِيصُهُ مِنَ الْحَظِّ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا، فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مَا أُذِنَ فِيهِ أَوْ أُمِرَ بِهِ، فَإِذَا تَلَقَّى الْإِذْنَ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْمَأْذُونُ فِيهِ هَدِيَّةً مِنَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، صَارَ مُجَرَّدًا مِنَ الْحَظِّ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا لَبَّى الطَّلَبَ بِالِامْتِثَالِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِمَا سِوَاهُ، تَجَرَّدَ عَنِ الْحَظِّ، وَإِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْحَظِّ سَاوَى2 مَا لَا عِوَضَ عَلَيْهِ شَرْعًا مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ فِي الْحُكْمِ لَمَّا صَارَ مُلْحَقًا بِهِ فِي الْقَصْدِ؟ هَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ3 من النظر:

_ 1 إن قلت: إنه كان الأنسب للمؤلف أن يؤخر هذه المسألة ويضمها إلى مسائل القسم الثاني من الكتاب المتعلقة بمقاصد المكلف نفسه، ولا يدرجها في مسائل هذا القسم المتعلقة بمقاصد الشرع بالتكليف؛ لأنها ترجع إلى أن المباح يكون عبادة بقصد المكلف، ثم يكون النظر في أنه حينذاك هل يأخذ الفعل حكم ما كان عبادة ويصير صاحبه كصاحب الولاية فيما ولي عليه، أم يبقى حكمه كصاحب الحظ يتصرف كيف يشاء فيما تحت يده؟ قلنا: بل المقصود من المسألة هذا الأخير، وهو الوجهان من النظر، فإنهما أنسب بمقام النوع الرابع الذي نحن فيه وأولى من عدهما من القسم الثاني الآتي، وأما أول المسألة، فمقدمة فقط. "د". 2 أي: في القصد. "د". 3 ظاهر كلامه هنا أن كلا من الوجهين جارٍ بعد تسليم الخلوص من الحظ، وأن هذا أمر لا نزاع فيه، إنما البحث في أنه هل يحكم لمن هذا شأنه بحكم العمل في قسم ما لا حظ فيه؟ أي: فلا يأخذ عوضا ويكون كقسم ما لا حظ فيه بنوعيه العيني والكفائي؟ هذا هو ظاهر كلامه، وجعله الاستفهام خاصا بمسألة الإلحاق في الحكم، فكأنه سلم جميع ما قبل الاستفهام، مع أنه سيقول في تقرير الوجه الثاني: "فالجميع مبني على إثبات الحظوظ"، وقال أيضا: إذا ثبت هذا، تبين أن هذا القسم لا يساوي الأول في امتناع الحظوظ جملة"، وقد كان هذا مسلما في صدر المسألة، ولم يدخل فيه شكا ولا ستفهاما، مع أنه بمقتضى تقريره الآتي يكون هذا بل وما قبله من قوله تجرد عن الحظ، كل هذا يليق به أن يدرج في موضوع النظر. "د".

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْحُكْمِ مَا سَاوَاهُ فِي الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ قِسْمَ الْحَظِّ هُنَا قَدْ صَارَ عَيْنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِالْقَصْدِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِعِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ مُخْتَصَّةٍ بِالْخَلْقِ فِي إِصْلَاحِ أَقْوَاتِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ، أَوْ1 صَارَ صَاحِبُهُ عَلَى حَظٍّ مِنْ مَنَافِعِ الْخَلْقِ يُشْبِهُ الْخُزَّانَ عَلَى أَمْوَالِ بُيُوتِ الْأَمْوَالِ وَالْعُمَّالِ فِي أَمْوَالِ الْخَلْقِ، فَكَمَا لَا يَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ هَدِيَّةً وَلَا عِوَضًا عَلَى مَا وَلِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا تعبد به، كذلك ههنا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ حَاجَتِهِ يَقْتَطِعُهُ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، كَمَا يَقْتَطِعُ الْوَالِي مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَبْذُلُهُ2 مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، إِمَّا بِهَدِيَّةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ إِرْفَاقٍ، أَوْ إِعْرَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ3 يعد نفسه في الأخذ كالغير يأخذ من حيث يَأْخُذُ الْغَيْرَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ كَالْوَكِيلِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْقَيِّمِ بِمَصَالِحِهِ عَدَّ نَفْسَهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهَا نَفْسٌ مَطْلُوبٌ إِحْيَاؤُهَا عَلَى الْجُمْلَةِ. وَمِثْلُ هَذَا مَحْكِيٌّ الْتِزَامُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ، بَلْ هُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الِاكْتِسَابِ مَاهِرِينَ وَدَائِبِينَ وَمُتَابِعِينَ لِأَنْوَاعِ الِاكْتِسَابَاتِ؛ لَكِنْ لَا ليدخروا لأنفسهم، ولا ليحتجنوا4

_ 1 لعل التنويع إشارة إلى النوعين السابقين فيما لا حظ فيه، وتقدم أنهما إما عبادة بدنية أو مالية، وإما قيام بولاية عامة على مصالح المسلمين، ويدل عليه قوله: "عَلَى مَا وَلِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَا تعبد به". "د" "استدراك 6". 2 في الأصل و"خ" و"ماء/ ص186": "بذله". 3 لعلها واو عطف على "يقتطعه"؛ إذ هما قسم واحد كما سيجيء له، نعم، قد يؤخذ من جعل نفسه كالغير أنه يصح له الزيادة عن حاجته، ولكن هذا ليس بمراد بدليل السباق واللحاق. "د". 4 في الأصل: "ليحتنوا"!! واحتجان المال: جمعه وضم ما انتشر منه، كما في "اللسان" "مادة ح ج ن 13/ 109".

أَمْوَالَهُمْ؛ بَلْ لِيُنْفِقُوهَا فِي سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَا نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ، وَمَا حَسَّنَتْهُ الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ، فَكَانُوا فِي أَمْوَالِهِمْ كَالْوُلَاةِ عَلَى بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، وَهُمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى دَرَجَاتٍ حَسْبَمَا تَنُصُّهُ أَخْبَارُهُمْ، فَهَذَا وَجْهٌ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا عَامِلِينَ لِغَيْرِ حَظٍّ، عَامَلُوا هَذِهِ الْأَعْمَالَ مُعَامَلَةَ مَا لَا حَظَّ فِيهِ الْبَتَّةَ. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَاعًى عَلَى الْجُمْلَةِ1 وَإِنْ قُلْنَا بِثُبُوتِ الْحَظِّ، أَنَّ طَلَبَ الْإِنْسَانِ لِحَظِّهِ حَيْثُ أُذِنَ لَهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، فإن طلب الحظ إِذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِوُجُودِ الشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ، [وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَوُجُودِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ] 2 عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ، فَقَدْ خَرَجَ فِي نَفْسِهِ عَنْ مُقْتَضَى حَظِّهِ، ثُمَّ إِنَّ مُعَامَلَةَ الْغَيْرِ فِي طَرِيقِ حَظِّ النَّفْسِ تَقْتَضِي مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَالْمُسَامَحَةِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَالنَّصِيحَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَرْكِ الْغِشِّ كُلِّهِ، وَتَرْكِ الْمُغَابَنَةِ غَبْنًا يتجاوز الحد المشروع، وأن لا تكون العاملة عَوْنًا لَهُ عَلَى مَا يُكْرَهُ شَرْعًا، فَيَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَعُودُ عَلَى طَالِبِ حَظِّهِ بِحَظٍّ أَصْلًا، فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ فِي طَلَبِ الْحَظِّ إِلَى عَدَمِ الْحَظِّ3. هَذَا وَالْإِنْسَانُ بعدُ فِي طَلَبِ حَظِّهِ قَصْدًا، فَكَيْفَ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ حَظِّهِ فِي أَعْمَالِهِ؟ فَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَى تَحَرِّي4 الْمَشْرُوعِ في الأعمال، لا

_ 1 أي أن ما فيه حظ عُومل معاملة ما لا حظ فيه على الجملة لا التفصيل؛ لأنه قيد فيه الحظ بقيود كثيرة وشديدة، حتى إن الحظ الباقي له بعدها اضمحل بجانبها وصار مغمورا في ثناياها. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 أي: على الجملة: "د". 4 أي: على فعل ما لا حظ فيه بقسميه. "د".

بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعِبَادَاتِ وَلَا إِلَى الْعَادَاتِ، وَهُوَ مجمَع عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا صَارَ بِالْقَصْدِ كَذَلِكَ. وَأَيْضًا؛ فإنَّ فَرْضَ هَذَا الْقَصْدِ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ فَرْضِ طَلَبِ الْحَظِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهِيَ1 دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِمَا يَقْتَضِي سَلْبَ الْحَظِّ2، فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِمَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ إِلَّا بِهِ، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَقُلْنَا: إِنَّهُ مَطْلُوبٌ بِهِ طَلَبًا شَرْعِيًّا أَمْ لَا، فَحُكْمُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا لَيْسَ فِيهِ حَظٌّ الْبَتَّةَ، وَهَذَا3 ظَاهِرٌ، فَالشَّارِعُ قَدْ طَلَبَ النَّصِيحَةَ مَثَلًا طَلَبًا جَازِمًا، بِحَيْثُ جَعَلَهُ الشَّارِعُ عُمْدَةَ الدِّينِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الدِّينُ النصيحة" 4، وتوعد

_ 1 أي: المسألة داخلة في نظير "ما لا يتم.... إلخ" يعني: ولا يتم كونه مسلوب الحظ إلا إذا أخذ حكم ما لا حظ فيه. "د". 2 أي: مطلوب بتخليص العمل لله، فلا يتم ذلك إلا إذا أخذ حكم ما لا حظ فيه ابتداء، وهو القسم العبادي وقسم الولاية العامة؛ لأنه إذا كان حرا في تصرفاته المالية وغيرها، فلا يكون مسلوب الحظ، ويبقى الكلام في قوله: "سواء أقلنا: إنه مطلوب شرعا أم لا"، فإنه إذا لم يكن الطلب شرعيا ولو من باب المكارم ومحاسن الشيم، فلا وجه للبحث برمته؛ لأن الغرض أنه إذا خلص الإنسان قصده في الأعمال ذات الحظ، وأخذها على أنها امتثال صرف أو نيل هدية الله، فهل يطلب منه أن يكون كمن يعمل في القسم الثاني وهو ما لا حظ فيه، فلا يأخذ إلا ما يكفيه من ماله، أو أنه مع هذا يبقى حرا في المال وغيره يدخر منه وينفق حسبما يراه، فإذا لم يكن الكلام في الطلب الشرعي، ضاع البحث، وصار مما لا محصل له، وسيأتي له في آخر المسألة أن ذلك بإلزامهم لأنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداء، أي: فهو حال شرعي ومقبول شرعا وإن لم يكن بتكليف الشارع. "د". 3 راجعٌ للمقيس عليه، وهو ما لا حظ فيه ابتداء، يريد به بيانه وضرب الأمثال له، وليس غرضه بيان المدعي المقيس بضرب الأمثال له، وإن كان هذا هو الذي كان منتظرا تتميمًا للوجه الأول من النظر، ومن ذلك تعلم أنه وجه ضعيف لم يوفق فيه لأكثر من ضرب الأمثال بأعمال بعض الصحابة وسيأتي أنها معارضة بأفعالهم أيضا في نفس باب الأموال وادخارها. "د". 4 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة 1/ 74 =

عَلَى تَرْكِهِ فِي مَوَاضِعَ، فَلَوْ فَرَضْنَا تَوَقُّفَهَا عَلَى الْعِوَضِ أَوْ حَظٍّ عَاجِلٍ، لَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى اخْتِيَارِ النَّاصِحِ وَالْمَنْصُوحِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ لَا يَكُونَ طَلَبُهَا جَازِمًا. وَأَيْضًا الْإِيثَارُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ، فَكَوْنُهُ مَعْمُولًا بِهِ على عوض لا

_ = / رقم 55"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيعة، باب النصيحة للإمام، 7/ 156-157"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأدب، باب في النصيحة، 4/ 286/ رقم 4944"، وأحمد في "المسند" "4/ 102و 102-103"، وأبو عوانة في "المسند" "1/ 36-37"، والحميدي في "المسند" "2/ 369/ رقم 837"، والقضاعي في "المسند" "1/ 44 و45/ رقم 17و 18"، وابن زنجويه في "الأموال" "1/ 61/ رقم 1" وأبو عبيد في "الأموال" "90-10"، ووكيع في "الزهد" "2/ 621-622/ رقم 346"، والبخاري في "التاريخ الصغير" "2/ 35"، و"التاريخ الكبير" "1/ 1/ 459 و3/ 2/ 460"، وابن منده في "الإيمان" "1/ 424/ رقم 271 و272"، وابن حبان في "روضة العقلاء" "ص194"، و"الصحيح" "7/ 49- مع الإحسان"، والبغوي في "شرح السنة" "3/ 93"، ومحمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" "2/ 681-682، 683، 684، 685، 686، 687"، والطبراني في "المعجم الكبير" "2/ 52-54/ رقم 1260-1268"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "8/ 163" و"المدخل إلى السنن الكبرى" "رقم 590"، و"شعب الإيمان" "3/ 1/ 14"، وابن الأعرابي في "المعجم" "10/ 194/ أ" مخطوط، والروياني في "المسند" 3/ 263/ أ" مخطوط، وابن خزيمة في "الصحيح" كما في "فتح الباري" "1/ 138"، و"تغليق التعليق" "2/ 56"، وعزاه له في كتاب "السياسة" العيني في "عمدة القاري" "1/ 368" وذكره بسنده. وذكر الحديث البخاري في "صحيحه" "1/ 137- مع الفتح" دون سند، ولم يخرجه مسندا لكونه على غير شرطه، ووقع فيه اختلاف طويل، ورواه محمد بن عجلان عن سهيل، فأخطأ فيه، فجعله من مسند أبي هريرة. قال البخاري في "التاريخ الأوسط": "لا يصح إلا عن تميم" قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" "1/ 138"، "ولهذا الاختلاف على سهيل لم يخرجه البخاري في "صحيحه"، بل لم يحتج فيه بسهيل أيضا، وللحديث طرق دون هذه في القوة". وانظر -غير مأمور: "تغليق التعليق" "2/ 54-61".

يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ إِيثَارًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيثَارِ تَقْدِيمُ حَظِّ الْغَيْرِ عَلَى حَظِّ النَّفْسِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ طَلَبِ الْعِوَضِ الْعَاجِلِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْمَطْلُوبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ، فَهَذَا وَجْهٌ نَظَرِيٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُقْتَضَاهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أن يقال: إنه يرجع في الحكم إلى أَصْلِهِ مِنَ الْحَظِّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَثْبَتَ لِهَذَا الْعَامِلِ حَظَّهُ فِي عَمَلِهِ، وَجَعَلَهُ الْمُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، حَتَّى إِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِجَمِيعِهِ كَانَ سَائِغًا، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدَّخِرَهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَبْذُلَهُ1 لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، فَهِيَ هَدِيَّةُ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ2 لَا يَقْبَلُهَا؟ وَهُوَ وَإِنْ أَخَذَهَا بِالْإِذْنِ وَعَلَى مُقْتَضَى حُدُودِ الشَّرْعِ، فَإِنَّمَا أَخَذَ مَا جُعِلَ لَهُ فِيهِ حَظٌّ، وَمِنْ حَيْثُ جُعِلَ لَهُ، وَبِالْقَصْدِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ. وَأَيْضًا3 فَالْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا حَظٌّ، فَهِيَ وَسِيلَةٌ وَطَرِيقٌ إِلَى حَظِّهِ، فَكَمَا لَمْ يَحْكُمْ لِلْمَقْصِدِ بِحُكْمِ الْوَسِيلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ من أخذ الإنسان ماليس لَهُ فِي الْعَمَلِ بِهِ حَظٌّ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ4 إِلَى حَظِّهِ كَالْمُعَاوَضَاتِ، فَكَذَلِكَ لَا يُحْكَمُ هُنَا لِلْمَأْذُونِ فِيهِ مِنَ الْحَظِّ بِحُكْمِ مَا تَوَسَّلَ به إليه.

_ 1 في الأصل و"خ" و"ماء/ ص 186" و"ط": ويبذله". 2 الأصل: كيف". 3 رد لقوله في الوجه السابق: "إن طلب ما فيه حظ مقيد بالقيود الشرعية التي لا حظَّ فيها"، فينتفي أن يكون فيه الحظ، فيرد عليه هنا بأن هذه الحدود إن هي إلا وسيلة إلى حصول حظه، وليس بلازم أن يأخذ المقصد حكم الوسيلة، ألا ترى أن ما فيه حظ الشخص بالقصد الأول كأنواع الحرف والتجارات والمعاوضات لا يصل الشخص فيها إلى غرضه إلا بطريق نفع الغير، ومع ذلك لم يأخذ المقصد فيها حكم ما كان في طريقها من مصلحة الغير، وعد مما كان فيه حظ الشخص أصالة وحظ الغير بالعرض. "د". 4 وإن كان مما فيه مصلحة الغير، إلا أنها جاءت بطريق العرض، فلم يأخذ المقصد حكم هذه الوسيلة. "د".

وَقَدْ وَجَدْنَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كَثِيرًا يَدَّخِرُونَ الْأَمْوَالَ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَأْخُذُونَ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي أَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا اكْتَسَبُوهُ عَادُوا إِلَى الِاكْتِسَابِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَّخِذُونَ التِّجَارَةَ أَوِ الصِّنَاعَةَ عِبَادَةً لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ1، بَلْ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّعَفُّفِ وَالْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ زُمْرَةِ الطَّالِبِينَ لِحُظُوظِهِمْ. وَمَا ذُكِرَ أَوَّلًا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ حُظُوظُ أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهَا الشَّارِعُ لَهُمْ، فَيَعْمَلُونَ فِي دُنْيَاهُمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَسَعُهُمْ مِنَ الْحُظُوظِ، وَيَعْمَلُونَ فِي أُخْرَاهُمْ كَذَلِكَ، فَالْجَمِيعُ مَبْنِيٌّ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ تَكُونَ الْحُظُوظُ مأخوذة من جهة ما حَدَّ الشَّارِعُ، مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ يَقَعُ فِي طَرِيقِهَا. وَأَيْضًا، فَإِنَّمَا حُدَّتُ الْحُدُودُ فِي طَرِيقِ الْحَظِّ أَنْ لَا يُخِلُّ الْإِنْسَانُ بِمَصْلَحَةِ غَيْرِهِ فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ2، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَضَعْ تِلْكَ الْحُدُودَ إِلَّا لِتَجْرِيَ الْمَصَالِحُ عَلَى أَقْوَمِ سَبِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ3، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فُصِّلَتْ: 46] ، وَذَلِكَ عام في أعمال الدنيا والآخرة.

_ 1 أي: الذي شرحه فيما سبق، ودلل عليه بعمل الصحابة. "د". 2 لأن الإخلال بمصلحة الغير يعود بالإخلال على مصلحة النفس، بسبب العقوبات والزواجر وقيم المتلفات، وغيرها من المصائب والنوازل التي تنزل بسبب الارتكابات والمخالفات، وقد أباح الله لمن اعتُدِيَ عليه أن يجازي المعتدي بمثل ما اعتدى، فالإخلال بمصلحة الغير يعود بالإخلال على مصلحة النفس. "د". 3 في نسخة "ماء/ ص 187" زيادة: "وفي غيره".

وَقَالَ: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الْفَتْحِ: 10] . وَفِي أَخْبَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذِكْرِ الظُّلْمِ وَتَحْرِيمِهِ: "يَا عِبَادِيَ: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إياها" 1. ولا يختص مثل هذا بِالْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ بِالْإِنْسَانِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، لِقَوْلِهِ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} 2 [الشُّورَى: 30] . وَقَالَ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 194] . وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا تَفُوتُ الْحَصْرَ، فالإنسان لا ينفك عن طلب3 حَظَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ طَرِيقٌ إِلَى نِيلِ حَظِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يُسَاوِي الْأَوَّلَ فِي امْتِنَاعِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ جُمْلَةً. وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي أَخْذِ حُظُوظِهِمْ عَلَى مَرَاتِبَ. - مِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِغَيْرِ تَسَبُّبِهِ4، فَيَعْمَلُ الْعَمَلَ أَوْ يَكْتَسِبُ الشَّيْءَ فَيَكُونُ فِيهِ وَكِيلًا عَلَى التَّفْرِقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ بِحَسَبِ مَا قُدِّرَ، وَلَا يَدَّخِرُ لنفسه من

_ 1 قطعة من حديث إلهي طويل، أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/ 1994-1995/ رقم 2577" من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وسيأتي "ص480"، وهناك تمام تخريجه. 2 في الأصل: "بما قدمت أيديكم"!! 3 في "د": "طلبه". 4 أي أنه لا يأخذ شيئا جاء بتسببه، بل يجعل ذلك لغيره، فكل ما سيق إليه بالتسبب يجعله للخلق، فهو مع كونه هو المتسبب والمحترف يرى أن ما وصل ليده من ذلك من محض الفضل، وأنه كوكيل على تصريفه فقط، وليس له منه شيء، وهذه أعلى المراتب، وما بعدها يجعل نفسه كالوكيل يأخذ إن احتاج، وهو أقل من هذا. "د".

ذَلِكَ شَيْئًا، بَلْ لَا يَجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ حَظًّا لِنَفْسِهِ مِنَ1 الْحُظُوظِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ لنفسه لاطراح حظها حتى يصير مِنْ قَبِيلِ مَا يُنْسَى، وَإِمَّا قُوَّةُ يَقِينٍ بالله؛ لأنه عالم به وبيده ملكوت السموات وَالْأَرْضِ2 وَهُوَ حَسْبُهُ فَلَا يُخَيِّبُهُ، أَوْ عَدَمُ الْتِفَاتٍ إِلَى حَظِّهِ يَقِينًا بِأَنَّ رِزْقَهُ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ النَّاظِرُ لَهُ بِأَحْسَنِ مِمَّا يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنَفَةً مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى حَظِّهِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْوَارِدَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ، وَفِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ جَاءَ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الْحَشْرِ: 9] . وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ رِضَيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ لَهَا بِمَالٍ فِي غِرَارَتَيْنِ -قَالَ الرَّاوِي: أَرَاهُ ثَمَانِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ- فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وَهَى يَوْمَئِذٍ صَائِمَةٌ، فَجَعَلَتْ تُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ، فَلَمَّا أَمْسَتْ قالت: "يا جرية هَلُمِّي أَفْطِرِي"، فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ. فَقِيلَ لَهَا: أَمَا اسْتَطَعْتِ فِيمَا قَسَمْتِ أَنْ تَشْتَرِي بِدِرْهَمٍ لَحْمًا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَتْ: لَا تُعَنِّيني، لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ3. وَخَرَّجَ مَالِكٌ أَنْ مِسْكِينًا سَأَلَ عَائِشَةَ وَهَى صَائِمَةٌ وَلَيْسَ فِي بَيْتِهَا إِلَّا رَغِيفٌ، فَقَالَتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا: اعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَتْ: لَيْسَ لَكِ مَا تُفْطِرِينَ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. [قالت] : فلما أَمْسَيْنَا أَهْدَى لَنَا أَهْلُ بَيْتٍ أَوْ إِنْسَانٍ

_ 1 في "ط": "في". 2 في "ط": "ملكوت كل شيء". 3 أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "8/ 67"، والدارقطني في المستجاد" "رقم 36، 37"، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "16/ ق 738"، والحاكم في "المستدرك "4/ 13"، وأبو نعيم في "الحلية" "2/ 47 و49"، والبغوي في "الجعديات" "1673" بإسناد صحيح، بألفاظ مقاربة. ووقع في بعض طرقه أن معاوية هو الذي بعض إليها بالمال، اشترى به منها دارا، ولا تَعَارُضَ، فهو المرسِلُ، وابنُ الزبيرِ المرسَلُ، إلا إذا حمل على تعدد القصة، والله أعلم.

-مَا [كَانَ] يُهْدِي لَنَا- 1 شَاةً وَكَفَنَهَا2 فَدَعَتْنِي عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: كُلِي مِنْ هَذَا؛ هَذَا خَيْرٌ مِنْ قُرْصِكِ3 وَرَوَى عَنْهَا أَنَّهَا قَسَّمَتْ سَبْعِينَ أَلْفًا وَهِيَ تَرْقَعُ ثَوْبَهَا4، وَبَاعَتْ مَا لَهَا بِمِائَةِ أَلْفِ وَقَسَّمَتْهُ، ثُمَّ أَفْطَرَتْ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ5، وَهَذَا يُشْبِهُ الْوَالِي عَلَى بَعْضِ الْمَمْلَكَةِ، فلا يأخذ إلى من الملك؛ لأن قَامَ لَهُ الْيَقِينُ بِقَسْمِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ مَقَامَ تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ6، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ بِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَرَى تَدْبِيرَ اللَّهِ لَهُ خَيْرًا مِنْ تَدْبِيرِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِذَا دَبَّرَ لِنَفْسِهِ انْحَطَّ عَنْ رُتْبَتِهِ إِلَى مَا هُوَ دونها،

_ 1 لعل الأصل: "ما لا يهدي لنا" أي: أهدى لنا شيئا ما جرت العادة أن يهدي لنا مثله في عظمه، وقوله: "شاة" بدل من ما. "د". قلت صوابه ما أثبتناه، وما بين المعقوفتين، من "الموطأ" وسقط من الأصول كلها. 2 إن العرب- أو بعض وجوههم- كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف، فإذا سلخوه غطوه كله بعجين دقيق البر، وكفنوه فيه ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن، وذلك من طيب الطعام عندهم، قاله ابن عبد البر في "الاستذكار" "27/ 407". 3 أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 997- رواية يحيى- ورقم 2105- رواية أبي مصعب" بلاغا عن عائشة. 4 أخرجه أبو نعيم في "الحلية" "2/ 57". 5 أخرجه أبو نعيم في "الحلية" "23/ 47-48"، وفيه أيوب بن سويد، وهو ضعيف. 6 إنفاق الأموال في وجوه الخير عظيم، وهو عنوان الثقة بالله وتفويض الأمر إليه وهذا ما كان السلف الصالح يفعله، وأما السعي في اكتساب الرزق من طرقه المشروعة، فهو مما يحدث عليه الشرع ويستدعيه الاحتفاظ بعزة النفس وشرفها، ولا يحق للرجل أن ينكث يده من العمل وهو قادر عليه بدعوى أن تدبير الله له خير من تدبيره، ومن يفعل ذلك، فليس من الفضيلة في شيء، وليست هذه الدعوى إلا من مظاهر الكسل والإخلاد إلى الرضا مما تجود به أنعم العاملين، فترجع في الحقيقة إلى معنى أن تدبير الخلق له خير من تدبير نفسه. خ".

وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَرْبَابُ الْأَحْوَالِ: - وَمِنْهُمْ مَنْ يُعِدُّ نَفْسَهُ كَالْوَكِيلِ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ1، إِنِ اسْتَغْنَى اسْتَعَفَّ، وَإِنِ احْتَاجَ أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ صَرَفَهُ كَمَا يَصْرِفُ مَالَ الْيَتِيمِ فِي مَنَافِعِهِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَالِ غَنِيًّا عَنْهُ، فَيُنْفِقُهُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِنْفَاقُ، وَيُمْسِكُهُ حَيْثُ يَجِبُ الْإِمْسَاكُ، وَإِنِ احْتَاجَ أَخَذَ مِنْهُ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ بِحَسَبِ مَا أُذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ، وَهَذَا أَيْضًا بَرَاءَةٌ مِنَ الْحُظُوظِ فِي ذَلِكَ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِحَظِّهِ لَحَابَى نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، بَلْ جَعَلَ نَفْسَهُ كَآحَادِ الْخَلْقِ، فَكَأَنَّهُ قَسَّامٌ فِي الْخَلْقِ يُعِدُّ نَفْسَهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ. وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ واحد، فهم مني وأنا منهم" 2.

_ 1 أخرجه ابن شبة في "تاريخ المدينة" "2/ 694-695، 701"، وسعيد بن منصور في "السنن" "4/ 1538/ رقم 788- ط الصميعي"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "12/ 324/ رقم 12690"، وابن جرير في "التفسير" "7/ 582/ رقم 8597"، وابن سعد في "الطبقات" "3/ 276"، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" "ص112"، والبيهقي في "شعب الإيمان" "6/ 4، 5، 354"، وابن الجوزي في "مناقب عمر" "ص105" من طرق عن عمر، قال: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، ثم قضيت" وهو صحيح بمجموع طرقه إن شاء الله تعالى. وفي رواية أنه قال ذلك لعمار وابن مسعود رضي الله عنهم حين ولاهما أعمال الكوفة، وفيها: "إني وإياكم في مال الله...." وذكر نحوه، وعبارة المصنف للشافعي في "الأم" "4/ 80"، وعنه السيوطي في "الأشباه" "135"، والبلاطنسي في "تحرير المقال" "144". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأشعريين" باب الشركة في الطعام والنهد والعروض 5/ 128/ رقم 2483"، ومسلم في الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين رضي الله عنهم 4/ 1944-1945/ رقم 2500" من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

وَفِي حَدِيثِ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ هَذَا1، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَفْعَلُ فِي مَغَازِيهِ مِنْ هَذَا مَا هُوَ مَشْهُورٌ2، فَالْإِيثَارُ بِالْحُظُوظِ مَحْمُودٌ3 غَيْرُ مُضَادٍّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسلام: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" 4،

_ 1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار/ رقم 3782" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبينهم النخيل. قال: لا، قال: تكفوننا المئونة، وتُشركوننا في التمر. قالوا: سمعنا وأطعنا". وأخرج البخاري في "صحيحه" "رقم 3781"، في الكتاب والباب السابق وفي باب "كيف أخى النبي بين أصحابه" من الكتاب نفسه/ رقم 3937"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب النكاح باب منه/ رقم 1427"، وغيرهما من حديث أنس، قال: "قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئا من أقط وسمن...." 2 قلت: أكتفي هنا بذكر مثال واحد وقع في غزوة تبوك، فقد أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، 1/ 55-56/ رقم 27" بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سير، قال: فنفدت أزواد القوم، قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم قال: فقال عمر: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها. قال: ففعل، قال: فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواه. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، قال: فدعا عليها. قال: حتى ملأ القوم أزودتهم قال: فقال عند ذلك: "أشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله، لا يَلْقَى اللهَ بهما عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فيهِمَا إلا دَخَلَ الجَنَّةَ". وأخرجه أحمد في "مسنده" "3/ 11"، وقد تكلم بعضهم في صحة هذا الحديث بكلام متعقب، انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم" "1/ 221-223". 3 وهو حاصل في أهل المرتبتين المذكورتين كما سيوضحه، وقوله: "ما أخذوا لأنفسهم" هذا في أهل المرتبة الثانية. "د". 4 أخرج البخاري في "صحيحه"كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، 4/ 294/ رقم 1427"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، 2/ 717/ رقم 1034" عن حكيم بن حزام مرفوعا: "أفضل الصدقة عن ظهر =

بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ فِي حَالَتَيْنِ. فَهَؤُلَاءِ والذين قبلهم لم يقيدا أَنْفُسَهُمْ بِالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، وَمَا أَخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ لَا يُعَدُّ سَعْيًا فِي حَظٍّ؛ إِذْ لِلْقَصْدِ إِلَيْهِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ يُؤْثِرَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ هُنَا ذَلِكَ، بَلْ آثَرَ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ سِوَى نَفْسِهِ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ هَؤُلَاءِ بُرَءاء مِنَ الْحُظُوظِ، كَأَنَّهُمْ عَدُّوا أَنْفُسَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ حَظٌّ، وَتَجِدُهُمْ فِي الْإِجَارَاتِ وَالتِّجَارَاتِ1 لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا بِأَقَلِّ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّبْحِ أَوِ الْأُجْرَةِ، حَتَّى يَكُونَ مَا حَاوَلَ أَحَدُهُمْ2، مِنْ ذَلِكَ كَسْبًا لِغَيْرِهِ لَا لَهُ، وَلِذَلِكَ بَالَغُوا فِي النَّصِيحَةِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا وُكَلَاءُ لِلنَّاسِ لَا لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَيْنَ الْحَظُّ هُنَا؟ بَلْ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُحَابَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَإِنْ جَازَتْ كَالْغِشِّ لِغَيْرِهِمْ، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَاحِقُونَ حُكْمًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ، بِإِلْزَامِهِمْ أَنْفُسِهِمْ لَا بِاللُّزُومِ الشَّرْعِيِّ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً. - وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ هَؤُلَاءِ، بَلْ أخذوا ما مَا أُذِن لَهُمْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْإِذْنِ، وَامْتَنَعُوا مِمَّا مُنِعوا مِنْهُ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ في كل ما لهم إليه حاجة،

_ = غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول". وأخرجه أبو الشيخ في "الأمثال" "رقم 193"، وابن عدي في "الكامل" "4/ 1586" بلفظ: "ليبدأْ أحدكم بمن يعول" ويشهد لما ساقه المصنف أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابة 2/ 692-693" عن جابر مرفوعا: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء، فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا" يقول: "فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك". 1 في الأصل: "في التجارات أو مع الإجارات". 2 في الأصل: "أخذهم".

فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ بِالِاعْتِبَارِ الْمُتَقَدِّمِ أَهْلُ حُظُوظٍ، لَكِنْ مَأْخُوذَةٌ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ أَخْذُهَا، فَإِنْ قِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا: إِنَّهُ تَجَرُّدٌ عَنِ الْحَظِّ، فَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْ جِهَةٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا بِمُجَرَّدِ أَهْوَائِهِمْ تَحَرٌّزًا مِمَّنْ يَأْخُذُهَا غَيْرَ مُلَاحِظٍ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهَذَا هُوَ الْحَظُّ الْمَذْمُومُ؛ إِذْ1 لَمْ يَقِفُ دُونَ مَا حُدَّ لَهُ، بَلْ تَجَرَّأَ كَالْبَهِيمَةِ لَا تَعْرِفُ غَيْرَ الْمَشْيِ فِي شَهَوَاتِهَا، وَلَا كَلَامَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَمْ يَتَصَرَّفْ إِلَّا لِنَفْسِهِ، فَلَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْوَالِي عَلَى الْمَصَالِحِ العامة للمسلمين2، بَلْ هُوَ والٍ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بوالٍ عَامٍّ، وَالْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ هِيَ المبرَّأة مِنَ الْحُظُوظِ، فَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْقِسْمِ مُعَامَلُونَ حُكْمًا بِمَا قَصَدُوا مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُظُوظِ، فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ3 الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَهُمَا مَنْ لَا يَأْخُذُ بِتَسَبُّبٍ أَوْ يَأْخُذُ بِهِ، لَكِنْ عَلَى نسبة القسمة ونحوها.

_ 1 في "د": "إذا". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "على المسلمين". 3 فلا يجوز لهما بمقتضى ما فرضوه على أنفسهم زهدًا وكمالًا في الأحوال لا بتكليف الشرع. "د".

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْعَمَلُ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَفْقِ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِمَّا عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ، أَوِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ هَذَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ وَتَفْرِيعٌ، فَلْنَضَعْ فِي كُلِّ قِسْمٍ مَسْأَلَةً، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى مُقْتَضَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ بِحَيْثُ رَاعَاهَا فِي الْعَمَلِ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ وَسَلَامَتِهِ مُطْلَقًا، فِيمَا كَانَ بَرِيئًا مِنَ الْحَظِّ1 وَفِيمَا رُوعِيَ فِيهِ الْحَظُّ؛ لِأَنَّهُ مُطَابِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ؛ إِذْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ فِي التَّشْرِيعِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، وَهَذَا كافٍ هُنَا. وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ وَفِقْهٌ كَثِيرٌ: مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ -إِذَا رُوعِيَتْ- أَقْرَبُ إِلَى إِخْلَاصِ الْعَمَلِ وَصَيْرُورَتِهِ عِبَادَةً، وَأَبْعَدُ من مُشَارَكَةِ الْحُظُوظِ الَّتِي تُغَيِّرُ فِي وَجْهِ مَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حَظَّ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يُرَاعِيَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَظُّهُ، عَلَى قَوْلِنَا، إِنَّ إِثْبَاتَ الشَّرْعِ لَهُ وَإِبَاحَةَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ؛ إِذْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ مُرَاعَاةُ مَصَالِحِ الْعَبِيدِ، وَهُوَ أَيْضًا جارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ، فَمُجَرَّدُ قَصْدِ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ والنهي أو الإذن2 كافٍ في

_ 1 أي: رأسا كالعبادات الصرفة، أو كان مما فيه الحظ بالعرض، فلا ينافي أنه عرف المقاصد الأصلية بأجمعها بأنها مما لا حظ فيها للمكلف، ويشير إليه قوله بعد: "ثم يندرج حظه في الجملة"، إلا أن يقال: إن ما فيه الحظ إذا خلصه العامل من الحظ، كان كالمقاصد الأصلية، ويأتي للكلام تتمة. "د". 2 ذكر الإذن بعد ذكر الأمر والنهي يقتضي أنه بمعنى الإباحة، وليس هذا من المقاصد الأصلية؛ لأنها كما تقدم الواجبات عينية أو كفائية، فلو حذفه كان أليق بالمقام، ويدل عليه أيضا قوله: "وفعله واقع على الضروريات وما حولها" إلا أن يقال: إنه تقدم له في المسألة الرابعة أن ما فيه الحظ -يعني: وهو من المقاصد التابعة- يتأتى تخليصه من الحظ، ويساوي ما كان مأمورًا به على ما سبق في تفصيل المسألة المذكورة والوجهين من النظر فيها، وكما يأتي له في الفصل الأول حيث يقول: "أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يُصَيِّر تَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِ كُلَّهَا عِبَادَاتٍ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ أو العادات" وفي الفصل الثاني يقول: "إن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال إلى أحكام الوجوب". "د".

حصول كل غرض، فالمتوجّه إلى مجرد خطاب الشارع، العامل1 على وفقه ملبيًا له بريء مِنَ الْحَظِّ، وَفِعْلُهُ وَاقِعٌ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا حَوْلَهَا ثُمَّ يَنْدَرِجُ حَظُّهُ فِي الْجُمْلَةِ، بَلْ هُوَ الْمُقَدَّمُ شَرْعًا عَلَى الْغَيْرِ. فَإِذَا اكْتَسَبَ الْإِنْسَانُ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ، أَوْ اعْتِبَارًا بِعِلَّةِ الْأَمْرِ، وَهُوَ الْقَصْدُ إِلَى إِحْيَاءِ النُّفُوسِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَإِمَاطَةِ الشُّرُورِ عَنْهَا، كَانَ هُوَ2 الْمُقَدَّمُ شَرْعًا: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" 3، أَوْ كَانَ قِيَامُهُ بِمَا قَامَ بِهِ قِيَامًا بِوَاجِبٍ مَثَلًا، ثُمَّ نَظَرُهُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ قَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ النُّفُوسِ دُونَ بَعْضٍ، كَمَنْ يَقْصِدُ الْقِيَامَ بِحَيَاةِ نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ بِهَا، أَوْ بِحَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ نَظَرِهِ، وَقَدْ يَتَّسِعُ نَظَرُهُ فَيَكْتَسِبُ لِيُحْيِيَ بِهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا أَعَمٌّ الْوُجُوهِ وَأَحْمَدُهَا وَأَعْوَدُهَا بِالْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ يَفُوتُهُ فِيهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَتَقَعُ نَفَقَتُهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ، وَيَقْصِدُ غَيْرَ مَا كَسَبَ4 وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ5 فَإِنَّهُ6 لَمْ يكلِ التَّدْبِيرَ إِلَى رَبِّهِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَدْ جَعَلَ قَصْدَهُ وَتَصَرُّفَهُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ7، وَقَصَدَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِيَسِيرِهِ عَالَمٌ كَبِيرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَصْرِهِ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّحَقُّقِ بِإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ، ولا يفوته من

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "في التوجه إلى ... فالعامل ... ". 2 إشارة إلى قوله: "ثم يندرج حظه في الجملة"، وقوله: "أو كان قيامه ... إلخ" إشارة إلى قوله: "وفعله واقع على الضروريات وما حولها". "د". 3 مضى تخريجه "ص325". 4 في الأصل و"خ": "كتب". 5 في أنه قام بواجب شرعي، وأنه محمود أيضا. "د". 6 كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "أنه". 7 في "ط": "وكيل".

حَظِّهِ شَيْءٌ. بِخِلَافِ مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، فَقَدْ يَفُوتُهُ مَعَهَا جُلُّ هَذَا أَوْ جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَاعِي مَثَلًا زَوَالَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ أَوِ الْبَرْدِ أَوْ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ أَوِ التَّلَذُّذَ بِالْمُبَاحِ مُجَرَّدًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، فَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا رُوعِيَ فِيهِ قَصْدُ الشَّارِعِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ منجرٌّ1 مَعَهُ، وَلَوْ رُوعِيَ قَصْدُ الشَّارِعِ لَكَانَ الْعَمَلُ امْتِثَالًا، فَيَرْجِعُ إِلَى التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا لَمْ يراعَ2، لَمْ يبقَ إِلَّا مُرَاعَاةُ الْحَظِّ خَاصَّةً، هَذَا وَجْهٌ. وَوَجْهٌ ثانٍ أَنَّ الْمَقَاصِدَ الْأَصْلِيَّةَ رَاجِعَةٌ إِمَّا إِلَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ3 مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي شَيْءٍ سِوَى ذَلِكَ، وَهُوَ بِلَا شَكٍّ طَاعَةٌ لِلْأَمْرِ وَامْتِثَالٌ لِمَا أُمِرَ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ، وَإِمَّا إِلَى مَا4 فُهِم مِنَ الْأَمْرِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ اسْتَعْمَلَهُ سَيِّدُهُ فِي سُخْرَةِ عَبِيدِهِ، فَجَعَلَهُ وَسِيلَةً وَسَبَبًا إلى وصول حاجاتهم إليهم كيف يشاء.

_ 1 أي: فهو وإن كان عمله موافقا لقصد الشارع ولم يخالفه، إلا أنه لم يراعِ ذلك في عمله حتى يكون خارجا عن داعية هواه، أي أنه لم يعمل التفاتا لمقتضى خطاب الشارع أمرا أو نهيا أو إذنا، بل بمقتضى مجرد حاجته هو وداعية شهوته بقطع النظر عن الخطاب. "د". 2 في الأصل: "يرعَ". 3 لم يذكر هنا ما يتعلق بالمباح، فيقول: "أو توجهه للخطاب بالإذن، وقد ذكر الإذن في الوجه الأول، واحتجنا فيه إلى التكلف لتصحيح الكلام بجعله داخلا في المقاصد الأصلية، على أنه في الأول أيضا عند قوله: "فإذا اكتسب الإنسان امتثالا للأمر ... إلخ"، لم يذكر الإذن، ومحصل الفرق بين هذا الوجه وما قبله أنه جعل هناك حكمة الأمر إحياء النفوس وإماطة الشرور عنها، وهنا جعل الحكمة أنه عبد سخره سيده في مصلحة عبيده وجعله وسيلة لإيصال حاجاتهم إليهم، ولم يقل هنا: "إنه يكون مقدما"، بل قال: "فكأن السيد هو القائم له بحظه"، فهل يعتبر هذا وذاك فيما به التغاير بين الوجهين؟ تأمل. "د". 4 في الأصل: "إذا ما فهم".

وَهَذَا أَيْضًا لَا يَخْرُجُ عَنِ اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، فَهُوَ عَامِلٌ بِمَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ، مُسْقِطٌ لِحَظِّهِ فِيهَا، فَكَأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْقَائِمُ لَهُ بِحَظِّهِ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ لِحَظِّهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ فَهِمَ مَقْصُودَ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهُ قَامَ بِهِ مِنْ جِهَةِ اسْتِجْلَابِ حَظِّهِ أَوْ حَظِّ مَنْ لَهُ فِيهِ حَظٌّ، فَهُوَ إِنِ امْتَثَلَ1 الأمرَ فَمِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، فَالْإِخْلَاصُ عَلَى كَمَالِهِ مَفْقُودٌ فِي حَقِّهِ، وَالتَّعَبُّدُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ منتفٍ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلِ الْأَمْرَ، فَذَلِكَ أَوْضَحُ فِي عَدَمِ الْقَصْدِ إِلَى التَّعَبُّدِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا فِيهِ، وَقَدْ يَتَّخِذُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ عَادِيَّيْنِ لَا عِبَادِيَّيْنِ، إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ طَلَبُ حَظِّهِ، وَذَلِكَ نَقْصٌ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْقَائِمَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الأُوَل قَائِمٌ بِعِبْءٍ ثَقِيلٍ جِدًّا، وَحِمْلٍ كَبِيرٍ مِنَ التَّكْلِيفِ لَا يَثْبُتُ تَحْتَهُ طَالِبُ الْحَظِّ فِي الْغَالِبِ، بَلْ يَطْلُبُ حَظَّهُ بِمَا هُوَ أَخَفُّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الأمر2 حالة داخلة على المكلف شاء أم3 أَبَى، يَهْدِي اللَّهُ إِلَيْهَا مَنِ اخْتَصَّهُ بِالتَّقْرِيبِ مِنْ عِبَادِهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ النُّبُوَّةُ أَثْقَلَ الْأَحْمَالِ وَأَعْظَمَ التَّكَالِيفِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى4: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [الْمُزَّمِّلِ: 5] . فَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ اخْتِصَاصٍ زَائِدٍ، بِخِلَافِ طَالِبِ الحظ، فإنه

_ 1 هو بهذا المعنى يكون فعله فعلا لمباح بدون نية لشيء سوى حظه، ومثل هذا لا يقال فيه: إنه امتثل الأمر، بل وافقه؛ لأن الامتثال يحتاج للقصد والنية، ويدل عليه قوله: "والتعبد بذلك منتفٍ". "د". 2 هو القيام على المقاصد الأول، وقوله: "الأول محمول"، أي: له حامل وباعث قوي من جهة سيده، يحفزه على القيام بمشاق الأعمال، فيستريح لها. "د". 3 في "د": "أو". 4 يصح أن يفهم ثقل القول في الآية على الرصانة والامتلاء من الحكمة التي تطمئن إليهما العقول الراجحة، وكذلك القرآن لإنزال حقائقه راسية وأنوار هدايته متدفقة على الرغم من كثرة من يحاول نقده، ويثير غبار الشبه في عين من يؤمن بأنه تنزيل من حكيم حميد. "خ".

عامل بنفسه، وغير مستويين فاعل وَفَاعِلٌ بِنَفْسِهِ، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ، وَالثَّانِي عَامِلٌ بِنَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ قَلَمَّا تَجِدُ صَاحِبَ حَظٍّ يَقُومُ بِتَكْلِيفٍ شَاقٍّ، فَإِنْ رَأَيْتَ مَنْ يَدَّعِي تِلْكَ الْحَالَ، فَاطْلُبْهُ بِمَطَالِبِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَقَامِ، فَإِنْ أَوْفَى بِهِ، فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا، عَلِمْتَ أَنَّهُ مُتَقَوِّلٌ قَلَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ مَا ادَّعَى، وَإِذَا ثَبَتَ أن صاحب المقاصد الأول محمول، فلذلك أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْإِخْلَاصِ، وَصَاحِبُ الْحَظِّ1 لَيْسَ بِمَحْمُولٍ ذَلِكَ الْحِمْلِ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ حَظُّهُ، فَإِذَا سَقَطَ حَظُّهُ ثَبَتَ قَصَدُهُ فِي الْمَقَاصِدِ الْأُوَلِ، وَثَبَتَ لَهُ الْإِخْلَاصُ، وَصَارَتْ أَعْمَالُهُ عِبَادَاتٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ يَسْعَى فِي حَظِّهِ وَقَدْ بَلَغَ الرُّتْبَةَ الْعُلْيَا فِي أَهْلِ الدِّينِ، بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ، وَالنِّسَاءَ2 وَالْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ3، وَكَانَ تُعْجِبُهُ الذِّرَاعُ4، وَيُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ5، وَأَشْبَاهُ ذلك مما هو اتباع لحظ النفس؛ إذ كَانَ لَا يَمْتَنِعُ مِمَّا يَشْتَهِيهِ مِنَ الْحَلَالِ، بَلْ كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ إِذَا وَجَدَهُ، وَقَدْ بَلَغَ الرُّتْبَةَ الْعُلْيَا فِي أَهْلِ الدِّينِ، وَهُوَ أَتْقَى الخلق وأزكاهم، و"كان خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"6، فَهَذَا فِي هَذَا الطَّرَفِ. وَنَرَى أَيْضًا كَثِيرًا مِمَّنْ يُسْقِطُ حَظَّ نَفْسِهِ وَيَعْمَلُ لِغَيْرِهِ أَوْ فِي مَصَالِحِ الْعِبَادِ بِمُقْتَضَى مَا قَدَرَ عَلَيْهِ صَادِقًا فِي عَمَلِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فليس له في الآخرة من

_ 1 أي: الذي خلط في عمله بين الحظ وبين الالتفات إلى الامتثال، ليس له من هذا المقام إلا بمقدار قلة مراعاة للحظ، وسيقول في آخر الفصل: "وأن المقاصد التابعة أقرب إلى عدم الإخلاص ولا أنفيه". "د". 2 مضى "ص240": "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم الطيب والنساء"، وهو صحيح. 3 مضى "1/ 185". 4 مضى "1/ 185". 5 مضى "1/ 185". 6 كما أخبرت بذلك عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل 1/ 512-513/ رقم 746".

خَلَاقٍ، كَكَثِيرٍ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَزَهَّدَ وَانْقَطَعَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا وَلَا أَخْطَرَهَا بِبَالِهِ، وَاتَّخَذَ الْعِبَادَةَ وَالسَّعْيَ فِي حَوَائِجِ الْخَلْقِ دَأْبًا وَعَادَةً، حَتَّى صَارَ فِي النَّاسِ آيَةً، وَكُلُّ مَا يَعْمَلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى بَاطِلٍ مَحْضٍ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ وَسَائِطُ لَا تُحْصَى تُقَرِّبُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا زَعَمْتَ ظَوَاهِرُ، وَغَائِبَاتُ الْأُمُورِ قَدْ لَا تَكُونُ مَعْلُومَةً، فَانْظُرْ مَا قَالَهُ الْإِسْكَافُ فِي "فَوَائِدِ الْأَخْبَارِ" فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثلاثٌ" 1 يَلُحْ لَكَ مِنْ ذَلِكَ الْمَطْلَعِ خلافُ مَا تَوَهَّمْتَ مِنْ طَلَبِ الْحَظِّ الصِّرْفِ إِلَى طَلَبِ الْحَقِّ الصِّرْفِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الثَّلَاثِ الصَّلَاةَ، وَهِيَ أَعْلَى الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَهَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي سِوَاهَا. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُبِّ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِحَظٍّ لِأَنَّ الْحُبَّ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُمْلَكُ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِيمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَتَنَاوَلُ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ لِمُجَرَّدِ الْحَظِّ، دُونَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِنْ حَيْثُ الْإِذْنِ؟ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْحَظِّ، وَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا فِي الْقُدْوَةِ الْأَعْظَمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَيَّنَ نَحْوُهُ فِي كُلِّ مُقْتَدًى بِهِ مِمَّنِ اشْتُهِرَتْ وِلَايَتُهُ. وَأَمَّا الْكَلَامُ عَنِ الرُّهْبَانِ2، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مُجَرَّدَةٌ مِنَ الْحَظِّ، بَلْ هِيَ عَيْنُ الْحَظِّ، وَاسْتِهْلَاكٌ فِي هَوَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ حَظَّهُ فِي أَمْرٍ إِلَى حَظٍّ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، كَمَا تَرَى النَّاسَ يَبْذُلُونَ الْمَالَ فِي طَلَبِ الْجَاهِ لِأَنَّ حَظَّ النَّفْسِ فِي الْجَاهِ أَعْلَى، وَيَبْذُلُونَ النُّفُوسَ فِي طَلَبِ الرِّيَاسَةِ حَتَّى يَمُوتُوا فِي طَرِيقِ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الرُّهْبَانُ قَدْ يَتْرُكُونَ لَذَّاتِ الدُّنْيَا لِلَذَّةِ الرِّيَاسَةِ وَالتَّعْظِيمِ، فَإِنَّهَا أَعْلَى، وَحَظُّ الذِّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ وَالرِّيَاسَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْجَاهِ الْقَائِمِ في الناس من أعظم الحظوظ

_ 1 قطعة من حديث صحيح دون لفظة: "ثلاث"، وقد خرجناه "ص240". 2 في "ط": "في الرهبان".

الَّتِي يُسْتَحْقَرُ مَتَاعُ الدُّنْيَا فِي جَنْبِهَا، وَذَلِكَ أَوَّلُ1 مَنْهِيٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَلَا كَلَامَ فَيمَنْ هَذَا شَأْنُهُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: "حُبُّ الرِّيَاسَةِ آخِرُ مَا يخرُج مِنْ رُءُوسِ الصِّدِّيقِينَ"، وَصَدَقُوا. وَالثَّانِي: أَنَّ طَلَبَ الْحُظُوظِ قَدْ يَكُونُ مُبَرَّءًا مِنَ الْحُظُوظِ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى طَلَبِهِ أَوَّلًا إِمَّا أَنْ يكون أمر الشارع أولا، فَإِنْ كَانَ أَمْرَ الشَّارِعِ، فَهُوَ الْحَظُّ الْمُبَرَّأُ الْمُنَزَّهُ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ عِنْدَهُ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ غَيْرِهِ، فكما يكون في مصالح غيره مبرءًا عَنِ الْحَظِّ، كَذَلِكَ يَكُونُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا شَأْنُ مَنْ ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، وَلَا يُعَدُّ مِثْلُ هَذَا حَظًّا وَلَا سَعْيًا فِيهِ بِحَسَبَ الْقَصْدِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّابِعَ إِذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَيْهِ الْقَصْدَ الْأَصْلِيَّ كَانَ فَرْعًا مِنْ فُرُوعِهِ، فَلَهُ حُكْمُهُ فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَرْتَبِطْ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ سَعْيٌ فِي الْحَظِّ، وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ هَكَذَا. وَأَمَّا2 شَأْنُ الرُّهْبَانِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُمْ هَذِهِ الْحَالَةُ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الْوَضْعِ، فَيَنْقَطِعُونَ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، وَيَتْرُكُونَ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ، وَيُسْقِطُونَ حُظُوظَهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَعْبُودِهِمْ، وَيَعْمَلُونَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُمْ مِنْ وُجُوهِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، وَمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ سَبَبٌ إِلَيْهِ، وَيُعَامِلُونَهُ فِي الْخَلْقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَسْبَمَا يَفْعَلُهُ الْمُحِقُّ فِي الدِّينِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَلَا أَقُولُ: "إِنَّهُمْ غَيْرُ مُخْلِصِينَ، بَلْ هُمْ مُخْلِصُونَ إلى من عبدوا، ومتوجهون صدقا إلى من عَامَلُوا، إِلَّا أَنَّ كُلَّ مَا يَعْمَلُونَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ، لَا يَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ بَنَوْا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية: 2-4] والعياذ بالله.

_ 1 لأنه أشد بواعث الهوى الذي وضعت الشريعة لإخراج العبد من ربقته. "د". 2 في الأصل: "وما".

وَدُونَهُمْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمِلَّةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَوَارِجِ مَا عَلِمْتَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ذِي الْخُوَيْصِرَةِ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمُ" 1 الْحَدِيثَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ عِبَادَةً تُسْتَعْظَمُ وَحَالًا يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرُهُ2، لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِمْ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" 3، وَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَتْلِهِمْ4، وَيُوجَدُ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ من هذا كثير.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، 6 / 617-618/ رقم 3610، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب من ترك قتال الخوارج للتألف6 ولئلا ينفر الناس عنه، 12/ 290/ رقم 6933، وكتاب فضائل القرآن، باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به، 9/ 99/ رقم 5058"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، 2/ 744/ رقم 1064 بعد 148" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. 2 إن كان المراد من الدين في قوله: "يمرقون من الدين" أصل الإسلام، كان فساد أعمال هذه الفرقة من جهة أنها لم تكن قائمة على أساس الصحة الذي هو الإيمان، أما إذا أريد من الدين الطاعة وذهبنا إلى أنهم داخلون في حساب المسلمين على ما هم من الابتداع، فإنما يبطل من أعمالهم ما لم يأتِ على وضعه الشرعي أو لم يتوجهوا فيه إلى الله بنية خالصة. "خ". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، 6 / 618/ رقم 3611، وكتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، 12/ 283/ رقم 6930"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، 2/ 746-747/ رقم 1066" عن علي رضي الله عنه. 4 ورد في آخر الحديث السابق: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم". قال "د": "هذا دليل على أن معنى مروقهم من الدين خروجهم من أصل الإسلام، لا مطلق المعصية، فلا وجه لتردد بعضهم هنا". قلت: وكلامه متعقب من وجوه كثيرة، انظرها في: "منهاج السنة النبوية" "3/ 27، 60 وما بعدها"، و"الرد على البكري" "ص256-260"، و"المسائل الماردينية" "ص65-70"،=

........................................................................................

_ = و" مجموعة الرسائل والمسائل" "5/ 199 وما بعدها"، وقد قرر المصنف في كتابه "الاعتصام" "2/ 185-187" عدم التكفير، فقال: "وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي يقوى في النظر وبحسب الأثر: عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السلف الصالح فيهم، ألا ترى صنع علي رضي الله عنه في الخوارج، وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام، على مقتضى قول الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} الآية؟! فإنه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة، لم يهاجمهم علي رضي الله عنه ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين، لم يتركهم لقوله عليه الصلاة والسلام: "من بدل دينه فاقتلوه" ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم، فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين. وأيضا، فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر، لم يكن من السلف الصالح لهم إلا الطرد والإبعادة والعداوة والهجران، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض، لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين، وعمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية بالموصل، أمر بالكف عنهم على ما أمر به علي رضي الله عنه، ولم يعاملهم معاملة المرتدين. ومن جهة المعنى إنا وإن قلنا: "إنهم متبعون الهوى ولما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو فرضنا أنهم كذلك، لكانوا كفارا؛ إذ لا يتأتى ذلك من أحد في الشريعة إلا مع رد محكماتها عنادا، وهو كفر. وأما من صدق الشريعة ومن جاء بها، وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه متبع للدليل بمثله، لا يقال: إنه صاحب هوى بإطلاق، بل متبع للشرع في نظره، لكن بحيث يمازجه الهوى في مطالبه من جهة إدخال الشبه في المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة. وأيضا، فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة والجماعة على مطلب واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة. وأيضا، فقد يعرض الدليل على المخالف منهم، فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده، كما رجع من الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه ألفان، وإن كان الغالب عدم الرجوع"، انتهى كلام الشاطبي، ثم حكى كيف رجع الألفان من الحرورية لما جاءهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وناقشهم فآبوا إلى الحق ورجعوا.

وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالْإِخْلَاصُ فِي الْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَصِحُّ خلوصه من اطِّرَاحِ الْحُظُوظِ1، لَكِنَّهُ إِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ كَانَ مُنْجِيًا عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كان [مبنيا] عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ، فَبِالضِّدِّ، وَيَتَّفِقُ هَذَا كَثِيرًا فِي أَهْلِ الْمَحَبَّةِ، فَمَنْ طَالَعَ أَحْوَالَ الْمُحِبِّينَ رَأَى اطِّراحَ الْحُظُوظِ وَإِخْلَاصَ الْأَعْمَالِ لِمَنْ أَحَبُّوا عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ الَّتِي تَتَهَيَّأُ مِنَ الْإِنْسَانِ. فإذن، قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَنَّ الْمَقَاصِدَ التَّابِعَةَ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِهِ، وَلَا أَنْفِيهِ. فَصْلٌ: وَيَظْهَرُ مِنْ هُنَا أَيْضًا أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يُصَيِّرُ تصرفاتِ الْمُكَلَّفِ كُلَّهَا عِبَادَاتٍ، كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا فَهِمَ مُرَادَ الشَّارِعِ مِنْ قِيَامِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، وَأَخَذَ فِي الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى مَا فَهِمَ، فَهُوَ إِنَّمَا يَعْمَلُ مِنْ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ الْعَمَلُ، وَيَتْرُكُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ التَّرْكُ، فَهُوَ أَبَدًا فِي إِعَانَةِ الْخَلْقِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِقَامَةِ الْمَصَالِحِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ2. أما باليد، فظاهر في وجوه الإعانات.

_ 1 أي: إنما يصح خلوص الإخلاص وكماله بسبب اطراح الحظوظ، وما بقي للحظ رائحة، فليس الإخلاص كاملا، في أي عمل فرضته. "د". 2 قرر رحمه الله في كتابه "الاعتصام" "1/ 32/ 34- ط محمد رشيد رضا" هذا المعنى بتفصيل، وله رسالة كتبها لبعض أصحابه فيها ضرورة الدعوة إلى الحق وأمانة نشره، تراها في "المعيار المعرب" "11/ 139"، و"فتاوى الشاطبي" "ص182-185"، وله أيضا في "المعيار" "11/ 141" وصية يحمل فيها أصحابه على الصبر على البلاء في بث العلم ونشره.

وَأَمَّا بِاللِّسَانِ، فَبِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونُوا فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مُطِيعِينَ لَا عَاصِينَ، وَتَعْلِيمُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ إِصْلَاحِ الْمَقَاصِدِ وَالْأَعْمَالِ، وَبِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِالدُّعَاءِ بِالْإِحْسَانِ لِمُحْسِنِهِمْ وَالتَّجَاوُزِ عَنْ مُسِيئِهِمْ. وَبِالْقَلْبِ لَا يُضْمِرُ لَهُمْ شَرًّا، بَلْ يَعْتَقِدُ لَهُمُ الْخَيْرَ، وَيُعَرِّفُهُمْ بِأَحْسَنِ الْأَوْصَافِ الَّتِي اتَّصَفُوا بِهَا وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، وَيُعَظِّمُهُمْ وَيَحْتَقِرُ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْقَلْبِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادِ. بَلْ لَا يَقْتَصِرُ فِي هَذَا عَلَى جِنْسِ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ الشَّفَقَةُ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا، حَتَّى لَا يُعَامِلَهَا إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجرٌ" 1، وَحَدِيثُ تَعْذِيبِ الْمَرْأَةِ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا"2، وَحَدِيثُ: "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كل مسلم، فإذا قتلتم،

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء/ رقم 2363، وكتاب المظالم، باب الآبار التي على الطريق إذا لم يُتأذَّ منها/ رقم 2466، وكتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم/ رقم 6009" و"الأدب المفرد" "378"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب فضل سقي البهائم وإطعامها/ رقم 2244 بعد 153"، ومالك في "الموطأ" "2/ 929-930"، وأحمد في "المسند" "2/ 521"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم/ رقم 2550"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 537- الإحسان"، والبيهقي في "الآداب" "رقم 46"، والقضاعي في "مسند الشهاب" "113". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الخلق، باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم/ رقم 2318، وكتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء/ رقم 2365، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب 54/ رقم 3482"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب السلام، باب تحريم قتل الهرة، 4/ 1760/ رقم 2242، وكتاب البر والصلة، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي، 4/ 2022". وانظر تفصيل التخريج في كتابنا "من قصص الماضيين" "ص343-345".

فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ" الْحَدِيثَ1 إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ. فَالْعَامِلُ بِالْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ عَامِلٌ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ فِي نَفْسِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاقْتِدَاءً بِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ تَصَارِيفُ مَن هَذِهِ سَبِيلُهُ عِبَادَةً كلَّها؟ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عَامِلًا عَلَى حَظِّهِ2، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَلْتَفِتُ [إِلَى] 3 حَظِّهِ أَوْ مَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى حَظِّهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هُوَ عَامِلٌ فِي مُبَاحٍ إِنْ لَمْ يُخِلَّ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ بِحَقِّ غَيْرِهِ فِيهِ، وَالْمُبَاحُ لَا يُتعبَّد إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَإِنْ فَرَضْنَاهُ قَامَ عَلَى حَظِّهِ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُ الشَّارِعُ، فَهُوَ عِبَادَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ خَاصَّةً، وَإِنْ فَرَضْتَهُ كَذَلِكَ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ دَاعِيَةِ حَظِّهِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ. فَصْلٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يَنْقُلُ الْأَعْمَالَ فِي الْغَالِبِ إِلَى أَحْكَامِ الْوُجُوبِ؛ إِذِ الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ دَائِرَةٌ عَلَى حُكْمِ الْوُجُوبِ، مِنْ حَيْثُ كَانَتْ حِفْظًا لِلْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ فِي الدِّينِ المراعاةِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَارَتِ الْأَعْمَالُ الْخَارِجَةُ عَنِ الْحَظِّ دَائِرَةً عَلَى الْأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ بِالْجُزْءِ يَصِيرُ وَاجِبًا بِالْكُلِّ، وَهَذَا عَامِلٌ بِالْكُلِّ4 فِيمَا هُوَ مَنْدُوبٌ بِالْجُزْءِ أَوْ مُبَاحٌ يَخْتَلُّ النظام باختلاله، فقد صار عاملا بالوجوب.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة 3/ 1548/ رقم 1955"، وغيره عن شداد بن أوس ولكن بلفظ: "شيء" بدل "مسلم" وكذا سيأتي عند المصنف "3/ 396"، ومضى تخريجه "1/ 217". وانظر سائر الأحاديث الواردة في هذا الباب في كتاب السخاوي "تحرير الجواب في ضرب الدواب" بتحقيقنا. 2 في "ماء/ 189": "حظوظه". 3 سقط من "ط". 4 أي: عامل بقصد الأمر الكلي، وهو إقامة المصالح العامة للناس، لا لخصوص نفسه، سواء أكان الفعل الجزئي مندوبا أم كان مباحا يختل النظام إذا اختل. "د".

فَأَمَّا الْبِنَاءُ [عَلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْحَظِّ الْجُزْئِيِّ، وَالْجُزْئِيُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ، فَالْبِنَاءُ] 1 عَلَى الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ، فَقَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ مُبَاحًا، إِمَّا بِالْجُزْءِ وَإِمَّا بِالْكُلِّ وَالْجُزْءِ مَعًا، وَإِمَّا مُبَاحًا بِالْجُزْءِ مَكْرُوهًا، أَوْ مَمْنُوعًا بِالْكُلِّ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ. فَصْلٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصِدَ2 الْأَوَّلَ إِذَا تَحَرَّاهُ الْمُكَلَّفُ يَتَضَمَّنُ الْقَصْدَ إِلَى كُلِّ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ فِي الْعَمَلِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِهِ إِنَّمَا قَصْدُهُ تَلْبِيَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ، إِمَّا بَعْدَ فَهْمِ مَا قَصَدَ3، وَإِمَّا لِمُجَرَّدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهُوَ قَاصِدٌ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ أعم المقاصد وأولها وأولاها، وَأَنَّهُ نُورٌ صِرْفٌ لَا يَشُوبُهُ غَرَضٌ وَلَا حَظٌّ، كَانَ الْمُتَلَقِّي لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ آخِذًا لَهُ زَكِيًّا وَافِيًا كَامِلًا، غَيْرَ مَشُوبٍ وَلَا قَاصِرٍ عَنْ مُرَادِ الشَّارِعِ، فَهُوَ حَرٍ أَنْ يَتَرَتَّبَ الثَّوَابُ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ. وَأَمَّا الْقَصْدُ التَّابِعُ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِالْحَظِّ أَوْ أَخْذَ الْعَمَلِ بِالْحَظِّ قَدْ قَصَرَهُ قَصْدُ الْحَظِّ عَنْ إِطْلَاقِهِ، وَخَصَّ عُمُومَهُ، فَلَا يَنْهَضُ نُهُوضَ الْأَوَّلِ. شَاهِدُهُ قَاعِدَةُ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 4، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الْخَيْلُ لِرَجل أجرٌ، وَلِرَجُلٍ سترٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزرٌ، فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فرَجُل رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أصابت في طيلها ذلك من

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 في الأصل: "المقصود". 3 في الأصل: "مقصودا". 4 سيأتي تخريجه "ص355"، وهو في الصحيحين".

الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ، فاستَنَّت شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بنهرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنات" 1، فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْحَدِيثَ لِصَاحِبِ الْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِارْتِبَاطِهَا سَبِيلَ اللَّهِ، وَهَذَا عَامٌّ غَيْرُ خَاصٍّ، فَكَانَ أَجْرُهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ عَامًا أَيْضًا غَيْرَ خَاصٍّ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ" 2 فَهَذَا فِي صَاحِبِ الْحَظِّ الْمَحْمُودِ لَمَّا قَصَدَ وَجْهًا خَاصًّا وَهُوَ حَظُّهُ، كَانَ حُكْمُهَا مَقْصُورًا عَلَى مَا قَصَدَ، وَهُوَ السَّتْرُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْقَصْدِ التَّابِعِ، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "ورجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ 3، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وزرٌ" 4، فَهَذَا فِي الْحَظِّ الْمَذْمُومِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْ أَصْلِ مُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَلَا كَلَامَ فيه هنا.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار 5/ 45-46/ رقم 2371، وكتاب الجهاد، باب الخيل لثلاثة 6/ 63-64/ رقم 2860، وكتاب المناقب، باب منه 6/ 633/ رقم 3646، وكتاب التفسير، باب قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} 8/ 726/ رقم 4962، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل 6/ 329/ رقم 7356"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة 2/ 680-683/ رقم 987" عن أبي هريرة رضي الله عنه. والمرج: مرعى الدواب ومرج الدابة: أرسلها ترعى، وطيلها: حبلها الذي تربط فيه، والشَّرَف، بالتحريك: الشوط، أي الجري مرة إلى الغاية، وهو الطلق. "2و 4" قطعة من الحديث السابق. 3 اتخاذ أدوات الحرب مناوأة لأهل الإسلام قد يكون فسوقا كمن يتخذ الخيل للإغارة على الأموال المحترمة مثلما يفعل بعض قطاع الطريق، وقد يعد نبذًا للدين جملة، ودخولا في زمرة المخالفين عقيدة وحكما، كمن يركبها منضما إلى جيش العدو والزاحف على بلد إسلامي؛ لتكون كلمته هي العليا ويذيق المسلمين من مرارة سلطته القاهرة عذابا مهينا. "خ".

وَيَجْرِي مَجْرَى الْعَمَلِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ الِاقْتِدَاءُ بِأَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِالصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ مَا قَصَدُوا يَشْمَلُهُ قَصْدُ الْمُقْتَدِي فِي الِاقْتِدَاءِ، وَشَاهِدُهُ الْإِحَالَةُ فِي النِّيَّةِ عَلَى نِيَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِ [بَعْضِ] 1 الصَّحَابَةِ فِي إِحْرَامِهِ: "بِمَا أَحْرَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"2، فَكَانَ حُجَّةً فِي الْحُكْمِ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ. فَصْلٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ يصيِّرُ الطَّاعَةَ أَعْظَمَ، وَإِذَا خُولِفَتْ كَانَتْ مَعْصِيَتُهَا أَعْظَمَ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْعَامِلَ عَلَى وَفْقِهَا عَامِلٌ عَلَى الْإِصْلَاحِ [الْعَامِّ] لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا قَاصِدٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ، وَإِمَّا قَاصِرٌ نَفْسَهُ عَلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ الَّذِي يَدْخُلُ قَصْدِهِ كُلُّ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَإِذَا فَعَلَ [ذَلِكَ] جُوزِيَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ أَحْيَاهَا، وَعَلَى كُلِّ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ قَصَدَهَا، وَلَا شَكَّ فِي عِظَمِ هَذَا الْعَمَلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْ أَحْيَا النَّفْسَ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا3، وَكَانَ الْعَالِمُ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ4 بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَعْمَلْ عَلَى وَفْقِهِ، فَإِنَّمَا يَبْلُغُ ثَوَابُهُ مَبْلَغَ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، فَمَتَى كَانَ قَصْدُهُ أَعَمَّ، كَانَ أَجْرُهُ أَعْظَمَ، وَمَتَى لَمْ يَعُمَّ قصده، لم يكن

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. وفي "ط": "قول الصحابي". 2 هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، روى جابر في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم في "كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 888/ رقم 1218"، وفيه: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي: " ماذا قلت حين فرضت الحج؟ ". قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ... " إلخ. 3 سيأتي النص الوارد في ذلك "ص386" ومضى "1/ 222-223". 4 مضى النص الوارد في ذلك "1/ 363".

أَجْرُهُ إِلَّا عَلَى وِزَانِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّ الْعَامِلَ عَلَى مُخَالَفَتِهَا عَامِلٌ عَلَى الْإِفْسَادِ الْعَامِّ، وَهُوَ مُضَادٌّ لِلْعَامِلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ الْعَامِّ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ قَصْدَ الْإِصْلَاحِ الْعَامِّ يَعْظُمُ بِهِ الْأَجْرُ، فَالْعَامِلُ عَلَى ضِدِّهِ يعظم به وزره، ولذلك كان ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ وِزْرِ كُلِّ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ1، وَكَانَ مَنْ قَتَلَ النَّفْسَ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَ "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا" 2. فَصْلٌ: وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ قَاعِدَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ أُصُولَ الطَّاعَاتِ وَجَوَامِعَهَا إِذَا تُتُبِّعَتْ وُجِدَتْ رَاجِعَةً إِلَى اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَكَبَائِرُ الذُّنُوبِ إِذَا اعْتُبِرَتْ وُجِدَتْ فِي مُخَالَفَتِهَا، وَيَتَبَيَّنُ لك ذلك بِالنَّظَرِ فِي الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَمَا أُلْحِقَ بِهَا قِيَاسًا، فَإِنَّكَ تَجِدُهُ مطَّرِدًا إِنْ شَاءَ الله.

_ 1 سيأتي النص الوارد في ذلك "ص386" ومضى "1/ 222-223". 2 سيأتي تخريجه "ص385"، ومضى "1/ 223".

الْمُسَالَةُ السَّادِسَةُ: الْعَمَلُ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَفْقِ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تُصَاحِبَهُ الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ، أَوْ لَا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَعَمَلٌ بِالِامْتِثَالِ بِلَا إِشْكَالٍ1، وَإِنْ كَانَ سَعْيًا فِي حَظِّ النَّفْسِ. وَأَمَّا الثَّانِي، فَعَمَلٌ بِالْحَظِّ وَالْهَوَى مُجَرَّدًا. وَالْمُصَاحَبَةُ إِمَّا بِالْفِعْلِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: هَذَا الْمَأْكُولُ، أَوْ هَذَا الْمَلْبُوسُ، أَوْ هَذَا الْمَلْمُوسُ، أَبَاحَ لِيَ الشَّرْعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ، فَأَنَا أَسْتَمْتِعُ2 بِالْمُبَاحِ وَأَعْمَلُ بِاسْتِجْلَابِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِمَّا بِالْقُوَّةِ وَمِثَالُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي التَّسَبُّبِ إِلَى ذَلِكَ الْمُبَاحِ مِنَ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، لَكِنَّ نَفْسَ الْإِذْنِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ، وَإِنَّمَا خَطَرَ لَهُ أَنَّ هَذَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهِ3 مِنَ الطَّرِيقِ الْفُلَانِيِّ، فَإِذَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ مِنْهُ، فَهَذَا في الحكم الأول، إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ الَّتِي تُوصِّلُ إِلَى الْمُبَاحِ مِنْ جِهَتِهِ مُبَاحًا، إِلَّا أَنَّ الْمُصَاحَبَةَ بِالْفِعْلِ أَعْلَى، وَيَجْرِي غَيْرُ4 الْمُبَاحِ مَجْرَاهُ فِي الصُّورَتَيْنِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَبَيَانُ كَوْنِهِ عَامِلًا5 بِالْحَظِّ والامتثال أمران:

_ 1 سيأتي استشكاله، إلا أن يقال: إن هذا منه تنبيه على أن لم يبقَ بعد الجواب أثر للإشكال في نظره. "د". 2 أي: يقضي شهوة نفسه؛ لأنه مأذون فيه، فقد جمع بين الأمرين كما ترى. "د". 3 أي: فتخيره للطريق المباح من بين الطرق، وتحريه عنه ما جاء إلا من جهة التفاته لإذن الشارع، فيكون في قوة القول المذكور. "د". 4 وهو المندوب. "د". 5 أي: في الصورتين، والغرض بيان صحة مصاحبة الحظ والمقاصد التابعة للمقاصد الأصلية، وأن ذلك لا يكون اتباعا للهوى. "د". قلت: وفي الأصل: "عاملا بالحق".

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ1 لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْرٍ عَادِيٍّ حَتَّى يَكُونَ الْقَصْدُ فِي تَصَرُّفِهِ مُجَرَّدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ فِي حَظِّ نَفْسِهِ وَلَا قَصْدٍ فِي ذَلِكَ2، بَلْ كَانَ يَمْتَنِعُ3 لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ حَتَّى يَسْتَحْضِرَ هَذِهِ النِّيَّةَ وَيَعْمَلَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ مِنَ الْحَظِّ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقٍ، وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا نَهَى عَنْ قَصْدِ الْحُظُوظِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ عَلَى حَالٍ، مَعَ قَصْدِ الشَّارِعِ لِلْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ وَعَدَمِ التَّشْرِيكِ فِيهَا، وَأَنْ لَا يلْحَظَ فِيهَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ لِلْحَظِّ فِي الْأَعْمَالِ إِذَا كَانَتْ عَادِيَّةً لَا يُنَافِي أَصْلَ الْأَعْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَأَتَّى قَصْدُ الشَّارِعِ لِلْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ وَعَدَمُ التَّشْرِيكِ فِيهَا؟ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً عَلَى مُقْتَضَى الْمَشْرُوعِ، لَا يُقْصَدُ بِهَا عَمَلٌ جَاهِلِيٌّ، وَلَا اخْتِرَاعٌ شَيْطَانِيٌّ، وَلَا تَشَبُّهٌ بِغَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ، كَشُرْبِ الْمَاءِ أَوِ الْعَسَلِ فِي صُورَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ مَا صُنِعَ لِتَعْظِيمِ أَعْيَادِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى وَإِنْ صَنَعَهُ الْمُسْلِمُ، أَوْ مَا ذُبِحَ عَلَى مُضَاهَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ4، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَعْظِيمِ الشِّرْكِ. كَمَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ أن إبراهيم بن هشام بن

_ 1 لأنه يكون انغماسا في اتباع الهوى المنهي عنه؛ لأن صاحبة الحظ إذا كانت مسقطة لما صاحبها من قصد الامتثال كان ما ذكره لازما. "د". 2 في الأصل و"ط": "لذلك". 3 أي: وأكل الميتة للمضطر من باب الواجب المتعلق بأمر عادي وهو إقامة الحياة. "د". 4 بعدها في "ط": "ودعاء الجاهلية".

إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ أَجْرَى عَيْنًا، فَقَالَ لَهُ الْمُهَنْدِسُونَ عِنْدَ ظُهُورِ الْمَاءِ: لَوْ أَهْرَقْتَ عَلَيْهَا دَمًا كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا تَغِيضَ وَلَا تَهُورَ، فَتَقْتُلَ مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا. فَنَحَرَ جَزَائِرَ حِينَ أُرْسِلَ الْمَاءُ فَجَرَى مُخْتَلِطًا بِالدَّمِ، وَأَمَرَ فَصُنِعَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ مِنْهَا طَعَامٌ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، وَقَسَمَ سَائِرَهَا بَيْنَ الْعُمَّالِ فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بِئْسَ وَاللَّهِ مَا صَنَعَ، مَا حَلَّ لَهُ نَحْرُهَا وَلَا الْأَكْلُ مِنْهَا، أَمَا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَهَى1 أَنْ يُذبَح لِلْجِنِّ"2؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا وَإِنْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مضاهٍ لِمَا ذُبِحَ

_ 1 كتب بعض الناظرين هنا أن دعوى رؤية الجن أو التلقي عنهم أو التزوج بهم أو استحقاقهم لأن يتقرب إليهم بالذبائح كلها خرافات ومزاعم سخيفة ابتدعت بعد صدر الإسلام. ا. هـ. [قلت: هذا كلام "خ"، وسيأتي في آخر التعليق الآتي] . وأقول: إن الكلام في رؤية الجن مع كونه نابيًا عن المقام هنا، فهو مخالف لما ورد في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: "أن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع صلاتي"، وحديث البخاري عن أبي هريرة في حراسة الزكاة، وأنه علمه أن يقرأ آية الكرسي فلا يقربه شيطان حتى يصبح، إلى غير ذلك. "د" قلت: سيأتي تخريج حديث تفلت الجني "ص441". 2 أخرجه أبو عبيد في "الغريب" "2/ 221"، والبيهقي في "الكبرى" "9/ 314" عن الزهري مرسلا بإسناد فيه عمر بن هارون، وهو متفق على ضعفه، واتهمه ابن معين وصالح جزرة بالكذب. وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" "2/ 19"، وابن الجوزي في "الموضوعات" "2/ 302" من طريق عبد الله بن أذينة عن ثور بن يزيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعا. قال ابن حبان عن ابن أذينة: "منكر الحديث جدا، يروي عن ثور ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به"، وقال الحاكم والنقاش: "روى أحاديث موضوعة". انظر: "اللسان" "3/ 257". وقال البيهقي عقب الحديث: "قال -أي الزهري: وأما ذبائح الجن أن تشتري الدار، وتستخرج العين، وما أشبه ذلك، فتذبح لها ذبيحة للطيرة، وقال أبو عبيد: وهذا التفسير في الحديث معناه أنهم يتطيرون إلى هذا الفحل مخافة أنهم إن لم يذبحوا فيطعموا أن يصيبهم فيها شيء من =

عَلَى النُّصُبِ وَسَائِرِ مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ "مُعَاقَرَةِ الْأَعْرَابِ"1، وهي أن يتبارى الرجلان

_ = الجن يؤذيهم، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم هذا، ونهى عنه". قلت: الحديث موضوع، ومعناه المذكور يدخل فيه الأحاديث الصحيحة التي تنهى عن الطيرة. وفي "ط": "نهى عن ذبائح الجن، يريد، نهى أن يُذبَح للجن". وكتب "خ": "مضى صدر الإسلام وليس من مدَّعٍ رؤية الجن أو التلقي عنهم أو التزوج بهم أو استحقاقهم لأن يتقرب إليهم بالذبائح والأطعمة، حتى قام من يزعم ذلك كله واتسع خرق هذه الضلالة، فكانت إحدى العلل التي فتكت بعقول كثيرة وألقت بها في تخيلات سخيفة ومزاعم يتبرأ منها الشرع الحكيم قبل أن يتهكم بها النظر الصحيح". وانظر -لزاما- الهامش السابق. 1 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب 3/ 101/ رقم 2820 -ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "9/ 313"- عن أبي ريحانة، عن ابن عباس به. قال أبو داود: "اسم أبي ريحانة عبد الله بن مطر، وغندر أوقفه على ابن عباس". قلت: يشهد للمرفوع ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف" رقم 6690"- ومن طريقه أحمد في "المسند" "3/ 197"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجنائز" باب النياحة على الميت، 4/ 16"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر، 3/ 216/ رقم 3222"، وابن حبان في "الصحيح" "7/ 415-416/ رقم 3146- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 62و 9/ 314"، والبغوي في "شرح السنة" "5/ 461و 11/ 227 - عن أنس مرفوعا: "لا عقر في الإسلام". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. قال عبد الرزاق: "كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة"، وقال البيهقي عقبه: "قال أبو زكريا -أي: يحيى بن معين: "العقر" يعني الأعراب عند الماء يعقر هذا، ويعقر هذا، فيأكلون لغير الله ورسوله". وقال: "وقال أبو سليمان الخطابي فيما بلغني عنه: معاقرة الأعراب أن يتبارى الرجلان، كل واحد منهما يجادل صاحبه، فيعقر هذا عددا من إبله، ويعقر صاحبه، فأيهما كان أكثر عقرا غلب صاحبه، وكره لحومها لئلا يكون مما أهل به لغير الله". وأفاد ابن الأثير في "النهاية" أنهم كان يعقرون الإبل على قبور الموتى، أي: ينحرونها، ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته، فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته، وأصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف، وهو قائم. ونقل كلام المصنف بحروفه السوسي في "الرحلة الحجازية" "1/ 162-163".

فَيَعْقِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، يُجَاوِدُ بِهِ صَاحِبَهُ، فَأَكْثَرُهُمَا عَقْرًا أَجْوَدُهُمَا، نَهَى عَنْ أَكْلِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ بِحَضْرَةِ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْبُلْدَانَ، وَأَوَانِ1 حَوَادِثَ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ، وَفِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: "نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَيْنِ أَنْ يُؤْكَلَ"2، وَهُمَا الْمُتَعَارِضَانِ لِيُرَى أَيُّهُمَا يَغْلِبُ صاحبه، فهذا وما كان نحوه إنما

_ 1 كذكريات حوادث الموت الأربعينية والسنوية، وما شاكل ذلك. "د". قلت: وفي "خ" و"ط": "حدوث". 2 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأطعمة، باب في طعام المتبارين 3/ 344/ رقم 3754" من طريق زيد بن أبي الزرقاء، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت، قال: سمعت عكرمة يقول: كان ابن عباس يقول ... "وذكره". وقال عقبه: "أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، وهارون النحوي ذكر فيه ابن عباس، وحماد بن زيد لم يذكر ابن عباس". قلت: أخرجه الحاكم في "المستدرك" "4/ 128-129"، والطبراني في "الكبير" "11/ 340/ رقم 11942" من طريق هارون بن موسى عن الزبير به. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" "2/ 509، 551"، والبيهقي في "الشعب" "5/ 129/ رقم 6067" من طريق بقية عن ابن المبارك عن جرير بن حازم به موصولا أيضا. وقال البغوي: "والصحيح أنه عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا". وقال ابن عدي عقبه في الموطن الأول: "وهذا الحديث الأصل فيه مرسل، وما أقل من أوصله، وممن أوصله بقية عن ابن المبارك عن جرير بن حازم". قلت: وللموصول طريق أخرى، كما عند ابن عدي في "الكامل" "5/ 1874"، والخطيب في "تاريخه" "3/ 240" من طريق يزيد بن عمر -هو ابن جنزة- عن عاصم بن هلال، عن أيوب، عن =

شُرِعَ عَلَى جِهَةِ أَنْ يُذْبَحَ عَلَى الْمَشْرُوعِ بِقَصْدِ مُجَرَّدِ الْأَكْلِ، فَإِذَا زِيدَ فِيهِ هَذَا الْقَصْدُ، كَانَ تَشْرِيكًا فِي الْمَشْرُوعِ، وَلَحْظًا لِغَيْرِ أمر الله تعالى، وعلى هذا وقعت الفيتا مِنِ ابْنِ عَتَّابٍ بِنَهْيِهِ عَنْ أَكْلِ اللُّحُومِ فِي النَّيْرُوزِ، وَقَوْلُهُ فِيهَا: إِنَّهَا مِمَّا أُهِلَّ لغير الله به، وهو باب واسع.

_ = عكرمة عن ابن عباس رفعه. قال ابن عدي بعد أن ساقه وغيره من الأحاديث: "وهذه الأحاديث عن أيوب بهذا الإسناد ليست هي محفوظة". وعاصم بن هلال ضعفه ابن معين ووهَّاه النسائي. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" "4/ 7-8"، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" "2/ 123" عن طريق سليمان بن الحجاج، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: "نَهِيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ طعام المباهاة وطعام المتبارين". وسليمان بن الحجاج الغالب على حديثه الوهم، كما قال العقيلي، وأورد الذهبي في "الميزان" "2/ 198" هذا الحديث في ترجمته، وقال: "لا يُعرَف، عداده في أهل الطائف". وقال العقيلي عقبه: "يروي عن الزبير بن خريت، عن عكرمة، عن ابن عباس، رفعه9 بعضهم وأوقفه بعضهم على عكرمة؛ الصحيح الموقوف". قلت: وهو مما فات أبو حفص الموصلي في "الوقوف على الموقوف"، فدار الحديث من رواية الثقات على الزبير بن خريت، ولذا لما سأل علي ابن المديني أبا داود سليمان بن عمرو النخعي الكذاب عن الحديث، قال له: "عكرمة، إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن طعام المتباريين". قال: "حدثنا خصيف، عن عكرمة". قال ابن المديني: "فبان أمره، ولم يروِ هذا غير الزبير بن الخريت"، كذا في "تاريخ بغداد" "9/ 17-18"، وتصحف فيه "المتباريين" إلى المتنازين" فلتصحح. إلا أن الحديث شاهدا بإسناد صحيح، أخرجه ابن السماك في "جزء من حديثه"، "ق 64/ أ" كما في "الصحيحة" "رقم 626"، وابن لال والديلمي كما في "فيض القدير" "6/ 259"، والبيهقي في "الشعب" "5/ 129/ رقم 6068" من حديث أبي هريرة مرفوعا: "المتباريان لا يجابان ولا يؤكل طعامهما". وقال الخطابي في "معالم السنن" "4/ 240" في شرح الحديث: "وإنما كره ذلك؛ لما فيه من الرياء والمباهاة، ولأنه داخل في جملة ما نهى عنه من أكل المال بالباطل".

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَصْدُ الْحَظِّ مِمَّا يُنَافِي الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ، لَكَانَ الْعَمَلُ بِالطَّاعَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ رَجَاءً فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوْ خَوْفًا مِنْ دُخُولِ النَّارِ عَمَلًا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا، فَيَبْطُلُ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ. أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ؛ فَلِأَنَّ طَلَبَ الْجَنَّةِ أَوِ الْهَرَبَ مِنَ النَّارِ سَعْيٌ فِي حَظٍّ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَلَبِ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ الشَّارِعُ وَأَذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَظٌّ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا عَاجِلٌ وَالْآخَرَ آجِلٌ، وَالتَّعْجِيلُ وَالتَّأْجِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرْدِيٌّ كَالتَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ فِي الدُّنْيَا لَا مُنَافَسَةَ1 فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ طَلَبُ الْحَظِّ الْآجِلِ سَائِغًا2 كَانَ طَلَبُ الْعَاجِلِ أَوْلَى بِكَوْنِهِ سَائِغًا. وَأَمَّا بُطْلَانُ التَّالِي3، فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ جَاءَ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ جُوزِيَ، وَاعْمَلُوا يُدْخِلْكُمُ الْجَنَّةَ، وَاتْرُكُوا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَا تَعْمَلُوا كَذَا فَتَدْخُلُوا النَّارَ، وَمَنْ يَعْمَلْ كَذَا يُجْزَ بكذا، وهذا بلا شَكّ تحريض عَلَى الْعَمَلِ بِحُظُوظِ النُّفُوسِ، فَلَوْ كَانَ طَلَبُ الْحَظِّ قَادِحًا فِي الْعَمَلِ، لَكَانَ الْقُرْآنُ مُذَكِّرًا بِمَا يَقْدَحُ فِي الْعَمَلِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَلِكَ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُسأَل عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي يُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَيُبْعِدُ مِنَ النَّارِ، فَيُخْبِرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِرَازٍ وَلَا تَحْذِيرٍ مِنْ طَلَبِ الْحَظِّ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّنْ قَالَ: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} [الإنسان: 9] .

_ 1 كذا في ط"، وفي غيره: "لا مناسبة". 2 الأولى أن يقول: ولما كان طلب الحظ الآجل بالطاعات سائغا، كان طلب الحظ العاجل بالعادات أولى بالجواز كما سيشير إليه بقوله: "فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ قَادِحًا فِي الْعِبَادَاتِ.... إلخ" وهذا في قوة قولنا، لكن التالي باطل، فيثبت نقيض المقدم وهو أن قصد الحظ لا ينافي صحة الأعمال العادية إذا انضم إليه قصد الامتثال ولو حكما. "د". 3 في الأصل و"خ": "الثاني".

بِقَوْلِهِمْ: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الْإِنْسَانِ: 10] . وَفِي الْحَدِيثِ: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا...." إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ1، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْعَمَلِ عَلَى الْحَظِّ وَفِي حَدِيثِ بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ قَوْلُهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَاشْتَرِطْ لِنَفْسِكَ، فَلَمَّا اشْتَرَطَ، قَالُوا: فَمَا لَنَا؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ" الحديث2.

_ 1 أخرج البخاري في الصحيح" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل 6/ 495-496/ رقم 3459" عن ابن عمر رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "إنما أَجَلُكُم في أَجَلِ من خَلَا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى"، فقالوا: "نحن أكثر عملا وأقل عطاء"، قال الله: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا"؟ قالوا: لا، قال: "فإنه فضلي أعطيه من شئت". وأخرجه البخاري في "صحيحه" أيضا "كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار، 4/ 445/ رقم 2268" عن ابن عمر مطولا مرفوعا، وفيه: "مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء...." نحوه. وأخرجه في "صحيحه" أيضا "كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى صلاة العصر 4/ 446-447/ رقم 2269"، وكتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام 96/ 66/ رقم 5021" عن ابن عمر نحوه. وأخرجه في "صحيحه" أيضا "كتاب الإجارة، باب الإجارة من العصر إلى الليل، 4/ 447 / رقم 2271" عن أبي موسى مرفوعا نحوه، وفيه: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما". 2 أخرج ابن شيبة في "المصنف" "14/ 598" -ومن طريقه ابن أبي عاصم في =

وَبِالْجُمْلَةِ، فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى، وَجَمِيعُهُ تَحْرِيضٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْحَظِّ1، وَإِنْ لَمْ يَقُلِ: اعْمَلْ لِكَذَا، فَقَدْ قَالَ: اعْمَلْ يَكُنْ لَكَ كذا، فإذا لم

_ = الآحاد والمثاني" "3/ 394/ رقم 1818"، والطبراني في "الكبير" "17/ 256/ رقم 710"- وأحمد في المسند" "4/ 120" -ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" "2/ 451"- من طريقين عن مجاهد عن عامر عن عقبة بن عمرو وأبي مسعود البدري، قال: "وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيل العقبة يوم الأضحى ونحن سبعون رجلا، قال عقبة: وإني لأصغرهم سنا، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أوجزوا في الخطبة، فإني أخاف عليكم كفار قريش". فقلنا: يا رسول الله! سلنا لربك، وسلنا لنفسك، وسلنا لأصحابك، وأخبرنا بما لنا من الثواب على الله تعالى وعليك. فقال: "أسأل لربي أن تؤمنوا به ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم أن تطيعوني أهدِكم سبيل الرشاد، وأسألكم لي ولأصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم وأن تمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم، فإذا فعلتم ذلك، فلكم على الله عز وجل الجنة وعلي". قال: فمددنا أيدينا فبايعناه. وإسناده ضعيف، فيه مجالد بن سعيد. وأخرجه أحمد في "المسند" "4/ 119-120"، والبيهقي في "الدلائل" "2/ 450، 451" من طرق عن زكريا ابن أبي زائدة عن عامر الشعبي به مرسلا، ورجاله رجال الصحيح، كما في "المجمع" "6/ 47"، وقوى إسناده الزرقاني في "شرحه على المواهب"، وأخرجه الطبراني في "الكبير" "2/ 186/ رقم 1757"، و"الصغير" "2/ 110"، و"الأوسط" بنحوه، ورجاله ثقات، كما في المجمع" "6/ 49"، وأخرج ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "3/ 389/ رقم 1809"، وأبو يعلى في "المسند" "6/ 410/ رقم 3772"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 234" من طرق عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن حميد، عن أنس أن ثابت بن قيس خطب مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا يا رسول الله؟ قال: "لكم الجنة". قالوا: رضينا. وإسناده ضعيف، خالد بن عبد الله الواسطي ضعيف، إلا أنه توبع، فأخرجه ابن السكن كما في "الإصابة" "2/ 14" من طريق ابن أبي عدي، عن حميد به. وهذه الطرق تدلل على أن للقصة أصلا، والأشهر فيها أنه وقعت في حديث بيعة الأنصار، كما قال المصنف، واحتمال تعداد الوقوع ضعيف، والله أعلم. 1 في الأصل و"خ" و"ط": "بالحظ على العمل".

يَكُنْ مِثْلُهُ قَادِحًا فِي الْعِبَادَاتِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ قَادِحًا فِي الْعَادَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: بَلْ مِثْلُ هَذَا قَادِحٌ فِي الْعَمَلِ بِالنَّصِّ وَالْمَعْقُولِ. أَمَّا الْمَعْقُولُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِقَصْدِ الْحَظِّ قَدْ جَعَلَ حَظَّهُ مَقْصِدًا وَالْعَمَلَ وَسِيلَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصِدًا لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا بِالْعَمَلِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ كَذَلِكَ، هَذَا خُلْفٌ، وَكَذَلِكَ العمل1 لو لَمْ يَكُنْ وَسِيلَةً لَمْ يُطْلَبِ الْحَظُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ؛ لِيَصِلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ حَظُّهُ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحَظِّ وَسِيلَةٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَسَائِلَ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِأَنْفُسِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْمَقَاصِدِ بِحَيْثُ لَوْ سَقَطَتِ الْمَقَاصِدُ سَقَطَتِ الْوَسَائِلُ، وَبِحَيْثُ لَوْ تُوُصِّلَ إِلَى الْمَقَاصِدِ دُونَهَا لَمْ يُتَوَسَّلْ بِهَا، وَبِحَيْثُ لَوْ فَرَضْنَا عَدَمَ الْمَقَاصِدِ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ لِلْوَسَائِلِ اعْتِبَارٌ، بَلْ كَانَتْ تَكُونُ كَالْعَبَثِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْأَعْمَالُ الْمَشْرُوعَةُ2 إِذَا عُمِلَتْ لِلتَّوَصُّلِ بِهَا إِلَى حُظُوظِ النُّفُوسِ، فَقَدْ صَارَتْ غَيْرَ مُتَعَبَّدٍ بِهَا إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْحَظِّ، فَالْحَظُّ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ لَا التَّعَبُّدُ، فَأَشْبَهَتِ3 الْعَمَلَ بِالرِّيَاءِ لِأَجْلِ حُظُوظِ الدُّنْيَا مِنَ الرِّيَاسَةِ وَالْجَاهِ وَالْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالْأَعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهَا4 كُلُّهَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِهَا إِذَا أُخذت مِنْ حَيْثُ أذن فيها، فإذا أخذت من جهة

_ 1 طريق آخر يتوصل به إلى أن العمل وسيلة للحظ، وهو أقرب إلى أن يكون طريقا آخر في التقرير والتصوير فقط، ولا يخفى أنه في هذا الإشكال من أوله إلى آخره لم يأخذ فيه سوى العمل والحظ، ولم يذكر المقصد الأصلي المشارك للحظ الذي قال فيه: "فأما الأول "فعمل بالامتثال بلا إشكال" فإن الحظ موضوعنا ليس هو المقصود وحده، بل معه القيام بالمصلحة ودرء المفسدة، الذي هو غاية لإذن الشارع فيه، وأخذ المكلف له من هذه الجهة. "د". 2 وهي ما فِي الْتِزَامِهَا نَشْرُ الْمَصَالِحِ بِإِطْلَاقٍ، وَفِي مُخَالَفَتِهَا نشر المفاسد بإطلاق، يعني ما ليست عبادة بالأصالة لأنها موضوع المسألة هنا. "د". 3 ولم تكن رياء محضا؛ لأنه مع طلب حظه والسعي فيه يضم إلى ذلك غرضه من إقامة المصلحة ودرء المفسدة بدليل أخذه لها من جهة الإذن. "د". 4 هي نفس الأعمال المشروعة في كلامه. "د".

الْحُظُوظِ سَقَطَ كَوْنُهَا مُتَعَبَّدًا بِهَا، فَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالْمُتَعَبَّدِ بِهَا كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَأَشْبَاهِهِمَا، يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ التَّعَبُّدُ بِهَا، وَكُلُّ عَمَلٍ مِنْ عَادَةٍ أَوْ عِبَادَةٍ مَأْمُورٌ بِهِ فَحَظُّ النَّفْسِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ1، فَإِذَا أُخِذَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُتَعَبَّدًا بِهِ سَقَطَ كَوْنُهُ عِبَادَةً، فَصَارَ مُهْمَلَ الِاعْتِبَارِ فِي الْعِبَادَةِ، فَبَطُلَ التَّعَبُّدُ فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْنَى كَوْنِ الْعَمَلِ غَيْرَ صَحِيحٍ. وَأَيْضًا، فَهَذَا الْمَأْمُورُ أَوِ الْمَنْهِيُّ بِمَا فِيهِ حَظُّهُ، يَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَرِيٌّ عَنِ الْحُظُوظِ؟! هَلْ كَانَ يَلْزَمُهُ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ بِلَا بُدٍّ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ لَا وَسِيلَةٌ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ: هَبِ الْبَعْثَ لَمْ تَأْتِنَا رُسْلُهُ ... وَجَاحِمَةَ النَّارِ لَمْ تُضْرَمْ أَلَيْسَ مِنَ الْوَاجِبِ المستحَقِّ ... ثَنَاءُ الْعِبَادِ عَلَى الْمُنْعِمِ وَيَعْنِي بِالْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ، فَإِذَا جُعِلَ وَسِيلَةً، أُخْرِجَ عَنْ مُقْتَضَى الْمَشْرُوعِ، وَصَارَ الْعَمَلُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى غَيْرِ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ، وَالْقَصْدُ الْمُخَالِفُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ بَاطِلٌ، وَالْعَمَلُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ، فَالْعَمَلُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْحَظِّ كَذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَعَ رَبِّهِ حَقٌّ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهُ وَلَا أَنْ يَسْقِيَهُ وَلَا أَنْ يُنَعِّمَهُ، بَلْ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كان لَهُ ذَلِكَ بِحَقِّ الْمُلْكِ {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الْأَنْعَامِ: 149] ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ التَّعَبُّدِ، فَحَقُّهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ حَظٍّ، فَإِنَّ طَلَبَ الْحَظِّ بِالْعَمَلِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِحُقُوقِ السَّيِّدِ بَلْ بِحُظُوظِ نفسه.

_ 1 أي: لا يخلو من حظ للنفس يمكن أن يتعلق به. "د".

وَأَمَّا النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا النَّظَرِ، فَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى إِخْلَاصِ الْأَعْمَالِ لِلَّهِ، وَعَلَى أَنَّ مَا لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ مِنْهَا فَلَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} [الْبَيِّنَةِ: 5] . وقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الْكَهْفِ: 110] . وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ" 1. وَفِيهِ: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" 2، أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ بِالْأَمْرِ بِالْهِجْرَةِ شَيْءٌ، فَإِنَّ كُلَّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ عُقِلَ مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، فَفِيهِ تَعَبُّدٌ حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَالْعَامِلُ لحظِّه مُسْقِطٌ لِجَانِبِ التَّعَبُّدِ، وَلِذَلِكَ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْعَامِلَ لِلْأَجْرِ خَدِيمَ السُّوءِ وَعَبْدَ السُّوءِ، وَفِي الْآثَارِ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ، وَقَدْ جَمَعَ الْأَمْرَ كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص} [الزُّمَرِ: 3] . وَأَيْضًا: فَقَدْ عَدَّ النَّاسُ مِنْ هَذَا مَا هُوَ قَادِحٌ فِي الْإِخْلَاصِ وَمُدْخَلٌ لِلشَّوْبِ فِي الْأَعْمَالِ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ3: "كُلُّ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ القلب قل أم كَثُرَ إِذَا تَطَرَّقَ إِلَى الْعَمَلِ، تَكَدَّرَ بِهِ صفوه، وقل4 به

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله / رقم 2985". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي 1/ 9/ رقم 1"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" 3/ 1515/ رقم 1907" من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتقدم "1/ 459". 3 في "الإحياء" "4/ 380". 4 كذا في جميع النسخ، وفي "الإحياء": "وزال".

إِخْلَاصُهُ"1. قَالَ: "وَالْإِنْسَانُ مُنْهَمِكٌ فِي حُظُوظِهِ وَمُنْغَمِسٌ فِي شَهَوَاتِهِ، قَلَّمَا يَنْفَكُّ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَعِبَادَةٌ مِنْ عِبَادَاتِهِ عَنْ حُظُوظٍ مَا، وَأَغْرَاضٍ عَاجِلَةٍ [مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ] ، وَلِذَلِكَ [قِيلَ] : مَنْ سلم له من عُمْرِهِ خَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ نَجَا، وَذَلِكَ لِعِزِّ الْإِخْلَاصِ، وَعُسْرِ تَنْقِيَةِ الْقَلْبِ عَنْ هَذِهِ الشَّوَائِبِ، بَلِ الْخَالِصُ هُوَ الَّذِي لَا باعث عليه إِلَّا طَلَبُ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى"2. ثُمَّ قَالَ:"وَإِنَّمَا الْإِخْلَاصُ تَخْلِيصُ الْعَمَلِ عَنْ هَذِهِ الشَّوَائِبِ كُلِّهَا قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، حَتَّى يَتَجَرَّدَ فِيهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ بَاعِثٌ سِوَاهُ". قَالَ: "وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا مِنْ مُحِبٍّ لِلَّهِ مستهتَر، مُسْتَغْرِقِ الْهَمِّ بِالْآخِرَةِ، بِحَيْثُ لَمْ يبقَ لِـ[حُبِّ] الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ قَرَارٌ، حَتَّى لَا يُحِبُّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ أَيْضًا، بَلْ تَكُونُ رَغْبَتُهُ فِيهِ كَرَغْبَتِهِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ ضَرُورَةُ الْجِبِلَّةِ3، فَلَا يَشْتَهِيَ الطَّعَامَ لِأَنَّهُ طَعَامٌ؛ بَلْ لِأَنَّهُ يُقَوِّيهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَيَتَمَنَّى [أَنْ] لَوْ كُفِيَ شَرَّ الْجُوعِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى الْأَكْلِ، فَلَا يَبْقَى في قلبه حظ من الْفُضُولِ الزَّائِدَةِ عَلَى الضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ قَدْرِ الضَّرُورَةِ مَطْلُوبًا عِنْدَهُ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ، فَلَا يَكُونُ لَهُ همٌّ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، فَمِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ قَضَى حَاجَتَهُ، كَانَ خَالِصَ الْعَمَلِ صَحِيحَ النِّيَّةِ فِي جميع حركاته وسكناته، فلو نام مثلا حتى يريح نَفْسَهُ ليتقوَّى4 عَلَى الْعِبَادَةِ بَعْدَهُ؛ كَانَ نَوْمُهُ عِبَادَةً وَحَازَ دَرَجَةَ الْمُخْلِصِينَ، ومَن لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَبَابُ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ كَالْمَسْدُودِ عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ النُّدُورِ"، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى بَاقِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَهُ5 فِي "الْإِحْيَاءِ" مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَوَاضِعُ يَعْرِفُهَا مِنْ زَوَالِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فالعامل الملتفت إلى حظ نفسه على

_ 1 أما كونه إذا شارك طلب الحظ قصد الامتثال يضعف الإخلاص، فلا كلام فيه، ولكن يلزم منه المطلوب وهو بطلانه رأسا. "د". 2 الهوامش من "2-5" في الاستدراك: "رقم 7".

خِلَافِ1 مَا وَقَعَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا تُعُبِّد الْعِبَادُ بِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْعِبَادَاتُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ بِالْأَصَالَةِ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَتَوَابِعُهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَالثَّانِي: الْعَادَاتُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ الَّتِي فِي الْتِزَامِهَا نَشْرُ الْمَصَالِحِ بِإِطْلَاقٍ، وَفِي مُخَالَفَتِهَا نَشْرُ الْمَفَاسِدِ بِإِطْلَاقٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُمْ، وَهُوَ الْقِسْمُ الدُّنْيَوِيُّ الْمَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ حَقُّ اللَّهِ مِنَ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمَشْرُوعُ لِمَصَالِحِهِمْ فِي الْآخِرَةِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ عَنْهُمْ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَظُّ [الْمَطْلُوبُ] 2 دُنْيَوِيًّا أَوْ أُخْرَوِيًّا. فَإِنْ كَانَ أُخْرَوِيًّا، فَهَذَا حَظٌّ قَدْ أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا ثَبَتَ شَرْعًا، فَطَلَبُهُ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَهُ صَحِيحٌ؛ إِذْ لَمْ يتعدَّ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، وَلَا أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ غَيْرَهُ، وَلَا قَصَدَ مُخَالَفَتَهُ؛ إِذْ قَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّارِعِ حِينَ رَتَّبَ عَلَى الْأَعْمَالِ جَزَاءً أَنَّهُ قَاصِدٌ لِوُقُوعِ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَصَارَ الْعَامِلُ لِيَقَعَ لَهُ الْجَزَاءُ عَامِلًا لِلَّهِ وَحْدَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ غير قادح في

_ 1 لم يقل: "سقط كونه متعبدا بها" مع أن هذا هو محل الإشكال على أصل المسألة، بل قال كلاما مجملا عاما يمكن حمله على أنه لم يكن الإخلاص تاما، وهو الذي يصح أن يكون نتيجة لقوله: "وأيضا إلى هنا"، ويصح أن يحمل على الاستدلال على ما قاله من الإشكال، وهو أن جهة التعبد ساقطة وملغاة لمشاركة الحظ لها، وهذا هو الذي دلل عليه قبل قوله: "وأيضا"، واستنتج فيه قوله: "فالعامل لحظه مسقط لجانب التعبد"، ولو اقتصر عليه كان أولى؛ لأن ما بعده زائد عن الغرض. "د". وفي "ط": "فالعامل ملتفتا إلى ... ". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل ونسخة "ماء/ ص193".

إِخْلَاصِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُنْجِيَةَ وَالْعَمَلَ الْمُوصِلَ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، لَا مَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ} إِلَى قَوْلِهِ: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} الآية [الصافات: 40-43] . فَإِذَا كَانَ قَدْ رَتَّبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَمَلِ المخلَص -وَمَعْنَى كَوْنِهِ مخلَصا أَنْ لَا يُشْرِكَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ1، فَهَذَا قَدْ عَمِلَ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْحَظِّ لَيْسَ بِشِرْكٍ؛ إِذْ لَا يُعْبَدُ الْحَظُّ نَفْسُهُ2، وَإِنَّمَا يُعْبَدُ مَنْ بِيَدِهِ بَذْلُ الْحَظِّ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ لَوْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ [مَنْ ظَنَّ بِيَدِهِ بَذْلُ حَظٍّ مَا مِنَ الْعِبَادِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشْرَكَ، حَيْثُ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ] 3 غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الطَّلَبِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَاللَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا فِيهِ شِرْكٌ، وَلَا يَرْضَى بِالشِّرْكِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَصْدَ الْحَظِّ الْأُخْرَوِيِّ فِي الْعِبَادَةِ لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ فِيهَا، بَلْ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يُوصِلُهُ إِلَى حَظِّهِ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَذَلِكَ بَاعِثٌ لَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ، قَوِيٌّ لِعِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْقَطِعُ طَلَبُهُ لِلْحَظِّ4 لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو حَامِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّ أَقْصَى حُظُوظِ الْمُحِبِّينَ التَّنَعُّمُ فِي الْآخِرَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَحْبُوبِهِمْ وَالتَّقَرُّبِ مِنْهُ، وَالتَّلَذُّذُ بِمُنَاجَاتِهِ، وَذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ مَا فِي الدَّارَيْنِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] .

_ 1 لا أنه لا يقصد مع العبادة شيئا آخر مطلقا حتى ما أثبته الشرع. "د". 2 في نسخة "ماء/ ص194": "بنفسه". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 4 في الأصل و"ط" و"خ": "الحظ.... للعبد".

وَإِلَى هَذَا، فَإِنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ يَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ نَادِرٌ قَلِيلٌ إِنْ وُجِدَ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَرَ الْجَمِيعَ بِالْإِخْلَاصِ، وَالْإِخْلَاصُ الْبَرِيءُ عَنِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ عَسِيرٌ جِدًّا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا خَوَاصُّ الْخَوَاصِّ، وَذَلِكَ قَلِيلٌ، فَيَكُونُ هَذَا الْمَطْلُوبُ قَرِيبًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهَذَا شَدِيدٌ. وَعَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِحَظٍّ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الْحُظُوظِ صِفَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَمَنِ ادَّعَاهُ، فَهُوَ كَافِرٌ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ: "وَمَا قَالَهُ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أَرَادُوا بِهِ1 "يَعْنِي: الصُّوفِيَّةَ" الْبَرَاءَةَ عَمَّا يُسَمِّيهِ النَّاسُ حُظُوظًا، وَذَلِكَ الشَّهَوَاتُ الْمَوْصُوفَةُ فِي الْجَنَّةِ فَقَطْ، فَأَمَّا التَّلَذُّذُ بِمُجَرَّدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمُنَاجَاةِ، وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهَذَا حَظُّ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لَا يَعُدُّهُ النَّاسُ حَظًّا، بَلْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ". قَالَ: "وَهَؤُلَاءِ لَوْ عُوِّضُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ من لذة الطاعة والمناجاة، وملازمة الشهوة للحضرة الإلهية سرا وجهرا نعيم الجنة، لا ستحقروها وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، فَحَرَكَتُهُمْ لِحَظٍّ2، وَطَاعَتُهُمْ لِحَظٍّ، وَلَكِنَّ حَظَّهُمْ مَعْبُودُهُمْ دُونَ غَيْرِهِ". هَذَا مَا قَالَ، وَهُوَ إِثْبَاتٌ لِأَعْظَمِ الْحُظُوظِ3، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ على ضربين:

_ 1 أي بقولهم: "إن البراءة عن الحظوظ العاجلة والآجلة عسيرة جدا، لا يصل إليها إلا خواص الخواص" أي: فهي ممكنة، فكيف يقال: من ادعاها كافر؟ فأبو حامد يجمع بينهما بأن براءة خواص الخواص إنما هي من قصد النعيم المذكور لأهل الجنة من أكل وشرب ولباس وتمتع بحور وما أشبه، لا كل حظ، وإلا، فحظ المعرفة والمناجاة والنظر ونحوها حظوظ خواص الخواص، فلم يتبرؤوا من الحظوظ رأسا، حتى يشاركوا الإله في وصفه. "د". 2 في الموضعين من الأصل: "لحظة". 3 ادعى بعض الفلاسفة أن الإنسان قد يعمل لمجرد كونه خيرا، وأن يتقين أنه لا ينال من أثره نفعا، والراسخ في علم أحوال النفس لا يكاد يصدق بأن في طبيعة النفس الناطقة ما يساعدها على أن تقبل على العمل دون أن تشعر بأنها ستنال في عاقبته قسطا من اللذة أو السعادة، غير أن من الغايات ما يكون محمودا وتزداد النفس بالقصد إليه كالفوز برضوان الله، وما يترتب عليه من سعادة باقية، ومنها ما يكون رذيلة كمن يعمل حرصا على منفعة خاصة ولا يبالي أن تجر في أذيالها ضررا يتعدى إلى غيره. "خ". قلت: سيأتي بسط ذلك في التعليق على "ص364".

أَحَدُهُمَا: مَنْ يَسْبِقُ لَهُ امْتِثَالُ أَمْرِ اللَّهِ الْحَظَّ، فَإِذَا أُمر أَوْ نُهِي لبَّى قَبْلَ حُضُورِ الْحَظِّ، فَهُمْ عَامِلُونَ بِالِامْتِثَالِ لَا بِالْحَظِّ، وَأَصْحَابُ هَذَا الضَّرْبِ عَلَى دَرَجَاتٍ، وَلَكِنَّ الْحَظَّ لَا يَرْتَفِعُ خُطُورُهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ إِلَّا نَادِرًا، وَلَا مَقَالَ فِي صِحَّةِ إِخْلَاصِ هَؤُلَاءِ. وَالثَّانِي: مَنْ يَسْبِقُ لَهُ الْحَظُّ الِامْتِثَالَ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ الْأَمْرَ أَوِ النَّهْيَ خَطَرَ لَهُ الْجَزَاءُ، وَسَبَقَ لَهُ الْخَوْفُ أَوِ الرَّجَاءُ، فَلَبَّى دَاعِيَ اللَّهِ، فَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ مُخْلِصُونَ أَيْضًا؛ إِذْ طَلَبُوا مَا أُذِنَ لَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَهَرَبُوا عَمَّا أُذِنَ لَهُمْ فِي الْهَرَبِ عَنْهُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَقْدَحُ فِي الإخلاص كما تَقَدَّمَ. فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ الْمَطْلُوبُ بِالْعِبَادَاتِ مَا فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يَرْجِعُ إِلَى صَلَاحِ الْهَيْئَةِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ عِنْدَ النَّاسِ، وَاعْتِقَادِ الْفَضِيلَةِ لِلْعَامِلِ بِعَمَلِهِ. وَقِسْمٌ يَرْجِعُ إِلَى نَيْلِ حَظِّهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَهَذَا ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إِلَى مَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ مُرَاءَاةِ النَّاسِ بِالْعَمَلِ. وَالْآخَرُ يَرْجِعُ إِلَى الْمُرَاءَاةِ لِيَنَالَ بِذَلِكَ مَالًا أَوْ جَاهًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.

أَحَدُهَا: يَرْجِعُ إِلَى تَحْسِينِ الظَّنِّ عِنْدَ النَّاسِ وَاعْتِقَادِ الْفَضِيلَةِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَصْدُ مَتْبُوعًا، فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ رِيَاءٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَبْعَثُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ قَصْدُ الْحَمْدِ وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ الْخَيْرُ، وَيَنْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ كَوْنُهُ يُصَلِّي فَرْضَهُ أَوْ نَفْلَهُ، وَهَذَا بيِّن. وَإِنْ كَانَ تَابِعًا، فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَوَقَعَ فِي "الْعُتْبِيَّةِ"1 فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُصَلِّي لِلَّهِ ثُمَّ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يُحِبُّ2 أَنْ يُعْلَمَ، وَيُحِبُّ أَنْ يُلْقَى3 فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى3 فِي طَرِيقٍ غَيْرِهِ، فَكَرِهَ رَبِيعَةُ هَذَا، وَعَدَّهُ مَالِكٌ مِنْ قَبِيلِ الْوَسْوَسَةِ الْعَارِضَةِ لِلْإِنْسَانِ، أَيْ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي لِلْإِنْسَانِ إِذْ سَرَّهُ مَرْأَى النَّاسِ لَهُ عَلَى الْخَيْرِ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ لمراءٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ لَا يُمْلَكُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: 39] . وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشُّعَرَاءِ: 84] . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: لِأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا"4. وَطَلَبُ الْعِلْمِ5 عِبَادَةٌ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "سَأَلَتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ أَبَا مَنْصُورٍ الشِّيرَازِيَّ الصُّوفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} [البقرة: 160]

_ 1 "1/ 498- مع "البيان والتحصيل"، وكذا في "المقدمات" "ص30" لابن رشد، وفيه زيادة بيان وإيضاح. 2 في "العتبية": "يجب"، بالجيم. 3 في الموطنين: "يلفى"، بالفاء. 4 سيأتي تخريجه "3/ 146"، وهو في الصحيحين". 5 الذي هو موضوع حديث ابن عمر؛ لأنهم كانوا في مجلسه صلى الله عليه وسلم يسألهم في العلم، ومع كونه في مقام عبادة، قال: لأن تكون قلتها.... إلخ الذي يؤول إلى أن عمر لم يخشَ في عبادة ابنه بطلب العلم حظا هو اعتقاد الفضيلة فيه. "د".

مَا بَيَّنُوا؟ قَالَ: أَظْهَرُوا أَفْعَالَهُمْ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاحِ وَالطَّاعَاتِ. قُلْتُ: وَيَلْزَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِتَثْبُتَ أمانته، وتصح إمامته، وتقبل شهاداته"1. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "وَيَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى وَالْغَزَالِيُ يَجْعَلُ مِثْلَ هَذَا مِمَّا لَا تَتَخَلَّصُ فِيهِ2 الْعِبَادَةُ". وَالثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إِلَى مَا يَخُصُّ الْإِنْسَانَ فِي نَفْسِهِ، مَعَ الْغَفْلَةِ [عَنْ مُرَاءَاةِ الْغَيْرِ] 3، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: أَحَدُهَا: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْأُنْسِ بِالْجِيرَانِ، أَوِ الصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ لِمُرَاقَبَةٍ، أَوْ مُرَاصَدَةٍ، أَوْ مُطَالَعَةِ أَحْوَالٍ. وَالثَّانِي: الصَّوْمُ؛ تَوْفِيرًا لِلْمَالِ، أَوِ اسْتِرَاحَةً مِنْ عَمَلِ الطَّعَامِ وَطَبْخِهِ، أَوِ احْتِمَاءً لِأَلَمٍ يَجِدُهُ، أَوْ مَرْضٍ يَتَوَقَّعُهُ أَوْ بِطْنَةٍ تَقَدَّمَتْ لَهُ. وَالثَّالِثُ: الصَّدَقَةُ لِلَذَّةِ السَّخَاءِ وَالتَّفَضُّلِ عَلَى النَّاسِ. وَالرَّابِعُ: الْحَجُّ؛ لِرُؤْيَةِ الْبِلَادِ، وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنَ الْأَنْكَادِ، أَوْ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ لِتَبَرُّمِهِ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أَوْ إِلْحَاحِ الْفَقْرِ.

_ 1 إذا كان كذلك لا يكون هذا الحظ إلا المصلحة العامة ونفع الخلق بالقصد الأول، ويكون ما يرجع إليه هو تابعا صرفا. "د". وقال "خ": "كان عليه الصلاة والسلام يبين بالقول تارة وبالفعل أخرى، وكذلك العالم لو أوفى البيان بالقول حقه لخلصت ذمته من واجب التبليغ، فتفسير أبي منصور الشيرازي قوله تعالى: {وَبَيَّنُوا} بإظهار الفعل إنما هو بعض ما يتناوله اللفظ، وليس هو الطريق الوحيد للتبيين، والوجه الذي ينحصر فيه المراد من الآية بحيث لا يكفي التبيين بالأقوال الصريحة". قلت: وكلام ابن العربي في "أحكام القرآن" "1/ 118، 136 و2/ 511"، وعنه القرطبي في "التفسير" "5/ 423-424" مع تعقب له، فانظره لزامًا. 2 في "ط": "به". 3 ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.

وَالْخَامِسُ: الْهِجْرَةُ؛ مَخَافَةُ الضَّرَرِ فِي النَّفْسِ أَوِ الْأَهْلِ أَوِ الْمَالِ. وَالسَّادِسُ: تعلُّم الْعِلْمِ؛ لِيَحْتَمِيَ بِهِ عَنِ الظُّلْمِ. وَالسَّابِعُ: الْوُضُوءُ؛ تَبَرُّدًا. وَالثَّامِنُ: الِاعْتِكَافُ؛ فِرَارًا مِنَ الْكِرَاءِ. وَالتَّاسِعُ: عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ؛ ليُفعَل بِهِ ذَلِكَ. وَالْعَاشِرُ: تَعْلِيمُ الْعِلْمِ؛ لِيَتَخَلَّصَ بِهِ مِنْ كَرْبِ الصَّمْتِ وَيَتَفَرَّجَ بِلَذَّةِ الْحَدِيثَ. وَالْحَادِي عَشَرَ: الْحَجُّ مَاشِيًا؛ لِيَتَوَفَّرَ لَهُ الْكِرَاءُ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَيْضًا مَحَلُّ اخْتِلَافٍ إِذَا كَانَ الْقَصْدُ الْمَذْكُورُ تَابِعًا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ، وَقَدِ الْتَزَمَ الْغَزَالِيُّ1 فِيهَا وَفِي أَشْبَاهِهَا أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْإِخْلَاصِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَصِيرَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ أَخَفَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ، وَأَمَّا ابْنُ الْعَرَبِيِّ، فَذَهَبَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ2 مَجَالَ النَّظَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ يَلْتَفِتُ إِلَى انْفِكَاكِ الْقَصْدِينَ أَوْ عَدَمِ انْفِكَاكِهِمَا، فَابْنُ الْعَرَبِيِّ يَلْتَفِتُ إِلَى وَجْهُ الِانْفِكَاكِ، فَيُصَحِّحُ الْعِبَادَاتِ، وَظَاهِرُ الْغَزَالِيِّ الِالْتِفَاتُ إِلَى مُجَرَّدِ الِاجْتِمَاعِ وُجُودًا، كَانَ الْقَصْدَانِ مِمَّا يَصِحُّ انْفِكَاكُهُمَا أَوْ لَا، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْخِلَافُ فِيهَا وَاقِعٌ، وَرَأْيُ أَصْبَغَ فِيهَا الْبُطْلَانُ3، فإذا كان كذلك، اتجه

_ 1 انظر: "الاتجاه الأخلاقي" "ص53 وما بعدها"، وتابع الغزالي في رأيه هذا الحارث المحاسبي في "الرعاية" "ص150"، ونقله عن الحارث وأيده القرطبي في "تفسيره" "5/ 180-181 و9/ 14". 2 في الأصل و"خ": "كان". 3 أي: مع وجود الانفكاك كما هو رأي الغزالي، وقوله: "على أن" تأييد لرأي ابن العربي. "د".

النَّظَرَانِ، وَظَهَرَ مَغْزَى الْمَذْهَبَيْنِ. عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الِانْفِكَاكُ أَوْجَهُ1، لما جاء

_ 1 سر المسألة أن القائلين بعدم الانفكاك ظنوا في بداية الأمر أن القصد الذي يتطلع صاحبه إلى ثمرات الأعمال ونتائجها وحظوظه منها مزاحم للقصد المتجه إلى الله، فيكون ذلك تشريكا يجب أن ننزه عنه نياتنا، ومن هنا اندفعوا جاهدين كي ينتزعوا من أعماق نفوسهم تلك الخواطر والمقاصد التي تتطلع إلى محبوباتها من الأعمال المشروعة، فلما وجدوا صعوبة في الأمر تحول دون تحقيق المراد رموا الدنيا وراء ظهورهم، وقصروا تطلعاتهم على الأعمال التي أُمروا بتحقيقها، وجاهدوا النفوس كي لا يبقى لهم مراد غير ذلك المراد. ولا يفوتنا ونحن نبحث في أصل المسألة أن نقرر ما قرره المحققون من العلماء من أن الشارع قصد في وضعه للشريعة مصالح العباد في العاجل والآجل، وقد قرر المصنف هذه المسألة بما لا مزيد عليها في أول هذا "كتاب المقاصد" فإذا كان هذا مقررا، فكيف يجوز أن نمنع العابد من أن يتطلع إلى المصالح التي قصدها الشارع من أعمال المكلفين؟! لو ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى القول بمنع العباد من النظر والتطلع إلى مصالح ونتائج لا يرتضي الشارع أن تُجعل الأعمال المتعبد بها وسيلة إليها، لكان هذا القول مرضيا ومقبولا؛ لأن المكلف مطالب بألا يتوجه ولا يقصد إلا ما قصده الشارع من المصالح، أما أن نرفض جواز التطلع إلى الخير المترتب على أعمالنا المتعبد بها مع أن الشارع ارتضاه وقصده، فهذا في غاية الصعوبة. ونستطيع هنا أن نتقدم خطوة، فنقول: إن قصد هذه الحظوظ من الأعمال المتعبد بها مقصودة للشارع ومطلوبة من المكلف؛ لأنها تناسب حاله، وعمله على هذا النحو يصلح أمره ويحفظ عليه دنياه وأخراه، ويحسن أن نقرر بوضوح أن التطلع إلى ثمرات الأعمال المتعبد بها سواء أكانت عبادات أصلا أم عاديات متعبد بها، لا يضاد الإخلاص ولا يناقضه، ما دمنا نقصد مقاصد الشارع المترتبة على الأعمال. ولقد أحدثت هذه النظرية شرخا في نفوس المسلمين؛ لأن هؤلاء حاروا بين هذه النظرية التي تدعوهم إلى المثالية والترفع في مقاصدهم وبين واقع حالهم؛ إذ وجدوا أنفسهم غير مطيقين للانسلاخ من رغباتهم، وصرف أنفسهم عن النظر إلى نتائج الأعمال. كيف نريد من الذي يريد طهارة وضوء أو غسلا- ألا يقصد مع قصد التقرب إلى الله تعالى التنظف والتطيب؟ وإذا كان الجو حارا كيف نريد من هذا الإنسان ألا يقصد التبرد وإنعاش=

...................................................................................

_ = نفسه؟ فإن قَصَد هذا القصد حكمنا على عمله بالبطلان والفساد، وهب هذا الإنسان راغم نفسه كي تنصرف عما تحسه وتطلبه، فكيف السبيل إلا أن يقصر نفسه على مجرد الامتثال للفعل؟ ومن ذا الذي يتذوق سرور العبادة ولذاتها ثم يطيق ألا يقصد هذا النعيم؟ وهل إذا قصدنا من وراء إخراج الزكاة المتقرب بها سد خلة الفقير وصلة الأرحام وتقديم الخير لبني الإنسان نكون أقمنا مقاصد مضادة للإخلاص؟! ألم يأمرنا الله بأن نقاتل في سبيل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟! ألم يقرنا الله على أن نحصل بالجهاد أمرا نحبه ونرضاه: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب} [الصف: 13] . وهب أننا استطعنا أن نصرف قصدنا في أمور العبادات عن النظر إلى ثمرات الأعمال في الدنيا، فهل نطيق ذلك في الأمور العادية إذا قصدنا التعبد بها؟ فالزواج والطعام والشراب واللباس إذا قصدت التقرب بها إلى الله تعالى بأن آخذها من الطريق التي شرعها، وأبتعد عما حرم منها، وأقصد الاستعانة بها على طاعة الله، أأستطيع أن أصرف النظر عن الثمرات الناتجة عنها والتي تحبها النفس وتتطلبها منها؟! إن العاملين بأعمال دنيوية من المسلمين، أطباء، ومهندسين، وباحثين، يستطيعون أن يجعلوا أعمالهم قربات عند إحداث نية صالحة حين القيام بهذه الأعمال، وهذا لا يلزمهم ألا يقصدوا حظوظهم من وراء هذه الأعمال. لا يجوز أن يحتج في هذا بأن الشارع لم يرتضِ أن يقاتل المسلم شجاعة أو حمية: بل يجب أن يقصر قصده على القتال كي تكون كلمة الله هي العليا، وبدون ذلك لا يكون جهاده في سبيل الله؛ لأننا قررنا من قبل أن الثمرات والنتائج التي نجيز التطلع إليها هي التي أقرها الشارع ورضيها، والقتال بقصد هذه الأمور لم يرتضه الشارع. نعم؛ نتائج الأعمال المطلوبة والمقصودة للشارع قد تخفى علينا، وقد لا ندركها خاصة في العبادات، ومن هنا قد نظن أمرا ما مقصودا للشارع، فنطلبه مع أنه واقع الأمر ليس بمطلوب ولا مقصود له. وهذه نظرة وجيهة يجب أن يراعيها العابد، فلا يقصد إلا المصالح التي نص الشارع عليها،=

مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم} [الْبَقَرَةِ: 198] ، يَعْنِي: فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْفِرَارِ مِنَ الْأَنْكَادِ بِالْحَجِّ أَوْ الْهِجْرَةِ: "إِنَّهُ دَأَبُ الْمُرْسَلِينَ، فَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصَّافَّاتِ: 99] ، وَقَالَ الْكَلِيمُ: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} [الشُّعَرَاءِ: 21] ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصلاة1، فكان يستريح إليها

_ = والمصالح التي استنبطناها من النصوص، لا تلك المصالح التي ارتضيناها بأهوائنا. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بأن الشريعة لم توضع لطائفة من الناس، وإنما هي شريعة عامة جعلت لعموم الناس، والناس أصناف شتى، ولذلك رغبهم في العمل بالشريعة بمرغبات مختلفة، كي تصبح مؤثرات ودواعي تحركهم إلى العمل وتدفعهم إليه، لننظر في هذه المرغبات التي يجليها نوح لقومه كي يحققوا مراد الله: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12] . ولننظر إلى موعود الله لهذه الأمة: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] ، ولننظر إلى وعد الله للأتقياء: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3] ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] . هذه الآيات وأمثالها كثير تستثير في النفس الإنسانية آمالها وتطلعاتها، وتحرك جذوتها، فتندفع إلى تحقيق ما يطلب منها، ولكن بإرادة صادقة وعزيمة قوية، تطلب في ذلك خيرها من حيث يريد الله تعالى، وهذه وايم الله العبودية الحقة التي يريدها الله من عباده، وحسبنا أن الله أثنى على الذين يطلبون منه خيري الدنيا والآخرة: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَاب} ، نعم لو قالوا ما قرره المصنف سابقا بأن قصر النظر على الأعمال وعدم التطلع إلى النتائج أقرب إلى الإخلاص والتفويض والتوكل على الله، لكان قولهم صوابا. انظر: "مقاصد المكلفين" "ص398 وما بعدها". 1 مضى تخريجه "ص240".

مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا1، وَكَانَ فِيهَا نَعِيمُهُ وَلَذَّتُهُ، أَفَيُقَالُ: إِنَّ دُخُولَهُ فِيهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَادِحٌ فِيهَا؟ كَلَّا، بَلْ هُوَ كَمَالٌ فِيهَا وباعث على الإخلاص فيها". في "الصَّحِيحِ"2: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه لو وِجَاءٌ" 3. ذَكَرَ ابْنُ بَشْكُوَالَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَدَّادِ، قَالَ: حَضَرْتُ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ بْنَ زَرْبٍ شَكَا إِلَى التَّرْجِيلِيِّ الْمُتَطَبِّبِ ضَعْفَ مَعِدَتِهِ وَضَعْفَ هَضْمِهِ، عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ يَعْهَدُ مِنْ نَفْسِهِ، وَسَأَلَهُ عَنِ الدَّوَاءِ، فَقَالَ: اسْرُدْ الصوم تصلح معدتك. فقال: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! عَلَى غَيْرِ هَذَا دُلَّنِي، مَا كُنْتُ لِأُعَذِّبَ نَفْسِيَ بِالصَّوْمِ إِلَّا لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَلِي عَادَةٌ فِي الصَّوْمِ الْاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ لَا أَنْقُلُ نَفْسِي عَنْهَا. قَالَ أَبُو عَلِيٌّ: وَذَكَرْتُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حَدِيثَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -يَعْنِي: هَذَا الْحَدِيثَ- وَجَبُنْتُ عَنْ إِيرَادِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي [ذَلِكَ] الْمَجْلِسِ، وأحسبني ذاكراته فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَجْلِسِ، فَسَلَّمَ للحديث4.

_ 1 فكان صلى الله عليه وسلم يقول: "أرحنا بها يا بلال"، ومضى تخريجه "ص240". 2 ومثله حديث: "إذن تكفى همك" لمن قال له عليه السلام: إني أحب الصلاة عليك أأجعل لك ربع صلاتي، إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها. فإذا راعى ذلك في صلاته كان من هذا القبيل، ومنه ما ورد في الاستغفار {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} الآية فيها ترتب حظ دنيوي بل حظوظ على الاستغفار، وهو عبادة. "د". قلت: وحديث "إذن تكفى همك" خرجته بإسهاب في تعليقي على "جلاء الأفهام" لابن القيم، وفيه تعليق جيد عليه. 3 سيأتي تخريجه "3/ 143"، وهو في "الصحيحين" عن ابن مسعود رضي الله عنه. 4 الفرق بين الواقعة المذكورة والحديث أن الواقعة تشير إلى قصد إصلاح المعدة، وهي معدودة من الحظوظ النفسية، أما الحديث، فيتضمن القصد بالعبادة إلى التعفف الذي هو واجب شرعي، ولكن المصنف سينبه إلى أن العلة في صحة العبادة التي قصد فيها إلى طاعة أخرى كون هذه الطاعة مأذونا فيها فيلحق بها ما كان غير عبادة من المأذون فيه، ومن يرى أن القصد إلى حظ دنيوي يكدر صفو العمل الخالص يذهب إلى أن العلة في صحة القصد إلى طاعة أخرى إنما هي كونها من جنس العبادة في طلب الشارع لها ووعده بالثواب عليها. "خ". قلت: في الأصل: "أبا بكر بن زنب"، و"..... وذكرت ذلك في....."، وما بين المعقوفتين سقط منه.

وَقَدْ بَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَجُلًا لِيَكُونَ رَصَدًا فِي شِعْبٍ، فَقَامَ يُصَلَّى وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ بِالْإِقَامَةِ فِي الشِّعْبِ إِلَّا1 الْحِرَاسَةَ وَالرَّصْدِ2.

_ 1 لا يريد حقيقة الحصر كما هو ظاهر. "د". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، 1/ 280" معلقا عن جابر، قال: "ويذكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، فرمي رجل بسهم فنزفه الدم، فركع وسجد ومضى في صلاته". وأخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب الوضوء من الدم، 1/ 50-51/ رقم 198"- ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "1/ 140"، وابن بشكوال في "الغوامض" "رقم 143"، والدارقطني في "السنن" "1/ 223-224"، وابن خزيمة في الصحيح "1/ 24-25/ رقم 36" ومن طريقه ابن حجر في "تغليق التعليق" "1/ 114، 115"، وأحمد في "المسند" "3/ 343-344، 359"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 156-157" ومن طريقه البيهقي في "الخلافيات" "2/ رقم 604- بتحقيقي"، و"السنن الكبرى" "1/ 140، 9/ 150"، و"الصغرى" "1/ 31/ رقم 40"-، وابن حبان في "الصحيح" "3/ 375-376/ رقم 1096- الإحسان" من طرق عن ابن إسحاق عن صدقة بن يسار بن جابر وهو عقيل بن جابر، سماه سلمة الأبرش، عن جابر به مطولا جدا، قال الحاكم: "هذا الحديث صحيح الإسناد، فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق، وأما عقيل بن جابر الأنصاري، فإنه أحسن حالا من أخويه محمد وعبد الرحمن". قال ابن حجر في "الفتح": "وعقيل لا أعرف راويا عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المصنف- أي: البخاري- إما لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق"، وقال: "وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم". قلت: أي بإخراجهم له في "الصحيح"، ونقل ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" "1/ =

وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا يُرَاعِيهِ الْإِمَامُ فِي صِلَاتِهِ مِنْ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ، كَانْتِظَارِ الدَّاخِلِ1 لِيُدْرِكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ2، وَمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَالِكٌ3 فَقَدْ عَمِلَ بِهِ غَيْرُهُ، وكالتخفيف لأجل

_ = 280" عن الدارقطني قوله: "إسناده صالح"، ولا يوجد ذلك في مطبوع "السنن"، وفي المطبوع نقص وتصحيف، أرجو الله أن ييسر له تحقيقا على وجه جيد. قلت: والحق أن إسناده ضعيف، فعقيل لم يوثقه غير ابن حبان، بذكره له في "الثقات" "5/ 272"، ولم يرو عنه غير صدقة، انظر: "تهذيب الكمال" "20/ 134"، ولعله من أجله علقه البخاري في "صحيحه" بصيغة التمريض، ولم يشر لذلك ابن حجر فيما تقدم من النقل عنه، ولكنه قال في "تغليق التعليق" زيادة للاحتمالين المذكورين، أعني: الاختصار، والاختلاف في ابن إسحاق، قال: "وما انضاف إليه من عدم العلم بعدالة عقيل" وفي طريق أبي داود وغيره تصريح ابن إسحاق بالسماع له من صدقة، وصدقة وثقه ابن معين وأحمد وأبو داود وابن سعد وغيرهم، وروى له مسلم في "الصحيح". والرجل المذكور هو عباد بن بشر، كما في "الغوامض" "رقم 143"، والمستفاد" "ص80- ط الشيخ حماد الأنصاري"، وسمي في رواية عند البيهقي في "الدلائل" "3/ 378-379" من حديث صالح بن خوات عن أبيه، ولكن بإسناد واهٍ بمرة. 1 هل الانتظار لإدراك الداخل للركوع أمر دنيوي؟ أم هو لتكميل العبادة، ومثله يقال في التخفيف في المسائل بعده بدليل الحديث الآتي: "مخافة أن تفتن أمه" وفتنتها شغلها عن الصلاة. "د". 2 يشير المصنف إلى ما أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة في الظهر، 1/ 212-213/ رقم 802"، وأحمد في "المسند" "4/ 356"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "1/ 337" من طريق محمد بن جحادة عن رجل عن ابن أبي أوفى أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر في صلاته ما سمع وقع نعل. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "1/ 28-29": "والرجل لا يعرف، وسماه بعضهم طرفة الحضرمي، وهو مجهول، أخرجه البزار وسياقه أتم، وقال الأزدي: طرفة مجهول" انتهى، فالحديث ضعيف. قال المزي في "تحفة الأشراف" "4/ 291" في زياداته: "رواه أبو إسحاق الحميسي عن =

الشَّيْخِ وَالضَّعِيفِ وَذِي الْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسلام: "إني لأسمع بكاء

_ = محمد بن جحادة عن كثير الحضرمي عن ابن أبي أوفى، وطوله". وقد وصله البيهقي في "الكبرى" "2/ 66"، ولكن وقع عنده "عن طرفة الحضرمي" بدل "كثير" فليتأمل، ويترجح ما عند البيهقي بأن كثير الحضرمي لما ذكره المزي في "تهذيب الكمال" لم يذكر في شيوخه عبد الله بن أبي أوفى، ولا محمد بن جحادة فيمن روى عنه، وقد جزم الحافظ الضياء بأن الذي لم يسمَّ في هذه الرواية هو"طرفة"، وكذا ذكر ابن حبان في "ثقات التابعين" "4/ 398" طرفة، وأنه يروي عن عبد الله بن أبي أوفى، ويروي عنه محمد بن جحادة، أفاده ابن حجر في "النكت الظراف" "4/ 291" و"ترتيب مسند الإمام أحمد" "3/ 330". واللفظ الذي أوردناه آنفا هو ما ساقه ابن حجر في "التلخيص"، ولفظ أبي داود وأحمد: "كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم"، وهو أيضا يدل على قول المصنف: "انتظار الداخل ليدرك الركوع معه"، فتأمل. وينظر في فقه المسألة: "مختصر المزني" "1/ 113"، و"المجموع" "4/ 130"، و"تفسير القرطبي" "5/ 180"، و"نيل الأوطار" "3/ 147"- وفيها ما يدل على كراهية هذا الانتظار، وذهب بعض الشافعية إلى بطلان الصلاة بسببه-، و"قواعد الأحكام" "1/ 151"، وفيه: ".... ومن أبطل الصلاة به فقد أبعد، فليت شعري ماذا يقول في الانتظار المشروع في صلاة الخوف، هل كان شركا ورياءً أو عملا صالحا لله تعالى؟! " قلت: يتأكد قوله بما ثبت في "الصحيحين" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي"، فهل هذا النقصان يناقض النية الخالصة الصحيحة، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلل ذلك بقوله: "ما أعلم من شدة وجد أمه لبكائه". وهل مقصد مالك بن الحويرث رضي الله عنه كما ثبت عنه في "صحيح البخاري" "2/ 163- الفتح" عندما كان يصلي بالناس ما يريد بصلاته إلا أن يعلمهم الرياء والسمعة؟ وهل في ذلك ما يناقض النية الصحيحة؟ وأخيرا ... عقد المجد ابن تيمية في كتابه "المنتقى" "باب إطالة الإمام الركعة الأولى وانتظار من أحس به داخلا ليدرك الركعة"، فانظره. 3 أي: وما يكره عند مالك من انتظار الداخل حال الركوع، فقد قال به غيره. "د". قلت: وفي "ط": "وإن لم يعمل............"

الصَّبِيِّ" 1 الْحَدِيثَ. وَكَرَدِّ السَّلَامِ2 فِي الصَّلَاةِ3، وَحِكَايَةِ المؤذن4، وما أشبه ذلك مما هو

_ 1 مضى تخريجه "ص248". 2 وهل رد السلام وحكاية المؤذن أمر دنيوي؟ نعم، هو خارج عن حقيقة الصلاة إلا أنه ليس دنيويا، بل عبادة، وقوله: "بل لو كان شأن العبادة.... إلخ" يفيد أن ما ذكر قبله ليس عبادة، وأنه مما نحن فيه من مشاركة أمر دنيوي لقصد العبادة، وهو كما ترى. "د". 3 أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، 1/ 243-244/ رقم 927"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، 2/ 204/ رقم 368"، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب المصلي يسلم عليه كيف يرد، 1/ 325/ رقم 1017"، وأحمد في "المسند" "2/ 30"، والدارمي في "السنن" "1/ 316" بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن ابن عمر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه. وبسط جعفر بن عون "أحد الرواة" كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فقال المروزي في "المسائل" "ص22": "قلت "يعني لأحمد": يسلم على القوم وهم في الصلاة؟ قال: نعم. فذكر قصة بلال حين سألة ابن عمر، كيف كان يرد؟ قال: كان يشير. قال إسحاق: كما قال". واختار هذا بعض محققي المالكية، فقال القاضي أبو بكر بن العربي في "العارضة" "2/ 162": "قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي، فإن كانت لرد السلام، ففيها الآثار الصحيحة كفعل النبي صلى الله عليه وسلم في قباء وغيره، وقد كنت في مجلس الطرطوشي، وتذاكرنا المسألة، وقلنا الحديث واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام وقال: ولعله كان يرد عليهم نهيا لئلا يشغلوه، فعجبنا من فقهه، ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب، على حسب ما بيناه في أصول الفقه"، أفاده شيخنا الألباني في "الصحيحة" "رقم 185". 4 وحكاية الأذان في الصلاة لا تشرع عند الشافعي، وقالوا: فإذا فرغ منها قال الأذان، وقال ابن قدامة في "المغني" "1/ 443- "الشرح الكبير": "دخل المسجد، فسمع المؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله، وافتتح الصلاة، فلا بأس"، نص عليه أحمد.

عَمَلٌ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الصَّلَاةِ، مَفْعُولٌ فِيهَا مَقْصُودٌ يُشْرِكُ قَصْدَ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَقْدَحُ فِي حَقِيقَةِ إِخْلَاصِهَا. بَلْ لَوْ كَانَ شَأْنُ الْعِبَادَةِ أَنْ يَقْدَحَ فِي قَصْدِهَا قَصْدُ شيء آخر سواها، لَقَدَحَ فِيهَا مُشَارَكَةُ الْقَصْدِ إِلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى، كَمَا إِذَا جَاءَ الْمَسْجِدَ قَاصِدًا لِلتَّنَفُّلِ فِيهِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ، وَالْكَفِّ عَنْ إِذَايَةِ النَّاسِ، وَاسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، فَإِنَّ كُلَّ قَصْدٍ مِنْهَا شَابَ غَيْرَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ إِخْلَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِاتِّفَاقٍ، بَلْ كُلُّ قَصْدٍ مِنْهَا صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَحْمُودٌ شَرْعًا، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ غَيْرَ عِبَادَةٍ مِنَ الْمَأْذُونِ فِيهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، فَحُظُوظُ النُّفُوسِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْإِنْسَانِ1 لَا يُمْنَعُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ الْعِبَادَاتِ، إِلَّا مَا كَانَ بِوَضْعِهِ مُنَافِيًا لَهَا، كَالْحَدِيثِ2، وَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالنَّوْمِ، وَالرِّيَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا مَا لَا مُنَافَاةَ فِيهِ، فَكَيْفَ يَقْدَحُ الْقَصْدُ إِلَيْهِ فِي الْعِبَادَةِ؟ هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُنَازَعُ فِي أَنَّ إِفْرَادَ قَصْدِ الْعِبَادَةِ عَنْ قَصْدِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَوْلَى3، وَلِذَلِكَ إِذَا غَلَبَ قَصْدُ الدُّنْيَا عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ كان

_ 1 وهي التي ليس فيها مراءاة الآخرين، بل محصورة بينه وبين نفسه، كمن يقصد في صومه "الحمية"، وفي اغتساله "التبرد"، وفي حجه "التفسح".... وهذا مع وجود قصد التعبد أيضا، المهم أنه ليس في عمله مراعاة الآخرين، ولكن له مقاصد مصلحية غير مقاصد التعبد، وهذا ما فصلناه آنفا، وهو الذي قرره العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" "1/ 151"، والقرافي في "الفروق" "3/ 22". 2 في الأصل و"ط" "كالحدث". 3 ودليله ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "13/ 51- شرح النووي" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة، تم لهم أجرهم". وهذا دليل آخر على صحة الانفكاك؛ إذ فيه قصد الغنيمة مع الجهاد، فينقص بذلك الأجر ولم يبطل بالكلية، كما قال ابن رجب. انظر: "الدين الخالص" "2/ 283" لصديق حسن خان، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "26/ 29-30".

الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، فَلَمْ يُعْتَدْ بِالْعِبَادَةِ، فَإِنْ غَلَبَ قَصْدُ الْعِبَادَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ، وَيَقَعُ التَّرْجِيحُ فِي الْمَسَائِلِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لِلْمُجْتَهِدِ. وَالثَّالِثُ: مَا يُرْجَعُ إِلَى الْمُرَاءَاتِ، فَأَصْلُ هَذَا إِذَا قُصِدَ بِهِ نَيْلُ الْمَالِ أَوِ الْجَاهِ، فَهُوَ الرِّيَاءُ المذموم شرعا، وادعى مَا فِي ذَلِكَ فِعْلُ الْمُنَافِقِينَ الدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا بِقَصْدِ إِحْرَازِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَيَلِي ذَلِكَ عَمَلُ الْمُرَائِينَ الْعَامِلِينَ بِقَصْدِ نَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَحُكْمُهُ مَعْلُومٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِطَالَةِ فِيهِ. فَصْلٌ: وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ إِصْلَاحًا لِلْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْعِبَادِ، كَالنِّكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي عُلِمَ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَى الْقِيَامِ بِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلَةِ، فَهُوَ حَظٌّ أَيْضًا قَدْ أَثْبَتَهُ الشَّارِعُ وَرَاعَاهُ1 فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ بِالْقَوَانِينِ الْمَوْضُوعَةِ [لَهُ] 2، وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، فَطَلَبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، فَكَانَ حَقًّا وصحيحا، هذا وجه.

_ 1 فلا يأمر إلا بما فيه القيام بالمصلحة، ولا ينهى إلا عما يترتب عليه ضياع المصلحة، والقوانين التي وضعها لسائر المعاملات روعي فيها أنها تقوم بحفظ هذه المصالح والحظوظ العاجلة، وتدرأ المفاسد عنها، والنواهي عما نهى عنه إنما لحكمة أنه يجلب المفاسد ويضر باستقامة هذه الحظوظ. "د". 2 ليست في الأصل.

وَوَجْهٌ ثانٍ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَبُ الْحَظِّ فِي ذَلِكَ قَادِحًا فِي الْتِمَاسِهِ وَطَلَبِهِ، لَاسْتَوَى مَعَ الْعِبَادَاتِ كَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ إِلَى الِامْتِثَالِ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَادَاتِ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَهَذَا كافٍ فِي كَوْنِ الْقَصْدِ إِلَى الْحَظِّ لَا يَقْدَحُ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْهَا ذَلِكَ الْحَظُّ، بَلْ لَوْ فَرَضْنَا رَجُلًا تَزَوَّجَ لِيُرَائِيَ بِتَزَوُّجِهِ، أَوْ لِيُعَدَّ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، لَصَحَّ تَزَوُّجُهُ، مِنْ حَيْثُ لَمْ يشرع فيه نية العبادة من حيث هو تَزَوَّجَ فَيَقْدَحَ فِيهَا الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ، بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودِ بِهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى مُجَرَّدًا. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ طَلَبُ الْحَظِّ فِيهَا سَائِغًا، لَمْ يَصِحَّ النَّصُّ عَلَى الِامْتِنَانِ بِهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الرُّومِ: 21] . وَقَالَ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يُونُسَ: 67] . وَقَالَ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 22] . وَقَالَ: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [الْقَصَصِ: 73] . وَقَالَ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النَّبَأِ: 10-11] . إِلَى آخِرِ الآيات، إلى غيبر ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى. وَذَلِكَ أَنَّ مَا جَاءَ فِي مَعْرِضِ مُجَرَّدِ التَّكْلِيفِ لَا يَقَعُ النَّصُّ عَلَيْهِ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ كُلْفَةٌ وَخِلَافٌ لِلْعَادَاتِ1، وَقَطْعٌ لِلْأَهْوَاءِ، كَالصَّلَاةِ،

_ 1 في الأصل: "العادات".

وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، إِلَّا مَا نَحَا نَحْوَ قَوْلِهِ: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} 1 [الْبَقَرَةِ: 216] بَعْدَ قَوْلِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [الْبَقَرَةِ: 216] بِخِلَافِ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَتُقْضَى بِهِ الْأَوْطَارُ، وَتُفْتَحُ بِهِ أَبْوَابُ التَّمَتُّعِ وَاللَّذَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَتُسَدُّ بِهِ الْخَلَّاتُ الْوَاقِعَةُ مِنَ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ، وَأَضْرَابِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ مُنَاسِبٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَى هَذَا الْبِسَاطُ الْأَخْذَ بِهَا مِنْ جِهَةِ مَا وَقَعَتِ الْمِنَّةُ بِهَا، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ عَلَى ذَلِكَ قَدْحًا فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَلَا نَقْصًا مِنْ حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، لكنهم مطالبون على أثر ذلك بالشكر الذي امْتَنَّ بِهَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ لَهَا بِقَصْدِ التَّجَرُّدِ عَنِ الْحَظِّ قَادِحًا أَيْضًا؛ إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْمَفْهُومُ مِنَ الشَّارِعِ إِثْبَاتَ الْحَظِّ وَالِامْتِنَانَ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يُقَالُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِمَا تَقَدَّمَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ أَخْذَهَا مِنْ حَيْثُ تَلْبِيَةِ الْأَمْرِ أَوِ الْإِذْنِ قَدْ حَصَلَ فِي ضِمْنِهِ الْحَظُّ وَبِالتَّبَعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نُدِبَ إِلَى التَّزَوُّجِ مَثَلًا فَأَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ النَّدْبِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ لَمْ يُنْدَبُ إِلَيْهِ لَتَرَكَهُ مَثَلًا، فَإِنَّ أَخْذَهُ مِنْ هُنَالِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ بِهِ أَخْذُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَظِّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ التَّنَاسُلَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ آثَارًا حَسَنَةً مِنَ التَّمَتُّعِ بِاللَّذَّاتِ، وَالِانْغِمَارِ فِي نِعَمٍ يَتَنَعَّمُ بِهَا الْمُكَلَّفُ كَامِلَةً، فَالتَّمَتُّعُ بِالْحَلَالِ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، فَكَانَ قَصْدُ هَذَا القاصد2 بريئا من الحظ، وقد انجر

_ 1 أي: فهو امتنان عليهم بأن يجعل ما يكرهونه خيرا لهم، وأصل القتال من التكاليف المجردة عن الحظوظ، يعني: وهذا النوع قليل الوقوع أن يمتن في مقام مجرد التكليف، وقد يقال: إن هذا لا يحتاج إلى استثناء؛ لأن الامتنان بشيء آخر غير نفس المكلف به المجرد عن الحظ، فليس امتنانا بنفس القتال، بل بأنه سبحانه وتعالى تفضل علينا بأن يجعل من المكروه لنا أيا كان نوعه خيرا وفائدة عظمى حتى يصير ما نكرهه هو الخير الصرف. "د". 2 في الأصل: "القاصدين".

فِي قَصْدِهِ الْحَظُّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ قَصَدَ بِالنِّكَاحِ نَفْسَ التَّمَتُّعِ، فَلَا مُخَالَفَةَ لِلشَّارِعِ مِنْ جِهَةِ الْقَصْدِ، بَلْ لَهُ مُوَافَقَتَانِ: مُوَافَقَةٌ مِنْ جِهَةِ قَبُولِ مَا قَصَدَ الشَّارِعِ أَنْ يَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ، وَهُوَ التَّمَتُّعُ، وَمُوَافَقَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ فِي الْجُمْلَةِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْمُكَلَّفِ لَهُ فِي حُسْنِ الْأَدَبِ، فَكَانَ لَهُ تَأَدُّبٌ مَعَ الشَّارِعِ فِي تَلْبِيَةِ الْأَمْرِ، زِيَادَةً إِلَى حُصُولِ مَا قَصَدَهُ مِنْ نَيْلِ حَظِّ الْمُكَلَّفِ. وَأَيْضًا1 فَفِي قَصْدِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ الْقَصْدُ إِلَى الْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ مِنْ حُصُولِ النَّسْلِ، فَهُوَ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ ملبٍ لِلشَّارِعِ فِي هَذَا الْقَصْدِ، بِخِلَافِ طَلَبِ الْحَظِّ فَقَطْ، فَلَيْسَ لَهُ هذه المزية. فإن قيل: فطالب الحظ على هَذَا الْوَجْهِ مَلُومٌ؛ إِذْ أَهْمَلَ قَصَدَ الشَّارِعِ فِي الْأَمْرِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلْهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ حِينَ أَلْقَى مَقَالِيدَهُ فِي نَيْلِ هَذِهِ الْحُظُوظِ لِلشَّارِعِ عَلَى الْجُمْلَةِ حَصَلَ لَهُ بِالضِّمْنِ مُقْتَضَى مَا قَصَدَ الشَّارِعُ، فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ فِي نَيْلِ الْحُظُوظِ مُنَافِيًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ الْأَصْلِيِّ. وَأَيْضًا، فَالدَّاخِلُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْحُظُوظِ دَاخِلٌ بِحُكْمِ الشَّرْطِ الْعَادِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَلِدُ2، وَيَتَكَلَّفُ التَّرْبِيَةَ وَالْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ إِذَا أَتَى الْأَمْرُ مِنْ بَابِهِ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهَا، لَكِنْ لَا يَسْتَوِي الْقَصْدَانِ: قَصْدُ الِامْتِثَالِ ابْتِدَاءً حَتَّى كَانَ الْحَظُّ حَاصِلًا بِالضِّمْنِ، وَقَصْدُ الْحَظِّ ابْتِدَاءً حَتَّى صَارَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ بِالضِّمْنِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَصْدَ الْحَظِّ فِي هَذَا القسم.

_ 1 موافقة ثالثة. "د". 2 كذا في "ط" فقط، وفي غيره: "لم يلد"، وكتب "د" بناء عليه: "اللائق بالمقام حذف "لم"، أي: فالذي يقصد التمتع فقط بالنكاح داخل ضمنا وبحسب العادة على أنه سيلد، ويتكلف تربية الأولاد، والإنفاق على الزوجات، فهو قاصد ضمنا لمقصد الشارع الأصلي من النكاح، وهو النسل".

غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَمَلِ. فَإِنْ قِيلَ: فَطَالِبُ الْحَظِّ إِذَا فَرَضْنَاهُ لَمْ يَقْصِدْ الِامْتِثَالَ عَلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ حَظَّهُ مُجَرَّدًا، بِحَيْثُ لَوْ تَأَتَّى لَهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَأَخَذَ بِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، فَهَلْ يَكُونُ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ فِي حَقِّهِ مَوْجُودًا بِالْقُوَّةِ أَمْ لَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ لَهُ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى حَظِّهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ، فَرُجُوعُهُ إِلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ قَصْدٌ إِلَيْهِ، وَقَصْدُ الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ يَتَضَمَّنُ امْتِثَالَ الْأَمْرِ أَوِ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ، وَهُوَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ الْأَصْلِيُّ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِي مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ بِالْحَظِّ وَالْهَوَى بِحَيْثُ [لَوْ] 1 يَكُونُ قَصْدُ الْعَامِلِ تَحْصِيلَ مَطْلُوبِهِ وَافَقَ الشَّارِعُ أَوْ خَالَفَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْحَقِّ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالشَّوَاهِدُ عَلَيْهِ أَظْهَرُ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا كَوْنُهُ عَامِلًا عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ عَامِلٌ بِالْهَوَى لَا بِالْحَقِّ، وَأَمَّا عَمَلُهُ عَلَى غَيْرِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ فَلَيْسَ عَامِلًا بِالْهَوَى بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ الْعَامِلَ بِالْجَهْلِ فَيُخَالِفُ أَمْرَ الشَّارِعِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّاسِي، فَلَا يُنْسَبُ عَمَلُهُ إِلَى الْهَوَى هَكَذَا بِإِطْلَاقٍ، وإذا وافق أمر الشرع جهلا، فسيأتي أنه يَصِحَّ عَمَلُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَا يَكُونُ عَمَلُهُ بِالْهَوَى أَيْضًا، وَإِلَى هَذَا، فَالْعَامِلُ بِالْهَوَى إِذَا صَادَفَ أَمْرَ الشَّارِعِ فَلِمَ تَقُولُ: إِنَّهُ عَامِلٌ بِالْهَوَى وَقَدْ وَافَقَ قَصْدُهُ مَعَ مَا مَرَّ آنِفًا أَنَّ مُوَافَقَةَ أَمْرِ الشَّارِعِ تُصَيِّرُ الْحَظَّ مَحْمُودًا. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ عَلَى غَيْرِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا له، بل الحالات ثلاث:

_ 1 زيادة من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة كلها، ومن "ط".

حَالٌ يَكُونُ فِيهَا قَاصِدًا لِلْمُوَافَقَةِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يُصِيبَ بِإِطْلَاقٍ، كَالْعَالِمِ يَعْمَلُ عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمَ، فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ يُصِيبُ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ أَوْ لَا يُصِيبُ، فَهَذَانِ قِسْمَانِ يَدْخُلُ فِيهِمَا الْعَامِلُ بِالْجَهْلِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ إِذَا ظَنَّ فِي تَقْدِيرِهِ أَنَّ الْعَمَلَ هَكَذَا، وَأَنَّ الْعَمَلَ مَأْذُونٌ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ، لَمْ يَقْصِدْ مُخَالَفَةً، لَكِنْ فَرَّطَ فِي الِاحْتِيَاطِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ1، فَيُؤَاخَذُ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ لَا يُؤَاخَذُ إِذَا لَمْ يُعَدَّ مُفَرِّطًا2، وَيَمْضِي عَمَلُهُ إِنْ كَانَ مُوَافِقًا. وَأَمَّا إِذَا قَصَدَ مُخَالَفَةَ أَمْرِ الشَّارِعِ، فَسَوَاءٌ فِي الْعِبَادَاتِ وَافَقَ أَوْ خَالَفَ [فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَتِهِ كَمَا] لَا اعْتِبَارَ بِمَا يُخَالِفُ فِيهِ3 لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ الْقَصْدَ بِإِطْلَاقٍ، وَفِي الْعَادَاتِ الْأَصْلُ اعْتِبَارُ مَا وَافَقَ4 دُونَ مَا خَالَفَ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا اعْتِبَارَ بِمُوَافَقَتِهِ فِي الْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ وَلَا مُخَالَفَتِهِ، كمن عقد

_ 1 في الأصل: "في ذلك"، وفي "ط": "على ذلك". 2 عقد القرافي الفرق الثالث والتسعين بين قاعدة النسيان في العبادات لا يقدح وقاعدة الجهل يقدح، وكلاهما غير عالم بما أقدم عليه وبنى الفرق على قاعدة هي ما حكاه الإمام الشافعي في رسالته والإمام الغزالي في "إحيائه" أن الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، ثم عقد الفرق الرابع والتسعين بين قاعدة ما لا يكون الجهل عذرا فيه وقاعدة ما يكون عذرا فيه، وخلاصة الفرق بينهما أن الجهل المعفو عنه ما يتعذر الاحتراز عنه. عادة وغير المعفو عنه ما لا يتعذر الاحتراز عنه في العادة. "خ". قلت: انظر أيضا في العذر بالجهل وحده: "طريق الهجرتين" "412-414"، و"تفسير الآلوسي" "1/ 154" و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 21و 11/ 406-407 و20/ 59-61 و19/ 23، 219"، و"الإحكام" "5/ 111 -114" لابن حزم. 3 في الأصل: "بما وافق أو خالف فيه"، وفي "خ": "بما يخالف". 4 أي: فما فعله على نية المخالفة، ولكنه صادف موافقة الطريق المشروع كان معتبرا، أي غير باطل، فتنسحب عليه أحكام الصحيح، وأما إذا صادف مخالفة المشروع، فهو باطل لا يأخذ حكم المشروع، وقوله: "لأن ما لا تشترط النية.... إلخ" توجيه لا عتبار ما وافق مع كونه ناويا المخالفة. "د".

عَقْدًا يَقْصِدُ أَنَّهُ فَاسِدٌ فَكَانَ صَحِيحًا، أَوْ شَرِبَ جُلَّابًا يَظُنُّهُ خَمْرًا، إِلَّا أَنَّ عَلَيْهِ فِي قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ دَرْكَ الْإِثْمِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةً وَلَا مُخَالَفَةً، فَهُوَ الْعَمَلُ عَلَيَّ مُجَرَّدِ الْحَظِّ أَوِ الْغَفْلَةِ، كَالْعَامِلِ وَلَا يَدْرِي مَا الَّذِي يَعْمَلُ، أَوْ يَدْرِي وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ1 مُجَرَّدَ الْعَاجِلَةِ، مُعْرِضًا عَنْ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمُ الصِّحَّةِ، لِعَدَمِ نِيَّةِ الِامْتِثَالِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُكَلَّفُ النَّاسِي وَلَا الْغَافِلُ وَلَا غَيْرُ الْعَاقِلِ، وَفِي الْعَادَاتِ الصِّحَّةُ إِنْ وَافَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ، وَإِلَّا، فَعَدَمُ الصِّحَّةِ. وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَظَرٌ إِذْ يُقَالُ: إِنَّ الْمَقْصِدَ2 هُنَا لَمَّا انْتَفَى، فَالْمُوَافَقَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِإِمْكَانِ الِاسْتِرْسَالِ بِهَا فِي الْمُخَالَفَةِ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَحْجُورِ، كَالطِّفْلِ وَالسَّفِيهِ الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ إِلَى مُوَافَقَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي إِصْلَاحِ الْمَالِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ بِعَدَمِ نُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ وَافَقَتِ الْمَصْلَحَةِ، وَقِيلَ بِنُفُوذِ مَا وَافَقَ الْمَصْلَحَةَ مِنْهَا لَا مَا خَالَفَهَا، عَلَى تَفْصِيلٍ أَصْلُهُ هَذَا النَّظَرُ، وَهُوَ أَنَّ مُطْلَقَ الْقَصْدِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ مُنْتَهِضٍ، فَهُوَ بِهَذَا الْقَصْدِ مُخَالِفٌ لِلشَّارِعِ، وَقَدْ يُقَالُ: الْقَصْدُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ، وَقَدْ نَشَأَ هُنَا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ مُوَافَقَةُ قَصْدِ الشَّارِعِ، فَصَحَّ. فَصْلٌ: حَيْثُ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْعَادِيَّةِ وَإِنْ خَالَفَ الْقَصْدُ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَإِنَّ مَا مَضَّى الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نَوْعِ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فَكُلُّ مَا خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الإطلاق، لكن بالتفسير المقدم3، والله أعلم.

_ 1 في "د": "قصده". 2 في "ط": "القصد". 3 وهو عدم ترتب الآثار الأخروية عليه من مرجو الثواب. "د".

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الْمَطْلُوبُ الشَّرْعِيُّ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا كان من قبيل العادات الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْخَلْقِ، فِي الِاكْتِسَابَاتِ وَسَائِرِ الْمُحَاوَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، الَّتِي هِيَ طُرُقُ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، كَالْعُقُودِ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَالتَّصَارِيفِ الْمَالِيَّةِ عَلَى تَنَوُّعِهَا. وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمُكَلَّفِ، مِنْ جِهَةِ تَوَجُّهِهِ إِلَى الْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَالنِّيَابَةُ فِيهِ صَحِيحَةٌ1، فَيَقُومُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَنُوبُ مَنَابَهُ2 فِيمَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ مَنَابَهُ فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ لَهُ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَنْهُ، بِالْإِعَانَةِ وَالْوِكَالَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا الْمُكَلَّفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَالِحَةٌ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا سِوَاهُ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارَةِ3، وَالْخِدْمَةِ، وَالْقَبْضِ، وَالدَّفْعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لِحِكْمَةٍ لَا تَتَعَدَّى الْمُكَلَّفَ عَادَةً أَوْ شَرْعًا، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاللُّبْسِ، وَالسُّكْنَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ، وَكَالنِّكَاحِ وَأَحْكَامِهِ التَّابِعَةِ لَهُ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا شَرْعًا، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مَفْرُوغٌ مِنَ النَّظَرِ فِيهِ؛ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ لَا تَتَعَدَّى صَاحِبَهَا إِلَى غَيْرِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ وُجُوهُ الْعُقُوبَاتِ وَالِازْدِجَارِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الزَّجْرِ لَا يَتَعَدَّى صَاحِبَ الْجِنَايَةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى الْمَالِ، فَإِنَّ النِّيَابَةَ فِيهِ تَصِحُّ، فَإِنْ كان دائرا بين الأمر المالي

_ 1 في نسخة "ماء/ ص 196": "تصح". 2 في الأصل: "ويقوم مقامه". 3 في الأصل و"خ" و"ماء/ ص197": "والاستجارة".

وَغَيْرِهِ، فَهُوَ مَجَالُ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، كَالْحَجِّ1 وَالْكَفَّارَاتِ، فَالْحَجُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ، أَوِ الْمَالُ، فَتَصِحُّ، وَالْكَفَّارَةُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا زَجْرٌ فَتَخْتَصُّ، أَوْ جَبْرٌ فَلَا تَخْتَصُّ، وَكَالتَّضْحِيَةِ2 فِي الذَّبْحِ بِنَاءً عَلَى مَا بُنِيَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ حِكْمَةَ الْعَادِيَّاتِ إِنِ اخْتُصَّتْ بِالْمُكَلَّفِ، فَلَا نِيَابَةَ، وَإِلَّا، صَحَّتِ النِّيَابَةُ، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ لِوُضُوحِ الْأَمْرِ فِيهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْتَعَبُّدَاتُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَقُومُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُغْنِي فِيهَا عَنِ الْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ، وَعَمَلُ الْعَامِلِ لَا يُجْتَزَى بِهِ غَيْرُهُ3، وَلَا يُنْتَقَلُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ إِنْ وُهِبَ، وَلَا يُحْمَلُ إِنْ تَحَمَّلَ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ الْقَطْعِيِّ نَقْلًا وَتَعْلِيلًا4. فَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

_ 1 التمثيل بالحج هنا غير واضح؛ لأن تقدير كلامه إن كان الأمر العادي دائرا بين المال والعقوبة كالكفارات، فهو مجال نظر، وليس الحج كذلك، بل هو أمر عبادي وفيه نوع ارتباط بالمال، فإذا تغلب أحدهما روعي، ومثله يقال في الضحية، ولو أنه جعل التقسيم إلى ثلاثة أضرب، فأضاف إلى هذين الضربين ضربا يدور بين العبادة والأمور المالية لكان أوجه. "د". 2 في الأصل و"خ" و"ط": "الضحية". 3 فصل هذه المعاني وإن كانت متقاربة أو متلازمة لتأتي الأدلة في الآيات بعدها على طبقها صراحة، فعليك بتطبيق الأدلة على تلك المعاني. "د". 4 انظر في تفصيل ذلك: "المغني" "5/ 92"، و"المجموع" "3/ 15"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "18/ 142-143 و24/ 306-313"، و"الفروق" "3/ 188"، و"بداية المجتهد" "1/ 273"، و"فتاوى ابن رشد" "3/ 1442-1446"، و"فتح القدير" "3/ 144-145"، و"حاشية ابن عابدين" "1/ 355".

{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الْأَنْعَامِ: 164] . {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 39] . وَفِي الْقُرْآنِ: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الْإِسْرَاءِ: 15] فِي مَوَاضِعَ. وَفِي بَعْضِهَا: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فَاطِرٍ: 18] . ثُمَّ قَالَ: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِه} [فَاطِرٍ: 18] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الْعَنْكَبُوتِ: 12] . [وَقَالَ] 1: {وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُم} [الْقِصَصِ: 55] . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} الآية [الأنعام: 52] . وَأَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَا يَمْلِكُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، كَقَوْلِهِ: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا} [الِانْفِطَارِ: 19] ، فَهَذَا عَامٌّ فِي نَقْلِ الْأُجُورِ أَوْ حَمْلِ الْأَوْزَارِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ: {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لُقْمَانَ: 33] . وَقَالَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} الآية: [البقرة: 48] .

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

إِلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. وَفِي الْحَدِيثِ حِينَ أَنْذَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ: "يَا بَنِي فُلَانٍ! إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" 1. وَالثَّانِي: الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ مَقْصُودَ الْعِبَادَاتِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهِ، وَالتَّذَلُّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالِانْقِيَادُ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِذِكْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ حَاضِرًا مَعَ اللَّهِ، وَمُرَاقِبًا لَهُ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ سَاعِيًا فِي مَرْضَاتِهِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ، وَالنِّيَابَةُ تُنَافِي هَذَا الْمَقْصُودَ وَتُضَادِّهِ2؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونِ الْعَبْدُ عَبْدًا، وَلَا الْمَطْلُوبُ بِالْخُضُوعِ وَالتَّوَجُّهِ خَاضِعًا وَلَا مُتَوَجِّهًا، إِذَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا قَامَ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْخَاضِعُ الْمُتَوَجِّهُ، وَالْخُضُوعُ وَالتَّوَجُّهُ وَنَحْوُهُمَا إِنَّمَا هُوَ اتِّصَافٌ بِصِفَاتِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالِاتِّصَافُ لَا يَعْدُو الْمُتَّصِفَ بِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالنِّيَابَةُ إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنْ يَكُونَ الْمَنُوبَ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ النَّائِبِ، حَتَّى يُعَدُّ الْمَنُوبُ عَنْهُ مُتَّصِفًا بِمَا اتَّصَفَ بِهِ النَّائِبُ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِي الْعِبَادَاتِ كَمَا يَصِحُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّ النَّائِبَ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ مثلا لما قام مقام المديان صار المديان مُتَّصِفًا بِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِدِينِهِ، فَلَا مُطَالَبَةَ لِلْغَرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ، وَهَذَا فِي التَّعَبُّدِ لَا يُتَصَوَّرُ مَا لَمْ يَتَّصِفْ الْمَنُوبُ عَنْهُ بِمِثْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِ النَّائِبُ، وَلَا نِيَابَةَ إِذْ ذَاكَ عَلَى حَالٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّتِ النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ3 لَصَحَّتْ فِي الْأَعْمَالِ.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية، 6/ 551/ رقم 3527"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} ، 1/ 192-193/ رقم 204، 206" عن أبي هريرة وفيه طول، والمذكور نحوه. 2 نحوه في "الفروق" "2/ 205"، و"قواعد الأحكام" "1/ 135". 3 إنما جعلها هي الملزوم ومناط الاستدلال في هذا الوجه-وإن كان الأصل فيما سبق =

الْقَلْبِيَّةِ، كَالْإِيمَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، وَالرِّضَى وَالتَّوَكُّلِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَمْ تَكُنِ التَّكَالِيفُ مَحْتُومَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَيْنًا لِجَوَازِ النِّيَابَةِ، فَكَانَ يَجُوزُ أَمْرُهُ ابْتِدَاءً عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالِاسْتِنَابَةِ، وَلَصَحَّ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَصَالِحِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَعْيَانِ مِنَ الْعَادِيَّاتِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالْوِقَاعِ وَاللِّبَاسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَفِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرَاتِ وَأَشْبَاهِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُخْتَصَّةٌ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ التَّعَبُّدَاتِ. وَمَا تَقَدَّمَ1 مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ كُلِّهَا عُمُومَاتٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ؛ لِأَنَّهَا مُحْكَمَاتٌ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ2 احْتِجَاجًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَرَدًّا عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ حَمْلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ أَوْ دَعْوَاهُمْ ذَلِكَ عِنَادًا، وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فِي هَذَا

_ = عاما- لأنها بقطع النظر عن الأدلة هي التي يتوهم فيها ذلك، ويظهر أثره فيها بالقيام بالنيابة وعدم القيام بها بخلاف القلبية، فلا يظهر ذلك فيها، ولا يعقل فيها النيابة رأسا، فلا يعقل أن يقوم أحد عن أحد بالإيمان مثلا، وقوله: "ولم تكن التكاليف..... إلخ"، أي: مطلقا بدنية أو قلبية، وقوله: "وكل ذلك باطل"، أي: اللوازم الثلاثة باطلة، أي: فالملزوم مثلها، وعليه يكون قوله: "مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُخْتَصَّةٌ" راجعا لخصوص الدليل الثالث، أي أن التعبدات مختصة بالمكلف بها كما سبق بيانه، فتكون كالعاديات المختصة كالأكل والوقاع مثلا، فلما كانت هذه لا نيابة فيها كانت جميع التعبدات لا نيابة فيها، ويصح أن يعود قوله: "وكل ذلك باطل" إلى ما دخل تحت قوله: "ولصح مثل ذلك في المصالح المختصة وفي الحدود وأشباهها"، ويكون حذف بطلان اللازم من الدليلين الأولين. "د". قلت: انظر في معنى ما قرر المصنف: "حاشية الدسوقي" "2/ 18". 1 لو قدم هذا على الثاني، وهو المعنى ليكون تكميلا للدليل الأول وهو النصوص، لكان أنسب وإن كان وجه تأخره ارتباطه بالإشكال بعده، حيث يقول فيه: "وتبين أن ما تقدم في الكلية ليست على العموم". "د". 2 أي: ما عدا الآية الأخيرة، فإنها من سورة البقرة. "د".

الْمَعْنَى، لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وَلَمَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِهَا حُجَّةٌ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعُمُومَ إِذَا خُصَّ لَا يَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي، فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، فَلِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا تَأَمَّلَ النَّاظِرُ الْعُمُومَاتِ الْمَكِّيَّةَ وَجَدَ عَامَّتَهَا1 عَرِيَّةً عَنِ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُعَارِضَةِ، فَيَنْبَغِي لِلَبِيبٍ أَنْ يَتَّخِذَهَا عُمْدَةً فِي الْكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا؟ وَقَدْ جَاءَ فِي النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَاكْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ مِنَ الْغَيْرِ، وَعَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى خِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ جُمْلَةٌ مِنْهَا أَنَّ "الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ" 2. وَأَنَّ "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً، كَانَ له أجرها أو عليه وزرها" 3.

_ 1 سيأتي لذلك في الأدلة مبحث واسع شاف، وقوله: "الأمور المعارضة"، أي: العشرة المشهورة التي منها الإضمار والحقيقة والمجاز..... إلخ، والكلام يحتاج إلى دقة في وزنه وتطبيقه، وسيأتي في محله. "د". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه، 3/ 152/ رقم 1290"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، 2/ 638/ رقم 927"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الجنائز باب النياحة على الميت، 4/ 16-17"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت/ رقم 1002"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الجنائز، باب ما جاء في الميت يعذب بما نيح عليه / رقم 1593" عن عمر موقوفا. وانظر في معنى الحديث وتوجيهه: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "24/ 369-378"، و"عمدة القاري" "4/ 79"، و"تهذيب السنن" "4/ 290-293" لابن القيم، و"مجموعة الرسائل المنيرية" "2/ 209". 3 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، 2/ 704-705/ رقم 1017" من حديث جرير رضي الله عنه، ومضى "1/ 222". قلت: وفي "خ" كان الحديث: "كان عليه وزرها وله أجرها".

وَأَنْ "الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ" 1 وَأَنَّهُ "مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا" 2. وَفِي الْقُرْآنِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطُّورِ: 21] . وَفُسِّرَ بِأَنَّ الْأَبْنَاءَ يُرْفَعُونَ إِلَى مَنَازِلِ الْآبَاءِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" 3. وَفِي رِوَايَةٍ: "أَفَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يُجْزِئُهُ"؟ قَالَتْ: نَعَمْ: قَالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" 3.

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، 3/ 1255/ رقم 1631"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت، 6/ 251"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأحكام، باب في الوقف،3/ 660/ رقم 1376"- وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الوصايا، باب ما جاء في الصدقة عن الميت، 3/ 117/ رقم 2880"، وأحمد في "المسند" "2/ 372"، والبخاري في "الأدب المفرد" "رقم 38" عن أبي هريرة مرفوعا، ولفظ مسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا في ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته- 6/ 364/ رقم 3335"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، 3/ 1303-1304/ رقم 1677" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وتقدم "1/ 222". 3 أخرج الرواية الأولى البخاري في "الصحيح" "كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، 4/ 66/ رقم 1853، 1854"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، 2/ 973/ رقم 1334" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وفي "ط": "فريضة الله الحج أدركت ... ". وأخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، 4/ 64/ رقم 1852" نحو الرواية الثانية من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أيضا.

"وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلَيُّهُ" 1. وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ. قَالَ: "فَاقْضِهِ عَنْهَا" 2. وَقَدْ قَالَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُبَرَاءُ وَعُلَمَاءُ، وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا بِجَوَازِ هِبَةِ الْعَمَلِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ الْمَوْهُوبَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ نَوْعِهَا، وَتَبَيِّنَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَتْ عَلَى الْعُمُومِ، فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً. وَالثَّانِي: أَنَّ لَنَا قَاعِدَةً يُرْجَعُ إِلَيْهَا غَيْرَ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَهِيَ قَاعِدَةُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْغَيْرِ، وَهَى عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ صَدَقَةً إِذَا قُصِدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ، فَإِذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ عَنِ الرَّجُلِ، أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنِ الْمُتَصَدَّقِ عنه وانتفع

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب من مات وعليه صوم، 4/ 192 / رقم 1952"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، 2/ 803/ رقم 1147"، وأبو داود في "السنن":"كتاب الصوم، باب فيمن مات وعليه صيام، 2/ 791-792/ رقم 2400"، وأحمد في "المسند" "6/ 69" والبيهقي في الكبرى" "4/ 255" وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، 11/ 583/ رقم 6698"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب النذر، باب الأمر بقضاء النذر، 3/ 1260 / رقم 1638" أن ابن عباس قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فاقضه عنها".

بِهِ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مَيِّتًا، فَهَذِهِ عِبَادَةٌ حَصَلَتْ فِيهَا النِّيَابَةُ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَرْضًا كَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ إِخْرَاجَهَا عَنِ الْغَيْرِ جَائِزٌ وَجَازَ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَالزَّكَاةُ أُخَيَّةُ الصَّلَاةِ1. وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَنَا قَاعِدَةً أُخْرَى مُتَّفَقًا عَلَيْهَا أَوْ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا2، وَهَى تَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ لِلدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ حَاصِلَ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُتْلِفَ زَيْدٌ فَيُغَرَّمُ عَمْرٌو، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ فِي أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَمِنْهُ أَيْضًا نِيَابَةُ الْإِمَامِ عَنِ الْمَأْمُومِ فِي الْقِرَاءَةِ وَبَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ مِثْلَ الْقِيَامِ، وَالنِّيَابَةُ عَنْهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ خُضُوعٌ لِلَّهِ وَتَوَجُّهٌ إِلَيْهِ، وَالْغَيْرُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ مَلَائِكَةً عِبَادَتُهُمْ الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصًا وَلِمَنْ فِي الْأَرْضِ عُمُومًا، وَقَدِ اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبَوَيْهِ3 حَتَّى نَزَلَ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113] .

_ 1 جملة خطابية، يقوى بها الإشكال ليجري فيما ليس فيه شائبة مالية. "د". 2 المخالف فيها قليل، راجع "إعلام الموقعين" "2/ 16-17" ط محمد عبد الحميد. 3 الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه، فلم يأذن له ربه عز وجل، وأما سبب النزول، فقيل: نزلت في ذلك كما عند الطبري في "التفسير" "11/ 43" من مرسل قتادة، وعن ابن عباس عنده أيضا "11/ 42" بإسناد ضعيف، فيه عطية العوفي. والنهي عن الاستغفار ثابت في غير حديث، منها: ما أخرجه مسلم في "الصحيح" "2/ 672 بعد 977/ 106" -ولم يسبق لفظه- والترمذي في "الجامع" "3/ 370/ رقم 1054" مختصرا، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" "1/ 117"، وأحمد في "المسند" "5/ 355 و356"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 376"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "4/ 76" و"الدلائل" "1/ 189"، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" "رقم 652 و653 و664"، والجورقاني في الأباطيل" "1/ 229-230"، والطبري في "التفسير" "11/ 42" وابن مردويه عن بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أتي رسم قبر فجلس عليه، فجعل =

...............................................................................................

_ يخاطب، ثم قام مستعبرا، فقلنا: يا رسول الله! إنا رأينا ما صنعت، قال: "إني استأذنت ربي في زيارة أمي فأذن لي، وأستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي". وما أخرجه مسلم "كتاب الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، 2/ 671/ رقم 976 و977"، وأبو داود "كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور، 3/ 218/ رقم 3235"، والنسائي "كتاب الجنائز، باب زيارة قبر المشرك، 4/ 90"، وعنه الجورقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" "1/ 230"، وابن ماجه "كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين، 1/ 501/ رقم 1572"، وأحمد في "المسند" "2/ 441"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "3/ 89"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "4/ 76 و7/ 190"، و"دلائل النبوة" "1/ 190"، والبغوي في "شرح السنة" "5/ 463/ رقم 1554"، و"معالم التنزيل" "3/ 115" من طريقين عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة "أنه صلى الله عليه وسلم استأذن في الاستغفار لأمه، فلم يؤذن له". والصحيح في سبب النزول أنها نزلت في عمه أبي طالب. أخرج البخاري "كتاب التفسير، باب {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين} ، 8/ 341/ رقم 4675، وباب {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ، 8/ 506/ رقم 4772"، ومسلم "كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع -وهو الغرغرة-ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل، 1/ 54/ رقم 24"، والنسائي في "السنن الكبرى" "كتاب التفسير 1/ 561/ رقم 250 و2/ 144/ رقم 403"، وكما في "تحفة الأشراف" "8/ 387"، و"المجتبى" "4/ 90-91"، وأبو عوانة في "المسند" "1/ 14-15"، وأحمد في "المسند" "5/ 433"، والطحاوي في "مشكل الآثار" "3/ 187"، وابن منده في "الإيمان" "رقم 37"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 978- الإحسان"، وابن جرير في "التفسير" "11/ 30 و20/ 59"، والبيهقي في "الدلائل" "2/ 342-343"، والبغوي في "شرح السنة" "5/ 55-56"، وابن البناء في "فضل التهليل" "رقم 47"، والواحدي في "أسباب النزول" "177" من طرق عدة عن الزهدي عن سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب بن حزن، قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الملك =

وَقَالَ فِي ابْنِ أُبَيٍّ: "لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" 1 حَتَّى نَزَلَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُم} [التَّوْبَةِ: 80] ، [وَنَزَلَ: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} الآية] 2 [التوبة: 84] . وَإِنْ كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يُنه عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ كَانَ حَيًّا مِنْهُمْ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" 3. وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ مِمَّا عُلِمَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةٌ. وَالرَّابِعُ: إِنَّ النِّيَابَةَ فِي الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ غَيْرُ الْعِبَادَاتِ4 صَحِيحَةٌ، وكذلك

_ = ابن أبي أمية بن المغيرة، فقال: "أي عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجَّ لك بها عند ال له؟ " فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين} ، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} . وهذا لفظ البخاري في الموطن الثاني. 1 بل قالها في عمه أبو طالب، كما تقدم في الحديث السابق. 2 ما بين المعقوفتين سقط من "ط". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الأنبياء، باب منه، 6/ 514/ رقم 3477، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: منه 12/ 282/ رقم 6929"، ومسلم في "صحيحه" كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد 3/ 1417/ رقم 1792" عن ابن مسعود رضي الله عنه، والمذكور لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "رب اغفر..... ". 4 ليس محل نزاع، ولكنه جاء به لتوسيع المجال في الإشكال، وأنها لكونها مشروعة جازت فيهم النيابة، فإذن كل ما كان مشروعا تجوز فيه النيابة، ومنه العبادات، ولا يخفى عنك أن أهم شيء في هذا الوجه ما يتعلق بالجهاد من جهة كونه عبادة، وأما مجرد مشروعيته التي جاء بها؛ ليجعلها كَعِلَّة للقياس، فهي ضعيفة. "د".

بَعْضُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْإِنْسَانِ عَيْنًا، وَكَذَلِكَ الْمَالِيَّةُ، وَأَوَّلُهَا الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ غَيْرَهُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ، إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ، وَالْجِهَادُ عِبَادَةٌ، فَإِذَا جَازَتِ النِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَلْتُجْزَ فِي بَاقِي الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَشْرُوعٌ. وَالْخَامِسُ: إِنَّ مَآلَ الْأَعْمَالِ التَّكْلِيفِيَّةِ أَنْ يُجَازَى عَلَيْهَا، وَقَدْ يُجَازَى الْإِنْسَانُ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلْ، خَيْرًا كَانَ الْجَزَاءُ أَوْ شَرًّا، وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَصَائِبُ النَّازِلَةُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَعِرْضِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ بِاكْتِسَابٍ1 كُفِّرَ بِهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ، وأُخِذ بِهَا مِنْ أَجْرِ غَيْرِهِ، وَحَمَلَ غَيْرُهُ وَزِرَهُ، وَ [لَوْ] لَمْ يَعْمَلْ بِذَلِكَ2، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجِدَ أَلَمَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُفْلِسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ3، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ اكْتِسَابٍ، فَهِيَ كَفَّارَاتٌ فَقَطْ، أَوْ كَفَّارَاتٌ وَأُجُورٌ، وَكَمَا جَاءَ فِيمَنْ "غَرَسَ غَرْسًا أَوْ زرع زرعا يأكل منه

_ 1 أي: اكتساب الغير، وقوله: "بغير اكتساب"، أي: بأن كانت من الله محضا. "د". 2 لعل الأصل: "وإن لم يعلم بذلك" ليلتئم مع قوله: "فضلا عن أن يجد ألمه". "د". 3 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم 4/ 1997/ رقم 2581"، والترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص 4/ 613/ رقم 2418"، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأحمد في المسند" "2/ 334"، والبغوي في "شرح السنة" "14/ 360/ رقم 4164"، وعبد الغني المقدسي في "ذكر النار" "رقم 6" عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أتدرون ما المفلس"؟. قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".

إِنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ أَنَّهُ لَهُ أَجْرٌ" 1 وَفِيمَنِ "ارْتَبَطَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَكَلَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، أَوْ شَرِبَ فِي نَهْرٍ، أَوِ استنَّ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، فَهِيَ لَهُ حَسَنَاتٌ" 2، وَسَائِرُ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: النِّيَّاتُ الَّتِي تَتَجَاوَزُ الْأَعْمَالَ3 كَمَا جَاءَ: "إِنَّ الْمَرْءَ يُكْتَبُ لَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ أَوِ الْجِهَادُ إذا حبسه عنه عذر" 4.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الحرث والمزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، 5/ 3/ رقم 2320، وكتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم 10/ 438/ رقم 6012"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب فضل الغرس والزرع 3/ 1189/ رقم 1553" عن أنس مرفوعا بلفظ: "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة". 2 مضى تخريجه "ص340"، وهو قطعة من حديث في "الصحيحين"، قال "د": "لعلها رواية بالمعنى، وإلا، فما تقدم له في الفصل الثاني من المسألة الخامسة يقتضي أن قوله: "ولم يرد ذلك" راجع إلى خصوص الشرب، نعم، إن ذلك هو مناط الإشكال؛ لأنه لو قصد شيئا من ذلك لم يكن فيه ما يعترض به هنا". 3 انظر في تحقيق هذا النوع مع أمثلة عليه: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 740-742 و6/ 575 و14/ 123 و35/ 52". 4 قلت: والعذر نصص عليه في حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة 6/ 136/ رقم 2996" من حديث أبي موسى مرفوعا، "إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا". والنوم عذر في حق من كان له نصيب من قيام الليل، ودليله ما أخرجه النسائي في "المجتبى" "1/ 255"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 1344"، وابن نصر في "قيام الليل" "ص38"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 311"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 15" بسند صحيح عن أبي الدرداء مرفوعا: "من نام ونيته أن يقوم، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه". وأخرج مالك في "الموطأ" "1/ 117" -ومن طريقه أبو داود في "السنن" "رقم 1314"، والنسائي في "المجتبى" "1/ 255"، وأحمد في "المسند" "6/ 180"، وابن نصر في "قيام الليل"=

وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، حَتَّى قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي المتمنِّي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يَعْمَلُ بِهِ مِثْلَ عَمَلِ فُلَانٍ: "فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ"، وَفِي الْآخَرِ: "فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سواء" 1.

_ = "ص78"، والبيهقي في "الكبرى" "2/ 15" من حديث عائشة مرفوعا: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل، يغلبه عليها نوم، إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة". أما الجهاد، فدليله ما أخرجه الشيخان في "صحيحهما" من حديث جابر مرفوعا: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، حبسهم المرض"، وفي رواية عند مسلم: "إلا شركوكم في الأجر". وورد في المرض خاصة حديث عقبة بن عبار مرفوعا: "ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا! عبدك فلان قد حبسته! فيقول الرب عز وجل: اختموا له على مثله عمله حتى يبرأ أو يموت" أخرجه أحمد في "المسند" "4/ 146" بإسناد صحيح، وأخرج أحمد في "المسند" "4/ 123" من حديث شداد والحاكم في "المستدرك" "4/ 313" من حديث أبي أمامة، وأحمد "3/ 238" من حديث أنس ما يشهد له. 1أخرج وكيع في "الزهد" "رقم 240" -ومن طريقه ابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب النية 2/ 1413/ 4228"، وأحمد في "المسند" "4/ 230"، والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم 106"- بإسناد صحيح عن أبي كبشة الأنماري: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يخبط في ماله، ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤتِهِ الله علما ولا مالا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهما في الوزر سواء ". وأخرجه من طرق عن أبي كبشة هناد في "الزهد" "رقم 568"، والمروزي في "زياداته على زهد ابن المبارك" "رقم 354"، وأحمد في "المسند" "4/ 230، 231"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب ما جاء في الدنيا مثل أربعة نفر 4/ 562/ رقم 2325" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- والفريابي في "فضائل القرآن" "رقم 105، 106"، وابن ماجه في "السنن" "2 1413-1414". وصححه ابن كثير في "فضائل القرآن" "ص63".

وَحَدِيثُ: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا؛ كُتِبَتْ له حسنة" 1. "والمسلمان يلتقيان بسيفهما" 2 الْحَدِيثَ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدِّ الْمُكَلَّفِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالْعَامِلِ نَفْسِهِ فِي الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ، فَإِذَا كَانَ كَالْعَامِلِ وَلَيْسَ بِعَامِلٍ وَلَا عَمَلَ عَنْهُ غَيْرُهُ، فَأَوْلَى3 أَنْ يَكُونَ كَالْعَامِلِ إِذَا اسْتَنَابَ غَيْرَهُ عَلَى الْعَمَلِ.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة 11/ 323/ رقم 6491"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب 1/ 117/ رقم 131" من ضمن حديث إلهي رواه ابن عباس رضي الله عنهما. 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، 1/ 84-85/ رقم 31، وكتاب الديات، باب قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا} 12/ 192/ رقم 6875، وكتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفهما 13/ 31-32/ رقم 7083"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفهما 4 / 2213-2214/ رقم 2888"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب تحريم الدم، باب تحريم القتل 7/ 125"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الفتن، باب في النهي عن القتال في الفتنة 4/ 103/ رقم 4268، 4269"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما 2/ 1311/ رقم 3965" عن أبي بكرة مرفوعا: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قال: فقلت "أو قيل": يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه قد أراد قتل صاحبه" وفي رواية: "إذا التقى المسلمان.....". 3 أي: لأن النية حينئذ حاصلة، وقد حصل المنوي بالفعل، وإن كان من غيره وهذا ظاهر إذا رجعنا قوله: "فإذا كان كالعامل.....إلخ" إلى الضرب الثاني فقط، إلا أنه لا يكون قد عمل للأول نتيجة، ولا بين وجه الاستدلال به، أما إذا رجعناه للضربين فيكون قد رتب على الأول أيضا نتيجته، لكن السياق في ذكره للأعمال في الثاني يشهد للتقرير الأول. "د".

فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا مَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ بِصِحَّةِ1 النِّيَابَةِ، فَإِنَّ لِلنَّظَرِ فِيهَا مُتَّسَعًا. أَمَّا قَاعِدَةُ الصَّدَقَةِ عَنِ الْغَيْرِ وَإِنْ عَدَدْنَاهَا عِبَادَةً، فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ كَلَامَنَا فِي نِيَابَةٍ فِي عِبَادَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَجُّهٌ إِلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ عَنِ الْغَيْرِ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَلَا كَلَامَ فِيهَا. وَأَمَّا قَاعِدَةُ الدُّعَاءِ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّعَاءِ نِيَابَةٌ؛ لِأَنَّهُ شَفَاعَةٌ لِلْغَيْرِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا قَاعِدَةُ النِّيَابَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، فَإِنَّهَا مَصَالِحٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ نِيَّةٌ، بَلِ الْمَنُوبُ عَنْهُ إِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فِيمَا لَهُ سَبَبٌ فِيهِ، فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ مِنْهُ صَدَرَتْ لَا مِنَ النَّائِبِ، وَالنِّيَابَةُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّفْرِقَةِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ التَّقَرُّبِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ، وَالْجِهَادِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَعْدُودَةِ فِي الْعِبَادَاتِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي هِيَ مَصَالِحُ للدنيا، لَكِنْ لَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِهَا الْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ إِلَّا إِذَا قَصَدَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنْ قَصَدَ الدُّنْيَا، فَذَلِكَ حَظُّهُ، مَعَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْجِهَادِيَّةَ قَائِمَةٌ، كَقَاعِدَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْجِهَادُ شُعْبَةٌ مِنْهَا، عَلَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ كَرِهَ النِّيَابَةَ فِي الْجِهَادِ [بِالْجُعْلِ] 2، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ النَّفْسِ لِلْهَلَكَةِ فِي عَرْضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا، وَلَوْ فُرِضَ هُنَا قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِالْعَمَلِ، لَمْ يَصِحَّ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ نِيَابَةٌ أَصْلًا، فَهَذَا [الْأَصْلُ] 2 لَا اعْتِرَاضَ بِهِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَاعِدَةُ الْمَصَائِبِ النَّازِلَةِ، فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ في التعبد، وإنما

_ 1 في "خ" و"ط": "في صحة". 2 ما بين المعقوفات في الموضعين ليست في الأصل.

الْأَجْرُ وَالْكَفَّارَةُ فِي مُقَابَلَةِ مَا نِيلَ مِنْهُ لَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ، وَكَوْنُ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ تُعْطَى الْمَظْلُومَ، أَوْ سَيِّئَاتُ الْمَظْلُومِ تُطْرَحُ عَلَى الظَّالِمِ، فَمِنْ بَابِ الْغَرَامَاتِ، فَهِيَ مُعَاوَضَاتٌ؛ لِأَنَّ1 الْأَعْوَاضَ الْأُخْرَوِيَّةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْأُجُورِ وَالْأَوْزَارِ؛ إِذْ لَا دِينَارَ هُنَاكَ وَلَا دِرْهَمَ، وَقَدْ فَاتَ الْقَضَاءُ فِي الدُّنْيَا. وَمَسْأَلَةُ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ مِنْ بَابِ الْمَصَائِبِ فِي الْمَالِ، وَمِنْ بَابِ الْإِحْسَانِ بِهِ إِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِ مَالِكِهِ. وَمَسْأَلَةُ الْعَاجِزِ عَنِ الْأَعْمَالِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعَامِلِ بِلَا نِيَابَةٍ؛ إِذْ عُدَّ فِي الْجَزَاءِ بِسَبَبِ نِيَّتِهِ كَمَنْ عَمِلَ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّ الْأَحْكَامَ إِنَّمَا تَجْرِي فِي الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا لَعَمِلَهَا إِنَّ لَهُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَهَا، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ عَنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِمَّا يُقْضَى، كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَمَنَّى2 أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا أَوْ يَسْرِقَ أَوْ يَفْعَلَ شَرًّا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ، كَانَ لَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ، وَلَا يُعَدُّ فِي الدُّنْيَا كَمَنْ عَمِلَ، حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْفَاعِلِ حَقِيقَةً، فَلَيْسَتْ مِنَ النِّيَابَةِ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ فُرِضَتِ النِّيَابَةُ، فَالنَّائِبُ هُوَ الْمُكْتَسِبُ، فَعَمَلُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ لَا تَنْقُضُ مَا تَأَصَّلَ3. وَنَرْجِعُ إِلَى مَا ذُكِرَ أَوَّلَ السُّؤَالِ، فَإِنَّهُ عُمْدَةُ من خالف في المسألة.

_ 1 في "ط": "لكن". 2 أي: عزم وصمم، ولكنه فاته غرضه بأمر خارج عن إرادته. "د". 3 وانظر تفصيل ما تقدم في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية: "التحفة العراقية"، و"مجموع الفتاوى" "6/ 575 و10/ 740-742 و14/ 123 و35/ 52"، و"فتح الباري" "11/ 327-328"، و"الأشباه والنظائر" "ص34" للسيوطي، و"تفسير القرطبي" "18/ 241 و12/ 35 و4 / 294"، و"مقاصد المكلفين" "ص142 وما بعدها" ورسالة الشوكاني "رفع البأس عن حديث النفس والهم والوسواس". وهي مطبوعة.

فَحَدِيثُ تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ [بِبُكَاءِ] الْحَيِّ1 ظَاهِرُ حَمْلِهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَحْرِيضِ الْمَرِيضِ -إِذَا ظَنَّ الْمَوْتَ- أَهْلَهُ عَلَى الْبُكَاءِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا " مَنْ سَنَّ سُنَّةً...." 2، وَحَدِيثُ ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ3 وَحَدِيثُ انْقِطَاعِ الْعَمَلِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ4، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ فِيهَا رَاجِعٌ إِلَى عَمَلِ الْمَأْجُورِ أَوِ الْمَوْزُورِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ أَوَّلًا، فَعَلَى جَرَيَانِ سَبَبِهِ تَجْرِي الْمُسَبِّبَاتُ، وَالْكِفْلُ الرَّاجِعُ إِلَى الْمُتَسَبِّبِ "الْأَوَّلِ" نَاشِئٌ عَنْ عَمَلِهِ، لَا عَنْ عَمَلِ الْمُتَسَبِّبِ الثَّانِي، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} الآية [الطور: 21] ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ كَسْبٌ مَنْ كَسْبِهِ، فَمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ فَكَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَبِ، وَبِذَلِكَ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَب} [الْمَسَدِ: 2] أَنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ، فَلَا غَرَوَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلَتِهِ وَتَقَرَّ عَيْنُهُ بِهِ5، كَمَا تَقَرُّ عَيْنُهُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْء} [الطُّورِ: 21] . وَإِنَّمَا يَشْكُلُ مِنْ كُلِّ مَا أَوْرَدَ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّهَا كَالنَّصِّ فِي مُعَارَضَةِ الْقَاعِدَةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا، وَبِسَبَبِهَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا نَصَّ فِيهَا خَاصَّةً -وَذَلِكَ الصِّيَامُ وَالْحَجُّ- وَأَمَّا النَّذْرُ، فَإِنَّمَا كَانَ صِيَامًا فَيَرْجِعُ إِلَى الصِّيَامِ. وَالَّذِي يُجَابُ بِهِ فِيهَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا مضطربة، نبه البخاري ومسلم على

_ 1 انظر الحديث الوارد في ذلك "ص385" وما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 انظر الحديث الوارد في ذلك "ص385". 3 انظر الحديث الوارد في ذلك "ص386". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان..... / رقم 3631" وغيره عن أبي هريرة. 5 لكن يبقى التوفيق بينه وبين آية: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} فإن الذرية حازت منزلة عالية لم تستحقها بسعيها وإنما جاءت بسعي الآباء. "د".

اضْطِرَابِهَا، فَانْظُرْهُ فِي "الْإِكْمَالِ"، وَهُوَ مِمَّا يَضْعُفُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا إِذَا لَمْ تُعَارِضْ أَصْلًا قَطْعِيًّا، فَكَيْفَ إِذَا عَارَضَتْهُ؟ وَأَيْضًا، فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ قَالَ فِي حَدِيثِ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" 1: إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طريق عائشة، وقد تركته لم تَعْمَلْ بِهِ وَأَفْتَتْ بِخِلَافِهِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ الَّتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ: إِنَّهُ لَا يَرْوِيهِ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ خَالَفَهُ وَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ2. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّاسَ عَلَى أَقْوَالٍ3 فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ مَا صَحَّ مِنْهَا بِإِطْلَاقٍ، كَأَحْمَدَ بن حنبل، ومنهم مَنْ قَالَ بِبَعْضِهَا، فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ دُونَ الصِّيَامِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بِإِطْلَاقٍ، كَمَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ، فَأَنْتَ تَرَى بَعْضَهُمْ لَمْ يَأْخُذْ بِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ صَحَّ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الْأَخْذِ بِهَا فِي النَّظَرِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ4، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَازِمًا فِي الْحَجِّ لِمَكَانِ رَكْعَتِي الطواف؛ لأنها تَبَعٌ، وَيَجُوزُ فِي التَّبَعِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، كَبَيْعِ الشَّجَرَةِ بِثَمَرَةٍ قَدْ أُبِّرَتْ، وَبَيْعِ الْعَبْدِ بِمَالِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْمَنْعِ فِي الأعمال القلبية.

_ 1 مضى تخريجه "ص387". 2 الحديث الذي يعمل راويه على خلافه وظهر أنه بما خالفه عن اجتهاد لا يسقط الاحتجاج به اتفاقا، وجرى الخلاف فيما إذا لم يعلم وجه عمله على خلافه، فذهبت طائفة من أهل العلم إلى سقوط الاحتجاج به؛ مستندة إلى أن الراوي إنما خالفه لدليل يقضي بتعطيله، والراجح القول بأن العبرة بالرواية، وأن مذهب الراوي لا يؤثر عليها شيئا، لاحتمال أن يكون إنما خالفها عن اجتهاد منه. "خ". قلت: ونقل المصنف عن الطحاوي من كتابه: "شرح مشكل الآثار" 6/ 176- ط المحققة" بتصرف. 3 في "ط": "على قولين". 4 في "أحكام القرآن" "1/ 228، 289".

وَالثَّالِثُ: أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ تَأَوَّلَ الْأَحَادِيثَ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ تَرْكَ اعْتِبَارِهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنِ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ، فَأَنْفَذُوا مَا سُئِلُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ خَيْرًا، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جازٍ عَنِ الْمَنُوبِ عَنْهُ1، وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ: لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا: فَإِنْ عَمِلَهُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 39] . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ خَاصَّةً بِمَنْ كَانَ لَهُ تَسَبُّبٌ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا أَمَرَ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ سَعْيٌ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 39] وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ: "صَامَ عَنْهُ وَلَيُّهُ" مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ، وَهُوَ الصَّدَقَةُ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَارَةً يَكُونُ بِمِثْلِ الْمَقْضِيِّ، وَتَارَةً بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ2، وَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ الْإِطْعَامُ، وَفِي الْحَجِّ النَّفَقَةُ عمن يحج عنه، أو

_ 1 لكن هذا يبعده قوله عليه الصلاة والسلام،: "أرأيت لو كان على أبيك دين...." إلى أن قال: "فدين الله أحق أن يقضى". "د". قلت: ونحو المذكور عند ابن العربي في "أحكامه" "1/ 289"،والقرطبي في "تفسيره "4/ 152". ومما يبعده استحالة أن يقر رسول الله صلى الله عليه وسلم السائلين على خلاف الحق، مجاراة لرغبة السائل في عمل الخير، بل كيف يقول للسائلين: حجوا وصوموا، ويجزئ ذلك عمن فعلتموه عنه، وواقع الأمر على خلاف ذلك، هذا ما لا يكون أبدا، ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. انظر: "مقاصد المكلفين" "ص276". 2 مثله في "العناية شرح الهداية" "2/ 360"، والمذكور ضعيف؛ إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، ومكلف بأن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، فهل يمكن بعد ذلك أن يعبر بالصيام عن الإطعام على سبيل المجاز، ولكل منهما مدلول شرعي ولغوي يغاير الآخر، فهل هذا يناسب الفصاحة، أم يناسب البيان؟ وهو تعبير يوقع المكلفين في حيرة وارتباك، ولذا قال النووي في "المجموع" "6/ 429" عقبه -ونقله عن بعض الشافعية المنتصرين للقول الجديد في مذهبهم: "تأويل باطل".

مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالسَّادِسُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى قِلَّتِهَا مُعَارِضَةٌ لِأَصْلٍ ثَابِتٍ فِي الشَّرِيعَةِ قَطْعِيٍّ، وَلَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ وَلَا الْمَعْنَوِيِّ، فَلَا يُعَارِضُ الظَّنُّ الْقَطْعَ، كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُعْمَلُ بِهِ إِلَّا إِذَا لَمْ يُعَارِضُهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ أَصْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ1، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ نُكْتَةُ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِيهِ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَجْوِبَةِ تَضْعِيفٌ لِمُقْتَضَى التَّمَسُّكِ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ وُضِّحَ مَأْخَذُ هَذَا الْأَصْلِ الْحَسَنِ2، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَصْلٌ: وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي مَسْأَلَةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ هِبَةِ الثواب، وفيها نظر.

_ 1 روى المدنيون والمغاربة عن الإمام مالك أن الخبر مقدم على القاعدة، وروى عنه البغداديون تقديم القاعدة المقطوع بها إذا تعذر الجمع بينها وبين الحديث وسيأتي للمصنف في أوائل كتاب الأدلة ناقلا عن ابن العربي أن مشهور قول مالك والذي عليه المعول أن الحديث المعارض لقاعدة إِنْ عَضَّدَتْهُ قَاعِدَةٌ أُخْرَى قَالَ بِهِ، وَإِنْ كان وحده تركه. "خ". 2 الأحسن منه أن يقال: إن رد الأحاديث ليس بجيد، ويصار إلى ما ذكره المصنف وأبو العباس القرطبي قبله، فيما نقله عنه ابن حجر في "فتح الباري" "4/ 70" إذا لم يمكن التوفيق، وهنا يمكن التوفيق، كما تراه في "تهذيب السنن" "3/ 272" لابن القيم.

فَلِلْمَانِعِ1 أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ2: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهِبَةَ إِنَّمَا صَحَّتْ فِي الشَّرِيعَةِ فِي شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْمَالُ، وَأَمَّا فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ، فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا3 دَلِيلٌ، فَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مِنْ جِهَةِ وَضْعِ الشَّارِعِ كَالْمُسَبِّبَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَسْبَابِ، وَقَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ} [النِّسَاءِ: 13] . ثُمَّ قَالَ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ] 4} [النِّسَاءِ: 14] . وَقَوْلُهُ: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14] .

_ 1 المانعون الشافعية والحنابلة، غير أنهم فرقوا بين ما تصح فيه النيابة فيجوز التبرع بثوابها، وما لا تصح فيه النيابة فلا يصح التبرع به، مع ميل متأخريهم إلى جواز التبرع بالكل، انظر في ذلك: "الروح" لابن القيم، و"حاشية قليوبي وعميرة" "3/ 175-176"، و"حاشية الدسوقي" "2/ 10"، و"التذكرة" للقرطبي- مع تعليقنا عليه- و"الفروق" "3/ 194"، و"إفادة الطلاب بأحكام القراءة على الموتى ووصول الثواب"، وذكر فيه الجواز، وانظر المنع وأدلته القوية في "نيل الأوطار" "4/ 79"، و"فتاوى العز بن عبد السلام" "ص95-97"، و"تفسير المنار" "8/ 254-270"، و" أحكام الجنائز" "ص219 وما بعدها - ط المعارف". 2 وهنالك وجه ثالث، وهو قوي جدا، ولا سيما على قواعد المصنف، وهو قول ابن تيمية في "الاختيارات العلمية" "ص54": "ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرءوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف، فإنه أفضل وأكمل". 3 في "ط": "عليها". 4 زيادة من الأصل، وفيه وفي "خ" و"ط": "ندخله" بالنون، أي: المواطنين، وهي قراءة نافع وابن عامر، كما في السبعة في القراءات" "ص228".

{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون} [النَّحْلِ: 32] . وَهُوَ كَثِيرٌ. وَهَذَا أَيْضًا كَالتَّوَابِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَبَوِّعَاتِ، كَاسْتِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ مَعَ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَاسْتِبَاحَةِ الْبِضْعِ مَعَ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَا خِيَرَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَضُّلٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَامِلِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، اقْتَضَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَيْسَ لِلْعَامِلِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا اخْتِيَارٌ، وَلَا فِي يَدِهِ مِنْهُ شيء، فإذن لَا يَصِحُّ فِيهِ تَصَرُّفٌ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَلَيْسَ فِي الْجَزَاءِ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ لِلْعَامِلِ تَصَرُّفٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، كَمَا لَا يَصِحُّ لِغَيْرِهِ. وَلِلْمُجِيزِ1 أَنْ يَسْتَدِلَّ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَدِلَّتَهُ مِنَ الشَّرْعِ هِيَ الْأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ الْهِبَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَتَوَابِعِهَا، إِمَّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ عُمُومِهَا أَوْ إِطْلَاقِهَا، وَإِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِ وَالثَّوَابِ عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، فَكَمَا جَازَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ فِي الْآخَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّدَقَةِ عَنِ الْغَيْرِ أَنَّهَا هِبَةُ الثَّوَابِ2، لَا يَصِحُّ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، صَحَّ وُجُودُ الدَّلِيلِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَنْعِ وَجْهٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْجَزَاءِ مَعَ الْأَعْمَالِ كَالْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ، وَكَالتَّوَابِعِ مَعَ الْمَتْبُوعَاتِ، يَقْضِي بِصِحَّةِ الْمِلْكِ لِهَذَا الْعَامِلِ، كَمَا يَصِحُّ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ صَحَّ التَّصَرُّفُ بِالْهِبَةِ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الثَّوَابَ لَا يُمْلَكُ كَمَا يُمْلَكُ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يكون في الدار.

_ 1 وهذا مذهب الحنفية، كما في "فتح القدير" "3/ 142"، والحنابلة، كما في "المغني" "2/ 567". 2 أين هذا؟ فالذي تقدم أنها من باب التصرف المالي، فكأنه أعطى المال للمتصدق عليه، وناب عنه في صرفه فقط، فقد ملكه المال نفسه، والثواب شيء آخر. "د".

الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَهُوَ النَّعِيمُ الْحَاصِلُ هُنَالِكَ وَالْآنَ لَمْ يُمْلَكْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِمَّا أَنْ يُمْلَكَ هُنَا مِنْهُ شَيْئًا حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} الْآيَةَ [النَّحْلِ: 97] ، فَذَلِكَ بِمَعْنَى1 الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ، أَيْ أَنَّهُ يَنَالُ فِي الدُّنْيَا طِيبَ عَيْشٍ مِنْ غَيْرِ كَدَرٍ مُؤَثِّرٍ فِي طِيبِ عَيْشِهِ، كَمَا يَنَالُ فِي الْآخِرَةِ أَيْضًا النَّعِيمَ الدَّائِمَ، فَلَيْسَ لَهُ أَمْرٌ يَمْلِكُهُ الْآنَ حَتَّى تَصِحَّ هِبَتُهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَصِحُّ حَوْزُهَا وَمِلْكُهَا الْآنَ. لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَ الْجَزَاءِ، فَقَدْ كُتِبَ لَهُ فِي غَالِبِ الظَّنِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتَقَرَّ لَهُ مِلْكًا بِالتَّمْلِيكِ، وَإِنْ لَمْ يَحُزْهُ الْآنَ، وَلَا يَلْزَمْ مِنَ الْمِلْكِ الْحَوْزِ، وَإِذَا صَحَّ مِثْلُ هَذَا الْمَالِ، وَصَحَّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا، صَحَّ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ، مَا وَرِثْتُهُ مِنْ فُلَانٍ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لِفُلَانٍ، وَيَقُولُ: إِنِ اشْتَرَى لِي وَكِيلِي عَبْدًا، فَهُوَ حُرٌّ أَوْ هِبَةٌ لِأَخِي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَوْزِهِ، وَكَمَا يَصِحُّ هَذَا التَّصَرُّفُ فِيمَا بِيَدِ الْوَكِيلِ فِعْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُوَكِّلُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَحُوزَهُ مِنْ يَدِ الْوَكِيلِ، يَصِحُّ أَيْضًا التَّصَرُّفُ بِمِثْلِهِ فِيمَا هُوَ بِيَدِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ2، فَقَدْ وَضَحَ إِذَا مَغْزَى النَّظَرِ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ، والله الموفق للصواب.

_ 1 أي من بابه، وشبيه به. "د". 2 في كلامه هذا نظر؛ لأنه جعل ملك الحسنات كملك الأعيان، ولعل الأولى أن يقال: إن الثواب كما يكون ثمرة عمل الإنسان قد يكون ثمرة عمل غيره، إذا ناب عنه بعد إذن الشرع، على الرغم ما فيه!!

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِي الْأَعْمَالِ1 دَوَامُ الْمُكَلَّفِ عَلَيْهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُون} [المعارج: 22-23] . وقوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاة} [الْبَقَرَةِ: 3] . وَإِقَامُ الصَّلَاةِ بِمَعْنَى الدَّوَامِ عَلَيْهَا بِهَذَا فُسِّرَتْ الْإِقَامَةُ حَيْثُ ذُكِرَتْ مُضَافَةً إِلَى الصَّلَاةِ، وَجَاءَ هَذَا كُلُّهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَجَاءَ الْأَمْرُ بِهِ صَرِيحًا فِي مَوَاضِعَ [كَثِيرَةٍ] 2، كَقَوْلِهِ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة} [الْبَقَرَةِ: 83] . وَفِي الْحَدِيثِ: "أحب العمل إلى الله ما داوم صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ" 3. وَقَالَ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تملوا" 4.

_ 1 أي: أعمال العبادات التي تتكرر أسبابها، أما زكاة وجبت هذا العام لحصول النصاب ولم يحصل في العام بعده، فلا، وهكذا يقال في غيرها، فهو ظاهر في العبادات المذكورة. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 3 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، 3/ 16/ رقم 1132، وكتاب الرقائق، باب القصد والمداومة على العمل 11/ 294/ رقم 6461، 6462" ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب في صلاة الليل، 1/ 511/ رقم 741" عن عائشة نحوه بألفاظ متقاربة، منها: "كان أحب العمل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يدوم عليه صاحبه". وأخرج البخاري برقم "6464، 6467" عنها ضمن حديث: "وأن أحب الأعمال أدومها وإن قل". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، 4/ 213/ رقم 1969"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان، 2/ 811/ رقم 782"، وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها.

وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً1. وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِي تَوْقِيتِ الشَّارِعِ وَظَائِفُ الْعِبَادَاتِ، مِنْ مَفْرُوضَاتٍ وَمَسْنُونَاتٍ، وَمُسْتَحَبَّاتٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةِ الْأَسْبَابِ ظَاهِرَةٍ وَلِغَيْرِ أَسْبَابٍ، مَا يَكْفِي فِي حُصُولِ الْقَطْعِ بِقَصْدِ الشَّارِعِ إِلَى إِدَامَةِ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الَّذِينَ تَرَهَّبُوا: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الْحَدِيدِ: 27] ، إِنَّ عَدَمَ مُرَاعَاتِهِمْ لَهَا هُوَ تَرْكُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا وَالِاسْتِمْرَارِ. فَصْلٌ: فَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ حُكْمُ مَا أَلْزَمَهُ الصُّوفِيَّةُ أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْأَوْرَادِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَأُمِرُوا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِإِطْلَاقٍ، لَكِنَّهُمْ قَامُوا بِأُمُورٍ لَا يَقُومُ بِهَا غَيْرُهُمْ، فَالْمُكَلَّفُ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي عَمَلٍ غَيْرِ وَاجِبٍ، فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى سُهُولَةِ الدُّخُولِ فِيهِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَنْظُرَ فِي مَآلِهِ فِيهِ، وَهَلْ يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ طُولَ عُمْرِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ شِدَّةِ التَّكْلِيفِ فِي نَفْسِهِ، بِكَثْرَتِهِ أَوْ ثِقَلِهِ فِي نَفْسِهِ. وَالثَّانِي: مِنْ جهة المداومة عليه وإن كن فِي نَفْسِهِ خَفِيفًا. وَحَسْبُكَ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهَا خَفِيفَةٌ، فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا مَعْنَى الْمُدَاوِمَةِ ثَقُلَتْ، وَالشَّاهِدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ

_ 1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب صوم شعبان، 4/ 213/ رقم 1969"، وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها ضمن حديث طويل، وفيه: "وكان إذا صلى صلاة داوم عليها" ومضى لفظه في التعليق على "1/ 526".

وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [الْبَقَرَةِ: 45] ، فَجَعَلَهَا كَبِيرَةً حَتَّى قَرَنَ بِهَا الْأَمْرَ بِالصَّبْرِ، وَاسْتَثْنِي الْخَاشِعِينَ فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِمْ كَبِيرَةً، لِأَجْلِ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ سَائِقٌ، وَالرَّجَاءِ الَّذِي هُوَ حَادٍ، وَذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} الآية: [البقرة: 46] ، فَإِنَّ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ يُسَهِّلَانِ الصَّعْبَ، فَإِنَّ الْخَائِفَ مِنَ الْأَسَدِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ تَعَبُّ الْفِرَارِ، وَالرَّاجِي لِنَيْلِ مَرْغُوبِهِ يَقْصُرُ عَلَيْهِ الطَّوِيلُ مِنَ الْمَسَافَةِ، وَلِأَجْلِ الدُّخُولِ فِي الْفِعْلِ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِمْرَارِ وُضِعَتِ التَّكَالِيفُ عَلَى التَّوَسُّطِ وَأُسْقِطَ الْحَرَجُ، وَنُهِيَ عَنِ التَّشْدِيدِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى"1، وَقَالَ: "مَنْ يُشَادُّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ" 2، وَهَذَا يَشْمَلُ التَّشْدِيدَ بِالدَّوَامِ، كَمَا يَشْمَلُ التَّشْدِيدَ بِأَنْفَسِ الأعمال، والأدلة على هذا المعنى كثيرة3.

_ 1 مضى تخريجه بإسهاب في "ص236". 2 مضى تخريجه 251". 3 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 623".

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمُكَلَّفِينَ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُخْتَصُّ بِالْخِطَابِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا الطَّلَبِيَّةِ1 بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يُحَاشَى مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِهَا مُكَلَّفٌ الْبَتَّةَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ وَاضِحٌ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الْمُتَضَافِرَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَأٍ: 28] 2. وَقَوْلِهِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الْأَعْرَافِ: 158] . وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود" 3.

_ 1 تغليب على الإباحة، وإلا، فهي حكم شرعي لا اختصاص فيه أيضا، ويبقى الكلام فيما يقابل الطلبية، وهو الوضعية، ولا يظهر أنه يقصد الاحتراز عنها؛ إذ كون الزوال سببا في وجوب الظهر عام لا يختص به مكلف دون آخر ما دام شرط التكليف موجودا، ومثله يقال في بقيتها، تراجع المسألة الأولى في خطاب الوضع. "د". 2 لأن المعنى على المشهور: وما أرسلناك بهذه الشريعة إلا للناس كافة، فالشريعة مأمور بتبليغها للناس كافة، وفي آية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} دلالة على وجوب تبليغ جميع الشريعة، فالجمع بين الآيتين يقتضي المطلوب في المسألة، أما الآيات هنا وحدها، فربما يتوقف في إفادتها للمطلوب؛ لأنه ما المانع من أن يكون مرسلا لجميع الناس، ولكن على توزيع المرسل به، فيكون البعض للبعض، وهذا إنما يمنع منه وجوب تبليغ جميع المرسل به للجميع، وإنما يؤخذ من الآيتين كما أشرنا إليه، فتأمل، وقد يقال: إن حذف المعمول يؤذن بالعموم، والمعمول هو قولنا: "بهذه الشريعة" فتكفي كل واحدة من هذه الآيات هنا في إفادة المطلوب. "د". 3 قطعة من حديث أوله: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي...."، وفيه: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" أخرجه مسلم في "الصحيح "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب منه، 1/ 370-371/ رقم 521" من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

وَأَشْبَاهِ هَذِهِ النُّصُوصِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَعْثَةَ عَامَّةٌ لَا خَاصَّةٌ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ مُخْتَصًّا بِمَا لَمْ يُخَصَّ بِهِ غَيْرُهُ1، لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا لِلنَّاسِ جَمِيعًا؛ إِذْ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مُرْسَلًا2 بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَاصِّ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ، بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّاسِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ، فَلَا اعْتِرَاضَ بِهِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِأَفْعَالِهِمْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى خِطَابِ الْوَضْعِ، فَظَاهِرُ الْأَمْرِ فِيهِ3. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَحْكَامَ إِذَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَالْعِبَادُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِرْآةٌ4، فَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْخُصُوصِ، لَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ بِإِطْلَاقٍ، لَكِنَّهَا كَذَلِكَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ أَحْكَامَهَا عَلَى الْعُمُومِ لَا عَلَى الْخُصُوصِ، وَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا كَانَ اخْتِصَاصًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَقَوْلِهِ: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِي} إِلَى قَوْلِهِ: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] .

_ 1 أي: بما لم يخاطب به غيره، أما تعبيره، ففيه نبو عن الغرض. "د". قلت: انظر في عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم: "إيضاح الدلالة على عموم الرسالة" لابن تيمية، ضمن "مجموع الفتاوى" "19/ 9-65"، و"الرسال المنيرية" "2/ 99-152"، و"الدلالة على عموم الرسالة" للسبكي، مضمن في "فتاويه" "2/ 594-625"، و"غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم" لابن الملقن "ص259". 2 بالتأمل نراه يدخل في الدليل عموم المتعلق، وهو ما أشرنا إليه بقولنا: "بهذه الشريعة"، فدليله متوقف على هذا؛ إذ مجرد كون المرسل إليهم الناس جميعا لا يكفي إلا بمراعاة العموم أيضا فيما هو مرسل به. "د". 3 أي: فما فيه من الأحكام الطلبية متوجه إلى أوليائهم. "د". 4 أي: تنطبع فيهم هذه المصالح على السواء؛ لأنهم مطبوعون بطابع النوع الإنساني المتحد في حاجياته وضرورياته وما يكملها. "د".

وقوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية [الأحزاب: 51] . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِهِ بِالدَّلِيلِ، وَيَرْجِعُ إِلَى هَذَا مَا خَصَّ هُوَ بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْهِ1 عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ غَيْرُ رَاجِعٍ إِلَيْهِ، كَاخْتِصَاصِ2 أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ بالتضحية بالعناق

_ 1 لأنه لما شهد للرسول عليه الصلاة والسلام في حادثة الأعرابي في البيع وكان مستنده في الشهادة الإيمان بصدقه صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، فلأن يكون صادقا في هذه الشئون الصغيرة من باب أولى، فاختصاص خزيمة في هذا رجوع إلى اختصاص الرسول عليه السلام بقبول شهادة واحد له في هذا العقد وصحته، يراجع "إعلام الموقعين" في هذا، وبيانه أن خزيمة تنبه لهذه الحكمة قبل أن يتفطن إليها غيره من الصحابة الحاضرين. "د". قلت: وسيأتي تخريج شهادة خزيمة "ص469"، وهذا نص كلام ابن القيم في "إعلام الموقعين" "2/ 83-84": "وأما قوله: وجعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين دون غيره ممن هو أفضل منه، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده صلى الله عليه وسلم أو عند غيره، لكان بمنزلة شاهدين اثنين، وهذا التخصيص إنما كان لمخصص اقتضاه وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بايع الأعرابي، وكان فرض على كل من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه صلى الله عليه وسلم، وهذا مستقر عند كل مسلم، ولكن خزيمة تفطن لدخول هذه القضية المعينة تحت عموم الشهادة لصدقه في كل ما يخبر به، فلا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما يخبر به عن غيره في صدقه في هذا، وهذا لا يتم الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا، فلما تفطن خزيمة دون من حضر لذلك، استحق أن تجعل شهادته بشهادتين". 2 بين ابن القيم الحكمة من هذا الاختصاص في كتابه" إعلام الموقعين" "2/ 246" بقوله: "وأما تخصيصه أبا بردة بن نيار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده، فلموجب أيضا، وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولا غير عالم بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن تلك ليست بأضحية وإنما هي شاة لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتي لحم، فرخص له في التضحية بها لكونه معذورا، وقد تقدم منه ذبح تأول فيه وكان معذورا بتأويله وذلك كله قبل استقرار الحكم، فلما استقر الحكم، لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر، وبالله التوفيق".

الْجَذَعَةِ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" 1، فَهَذَا لَا نَظَرَ فِيهِ؛ إِذْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَجْلِهِ وَقَعَ النَّصُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فِي مَوَاضِعِهِ2 إِعْلَامًا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ خَارِجَةٌ عَنْ قَانُونِ الِاخْتِصَاصِ. وَالثَّالِثُ: إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِذَلِكَ صَيَّرُوا أَفْعَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً لِلْجَمِيعِ فِي أَمْثَالِهَا، وَحَاوَلُوا فِيمَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ وَلَيْسَ لَهَا صِيَغٌ عَامَّةٌ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى الْعُمُومِ، إِمَّا بِالْقِيَاسِ، أَوْ بِالرَّدِّ إِلَى الصِّيغَةِ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَاوَلَاتِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي النَّازِلَةِ الْأَوْلَى مُخْتَصًّا بِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العيدين، باب الأكل يوم النحر، 2/ 447-448/ رقم 955، وباب الخطبة بعد العيد، 2 / 453/ رقم 965، وباب التبكير إلى العيد، 2/ 456/ رقم 968، وباب كلام الإمام والناس في خطبة العيد، 2/ 471/ رقم 983، وكتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية، 10/ 3/ رقم 5545، وباب قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: "ضح بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك"، 10/ 12/ 5556، 5557، وباب الذبح بعد الصلاة، 10/ 19/ رقم 5560، وباب من ذبح قبل الصلاة أعاد 10/ 20 / رقم 5563"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأضاحي، باب وقتها، 3/ 1552/ رقم 1961"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأضاحي، باب ما جاء في الذبح بعد الصلاة، 4/ 93/ رقم 1508"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأضاحي، باب ما يجوز من السن من الضحايا، 3/ 96/ رقم 2800"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الأضاحي، باب ذبح الضحية قبل الإمام، 7/ 222" عن البراء بن عازب مرفوعا. 2 وهي الآية والحديثان، والنص على التخصيص نفسه دليل على أن سائر الشريعة -مما لم ينص فيه على التخصيص- عام "د".

لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: 37] ، فَقَرَّرَ الْحُكْمَ فِي مَخْصُوصٍ لِيَكُونَ1 عَامًا في الناس، وتقرير2 صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ لِوُضُوحِهِ عِنْدَ مَنْ زَاوَلَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ3. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ خِطَابُ الْبَعْضِ4 بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ حَتَّى يَخُصَّ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ بَعْضَ النَّاسِ، لَجَازَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يُخَاطَبُ بِهَا بَعْضُ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ بِهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الأمر، وهذا باطل بإجماع، فَمَا لَزِمَ عَنْهُ مِثْلُهُ، وَلَا أَعَنِي بِذَلِكَ5 مَا كَانَ نَحْوَ الْوِلَايَاتِ وَأَشْبَاهِهَا، مِنَ الْقَضَاءِ، وَالْإِمَامَةِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْفُتْيَا فِي النَّوَازِلِ، وَالْعِرَافَةِ وَالنِّقَابَةِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالتَّعْلِيمِ لِلْعُلُومِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ رَاجِعَةٌ إِلَى النَّظَرِ فِي شَرْطِ التَّكْلِيفِ بِهَا، وَجَامِعُ الشُّرُوطِ فِي التَّكْلِيفِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهِ، فَالْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْوَظَائِفِ مُكَلَّفٌ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ بِإِطْلَاقٍ، كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، فَالتَّكْلِيفُ عام لا خاص،

_ 1 إلا أن في الآية النص على أن هذا الخاص أساس لحكم شرعي عام، فالآية وإن كانت صيغتها خاصة لا عامة، إلا أنها أُعْقِبَت بالنص على ما يفيد العموم، حتى تستفاد الحكمة فيما حصل، ولا يتوهم أنها خصوصية. "د". 2 في النسخ المطبوعة: "وتقرر". 3 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "15/ 82 و443 وما بعدها"، والمسألة الخامسة من كتاب "الأدلة الشرعية". 4 في "ط" زيادة بعدها: "دون البعض". 5 أي: ولا أعني بذلك خروج ما كان موهما لتخصيص الخطابات، كالولايات.... إلخ، فإنها داخلة في القاعدة، وهو أنها مكلف بها كل من توفر فيه شرط التكليف بها، كغيرها من سائر التكاليف، فالزكاة مثلا مكلف بها على العموم، ولكن مع مراعاة النصاب مثلا وسائر الشروط كذلك الولايات وفروض الكفايات المتوقفة على شروط، فتعتبر عامة بهذا المعنى، ولو قال: "ولا يخرج عن ذلك ما كان.... إلخ"، لكان أوضح. "د".

[وَبِسُقُوطِهِ أَيْضًا عَامٌ لَا خَاصٌّ] مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ أَوْ عَدَمِهَا لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي كُلِّ مَا كَانَ مُوهِمًا لِلْخِطَابِ الْخَاصِّ، كَمَرَاتِبِ1 الْإِيغَالِ فِي الْأَعْمَالِ، وَمَرَاتِبِ الِاحْتِيَاطِ عَلَى الدِّينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَصْلٌ: وَهَذَا الأصل يتضم فَوَائِدَ عَظِيمَةً: - مِنْهَا: أَنَّهُ يُعْطَى قُوَّةً عَظِيمَةً فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِبَعْضِ النَّاسِ وَالْحُكْمِ الْخَاصِّ كَانَ وَاقِعًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا، وَلَمْ يُؤْتَ فِيهَا بِدَلِيلٍ عَامٍ يَعُمُّ أَمْثَالَهَا مِنَ الْوَقَائِعِ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخُصُوصُ الْوَاقِعُ غَيْرَ مُرَادٍ، وَلَيْسَ فِي الْقَضِيَّةِ لَفْظٌ يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ فِي إِلْحَاقِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ بِالْمَذْكُورِ، فَأَرْشَدَنَا ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ إِذْ ذَاكَ أَنْ يُلْحَقَ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مَعْنَى الْقِيَاسِ، وَتَأَيَّدَ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَانْشَرَحَ الصَّدْرُ لِقَبُولِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا يُبْسَطُ فِي كِتَابِ الْأَدِلَّةِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. - وَمِنْهَا: أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يَتَحَقَّقُ بِفَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ يَظُنُّ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ جَرَتْ عَلَى طَرِيقَةٍ غَيْرِ طَرِيقَةِ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّهُمُ امْتَازُوا بِأَحْكَامٍ غَيْرِ الْأَحْكَامِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، مُسْتَدِلِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَيُرَشِّحُونَ ذَلِكَ2 بِمَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا يَجِبُ فِي زكاة كذا،

_ 1 تقدم له أن الناس في ذلك على ضربين: مسقط لحظوظه، وآخذ لها على وجهها الشرعي، أي، فليس الأول مخاطبا بما لم يخاطب به الثاني، حتى يعد من باب تخصيص الخطاب في الشريعة. "د". 2 أي: يصلحونه ويربونه".

فَقَالَ: عَلَى مَذْهَبِنَا أَوْ عَلَى مَذْهَبِكُمْ؟ ثُمَّ قَالَ: أمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا، فَالْكُلُّ لِلَّهِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِكُمْ، فَكَذَا وَكَذَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ افْتَرَقَ النَّاسُ فِيهِمْ فَمِنْ مصدِّق بِهَذَا الظَّاهِرِ، مُصَرِّحٍ بِأَنَّ الصُّوفِيَّةَ اخْتُصِّتْ بِشَرِيعَةٍ خَاصَّةٍ هِيَ أَعْلَى مِمَّا بُثَّ فِي الْجُمْهُورِ، وَمِنْ مُكَذِّبٍ وَمُشَنِّعٍ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ وَيَنْسِبُهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَالْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي طَرَفٍ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ دَاخِلٌ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْخَلْقِ، كَمَا تَبَيَّنَ آنِفًا، وَلَكِنَّ رُوحَ الْمَسْأَلَةِ الْفِقْهُ فِي الشَّرِيعَةِ1، حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا يَتَوَهَّمُونَ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ أُبِيحُ لَهُمْ أَشْيَاءَ لَمْ تُبَحْ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ ترقَّوا عَنْ رُتْبَةِ الْعَوَامِّ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الشَّهَوَاتِ، إِلَى رُتْبَةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ سُلِبُوا الِاتِّصَافَ بِطَلَبِهَا وَالْمَيْلِ إِلَيْهَا، فَاسْتَجَازُوا لِمَنِ ارْتَسَمَ فِي طَرِيقَتِهِمْ إِبَاحَةَ بَعْضِ الْمَمْنُوعَاتِ فِي الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى اخْتِصَاصِهِمْ عَنِ الْجُمْهُورِ، فَقَدْ ذُكِرَ نَحْوُ هَذَا فِي سَمَاعِ الْغِنَاءِ وَإِنْ قُلْنَا بِالنَّهْيِ عَنْهُ2، كَمَا أَنَّ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ مَنِ اسْتَبَاحَ شُرْبَ الْخَمْرِ بِنَاءً عَلَى قَصْدِ التَّدَاوِي بِهَا، وَاسْتِجْلَابِ النَّشَاطِ فِي الطَّاعَةِ، لَا عَلَى قَصْدِ التَّلَهِّي، وَهَذَا بَابٌ فتحته الزنادقة بقولهم: إن

_ 1 وما تقدم له في مراتب الإيغال في الأعمال وأن الناس على ضربين، فيه فقه المسألة، وأنهم كغيرهم داخلون تحت أحكام الشريعة المبثوثة في الخلق. "د". 2 نقل المصنف عن مالك أنه سئل عن قوم يقال لهم: الصوفية يأكلون كثيرا ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون. فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا. أمجانين هم؟ قال: لا، قوم مشايخ عقلاء. فقال مالك: ما سمعت أن أحدا من أهل الإسلام يفعل هذا إلا أن يكون مجنونا أو صبيا. ثم قال المصنف: "إن ذلك من البدع المحرمات الموقعة في الضلالة المؤدية إلى النار والعياذ بالله". انظر: "المعيار المعرب" "11/ 39 وما بعدها"، و"منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية" "ص188"، و"فتاوى الشاطبي" "ص193"، و"ترتيب المدارك" "2/ 53-54".

التَّكْلِيفَ خَاصٌّ بِالْعَوَامِّ سَاقِطٌ عَنِ الْخَوَاصِّ1، وَأَصْلُ هَذَا كُلُّهُ إِهْمَالُ النَّظَرِ فِي الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فليُعتَنَ به، وبالله التوفيق....

_ 1 دس هذه المقالة بعض الزنادقة وسعى في ترويجها الفساق من المدعين للولاية، حتى يجدوا مسرح الشهوات واسع المجال بعيد ما بين الجوانب، وانطلت هذه الدسيسة على كثير من الأغبياء، فطرحوا من أيديهم أن يزنوا سيرة المدعي للولاية بميزان الشريعة، ومما ساعد على انتشار هذه الضلالة الهادمة لقانون الشرع أن بعض المنتسبين للعلم يهابون التعرض لكل من ادعى الولاية بحاله أو مقاله، وما هو إلا ضعف البصيرة، وقلة الرسوخ في العلم بحقائق الدين التي يضمحل أمامها كل باطل، وتسقط تجاهها كل دعوى مزيفة. "خ". قلت: انظر "مجموع فتاوى ابن تيمية" "10/ 432-446، 11/ 170-171، 225-227"، وتعرض شيخ الإسلام ابن تيمية إلى بسط ما أجمله المصنف في "درء تعارض العقل والنقل" و"منهاج السنة النبوية" و"الصفدية" وغيرها.

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: كَمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ وَالتَّكْلِيفَاتِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ، كَذَلِكَ الْمَزَايَا وَالْمَنَاقِبِ1، فَمَا مِنْ مَزِيَّةٍ أُعْطِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى مَا وَقَعَ اسْتِثْنَاؤُهُ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَتْ أُمَّتُهُ مِنْهَا أُنْمُوذَجًا2، فَهِيَ عَامَّةٌ كَعُمُومِ التَّكَالِيفِ، بَلْ قَدْ زَعَمَ ابن العربي أن سنة الله

_ 1 المزايا: جمع مزية، وهي في كل شيء التمام والكمال، ويقال: له عندي مزية، أي: فضيلة ومنزلة ليست لغيره، والمناقب: جمع منقبة، وهي المفخرة ضد المثلبة. "ماء/ ص201". 2 ما من نبي إلا وهو سلالة قومه وخلاصة عنصرهم، كما تخرج زهرة من غصن شجرة، أو جوهرة من بطن حجر، فهو جامع لأشتات محاسنهم، طاهر من أدناسهم، فإن لكل قوم محاسن ومساوئ مختلفة كما ترى ذلك في أنواع خلق الله تعالى، وهذا هو أقرب من سنن الفطرة كما هو أولى بالحكمة، ولذلك ترى النبي سبق إليه من قومه أكرمهم وأطهرهم، ومن ههنا فضل السابقين من المؤمنين، كأن الله تعالى أطلع نورا من الأفق، فأشرق أولا على أعلى الشواهق ثم الأقرب فالأقرب، وأنزل ماء من السماء، فاخضرت من الأرض أولا أخصبها، فهكذا تتنبه الأمة في ذات نبيها، ثم في ذوات الصديقين والشهداء والصالحين منهم وأتباعهم، فإذا كمل وتم زمان النماء جمع الحب وأُلقِي العصف في النار. ومن ههنا تبينت لك حكمة الصبر الشديد للنبي وأصحابه؛ لكيلا يبقى في الكافرين والمنافقين من فيه مثقال حبة من الإيمان، فإذا محَّص الله المؤمنين أهلك الكافرين، وفي هذا التمحيص أيضا يخرج من بين المؤمنين من دخل فيه بغير نور، وصرح بذلك القرآن في غير موضع، وتفصيل منه في باب المعجزات. فإذا كان النبي سلالة قومه كان هو وقومه كمرآتين على جانبيك، ترى بعضهم في بعض، فإن رأيت أن النبي على غاية علو الهمة وسعة التدبير تيقنت أن قومه أحرارٌ أذكياء، وهكذا إن علمت من قومه أحسن أخلاقه، تيقنت أن نبيهم جامع لها، وهذا يعطيك مفتاحًا لفهم سيرة أمة ونبيها، فتستدل من بعضهما إلى بعض، ثم تستدل بذلك في فهم شريعة أمة؛ لأنها تنزل حسب استعداد الأمة كما قال تعالى في سورة المائدة بعد ما ذكر إنزال التوراة والإنجيل والقرآن: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48] حسب عموم سنته كما جاء في آخر سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم} [الأنعام: 165] ، فلا يبتلي الله الأمة إلا فيما آتاهم، فلذلك جعل شرائع كل أمة حسب حالها، ومن هذه الجهة اختلافهم، وجاءت أكمل الشرائع لأكمل الأمم، أفاده الفراهي في "القائد إلى العقائد" "ص133-134".

جرت أنه إذا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا شَيْئًا أَعْطَى أُمَّتَهُ مِنْهُ، وَأَشْرَكَهُمْ مَعَهُ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمْثِلَةً؛ وَمَا قَالَهُ يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ بِالِاسْتِقْرَاءِ. أَمَّا أَوَّلًا؛ فَالْوِرَاثَةُ الْعَامَّةُ1 فِي الِاسْتِخْلَافِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَتَعَبَّدَ الْأُمَّةُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَمَا حُدَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِنْبَاطٍ، وَكَانَتْ تَكْفِي الْعُمُومَاتُ وَالْإِطْلَاقُ حَسْبَمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ منَّ عَلَى الْعِبَادِ بِالْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي خَصَّ بِهَا نَبِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ إِذْ قَالَ تَعَالَى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه} [النِّسَاءِ: 105] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النِّسَاءِ: 83] . وَهَذَا وَاضِحٌ، فَلَا نطوِّل بِهِ. وَأَمَا ثَانِيًا: فَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، نَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثِينَ وَجْهًا: أَحَدُهَا: الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي} الآية [الأحزاب: 56] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور} الآية [الأحزاب: 43] .

_ 1 في نسخة "ماء/ ص202" زيادة بعدها: "في الاستقراء".

وَقَالَ: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [الْبَقَرَةِ: 157] . وَالثَّانِي: الْإِعْطَاءُ إِلَى الْإِرْضَاءِ، قَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحَى: 5] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} [الْحَجِّ: 59] . وَقَالَ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [الْمَائِدَةِ: 119] . وَالثَّالِثُ: غُفْرَانُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ تَعَالَى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الْفَتْحِ: 2] . وَفِي الْأُمَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الصَّحَابَةُ: هَنِيئًا مَرِيئًا، فَمَا لَنَا؟ فَنَزَلَ1: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [الْفَتْحِ: 5] ، فعمَّ مَا تقدم وما تأخر.

_ 1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية 7/ 450-451/ رقم 4172" ثني أحمد بن إسحاق ثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا} ، قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئا مريئا، فما لنا؟ فأنزل الله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار} . قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت، فذكرت له، فقال: أما {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا} فعن أنس، وأما "هنيئا مريئا" فعن عكرمة. وأخرجه هكذا من طريق عثمان بن عمر البيهقي في "الدلائل" "4/ 157". وأخرجه مختصرا دون ذكر سبب النزول الذي أورده المصنف البخاري في "صحيحه"، كتاب التفسير، باب {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} 8/ 583/ رقم 4834"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية 3/ 1413/ رقم 1786" من طرق عن قتادة. وأخرجه الإسماعيلي من طريق حجاج بن محمد، عن شعبة، وجمع في الحديث بين أنس وعكرمة، وساقه مساقا واحدا، أفاده ابن حجر في "الفتح" "7/ 451". =

والرابع: وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى إِتْمَامُ النِّعْمَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الْفَتْحِ: 2] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم} الآية [المائدة: 6] .

_ = قلت: وساقه مساقا واحدا عن شعبة خالد الحذاء، كما عند النسائي في "الكبرى" "كتاب التفسير 2/ 304/ رقم 522"، وحرمي بن عمارة، كما في "المستدرك" "2/ 459"، وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "26/ 70" من طريق محمد بن جعفر غِندر، عن شعبة، وذكره كما عند المصنف عن عكرمة مرسلا، واختلف عليه فيه، فرواه بعضهم عنه بسياقة واحدة دون تفصيل، كما تراه عند ابن جرير "26/ 70"، واختلف على معمر فيه، فرواه ابن ثور عنه عن قتادة مرسلا، كما عند ابن جرير في "التفسير" "26/ 70"، وأخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "3/ 225"، ومن طريقه الترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب ومن سورة الفتح، رقم 3263"، وأحمد في "المسند" "3/ 197"، وابن حبان في "الصحيح" "14/ 322/ رقم 6410- الإحسان" عن معمر عن قتادة عن أنس مساقا واحدا، فيه المذكور عند المصنف. وكذا ساقه مطولا مع سبب النزول المذكور جماعة عن قتادة عن أنس، منهم: سعيد بن أبي عروبة كما عند أحمد في "المسند" "3/ 215"، وابن جرير في "التفسير" "26/ 69"، والواحدي في "أسباب النزول" "256". والحكم بن عبد الملك، كما عند "المستدرك" "2/ 460". وهمام بن يحيى، كما عند أحمد في "المسند" "3/ 134، 252"، والواحدي في "الوسيط" "4/ 135-136"، و"أسباب النزول" "256"، والبيهقي في "الدلائل" "2/ 158". واختلف على هؤلاء فيه، وأخرجه مسلم في "صحيحه" عن بعضهم مختصرا دون ذكر سبب النزول، وما أرى الأمر إلا على النحو الذي فصله الإمام البخاري، وقد قدمناه، والتفصيل في الكتب التي أفردت عن المدرج مثل كتاب الخطيب البغدادي وابن حجر العسقلاني، كما ذكر هو في "الفتح" "7/ 451".

وَالْخَامِسُ: الْوَحْيُ وَهُوَ النُّبُوَّةُ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْك} [النِّسَاءِ: 163] ، وَسَائِرُ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ، وَفِي الْأُمَّةِ: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ 1 مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا من النبوة" 2.

_ 1 إذا كان معنى الحديث أن الرؤيا كانت له عليه الصلاة والسلام قبل الوحي ستة أشهر، يري فيها رؤيا صادقة كفلق الصبح، ثم جاء الوحي بعدها، ومجموع ذلك مع الوحي ثلاث وعشرون سنة على قول، أو أن الوحي بعد الأشهر الستة ثلاث وعشرون سنة، فتكون نسبة الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من زمن النبوة والوحي، فعليه لا يكون في الحديث ما يدل على مُدَّعَاه؛ إذ ليس الغرض أن النبوة تتجزأ إلى هذه الأجزاء والرؤيا جزء منها، فهو غير معقول في ذاته أن تكون الرؤيا الصادقة جزء من نبوة الوحي مهما صغر هذا الجزء؛ لأن للنبوة ماهية شرعية لا يندرج فيها جزئي بمجرد الرؤيا الصادقة، وزعم ابن خلدون أن حمل الحديث على النسبة الزمانية بعيد عن التحقيق، ولكنه لم يأتِ في ذلك بمقنع، وما رده به من اختلاف العدد في بعض الروايات لا يفيد، فإن كلامنا في شرح هذه الرواية الصحيحة التي عدها بعضهم متواترة، وكونه لم يثبت أن رؤيا الأنبياء كذلك لا يضر؛ لأننا نحمل الحديث على رؤياه صلى الله عليه وسلم التي سبقت الوحي، وكانت كفلق الصبح، ودعواه أن الكلام في الرؤيا العامة التي يستوي فيها سائر الخلق لا يظهر. "د". قلت: اعتنى الزركشي في بيان مفردات الأجزاء المذكورة من النبوة، فقال في "البحر المحيط" "1/ 62": "وقد اجتهدت في تحصل الستة والأربعين ما هي، فبلغت منها إلى الآن اثنين وأربعين، وقد ذكرتها في كتاب "الوصف والصفة"، وأنا في طلب الباقي"، وهذا يدل على صحة ما ذكره المصنف، فتأمل، وردَّ ابن حجر في "فتح الباري" "12/ 364 وما بعدها"- وذكر فيه "12/ 366-367" الوجوه الستة والأربعين، فراجع كلامه فإنه كلامه فإنه مهم ومفيد- ما اعتمده "د"، فانظر كلامه. 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة 12/ 373/ رقم 6987"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الرؤيا، باب: منه 4/ 1774/ رقم 2264"، وأبو داود في "سننه" "كتاب الأدب، باب في الرؤيا 4/ 304/ رقم 5018"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الرؤيا، باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة "4/ 532/ رقم 2271"، والنسائي في "الكبرى" "كتاب التعبير، باب الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح 4/ 383"، وأحمد في "المسند" "5/ 316، 319" عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

وَالسَّادِسُ: نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ، قَالَ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [الْبَقَرَةِ: 144] ، فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُحِبُّ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الْكَعْبَةِ1، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الْأَحْزَابِ: 51] ، لَمَّا كَانَ قَدْ حَبَّبَ إِلَيْهِ النِّسَاءَ فَلَمْ يُوقَفْ2 فِيهِنَّ عَلَى عَدَدٍ مَعْلُومٍ. وَفِي الْأُمَّةِ قَالَ عُمَرُ: "وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى! فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: 125] ،

_ 1 أخرج نحوه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان 1/ 502/ رقم 399"، والترمذي في "الجامع" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة 5 / 207-208/ رقم 2962"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القبلة 1/ 322-323/ رقم 1010"، وأحمد في "المسند" 4/ 274" عن البراء بن عازب رضي الله عنه. 2 ليس موضوع الآية الإذن بعدم وقوفه عند الأربع التي أذن بها لسائر الأمة بل الكلام4 في موضوع القسم بين نسائه، وما إلى ذلك من تسريح من يشاء وإمساك من يشاء، كما يعلم من مراجعة كتب التفسير، وقد تابعه بعض الناظرين هنا أن الموضوع ما قاله، ولكنه خالفه فيما زعمه من السبب، وهو مصيب في هذه المخالفة لا في الموافقة على معنى الآية، وإن كانوا نسبوا إلى الحسن أنه قال: "تنكح من تشاء من نساء أمتك، وتترك نكاح من تشاء منهن"، وأنه كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب واحدة لا يخطبها غيره حتى يتركها، هكذا نسبوا إليه، ولكنه على ما ترى في عداد الإكثار من الاحتمالات والنقول. "د". وقال "خ": "ليس سبب الإذن له عليه الصلاة والسلام في التزوج بما فوق الأربعة هو محبته للنساء، وإنما أذن له بذلك لمقاصد أخرى كتأكيد الصلة بينه وبين أقاربهم وعشائرهن، وإن يتلقين عنه أحكام الشريعة ولا سيما الأحكام العائدة إلى النساء ما لا يطلع عليه إلا الأزواج، وتعدد زوجاته عليه السلام مما يقوم بها شاهد من شواهد صدقه، فإنهن مع كثرتهن لم يشهدن من حاله في السر إلا ما يطابق استقامته وإرشاداته العلنية، ونحن نرى من يدعي الصلاح كاذبا لا يلبث أن تنكشف سريرته ويفتضح أمره في الغالب على أيدي من يلابسه في بيته من الأزواج أو الخادمات".

وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، فَقُلْتُ: "إنِ انتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللهُ رسولَهُ خَيْرًا منكُنَّ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} الآية1 [التحريم: 5] . وَحَدِيثُ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ زَوْجِي ظَاهَرَ مِنِّي، وَقَدْ طَالَتْ صُحْبَتِي مَعَهُ، وَقَدْ وَلَدْتُ لَهُ أَوْلَادًا، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ". فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَتْ: إِلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَتْ، فَأَجَابَهَا، ثُمَّ ذَهَبَتْ لِتُعِيدَ الثَّالِثَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} 2 الآية: [المجادلة: 1] .

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة 1/ 504/ رقم 402، وكتاب التفسير باب قوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} 8/ 168/ رقم 4483، وباب في سورة الأحزاب 8/ 527/ رقم 4790، وباب في سورة التحريم 8/ 660 / رقم 4916"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه 4/ 1865/ رقم 2399" مختصرا عن عمر. 2 ذكر هذا البغوي في "معالم التنزيل" "5/ 323"، والواحدي في "الوسيط" "4/ 259" من غير إسناد. وأصله عند البخاري في "الصحيح" "كتاب التوحيد {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} 13/ 372" معلقا عن عائشة مختصرا. ووصله النسائي في "المجتبى" "6/ 168"، وأبو داود في "السنن" "رقم 2063"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 2063"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 481"، وابن جرير في "التفسير" "28/ 5-6"، والواحدي في "أسباب النزول" "273" بسياق فيه تفصيل نحو المذكور وليس فيه: "قد حرمت عليه"، وإسناده صحيح. ولهذا التفصيل شواهد من حديث خويلة -أو خولة- بنت ثعلبة، أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم 2214، 2215"، وأحمد في "المسند" "6/ 410-411"، وابن حبان في "الصحيح" "10/ 107-108"/ رقم 4279- الإحسان"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 746"، وابن جرير في =

وَمِنْ هَذَا كَثِيرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ. وَنَزَلَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنَ الْإِفْكِ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَتْ، إِذْ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ1 أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها2.

_ = "التفسير" "28/ 5"، والطبراني في "الكبير" "1/ رقم 616"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 389، 391" بسند ضعيف، فيه معمر بن عبد الله، وهو مجهول. وله شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه البزار في "المسند" "رقم 1513- زوائده"، والطبراني في "الكبير" "11/ رقم 11689"، وابن جرير في "التفسير" "28/ 3-4"، والبيهقي في الكبرى" "7/ 392"، وذكره مفصلا، وفيه أبو حمزة الثمالي، وزاد في متن الحديث ما خالف فيه الثقات، وهو لين. وأخرجه من حديث ابن عباس مختصرا دون تعيين للرجل ولا للمرأة: أبو داود في "السنن" "رقم 2223"، والنسائي في "المجتبى" "6/ 167"، والترمذي في "الجامع" "رقم 1199"، وابن ماجه في "السنن" رقم "2065"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 747"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 204، والبيهقي في الكبرى" "7/ 386"، بسند حسن، وحسنه ابن حجر في "الفتح" "9/ 343"، وليس في هذه الروايات جميعا "قد حرمت عليه"، وفي بعضها نحو التفصيل الوارد. وأخرجه باللفظة المذكورة عبد الرازق في "التفسير" "2/ 277" عن عكرمة مرسلا، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات "8/ 379"، عن عمران بن أبي أنس مرسلا، ولكن ورده فيه هذه اللفظة على لسان المظاهر، وكذا وردت في حديث ابن عباس من رواية أبي حمزة الثمالي عنه، وهو الأشبه والله أعلم. 1 في "ط": "ما كنت أظن.....". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ} 8/ 454/ رقم 4750" في آخر حديث الإفك الطويل، وقد أفرده يوسف بن عبد الهادي في جزء مفرد، وهو مطبوع.

وَقَالَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلْيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يبرِّئ ظَهْرِي من الحد. فنزل1: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم} الآية [النور: 6] وَهَذَا خَاصٌّ بِزَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بِانْقِطَاعِهِ. وَالسَّابِعُ: الشَّفَاعَةُ، قَالَ تَعَالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الْإِسْرَاءِ: 79] . وَقَدْ ثَبَتَتْ2 شَفَاعَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ فِي أُوَيْسٍ: "يُشَفَّعُ في مثل ربيعة ومضر" 3.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} 8/ 449/ رقم 4747"، وغيره ضمن حديث طويل عن ابن عباس. 2 في "د": "ثبت". 3 الشفاعة لمثل ربيعة ومضر ثابتة في غير حديث، أحسنها وأصحها ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب: منه 4/ 626/ رقم 2438" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة، 2/ 1443-1444/ رقم 4316"، وأحمد في "المسند" "3/ 469، 470, 5/ 366"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "5/ 26"، والطيالسي في "المسند" "2/ 229- التحفة"، والدارمي في "السنن" "2/ 328"، وابن خزيمة في "التوحيد" "313"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 70، 71"، وابن حبان في "الصحيح" "16/ 376/ رقم 7376- الإحسان"، وابن الأثير في "أسد الغابة" "3/ 196"، والمزي في "تهذيب الكمال" "14/ 359-360" عن عبد الله بن أبي الجدعاء مرفوعا: "ليدخُلَنَّ الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم"، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أحمد في "المسند" "5/ 256، 261، 267"، والآجُرِّي في "الشريعة" "351"، والطبراني في "الكبير" "8/ 169"، عن أبي أمامة مرفوعا: "ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين: ربيعة، ومضر"، ورجاله رجال الصحيح، وفيه عبد الرحمن بن ميسرة، وهو مقبول كما في "التقريب"، وقد توبع، تابعه أبو غالب حزور، أخرجه الطبراني في "الكبير" "8/ 330"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 287"، فإسناد حسن، وكذا قال العراقي فيما نقل عنه المناوي في "فيض القدير" "4/ 130".

"أئمتكم شفعاؤكم"1، وغير ذلك.

_ = وهذا الرجل المبهم الثابتة له الشفاعة، قيل: إنه عثمان، وقيل: إنه أويس، ويدل على الثاني ما أخرجه علقمة بن مرثد في "زهد الثمانية من التابعين" "ص74" عن عمر مرفوعا: "يدخل الجنة بشفاعة أويس مثل ربيعة ومضر"، وإسناده متقطع. وما أخرجه ابن عدي في "الكامل" "7/ 2533" عن ابن عباس مرفوعا: "سيكون في أمتي رجل يقال له: أويس بن عبد الله القرني، وإن شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر"، وإسناده واهٍ، فيه وهب بن حفص، كل أحاديثه مناكير غير محفوظة، وهو متهم بالوضع، انظر: "تاريخ بغداد" "13/ 488، واللسان" "6/ 234". وما أخرجه أحمد في "الزهد" "343، 344" عن الحسن مرفوعا: "ليخرجن من النار بشفاعة رجل ما هو بنبي أكثر من ربيعة ومضر": قال الحسن: "وكانوا يرون أنه عثمان رضي الله عنه، أو أويس القرني رضي الله عنه"، وفي رواية أخرى: "قال هشام: فأخبرني حوشب عن الحسن، قال: هو أويس القرني". وأخرج الترمذي في "الجامع" "رقم 2439" من مرسل الحسن أنه عثمان أيضا، وترى ذلك مبسوطا في ترجمته في "تاريخ دمشق"، والله الموفق. والخلاصة: الحديث صحيح من غير ذكر تعيين أويس والله أعلم. 1 قال العراقي "تخريج أحاديث الإحياء" "3/ 175- مع شرحه "إتحاف السادة": "أخرجه الدارقطني والبيهقي، وضعف إسناده من حديث ابن عمر، والبغوي وابن قانع والطبراني في "معاجمهم"، والحاكم من حديث مرثد بن أبي مرثد نحوه، وهو منقطع، وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف". قلت: أورد العراقي هذا عند قول الغزالي: "قال صلى الله عليه وسلم: "أئمتكم شفعاؤكم إلى الله....". وحديث ابن عمر أخرجه الدارقطني في "السنن" "2/ 87-88"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 90" عن ابن عمر مرفوعا: "اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله عز وجل". قال البيهقي: "إسناده ضعيف"، قلت: فيه حسين بن نصر لا يُعرَف، قاله ابن القطان، كما في "نصب الراية" "2/ 26"، وعمر بن يزيد منكر الحديث، كما في "الكامل" "5/ 1687" لابن عدي، وسلام بن سليمان ضعيف، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه، وانظر: "الأحكام =

وَالثَّامِنُ: شَرْحُ الصَّدْرِ، قال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك} الآية [الشرح: 1] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّه} [الزُّمَرِ: 22] . وَالتَّاسِعُ: الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحِبَّةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا حَبِيبُ اللَّهِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَذَاكَرُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا! إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى، كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحِهِ، وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَنَا أول مشفَّع ولا فخر،

_ = الوسطى" "1/ 322-323" لابن القطان. وحديث مرثد أخرجه الدارقطني في "السنن" "2/ 88"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "1/ 244/ رقم 317"-ومن طريقه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" "2/ ق 197/ أ"-والطبراني في "الكبير" "20/ 328/ رقم 777"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 222"، وابن منده في "المعرفة" "2/ ق 174/ ب" عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي مرفوعا: "إن سركم أن تُقبَل صلاتكم فليؤمكم خياركم؛ فإنهم وفودكم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل". وإسناده ضعيف، قال الدارقطني: "إسناد غير ثابت، وعبد الله بن موسى ضعيف". قلت: وكذا من روى عنه وهو يحيى بن يعلى الأسلمى، وبه أعَلَّه العراقي كما تقدم، والهيثمي في "المجمع" "2/ 64"، والقاسم الشامي لم يدرك مرثد، على ما بسطه ابن حجر في "الإصابة"، وإليه أشار العراقي بقوله: "وهو منقطع"، فالحديث ضعيف غير صحيح، وقد تابع المصنف الغزاليَّّ في إيراده باللفظ المذكور، وهذا قصور منه، عفى الله عنا وعنه.

وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَق الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ وَلَا فَخْرَ"1. وَفِي الْأُمَّةِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} الآية [المائدة: 54] . العاشر: وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يدخل الجنة وأن أمته كذلك. الحادي عشر: وَأَنَّهُ أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأُمَّةِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آلِ عِمْرَانَ: 110] .

_ 1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم 5/ 587-588/ رقم 3616"-وقال: "هذا حديث غريب"، والدارمي في "السنن" "1/ 26"، وابن مردويه -كما في "تفسير ابن كثير" "1/ 573"-عن ابن عباس بإسناد ضعيف، فإنه من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة به، ورواية زمعة عن سلمة ضعيفة، ضعف زمعةَ أحمدُ ويحيى وأبو حاتم وغيرهم، وقال أبو زرعة: "واهي الحديث"، وقال البخاري: "يخالف في حديثه، تركه ابن مهدي أخيرا". انظر: "التاريخ الكبير" "3/ 451"، و"الجرح والتعديل" "3/ 624"، و"الضعفاء الكبير" "2/ 94"، و"تاريخ ابن معين" "رقم 301- رواية الدوري"، و"أسئلة ابن طهمان" "رقم 62"، و"الضعفاء والمتروكين" "2/ 759" لأبي زرعة، و"تهذيب الكمال" "9/ 386". ومع هذا، فقد وثقه ابن معين مرة، فقال في "تاريخه" "رقم 553"-رواية الدوري": "صويلح الحديث"، وقال ابن عدي: "ربما يهم في بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه لا بأس به"، وروى له مسلم مقرونا بمحمد بن أبي حفصة، فهو بيِّن الأمر في الضعفاء، وروايته عن سلمة بن وهرام ضعيفة، قال عبد الله بن أحمد في "العلل" "رقم 3479" عن أبيه: "روى عنه زمعة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديثه حديثا ضعيفا"، وقال ابن عدي في ترجمة "سلمة": "أرجو أنه لا بأس بروايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة". وذكره ابن حبان في "الثقات" "6/ 399"، وقال: "يعتبر بحديثه من غير رواية زمعة بن صالح عنه". فالحديث ضعيف، ولبعضه شواهد في "الصحيح" وغيره.

وَالثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُ جُعِل شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ، اخْتُصَّ1 بِذَلِكَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [الْبَقَرَةِ: 143] . وَالثَّالِثَ عَشَرَ: خَوَارِقُ الْعَادَاتِ مُعْجِزَاتٌ وَكَرَامَاتٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ كَرَامَاتٌ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ، هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَحَدَّى الْوَلِيُّ بِالْكَرَامَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌ أَمْ لَا؟ وَهَذَا الْأَصْلُ شَاهِدٌ لَهُ، وَسَيَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ [وَقُدْرَتِهِ] 2. وَالرَّابِعَ عَشَرَ: الْوَصْفُ بِالْحَمْدِ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ وَبِغَيْرِهِ3 مِنَ الْفَضَائِلِ، فَفِي الْقُرْآنِ: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد} [الصَّفِّ: 6] ، وَسُمِّيَتْ أُمَّتُهُ الْحَمَّادِينَ. وَالْخَامِسَ عَشَرَ: الْعِلْمُ مَعَ الْأُمِّيَّةِ4، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الْجُمُعَةِ: 2] . وَقَالَ: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّه} الآية [الأعراف: 158] .

_ 1 غير ظاهر مع آية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد} قال المفسرون: هو نبيهم، إلا أن يكون مراده أنه وحده الذي يشهد على أمته بخلاف الأمم السابقة، فيشهد عليهم مع أنبيائهم كما تشهد أمته عليهم، وهو بعيد من كلامه. "د". 2 سقط من "ط". 3 في "ط": "وبغيرها". 4 العلم مع الأمية فيه صلى الله عليه وسلم واضح، وهو إحدى معجزاته، والآيات صريحة فيه، وأمية الأمة تصرح بها الآيات، لكن أين في الآيات والحديث الوصف للأمة بالعلم الذي لا يكون عادة مع الأمية والمدلول عليه في مثل آية: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ.....} إلخ العلم الذي هو الإيمان ولواحقه، التي لا يلزم منها الاتصاف بالعلم على الإطلاق كوصفه عليه السلام. "د".

وَفِي الْحَدِيثِ: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نَكْتُبُ" 1. وَالسَّادِسَ عَشَرَ 2: مُنَاجَاةُ الْمَلَائِكَةِ، فَفِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُ الْمَلَكُ، كَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ3، وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ هَذَا. وَالسَّابِعَ عَشَرَ: الْعَفْوُ قَبْلَ السُّؤَالِ، قَالَ تَعَالَى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُم} [التَّوْبَةِ: 43] . وَفِي الْأُمَّةِ: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 152] . وَالثَّامِنَ عَشَرَ: رَفْعُ الذِّكْرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك} [الشَّرْحِ: 4] . وَذُكِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فِي عَقْدِ الْأَيْمَانِ، وَفِي كَلِمَةِ الْأَذَانِ، فَصَارَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرْفُوعًا مُنَوَّهًا بِهِ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْأُمَّةِ وَمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ كَثِيرٌ. وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ قال:

_ 1 مضى تخريجه "1/ 56"، والحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "إنا أمة.... " بتقديم "نكتب" على "نحسب". 2 هذا الوجه كما ترى لم يُقِم عليه دليلا محدودا. "د". 3 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الحج، باب جواز التمتع 2/ 899/ رقم 1226 بعد 167" عن عمران، قال: "وقد كان يسلم عليَّ حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكي فعاد". وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" "9/ 11"، وابن أبي أسامة والدارمي، كما في "الإصابة" "3/ 26-27"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "9/ 146-147/ رقم 103"، وعزاه للبخاري، ولم يعزه له المزي في "تحفة الأشراف" "ورقم 10846". 4 لا يظهر هنا سؤال ولا عفو قبله، وعلى فرض أن هنا موضع سؤال وعتب على انصرافهم عنهم ومخالفتهم لأمره عليه السلام، فمن أين أن العفو كان قبل السؤال؟ "د".

"اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَمَةِ أَحْمَدَ"1 لِمَا وُجِدَ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِشَادَةِ بِذِكْرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ2. وَالتَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ مُعَادَاتَهُمْ مُعَادَاةٌ لِلَّهِ، وَمُوَالَاتَهُمْ مُوَالَاةُ لِلَّهِ3، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّه} [الْأَحْزَابِ: 57] [هِيَ عِنْدَ طَائِفَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ] . وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ آذَانِي، فَقَدْ آذى الله" 4.

_ 1 أخرجه أبو الفضل الرازي في "فضائل القرآن" "رقم 54"، وأبو نعيم في "الدلائل" "ص30-31" عن الربيع بن النعمان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مطولا، وفيه المذكور. قال أبو نعيم عقبه: "وهذا الحديث من غرائب حديث سهيل، لا أعلم أحدا رواه مرفوعا إلا من هذه الوجه، تفرد به الربيع بن النعمان وبغيره من الأحاديث عن سهيل، وفيه لين". قلت: وله طرق كثيرة كما بينته بإسهاب في تعليقي على رسالة ابن قيم الجوزية "الفوائد الحديثة" وهي مطبوعة، وأصحها ما أخرجه أبو الحسين بن المنادي في "متشابه القرآن العظيم" "ص22" بسند حسن عن ابن عباس، وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم في "تفسيره" -كما في "الإتقان" "1/ 185"- بسندهما إلى قتادة، قال: حدثنا رجال من أهل العلم، وذكره. وإسناده صحيح إلى قتادة. 2 كما تراه في "الجواب الصحيح" "3/ 313 وما بعدها"، و"هداية الحيارى" "61 وما بعدها"، و"أعلام النبوة" "ص128 وما بعدها" للماوردي، و"محمد نبي الإسلام" "ص7 وما بعدها" لمحمد عزت الطهطاوي، و"إظهار الحق"، و"نبوة محمد في الكتاب المقدس"، و"محمد في التوراة والإنجيل والقرآن"، و"الأدلة على صدق النبوة المحمدية ورد الشبهات عنها" "الفصل الأول، الباب الأول، ص50-89" لهدى مرعي. 3 لم يذكر الموالاة في الأمة، وذكرها في الرسول عليه السلام، وسيأتي في السابع والعشرين ما يتضمنه، ولو قال: "ومفهوم من آذى لي وليا.... إلخ، أن من والى لي وليا...... إلخ"، لأكمل المطلوب. "د". 4 قطعة من حديث أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب: منه 5/ 696 =

وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارِبَةِ" 1. وَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه} [النِّسَاءِ: 80] . وَمَفْهُومُهُ مَنْ لَمْ يطعِ الرَّسُولَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ. وَتَمَامُ الْعِشْرِينَ: الِاجْتِبَاءُ، فَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [الْأَنْعَامِ: 87] . وَفِي الْأُمَّةِ: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الْحَجِّ: 78] . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مصطفى من الخلق2.

_ = / رقم 3863" -وقال: هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه- وأحمد في "المسند" "4/ 87 و5 / 54، 57"، و"الفضائل" "رقم 1، 3"، وابنه عبد الله في "زياداته على الفضائل" "رقم 2، 4"، وابن أبي عاصم في "السنة "رقم 992"، وابن حبان في "الصحيح" "16م 244/ رقم 7256- الإحسان"، والبيهقي في "الاعتقاد" "ص321"، وأبو نعيم في "الحلية" "8/ 287" والخطيب في "تاريخ بغداد" "9/ 123"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 3860"، والضياء المقدسي في "جزء النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب" "رقم 3، 4- بتحقيقي" عن عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الله بن عبد الرحمن -وفي بعض طرق عبد الرحمن بن زياد أو عبد الرحمن بن عبد الله- عن عبد الله بن المغفل مرفوعا، أوله: "اللَّهَ اللَّهَ في أصحابي......". وإسناده ضعيف، تابعيُّه مجهول، لم يروِ عنه عبيدة بن أبي رائطة، ولم يوثقه غير ابن حبان في "الثقات" "5/ 46". 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب التواضع، 11/ 340-341/ رقم 6502" وغيره ضمن حديث إلهي. 2 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة 4/ 1782/ رقم 2276" وغيره عن واثلة بن الأسقع مرفوعا: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". وفي "مسند أحمد" "6/ 25" وغيره: "وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى".

وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فَاطِرٍ: 32] . وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: التَّسْلِيمُ مِنَ اللَّهِ، فَفِي أَحَادِيثِ إِقْرَاءِ السَّلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ1. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59] . و: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الْأَنْعَامِ: 54] . وَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي خَدِيجَةَ: "اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي"2. وَالثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: التَّثْبِيتُ عِنْدَ تَوَقُّعِ التَّفَلُّتِ الْبَشَرِيِّ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الْإِسْرَاءِ: 74] .

_ 1 ورد ذلك في حديث عند أبي الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" "رقم 610" عن سعيد المقبري، عن عائشة رفعته: "يا عائشة! لو شئت لسارت معي جبال الذهب؛ جاءني ملك، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ... ". وإسناده ضعيف، فيه أبو معشر سيئ الحفظ، وسعيد لم يسمع من عائشة. 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها 7/ 134/ رقم 3820"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها 4/ 1887/ رقم 2432" عن أبي هريرة، قال: "أتى جبريل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب". وأخرجه أيضا بنحوه في "كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه} 13/ 465/ رقم 7497"، إلا أن فيه: "فأقرئها من ربها السلام".

وَفِي الْأُمَّةِ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إِبْرَاهِيمَ: 27] . وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الْعَطَاءُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ1، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون} [الْقَلَمِ: 3] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون} [التِّينِ: 6] . وَالرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} [الْقِيَامَةِ: 17-19] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه} [الْقِيَامَةِ: 19] ، عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ. وَفِي الْأُمَّةِ: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر} [الْقَمَرِ: 17] . والخامش والعشرون: جعل السلام عليكم مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ؛ إِذْ يُقَالُ فِي التَّشَهُّدِ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ"2. وَالسَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ سَمَّى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِجُمْلَةٍ من أسمائه كالرؤوف الرَّحِيمِ، وَلِلْأُمَّةِ نَحْوَ الْمُؤْمِنِ وَالْخَبِيرِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ. وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر} [النساء: 59] .

_ 1 وعلى التفسير الآخر وهو أن الممنون المقطوع يكون التشريك في هذا المعنى، فيحل وجه بدل وجه. "د". 2 وإن كان يشمل كل عبد لله صالح كما في الحديث، فالصالح من أمته مندرج من باب أولى. "د".

وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ: "مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي، فَقَدْ أَطَاعَنِي" 1. وَقَالَ: "مَنْ يطعِ الرَّسُولَ، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ" 2. وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: الْخِطَابُ الْوَارِدُ ومورد الشَّفَقَةِ وَالْحَنَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 1-2] . وَقَوْلِهِ: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ} [الْأَعْرَافِ: 2] . {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطُّورِ: 48] . وَفِي الْأُمَّةِ: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: 6] . {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الْبَقَرَةِ: 185] . {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النِّسَاءِ: 28] . {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النِّسَاءِ: 29] . وَالتَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْعِصْمَةُ مِنَ الضَّلَالِ بَعْدَ الْهُدَى3، وَغَيْرُ ذلك من

_ 1 هو قطعة من الحديث الآتي. 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} 13/ 111/ رقم 7137"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية 3/ 1466/ رقم 1835". 3 على هذا يحتاج إلى تأويل الحديث الوارد في "المصابيح" وصححه الترمذي: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أوتوا الجدل"، ثم قرأ هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُون} ، إلا أن أدلته غير واضحة الدلالة على المطلوب، فإن حديث: "لا تجتمع أمتي....." إنما هو في مجموعة الأمة لا في الأفراد ولو جماعة من الأمة، وآية: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين} =

وُجُوهِ الْحِفْظِ الْعَامَّةِ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَجَاءَ فِي الْأُمَّةِ: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي على ضلالة" 1.

_ = ليس المخلصون إلا الجزء القليل من المهتدين، وحديث: "احفظ الله" لا يخرج عن رسم طريق للحفظ من الغواية والضلال وغيرهما من الشرور الدنيوية والأخروية، وحديث: "ما أخاف عليكم أن تشركوا" متوجه لمجموع الأمة وجمهورها، وإلا، فقد ثبت على أشخاص الارتداد بعد الإيمان في عهده صلى الله عليه وسلم ولكنه لا يستدعي خوفا من الجمهور المعني بذلك الحديث، فلعله يعني إثبات العصمة بعد الهدى لمجموع الأمة لا ما يشمل عصمة الإفراد، وعبارته مطلقة ومحتملة، والإفراد في قوله: "احفظ الله" لا يقتضي أن يكون شاملا للأفراد وإن كان الظاهر منه هذا المعنى، وبعيد أن يراد به خصوص المجموع من الأمة وإذا تمَّ ما قلناه، لا يحتاج الحديث إلى الصرف عن ظاهره. "د". وقال "خ": "هذه حقيقة جلية، ومن نراه يتخبط في ريب الإلحاد وقد نبت في بيت إسلامي؛ فلأنه لم يأخذ عقائد الدين وآدابه على بينة وأسلوب حكيم، وإنما سمى نفسه أو سماه آباؤه مسلما، وليس المقلد في أصل الدين على بصيرة وهدى حتى يكون انحلال عقيدته شكا بعد يقين وضلالا بعد هدى". 1 أخرجه ابن ماجة في "السنن" "كتاب الفتن، باب السواد الأعظم 2/ 1303/ رقم 3950"، وابن أبي عاصم في "السنة" "1/ 41/ رقم 84"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "1/ 105/ رقم 153"، وابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 113"، وأفاد ابن حجر أن الدارقطني أخرجه في "الإفراد عن أنس مرفوعا بلفظ: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة". وإسناده واهٍ؛ فيه معان بن رفاعة، لين الحديث، كثير الإرسال، وأبو خلف الأعمى البصري متروك، ورماه ابن معين بالكذب. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "1/ 116-117" من طريق آخر عن أنس، وفيه مبارك بن سحيم، قال الحاكم: "ممن لا يمشي في هذا الكتاب، لكن ذكرته اضطرارا". وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 83"، من طريق آخر عن أنس بلفظ: "إن الله أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة"، وإسناده ضعيف، فيه مصعب بن إبراهيم، وهو منكر الحديث. وأخرجه الترمذي في "الجامع" أبواب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة 4/ 466/ رقم 2167"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 80"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 115- =

.............................................................................

_ = 116"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص322"، وأبو نعيم في "الحلية" "3/ 37"، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" "رقم 154"، والطبراني في الكبير" "رقم 13623"، وابن حزم في "الإحكام" "4/ 192"، وابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 109" عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: "إن الله لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم- على ضلالة"، قال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان". قلت: وكذا قال الدارقطني في "علله"، وزاد: "ليس بالقوي، يتفرد بما لا يتابع عليه". والراوي عنه هنا المعتمر بن سليمان، وقد اختلف عليه فيه من سبعة أوجه سردها الحاكم، وقال: "لا يسعنا أن نحكم عليها كلها بالخطأ ولا الصواب"، وقال: "وقد كنت أسمع أبا علي الحافظ يحكم بالصواب لقول من قال: عن المعتمر، عن سليمان بن سفيان المدني...." وهذا الذي صوبه البخاري والترمذي والدارقطني، وتبعهم ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 110-111"، وسليمان ضعيف كما قدمنا. وأخرجه أبو داود في "السنن" "رقم 4233"، والطبراني في "الكبير" "رقم 3440" -ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 106"، وابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 92"، والداني في "الفتن" "ق 45/ ب" عن أبي مالك الأشعري مرفوعا: "إن الله أجاركم من ثلاث خلال...." آخرها: "وأن لا تجتمعوا على ضلالة". وإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع؛ شريح بن عبيد لم يسمع من أبي مالك الأشعري، وبهذا أعله الزركشي في "المعتبر" "ص58"، وابن كثير في "تحفة الطالب" "رقم 35" بقوله: "في إسناد هذا الحديث نظر"، وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "3/ 141": "وفي إسناده انقطاع"، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 82" من طريق آخر عن أبي مالك واسمه كعب بن عاصم بإسناد فيه سعيد بن زربي وهو منكر الحديث، وفيه عنعنة الحسن البصري، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" "1/ 116" عن ابن عباس مرفوعا: "لا يجمع الله أمتي -أو قال: هذه الأمة- على الضلالة أبدا". وفيه إبراهيم بن ميمون، قد عدله عبد الرزاق وأثنى عليه، وعبد الرزاق إمام أهل اليمن، وتعديله حجة، ووثق ابن ميمون أيضا ابن معين. وأخرجه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" "2/ 208" عن سمرة مرفوعا: "إن أمتي لا تجتمع =

...............................................................................

_ = على ضلالة". وإسناده ضعيف، فيه أبو عون الأنصاري: مقبول، وعتبة بن أبي حكيم صدوق يخطيء كثيرًا، وبقية مدلس وقد عنعن. وأخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه الكبير" -كما قال الزركشي في "المعتبر" "ص61"، وأحمد في "المسند" "6/ 396"، والطبراني في "الكبير" "رقم 2171"، ومن طريقه ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 105-106"، وابن عبد البر في "الجامع" "1/ 756/ رقم 1390" عن أبي بصرة الغفاري مرفوعا: "سألت ربي عز وجل أربعا، فأعطاني ثلاثا، ومنعنى واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها"، وإسناده ضعيف فيه راوٍ مبهم، وسائر رجاله ثقات. وأخرجه ابن جرير في "التفسير" "رقم 13373" في سورة الأنعام عن الدورقي عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري مرسلا. وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "رقم 85"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "3/ 244-245"، والطبراني في "الكبير" "17/ رقم 647، 648، 649"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 506-507"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" "1/ 167، واللالكائي في "السنة" رقم 162، 163"، وابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 114-115" عن أبي مسعود البدري بألفاظ منها: "فإن الله لا يجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالته". وإسناده صحيح موقوف، رجاله رجال الشيخين، وحسنه ابن حجر، وقال الزركشي في "المعتبر" "ص62": "وحديث أبي مسعود رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وذكرها من طريق وضعفها، والظاهر وقفه على أبي مسعود". ثم قال: "واعلم أن طرق هذا الحديث كثيرة، ولا يخلو من علة، وإنما أوردت منها ذلك؛ ليتقوى بعضها ببعض"، ثم قال: "ومن شواهده ما في "الصحيحين" -"صحيح البخاري" "رقم 1367، 2642"، و"صحيح مسلم" "رقم 949"- عن أنس، قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا شرا، فقال: "وجبت" فقيل: يا رسول الله! لم قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: "شهادة القوم المؤمنون شهداء الله في الأرض"، وفي لفظ لمسلم: "من أثنيتم عليه خيرا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتهم عليه شرا، وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض". "ثلاثا".

وَجَاءَ: "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ" 1. وَفِي الْقُرْآنِ: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 83] تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ: "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ". وَفِي قَوْلِهِ: "وَإِنَّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا" 2. وَتَمَامُ الثَّلَاثِينَ: إِمَامَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ، قَالَ: "وَقَدْ رَأَيْتُنِي [فِي] جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ....... فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ" 3. وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ: "إِنَّ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْهَا، وَإِنَّهُ يصلي مؤتما بإمامها" 4.

_ 1 مضى تخريجه "1/ 315". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس عليها 11/ 243-244/ رقم 6426" من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه. 3 قطعة من حديث أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال 1/ 156-157/ رقم 172" عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه: "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم -يعني: نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم". قلت: وما بين المعقوفتين ساقط في الأصل. 4 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام 6/ 491/ رقم 3449"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 1/ 136-137/ رقم 155 بعد 244" عن أبي هريرة مرفوعا: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم فيكم؟ " لفظ الشيخين. =

وَمَنْ تَتَبَّعَ الشَّرِيعَةَ وَجَدَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا [مَجْمُوعُهُ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ تَقْتَبِسُ مِنْهُ خَيْرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ، وَتَرِثُ أَوْصَافًا وَأَحْوَالًا مَوْهُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُكْتَسَبَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. فَصْلٌ: وَهَذَا الْأَصْلُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ قَوَاعِدُ: - مِنْهَا: أَنَّ جَمِيعَ مَا أُعْطِيَتْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْمَزَايَا وَالْكَرَامَاتِ، وَالْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْيِيدَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ إِنَّمَا هِيَ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنْ عَلَى مِقْدَارِ الِاتِّبَاعِ، فَلَا يَظُنُّ ظانٌّ أَنَّهُ حَصَلَ عَلَى خَيْرٍ بدون وساطة1 نبوية، كيف وهو السراج المنير الذي يستضيء بِهِ الْجَمِيعُ، وَالْعَلَمُ الْأَعْلَى الَّذِي بِهِ يُهْتَدَى فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ. وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: قَدْ ظَهَرَتْ عَلَى أَيْدِي الْأُمَّةِ أُمُورٌ لَمْ تَظْهَرْ عَلَى يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا سِيَّمَا الْخَوَاصُّ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا بَعْضُهُمْ، كفرار الشيطان من ظل

_ = وفي لفظ لمسلم "برقم 155 بعد 245": "وأمكم"، وفي لفظ "برقم 155 بعد 246": "فأمكم منكم"، وفيه: قال ابن أبي ذئب -بعض رواته: تدري ما "أمكم منكم"؟ قلت: -الوليد بن مسلم: تخبرني؟. قال: "فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم". فليس في هذا "وأنه يصلي مؤتما بإمامها". نعم، ورد في "صحيح مسلم" "رقم 156" عن جابر مرفوعا: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا. فيقول: لا، لا تكرمة الله هذه الأمة". وهذا الأمير في هذه الرواية هو الإمام في الرواية الأولى، وهو المهدي بن عبد الله الحسيني، قال أبو ذر ابن سبط ابن العجمي في تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم 137"، وانظر -لزاما- تعليقنا عليه. 1 في "ماء / ص203: "واسطة" وفي "ط": "وساطة النبوة".

عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضْيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ نازع النبي صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاتِهِ الشَّيْطَانُ1وَقَالَ لِعُمَرَ: "مَا سَلَكَتَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ" 2. وَجَاءَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ تَسْتَحِي مِنْهُ"3 وَلَمْ يرد مثل هذا بالنسبة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَجَاءَ فِي أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ: "أَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَإِذَا نُورٌ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا حَتَّى تَفَرَّقَا، فَافْتَرَقَ النُّورُ مَعَهُمَا"4، وَلَمْ يُؤْثَرْ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِمَّا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ظَهَرَ مِثْلُهُ عَلَى يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَيُقَالُ: كُلُّ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الْعُلَمَاءِ5 أَوْ يُنْقَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ من

_ 1 سيأتي لفظه وتخريجه في التعليق على "ص441". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب بدء الخلق 6/ 339/ رقم 3294، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه 7/ 40/ رقم 3683، وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك 10/ 503/ رقم 6085"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه 4/ 1863-1864/ رقم 2396" عن سعد بن أبي وقاص ضمن حديث طويل في آخره: "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك". لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "غير ذلك". 3 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه عن عائشة، وذكرت قصته، وفي آخرها، "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ "، وأخرجه أحمد في "المسند" بألفاظ "1/ 71 و6/ 62، 155، 288". 4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب منقبة أسيد بن حضير وعباد ابن بشر رضي الله عنهما 7/ 124-125/ رقم 3805" عن أنس رضي الله عنه بلفظ: "إن رجلين خرجا من عند.....". 5 في "ط": "والعلماء".

الْأَحْوَالِ وَالْخَوَارِقِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ أَفْرَادٌ وَجُزْئِيَّاتٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ كُلِّيَّاتِ مَا نُقِلَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم، غير أَفْرَادَ الْجِنْسِ وَجُزْئِيَّاتِ الْكُلِّيِّ قَدْ تَخْتَصُّ1 بِأَوْصَافٍ تَلِيقُ بِالْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَا الْكُلِّيُّ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ كُلِّيٌّ2، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْجُزْئِيِّ مَزِيَّةٌ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُزْئِيِّ خَاصٌّ بِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْكُلِّيِّ، كَيْفَ وَالْجُزْئِيُّ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا إِلَّا بِجُزْئِيٍّ3؟ إِذْ هُوَ مِنْ حَقِيقَتِهِ وَدَاخِلٌ فِي مَاهِيَّتِهِ، فَكَذَلِكَ الْأَوْصَافُ الظَّاهِرَةُ عَلَى الْأُمَّةِ لَمْ تَظْهَرْ إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ كَالْأُنْمُوذَجِ مِنْ أَوْصَافِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَرَامَاتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا عَلَى مقدار الاتِّباع والاقتداء به4، ولو كان ظَاهِرَةً لِلْأُمَّةِ عَلَى فَرْضِ الِاخْتِصَاصِ بِهَا وَالِاسْتِقْلَالِ

_ 1 أي: إن جزئيات الكلى تمتاز بمشخصات تليق بهذه الجزئيات، فالجزئيات التي وجدت لبعض الصحابة من الكرامات -وإن ظهر ببادي الرأي أنها أمور غير داخلة في كلي كرامات الرسول- فالواقع ليس كذلك، بل هي جزئيات من كليته، وكليته أكمل كما سيصوره المؤلف في عصمته عليه الصلاة والسلام العصمة المطلقة من الشيطان، وفي فراره من عمر الذي لا يقتضي تمام العصمة، فكم يفر العدو ممن يراه أقوى منه، ولكنه قد يكر عليه فلا ينجو منه في بعض الغفلات؟ "د". 2 في نسخة "ماء/ ص203": "قلت: وانظر إلى أصل الشجرة وما يتفرع منه، وما يظهر في الفرع من ورق وشوك وثمر". 3 لعل الصواب: "لا يكون جزئيا إلا بكلي". "د". قلت: المذكور متجه، ولا داعي للتصويب المذكور؛ إذ الكلي يتكون من مجموع الجزئيات، فتأمل. 4 ليس هذا على إطلاقه، قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "11/ 283": "ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوي إيمانه ويسد حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك؛ لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته، ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة، وقرر أيضا في "11/ 323" أن عدم الخوارق لا تضر المسلم في دينه، ولا ينقص ذلك من مرتبته عند الله بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه. وانظر -غير مأمور: "مجموع الفتاوى" "10/ 29-32 و499-500 و11/ 202، 204-208، 212-215، 275 وبعدها، 322 وما بعدها".

لَمْ تَكُنِ الْمُتَابَعَةُ شَرْطًا فِيهَا، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا بِالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فِي شَأْنِ عُمَرَ. أَلَا تَرَى أَنَّ خَاصِّيَّتَهُ الْمَذْكُورَةَ هِيَ هُرُوبُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ، وَذَلِكَ حِفْظٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي حَبَائِلِهِ وَحَمْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحِفْظَ التَّامَّ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ خَاصِّيَّةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِذْ كَانَ مَعْصُومًا عَنِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى هُنَا، فَتِلْكَ النُّقْطَةُ الْخَاصَّةُ بِعُمَرَ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ فِرَارَ الشَّيْطَانِ أَوْ بُعده مِنَ الْإِنْسَانِ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحِفْظُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَقَدْ زَادَتْ مَزِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ خَوَاصُّ: - مِنْهَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى تَمَكُّنِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، حَتَّى هَمَّ أَنْ يَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ تَذَّكَّرَ قول سليمان عليه السلام: {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} 1 [ص: 35] وَلَمْ يَقْدِرْ عُمَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذلك.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه "كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَان} 6/ 457/ رقم 3423، وكتاب التفسير، باب {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} 8/ 546/ رقم 4808"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة 1/ 384/ رقم 541" عن أبي هريرة مرفوعا: "إن عفريتا من الجن تفلَّت عليَّ البارحة -أو كلمة نحوها- ليقطع عليَّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} ، فردَّه خاسئًا" لفظ البخاري.

- وَمِنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اطَّلع عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ1 وَمِنْ عُمَرَ2 وَلَمْ يطَّلِع عُمَرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ. - وَمِنْهَا: أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كان آمنا من نزعات الشَّيْطَانِ وَإِنْ قَرُبَ مِنْهُ، وَعُمَرُ لَمْ يَكُنْ آمِنًا وَإِنْ بعُد عَنْهُ. وَأَمَّا مَنَقَبَةُ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَرِدْ مَا يُعَارِضُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ أَوْلَى بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْ نَفْسِهِ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا عَدُمُهَا. وَأَيْضًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ لِخَاصِّيَّةٍ كَانَتْ فِيهِ وَهَى شِدَّةُ حَيَائِهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً، وَأَشَدَّ3 حياء من العذارء فِي خِدْرِهَا4، فَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ أَصْلَهَا، فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي حَوَاهُ عَلَى الْكَمَالِ. وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ يَجْرِي الْقَوْلُ فِي أُسَيْدٍ وَصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الْإِضَاءَةُ حَتَّى يُمْكِنَ الْمَشْيُ فِي الطَّرِيقِ لَيْلًا بِلَا كُلْفَةٍ، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنِ الظَّلَامُ يَحْجُبُ بَصَرَهُ، بَلْ كَانَ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ5، بَلْ كَانَ لَا يَحْجُبُ بَصَرَهُ مَا هُوَ أَكْثَفُ مِنْ حِجَابِ الظلمة، فكان يرى

_ 1، 2 أي: في شأنه صلى الله عليه وسلم وفي شأن عمر. "د". 3 في "ط": "أو أشد". 4 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المناقب، صفة النبي صلى الله عليه وسلم 6/ 566/ رقم 3562، وكتاب الأدب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب 10/ 513/ رقم 6102، وباب الحياء 10/ 521/ رقم 6119"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم 4/ 1809/ رقم 2320" عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. 5 أخرج تمام في "الفوائد" "رقم 1430- تربيته"، وابن عدي في "الكامل" "4/ 1534" -ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" "6/ 74-75"، وابن الجوزي في "الواهيات" "1/ 118/ رقم 266"، والخطيب في تاريخ بغداد" "4/ 271-272"، ومكي المؤذن في "حديثه" "1/ 236"، والضياء المقدسي في "المنتقى من حديث أبي علي الأوقي" "1/ 2"-كما في "السلسلة الضعيفة" "رقم 341"- من طريق زهير بن عباد الرواسي عن عبد الله بن المغيرة عن المعلي بن هلال =

مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ1، وَهَذَا أَبْلَغُ، حَيْثُ كَانَتِ الْخَارِقَةُ فِي نَفْسِ الْبَصَرِ لَا فِي الْمُبْصِرِ بِهِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي أُمَّتِهِ [مِنْ] 2 بَعْدِهِ وَفِي زَمَانِهِ. فَهَذَا التَّقْرِيرُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ3، وَالْأَخْذُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ

_ = عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى فِي الظُّلْمَةِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ". وإسناده ضعيف جدا، قال البيهقي: "هذا إسناد فيه ضعف"، وقال ابن الجوزي: "لا يصح". المعلى بن هلال اتفق النقاد على تكذيبه، كما قال ابن حجر، والراوي عنه عبد الله بن محمد بن المغيرة، قال أبو حاتم: "ليس بقوي" وقال ابن يونس: "منكر الحديث"، وقال العقيلي: "يحدث بما لا أصل له"، كذا في "اللسان" "3/ 332"، وأورد الذهبي في "الميزان "2/ 487-488" في ترجمته جملة من الأحاديث منها المذكور، ثم قال: "قلت: وهذه موضوعات"، وضعف هذا الحديث ابن دحية في كتابه "الآيات البينات"، قاله المناوي في "فيض القدير" "5/ 215". قلت: ونقل تضعيفه فيه عن ابن بشكوال، كما قال ابن الملقن في "غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم "ص299". وعزاه السيوطي في "الخصائص الكبرى" "1/ 61" لابن عساكر، وهو في "تاريخه" مرسلا، وفيه بعض المجاهيل، أفاده شيخنا الألباني. وأخرجه البيهقي في "الدلائل" "6/ 75" بسند فيه جماعة مجهولون عن مغيرة بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار من الضوء". وقال: "ليس بالقوي". ووردته قصة تدل على وهاء هذا الحديث، ولكنها من القصص التي لا تثبت، كما تراه في هامش "غاية السول" "ص472". 1 سيأتي تخريجه "ص274"، وهذا خاص به صلى الله عليه وسلم في الصلاة فحسب. 2 سقط من "ط". 3 الأحسن من هذا الذي قرره المصنف ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "11/ 398": "ليس كل عمل أورث كشوفا أو تصرفا في الكون يكون أفضل من العمل =

جِهَتِهِ لَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَرُبَّمَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا بِبَادِئِ الرَّأْيِ إِشْكَالٌ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا بِحَوْلِ اللَّهِ. وَانْظُرْ فِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ. فَصْلٌ: وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى كُلِّ خَارِقَةٍ صَدَرَتْ عَلَى يَدَيْ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ لَهَا أَصْلٌ فِي كَرَامَاتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُعْجِزَاتِهِ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلٌ، فَغَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنْ ظَهَرَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهَا كَرَامَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدَيِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْخَوَارِقِ بِكَرَامَةٍ1، بَلْ مِنْهَا مَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ2. وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ أَنَّ أَرْبَابَ التَّصْرِيفِ بِالْهِمَمِ3 وَالتَّقَرُّبَاتِ بِالصِّنَاعَةِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ النُّجُومِيَّةِ قَدْ تَصْدُرُ عَنْهُمْ أَفَاعِيلُ خَارِقَةٌ، وَهِيَ كُلُّهَا ظلمات

_ = الذي لا يورث كشفا وتصرفا، فإن الكشف والتصرف إن لم يكن مما يستعان به على دين الله وإلا كان من متاع الحياة الدنيا، وقد يحصل ذلك للكفار من المشركين وأهل الكتاب، وإن لم يحصل لأهل الإيمان الذين هم أهل الجنة، وأولئك أصحاب النار، ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تُتَلقى من مثل هذا، وإنما تُتَلقى من دلالة الكتاب والسنة....". وقال: إن تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقا، مثل تفضيل أصل الدين على فرعه، وقد يكون مقيدا، فقد يكون أحد العملين في حق زيد أفضل من الآخر، والآخر في حق عمرو أفضل، وقد يكونان متماثلين في حق الشخص، وقد يكون المفضول في وقت أفضل من الفاضل، وقد يكون المفضول في حق من يقدر عليه وينتفع به أفضل من الفاضل في حق من ليس كذلك". 1 في الأصل: "كرامة". 2 انظر نحوه في "النبوَّات"، و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" "ص62 وما بعدها"، والموطن المذكورة آنفا من المجلد الحادي عشر من "مجموع الفتاوى"، و"مدارج السالكين" "1/ 47-48"، و"قطر الولي" "ص253"، و"التنكيل" "2/ 238-239". 3 في الأصل: "الهمة".

بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، لَيْسَ لَهَا فِي الصِّحَّةِ مَدْخَلٌ، وَلَا يُوجَدُ لَهَا فِي كَرَامَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ، فَدُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ، وَلَا تَجْرِي فِيهِ تِلْكَ الْهَيْئَةُ، وَلَا اعْتَمَدَ عَلَى قِرَانٍ1 فِي الْكَوَاكِبِ، وَلَا الْتُمِسَ سُعُودُهَا أَوْ نُحُوسُهَا، بَلْ تحرَّى مُجَرَّدَ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَاللَّجَأُ إِلَيْهِ، معرِضا عَنِ الْكَوَاكِبِ وَنَاهِيًا عَنِ الِاسْتِنَادِ إِلَيْهَا؛ إِذْ قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ" 2 الْحَدِيثَ، وَإِنْ تَحَرَّى وَقْتًا أَوْ دَعَا [إِلَى تحرِّيه] 3، فَلِسَبَبٍ بَرِيءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، كَحَدِيثِ التَّنَزُّلِ4، وَحَدِيثِ اجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ طَرَفَيْ النهار5، وأشباه ذلك.

_ 1 في الأصل: "قرار". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" في مواطن، منها "كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذ سلم 2/ 333/ رقم 846"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء 1/ 83-84/ رقم 71" من حديث زيد بن خالد، ومضى الحديث "1/ 201". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 4 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل 3/ 29/ رقم 1145، وكتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل 11/ 128-129/ رقم 6321، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه} 13/ 464/ رقم 7494"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه 1/ 521/ رقم 758" عن أبي هريرة مرفوعا: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثُلُثُ الليل الآخرُ، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له". 5 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر 2/ 33/ رقم 55، وكتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة 6/ 306/ رقم 3223، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه} 13/ 415/ رقم 7429، وباب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكةَ 13/ 461/ رقم 7486"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما 1/ 439/ رقم 632" عن أبي هريرة مرفوعا: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم؛ وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".

وَالدُّعَاءُ أَيْضًا عِبَادَةٌ لَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ؛ أَعْنِي الْكَيْفِيَّاتِ الْمُسْتَفْعِلَةَ وَالْهَيْئَاتِ الْمُتَكَلَّفَةَ الَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي لَا تَجِدُّ مُسَاقَهَا فِي مُتَقَدِّمِ الزَّمَانِ وَلَا مُتَأَخِّرِهِ، وَلَا مُسْتَعْمَلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالَّتِي رُوعِيَ فِيهَا طَبَائِعُ الْحُرُوفِ فِي زَعْمِ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ مِمَّا لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ دُعَاءٍ كَتَسْلِيطِ الْهِمَمِ عَلَى الْأَشْيَاءِ حَتَّى تَنْفَعِلَ، فَذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتِ النَّقْلِ، وَلَا تَجِدَ لَهُ أَصْلًا، بَلْ أَصْلُ ذَلِكَ حَالٌ حُكْمِيٌّ وَتَدْبِيرٌ فَلْسَفِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ؛ هَذَا وَإِنْ كَانَ الِانْفِعَالُ الْخَارِقُ حَاصِلًا بِهِ، فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الصِّحَّةِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى ظَاهِرًا بِالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، بَلْ قَدْ يُوصَلُ بِالسَّحَرِ وَالْعَيْنِ إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ؛ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ صِرْفٌ، وتعدٍ مَحْضٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَزَلَّة قَدَمٍ لِلْعَوَامِّ وَلِكَثِيرٍ مِنَ الْخَوَاصِّ، فلْتُنَبَّهْ لَهُ. فَصْلٌ: وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ، وَنَدَبَ1، وَتَصَرَّفَ بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ مِنَ الْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ، وَالْإِلْهَامِ الصَّحِيحِ، وَالْكَشْفِ الْوَاضِحِ، وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، كَانَ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّنِ اخْتُصَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى

_ 1 أي: إنه صلى الله عليه وسلم رتب على فراسته ورؤياه وإلهاماته بشارة للبعض، ونذارة لآخر، وتصرفات في بعض الشئون، وهكذا؛ فمن فعل مثله صلى الله عليه وسلم كان على صواب في عمله، وقد علمت مما سبق أن صدق ذلك تابع لقوة المتابعة، ولذا قال: "فمن اختص بشيء.... إلخ" وقوله: "شرط ذلك"، أي: الآتي في المسألة التالية. "د".

طَرِيقٍ مِنَ الصَّوَابِ1، وَعَامِلًا بِمَا لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْمَشْرُوعِ، لَكِنْ مَعَ مُرَاعَاةِ شَرْطِ ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ زَائِدًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَمْرًا وَنَهْيًا، وَتَحْذِيرًا وَتَبْشِيرًا وَإِرْشَادًا، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ حُكْمَهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ، شَأْنُ كُلِّ عَمَلٍ صَدَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا تَرَكَ بَعْدَهُ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ، وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا الْبِشَارَةُ وَالنِذَارَةُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِقْدَامُ وَالْإِحْجَامُ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَاهُ الْمَلَكَيْنِ2 وَقَوْلِهِمَا لَهُ: "نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ لَوْ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ"، فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذلك يكثر الصلاة3.

_ 1 أسهب ابن القيم في الكلام على حجية "الفراسة"، وذكر أمثلة كثيرة على عمل الصحابة والتابعين بها، وذلك في أول كتابه "الطرق الحكمية"، انظره بتحقيقنا. 2 أي: فقد رتب على رؤيا عبد الله نفسه ما رتب، ويظهر أن مقالة الرسول لأبي ذر وثعلبة وأنس كلها من قبيل الفراسة، ولتراجع رواية البخاري في "كتاب الرؤيا، باب الأمن وذهاب الروع في المنام، ففيها أن ملكا ثالثا قال له: "لم ترع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة"، فليست من كلام الملكين، كما أن لفظ الرسول في هذه الرواية "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يكثر الصلاة في الليل" وهو نص الرواية الأخرى التي رواها المؤلف، فليس بظاهر جعل قوله: "نعم.... إلخ" مقولا لقال ولا لقولهما إلا بتكليف. "د". قلت: بل الأمر كما ذكر المصنف، كما في الموطنين الثاني والثالث في "صحيح البخاري" من الهامش الآتي. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل 3/ 6/ رقم 1121، 1122، وباب فضل من تعارَّ من الليل، فصلى 3/ 40/ رقم 1157، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما 7 / 89-90/ رقم 3738، 3739"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 4/ 1927-1928/ رقم 2479" عن حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ" 1. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ: "إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تأمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تولَّينَّ مَالَ يَتِيمٍ" 2. وَقَوْلُهُ لِثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ وَسَأَلَهُ الدُّعَاءَ لَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ: "قَلِيلٌ تُؤَدِي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تطيقه" 3.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما 7/ 90/ رقم 3740، 3741، وكتاب التعبيرات، باب الإستبرق ودخول الجنة في المنام 12/ 403/ رقم 7016، وباب الأمن وذهاب الروع في المنام 12/ 418/ رقم 7029، وباب الأخذ على اليمين في النوم 12/ 419/ 7031"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما 4/ 1927/ رقم 2478" عن حفصة مرفوعا. 2 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة 3/ 1457-1458/ رقم 1826"، ومضى تخريجه "1/ 177". 3 أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "8/ 260/ رقم 7873"، و"الأحاديث الطوال" "25/ 225- في "تفسيره" "2/ 312"، وأبو نعيم في "المعرفة" "3/ 272"، والواحدي في "أسباب النزول" "ص252"، والبيهقي في "الدلائل" "5/ 289"، وابن عبد البر في "الاستيعاب" "1/ 204"، وابن الأثير في "أسد الغابة" "1/ 284"، وابن حزم في "المحلى" "11/ 208" عن أبي أمامة الباهلي رفعه، فيه معان بن رفاعة لين الحديث، وعلى بن يزيد الألهاني متروك، فإسناده ضعيف جدا، كما قال ابن حجر في "الكافي الشاف" "ص77"، وضعفه العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" "3/ 372"، وقال ابن حجر في "الفتح" "3/ 266": "حديث ضعيف لا يحتج به"، وقال ابن حزم في "المحلى" "11/ 208": "وهذا باطل بلا شك"، وضعفها البيهقي بقوله: "في إسناده نظر" والقرطبي في "تفسيره" "8/ 210"، والذهبي في "تجريد أسماء الصحابة" "1/ 66"، والهيثمي في "المجمع" "7/ 35"، وغيرهم.

وَقَالَ لِأَنَسٍ: "اللَّهُمَّ كَثِّرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ" 1. وَدَلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُنَاسًا شَتَّى عَلَى مَا هو أفضل الأعمال في حق كل وحد مِنْهُمْ، عَمَلًا بِالْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ فِيهِمْ، وَقَالَ2: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ" 3، فَأَعْطَاهَا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إِنَّهُ "لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُقَمِّصَكَ قَمِيصًا: فَإِنْ أَرَادُوكَ على خلعه، فلا تخلعه" 4.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب من زار قوما فلم يفطر عندهم 4/ 228/ رقم 1982، وكتاب الدعوات، باب قوله الله تبارك وتعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} 11/ 136/ رقم 6334، وباب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة 11/ 182/ رقم 6378"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب: منه 4/ 1928/ رقم 2480"، والترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب مناقب لأنس بن مالك 5/ 682/ رقم 3829"، وأحمد في "المسند" "6/ 430" عن أم سليم "والدة أنس" وغيرهم. 2 هذا وما بعده للآخر يدخل تحت الاطلاع الغيبي، وهي عبارة مجملة تشمل ما كان من قبيل الوحي الملكي والإلهام، وأُتي بها كذلك؛ لتصح فيها المشاركة للأمة على ضرب من التسامح "د". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب 7/ 70/ رقم 3701"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه 4/ 1872/ رقم 2406" عن سهل بن سعد مرفوعا. 4 أخرجه أحمد في "المسند" "6/ 114" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "281، عثمان"- عن عائشة، وفي مسندها خلافا لما قاله ابن حجر في "أطراف مسند الإمام أحمد" =

فَرَتَّبَ عَلَى الِاطِّلَاعِ الْغَيْبِيِّ وَصَايَاهُ النَّافِعَةَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَتَكُونُ لَهُمْ أَنْمَاطٌ وَيَغْدُو أَحَدُهُمْ فِي حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةً وَتُرْفَعُ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ آخِرَ الْحَدِيثِ: "وأنتم اليوم خير منكم يومئذ" 1.

_ = "9/ 297/ رقم 12309": "وقع هذا في مسند عثمان"، ثنا محمد بن كناسة الأسدي ثنا إسحاق ابن سعيد عن أبيه، قال: بلغني أن عائشة قالت به، وهذا منقطع. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "12/ 48-49"-ومن طريقه ابن أبي عاصم في "السنة "2/ 558-559/ رقم 1172"،وابن حبان في "الصحيح" "15/ 346/ رقم 6915- الإحسان" -ثنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن قيس عن النعمان بن بشير عن عائشة. وأخرجه أحمد في "المسند" "6/ 149" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "278- ترجمة عثمان"- عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية به، وفيه: "عبد الله بن أبي قيس". وإسناده صحيح، رجاله رجال مسلم غير عبد الله بن قيس وهو اللخمي الشامي، وثقه ابن حبان في "الثقات" "5/ 45"، وروى عنه غير واحد، قال ابن حبان عقبه: "هذا عبد الله بن قيس اللخمي مات سنة أربع وعشرين ومئة، وليس هذا بعبد الله بن أبي قيس صاحب عائشة". وأخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، 5/ 628/ رقم 3705"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "277" من طرق عن معاوية بن صالح، وأحمد في "المسند" "6/ 86" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 276- ترجمة عثمان"- من طريق الوليد بن سليمان، كلاهما عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله -وتصحف في مطبوع "جامع الترمذي" إلى عبد الملك" فليصحح- ابن عامر عن النعمان بن بشير به، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وللحديث طرق أخرى، انظرها في "سنن ابن ماجه" "رقم 112"، و"المستدرك" "3/ 99-100"، و"السنة" لابن أبي عاصم "رقم 1174، 1179، 1180"، و"تاريخ دمشق" "ص276 وما بعدها-ترجمة عثمان". 1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام 6/ 629/ رقم 3631، وكتاب النكاح، باب الأنماط ونحوها للنساء، 9/ 225/ رقم 5161"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب اللباس، باب جواز اتخاذ الأنماط، 3/ رقم 3/ 1650/ رقم 2083" عن جابر مرفوعا: "هل لكم من أنماط؟ " قلت: وأنى يكون لنا الأنماط؟ قال: " أما وإنها ستكون لكم الأنماط"، =

................................................................................

_ = والتتمة المذكورة عند المصنف في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، 4/ 647/ رقم 2476"-وقال: "هذا حديث حسن" من طريق هناد في "الزهد" "رقم 757" وإسناده ضعيف، كما في "الإصابة" "3/ 421"، وهو من طريق ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث، وهو في القطعة المطبوعة من "سيرته" "174"، وعزاه ابن حجر في "المطالب العالية" "3/ 157" لأبي يعلى، وقال الهيثمي في "المجمع" "10/ 314": "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات". قلت: إلا أن الحديث صحيح لشواهده الكثيرة، منها: حديث واثلة بن الأسقع، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" "2/ 23"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "7/ ق 560"، وفي إسناده سليمان ابن حيان مترجم في الجرح والتعديل" "4/ 106"، و"التاريخ الكبير" "4/ 8"، و"تاريخ دمشق" "7/ ق 650-651"، ولم يذكروا فيه جرحا ولا تعديلا، ووقع في مطبوع "الحلية" تصحيف شنيع أوهم جامع "حديث خيثمة" "ص190" أنه من حديث خيثمة بن سليمان الأطرابلسين وكشفنا عن هذا الوهم في التعليق على "رجحان الكفة" "ص304" للسخاوي". وحديث طلحة بن عمرو النصري، أخرجه أحمد في "المسند" "3/ 487"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 6684- الإحسان"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "رقم 1434، 1435"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "1/ 277-278"، وحماد بن إسحاق في "تركة النبي صلى الله عليه وسلم" "ص58"، والحاكم في "المستدرك" 3/ 15"، والبزار في "مسنده" "رقم 3673- زوائده"، والطيراني في "الكبير" "رقم 8160، 8161"، والبيهقي في "الدلائل" "6/ 524"، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 374" من طرق كثيرة عن داود بن0 أبي هند به، وإسناده صحيح. وحديث سعد بن مسعود أخرجه هناد في "الزاهد" "رقم 759" وفيه الإفريقي عبد الرحمن بن أنعم وهو ضعيف، وسعد في صحبته اختلاف. وحديث عروة بن الزبير أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "3/ 116"، ومن حديث أبيه الزبير أخرجه الحاكم في "المستدرك" "2/ 628-629"، وفي إسنادهما موسى بن عبيدة الربذين وهو ضعيف. وآخر من مرسل قتادة أخرجه أحمد في "الزهد" "37"، ومن مرسل سعد بن هشام أخرجه هناد في "الزهد" "رقم 767". ومن حديث إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه؛ أخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" "3/ 166"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 200"، وفي سنده الواقدي. قلت: في الأصل: "يوضع".

وَأَخْبَرَ بِمُلْكِ مُعَاوِيَةَ وَوَصَّاهُ1، وَأَنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الفئة الباغية2، وبأمراء

_ 1 المذكور عبارة القاضي عياض في "الشفا" "1/ 656"، ويعتمد المؤلف عليه كثيرا في نقل الأحاديث، وقال السيوطي في "مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا" "رقم 733": "البيهقي من طرق عن معاوية". قلت: أخرج أحمد في "المسند" "4/ 101" وابن أبي الدنيا وابن منده -كما في "البداية والنهاية" "8/ 123"- عن سعيد بن عمرو بن العاص يحدث أن معاوية أخذ الإداوة بعد أبي هريرة، فبينا هو يوضِّئ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع رأسه إليه مرة أو مرتين، فقال: "يا معاوية! إن وليت أمرًا، فاتق الله واعدل". وهذا إسناد ضعيف؛ لأنه مرسل. وأخرجه أبو يعلى في "المسند" "13/ 370/ رقم 7380" ثنا سويد بن سعيد، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده سعيد بن عمرو بن العاص، عن معاوية به. وهذا موصول، إلا أنه ضعيف؛ لضعف سويد بن سعيد، قال الهيثمي في "المجمع" "9/ 355-356": "رواه أحمد واللفظ له، وهو مرسل، ورواه أبو يعلى، فوصله، فقال فيه: عن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباقي بنحوه، ورواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، وقال في "الأوسط" ".... فأقبل، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح". قلت: رواية أحمد مرسلة، وقد صرح الهيثمي بذلك "5/ 186"، ورواية أبي يعلى فيها سويد، فهي ضعييفة، وأفاد الهيثمي في "المجمع" "5/ 186" أن رواية الطبراني مختصرة عن عبد الملك بن عمير عن معاوية، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف، وقد وثق. قلت: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "11/ 148- ط الهندوية و7/ 280- ط دار الفكر"، و" المسند" -كما في "المطالب العالية" "رقم 4085"، ومن طريقه قوام السنة في "الحجة" "2/ 376/ رقم 378"، والبيهقي في "الدلائل" "6/ 446" عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الملك بن عمير به. قال البيهقي عقبه: "إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف عند أهل المعرفة بالحديث" ثم =

..............................................................................

_ = قال: "غير أن لهذا الحديث شواهد" وذكر مرسل سعيد بن عمرو بن العاص، وقال: "ومنها حديث راشد بن سعد عن معاوية مرفوعا: "إنك إن اتبعت عورات الناس أو عثرات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم". قلت: الحديث الأخير أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم 4888، 4889"، والبخاري في "الأدب المفرد" "رقم 248"، والطبراني في "الكبير" "19/ 890"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 5760- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 333"، وأبو نعيم في "الحلية" "6/ 118" بإسناد صحيح باللفظ المذكور، وهو بعيد في شهادته للفظ المصنف، ولا يستلزم من عدم تتبع عورات الناس الإمارة عليهم، إلا أن يستشهد بلفظ حديث المقدام بن معدي كرب وأبي أمامة مرفوعا: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم". أخرجه أبو داود في "السنن" "رقم 4889"، وأحمد في "المسند" "6/ 4"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 378" بإسناد حسن. فبمجموع الحديثين يتأيد سياق البيهقي على أن المذكور أخيرا شاهد غير الحديث الذي أورده المصنف وهو صحيح، فتأمل، والله أعلم. وأخرجه قوَّام السنة في "الحجة" "رقم 379" عن طريق الحسن عن معاوية رفعه: "أما إنك ستلى أمر أمتي من بعدي"، وفيه يحيى بن غلاب، عن أبيه، قال الذهبي في "المغني" "رقم 7030" وتبعه ابن حجر في "اللسان" "6/ 273": "ذكر خبرا موضوعا في فضائل معاوية". 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب التعاون في بناء المسجد 1/ 541/ رقم 447، وكتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله 6/ 30/ رقم 2812"، وأحمد في "المسند" 3/ 5، 22، 28، 91" عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية". وأخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء 4/ 2235"، وأحمد في "المسند" 5/ 306، 306-307" من طريق أخرى عن أبي سعيد مرفوعا: "بؤس ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية". والحديث مشهور متواتر، كما نص عليه ابن عبد البر في "الاستيعاب" "2/ 481"، وابن حجر في "الإصابة" "2/ 512". وانظر: "تالي التلخيص" 254" للخطيب، وتعليقنا عليه.

يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا1 ثُمَّ وَصَّاهُمْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ، وَأَنَّهُمْ سَيَلْقَوْنَ بَعْدَهُ أَثَرَةً، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ2 إِلَى سَائِرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ بِهَا فَوَائِدُ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالتَّحْذِيرُ وَالتَّبْشِيرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. وَالثَّانِي: عَمَلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْفِرَاسَةِ وَالْكَشْفِ وَالْإِلْهَامِ وَالْوَحْيِ النَّوْمِيِّ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: "إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكَ وَأُخْتَاكَ"3. وَقَوْلِ عُمَرَ: "يَا ساريةُ! الجبلَ" 4، فَاعْمَلِ النَّصِيحَةَ الَّتِي أَنْبَأَ عنها الكشف.

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الندب إلى وضع الأيدي على الرُّكَب في الركوع ونسخ التطبيق 1/ 378-379" عن ابن مسعود ضمن حديث طويل فيه: "إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها". وأخرجه أحمد وابنه في "المسند" "1/ 399-400"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 2865" عن ابن مسعود، وصرح برفعه، وإسناده قوي على شرط مسلم. 2 يشير إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض" 7/ 117/ رقم 3792"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم 3/ 1474/ رقم 1845" عن أسيد بن حضير مرفوعا: "إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض". 3 قاله رضي الله عنه لابنته عائشة لما أبطل نحلته لها عشرين وسقا. أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 483-484- رواية أبي مصعب و2/ 752/ رقم 468- رواية يحيى الليثي وص236- رواية سويد بن سعيد- ط دار الغرب"، وإسناده صحيح، وانظر: "الاستذكار" "22/ 293-295" لابن عبد البر. 4 أخرجه البيهقي في "الدلائل" "6/ 370"، وأبو نعيم في "الدلائل" "رقم 525-528"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "ص286- ترجمة عمر و7/ ق 10-13 ترجمة سارية"، واللالكائي في "شرح اعتقاد أهل السنة" "رقم 2537"، و"كرامات الأولياء" "رقم 67"، وابن =

وَنَهْيِهِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُصَّ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَنْتَفِخَ حَتَّى تَبْلُغَ الثُّرَيَّا"1 وَقَوْلِهِ لِمَنْ قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَآهُمَا يَقْتَتِلَانِ، فَقَالَ: مَعَ أَيِّهِمَا كُنْتَ؟ قَالَ: مَعَ الْقَمَرِ. قَالَ: "كُنْتُ مَعَ الْآيَةِ الممحوة، لا تلى [لي] عملا أبدا"2.

_ = الأعرابي في "كرامات الأولياء"، والديرعاقولي في "فوائده"، وحرملة في "حديث ابن وهب"، والدارقطني والخطيب في "الرواة عن مالك"، وابن مردويه، كما في "الإصابة" "4/ 98"، و"تخريج السخاوي للأربعين السلمية" "ص44-46"، والسلمي في "أربعي الصوفية" "رقم 5" بأسانيد بعضها حسن، كما قال الحافظ ابن حجر والسخاوي، وجود بعضها ابن كثير في "البداية والنهاية" "7/ 131"، وقال بعد أن أورده من طرق: "فهذه طرق يشد بعضها بعضا". وألف القطب الحلبي في صحته جزء قاله السيوطي في "الدرر المنتثرة" "رقم 461". 1 أخرج أحمد في "المسند" "1/ 18"، وابن شبة في "تاريخ المدينة" "1/ 10" نحوه بسند صحيح"، وصححه السيوطي في "تحذير الخواص" "233"، والهيثمي في "المجمع" "1/ 189"، وأفاد السيوطي أن ابن عساكر أخرج نحوه أيضا "ص239"، والمذكور لفظ الإحياء" "3/ 326". 2 حكاه أبو سعد الواعظ في كتابه "تفسير الأحلام الكبير" "ص262"، وأفاد صاحبه أن القصة وقعت لقاضي حمص مع عمر، وفي آخرها: "وصرفه عن عمل حمص، فقضى أنه خرج مع معاوية إلى صفين، فقتل"، ثم ظفرت به مسندا، فعزاه الحافظ ابن كثير في "مسند الفاروق" "2/ 548" إلى أبي يعلى، قال: حدثنا غسان بن الربيع، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن عمر به، ثم ظفرت به من طريق حماد عند ابن أبي الدنيا في "الإشراف" "رقم 255". ورجال إسناده ثقات، إلا أن إسناده ضعيف، حماد سمع من عطاء قبل اختلاطه وبعده ولم يتميز حديثه، فترك، وفي سماع محارب من عمر نظر، انظر ترجمة "محارب" في "تهذيب الكمال" "27/ 255"، وتابع حمادا ابنُ فضيل، وعنه ابن أبي شيبة في "المصنف" "7/ 241- ط دار الفكر"، ولكن فيه: "عن عطاء، قال: حدثني غير واحد أن قاضيا من قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب، فقال....." وذكر نحوه، ولم يعزه في "كنز العمال" "11/ 349/ رقم 21709" إلا له. فائدة: طبع كتاب "تفسير الأحلام الكبير" منسوبا لابن سيرين وهو خطأ، وصوابه أنه لأبي سعد الواعظ، وكنت نفيت صحة نسبته لابن سيرين في كتابي: "كتب حذر منها العلماء" "2/ 275 وما بعدها"، وسردت أدلة على ذلك، ووقفت فيما بعد على اسم مؤلفه، وهو ممن يروي عن ابن جميع الصيداوي وطبقته.

وَيَكْثُرُ نَقْلُ مِثْلِ هَذَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ وَلَكِنْ يَبْقَى هُنَا النَّظَرُ فِي شَرْطِ الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَحْتَمِلُ بَسْطًا، فَلْنُفْرِدْهُ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُرَاعَى وتُعتبر، إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا تَخْرِمَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَلَا قَاعِدَةً دِينِيَّةً1، فَإِنَّ مَا يَخْرِمُ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً أَوْ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَيْسَ بِحَقٍّ فِي نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ إِمَّا خَيَالٌ أَوْ وَهْمٌ، وَإِمَّا مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ يُخَالِطُهُ مَا هُوَ حَقٌّ وَقَدْ لَا يُخَالِطُهُ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ مِنْ جِهَةِ مُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ مَشْرُوعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّشْرِيعَ الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامٌّ لَا خَاصٌّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا، وَأَصْلُهُ لَا يَنْخَرِمُ، وَلَا يَنْكَسِرُ لَهُ اطِّراد، وَلَا يُحَاشَى مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ مُكَلَّفٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكُلَّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ مُضَادًّا لِمَا تَمَهَّدَ فِي الشَّرِيعَةِ، فَهُوَ فَاسِدٌ بَاطِلٌ. وَمَنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي حَاكِمٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ فِي أَمْرٍ، فَرَأَى الْحَاكِمُ فِي مَنَامِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: "لَا تَحْكُمْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا بَاطِلٌ"، فَمِثْلُ هَذَا مِنَ الرُّؤْيَا لَا مُعْتَبَرَ بِهَا فِي أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ، وَلَا بِشَارَةٍ وَلَا نِذَارَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَخْرِمُ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ2، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَأْتِي مِنْ هَذَا النَّوْعِ.

_ 1 انظر تقعيد ذلك والأدلة عليه في: "الاعتصام" "2/ 153، وما بعدها" للمصنف، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "2/ 226، 227، 10/ 473-474 و13/ 73-176 و20/ 45 و11/ 77، 208-210، و20/ 42-47"، و"شرح العقيدة الطحاوية" "ص498، 500" و"مدارج السالكين" "3/ 228"، و"شرح مراقي السعود" "288"، وأضواء البيان" "4/ 159"، و"قطر الولي" "ص252"، و"الجامع لأخلاق الراوي" "1/ 80"، و"الفروق" "4/ 244"، و"فتح الباري" "12/ 388"، و"إرشاد الفحول" "249"، و"قواعد التحديث" "ص149"، و"أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم" "2/ 146" للأشقر، و"مشتهى الخارف الجاني" "ص268". 2 انظر نص فتوى ابن رشد في "فتاويه" "1/ 611-612"، ونقله عنه الونشريسي في "المعيار المعرب" "10/ 217-218"، وانظر في المسألة أيضا: "البحر المحيط" "1/ 62-63" للزركشي، و"الاعتصام" للمصنف "1/ 262-263"-ط رشيد رضا و1/ 334-335، ط ابن عفان"، وذكر فيه ما حكاه عن ابن رشد.

وَمَا رُوِيَ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْفَذَ وَصِيَّةَ رَجُلٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِرُؤْيَا رؤيت"1، فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا تَقْدَحُ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ لِاحْتِمَالِهَا، فَلَعَلَّ الْوَرَثَةَ رَضُوا بِذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا خَرْمُ أَصْلٍ. وَعَلَى هَذَا لَوْ حَصَلَتْ لَهُ مُكَاشَفَةٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ الْمَعِينَ مَغْصُوبٌ أَوْ نَجِسٌ، أَوْ أَنَّ هَذَا الشَّاهِدَ كَاذِبٌ، أَوْ أَنَّ الْمَالَ لِزَيْدٍ وَقَدْ تَحَصَّلَ بِالْحُجَّةِ لِعَمْرٍو، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى التَّيَمُّمِ، وَلَا تَرْكُ قَبُولِ الشَّاهِدِ، وَلَا الشَّهَادَةِ2 بِالْمَالِ لِزَيْدٍ عَلَى حَالٍ، فَإِنَّ الظَّوَاهِرَ قَدْ تَعَيَّنَ فِيهَا بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ أَمْرٌ آخَرُ، فَلَا يَتْرُكُهَا اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ الْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْفِرَاسَةِ، كَمَا لَا يَعْتَمِدُ فِيهَا عَلَى الرُّؤْيَا النَّوْمِيَّةِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَجَازَ نَقْضُ الْأَحْكَامِ3 بِهَا، وَإِنْ تَرَتَّبَتْ فِي الظَّاهِرِ مُوجِبَاتُهَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ بِحَالٍ، فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ": "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلي، ولعل بعضكم أن يكون

_ 1 وقعت له هذه الرؤيا مع صهيب، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" "7/ 240- ط دار الفكر"، وكذا أمضى عمر رؤيا في المنام، كما تراه في "مصنف عبد الرزاق" "9/ 242". 2 لعلها: ولا الحكم. "د". 3 أي: وإبطالها بعد صدورها من القاضي اعتبارا بأن الكشف أظهر الخطأ البين الذي ينقض به الحكم غير صحيح، فكذا ترك موجبات الحكم بحسب الظاهر على مقتضى قواعد الشريعة تعويلا على كشف أو غيره لا يكون صحيحا، وقد يقال: إن نقض الأحكام إنما يكون في جزئيات نادرة مقيدة بقيود كثيرة، فهو أبعد من ترك بعض موجبات الحكم إذا حصل تعارض بينها، فالملازمة ممنوعة؛ أي أنه لا يلزم من التنحي عن الأخذ بالشهادة المعتبرة شرعا إلى الأخذ بالكشف لزوم نقض الحكم الذي صدر بالفعل بناء على هذه الشهادة لحصول الكشف؛ وذلك لأن نقض الأحكام يترتب عليه فساد كبير وتعليل للأحكام، كما أشار إليه المؤلف في موضع آخر. "د".

ألحنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْكُمُ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ" 1 الْحَدِيثَ، فَقَيَّدَ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَى مَا يَسْمَعُ وَتَرَكَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُجْرَى عَلَى يَدَيْهِ يُطلع عَلَى أَصْلِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ حُقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَحْكُمْ إِلَّا عَلَى وَفْقِ مَا سَمِعَ، لَا عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمَ2، وَهُوَ أَصْلٌ فِي مَنْعِ الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا شَهِدَتْ3 عِنْدَهُ الْعُدُولُ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ خِلَافَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُمْ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ كَانَ حَاكِمًا بِعِلْمِهِ، هَذَا مَعَ كَوْنِ عِلْمِ الْحَاكِمِ مُسْتَفَادًا مِنَ الْعَادَاتِ الَّتِي لَا رِيبَةَ فِيهَا، لَا مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي تُدَاخِلُهَا الْأُمُورُ، وَالْقَائِلُ4 بِصِحَّةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ، فذلك بالنسبة إلى العلم.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين 5/ 288/ رقم 2680، وكتاب الحيل، باب منه 12/ 339/ رقم 6967"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة 3/ 1337/ رقم 1713" عن أم سلمة مرفوعا. 2 لا يقضي عليه الصلاة والسلام بمقتضى ما عرفه من طريق الباطن كما حكى القرآن عن الخضر عليه السلام حتى يكون للأمة في أخذه بالظاهر أسوة حسنة، والحكم بطريق الباطن غير الحكم بما علمه من طريق الرؤية أو السماع، وهذا هو الذي يعد بعضهم الحكم به من خصائصه عليه السلام، ويرى آخرون أنه طريق مشروع لغيره من القضاة، إما بإطلاق، وإما في مواضع مخصوصة، ولا يعارضه قوله عليه الصلاة والسلام: "فأقضي له على نحو ما أسمع"، فإن التنصيص على السماع* لا ينفي حكمه [على] بعض الوقائع على حسب ما علم فيها بالطرق المعهودة من رؤية أو سماع، والحكم بالظاهر وإن لم يكن مطابقا للواقع ليس بخطأ؛ لأنه حكم بما أمر الله. "خ". 3 في "ط": "شهد". 4 قال ابن العربي في "كتاب الأحكام" "اتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يَقتُل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، هل يحكم بعلمه أم لا؟ " "د".

الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْعَادَاتِ، لَا مِنَ الْخَوَارِقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ1 رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْحُجَّةُ الْعُظْمَى، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّاشِيِّ الْمَالِكِيِّ بِبَغْدَادَ أَنَّهُ كَانَ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَامِ، جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَيَّامَ كَانَ قَاضِيًا، قَالَ: "وَلِشَيْخِنَا فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ2 جزء في الرد عليه"، هذا ما قاله، وَهُوَ حَقِيقٌ بِالرَّدِّ إِنْ كَانَ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ سِوَاهَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خِلَافُ مَا نُقِلَ عَنْ أَرْبَابِ الْمُكَاشَفَاتِ وَالْكَرَامَاتِ، فَقَدِ امْتَنَعَ أَقْوَامٌ عَنْ تَنَاوُلِ أَشْيَاءَ كَانَ جَائِزًا لَهُمْ فِي الظَّاهِرِ تَنَاوُلُهَا، اعْتِمَادًا عَلَى كَشْفٍ أَوْ إِخْبَارٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا جَاءَ عَنِ الشِّبْلِيِّ حِينَ اعْتَقَدَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ، فَرَأَى بِالْبَادِيَةِ شَجَرَةَ تِينٍ، فهمَّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا فَنَادَتْهُ الشَّجَرَةُ: أَنْ لَا تَأْكُلْ مِنِّي فَإِنِّي لِيَهُودِيٍّ3. وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ الْمُهْتَدِي أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ فَلَيْلَةُ الدُّخُولِ وَقَعَ عَلَيْهِ نَدَامَةٌ، فَلَمَّا أَرَادَ الدنوَّ مِنْهَا زُجِرَ عَنْهَا، فَامْتَنَعَ وَخَرَجَ، فَبَعْدَ ثلاثة أيام ظهر لها زوج4.

_ 1 أي: فقد كان يطلع على ما في الأمر من حق وباطل، ومع ذلك كان يعول في حكمه على القانون الشرعي من اعتبار مقتضى الظواهر. "د". 2 هو محمد بن أحمد رئيس الشافعية في وقته، كان يلقب بالخبير لدينه وورعه وعلمه وزهده، توفي سنة "507هـ"، له ترجمة في "السير" "19/ 393"، وانظر مدح ابن العربي له واستفادته منه في كتابه "قانون التأويل" "ص111-113"، ونقله المزبور في "أحكام القرآن" "3/ 1131"، وعنه القرطبي في "التفسير" "10/ 44-45" "النحل: 75". 3 أي: مملوكة، وليست من أشجار البادية الخالية من الملكية، وأما كونها ليهودي بهذا الوصف، فلا تأثير له في أصل الحكم، ولكنه يفيد زيادة ورع حتى إنه تنحى عنها وهي لكافر. "د". قلت: القصة في "رسالة القشيري" "ص173-174" -وليس فيها: "فإني ليهودي"- و" الاعتصام" "1/ 271- ط ابن عفان". 4 ذكر هذه القصة القشيري في "رسالته" "ص167"، وعلق عليها بقوله: "هذه هي الكرامة على الحقيقة؛ حيث حفظ عليه العلم.

وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَامَةٌ عَادِيَّةٌ أَوْ غَيْرُ عَادِيَّةٍ يَعْلَمُ بِهَا، هَلْ هَذَا الْمُتَنَاوَلُ حلام أَمْ لَا؟ كَالْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ حَيْثُ كَانَ لَهُ عِرْقٌ فِي بَعْضِ أَصَابِعِهِ إِذَا مَدَّ يَدَهُ إِلَى مَا فِيهِ شُبْهَةٌ تَحَرَّكَ، فَيَمْتَنِعُ مِنْهُ1. وَأَصْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ فِي قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، وَفِيهِ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلَ الْقَوْمُ. وَقَالَ: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ" وَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ2 الْحَدِيثَ، فَبَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَانْتَهَى هُوَ وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْأَكْلِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ. وَهَذَا أَيْضًا مُوَافِقٌ لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهُوَ شَرْعٌ لَنَا إِلَّا أَنْ يَرِدَ نَاسِخٌ، وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ أُمِرُوا بِذَبْحِهَا وَضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِهَا، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ وَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ، فَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ3 بِالْقِصَاصِ، وَفِي قِصَّةِ الْخَضِرِ فِي خَرْقِ

_ 1 ذكر هذه القصة القشيري في "رسالته" "ص12" والمصنف في "الاعتصام" "1/ 270- ط ابن عفان". 2 هذا لفظ أبي داود في "السنن" "كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلا سما أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟ 4/ 174-175/ رقم 4512" عن أبي هريرة، ونقله المصنف من "الشفا" للقاضي عياض "1/ 607"؛ فإنه كثير المتابعة له في ذلك. وأصل الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب ما يذكر في سَم النبي صلى الله عليه وسلم 10/ 244/ رقم 5777، وكتاب الجزية والموادعة، باب إذا غدر المشركون بالمسلمين، هل يعفى عنهم 6/ 272/ رقم 3169، وكتاب المغازي، باب الشاة التي سُمَّت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر 7/ 497/ رقم 4249" عن أبي هريرة مطولا ومختصرا. وأخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين 5/ 230 / رقم 2617"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، باب السم 4/ 1721/ رقم 2190" عن أنس رضي الله عنه. 3 في الأصل: "الحكم عليه".

السَّفِينَةِ وَقَتْلِ الْغُلَامِ1، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْثَرُ فِي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكرامات الأوليات رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ كَالْعَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، فَكَمَا لَوْ دَلَّنَا أَمْرٌ عَادِيٌّ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ غَصْبِهِ لَوَجَبَ علينا الاجتناب، فكذلك ههنا؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ إِخْبَارٍ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ أَوْ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الْبَصَرِ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ، وَرُؤْيَتِهَا بِعَيْنِ الْكَشْفِ الْغَيْبِيِّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى هَذَا كَمَا يبنى على ذلك2.

_ 1 مضى تخريجه "1/ 546"، وهو في "صحيح البخاري" وغيره. 2 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى "11/ 65-66": "وأما خواص الناس، فقد يعلمون عواقب أقوام بما كشف الله لهم، لكن هذا ليس ممن يجب التصديق العام به، فإن كثيرا ممن يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظانا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا، وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى، كأهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد، ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يَزِنُوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا يكتفوا بمجرد ذلك، فإن سيد المحدثين والمخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب، وقد كانت تقع له وقائع، فيردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صديقه التابع له الآخذ عنه، الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدثه قلبه عن ربه. ولهذا وجب على جميع الخلق اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعته في جميع أموره الباطنة والظاهرة، ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة، لكان مستغنيا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض دينه، وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى، ومن قال هذا، فهو كافر". وأسهب رحمه الله في "مجموع الفتاوى" "13/ 68-70" في ذكر الحجج والأدلة على الاستئناس بالمكاشفات التي لا تضاد الشريعة، وبين أنه لا يجوز الاعتماد عليهم بالكلية، وفي هذا يقول علي القاري رحمه الله تعالى في رسالته "المقدمة السالمة في خوف الخاتمة" "ص16- بتحقيقي: "لا اعتبار لمكاشفات الأولياء ومحاضرات الأصفياء، بحيث يعتمد عليها بالكلية في الأمور الشرعية، أو في الأطوار الحقيقية، فإن الإنسان ما دام في هذه الدار المشوبة بالأكدار لا تصفى له الأسرار، ولا تتجلى له الأنوار، بخلاف الأنبياء الأبرار والرسل الكبار، ولذا قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد} [ق: 22] . قلت: سيأتي في القسم الأخير من الكتاب إشارة من المصنف في الفرق بين إلهامات الأنبياء وغيرهم، فانظره هناك، تولى الله هداك.

وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ أَبْعَدَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ لَا نِزَاعَ بَيْنِنَا فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ مَا ذُكِرَ صَوَابًا، وَعَمَلًا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِاعْتِبَارُ بِمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ فِي الْقِيَاسِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، إِذَا لَمْ يَثْبُتُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْخَوَارِقِ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [مِنْ] 1 حَيْثُ كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِقَةِ بِدَلِيلِ الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ مُعْجِزًا، وَتَكُونُ قِصَّةُ الْخَضِرِ عَلَى هَذَا مِمَّا نُسِخَ2 فِي شَرِيعَتِنَا، عَلَى أَنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ3 بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، بِنَاءً عَلَى مَا ثبت عنده من العادات، أما قتل

_ 1 سقط من "ط". 2 لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما كانت هذه القصة في معناه، حتى يقاس عليه، فلا نعول إلا على ما كان قد صدر في معناه شيء في شرعنا، فنلحق به بطريق القياس. "د". قلت: انظر تعليقنا على الهامش الآتي. 3 أي أنه إذا قامت القرائن المؤكدة أن المال لا ينجو من الغصب إلا بهذا العمل، فلا مانع منه، أي: وعليه فلا حاجة إلى دعوى النسخ. "د". ومن الجدير بالذكر أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في "الصحيحين" وغيرهما كما قدمنا أن الخضر قال له: "يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه". وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة. وقد ثبت في "الصحاح" من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما فضله الله به على الأنبياء، قال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" فدعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، ولا استغناء عن رسالته، كما ساغ للخضر الخروج =

..................................................

_ = عن متابعة موسى وطاعته مستغنيا عنه بما علمه الله، وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: إنى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، ومن سوغ هذا أو اعتقد أن أحدا من الخلق الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ومتابعته، فهو كافر باتفاق المسلمين، ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا. وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة، ولهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل، وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ، ولو كان ما فعله الخضر مخالفا لشريعة موسى، لما وافقه. ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب يبيح له الفعل في الشريعة، والآخر لا يعلم ذلك السبب وإن كان قد يكون أفضل من الأول، مثل شخصين دخلا إلى بيت شخص، وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله، إما بإذن لفظي أو غيره، فيتصرف، وذلك مباح في الشريعة، والآخرالذي لم يعلم هذا السبب لا يتصرف. وخرق السفينة كان من هذا الباب، فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وكان من المصلحة التي يختارها أصحاب السفينة إذا علموا ذلك أن يخرقوها؛ لئلا يأخذها الملك؛ لأن بقاءها مع الخرق فيها خير من انتزاعها منه. وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه؛ لعلمه بأنه كان يفتنهما عن دينهما وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين، بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال، ولهذا ثبت في "صحيح البخاري" أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان، قال: "إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام، فاقتلهم، وإلا، فلا تقتلهم". وكذلك في "الصحيحين"، أن عمر لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل ابن صياد وكان مراهقا لما ظنه الدجال، فقال: "إن يكنه، فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله"، فلم يقل: إن يكنه، فلا خير لك في قتله، بل قال: "فلن تسلط عليه" وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه؛ لقطع فساده لم يكن ذلك محذورا، وإلا كان التعليل بالصغر كافيا، فإن الأعم إذا كان مستقلا بالحكم، كان الأخص عديم التأثير. وأما بناء الجدار، فإنما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم، وقد بيَّن الخضر أن أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع، وإن كان جائعا.=

................................................

_ = والمقصود من هذا كله أنه ليس في قصة الخضر ما يسوغ مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من الخلق، أفاده شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" "11/ 420 وما بعدها". ولله در أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي رحمه الله تعالى، فقد قال فيما نقله عنه تلميذه الإمام القرطبي المفسر في تفسيره: "الجامع لأحكام القرآن" "11/ 40-41" ما نصه: "ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هدم الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم كما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون". قال الإمام القرطبي: "قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا القول -أي: قول الزنادقة، هذه الأحكام....- زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسالة السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عن رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك، وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} [الحج: 75] . وقال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه} [الأنعام: 124] . وقال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] .... إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري وإجماع السلف والخلف على أن لا طريقة لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها، إلا من جهة الرسل. فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل، بحيث يستغني عن الرسل فهو كافر يُقتَل ولا يستتاب ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك أن من قال: يأخذ عن قلبه، وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة" ا. هـ. ونحوه في "7/ 39".

الْغُلَامِ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ الْبَقَرَةِ مَنْسُوخَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، وَمُحْكَمَةٌ عَلَى التَّأْوِيلِ الْآخَرِ عَلَى وَفْقِ الْقَوْلِ الْمَذْهَبِيِّ فِي قَوْلِ الْمَقْتُولِ: دَمِيَ عِنْدَ فُلَانٍ. وَالثَّانِي: عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْأَوْلَى؛ إِذِ الْجَارِي عَلَيْهَا الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنْ إِنْ قَدَّرْنَا عَدَمَهُ، فَنَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى نَصٍّ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ طَلَبُ اجْتِنَابِ حَزَّازِ الْقُلُوبِ الَّذِي1 هُوَ الْإِثْمُ، وَحَزَّازُ الْقُلُوبِ يَكُونُ بِأُمُورٍ لَا تَنْحَصِرُ، فَيَدْخُلُ فِيهَا هَذَا النَّمَطُ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، والإثم ما حاك في صدرك" 2، فإذن لَمْ يَخْرُجْ هَذَا عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى نصوص شرعية عند

_ 1 في الأصل: "إذ هو". 2 أخرجه أحمد في "المسند" "4/ 193، 194، 194-195" -ومن طريقه الطبراني في "الكبير" "22/ 219"/ رقم 585"، و"مسند الشاميين" "رقم 782" وأبو نعيم في "الحلية "2/ 30"- وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "19/ ق 10" عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا، "البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون" وإسناده جيد، كما قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 95"، وورد نحو لفظ المصنف من حديث وابصة بن معبد الجهني، أخرجه أحمد في "المسند" "4/ 228"، والدارمي في "السنن" "2/ 245-246"، وأبو يعلى في "المسند" "رقم 1586-1587" والبيهقي في "الدلائل" "6/ 292" -ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "17/ ق 703"- وإسناده ضعيف منقطع، فيه الزبير أبو عبد السلام وهو ضعيف، وبينه وبين أيوب بن عبد الله بن مكرز انقطاع، أفاده ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 94"، وأخرجه أحمد في "المسند" "4/ =

مَنْ فَسَّرَ حَزَّازَ الْقُلُوبِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ إِلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي اعْتِبَارِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يُخِلُّ بِقَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَكَلَامُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي مِثْلِ مَسْأَلَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَشْبَاهِهَا، وَقَتْلِ الْخَضِرِ الْغُلَامَ عَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمِثْلِهِ فِي شَرِيعَتِنَا الْبَتَّةَ، فَهُوَ حَكَمٌ مَنْسُوخٌ، وَوَجْهُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ مِنَ الْحِكَايَاتِ مَا يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى السُّؤَالِ، فَعُمْدَةُ الشَّرِيعَةِ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ أَصْلَ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ خُصُوصًا، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الِاعْتِقَادِ فِي الْغَيْرِ عُمُومًا أَيْضًا، فَإِنَّ سَيِّدَ الْبَشَرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالْوَحْيِ يُجْرِي الْأُمُورَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فِي الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ عَلِمَ بَوَاطِنَ أَحْوَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ عَنْ جَرَيَانِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَا جَرَتْ عَلَيْهِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَا قَالَ: "خَوْفًا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" 1، فَالْعِلَّةُ أَمْرٌ آخَرُ لَا مَا زُعِمَتْ، فَإِذَا عُدِمَ مَا عُلِّلَ به، فلا حرج.

_ = 227"، والطبراني في "الكبير" "22/ رقم 402"، والبزار في "مسنده" "رقم 183- زوائده"، والبيهقي في الدلائل" "6/ 292"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "17/ ق 702" بإسناد فيه أبو عبد الله الأسدي، وسماه بعضهم أبو عبد الرحمن السلمي، وهو مجهول، وقيل فيه أشد من ذلك. قال البزار: أبو عبد الله الأسدي لا نعلم أحدا سماه"، وقال فيه الهيثمي في "المجمع" "1/ 175": "ولم أجد من ترجمه"، وأفاد أن الرواة اختلفوا في كنيته، وهو هو، وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "2/ 94": "والسلمي هذا قال علي بن المديني: مجهول، وخرجه البزار والطبراني وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا نعلم أحدا سماه، كذا قال، وقد سمي في بعض الروايات "عند ابن عساكر" محمدا، قال عبد الغني بن سعيد الحافظ: لو قال قائل: إنه محمد بن سعيد المصلوب لما دفعت ذلك، والمصلوب هذا صلبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع ولكنه لم يدرك وابصة والله أعلم". 1 أخرج البخاري في "الصحيح" كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية 6/ 546/ رقم 3518" عن جابر ضمن قصة: "قال: عبد الله بن أبي بن سلول يقول: لئن رجعنا =

لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ؛ لِأَنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلى أن يُحْفَظَ تَرْتِيبُ الظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، فَالْعُذْرُ فِيهِ [ظَاهِرٌ] 1 وَاضِحٌ، وَمَنْ طَلَبَ قَتْلَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ أَمْرٍ غَيْبِيٍّ رُبَّمَا شَوَّشَ الْخَوَاطِرَ، وَرَانَ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ سَدُّ هَذَا الْبَابِ جُمْلَةً، أَلَا تَرَى إِلَى بَابِ الدَّعَاوَى الْمُسْتَنِدِ إِلَى أَنَّ "الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"2، وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ، حَتَّى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتاج إلى البينة

_ = إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر: ألا نقتُل يا نبي الله هذا الخبيث؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه". وأخرجه بنحوه البخاري أيضا "كتاب التفسير، باب قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم} 8/ 648-649/ رقم 4905، وباب: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَة} 8/ 653/ رقم 4905". 1 سقط من "ط". 2 أخرجه البيهقي في "الكبرى" "10/ 252" من طريق أبي القاسم الطبراني، عن الفريابي: ثنا سفيان، عن نافع، عن أبي مليكة، عن ابن عباس رفعه، بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، وقال: "قال أبو القاسم: لم يروه عن سفيان إلا الفريابي". وأخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، فالبينة على المدَّعِي واليمين على المدَّعَى عليه/ رقم 2514، وكتاب الشهادات، باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود/ رقم 2668، وكتاب التفسير، باب {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} رقم 4552"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه / رقم 1711" بلفظ: "واليمين على المدعى عليه" دون "البينة على المدعي". وذكر "البينة....." من أخطاء سفيان أو الفريابي، فإن الجماهير رووه عن نافع دونها، وانظر: "إرواء الغليل" "8/ 264-265/ رقم 2641". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "35/ 391" في هذا الحديث باللفظ المذكور: ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أهل السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الملة"، ونحوه عند ابن القيم في "الطرق الحكمية" "87-88، 110-111".

فِي بَعْضِ مَا أَنْكَرَ فِيهِ مِمَّا كَانَ اشْتَرَاهُ، فَقَالَ: "مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ "، حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ شَهَادَتَيْنِ1، فَمَا ظَنُّكَ بِآحَادِ الْأُمَّةِ؟ فَلَوِ ادَّعَى أَكْفَرُ2 النَّاسِ عَلَى أَصْلَحِ النَّاسِ لَكَانَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ، وَالنَّمَطُ وَاحِدٌ، فَالِاعْتِبَارَاتُ الْغَيْبِيَّةُ مُهْمَلَةٌ بِحَسَبِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْ هُنَا لَمْ يَعْبَأِ النَّاسُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِكُلِّ كَشْفٍ أَوْ خِطَابٍ خَالَفَ الْمَشْرُوعَ، بَلْ عدُّوا أَنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَقَضَايَا الْأَحْوَالِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مُحْتَمَلَةٌ3. وَمَا ذُكِرَ مِنْ تَكْلِيمِ الشَّجَرَةِ، فَلَيْسَ بِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، بِحَيْثُ يَكُونُ تَنَاوُلُ التِّينِ مِنْهَا حَرَامًا عَلَى الْمُكَلَّمِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي الْفَلَاةِ صَيْدًا، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مَمْلُوكٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ تَرَكَهُ لِغِنَاهُ عَنْهُ بِغَيْرِهِ مِنْ يَقِينٍ بِاللَّهِ، أَوْ ظَنِّ طَعَامٍ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، أَوْ نَقُولُ: كَانَ الْمُتَنَاوَلُ مُبَاحًا لَهُ، فَتَرَكَهُ لِهَذِهِ الْعَلَامَةِ كَمَا يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ لِمَشُورَةٍ أَوْ رؤيا أو غير

_ 1 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز أن يحكم به 3/ 308/ رقم 3607"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع 7/ 301-302"، وأحمد في "المسند" "5/ 215-216"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "4/ 115، 116/ رقم 2084، 2085"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "1/ 87"، والطبراني في "الكبير" "4/ 101/ رقم 3730"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 17-18"، وإسناده صحيح. وكتب "خ" هنا ما نصه: "خص الله خزيمة بهذه المزية دون سائر الصحابة؛ مكافأة له؛ حيث بادر إلى الشهادة للنبي عليه الصلاة والسلام على مبايعة الأعرابي مستندا في تصديقه إلى البراهين القائمة على عصمته من أن يقول على الله أو يدعي على مخلوق ما ليس بحق". 2 كذا في الأصل وفي "د"، وفي النسخ المطبوعة: "أكبر" بالباء. قال "د": "لعلها أكذب". 3 أي: لما يأتي بعدُ. "د".

ذَلِكَ حَسْبَمَا يُذْكَرُ بَعْدُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْمَاءِ الَّذِي كُوشِفَ أَنَّهُ نَجِسٌ أَوْ مَغْصُوبٌ، وَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهَا بِحَيْثُ لَا يَنْخَرِمُ لَهُ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ في الظاهر، بل يصير منتفلا مِنْ جَائِزٍ إِلَى مَثْلِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ فَرَضْنَا مُخَالَفَتَهُ لِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْكَشْفِ إِعْمَالًا لِلظَّاهِرِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى الشَّرْعِ فِي مُعَامَلَتِهِ بِهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا لَوْمَ؛ إِذْ لَيْسَ الْقَصْدُ بِالْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ أَنْ تَخْرِقَ أَمْرًا شَرْعِيًّا، وَلَا أَنْ تَعُودَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بِالنَّقْضِ، كَيْفَ وَهِيَ نَتَائِجُ عَنْ اتِّباعه، فَمُحَالٌ أَنَّ يُنْتِجَ الْمَشْرُوعُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، أَوْ يَعُودَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ بِالنَّقْضِ، هَذَا لَا يَكُونُ الْبَتَّةَ. وَتَأَمَّلْ مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، إِذْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا، فَهُوَ لِفُلَانٍ" 1، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَهِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْمَكْرُوهِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُقِمِ الْحَدَّ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ: "لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ" 2، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ هِيَ الْمَانِعَةُ، وَامْتِنَاعُهُ مِمَّا هَمَّ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا تَفَرَّسَ بِهِ لَا حُكْمَ لَهُ حِينَ3 شَرِعِيَّةِ الْأَيْمَانِ، وَلَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ بَعْدَ الْأَيْمَانِ مَا قَالَ الزَّوْجُ، لَمْ تَكُنِ الْأَيْمَانُ دَارِئَةً لِلْحَدِّ عَنْهَا. وَالْجَوَابُ عَلَى4 السُّؤَالِ الثَّانِي: أَنَّ الخوارق وإن صارت لهم كغيرها،

_ 1 قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب تفسير سورة النور 8/ 449/ رقم 4747" من حديث ابن عباس، ولفظ آخره: "أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن". وورد الحديث عن ابن مسعود وسهل بن سعد رضي الله عنهم بألفاظ متعددة. 2 انظر تخريج الحديث السابق. 3 في الأصل: "حينئذ"، وفي "ط": "مع". 4 في "ط": "عن".

فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِإِعْمَالِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، إِذَا1 لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ، وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْخَوَارِقَ إِنْ جَاءَتْ تَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ، فَهِيَ مَدْخُولَةٌ قَدْ شَابَهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ، كَالرُّؤْيَا غَيْرِ الْمُوَافِقَةِ، كَمَنْ يُقَالُ لَهُ: "لَا تَفْعَلْ كَذَا"، وَهُوَ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِفِعْلِهِ، أَوْ "افْعَلْ كَذَا"، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا لِمَنْ لَمْ يُبَنْ أَصْلُ سُلُوكِهِ عَلَى الصَّوَابِ، أَوْ مَنْ سَلَكَ وَحْدَهُ بِدُونِ شَيْخٍ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَ الْأَوْلِيَاءِ وَجَدَهُمْ مُحَافِظِينَ عَلَى ظَوَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ فِيهَا إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَقَدْ بُنِيَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهَا يُعْمَلُ عَلَيْهَا. قِيلَ: إِنَّ الْمَنْفِيَّ هُنَا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا بِخَرْمِ قَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَأَمَّا الْعَمَلُ عَلَيْهَا مَعَ الْمُوَافَقَةِ، فَلَيْسَ بِمَنْفِيٍّ. فَصْلٌ: إِذَا تَقَرَّرَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فَأَيْنَ يُسَوَّغُ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهَا؟ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الْجَائِزَاتِ أَوِ الْمَطْلُوبَاتِ الَّتِي فِيهَا سِعَةٌ يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهَا بِمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ، كَأَنْ يَرَى الْمُكَاشِفُ أَنَّ فُلَانًا يَقْصِدُهُ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ، أَوْ يَعْرِفُ مَا قَصَدَ إِلَيْهِ فِي إِتْيَانِهِ مِنْ مُوَافَقَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ، أَوْ يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حَدِيثٍ أَوِ اعْتِقَادِ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَعْمَلُ عَلَى التَّهْيِئَةِ لَهُ حَسْبَمَا قَصَدَ إِلَيْهِ، أَوْ يَتَحَفَّظُ مِنْ مَجِيئِهِ إِنْ كَانَ قَصْدُهُ الشَّرَّ، فَهَذَا مِنَ الْجَائِزِ لَهُ، كَمَا لَوْ رَأَى رُؤْيَا تَقْتَضِي ذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُعَامِلُهُ إِلَّا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا لِفَائِدَةٍ يَرْجُو نجاحها، فإن العاقل لا يدخل

_ 1 في "ط": "إذ".

عَلَى نَفْسِهِ مَا لَعَلَّهُ يَخَافُ عَاقِبَتَهُ، فَقَدْ يَلْحَقَهُ بِسَبَبِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا عَجَبٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْكَرَامَةُ كَمَا أَنَّهَا خُصُوصِيَّةٌ، كَذَلِكَ هِيَ فِتْنَةٌ وَاخْتِبَارٌ، لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَإِذَا عَرَضَتْ حَاجَةٌ، أَوْ كَانَ لِذَلِكَ سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ، فَلَا بَأْسَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ بِالْمُغَيَّبَاتِ1 لِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُخْبِرْ بِكُلِّ مَغَيَّبٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَعَلَى مُقْتَضَى الْحَاجَاتِ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمُصَلِّينَ خَلْفَهُ أَنَّهُ "يَرَاهُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ" لِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْفَائِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ2، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ مِنْ غير إخبار بذلك، وهكذا سائر.

_ 1 ولم يكن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلَمُ شيئا من الغيب، إلا بما أظهره الله عليه، وهذا في نص القرآن، قال الله تعالى: {فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26-27] . 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة 1/ 514/ رقم 418، وكتاب الأذان، باب الخشوع في الصلاة 2/ 225/ رقم 741"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها 1/ 319/ رقم 423"، وأحمد في "المسند" "2/ 303، 375"، وأبو عوانة في "صحيحه" "2/ 152"، جميعهم من طريق مالك في "الموطأ" "1/ 167" عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة بلفظ: "إني لأراكم من وراء ظهري". وقد اختُلِف في معنى هذه الرؤية، فقيل: الوحي أو الإلهام، وقيل: تنطبع صور من خلفه في حائط قبلته، وقيل: يرى من عن يمينه ومن عن يساره، وقيل: يراهم من عينين كانا بين كتفيه، أو من وراء ظهره يبصر بهما، لا يحجبهما شيء، وهذا كله تكلف ظاهر، والصواب ما قاله الإمام أحمد فيما نقل عنه ابن عبد البر في "التمهيد" "18/ 346"، قال: "أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد المؤمن، قال: أخبرنا عبد الحميد بن أحمد بن عيسى الوراق، قال: أخبرنا الخضر بن داود، قال: أخبرنا أبو بكر الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل رحمه الله- قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أراكم من وراء ظهري"؟ فقال: كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. قلت له: إن إنسانا قال لي: هو في ذلك مثل غيره، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام من عن يمينه وشماله. فأنكر =

كَرَامَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ، فَعَمَلُ أَمَّتِهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْلَى1 مِنْهُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْجَوَازِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ خَوْفِ الْعَوَارِضِ كَالْعُجْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْإِخْبَارِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُسَلَّمٌ، وَلَا يَخْلُو إِخْبَارُهُ مِنْ فَوَائِدَ، وَمِنْهَا تَقْوِيَةُ إِيمَانِ كُلِّ مَنْ رَأَى ذَلِكَ أَوْ سَمِعَ بِهِ، وَهِيَ فَائِدَةٌ لَا تَنْقَطِعُ مَعَ بَقَاءِ الدُّنْيَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَحْذِيرٌ أَوْ تَبْشِيرٌ؛ لِيَسْتَعِدَّ لِكُلِّ عُدَّتِهِ، فَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ، كَالْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ يَنْزِلُ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَا، أَوْ لَا يَكُونُ إِنْ فَعَلَ كَذَا، فَيَعْمَلُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ عَلَى وِزَانِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ، فَلَهُ أَنْ يُجْرِيَ بِهَا مَجْرَى الرُّؤْيَا، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ تُرْكَانَ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ الْفُقَرَاءَ، فَفُتِحَ عَلَيَّ بِدِينَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلِّي أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَهَاجَ بِي وَجَعُ

_ = ذلك إنكارا شديدا". قلت: ومن الجدير بالذكر أن هذه الرؤية محصورة وهو صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ولم يتم دليل على عمومها، وانظر حولها: "الشفا" "1/ 92"، و"شرح النووي على صحيح مسلم" "4/ 149"، و"فتح الباري" "1/ 514"، و"الخصائص الكبرى" "1/ 61" للسيوطي، و"غاية السول" "ص271-272"، و"الرسالة الناصرية" "ص34" للزاهدي. قال الشيخ "خ": "هذا ما ذهب إليه أكثر أهل العلم من حمل الرؤية في حديث: "إني لأراكم من وراء ظهري" على ظاهرها، أعني: الرؤية البصرية، وذهب فريق آخر إلى أنها رؤية القلب، وهي على كلا الوجهين آية صدق وعلم من أعلام النبوة، ولا يطعن في هذا الحديث سؤاله عليه الصلاة والسلام كما ورد في بعض الأحاديث عن أناس صدرت منهم أفعال أو أقوال في حال ائتمامهم به في الصلاة، فإنه كان عليه السلام يترقى في فضائله الخاصة ولا سيما ما كان من نوع المعجزة، فكانت تخلع فيه فضيلة بعد أخرى فيصح أن تكون هذه المزية ما أكرمه الله بها بعد وقائع السؤال". 1 لأن الأول لم ينظر منه إلى الفائدة التي يرجو نجاحها، بل مجرد أمر جائز، أما هنا، فإنه وإن كان جائزا أو في حكمه خشية العوارض، إلا أنه مقيد بأن يكون لفائدة يرجو نجاحها. "د".

الضِّرْسِ فَقَلَعَتْ سِنًّا، فَوَجِعَتِ الْأُخْرَى حَتَّى قَلَعْتُهَا، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ: إِنْ لَمْ تَدْفَعْ إِلَيْهِمْ الدِّينَارَ لَا يَبْقَى فِي فِيكَ سِنٌّ وَاحِدَةٌ1. وَعَنِ الرُّوذْبَارِيِّ2 قَالَ: فيَّ اسْتِقْصَاءٍ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ، فَضَاقَ صَدْرِي لَيْلَةً؛ لِكَثْرَةِ مَا صَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَسْكُنْ قَلْبِي، فَقُلْتُ: ياَ رَبِّ! عَفْوُكَ، فَسَمِعَتْ هَاتِفًا يَقُولُ: الْعَفْوُ فِي الْعِلْمِ، فَزَالَ عَنِّي ذَلِكَ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمِ لَا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِي3 الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الخَوارق، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ؛ لِتَكُونَ مِثَالًا يُحْتَذَى حَذْوَهُ وَيُنْظَرُ فِي هَذَا الْمَجَالِ إِلَى جِهَتِهِ، وَقَدْ أَشَارَ هَذَا النَّحْوُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، وهي:

_ 1 ذكره القشيري في "رسالته" "ص168" وعلق عليه بقوله: "وهذا في باب الكرامة أتم من أن يضع عليه دنانير كثيرة ينقض العادة". 2 هو أحمد بن عطاء، والمنقول عنه عند القشيري في "رسالته" "ص163"، وفيها عنه: "كان لي استقضاء في أمر الطهارة.....". 3 في الأصل: "وفي"، وفي "ط": "كان بي......".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ كَمَا أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَجَارِيَةٌ عَلَى مُخْتَلِفَاتِ أَحْوَالِهِمْ، فَهِيَ عَامَّةٌ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ وَعَالَمِ الشَّهَادَةِ مِنْ جِهَةِ كُلِّ مُكَلَّفٍ، فَإِلَيْهَا نَرُدُّ كُلَّ مَا جَاءَنَا مِنْ جِهَةِ الباطن، كما نرد إليها كل كُلَّ مَا فِي الظَّاهِرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ. - مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا مِنْ تَرْكِ اعْتِبَارِ الْخَوَارِقِ إِلَّا مَعَ مُوَافَقَةِ ظاهر الشريعة. - والثاني: أن الشريعة حكامة لَا مَحْكُومٌ عَلَيْهَا، فَلَوْ كَانَ مَا يَقَعُ مِنَ الْخَوَارِقِ وَالْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ حَاكِمًا عَلَيْهَا بِتَخْصِيصِ عُمُومٍ، أَوْ تَقْيِيدِ إِطْلَاقٍ، أَوْ تَأْوِيلِ ظَاهِرٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكَانَ غَيْرُهَا حَاكِمًا عَلَيْهَا، وَصَارَتْ هِيَ مَحْكُومًا عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَلِكَ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ. - وَالثَّالِثُ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْخَوَارِقِ لِلشَّرِيعَةِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي نَفْسِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي ظَوَاهِرِهَا كَالْكَرَامَاتِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ أَعْمَالًا مِنْ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ، كَمَا حَكَى عِيَاضٌ1 عَنِ الْفَقِيهِ أَبِي مَيْسَرَةِ الْمَالِكِيِّ2 أَنَّهُ كَانَ لَيْلَةً بِمِحْرَابِهِ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ، وَقَدْ وَجَدَ رِقَّةً، فَإِذَا الْمِحْرَابُ قَدْ انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ نُورٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ بَدَا لَهُ وَجْهٌ كَالْقَمَرِ، وَقَالَ لَهُ: "تَمَلَّأْ مِنْ وَجْهِي يَا أَبَا مَيْسَرَةَ، فَأَنَا رَبُّكَ الْأَعْلَى"، فَبَصَقَ فِيهِ وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ يَا لَعِينُ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَكَمَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ الْقَادِرِ الْكِيلَانِيِّ أَنَّهُ عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا، فَإِذَا سَحَابَةٌ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِ شِبْهَ الرَّذَاذِ حَتَّى شَرِبَ، ثُمَّ نُودِيَ مِنْ سحابة3: "يا

_ 1 في "ترتيب المدارك" "3/ 359- ط بيروت". 2 اسمه أحمد بن بزار، يكنى بأبي جعفر، من الفقهاء العباد المتبتلين، وكان مجانبا لأهل الأهواء، توفي سنة 337هـ"، أفاد القاضي عياض. 3 في "ط": "السحابة".

فُلَانُ! أَنَا رَبُّكَ وَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ الْمُحَرَّمَاتِ". فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ يَا لَعِينُ. فَاضْمَحَلَّتِ السَّحَابَةُ. وَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ أَنَّهُ إِبْلِيسُ؟ قَالَ: بِقَوْلِهِ: "قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ الْمُحْرِمَاتِ"1. هَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّرْعُ حَكَمًا فِيهَا لَمَا عُرِفَ أَنَّهَا شَيْطَانِيَّةٌ. وَقَدْ نَزَعَتْ إِلَى هَذَا الْمَنْزَعِ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحَيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خديجة بنت خوليد زَوْجُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَإِنَّهَا قَالَتْ لَهُ: "أَيِ ابْنَ عَمِّ! أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ. فَلَمَّا جَاءَ أخبرها، فقالت: قم يا ابن عَمِّ، فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِيَ الْيُسْرَى. فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ حَوَّلَتْهُ إِلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى، ثُمَّ إِلَى حِجْرِهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَقُولُ: هَلْ تَرَاهُ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. قَالَ الرَّاوِي: فَتَحَسَّرَتْ، وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا أَدْخَلَتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا، فَذَهَبَ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ! اثْبُتْ وَأَبْشِرْ، فوالله إنه لملك، ما هذا بشيطان2.

_ 1 ذكرها ابن العماد في "شذرات الذهب" "4/ 200"، وانظر: "مشتهى الخارف الجاني" "ص65". 2 أخرجه ابن إسحاق- كما في "سيرة ابن هشام" "1/ 192" - حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حُدِّثَ عن خديجة به، وأخرجه البيهقي في "الدلائل" "1/ 151- 152"، وأبو نعيم في "الدلائل" "رقم 172، 174". وإسناده منقطع، وفي متنه نكرة، إلا أن يقال ما أورده البيهقي عقبه: "قلت: وهذا شيء كانت خديجة رضي الله عنها تصنعه، تستثبت به الأمر احتياطا لدينها وتصديقها، فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان وثق بما قال له جبريل، وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى". قال ابن إسحاق عقبه: "فحدثت عبد الله بن الحسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني سمعتها تقول: "أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبريل عليه السلام. قلت: وعبد الله بن الحسن هو ابن حسن بن على بن أبي طالب، وهو ثقة كما قال ابن معين وأبو حاتم: وفاطمة بنت الحسين هي أمه، كما قال الذهبي في "تراجم رجال روى محمد بن إسحاق عنهم" "ص36"، فهذه الرواية إسنادها صحيح.

وَلَا يُقَالُ: إِنَّ ثَمَّ مَدَارِكَ أُخَرَ يُخْتَصُّ بها الوالي، لَا يَفْتَقِرُ بِهَا إِلَى النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنْ كَانَ كَمَا قُلْتُ عَلَى فَرْضِ تَسْلِيمِهِ، فَتِلْكَ الْمَدَارِكُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَرَامَاتِ وَالْخَوَارِقِ؛ إِذْ لَا يَخْتَصُّ بِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الْخَوَارِقِ الْمُشَاهَدَةِ، فَلَا بُدَّ إِذًا مِنْ حَكَمٍ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا، وَشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهَا، وَإِذْ ذَاكَ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِدَعْوَى الْوِجْدَانِ، " [فَإِنَّ الْوِجْدَانَ] 1 مِنْ حَيْثُ هُوَ وِجْدَانٌ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى صحة ولا فساد2؛ لِأَنَّ الْآلَامَ وَاللَّذَّاتِ مِنَ الْمَوَاجِدِ الَّتِي لَا تُنْكَرُ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهَا أَوْ فَسَادِهَا شَرْعًا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، فَالْغَضَبُ مَثَلًا إِذَا هَاجَ بِالْإِنْسَانِ أَمْرٌ لَا يُنْكَرُ كَالْمَوَاجِدِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا إِذَا كَانَ غَضَبًا لِلَّهِ، وَمَذْمُومًا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ الله، ولا يفرق بينهما3 إِلَّا النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْغَضَبُ قَدْ أَدْرَكَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ مَحْمُودٌ لَا مَذْمُومٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ رَاجِعَانِ إِلَى الشَّرْعِ لَا إِلَى الْعَقْلِ، فَمِنْ أَيْنَ أَدْرَكَ أَنَّهُ مَحْمُودٌ شَرْعًا؟ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ كَذَلِكَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ أَصْلًا، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَنْسُبَ تَمْيِيزَهُ إِلَى الْمُرَبِّي وَالْمُعَلِّمِ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ جارٍ فِيهِ أَيْضًا. وَإِنَّمَا الَّذِي يُشْكِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَوَارِقَ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى كَسْبِهَا وَلَا عَلَى دَفْعِهَا؛ إِذْ هِيَ مَوَاهِبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عباده،

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 كذا في الأصل و"ط"، وفي غيرهما: "صحته ولا فساده". 3 كذا في "ط"، وفي غيره: "بينها".

فَإِذَا وَرَدَتْ عَلَى صَاحِبِهَا، فَلَا حُكْمَ فِيهَا لِلشَّرْعِ وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهَا غَيْرُ مُوَافِقَةٍ لَهُ، كَوُرُودِ الْآلَامِ وَالْأَوْجَاعِ عَلَى الْإِنْسَانِ بَغْتَةً، أَوْ وُرُودِ الْأَفْرَاحِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ، فَكَمَا لَا تُوصَفُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ شَرْعًا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا، بَلْ أَشْبَهُ شَيْءٌ بِهَا الْإِغْمَاءُ أَوِ الْجُنُونُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، فَلَا حُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَإِنْ فَرَضْنَا لُحُوقَ الضَّرَرِ بِهِ عَلَى الْغَيْرِ، كَمَا إِذَا أَتْلَفَ الْمَجْنُونُ مَالًا، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فِي حَالِ جُنُونِهِ، أَلَا تَرَى مَا يُحْكَى عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ فِي اسْتِغْرَاقِهِمْ فِي الْأَحْوَالِ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِمْ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ1، وَيَقَعُ مِنْهُمُ الْوَعْدُ فَيُؤْخَذُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُنَازَلَاتِ، فَلَا يَفُونَ، وَيُكَاشِفُونَ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ بِحَيْثُ يَطَّلِعُونَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ2 إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ إِذَا كَانَ وَاقِعًا مِنْهُمْ وَمَنْقُولًا عَنْهُمْ، وَهُوَ دَاخِلٌ عَلَيْهِمْ شَاءُوا أَمْ أَبَوْا، فَكَيْفَ يُنْكَرُ فِي نَفْسِهِ أَوْ يُعَدُّ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ كَافٍ فِي إِثْبَاتِ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ لَا اعْتِرَاضَ بِهِ، فَإِنَّ الْخَوَارِقَ وَإِنْ كَانَتْ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ فِي كَسْبِهَا وَلَا دَفْعِهَا، فَلِقُدْرَتِهِ تَعَلُّقٌ بِأَسْبَابِ هَذِهِ الْمُسَبَّبَاتِ3. وَقَدْ مر أن الأسباب هي التي خوطب

_ 1 ما كان لأهل العلم أن يأخذوا مثل هذه الدعوى مسلمة، ويثقوا بأن تكون الغفلة عن بعض الواجبات الشرعية ناشئة عن حال هي أثر من آثار الارتقاء في مقام التقوى والولاية، ويكفي للتوقف في صحتها أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الذين هم أصفى الناس بصائر، وأشدهم صلة بالله، وأرفعهم لديه منزلة، أنه استغرق في حال من المكاشفات يقظة حتى مضى عليه وقت من أوقات الصلاة. "خ". 2 وهو محرم بحسب الشريعة، لكنهم مقهورون عليه ليس لهم فيه اختيار. "د". 3 ليس هذا على إطلاقه، نعم، عدم تعرض المصنف للذي ليس له تعلق بقدرة المكلف حسن، فقد نقل المقري شيخ المصنف في كتابه "القواعد" "2/ 465-466" في "القاعدة الثالثة =

.....................................................................................

_ = والعشرين بعد المئتين" عن المازري قوله: "تقدير خوارق العادات ليس من دأب الفقهاء، أي: من عاداتهم لما فيه من تضييع الزمان بما لا يعني أو غيره"، ثم قال: أما الكلام على المحقق من ذلك، فقد سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اليوم الذي كسنة، أتجزئ فيه صلاة يوم؟ فقال: "لا، اقدروا له قدره" [والحديث في "صحيح مسلم" "4/ 2252] . قلت: على حسب الشتاء والصيف معتبرا أوله بالزمان الذي ابتدأ فيه. وقد نزل الشافعي اجتماع عيد وكسوف، واعتذر عن الغزالي بأنه تكلم على ما يقتضيه الشرع غير ملتفت إلى الحساب، أو على ما يقتضيه الفقه لو تأتى، ورده المازري بالقاعدة" انتهى. ونص كلام الشافعي في "الأم" "1/ 239- 240": وإن كسفت الشمس يوم الجمعة ووافق ذلك يوم الفطر بدأ بصلاة العيد، ثم صلى الكسوف إن لم تنجل الشمس قبل أن يدخل في الصلاة". وكسوف الشمس لا يمكن أن يقع إلا في اليوم التاسع والعشرين من الشهر، والعيد إنما يكون في اليوم الأول من الشهر في عيد الفطر، أو في عاشره في عيد الأضحى، فمن هنا استحال اجتماع عيد وكسوف. انظر: "حاشية الدسوقي على شرح الكبير" "1/ 404"، و"التاج والإكليل" "2/ 204". بقي بعد هذا أن يقال: هل للمؤمن أن يعمل على حصول الكرامات الخارقة؟ الخارقة فعل اضطراري من الله تعالى، ولكن بيد النبي أو الولي أسباب بعض هذه المسببات، كرميه صلى الله عليه وسلم التراب في وجوه الكفار، فأوصله الله إلى أعينهم، وعندما عطش الجيش طلب النبي صلى الله عليه وسلم بقية ماء في قدح، فوضع يده فيه، فنبع الماء من بين أصابعه حتى ملأ الجيش كل ما عندهم من الآنية، فهذا الرمي منه صلى الله عليه وسلم، ووضع يده فيه، ودعاء الله هو سبب حصول المعجزة. فهل للمؤمن أن يقتدي بذلك؛ أن يحاول بالرياضة التوصل إلى التمكن من ذلك، وأن يفعل الأسباب الموصلة إلى الخوارق؟ ذهب الجويني في "الإرشاد" "ص316"، وعليش في "هداية المريد"، والسنوسي في "شرح هداية المريد" "ص177" إلى أن كرامة الولي لا تقع بقصد منه، بل تقع دون قصد. وجوز المصنف وقوعها بالقصد، وتابع القشيري في "رسالته" "ص662- تحقيق عبد الحليم =

الْمُكَلَّفُ بِهَا أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمُسَبِّبَاتُهَا خَلْقٌ لِلَّهِ، فَالْخَوَارِقُ مِنْ جُمْلَتِهَا. وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ مَا نَشَأَ عَنِ الْأَسْبَابِ مِنَ الْمُسَبَّبَاتِ، فَمَنْسُوبٌ إِلَى الْمُكَلَّفِ حُكْمُهُ مِنْ جِهَةِ التَّسَبُّبِ، لِأَجْلِ أَنَّ عَادَةَ اللَّهِ فِي الْمُسَبَّبَاتِ أَنْ تَكُونَ عَلَى وِزَانِ الْأَسْبَابِ فِي الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْوِجَاجِ، وَالِاعْتِدَالِ وَالِانْحِرَافِ، فَالْخَوَارِقُ مُسَبِّبَاتٌ عَنِ الْأَسْبَابِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَبِقَدْرِ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي الْأَعْمَالِ وَتَصْفِيَتِهَا مِنْ شَوَائِبِ الْأَكْدَارِ وَغُيُومِ الْأَهْوَاءِ تَكُونُ الْخَارِقَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ1، فَكَمَا أن يُعْرَفُ مِنْ نَتَائِجِ الْأَعْمَالِ الْعَادِيَّةِ صَوَابُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ أَوْ عَدَمِ صَوَابِهَا، كَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطُّورِ: 16] . وَقَالَ: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [يُونُسَ: 52] . "إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إياها" 2.

_ = محمود" على ذلك، وبنى عليه في الوجه الثالث عشر من "المسألة العاشرة" المتقدمة قريبا جواز تحدي الولي بالخارق لإثبات ولايته، وانظر: "أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم" "1/ 258" للأشقر، ونقل ابن تيمية في "قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات" "ص25" عن أبي علي الجوزجاني قوله: "كن طالبا للاستقامة، وربك يطلب منك الاستقامة" وعلق عليه بكلام جيد، ثم قسم طالبي الكرامات "ص37" إلى أقسام، وقرر أن بعضهم أعذر من بعض في ذلك، فراجع كلامه إن أردت الاستزادة. 1 ليس هذا على إطلاقه كما سبق بيانه في التعليق على "440-441". 2 قطعة من حديث إلهي طويل أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، 4/ 1994-1995/ رقم 2577"، والترمذي في "الجامع" "أبواب صفة القيامة، باب منه، 4/ 656-657/ رقم 2495"- وقال: "هذا حديث حسن"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، 2/ 1422/ رقم 4257"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم 20272"، والخطيب في "تاريخه" "7/ 203-204"، والبيهقي في "الأسماء والصفات" "ص65، 159، 213، 214، 227، 285"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 125-126" من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

وَهُوَ عَامٌّ فِي الْجَزَاءِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَفُرُوعُ الْفِقْهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ شَاهِدَةٌ هُنَا كَشَهَادَةِ الْعَادَاتِ، فالموضع مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَا ظَهَرَ فِي الْخَارِقَةِ مِنِ اسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ، فَمَنْسُوبٌ إِلَى الرِّيَاضَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالنَّتَائِجُ تَتْبَعُ الْمُقْدِمَاتِ بِلَا شَكٍّ، فَصَارَ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ مُتَعَلِّقًا بِالْخَوَارِقِ مِنْ جِهَةِ مُقَدِّمَاتِهَا، فَلَا تَسْلَمُ لِصَاحِبِهَا، وَإِذْ ذَاكَ لَا تَخْرُجُ عَنِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ بِخِلَافِ الْمَرَضِ وَالْجُنُونِ وَأَشْبَاهِهِمَا مِمَّا لَا سَبَبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ تَسَبَّبَ فِي تَحْصِيلِهِ، لَكَانَ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَلَتَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إِلَيْهِ، كَالشُّكْرِ1 وَنَحْوِهِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الشَّرْعَ حَاكِمٌ عَلَى الْخَوَارِقِ وَغَيْرِهَا، لَا يَخْرُجُ عَنْ حَكَمِهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ خَارِقَةٍ حَدَثَتْ أَوْ تَحْدُثُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يَصِحُّ رَدُّهَا وَلَا قَبُولُهَا إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ سَاغَتْ هُنَاكَ2، فَهِيَ صَحِيحَةٌ مَقْبُولَةٌ فِي مَوْضِعِهَا، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ إِلَّا الْخَوَارِقُ الصَّادِرَةُ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ لَا نَظَرَ فِيهَا لِأَحَدٍ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ قَطْعًا، فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَكَمَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمُقْتَضَى رُؤْيَاهُ، وَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصَّافَّاتِ: 102] ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَا انْخَرَقَ مِنَ العادات على يد غير المعصوم.

_ 1 لعله السكر بالسين يدخله على نفسه بشرب المسكر مثلا فيكون معاملا بنتائجه. "د". 2 في الأصل: "هنالك".

وَبَيَانُ عَرْضِهَا أَنْ تُفْرَضَ الْخَارِقَةُ وَارِدَةً1 مِنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ، فَإِنْ سَاغَ الْعَمَلُ بِهَا عَادَةً وَكَسْبًا، سَاغَتْ فِي نَفْسِهَا، وَإِلَّا فَلَا، كَالرَّجُلِ يُكَاشِفُ بِامْرَأَةٍ أَوْ عَوْرَةٍ بِحَيْثُ اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَهُ، أَوْ رَأَى أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ وَهُوَ يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ وَيَرَاهُ عَلَيْهَا، أَوْ يُكَاشِفُ بِمَوْلُودٍ فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِحَيْثُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى بَشَرَتِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهَا الَّتِي لَا يَسُوغُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فِي الْحِسِّ، أَوْ يَسْمَعُ نِدَاءً يُحِسُّ فِيهِ بِالصَّوْتِ وَالْحَرْفِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَرَى صُورَةً مُكَيَّفَةً مُقَدَّرَةً تَقُولُ لَهُ: أَنَا رَبُّكَ، أَوْ يَرَى وَيَسْمَعُ مَنْ يَقُولُ لَهُ: قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ المحرمات، وما أشبه ذلك من الأمور لَا يَقْبَلُهَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَى حَالٍ، وَيُقَاسُ على هذا ما سواه، وبالله التوفيق.

_ 1 في الأصل: "وارداة".

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ مَبْنِيًّا على استقرار عَوَائِدِ الْمُكَلَّفِينَ1، وَجَبَ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَحْكَامِ العوائد لما بنبني عَلَيْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى دُخُولِ الْمُكَلَّفِ تَحْتَ حُكْمِ التَّكْلِيفِ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ لَا مَظْنُونٌ، وَأَعْنِي فِي الْكُلِّيَّاتِ لَا فِي خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذلك أمور: أحدها: أَنَّ الشَّرَائِعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ إِنَّمَا جِيءَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَتُعْتَبَرُ2 بِشَرِيعَتِنَا، فَإِنَّ التَّكَالِيفَ الْكُلِّيَّةَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُكَلَّفُ مِنَ الْخَلْقِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ3، وَعَلَى مِقْدَارٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بِحَسَبِ مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَاتِ التَّكَالِيفِ وَهِيَ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ، وَأَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِهَا إِذَا كَانَ الْوُجُودُ بَاقِيًا عَلَى تَرْتِيبِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْعَوَائِدُ فِي الْمَوْجُودَاتِ، لَاقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِلَافَ التَّشْرِيعِ وَاخْتِلَافَ التَّرْتِيبِ وَاخْتِلَافَ الْخِطَابِ، فَلَا تَكُونُ الشَّرِيعَةُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِخْبَارَ الشَّرْعِيَّ قَدْ جَاءَ بِأَحْوَالِ هَذَا الْوُجُودِ عَلَى أَنَّهَا دَائِمَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ4 إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كَالْإِخْبَارِ عَنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بينهما وما

_ 1 سواء أكانت تابعة لفطر وغرائز فيهم، أم كانت تابعة للموجودات الأخرى التي لهم بها علاقة وارتباطا ما في هذه الحياة، كما يؤخذ من تقريره بعد. "د". 2 في "د" ولنعتبر". 3 فمثلا كل مكلف مطلوب بالصلوات الخمس جزما، والصبح ركعتان للجميع، والظهر أربع كذلك، وشرائطها وأركانها واحدة، ومبطلاتها واحدة، وآدابها واحدة، لا اختلاف في ذلك بين عصر متقدم ولا زمان متأخر؛ لأن العوائد التي بنى عليها الشارع تكليفه مستقرة، فلا تكون في قرن من القرون حرجة وفي قرن ميسورة، وقس على ذلك بقية التكاليف. "د". 4 في نسخة "ماء/ ص 208": "مختلة".

فِيهِمَا مِنَ الْمَنَافِعِ1 وَالتَّصَارِيفِ وَالْأَحْوَالِ، وَأَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ لَا تَبْدِيلَ لَهَا، وَأَنَّ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ بِإِلْزَامِ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوِزَانِ أَيْضًا، وَالْخَبَرُ مِنَ الصَّادِقِ لَا يَكُونُ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ2 بِحَالٍ، فَإِنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا "مُحَالٌ"3. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اطِّرَادَ الْعَادَاتِ معلوم، لما عرف الذين مِنْ أَصْلِهِ، فَضْلًا عَنْ تَعَرُّفِ فُرُوعِهِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا عِنْدَ الِاعْتِرَافِ بِالنُّبُوَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِهَا إِلَّا بِوَاسِطَةِ4 الْمُعْجِزَةِ وَلَا مَعْنَى لِلْمُعْجِزَةِ إِلَّا أَنَّهَا فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، وَلَا يَحْصُلُ فِعْلٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ إِلَّا بَعْدَ تَقْرِيرِ اطِّرَادِ الْعَادَةِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ كَمَا اطَّرَدَتْ فِي الْمَاضِي، وَلَا مَعْنَى لِلْعَادَةِ إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمَفْرُوضَ لَوْ قُدِّرَ وُقُوعُهُ غَيْرَ مُقَارِنٍ لِلتَّحَدِّي لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ فِي أَمْثَالِهِ، فَإِذَا وَقَعَ مُقْتَرِنًا بِالدَّعْوَةِ خَارِقًا لِلْعَادَةِ، عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا اطَّرَدَ إِلَّا وَالدَّاعِي صَادِقٌ، فَلَوْ كَانَتِ الْعَادَةُ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ، لَمَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِ اضْطِرَارًا5 لِأَنَّ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ الْخَارِقِ لَمْ يَكُنْ يُدْعَى بِدُونِ اقْتِرَانِ الدَّعْوَةِ وَالتَّحَدِّي، لَكِنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا انْبَنَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ مَعْلُومٌ أَيْضًا، وهو المطلوب.

_ 1 كمنافع الشمس والقمر وسائر الكواكب، والماء والنار، والأرض وما عليها، والبحار وما فيها، والتصاريف أي الأسباب والمسببات في هذه الأمور وفي أفعال الإنسان والحيوان، وما ينشأ عن ذلك، والأحوال، أي من الحياة والموت والصحة والمرض والملاذ والشهوات، إلى غير ذلك من السنن الكونية التي ربط بها الخالق هذه الكائنات. "د". 2 في الأصل ونسخة "ماء/ ص 209": "بخلاف غيره". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 4 في "ط": "بوساطة". 5 لأن لا سبب للعلم بالمصدق إلا العلم باستقرار العادة، وأن خرقها لا يكون بدون الدعوة والتحدي، فقوله: لأن وقوع..... إلخ" تكميل لتوجيه الملازمة. "د". قلت: في الأصل: "حصل العمل العلم" ولا محل لهذه الزيادة.

فإن قيل: هذا معارض بما يدل على أَنَّ اطِّراد الْعَوَائِدِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، بَلْ إِنْ كَانَ فَمَظْنُونٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْتِمْرَارَ أَمْرٍ فِي الْعَالَمِ مساوٍ لِابْتِدَاءِ وَجُودِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ إِنَّمَا هُوَ بِالْإِمْدَادِ الْمُسْتَمِرِّ، وَالْإِمْدَادُ مُمْكِنٌ أَنْ لَا يُوجَدَ، كَمَا أَنَّ اسْتِمْرَارَ الْعَدَمِ عَلَى الْمَوْجُودِ فِي الزَّمَنِ1 الْأَوَّلِ كان ممكنا فلما وجد حَصَلَ أَحَدُ طَرَفَيِ الْإِمْكَانِ مَعَ جَوَازِ بَقَائِهِ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ، فَكَذَلِكَ وَجُودُهُ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي مُمْكِنٌ، وَعَدَمُهُ كَذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ إِمْكَانِ عَدَمِ اسْتِمْرَارِ وَجُودِهِ الْعِلْمُ بِاسْتِمْرَارِ وَجُودِهِ، هَلْ هَذَا إِلَّا عَيْنُ الْمُحَالِ؟ وَالثَّانِي: إِنَّ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ فِي الْوُجُودِ غَيْرُ قَلِيلٍ، بَلْ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وَلَا سِيَّمَا مَا جَرَى عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا انْخَرَقَ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِي الْأُمَمِ قَبْلَهَا مِنَ الْعَادَاتِ، وَالْوُقُوعُ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ، فَهُوَ أَقْوَى في الدلالة، فإذن لا يصح أن أَنْ يَكُونَ مَجَارِيَ الْعَادَاتِ مَعْلُومَةً الْبَتَّةَ. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ غَيْرُ مُنْدَفِعٍ عَقْلًا، وَإِنَّمَا انْدَفَعَ بِالسَّمْعِ الْقَطْعِيِّ، وَإِذَا انْدَفَعَ بِالسَّمْعِ وَهُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، لَمْ يُفِدْ حُكْمَ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا تَعَارُضٌ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَهُوَ مُحَالٌ. لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا يَكُونُ مُحَالًا إِذَا تَعَارَضَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا، بَلِ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ هُنَا باقٍ عَلَى حُكْمِهِ فِي أَصْلِ الْإِمْكَانِ، وَالِامْتِنَاعِ السَّمْعِيِّ رَاجِعٌ إِلَى الْوُقُوعِ، وَكَمْ مِنْ جَائِزٍ غَيْرُ وَاقِعٍ؟! وَكَذَلِكَ نَقُولُ: "الْعَالَمُ كَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ مُمْكِنًا أَنْ يَبْقَى على أصله من العدم

_ 1 في "ط": "الزمان".

وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ، فَنِسْبَةُ اسْتِمْرَارِ الْعَدَمِ عَلَيْهِ أَوْ إِخْرَاجِهِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ، فَوَاجِبٌ وُجُودُهُ، وَمُحَالٌ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُمْكِنُ الْبَقَاءِ عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ، وَلِذَلِكَ1 قَالُوا: مِنَ الْجَائِزِ تَنْعِيمُ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَعْذِيبُ مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَائِزَ مُحَالُ الْوُقُوعِ مِنْ جِهَةِ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ هُمُ الْمُعَذَّبُونَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْمُنَعَّمُونَ، فَلَمْ يَتَوَارَدِ الْجَوَازُ وَالِامْتِنَاعُ والوجوب2 على مرمى واحد، كذلك ههنا، فَالْجَوَازُ مِنْ حَيْثُ نَفْسِ الْجَائِزِ، وَالْوُجُوبِ أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ حَيْثُ أَمْرٍ خَارِجٍ، فَلَا يَتَعَارَضَانِ. وَعَنِ الثَّانِي أَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ الْمَحْكُومَ3 بِهِ عَلَى الْعَادَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي كُلِّيَّاتِ الْوُجُودِ لَا فِي جُزْئِيَّاتِهِ، وَمَا اعْتُرِضَ بِهِ مِنْ بَابِ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي لَا تَخْرِمُ كُلِّيَّةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَابِ الْعَوَائِدِ شَكًّا وَلَا تَوَقُّفًا4 فِي الْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَادَاتِ الْبَتَّةَ، وَلَوْلَا اسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ بِالْعَادَاتِ، لَمَا ظَهَرَتِ الْخَوَارِقُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مِنْ أَنْبَلِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْعِلْمِ بِمَجَارِيَ الْعَادَاتِ، وَأَصْلُهُ لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا رَأَيْنَا جزئيا انخرقت فيه العادة على شرط، دَلَّنَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَوَارِقُ مِنْ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِ اقْتَرَنَتْ بِالتَّحَدِّي، أَوْ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ أَوِ اقْتَرَنَتْ بِدَعْوَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْدَحُ انْخِرَاقُهَا فِي عِلْمِنَا بِاسْتِمْرَارِ الْعَادَاتِ الْكُلِّيَّةِ، كَمَا إِذَا رَأَيْنَا عَادَةً جَرَتْ فِي جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ، غَلَبَ عَلَى ظُنُونِنَا أَيْضًا اسْتِمْرَارُهَا في الاستقبال،

_ 1 في "ط": "وكذلك". 2 في "ط": "أو الوجوب". 3 في "ط": "محكوم". 4 وإلا لما عمرت الدنيا؛ لأن عمارتها بأخذ الناس في أسباب ذلك مبنية على أن العوائد في ترتب المسببات مستمرة، وإن كانوا يشاهدون أحيانا شيئا من انخرام العادة. "د".

وَجَازَ عِنْدَنَا خَرْقُهَا بِدَلِيلِ انْخِرَاقِ مَا انْخَرَقَ مِنْهَا، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِنَا بِاسْتِمْرَارِ الْعَادِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَهَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ قَطْعِيٌّ، وَالْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَطْعِيٌّ، وَالْعَمَلَ بِالتَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ الظَّنِّيَّيْنِ قَطْعِيٌّ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَإِذَا جِئْتَ إِلَى قِيَاسٍ مُعَيَّنٍ لِتَعْمَلَ بِهِ كَانَ الْعَمَلُ [بِهِ] ظَنِّيًّا، أَوْ أَخَذْتَ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَجَدْتَهُ ظَنِّيًّا لَا قَطْعِيًّا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْعَوَائِدُ الْمُسْتَمِرَّةُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الْعَوَائِدُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أَقَرَّهَا الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَوْ نَفَاهَا، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ أَمَرَ بِهَا إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا، أَوْ نَهَى عَنْهَا كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا، أَوْ أَذِنَ فِيهَا فِعْلًا وَتَرْكًا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: هِيَ الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ بِمَا لَيْسَ فِي نَفْيِهِ وَلَا إِثْبَاتِهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَثَابِتٌ أَبَدًا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا قَالُوا فِي سَلْبِ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ، وَفِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ، وَطَهَارَةِ التَّأَهُّبِ1 لِلْمُنَاجَاةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَاتِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عَلَى الْعُرْيِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ فِي النَّاسِ، إِمَّا حَسَنَةً عِنْدَ الشَّارِعِ أَوْ قَبِيحَةً، فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَلَا تَبْدِيلَ لَهَا وإن اختلفت آرَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهَا2، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَسَنُ [فِيهَا] 3 قَبِيحًا وَلَا الْقَبِيحُ حَسَنًا، حَتَّى يُقَالَ مَثَلًا: إِنَّ قَبُولَ شَهَادَةِ الْعَبْدِ لَا تَأْبَاهُ مَحَاسِنُ الْعَادَاتِ الْآنَ، فَلْنُجِزْهُ4، أَوْ إِنْ كَشْفُ الْعَوْرَةِ الْآنَ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا قَبِيحٍ، فَلْنُجِزْهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ إِذْ لَوْ صَحَّ مثل هذا لكان.

_ 1 في "ط": "وطهارات المتأهب". 2 لأنها نص عليها الشارع بخصوصها، وأثبت لها حكما شرعيا، فتغير عادة الناس فيها من استقباح إلى استحسان لا يغير حكم الشرع عليها، بخلاف الضرب الثاني، فإنه ليس فيه من الشرع دليل على حسنه أو قبحه، لكنه ينبني على عرف الناس فيه حكم شرعي يختلف باختلاف عرفهم. "د". قلت: انظر في هذا "الأشباه والنظائر" "ص93" للسيوطي، و"مفهوم تجديد الدين" "ص263" لبسطامي محمد سعيد. 3 سقط من "ط". 4 في الأصل و"خ" في هذا الموضع والذي يليه: "فليجزه"، وفي "ماء/ ص209": "فليجز".

نَسْخًا لِلْأَحْكَامِ الْمُسْتَقِرَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَالنَّسْخُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاطِلٌ، فَرَفْعُ الْعَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ بَاطِلٌ1. وَأَمَّا الثَّانِي، فَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْعَوَائِدُ ثَابِتَةً، وَقَدْ تَتَبَدَّلُ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَهِيَ أَسْبَابٌ لِأَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. فَالثَّابِتَةُ كَوُجُودِ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوِقَاعِ وَالنَّظَرِ، وَالْكَلَامِ، وَالْبَطْشِ وَالْمَشْيِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتْ أَسْبَابًا لِمُسَبِّبَاتٍ حَكَمَ بِهَا الشَّارِعُ، فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا وَالْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا دَائِمًا. وَالْمُتَبَدِّلَةُ. - مِنْهَا: مَا يَكُونُ مُتَبَدِّلًا فِي الْعَادَةِ مِنْ حُسْنٍ إِلَى قُبْحٍ، وَبِالْعَكْسِ، مِثْلَ كَشْفِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْبِقَاعِ فِي الْوَاقِعِ، فَهُوَ لَذَوِي الْمُرُوءَاتِ قَبِيحٌ فِي الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ، وَغَيْرُ قَبِيحٍ فِي الْبِلَادِ الْمَغْرِبِيَّةِ، فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ2، وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَغْرِبِ غَيْرَ قَادِحٍ. - وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمَقَاصِدِ، فَتَنْصَرِفُ الْعِبَارَةُ عَنْ مَعْنًى إِلَى3عِبَارَةٍ أُخْرَى، إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِ مَعَ غيرهم، أو

_ 1 انظر: "الفروق" "1/ 43 وما بعدها"، و"إعلام الموقعين" "1/ 324"، و"العرف والعادة في رأي الفقهاء" "ص83". 2 وذلك بشروط بيناها وتكلمنا عليها في كتابنا "المروءة وخوارمها" "ص143-148- ط الأولى"، وانظر استحباب غطاء الرأس: "تمام المنة" "164-165"، و"الأجوبة النافعة" "110"، والدين الخالص" "3/ 214"، و"الأدلة الشرعية" "34 وما بعدها"، وكتابي: "القول المبين" "58-60". 3 لعل الأصل: "إلى معنى عبارة". "د".

بالنسبة إلى الأمة والواحدة كَاخْتِلَافِ الْعِبَارَاتِ بِحَسَبَ اصْطِلَاحِ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ فِي صَنَائِعِهِمْ مَعَ اصْطِلَاحِ الْجُمْهُورِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ اللَّفْظُ إِنَّمَا يُسْبَقُ مِنْهُ إِلَى الْفَهْمِ مَعْنًى مَا، وَقَدْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، أَوْ كَانَ مُشْتَرِكًا فَاخْتَصَّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ أَيْضًا يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَادٌ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنِ اعْتَادَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَجْرِي كَثِيرًا فِي الْأَيْمَانِ وَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ، كِنَايَةً وَتَصْرِيحًا1. - وَمِنْهَا: مَا يَخْتَلِفُ فِي الْأَفْعَالِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتِ الْعَادَةُ فِي النِّكَاحِ قَبْضَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ فِي الْبَيْعِ الْفُلَانِيِّ أَنْ يَكُونَ بِالنَّقْدِ لَا بِالنَّسِيئَةِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ إِلَى أَجَلِ كَذَا دُونَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ أَيْضًا جارٍ عَلَى ذَلِكَ حَسْبَمَا هو مسطور في كتب الفقه2.

_ 1 انظر: "الفروق" "1/ 44 و4 / 203"، و"الأشباه والنظائر" "ص83-84"، و"المدخل للفقه الإسلامي" "2/ 889" لمصطفى الزرقاء. 2 قال القرطبي في حديث: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف": "في هذا الحديث اعتبار العرف في الشرعيات خلافا للشافعية، ورد الحافظ ابن حجر هذا الاستدلال بأن الشافعية إنما* العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي أو لم يرشد إليه، والعرف عند من يقول به كالمالكية إنما يؤخذ به تخصيص العام أو تقييد المطلق، وأما أن يؤثر في إبطال واجب أو إباحة حرام يذهب إليه أحد من علماء المسلمين، قال ابن الغرسي عند قول تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} المعنى: اقض بكل ما عرفته مما لا يرده الشرع" "خ". قلت: النوع الأخير الذي ذكره المصنف هو المعنى في قول الفقهاء "العادة محكمة"، وليس هو بحد ذاته حكما شرعيا، ولكنه متعلق ومناط الحكم الشرعي، فهو من جهة كونه حكما لا يتغير، ولكن الشرع أناطه بالعرف، وجعل الحكم يدور معه، وهذا ما سيذكره المصنف في الفصل الآتي. وانظر- غير مأمور: "الفروق" "1/ 45 و4/ 203"، و"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية" "281-292"، و"تغير الفتوى" "ص50-53".

خُصُوصِ مَسْأَلَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه} [الطَّلَاقِ: 3] . وَوِكَالَةُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ وَكَالَةِ غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ هُودٌ عَلَيْهِ الصلاة والسلام: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم} الآية [هود: 55] ، وَلَمَّا عَقَدَ أَبُو حَمْزَةَ عَقْدًا طُلِبَ بِالْوَفَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم} [النَّحْلِ: 91] . وَأَيْضًا: فَإِنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ أُنَاسًا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَسْأَلُوا أَحَدًا شَيْئًا، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا وَقَعَ سَوْطُهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا رَفَعَهُ إِلَيْهِ1، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: رَبِّ! إِنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيَّكَ إذ رَأَوْهُ، وَأَنَا أُعَاهِدُكَ2 أَنْ لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا. قَالَ: فَخَرَجَ حَاجًّا مِنَ الشَّامِ يُرِيدُ مَكَّةَ...... إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ قَبِيلِ الْأَخْذِ بِعَزَائِمَ الْعِلْمِ؛ إِذْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلَ مَا عَقَدَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَلَيْسَ بجارٍ عَلَى غَيْرِ الْأَصْلِ الشَّرْعِيِّ، وَلِذَلِكَ لَمَّا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ3 الْحِكَايَةَ قَالَ: "فَهَذَا رَجُلٌ عَاهَدَ اللَّهَ، فَوَجَدَ الْوَفَاءَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَبِهِ فَاقْتَدُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَهْتَدُوا". وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْأَرْضِ الْمَسْبَعَةِ وَدُخُولُ الْبَرِّيَّةِ بِلَا زَادٍ، فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ وُجُودُ الْأَسْبَابِ وَعَدَمُهَا عِنْدَهُمْ سَوَاءً، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ وَخَالِقُ مُسَبَّبَاتِهَا، فَمَنْ كَانَ هَذَا حاله، فالأسباب عنده

_ 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس 2/ 721/ رقم 1042"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الزكاة، باب كراهية المسألة 2/ 121/ رقم 1624"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب البيعة على الصلوات الخمس 1/ 229"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الجهاد، باب البيعة رقم 2867"، وأحمد في "المسند" "6/ 27" عن عوف بن مالك رضي الله عنه. 2 في "ط": "عاهدتك". 3 في "أحكام القرآن" "3/ 1111-1112".

كَعَدَمِهَا؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخَافَةٌ مِنْ مَخُوفٍ مَخْلُوقٍ، [وَلَا رَجَاءٌ فِي مرجوِّ مَخْلُوقٍ] 1؛ إِذْ لَا مَخُوفَ وَلَا مرجوَّ إِلَّا اللَّهُ، فَلَيْسَ هَذَا إِلْقَاءٌ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ حَصَلَ فِي اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ هَلَكَ، وَإِنْ قَارَبَ السَّبُعَ هَلَكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ، فَلَا؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ شَرَطَ الْغَزَالِيُّ2 فِي دُخُولِ الْبَرِّيَّةِ بِلَا زَادٍ اعْتِيَادَ3 الصَّبْرِ وَالِاقْتِيَاتِ بِالنَّبَاتِ، وَكُلُّ هَذَا رَاجِعٌ إِلَى حُكْمٍ عَادِيٍّ. وَلَعَلَّكَ تَجِدُ مَخْرَجًا فِي كُلِّ مَا يَظْهَرُ عَلَى أيدي الأولياء الذين ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُمْ، بِحَيْثُ يُرْجَعُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ؛ بَلْ لَا تَجِدُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَّا كَذَلِكَ. فَصْلٌ: وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْعَادِيِّ، كَالْمُكَاشَفَةِ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمْ فِيهِ حُكْمَ أَهْلِ الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ، بِحَيْثُ يُطْلَبُونَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ؟ أَمْ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً أُخْرَى خَارِجَةً عَنْ أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَوَائِدِ الظَّاهِرَةِ فِي النَّاسِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهَا فِي تَحْقِيقِ الْكَشْفِ الْغَيْبِيِّ مُوَافِقَةٌ لَا مُخَالِفَةٌ. وَالَّذِي يَطَّرِدُ بِحَسَبِ مَا ثَبَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَمَا قَبْلَهَا أَنْ لَا يَكُونُ حُكْمُهُمْ مُخْتَصًّا، بَلْ يُرَدُّونَ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَوَائِدِ الظَّاهِرَةِ وَيَطْلُبُهُمُ الْمُرَبِّي بِذَلِكَ حَتْمًا، وَقَدْ مَرَّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى حكم انخراق العوائد لم تنتظم لها

_ 1ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 في "الإحياء" "4/ 266". 3 في الأصل: "اعتقاد".

قَاعِدَةٌ، وَلَمْ يَرْتَبِطْ لِحُكْمِهَا مُكَلَّفٌ إِذْ كَانَتْ؛ لَكَوْنِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا دَاخِلَةً تَحْتَ إِمْكَانِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، فَلَا وَجْهَ إِلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، فَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَتِّ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ بِتَرَتُّبِ ثَوَابٍ، وَلَا عِقَابٍ، وَلَا إِكْرَامٍ وَلَا إِهَانَةٍ، وَلَا حَقْنِ دَمٍ، [وَلَا إِهْدَارِهِ] 1، وَلَا إِنْفَاذِ حُكْمٍ مِنْ حَاكِمٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشَرَّعَ مَعَ فَرْضِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ2، وَهُوَ الَّذِي انْبَنَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ لَا تَطَّرِدُ أَنْ تَصِيرَ حُكْمًا يُبْنَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وَإِذَا اخْتَصَّتْ لَمْ تَجْرِ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَلَا تَكُونُ قَوَاعِدُ الظَّوَاهِرِ شَامِلَةً لَهُمْ، وَلَا أَيْضًا3 تَجْرِي فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَنْ أَهْلِهَا بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، أَعْنِي فِي نَصْبِ أَحْكَامِ الْعَامَّةِ4؛ إِذْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَوِ السُّلْطَانِ أَنْ يَحْكُمَ لِلْوَلِيِّ بِمُقْتَضَى كَشْفِهِ، أَوْ [كَشْفِ] السُّلْطَانِ نَفْسِهِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ مُعَامَلَةٍ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، وَلَا أَيْضًا لِلْوَلِيَّيْنِ إذا ترافعا إلى الحاكم في قضية. الثالث: وَإِذَا فُرِضَ أَنَّهَا غَيْرُ شَامِلَةٍ لَهُمْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ5 الْبُرْهَانُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ عَامَّةٌ وَأَحْكَامُهَا عَامَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الخلق وفي جميع الأحوال، كيف وهو يَقُولُونَ: إِنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَعْصِي وَالْمَعَاصِي جَائِزَةٌ عَلَيْهِ، فَلَا فِعْلَ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ ظَاهِرَ الشَّرْعِ إِلَّا وَالسَّابِقُ إِلَى بَادِئِ الرَّأْيِ مِنْهُ أَنَّهُ عِصْيَانٌ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ هَذَا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْخَارِقَ الَّذِي لَا يَجْرِي على ظاهر الشرع مشرع؛ لتطرق

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 إذ النظر العقلي الصحيح مساند للنظر الشرعي، وهذا ما وضحه بما لا مزيد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في موسوعة "درء تعارض العقل والنقل"، والشيخ مصطفى صبري في كتابه "موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين". 3 في "ماء/ ص212": "وأيضا لا....". 4 في "ط": "نصب الأحكام". 5 في "ط": "على خلاف ما تقدم".

الاحتمالات. وَالرَّابِعُ: أَنَّ أَوْلَى الْخَلْقِ بِهَذَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إِلَّا مَا نَصَّتْ شَرِيعَتُهُ عَلَيْهِ مِمَّا خُصَّ بِهِ وَلَمْ يَعْدُ1 إِلَى غَيْرِهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ: "يُحِلُّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مَا شَاءَ"، وَمَنْ قَالَ: "إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ". فَغَضِبَ وَقَالَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي" 2. وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُسْتَشْفَى بِهِ وبدعائه3، ولم يثبت أنه مس

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب 2/ 781/ رقم 1110" عن عائشة رضي الله عنها، وهذا لفظه، وأخرج نحوه البخاري في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح 9/ 104/ رقم 5063"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لم تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة 2/ 1020/ رقم 1401" عن أنس رضي الله عنه. 2 أما الاستشفاء بدعائه، فقد ثبت في حديث المرأة السوداء التي كانت تصرع، وقد مضى "262"، وأما الاستشفاء به، فأحسن ما يستدل به عليه ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الدعوات، باب: منه 5/ 569/ رقم 3678" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"- وابن ماجه في السنن" "كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة 1/ 441/ رقم 1385"، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" "رقم 659"، وأحمد في "المسند" "4/ 138"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 313 عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك". قال: فادعه قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه في" لفظ الترمذي. وإسناده حسن، وانظر له: "صحيح الترغيب والترهيب" "رقم 681"، و"التوسل" "68". 3 ضبطها ناسخ "ط": "يعد".

بَشَرَةَ أُنْثَى مِمَّنْ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ أَوْ ملك يمين1، وكان النِّسَاءُ يُبَايِعْنَهُ وَلَمْ تَمَسَّ يَدُهُ يَدَ أُنْثَى قَطُّ2، وَلَكِنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي الْأُمُورِ عَلَى مُقْتَضَى الظَّوَاهِرِ وَإِنَّ كَانَ عَالِمًا بِهَا، وَقَدْ مَرَّ مِنْ هَذَا أَشْيَاءُ، وَهُوَ الَّذِي قَعَّدَ الْقَوَاعِدَ وَلَمْ يستثنِ وَلِيًّا مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ حَقِيقًا بِذَلِكَ لَوْ نَزَلَ الْحُكْمُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْوَلِيِّ وَأَصْحَابِ الْخَوَارِقِ3، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لهم بإحسان، وهو الْأَوْلِيَاءُ حَقًّا، وَالْفُضَلَاءُ صِدْقًا. وَفِي قِصَّةِ الرُّبَيِّع بَيَانٌ لِهَذَا، حَيْثُ قَالَ وَلَيُّهَا أَوْ مَنْ كَانَ4: وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" 5.

_ 1 انظر الحديث في التعليقة الآتية. 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة 5/ 312/ رقم 2713، وكتاب الأحكام باب بيعة النساء 13/ 203/ رقم 7214"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء 4/ 1489" / رقم 1866" عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: {لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتنحة: 12] ، قالت: وما مَسَّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها" لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم: "ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة قط". 3 من وجب عليه حد أو يتعلق بذمته حق وفر إلى ضريح ولي، فإنه يخرج منه كما يخرج من المسجد، والعامل على إخراج هذا الجاني مثاب على عمله، آمن من أن يلحقه ضرر، وإذا نزل به قضاء عقب هذا العمل، فمن الجهل اعتقاد أن ذلك من أثر غيرة الولي على حرمته كما تتوهم العامة، وإنما هو من بيان الصدفة وموافقة القدر، ومتى كانت العقيدة على أن صاحب الضريح ولي، فمن شرط ولايته عدم الترضي بتعطيل الحكم الشرعي واتخاذ حرمه ملجأ للفاسقين. "خ". 4 القائل هو أنس بن النضر، كما صرح به البخاري في "صحيحه"، أو أم الربيع كما صرح به مسلم في "صحيحه"، وفيه: "إن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا......."، وما عند المصنف رواية البخاري. 5 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 8/ 177/ رقم 4500، ومسلم في "صحيحه" "كتاب القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان 3/ 1302/ رقم 675" من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

وَلَمْ يكتفِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبرَّه، فَكَانَ يُرْجِئُ الْأَمْرَ حَتَّى يَبْرُزَ أَثَرُ الْقَسَمِ، بَلْ أَلْجَأَ إِلَى الْقِصَاصِ الَّذِي فِيهِ أَشَدُّ مِحْنَةً حَتَّى عَفَا أَهْلُهُ، فَحِينَئِذٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ" 1، فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْقَسَمَ قَدْ أَبَرَّهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ كُرْسِيٌّ2 وهو العفو، والعفو منتهض في ظاهر الْحُكْمِ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْخَوَارِقَ فِي الْغَالِبِ إِذَا جَرَتْ أَحْكَامُهَا مُعَارِضَةً لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا تَنْتَهِضُ أَنْ تَثْبُتَ وَلَوْ كَضَرَائِرِ الشِّعْرِ3، فَإِنَّ ذَلِكَ إِعْمَالٌ لِمُخَالَفَةِ الْمَشْرُوعَاتِ، وَنَقْضٌ لِمَصَالِحِهَا الْمَوْضُوعَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ عَالِمًا بِالْمُنَافِقِينَ وَأَعْيَانِهِمْ، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْهُمْ فَسَادًا فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِهِمْ لِمُعَارِضٍ هُوَ أَرْجَحُ فِي الِاعْتِبَارِ، فَقَالَ: "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" 4، فَمِثْلُهُ يُلْغَى فِي جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْخَوَارِقِ عَلَى أَصْحَابِهَا، حَتَّى5 لَا يَعْتَقِدَ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ أَنَّ لِلصُّوفِيَّةِ شَرِيعَةً أُخْرَى، وَلِهَذَا وَقَعَ إِنْكَارُ الْفُقَهَاءِ لِفِعْلِ أَبِي يَعْزَى6 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ انْفِرَادِ أَصْحَابِ الْخَوَارِقِ بِأَحْكَامٍ خَارِجَةٍ عَنْ أَحْكَامِ الْعَادَاتِ الْجُمْهُورِيَّةِ قول يقدح في القلوب

_ 1 هو قطعة من الحديث السابق، أوله: "كتاب الله القصاص.....". 2 هكذا الأصل، وهو غير ظاهر، والصواب أثره وهو..... إلخ، ويدل عليه سياق الكلام المتقدم. ا. هـ. مصححة. "خ". 3 لعلها "كضرورة الشعر". "د". 4 مضى تخريجه "ص467". 5 في الأصل ونسخة "ماء/ ص213": "إذ يعتقد". 6 صوابه "أبو يزيد" يعني: النخشبي المتقدمة قصته في حديثه مع خادمه. "د".

أُمُورًا1 يُطْلَبُ بِالتَّحَرُّزِ مِنْهَا شَرْعًا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصُّوا بِزَائِدٍ عَلَى مَشْرُوعِ الْجُمْهُورِ، وَلِذَلِكَ أَيْضًا اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنَ الْغَالِينَ فِيهِمْ مَذْهَبَ الْإِبَاحَةِ، وَعَضَّدُوا بِمَا سَمِعُوا مِنْهَا رَأْيَهُمْ، وَهَذَا [كُلُّهُ] تَعْرِيضٌ لَهُمْ إِلَى سُوءِ الْمَقَالَةِ. وَحَاشَ لله أن يكون أولياء الله إلا بُرءاء مِنْ هَذِهِ الْخَوَارِقِ الْمُنْخَرِقَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ جرى2 إلى الخوص فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَقَدْ عُلِمَ مِنْهُمُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حُدُودِ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُمُ الْقَائِمُونَ بِأَحْكَامِ السُّنَّةِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، الْمُحَافِظُونَ عَلَى اتِّبَاعِهَا، لَكِنَّ انْحِرَافَ الْفَهْمِ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَفِيمَا قَبْلَهَا طَرَقَ فِي أَحْوَالِهِمْ مَا طَرَقَ، وَلِأَجْلِهِ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، حَتَّى يَتَقَرَّرَ بِحَوْلِ اللَّهِ مَا يُفهم بِهِ عَنْهُمْ مَقَاصِدُهُمْ، وَمَا تُوزَن بِهِ أَحْوَالُهُمْ، حَسْبَمَا تُعْطِيهِ حَقِيقَةُ طَرِيقَتِهِمُ الْمُثْلَى، نَفَعَهُمُ اللَّهُ وَنَفَعَ بِهِمْ. ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ3، فَنَقُولُ: وَلَيْسَ الاطِّلاع عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ وَلَا الْكَشْفُ الصَّحِيحُ بِالَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الْجَرَيَانِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ، وَالْقُدْوَةُ فِي ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي انْخِرَاقِ الْعَادَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس} [الْمَائِدَةِ: 67] ، وَلَا غَايَةَ وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يَتَحَصَّنُ بِالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ4، وَيَتَوَقَّى مَا الْعَادَةُ أَنْ يُتوقَّى، ولم يكن ذلك

_ 1 منها الاعتقاد المذكور بعدُ. "د". 2 في "ط": "جر". 3 مرتبط بأول الفصل. "د". 4 كما ثبت في أحاديث كثيرة، تجدها في "صحيح البخاري" "كتاب الجهاد، باب ومن يترس بترسي صاحبه 6/ 93، وباب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم والقميص في الحرب 6/ 99".

نُزُولًا عَنْ رُتْبَتِهِ الْعُلْيَا إِلَى مَا دُونَهَا، بَلْ هِيَ أَعْلَى. وَمَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِوَاءِ الْعَوَائِدِ وَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، فَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ عَلَى مُقْتَضَاهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ كَانُوا حَازُوا رُتْبَةَ التوكُّل، وَرُؤْيَةَ إِنْعَامِ الْمُنْعَمِ مِنَ الْمُنْعِمِ لَا مِنَ السَّبَبِ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا الدُّخُولَ فِي الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي نُدِبوا إِلَيْهَا، وَلَمْ يَتْرُكْهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي تُسْقِطُ حُكْمَ الْأَسْبَابِ وَتَقْضِي بِانْخِرَامِ الْعَوَائِدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا الْعَزَائِمُ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِهَا؛ لِأَنَّ حَالَ انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ لَيْسَ بِمَقَامٍ يُقَامُ فِيهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ مَحَلُّ الرُّخْصَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "قَيِّدْهَا وتَوَكَّلْ" 1. وَقَدْ كَانَ المُكمَّلون مِنَ الصُّوفِيَّةِ يَدْخُلُونَ فِي الْأَسْبَابِ تأدُّبًا بِآدَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَنَظَرًا إِلَى أَنَّ وَضْعَ اللَّهِ تَعَالَى أَحْوَالَ الْخَلْقِ عَلَى الْعَوَائِدِ الْجَارِيَةِ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الدُّخُولُ تَحْتَ أَحْكَامِ الْعَوَائِدِ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا قِصَّةٌ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْلُهُ: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الْكَهْفِ: 82] ، فَيُظْهِرُ بِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ2، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْقَوْلِ، وَيَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِمُقْتَضَى الْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ، وَإِنْ سَلِمَ؛ فَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَلِأَمْرٍ مَا3، وَلَيْسَتْ جَارِيَةً على شرعنا، والدليل على ذلك

_ 1 مضى تخريجه "1/ 304"، وهو حديث حسن. 2 قال: ابن حجر في كتابه "الزهر النضر في نبأ الخضر" "2/ 234- مع الرسائل المنيرية"، و"الذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته" وقال أيضا: "وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة، اعتقاد كون الخضر نبيًّا؛ لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي". وانظر ما قدمناه في التعليق على "ص463 وما بعدها" عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. 3 سيشير إليه بقوله: "وعلى مقتضى عتاب موسى.... إلخ".

أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ لِوَلِيٍّ وَلَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا، وَأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا، وَأَنَّهُ إِنْ عَاشَ أَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَإِنْ أُذِنَ لَهُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ قَرَّرَتِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ أَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى مُقْتَضَى شَرِيعَةٍ أُخْرَى، وَعَلَى مُقْتَضَى عِتَابِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِعْلَامِهِ أَنَّ ثَمَّ عِلْمًا آخَرَ وَقَضَايَا أُخر لَا يَعْلَمُهَا هُوَ1. فَلَيْسَ كُلُّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ مِنَ الْغُيُوبِ يُسَوِّغُ لَهُ شَرْعًا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا خَالَفَ الْعَمَلُ بِهِ ظَوَاهِرَ الشَّرِيعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِحَّ رَدُّهُ إِلَيْهَا، فَهَذَا لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ. وَالثَّانِي: مَا لَمْ يُخَالِفْ [الْعَمَلُ] 2 بِهِ شَيْئًا مِنَ الظَّوَاهِرِ، أَوْ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ خِلَافٌ، فَيَرْجِعُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إِلَيْهَا، فَهَذَا يُسَوَّغُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا الطَّرِيقُ، فَهُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَيْهِ يُرَبِّي الْمُرَبِّي، وَبِهِ يُعَلَّقُ هِمَمُ السَّالِكِينَ تَأَسِّيًا بِسَيِّدِ الْمَتْبُوعِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْخُرُوجِ عَنْ مُقْتَضَى الْحُظُوظِ، وَأَوْلَى بِرُسُوخِ الْقَدَمِ، وَأَحْرَى بِأَنْ يُتَابَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَيُقْتَدَى به فيه، والله أعلم.

_ 1 انظر لزاما في تقرير هذا وتأكيده: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "11/ 420 وما بعدها"، و"مدرج السالكين" "2/ 475 و3/ 416، 431-433"، و"فتح الباري" "1/ 221"، و"عجالة المنتظر في شرح حال الخضر" لابن الجوزي، وكتابنا "من قصص الماضين" "ص33 وما بعدها"، و"فوائد حديثية" لابن القيم "ص81" مع تعليقي عليه. قلت: والعبارة في الأصل: "ثم علماء أخر". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و"ط".

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْعَوَائِدُ أَيْضًا ضَرْبَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُقُوعِهَا فِي الْوُجُودِ: أَحَدُهُمَا: الْعَوَائِدُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأَحْوَالِ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، وَالنَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، وَالْمَيْلِ إِلَى المُلائم وَالنُّفُورِ عَنِ الْمُنَافِرِ، وَتَنَاوُلِ الطَّيِّبَاتِ وَالْمُسْتَلَذَّاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُؤْلِمَاتِ وَالْخَبَائِثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: الْعَوَائِدُ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأَحْوَالِ، كَهَيْئَاتِ اللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ، وَاللِّينِ فِي الشِّدَّةِ وَالشِّدَّةِ فِيهِ، وَالْبُطْءِ وَالسُّرْعَةِ فِي الْأُمُورِ، وَالْأَنَاةِ وَالِاسْتِعْجَالِ، وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَيُقْضَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَجَارِيَ سُنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ وَعَلَى سُنَنِهِ لَا تَخْتَلِفُ عُمُومًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ مَا جَرَى مِنْهَا فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ مَحْكُومًا بِهِ عَلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا، كَانَتِ الْعَادَةُ وُجُودِيَّةً أَوْ شَرْعِيَّةً. وَأَمَّا الثَّانِي، فَلَا يَصِحُّ أن يقضى به على من تَقَدَّمَ الْبَتَّةَ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ من خارج، فإذا ذَاكَ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى مَا مَضَى بِذَلِكَ الدَّلِيلِ لَا بِمَجْرَى الْعَادَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْعَادَةُ الْوُجُودِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ1.

_ 1 يحتاج إلى توفيق بينه وما سبق في أول المسالة الرابعة عشرة من أن العوائد الشرعية التي أمر بها الشارع أو نهى عنها أو أذن فيها لا تتبدل، بل هي دائمة ثابتة، وأن التي تتبدل إنما هي العوائد غير الشرعية، فإنها قابلة للتبدل في بعض أنواعها، إلا أن يقال: إنها ليست الشرعية بالمعنى المتقدم بل مثل اختلاف الهيئات والملابس، واختلاف التعبير والاصطلاحات بين الناس، فقد تكون في عهد الشرع على حال ثم تتبدل، فتعد شرعية بهذا المعنى بحصول الإذن بها على وجه عام، ثم تتغير العادة ويختلف حكم الشارع عليها لرجوعها إلى أصل شرعي آخر، فلا يتأتى الحكم بها على القرون الماضية؛ فإنها غير مستقرة في ذاتها، على أنها لو كانت من قسم الشرعيات المطلوبة؛ فإنها حيث كانت متبدلة غير مستقرة لا يتأتى الحكم بها على القرون الماضية الذي هو موضوع المسألة. "د".

وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ رَاجِعٌ إِلَى عَادَةٍ كُلِّيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، وُضِعَتْ عَلَيْهَا الدُّنْيَا وَبِهَا قَامَتْ مَصَالِحُهَا فِي الْخَلْقِ، حَسْبَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، وَعَلَى وِفَاقِ ذَلِكَ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا؛ فَذَلِكَ الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ باقٍ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؛ وَهِيَ الْعَادَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لَا مَظْنُونَةٌ، وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي؛ فَرَاجِعٌ إِلَى عَادَةٍ جُزْئِيَّةٍ دَاخِلَةٍ تَحْتَ الْعَادَةِ الْكُلِّيَّةِ1، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الظَّنُّ لَا الْعِلْمُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُحْكَمَ بِالثَّانِيَةِ عَلَى مَنْ2 مَضَى لِاحْتِمَالِ التَّبَدُّلِ وَالتَّخَلُّفِ بِخِلَافِ الْأُولَى. وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ؛ لِتَكُونَ حُجَّةً فِي الْآخِرِينَ، وَيَسْتَعْمِلَهَا الْأُصُولِيُّونَ كَثِيرًا بِالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ القضاء بالعلمية3 إِلَيْهَا وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ بِصَحِيحٍ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا فَاسِدٍ بِإِطْلَاقِ؛ بَلِ الْأَمْرُ فِيهِ يَحْتَمِلُ الِانْقِسَامَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَنْشَأُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَشْكُلُ الْأَمْرُ فِيهِ: هَلْ يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فَيَكُونَ حجة، أم لا فلا يكون حجة؟

_ 1 فالعادة الكلية أنه لا بد للإنسان من الطعام والمسكن والملبس، وتحت كل أنواع وهيئات كثيرة، صالحة لوقوع ذلك الكلي في ضمنها. "د". 2 في الأصل: "ما". 3 كذا في الأصل و"خ" و"ط" و"م"، وفي "د": "بالعامة.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ 1: الْمَفْهُومُ مِنْ وَضْعِ الشَّارِعِ أَنَّ الطَّاعَةَ أَوِ الْمَعْصِيَةَ تَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّ أَعْظَمَ الْمَصَالِحِ جريانُ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الْخَمْسَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَأَنَّ أَعْظَمَ الْمَفَاسِدِ مَا يَكِرُّ2 بِالْإِخْلَالِ عَلَيْهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا؛ كَمَا فِي الْكُفْرِ وقتلِ النَّفْسِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ مِمَّا وُضِعَ لَهُ حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ3، بِخِلَافِ مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى حَاجِيٍّ أَوْ تَكْمِيلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ بِوَعِيدٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِحَدٍّ مَعْلُومٍ يَخُصُّهُ؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَالِاسْتِقْرَاءِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى بَسْطِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا بِهِ صَلَاحُ الْعَالَمِ أَوْ فَسَادِهِ، كَإِحْيَاءِ النَّفْسِ فِي الْمَصَالِحِ، وَقَتْلِهَا فِي الْمَفَاسِدِ. وَالثَّانِي: مَا بِهِ كَمَالُ ذَلِكَ الصَّلَاحِ أَوْ ذَلِكَ الْفَسَادِ، وَهَذَا الثَّانِي لَيْسَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ هُوَ عَلَى مَرَاتِبَ، وَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ عَلَى مَرَاتِبَ أَيْضًا، فَإِنَّا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأَوَّلِ وَجَدْنَا الدِّينَ أَعْظَمَ الْأَشْيَاءِ، وَلِذَلِكَ يُهْمَلُ فِي جَانِبِهِ النَّفْسُ وَالْمَالُ وَغَيْرُهُمَا4، ثُمَّ النَّفْسَ، وَلِذَلِكَ يُهْمَلُ فِي جَانِبِهَا اعْتِبَارُ قِوَامِ النسل والعقل

_ 1 انظر حولها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20-48-61". 2 أي: يرجع. 3 في نسخة "ماء/ ص215": "حدًّا ووعيدًا". 4 فالجهاد لحراسة الدين، ولتكون كلمة الله هي العليا تبذل في سبيله الأنفس والأموال والأولاد. "د".

وَالْمَالَ؛ فَيَجُوزُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ عَلَى الزِّنَى أَنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِهِ1 وَلِلْمَرْأَةِ إِذَا اضْطُرَّتْ وَخَافَتِ الْمَوْتَ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُطْعِمُهَا إِلَّا بِبَذْلِ بُضعِها؛ جَازَ لَهَا ذَلِكَ؛ وَهَكَذَا سَائِرُهَا. ثُمَّ إِذَا نَظَرْنَا إلى بيع الغرر مثلا وجدنا الْمَفْسَدَةَ فِي الْعَمَلِ [بِهِ] 2 عَلَى مَرَاتِبَ؛ فَلَيْسَ مَفْسَدَةُ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ كَمَفْسَدَةِ بَيْعِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ الْحَاضِرَةِ الْآنَ وَلَا بَيْعِ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ كَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَهُوَ مُمْكِنُ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمَصَالِحُ فِي التَّوَقِّي عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الطَّاعَةُ وَالْمُخَالَفَةُ تُنْتِجُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوِ الْمَفَاسِد أَمْرًا كُلِّيًّا ضَرُورِيًّا؛ كَانَتِ الطَّاعَةُ لَاحِقَةً بِأَرْكَانِ الدِّينِ، وَالْمَعْصِيَةُ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَإِنْ لَمْ تُنْتِجْ إِلَّا أَمْرًا جزئيا؛ فالطاعة3 لَاحِقَةٌ بِالنَّوَافِلِ وَاللَّوَاحِقِ الْفَضْلِيَّةِ، وَالْمَعْصِيَةُ صَغِيرَةٌ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَلَيْسَتِ الْكَبِيرَةُ فِي نَفْسِهَا مَعَ كُلِّ مَا يُعَدُّ كَبِيرَةً عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ، وَلَا كُلُّ رُكْنٍ مَعَ مَا يُعَدُّ رُكْنًا عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ أَيْضًا، كَمَا أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ فِي الطَّاعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لَيْسَتْ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ؛ بَلْ لكل منها مرتبة تليق بها.

_ 1 هذا القول حكاه بعضهم على إطلاقه وأخذ به سحنون، ولكنه شرط أن يكون المكره به هو المرأة نفسها، وأن لا يكون لها زوج، ومن حجة هذا المذهب أن قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَان} جعل الإكراه على القول عذرا ينبغي أن يلحق به الفعل، ويحكم له بحكمه؛ إما على الإطلاق، أو على شرط أن لا يتعلق به حق لمخلوق. "خ". قلت: انظر تفصيل المسألة في: "تفسير القرطبي" "10/ 186"، و"أحكام القرآن" "3/ 1074"، لابن العربي، و"الطرق الحكمية" "47-49"و"بدائع الصنائع" "9/ 4484". و"الإكراه في الشريعة الإسلامية" "ص124 وما بعدها". 2 سقطت من "ط". 3 في "د": "فطاعة".

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكلَّف التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي1. أَمَّا الْأَوَّلُ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ: مِنْهَا الِاسْتِقْرَاءُ؛ فَإِنَّا وَجَدْنَا الطَّهَارَةَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ مُوجِبِهَا2، وَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ خُصَّتْ بِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى هَيْئَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، إِنْ خَرَجَتْ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَاتٍ، وَوَجَدْنَا الموجِبَات فِيهَا تَتَّحِدُ مَعَ اخْتِلَافِ الموجَبَات3، وَأَنَّ الذِّكْرَ الْمَخْصُوصَ4 فِي هَيْئَةٍ مَا مَطْلُوبٌ، وَفِي هَيْئَةٍ أُخْرَى غير مطلوب، وأن

_ 1 انظر في تقرير هذه القاعدة: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "28/ 385 وما بعدها". وإعلام الموقعين" "1/ 299-301"، والاعتصام للمصنف "2/ 132-133"- ونقله عن مالك- والقواعد" لشيخ المصنف المقري "قاعدة" رقم 73، 74، 296"، ونقله عن الشافعي، ونقل عن أبي حنيفة "الأصل التعليل حتى يتعذر"، وقال: "والحق أن ما لا يعقل معناه تلزم صورته وصفته" و"البرهان" "2/ 926" للجويني، و"تخريج الفروع على الأصول" "ص38-40" للزنجاني، و"مذكرة في أصول الفقه" "ص34". وقرر المصنف فيما مضى "1/ 334" أن العبادات وضعت لمصالح العباد في الدنيا أو في الآخرة على الجملة وإن لم يعلم ذلك على التفصيل. 2 هذا في الطهارة الحديثة بخلاف الثوب والبدن والمكان من الأخباث؛ فأنها لا تتعدى، بل تقف عند حد من أصيب بالنجاسة. "د". 3 فالحيض والنفاس يسقطان الصلاة، ولا يسقطان الصوم ولا سائر العبادات المفروضة من أركان الإسلام. "د". 4 هذا كثير؛ فالقنوت -وهو ذكر ودعاء- يطلب في بعض الصلوات دون بعض، والدعاء يطلب في السجود لا في الركوع، والنوافل تطلب في أوقات وتمنع فيما بعد صلاة الصبح إلى أن تشرق الشمس مثلا، وهكذا من أوقات النهي، وكل هذا لا يعرف إلا بموقف من قبل الوحي، وليس للعقل فيه مجال الخروج عما حد. "د".

طَهَارَةَ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ وَإِنْ أَمْكَنَتِ النطافة بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ -وَلَيْسَتْ فِيهِ نَظَافَةٌ حِسِّيَّةٌ- يَقُومُ1 مَقَامَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ؛ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ2، وَغَيْرِهِمَا؛ وَإِنَّمَا فَهِمْنَا مِنْ حِكْمَةِ التَّعَبُّدِ الْعَامَّةِ3 الِانْقِيَادَ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِفْرَادِهِ بِالْخُضُوعِ، وَالتَّعْظِيمِ لِجَلَالِهِ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ4 لَا يُعْطِي عِلَّةً خَاصَّةً يُفهم مِنْهَا حُكْمٌ خَاصٌّ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يُحَدَّ لَنَا أَمْرٌ مَخْصُوصٌ، بَلْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ، ولكان المخالف لما حد غير ملوم إذا كَانَ التَّعْظِيمُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ الْمُطَابِقِ لِنِيَّتِهِ حَاصِلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ، فَعَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الْأَوَّلَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِذَلِكَ الْمَحْدُودِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ شَرْعًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّوْسِعَةَ فِي وُجُوهِ التَّعَبُّدِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ؛ لَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَاضِحًا، كَمَا نَصَبَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي وُجُوهِ الْعَادَاتِ أَدِلَّةً5 لَا يُوقَفُ مَعَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ دُونَ مَا شَابَهَهُ وَقَارَبَهُ وَجَامَعَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ مِنَ الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، ولكان 6 ذلك يتسع في أبواب

_ 1 أي: حيث لا يقوم الماء الطاهر غير المطهر الذي هو منقىً من كل أثر. "د". 2 أي: فهما من الأمور المحدودة التي لا يفهم تحديدها من غير الشرع، ولا يستقل العقل بإدراك حدودها وحكمها. "د". 3 في نسخة "ماء/ ص216" بدل "العامة كلمة "بالجميع". 4 في نسخة ماء / ص216": "والتوجه إليه، لا غير ذلك؛ لأن هذا المقدار.....". 5 كما في حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ " إلى أن قال: "أجتهد رأيي ولا آلو"، فأقره على الاجتهاد برأيه في القضاء فيما لا نص فيه إذا جامع ما نص عليه في المعنى المفهوم منه". "د". قلت: والحديث ضعيف، وسيأتي عند المصنف "4/ 298" وتخريجه هناك. 6 مرتب على قوله: "لنصب"؛ أي: ولو نصب الأدلة لاتسع الأمر في العبادات، وقوله: ولما لم نجد.... إلخ" أي: ولما لم تقم الأدلة على التوسعة فيها، ولا وجدت فيها التوسعة؛ دل على المطلوب. "د".

الْعِبَادَاتِ، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى خِلَافِهِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَحْدُودِ؛ إِلَّا أَنْ يُتَبَيَّنَ بِنَصٍّ1 أَوْ إِجْمَاعٍ مَعْنًى مُرَادٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلَا لَوْمَ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ، فَلَيْسَ بِأَصْلٍ؛ وَإِنَّمَا الْأَصْلُ مَا عَمَّ فِي الْبَابِ وَغَلَبَ فِي2 الْمَوْضِعِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ فِيهَا3 مَعْدُودٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ4، كَالْمَشَقَّةِ فِي قَصْرِ الْمُسَافِرِ وَإِفْطَارِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ5. وَإِلَى هَذَا؛ فَأَكْثَرُ الْعِلَلِ الْمَفْهُومَةِ الْجِنْسِ فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ غير مفهومة

_ 1 وذلك كما في قوله عليه الصلاة والسلام فيمن وقصته الدابة: "لا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" فقد نص على حكمته عدم مسه بالطيب، فإذا حمل عليه كل من مات قبل تمام حجه، وأنه لا يمس بطيب لهذا لمعنى المتبين بالنص؛ فلا مانع منه، وهكذا ما كان من قبيله، وهو كمحترز لقوله: "يتسع"؛ أي: بل هو قليل كهذا. "د". قلت: الحديث في "صحيح البخاري" "كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة 4/ 52/ رقم 1839"، وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما. 2 في ط": "وغلب على....." 3 المناسب: هو ما كانت له علة مفهومة وحكمة مناسبة، تدركها العقول، ويقر بها، وفيها؛ أي: في العبادات. وفي "ط": ما هو فيها". 4 أي: إن المناسب وهو الوصف الذي اعتبر علة للحكم في العبادات عدوه من أقسام ما لا نظير له، وهو قسم مما عدل به عن سنن القياس، فالمشقة لم يعتد بها في غير الصوم وقصر الصلاة في السفر، ولو كانت المشقة أضعاف ما يحصل في السفر، وأصل القياس مبني على تعدية حكمة العلة لكل فرع وجدت فيه، فكان ذلك خروجا عن سنن القياس، وسمي هذا النوع لا نظير له، يعني: وهذا مما يضعف معنى التعليل في العبادات، ويرجع بها إلى التعبد؛ لأنه حتى عند فرض وجود النظر للمعنى فيها؛ فإنه يكون بحالة قاصرة. "د". 5 ليكن على بالك ما قدمه في "ص42"؛ ففيه تعليل لبعض الطاعات.

الْخُصُوصِ، كَقَوْلِهِ: "سَهَا1 فَسَجَدَ"2 وَقَوْلِهِ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" 3، وَنَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ"4، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بأن

_ 1 هذه الأمثلة من مسالك العلة الصريحة، فالترتيب بالفاء كزنى ماعز فرجم، والشرط في إذا، واللام في قوله: "أنها تطلع...... إلخ"، ولكنها كما يقول: لا يفهم منها الخصوص. "د". 2 ورد سهوه صلى الله عليه وسلم والسجود بسببه في كثير من الأحاديث، منها في "صحيح البخاري" "كتاب السهو 3/ 92 وما بعدها"، و"صحيح مسلم" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له 1/ 398 وما بعدها". وظفرت بعبارة فيها: "فسها، فسجد" ضمن حديث أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهو 2/ 240-241/ رقم 395"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم 1/ 273/ رقم 1039"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين 3/ 26" عن عمران بن حصين رضي الله عنه. ووَهِم من قال: إن مراد المصنف حديث ذي اليدين؛ إذ ليس فيه هذه اللفظة، قاله الزركشي في "المعتبر" "رقم 117". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور 1/ 234/ رقم 135، وكتاب الحيل، باب في الصلاة 12/ 329/ رقم 6954"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة 1/ 204/ رقم 225" عن أبي هريرة. وورد نحوه عن غير واحد من الصحابة، وخرجتها في تعليقي على "الطهور" لأبي عبيد القاسم بن سلام "رقم 54-58". 4 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس 2/ 61/ رقم 588"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها 1/ 566/ رقم 825" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. وفي الباب عن غير واحد من الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، منها عن ابن عمر وسيأتي قريبا.

الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ1. وَكَذَلِكَ مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْخِلَافِيِّونَ فِي قِيَاسِ الْوُضُوءِ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ بِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَعَدَّتْ مَحَلَّ مُوجَبِهَا، فَتَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ مُنَاسِبٍ يَصْلُحُ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمُسَمَّى شُبَهًا2، بِحَيْثُ لَا يَتَّفِقُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ الْقَائِلُونَ، وَإِنَّمَا يَقِيسُ بِهِ مَنْ يَقِيسُ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ سِوَاهُ، فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ لَنَا عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ تَشْهَدُ لَهَا الْمَسَالِكُ الظَّاهِرَةُ3؛ فَالرُّكْنُ الْوَثِيقُ الَّذِي يَنْبَغِي الِالْتِجَاءُ إليه

_ 1 ورد ذلك في عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس 2/ 58/ رقم 582، وباب لا يُتحرى الصلاة قبل غروب الشمس 2/ 60/ رقم 585، وكتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب مسجد قباء 3/ 68/ رقم 1192، وكتاب الحج، باب الطواف بعد الصبح والعصر 3/ 488 / رقم 1629، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده 6/ 335/ رقم 3273"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها 2/ 567" عن ابن عمر مرفوعا: "ولا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بقرني شيطان" لفظ مسلم، ولفظ البخاري في آخر موطن مذكور: "ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان". 2 الراجح أن هذا النوع من القياس ليس بحجة؛ فإنه لخلوه من إدراك المناسبة لا يفيد ظن العلية ظنا يعتد به في تقرير أحكام الله، ثم إن المعتمد في إثبات القياس عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا به في حال. "خ". 3 هي المناسبة، والنص بأنواعه، والإجماع، والسبر والتقسيم ثم الدوران، أما الشبه، فليس من المسالك عند الشافعية، قال السبكي: "وقد كثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة، ولم أجد لأحد تعريفا صحيحا فيها"، ثم قال: "إنه يطلق على معانٍ، والمراد به هنا وصف مناسبته للحكم ليست بذاته، بل بسبب مشابهته للوصف المناسب لذاته شبها خاصا؛ أي: يشبهه فيما يظن كونه علة الحكم أو مستلزما لها، سواء أكانت المشابهة في الصورة أم المعنى، وذلك كالطهارة =

الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حُدَّ، دُونَ التَّعَدِّي إِلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا الشَّرِيعَةَ حِينَ اسْتَقْرَيْنَاهَا تَدُورُ عَلَى التَّعَبُّدِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتُ، فَكَانَ أَصْلًا فِيهَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ وُجُوهَ التَّعَبُّدَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الْفَتَرَاتِ لَمْ يهتدِ إِلَيْهَا الْعُقَلَاءُ اهْتِدَاءَهُمْ لِوُجُوهِ مَعَانِي الْعَادَاتِ؛ فَقَدْ رَأَيْتُ الْغَالِبَ فِيهِمُ الضَّلَالَ فِيهَا1، وَالْمَشْيَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ التَّغْيِيرُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِ مَعَانِيهَا وَلَا بِوَضْعِهَا، فَافْتَقَرْنَا إِلَى الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الأمر كذلك عذر2 أهل الفترات في

_ = لاشتراط النية؛ فإنها تناسبه بواسطة كونها عبادة بخلاف الإسكار لحرمة الخمر؛ فإنه مناسب لها بذاته، بحيث يدرك العقل مناسبته لها وإن لم يرد به الشرع، وحينئذ؛ فالشبه -أي هذا النوع من المسالك- يحتاج في إثبات عليته إلى دليل مثبت للعلية، ولذلك قيل في تعريفه: وصف لم تثبت مناسبته للحكم إلا بدليل منفصل، مثاله أن يقال في إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث في تعين الماء لها: طهارة تراد للصلاة، فلا يجزي فيها غير الماء كالوضوء، فكون كل منهما طهارة تراد للصلاة هو الوصف الجامع بينهما لتعين الماء لهما، وهو وصف شبهي لا تظهر مناسبته لتعين الماء في إزالة الخبث، وقالوا: إنه إذا ثبت بأحد مسالك العلة المعتبرة أن وصف كون الطهارة تراد للصلاة يصح علة تعين الماء لإزالة الخبث لزم، وإلا، فلا يوجبه مجرد اعتبار الماء في الحدث"، ومثله أيضا مثال المؤلف، قال ابن الحاجب: "وتثبت عليه الشبه بجميع المسالك"، وفي شرحه: وقد يقال: الشبه للوصف المجامع لآخر إذا تردد به الفرع بين أصلين، فالأشبه فيهما هو الشبه، كالنفسية والمالية في العبد المقتول تردد بين الحر والفرس مثلا، وهو بالحر أشبه؛ لأن مشاركته له في الأوصاف والأحكام أكثر؛ فتتعارض مناسبتان، فترجع إحداهما، ولكنه ليس من الشبه الذي فيه كلام المؤلف بدليل مثاله. "د". قلت: انظر عن مسالك العلة "3/ 136-137". 1 أي: الفترات، وانظر: "حجة الله البالغة" "2/ 146". 2 هذا مذهب الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، كما في "الحاوي" "2/ 353" للسيوطي، و"تعظيم المنة" "ص167"، و"فتاوى ابن رشد" "3/ 652"، ومذهب المعتزلة والماتريدية أنهم في النار؛ إذ عليهم أن يستدلوا بعقولهم؛ انظر: "جمع الجوامع" "1/ 62"=

عَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الْإِسْرَاءِ: 15] . وَقَالَ تَعَالَى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل} [النساء: 165] . والحجة ها هنا هِيَ الَّتِي أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ فِي رَفْعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الرُّجُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى مُجَرَّدِ مَا حَدَّهُ الشَّارِعُ، وَهُوَ مَعْنَى التَّعَبُّدِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَاقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ فِيهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَأَجْرَى عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَهُوَ رَأْيُ مَالِكٍ1 رَحِمَهُ اللَّهُ؛ إِذْ لَمْ يَلْتَفِتْ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ النِّيَّةَ وَالْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ مَقَامَهُ وَالتَّسْلِيمِ كَذَلِكَ، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُبَالَغَاتِهِ الشَّدِيدَةِ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى مَحْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ مَا مَاثَلَهُ، فَيَجِبُ أَنَّ يُؤْخَذَ فِي هَذَا الضَّرْبِ التَّعَبُّدُ دُونَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي أَصْلًا يبنى2 عليه، وركنا يُلجأ إليه.

_ = السبكي، و"المسامرة" "ص274-275/ مع نتائج المذاكرة"، ومذهب أهل السنة والجماعة أنهم يُمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله بدخولها، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يدخله الله فيها، وعلى هذا أدلة كثيرة، انظرها في: "الجواب الصحيح" "1/ 312"، والا عتقاد" "ص91-92" للبيهقي -واختار هذا القول- و"طريق الهجرتين" "ص 689 وما بعدها" و"تفسير ابن كثير" "3/ 35"، وفتح الباري" "3/ 45-46"، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" "4/ 74"، و"أضواء البيان" "3/ 483". 1 الفروع المذكورة ليست من انفرادات مالك رحمه الله تعالى، بل قال بأغلبها الشافعي وأحمد أيضا، انظر مثلا: الفرع الأول في "الطهور" لأبي عبيد "ص 201 وما بعدها مع تعليقنا عليه". 2 في "ط": ينبني".

فَصْلٌ: وَأَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي، فَلِأُمُورٍ: أَوَّلُهَا: الِاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّا وَجَدْنَا الشَّارِعَ قَاصِدًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَالْأَحْكَامُ الْعَادِيَّةُ1 تَدُورُ [مَعَهُ] 2 حَيْثُمَا دَارَ، فَتَرَى الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يُمْنَعُ فِي حَالٍ لَا تَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ جَازَ، كَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ، يَمْتَنِعُ فِي الْمُبَايَعَةِ3، وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ، وَبَيْعِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، يَمْتَنِعُ حَيْثُ يَكُونُ مُجَرَّدَ غَرَرٍ وَرِبَا مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَيَجُوزُ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ4، وَلَمْ نَجِدْ هَذَا فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ مَفْهُومًا كَمَا فَهِمْنَاهُ فِي الْعَادَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [الْبَقَرَةِ: 179] . وَقَالَ: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [الْبَقَرَةِ: 188] . وَفِي الْحَدِيثِ: "لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ" 5. وَقَالَ: "لَا ضَرَرَ ولا ضرار" 6.

_ 1 أي: الأحكام المتعلقة بالعادات نظير الأحكام العبادية. 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 لما فيها من المشاحة والمغالبة، وقصد الاستفادة المالية بخلاف القرض الذي هو لوجه الله خاصة، ففيه تزكية نفس المقرض كالصدقة، وفيه تنفيس كُرَب الناس، ويقع* الحرج إذا منع القرض أيضا. "د". قلت: ويمكن التمثيل على ما ذكره المصنف سابقا بالتسعير. 4 كما في ثمر العرايا توسعة على الخلق، ولرفع الحرج والضرر على المعري، إذا تردد المعرى داخل بستانه ونخله، فكان منع ذلك مؤديا إلى ألا يعري أحد أحدا نخله. "د". 5 مضى تخريجه "ص231". 6 مضى تخريجه "ص72".

وقال: "القاتل لا يرث" 1.

_ 1 أخرج النسائي في "الكبرى" "كتاب الفرائض"-كما في "تحفة الأشراف" "6/ 220"، والدارقطني في "السنن" "4/ 96"، وابن عدي في "الكامل" "1/ 293"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "6/ 220" من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "ليس للقاتل من الميراث شيء". ثم أخرجه ابن عدي في "الكامل" "1/ 293"، والدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش عن ابن جريج ويحيى بن سعيد، وزاد الدارقطني: "والمثنى بن الصباح عن عمرو به، إسناده ضعيف، إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وهذا منها، إلا أنه توبع، فقد أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، 4/ 189-190/ رقم 4564"، والبيهقي من طريق محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب به، وذكر حديثا طويلا فيه: "ليس للقاتل شيء، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئا" وإسناده فيه ضعف أيضا، سليمان صدوق، فقيه في حديثه بعض اللين، والراوي عنه ابن راشد صدوق يهم. ولكن للحديث شواهد عديدة، منها حديث أبي هريرة بلفظ المصنف، أخرجه الترمذي في "الجامع" "2109"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 2645، 2735"، والدارقطني في "السنن" "4/ 96"، والبيهقي في "الكبرى" "6/ 220"، وابن عدي في "الكامل" "1/ 322" بسند ضعيف فيه إسحاق بن عبيد الله بن أبي فروة، قال الترمذي عقبه: "هذا حديث لا يصح، لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبيد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم أحمد بن حنبل"، وقال البيهقي: "إسحاق بن عبيد الله لا يحتج به، إلا أن شواهده تقويه". قلت: نعم هو صحيح بشواهده، منها حديث عمر، أخرجه أحمد في "المسند" "1/ 49"، وابن ماجه في "السنن" "رقم 2646"، والبيهقي في "الكبرى" "6/ 219"، والدارقطني في "السنن" "4/ 96"، ومنها حديث ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "6/ 404"/ رقم 17787"، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" "6/ 220". وانظر: "التلخيص الحبير" "3/ 85"، و"نصب الراية" "4/ 428"، و"الإرواء" "رقم 1670-1672".

"وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ"1. وَقَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" 2. وَفِي الْقُرْآنِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ

_ 1 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والذي فيه غرر، 4/ 1153/ رقم 1513" عن أبي هريرة قال: نهى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، وبيع الحصاة فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أو بعتك من هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. والثاني: أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أن أرمي هذه الحصاة. والثالث: أن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعا، فيقول: إذا رميت هذا الثوب بالحصاة، فهو مبيع منك بكذا. وبيع الغرر: النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن..... ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، ومعنى الغرر الخطر والغرور والخداع، وعلم أن بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وعسيب الفحل وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة هي داخلة في النهي عن الغرر، ولكن أفردت بالذكر ونهي عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة. 2 أخرج مسلم في "الصحيح" "كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام 3/ 1587/ رقم 2002" عن جابر مرفوعا: "كل مسكر حرام". وأخرج برقم "2003" عن ابن عمر مرفوعا: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". وأخرج البخاري في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب الخمر من العسل، 10/ 41/ رقم 5585" ومسلم في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، 3/ 1585/ رقم 2001" عن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع؟ فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام".

وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 91] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى، وَجَمِيعُهُ يُشِيرُ بَلْ يُصَرِّحُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ لِلْعِبَادِ، وَأَنَّ الْإِذْنَ دَائِرٌ مَعَهَا أَيْنَمَا دَارَتْ، حَسْبَمَا بَيَّنَتْهُ مَسَالِكُ الْعِلَّةِ1، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَادَاتِ مِمَّا اعْتَمَدَ الشَّارِعُ فِيهَا الِالْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّارِعَ تَوَسَّعَ2 فِي بَيَانِ الْعِلَلِ وَالْحِكَمَ فِي تَشْرِيعِ بَابِ الْعَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، وَأَكْثَرُ مَا عَلَّلَ فِيهَا بِالْمُنَاسِبِ الَّذِي إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ3، فَفَهِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ فِيهَا اتِّبَاعَ الْمَعَانِي، لَا الْوُقُوفَ4 مَعَ النُّصُوصِ، بِخِلَافِ بَابِ الْعِبَادَاتِ5، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ فِيهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَتَّى قَالَ فِيهِ بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ6، وَقَالَ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ7، ونُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّهُ تسعة أعشار

_ 1 وما ذكره من الأمثلة الثانية من باب مسلك التنبيه والإيماء الذي هو ترتيب الحكم على الوصف، فيفهم لغة أنه علة له؛ ولذا جعلوه من مسلك النص غير الصريح "د". 2 كمقابل لقوله في الوجه الثاني في العبادات: "ولكان ذلك يتسع في أبواب العبادات". "د". 3 هذا هو تعريف أبي زيد للمناسب، وعرفه غيره بأنه وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء، وهو حصول مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، وقالوا: إن تعريف أبي زيد لا يمكن إثباته في المناظرة؛ إذ يقول الخصم لا يتلقاه عقلي بالقبول، وإن كان التعريفان متقاربين في المعنى "د". 4 في نسخة "ماء/ ص217": "بالوقوف". 5 ليكن على بالك ما قرره المصنف "1/ 111" أن تلمس "الحكم" في هذا الباب من ملح العلم لا من متنه عند المحققين، وهذا ما ذكره شيخ المصنف المقري في كتابه "القواعد" "2/ 406". "6و 7" بيان المقام على وجه يشفي النفس يرجع فيه إلى كتاب "الاعتصام" "2/ 607وما بعدها -ط ابن عفان" للمؤلف في تحديدهما وتمثيلهما. "د". =

الْعِلْمِ"، حَسْبَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ1. وَالثَّالِثُ: إِنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي قَدْ كَانَ مَعْلُومًا فِي الْفَتَرَاتِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ، حَتَّى جَرَتْ بِذَلِكَ مَصَالِحُهُمْ، وَأَعْمَلُوا كُلِّيَّاتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، فَاطَّرَدَتْ لَهُمْ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي جُمْلَةٍ مِنَ التَّفَاصِيلِ، فَجَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتُتِمَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ فِي هَذَا الْبَابِ جَاءَتْ مُتَمِّمَةً لِجَرَيَانِ التَّفَاصِيلِ فِي الْعَادَاتِ عَلَى أُصُولِهَا المعهودات، ومن ههنا أَقَرَّتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَرَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَالدِّيَةِ، وَالْقِسَامَةِ، وَالِاجْتِمَاعِ2 يَوْمَ الْعَرُوبَةِ -وَهِيَ الْجُمْعَةُ- لِلْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، وَالْقِرَاضِ، وَكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَحْمُودًا، وَمَا كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَوَائِدِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَقْبَلُهَا الْعُقُولُ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ3 عِنْدَهُمْ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِسْلَامِ أُمُورٌ نَادِرَةٌ مَأْخُوذَةٌ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام.

_ = وقال "خ": "هي مصلحة يتلقاها العقل بالقبول، ولا يشهد أصل خاص من الشريعة بإلغائها أو اعتبارها، وإنما يتمسك بها الإمام مالك على شرط التئامها بالمصالح التي تشهد لها الأصول، وقد اعترض القول بها إمام الحرمين من وجهين: أحدهما أنها تستلزم المفسدة من وجهين، أحدهما تحكيم العوام بحسب آرائهم في ملاءمتهم ومنافرتهم، والثاني اختلاف الأحكام باختلاف الأشخاص والبقاع والأوقات، وأجاب المالكية عن ذلك بأن الحكم في المصلحة منوط بالاجتهاد؛ لأنه دليل حكم لا حكم حتى يعمل بها العامي، وعن الثاني بالتزامه وهو معنى دوام الشريعة ومناسبتها لكل زمان" قلت: مقولة مالك في "العتبية" "4/ 155- مع الشرح"، وانظر: "الذخيرة" "1/ 152-153- ط دار الغرب" للقرافي، و"أساس القياس" "ص 98-99" للغزالي. 1 انظر: "5/ 198". 2 أي: باعتبار ما فيه من المصلحة العامة، حتى يكون مما نحن فيه، لا من جهة كون الصلاة وسماع الخطبة عبادة. "د". 3 من تتمة الدليل الثالث. "د".

فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، وَأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَاتِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي، فَإِذَا وُجِدَ فِيهَا التَّعَبُّدُ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّسْلِيمِ وَالْوُقُوفِ مَعَ الْمَنْصُوصِ، كَطَلَبِ الصَّدَاقِ1 فِي النِّكَاحِ، وَالذَّبْحِ فِي [الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ2 فِي] الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، وَالْفُرُوضِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الْمَوَارِيثِ، وَعَدَدِ الْأَشْهُرِ فِي الْعِدَدِ الطَّلَاقِيَّةِ وَالْوَفَوِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي فَهْمِ مَصَالِحِهَا الْجُزْئِيَّةِ، حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْوَلِيِّ وَالصَّدَاقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، لِتَمْيِيزِ النِّكَاحِ عَنِ السِّفَاحِ، وَأَنَّ فُرُوضَ الْمَوَارِيثِ تَرَتَّبَتْ عَلَى تَرْتِيبِ الْقُرْبَى مِنَ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ الْعِدَدَ وُالِاسْتِبْرَاءَاتِ الْمُرَادُ بِهَا اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ خَوْفًا مِنْ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَلَكِنَّهَا أُمُورٌ جُمْلِيَّةٌ، كَمَا أَنَّ الْخُضُوعَ وَالتَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ عِلَّةُ شَرْعِ الْعِبَادَاتِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَقْضِي بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ فِيهَا، بِحَيْثُ يُقَالُ: إِذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ بِأُمُورٍ أُخَرَ مَثَلًا لَمْ تُشْتَرَطْ تِلْكَ الشُّرُوطُ، وَمَتَى عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ لَمْ تُشْرَعِ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ وَلَا بِالْأَشْهُرِ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ تُوجَدُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّاتِ عِلَّةٌ يُفْهَمُ مِنْهَا مَقْصِدَ الشَّارِعِ. عَلَى الْخُصُوصِ أَمْ لَا؟

_ 1 تأمل، فإن فيه المعنى الذي أشارت إليه الآية: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، أي: فالصداق والنفقة مكملان لحق القيامة والرياسة للأزواج عليهن، وسيأتي للمؤلف تعليله بتمييز النكاح عن السفاح، وإن كان قد يقال: إن الزنا فيه دفع مال من الزاني للبغي. "د". 2 أي: مع أن تطهير الرحم من الدم الذي هو مسكن الجراثيم المرضية غالبا قد لا يتوقف على خروجه من الودجين والحلقوم، وليراجع أهل الذكر في هذا فقد يكون له علة ومعنى مقصود. "د". قلت: وما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا أُمُورُ التَّعَبُّدَاتِ، فَعِلَّتُهَا الْمَطْلُوبَةُ مُجَرَّدُ الِانْقِيَادِ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ قَضَاءِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ، قَالَتْ لِلسَّائِلَةِ: "أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ " إِنْكَارًا عَلَيْهَا أَنْ يُسْئَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا؛ إِذْ لَمْ يُوضَعْ التَّعَبُّدُ أَنْ تَفْهَمَ عِلَّتَهُ الْخَاصَّةَ، ثُمَّ قَالَتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ"1، وَهَذَا يُرَجِّحُ التَّعَبُّدَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْمَشَقَّةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي مَسْأَلَةِ تَسْوِيَةِ الشَّارِعِ بين دية الأصابع: "هي السنة با ابْنَ أَخِي"2، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَمَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ لَا عِلَّةَ. وَأَمَّا الْعَادِيَّاتُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَيْضًا، فَلَهَا مَعْنًى مَفْهُومٌ، وَهُوَ ضَبْطُ وَجُوهِ الْمَصَالِحِ؛ إِذْ لَوْ تُرِكَ الناسُ والنظرَ لَانْتَشَرَ3 وَلَمْ يَنْضَبِطْ، وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ، وَالضَّبْطُ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِيَادِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَجَعَلَ الشَّارِعُ لِلْحُدُودِ مَقَادِيرَ مَعْلُومَةً، وأسباب معلومة لا تتعدي، كالثمانين في القذف، والمئة وتغريب العام في الزنا على غير إخصان، وخص قطع اليد بالكوع4 وفي

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة 1/ 265/ رقم 335". وقولها رضي الله عنها: "أحرورية أنت؟ " أي: أنت تنتسبين إلى الحروريين، وهم جماعة خالفوا عليا رضي الله عنه من الخوارج، يبالغون في العبادات، ينتسبون إلى حروراء، قرية بالكوفة على ميلين منها. "ماء / ص218". 2 نحوه في "معالم السنن" للخطابي "4/ 28"، و"فقه الإمام سعيد بن المسيب" "4/ 67"، وسيأتي بتمامه في "5/ 387". 3 أي: لتشتت وكثر فيه الخلاف والتفرق. 4 اختلف أهل اللغة فيه على أقوال: الأول: هو طرف الزند الذي يلي الإبهام، نقله الجوهري في "الصحاح" "3/ 1278"، وبه قال ابن السكيت، كما في "تهذيب اللغة" "3/ 41"، وكذا في "المحكم" "2/ 200" لابن سيده، و"الكليات" "5/ 124" للكفوي. =

النِّصَابِ الْمُعَيَّنِ1، وَجَعَلَ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ حَدًّا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَشْهُرُ وَالْقُرُوءُ فِي الْعِدَدِ، والنصاب والحول في الزكوات، وَمَا لَا يَنْضَبِطُ رُدَّ إِلَى أَمَانَاتِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّرَائِرِ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَسَائِرِ مَا لَا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ ظَاهِرٍ، فَهَذَا مِمَّا قَدْ يُظَنُّ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِ. وَإِلَى هذا المعنى2 يشير أصل سد الذارئع، لَكِنْ لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ تَشَعُّبِهِ وَانْتِشَارِ وُجُوهِهِ إِذَا تَتَبَّعْنَاهُ، كَمَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَثَلًا، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ التَّكْلِيفَاتِ ثَبَتَ كَوْنُهَا مَوْكُولَةً إِلَى أَمَانَةِ الْمُكَلَّفِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُلتفت مِنْهُ3 إِلَّا إلى المنصوص عليه.

_ = الثاني: هو طرف الزند في الذراع مما يلي الرسغ، نقله الليث، وقال: "هكذا زعمه أبو الدفيش الأعرابي، وهما كوعان، كذا في "تاج العروس" "22/ 141-142"، واللسان" "8/ 316، و"تهذيب اللغة" "3/ 41". والثالث: من الأقوال: أنه أخفاهما وأشدهما درمة، وهذا نقله الصاغاني في "العباب"، وفسر "الدرم" بالتحريك بأن لا يظهر للعظم حجم، وكذا في "التاج" "22/ 142". فهذه ثلاثة أقوال في تفسير "الكوع" ذكرها الزبيدي في "القول المسموع في الفرق بين الكوع والكرسوع" "ص19-21"، والمراد والله أعلم من كلام المصنف القول الثاني. 1 يعني: نصاب القطع في السرقة. 2 أي: فقاعدة سد الذرائع -التي هي منع الشارع لأشياء لجرِّها إلى منهي عنه، والتوسل بها إليه- هذه القاعدة تلتئم وتتناسب تمام المناسبة مع المعنى، وهو ضبط وجوه المصالح خشية الانتشار وتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط في هذا أقرب إلى الانقياد، لكن السد الذرائع نظران..... إلخ، أي: فلا يؤخذ هكذا بطريق كلي بل لا بد فيه من إدخاله تحت هذا الضابط الذي قرره. "د". 3 أي: من المعنى المذكور إلا ما نص عليه من الشارع بذكر ضوابطه؛ لأن كثيرا من التكاليف وَكَّلَها الشارع إلى أمانة المكلف، فلا نتوسع في ضبطها وتقييدها بحجة سد الذرائع وخوف الانتشار، والنظر الآخر أنه وإن انتشرت فروعه؛ لكن له ضوابط سهلة المأخذ يمكن التعويل عليها، فمتى أمكن إجراء الضوابط في مظانها أخذ بها وعول عليها، فيكون هذا توسطا بين الأمرين وإعمالا لكلا النظرين. "د".

وَنَظَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَهُ ضَوَابِطَ قَرِيبَةَ الْمَأْخَذِ وَإِنِ انْتَشَرَتْ فُرُوعُهُ، وَقَدْ فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى كليِّه، فَلْيَجْرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي مَظَانِّهِ، وَقَدْ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ أَشْيَاءَ من جهة جرها إلى منهي عنه والتسول بِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ اعْتَبَرَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ، وَمِنَ النَّاسِ مِنْ تَوَسَّطَ بِنَظَرٍ ثَالِثٍ، فَخَصَّ هَذَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ1، فَسَلَّطَ الْحُكَّامَ عَلَى مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِنْهُ ضَبْطًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَوَكَّلَ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلى أمانته.

_ 1 كان النظرين السابقين لم يفرق فيهما بين الظواهر والسرائر لكن هذا الثالث فرق بينهما بما قاله. "د".

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ التَّعَبُّدِ؛ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ1، وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي دُونَ التَّعَبُّدِ2؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ؛ لِأَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ3 مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ، عَرَفَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّهُ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ، فَإِذَا أَمَرَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَهُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، بِخِلَافِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَهَا غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّعَبُّدُ لَازِمٌ لَا خِيَرَةَ فِيهِ، وَاعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ الْخِيَرَةُ، [وَمَا فِيهِ الْخِيَرَةُ] 4 يَصِحُّ تَخَلُّفُهُ عَقْلًا، وإذا وقع الأمر

_ 1 أي: لا يقاس فيه ولما كانت هذه الدعوى الأولى واضحة لم يستدل عليها، وإن كان يؤخذ التنبيه عليها أثناء الاستدلال على الدعوى الثانية، ولم يقل: "ففيه التفريع"؛ لأنه مع كونه متشعب الخلاف بين القائلين بالقياس، فإن الذي يعنيه هو إثبات أن فيه أيضا نوع من التعبد بمعنى من المعاني التي سيقررها. "د". 2 أي: دون أن يثبت التعبد، وليس الغرض أن يثبت اعتبار عدم التعبد، وإلا لتناقض الكلام، وقوله: "فلا بد فيه من اعتبار التعبد" ليس المراد به التعبد بالمعنى الخاص المتقدم الذي يجب ألا يدخله القياس والتفريع، بل المراد به أن يكون لله فيه حق، إذا قصده المكلف بالفعل أثيب، وتكون مخالفته قبيحة يستحق العقاب عليها، وينضم إليه معنى آخر وهو أنه لا بد لنا في كل مصلحة عرفناها من وقفة عندها: هل تعينت هذه العلة للمصلحة بحيث لا يكون للحكم علة ومصلحة إلا هذه؟ فهذا التوقف نوع من التعبد، بمعنى عدم معقولية المعنى تعقلا كاملا، وغير ذلك من المعاني الآتية التي يتقرر بها معنى التعبد في الأوجه المذكورة بعد، فالتعبد هنا بمعنى عام لا ينافي القياس والتفريع إذا وجدت شروطه. "د". 3 أي: فعليه الانقياد ولا يخلص من التكليف إلا بالامتثال بخلاف تحقيق المصلحة وتحصيلها، فغير لازم بل نفس معرفة المصلحة في التكليف غير لازمة فضلا عن قصدها. "د". 4 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.

وَالنَّهْيُ شَرْعًا لَمْ يَصِحَّ تَخَلُّفُهُمَا عَقْلًا1 فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَالتَّعَبُّدُ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ بِإِطْلَاقٍ2، وَاعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ غَيْرُ لَازِمٍ بِإِطْلَاقٍ؛ خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَ اللُّطْفَ وَالْأَصْلَحَ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ3 لَازِمٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَلْزَمَ الْأَصْلَحَ وَقَالَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ هِيَ عِلَّةُ الْأَمْرِ بِالْعَقْلِ، يَلْزَمُ الِامْتِثَالَ مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ قَبِيحَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ تَحْصِيلَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا بِالْفَرْضِ، فَالْأَمْرَانِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَازِمَانِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ أَمْرَ سَيِّدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ قَبِيحٍ، [بَلْ هُوَ قَبِيحٌ] 4 عَلَى رَأْيِهِمْ وَهُوَ مَعْنَى لُزُومِ التَّعَبُّدِ. وَالثَّانِي: أَنَّا إِذَا فَهِمْنَا بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً فِي شَرْعِ الْحُكْمِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَمَصْلَحَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَغَايَتُنَا أَنَّا فَهِمْنَا مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً تَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، وَلَمْ نَعْلَمْ حَصْرَ الْمَصْلَحَةِ وَالْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهَا فِي ذَلِكَ الَّذِي ظَهَرَ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَنَا بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا ظَنٌّ، لَمْ يَصِحَّ لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ لَا مَصْلَحَةَ لِلْحُكْمِ إِلَّا مَا ظَهَرَ لَنَا؛ إِذْ هُوَ قَطْعٌ عَلَى غَيْبٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَقَدْ بَقِيَ لَنَا إِمْكَانُ حِكْمَةٍ أُخْرَى شُرِعَ لَهَا الْحُكْمُ، فَصِرْنَا مِنْ تِلْكَ الجهة واقفين مع التعبد5.

_ 1 أي: عما يقتضيان من اشتغال ذمة المأمور والمنهي حتى يؤدي. "د". 2 أي: سواء فيما ثبت فيه اعتبار التعبد وما ثبت فيه اعتبار المعاني، وكذا اعتبار المصالح غير لازم فيما ثبت فيه اعتبار التعبد، وهو ظاهر، ولا فيما ثبت فيه اعتبار المعاني كما قال. د" 3 أي: التعبد "د". 4 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 5 وهو هنا بمعنى عدم القطع بمعقولية المعنى مستقلا. "د".

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ نقضِ بِالتَّعَدِّي1 عَلَى حَالٍ، فَإِنَّا إِذَا جَوَّزْنَا وُجُودَ حِكْمَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ أُخْرَى، لَمْ نَجْزِمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَهَا2؛ فَقَطْ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ جُزْءَ علة3، أو لجواز خلو الْفَرْعِ عَنْ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الَّتِي جَهِلْنَاهَا وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي عَلِمْنَاهَا، فَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَالتَّفْرِيعُ حَتَّى نَتَحَقَّقَ أَنْ لَا عِلَّةَ سِوَى مَا ظَهَرَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْقِيَاسِ وَلَا الْقَضَاءِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَشْرُوعٌ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالتَّعَدِّي لَا يُنَافِي جَوَازَ4 التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ صَحَّ كَوْنُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَلَا يَكُونُ شَرْعِيًّا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ نَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ عَادَةً، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لَنَا عِلَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، وَلَمْ نُكَلَّفْ أَنْ نَنْفِيَ مَا عداها،

_ 1 أي: تعدي الحكم لما ثبت فيه العلة كما هو الشأن في القياس في المسائل التي عرف فيها اعتبار المعاني والعلل. "د". 2 أي: للحكمة الموجودة الظاهرة في الأصل. "د". 3 أي: وجزء العلة لا يعدي الحكم للفرع، ولا يبني عليه قياس، وقوله: "أو لجواز ... إلخ" عطف على سابقه تكميل لتعليل قوله: "لم نجزم بأن الحكم لها فقط" الذي يشمل صورتين: أن يكون لها مع غيرها بأن تكون جزء علة، أو يكون الحكم لها أو لغيرها بأن تكون هناك علة أخرى مستقلة، فقوله أولا: "لجواز" توجيه للاحتمال الأول، وقوله: "أو لجواز" توجيه للاحتمال الثاني، وقوله: "خلو النوع عن تلك الحكمة"، أي: المستقلة أيضا كما أن المعلومة مستقلة، وقوله: "فإذا امكن ذلك"، أي: احتمال أن تكون المعلومة جزء علة، واحتمال أن تكون ليست وحدها المعلل بها وإن كانت علة كاملة، وقوله: "سوى ما ظهر"، أي: لا يوجد جزء آخر متمم للعلة المعلومة، ولا علة أخرى كاملة يصح أن يبني عليها الحكم، وقوله في الجواب: "لكن غلبة الظن كافٍ" فيه جواب التجويز الأول، وقوله: "وأيضًا" فيه جواب التجويز الثاني. "د". 4 جعله جوازا، فكأنه لا يلزم المجتهد أن يراعي إمكان حكمة أخرى، ويعتبر كأمر كمالي بخلاف الوجه الأول، وهو امتثال المأمورات على تفصيل في ذلك معروف في الفروع من جهة النية وعدمها. "د".

فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ مِمَّا يُجَوِّزُونَ كَوْنَ الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ، أَوْ كَوْنَ ذَلِكَ الظَّاهِرِ جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً كَامِلَةً، لَكِنْ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَنَّ مَا ظَهَرَ مُسْتَقِلٌّ بالعلِّية، أَوْ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً، كافٍ فِي تَعَدِّي الْحُكْمِ بِهِ. وَأَيْضًا فَقَدَ أَجَازَ الْجُمْهُورُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِأَكْثَرِ مِنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ1 وَكُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ، وَجَمِيعُهَا مَعْلُومٌ، فَنُعَلِّلُ بِإِحْدَاهَا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْأُخْرَى فِي الْفَرْعِ أَوْ لَا تَكُونَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ فِيمَا ظَهَرَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ يبقَ لِلسُّؤَالِ مَوْرِدٌ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَلَا عَلَيْنَا. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ 2: أَنَّ الْمَصَالِحَ فِي التَّكْلِيفِ ظَهَرَ لَنَا مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَسَالِكِهِ الْمَعْرُوفَةِ، كَالْإِجْمَاعِ، وَالنَّصِّ، وَالْإِشَارَةِ، وَالسَّبْرِ3، وَالْمُنَاسَبَةِ، وَغَيْرِهَا، وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الظاهر الذي

_ 1 انظر تفصيل ذلك في "المستصفى" "2/ 96"، و"الإحكام" "3/ 218" للآمدي، و"البحر المحيط" "3/ 210-211"، و"البرهان" "2/ 832" و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 167"، و"المسودة" "417"، و"صول الفقه وابن تيمية" "1/ 385-388"، و"كشف الأسرار" "4/ 45"، و"جمع الجوامع" "2/ 245-246 مع "شرح المحلي"، و"نشر البنود" "2/ 145-146"، و"إرشاد الفحول" "209". 2 هذا الوجه إنما يثبت اعتبار التعبد في نوع خاص مما اعتبر فيه المعاني دون التعبد، بخلاف الوجهين السابقين، فعامان في سائر فروعه، والوجه الرابع عام أيضا، وكذلك الخامس والسادس. "د". 3 مثاله أن يقول: المستدل في علة ربا الفضل العلة، أما الطعم، أو الاقتيات، أو الادخار، أو التقدير بالكيل، أو الوزن، ثم يستدل على إبطال اثنين منتفين كون الثالث هو العة، والحق مع من أنكر عده في مسالك العلة كان الوصف المبقي أن اشتمل على مصلحة، فإما أن تكون منضبطة للفهم أو كلية لا تنضبط، فالأول المناسبة، والثاني الشبه، وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا، فهو الطرد. "خ".

نُعَلِّلُ بِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ شَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ لِأَجْلِهِ. وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتِلْكَ1 الْمَسَالِكِ الْمَعْهُودَةِ، وَلَا يُطَّلع عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ، كَالْأَحْكَامِ2 الَّتِي أَخْبَرَ الشَّارِعُ فِيهَا أَنَّهَا أَسْبَابٌ لِلْخِصْبِ وَالسِّعَةِ وَقِيَامِ أُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي أَخْبَرَ فِي مُخَالَفَتِهَا أَنَّهَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَتَسْلِيطِ الْعَدُوِّ، وَقَذْفِ الرُّعْبِ، وَالْقَحْطِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ. وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أَنَّ3 ثَمَّ مَصَالِحَ أُخَرَ غَيْرَ مَا يُدْرِكُهُ المكَلف، لَا يُقْدَرُ عَلَى اسْتِنْبَاطِهَا وَلَا عَلَى التَّعْدِيَةِ بِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ؛ إِذْ لَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْمَحَلِّ الْآخَرِ وَهُوَ الْفَرْعُ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ الْبَتَّةَ، لَمْ يَكُنْ إِلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْقِيَاسِ سبيل، فبقيت موقوفة على التعبد المحض؛ لأنها لَمْ يَظْهَرْ لِلْأَصْلِ الْمُعَلَّلِ بِهَا شَبِيهٌ إِلَّا مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ أَوِ الْعُمُومِ الْمُعَلَّلِ4، وإذا

_ 1 في "ط": "لتلك". 2 فمثلا ورد: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِين} الآية، هل يجعل الاستغفار علة أيضا في قوة الأبدان وسعة العلم، وغير ذلك فقياس على الأمداد بالأموال والبنين؟ وقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم} ، وهل يقاس على الفشل وذهاب القوة والعزة ذهاب القوة البدنية والأموال وغيرها؟ فهذه الأسباب ذكرها الشرع عللا لأحكام لكنها لا تعلم إلا من جهته، فهل يدخل فيها القياس والتفريع، يقول المؤلف: إنها مع كونها علل بها الشرع، ولا يصح أن يدخلها القياس والتفريع؛ لأنها وإن كانت أحكاما عادية إلا أن عللها ليست مما تدرك العقول ترتب هذه الأحكام عليها، فلا بد أن تكون تعبدية نقف فيها عند ما أثبت الشارع فقط؛ لأن التشابه الذي ندركه فيما نريد أن نجعله فرعا إنما هو في المطلقات والعمومات المعلل بها، وليس هذا القدر كافيا في صحة العلية حتى يتأتى الإلحاق والقياس. "د". 3 في الأصل و"خ": "وإن". 4 لعل فيه حذف كلمة "به". "د".

ذَاكَ يَكُونُ أَخْذُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهَا مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ الشَّارِعُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ السَّائِلَ إِذَا قَالَ لِلْحَاكِمِ: لِمَ لَا تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؟ فَأَجَابَ بِأَنِّي نُهِيتُ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ مُصِيبًا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لِأَنَّ الْغَضَبَ يُشَوِّشُ عَقْلِي وَهُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْحُكْمِ، كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا، وَالْأَوَّلُ جَوَابُ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَالثَّانِي جَوَابُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعْنَى، وَإِذَا جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا وَعَدَمُ تَنَافِيهِمَا، جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَإِذَا جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَبُّدًا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَوَجُّهُ القصد إلا مَا لَا يَصِحُّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ مِنْ مَعْدُومٍ أَوْ مُمْكِنٍ أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا يُوجَدَ، فَلَمَّا صَحَّ الْقَصْدُ مُطْلَقًا، صَحَّ الْمَقْصُودُ لَهُ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، [وَهُوَ الْمَطْلُوبُ] 1. وَالْخَامِسُ: أَنَّ كَوْنَ الْمُصْلِحَةِ مُصْلِحَةٌ تُقْصَدُ بِالْحُكْمِ، وَالْمَفْسَدَةِ مَفْسَدَةٌ كَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّارِعِ، لَا مَجَالَ2 للعقل فيه، بناء على قاعدة نفي

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط في الأصل. 2 هذا ظاهر فيما إذا كان مسلك العلة الإجماع أو النص بقسميه أو المناسبة أيضا؛ لأنه لا بد في المعتبر منها أن يكون مؤثرا أو ملائما، وكل منهما لا بد أن يستند إلى نص أو إجماع؛ أما المؤثر؛ فهو ما اعتبر عينه في عين الحكم بنص كما في الحدث بالمس لقوله عليه السلام: "من مس ذكره فليتوضأ" * أو إجماع كولاية المال بالصغر، وأما الملائم فهو ما رتب الحكم على وفقه في الأصل مع ثبوت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم بنص أو إجماع؛ وسمى ملائما لكونه مناسبا لما اعتبره الشارع، ومثاله الصغر في حمل نكاح الثيب الصغيرة على نكاح البكر الصغيرة في أن الولايات للأب عند الحنفية، ويبقى الكلام في السبر والتقسيم والدوران من أنواع المسالك، فعليك بالنظر فيها لتعرف هل يشملها كلامه، وأن المصالح فيها أيضًا بوضع الشرع. "د".

التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ1، فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ شَرَعَ الْحُكْمَ لِمَصْلَحَةٍ مَا، فَهُوَ الْوَاضِعُ لَهَا مَصْلَحَةً، وَإِلَّا، فَكَانَ يُمْكِنُ عَقْلًا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ؛ إِذِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا الْأَوَّلِ مُتَسَاوِيَةٌ لَا قَضَاءَ لِلْعَقْلِ فِيهَا بِحُسْنٍ ولا قبح؛ فإذن كَوْنُ الْمَصْلَحَةِ مَصْلَحَةً هُوَ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ، فَالْمَصَالِحُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَصَالِحُ قَدْ آلَ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى أَنَّهَا تَعَبُّدِيَّاتٌ2، وَمَا انْبَنَى عَلَى التَّعَبُّدِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا تَعَبُّدِيًّا. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ3: إِنَّ مِنَ التَّكَالِيفِ "مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ خَاصَّةً"، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ" وَيَقُولُونَ فِي هَذَا الثَّانِي: إِنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ، كَمَا فِي قاتل العمد إذ عفي عنه ضُرِب مئة وسُجِن عَامًا، وَفِي الْقَاتِلِ غِيلَةً إِنَّهُ لَا عفوَ فِيهِ، وَفِي الْحُدُودِ إِذَا بَلَغَتِ السُّلْطَانَ فِيمَا سِوَى الْقِصَاصِ كَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ وَإِنْ عَفَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَائِعِ الْجَارِيَةِ إِسْقَاطُ الْمُوَاضَعَةِ وَلَا مِنْ مُسْقِطِ الْعِدَّةِ عَنْ مُطَلِّقِ الْمَرْأَةِ4، وَإِنْ كَانَتْ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا حَقًّا لَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ وَإِنْ عُقِلَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ، فقد صار إذن كُلُّ تَكْلِيفٍ حَقًّا لِلَّهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ لِلَّهِ، فَهُوَ لِلَّهِ، وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، فَرَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ إِذْ كَانَ لِلَّهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ للعبد حقا أصلا5.

_ 1 انظر ما مضى بهذا الصدد "1/ 125" مع التعليق عليه، وما سيأتي "3/ 28". 2 في الأصل: "تعبدات". 3 المذكور قول القرافي في كتابه "الفروق" "2/ 140، الفرق الثاني والعشرون"، وانظر أيضا: "المنار" "886- مع حواشيه"، و"شرح التلويح على التوضيح" "2/ 155". 4 لعل الأصل: "عن المرأة المطلقة". "د". 5 وعليه، فالشريعة هي أساس الحقوق الخاصة، وليست الحقوق الخاصة هي أساس الشريعة، والحق ليس منحة من المجتمع أو القانون الذي تضعه الأمة، وليس هو حقا طبيعيا لصاحبه، بل هو منحة إلهية وهبها الله سبحانه للإنسان من أجل أن يتحقق بها مصالحه الدنيوية والأخروية.

ومن هذا الموضع يقول كثير م الْعُلَمَاءِ: "إِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ"1، عُلِمَتْ مَفْسَدَةُ النَّهْيِ أَمْ لَا، انْتَفَى السَّبَبُ الَّذِي لأجله نهي عن العمل أولا، وُقُوفًا مَعَ نَهْيِ النَّاهِي لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَالِانْتِهَاءُ هُوَ الْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ فِي النَّهْيِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ، فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ لَا يَخْلُو عَنِ التَّعَبُّدِ، وَإِذَا لَمْ يَخْلُ، فَهُوَ مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالطَّهَارَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. إِلَّا أَنَّ التَّكَالِيفَ الَّتِي فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ مِنْهَا مَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ، وَهِيَ الَّتِي فَهِمْنَا مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا تَغْلِيبَ جَانِبِ الْعَبْدِ، كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَذَلِكَ مَا فَهِمْنَا فِيهِ تَغْلِيبَ حَقِّ اللَّهِ؛ كَالزَّكَاةِ وَالذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ، وَالَّتِي تَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ إِذَا فُعِلت بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا بِنِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَهِيَ نِيَّةُ التَّعَبُّدِ، أُثِيبَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ التُّرُوكُ إِذَا تُرِكت بِنِيَّةٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ خاصة ولم يكن لله فيها حَقٌّ، [لَمَا] 2 حَصَلَ الثَّوَابُ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا طَاعَةً مِنْ حَيْثُ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْمَأْمُورُ بِهِ مُتَقَرَّبٌ إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نِيَّةٍ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ حَيْثُ هي طاعة مفتقرة إلى نية

_ 1 انظر تحرير هذه المسألة في "مجموع فتاوى ابن تيمية" "19/ 299، 23/ 25، 29/ 281 وما بعدها، و32/ 88 و33/ 18، 99"، و"إعلام الموقعين" "1/ 108"، و"كشف الأسرار "4/ 134-135"، و"تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد" للعلائي، و"النهي يقتضي الفساد بين العلائي وابن تيمية" لصديقنا رعد عبد العزيز، و"النهي وأثره في الفقه الإسلامي" لمحمد سعود المعيني. 2 ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا مِنْ حَيْثُ حَقِّ الْعَبْدِ خَاصَّةً، وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْعَبْدِ حَصَلَ فِيهَا الثَّوَابُ؛ لَا مِنْ كَوْنِهَا طَاعَةً مُتَقَرَّبًا بِهَا. قِيلَ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَصَحَّ الثَّوَابُ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ حَاصِلٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَكِنَّ الثَّوَابَ مُفْتَقِرٌ فِي حُصُولِهِ إِلَى نِيَّةٍ. وَأَيْضًا، فَلَوْ حَصَلَ الثَّوَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَأُثِيبَ الْغَاصِبُ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ كرها، ليس كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ حَصَلَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْعَمَلِ عِبَادَةً، وَالنِّيَّةُ الْمُرَادَةُ هُنَا نِيَّةُ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَارِيًا فِي كُلِّ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، ثَبَتَ أَنَّ فِي الْأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا طَلَبًا تَعَبُّدِيًّا عَلَى الْجُمْلَةِ. وَهُوَ دَلِيلٌ سَادِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَفْتَقِرَ كُلُّ عَمَلٍ إِلَى نِيَّةٍ، وَأَنْ لَا يَصِحَّ عَمَلُ مَنْ لَمْ ينوِ، أَوْ يَكُونَ عَاصِيًا. قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ تَارَةً يَكُونُ هُوَ المغلب، وقد يكون جِهَةُ التَّعَبُّدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةَ، فَمَا كَانَ الْمُغَلَّبُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فمسلَّم ذَلِكَ فِيهِ، وَمَا غُلِّبَ فِيهِ جِهَةُ الْعَبْدِ، فَحَقُّ الْعَبْدِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَيَصِحُّ الْعَمَلُ هُنَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا يَكُونُ عِبَادَةً لِلَّهِ، فَإِنْ رَاعَى جِهَةَ الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ عِبَادَةٌ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ، أَيْ: لَا يَصِيرُ عِبَادَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الِامْتِثَالِ صَيَّرَتْهُ عِبَادَةً، كَمَا إِذَا أَقْرَضَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، أَوْ أَقْرَضَ بِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُهَا، وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُثَابِرُونَ عَلَى

إِحْضَارِ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ، وَيَتَوَقَّفُونَ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهَا حَتَّى تَحْضُرَهُمْ1. فَصْلٌ: وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أُمُورٌ، مِنْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بخالٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَعِبَادَتُهُ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ بِإِطْلَاقٍ2، فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدًا3 فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ جَاءَ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ. كَمَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: "حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَبَدُوهُ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ" 4 وَعَادَتُهُمْ فِي تَفْسِيرِ "حَقِّ"

_ 1 انظر في هذا: "قواعد الأحكام" "2/ 66 وما بعدها". 2 هذا هو التحقيق في التعبير عن حق الله خلافا للقرافي، حيث ذهب في الفرق الثاني والعشرين إلى أن حق الله أمره ونهيه لا نفس العبادة، وزعم أن هذا هو المحرر عند العلماء، وقد تعرض أبو القاسم بن الشاط إلى التنبيه على هذا الغلط، وأنكر أن يحرر العلماء ما يخالف قوله عليه الصلاة والسلام: "حق الله تعالى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شيئا". "خ". قلت: وانظر في تعريفه: "قواعد الأحكام" "1/ 103"، و"تيسير التحرير" "2/ 174-181"، و"شرح المنار" "886- مع حواشيه"، و"كشاف اصطلاحات الفنون" "1/ 329-330". 3 كالقصاص، فالعفو عنه حق للعبد، على معنى أنه إن عفا سقط الحق كله. "د". 4 جزء من حديث، وفيه حق الله على العباد أيضا، وسيأتي عند المصنف "ص544"، أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار رقم 2856، وكتاب اللباس، باب حمل صاحب الدابة غيره بين يديه رقم 5967، وكتاب الاستئذان، باب من أجاب بلبيك وسعديك رقم 6267، وكتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه رقم 6500، وكتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى رقم 7373"، ومسلم في صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا 1/ 58-59/ رقم 30" من حديث معاذ رضي الله عنه. قلت: وفي الأصل و"خ": "لا".

اللَّهِ" أَنَّهُ مَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ، كَانَ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ، "وَحَقُّ الْعَبْدِ" مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَعْنَى "التَّعَبُّدِ" عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ1 عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَصْلُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حَقِّ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ. فَصْلٌ: وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ2: أَحَدُهَا: مَا هُوَ حُقٌّ لِلَّهِ خَالِصًا كَالْعِبَادَاتِ، وَأَصْلُهُ التَّعَبُّدُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا طَابَقَ الْفِعْلُ الْأَمْرَ، صَحَّ؛ وَإِلَّا؛ فَلَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّعَبُّدَ رَاجِعٌ إِلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، وَبِحَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ لَا يَتَعَدَّى، فَإِذَا وَقَعَ3 طَابَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ وَإِنْ لَا؛ خَالَفَ4، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ قَصْدِ الشَّارِعِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ، فعدم مطابقة الأمر مبطل للعمل.

_ 1 أي: ما لا تعقل فيه الحكمة والمصلحة الخاصة التي يصح أن تكون أساسا للقياس، أما العلل العامة، فهي موجودة حتى في التعدي، كما سبقت الإشارة إليه. "د". 2 انظر: "الفروق" "2/ 140-141"، و"المجموع" "6/ 154"، و"المغني" "6/ 63". 3 أي: الوقوف المذكور. "د". 4 في الأصل: "أو خالف"، وفي "د": "أو لا خالف".

وَأَيْضًا؛ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ عَدَمَ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْوُقُوفُ عند ما حده الشارع، فيكفي في ذلك عدم تحقيق الْبَرَاءَةِ مِنْهُ [وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ] 1 وَعَدَمُ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ [مِنْهُ إِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْمُطَابَقَةُ، وَعَدَمُ تَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ] 1 مُوجِبٌ لِطَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِفِعْلٍ مُطَابِقٍ، لَا بِفِعْلٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ. وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا نَظِيرُ الْأَمْرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِمَّا بِأَصْلِهِ، كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا بِوَصْفِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَمْ ينهَ عَنْهُ، وَلَأُمِرَ بِهِ أو أذن فيه، فإن الإذن هو المعرِّف2 أَوَّلًا بِقَصْدِ الشَّارِعِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ. فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، أَوِ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُطَابِقِ؛ فَذَلِكَ إِمَّا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمٍ وَلَا نَهْيٍ حَتْمٍ، وَإِمَّا لِرُجُوعِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ، وَإِمَّا لِعَدِّ النَّازِلَةِ من باب المفهوم [و] 3 المعنى الْمُعَلَّلِ بِالْمَصَالِحِ، فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ، وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هُوَ الْعُمْدَةُ. وَالثَّانِي: مَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَحُكْمُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ إِذَا صَارَ مطَّرَحًا شَرْعًا، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعْتَبَرِ؛ إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ كقتل النفس؛ إذ ليس

_ 1 ما بين المعقوفات زيادة من الأصل و"ط"، وسقط من النسخ المطبوعة كلها. 2 في "د": "المعروف". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، و"ط".

لِلْعَبْدِ خِيَرَةٌ فِي إِسْلَامِ نَفْسِهِ لِلْقَتْلِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ أَوِ الْمَأْمُورَ غَيْرَ الْمُطَابِقِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ فَذَلِكَ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ1، وَلِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ هُوَ الْمُغَلَّبُ. وَالثَّالِثُ: مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ هُوَ الْمُغَلَّبُ، وَأَصْلُهُ مَعْقُولِيَّةُ الْمَعْنَى، فَإِذَا طَابَقَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ؛ لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا حَسْبَمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فَهُنَا نَظَرٌ؛ أَصْلُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ أَوْ أَبْلَغَ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ فَرَضَ غَيْرَ حَاصِلٍ؛ فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِنْ حَصَلَ -وَلَا يَكُونُ2 حُصُولُهُ إِلَّا مُسَبِّبًا عَنْ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبَبِ الْمُخَالِفِ- صَحَّ وَارْتَفَعَ مُقْتَضَى النَّهْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْعَبْدِ3 وَلِذَلِكَ يُصَحِّحُ مَالِكٌ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ فَوْتِ الْعِتْقِ، فَإِذَا حَصَلَ4، فَلَا مَعْنَى لِلْفَسْخِ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْمَمْلُوكِ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ

_ 1 انظر لِمَ لَمْ يعتبر الوجه الرابع السابق هنا؛ وهو عد النازلة من باب المعلل، فيجري على حكمه، مع أنه في هذا أقرب من سابقه؛ لأن سابقه كان في التعبد المحض الذي يبعد فيه الحمل على هذا الوجه، بخلاف هذا النوع الثاني الذي فيه الحقان؛ فإنه حمله على المعلل أقرب من سابقه، إلا أن يقال: إنه أهدر الرابع رأسا حيث قال: "وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هو العمدة" "فلذلك لم يلتفت إليه هنا. "د". 2 لأنه لا يتأتى أن ينهى الشارع عن فعلٍ؛ محافظةً على مصلحة العبد، ثم يكون هذا الفعل المنهي عنه بنفسه محصلا لهذه المصلحة. "د". 3 أي: وأما بالنسبة إلى حق الله وهو الإقدام على المخالفة؛ فلم يرتفع مقتضاه من الإثم، سواء من جهة البائع أو جهة المشتري، وفضل العتق شيء آخر. "د". 4 أي: وقد حصل على وجه أبلغ؛ لأنه نجز عتقه، بخلاف المدبر؛ فإن عتقه مؤجل وقد لا يتم. "د".

الْغَيْرِ إِذَا أَسْقَطَ ذُو الْحَقِّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ فَرَضْنَاهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَمَلَ الْمُخَالِفَ بَعْدَ الوقوع؛ فذلك لأحد الأمور الثلاثة1.

_ 1 وتطبيقه في مسألة العبد جارٍ على الوجه الثالث، وهو أن المخالفة راجعة إلى وصف منفك؛ فالعتق وقع على ذات العبد الذي يمكن انفكاكه عن كونه مدبرا إلى أن يكون قنًّا صرفًا مثلا، كما قالوه في الدار المغصوبة؛ فالصلاة منفكة عن المكان المغصوب، والمكان المغصوب ينفك عن أن تقع فيه الصلاة؛ لأن الوصف ليس من الأوصاف اللازمة. "د".

الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ: لَمَّا كَانَتِ الدُّنْيَا مَخْلُوقَةً؛ لِيَظْهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْقَبْضَتَيْنِ1، وَمَبْنِيَّةً عَلَى بَذْلِ النِّعَمِ لِلْعِبَادِ؛ لِيَنَالُوهَا وَيَتَمَتَّعُوا بِهَا، وَلِيَشْكُرُوا2 اللَّهَ عَلَيْهَا فَيُجَازِيهِمْ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى، حَسْبَمَا بيَّن لَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي عَرَّفَتْنَا بِهَذَيْنِ مَبْنِيَّةً عَلَى بَيَانِ وَجْهِ الشُّكْرِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ3، وَبَيَانِ وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّعَمِ الْمَبْذُولَةِ مُطْلَقًا. وَهَذَانِ الْقَصْدَانِ أَظْهَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِمَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النَّحْلِ: 78] . وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23] .

_ 1 ورد في ذلك أحاديث كثيرة جدا عن جمع غفير من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى قال الشيخ صالح المقبلي في "الأبحاث المسددة" -كما في "فتح البيان" "3/ 406" لصديق حسن خان: "ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك". وتجد كثيرا من هذا الأحاديث في تفسير سورة الأعراف "آية 172" عند ابن جرير وابن كثير والسيوطي في "الدر المنثور" و"تفسير النسائي" "1/ 504-507"، والواحدي في "الوسيط" "2/ 424-425"، وفي "السنة" لابن أبي عاصم "باب ذكر أخذ ربنا الميثاق من عباده 1/ 87 وما بعدها، والسلسلة الصحيحة" "الأرقام 47-50، 848، 1623". 2 في الأصل: "ويشكروا". 3 وهو ما يشير إليه فيما بعد بقوله: "والثاني من جهة الوضع التفصيلي..... إلخ"، وقوله: وبيان وجه الاستمتاع بالنعم المبذولة مطلقا "أي: بوجه عام" سيشير إليه بقوله: "من جهة الوضع الكلي..... إلخ" والآيات من هذا النوع الثاني الكلي الإجمالي؛ أما التفصيل؛ فيكون بذكر تفاصيل الأحكام الشرعية وبيان ما يحل تناوله وما لا يحل..... إلخ. "د".

وَقَالَ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونَ} [الْبَقَرَةِ: 152] . وَقَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النَّحْلِ: 114] . وَقَالَ: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} الآية [إبراهيم: 7] . وَالشُّكْرُ هُوَ صَرْفُ مَا أُنعم عَلَيْكَ فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَعْنَى بِالْكُلِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى مَرْضَاتَهُ بِحَسْبِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "حَقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوه بِهِ شَيْئًا" 1. وَيَسْتَوِي فِي هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ. أَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ؛ فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَهِيَ أَيْضًا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّظَرِ الْكُلِّيِّ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} الْآيَةَ [الأعراف: 32] . وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 87] . فَنَهَى عَنِ التَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهُ تَعَدِّيًا عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا هَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُحَلَّلَاتِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَنْ رغب عن سنتي، فليس مني" 2.

_ 1 جزء من حديث أخرجه الشيخان، وقد تقدم تخريجه ص"538". 2 مضى تخريجه "1/ 522".

وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا وَضَعَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [الْمَائِدَةِ: 103] . وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} الآية [الأنعام: 138] . فَذَمَّهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ فِي الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ اخْتَرَعُوهَا، منها مجرد التحريم، وهو المقصود ههنا. وَأَيْضًا؛ فَفِي الْعَادَاتِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْكَسْبِ وَوَجْهِ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا أَيْضًا، وَلَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، حَتَّى يَسْقُطَ حَقُّهُ بِاخْتِيَارِهِ في بعض الجزئيات1، لا في

_ 1 نستفيد من هذا أمورا مهمة؛ هي: أولا: أن ناحية التعبد موجودة في كل حكم، حتى في الإباحة والحقوق، سواء كان معقول المعنى، بيِّنَةٌ حكمتُهُ أم غير معقول. ثانيا: حق الله وحق الفرد متلازمان، إذا وجد أحدهما وُجِد الآخر؛ فهما دائمان مجتمعان. ثالثا: بهذا لا ينفصل المعنى الديني عن كل معاملة أو تصرف؛ أداء لحق الله في صدق العبودية. رابعا: أن طبيعة الحق الفردي في الإسلام ليس فرديا خالصًا؛ بل هو حق مشترك، وتثبت له صفة مزدوجة هي الفردية والجماعية في وقت معًا. أما الفردية؛ فلأن الحق ليس بذاته وظيفة، بل هو ميزة تخول صاحبها الاستئثار بثمرات حقه؛ فحق الفرد أصلا شخصي. وأما الجماعية؛ فتبدو في تقييد هذا الحق بمنع اتخاذه وسيلة إلى الأضرار بغيره فردًا أو جماعة، قصدا أو بدون قصد، بالنظر إلى نتائج استعماله، كما سيأتي مفصلا عند المصنف. وما يحسن إيراده هنا ما ذكره أستاذنا الشيخ محمد المبارك رحمه الله تعالى في كتابه "ذاتية الإسلام" "ص10"، قال بعد كلام: "فالتشريع الإسلامي بالإضافة إلى موضوعيته وتنظيمه على أسس ظاهرة وضوابط موضوعية له جذور خلقية في النفس، وأصول اعتقادية تغذية وتمده وتدعم =

الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ1، وَنَفْسُ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَقِّ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالْإِتْلَافِ. فإذن الْعَادِيَّاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ الْكُلِّيِّ الدَّاخِلِ تَحْتَ الضَّرُورِيَّاتِ. وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَإِجْرَاءُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةَ أقسام2

_ = بناءه، فالتشريع غير منقطع الصلة بالأخلاق، وينفي عن التشريع الإسلامي صفة الفردية"، ويقول أيضا: "والإنسان الذي يؤمن هذا الإيمان ويعمل في الحياة في هذا الطريق ليس هو الإنسان الفرد المنعزل، بل هو الإنسان الموجود في إطار اجتماعي". خامسا: قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 108": "والحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي؛ فحق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات، والكفارات، ونحوها؛ وأما حقوق الآدميين، فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعارضة عليها". 1 أيك فليس كل حق للعبد له إسقاطه؛ فالنفس للشخص حق المحافظة عليها ولله ذلك الحق أيضا، ولكنه لا يسقط إذا أسقطه العبد بتعريضها للتلف، بل يؤاخذ المعتدي والمعترض، وهكذا كل الضروريات العادية من عقل ونسل ومال، وهو ما يشير إليه قوله: "من جهة الوضع الكلي الداخل تحت الضروريات". "د". قلت: انظر في هذا: "الفروق" "2/ 140 وما بعدها، الفرق الثاني والعشرون"، و"أصول الفقه" "ص46" لأبي زهرة. 2 لأن العادات فيها حق الله الصرف؛ وهو النظر الكلي، حتى لا يصح مثل تحريم ما أحل الله؛ وحق لله على العبد بالنسبة لغيره يسقط إذا أسقطه العبد، وحق له كذلك لا يسقط ولو أسقطه، فالأخيران حق لله على العباد يتعلق بهم بالنسبة لأشخاص آخرين كما هو ظاهر في الأمثلة بخلاف القسم الأول؛ فهو حق لله على العبد مباشرة ألا يحرم ما أحله ولا يفسد مال نفسه مثلا بقطع النظر عن عبد آخر. "د".

وَفِيهَا1 أَيْضًا حَقٌّ لِلْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: جِهَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُجَازًى عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ2، موقَّىً بِسَبَبِهِ عَذَابَ الْجَحِيمِ. وَالثَّانِي: جِهَةُ أَخْذِهِ لِلنِّعْمَةِ3 عَلَى أَقْصَى كَمَالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بالدنيا؛ لكن يحسبه فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] ، وبالله التوفيق. [انتهى السفر الأول من كتاب [الموافقات] 4.

_ 1 أي: في العادات، والوجه الأول يتحقق إذا سار فيها على مقتضى مرضاته تعالى وأدى شكرها. "د". 2 في الأصل: "بالنعيم". 3 فانتفاع العبد بالطيبات من النعم جعله الله تعالى حقا من حقوقه بحسب ما هيأه له من ذلك كما قال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الأعراف: 32] . فجعل ذلك حقا له؛ لكن لا مطلقا بل حسبما سن له ورسم حتى لا يكون فيه اعتداء على حق الغير، وكل شخص بحسب ما قسم له من ذلك؛ فليس الناس في ذلك سواء. "د". 4 زيادة من الأصل، وسقط من النسخ المطبوعة كلها ومن "ط".

الاستدراكات

الاستدراكات: استدراك 1: وهو مأخوذ من "كشف علوم الآخرة" "ص76" للغزالي، وهو طافح بالموضوعات والأباطيل، وحذر من أحاديثه ابن حجر في "الفتح" "11/ 434" بقوله: "وقد أكثر في هذا الكتاب من إيراد أحاديث لا أصول لها؛ فلا يغتر بشيء منها". وورد زيادة على المذكور هنا أشياء آخر، ولكن في خبر لكعب الأحبار عند أبي نعيم في "الحلية" "5/ 372-374"، وفي سنده الفرات بن السائب وهو متروك. استدراك 2: 1- كذا في "النفائس"، وفي جميع النسخ: "وقد". 2- في "نفائس الأصول": "الدخان، وزفر الأذهان، فيلزم...." استدراك 3: 1- في"النفائس": "أو مفسدة". 2- في "النفائس": فإنه تعالى يتوعَّد على".

5- في "النفائس": فإن المفيد هو....". 6- كذا في "ط" و"نفائس الأصول" وفي سائر النسخ: "أن". استدراك 4: وفي "ط": "التفصيل"، بالصاد المهملة مجودة، وفي "نفائس الأصول": "التفضل"، وهو الصواب، وبناء عليه تعلم ما في كلام "د" السابق. استدراك 5: قلت: قاله بسبب السقط الذي وقع عنده، وهو بين معقوفتين، وسبب النزول الآتي مضى تخريجه "1/ 93". استدراك 6: قلت: جاء في "ط" ما يصرح بذلك، ففيه: "صار صاحبه" [واليا] ، على حظ [عام] ....". استدراك 7: 1- "الإحياء" "4/ 380"، وما بين المعقوفتين منه فقط، وفيه: "مرتبط بدل "منهمك"، و"لحظة بدل "خطرة" -وفي الأصل: "خطوة"- وفي النسخ كلها: "في عمره" و"باعث فيه"، والمثبت منه. 2- كذا في "الإحياء" وفي النسخ جميعها: "الحياة". 3- كذا في "الإحياء"، وفي النسخ جميعها: "ليريح نفسه ويقوي". 4- انظره في "الإحياء" "4/ 380".

الموضوعات والمحتويات

الموضوعات والمحتويات: الموضوع الصفحة كتاب المقاصد 7 المقاصد لغة 7 كتب أُلِّفَت في موضوع المقاصد 7 قسما المقاصد 7 ما يرجع إلى قصد الشارع 7 ما يرجع إلى قصد المكلف 8 الأنواع الأربعة لقصد الشارع 8 وضع الشريعة لمصالح العباد ووضعها على معهود الأميين 8 تفصيل للأنواع الأربعة لمقاصد الشارع 8 توضيح المقاصد المطروقة في هذاالكتاب مقدمة كلامية مسلمة عند المصنف 9 توضيح حول قوله مسلمة، وتوجيهها بما يتفق أول الكلام بآخره 9 أحكام الله هل هي معللة؟ 9-12 من قال إنها غير معللة 9 من قال إنها معللة 11 موقف ابن القيم من القياس ومعارضيه 10 موقف المصنف من الظاهرية 10 قول الجويني في الظاهرية 10

مناقشة المصنف في نسبة نفي التعليل للرازي من أوجه عديدة 10-11 التعليل الفلسفي عند الرازي 10 بين الأشاعرة والمعتزلة 10 هل الخلاف في المسألة لفظي؟ 10 الرازي كثير الاضطراب بخلاف الغزالي 11 العلل بمعنى العلامات 11 مراجع لتوضيح المسألة والمذاهب فيها 11 إثبات علل تنقض قول الرازي 12 الاعتماد على الاستقراء لإثبات القاعدة المسلمة عند المصنف 12 الاستقراء مفيد للعلم 13 ثبوت الاجتهاد والقياس بإثبات العلة 11-13 الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَقَاصِدُ الشَّارِعِ 15 النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ 17 الشريعة والشرعة 17 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 17 تَكَالِيفُ الشَّرِيعَةِ تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مقاصدها في الخلق وهي: الضرورية والحاجية والتحسينية 17 تفسير الضرورية 17-18 حفظ الضروريات بأمرين من جانب الوجود ومن جانب العدم وتوضيح بعض ذلك في الحاشية 18 تمثيل الحفظ في أصول العبادات 18-19 التهارج ومعناه 18 الجهاد وحفظ الدين 18-19 تمثيل الحفظ في العادات والمعاملات والجنايات 18-20 مقصود المحافظة عند المصنف 18 البيوع هل مطلقها من الضروري؟ 19 الحرص على شرح كلام المصنف وتحريره 19-20

مجموع الضروريات الخمس، وأنها في كل ملة وترتيبها في الحاشية والاختلاف فيها 20، 21 حكم تعريض الأمم السابقة الغنائم للنار 21 تفسير الحاجيات وتمثيلها في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات 21-22 تفريق المصنف بين العادات والمعاملات 21-22 تفسير التحسينات وتمثيلها من السابقتين 22-23 المسألة الثانية 24 انضمام ما هو كالتتمة والتكملة إلى هذه المراتب 24 تمثيل ذلك للضروريات والحاجيات والتحسينات 24-25 الاهتمام بالضروريات وأنها الأصل 25 المسألة الثالثة 26 شرط كل تكملة أَنْ لَا يَعُودَ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْأَصْلِ بِالْإِبْطَالِ 26 توضيح ذلك بوجهين 26 خرق التكملة لمصلحة الأصل 26-27 ذكر صور لموضوع واحد يكون فيه ضروري وحاجي أو قد يكون تحسينيا 26-27 فائدة مهمة عن الجهاد وإقامته على كل حال من المصنف ومن أحد المحشِّين 27 تخريج حديث الجهاد مع جميع ولاة الأمر 28 قولهم: راوٍ في معنى المجهول 28 فائدة فقهية مهمة في الاستدلال على الجهاد مع ولاة الجور 28 الاهتمام بالصلاة أيضا حتى خلف المبتدعة وأئمة الجور حرصا عليها وعلى جماعة المسلمين 29 فوائد في الحاشية إتمام أركان الصلاة 29 إحالة المصنف على مصنف للغزالي لشرح أكبر وتأصيل 30 المسألة الرابعة المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية وباختلاله يختلان وبإخلالهما يختل الضروري جزئيا 31

وفيه مطالب خمسة: 31 الأول: أن الضروري أصل لما سواه 31 الثاني: اختلاله يؤدي إلى اختلال غيره 31 الثالث: اختلال الحاجي والتكميلي لا يلزم منه اختلال الضروري بإطلاق 31 الرابع: احتلالهما بإطلاق قد يلزم منه اختلال الضروري بوجه ما 31 الخامس: ينبغي المحافظة عليهما للمحافظة على الضروري 31-32 بيان المطلب الأول وأمثلة عليه 32-33 بيان المطلب الثاني وأمثلة عليه 33-35 حكم الوسائل مع المقاصد 34-35 تمثيل بأجزاء الصلاة 34 بيان المطلب الثالث 35-38 تمثيل بأنواع كثيرة منها العذر 36 بيان المطلب الرابع من أوجه 38 أحدها أن الضروريات آكد من غيرها 38 تخريج حديث الحلال بيِّن 38-39 التدرج في المعاصي بالأخف وهو أصل مقطوع به 39-40 تفسير حديث: لعن الله السارق يسرق البيضة 39 اقتصار المصلي على الفرض فيها 40 ثانيها: أَنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ آكد منها كالنفل إلى الفرض 40 والمندوب بالجزء ينتهض أن يكون واجبا بالكل 40 ثالثها: أَنَّ مَجْمُوعَ الْحَاجِيَّاتِ وَالتَّحْسِينِيَّاتِ يَنْتَهِضُ أَنْ يَكُونَ كل واحد منهما كفرد من الضروريات 41 الضيق والسعة ومكارم الأخلاق ومعاني العادات 41 تخريج حديث: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" 41 رابعها: الحاجي والتحسيني خادم للأصل الضروري 42 الخشوع في الصلاة 42-43 بيان المطلب الخامس: ويتضح بما تقدم 43

فائدة البحث 43 المسألة الخامسة 44 النظر في المصالح المبثوثة للعباد في الدنيا من جهتين: مواقع الوجود، وتعلق الخطاب الشرعي بها 44 المصالح في الدنيا غير محضة، بل تخالطها المفاسد والعكس صحيح 44-45 جريانها على التغليب والترجيح بينها 45 النظر الثاني تعلق الخطاب الشرعي بها 46 وأن الغالب في المصلحة هو المطلوب وقوعها والمفاسد الغالبة هي المطلوب دفعها، والمغلوبةمدفوعة شرعا 46-47 الخلاف لفظي في المسألة وثمرتها معلومة عقلا 47 الأدلة على ما سبق من ترجيح المصالح والمفاسد 47-48 أولًا: أن الجهة المغلوبة لو كانت مُعْتَبَرَةً عِنْدَ الشَّارِعِ لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ مَأْمُورًا به بإطلاق ولا منهيا عنه بإطلاق 47-48 والثاني: أنه التكليف بما لا يطاق 48 إشارة إلى مذهب المعتزلة أن الشرور والمفاسد غير مقصودة الوقوع 49-50 توجيه كلامهم في موضوع البحث، وأنه خارج البحث 50 المصالح في الشريعة 51 فصل: المصلحة أو المفسدة الخارجة عن حكم الاعتياد إذا انفردت 50 التمثيل عليها بأكل الميتة والنجاسات اضطرارا 51 الترجيح والتساوي في الأدلة المتعارضة 51-53 الحكم الشرعي للمجتهد وقاعدة مراعاة الخلاف 52 المسألة السادسة 54 المصالح والمفاسد في الآخرة على ضربين 54 ممتزجة وغير ممتزجة خالصة 54 الكلام على درجات النعيم والجحيم والعذاب 54-61 حرمان أهل الجنة من بعض ما استعجلوه مما حرم عليهم في الدنيا 58 مراتب العلماء والأنبياء 58 -59

فضل الأنصار 59 التفضيل والخيرية 60 -61 أهمية البحث في التفضيل وفائدتها وثمرتها 61 التفضيل بين الأنبياء 61 المسألة السابعة 62 مقاصد التشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية دون اختلال النظام 62 المسألة الثامنة 63 جلب المصالح ودفع المفاسد في الدنيا إنما هو بالنظر إلى الآخرة 63 أولا: إخراج المكلفين عن دواعي الهوى حتى يكونوا عبادا لله 63 ربط هذه المسألة بالمسألة الخامسة 63 ذم الشهوات 63 ثانيا: أن المنافع مشوبة بالمضار وكذلك العكس فليست محضة في الطرفين 64 التغليب فيها هو المعتمد والراجح 64 ثالثا: أن المنافع والمضار عامتها إضافية لا حقيقية 65 تفسير الإضافي هنا 65 رابعا: اختلاف الأغراض في الأمر الواحد فصل 66 قواعد تنبني على ما سبق 66 عدم استمرار إطلاق أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ وَفِي الْمَضَارِّ المنع 66-68 محاولة التوفيق بين كلام المصنف وبين كلام الرازي 66 هل يجتمع الإذن والنهي على أمر واحد والعمل بالترجيح 67 التمثيل بالخمر 67 إيراد إشكال للقرافي ومحاولة الإجابة عليه في باب المصالح والمفاسد واختلاطهما 68 ذكر مذهب المعتزلة في المصلحة والمفسدة والعلل 68 المباح والمصلحة والمفسدة 68 الوعيد والمصلحة والمفسدة 69 تفضيل مطلق المصلحة على مطلق المفسدة 69-70

تزلزل قواعد الاعتزال 68-70 مذهب الأشاعرة في المصلحة والمفسدة 70 مذهب المعتزلة كذلك وتتمته 71 إدراك المصلحة عندهم 71 العزيمة والرخصة عند الرازي 72 إشكلات عليه 72 تخريج حديث "لا ضرر ولا ضرار" 72-75 مدار الفقه على أحاديث منها هذا الحديث 75 متابعة الإشكالات على تعريف الرازي للرخصة 75 الموانع 75 ومن الفوائد في أصل البحث: بفهمها يحصل فهم كثير من آيات القرآن؛ أي التي في الموضوع 76 ومن الفوائد فهم كلام من قال: إن مصالح الآخرة تعرف بالشرع ومصالح الدنيا تعرف بالعقل، وأوجه النظر فيه 77-78 مصالح الدنيا والآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا بالشرع 78 المسألة التاسعة 79 أصول الشريعة وأصول أصولها قطعية، وأدلتها قطعية كذلك عقلية كانت أو نقلية 79 والظنية لا تفيد القطع ولا يستند إليها 79 هل في النصوص ما يفيد القطع نقلا بالتواتر مع قطعية الدلالة؟ 79-80 هل إذا احتفت بها قرائن يختلف الأمر؟ 80 الإجماع وكفايته في الموضوع، والإشكالات عليه 80-81 إثبات المسألة بالاستقراء وهو من كل الأدلة 81-82 استناد الإجماع إلى قياس أو اجتهاد 81 خبر الواحد والتواتر وإفادة العلم 82 المسألة العاشرة تخلف آحاد الجزئيات عن هذه الكليات لا يرفعها 83 التمثيل على ذلك 83-85

الاستقراء 84 مناهج العلوم ومنهج الشريعة 84 تخلف جزئيات الأصول العقلية والشرعية 84 تنبيه على تخلف الجزئيات أنها قد تكون داخلة ومعارضة أو لم يظهر وجه دخولها أو تخلفها لِحِكَمٍ خارجة عن مقتضى الكلي 84 المسألة الحادية عشرة 86 الْأَمْرُ فِي الْمَصَالِحِ مطَّرد مُطْلَقًا فِي كُلِّيَّاتِ الشريعة وجزئياتها 86 الرَّاجِحَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشَّيْءَ وَالنَّقِيضَ 86 تعدد الصواب والخلاف بين العلماء ومواطن الإجماع 86-89 المصالح والمفاسد وصفات الأعيان عند المعتزلة 89-90 المسألة الثانية عشرة 91 الشريعة والأمة تبعا للنبي صلى الله عليه وسلم كلهم معصومون 91 الاستدلال على ذلك بالنصوص والتفسير للآيات ومعنى حفظ الذكر 91-93 تحريف الإنجيل والتوراة 92 الاستدلال الثاني بالاعتبار الوجودي الواقع من زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى الساعة من قيام العلماء في شتى المجالات 93-95 المسألة الثالثة عشرة ثبوت قاعدة كلية في الأصول الثلاث لا يرفعها آحاد الجزئيات بل لا بد من المحافظة على القاعدة والجزئيات التابعة لها والاستدلال على ذلك بأوجه 96 منها الْعَتَبِ عَلَى التَّارِكِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ عذر 96 ومنها: أن المعاتبة والوعيد مستثنيان في الأعذار 96 ومنها: لا يصح القصد إلى التكليف بالكلي إذا كانت جزئياته غير مقصودة 96 مناقشة المؤلف في ذلك ومنها: مقصود الشارع جريان الأمور على نظام وترتيب بدون تفاوت واختلاف 97 توجيه المسألة هذه مع السابقة، وإيضاح عموم القاعدة عدم العارض المعارض 98-99

النَّوْعُ الثَّانِي: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ للإفهام 101 المسائل الخمس الأولى ضوابط لفهم مقاصد الشرع بالقرآن والسنة المسألة الأولى 101 القرآن الكريم عربي لغة وأسلوبا، ونقل عن الإمام الشافعي 101-104 هل في القرآن ألفاظ أعجمية 101-102 هل ينبني على الخلاف ثمرة 103 فهم اللغة عن طريق أخرى 104 المسألة الثانية تبيان ما تشترك فيه اللغة الغربية مع اللغات وما تنفرد به عنها من الألفاظ 105-106 فصل: في ترجمة القرآن 106-107 فصل: توضيح لما سبق وتأكيد عليه 107-108 المسألة الثالثة 109 الشريعة والأمة أميان وتفسير ذلك 109 الحكمة في ذلك 109 الاستدلال على ذلك بـ: 1- النصوص المتواترة لفظا ومعنى 109-111 الخلاف في كتابة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية 110-111 2- مناسبتها للأمة التي بعثت فيها 111 3- أنها لو لم تكن مناسبة لم تكن معجزة 111-112 زيادة توضيح لكلام المصنف وتمثيلها بالمواقيت 111-112 فصل: في ذكر العلوم التي عند العرب وما صحح وأبطل من الشارع 112 علم النجوم للاهتداء بها 112-113 تنبيه على أن هناك علوما وإشارات لا يفهمها العرب وتحتاج إلى ما يسمى الإعجاز العلمي للقرآن 113-114 علم الأنواء وأوقات نزول الأمطار 114 التحذير من الشرك في علم الأنواء 115 تخريج أحاديث في ذلك 116

علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية 117-118 تنبيه على أن القرآن لا يجاري كل ما عند العرب 117-118 من العلوم التي أبطلها الشارع: العرافة وَالزَّجْرِ وَالْكِهَانَةِ وَخَطِّ الرَّمْلِ وَالضَّرْبِ بِالْحَصَى وَالطِّيَرَةِ وإثبات الفأل وتفسير بعضٍ من هذه المصطلحات 118-119 الإلهام والرؤية الصادقة والفراسة 119 الطب وذكر أصوله 120-121 علوم البلاغة والفصاحة 121 ضرب الأمثال 122 توضيح ذلك 122 الأخلاق ومكارمها وإبقاء ما كان عند العرب وإبطال ما يبطل 122-124 ومن الأخلاق ما كان غير مألوف وبعضها مألوف وبعضها محرف عن الحق 124-125 والصواب 126 تحديثهم عن نعيم الجنة وخيرها 125-126 تضعيف حديث فضل قس بن ساعدة 126 الجدل والموعظة في القرآن وعند العرب 126 المسألة الرابعة: ما ينبني على ماسبق من قواعد: 127 الابتعاد عن إضافة علوم ليست مقصودة لكلام الله في القرآن وذكر جملة منها 127-128 ذكر ما للمتصوفة منها 127 العلوم الكونية والجدل والجنة ونعيمها والجحيم وعذابها ومعهودات العرب 128 التفسير العلمي للقرآن، الإسراء والمعراج 128 أدلة إضافة كل العلوم إلى القرآن ومناقشة ذلك 129 الحروف المقطعة في فواتح السور 129-130 أكثر من كذب عليه في هذه الأمة هو علي بن أبي طالب 130 علم الحيوان والتاريخ الطبيعي وعلوم العرب وما يصح إضافته إلى علوم القرآن من علوم العرب 130-131 التفسير العلمي للقرآن 130 فصل: لا بد من اتباع معهود الأميين في فهم الشريعة 131

الألفاظ والمعاني عند العرب وأن العرب تقصد المعاني لا ألفاظها 131 أدلة ذلك: أولا: جريان العمل على عدم اطراد ذلك عندهم 131 ثانيا: الاستغناء عندهم ببعض الألفاظ بما يرادفها ويقاربها 32-133 حديث: نزول القرآن على سبعة أحرف متواتر 132 تفسير الشخت والبؤس واليبس 133 ثالثا: قد تهمل العرب بعض أحكام اللفظ وإن كانت تعتبره في الجملة 134 تنبيه على تصحيف في بيت شعر ونسبته إلى مصادره وشرح غريبه 134 رابعا: مدح العرب الكلام البعيد عن تكلف الاصطناع 135 تفسير العواهن عند العرب في سياق قصة في ذم التكلف 135 استدراك على المصنف 135 فصل: عموم مسلك الفهم والإفهام في الشرع لجميع العرب دون فرق 136 تفسير الأحرف السبعة للحديث 136، 137، 138 تفسير "منآدهم" 137 فصل: الِاعْتِنَاءُ بِالْمَعَانِي الْمَبْثُوثَةِ فِي الْخِطَابِ هُوَ الْمَقْصُودَ الأعظم للشرع 138 تمييز المعاني الإفرادية عن الإضافية التركيبية 138-139 ذكر قصة عن عمر تدل على ذلك 140 لطيفة عن النووي في فهم "إيلاج الحشفة" 140 فصل: سهولة التكاليف بما يسع الأمي تعقلها 140 التكاليف الاعتقادية سهلة الفهم للجميع 141 فائدة عن الأسماء والصفات من المصنف 141-142 ذم السؤال والخوض فيما لا يعني 142 ذم التعمق 143 التكليف في العمليات بالتقريبات في الأمور وبالجلائل في الأعمال 143 لم يطالبوا بالحساب الدقيق 143-144 الورع استحضار النيات 145

المتشابه في الشرع 145 التعمق في الشرع 146 الورع وأنواعه 147 التفاوت في الشريعة في الأمور المطلقة 147 فهم الأمية على العوام والعلماء 147 التدرج في تنفيذ الأحكام 148-149 اعتياد الخير وتخريج حديث "الخير عادة" 150 المسألة الخامسة الدلالة على المعاني الأصلية والتابعة والتردد بينها 151 دلالتها على الأحكام لفهم معان زائدة في المعاني التابعة عن المعنى الأصلي 151 أثبتها فريق واستدل لها 151 تخريج حديث "تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي" 152 نجاسة الماء 153 أقل مدة الحمل 154 أمثلة أخرى 154-156 تبدل السماوات والأرض 158 خلود الكفار بالنار وما نسب لابن تيمية فيها 158-159 فصل: التنبيه على تعارض الأدلة وترجيح المصنف لمذهب المانعين163 إيراد إشكال فيه أمثلة سبعة 163 منها النداء والدعاء 163-164 الكناية فيما يستحيا من الألفاظ 165 الالتفات في الكلام 165-166 منها: الأدب في ترك التنصيص في نسبة الشر لله 166 منها: الأدب في المناظرة 167 ومنها: الآداب في إجراء الأمور على العادات 167-169 المنافقون ودخولهم في جملة المسلمين!! 168

النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ للتكليف بمقتضاها 171 المسألة الأولى: القدرة سبب أو شرط التكليف، والاعتراض على السببية هنا ومذهب المعتزلة والحنفيه فيه 171 التكليف بما يظهر أنه فوق قدرة العبد وتوجيه آيات وأحاديث في ذلك 171-174 تخريج حديث: "كن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل" 172-173 تخريج حديث: "لا تمت وأنت ظالمٌ" 172-173 المسألة الثانية: الأوصاف الطبيعية كالشهوات المختلفة في الإنسان لا يطالب برفعها أصلا 175 المسألة الثالثة: 176 ما كان كالأوصاف الطبيعية فحكمها مثلها سواء أكانت خفية أو ظاهرة 176 تخريج أحاديث في الجبلة والغرائز كالجبن والشجاعة والخيانة والكذب 176-177 أقسام تعلق الطلب الظاهر من الإنسان 178 الأول: ما لا يكون داخل تحت كسبه 178 الثاني: ما يدخل تحت كسبه 178 الثالث: ما يشتبه الأمر فيه كالحب والبغض، وتخريج أحاديث في ذلك 178-181 ومنها: الشهوات والمثيرات لها 180-181 النظر إلى المحرمات أو النساء 180-181 الغضب 181 فصل [مهم] : فقه الأوصاف الباطنة السيئة كالكبر والحسد.... واليقين والخوف أي المقصود اكتسابها 182-183 المسألة الرابعة 184 قسما الْأَوْصَافُ الَّتِي لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى جَلْبِهَا ولا دفعها ما كان نتيجة عمل وما كان فطريا 184 تعلق الجزاء بها 184 الفطري منها ما هو محبوب أو مبغوض للشارع والنظر فيه 184-190 فصل: ويصح تعلق الحب والبغض بالأفعال كما هو في الذوات والصفات190

تنبيه على كتب أبي الليث السمرقندي ومن على شاكلته 191 تعلق الثواب والعقاب على الصفات المطبوعة والأوجه في ذلك مع الأدلة 193 الكلام في الصفات 194 - فما بعد الأجور على المصائب 201 المسألة الخامسة: 204 الكلام على التكليف الشاق وبما لا يطاق مذاهب العلماء والفرق فيها 204-206 نقل عن ابن القيم في الموضوع 204-206 النظر في معنى الشاق من أربعة أوجه اصطلاحية 207 أحدها: أن يكون في مقدور المكلف 207 الثاني: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ خارج عن المعتاد ومنها ما يكون خاصا بأعيان الأفعال المكلف بها ومنها ما لا يكون خاصا 207-208 الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فيه من التأثير في تعب النفس 209 الرابع: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِمَا يَلْزَمُ عَمَّا قَبْلَهُ 209 توضيح في المسائل التالية: المسألة السادسة 210 لم يقصد الشارع إلى التكليف بالشاق الإعنات 210 الاستدلال على ذلك: أولا: بالنصوص 210-212 ثانيا: ما ثبت من مشروعية الرخص 212 ثالثا: الإجماع على عدم وقوعه 212-213 المسألة السابعة: 214 قصد الشارع للتكليف بما فيه كلفة ومشقة وإن كان لا يسمى في العادة المستمرة كذلك 214 أقسام المشاق: قسم لا تنفك عنه العبادة وقسم تنفك 214 تفرعات القسم الثاني 214 لفظ التكليف جاء في معرض النفي 215-216

مناقشة هذا القول 215 الجواب على المناقشة 216 توضيح حول ما يقصد به المكلف المشقة لا الأجر والثواب 217-221 فصل: توضيح قصد المكلف المشقة، وهل الأجر على قدرها؟ 222-229 فصل: الأفعال المأذون فيها وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ إِبَاحَةً إِذَا تَسَبَّبَ عنها مشقة معتادة أو غير معتادة وقصد الشارع إلى المشقة فيها 229 من كان يخشى على نفسه الفساد من الدخول في العمل 230 من لم يخش على نفسه وظن خلاف ذلك 231 اعتياد المشقة التي هي في الأصل غير معتادة 232 فصل: أسباب رفع الحرج عن المكلفين 233 أولا: الخوف للانقطاع عن العبادة ثانيا: خوف التقصير عند مزاحمة الأعمال 233 تخريج حديث: "إن هذا الدين متينٌ" 236-239 احتمال المشقة في الصالحات وأمثلة من اجتهاد السلف 242-244 فصل: المكلف مطلوب بأعمال ووظائف لا بد منها.... فإذا أوغل في عمل شاق فربما قطعه عن الوظائف التي هي إما حقوق لله أو حقوق للعبيد 247 تأكيد علة النهي عن الإيغال في العمل 250 أقسام الناس في الحظوظ أحدها: أرباب الحظوظ 251 عدم الترخص في موضع الترخص 251-252 السير مع الحظوظ مطلقا 252 الثاني: أهل إسقاط الحظوظ 255 فصل: المنهي عنه المسبب عنه مشقة أولى بالنهي 255 الكلام في الصفات 257-260 فصل: الْمَشَقَّةُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ خَارِجٍ لَا بسببه ولا بسبب دخوله في عمل 260 الإذن إلى دفعها ومراتبه 260

المسألة الثامنة: مخالفة الهوى شاق، وقصد الشارع إخراج المكلف عن اتباع هواه 264 المسألة التاسعة: انقسام المشقات إلى دنيوية وأخروية، والمشقات إذا أدت إلى تعطيل عمل شرعي آخر 265 المسألة العاشرة: المشقات الخاصة والعامة 266 تعارض المشقات والترجيح بينها 267 المسألة الحادية عشرة 268 العرف والمشقة 268 رفع الاعمال التي ترافقها مشقة غير معتادة 268-269 اختلاف المشقات 269-271 مشقات الإيمان 270 الحرج في الدين 272-273 فصل: الحرج العام والحرج الخاص ومناقشة ابن العربي 273 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: 279 الشَّرِيعَةُ جَارِيَةٌ فِي التَّكْلِيفِ بمقتضاها على الطريق الأوسط الأعدل وتقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال 279 تدرج خطاب الشرع في التكليف وأمثلة على ذلك 279 سبب نزول قول الله تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ على لاتقنطوا ... } 283 ذم الدنيا، والدعاء بكثرة المال لبعض الصحابة 284 جزاء المؤمنين في الآخرة 284 فصل: الشريعة حاملة على التوسط والميل عن التوسط لأحد الطرفين إنما هو لمعنى مقصود 286-287 كيفية معرفة التوسط 287 النَّوْعُ الرَّابِعُ: فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي دخول المكلف تحت أحكام الشريعة 289

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: 289 الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ مِنْ وَضْعِ الشَّرِيعَةِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ 289 أدلة ذلك: أولا: النص الصريح على أن العباد خلقوا للعبادة 289 ثانيا: مَا دَلَّ عَلَى ذَمِّ مُخَالَفَةِ هَذَا الْقَصْدِ 290 كل موضع ذكر فيه الهوى في القرآن فهو في موضع الذم 291-292 ثالثا: ما علم أن الاسترسال مع الهوى لا يحصل بسببه المصالح 292 إرجاع انهيار الحضارات إلى الأهواء 292 هل يمكن تصور وضع الشرائع للعبث 293-294 فصل: قواعد ينبني عليها ما سبق 295 منها: بطلان العمل المبني على الهوى دون التفات لأمر أو لنهي أو تخيير في المعاملات والعبادات 295-296 علامة الفرق بين العمل المبني على الهوى دون الالتفات للأمر وغيره وبين ما هو متبع للأمر أو ما ينوب مكانه 297 فصل: منها اتِّبَاعَ الْهَوَى طَرِيقٌ إِلَى الْمَذْمُومِ وَإِنْ جَاءَ في ضمن المحمود، لأسباب 298 أنه سبب تعطيل الأحكام 298 اعتياد النفس على الهوى التذاد النفس بالهوى 298 فصل: اتباع الهوى مظنة للاحتيال بالأحكام الشرعية على أغراضه 299 أصل ابتداع الفرق الضالة، إنما هو الهوى 299 المسألة الثانية المقاصد الشرعية: مقاصد أصلية ومقصاد تابعة 300 المقاصد الأصلية: لَا حَظَّ فِيهَا لِلْمُكَلَّفِ وَهَى الضَّرُورِيَّاتُ الْمُعْتَبَرَةُ في كل ملة 300 كونها عينية على كل مكلف 300 أو كفائية 301 المقاصد التابعة وهي التي روعي فيها حظ المكلف 302 -303 حكمة الشرع في خلق الشهوات ووضع الفطر في الإنسان 303

المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية 303 المسألة الثالثة: 305 أقسام الضروريات: مَا كَانَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ مَقْصُودٌ 305 ما ليس في حظ عاجل مقصود 305 أمثلة عليها وتوضيح لها 305-306 الصناعات والحرف من فروض الكفاية 306 القيام بالمصالح لحظ النفس وبواسطة الحظ في الغير 307 فروض الكفاية وحظوظ النفس 308 فروض الأعيان وحظوظ النفس 309 فصل: ما ليس للمكلف حظ بالقصد يحصل له فيه حظه بالقصد الثاني، وَمَا فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ حَظٌّ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ يَحْصُلُ فيه العمل المبرأ من الحظ 310-311 بيان ذلك 311-312 فصل: بالنظر إِلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي اعْتِبَارِ حُظُوظِ الْمُكَلَّفِ بالنسبة إلى قسم الكفاية نجد الاعمال أقساما ثلاثة: الأول: لا حظ فيه للمكلف معتبر بالقصد الأول 312 الثاني اعتبار حظوظ المكلف 312 الثالث: قسم متوسط بينهما يتجاذبه الطرفان كولاية أموال الأيتام 312-313 المسألة الرابعة: المباح المأذون فيه وصيرورته عبادة وعملا لله خالصا إذا خلصه العبد من الحظوظ 314 الاعتراض على المصنف في إيراد المسألة هنا وحقه إيرادها في قسم مقاصد الشرع بالتكليف والإجابة عن الإشكال 314 هل يَلْحَقُ بِهِ فِي الْحُكْمِ لَمَّا صَارَ مُلْحَقًا بالقصد؟ يحتمل وجهين 314 الأول: أن يقال إنه يرجع في الحكم إلى ما ساواه في القصد؛ وهو القيام بعبادة من العبادات المختصة بالخلق في إصلاح أقواتهم ومعايشهم 315 صور من أفعال السلف في هذا الوجه 315 الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُرْجَعُ فِي الْحُكْمِ إلى أصله من الحظ 319

أمثلة على هذا الوجه من افعال السلف 319 المسألة الخامسة: 328 العمل على وفق المقاصد الشرعية يقع إما على المقاصد الأصلية؛ وهي هذه المسألة، وإما على وفق المقاصد التابعة؛ وهي المسألة التالية 328 ما كان على المقاصد الأصلية فلا إشكال في صحته وسلامته مطلقا 328 ينبني عليه قواعد وفقه كثير حصول الإخلاص في العمل وصيرورته عبادة وبيان ذلك 328 مناقشات حول ذلك كعمل الرهبان والفرق الضالة حكم أهل الأهواء 335-336 فصل: به تصير تصرفات المكلف كلها عبادات 337 كنحو مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 337-338 فصل: بنقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب 339 فصل: تحريه من الْمُكَلَّفُ يَتَضَمَّنُ الْقَصْدَ إِلَى كُلِّ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ فِي الْعَمَلِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ درء مفسدة 340 فصل: يصير الطاعة أعظم ومعصيتها أعظم 343 فصل: قاعدة أصول الطاعة وجوامعها راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية وكبائرالذنوب وجدت في مخالفتها 343 المسألة السادسة: قد تصاحب المقاصد الأصلية العمل الواقع على وفق المقاصد التابعة وقد لا يصاحب والمصاحب بالامتثال وإلا فالهوى 344 المصاحب بالفعل 344 بيان كون المكلف عاقلا بِالْحَظِّ وَالِامْتِثَالِ، أَمْرَانِ: 344 أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ أمر عادي حتى يكون القصد مجرد الامتثال 345 حكم الذبح للجن والذبح للسلطان وتخريج حديث في ذلك وإثبات وجود الجن 346-347 النهي عن معاقرة الأعراب ومعنى الحديث 347-348 النهي عن طعام المتباريين 348-349

ثانيهما: إذا كان القصد إلى الحظ ينافي الأعمال العادية لكان العمل بالطاعات رجاء دخول الجنة أو الخوف من النار؛ كان عملا بغير الحق، وبيان بطلان ذلك بالأمثلة 350 مناقشة هذا وإبطال الأعمال بهذا القصد 353 الجواب عن الإيرادات وتقسيم العبادات 357 فصل: قسما الحظ المطلوب بالعبادات: 360 الأول: يَرْجِعُ إِلَى صَلَاحِ الْهَيْئَةِ وَحُسْنِ الظَّنِّ عِنْدَ الناس وتفصيل فيما إذا كان تابعا أو متبوعا 360 الثاني: يرجع إلى نيل حظه من الدنيا هذا قد يكون مراءاة، وقد يكون لحظ نفسه دون مراءاة 361-362 الثاني: ما يرجع إلى حظ نفسه دون مراءاة وأمثلة عنه، وذكر موطن الخلاف فيه وهي ما يسمى بمسألة الانفكاك 364 قصد العبادة مع العبادة 372 من حظوظ النفس قصد المراءات وهو باطل 373 فصل: العمل يكون إصلاحا للعادات الجارية بين الناس وهو حظ مراعىً من الشارع 373 وهو لا يستوي مع العبادات في اشتراط النية 374 قد صح الامتنان به في القرآن 374 الاعتراض بأن التجرد للحظ هنا قادح، ومناقشة ذلك 375 فصل: المقصود بالصحة والبطلان هنا 379 المسألة السابعة: 380 ضربا المطلوب الشرعي والنيابة فيهما الأول: العادات الجارية بين الخلق الثاني: العبادات اللازمة إن اختصت حكمتها بالمكلف 380 النيابة في الأول صحيحة إلا إذا اختصت حكمتها بالمكلف 380-381 الثاني: لا تصح النيابة فيه 381 الأدلة على ذلك: الأول: النصوص الدالة على ذلك 381-382

الثاني: المقصود من العبادات الخضوع لله 383 الثالث: لَوْ صَحَّتِ النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لَصَحَّتْ في الأعمال القلبية 383-384 فإن قيل: جاءت نصوص تدل على خلاف ما أصلتم 385 ثانيا: قاعدة الصدقة على الغير 387 ثالثا: تحمل العاقلة الدية في قتل الخطأ 388 استغفار النبي لأبويه 388-389 الاستغفار لأموات المشركين وأحيائهم 390 رابعا: النيابة في الأعمال الدبنية -غَيْرُ الْعِبَادَاتِ- صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ 390-391 خامسا: قد يجازى الإنسان على ما لم يعمل أ- كالمصائب النازلة 391 ب- النيات التي تتجاوز الأعمال 392 الجواب على هذه الإيرادات إجمالا 395 ثم بالتفصيل 396-397 التنبيه على أن المشكل هو الأحاديث التي هي معارضة للقاعدة والإجابة عنها: أولا: الأحاديث فيها مضطربة وتوضيح ذلك 397 ثانيا: اختلاف العلماء في تفسيرها 398 ثالثا: هناك من تأولها بترك اعتبارها مطلقا 399 رابعا: احتمال الخصوصية 399 خامسا: حمل بعض الأحاديث على ما تصح النيابة فيه 399 سادسا: مع قلة هذه الأحاديث فهي معارضة لأصل ثابت 400 فصل: مسألة هبة الثواب 400 أدلة من منع هبة الثواب 401 الأول: الهبة صحت في شيء مخصوص في المال 401 الثاني: العقاب والثواب وضعها الشارع كالمسببات إلى الأسباب 401 أدلة من أجاز: الأول: إذا جاز بالمال فالقياس يدخلها أو العموم 402

ثانيا: إذا كانت كالمسببات مع الأسباب صح الملك فيها والتصدق فيها 402 مناقشة حول الموضوع 402-403 الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: 404 مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِي الْأَعْمَالِ دوام المكلف عليها 404 فصل: حكم إلزام الصوفية أنفسهم من الأوراد وغيرها 405 المشقة قسمان: قسم يدخل من شدة التكليف وقسم من جهة المداومة عليه 405 الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ 407 الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمُكَلَّفِينَ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ لا يختص بحكم من أحكامها بعض دون بعض 407 الاستدلال: أولا: بالنصوص المتضافرة 407 ثانيا: وضع الأحكام ومصالح العباد يقتضي هذا وإلا لم تكن موضوعة لمصالح العباد بإطلاق: 408 الاستثناءات لا تضر 409 ثالثا: الإجماع 410 رابعا: لو جاز خروج بعض المكلفين في الأحكام لجاز في قواعد الإسلام 411 فصل: فوائد المسألة 412 أولا: إثبات القياس: 412 ثانيا: حسن الظن بالصوفية 412-413 مناقشات للمصنف في هذه الدعوى 413-414 المسألة العاشرة: كل مزية أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم فقد أعطيت أمته بعضا منها 415 توضيح ذلك: أولا: بالوراثة العامة 416 ثانيا: ذكر ثلاثين مثلا يوضح المقصود.... سردها 416-438 فصل: ما ينبني على ما سبق من قواعد 438 جَمِيعَ مَا أُعْطِيَتْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْمَزَايَا وَالْكَرَامَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْيِيدَاتِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ إِنَّمَا هِيَ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لكن على مقدار الاتباع 438

ذكر كرامات لصالحي الأمة وصحابتها وإظهار أنها من مشكاة النبي صلى الله عليه وسلم 438 فصل: تبيان أن كل كرامة أو خارقة ليس لها أصل في كرامات الرسول صلى الله عليه وسلم فهي غير صحيحة 444 تبيان ذلك بالأدلة والتمثيل من خوارق أهل الفلك والأحكام النجومية 444-445 الدعاء عبادة 446 طبائع الأحرف 446 فصل: تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بِمُقْتَضَى الْخَوَارِقِ مِنَ الْفِرَاسَةِ الصَّادِقَةِ وَالْإِلْهَامِ الصَّحِيحِ والكشف الواضح والرؤيا الصالحة 446 إثبات ذلك بالأحاديث 447 ومن عمل الصحابة 454 نسبة كتاب تفسير الأحلام المشهور 456 المسألة الحادية عشرة 457 مراعاة ما سبق تكون إلا أن تخرم حكما شرعيا أو قاعدة دينية 457 الحكم بالشهادة والعلم أو الرؤيا 457 أمثلة من السلف إثباتا ونفيا 458 الخوارق والمكاشفات عند الأولياء 462 قياس الخوارق بِمَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم 463 الخضر وموسى 463-466 استناد الحكايات عن الأولياء نص شرعي وهو طلب اجتناب حزاز القلب 466 أين يجوز العمل بالمكاشفات على الشرط السابق؟ 471 أحدها: العمل في أمر مباح 471 الثاني: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا لِفَائِدَةٍ يَرْجُو نَجَاحَهَا 471 رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الصلاة من وراء ظهره 472-473 الثالث: أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَحْذِيرٌ أَوْ تَبْشِيرٌ لِيَسْتَعِدَّ بكل عدته 473 المسألة الثانية عشرة: 475 عموم الشريعة إلى المكلفين جميعا، في كل أحوالهم، وفي عالم الغيب والشهادة

وحكم الظاهر والباطن يرد إلى الشريعة 475 الدليل على ذلك أمور: 475 أولا: تَرْكِ اعْتِبَارِ الْخَوَارِقِ إِلَّا مَعَ مُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الشريعة 475 ثانيا: الشريعة حاكمة لا محكوم عليها ثالثا: مُخَالَفَةَ الْخَوَارِقِ لِلشَّرِيعَةِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي نفسها 475 الخوارق مواهب من الله لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى كَسْبِهَا وَلَا عَلَى دفعها 477 فصل: كل خارقة إلى يوم القيامة لا يَصِحُّ رَدُّهَا وَلَا قَبُولُهَا إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا على أحكام الشريعة 481 تبيان ذلك 482 المسألة الثالثة عشرة: 483 التكليف مبني على استقراء عوائد المكلفين 483 مجاري العادات في الوجود أمر معلوم في الكليات لا مظنون، وأدلة ذلك: 483 أولا: الاستقراء في الشرائع إنما جيء بها على ذلك 483 ثانيا: الْإِخْبَارَ الشَّرْعِيَّ قَدْ جَاءَ بِأَحْوَالِ هَذَا الْوُجُودِ على أنها دائمة غير مختلفة 483 ثالثا: لولا إطراد العادات لما عرف الدين من أصله 484 قيل: بل الإطراد مظنون في أفضل أحواله، وأدلته 485 الإجابة على هذا 485 المسألة الرابعة عشرة ضربا العوائد المستمرة 488 أولا: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي 488 ثانيا: الْعَوَائِدُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ بِمَا لَيْسَ فِي نفيه ولا إثباته دليل 488 ثبوت العوائد الشرعية كسائر الأمور الشرعية 488 قد تتبدل العوائد الثابتة وذكر أمثلة للثابتة والمستبدلة 489 المستبدل: كغطاء الرأس من حسن إلى قبيح 489 أو تغير التعبير عن المقاصد 489 -490 أو تغير الأفعال في المعاملات كالنكاح 490 أو أمور خارجة عن المكلف كالبلوغ 491

أو أمور خارقة للعادة 491 فصل: اختلاف العوائد وأصل الخطاب وثبات الشريعة 491 المسألة الخامسة عشرة: العوائد الجارية في الضربين السابقين ضرورية الاعتبار شرعا 493 التدليل عليها من أربعة أوجه 493-495 فصل: انخراق العوائد المعتبرة شرعا لا يقدح في انخراقها، ذكر أمثلة متنوعة عنها 495 فصل: المكاشفات وأهلها وحكم الرجوع إلى أحكام العموم والإحالة على المسألة الثانية عشرة 501 الاستدلال على ردهم إلى حكم أهل العوائد الظاهرة: 501 أولا: أَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى حُكْمِ انْخِرَاقِ العوائد لم تنتظم لها قاعدة 501-502 ثانيا: أَنَّ الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ لَا تَطَّرِدُ أَنْ تَصِيرَ حكما يبنى عليه 502 ثالثا: عموم الشريعة، لا يجوز للوالي مخالفة الشريعة؛ لأنه داخل في عمومها 502-503 رابعا: أن أولى الخلق بالخروج عن أحكام العموم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، ولم يقع منهم ذلك 503-504 خامسا: أَنَّ الْخَوَارِقَ فِي الْغَالِبِ إِذَا جَرَتْ أَحْكَامُهَا مُعَارِضَةً لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا تَنْتَهِضُ أَنْ تَثْبُتَ ولو كضرائر الشعر 505 الاطلاع على المغيبات لا يَمْنَعُ مِنَ الْجَرَيَانِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ 506 الدخول في الأسباب تأدبا بآداب النبي صلى الله عليه وسلم 507 الخضر هل هو نبي؟ 507 كل ما اطلع عليه من أمور الغيب، فهو على ضربين: 508 إما مخالف لظواهر الشريعة، وإما غير مخالف، وتنبيه على حكم العمل بهما 508 المسألة السادسة عشرة: 509 العوائد بالنسبة إلى وقوعها في الوجود ضربان: 509 الأول: العوائد العامة التي لا تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال 509 الثاني: العوائد التي تختلف 509 يقضى بالأول على جميع الأعصار متقدمها ومتأخرها، والثاني لا يقضى به على من تقدم البتة حتى يأتي دليل على الموافقة من خارج 509

الاعتراض على المصنف بتعارضها مع المسألة الرابعة عشرة 509-510 فائدة المسألة 510 المسألة السابعة عشرة: 511 وضع الشارع أن الطاعة أو المعصية تعظمان بِحَسَبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الْمَفْسَدَةِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا الاستدلال على ذلك بالوعيد على انتهاك الضروري بخلاف التكميلي والحاجي 511 أقسام المصالح والمفاسد: الأول: ما به صلاح العالم وفساده الثاني: ما به كمال الصلاح أو الفساد 511 التمثيل على ذلك 512 المسألة الثامنة عشرة: 513 الأصل في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإنما هو التعبد، والعادات الأصل فيها المعاني 513 الاستدلال على العبادات وأن الأصل فيها ما ذكر: أولا: استقراء الادلة 513 ثانيا: لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّوْسِعَةَ فِي وُجُوهِ التَّعَبُّدِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ لَنَصَبَ الشَّارِعُ عليه دليلا واضحا كما نصب على العادات 514 ثالثا: عدم اهتداء العقول في أزمنة الفترات لأوجه التعبدات كنحو اهتدائهم لأوجه معاني العادات 518 فصل: أدلة الالتفات إلى المعاني في العادات: 520 أولا: استقراء أدلة الشرع 520 ثانيا: التوسع في تبيان العلل والحكم في هذا الباب 523 ثالثا: علم أهل الفترات بمعاني العادات والالتفات إليها 524 فصل: لا بد من وجود عادات فيها تعبد ولا بد من التسليم لها 525 علة بعض العادات مجرد الانقياد 526 الكوع وتفسيره 526-527 أصل سد الذرائع والنظر فيه 527

الأول: من جهة تشعبه 527 الثاني: من جهة ضوابطه 528 المسألة التاسعة عشرة: 529 كل ما ثبت اعتبار التعبد فيه فلا تفريع "قياس" عليه، وكل ما ثبت فيه اعتبار المعنى دُونَ التَّعَبُّدِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ التعبد لأوجه: 529 الأول: مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ حيث هو مكلف، عرف المعنى الذي شرع لأجله الحكم أو لم يعرف 529 هو لازم على رأي من قال بالحسن والقبح العقليين!! 530 الثاني: فَهْمُ حكمة من حكم شرع الحكم لا يمنع أن تكون ثَمَّ حكمة أخرى 530 الثالث: انقسام المصالح في التكليف على قسمين: الأول منهما: مَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَسَالِكِهِ الْمَعْرُوفَةِ كالإجماع 532 الثاني: ما لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالوحي فقط 533 الرابع من الأوجه: إذا جاز القصد إلى التعبد مع جواز اجتماع التعبد والالتفات إلى المعاني 534 الخامس: كون المصلحة تقصد بالحكم والمفسدة كَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّارِعِ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ نَفْيِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ 534-535 - حق الله في التكاليف وحق العباد 535 - قاعدة النهي يقتضي الفساد 536 السادس: لو حَصَلَ الثَّوَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَأُثِيبَ الْغَاصِبُ إِذَا أخذ منه المغصوب كرها 537 هل يلزم أن يفتقر كل عمل إلى نية؟ 537 فصل: نتيجة ما سبق أن الفعل غير خالٍ من حق لله وحق العبيد معا 538 فصل: الأقسام الثلاثة للأفعال بالنسبة إلى حق الله وحق الآدمي 539 الأول: حق الله الخالص 539 الثاني: ما هو حق لله وحق العبيد -مشتمل عليهما- والمغلب فيه حق لله 540 الثالث: ما اشتركا أيضا ولكن حق العبيد هو المغلب 541 فائدة هذا القسم معرفة سبب من صحح العمل المخالف بعد الوقوع 542

المسألة العشرون: شكر النعم والاستمتاع بها 543 خلقت الدنيا لِيَظْهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْقَبْضَتَيْنِ وَمَبْنِيَّةً عَلَى بَذْلِ النعم للعباد 543 تواتر أحاديث القبتضتين 543 اقتضاء ذلك أن تكون الشريعة عرفتنا بَيَانِ وَجْهِ الشُّكْرِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ، وَبَيَانِ وجه الاستمتاع بالنعم المبذولة مطلقا 543 وضوح ذلك في الاستدلال 543 تفسير الشكر 544 تعلق حق الله في العاديات ثلاثة أقسام: 546 الأول: مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ الْكُلِّيِّ الدَّاخِلِ تَحْتَ الضروريات 546 الثاني: مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ بين الخلق الثالث: وهو تتمة الثاني: إجراء المصلحة على وفق الحكمة البالغة 546 حق العبيد أيضا له نظران: من جهة الدار الآخرة والثواب عليه ومن جهة أخذه للنعمة على أقصى كمالها 547 الاستدراكات 549

المجلد الثالث

المجلد الثالث تابع كتاب المقاصد القسم الثاني: مقاصد المكلف ... [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم] 1 [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ] 2: فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى3: إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَالْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا المعنى لا تنحصر.

_ 1 زيادة من الأصل وسقط من النسخ المطبوعة كلها و"ط". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل وجميع النسخ المطبوعة، وأثبتناه من "ط". 3 تعرض المصنف هنا لنظرية "الباعث" أو"الدافع"، وهذا ما ركز عليه ابن تيمية في فقهه عموما، وترى ذلك في "الفتاوى الكبرى" "3/ 227"، و"مجموع الفتاوى" "18/ 256 وما بعدها 26/ 23 وما بعدها" له، وفي ترجمة أبي زهرة له أيضا "ص50 وما بعدها"، وتابعه على هذا تلميذه ابن القيم، ويستطيع الباحث أن يقرر أن الذي أصله المصنف هنا هو عين ما ذهب إليه ابن قيم الجوزية قبله؛ إذ جعل الباعث أو الدافع أصلا معنويا عاما تنهض به أدلة لا تحصى كثرة، حيث يقول في "إعلام الموقعين" "3/ 95-96": "وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن "المقاصد" والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات، كما هي معتبرة في التقربات والعبادات؛ فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالا أو حراما [في الأفعال] ، وصحيحا أو فاسدا [في العقود] ، وطاعة أو محرمة [في العبادات] ، أو صحيحه أو فاسدة"، ثم يشير إلى عين ما أشار إليه المصنف من أن الأدلة على هذا الأصل تفوت الحصر، ويأتي بالأدلة التفصيلية من القرآن والسنة في موضوعات شتى، تفيد بمجموعها إقامة هذا الأصل المعنوي العام على سبيل القطع. هذا ويؤكد الإمام ابن القيم هذا المعنى في غير ما موضع من موسوعته الفقهية "إعلام =

وَيَكْفِيكَ مِنْهَا أَنَّ الْمَقَاصِدَ1 تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُوَ عَادَةٌ وَمَا هُوَ عِبَادَةٌ، وَفِي الْعِبَادَاتِ بَيْنَ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَغَيْرُ وَاجِبٍ، وَفِي الْعَادَاتِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ، والصحيبح وَالْفَاسِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يُقْصَدُ بِهِ أَمْرٌ فَيَكُونُ عِبَادَةً2، وَيُقْصَدُ بِهِ شيء آخر، فلا يكون

_ = الموقعين" حيث يقول "3/ 109-110": "وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده [قضاء] ، وفي حله وحرمته [ديانة] ، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد، تحليلا وتحريما؛ فيصير حلالا تارة، وحراما تارة أخرى باختلاف النية والقصد، كما يصير صحيحا تارة وفاسدا تارة باختلافهما"، ويأتي بالأمثلة التطبيقية من أحكام الشريعة المستقاة من النصوص التفصيلية على ما يقول؛ كالذبيح الذي أهل ذبحه لغير الله، وكذلك الحلال "غير المحرم" يصيد الصيد للمحرم، فيحرم عليه، ويصيده للحلال؛ فلا يحرم عليه، وصورة الفعل واحدة، وإنما اختلفت "النية والقصد"؛ أي: الباعث. ويقول أيضا "3/ 82": "القصد روح العقد ومصححه ومبطله؛ فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ...."، ويقول "2/ 111": "النية روح العمل وقوامه، هو تابع لها في الحكم؛ يصح بصحتها، ويفسد بفسادها"، ويظهر هذا في كلامه على إبطال الحيل، وسيأتي بيان ذلك في موطنه من هذا الكتاب في القسم الخامس منه. انظر التعليق على المسألة "المسألة العاشرة" من الطرف الأول منه. 1 انظر في الذي سيذكره المصنف: "قواعد الأحكام" "1/ 207"، و"الذخيرة" "1/ 236- ط مصر"، و"الحطاب على خليل" "1/ 234"، و"الأشباه والنظائر" "ص12" للسيوطي. 2 كما تقدم في العادات المغلب فيها حق العبد، تكون عبادة بالنية، فإذا فقدت النية خرجت عن كونها عبادة؛ كالمباحات يأخذها من جهة الإذن الشرعي أو من جهة الحظ الصرف، والصلاة والعبادات يقصد بها الامتثال تكون عبادة، والرياء والجاه فتكون معصية. "د". قلت: ومن الأمثلة على أن النية تؤثر في الفعل؛ تارة حراما، وتارة حلالا، وصورته واحدة الذبح؛ فإنه يحل الحيوان إذا ذبح لله، ويحرمه إذا ذبح لغيره، والصورة واحدة. والرجل يشترى الجارية لموكله فتحرم عليه، ولنفسه فتحل له، وصورة العقد واحدة، وقال ابن القيم في كتاب "الروح": "الشيء الواحد تكون صورته واحدة، وهو ينقسم إلى محمود ومذموم، فمن ذلك التوكل والعجز، والرجا والتمني، والحب لله والحب مع الله، والنصح والتأديب، وحب الدعوة إلى الله وحب الرياسة، وعلو أمر الله والعلو في الأرض، والعفو والذل، والتواضع والمهانة، والموجدة والحقد، والاحتراز وسوء الظن، والهدية والرشوة، والإخبار بالحال والشكوى، والتحدث بالنعم شكرا والفخر بها، فإن الأول من كل ما ذكر محمود، وقرينه مذموم، والصورة واحدة، ولا فارق بينهما إلا القصد". انظر: "منتهى الآمال" "ص117-118" للسيوطي، و"مقاصد المكلفين" "ص71".

كَذَلِكَ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ. وَأَيْضًا؛ فَالْعَمَلُ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَإِذَا عُرِّيَ عَنِ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا؛ كَفِعْلِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ وَالْمَجْنُونِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى1: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الْبَيِّنَةِ: 5] . {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزُّمَرِ: 2] . {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ} [النَّحْلِ: 106] . وقال: {لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التَّوْبَةِ: 54] . [وَقَالَ] 2: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا [لِتَعْتَدُوا] 3} [الْبَقَرَةِ: 231] بَعْدَ قَوْلِهِ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الْبَقَرَةِ: 231] . [وَقَالَ] 2: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النِّسَاءِ: 12] [وَقَالَ] 2: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [الآية] 2. إلى قوله:

_ 1 رجوع لأصل الدعوى، وبيان اعتبار النية في العبادات والعادات. "د". 2 في جميع المواضع المعقوفات زيادة من الأصل. 3 ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.

{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آلِ عِمْرَانَ: 28] . وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ أمريء مَا نَوَى......" إِلَى آخِرِهِ1. وَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" 2. وَفِيهِ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ [مَعِي] فِيهِ شَرِيكًا؛ تَرَكْتُ نَصِيبِي لِشَرِيكِي" 3. وَتَصْدِيقُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الْكَهْفِ: 110] . وَأَبَاحَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ4 لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ لحم الصيد ما لم يصده أو

_ 1 مضى تخريجه "2/ 355" 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالما جالسا، 1/ 222/ رقم 123، وكتاب الجهاد، باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، 6/ 27-28/ رقم 2810، وكتاب فرض الخمس، باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره، 6/ 226/ رقم 3126، وكتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} ، 13/ 441/ رقم 7458"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الإمارة، باب مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فهو في سبيل الله، 3/ 1512-1513/ رقم 1904" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. 3 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله/ رقم 2985" بلفظ: "تركته وشركه"، وما بين المعكوفتين سقط من الأصل. 4 وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "صيد البر حلال لكم، ما لم يصيدوه أو يصد لكم"، وعند بعضهم: "لحم صيد البر ... " أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم، 3/ 203-204/ رقم 846"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الحج، باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، 5/ 187"، وأبو داود في "السنن" "كتاب المناسك، باب لحم الصيد للمحرم، 2/ 428/ رقم 1851"، والشافعي في "المسند" "رقم 839 – ترتيبه"، وأحمد =

...................................................................................................

_ = في "المسند" "3/ 362"، وابن خزيمة في "صحيحه" "4/ 180"، والطحاوي في "شرح ومعاني الآثار "2/ 171"، وابن حبان في "صحيحه" "9/ 283/ رقم 3971 – الإحسان"، والدارقطني في "السنن" "2/ 290"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 452، 476"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 190"، وابن عبد البر في "التمهيد" "9/ 62"، والبغوي في "شرح السنة" "7/ 263 – 264/ رقم 1989" من طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب عن جابر به مرفوعا. وإسناده ضعيف، وفيه علل: الأولى: الانقطاع بين المطلب وجابر. قال الترمذي عقبه: "المطلب لا نعرف له سماعا من جابر". وقال أبو حاتم في "المراسيل" "ص210": "عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع من جابر"، وقال ابن سعد: "كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل"، وقال البخاري: ""لا أعرف له سماعا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال الدارمي: "لا نعرف له سماعا من أحد من الصحابة"، كذا في "التلخيص الحبير" "2/ 276". الثانية: ضعف عمرو بن أبي عمرو. قال النسائي عقبه: "عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن كان هو روى عنه مالك"، وقال ابن حزم في "المحلى" "7/ 253": "خبر ساقط؛ لأنه عن عمرو بن أبي عمرو، وهو ضعيف". الثالثة: اضطراب عمرو بن أبي عمرو فيه. قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" "5/ 191" "فالحديث في نفسه معلول، عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه". قلت: واضطراب عمرو بن أبي عمرو في هذا الحديث على النحو الآتي: - أخرجه أحمد في "المسند" "3/ 189" ثنا سريج ثنا ابن أبي الزناد عن عمرو بن أبيي عمرو أخبراني رجل ثقة من بني سلمة عن جابر. - وأخرجه الشافعي في "المسند" "1/ 323"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "2/ 171"، والدارقطني في "السنن" "2/ 290 – 291" من طريق عبد العزيز الدراوردي عن عمرو بن =

يُصَدْ لَهُ1، وَهَذَا الْمَكَانُ أَوْضَحُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَقَاصِدَ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَلَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً بِإِطْلَاقٍ2، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ: - مِنْهَا: الْأَعْمَالُ الَّتِي يَجِبُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْفِعْلِ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ؛ إِذْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِكْرَاهُ إِلَّا لِأَجْلِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَهُوَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ، كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُطَالَبَ بِالْعَمَلِ أَيْضًا ثَانِيًا، وَيَلْزَمُ فِي الثَّانِي مَا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ، وَيَتَسَلْسَلُ أو يكون الإكراه

_ = أبي عمرو عن رجل من بني سلمة "وفي روايات: عن رجل من الأنصار" عن جابر. وأخرجه الدارقطني في "السنن" "2/ 290" من طريق الدراوردي عن سليمان بن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن رجل من بني سلمة عن جابر. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" "2/ 171" عن ابن أبي داود ثنا ابن أبي مريم أخبرنا إبراهيم بن سويد ثني عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. الرابعة: الكلام في المطلب؛ فهو مختلف فيه، وإن كان من رجال "الصحيحين"، قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير" "2/ 276". وأقوى العلل الأولى، وأضعفها الأخيرة، وقد أجيب عن الثانية بكلام ضعيف، وعن الثالثة بكلام فيه نوع قوة؛ إذ أقام بعض الثقات ممن روى عن عمرو إسناده، وإليه أشار الشافعي وتبعه البيهقي. وعلى آية حال، الإسناد ضعيف، وقد عزاه ابن حجر في "التلخيص" ل "أصحاب السنن" وهو ليس عند ابن ماجه، والله الموفق. 1 أي: فللقصد دخل في الحل والحرمة. "د". 2 في الأصل: "على الإطلاق"، وفي "ط": "بمعتبرة بإطلاق.

عَبَثًا1: وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، أَوْ يَصِحَّ2 الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. - وَمِنْهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَانِ: عَادَاتٌ، وَعِبَادَاتٌ، فَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي الِامْتِثَالِ بِهَا إِلَى نِيَّةٍ، بَلْ مُجَرَّدُ وُقُوعِهَا كَافٍ؛ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ والغصوب3، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِهَا؛ فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ؟ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِمَشْرُوطَةٍ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ أَيْضًا، بَلْ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا؛ فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ4 بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ

_ 1 أي أن الإكراه إما أن يتسلسل، وإما أن يقف عند حد دون أن يحصل غرض الشارع من الفعل امتثالا؛ فيكون الإكراه الذي حصل عبئا لم يفد مقصود الشارع، والعبث من الشارع محال؛ كما أن التسلسل في ذاته محال؛ فلم يبق إلا أن يكون العمل صحيحا مؤديا غرض الشارع بدون النية؛ فلا يتم الأصل المدعى. "د". 2 في الأصل: "فيصح". 3 في "د": "والمغضوب". 4 هم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، ومالك في رواية، وكذلك الغسل، وزاد الأوزاعي والحسن: التيمم، قاله العيني في "عمدة القاري" "1/ 36"، واختلف على الأوزاعي فيه اختلافا شديدا، انظره عند ابن المنذر في "الأوسط" "1/ 370". انظر في المسألة: "المبسوط" "1/ 72"، و"أحكام القرآن" "3/ 23"، و"معالم التنزيل" "2/ 218 - ط دار الفكر"، وانظر في الرد على من لم يشترط النية للوضوء والغسل: "الطهور" "ص201 – 207 بتحقيقي" لأبي عبيد، و"الخلافيات" "1/ مسألة رقم 7 – بتحقيقي" للبيهقي، و"المحلى" ""1/ 73"، و"المجموع" "1/ 312"، و"المغني" "1/ 91"، و"الأوسط" "1/ 369 وما بعدها"، و"بدائع الفوائد" "3/ 186-193"، و"إعلام الموقعين" "1/ 274-275، 2.293/ 287-3.288/ 122-124"، و"تهذيب السنن" "1/ 48". بقي بعد هذا تحرير مذهب مالك، نقل القرطبي في "تفسيره" "5/ 213 و15/ 233" عن الوليد بن مسلم عن مالك أنه كان لا يشترط النية في الوضوء، وحكى هذه الرواية عنه العيني في "العمدة" "1/ 36"، والباجي في "المنتقى" "1/ 52"، وابن العربي في "الأحكام" "2/ 559"، وأفاد ابن المنذر في "الأوسط" "1/ 370" أن الوليد حكاه عن مالك والثوري، وعقب عليه بقوله:: أما حكايته عن الثوري، فكما حكى لموافقته حكاية الأشجعي والعدني وعبد الرزاق والفريابيي عنه، وأما ما حكاه عن مالك؛ فما رواه أصحاب مالك عنه: وابن وهب وابن القاسم [في "المدونة" "1/ 32"] أصح، والله أعلم.

الصَّوْمُ1 وَالزَّكَاةُ2، وَهِيَ عِبَادَاتٌ، وَأَلْزَمُوا الْهَازِلَ الْعِتْقَ وَالنَّذْرَ، كَمَا أَلْزَمُوهُ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، والرجعة" 3.

_ 1 انظر ما سيأتي في التعليق على "ص19". 2 هو مذهب الأوزاعي، نظر إلى أن الزكاة عبادة مالية؛ فقاسها على إعادة الدين ورد العارية والمغضوب، هذا ونقل الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه"أصول الفقة" "ص324" أن مذهب جمهور الفقهاء: أن الزكاة لا يحتاج أداؤها إلى نية، وهو خطأ، انظر: "المجموع" "6/ 184". نعم، تستثنى النية عند بعضهم كالحنفية استحسانا فيما إذا تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة، وعللوا هذا الاستحسان بقولهم: "إن النية وجدت دلالة؛ لأن الظاهر أن من عليه زكاة لا يتصدق بجميع ماله، ويغفل عن الزكاة"، قاله الكاساني في "البدائع" "2/ 40"، وفي الهداية "2/ 492"، "الواجب عليه جزء منه، فكان متعينا فيه؛ فلا حاجة إلى التعيين"، وكذا زكاة الصبي والمجنون والمعتوه، وكذا ما قرره الفقهاء أن الممتنع من أداء الزكاة يكره على أدائها وتجزئ عنه. انظر: "الأم" "1/ 18، 19"، "والمجموع" "6/ 190"، و"الأشباه والنظائر" "ص22" لابن نجيم، و"الإنصاف" "3/ 196" للمرداوي، و"إبراز الحكم من حديث رفع القلم" "ص84" للسبكي، و"مقاصد المكلفين" "ص325-328". 3 أخرجه أو داود في "السنن" "كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، 2/ 664/ رقم 2194"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق 3/ 490/ 1184" وابن ماجه في "السنن" "كتاب الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا، 1/ 658/ رقم 2039"، وسعيد بن منصور في "سننه" "رقم 1603"، والدارقطني في =

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا؛ فَقَدْ جَازَ"1. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إِذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ: الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، والنكاح، والنذز1" 2.

_ = "السنن" "3/ 256، 4.257/ 18-19"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 198"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 712"، وابن خزيمة في "حديث علي بن حجر" "4/ رقم 54"، والبغوي في "شرح السنة" "9/ 219" من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، وعبد الرحمن من ثقات المدنيين"، وتعقبه الذهبي؛ فقال: "فيه لين". قلت: قال النسائي فيه: "منكر الحديث" ووثقه ابن حبان، قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "3/ 210" عن عبد الرحمن بن حبيب: "وهو مختلف فيه، قال النسائي: "منكر الحديث"، ووثقه غيره؛ فهو على هذا حسن. قلت: قوله "غيره" المراد به هو ابن حبان، وهو متساهل كما هو معروف؛ فإسناد الحديث ضعيف؛ إلا أنه صالح للشواهد، والحديث له شواهد كثيرة يجبر بها، ويصل إن شاء الله تعالى إلى درجة الحسن. وانظر: الحديث الآتي، و"نصب الراية" "3/ 293 – 294"، و"التلخيص الحبير" "3/ 209"، و"الإرواء" "1826". 1 أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "6/ 135/ رقم 10250" عن ابن جريج؛ قال: أخبرت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "من طلق أو نكح لاعبا؛ فقد أجاز"، وإسناده معضل. وأخرجه أيضا برقم "10249" عن إبراهيم بن محمد عن صفوان بن سليم؛ أن أبا ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من طلق وهو لاعب؛ فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب؛ فعتاقه جائز، ومن أنكح وهو لاعب؛ فنكاحه جائز"، وإسناده واه بمرة، إبراهيم هو الأسلمي، متروك، وفيه انقطاع. 2 أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" "رقم 1609، 1610"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "4/ 81- ط دار الفكر" من طريق الحجاج بن أرطأة عن سليمان بن سحيم عن سعيد بن المسيب به. ورجاله ثقات؛ إلا أن الحجاج مدلس، وقد عنعن. والأثر صحيح، له طرق عند عبد الرزاق في "المصنف" "6/ 134/ رقم 10248"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 341".

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهَازِلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَازِلٌ لَا قَصْدَ لَهُ فِي إِيقَاعِ مَا هَزَلَ1 بِهِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ2 فِيمَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَمْ يُفْطِرْ أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ3، وَمَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا ظَانًّا لِلتَّمَامِ؛ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ أَجَزَأَتْ عَنْهُ رَكْعَتَا النَّافِلَةِ عَنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ، وَأَصْلُ مَسْأَلَةِ الرَّفْضِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا4؛ فَجَمِيعُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ فِيهَا حَقِيقَةً5. - وَمِنْهَا: أَنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ فيه قصد الامتثال عقلا، وهو النظر

_ 1 انظر: "الفتاوي الكبرى" "3/ 149". 2 نقل القرافي في "الذخيرة" "1/ 511 – ط مصر" البطلان عن مالك، وعند الشافعية قولان مشهوران، أصحهما لا يبطل، انظر: "المجموع" "6/ 331"، وما مضى "1/ 344" مع التعليق عليه. 3 هو وإن كان قولا ضعيفا يكفي في ترويج السؤال. "د". 4 انظر بسط الخلاف في "المجموع" 1/ 388، 3/ 250 و6/ 331-332"، و"قواعد الأحكام" "1/ 214-215"، و"الحطاب على خليل" "1/ 240" و"الفروق" "1/ 204 و2/ 27" و"الذخيرة" "1/ 244، 511 – ط المصرية و1/ 217 و2/ 520- ط دار الغرب"، و"المحلى" "6/ 174"، و"مقاصد المكلفين" "ص239–242، وما مضى "1/ 344". 5 فالمدة التي وقع عليها الرفض عريت عن قصائد العبادة، وكذا الركعتان لم ينو فيهما الفرضية، ونية النفل لا تجزي عن نية الفرض عنده. "د". قلت: عدم الإجزاء هو مذهب الجمهور، انظر: "المغني" "1/ 468"، و"المجموع" "3/ 251"، و"فتح الباري" "12/ 328"، و"المحلى" "3/ 232 و4/ 50".

الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ، وَالْعِلْمِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ؛ فَإِنَّ قَصْدَ الِامْتِثَالِ فِيهِ مُحَالٌ حَسَبَمَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ؟ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ وَلَا أَنَّ كَلَّ تَصَرُّفٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَقَاصِدُ هَكَذَا مُطْلَقًا. لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْمَقَاصِدَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَعْمَالِ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخْتَارٌ، وَهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ مُعْتَبَرٌ بِنِيَّتِهِ فِيهِ شَرْعًا، قُصِدَ بِهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الشَّارِعِ أَوْ لَا، وَتَتَعَلَّقُ إِذْ ذَاكَ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ فَاعِلٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ غَرَضًا مِنَ الْأَغْرَاضِ، حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، مَطْلُوبَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ مَطْلُوبٍ شَرْعًا، فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَلَ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَؤُلَاءِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ؛ فَلَيْسَ هَذَا النَّمَطُ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ؛ فَبَقِيَ مَا كَانَ مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ لَا بد فيه من القصد، وإذ ذلك تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْكُلِّيَّةِ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ، وَكُلُّ مَا أُورِدَ فِي السُّؤَالِ لَا يَعْدُو هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ؛ فَإِنَّهُ إِمَّا مَقْصُودٌ لِمَا قُصِدَ لَهُ مِنْ رَفْعِ مُقْتَضَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْهَزْلِ أَوْ طَلَبِ الدَّلِيلِ أَوْ غَيْرِ ذلك؛ فيتنزل على ذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالِاعْتِبَارِ [وَعَدَمِهِ، وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى حَالٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ؛ فَمِنْ بَابِ خِطَابِ] الْوَضْعِ لَا مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ فَالْمُمْسِكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ لِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ إِنْ1 صَحَّحْنَا صَوْمَهُ؛ فَمِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ، كَأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نَفْسَ الْإِمْسَاكِ سَبَبًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ أَوْ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ شَرْعًا، لَا بِمَعْنَى أنه مخاطب به وجوبا، وكذلك ما

_ 1 كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة: "وإن" بزيادة واو.

فِي مَعْنَاهُ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فِعْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعَبُّدِيَّاتِ من حيث هي تعبديات؛ كُلَّهَا الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ لَا تَصِيرُ تَعَبُّدِيَّةً إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، أَمَّا مَا وُضِعَ عَلَى التَّعَبُّدِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَا إشكال فيه، وأما العادايات، فَلَا تَكُونُ تَعَبُّدُيَّاتٍ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ قَصْدَ التَّعَبُّدِ فِيهِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ أَلْبَتَّةَ، بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، أَمَّا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِنَفْسِ الْعَمَلِ1؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِهِ، بِخِلَافِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ؛ فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَصَارَ فِي عِدَادِ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى طَلَبِ هَذَا الْقَصْدِ أَوِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا. وَالثَّانِي: مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ بِالْكَلَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا اعْتُرِضَ بِهِ. فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ؛ فَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ وقصد امتثال الأمر؛ فلا يصح في عِبَادَةٌ2، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتُهُ فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ شَرْعًا؛ كَأَخْذِ3 الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغُصَّابِ، وَمَا افْتَقَرَ مِنْهَا إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ؛ فلا يجزيء فِعْلُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكْرَهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ حتى ينوي القربة4 كالإكراه

_ 1 الذي هو النظر؛ فهنا عمل وهو النظر الموصل للمعرفة وهو ممكن؛ فيتوجه التكليف به، وأما قصد الامتثال بهذا النظر؛ فغير ممكن لأنه لا يكون قصد الامتثال لأمر الله إلا بعد معرفة الله بهذا بالنظر؛ فصار القصد غير ممكن؛ فلا يخاطب به. "د". 2 في الأصل و"ط": "عادة". 3 في الأصل: "لأخذ". 4 قرر ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "26/ 30" الإجماع على أن الذي يؤدي العبادة خوفا من الضرب أو من السلطان، أو تقليدا للآباء والأجداد لا تقبل منه.

عَلَى الصَّلَاةِ، لَكِنَّ الْمُطَالَبَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ؛ فَلَا يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِإِعَادَتِهَا لِأَنَّ باطن الأمر غير معلوم للعباد، فلم يطلبوا بِالشَّقِّ عَنِ الْقُلُوبِ. وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْعَادِيَّةُ –وَإِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَى نِيَّةٍ-؛ فَلَا تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلَا مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلَّا مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ، وَإِلَّا كَانَتْ بَاطِلَةً1، وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّعَبُّدِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا بَانٍ عَلَى أَنَّهَا كَالْعَادِيَّاتِ وَمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ فَالطَّهَارَةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ2؛ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّ3 قَدِ اسْتَحَقَّهُ الْوَقْتُ؛ فَلَا يَنْعَقِدُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَصْرِفُهُ

_ 1 أي: بالمعنى الثاني المتقدم في مبحث البطلان، وهو عدم ترتب الثواب عليه في الآخرة. "د". وقال"خ": "صرح القرافي في الفرق الخامس والستين بما أشار إليه المصنف هنا من أن أداء الديون وما يشابهه ليس فيه ثواب حتى ينوي به امتثال أمر الله تعالى، ووافقه أبو القاسم بن الشاط في حال ما إذا نوى المكلف سببا للأداء غير الامتثال؛ كتخوفه أن لا يداينه أحد إذا عرف بالامتناع من الأداء، ثم قال: وإن عري عن نية الامتثال ونية غيره، ولم ينو إلا مجرد أداء دينه؛ فلقائل أن يقول: لا يحرم صاحب هذه الحالة الثواب استدلالا بسعة بابه، وهذا الوجه غير متين؛ فإن رحمة الله تسع كل شيء، ولكن الدلائل قامت على أن ثواب العمل مرتبط بالتوجه إليه من حيث إنه مطلوب للشارع، والعمل الذي لا يصاحبه هذا القصد، فلا يصح أن نثبت لصاحبه ثوابا إلا بدليل خاص". قلت: في "ط": "باطلا". 2 مذهب الحنفية أن ما كان وقته معينا كرمضان والنذر المعين لا يشترط فيه التبييت ولا التعيين؛ حتى إذا قصد غيره كأن نوى برمضان قضاء رمضان الفائت، أو نوى بالنذر المعين قضاء رمضان أو نفلا؛ فإن الصوم لا ينصرف إلا لصاحب الوقت، ويصح. "د". قلت: ما ذكره المصنف هو مذهب عطاء ومجاهد وزفر من الحنفية، ذكر الكاساني في "بدائع الصنائع" "2/ 83" ما يمكن أن يحتج به لزفر؛ فقال: "النية إنما تشترط للتعيين، والحاجة إلى التعيين إنما تكون عند المزاحمة، ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا في حق المقيم، وهو صوم رمضان؛ فلا حاجة إلى التعيين بالنية". انتهى.

قَصْدُ سِوَاهُ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الْعَادِيَّاتِ؛ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وجه الصحة وإن لم يقصدوه1.

_ = وقرر ابن رشد في "بداية المجتهد" "1/ 300" أن سبب الاختلاف في هذه المسألة ما ذكره المصنف، وهو الاحتمال المتطرق إلى الصوم: أهو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟ فهو يرى كما قرر المصنف أن من ذهب إلى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنها معقولة المعنى؛ قال: قد حصل المعنى إذا صام ولم ينوِ. وما مضى من نقل يوضح المثال الذي ذكره المصنف، بقي بعد هذا أمران: الأول: الجمهور يردون على الرأي السابق بالنصوص الآمرة بالنية في العبادات عموما، وأولى الشافعي في "الأم" "2/ 83" هذه المسألة اهتماما جيدا، وألزمهم بصورة قد تقع في الصلاة، ورد حجتهم في أن الصوم لا يحتاج إلى نية، لأنه معين بصورته؛ إذ له وقت محصور محدود، بأن هذا يمكن أن يقع في الصلاة؛ فوقت الصلاة قد يتضيق حتى لا يسع إلا الفرض، ومع ذلك لا بد للصلاة التي وقعت في الوقت المتضيق من نية. الثاني: أنكر الكرخي أن زفر يقول بصحة الصوم من الحاضر بغير نية، وادعى أن مذهب زفر كمذهب مالك، جواز الصوم بنية واحدة من أول الشهر، وقال آخرون: إن زفر رجع عن ذلك لما كبر. انظر: "الهداية" "2/ 92". انظر في المسألة: "المجموع" "6/ 336"، و"المحلى"" "6/ 161" و"غمز عيون البصائر" "2/ 78"، و"شرح ميارة على ابن كاشر" "ص341"، و"السيل الجرار" "1/ 20"، و"مقاصد المكلفين" "ص339-341"، وفيه اعتراض على توجيه المسألة على سبب الاختلاف الذي ذكره ابن رشد، وفي صنيعه هذا نظر، والله الموفق. 3 في الأصل: "التكلف". 1 مذهب أبي حنيفة أن الوليين لو صرحا بأن يكون بضع كل صداقا للأخرى؛ صح العقد ووجب مهر المثل لهما، وهذا مبني على أن العقد يصح ولو مع نفي المهر عنده؛ فإن الشغار آيل إلى نفي المهر، ويظهر أن الأصل: "وإن قصدوه"؛ أي: قصدوا الشغار، أي: فقد قصدوا ضد النكاح الشرعي، ومع ذلك لم يبطل؛ لأن العقد يصرفه إلى الحقيقة الشرعية، فيصح ويلزم مهر المثل، ويكون الشرط باطلا وقد يقال قوله: "وإن لم يقصدوه"؛ أي: الوجه الذي يصح العقد، بل قصدوا ما ينافيه؛ فتكون العبارة صحيحة، إلا أنه يبقى الكلام مع المؤلف في التمثيل به لأنه إذا كان المهر غير ركن ولا شرط في صحة العقد، بل مع نفيه في صلب العقد يصح؛ فقصده وعدم قصده لا يفيد في موضوعنا. "د".

وَأَمَّا النَّذْرُ وَالْعِتْقُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمُسَبَّبِ لَا يَنْفَعُهُ عَدَمُ قَصْدِهِ لَهُ عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَالْهَازِلُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ1 بِلَا شَكٍّ، وَهُوَ فِي الْمُسَبَّبِ إِمَّا غَيْرُ قَاصِدٍ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَإِمَّا قَاصِدٌ [أَنْ لَا يَقَعَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فيلزمه المسبب شاء أم أبى، وإذا قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ؛ فَبِنَاءً] عَلَى أَنَّهُ نَاطِقٌ بِاللَّفْظِ غَيْرُ قَاصِدٍ لِمَعْنَاهُ2، وَإِنَّمَا3 قَصَدَ مُجَرَّدَ الْهَزْلِ بِاللَّفْظِ، وَمُجَرَّدُ الْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حُكْمٌ إِلَّا حُكْمُ نَفْسِ الْهَزْلِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَدْ عُلِّلَ اللُّزُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ أَمْرٌ بَاطِنٌ4؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جِدٌّ وَمُصَاحِبٌ لِلْقَصْدِ لِإِيقَاعِ مَدْلُولِهِ، أَوْ يُقَالُ5: إِنَّهُ قَاصِدٌ بِالْعَقْدِ –الَّذِي هُوَ جِدٌّ شَرْعِيٌّ- اللَّعِبَ؛ فَنَاقَضَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ؛ فَبَطَلَ حُكْمُ الْهَزْلِ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى الْجِدِّ. وَمَسْأَلَةُ رَفْضِ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ على الصحة؛ فالنية الأولى

_ 1 وهو مجرد اللفظ. "د". 2 إن كان مراده بغير قاصد لمعناه أنه غير قاصد لحصول المسبب عنه وهو الطلاق والعتق؛ فغير وجيه لما ذكره آنفا، وإن كان مراده غير قاصد لنفس المعنى الموضوع له اللفظ؛ فغير واضح ونية الهزل باللفظ لا تخرجه عن كونه فاهما معناه وملاحظا له، غايته أنه لا يكون قاصدا به حصول المسبب هذا ما يقتضيه الهزل؛ فهذا القول كما ترى. "د". 3 في الأصل: "وأما". 4 أي: وهي مسائل كما ترى لها آثار عظمى في النسب والحرية والالتزامات، يحافظ الشارع عليها أشد المحافظة؛ فيعمل أسبابها الظاهرة كما هي، ولا يقبل فيها محاولة الهزل لأنه أمر باطن؛ فيجب أن يحمل على الجد، وإلا لانفتح باب واسع يفسد العصم، ويضيع الحربة والالتزامات التي يلتزمها المكلف بالنذر، حتى تكون دعواه الهزل كأنها ندم على ما حصل. "د". 5 لا ينافي الوجه قبله، ويصح ضمه إليه وإعمالها معا. "د".

مُسْتَصْحَبَةٌ حُكْمًا حَتَّى يَقَعَ الْإِفْطَارُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ لم يكن1؛ فيصح الصَّوْمُ، وَمِثْلُهُ نِيَابَةُ رَكْعَتَيِ النَّافِلَةِ عَنِ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّ ظَنَّ الْإِتْمَامِ لَمْ يَقْطَعْ عِنْدَ الْمُصَحِّحِ حُكْمَ النِّيَّةِ الْأُولَى، فَكَانَ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا وَالِانْتِقَالُ إلى نية التنقل لَغْوًا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الرَّفْضِ. وَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ؛ فَقَصْدُ التَّعَبُّدِ فِيهِ مُحَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الوجه الأول، وبالله التوفيق.

_ 1 في الأصل و"ط": "لم يقع".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَصْدُ الشَّارِعِ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي الْعَمَلِ مُوَافِقًا لِقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ وَضْعِ الشريعة؛ إذ قد مر أنها موضوعة

_ 1 ولذا منع مالك في "المدونة" "4/ 253، 254" بيع الخشبة لمن يستعملها صليبًا، وبيع العنب لمن يعصره خمرًا؛ كما يحرم بيع السلاح لمن يعلم أنه يريد به قطع الطريق على المسلمين أو إثارة الفتنة بينهم، وكذا لا يجوز في مذهب مالك بيع الجارية المملوكة من قوم عاصين يتسامحون في الفساد وعدم الغيرة، وهم آكلون للحرام ويطعمونها منه، ونص ابن فرحون في "التبصرة" "2/ 147" على حرمة بيع الدار لمن يعملها كنيسة، وفي "الشرح الكبير" للدردير مع "حاشية الدسوقي" عليه: "ويمنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرًا لا يجوز"، وذكر الأمثلة المتقدمة، وزاد: "وبيع أرض لتتخذ كنيسة أو خمارة"، و"النحاس لمن يتخذه ناقوسا"، وقيد ابن رشد أن الخلاف في هذا مقيَّد بما إذا علم البائع أن المشتري يفعل ذلك. ويستفاد من كلام المصنف في هذه المسألة والتي تليها التوسع في تطبيق مبدأ الذرائع، وهو مبدأ يتجه اتجاهين: الأول اتجاه إلى الباحث على التصرف، والثاني اتجاه إلى مآل التصرف. ومن الجدير بالذكر أن اعتبار القصد والباعث في العبادات والعادات أمر مجمع عليه ديانة؛ غير أن الخلاف بين الشافعية والحنفية من جهة، والحنابلة والمالكية من جهة أخرى في الطريقة التي يستدل بها على هذا؛ فذهب الأولون إلى أنه لا عبرة به إلا إذا دل دليل مادي ظاهر من العبارة تدرج في صيغة العقد، وأضاف الحنفية إلى ذلك أنه يعتبر أيضا إذا أمكن استخلاصه من طبيعة محل العقد، وتعينه طريقا إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة، أما الآخرون؛ فيكتفون بكل ما يدل عليه من ظروف وقرائن. انظر: "الأم" "3/ 65 و6/ 198"، و"اقتضاء الصراط المستقيم" "ص236 - ط الإفتاء" و"إعلام الموقعين" "3/ 92"، و"المغني" "9/ 331"، و"تبيين الحقائق" "4/ 190"، و"تبصرة الحكام" "2/ 14"، و"حاشية ابن عابدين" "5/ 250"، و"السيل الجرار" "3/ 23"، وكتابنا "المال الحرام وأحكامه" يسر الله إتمامه. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن نظرية الباعث التي فصل المصنف فيها القول لم يكتشفها التشريع الوضعي إلا في العصر الحديث، وقد سماها "نظرية السبب الحديثة"، والاجتهاد بالرأي في التشريع =

لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنَ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنْ لَا يَقْصِدَ خِلَافَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ، وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ خُلِقَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْقَصْدِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ –هَذَا مَحْصُولُ الْعِبَادَةِ-؛ فَيَنَالَ بِذَلِكَ الْجَزَاءَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ مَرَّ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ وَمَا رَجَعَ إليها من الحاجيات والتحسينات، وَهُوَ عَيْنُ مَا كُلِّفَ بِهِ الْعَبْدُ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا بِالْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا عَلَى الْمُحَافَظَةِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ1 أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي2 إِقَامَةِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ

_ = الإسلامي كان له فضل السبق في استنباطها على نحو كلي واسع، جعلها تنبسط بظلها على جزئيات وقوعية، ومعاملات جارية في المجتمع لا تحصى كثرة، مما يقيم الدليل البين على اعتبار الجزئي بالكلي، واعتبار الكلي بالجزئي كيلا يقع التخالف المحظور شرعا كما قدمنا، فضلا عن أنها نظرية جاءت توثيقًا وحماية لمقاصد التشريع. هذا بالنسبة للتطبيق الذي ينهض به المكلفون عامة؛ امتثالا لأحكام التشريع، وتنفيذًا لها، أما بالنسبة للمجتهد بوجه خاص؛ فإن عليه أن يحدد "المقصد الشرعي" في حكم كل مسألة على حدة ليتمكن من تبين صحة أو دقة اندراجها في المقاصد العامة للتشريع التي اتجهت جملة التكاليف إلى تحقيقها اعتبارا للجزئي بالكلي، وهذا لون من الجهد العقلي الاجتهادي. 1 أي: حقيقة كون العبد مكلفا بالمحافظة على الضروريات، وما يرجع إليها أن يكون خليفة الله في إقامتها بمباشرته الأسباب الظاهرة التي رسمها الله تعالى في الشرائع وأودع في العقول إدراكها. "د". 2 انظر في استخدام هذا اللفظ: "زاد المعاد" "2/ 37"، و"مفتاح دار السعادة" "ص165" -كلاهما لابن القيم- وقرر فيهما: إن أريد بإضافة "الخليفة" إلى الله سبحانه وتعالى أنه خليفة عنه؛ فالصواب منعه لأن الخليفة إنما يكون عمن يغيب ويخلفه غيره، وهذا محال في حق الله تعالى؛ لأنه شاهد غير غائب، وإن أريد بالإضافة أن الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله؛ فهذا لا يمتنع فيه الإضافة. وانظر: "معجم المناهي اللفظية" "ص156-157 - ط الأولى".

وَمِقْدَارِ وُسْعِهِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ خِلَافَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ عَلَى كُلِّ مَنْ تَعَلَّقَتْ لَهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" 1. وَفَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الْحَدِيدِ: 7] . وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [الْبَقَرَةِ: 30] . وَقَوْلُهُ: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الْأَعْرَافِ: 129] . {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الْأَنْعَامِ: 165] . وَالْخِلَافَةُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ حَسَبَمَا فَسَّرَهَا الْحَدِيثُ حَيْثُ قَالَ: "الْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ؛ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" 2، وَإِنَّمَا أَتَى بِأَمْثِلَةٍ3 تُبَيِّنُ أَنَّ الْحُكْمَ كلي عام غير مختص؛ فلا يختلف عَنْهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْوِلَايَةِ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً؛ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، يُجْرِي أحكامه ومقاصده مجاريها، وهذا بين.

_ 1 سيأتي تخريجه قريبا. 2 أخرجه البخاري في "صحيحة" "كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، 2/ 380/ رقم 893، وكتاب الاستقراض، باب العبد راع في مال سيده ولا يعمل إلا بإذنه، 5/ 69/ رقم 2409، وكتاب العتق، باب العبد راع في مال سيده ونسب النبي صلى الله عليه وسلم المال إلى السيد، 5/ 181/ رقم 2558، وكتاب الوصايا، باب تأويل قوله تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ، 5/ 377/ رقم 2751، وكتاب الأحكام، باب قوله الله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ، 13/ 111/ رقم 7138"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، 3/ 1459/ رقم 1829" عن ابن عمر رضي الله عنهما بألفاظ متقاربة، وفي الباب عن أنس وابن عباس والمقدام بن معدي كرب وأبي لبابة وأبي موسى وأبي هريرة وعائشة وابن مسعود قوله تكلمت على تخريجها في تحقيقي لـ"فضيلة العادلين" لأبي نعيم مع "تخريجه" للسخاوي "رقم 1". وفي الأصل: والمرأة راعية في بيت". 3 أي: فليس الغرض الحصر فيما ذكره؛ لأنه لم يذكر أعم الولايات وهي ولاية الشخص ورعايته لما رسم بالنسبة لنفسه، ولم يذكر في هذه الرواية أيضا ولاية العبد في مال سيده التي ذكرت في طريق آخر؛ فهذا يدل على ما قال، وهو أنه إنما ذكر أمثلة فقط. "د".

مختص؛ فلا يختلف عَنْهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْوِلَايَةِ، عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً؛ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، يُجْرِي أَحْكَامَهُ وَمَقَاصِدَهُ مَجَارِيَهَا، وَهَذَا بَيِّنٌ. فَصْلٌ: وَإِذَا حَقَّقْنَا تَفْصِيلَ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِ وَجَدْنَاهَا تَرْجِعُ إِلَى مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ1، وَفِي مَسْأَلَةِ دُخُولِ الْمُكَلَّفِ فِي الْأَسْبَابِ2؛ إِذْ مَرَّ هُنَالِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْهَا يُؤْخَذُ الْقَصْدُ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ؛ فَعَلَى النَّاظِرِ هُنَا مُرَاجَعَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ مَا أَرَادَ إن شاء الله3.

_ 1 في المسألة السادسة هناك أن الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكُ بِالْمَقَاصِدِ. "د". 2 في المسألة السادسة من النوع الرابع، وهو دخول المكلف تحت أحكام الشريعة، حيث جعل ما تعبد الله به العباد نوعين: دينيًا، ودنيويًا، ثم جعل الديني من حيث قصد المكلف نوعين، وجعل الدنيوي من حيث قصده ثلاثة أقسام. "د". قلت: غلط الشيخ دراز في إحالة المصنف، والصواب أنه أحال على المسألة السادسة من مسائل الأحكام الوضعية "1/ 321 وما بعد". 3 سبق أن قرر المصنف في المسألة الثالثة من مسائل الأحكام الوضعية "1/ 308" "أنه لا يلزم في تعاطي الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ولا القصد إليها"؛ أي: أن المكلف يكفيه أن يأتي بالأسباب على وجهها الصحيح المشروع، وليس مكلفا بالقصد إلى مسبباتها =

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كُلُّ1 مَنِ ابْتَغَى فِي تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ غَيْرَ مَا شُرِعَتْ لَهُ؛ فَقَدْ نَاقَضَ

_ = لأنه غير مكلف بالمسببات "النتائج"؛ فالله تعالى هو الذي يتولى أمر المسببات ويرتبها على أسبابها، قال هنالك "1/ 316-317": "فإذًا: قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط بها بالقصد التكليفي؛ فلا يلزم قصد المكلف إليه؛ إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا دليل عليه"، وقال "1/ 315": "فليس في الشرع دليل ناص على طلب القصد إلى المسبب". وقرر في بداية هذه المسألة "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع"؛ فهذا يقتضي أن يقصد المكلف بالأسباب ما شرعت لأجله من المسببات، فالقصد إلى المسببات -وعلى وفق ما قصده الشارع بها- مطلوب إذًا من فاعل الأسباب، بينما الذي سبق تقريره أن المكلف غير ملزم بهذا؟! والمصنف لم يكن غافلًا عن هذا "التناقض"، والذي أحالنا عليه فيه تعرض بتفصيل وتقعيد لرفعه، ومفاده أنه على أقسام ومراتب، فمنه ما يلتفت فيه إلى المقاصد والمسببات، ومنه ما لا يلتفت. 1 دليل منطقي مؤلف من صغرى وكبرى، ثم النتيجة، وقال: إن الكبرى ظاهرة، ولم يترك التنبيه عليها؛ فقال: "فإن المشروعات إنما وضعت ... إلخ"، ودلل على الصغرى بالأدلة الستة، إلا أنه بالتأمل يرى أن الدليل الأول منها جميعه ما عدا قوله أخيرًا: "فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار ... إلخ"، هو في الواقع بيان وشرح للتنبيه على المقدمة الكبرى، وبسط للكلام فيما ينبني عليه قوله: "فإذا خولفت لم يكن ... إلخ"؛ فهذا الكلام في الدليل الأول مرتبط ارتباطا تاما ببيان المقدمة الكبرى، وليس بنا حاجة إليه في الاستدلال على المقدمة الصغرى، ويكفي في الدليل الأول أن يقول: لأنه إذا قصد المكلف غير ما قصده الشارع؛ فقد جعل ما قصده الشارع مهمل الاعتبار، وما أهمل ... إلخ، ولا حاجة لما قبل ذلك من المقدمات. "د". قلت: لئن كان المطلوب من المكلف بصفة إجمالية أن يجعل قصده في العمل موافقا لقصد الشارع من التشريع؛ فإن عامة المكلفين قد لا يعرفون بالتفصيل مقاصد الشارع في كثير من أحكامه وتكاليفه؛ فكيف يفعلون حتى يكون قصدهم في كل عمل موافقًا غير مخالف لقصد الشارع في ذلك العمل، ويكونوا على اطمئنان من ذلك؟ والجواب على هذا السؤال نجده في المسألة الثامنة؛ فانظره هناك. ومما ينبغي ذكره أن الاجتهاد تكليف من تكاليف الشريعة لأنه فرض كفائي؛ فيدخل في مضمون هذا الأصل وحكمه، ولذا اشترط المصنف في كتابه الاجتهاد "القسم الخامس" في المسألة الثانية من الطرف الأول منه أن العالم لا يبلغ درجة الاجتهاد؛ إلا إن فهم مقاصد الشريعة.

الشريعة، و [كل] 1 ما نَاقَضَهَا؛ فَعَمَلُهُ فِي الْمُنَاقَضَةِ بَاطِلٌ، فَمَنِ ابْتَغَى فِي التَّكَالِيفِ مَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ؛ فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ. أَمَّا أَنَّ الْعَمَلَ الْمُنَاقِضَ بَاطِلٌ؛ فَظَاهِرٌ، فَإِنَّ2 الْمَشْرُوعَاتِ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا خُولِفَتْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْأَفْعَالِ الَّتِي خُولِفَ بِهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ وَلَا دَرْءُ مَفْسَدَةٍ. وَأَمَّا أَنَّ مَنِ ابْتَغَى فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ؛ فَهُوَ مُنَاقِضٌ لَهَا؛ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَفْعَالَ والتُّرُوكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَفْعَالٌ أَوْ تُرُوكٌ مُتَمَاثِلَةٌ عَقْلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُقْصَدُ بِهَا؛ إِذْ لَا تَحْسِينَ لِلْعَقْلِ وَلَا تَقْبِيحَ3، فَإِذَا جاء الشارع

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 2 في نسخة "ماء/ ص227": "لأن". 3 يسلم الأشاعرة أن للفعل حسنا وقبحا، بمعنى أنه منشأ للمصلحة أو المفسدة، وإنما ينكرون الحسن والقبح على معنى أن يكون الثواب والعقاب مرتبط بذلك الوجه، بحيث لا يصح في العقل أن يتخلف الثواب والمدح عما فيه مصلحة، والعقاب والذم عام فيه مفسدة؛ إذ لا يرون أن الأمر بما فيه فساد والنهي عما فيه صلاح يخل بوصف الحكمة؛ لأن الحكمة في صفات الباري ليست في مذهبهم رعاية المصالح والمفاسد، بل هي اتصافه بصفات العلم والإرادة وغيرها من صفات الكمال. "خ". قلت: انظر مناقشة الأشاعرة في "مجموع الفتاوى" "8/ 90 وما بعدها، وما مضى "1/ 125".

بِتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنَ لِلْمَصْلَحَةِ وَتَعْيِينِ الْآخَرِ لِلْمَفْسَدَةِ؛ فقد بين الوجه الذي منه تحصيل الْمَصْلَحَةُ فَأَمَرَ بِهِ أَوْ أَذِنَ فِيهِ، وَبَيَّنَ الْوَجْهَ الَّذِي بِهِ تَحْصُلُ الْمَفْسَدَةُ؛ فَنَهَى عَنْهُ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، فَإِذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ عَيْنَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ بِالْإِذْنِ؛ فَقَدْ قَصَدَ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ؛ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ تَحْصُلَ لَهُ وَإِنْ قَصَدَ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيمَا قَصَدَ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَقْصِدُ وَجْهَ الْمَفْسَدَةِ كِفَاحًا؛ فَقَدْ جَعَلَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ مُهْمَلَ الِاعْتِبَارِ، وَمَا أَهْمَلَ الشَّارِعُ مَقْصُودًا مُعْتَبَرًا، وَذَلِكَ مُضَادَّةٌ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرَةٌ. وَالثَّانِي 1: أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْقَصْدِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ مَا رَآهُ الشَّارِعُ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدُ هَذَا الْقَاصِدِ ليس بحسن، وما لم يره في الشَّارِعُ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدَهُ حَسَنٌ، وَهَذِهِ مُضَادَّةٌ أَيْضًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} الآية [النساء: 115] . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ، مَنْ عَمِلَ بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَالَفَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مصيرا"2، والأخذ في خلاف مآخذ

_ 1 قريب مما قبله؛ لأن إهمال ما قصده الشارع وقصد ما أهمله إنما يكون غالبا لتوهم أن المصلحة والحسن فيما قصد. "د". 2 أخرجه الآجري في "الشريعة" "48، 65، 306"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ" "3/ 386" -ومن طريقه اللالكائي في "شرح اعتقاد أهل السنة" "رقم 134"- وابن عبد البر في "الجامع" "2/ 1176/ رقم 2326" من طريقين عنه، أحدهما فيها انقطاع بين مالك وعمرو بن عبد العزيز، والآخر فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وله طرق به يصح، وانظر: "4/ 461". وكان مالك رحمه الله يعجبه هذا الأثر، ويستدل به على المبتدعة، قال القاضي عياض في "ترتيب المدارك" "1/ 172 - ط بيروت": "قال مطرف: سمعت مالكا إذا ذكر عنده فلان من أهل الزيغ والأهواء يقول: قال عمر بن عبد العزيز "وذكره"، قال: "وكان مالك إذا حدث بها ارتج سرورًا"، وسيأتي نحوه عند المصنف "4/ 460، 461".

الشَّارِعِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ مُشَاقَّةٌ ظَاهِرَةٌ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْآخِذَ بِالْمَشْرُوعِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشَّارِعُ ذَلِكَ الْقَصْدَ آخِذٌ فِي غَيْرِ مَشْرُوعٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا شَرَعَهُ لِأَمْرٍ مَعْلُومٍ بِالْفَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ بِالْقَصْدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَعْلُومِ؛ فَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ الْمَشْرُوعِ أَصْلًا، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَاقَضَ الشَّارِعَ فِي ذَلِكَ الْأَخْذِ، مِنْ حَيْثُ صَارَ كَالْفَاعِلِ لِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ [وَالتَّارِكِ لِمَا أُمِرَ بِهِ] 1. وَالْخَامِسُ: [أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا كُلِّفَ بِالْأَعْمَالِ مِنْ جهة قصد الشارع بها2

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، ومن نسخة "ماء/ ص227". 2 فالنكاح مثلا طلبه الشارع للنسل ولغيره من لواحقه، فإذا قصد به تحليل الزوجة لغيره؛ كان النكاح وسيلة لما قصد من التحليل، ولم يكن مقصودا بقصد الشارع، فما كان مقصودا عند الشارع؛ صار وسيلة عنده، وهذا مناقضة للشريعة، وقد يقال: هو عند الشارع أيضا وسيلة؛ إلا أنها لمقصود آخر هو النسل وما معه إلا للتحليل؛ فلا يخرج هذا الدليل عن مآل الدليل الأول، وهو أن ما قصده الشارع مهمل الاعتبار عنده، وما أهمله الشارع اعتبره، أما محاولة جعله دليلًا مستقلًا من حيث كان مقصودًا في نظر الشرع، فجعله هو وسيلة فغير واضح؛ لأنه وسيلة على كل حال، إلا أن المقصد مختلف. وجوابه أن ذلك جار في بعض التكاليف، كما إذا مثل بالصلاة والصوم والحج، وهكذا من العبادات المحضة إذا قصد بها الرياء مثلا؛ فقد جعلها وسيلة لنيل دنيا أو جاه، أو إسقاط عقوبات تركها في الدنيا كإسقاط القتل عن تارك الصلاة؛ فالشارع اعتبر هذه العبادة مقاصد تطلب لذاتها، لكن الشخص جعلها وسيلة إلى غرض من أغراضه، وبهذا يتجه كلام المؤلف ويتبين استقلال هذا الدليل، ويؤيده ما يذكره في المسألة الرابعة تمثيلا للضرب الثاني من القسم الثالث بمن يصلي رياء لينال دنيا ... إلخ. "د".

فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِذَا قَصَدَ] 1 بِهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ كَانَتْ بِفَرْضِ الْقَاصِدِ وَسَائِلَ لِمَا قَصَدَ لَا مَقَاصِدَ، إِذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا قَصْدَ الشَّارِعِ فَتَكُونَ مَقْصُودَةً، بَلْ قَصَدَ قَصْدًا آخَرَ جَعَلَ الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ وَسِيلَةً لَهُ؛ فَصَارَ مَا هُوَ عِنْدَ الشَّارِعِ مَقْصُودٌ وَسِيلَةً عِنْدَهُ، وَمَا كَانَ شَأْنُهُ هَذَا نَقْضٌ لِإِبْرَامِ الشَّارِعِ، وَهَدْمٌ لِمَا بَنَاهُ. وَالسَّادِسُ: أَنَّ هَذَا الْقَاصِدَ مُسْتَهْزِئٌ بِآيَاتِ اللَّهِ، لِأَنَّ مِنْ آيَاتِهِ أَحْكَامَهُ الَّتِي شَرَعَهَا، [وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامٍ شَرَعَهَا] 1: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [الْبَقَرَةِ: 231] . وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا غَيْرَ مَا شَرَعَهَا لِأَجْلِهَا، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمُنَافِقِينَ حَيْثُ2 قَصَدُوا بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التَّوْبَةِ: 65] . وَالِاسْتِهْزَاءُ بِمَا وُضِعَ عَلَى الْجِدِّ مُضَادَّةٌ لِحِكْمَتِهِ ظَاهِرَةٌ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ. وَلِلْمَسْأَلَةِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ؛ كَإِظْهَارِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ قَصْدًا لِإِحْرَازِ الدَّمِ وَالْمَالِ، لَا لِإِقْرَارٍ3 لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَالصَّلَاةِ لِيُنْظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الصَّلَاحِ، وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالْهِجْرَةِ لِيَنَالَ دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةً يَنْكِحُهَا، وَالْجِهَادِ للعصبية أو ينال شرف الذكر في الدنيا، والسلف ليجربه نَفْعًا، وَالْوَصِيَّةِ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ لِلْوَرَثَةِ، وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِيُحِلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَقَدْ يُعْتَرَضُ هَذَا الْإِطْلَاقُ4 بِأَشْيَاءَ: - مِنْهَا: مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ كَنِكَاحِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ وَمَا ذُكِرَ

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 في "ط": "حين". 3 في "ط": "للإقرار". 4 وهو الكلية في رأس المسألة، وبعبارة أخرى نتيجة القياس المشار إليه سابقا. "د".

مَعَهُمَا؛ فَإِنَّهُ قَاصِدٌ غَيْرَ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ بِبَاطِلٍ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ تَصَرُّفَاتُهُ شَرْعًا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ كَمَا تَنْعَقِدُ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ؛ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَالْيَمِينِ، وَالنَّذْرِ1، وَمَا يَحْتَمِلُ الْإِقَالَةَ يَنْعَقِدُ كَذَلِكَ، لَكِنْ مَوْقُوفًا عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكْرَهِ وَرِضَاهُ، إِلَى مَسَائِلَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ. - وَمِنْهَا: أَنَّ الْحِيَلَ فِي رَفْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَتَحْلِيلِ الْمَرْأَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ مَعَ أَنَّهَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا صَحِيحَةٌ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ أَلْفَى مِنْهَا مَا لَا يَنْحَصِرُ، وَجَمِيعُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوعَ إِذَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ؛ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا. وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَسَائِلَ الْإِكْرَاهِ إِنَّمَا قِيلَ بِانْعِقَادِهَا شَرْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِلشَّارِعِ بِأَدِلَّةٍ قَرَّرَهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقِرَّ أَحَدٌ بِكَوْنِ الْعَمَلِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ثُمَّ يُصَحِّحُهُ2، لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ إِنَّمَا هُوَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ أَقْرَبُ إِلَى تَفْهِيمِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الْعَمَلَ صَحِيحٌ شَرْعًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؟ هَلْ هَذَا إِلَّا عَيْنُ الْمُحَالِ؟ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْحِيَلِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا مُطْلَقًا، فَإِنَّمَا قَالَ بِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلشَّارِعِ قَصْدًا فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ المفاسد، بل الشريعة لهذا

_ 1 أي: فقصد الشارع بهذه العقود أن تحصل باختيار عاقدها، ومع كونها وقعت على غير ما شرعت ووقعت مناقضة للشريعة؛ لم تبطل، بل وقعت صحيحة. "د". قلت: انظر تفصيل ذلك في: "المبسوط" "24/ 64"، و"بدائع الصنائع" "9/ 4500"، و"أحكام القرآن" "3/ 193" للجصاص، ووردت نصوص تبطل الزواج بالإكراه، انظر: "نيل الأوطار" "7/ 286-287"، و"تفسير القرطبي" "10/ 185، 614"، و"المحلى" "8/ 387"، و"بداية المجتهد" "2/ 4-7"، و"المغني" "7/ 382"، و"كشاف القناع" "3/ 141". 2 في "ط": "يصح".

وُضِعَتْ، فَإِذَا صَحَّحَ مَثَلًا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ؛ فَإِنَّمَا صَحَّحَهُ عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ الْإِذْنُ فِي اسْتِجْلَابِ [مَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ خَوْفَ] 1 الْقَتْلِ أَوِ التَّعْذِيبِ، وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ دَلِيلٍ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى إِبْطَالِ كُلِّ حِيلَةٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى تَصْحِيحِ كُلِّ حِيلَةٍ؛ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مِنْهَا مَا كَانَ مُضَادًّا لِقَصْدِ الشَّارِعِ خَاصَّةً، وَهُوَ الَّذِي يَتَّفِقُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَارَضُ فِيهَا الْأَدِلَّةُ، وَلِهَذَا مَوْضِعٌ يُذْكَرُ فِيهِ فِي هَذَا القسم إن شاء الله تعالى.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط في الأصل.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَاعِلُ الْفِعْلِ أَوْ تَارِكُهُ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ مُوَافِقًا أَوْ مُخَالِفًا، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مُوَافَقَةَ الشَّارِعِ أَوْ مُخَالَفَتَهُ؛ فَالْجَمِيعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا وَقَصْدُهُ الْمُوَافَقَةُ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا، يَقْصِدُ بِهَا امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَدَاءَ مَا وَجَبَ عليه أو ندب إليه، وكذلك ترك الزنى وَالْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ الِامْتِثَالَ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْعَمَلِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا وَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ؛ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ قَاصِدًا لِذَلِكَ؛ فَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُ الْحُكْمِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُوَافِقًا وَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعْلَمَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مُوَافِقًا. وَالْآخَرُ: أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ. فَالْأَوَّلُ: كَوَاطِئِ زَوْجَتِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَشَارِبِ الْجُلَّابِ1 ظَانًّا أَنَّهُ خَمْرٌ، وَتَارِكِ الصَّلَاةِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَكَانَ قَدْ أَوْقَعَهَا وَبَرِئَ مِنْهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ حَصَلَ فِيهِ قَصْدُ الْعِصْيَانِ بِالْمُخَالَفَةِ، وَيَحْكِي الْأُصُولِيُّونَ فِي هَذَا النَّحْوِ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْعِصْيَانِ فِي مَسْأَلَةِ "مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ"، وَحَصَلَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَفْسَدَةَ النَّهْيِ لَمْ تَحْصُلْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْمَفَاسِدِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَنْ فَعَلَهُ، فَحَصَلَتِ الْمَفْسَدَةُ؛ فَشَارِبُ الْجُلَّابِ لَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ، وَوَاطِئُ زوجته لم يختلط

_ 1 أي: ماء الورد. "ماء/ ص229".

نَسَبُ مَنْ خُلِقَ مِنْ مَائِهِ، وَلَا لَحِقَ الْمَرْأَةَ بِسَبَبِ هَذَا الْوَطْءِ مَعَرَّةٌ1، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ لَمْ تَفُتْهُ مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَائِلِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ هَذَا الْأَصْلِ؛ فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ أَوِ التَّرْكَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ وَمُخَالَفَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ وَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُوَافَقَةِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ؟ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ؛ فَمَأْذُونٌ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ؛ فَلَا عِصْيَانَ فِي حَقِّهِ، لَكِنَّهُ عَاصٍ بِاتِّفَاقٍ، هَذَا خُلْفٌ، وَإِنْ وَقَعَ مُخَالِفًا؛ فَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَوْنِهِ مُوَافِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَكَانَ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ، وَالزَّجْرُ عَلَى الشَّارِبِ، وَشِبْهُ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ بِاتِّفَاقٍ أَيْضًا، هَذَا خُلْف. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَمَلَ هُنَا آخِذٌ بِطَرَفٍ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنَ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي الْقَصْدِ قَدْ وَافَقَ فِي نَفْسِ الْعَمَلِ، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَجَدْنَاهُ لَمْ تَقَعْ بِهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا فَاتَتْ بِهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى قَصْدِهِ وَجَدْنَاهُ مُنْتَهِكًا حُرْمَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَهُوَ عَاصٍ فِي مُجَرَّدِ الْقَصْدِ2 غَيْرُ عَاصٍ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ آثِمٌ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ، غَيْرُ آثِمٍ مِنْ جِهَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ3، كَالْغَاصِبِ لِمَا يَظُنُّ

_ 1 وينظر فيمن وطء زوجته وهو يتخيَّل غيرها في "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي "7/ 252-253". 2 وجهت الشريعة نظرها إلى عمل الطاعات وتنظيم شئون المعاملات؛ محافظة على جلب المصالح ودر المفاسد المترتبة عليها، وأفرغت مع ذلك عنايتها في الغاية التي عني بها علم الأخلاق، والمحور الذي تدور عليه قوانينه وهي الإرادة؛ فكان من أهم تعاليم الإسلام تنظيم تلك المحكمة التي إمامها الله في الضمير الإنساني والسير بها في سبيل العدالة ليكون سلطانها الغالب وكلمتها النافذة، ومن وسائل هذا التنظيم تمرين النفس على الإصغاء إلى ذلك الصوت الذي ينبعث من صميم القلب؛ فيحثها على العمل أو يزجرها ويحدها عليه أو يوبخها، وهذا ما اقتضى أن يكون للعزم على الفسوق والمآثم نصيب من الوعيد والإنذار. "خ". 3 أي: حقه نفسه؛ فإنه مأذون له في التمتع بزوجته وبشرب الجلاب مثلا، وليس مطلبا بصلاة بعد أن أداها؛ إلا أنه انتهك حرمة الأمر والنهي ولم يبال بهما، فمن جهة أنه فعل حقا له مأذونا فيه لا يتوجه عليه حد ولا غيره كالغاصب في مثاله؛ لا يعقل أن نطالبه بمتاع للشخص الذي ظن أنه اغتصب متاعه، والواقع أنه مال نفسه، فكذلك لا يتوجه عليه حد ولا غيره؛ فيبقى حق الله في الأمر والنهي وقد انتهكه. "د".

أَنَّهُ مَتَاعُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَإِذَا هُوَ مَتَاعُ الْغَاصِبِ نَفْسِهِ؛ فَلَا طَلَبَ عَلَيْهِ لِمَنْ قُصِدَ الْغَصْبُ مِنْهُ؛ وَعَلَيْهِ الطَّلَبُ مِنْ جِهَةِ حُرْمَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ. وَلَا يُقَالُ: إِذَا كَانَ فَوْتُ الْمَفْسَدَةِ أَوْ عَدَمُ فَوْتِ الْمَصْلَحَةِ مُسْقِطًا لِمَعْنَى الطَّلَبِ؛ فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَذْهَبْ عَقْلُهُ، أَوْ زَنَى فَلَمْ يَتَخَلَّقْ1 مَاؤُهُ فِي الرَّحِمِ بِعَزْلٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقَّعَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ؛ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَا يَكُونَ آثِمًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ قَصْدِهِ خَاصَّةً. لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ [هَذَا] 2 الْعَامِلَ قَدْ تَعَاطَى3 السَّبَبَ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ الْمَفْسَدَةُ أَوْ تَفُوتُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، وَهُوَ الشُّرْبُ وَالْإِيلَاجُ الْمُحَرَّمَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُمَا مَظِنَّتَانِ لِلِاخْتِلَاطِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ، وَلَمْ يَضَعِ الشَّارِعُ الْحَدَّ بِإِزَاءِ زَوَالِ الْعَقْلِ أَوِ4 اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، بَلْ بِإِزَاءِ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ خَاصَّةً، وَإِلَّا فَالْمُسَبِّبَاتُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الْمُتَسَبِّبِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فِعْلِ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَاللَّهُ هُوَ خَالِقُ الْوَلَدِ مِنَ الْمَاءِ، وَالسُّكْرِ عَنِ الشُّرْبِ كَالشِّبَعِ مَعَ الْأَكْلِ، وَالرِّيِّ مَعَ الْمَاءِ، وَالْإِحْرَاقِ مَعَ النار، كما تبين في موضعه، وإذ كان كذلك؛ فالمولج والشارب قد

_ 1 في الأصل: "يختلقه". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 أي: بخلاف من فعل الموافق بقصد المخالفة في هذا القسم؛ فإنه لم يتعاط السبب في الواقع وإن كان قصد السبب المخالف، لكنه أخطأه. "د". 4 في الأصل: "واختلاط".

تَعَاطَيَا السَّبَبَ عَلَى كَمَالِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيقَاعِ مُسَبَّبهِ وَهُوَ الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا عُمِلَ فِيهِ بِالسَّبَبِ لَكِنَّهُ أَعْقَمَ، وَأَمَّا الْإِثْمُ؛ فَعَلَى وَفْقِ ذَلِكَ، وَهَلْ يَكُونُ فِي الْإِثْمِ مُسَاوِيًا لِمَنْ أَنْتَجَ سَبَبُهُ أَمْ لَا؟ هَذَا نَظَرٌ آخَرُ، لَا حاجة إلى ذكره ههنا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُوَافِقًا إِلَّا أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْمُوَافَقَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَصْدُهُ الْمُخَالَفَةُ، وَمِثَالُهُ أَنْ يُصَلِّيَ رِيَاءً لِيَنَالَ دُنْيَا أَوْ تَعْظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ لِيَدْرَأَ عَنْ نَفْسِهِ الْقَتْلَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا الْقِسْمُ أَشَدُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الْعَامِلَ قَدْ جَعَلَ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي جُعِلَتْ مقاصد، وسائل لأمور أخرى لَمْ يَقْصِدِ الشَّارِعُ جَعْلَهَا لَهَا؛ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ النِّفَاقُ وَالرِّيَاءُ وَالْحِيَلُ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنًا؛ فَلَا يَصِحُّ جُمْلَةً، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النِّسَاءِ: 145] ، وَقَدْ تَقَدَّمَ1 بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى. وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُخَالِفًا وَالْقَصْدُ مُوَافِقًا؛ فَهُوَ أَيْضًا ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالَفَةِ. وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْجَهْلِ بِذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُخَالَفَةِ2؛ فَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ، كَإِنْشَاءِ العبادات

_ 1 في المسألة الأولى. 2 أي: فيكون الفعل مخالفا في الواقع لما شرعه الشارع، وهو يعلم أنه لم يشرعه، ولكنه يقصد به الطاعة والعبادة، متأولا غالبا أن هذا الفعل يعد طاعة؛ فهذا هو معنى مخالفة الفعل -أي في الواقع- وموافقة القصد -أي لما يزعمه- طاعة وعبادة، وإن كان يعلم أنه لم يرد في الشرع جعله عبادة؛ فلا يقال: إن هذا القسم الأول من قسمي الرابع لا يتصور حصوله من العاقل لأنه كيف يعلم أنه مخالف ويقصد به الموافقة لقصد الشارع؟ فمحصل هذا الضرب أن الفعل موافق في زعمه، وإن لم يكن جهلا صرفا كالضرب الثاني. "د".

الْمُسْتَأْنَفَةِ وَالزِّيَادَاتِ عَلَى مَا شَرَّعَ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا يُتَجَرَّأَ عَلَيْهِ إِلَّا بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ مَذْمُومٌ حَسَبَمَا جَاءَ فِي القرآن والسنة، والموضع مستغن عن إيراده ههنا، وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ بَعْدَ هَذَا [إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ هُنَا أَنَّ جَمِيعَ الْبِدَعِ مَذْمُومَةٌ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى] 1: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 159] . وَقَوْلِهِ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الْأَنْعَامِ: 153] . وَفِي الْحَدِيثِ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" 2. وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْأَحَادِيثِ كَالْمُتَوَاتِرِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ قَسَّمُوا الْبِدَعَ بِأَقْسَامِ الشَّرِيعَةِ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهَا بِإِطْلَاقٍ هُوَ الْمُحَرَّمُ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ؛ فَلَيْسَ الذَّمُّ3 فِيهِ بِإِطْلَاقٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ؛ فَغَيْرُ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَالْوَاجِبُ مِنْهَا وَالْمَنْدُوبُ حَسَنٌ بِإِطْلَاقٍ، وَمَمْدُوحٌ فَاعِلُهُ وَمُسْتَنْبِطُهُ، وَالْمُبَاحُ حَسَنٌ بِاعْتِبَارٍ؛ فَعَلَى الْجُمْلَةِ مَنِ اسْتَحْسَنَ مِنَ الْبِدَعِ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْأَوَّلُونَ لَا يَقُولُ: إِنَّهَا مَذْمُومَةٌ وَلَا مُخَالِفَةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ أَيَّ مُوَافَقَةٍ؛ كَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، وَالتَّجْمِيعِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ الَّتِي اتفق الناس على

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 قطعة من حديث أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، 2/ 592/ رقم 867" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. 3 كذا في الأصل و"ط"، وفي النسخ المطبوعة كلها: "فهو الذم"، وكتب "د" في الهامش: "لعل الأصل: "فليس الذم"، وما احتمله هو الصواب.

حُسْنِهَا أَعْنِي السَّلَفَ الصَّالِحَ وَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْأُمَّةِ "وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ"1؛ فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ؛ إِذْ هِيَ أَفْعَالٌ مُخَالِفَةٌ لِلشَّارِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْهَا مُقْتَرِنَةً بِقَصْدِ مُوَافِقٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الصَّلَاحَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الْبِدَعُ كُلُّهَا مَذْمُومَةً خِلَافَ الْمُدَّعَى. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَيْسَ مِمَّا وَقَعَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْفِعْلَ مُخَالِفٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ، وَمَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ بِحَالٍ، بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ جَمْعَ الْمُصْحَفِ مَثَلًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ2 بِالْحِفْظِ فِي الصُّدُورِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ اخْتِلَافٌ يُخَافُ بِسَبَبِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِيهِ نَازِلَتَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ؛ كَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ هِشَامِ بن حكيم رضي الله عنهما3،

_ 1 سيأتي تخريجه "ص41". 2 أي لا لأنه نهي عنه حتى يكون للشارع فيه وضع مخصوص يعد من فعله مخالفا لما وضعه الشارع من النهي، بل كان الترك للاستغناء عنه. "د". 3 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، 5/ 73/ رقم 2419، وكتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، 9/ 23/ رقم 4992، وباب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا، 9/ 87/ رقم 5041، وكتاب استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأولين، 12/ 303/ رقم 6936، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} ، 13/ 520، رقم 7550"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، 1/ 560/ رقم 818" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لبَّبته بردائه، فجئت بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أرسله، اقرأ". فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هكذا أنزلت". ثم قال لي: "اقرأ" فقرأت؛ فقال: "هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف؛ فاقرءوا ما تيسر منه". لفظ مسلم.

وَقِصَّةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا1، وَفِيهِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ؛ فإن المرء فيه كفر" 2.

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف، وبيان معناه، 1/ 561-562/ رقم 820" عن أبي بن كعب؛ قال كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه؛ فلما قضينا الصلاة؛ دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه؛ فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما؛ فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري؛ ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقا؛ فقال لي: "يا أبي! أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هون على أمتي؛ فرد إلي الثانية: "اقرأه على حرفين"، فرددت إليه: أن هون على أمتي؛ فرد إليّ الثالثة: "اقرأه على سبعة أحرف؛ فلك بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها. فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم؛ حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم". فالرجل الذي وقع اختلاف أبي معه لم يسمه مسلم، وقال أبو ذر بن سبط بن العجمي في "تنبيه المعلم" "رقم 328 - بتحقيقي": "لا أعرفه"، وأفاد "برقم 329" عند قوله: "فقرأ قراءة أنكرتها"؛ فقال: "وفي "عشرة ابن خليل" أن هذه السورة هي النحل". قلت وعين المبهم بابن مسعود بن جرير في "تفسيره"، أفاده الديوبندي في "فتح الملهم" "2/ 363". 2 أخرجه أحمد في "المسند" "2/ 258 و286 و300 و424 و475 و478 و494 و503 و4/ 205"، ومن طريقه أبو داود في "السنن" "كتاب السنة، باب النهي عن الجدال في القرآن، 4/ 199/ رقم 4603"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 223"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 59 و1780 - موارد الظمآن"، وأبو نعيم في "الحلية الأولياء" "5/ 192 و6/ 215"، والدارمي في "الرد على الجهمية" "رقم 16"، وابن جرير في "التفسير" "1/ 11"، وأبو يعلى في "المسند" "10/ 303 و410"، والحديث صحيح.

فَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ جَمْعَ الْمُصْحَفِ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقُرْآنِ وَكَثُرَ حَتَّى صَارَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا كَافِرٌ بِمَا تَقْرَأُ بِهِ؛ صَارَ جَمْعُ الْمُصْحَفِ وَاجِبًا وَرَأَيًا رَشِيدًا فِي وَاقِعَةٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِهَا عَهْدٌ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مُخَالَفَةٌ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَمْ تَحْدُثْ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ بِدَعَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا النَّظَرِ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ الْمُلَائِمِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الْمَصَالِحَ الْمُرْسَلَةَ، وَكُلُّ مَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِوَجْهٍ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُخَالِفِ لِمَقْصِدِ الشَّارِعِ أَصْلًا، كَيْفَ وَهُوَ يَقُولُ: "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا؛ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ"1، "وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ" 2؛ فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ؛ فقد خرج هذا

_ 1 أخرجه الطيالسي في "المسند" "رقم 246"، وأحمد في "المسند" "رقم 3600 - ط شاكر"، والطبراني في "الكبير" "9/ 18/ رقم 8582، 8583، 8593"، والبزار في "مسنده" "رقم 130- زوائده"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 78-79"، وأبو نعيم في الحلية "1/ 377-378"، والبيهقي في "المدخل" "ص8"، و"الاعتقاد" "ص162"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 150" بأسانيد بعضها حسن عن ابن مسعود موقوفا، قال الزركشي في "المعتبر" "رقم 294": "لم يرد مرفوعا، والمحفوظ وقفه على ابن مسعود". قلت: أخرج الخطيب في "تاريخه" "4/ 165" نحوه مرفوعا، وفيه سليمان بن عمرو النخعي كذاب. قال ابن القيم في "الفروسية" "ص298 - بتحقيقي" عنه: "إن هذا ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يضيفه إلى كلامه من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفا عليه". 2 مضى تخريجه "2/ 434".

الضَّرْبُ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْفِعْلُ أَوِ التَّرْكُ مُخَالِفًا لِلشَّارِعِ، وَأَمَّا الْبِدْعَةُ الْمَذْمُومَةُ؛ [فَهِيَ الَّتِي خَالَفَتْ مَا وَضَعَ الشَّارِعُ مِنَ الْأَفْعَالِ أَوِ التُّرُوكِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ هَذَا] 1 الْمَعْنَى بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ2. وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْمُخَالِفُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُخَالَفَةِ؛ فَلَهُ وَجْهَانِ3: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ القص مُوَافِقًا؛ فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالْعَمَلِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّةُ هَذَا العمل عَلَى الْمُوَافَقَةِ، لَكِنَّ الْجَهْلَ أَوْقَعَهُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ لَا يَقْصِدُ مُخَالَفَةَ الشَّارِعِ كِفَاحًا لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمُخَالِفِ بِالْقَصْدِ وَالْعَمَلِ مَعًا؛ فَعَمَلُهُ بِهَذَا النَّظَرِ مَنْظُورٌ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا مُطَّرَحٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَالثَّانِي: كَوْنُ الْعَمَلِ مُخَالِفًا؛ فَإِنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الِامْتِثَالُ، فَإِذَا لَمْ يَمْتَثِلْ؛ فَقَدْ خُولِفَ قَصْدُهُ، وَلَا يُعَارِضُ الْمُخَالِفَةَ مُوَافَقَةُ الْقَصْدِ4 الْبَاعِثِ عَلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدُ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ عَلَى وَجْهِهِ5، وَلَا طَابَقَ الْقَصْدَ الْعَمَلُ؛ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ مُخَالِفًا كَمَا لَوْ خُولِفَ فِيهِمَا مَعًا؛ فلا يحصل الامتثال.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 وانظر تفصيلا حسنا للمصنف في "الاعتصام" "1/ 36 وما بعدها"، وآخر لابن تيمية في "اقتضاء الصراد المستقيم" "ص276". 3 أي من النظر، نظر يفيد صحته واعتباره، ونظر يفيد بطلانه واطراحه. "د". 4 أي: قصد المكلف الذي حمله على العمل وهو الامتثال، وقوله: "ولا طابق القصد العمل"؛ أي: قصد المكلف الامتثال لم يطابق العمل؛ لأن العمل ليس فيه امتثال، وإنما يكون الامتثال بالمشروع والفرض أنه ليس بمشروع؛ فالمخالفة حاصلة لم يعارضها قصده الامتثال الذي لم يصادف محلا، وقوله: "فصار المجموع مخالفا؛ أي: العمل وهو ظاهر والقصد أيضا، لأنه لم يصادف محلا، وصار كأنه قصد المخالفة في عمل المخالف. "د". 5 كذا في "ط"، وفي غيره: "وجه".

وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يُعَارِضُ الْآخَرَ فِي نَفْسِهِ1، وَيُعَارِضُهُ في الترجيح؛ لأنك إن رجحت أحدهما عراضك فِي الْآخَرِ وَجْهٌ مُرَجَّحٌ؛ فَيَتَعَارَضَانِ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ صَارَ هَذَا الْمَحَلُّ2 غَامِضًا فِي الشَّرِيعَةِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِإِيرَادِ شَيْءٍ مِنَ الْبَحْثِ فِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا رَجَّحْتَ جِهَةَ الْقَصْدِ الْمُوَافِقِ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَا قَصَدَ قَطُّ إِلَّا الِامْتِثَالَ وَالْمُوَافَقَةَ، وَلَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَةً لِلشَّارِعِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ؛ عَارَضَكَ أَنَّ قَصْدَ الْمُوَافَقَةِ مُقَيَّدٌ بِالِامْتِثَالِ الْمَشْرُوعِ لَا بِمُخَالَفَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا؛ فَقَصْدُ الْمُكَلَّفِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا فَهُوَ كَالْعَبَثِ، وَأَيْضًا إِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا صَارَ غَيْرَ مُوَافِقٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْأَعْمَالِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ عَلَى الِانْفِرَادِ3. فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ الْقَصْدَ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ قَبْلَ الشَّرَائِعِ، كَمَا ذُكِرَ عَمَّنْ آمَنَ4 فِي الْفَتَرَاتِ وَأَدْرَكَ التَّوْحِيدَ، وَتَمَسَّكَ بِأَعْمَالٍ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا وَهَى غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ؛ إِذْ لَمْ تَثْبُتْ فِي شرع بعد5.

_ 1 أي: كما قرره في بيان الوجهين، وقوله: "في الترجيح"؛ أي: كما سيقرره في قوله: "ويتبين ذلك ... إلخ" الذي ذكر فيه ثلاثة مباحث في ترجيح اعتبار القصد ومعارضتها من جانب من يهمل القصد ما لم يوافق العمل أيضا. "د". 2 في الأصل: "العمل". 3 أي: بل لا بد من وقوعه على عمل مشروع؛ فالمشروع هو المجموع. "د". 4 كزيد بن عمرو بن نفيل وصل إلى توحيد الله بعقله، وخالف المشركين في ذبائحهم وفي كثير في أعمالهم؛ فكان يحيي الموءودة، وكان يقول: الشاة خلقها الله تعالى، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض النبات، وأنتم تذبحونها لغير الله. "د". 5 أي: عند تمسكه بها لم تكن ثبتت في شرع؛ فقد عمل بها قبل أن يرد الشرع باعتبارها وعدمه، وليس بلازم في المعارضة أنه بعد ورود الشرع لم يعتبرها، بل إذا اعتبرها بعد ورده أيضا يكون تقرير الكلام صحيحا. "د". قلت: وانظر "الاعتصام" "1/ 215- ط ابن عفان".

قِيلَ لَكَ: إِنْ فُرض أُولَئِكَ فِي زَمَانِ فَتْرَةٍ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ؛ فَالْمَقَاصِدُ الْمَوْجُودَةُ لَهُمْ مَنَازِعُ1 فِي اعْتِبَارِهَا بِإِطْلَاقٍ، فَإِنَّهَا كَأَعْمَالِهِمُ الْمَقْصُودِ بِهَا التَّعَبُّدُ؛ فَإِنْ قُلْتَ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ كَيْفَ كَانَ؛ لَزِمَ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ، وَإِنْ قُلْتَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ؛ لَزِمَ ذَلِكَ فِي القصد2. وأيضا؛ فكلامنها فِيمَا بَعْدَ الشَّرَائِعِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا، وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَتَرَاتِ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ3 بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ فَذَلِكَ وَاضِحٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 4 يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ وَإِنْ خَالَفَتْ قَدْ تُعْتَبَرُ؛ فَإِنَّ الْمَقَاصِدَ أَرْوَاحُ الْأَعْمَالِ؛ فَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ ذَا رُوحٍ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ اعْتُبِرَ بِخِلَافِ مَا إِذَا خَالَفَ الْقَصْدُ وَوَافَقَ الْعَمَلُ، أَوْ خَالَفَا مَعًا؛ فَإِنَّهُ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ5؛ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 4 لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعَمَلِ. قِيلَ: إِنْ سُلِّمَ؛ فَمُعَارَضٌ بُقُولِهِ عليه الصلاة والسلام: "كل عمل ليس

_ 1 أي: للمجتهدين أنظار مختلفة؛ فمنهم من يصححها، ومنهم من لا يصححها، وهي كأعمالهم المقصود بها التعبد، لا فرق بين مقاصدهم وأعمالهم في ذلك؛ فالمصحح لمقاصدهم مصحح لأعمالهم، وبالعكس. "د". 2 في الأصل: "الأصل". 3 أي: كما ورد عن زيد بن عمرو أنه قال: "اللهم! إني أشهدك أني على ملة إبراهيم"، وقوله: "فذلك واضح"؛ أي: لخروجه عن فرض المسألة، فإن عمله يكون موافقا كما أن قصده كذلك. "د". 4 مضى تخريجه "2/ 355". 5 أي: في صورة العمل الموافق والقصد المخالف، أما فيما خولفا معا؛ فلا روح ولا جسد. "د".

عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ" 1، وَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ بِمُوَافِقٍ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام، فَلَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا بَلْ كَانَ مَرْدُودًا. وَأَيْضًا؛ فَإِذَا لَمْ يُنْتَفَعُ [بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، كَذَلِكَ لَا يُنْتَفَعُ بِرُوحٍ فِي غَيْرِ جَسَدٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ هُنَا قَدْ فُرِضَتْ] 2 مُخَالِفَةً؛ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَبَقِيَتِ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً فِي حُكْمٍ عَمَلِيٍّ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَتَكْثُرُ الْمُعَارَضَاتُ فِي هَذَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً جِدًّا. وَمِنْ هُنَا صَارَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِلَى تَغْلِيبِ جَانِبِ الْقَصْدِ؛ فَتَلَافَوْا مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا يَجِبُ تَلَافِيهِ، وَصَحَّحُوا الْمُعَامَلَاتِ، وَمَالَ فَرِيقٌ إِلَى الْفَسَادِ بِإِطْلَاقٍ، وَأَبْطَلُوا كُلَّ عِبَادَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ خَالَفَتِ الشَّارِعَ مَيْلًا إِلَى جَانِبِ الْعَمَلِ الْمُخَالِفِ3، وَتَوَسَّطَ فَرِيقٌ فَأَعْمَلُوا الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ، لَكِنْ عَلَى أَنْ يُعْمَلَ مُقْتَضَى الْقَصْدِ فِي وَجْهٍ، [وَيُعْمَلُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ فِي وَجْهٍ] 2 آخَرَ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى إعمال الجانبيين أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ مُتَنَاوِلَ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ عَالِمٍ بالتحريم قد اجتمع فيه موافقة

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، 5/ 301/ رقم 2697"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، 3/ 1343/ رقم 1718" بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد"، وورد بلفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو رد"، علقه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهد العامل، 13/ 317"، ووصله مسلم في "صحيحه" "كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، 3/ 1343-1344". وانظر: "فتح الباري" "5/ 302"، و"تغليق التعليق" "3/ 396 و5/ 326". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 أي: ميلا منهم إلى أن العمل متى كان مخالفا بطل ولو كان القصد موافقا. "د".

الْقَصْدِ -إِذْ لَمْ يَتَلَبَّسْ إِلَّا بِمَا اعْتَقَدَ إباحته- ومخالفة الفعل لأنه فاعل ما نُهِيَ عَنْهُ؛ فَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُوَافَقَةِ فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ وَالْعُقُوبَةِ، وَأُعْمِلَ مُقْتَضَى الْمُخَالَفَةِ1 فِي عَدَمِ الْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، حَتَّى صُحِّحَ مَا يَجِبُ أَنْ يُصَحَّحَ مِمَّا فِيهِ تَلَافٍ، مَيْلًا [فِيهِ] 2 إِلَى جِهَةِ الْقَصْدِ أَيْضًا، وَأُهْمِلُ مَا يَجِبُ أَنْ يُهْمَلَ مِمَّا لَا تَلَافِيَ فِيهِ. فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اعْتِبَارُ الطَّرَفَيْنِ بِمَا يَلِيقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ كَالْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلَانِ وَلَا يَعْلَمُ الْآخَرُ بِتَقَدُّمِ نِكَاحِ غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ بِنَائِهِ بِهَا؛ فقد

_ 1 أي على الجملة، بدليل قوله: "حتى صحح ... إلخ"؛ فمقتضى موافقة القصد انبنى عليه عدم الحد في الدنيا وعدم العقوبة في الآخرة، ومقتضى المخالفة فصل فيه، فما لا تلافي فيه أهمل وما فيه التلافي صحح، مراعى فيه جانب القصد، وقوله: "يتزوجها" أي: يعقد عليها "رجلان"، ودخل بها الثاني ثم علم بعقد الأول؛ فتفوت على الأول، وصحح الثاني الذي يجب أن يصحح لترجحه بالدخول بدون علم ميلا إلى جانب القصد الموافق، وأما مسألة المفقود؛ ففيها الأمران معًا: البناء على الفعل المخالف، وتصحيحه إذا قدم زوجها، أي علمت حياته بعد البناء ميلاً إلى صحة القصد وإلى الترجح بالدخول مع عدم علمه بحياته، وعدم البناء عليه وإهماله إذا قدم قبل البناء كما هو أحد القولين، والفرض الأول في كلامه في مسألة المفقود غير ظاهر مع قوله: "تزوجت"؛ لأنه إن كان المراد بالنكاح في قوله: "قبل نكاحها" العقد فقط؛ فخلاف أصل المسألة، وإن كان المراد به البناء؛ فهو عين الفرض الثالث الذي في قوله: "وفيما بعد العقد وقبل البناء قولان"؛ إلا أن يقال: إن معنى قوله: "تزوجت" حلت للأزواج بحكم الحاكم، ثم رأيت في "الاعتصام" "2/ 147-148" ما نصه: "في امرأة المفقود إذا قدم قبل نكاحها؛ فهو أحق بها وإن كان بعد نكاحها ... " إلخ ما قال هنا، ثم قال: "فإنه يقال: الحكم لها بالعدة من الأول إن كان قطعا لعصمته؛ فلا حق له فيها ولو قدم قبل تزوجها، أو ليس بقاطع للعصمة؛ فكيف تباح لغيره وهي في عصمة المفقود؟ "، وبهذا تعلم أن قوله: "تزوجت" التي استشكلناها ليست في كتابه "الاعتصام"، وما ورد فيه واضح لا إشكال عليه. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط".

فَاتَتْ1 بِمُقْتَضَى فَتْوَى عُمَرَ2 وَمُعَاوِيَةَ3 وَالْحَسَنِ4، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ5. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَنَظِيرُهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ إِذَا تَزَوَّجَتِ امْرَأَتُهُ ثُمَّ قَدِمَ؛ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا، وَالثَّانِي أَوْلَى بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَفِيمَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْبِنَاءِ قَوْلَانِ6، وَفِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مواليها؛ فنكاحها باطل

_ 1 وفي "الاعتصام" "2/ 147": "فأبانها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن رضي الله عنهم ... إنه إذا تحقق أن الذي لم يبن هو الأول؛ فدخول الثاني بها دخول بزوج غيره، وكيف يكون غلطه على زوج غيره مبيحا على الدوام ومصححًا لعقده الذي لم يصادف محلًا ومبطلًا لعقد نكاح مجمع على صحته لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا؟ وإنما المناسب أن الغلط يرفع عن الغالط الإثم والعقوبة لا إباحة زوج غيره دائما، ومنع زوجها عنها" انتهى. 2 كما في "سنن سعيد بن منصور" "رقم 1314، 1316"، و"مصنف ابن أبي شيبة" "4/ 238"، و"مصنف عبد الرزاق" "6/ 313/ رقم 10979 و10980"، و"السنن الكبرى" "7/ 446" للبيهقي، و"المحلى" "10/ 140"، و"الاستذكار" "17/ 314"، و"الاعتصام" "2/ 147" وهو صحيح. 3 كما في "الاعتصام" للمؤلف "2/ 147" أيضا. 4 كما في "المحلى" "10/ 140"، و"الاستذكار" "17/ 316"، و"الاعتصام" "2/ 147". 5 كما في "مصنف عبد الرزاق" "6/ 313-314، 314/ رقم 10979، 10981"، و"سنن البيهقي" "7/ 446-447"، و"المحلى" "10/ 140"، و"الاستذكار" "17/ 315-316، 317". 6 القولان مرويان عن الإمام مالك، والذي أخذ به أصحابه أن زوجة المفقود لا يفيتها عليه إلا دخول الثاني، ومذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن المفقود إن قدم بعد تزوج امرأته يخير بينها وبين مهرها، وهو يرجع إلى تخييره بين إجازة ما فعله الحاكم ورده، فإن اختار المهر؛ كان مجيزا لما فعله الحاكم، وإجازته تجعل التفريق مأذونا فيه؛ فيكون نكاح الثاني صحيحا، وإن اختار زوجته؛ كان غير مجيز لما فعله الحاكم؛ فيكون التفريق باطلا. "خ". قلت: انظر تفصيل ذلك في "منح الجليل" "4/ 320".

بَاطِلٌ بَاطِلٌ 1، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا؛ فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا أصاب منها" 2، وعلى هذا يجري

_ 1 أي: فيفسخ النكاح لمخالفته للمشروع، ويكون لها المهر، ويسقط الحد والعقوبة، وصحح ما أمكن تلافيه من ثبوت المهر، ويبقى الكلام في أن هذا إنما يكون من مسألتنا إذا حصل النكاح بقصد الموافقة والجهل بركنية الولي، أما إذا حصل مع العلم بالركنية فلا يكون منها؛ فهل حكمه كذلك؟ وإذا كان الحكم في العلم كالحكم في حال الجهل لا تكون المسألة مما يدل على موضوعنا من إعمال الجانبين كما يقول المؤلف، ولا تكون المسألة مبنية على هذه القاعدة، بل لها مبنى آخر، وسيأتي في فصل مراعاة الخلاف في أواخر الكتاب ما ينحو هذا النحو في البناء بعد الوقوع، ومراعاة الحالة الحاصلة وإن لم يكن أصل النكاح صحيحا؛ فيثبت استحقاق الميراث مثلا، إلى غير ذلك مما له علاقة بموضوعنا، وإن لم يبحثوا هناك عن القصد مخالفة وموافقة، بل بنوه هناك على قاعدة أخرى. "د". قلت: انظر "4/ 370 و5/ 106 وما بعد". 2 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب النكاح، باب في الولي، 2/ 229/ رقم 2083"، والترمذي في "الجامع" "أبواب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي، 3/ 407-408/ رقم 1102" - وقال: هذا حديث حسن"-، وابن ماجه في "السنن" "كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، 1/ 605/ رقم 1879"، والنسائي في "الكبرى"- كما في "تحفة الأشراف" "12/ 43"- وأحمد في "المسند" "6/ 47، 165"، والطيالسي في "المسند" "رقم 1463"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "4/ 128"، وعبد الرزاق في "المصنف" "6/ 195، رقم 10472"، والدارمي في "السنن" "2/ 137"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 700"، والشافعي في "الأم" "2/ 11"، والحميدي في "المسند" "1/ 112-113/ رقم 228"، وإسحاق بن راهويه في "المسند" "رقم 698، 699"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "3/ 7"، وابن حبان في "الصحيح" "9/ 384/ رقم 4074- الإحسان"، والدارقطني في "السنن" "3/ 221، 225-226"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 168"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "7/ 105، 113، 124-125، 125، 138"، وابن عدي في "الكامل" "3/ 1115-1116"، والبغوي في "شرح السنة" "9/ 39/ رقم 2262"، والخطيب في "الكفاية" "ص380" والسهمي في: "تاريخ جرجان" "1/ 8" وأبو نعيم في "الحلية" "6/ 188" من طرق كثيرة عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عورة عن عائشة مرفوعا.

.......................................................

_ = قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: بل هو حسن؛ فسليمان بن موسى لم يخرج له البخاري وأخرج له مسلم في "المقدمة"، وقال ابن حجر في "التقريب": "صدوق، فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل". وقد أعله أحمد بن صالح بقوله: "أخبرني من رأى هذا الحديث في كتاب ذاك الخبيث محمد بن سعيد -أي: المصلوب- عن الزهري، وأنا أظن أنه ألقاه إلى سليمان بن موسى وألقاه سليمان إلى ابن جريج"، كذا أسنده عنه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" "1/ 290". قلت: ولا يستلزم من وجوده في كتاب ذاك الخبيث أنه تفرد به، والمشهور أن من ضعف هذا الحديث يستدل بما ذكره أحمد في "مسنده" "6/ 27" عقبه؛ فقال: "قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث؛ فلم يعرفه". وتعقبه الترمدي بقوله: "وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: لم يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسماعيل بن إبراهيم، قال يحيى بن معين: وسماع إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج ليس بذلك، إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ما سمع من ابن جريج، وضعف يحيى رواية إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج". قال الترمذي: "والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي" عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم". وقال الحاكم بعد أن صحح الحديث: "فقد صح وثبت بروايات الأئمة الأثبات سماع الرواة بعضهم من بعض؛ فلا تعلل هذه الروايات بحديث ابن علية وسؤاله ابن جريج عنه، وقوله: إني سألت الزهري عنه فلم يعرفه؛ فقد ينسى الثقة الحافظ الحديث بعد أن حدث به، وقد فعله غير واحد من حفاظ الحديث". وذكره الحافظ في "التلخيص" "3/ 157"، وقال: "وليس أحد يقول فيه هذه الزيادة غير ابن علية، وأعل ابن حبان وابن عدي وابن عبد البر والحاكم وغيرهم الحكاية عن ابن جريج، وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه. وانظر: "السنن الكبرى" للبيهقي "7/ 107"، و"الكامل في الضعفاء" لابن عدي "3/ =

بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَابُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ فِي تَشَعُّبِ مَسَائِلِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ عُمْدَةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ، بَلْ عُمْدَةُ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ اعْتِبَارُ الْجَهْلِ فِي الْعِبَادَاتِ اعْتِبَارَ النِّسْيَانِ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَعَدُّوا مَنْ خَالَفَ فِي الْأَفْعَالِ أَوِ الْأَقْوَالِ جَهْلًا عَلَى حُكْمِ النَّاسِي، وَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ فِي الْأَفْعَالِ دُونَ الْقَصْدِ مُخَالِفًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لَعَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْعَامِدِ؛ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَهَذَا وَاضِحٌ فِي أَنَّ لِلْقَصْدِ الْمُوَافِقِ أَثَرًا، وَهُوَ بَيِّنٌ فِي الطِّهَارَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ1 وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العبادات، وكذلك في كثير

_ = 1115-1116". على أن سليمان بن موسى لم يتفرد به؛ فقد تابعه جعفر بن ربيعة عند أحمد في "المسند" "6/ 66"، وأبي داود في "السنن" "رقم 2084"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "3/ 7"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 106"، وعبيد الله بن أبي جعفر عند الطحاوي "3/ 7"، وحجاج بن أرطأة عند ابن ماجه في "السنن" "رقم 1886"، وأحمد في "المسند" "1/ 250 و6/ 260"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "4/ 130"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "3/ 7"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 106 و106-107". وأخرجه الترمذي في "العلل الكبير" "1/ 430" من طريق زمعة بن صالح، والدارقطني في "السنن" 3/ 227" من طريق محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه، كلاهما عن الزهري به، وزمعة بن صالح ومحمد بن يزيد بن سنان وأبوه فيهم ضعف؛ فبمجموع هذه الطرق يتقوى الحديث ويصح. وصححه ابن حبان وابن الجارود وأبو عوانة وغيرهم، وأعله الطحاوي بالحكاية الباطلة عن ابن جريج، وللحديث شواهد جمعها الشيخ مفلح بن سليمان الرشيدي في كتابه المطبوع "التحقيق الجلي لحديث لا نكاح إلا بولي"، وانظر: "نصب الراية" "3/ 185". 1 عاملوا الجاهل بحرمة الشهر أبو بحرمة الفطر معاملة الناسي؛ فلا كفارة، وكذا كل ما ذكروه في التأويل القريب هو من باب الجهل، وعدوه كالناسي لا كفارة عليه، وكذا في الأطعمة والأشربة لا حرمة في تعاطي المحرمات منها عند جهله بأنها من المحرم؛ كشارب الخمر معتقدا أنه جلاب مثلا، وآكل المتنجس معتقدا طهارته لا شيء عليه، وعليك باستيفاء البحث في الفروع. "د".

مِنَ الْعَادَاتِ؛ كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَغَيْرِهَا. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا يَنْكَسِرُ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا تُضَمَّنُ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمْدِ. لِأَنَّا نَقُولُ: الْحُكْمُ فِي التَّضْمِينِ فِي الْأَمْوَالِ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهَا مساوٍ لِلْعَمْدِ فِي تَرَتُّبِ الْغُرْمِ فِي إِتْلَافِهَا. وَالثَّالِثُ: الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى رَفْعِ الْخَطَأِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ فَفِي الْكِتَابِ: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الْأَحْزَابِ: 5] . وَقَالَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [الْبَقَرَةِ: 268] . وَفِي الْحَدِيثِ: "قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ" 1. وَقَالَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الْبَقَرَةِ: 286] . وَفِي الْحَدِيثِ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 2. وَهُوَ مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لا مخالف فيه، وإن اختلفوا فيما يتعلق3 بِهِ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ، هَلْ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْمُؤَاخَذَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ خَاصَّةً أَمْ لَا؛ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا4 أَيْضًا أَنَّ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِإِطْلَاقٍ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا كان كذلك؛ ظهر أن كل

_ 1 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، 1/ 116/ رقم 126" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، ومضى "2/ 210". 2 مضى تخريجه "1/ 236"، وكتب "خ" ما نصه: "قال الإمام أحمد: من زعم أن الخطأ مرفوع؛ فقد خالف الكتاب، فإن الله أوجب في قتل الخطأ الكفارة، والجواب عن هذا أن المراد من الحديث رفع المؤاخذة بالخطأ في الآخرة دون الحقوق الواقعة بين الناس". 3 كذا في "ط"، وفي غيره: "تعلق". 4 أي: بل أجمعوا على أنه لا بد من نوع من المؤاخذة، وهو مع اتفاقهم على رفع المؤاخذة في الجملة يدل على اعتبار الطرفين. "د". قلت: هذه المسألة هي المسماة "عموم المقتضى"، ونشأ عنه خلاف في كثير من المسائل، انظر: "أصول السرخسي" "2/ 251-252"، و"الإزميري على المرآة" "2/ 75-76"، و"تسهيل الوصول" "ص106"، و"إبراز الحِكَم" للسبكي، و"المناهج الأصولية" "ص379 وما بعدها".

وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مُعْتَبَرٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ 1: جَلْبُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَلْزَمَ عَنْهُ إِضْرَارُ الْغَيْرِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَلْزَمَ عَنْهُ ذَلِكَ. وَهَذَا الثَّانِي ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْصِدَ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ ذَلِكَ الْإِضْرَارِ؛ كَالْمُرَخِّصِ فِي سِلْعَتِهِ قَصْدًا لِطَلَبِ مَعَاشِهِ، وَصَحِبَهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَقْصِدَ إِضْرَارًا بِأَحَدٍ، وَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْإِضْرَارُ عَامًّا؛ كَتَلَقِّي السِّلَعِ، وَبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَيْعِ دَارِهِ أَوْ فَدَّانِهِ، وَقَدِ اضْطَرَّ إِلَيْهِ النَّاسُ لِمَسْجِدٍ جَامِعٍ أَوْ غَيْرِهِ2. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، وَهُوَ نَوْعَانِ:

_ 1 يمكن تسمية هذا المسألة "قانون التعارض والترجيح بين مصالح الناس ومضارهم"، والمراد من تقسيم المصنف للمصالح والذرائع هنا إرساء قواعد أصوليه تحكم استعمال الحقوق. وانظر في هذا: "قواعد الأحكام" "1/ 98 وما بعدها"، و"الحسبة" "ص64" لابن تيمية، و"الطرق الحكمية" "ص310"، و"مفتاح السعادة" "2/ 14 وما بعدها"، و"الأشباه والنظائر" "87" للسيوطي، و"ضوابط المصلحة" "249 وما بعدها". 2 نصصت كتب الفقه الحنفي مثل "الاختيار" "3/ 383"، و"فتاوى قاضي خان" "4/ 293" على المثل الأخير، وهو مذهب المالكية، وترى كلاما حسنا حوله في "المدخل الفقهي" "1/ 227"، "ونزع ملكية العقار للمصلحة العامة" "ص437 وما بعدها" لعبد العزيز بن عبد المنعم، و"قيود الملكية الخاصة" "ص493 وما بعدها" لعبد الله بن عبد العزيز المصلح، و"المثامنة في العقار" للشيخ بكر أبو زيد.

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْحَقَ الْجَالِبَ أَوِ الدَّافِعَ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ؛ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى فِعْلِهِ؛ كَالدَّافِعِ عَنْ نَفْسِهِ مُظْلَمَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا تَقَعُ بِغَيْرِهِ، أَوْ يَسْبِقُ إِلَى شِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى صَيْدٍ أَوْ حَطَبٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَالِمًا أَنَّهُ1 إِذَا حَازَهُ اسْتَضَرَّ غَيْرُهُ بِعَدَمِهِ، وَلَوْ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ اسْتَضَرَّ2. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيًّا، أَعْنِي الْقَطْعَ الْعَادِيَّ3؛ كَحَفْرِ الْبِئْرِ خَلْفَ بَابِ الدَّارِ فِي الظَّلَامِ، بِحَيْثُ يَقَعُ الدَّاخِلُ فِيهِ بِلَا بُدٍّ، وَشِبْهِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا؛ كَحَفْرِ الْبِئْرِ بِمَوْضِعٍ لَا يُؤَدِّي غَالِبًا إِلَى وُقُوعِ أَحَدٍ فِيهِ، وَأَكْلِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي غَالِبُهَا4 أَنْ لَا تَضُرَّ أَحَدًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَا نَادِرًا، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَالِبًا كَبَيْعِ السِّلَاحِ5 من أهل الحرب، والعنب من

_ 1 في "ط": "بأنه". 2 بعدها في نسخة "ماء/ ص232": "وهذا فيه خلاف". 3 يقصد بالقطع العادي ما يمكن تخلفه، ولكن في حالات نادرة جدا، يقابله "القطع العقلي" وهو ما يستحيل تخلفه أبدا، فإن تخلف؛ لم يعتبر قطعيا. 4 أي: وقد تضر بعض الناس ندورا؛ فاستعمال الشخص لها مع ندور الضرر سيأتي حكمه أنه باق على الإذن. "د". 5 الفرض أن يكون الضرر خاصا لا عاما، وهل بيع السلاح من أهل الحرب يكون ضرره خاصا مع أن تلقي السلع ضرره عام؟ وكذا يقال في بيع العنب ممن يصنعه خمرا، وبيع ما يمكن أن يغش به لمن لا يؤمن على الغش به: هل كان هذا من الخاص؟ وسيأتي له أمثله في إعطاء المال للمحاربين وللكفار فداء الأسرى. "د".

الْخَمَّارِ، وَمَا يُغَشُّ بِهِ1 مِمَّنْ شَأْنُهُ الْغِشُّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا غَالِبًا، كَمَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ2؛ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ3. فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَبَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى الْإِذْنِ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِ الْقَصْدِ إِلَى الْإِضْرَارِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِضْرَارٌ؛ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنْ "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ"4، لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي هَذَا الْعَمَلِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْدُ نَفْعِ النَّفْسِ وَقَصْدُ إِضْرَارِ الْغَيْرِ؛ هَلْ يُمْنَعُ مِنْهُ فَيَصِيرُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ، أَمْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ مِنَ الْإِذْنِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ إِثْمُ مَا قُصِدَ؟ هَذَا مِمَّا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وهو جار على مسألة5

_ 1 في نسخة "ماء/ ص232": "يعيش به". 2 كمثاله الآتي في بيع الجارية لزيد بن أرقم. "د". 3 وفي حاشية الأصل: "قوله ثمانية أقسام بيانها وترتيبها ما تقتضيه تلك التقسيمات هكذا: الأول: ما لا يلزم عليه إضرار الغير. الثاني: ما يلزم عليه الإضرار، ويقصد الفاعل الإضرار. الثالث: ما لا يقصد فيه الإضرار، وكان الإضرار اللازم فيه عاما. الرابع: ما لا قصد فيه، والإضرار اللازم خاص والفعل محتاج إليه. الخامس: ما كان كذلك، والفعل غير محتاج إليه ويؤدي إلى مفسدة قطعا. والسادس: أن تكون المفسدة على سبيل الندور. السابع: أن تكون على سبيل الكثرة ولزومها أغلبي. الثامن: ما لزومها غير أغلبي. وبترجمتها هكذا يسهل فهمها ونشرها واستخراج أحكامها، والله تعالى أعلم". 4 مضى تخريجه "2/ 72". 5 مما كان فيه النهي لوصف منفك؛ ففي صحته خلاف. "د".

الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَيَحْتَمِلُ فِي الِاجْتِهَادِ تَفْصِيلًا1: وَهُوَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ إِذَا رُفِعَ ذَلِكَ الْعَمَلُ، وَانْتَقَلَ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي اسْتِجْلَابِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ؛ حَصَلَ لَهُ مَا أَرَادَ أولا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي مَنْعِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ الْوَجْهَ إِلَّا لِأَجْلِ الْإِضْرَارِ؛ فَلْيُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ الْإِضْرَارِ2، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَحِيصٌ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَضِرُّ مِنْهَا الغير؛

_ 1 بالتأمل في كلام المصنف السابق واللاحق نستخلص ما يلي: أولا: كلامه هذا هو بعينه النظرية الحديثة لسوء استعمال الحق، إن لم يكن أرقى منها في بعض الجوانب من حيث دقة التفصيل والتعليل، ولا سيما إذا نظر إليها بالقياس إلى العصر الذي كتبت فيه. ثانيا: أقام المصنف هذه النظرية على المقصد الكلي للشريعة؛ فالتعسف عنده في استعمال الحق من باب "التعدي بطريق التسبب"، وقد يرد على ذلك اعتراضات تفطن لها المصنف فيما مضى "1/ 376 وما بعدها". ثالثا: إن عناصر التعدي عند المصنف هي ما يلي: أولا: تمحض قصد الإضرار بالفعل، وهو يعتبر تعديا من الطراز الأول. ثانيا: مظنة قصد الإضرار التي تستفاد من القرائن. ثالثا: الإهمال للمعنى الاجتماعي الذي أمر به الإسلام، ومفاده اتخاذ الاحتياط للحيلولة دون الإضرار بالغير، أو بعبارة أخرى: التقصير في إدراك الأمور على وجهها الصحيح وإهمال المقاصد الشرعية منها,. رابعا: أن المصنف يكيف التعسف بأنه تعد بطريق التسبب، ولا يلتزم في ذلك ضابط التعدي عند جماهير الفقهاء الأقدمين. انظر: "نظرية التعسف في استعمال الحق" "ص55 وما بعدها"، و"النظرية العامة للموجبات والعقود" "1/ 53" لصبحي المحمصاني. 2 ذكر مثله ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" "ص265" عند شرح "لا ضرر ولا ضرار" ويمثل عليه بمن أراد أن يحفر بئرا في ملكه، ويضر بجدار جاره، قال صاحب "البهجة شرح التحفة "2/ 336": "وأما إن وجد عنه مندوحة ولم يتضرر بترك حفره؛ فلا يمكن من حفره لتمحض قصد إضراره بجاره".

فَحَقُّ الْجَالِبِ أَوِ الدَّافِعِ مُقَدَّمٌ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا كُلِّفَ بِنَفْيِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكَسْبِ، لَا يَنْفِي الْإِضْرَارَ بِعَيْنِهِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَلَا يَخْلُو أَنْ يَلْزَمَ مِنْ مَنْعِهِ الْإِضْرَارُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْجَبِرُ1 أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَزِمَ قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، عَلَى تَنَازُعٍ يُضْعِفُ مُدْرِكَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ التُّرْسِ الَّتِي فَرَضَهَا الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا إِذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ، وَعُلِمَ أَنَّ التُّرْسَ إِذَا لَمْ يُقْتَلِ اسْتُؤْصِلَ2 أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَمْكَنَ3 انْجِبَارُ الْإِضْرَارِ وَرَفْعُهُ جُمْلَةً؛ فَاعْتِبَارُ الضَّرَرِ الْعَامِّ أَوْلَى؛ فَيُمْنَعُ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ مِمَّا هَمَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ4، بِدَلِيلِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي السلع، وعن بيع

_ 1 كفقد الحياة أو عضو من أعضائه وما ماثل ذلك. "د". 2 وقد يقال: إن الفرض إنه يلحقه ضرر لا ينجبر إذا منع من استعمال حقه، وإذا استعمل حقه لحق غيره ضرر؛ فالضرر إما ان يلحقه وحده، وإما أن يلحق كثيرا من الناس؛ كبيع الحاضر للبادي، أما مسألة الترس؛ فيقول: إنه يلزم من الأخذ بحقه وعدم قتله استئصال أهل الإسلام، يعني هو وغيره من سائر المسلمين أو جميع الجيش على الأقل؛ فالضرر لاحق به على كل حال، فلذلك قصر الضرر على الترس واستبقى سائر المسلمين أو سائر الجيش؛ فالفرق بين المسألتين واضح على هذا التصوير، إما إذا صورت المسألة بأنه إما أن يفقد الترس أو يفقد الجيش الإسلامي في هذه الجهة مثلا؛ فإنه يتناسب مع الفرض. "د". قلت: في "ط": "إن لم يقتل استؤصل". 3 بأن يكون في أمور مالية مثلا. "د". 4 ولو لحق الفرد من جراء ذلك ضرر؛ لأنه ينجبر بالتعويض، ولأن في رعاية المصلحة العامة وتقديمها رعاية للمصلحة الخاصة ضمنا، كما أشار إلى ذلك الحديث: "نجوا جميعا". وانظر: "قواعد الأحكام" "2/ 162" للعز بن عبد السلام، و"المستصفى" "1/ 303"، و"الأشباه والنظائر" "1/ 122 - مع شرحه"، و"الاعتصام" "2/ 121-122" للمصنف، و"الطرق الحكمية" "ص289".

الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ عَلَى تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ1 مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمُ الْأَمَانَةُ، وَقَدْ زَادُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا رَضِيَ أَهْلُهُ وَمَا لَا، وَذَلِكَ يَقْضِي بِتَقْدِيمِ مَصْلَحَةِ الْعُمُومِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْخُصُوصِ، لَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ الْخُصُوصَ مَضَرَّةٌ2. وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَإِنَّ الْمَوْضِعَ فِي الْجُمْلَةِ يَحْتَمِلُ نَظَرَيْنِ: نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ إِسْقَاطِهَا، فَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْحُظُوظَ؛ فَإِنَّ حَقَّ الْجَالِبِ أَوِ الدَّافِعِ مُقَدَّمٌ وَإِنِ اسْتَضَرَّ غَيْرُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ دَفْعَ الْمَضَرَّةَ مَطْلُوبٌ لِلشَّارِعِ مَقْصُودٌ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَتِ الْمَيْتَةُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْأَكْلِ، وَأُبِيحَ الدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ لِلْمُقْرِضِ، وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَالرُّطَبُ بِالْيَابِسِ فِي الْعَرِيَّةِ، لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ فِي طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرَةٍ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهَا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَمَا سَبَقَ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ حَقُّهُ فِيهِ شَرْعًا، بِحَوْزِهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَسَبْقُهُ إِلَيْهِ لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِلشَّارِعِ؛ فَصَحَّ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّ الْمَسْبُوقِ عَلَى حَقِّ السَّابِقِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ شَرْعًا إِلَّا مَعَ إِسْقَاطِ السَّابِقِ لحقه، وذلك لا يلزمه، بل قد

_ 1 لو لم يقع تضمينهم لادعى بعضهم التلف، فضاعت حقوق الناس، وانظر النقولات عن السلف في: "مصنف عبد الرزاق" "8/ 216-223"، و"مسائل الكوسج". 2 أي: مضرة لا تنجبر أما أصلها؛ فهو الفرض". "د". قلت: ومثله منع التجار من احتكار ما يحتاج إليه الناس، ويؤمرون ببيعه بثمن المثل، وإلا بيع عليهم جبرا، والحجر على المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس أو المتعهد بتأجير المواصلات وغيرها، ومنع الأفراد من إقامة فرن للخبز في سوق البزازين، على ما ذكر ابن نجيم ونحوه إقامة مصنع للإسمنت في وسط حي للسكان. انظر هذه الأمثلة وغيرها في "إعلام الموقعين" "3/ 138-139"، و"الطرق الحكمية" "302-307"، و"فتاوى ابن رشد" "1/ 262-265"، و"المعيار المعرب" "1/ 243-246"، و"غمز عيون البصائر" "1/ 122"، و"تبصرة الحكام" "2/ 347"، و"نظرية التعسف في استعمال الحق" "ص236-237".

يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حَقُّ نَفْسِهِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ؛ فَلَا يَكُونُ لَهُ خِيرَةٌ فِي إِسْقَاطِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ، وَمِنْ حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ، وَذَلِكَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ وَاضِحٌ، وَكَذَلِكَ فِي جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ إِنْ كَانَ عَدَمُهَا يُضَرُّ بِهِ. وَقَدْ سُئِلَ الدَّاوُدِيُّ1: "هَلْ تَرَى لِمَنْ قَدَرَ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ غُرمِ هَذَا الَّذِي يُسَمَّى بِالْخَرَاجِ إِلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَفْعَلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ وَضَعَهُ السُّلْطَانُ على أهل بدلة وَأَخَذَهُمْ بِمَالٍ مَعْلُومٍ يُؤَدُّونَهُ2 عَلَى أَمْوَالِهِمْ؛ هَلْ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَ؟ وَهُوَ إِذَا تَخَلَّصَ أُخِذَ سَائِرُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِتَمَامِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السَّاعِي يَأْخُذُ مِنْ غَنَمِ أَحَدِ الْخُلَطَاءِ شَاةً وَلَيْسَ فِي جَمِيعِهَا3 نِصَابٌ: إِنَّهُ مَظْلَمَةٌ دَخَلَتْ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، لَا يَرْجِعُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَسْتُ بِآخِذٍ4 فِي هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا أُسْوَةَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يُولِجَ نَفْسَهُ فِي ظُلْمٍ مَخَافَةَ أَنْ يُوضَعَ الظُّلْمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنَّمَا السَّبِيلُ 5 عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى: 24] ". هذا ما قال6.

_ 1 في "الأموال" للداودي "ص153": "وقيل له -أي: لأحمد بن نصر وهو الداودي-"، وساق المذكور هنا بحرفه. 2 هكذا وقع في مطبوع "الأموال" و"ط": "يؤدونه"، وفي باقي النسخ: "يردونه". 3 أي: ليس في مجموع غنم الخلطاء شاة، بأن كان المجموع أقل من أربعين، وبذلك صح أنه مظلمة من باب الغصب. "د". 4 في الأصل و"ط": "آخذ". 5 فقد حصر السبيل والمؤاخذة في نفس الظالم، أما غيره؛ فلا سبيل عليه، ولو كلف غير الظالم بمشاركته للمظلوم في حمل بعض ما ظلم فيه يكون السبيل حينئذ على غير الظالم. "د". 6 ونقله صاحب "المعيار المعرب" "5/ 150، 151 و9، 565" أيضا.

وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْمَنْقُولَاتِ نَحْوَ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَهُ عَنْ نَفْسِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَطْرَحُهُ عَلَى غَيْرِهِ، إِذَا كَانَ الْمَطْرُوحُ جَوْرًا بَيِّنًا. وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيِّ فِي "الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ"1 عَنْ جماد2 بْنِ أَبِي أَيُّوبَ؛ قَالَ: قُلْتُ لِحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: إِنِّي أَتَكَلَّمُ فَتُرْفَعُ عَنِّي النَّوْبَةُ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنِّي وُضِعَتْ عَلَى غَيْرِي. فَقَالَ: إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي نَفْسِكَ، فَإِذَا رُفِعَتْ عَنْكَ؛ فَلَا تُبَالِي عَلَى مَنْ وُضِعَتْ. وَمِنْ ذَلِكَ الرِّشْوَةُ عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَإِعْطَاءُ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِينَ وَلِلْكُفَّارِ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، وَلِمَانِعِي3 الْحَاجِّ حَتَّى يُؤَدُّوا خَرَاجًا، كُلُّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ بِتَمْكِينٍ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ طَلَبُ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِمَوْتِ الْكَافِرِ عَلَى الْكُفْرِ، أَوْ قَتْلِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَ، بَلْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "وَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" 4 الْحَدِيثَ. وَلَازِمُ ذَلِكَ دُخُولُ قَاتِلِهِ النَّارَ، وَقَوْلُ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [الْمَائِدَةِ: 29] ، بَلْ الْعُقُوبَاتُ كُلُّهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ يَلْزَمُ عَنْهَا5 إِضْرَارُ الْغَيْرِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلْغَاءٌ لِجَانِبٍ الْمَفْسَدَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلِأَنَّ جَانِبَ الْجَالِبِ والدافع أولى6،

_ 1 "ص21". 2 ضبطه عبد الغني بن سعيد بالجيم في أوله، وكذا في نسخة "ط"، وفي النسخ المطبوعة بالحاء!! 3 في "ط": "ولمانع". 4 قطعة من حديث أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، 1/ 92/ رقم 36"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، 3/ 1495-1496/ رقم 1876" عن أبي هريرة رضي الله عنه. 5 في الأصل: "عمليها". 6 انظر أمثلة أخرى غير المتقدمة مع تعليق عليها بنحو ما عند المصنف في "الفروق" "2/ 33"، و"تنقيح الفصول" "ص201"، و"الإمام مالك" "415" لأبي زهرة.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا قَبْلُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُشْكِلُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنْ "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 1، وَمَا تَقَدَّمَ وَاقِعٌ فِيهِ الضَّرَرُ؛ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِمُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ إِكْرَاهُ صَاحِبِ الطَّعَامِ عَلَى إِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ، إِمَّا بَعِوَضٍ وَإِمَّا مَجَّانًا، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا لما كان إمساكه مؤيدا2 إِلَى إِضْرَارِ الْمُضْطَرِّ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ الْإِمَامِ الطَّعَامَ مِنْ يَدِ مُحْتَكِرِهِ قَهْرًا؛ لَمَّا صَارَ مَنْعُهُ مُؤَدِّيًا2 لِإِضْرَارِ الْغَيْرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ3. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِضْرَارَ الْغَيْرِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي الْإِذْنِ، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ لِمُجَرَّدِ جَلْبِ الْجَالِبِ وَدَفْعِ الدَّافِعِ، وَكَوْنُهُ يَلْزَمُ عَنْهُ إِضْرَارٌ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْإِذْنِ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ تَعَارَضَ4 هُنَالِكَ إِضْرَارَانِ: إِضْرَارُ صَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ، [وَإِضْرَارُ مَنْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ، وَالْمَعْلُومُ مِنَ الشَّرِيعَةِ تَقْدِيمُ صَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ] 5، وَلَا يُخَالَفُ فِي هَذَا عِنْدَ المزاحمة على الحقوق، والحاصل أن

_ 1 مضى تخريجه "2/ 72". 2 في الأصل: "مؤيدا لأضرار ... مؤيدا". 3 انظر في هذا: "الحسبة" "ص14-25" لابن تيمية، و"الطرق الحكمية" "286 وما بعدها"، و"شرح النووي على صحيح مسلم" "3/ 8"، "بداية المجتهد" "2/ 138"، و"بدائع الصنائع" "5/ 129"، و"الاختيار" "3/ 116"، و"المنتقى" "5/ 17 للباجي، و"الاعتصام" "2/ 120" للمصنف. 4 في الأصل: "تعرض". 5 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

الْإِذْنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِذْنٌ لَمْ يَسْتَلْزِمِ الْإِضْرَارَ، وَكَيْفَ1 وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِعِ أَنْ يَنْهَى عَنْهُ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ الْإِضْرَارَ أَثِمَ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى مَا فَعَلَ؛ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَقْصِدِ الْإِضْرَارَ، بَلْ عَنِ الْإِضْرَارِ نَهَى، وَهُوَ الْإِضْرَارُ بِصَاحِبِ الْيَدِ وَالْمِلْكِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُضْطَرِّ؛ فَهِيَ شَاهِدٌ لَنَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الطَّعَامِ لَيْسَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ حَاجَةً يَضُرُّ بِهِ عَدَمُهَا، وَإِلَّا فَلَوْ فَرَضْتَهُ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ إِكْرَاهُهُ، وَهُوَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ عَلَى الْبَذْلِ مَنْ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ فَافْهَمْهُ، وَأَمَّا الْمُحْتَكِرُ؛ فَإِنَّهُ خَاطِئٌ بِاحْتِكَارِهِ، مُرْتَكِبٌ لِلنَّهْيِ، مُضِرٌّ بِالنَّاسِ؛ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَ إِضْرَارَهُ بِالنَّاسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ هُوَ بِهِ. وَأَيْضًا؛ فَهُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ عَلَى الْخَاصَّةِ لِأَجْلِ الْعَامَّةِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ اعْتِبَارِ الْحُظُوظِ. وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرْهَا؛ فَيُتَصَوَّرُ هُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: إِسْقَاطُ الِاسْتِبْدَادِ وَالدُّخُولُ فِي الْمُوَاسَاةِ عَلَى سَوَاءٍ، وَهُوَ مَحْمُودٌ جدًا، قد فُعِلَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ؛ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ؛ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ" 2، وَذَلِكَ أَنَّ مُسْقِطَ الْحَظِّ هُنَا قَدْ رَأَى غَيْرَهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ [هُوَ] 3 أَخُوهُ أَوِ ابْنُهُ أَوْ قَرِيبُهُ أَوْ يَتِيمُهُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّنْ طُلِبَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ نَدْبًا أَوْ وجوبًا.

_ 1 في الأصل: "فكيف". 2 مضى تخريجه "2/ 324"، وهو في "الصحيحين". 3 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل فقط، وسقط من النسخ المطبوعة كلها و"ط".

وَأَنَّهُ1 قَائِمٌ فِي خَلْقِ اللَّهِ بِالْإِصْلَاحِ وَالنَّظَرِ وَالتَّسْدِيدِ؛ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا صَارَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاحْتِجَانِ2 لِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ، بَلْ مِمَّنْ أُمِرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْأَبَ الشَّفِيقَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْقُوتِ دُونَ أَوْلَادِهِ؛ فَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَ الْأَشْعَرِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ"؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ، وَفِي الشَّفَقَةِ الْأَبَ الْأَكْبَرَ؛ إِذْ كَانَ لَا يَسْتَبِدُّ بِشَيْءٍ دُونَ أُمَّتِهِ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، [قَالَ] : بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ -قَالَ- فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشَمَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ". قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ؛ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لأحد منا في فضل3.

_ 1 في الأصل: "وكأنه". 2 الاحتجان: الإصلاح والجمع وضم ما انتشر، والحجنة: ما اختزنت من شيء واختصصت به نفسك، قال الأزهري: "ومن ذلك يقال للرجل إذا اختص بشيء لنفسه: قد احتجنه لنفسه دون أصحابه". انظر: "اللسان" "مادة ح ج ن، 3/ 108، 109". 3 أخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب اللقطة، باب استحباب المواساة بفضول المال، 3/ 1354/ رقم 1728"، وأبو دود "في السنن" "كتاب الزكاة، باب في حقوق المال، 2/ 125-126/ رقم 1663"، وأحمد في "المسند" "3/ 34"، والبيهقي في "الكبرى" "4/ 182"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 2685" من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وفي هذا لحديث دليل على أن لولي الأمر أن يجعل التبرع واجبا عند الحاجة، ومثله النهي عن ادخار لحوم الأضاحي والنهي عن كراء الأرض؛ وانظر تفصيلا مستطابا في "القواعد النورانية" "176-177" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وفي "ط": "حتى رئينا أنه ... ".

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: "إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ"1، وَمَشْرُوعِيَّةُ الزَّكَاةِ وَالْإِقْرَاضِ وَالْعَرِيَّةِ وَالْمِنْحَةِ وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى، وجمعيه جَارٍ عَلَى أَصْلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي اسْتِبْدَادًا2، وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يَلْحَقُ الْعَامِلَ ضَرَرٌ إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَلْحَقُ الْجَمِيعَ أَوْ أَقَلَّ، وَلَا يَكُونُ مُوقِعًا عَلَى نَفْسِهِ

_ 1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة، 3/ 48-49/ رقم 659، 660"، والدارمي في "السنن" "1/ 385"، والدارقطني في "السنن" "2/ 125"، وابن عدي في "الكامل" "4/ 1328" عن فاطمة بنت قيس. وإسناده ضعيف، فيه أبو حمزة ميمون الأعور، وهو ضعيف. قال الترمذي عقبه: "هذا حديث إسناده ليس بذلك. وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح". وقال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" "1/ 107": "وبالجملة؛ فالحديث كيفما كان ضعيف بأبي حمزة ميمون الأعور، ضعفه الترمذي، وقال البيهقي: لا يثبت إسناده، تفرد به أبو حمزة الأعور، وهو ضعيف، ومن تابعه أضعف منه"، وعزاه لأبي يعلى في "مسنده". قلت: أخرجه ابن زنجويه في "الأموال" "2/ 789/ رقم 1365"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 156، 191"، وأبو عبيد في "الأموال" "445" عن ابن عمر قوله: "في مالك حق سوى الزكاة"، وإسناده صحيح. وأثر الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "3/ 191"، وابن زنجويه في "الأموال" "2/ 792/ رقم 1370"، وابن عبد البر في "التمهيد" "4/ 212" عنه بإسناد حسن. 2 فالمصنف ينفي صراحة أن يكون الحق سلطة مطلقة أو استبدادا مطلقا بمنافعه وثمراته، وبذلك ينتفي معنى الفردية المطلقة في الحق، ويثبت بما لا يدع مجالا للشك المعنى الاجتماعي في أقوى صوره من التسوية والمشاركة، لا على سبيل الجواز أو الندب، بل وعلى سبيل الوجوب أيضا إذا اقتضى الأمر في ظروف الضرورة والحاجة، وفيما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يصور أنه أسوة في ذلك؛ لأن في درء المفسدة عن الجماعة وجلب المصلحة لهم هو الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة، بل هو المسوغ الأكبر لإلقاء مقاليد السلطة العامة بيد ولي الأمر. انظر: "الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده" "ص159".

ضَرَرًا نَاجِزًا. وَإِنَّمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ أَوْ قَلِيلٌ يَحْتَمِلُهُ فِي دَفْعِ بَعْضِ الضَّرَرِ عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ نَظَرُ مَنْ يَعُدُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ شَيْئًا وَاحِدًا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" 1. وَقَوْلِهِ: "الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" 2. وَقَوْلِهِ: "الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لنفسه" 3.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، 1/ 565/ رقم 481، وكتاب المظالم، باب نصر المظلوم، 5/ 99 رقم 2446"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، 4/ 1999/ رقم 2585" عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وكتب "خ" هنا ما نصه: بالاتحاد والتناصر البالغ إلى هذا الحد ارتفعت أعلام الإسلام من أقاصي الشرق إلى منتهى الغرب، وما تقلص ظل عز المسلمين وسيادتهم إلا حين دب التخاذل في جامعتهم؛ حتى أصبحنا نرى فريقًا منهم يدخلون في حساب المسلمين بزيهم وأسمائهم؛ إلا أن قلوبهم هواء كأنها بين أصبعين من أصابع العدو يقلبها كيف يشاء؛ فكانوا كالسهام الصائبة يرمي بهم في نحور أقوامهم وهم لا يشعرون بأنهم يهدمون صروح مجدهم ويلقون بأنفسهم وأبنائهم من بعدهم في عذاب الهون ومعرة الاستعباد" وسقط من "ط": "المرصوص". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، 10/ 438/ رقم 6011، ومسلم في "صحيحه "كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، 4/ 2000/ رقم 2586" عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، 1/ 56-57/ رقم 13"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، 1/ 67-68/ رقم 45" عن أنس رضي الله عنه بلفظ: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب ... "، وفي رواية مسلم: "لأخيه أو قال: لجاره"، وفي بعض الروايات الصحيحة: "من الخير ما يحب لنفسه"، واللفظ الذي أورده المصنف هو لفظ الغزالي في "الإحياء" 2/ 207"، وبضاعته في الحديث مزجاة، كما كان يقول هو عن نفسه، رحمه الله تعالى، ولذا قال ابن السبكي في "طبقاته" "6/ 317" عن الحديث بلفظ المصنف: "لم أجد له إسنادا".

وَسَائِرُ مَا فِي الْمَعْنَى مِنَ الْأَحَادِيثِ، إِذْ لَا يَكُونُ شَدُّ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى التَّمَامِ إِلَّا بِهَذَا الْمَعْنَى وَأَسْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ النَّفْعُ وَارِدًا عليهم على السواء، كل واحد بِمَا يَلِيقُ بِهِ؛ كَمَا أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الْجَسَدِ يَأْخُذُ مِنَ الْغِذَاءِ بِمِقْدَارِهِ قِسمة عدل لا يزيد ولا ينقص، فلو أخد بَعْضُ الْأَعْضَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ أَقَلَّ؛ لَخَرَجَ1 عَنِ اعْتِدَالِهِ، وَأَصْلُ هَذَا مِنَ الْكِتَابِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَالْأُخُوَّةِ وَتَرْكِ الْفُرْقَةِ، وَهُوَ كَثِيرٌ؛ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا يَرْجِعُ إِلَيْهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِيثَارُ عَلَى النَّفْسِ، وَهُوَ أَعْرَقُ فِي إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، وَذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ حَظَّهُ لِحَظِّ غَيْرِهِ، اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ الْيَقِينِ، وَإِصَابَةً لَعِينِ التَّوَكُّلِ، وَتَحَمُّلًا لِلْمَشَقَّةِ فِي عَوْنِ الْأَخِ فِي اللَّهِ عَلَى الْمَحَبَّةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَهُوَ مِنْ مَحَامِدِ الْأَخْلَاقِ، وَزَكِيَّاتِ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْ خُلُقِهِ الْمَرْضِيِّ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ"2. وَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: "إِنَّكَ تَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى

_ 1 في الأصل: "فخرج". 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب أجود ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان، 4/ 116/ رقم 1902" عن ابن عباس؛ قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة". وفي "ط": "خلقه الرضي، فقد كان ... ".

نَوَائِبِ الْحَقِّ"1، وَحُمِلَ إِلَيْهِ تِسْعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ فَوُضِعَتْ عَلَى حَصِيرٍ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا يُقَسِّمُهَا، فَمَا رَدَّ سَائِلًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ؛ فَقَالَ: "مَا عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ، فَإِذَا جَاءَنَا شَيْءٌ؛ قَضَيْنَاهُ". فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا كَلَّفَكَ اللَّهُ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَكَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ؛ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْفِقْ وَلَا تَخَفْ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتُ" 2. ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ أَنَسٌ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لغد3. وهذا كثير.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب بدء الوحي، باب منه، 1/ 22/ رقم 22، وكتاب التفسير، باب تفسير سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، 8/ 715/ رقم 4953"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بدء الوحي/ رقم 160"، وأحمد في "المسند" "6/ 233" وغيرهم. 2 أخرجه الترمذي في "الشمائل" "رقم 338"- والشاشي في "مسنده"، ومن طريقه الضياء في "المختارة" "1/ 180/ رقم 88"- والبغوي في "الشمائل" "رقم 367"، وابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" "ص96-97" بسند ضعيف، فيه موسى بن أبي علقمة المديني، وهو مجهول، كما قال ابن حجر في "التقريب". وأخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" "رقم 101"، وفيه عبد الله بن شبيب، وهو واه ويحيى بن محمد بن حكيم لم أظفر به. وأخرجه البزار في "البحر الزخار" "1/ 396/ رقم 273" وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم الحنيني، ضعيف، وفي طرقها كلها هشام بن سعد، صدوق له أوهام. والحديث ضعيف، وضعفه شيخنا الألباني في "مختصر الشمائل" "رقم 305". 3 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله، 4/ 580/ رقم 2362"-وقال: "هذا حديث غريب"- و"الشمائل" "رقم 304"، وابن حبان في "الصحيح" "14/ 270، 291/ رقم 6356، 6378 - الإحسان"، وابن عدي في "الكامل" "2/ 572"، والبغوي في "الشمائل "رقم 361"، و"شرح السنة" "13/ 253/ رقم 3690" والخطيب في "تاريخه" "7/ 98" عن أنس بإسناد حسن على شرط مسلم. وقال ابن كثير في "الشمائل" "ص89-99": "المراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها". قلت: لأنه ثبت في "الصحيحين" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر لأهله قوت سنتهم. وما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الْإِنْسَانِ: 8] ، وَمَا جَاءَ فِي "الصَّحِيحِ"1 فِي قَوْلِهِ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الْحَشْرِ: 9] ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ2، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَاب الْأَسْبَابِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَمَلِ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: "إِيثَارٌ بِالْمِلْكِ"3 مِنَ الْمَالِ، وَبِالزَّوْجَةِ بِفِرَاقِهَا لِتَحِلَّ لِلْمُؤْثَرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُؤَاخَاةِ الْمَذْكُورِ فِي "الصَّحِيحِ"4.

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ، 18/ 631/ رقم 4889"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب إكرم الضيف وفضل إيثاره، 3/ 1624/ رقم 2054" عن أبي هريرة؛ قال: أتى رجل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يا رسول الله! أصابني الجهد. فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟ ". فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله؛ فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئا. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: "لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله عز وجل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ". لفظ البخاري. 2 كما تقدم "2/ 323" وتخريجه هناك. 3 في الأصل: "المكلف". 4 تقدم "2/ 325".

وَإِيثَارٌ بِالنَّفْسِ؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَرَّسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَلَّعُ لِيَرَى الْقَوْمَ؛ فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُشْرِفْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ1، وَوَقَى بِيَدِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُلَّتْ. وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ إِذْ كَانَ فِي غَزْوِهِ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَى الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ [اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَقَدِ] اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عَرِيٍّ وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "لَنْ تُرَاعُوا" 2، وَهَذَا فِعْلُ مَنْ آثَرَ بِنَفْسِهِ، وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي مَبِيتِهِ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَزَمَ الْكُفَّارُ على قتله مشهور3.

_ 1 مضى تخريجه "2/ 174" دون "ووقى بيده رسول الله فشلت"، وهذه الزيادة ثابتة عن طلحة بن عبيد الله، وليس عن أبي طلحة كما قال المصنف، أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر طلحة بن عبيد الله "7/ 82/ رقم 3724" بسنده إلى قيس بن أبي حازم؛ قال: "رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم قد شلت". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الجهاد، باب الشجاعة في الحرب والجبن، 6/ 35/ رقم 2820، وباب ركوب الفرس العري، 6/ 70/ رقم 2866، وباب الفرس القطوف، 6/ 70، رقم 2867، وباب الحمائل وتعليق السيف بالعنق، 6/ 95/ رقم 2908"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي عليه السلام، وتقدمه للحرب، 4/ 1802-1083/ رقم 2307" عن أنس رضي الله عنه. 3 أخرج ذلك أحمد في "مسنده" "1/ 348 و2/ 279 - الفتح الرباني"، والحاكم في "المستدرك" "3/ 4"، وابن جرير في "التاريخ" "2/ 372، 373"، وأبو نعيم في "الدلائل" "ص64"، وعبد الرزاق في "المصنف" "5/ 389"، والطبراني كما في "المجمع" "6/ 52-53"، والبزار في "المسند" "2/ 299-300/ رقم 1741 - زوائده"، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه؛ كما في "فتح القدير" "2/ 304"، والبيهقي في "الدلائل" "2/ 473" بأسانيد وألفاظ مختلفة فيها نحو المذكور عند المصنف مما يشهد أن للقسم المذكور أصلا، والله أعلم. وقد حسن بعض طرقه ابن حجر في "الفتح" "7/ 236"، وابن كثير في "السيرة" "2/ 239"، وفيه نسيج العنكبوت على الغار، وما ذكر عند المصنف فيه له شواهد، والله الموفق.

وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ1: ....................................... ... وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ وَمِنَ الصُّوفِيَّةِ مَنْ يُعَرِّفُ الْمَحَبَّةَ بِأَنَّهَا الإيثار، ويدل على ذلك قوله امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يُوسُفَ: 51] ؛ فَآثَرَتْهُ بِالْبَرَاءَةِ عَلَى نَفْسِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: "أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى فَضِيلَةِ الْإِيثَارِ بِالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَحُظُوظِ النَّفْسِ2، بِخِلَافِ الْقُرُبَاتِ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِلَّهِ". وَهَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ3 عَلَى مَرَاتِبَ، وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِي الِاتِّصَافِ بِأَوْصَافِ التَّوَكُّلِ الْمَحْضِ وَالْيَقِينِ التَّامِّ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ جَمِيعَ مَالِهِ4، وَمِنْ عُمَرَ النِّصْفَ5، وَرَدَّ أَبَا لُبَابَةَ6 وكعب

_ 1 هو عجز بيت لمسلم بن الوليد في "ديوانه" "164" وأوله: يجود بالنفس إذا ضن الجواد بها ... ......................................... وانظر: "ديوان المعاني" "1/ 103-104"، و"الأمثال" "1/ 95" كلاهما للعسكري، و"الفروسية" "ص499- بتحقيقي" لابن القيم. 2 عبارته في "شرح صحيح مسلم" "14/ 12": " ... وحظوظ النفس، أما القربات، فالأفضل أن لا يؤثر بها لأن الحق فيها لله تعالى". 3 وهو الإيثار بالمال. 4، 5 أخرج أبو داود في "السنن" "كتاب الزكاة، باب الرخصة في جواز التصرف بجميع المال، 2/ 129/ رقم 1678"، والترمذي في "جامعه" "أبواب الزكاة، باب في مناقب أبي بكر، 4/ 614-615/ رقم 3675"- وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- والبزار في "البحر الزخار" =

ابن مَالِكٍ إِلَى الثُّلُثِ1، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: "لِقُصُورِهِمَا عَنْ دَرَجَتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ". هَذَا مَا قَالَ. وَتَحَصَّلَ أَنَّ الْإِيثَارَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ، فَتَحَمُّلُ الْمَضَرَّةِ اللَّاحِقَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَا عَتْبَ فِيهِ إِذَا لَمْ يُخِلَّ بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ أَخَلَّ بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ؛ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ إِسْقَاطًا لِلْحَظِّ، وَلَا هُوَ مَحْمُودٌ شرعا، أما أنه ليس

_ = "1/ 394/ رقم 270"، والدارمي في "السنن" "1/ 391" بإسناد صحيح عن عمر؛ قال: أمرنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي؛ فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أبقيت لأهلك؟ ". قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده؛ فقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أبقيت لأهلك؟ ". قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائده على فضائل الصحابة" "رقم 527" من طريق آخر ضعيف. 6 حديث أبي لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه أراد أن يتصدق بجميع ماله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجزيك من ذلك الثلث"، أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 481"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الإيمان والنذور، باب فيمن نذر أن يتصدق بماله. 3/ 613/ رقم 3320"، وأحمد في "المسند" "3/ 452-453"، والدارمي في "السنن" "1/ 391"، وهو صحيح. 1 ورد ذلك في قصة توبة كعب بن مالك؛ فإنه قال: "قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك". قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر". أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، 8/ 113-116/ رقم 4418"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، 4/ 2120/ رقم 2769". فالثابت قوله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك" من غير تحديد بالثلث، وقول كعب: "أمسك سهمي الذي بخيبر" لا نعلم هل هو بقدر ثلث ماله أو أكثر من ذلك أو أقل، قاله ابن العربي في "أحكامه" "2/ 1010".

بِمَحْمُودٍ شَرْعًا؛ فَلِأَنَّ إِسْقَاطَ الْحُظُوظِ إِمَّا لِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْآمِرِ، وَإِمَّا لِأَمْرٍ آخَرَ، أَوْ لِغَيْرِ شَيْءٍ؛ فَكَوْنُهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ عَبَثٌ لَا يَقَعُ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَكَوْنُهُ لِأَمْرِ الْآمِرِ يُضَادُّ كَوْنَهُ مُخِلًّا بِمَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ لَيْسَ بِأَمْرِ الْآمِرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ، وَمُخَالَفَةُ أَمْرِ الْآمِرِ ضِدُّ الْمُوَافَقَةِ لَهُ؛ فَثَبَتَ أَنَّهُ لِأَمْرٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ الْحَظُّ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ الْحَصْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ، هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، وَمِنْهُ يُعْرَفُ حُكْمُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِسْقَاطِ الْحُظُوظِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنْ لَا يَلْحَقَ الْجَالِبَ أَوِ الدَّافِعَ ضَرَرٌ، وَلَكِنْ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيٌّ عَادَةً؛ فَلَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَاصِدًا لِمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ شَرْعًا، مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِضْرَارٍ بِأَحَدٍ؛ فَهَذَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ جَائِزٌ لَا مَحْظُورَ فِيهِ. وَنَظَرٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِلُزُومِ مَضَرَّةِ الْغَيْرِ لِهَذَا الْعَمَلِ الْمَقْصُودِ، مَعَ عَدَمِ اسْتِضْرَارِهِ بِتَرْكِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَظِنَّةٌ لِقَصْدِ الْإِضْرَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي فِعْلِهِ إِمَّا فَاعِلٌ لِمُبَاحٍ صِرْفٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ مَقْصِدٌ ضَرُورِيٌّ وَلَا حَاجِيٌّ وَلَا تَكْمِيلِيٌّ؛ فَلَا قَصْدَ لِلشَّارِعِ فِي إِيقَاعِهِ مِنْ حَيْثُ يُوقَعُ، وَإِمَّا فَاعِلٌ لِمَأْمُورٍ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ فِيهِ مَضَرَّةٌ، مَعَ إِمْكَانِ فِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْحَقُ فِيهِ مَضَرَّةٌ، وَلَيْسَ لِلشَّارِعِ قَصْدٌ فِي وُقُوعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِ الضَّرَرُ دُونَ الْآخَرِ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ؛ فَتَوَخِّيهِ لِذَلِكَ الْفِعْلِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مَعَ1 الْعِلْمِ بِالْمَضَرَّةِ لَا بُدَّ فِيهِ [مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَقْصِيرٌ2 فِي] 3 النَّظَرِ الْمَأْمُورِ به وذلك

_ 1 في "ط": "ومع". 2 وذلك في تقدير أنه فاعل لمأمور به، وقوله: "وإما قصد إلى نفس الإضرار"، وذلك يكون في التقديرين محتملا؛ إلا أنه يقال: إن قصد الإضرار في التقديرين خلاف فرض القسم الخامس، كما صرح به قوله: "فله نظران، نظر ... إلخ"، وكما هو أصل المقسم في أول المسألة حيث قال: "والثاني ألا يقصد إضرارًا ... إلخ"، وقد يجاب بأن قوله: "وأما قصد"؛ أي: مظنة قصد؛ فعومل بهذه المظنة، وإن لم يحصل القصد بالفعل كما صرح به في قوله: "فإنه من هذه الوجه مظنة لقصد ... إلخ"؛ إلا أنه يبقى الكلام في قوله: "ولا يعد قاصدا له ألبتة" الذي معناه أنه لا يعامل حتى بمظنة القصد، ولعله زيد أنه يعامل معاملة المخطئ في التضمين للمتلف وفي الدية؛ فعليك باستيفاء المبحث. "د". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

مَمْنُوعٌ، وَإِمَّا قَصْدٌ إِلَى نَفْسِ الْإِضْرَارِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، لَكِنْ إِذَا فَعَلَهُ فَيُعَدُّ مُتَعَدِّيًا بِفِعْلِهِ، وَيُضَمَّنُ ضَمَانَ الْمُتَعَدِّي عَلَى الْجُمْلَةِ، وَيُنْظَرُ فِي الضَّمَانِ بِحَسَبِ1 النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِكُلِّ نَازِلَةٍ، وَلَا يُعَدُّ قَاصِدًا لَهُ أَلْبَتَّةَ، إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ قَصْدُهُ لِلتَّعَدِّي، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ، وَمَا لَحِقَ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي هِيَ فِي أَصْلِهَا مَأْذُونٌ فِيهَا وَيَلْزَمُ عَنْهَا إِضْرَارُ الْغَيْرِ، وَلِأَجْلِ هَذَا2 تَكُونُ الْعِبَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صَحِيحَةً مُجْزِئَةً3، وَالْعَمَلُ الأصلي

_ 1 في "خ": "نحسب". 2 أي: لوجود النظرين السالفين، وأن أحدهما جائز لا محظور فيه، ويمكن انفكاكه عن الآخر. "د". 3 نقل بعضهم هنا عن القرافي دعواه أن صحة العبادة وإجزاءها لا تستلزم الثواب عليها وقبولها عند المحققين، وقال: إن الفقهاء قديما وحديثا على خلاف هذه الدعوى. ا. هـ. ولا يخفى عليك أن هذا الموضع ليس محل تحقيق هذا البحث، وإنما محله المسألة الأولى في الصحة والبطلان؛ فليراجع، على أنه تقدم للشاطبي هناك أنه تطلق الصحة بمعنى رجاء حصول الثواب، والبطلان بمعنى عدم رجائه، كما إذا دخل الصلاة رياء أو نحوه؛ فمع كونها لا تقضى لا ثواب عليها كما صرحوا به في الفروح. "د". قلت: مراده "خ" حيث قال: "ادعى القرافي في الفرق الخامس والستين أن القبول غير الإجزاء والصحة؛ فالمجزي عنده ما اجتمعت شروطه وأركانه وانتفت موانعه، ولا يقتضي سوى براءة الذمة، أما الثواب عليه الذي هو معنى القبول؛ فعزا إلى المحققين عدم لزومه، وقد تصدى الفقهاء قديما وحديثا لإبطال هذه الدعوى، وقرروا أن العبادة الواقعة على الوجه المشروع من استيفاء الشروط والأركان تكون صحيحة مجزئة، ويترتب على ذلك قبولها واستحقاق الثواب عليها".

صَحِيحًا، وَيَكُونُ عَاصِيًا بِالطَّرَفِ الْآخَرِ، وَضَامِنًا إِنْ كَانَ ثَمَّ ضَمَانٌ، وَلَا تَضَادَّ فِي الْأَحْكَامِ لِتَعَدُّدِ جِهَاتِهَا، وَمَنْ قَالَ هُنَالِكَ بِالْفَسَادِ يَقُولُ بِهِ هُنَا، وَلَهُ فِي النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ مَجَالٌ رَحْبٌ يَرْجِعُ ضَابِطُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى1، هَذَا مِنْ جِهَةِ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَصْحَابَ إِسْقَاطِهَا لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ عَمَلٍ هَذَا شَأْنُهُ أَلْبَتَّةَ. وَأَمَّا السَّادِسُ: وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ نَادِرًا؛ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ مِنَ الْإِذْنِ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا كَانَتْ غَالِبَةً؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِالنُّدُورِ فِي انْخِرَامِهَا، إِذْ لَا تُوجَدُ فِي الْعَادَةِ مَصْلَحَةٌ عَرِيَّةٌ عَنِ الْمَفْسَدَةِ جُمْلَةً؛ إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ إِنَّمَا اعْتَبَرَ فِي مَجَارِي الشَّرْعِ غَلَبَةَ الْمَصْلَحَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَدُورَ الْمَفْسَدَةِ إِجْرَاءً لِلشَّرْعِيَّاتِ مَجْرَى الْعَادِيَّاتِ فِي الْوُجُودِ، وَلَا يُعَدُّ هُنَا قَصْدُ الْقَاصِدِ إِلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ -مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِنُدُورِ الْمَضَرَّةِ عَنْ ذَلِكَ- تَقْصِيرًا فِي النَّظَرِ، وَلَا قَصْدًا إِلَى وُقُوعِ الضَّرَرِ، فَالْعَمَلُ إِذًا بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ضَوَابِطَ الْمَشْرُوعَاتِ هَكَذَا وَجَدْنَاهَا؛ كَالْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ، مَعَ إِمْكَانِ الْكَذِبِ وَالْوَهْمِ وَالْغَلَطِ، وَإِبَاحَةِ الْقَصْرِ فِي الْمَسَافَةِ الْمَحْدُودَةِ، مَعَ إِمْكَانِ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ كَالْمَلِكِ الْمُتَرَفِّهِ، وَمَنْعِهِ فِي الْحَضَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَوِي الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ2، وَكَذَلِكَ إِعْمَالُ الخير الواحد3.

_ 1 الذي هو النظر الثاني، وهو علمه بالضرر ومظنة أن يقصده، وهو من هذا الوجه ممنوع، والفعل مخالف مناقض لقصد الشارع وما ناقض الشريعة باطل. "د". 2 أي: فلما كان أصحابه الذين اعتادوها يندر أن تحصل لهم المشقة الخارجة عن العادة في هذه الصنعة كما تقدم في بيان المشقة المعتادة وغير المعتادة؛ لم يعتبر هذا النادر. "د". 3 أي: في الجزئيات، كما قيد به في الأقيسة؛ كالعمل برواية فلان وهي تحتمل الخطأ والكذب ... إلخ، وكقياس النباش على السارق مثلا، وهو قياس جزئي عمل به مع احتماله الخطأ من وجوه عدة تعرف من مبحث الاعتراضات على الأقيسة التي تتجاوز خمسة وعشرين، وقيد الجزئيات ضروري فيهما؛ لأن التعبد بأصل القياس، وكذا برواية الآحاد من الأصول القطيعة في الدين، كما سبق له إشارة إلى ذلك. "د".

وَالْأَقْيِسَةِ الْجُزْئِيَّةِ فِي التَّكَالِيفِ، مَعَ إِمْكَانِ إِخْلَافِهَا وَالْخَطَأِ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ؛ فَلَمْ يُعْتَبَرْ، وَاعْتُبِرَتِ الْمَصْلَحَةُ الْغَالِبَةُ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا السَّابِعُ: وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ ظَنِّيًّا؛ فَيَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، أَمَّا أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَالْإِذْنُ؛ فَظَاهِرٌ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّادِسِ، وَأَمَّا أَنَّ الضَّرَرَ وَالْمَفْسَدَةَ تَلْحَقُ ظَنًّا؛ فَهَلْ يَجْرِي الظَّنُّ مَجْرَى الْعِلْمِ فَيُمْنَعُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ1، أَمْ لَا لِجَوَازِ تَخَلُّفِهِمَا؟ وَإِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ نَادِرًا، وَلَكِنَّ اعْتِبَارَ الظَّنِّ هُوَ الْأَرْجَحُ لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الظَّنَّ فِي أَبْوَابِ الْعَمَلِيَّاتِ جَارٍ مَجْرَى الْعِلْمِ؛ فَالظَّاهِرُ جَرَيَانُهُ هُنَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ دَاخِلٌ2 فِي هَذَا الْقِسْمِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ

_ 1 أي: في الوجه الخامس، وهما التقصير في النظر إلى المأمور به، وقصد نفس الإضرار، وقوله: "لجواز تخلفهما" إبداء فرق بيه وبين الخامس الذي قيل فيه: إن أداءه للمفسدة قطعي عادة. "د". 2 ظاهره أنه نوع منه؛ فلا يتم به الاستلال عليه بتمامه، ولكن بالتأمل يرى أن هذا القسم كله ذريعة إلى ما يظن جلبه مفسدة، ولعل غرضه أن ما نص عليه بالفعل من جزئياته في الآيات والأحاديث داخل فيه؛ فتكون بقية جزئياته محمولة عليه قياسا؛ فيتم الدليل، ويظهر قوله "داخل في هذا القسم". "د".

عِلْمٍ} [الْأَنْعَامِ: 108] ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا، أَوْ لَنَسُبَّنَّ إِلَهَكَ. فَنَزَلَتْ1. وَفِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" 2. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَكُفُّ عَنْ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى قَوْلِ الْكُفَّارِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ3. وَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {رَاعِنَا} [الْبَقَرَةِ: 104] مَعَ قَصْدِهِمُ الْحَسَنِ، لِاتِّخَاذِ الْيَهُودِ لَهَا ذَرِيعَةً إلى شمته عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ4، وَقَدْ أُلْبِسَ حُكْمُ مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الظَّنَّ بِالْمَفْسَدَةِ وَالضَّرَرِ لا يقوم مقام القصد إليه؛

_ 1 أخرجه عبد الرازق في "التفسير" "2/ 215" عن معمر عن قتادة بنحوه، وإسناده ضعيف؛ لأنه مرسل. 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، 10/ 403/ رقم 5973"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، 1/ 92/ رقم 90"، والترمذي في "الجامع" "أبواب البر والصلة، باب ما جاء في عقوق الوالدين، رقم 1903"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأدب، باب في بر الوالدين، رقم 5141"، وغيرهم. 3 مضى تخريجه "2/ 467"، وهو في "صحيح البخاري". 4 من إذن أو خلافه كما في مسألة السب المذكورة في الحديث، فإن أصله بدون المتذرع إليه ممنوع، فحكم الأصل المنع، والذريعة كذلك، بخلاف بقية الأمثلة؛ فإن الأصل مأذون فيه، ولكنه أخذ حكم ما ترتب عليه. "د".

فَالْأَصْلُ الْجَوَازُ مِنَ الْجَلْبِ أَوِ الدَّفْعِ، وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ اللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ1؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ تُسَبِّبُ مَفْسَدَةً مِنْ بَابِ الْحِيَلِ أَوْ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ؛ مُنِعَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمُتَسَبِّبَ لَمْ يَقْصِدْ إِلَّا مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ، فَإِنْ حُمِلَ محمل المتعدي2؛ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ [لِلْقَصْدِ أَوْ مَظِنَّةٌ] لِلتَّقْصِيرِ3، وَهُوَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ؛ هَلْ تَقُومُ مَظِنَّةُ الشَّيْءِ مَقَامَ نَفْسِ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَمْ لَا؟ هَذَا نَظَرُ إِثْبَاتِ الْحُظُوظِ، وَأَمَّا نَظَرُ إِسْقَاطِهَا؛ فَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِثْلُهُمْ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ السَّادِسِ؛ فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ عَادَةً. وَأَمَّا الثَّامِنُ: وَهُوَ مَا يَكُونُ أَدَاؤُهُ إِلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَا غَالِبًا وَلَا نَادِرًا؛ فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَالْتِبَاسٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ صِحَّةِ الْإِذْنِ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ وَالظَّنَّ بِوُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ مُنْتَفِيَانِ؛ إِذْ لَيْسَ هُنَا إِلَّا احْتِمَالٌ مُجَرَّدٌ بَيْنَ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ وَلَا قَرِينَةَ4 تُرَجِّحُ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَاحْتِمَالُ الْقَصْدِ لِلْمَفْسَدَةِ وَالْإِضْرَارِ لَا يَقُومُ مَقَامَ نَفْسِ الْقَصْدِ وَلَا يَقْتَضِيهِ، لِوُجُودِ الْعَوَارِضِ مِنَ الْغَفْلَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مَوْجُودَةً أَوْ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّ الْجَالِبُ أَوِ الدَّافِعُ هُنَا مُقَصِّرًا وَلَا قَاصِدًا كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى الْقَصْدِ إِلَيْهِمَا5 أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّسَبُّبُ الْمَأْذُونُ فِيهِ قَوِيٌّ جِدًّا، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا اعْتَبَرَهُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ بِنَاءً عَلَى كَثْرَةِ الْقَصْدِ وُقُوعًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ لَا يَنْضَبِطُ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، لَكِنْ لَهُ مَجَالٌ6 هُنَا وَهُوَ كَثْرَةُ الوقوع في

_ 1 أي: واقعات الضرر المادية التي تلزم عن الأفعال المشروعة. 2 كذا في "ط" وفي غيره: "التعدي". 3 العبارة في الأصل: "فوق جهة أنه مظنة للقصد أو هو" 4 في "ط": "ولا مزية". 5 أي: إلى المفسدة كالمعصية مثلا، وإن لم يتضرر بها أحد، والإضرار أي للغير. "د". 6 في الأصل: "لكنه مجال".

الْوُجُودِ أَوْ هُوَ مَظِنَّةُ1 ذَلِكَ؛ فَكَمَا اعْتُبِرَتِ الْمَظِنَّةُ2 وَإِنْ صَحَّ التَّخَلُّفُ؛ كَذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْكَثْرَةُ لِأَنَّهَا مَجَالُ الْقَصْدِ، وَلِهَذَا أَصْلٌ وَهُوَ حَدِيثُ3 أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ يُشْرَعُ الْحُكْمُ لِعِلَّةٍ مَعَ كَوْنِ فَوَاتِهَا كَثِيرًا؛ كَحَدِّ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ، وَالِازْدِجَارُ بِهِ كَثِيرٌ لَا غَالِبٌ4 فَاعْتَبَرْنَا5 الْكَثْرَةَ فِي الْحُكْمِ بِمَا هُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ فَالْأَصْلُ عِصْمَةُ الْإِنْسَانِ عَنِ الْإِضْرَارِ بِهِ وَإِيلَامِهِ، كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَسْأَلَتِنَا الْإِذْنُ، فَخَرَجَ عَنِ الْأَصْلِ هنالك لحكمة الزجر، وخروج عن

_ 1 توسع زائد عما بني عليه الثامن، وهو كثرة الوقوع؛ فقد اعتبر في هذا مظنة الكثرة أيضا وإن لم تعرف الكثرة بالفعل. "د". قلت: ولا تعدو أن تكون "الأكثرية" قرينة جريا على اعتبار الشارع لها فيما ضرب المصنف فيما بعد من تطبيقات، واكتفى فيها بمظنة القصد لا بمئنة أو بحقيقة القصد، وهذا أدنى إلى أخذ الحيطة في مراعاة مقاصد الشريعة، وتحقيق مصالح العباد. 2 أي: في السابع، وقوله: "لأنه مجال للقصد: تعليل غير واضح، لم يدفع حجة الأولين بأنه لا يعدو أن يكون احتمالا لا يبلغ علما ولا ظنا. "د". قلت: والواقع أن عدم الوضوح آت من تأصيله على فكرة التعدي، أما لو أقيم على ضابط آخر من الموازنة للنتائج الواقعية؛ لكان أبين. انظر: "نظرية التعسف في استعمال الحق" "ص69". 3 هو حديث أم يونس، قالت ما معناه أنها بعات أم ولد زيد جارية له بثمانمائة درهم إلى العطاء، وشرطت عليه أنه إذا باعها لا يبيعها إلا لها ثم اشترتها منه قبل الأجل بستمائة، فاستفتت عائشة؛ فقالت: بئس ما شريت -أي: لوجود الشرط الذي يخالف عقد البيع من أنه لا يبيعها إلا بها- وبئسما اشتريت ... إلخ، وبالغت في الزجر عن هذا، أي: فكثيرا ما يكون القصد من هذا البيع التوصل إلى دفع قليل كالستمائة في كثير هو الثمانمائة، وتوسط الجارية حيلة، والأجل له فرق المائتين، فهذا كثير أن يقصد ولكنه ليس غالبا، هذا غرضه، ولكن ذلك بحسب زمانهم، أما اليوم؛ فإنه الغالب في القصد قطعا. "د". قلت: وقد مضى تخريج أثر عائشة "1/ 456". 4 قد لا يسلم. "د". 5 في "ط": "فاعتبرت".

الْأَصْلِ هُنَا مِنَ الْإِبَاحَةِ، لِحِكْمَةِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى الْمَمْنُوعِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ [هَذَا] الْقِسْمَ مُشَارِكٌ لِمَا قَبْلَهُ فِي وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِكَثْرَةٍ1، فَكَمَا اعْتُبِرَتْ فِي الْمَنْعِ [هُنَاكَ؛ فَلْتُعْتَبَرْ] 2 هُنَا كَذَلِكَ. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنَ النُّصُوصِ كَثِيرٌ؛ فَقَدْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنِ الْخَلِيطَيْنِ3. وَعَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ4 بَعْدَ ثَلَاثٍ5.

_ 1 مجرد الاشتراك في التعبير عنه بلفظ: "كثرة" لا يفيد في الاشتراك في الحكم بعد ثبوت الفرق بأن هذا مجرد احتمال، وأما ذلك؛ ففيه ظن حصول المضرة أو المفسدة؛ فهذا يشبه المغالطة في الاستدلال. "د". وما بين المعقوفتين سقط من "ط". 2 ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. 3 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر، 3/ 1572/ رقم 1981" عن أنس؛ قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب، وإن ذلك عامة خمورهم يوم حرمت الخمر". وأخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا، 10/ 67/ رقم 5601"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين، 3/ 1574"، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط الزبيب والتمر، والبسر والتمر". 4 ينظر في جعل هذا من الكثير لا الغالب؛ فالظاهر أن تأديته لمفسدة الإسكار غالبة لا سيما في البلاد الحارة، بل وبعد اثنين فيها، ومن هذا يعلم أن قوله بعد "ووقوع المفسدة ... إلخ". في حيز المنع. "د". 5 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكرا، 3/ 1589/ رقم 2004 بعد 82" عن ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه؛ فإن فضل شيء أهراقه". وانظر "فتح الباري" "10/ 56-57، باب الانتباذ في الأوعية والتور".

وَعَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ بِتَخْمِيرِ النَّبِيذِ فِيهَا1. وَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً؛ فَقَالَ: "لَوْ رَخَّصْتُ فِي هَذِهِ لَأَوْشَكَ أَنَّ تَجْعَلُوهَا مِثْلَ هَذِهِ" 2، يَعْنِي: أَنَّ النفوس

_ 1 ورد ذلك في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب الأشربة، باب الخمر من العسل، 10/ 41/ رقم 5587"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت والدباء والحنتم والنقير وبيان أنه منسوخ وأنه اليوم حلال ما لم يصر مسكرا، 3/ 1557"، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نتنبذوا في الدباء ولا في المزفت"، وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير، لفظ البخاري. وانظر الحديث الآتي. 2 أخرج النسائي في "المجتبى" "كتاب الأشربة، باب الإذن في الانتباذ، 8/ 309" بسند صحيح على شرط الشيخين عن أبي هريرة؛ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس حين قدموا عليه عن الدباء، وعن النقير وعن المزفت والمزاد والمجبوبة، وقال: "انتبذ في سقائك أوكه واشربه حلوا. قال بعضهم: ائذن لي يا رسول الله في مثل هذا. قال: "إذًا، نجعلها مثل هذه"، وأشار بيده يصف ذلك. وأصله في "صحيح مسلم" "كتاب الأشربة، باب النهي عن الانتباذ في المزفت، 3/ 1577-1578/ رقم 1993" دون ذكر الإشارة. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" "4/ 226-227" بألفاظ في بعضها: "فقال له رجل: أتأذن لي في مثل هذه؟ وأشار بيده وفرج بينهما؛ فقال: "إذًا، تجعلها مثل هذه" وأشار بيديه أكثر من ذلك. وأخرجه ابن حبان في "الصحيح" "12/ 222-223/ رقم 5401 - الإحسان"، وفي آخره: "فقال رجل: يا رسول الله! ائذن لي في مثل هذه -وأشار النضر بن شميل "أحد رواته" بكفه-. فقالك: "إذًا، تجعلها مثل هذه". وأشار النضر بباعه، قال ابن حبان عقبه: "قول السائل: "ائذن لي في مثل هذا" أراد به إباحة اليسير في الانتباذ في الدباء والحنتم وما أشبهها؛ فلم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم مخافة أن يتعدى ذلك باعا، فيرتقي إلى المسكر فيشربه".

لَا تَقِفُ عِنْدَ الْحَدِّ الْمُبَاحِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَوُقُوعُ الْمَفْسَدَةِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَتْ بِغَالِبَةٍ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَثُرَ وُقُوعُهَا. وَحَرَّمَ1 عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْخَلْوَةَ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ2. وَنَهَى عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ3، وَعَنِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا4.

_ 1 بالتأمل في هذه الأمثلة التي ذكرها يعلم أن بعضها مقطوع فيه بحصول المفسدة قطعا عاديا كقطع الرحم في مسالة الجمع، وبعضها مظنون كسفر المرأة مع غير ذي محرم، وكالخلوة بالأجنبية، وليس بلازم في المفسدة خصوص الزنا، بل يكفي في التحريم ما يكون من مقدماته، وهو مظنون في غالب الناس فيطرد الباب، وكالبيع والسلف؛ فالغالب فيه المفسدة، ومثله هدية المديان، وعليك بالنظر في الباقي؛ فقد يسلم في مثل الطيب للمحرم؛ فالغالب أن مجرده لا يكون سببا في إفساد الحج بالنكاح. "د". 2 ورد في ذلك عدة أحاديث، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب من اكتتب في جيش المسلمين، 6/ 142-143/ رقم 3006، وكتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، 9/ 330-331/ رقم 5233"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، 2/ 978/ رقم 1341" عن ابن عباس مرفوعا: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" لفظ مسلم. 3 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، 1/ 377-378/ رقم 532" ضمن حديث جندب بن عبد الله البجلي مرفوعا: " ... وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وأخرج البخاري في "صحيح" "كتاب الصلاة، باب منه، 1/ 532/ رقم 435، 436، وكتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، 3/ 200/ رقم 1330، وباب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، 3/ 255/ رقم 1390، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، 6/ 494-495/ رقم 3453، 3454، وكتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، 8/ 140/ رقم 4441، 4443، 4444، وكتاب اللباس، باب الأكسية والخمائص، 10/ 277 / رقم 5815، 5816"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، 1/ 377/ رقم 531" عن عائشة وابن عباس رفعاه: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ يحذر مما صنعوا". 4 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الجنائر، باب النهي عن الجلوس إلى القبر والصلاة عليه، 2/ 668/ رقم 972" عن أبي مرثد الغنوي مرفوعا: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها".

وَعَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وقال: "إنكم إذا فعلتهم ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" 1. وَحَرَّمَ نِكَاحَ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] . وحرمت خطبة المعتدة تصريحا ونكاحها2.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، 9/ 160، رقم 5109"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، 2/ 1028/ رقم 1408"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب النكاح، باب الجمع بين المرأة وعمتها، 6/ 96"، وأحمد في "المسند" "2/ 465"، والبيهقي في "الكبرى" "7/ 165" وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنهم. والحديث متواتر؛ فإنه يروى عن جمع كبير من الصحابة، انظر: السنن الكبرى" "7/ 166"، و"أحكام القرآن" للجصاص "2/ 134". 2 وذلك في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 234-235] . قال ابن عطية في "تفسيره" "1/ 315": "وأجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز، وجوزوا ما عدا ذلك". قلت: وما بين المعقوفتين بعدها من "د".

و [حرم] 1 عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَسَائِرَ دَوَاعِي النِّكَاحِ2، وَكَذَلِكَ الطِّيبُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ للمحرم3.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"خ" و"ط". 2 وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث؛ إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا؛ إلا إذا طهرت، نبذة من قسط أو أظفار". أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، 2/ 1127/ رقم 938"، عن أم عطية رضي الله عنها. و"القسط" و"الأظفار" نوعان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب، و"النبذة": القطعة والشيء اليسير. 3 وذلك في أحاديث عديدة، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، 9/ 9/ رقم 4985"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، 2/ 837/ رقم 1180" عن عطاء أن صفوان بن يعلى ابن أمية أخبره أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليتني أرى النبي صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه. قال: فلما كان بالجعرانة وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به، معه ناس من أصحابه منهم عمر؛ إذ جاءه رجل عليه جبة متضمخا بطيب؛ فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سكت فجاءه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه؛ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه فقال: أين الذي سألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الطيب الذي بك؛ فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة؛ فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". ومنها ما أخرجه مسلم في "صحيحه "كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم، 2/ 1030/ رقم 1409" عن عثمان بن عفان مرفوعا: "لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكَح ولا يَخْطُب".

وَنَهَى عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ1. وَعَنْ هَدِيَّةِ الْمِدْيَانِ2. وَعَنْ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ3. وَعَنْ تَقَدُّمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ4. وَحَرَّمَ صَوْمَ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ5، وَنَدَبَ إِلَى تَعْجِيلِ الْفِطْرِ6 وَتَأْخِيرِ السحور7.

_ 1 مضى تخريجه "1/ 469". 2 سيأتي تخريجه "ص117"، وهو ضعيف. 3 مضى تخريجه "2/ 521". 4 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم"، باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، 4/ 127، 128/ رقم 1914"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام"، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، 2/ 762/ رقم 1082" عن ابن عباس مرفوعا: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين؛ إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه". 5 سيأتي تخريجه "ص469". 6 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار، 4/ 198/ رقم 1957"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر، 2/ 771/ رقم 1098" عن سهل بن سعد مرفوعا: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر". 7 أخرج أحمد في "المسند" "5/ 147" عن أبي ذر مرفوعا: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور"، وإسناده ضعيف، فيه سلميان بن أبي عثمان مجهول، وابن لهيعة، ويدل على استحباب تأخير السحور أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب قدركم بين السحور وصلاة الفجر، 4/ 138/ رقم 1921"، عن زيد بن ثابت؛ قال: "تسحرنا مع النبي صلى لله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة، قلت "أنس بن مالك": كم بين الأذان والسحور؟ قال: "قدر خمسين آية". وفعله صلى الله عليه وسلم يدل على الاستحباب.

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ذَرِيعَةٌ، وَفِي الْقَصْدِ إِلَى الْإِضْرَارِ وَالْمَفْسَدَةِ فِيهِ كَثْرَةٌ، وَلَيْسَ بِغَالِبٍ وَلَا أَكْثَرِيٍّ1، وَالشَّرِيعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ، وَالتَّحَرُّزِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا إِلَى مَفْسَدَةٍ2، فَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومًا عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ؛ فَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِبِدْعٍ فِي الشَّرِيعَةِ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهَا، رَاجِعٌ إِلَى مَا هُوَ مُكَمِّلٌ؛ إِمَّا لِضَرُورِيٍّ، أَوْ حَاجِيٍّ، أَوْ تَحْسِينِيٍّ، وَلَعَلَّهُ يُقَرَّرُ فِي كتاب الاجتهاد إن شاء الله.

_ 1 قد يكون الشيء أكثر في الوقوع من مقابله، ولكنه لا يصل إلى أن يكون هو الغالب ومقابله نادر. "د". 2 وقع بعض الفقهاء عند إجراء قاعدة الذرائع في أغلاط فادحة كتصريح بعضهم بالمنع من تعلم الطبيعيات بناء على أنها تفسد الاعتقاد بالخالق وتجر إلى هاوية الإلحاد غالبا، ولم ينظر إلى أن تعلمها قد أصبح الوسيلة الضرورية للنجاة من السلطة القاتلة وهي سلطة الاستعمار، ثم إن المفسدة التي تنشأ عنها وهي تزلزل العقيدة يمكن التقصي عنها بتعليم أصول الدين على الطريق المحكم، والوجه الذي يتجلى به أن الشريعة والعلم الصحيح على وفاق متين. "خ".

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: كُلُّ مَنْ كُلِّفَ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ؛ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ مَعَ الِاخْتِيَارِ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَصَالِحَ؛ إِمَّا دِينِيَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ، أَمَّا الدِّينِيَّةُ؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَى قِيَامِ الْغَيْرِ مَقَامَهُ فِيهَا حَسَبَمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِيهَا؛ إِذْ لَا يَنُوبُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهَا؛ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ سَقَطَتْ عَنِ الْغَيْرِ بحكم التعيين؛ فلم يكن غيره ملكفًا بِهَا أَصْلًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَيْرُ مُكَلَّفًا بِهَا أَيْضًا؛ لَمَا كَانَتْ مُتَعَيَّنَةً عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ، وَلَا كَانَ مَطْلُوبًا بِهَا أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ، وقد قام بها الغير بحك التَّكْلِيفِ؛ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ مُكَلَّفًا بها، وقد فرضناه مكلفًا بها إلى التَّعْيِينِ، هَذَا خُلْفٌ لَا يَصِحُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَيْرُ مُكَلَّفًا بِهَا؛ فَإِمَّا عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، أَمَّا كَوْنُهُ عَلَى التَّعْيِينِ فَكَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عَيْنًا لَا كِفَايَةً، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا2، غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَيْهِ عَيْنًا3 في حالة واحدة، وهو محال.

_ 1 يأتي له محترزه في قوله: "اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَهُ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ذلك ... إلخ"، وفي الحقيقة هذا القيد مستغنًى عنه؛ لأنه لا يتحقق التكليف بمصالح نفسه إلا مع اختيار؛ فلم يفد أمرًا زائدًا على ما تضمنه التكليف؛ لأنه أحد شروطه. "د". 2 بالفرض الأصلي. "د". 3 بفرض أن الغير مكلف به كفاية، الذي يلزمه أن الشخص نفسه يكون أيضا مكلفًا به كفاية؛ لأنه لا يتأتى أن يكون الشيء الواحد يكلف به البعض كفاية والبعض كفايةً وعينًا. "د".

اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَهُ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ سَاقِطٌ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِتِلْكَ الْمَصَالِحِ أَوْ بِبَعْضِهَا مَعَ اضْطِرَارِهِ إِلَيْهَا؛ فَيَجِبُ عَلَى الْغَيْرِ الْقِيَامُ بِهَا، وَلِذَلِكَ شُرِعَتِ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِقْرَاضُ، وَالتَّعَاوُنُ، وَغَسْلُ الْمَوْتَى وَدَفْنُهُمْ، وَالْقِيَامُ عَلَى الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهَا عَلَى اسْتِجْلَابِهَا، وَالْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِدْفَاعِهَا؛ فَعَلَى هَذَا يُقَالُ كُلُّ مَنْ لَمْ يُكَلَّفْ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ؛ فَعَلَى غَيْرِهِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ ذَلِكَ الْغَيْرَ ضَرَرٌ؛ فَالْعَبْدُ لَمَّا اسْتَغْرَقَتْ مَنَافِعُهُ مَصَالِحَ سَيِّدِهِ؛ كَانَ سَيِّدُهُ مَطْلُوبًا بِالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ؛ وَالزَّوْجَةُ كَذَلِكَ صَيَّرَهَا الشَّارِعُ [لِلزَّوْجِ] 1 كَالْأَسِيرِ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَهُوَ قَدْ مَلَكَ مَنَافِعَهَا الْبَاطِنَةَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَالظَّاهِرَةَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ عَلَى وَلَدِهِ وَبَيْتِهِ؛ فَكَانَ مُكَلَّفًا بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} الآية2 [النساء: 34] .

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 لأنه يدخل في قوله تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} نفقات الزوجة غير المهر كما هو أحد التفسيرين، ولذلك إذا عجز عن النفقة زالت عنه صفة القيامة على الزوجة فكان من حقها أن تطالبه بطلاقها كما هو مذهب مالك والشافعي. "د".

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ بِمَصَالِحِ غَيْرِهِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْدِرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ أَوْ لَا "أَعْنِي الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهَا"، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ؛ فَلَيْسَ عَلَى الْغَيْرِ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ؛ فَالْمَصَالِحُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ حَاصِلَةٌ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُكَلَّفِ، فَطَلَبُ تَحْصِيلِهَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا؛ فَمَا تَقَدَّمَ1 فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا جارٍ هُنَا، وَمِثَالُ ذَلِكَ السَّيِّدُ، وَالزَّوْجُ، وَالْوَالِدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمَةِ أَوِ الْعَبْدِ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْأَوْلَادُ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ مَنْ تَحْتَ حُكْمِهِ؛ لَمْ يُطْلَبْ غَيْرُهُ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ وَلَا كُلِّفَ بِهِ، فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى مَصَالِحِ غَيْرِهِ؛ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ بِهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى2 لَا تَقْدَحُ في هذا التقدير. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، أَوْ قَدَرَ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَصَالِحُ الْمُتَعَلِّقَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً، فَإِنْ كانت خاصة سقطت، وكانت مصالحه هي المتقدمة؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ شَرْعًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ جارٍ هُنَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، إِلَّا إِذَا أَسْقَطَ حَظَّهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ آخر قد تبين أيضا.

_ 1 أي: من الأدلة الثلاثة، كما أن هذا الدليل جار في تلك المسألة أيضا بتغيير بسيط في المقدمة الأولى، فيقال: "إذا كان قادرا على مصالح نفسه وقد وقع عليه التكليف بذلك ... إلخ". "د". 2 كأن يحكم بالفراق للزوجة للعسر بالنفقة، ويجري في الرقيق حكمه أيضا. "د".

وَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ عَامَّةً؛ فَعَلَى مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِمُ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يَقُومُوا بِمَصَالِحِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَخِلُّ بِأَصْلِ مَصَالِحِهِمْ، وَلَا يُوقِعْهُمْ فِي مَفْسَدَةٍ تُسَاوِي تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقَالَ لِلْمُكَلَّفِ: لَا بُدَّ لَكَ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا يَخُصُّكَ وَمَا يَعُمُّ غَيْرَكَ، أَوْ بِمَا يَخُصُّكَ فَقَطْ، أَوْ بم يَعُمُّ غَيْرَكَ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصْحُّ؛ فَإِنَّا قَدْ فَرَضْنَاهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ، أَوْ مِمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ تُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِهِمَا مَعًا أَصْلًا. وَالثَّانِي أَيْضًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا؛ إِلَّا إِذَا دَخَلَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إِلَّا بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى تَنَازُعٍ1 فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا قِيَامُ الْغَيْرِ بِمَصْلَحَتِهِ الخاصة؛ فذلك واجب عليهم، وإلا2 فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا قِيَامُ الْغَيْرِ بِمَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ؛ فَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا2؛ لَزِمَ تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ بِإِطْلَاقٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ3، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَعَيَّنَ عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ التَّجَرُّدُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ الثَّالِثُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَفْرُوضَةِ. فَصْلٌ: إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الثَّالِثَ مُتَعَيَّنٌ عَلَى مَنْ كُلِّفَ بِهِ عَلَى أَنْ يَقُومَ الْغَيْرُ بِمَصَالِحِهِ؛ فَالشَّرْطُ فِي قِيَامِهِمْ بِمَصَالِحِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْ جِهَةٍ لَا تُخِلُّ بِمَصَالِحِهِمْ وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهَا أيضا ضرر.

_ 1 أي: كما تقدم نظيره في مسألة الترس، وإن كان موضوعها فيما لا يمكن أن يقوم بالمصلحة غيره. "د". 2 أي: وإلا نقل أنه لا يصح، بل قلنا إنه يقدم المصلحة الخاصة ولو لم يدخل عليه مفسدة في القيام بالعامة، لزم تقديم الخاصة على العامة بإطلاق وبدون القيد المذكور وهو باطل. "د". 3 التي هي النهي عن تلقي السلع، والاتفاق على تضمين الصناع، إلى غير ذلك. "د".

وَقَدْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ إِذْ جَعَلَ الشَّرْعُ فِي الْأَمْوَالِ مَا يَكُونُ مُرْصَدًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَكُونُ فِيهِ حَقٌّ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلَّا لِمُطْلَقِ الْمَصَالِحِ كَيْفَ اتَّفَقَتْ، وَهُوَ "مَالُ بَيْتِ الْمَالِ"؛ فَيَتَعَيَّنُ لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ هَذَا الْمُكَلَّفِ ذَلِكَ الْوَجْهُ بِعَيْنِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الْأَوْقَافِ مَخْصُوصًا بِمِثْلِ هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ فَيَحْصُلُ الْقِيَامُ بِالْمَصَالِحِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الطَّرَفَيْنِ؛ إِذْ لَوْ فُرِضَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ؛ لَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْقَائِمِ، وَضَرَرٌ عَلَى الْمُقُومِ لَهُمْ. أَمَّا مَضَرَّةُ الْقَائِمِ؛ فَمِنْ جِهَةِ لِحَاقِ الْمِنَّةِ مِنَ الْقَائِمِينِ إِذَا تَعَيَّنُوا فِي الْقِيَامِ بِأَعْيَانِ الْمَصَالِحِ، وَالْمِنَنُ يَأْبَاهَا أَرْبَابُ الْعُقُولِ الْآخِذُونَ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلِذَلِكَ شَرَطُوا فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَانْعِقَادِهَا الْقَبُولَ1، وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: إِذَا وُهِبَ الْمَاءُ لِعَادِمِ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَجَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [الْبَقَرَةِ: 264] ؛ فَجَعَلَ الْمَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُبْطِلُ أَجْرَ الصَّدَقَةِ، وَمَا ذَاكَ2 إِلَّا لِمَا فِي الْمَنِّ مِنْ إِيذَاءِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ عَلَى الْجُمْلَةِ فِي كُلِّ مَا فُرِضَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، هَذَا وَجْهٌ، وَوَجْهٌ ثَانٍ مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الظُّنُونِ الْمُتَطَرِّقَةِ، وَالتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ3 عِنْدَ الْقَبُولِ مِنَ الْمُعَيَّنِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بِاتِّفَاقٍ لِلْقَاضِي وَلَا لِسَائِرِ الْحُكَّامِ أَنْ يَأْخُذُوا مِنَ

_ 1 ينقسم التصرف في الأملاك بغير عوض إلى نقل وإسقاط، فما كان من باب النقل كالهبات والواصايا يتوقف على القبول لما فيه من المنعة، وهي مما يصعب على أرباب المروءات احتماله، ولا سيما من أصحاب الأخلاق السافلة، وأما ما كان من باب الإسقاط كالعتق؛ فلا يفتقر إلى قبول؛ لأن الحق فيه لمسقطه، فإذا أسقطه سقط، وقد يقع في بعض المسائل اختلاف فيلحقها بعض العلماء بالنقل ويحلقها آخر بالإسقاط كما جرى الخلاف في الإبراء من الدين؛ هل يفتقر إلى القبول أم لا؟ والراجح أنه من قبيل تمليك ما في الذمة فيفتقر في نفاذه إلى قبول الدين. "خ". 2 في "ط": "ذلك". 3 في "ط": "اللاصقة".

الْخَصْمَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أُجْرَةً عَلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا، [وَامْتُنِعَ قَبُولُ هَدَايَا النَّاسِ لِلْعُمَّالِ] 1، وَجَعَلَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام مِنَ الْغُلُولِ2 الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. وَأَمَّا مَضَرَّةُ الدَّافِعِ؛ فَمِنْ جِهَةِ كُلْفَةِ الْقِيَامِ بِالْوَظَائِفِ عِنْدَ التَّعْيِينِ، وَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وَلَا ضَابِطَ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا تَصِيرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَكَلِّفِ لَهَا أُخَيَّةَ الْجِزْيَةِ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ مَشْرُوعٌ إِذَا كَانَتْ مُوَظَّفَةً عَلَى الرِّقَابِ أَوْ عَلَى الْأَمْوَالِ، هَذَا إِلَى مَا يَلْحَقُ فِي ذَلِكَ مِنْ مُضَادَّةِ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي طُلِبَ ذَلِكَ الْمُكَلَّفُ بِإِقَامَتِهَا؛ إِذْ كَانَ هَذَا التَّرْتِيبُ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَيْلِ لِجِهَةِ الْمُبَالِغِ فِي الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ، فَيَكُونُ سَبَبًا فِي إِبْطَالِ الْحَقِّ وَإِحْقَاقِ الْبَاطِلِ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْمَصْلَحَةِ، وَلِأَجَلِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ نَفْيُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الشُّعَرَاءِ: 109] . {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [سبأ: 47] . {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] . إِلَى سَائِرِ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَبِالْوَجْهِ الْآخَرِ3 عُلِّلَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من نسخة "ماء/ ص236". 2 كما سيأتي "ص118"، وتخرجيه هناك. 3 وهو كونه ذريعة إلى الميل ... إلخ، وقد تقدم في كلامه تعليل آخر لهذا وهو ما يلحقه من الظنون والتهم، فيكون فيه ضرر على القائم والمقوم لهم معا، وقد يقال: إن الإجماع علته هذه الذريعة فقط كما يظهر من كلامه، والأول لا يقتضي هذا الإجماع؛ إلا أن يقال: ضمه إليه يقوي سند الإجماع. "د".

فَصْلٌ: هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ إِذَا قَامَ بِهَا لَحِقَهُ ضَرَرٌ وَمَفْسَدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ بِهَا غَيْرُهُ. فَإِنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ اللَّاحِقَةُ لَهُ دُنْيَوِيَّةً لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِهَا غَيْرُهُ؛ فَهِيَ مَسْأَلَةُ التُّرْسِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ فَيَجْرِي فِيهَا خِلَافٌ كَمَا مَرَّ، وَلَكِنَّ قَاعِدَةَ "مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ" شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِمِثْلِ هَذَا، وَقَاعِدَةَ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَاصَّةِ"1 شَاهِدَةٌ بِالتَّكْلِيفِ بِهِ؛ فَيَتَوَارَدَانِ عَلَى هَذَا الْمُكَلَّفِ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ احْتَمَلَ الْمَوْضِعُ الْخِلَافَ. وَإِنْ فُرِضَ فِي هَذَا النَّوْعِ إِسْقَاطُ الْحُظُوظِ؛ فَقَدْ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: قَاعِدَةُ الْإِيثَارِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا؛ فَمِثْلُ هَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِهَا. وَالثَّانِي: مَا جَاءَ فِي خُصُوصِ الْإِيثَارِ فِي قِصَّةِ2 أَبِي طَلْحَةَ فِي تَتْرِيسِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ، وَقَوْلِهِ: "نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ"، وَوِقَايَتِهِ لَهُ حَتَّى شُلَّتْ يَدُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ3، وَإِيثَارِ4 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيره على نفسه في

_ 1 وهي قاعدة متعارفة عند أهل العلم؛ حتى لا يكاد ينكرها إلا من لا خبرة له بأصول الفقه، والقول بها مذكور مشهور. "ماء/ ص237". 2 وظاهر أنها في الموضوع، وأنها مصلحة عامة في مقابلة مصلحته الخاصة وحياة أبي طلحة حياة شخص، وحياة الرسول حياة أمة. "د". 3 مضى تخريجه "2/ 174 و3/ 69"، والذي شلت يده هو طلحة بن عبيد الله وليس بأبي طلحة، كما قال المصنف. 4 انظر ماذا يقال في هذا؛ هل يقال: إنها من الموضوع وإن ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم خاص في مقابلة عام لأهل المدينة؟ إذا قيل هذا؛ فإنه يتنافى مع ما تقدم في قصة أبي طلحة، أما المؤلف؛ فوجه القصتين باختلاف الاعتبار؛ فجعل إيثاره عليه السلام لأهل المدينة من الموضوع حقيقة، وأنه خاص في مقابلة عام، وجعل إيثار أبي طلحة خاصًا لعام باعتبار أن حياة الرسول مصلحة للدين وأهله؛ فعليك بالنظر في الجميع. "د".

مُبَادَرَتِهِ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ دُونَ النَّاسِ، حَتَّى يَكُونَ مُتَّقًى بِهِ1؛ فَهُوَ إِيثَارٌ رَاجِعٌ إِلَى تَحَمُّلِ أَعْظَمِ الْمَشَقَّاتِ عَنِ الْغَيْرِ، وُوَجْهُ عُمُومِ الْمَصْلَحَةِ هنا في مبادرته صلى الله عليه وسلم بِنَفْسِهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَالْجُنَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَفِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ وَقَى بِنَفْسِهِ مَنْ يَعُمَّ بَقَاؤُهُ مَصَالِحَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ2، وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا عَدَمُهُ؛ فَتَعُمُّ مَفْسَدَتُهُ الدِّينَ وَأَهْلَهُ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ مَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ3 النُّورِيُّ حِينَ تَقَدَّمَ إِلَى السياف، وقال: "أوثر أصحابي بحياة الساعة" في القصة4 المشهورة.

_ 1 كما تقدم "ص69"، ويدل عليه أيضا ما أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين، 3/ 1041/ رقم 1776 بعد 79" عن البراء؛ قال: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم". 2 في نسخة "ماء/ ص237" و"ط": " ... بقاؤه الدين وأهله مصالح". 3 في النسخ المطبوعة و"ط": "أبو الحسن"، وهو خطأ، والنوري اسمه أحمد بن محمد الخراساني البغوي، له عبارات دقيقة، يتعلق بها من انحرف من الصوفية، نسأل الله العفو، مات سنة "295هـ". انظر: "السير" "14/ 70". 4 ذكرها القشيري في "رسالته" "ص112" في "باب الجود والسخاء، ص112"؛ قال: "سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليفة؛ أمر بضرب أعناقهم، فأما الجنيد؛ فإنه تستر بالفقه، وكان يفتي على مذهب أبي ثور، وأما الشحام والرقام والنوري وجماعة فقبض عليهم فتبسط النطع لضرب أعناقهم، فتقدم النوري، فقال السياف: تدري إلى ماذا تبادر؟ فقال: نعم. فقال: وما يعجلك؟ قال: أوثر على أصحابي بحياة ساعة فتحير السياف وأنهى الخبر إلى الخليفة؛ فردهم إلى القاضي ليتعرف حالهم، فألقى القاضي على أبي الحسين النوري مسائل فقهية فأجابه عن الكل، ثم أخذ يقول: وبعد؛ فإن لله تعالى عبادًا إذا قاموا أقاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله، وسرد ألفاظًا أبكى القاضي؛ فأرسل القاضي إلى الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم". وذكرها أبو نعيم في "الحلية" "10/ 250-251"، والخطيب في "تاريخ بغداد" "5/ 134"، والذهبي في "السير" "14/ 71"، والهجويري في "كشف المحجوب" "ص421"، والطوسي في "اللمع" "ص492".

وَإِنْ كَانَتْ أُخْرَوِيَّةً كَالْعِبَادَاتِ اللَّازِمَةِ عَيْنًا، وَالنَّوَاهِي اللازمة اجْتِنَابُهَا عَيْنًا؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ فِي الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ مُخِلًّا بِهَذِهِ الْوَاجِبَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالنَّوَاهِي الدِّينِيَّةِ قَطْعًا، أَوْ لَا. فَإِنْ أَخَلَّ بِهَا لَمْ يَسَعِ الدُّخُولُ فِيهَا إِذَا كَانَ الْإِخْلَالُ بِهَا عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ الدِّينِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا أَظُنُّ هَذَا الْقِسْمَ وَاقِعًا؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ وَتَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ مَرْفُوعٌ، وَمِثْلُ هَذَا التَّزَاحُمِ فِي الْعَادَاتِ غَيْرُ وَاقِعٍ. وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِهَا لَكِنَّهُ أَوْرَثَهَا نَقْصًا مَا بِحَيْثُ يُعَدُّ خِلَافُهُ كَمَالًا؛ فَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَلَا تُعَارِضُ الْمَنْدُوبَاتُ الْوَاجِبَاتِ، كَالْخَطِرَاتِ فِي ذَلِكَ الشُّغْلِ الْعَامِّ تَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ وَتُعَارِضُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ فِيهَا بِقَلْبِهِ وَيَنْظُرَ فِيهَا بِحُكْمِ الْغَلَبَةِ1، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُ هَذَا مِنْ تَجْهِيزِ الْجَيْشِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ2، وَمِنْ نَحْوِ هَذَا قوله عليه الصلاة والسلام: "إني

_ 1 فنظره فيها واشتغاله بها حتى يبت فيها رأيا وهو في الصلاة لم يكن باختياره، بل غلب عليه الفكر في المصلحة العامة، وهو في الحديث جولان الفكر في حالة الأم حتى قضى بالتخفيف عليه الصلاة والسلام. "د". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" كتاب العمل في الصلاة، باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة 3/ 89" معلقا: "قال عمر رضي الله عنه: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة". ووصله ابن أبي شيبة في "المصنف" "1/ ق60/ ب"، وصالح بن أحمد في "مسائله" بإسناد صحيح، وصححه ابن حجر في "الفتح" "3/ 90"، والعيني في "عمدة القاري" "6/ 330"، ونحوه عند عبد الرزاق في "المصنف" "2/ 123-124". وانظر: "تغليق التعليق" "2/ 448"، و"مسند الفاروق" "1/ 184" لابن كثير، و"المحلى" "3/ 100 و4/ 179".

لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ" 1 الْحَدِيثَ. وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِهَا وَلَا أَوْرَثَهَا نَقْصًا بَعْدُ وَلَكِنَّ ذَلِكَ مُتَوَقَّعٌ؛ فَإِنَّهُ2 يَحُلُّ مَحَلَّ مَفَاسِدَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ، وَعَوَارِضَ تَطْرُقُهُ؛ فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ المفسد الْوَاقِعَةِ فِي الدِّينِ أَمْ لَا؟ كَالْعَالِمِ يَعْتَزِلُ النَّاسَ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ، وكذلك السلطان أو الولي الْعَدْلُ الَّذِي يَصْلُحُ لِإِقَامَةِ تِلْكَ الْوَظَائِفِ، وَالْمُجَاهِدُ إِذَا قَعَدَ عَنِ الْجِهَادِ خَوْفًا مِنْ قَصْدِهِ طَلَبَ الدُّنْيَا بِهِ أَوِ الْمَحْمَدَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ الترك مؤيدًا إِلَى الْإِخْلَالِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ؛ فَالْقَوْلُ هُنَا بِتَقْدِيمِ الْعُمُومِ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِتَعْطِيلِ3 مَصَالِحِ الْخَلْقِ أَلْبَتَّةَ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ فَرَضْنَا هَذَا الْخَائِفَ مُطَالِبًا بِهَا؛ فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا الْقِيَامُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُدْخِلُهُ فِي تَكْلِيفِ مَا لَا يُطِيقُهُ أَوْ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، وَالتَّعَرُّضُ لِلْفِتَنِ وَالْمَعَاصِي رَاجِعٌ إِلَى اتِّبَاعِ هَوَى النَّفْسِ4 خَاصَّةً، لَا سِيَّمَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ؛ لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ تَرْكٍ، وَالتَّرْكُ لَا يُزَاحِمُ الْأَفْعَالَ فِي تَحْصِيلِهِ، وَالْأَفْعَالُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا الْوَاجِبُ، وَهُوَ يَسِيرٌ؛ فَلَا يَنْحَلُّ عَنْ عُنُقِهِ رِبَاطُ الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ إِلَّا مَعَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَلَا يَرْفَعُهُ عَنْهُ مُجَرَّدُ مُتَابِعَةِ الْهَوَى؛ إِذْ لَيْسَ مِنَ الْمَشَقَّاتِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَوِ الْجِهَادُ عَيْنًا، أَوِ الزَّكَاةُ؛ فَلَا يَرْفَعُ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ خَوْفُ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وإن فرض أن يَقَعُ بِهِ؛ بَلْ يُؤْمَرُ بِجِهَادِ نَفْسِهِ فِي الْجَمِيعِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ هَذَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَصَارَ كَالْمُتَسَبِّبِ

_ 1 مضى تخريجه "2/ 248". 2 أي: فإن التوقع والترقب لحصول مفاسد تدخل عليه قد يحل محل الحصول بالفعل؛ أي: فالمقام في ذاته كما يحتمل أن يحصل لمن يقوم بالوظائف العامة دخول المفاسد بالفعل يحتمل ألا يحصل بالفعل، بل يتوقع له ذلك، وقد لا يحصل التوقع ولا الحصول بالفعل، بل يسلم منهما، أي: والتوقع احتما قوي؛ فهل يعامل معاملة الحصول بالفعل، أم لا؟ "د". 3 في "ط": "إلى تعطيل". 4 في "ط": "النفوس".

لِنَفْسِهِ فِي الْهَلَكَةِ، فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى دُخُولِهِ فِيمَا فِيهِ هَلَاكُهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ -وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ الْعَامِّ- لَجَازَ فِي مِثْلِهِ مِمَّا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ، نَعَمْ، قَدْ يُقَالُ: إِذَا كَانَ فِي دُخُولِهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى مِنْ ظُلْمٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ؛ فَهَذَا أَمْرٌ خَارِجٌ عَنِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَهُوَ سَبَبٌ لِعَزْلِهِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ عَدَالَتِهِ الطَّارِئَةِ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَاقِطًا عَنْهُ بِسَبَبِ الْخَوْفِ، وَإِنَّمَا حَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ وَاقِعٌ1 فِي مُخَالَفَةٍ أَسْقَطَتْ عَدَالَتَهُ؛ فَلَمْ تَصِحَّ إِقَامَتُهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. وَأَمَّا إِنْ فُرِضَ أَنَّ عَدَمَ إِقَامَتِهِ لَا يُخِلُّ بالمصحلة الْعَامَّةِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ مَثَلًا مِمَّنْ يَقُومُ بِهَا؛ فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ، قَدْ يُرَجَّحُ جَانِبُ السَّلَامَةِ مِنَ الْعَارِضِ، وَقَدْ يُرَجَّحُ جَانِبُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً؛ فَلَا يَنْحَتِمُ عَلَيْهِ طَلَبٌ، وَبَيْنَ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ فِي إِقَامَةِ الْمَصْلَحَةِ وَغَنَاءٌ لَيْسَ لِغَيْرِهِ -وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ غَنَاءٌ أَيْضًا- فَيَنْحَتِمُ أَوْ يَتَرَجَّحُ الطَّلَبُ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ التَّوَازُنُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، فَمَا رَجَحَ مِنْهَا غَلَبَ، وَإِنِ اسْتَوَيَا كَانَ مَحَلَّ إِشْكَالٍ وَخِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، قَائِمٍ مِنْ مَسْأَلَةِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ رَاجِحَةً أَوْ مُسَاوِيَةً. فَصْلٌ: وَقَدْ تَكُونُ الْمَفْسَدَةُ مِمَّا يُلْغَى مِثْلُهَا فِي جَانِبِ عِظَمِ الْمَصْلَحَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ مِثَالٌ وَاقِعٌ: حَكَى عِيَاضٌ فِي "الْمَدَارِكِ"2 أَنَّ عَضُدَ الدَّوْلَةِ فَنَاخُسْرُو الدَّيْلَمِيَّ بَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ وَالْقَاضِي ابْنِ الطَّيِّبِ لِيَحْضُرَا مَجْلِسَهُ لِمُنَاظَرَةِ الْمُعْتَزِلَةِ،

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "وقع". 2 "2/ 589-590 - ط بيروت".

فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَيْهِمَا؛ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ مُجَاهِدٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرَةٌ فَسَقَةٌ -لِأَنَّ الدَّيْلَمَ كَانُوا رَوَافِضَ- لَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَطَأَ بِسَاطَهُمْ، وَلَيْسَ غَرَضُ الْمَلِكِ مِنْ هَذَا إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَجْلِسَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَصْحَابِ الْمَحَابِرِ كُلِّهِمْ، وَلَوْ كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ لَنَهَضْتُ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الطَّيِّبِ: فَقُلْتُ لَهُمْ: كَذَا قَالَ1 الْمُحَاسِبِيُّ وَفُلَانٌ وَمَنْ فِي عَصْرِهِمْ: "إِنَّ الْمَأْمُونَ فَاسِقٌ لَا نَحْضُرُ2 مَجْلِسَهُ"؛ حَتَّى سَاقَ3 أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ إِلَى طَرَسُوسَ وَجَرَى عَلَيْهِ4 مَا عُرِفَ، وَلَوْ نَاظَرُوهُ لَكَفُّوهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ مَا هُمْ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ، وَأَنْتَ أَيْضًا أَيُّهَا الشَّيْخُ تَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ؛ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مَا جَرَى عَلَى أَحْمَدَ، وَيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَهَا أَنَا خَارِجٌ إِنْ لَمْ تَخْرُجْ. فَقَالَ الشَّيْخُ: "إِذْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ لِهَذَا؛ فَاخْرُجْ" إِلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ. فَمِثْلُ هَذَا إِذَا اتَّفَقَ يُلْغِي5 فِي جَانِبِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ مَا يَقَعُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَفَاسِدِ؛ فَلَا يَكُونُ لَهَا اعْتِبَارٌ6، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْجُزْئِيَّاتِ الَّتِي يَعُودُ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْكُلِّيِّ بِالْإِخْلَالِ وَالْفَسَادِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

_ 1 في "ترتيب المدارك" "1/ 590": "كذا قال ابن كلاب والمحاسبي ... ". 2 كذا في "الترتيب" و"ط": "نحضر" بالنون، وفي غيره: "يحضر". 3 في "الترتيب": "سبق". 4 في "الترتيب" زيادة: "بعده". 5 في الأصل و"ط": "تلغى". 6 من واجب العلماء أن يقوموا بالذب عن الحق ولا يستخفوا بشأن من تصدوا لمحاربته من شيعة الباطل، ولا سيما حيث أصبح الجهل بحقائق الشريعة ضاربا أطنابه؛ فلا ينعق أخو ضلالة أو هوى إلا وجد حوله طائفة تلقي إليه السمع وتتلقى ما يوحيه إليه وساوسه بتقليد أعمى، ولا يزال الملحدون ينصبون المكايد للإسلام منذ نشأ وبلغ أشده، ولكن علماؤه كانوا ذوي بصائر نيرة وعزائم متقدة؛ فلا يغفلون عن تفقد الحالة الاجتماعية، حتى إذا أبصروا بخارًا سامًا يتصاعد من روح خبيثة بادروا إلى قطع أثره بما استطاعوا من تحذير بالغ أو مناظرة ترد المبطل على عقبه خاسئًا، وقد انتهز ملحدوا هذا العصر خمول العلماء فرصة؛ فأخذوا يتجشئون بوساوسهم في كل ناد، وحق على الذين أوتوا الحكمة أن يتقصوا أثرهم ويسدوا المنافذ في وجه مكايدهم؛ فإن الله لا يهدي كيد الخائنين. "خ".

المسألة الثامنة: التكاليف إذا علم قصد المصحلة فِيهَا؛ فَلِلْمُكَلَّفِ فِي الدُّخُولِ تَحْتَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَا فَهِمَ مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِهَا؛ فَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَلِّيَهُ مِنْ قَصْدِ التَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ مَصَالِحَ الْعِبَادِ إِنَّمَا جَاءَتْ مِنْ طَرِيقِ التَّعَبُّدِ؛ إِذْ لَيْسَتْ بِعَقْلِيَّةٍ، حَسَبَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ1، وَإِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِمَقْصُودِ التَّعَبُّدِ، فَإِذَا اعْتُبِرَ صَارَ أَمْكَنَ فِي التَّحَقُّقِ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَبْعَدَ عَنْ أَخْذِ الْعَادِيَّاتِ لِلْمُكَلَّفِ؛ فَكَمْ مِمَّنْ فَهِمَ الْمَصْلَحَةَ فَلَمْ يَلْوِ عَلَى غَيْرِهَا؛ فَغَابَ عَنْ أَمْرِ الْآمِرِ بِهَا؟ وَهِيَ غَفْلَةٌ تُفَوِّتُ خَيْرَاتٍ كَثِيرَةً، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُهْمِلِ التَّعَبُّدَ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمَصَالِحَ لَا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى انْحِصَارِهَا فِيمَا ظَهَرَ، إِلَّا دَلِيلٌ نَاصٌّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمَا أَقَلَّهُ إِذَا نُظِرَ فِي مَسْلَكِ الْعِلَّةِ النَّصِّيِّ2؛ إِذْ يَقِلُّ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: "لَمْ أَشْرَعْ هذا الحكم إلا لهذا الْحِكَمِ"3، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَصْرُ، أَوْ ثَبَتَ فِي مَوْضِعٍ مَا وَلَمْ يَطَّرِدْ؛ كَانَ قَصْدُ تِلْكَ الْحِكْمَةِ رُبَّمَا أَسْقَطَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ أَيْضًا مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ، فَنَقَصَ عَنْ كَمَالِ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَا عَسَى أَنْ يَقْصِدَهُ الشَّارِعُ، مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَوْ لم

_ 1 مسألة الحسن والقبح في كتب الأصول، وتقدم للمؤلف فيه كلام في جملة مواضع. "د". قلت: انظر ما قدمناه في التعليق على "1/ 125-129". 2 لأنه الدليل الذي يؤخذ به في ذلك. "د". 3 في الأصل: "الحكمة".

يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَكْمَلُ مِنَ الْأَوَّلِ؛ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا فَاتَهُ النَّظَرُ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَالْقَصْدُ إليه في التعبد، فإن الذي يعلم أنه هَذَا الْعَمَلَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ كَذَا، ثُمَّ عَمِلَ لِذَلِكَ الْقَصْدِ؛ فَقَدْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ قَاصِدًا لِلْمَصْلَحَةِ، غَافِلًا عَنِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فِيهَا؛ فَيُشْبِهُ مَنْ عَمِلَهَا مِنْ غَيْرِ وُرُودِ أَمْرٍ1، وَالْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَمَلُهُ عَادِيٌّ فَيَفُوتُ قَصْدُ التَّعَبُّدِ، وَقَدْ يَسْتَفِزُّهُ فِيهِ الشَّيْطَانُ فَيُدْخِلُ عَلَيْهِ قَصْدَ التَّقَرُّبِ إِلَى الْمَخْلُوقِ، أَوِ الْوَجَاهَةِ2 عِنْدَهُ، أَوْ نَيْلِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْمُرْدِيَةِ بِالْأَجْرِ، وَقَدْ يَعْمَلُ هُنَالِكَ لِمُجَرَّدِ حَظِّهِ؛ فَلَا يَكْمُلُ3 أَجْرُهُ كَمَالَ مَنْ يَقْصِدُ التَّعَبُّدَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْصِدَ مُجَرَّدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، فَهِمَ قَصَدَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ لَمْ يَفْهَمْ؛ فَهَذَا أَكْمَلُ وَأَسْلَمُ. أَمَّا كَوْنُهُ أَكْمَلَ؛ فَلِأَنَّهُ نَصَبَ نَفْسَهُ عَبْدًا مُؤْتَمِرًا، وَمَمْلُوكًا مُلَبِّيًا؛ إِذْ لم يعتبر [إلا مجرد الأمر] 4. أيضا، فَإِنَّهُ لَمَّا امْتَثَلَ الْأَمْرَ؛ فَقَدْ وَكَّلَ الْعِلْمَ بِالْمَصْلَحَةِ إِلَى الْعَالِمِ بِهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَلَمْ يَكُنْ لِيَقْصُرَ الْعَمَلَ عَلَى بَعْضِ الْمَصَالِحِ دُونَ بَعْضٍ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَصْلَحَةٍ تَنْشَأُ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ؛ فَصَارَ مُؤْتَمِرًا فِي5 تَلْبِيَّتِهِ الَّتِي لَمْ يُقَيِّدْهَا بِبَعْضِ الْمَصَالِحِ دُونَ بعض.

_ 1 بل بمجرد هواه، وهذا مذموم؛ فيكون فعل ما يشبه المذموم. "د". 2 في نسخة "ماء/ ص239": "والوجاهة". 3 تقدم أن من يأخذ في السبب المأذون فيه على أنه مأذون فيه، وكان تصرفه لقصد مصلحة نفسه يكون عاملا لمجرد الحظ، ولكنه لا يخلو من الأجر؛ لأنه لم يأخذه على أنه أمر عادي بمجرد الهوى الذي هو الحظ المذموم. "د". 4 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 5 في "خ": "للمؤتمر".

وَأَمَّا كَوْنُهُ أَسْلَمَ؛ فَلِأَنَّ الْعَامِلَ بِالِامْتِثَالِ عَامِلٌ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، وَاقِفٌ عَلَى مَرْكَزِ الْخِدْمَةِ1، فَإِنْ عَرَضَ لَهُ قَصْدُ غَيْرِ اللَّهِ رَدَّهُ قَصْدُ2 التَّعَبُّدِ، بَلْ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي الْأَكْثَرِ، إِذَا عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَمِلَ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ عَدَّ نَفْسَهُ هُنَالِكَ وَاسِطَةً بَيْنَ الْعِبَادِ وَمَصَالِحِهِمْ، وَإِنْ كَانَ وَاسِطَةً لِنَفْسِهِ أَيْضًا؛ فَرُبَّمَا دَاخَلَهُ شَيْءٌ مِنَ اعْتِقَادِ الْمُشَارَكَةِ؛ فَتَقُومُ لِذَلِكَ نَفْسُهُ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ حَظَّهُ هُنَا مَمْحُوٌّ مِنْ جِهَتِهِ، بِمُقْتَضَى وُقُوفِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْعَمَلُ عَلَى الْحُظُوظِ طَرِيقٌ إِلَى دُخُولِ الدَّوَاخِلِ، وَالْعَمَلُ عَلَى إِسْقَاطِهَا طَرِيقٌ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، وَلِهَذَا بسط في كتاب الأحكام، وبالله التوفيق.

_ 1 أي: موضوعها الذي فيه الفائدة. "ماء/ ص239". 2 في نسخة "ماء/ ص239": "وقصد".

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ فَلَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى حَالٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حَقِّ الْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ؛ فَلَهُ فِيهِ الْخِيَرَةُ. أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَالدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ وَلَا تَرْجِعُ لِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ كَثِيرَةٌ، وَأَعْلَاهَا الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ وَمَصَادِرِهَا؛ كَالطَّهَارَةِ عَلَى أَنْوَاعِهَا، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي أَعْلَاهُ الْجِهَادُ1، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ2 حَقُّ الْغَيْرِ مِنَ الْعِبَادِ، وَكَذَلِكَ الْجِنَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا الْوِزَانِ، جَمِيعُهَا لَا يَصِحُّ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ طَمِعَ أَحَدٌ فِي أَنْ يُسْقِطَ طَهَارَةً لِلصَّلَاةِ أَيَّ طَهَارَةٍ كَانَتْ، أَوْ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، أَوْ زَكَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ حَجًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَبَقِيَ مَطْلُوبًا بِهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَقَصَّى عَنْ عُهْدَتِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ حَاوَلَ اسْتِحْلَالَ مَأْكُولٍ حَيٍّ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ3 ذَكَاةٍ، أَوْ إِبَاحَةَ مَا حَرَّمَ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ، أَوِ اسْتِحْلَالَ نِكَاحٍ بِغَيْرِ وَلِيٍّ أَوْ صَدَاقٍ، أَوِ الرِّبَا، أَوْ سَائِرَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، أَوْ إسقاط حد الزنى أَوِ الْخَمْرِ أَوِ الْحِرَابَةِ، أَوِ الْأَخْذَ بِالْغُرْمِ وَالْأَدَاءِ عَلَى الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي مَجْمُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ حَتَّى إِذَا كَانَ الْحُكْمُ دَائِرًا بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ؛ لَمْ يَصِحَّ لِلْعَبْدِ إِسْقَاطُ حَقِّهِ إِذَا أَدَّى إلى إسقاط حق الله.

_ 1 لأنه نهى عن المنكر، بل عن أنكر المنكرات، وتغيير له باليد؛ فإن الجهاد شرع لتكون كلمة الله هي العليا، فمن وقف في طريق ذلك؛ حق على المسلمين حربه حتى يذعن ويترك العناد. "د". 2 في الأصل: "وحق". 3 في "ط": "مثلا بغير".

فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُعْتَرَضُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ مَثَلًا: إِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ ثَابِتٌ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَمَالِ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَبَقَاءِ مَالِهِ فِي يَدِهِ، فَإِذَا أُسْقِطَ ذَلِكَ بِأَنْ سُلِّطَ يَدُ الْغَيْرِ عَلَيْهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ قُلْتَ "لَا" وَهُوَ الْفِقْهُ؛ كَانَ نَقْضًا لِمَا أَصَّلْتَ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَإِذَا أَسْقَطَهُ اقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي إِسْقَاطِهِ، وَالْفِقْهُ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْتَ: "نَعَمْ" خَالَفْتَ الشَّرْعَ؛ إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وَلَا أَنْ يَفُوتَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ، وَلَا مَالًا مِنْ مَالِهِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النِّسَاءِ: 29] . ثُمَّ توعد عليه، وقال: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 188] . وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَحَرَّمَ شُرْبَ الْخَمْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَصْلَحَةِ الْعَقْلِ بُرْهَةً؛ فَمَا ظَنُّكَ بِتَفْوِيتِهِ جُمْلَةً؟ وَحَجَرَ عَلَى مُبَذِّرِ الْمَالِ، وَنَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ1؛ فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فِيهِ الْخِيَرَةُ. لِأَنَّا نُجِيبُ بِأَنَّ إِحْيَاءَ النُّفُوسِ وَكَمَالَ الْعُقُولِ وَالْأَجْسَامِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادِ، لَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدٍ حَيَاتَهُ وَجِسْمَهُ وَعَقْلَهُ الَّذِي2 بِهِ يَحْصُلُ [لَهُ] 3 مَا طُلِبَ بِهِ مِنَ الْقِيَامِ بِمَا كُلِّفَ بِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ لِلْعَبْدِ إِسْقَاطُهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُبْتَلَى الْمُكَلَّفُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَسْبِهِ ولا تسببه، وفات بسبب

_ 1 ورد ذلك ضمن حديث أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، 13/ 264/ رقم 7292"عن المغيرة رضي الله عنه. 2 يصح رجوعه للثلاثة جملة وتفصيلا. "د". 3 زيادة من الأصل و"ط".

ذَلِكَ نَفْسُهُ أَوْ عَقْلُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ فَهُنَالِكَ يَتَمَحَّضُ حَقُّ الْعَبْدِ؛ إِذْ مَا وقع مما لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فَلَهُ الْخِيَرَةُ فِيمَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَقًّا مُسْتَوْفًى فِي العير كَدَيْنٍ مِنَ الدُّيُونِ، فَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَتَرْكُهُ هُوَ الْأَوْلَى إِبْقَاءً عَلَى الْكُلِّيِّ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشُّورَى: 43] . وَقَالَ: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشُّورَى: 40] . وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ إِنَّمَا هِيَ جَبْرٌ لِمَا فَاتَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِحِ نَفْسِهِ أَوْ جَسَدِهِ؛ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ قَدْ فَاتَ وَلَا جَبْرَ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ مِمَّا يُمْكِنُ رَفْعُهُ كَالْأَمْرَاضِ إِذَا كَانَ التَّطَبُّبُ غَيْرَ واجب ودفع المظالم عَنْكَ غَيْرُ وَاجِبٍ1 عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٍ فِي الْفِقْهِيَّاتِ، وَأَمَّا الْمَالُ؛ فَجَارٍ عَلَى ذَلِكَ الْأُسْلُوبِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ الْحَقُّ لِلْعَبْدِ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الْبَقَرَةِ: 280] . بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ فَأَرَادَ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَإِتْلَافَهُ فِي غَيْرِ مَقْصِدٍ شَرْعِيٍّ يُبِيحُهُ الشَّارِعُ؛ فَلَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْحَلَالِ وَتَحْلِيلُ2 الْحَرَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَشْرِيعٌ مُبْتَدَأٌ وَإِنْشَاءُ كُلِّيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أَلْزَمَهَا الْعِبَادَ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا تَحَكُّمٌ؛ إِذْ لَيْسَ لِلْعُقُولِ تَحْسِينٌ وَلَا تَقْبِيحٌ تُحَلِّلُ بِهِ أَوْ تُحَرِّمُ؛ فَهُوَ مُجَرَّدُ تَعَدٍّ فِيمَا لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ نَصِيبٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيهِ خِيَرَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ، فَلَا شَيْءَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ إِلَّا وَفِيهِ لِلَّهِ حَقٌّ؛ فَيَقْتَضِي أن ليس للعبد إسقاطه،

_ 1 ينظر ليطبق على ما ذكره قبل؛ حتى لا يعد مخالفًا له. "د". وفي "ط": "ودفع المظالم"، وفي غيره: "الظالم"! 2 في "ط": أو تحليل".

فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا التَّقْرِيرِ حَقٌّ وَاحِدٌ يَكُونُ الْعَبْدُ فِيهِ مُخَيَّرًا؛ فَقِسْمُ الْعَبْدِ إِذَا ذَاهِبٌ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا قِسْمٌ وَاحِدٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الْوَاحِدَ هُوَ الْمُنْقَسِمُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ إِنَّمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حَقًّا لَهُ بِإِثْبَاتِ الشَّرْعِ ذَلِكَ لَهُ، لَا بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ1 هذا المعنى مبسوطًا في الْكِتَابِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَمِنْ هُنَا ثَبَتَ لِلْعَبْدِ حَقٌّ وَلِلَّهِ حَقٌّ. فَأَمَّا مَا هُوَ لِلَّهِ صِرْفًا2؛ فَلَا مَقَالَ فِيهِ لِلْعَبْدِ. وَأَمَّا مَا هُوَ لِلْعَبْدِ؛ فَلِلْعَبْدِ فِيهِ الِاخْتِيَارُ مِنْ حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالِاخْتِيَارِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا تَخْيِيرُ الْعَبْدِ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ اخْتِيَارُهُ فِي أَنْوَاعِ الْمُتَنَاوَلَاتِ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ حَلَالٌ لَهُ، وَفِي أَنْوَاعِ الْبُيُوعِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْمُطَالَبَاتِ بِالْحُقُوقِ؛ فَلَهُ إِسْقَاطُهَا وَلَهُ الِاعْتِيَاضُ3 منها والتصرف فيما بيده من

_ 1 أي: في المسألة التاسعة عشرة من النوع الرابع، والفصل الذي بعدها في تقسيم الأفعال إلى ثلاثة أقسام؛ فقوله بعد: "في آخر النوع الثالث" غير ظاهر. "د". 2 أي: أو كان حقه تعالى مغلبًا، وقوله: "وما هو للعبد"؛ أي: ما كان حقه فيه مغلبًا؛ كحق المدبر ألا يباع مثلًا، وكالأمور المالية وغيرها مما ذكر في هذه المسألة قبل هذا وما ذكره هنا؛ فكل هذا حق العبد فيه مغلب فله إسقاطه، وعلى هذا يفهم قوله: "تَخْيِيرُ الْعَبْدِ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ"، أي: وإن كان فيه حق لله ولكنه غلب حق العبد؛ فاجتمع كلام المؤلف أولًا وآخرًا، وقوله: "في أنواع المتناولات"؛ أي: لا في جنسها؛ فليس له أن يمتنع عن الأكل أو الشرب أو اللباس أو المسكن وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من حق الله ومن الضروريات التي بها إقامة الحياة. "د". 3 أي: طلب العوض. "ماء/ 240".

غَيْرِ حَجْرٍ عَلَيْهِ، إِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ عَلَى ما ألف من محاسن العبادات، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ كُلُّهُ فِي فَهْمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعِبَادِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ1، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

_ 1 وتعرض المصنف في "الاعتصام" "2/ 570 - ط ابن عفان" إلى هذا المعنى أيضا، وأحال على هذا الكتاب.

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ 1: التَّحَيُّلُ بِوَجْهٍ سَائِغٍ مَشْرُوعٍ فِي الظَّاهِرِ أَوْ غَيْرِ سَائِغٍ عَلَى إِسْقَاطِ حُكْمِ أَوْ قَلْبِهِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ، بِحَيْثُ لَا يَسْقُطُ أَوْ لَا يَنْقَلِبُ إِلَّا مَعَ تِلْكَ الْوَاسِطَةِ، فَتُفْعَلُ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى ذَلِكَ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ؛ فَكَأَنَّ التَّحَيُّلَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: قَلْبُ أَحْكَامِ الْأَفْعَالِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ. وَالْأُخْرَى: جَعْلُ الْأَفْعَالِ الْمَقْصُودِ بِهَا فِي الشَّرْعِ مَعَانٍ وَسَائِلَ إِلَى قَلْبِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ؛ هَلْ2 يَصِحُّ شَرْعًا الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهِ أَمْ لَا؟ وَهُوَ3 مَحَلٌّ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَقَبْلَ النَّظَرِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ عَدَمِهَا4 لَا بُدَّ مِنْ شَرْحِ هَذَا الِاحْتِيَالِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ أَشْيَاءَ وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ؛ إِمَّا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَلَا تَرْتِيبٍ عَلَى سَبَبٍ؛ كَمَا أَوْجَبَ الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ وأشباه ذلك،

_ 1 فصل شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام على الحيل في كتابه "إقامة الدليل على إبطال التحليل" وهو في "الفتاوى الكبرى" "3/ 98-285"، وكذا تلميذه ابن القيم في المجلد الثالث من "إعلام الموقعين" والمجلد الرابع إلى صفحة "63" منه. وانظر: "مقاصد الشرعية الإسلامية" "ص115 وما بعدها" لابن عاشور، و"الحيل" لأبي حاتم القزويني، نشر شاخت، و"الحيل الفقهية في المعاملات المالية" محمد بن إبراهيم، ولا سيما "ص21 وما بعدها"، و"كشف النقاب عن موقع الحيل من السنة والكتاب" لمحمد عبد الوهاب البحيري، نشر سنة "1974م"، و"الحيل المحظور منها والمشروع" لعبد السلام ذهني، نشر سنة "1946م". 2 الجملة الاستفهامية خبر عن قوله: "التحيل بوجه ... إلخ". "د". 3 في نسخة "ماء/ ص240" و"ط": "هو". 4 في "ط": "وعدمها".

و [كما] 1 حرم الزنى وَالرِّبَا وَالْقَتْلَ وَنَحْوَهَا، وَأَوْجَبَ أَيْضًا أَشْيَاءَ مُرَتَّبَةً2 عَلَى أَسْبَابٍ، وَحَرَّمَ أُخَرَ كَذَلِكَ؛ كَإِيجَابِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَالْوَفَاءِ بِالنُّذُورِ، وَالشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ، وَكَتَحْرِيمِ الْمُطَلَّقَةِ، وَالِانْتِفَاعِ بِالْمَغْصُوبِ أَوِ الْمَسْرُوقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِذَا تَسَبَّبَ الْمُكَلَّفُ فِي إِسْقَاطِ ذَلِكَ الْوُجُوبِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ فِي إِبَاحَةِ ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ، بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّسَبُّبِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الظَّاهِرِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ حَلَالًا فِي الظَّاهِرِ أَيْضًا. فَهَذَا التَّسَبُّبُ يُسَمَّى حِيلَةً وَتَحَيُّلًا، كَمَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، فَأَرَادَ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي إِسْقَاطِهَا كُلِّهَا بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ دَوَاءٍ مُسْبِتٍ3، حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ فَاقِدٌ لِعَقْلِهِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، أَوْ قَصْرِهَا فَأَنْشَأَ سَفَرًا لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَظَلَّهُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَسَافَرَ لِيَأْكُلَ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِهِ فَوَهَبَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِتْلَافِ كَيْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، وَكَمَا لَوْ أَرَادَ وَطْءَ جَارِيَةِ الْغَيْرِ فَغَصَبَهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا فَوَطِئَهَا بِذَلِكَ، أَوْ أَقَامَ شهود زور على تزويج بكر برضاها قضى الْحَاكِمُ بِذَلِكَ ثُمَّ وَطِئَهَا4، أَوْ أَرَادَ بَيْعَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَقْدًا بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ فَجَعَلَ العشرة

_ 1 زيادة من الأصل و"خ" و"ماء/ ص241" و"ط". 2 في الأصل: "مترتبة". 3 أي: منوم "ماء/ ص241". 4 أجاز قوم هذه المسألة بناء على ما فصلوه من أن حكم الحاكم المخالف لما في الواقع إن كان في مال لم يكن موجبا للمحكوم له، وإن كان في مثل نكاح أو طلاق؛ فإنه يكون نافذًا ظاهرًا وباطًنا، ووقف هؤلاء في حديث: "فمن قضيت له من حق أخيه شيئا؛ فلا يأخذه"، على ما يدل عليه بظاهره وهو المال خاصة، والتحقيق أن حكم الحاكم إنما يجري على الظاهر، ولا نفاذ له في الباطن بحال، وحرمة الإبضاع فوق حرمة الأموال؛ فهي أحق بالاحتياط وأولى بأن لا يرفع حقها الثابت شهادة باطلة أو حكم قام على غير بينة عادلة. "خ".

ثَمَنًا لِثَوْبٍ ثُمَّ بَاعَ الثَّوْبَ مِنَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ أَرَادَ قَتْلَ فُلَانٍ فَوَضَعَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ سَبَبًا مُجَهَّزًا كَإِشْرَاعِ الرُّمْحِ1 وَحَفْرِ الْبِئْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَالْفِرَارِ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِهِبَةِ الْمَالِ أَوْ إِتْلَافِهِ أَوْ جَمْعِ مُتَفَرِّقِهِ أَوْ تَفْرِيقِ مُجْتَمِعِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَمْثِلَةِ فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ2، وَمِثْلُهُ جارٍ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ؛ كَالزَّوْجَةِ تُرْضِعُ جَارِيَةَ الزَّوْجِ أَوِ الضُّرَّةِ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ، أَوْ إِثْبَاتِ حَقٍّ لَا يَثْبُتُ؛ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي قَالَبِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ تَحَيُّلٌ عَلَى قَلْبِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ شَرْعًا إِلَى أَحْكَامٍ أُخَرَ، بِفِعْلٍ صَحِيحِ الظَّاهِرِ لَغْوٍ فِي الْبَاطِنِ، كَانَتِ الْأَحْكَامُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ أَوْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ.

_ 1 في الأصل: "الزمل". 2 حرر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أن الممنوع من التحيل ما يقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه أو إسقاط الواجب مع قيام سببه، وذكر في إنكار أن يكون من الشريعة الحكيمة وجوهًا كثيرة أشدها أنه مخادعة لله كما يخادع المخلوق، ثم ما يتضمنه من المكر والتلبيس والإغراء به، وتعليمه لمن لا يحسبه، ثم تسليط أعداء الدين على القدح فيه وسوء الظن به وبمن شرعه، ويكفي من هذه الوجوه أنه إجهاد الفكر في نقض ما أبرمه الرسول وإبطال ما أوجبه أو تحليل ما حرمه. "خ".

المسألة الحادية عشرة: لحيل فِي الدِّينِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِي الْجُمْلَةِ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَا يَنْحَصِرُ من الكتاب والسنة، لكن في خصوصات2 يُفْهَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا مَنْعُهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا عَلَى الْقَطْعِ. فَمِنَ الْكِتَابِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [الْبَقَرَةِ: 8] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ؛ فَذَمَّهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَشَنَّعَ عَلَيْهِمْ، وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ إِحْرَازًا لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، لَا لِمَا قُصِدَ لَهُ فِي الشَّرْعِ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ عَلَى اخْتِيَارٍ وَتَصْدِيقٍ قَلْبِيٍّ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى كَانُوا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وَقِيلَ فِيهِمْ: إِنَّهُمْ {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [الْبَقَرَةِ: 9] . وَقَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [الْبَقَرَةِ: 14] ؛ لِأَنَّهُمْ تَحَيَّلُوا بِمُلَابَسَةِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ إِلَى أَغْرَاضِهِمُ الْفَاسِدَةِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي الْمُرَائِينَ بِأَعْمَالِهِمْ: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ} الآية [البقرة: 264] . وَقَالَ: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النِّسَاءِ: 38] . وَقَالَ: {يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النِّسَاءِ: 142] ؛ فذم

_ 1 سيأتي في الفصل التالي للمسألة الثانية عشرة أن بعض ما يصدق عليه حيلة بالمعنى المذكور يكون صحيحًا مشروعًا؛ فلذا قال: "في الجملة". "د". 2 سيأتي له حديث: "لا ترتكبوا"، وهو عام؛ فلعله لعدم قوته لم يعتد به دليلاً مستقلًا كافيًا للعموم. "د". قلت: سيأتي "ص112" أنه حسن في أقل أحواله.

وَتَوَعَّدَ1 لِأَنَّهُ إِظْهَارٌ لِلطَّاعَةِ لِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ2 يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... } الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [الْقَلَمِ: 17-20] ؛ لَمَّا احْتَالُوا على إمساك حق المساكين بما قَصَدُوا الصِّرَامَ فِي غَيْرِ وَقْتِ إِتْيَانِهِمْ3؛ عَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِهْلَاكِ مَالِهِمْ. وَقَالَ: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} الآية [البقرة: 65] . وَأَشْبَاهَهَا؛ لِأَنَّهُمُ احْتَالُوا لِلِاصْطِيَادِ فِي السَّبْتِ بِصُورَةِ4 الِاصْطِيَادِ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ... } إِلَى قَوْلِهِ: {وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [الْبَقَرَةِ: 231] . وَفُسِّرَتْ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَرْتَجِعَ الْمَرْأَةَ يقصد بذلك مضارتها،

_ 1 التوعد في الآية الثانية؛ إما بناء على عطف {وَالَّذِين} على لفظ {الْكَافِرِين} قبله أو على أنه مبتدأ، وقوله بعد {فَسَاءَ قَرِينا} توعد بأن الشيطان يكون قرينه في النار فيتلاعنان. "د". 2 في آيات المنافقين المقدمتان السابقتان موجودتان؛ ففيها قلب الأحكام من عدم عصمة دمائهم وأموالهم إلى عصمتها، وفيها جعل ما قصد به الدخول تحت طاعة الله اختيارًا لما قصدوا إليه من الإحراز المذكور، أما في آيات الرياء؛ فتوجد مقدمة جعل الأفعال المقصود بها في الشرع معنى وسيلة لغيره، ولكن ما هو الحكم الذي أسقطوه أو قلبوه؟ تأمل. "د". 3 كأنه كان في شرعهم أن من لا يحضر الجذاذ يسقط حقه؛ فاحتالوا بهذه الحيلة لسقوط حق المساكين. "د". 4 بأن حفروا حياضا وأشرعوا إليها الجداول؛ فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت بالموج، فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة الماء، فيصطادونها يوم الأحد وكانت الحيتان لا تظهر إلا يوم السبت؛ ففي الحقيقة اصطيادها يوم السبت في صورة أنه في يوم الأحد، وكان ذلك في زمن داود عليه السلام. "د".

بِأَنْ يُطَلِّقَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تُشَارِفَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا حَتَّى تُشَارِفَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَهَكَذَا لَا يَرْتَجِعُهَا لِغَرَضٍ لَهُ فِيهَا سِوَى الْإِضْرَارِ بِهَا. وَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ... } إِلَى قَوْلِهِ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [الْبَقَرَةِ: 228] أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِ عَدَدٍ؛ فَكَانَ الرَّجُلُ يَرْتَجِعُ الْمَرْأَةَ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا كَذَلِكَ قَصْدًا؛ فَنَزَلَتِ1: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ} [الْبَقَرَةِ: 229] ، وَنَزَلَ مَعَ ذَلِكَ: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} الآية [البقرة: 229] فِيمَنْ كَانَ يُضَارُّ الْمَرْأَةَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا حِيَلٌ عَلَى بُلُوغِ غَرَضٍ2 لَمْ يُشْرَعْ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النِّسَاءِ: 12] ، يَعْنِي بِالْوَرَثَةِ بِأَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ احْتِيَالًا عَلَى حِرْمَانِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا 3 أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6] . وقوله: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} الآية [النساء: 19] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا المعنى.

_ 1 نحوه في "سنن أبي داود" "كتاب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، 2/ 259/ رقم 2195"، و"تفسير ابن جرير" "4/ 539"، وهو صحيح. وانظر: "تفسير الثوري" "ص67"، و"تفسير ابن كثير" "1/ 272"، و"أحكام القرآن" "1/ 189"، و"فتح القدير" "1/ 239"، و"الدر المنثور" "1/ 278". 2 أي: من إِسْقَاطِ حُكْمِ أَوْ قَلْبِهِ إِلَى حُكْمٍ آخَرَ بفعل سائغ أو غير سائغ. "د". 3 أي: بناء على أنهما مفعولان لأجله. "د".

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: "لَا يجمع بين متفرق ولا يفرق بن مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" 1؛ فَهَذَا نَهْيٌ عَنِ الِاحْتِيَالِ لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ أَوْ تَقْلِيلِهِ. وَقَالَ: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، يَسْتَحِلُّونَ مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" 2. وَقَالَ: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ3 أَنْ تَسْبِقَ؛ فَهُوَ قِمَارٌ"4. وَقَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا5 وباعوها وأكلوا أثمانها"6.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب الزكاة، باب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مجتمع، 3/ 314/ رقم 1450" عن أنس رضي الله عنه. وفي الباب عن ابن عمر، وتقدم تخريجه "1/ 424"، وسعد وغيرهما. قلت: وفي الأصل: "مفترق". 2 أخرجه ابن بطة في كتابه "إبطال الحيل" "ص46-47"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "إبطال الحيل" "3/ 23-24 - من مجموع الفتاوى": "وهذا إسناد جيد، يصحح مثله الترمذي وغيره تارة، ويحسنه تارة"، وحسنه أيضا "3/ 287"، وجوّده ابن كثير في تفسيره" "1/ 111 و2/ 268 - ط دار المعرفة"، وكذا ابن القيم في "إغاثة اللهفان" "1/ 348". وانظر: "غاية المرام" "رقم 11"، و"إرواء الغليل" "5/ 375/ رقم 1535". 3 أي: فهو عالم بأن الرهان على مسابقة، ومع ذلك يدخل في صورة أن الأمر محتمل كما هو الشأن في عمل المسابقة. "د". 4 مضى تخريجه بإسهاب في "1/ 425-427"، وهو ضعيف. 5 أذابوها فصارت في صورة غير صورة الشحم، ولم يأكلوها هي، بل أخذوا أثمانها فانتفعوا بها. "د". 6 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، 4/ 424/ رقم 2236، وكتاب التفسير، باب {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} ، 8/ 295/ رقم 633"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، 3/ 1207/ رقم 1581" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقد تقدم "1/ 447" ومضى تخريجه مسهبًا هناك.

وَقَالَ: "ليشربنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بغير اسمها، يعزف على رءوسهم بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ1 اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ منهم القردة والخنازير ط2. وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَرْفُوعًا: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُسْتَحَلُّ فِيهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِأَسْمَاءٍ يُسَمُّونَهَا بِهَا، والسحت

_ 1 انظره مع ما تقرر من أمن أمته صلى الله عليه وسلم من المسخ والخسف ويكفي أنه موقوف، وإنما يستشهد المؤلف بأمثاله من باب الاستئناس وضمه إلى القوي فيقوى، وقد ورد في "المصابيح" عن أنس في شأن البصرة: "أنه يكون بها خسف وقذف ورجم ومسخ إلى قردة وخنازير، وقد أوصاه صلى الله عليه وسلم أن يكون بضواحيها لا في داخلها وأسواقها"؛ فعليك باستكمال المقام، ومعروف أنهم يقولون: إن الأمن فيما عدا ما بين يدي الساعة؛ فالتوفيق ميسور. "د". 2 أخرجه أبو دواد في "السنن" "كتاب الأشربة، باب في الداذي -وهو حب يطرح في النبيذ فيشتد حتى يسكر- 3/ 329/ رقم 3688"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الفتن، باب العقوبات، 2/ 1333/ رقم 4020"، وأحمد في "المسند" "5/ 432"، والبخاري في "التاريخ الكبير" "1/ 305 و7/ 222"، ابن حبان في "الصحيح" "15/ 160/ رقم 6758- الإحسان"، والطبراني في "الكبير" "رقم 3419"، البيهقي في "الكبرى" "8/ 295 و10/ 231" من طرق عن معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري به. وإسناده ضعيف، رجاله ثقات؛ غير مالك بن أبي مريم، لم يروِ عنه غير حريث، ولم يوثقه غير ابن حبان على قاعدته المشهورة، قال ابن حزم: "لا يُدْرَى من هو"، وقال الذهبي: "لا يعرف"، ولأوله شواهد عديدة، تقدم منها "1/ 447" حديث عبادة بن الصامت، وهو صحيح. وانظر تعليق المصنف على الحديث في كتابه" الاعتصام" "2/ 579-581 - ط دار ابن عفان".

بِالْهَدِيَّةِ، وَالْقَتْلَ بِالرَّهْبَةِ، وَالزِّنَى بِالنِّكَاحِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ"1. وَقَالَ: "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ2، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"3.

_ 1 أخرجه الخطابي في "غريب الحديث" "1/ 218" بإسناد معضل؛ فهو ضعيف، وتقدم بيان ذلك في "1/ 488". وقال المصنف في "الاعتصام" "2/ 583 - ط ابن عفان" شارحا بعض ما في الحديث: "وأما استحلال السحت الذي هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم الهدية؛ فهو ظاهر، واستحلال القتل باسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم "سياسة" و"أبهة الملك"، ونحو ذلك؛ فظاهر أيضا، وهو نوع من أنواع شريعة القتل المخترعة". ثم فصل القتل في شريعة "المهدي المغربي"، وأنه جعله عقابا في ثمانية عشر صنفا، وذكر منها أشياء، ثم فصل فساد شريعته في أشياء أخر، فلتنظر. 2 أي: بخلو بإنفاقهما في سبيل الله، وقوله: "وتبايعوا بالعينة" فسرت بأن تبيع الشيء بثمن لأجل ثم تشتريه نقدا بثمن أقل؛ فآلت المسألة إلى نقد عاجل قليل في نقد آجل كثير، وهو الربا بعينه، وذلك هو الواقع في قصة زيد بن أرقم. "د". 3 أخرجه بهذا اللفظ أحمد في "المسند" "2/ 28"، وأبو أمية الطرسوسي في "مسند ابن عمر" "رقم 22"، والطبراني في "الكبير" "رقم 13583"من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي عمر عن ابن عمر مرفوعا. ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي" "3/ 316-317"، والزيلعي في "نصب الراية" "4/ 17" عن ابن القطان قوله في هذا الطريق -وعزاه لأحمد في "الزهد"-: "وهذا حديث صحيح، ورجاله ثقات". وتعقب ابن حجر في "التلخيص الحبير" "3/ 19" ابن القطان بقوله: "قلت: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلس، ولم ينكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني؛ فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر؛ فرجع الحديث إلى الإسناد =

.................................................................

_ = الأول، وهو المشهور". قلت: العجب من الحافظ فإنه القائل عنه في "بلوغ المرام" "رقم 860": "رجاله ثقات"، وقد جعل الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين "الذين احتمل أئمة الحديث تدليسهم وتجاوزوا لهم عنه"، ولم يقل أحد إن الأعمش يدلس تدليس التسوية، ولماذا يفعل ذلك وهو قد رواه عن نافع أيضا؟ كما قال أبو نعيم في "الحلية" "1/ 314" وفي آخر كلام ابن حجر السابق إشارة إلى ما أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب البيوع، باب في النهي عن العينة، 3/ 274-275/ رقم 4362"، والدولابي في "الكنى والأسماء" "2/ 65"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 316"، وأبو نعيم في "الحلية" "5/ 208-209"، وابن عدي في "الكامل" "5/ 1998" من طريق إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر. وإسناده ضعيف، قال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" "5/ 102-103": "في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني، نزيل مصر، لا يحتج بحديثه، وفيه أيضا عطاء الخراساني، وفيه مقال". وتابع عطاءً الخراساني فضالةُ بن حصين عن أيوب عن نافع؛ كما قال أبو نعيم في "الحلية" "3/ 319"، ومتابعته هذه أخرجها ابن شاهين "في "الأفراد" "1/ 1"؛ كما قال شيخنا الألباني في "السلسلة الصحيحة" "رقم 11". وفضالة لا يصلح للمتاعبة، قال أبو حاتم عنه: "مضطرب الحديث". وللحديث طرق أخرى يتقوى بها، منها: ما أخرجه أحمد في "المسند" "2/ 42، 84" من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر، وشهر حديثه حسن، ولا سيما في الشواهد. وما أخرجه أبو يعلى في "المسند" "10/ 29/ رقم 5659"، والطبراني في "الكبير" "رقم 13585"، والروياني في "المسند" "ق247/ ب"، وابن أبي الدنيا في "العقوبات" "ق79/ أ"- كما في "الصحيحة "رقم 11"-، وأبو نعيم في "الحلية" "1/ 313-314 و3/ 318-319" من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، وبعضهم أسقط ابن أبي سليمان. وليث ضعيف.

وَقَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" 1. وَقَالَ: "لعن الله الراشي والمرتشي" 2.

_ = والخلاصة: الحديث صحيح بمجموع طرقه، وإلى هذا أشار ابن القيم في "تهذيب السنن" "5/ 103-104"؛ فقال بعد أن سرد بعض طرقه: "وهذا يبين أن للحديث أصلا، وأنه محفوظ"، وساق له المصنف في "الاعتصام" "2/ 576- ط ابن عفان" شاهدًا مرفوعًا، وهو حديث: "وإذا تبايعتم بالعينة ... "، وأثرا لعلي عند أبي داود في "السنن" "3382"، و"مسند أحمد" "1/ 116" وقال: "وهذه الأحاديث الثلاثة -وإن كانت أسانيدها ليست هناك- مما يعضد بعضه بعضًا، وهو خبر حق في نفسه يشهد له الواقع". وكتب "خ" ما نصه: "قد وقع المسلمون في هذه العلل؛ حتى أفضت بهم إلى أشد بلاء يصبه الله على رءوس الأمم، وهو استيلاء العدو على أوطانهم والقبض على زمام أمورهم؛ فهل لهم أن يغيروا ما بهم ويعطفوا على تعاليم دينهم؟ فنراهم كيف ينهضون لإعادة شرفهم المسلوب وحقهم المغتصب بنفوس سخية وعزائم لا تغتر. شعور فعلم فاتحاد فقوة ... فعزم فإقدام فإحراز آمال" 1 أخرجه الترمذي في "الجامع" "2/ 294"، وأبو داود في "السنن" "2/ 227"، وابن ماجه في "السنن" "1/ 622"، والسنائي في "المجتبى" "6/ 149"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "4/ 295"، وعبد الرزاق في "المصنف" "6/ 269"، والدارقطني في "السنن" "3/ 251"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 198"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "7/ 207" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد صحيح، ومضى تخريجه أيضا "1/ 429". 2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، 3/ 623/ رقم 1337"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الأقضية، باب كراهية الرشوة، 3/ 300/ رقم 3580"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأحكام، باب التغليظ في الحيف والرشوة، 2/ 775/ رقم 2313"، وأحمد في "المسند" "2/ 164، 190، 194، 212"، والطيالسي في: "المسند" "رقم 2276"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 102-103"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 585"، والطبراني في "الصغير" "1/ 28"، والدارقطني في "العلل" "4/ 275"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 138-139"، والبغوي في "شرح السنة" "10/ 87-88 / رقم 2493" من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد صحيح. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه الترمذي في "الجامع" "3/ 622/ رقم 1336"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 103"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 1196- موارد"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 585"، وعن أم سلمة عند الطبراني بلفظ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الراشي والمرتشي في الحكم. وإسناده جيد؛ كما في "الترغيب والترهيب" "3/ 143".

وَنَهَى عَنْ هَدِيَّةِ المَدْيَان؛ فَقَالَ: "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ؛ فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهَا إِلَّا أَنْ يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" 1.

_ 1 أخرجه ابن ماجه في "السنن" "كتاب الصدقات، باب القرض، 2/ 813/ رقم 2432"، والبيهقي في الكبرى" "5/ 350" من طريق إسماعيل بن عياش حدثني عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي؛ قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وذكره". وعند البيهقي في أحد روايته: "يزيد بن أبي يحيى" بدلا من "يحيى"، وقال: "قال المعمري: قال هشام في هذا الحديث: "يحيى بن أبي إسحاق الهنائي"، ولا أراه إلا وهم، وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس". ثم قال: "ورواه شعبة ومحمد بن دينار؛ فوقفاه". ويحيى بن يزيد من رجال مسلم، ورجح ابن التركماني أن يكون "ابن أبي إسحاق"، وهو مجهول، وعلى كل حال؛ الحديث ضعيف، وله علل: الأولى: ضعف إسماعيل بن عياش؛ فهو ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وشيخه عتبة في هذا الحديث بصري. الثانية: ضعف عتبة بن حميد. قال البوصيري في "الزوائد": "في إسناده عتبة بن حميد الضبي، ضعفه أحمد وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ويحيى بن أبي إسحاق لا يعرف". الثالثة: الاضطراب في سنده. الرابعة: جهالة ابن أبي يحيى. الخامسة: روايته موقوفًا، وانظر: "السلسة الضعيفة" "رقم 1162".

وَقَالَ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" 1. وَجَعَلَ هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولًا2، وَنَهَى3 عَنِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ4. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم

_ 1 مضى تخريجه "2/ 521"، وهو صحيح. 2 أخرج أحمد في "المسند" "5/ 425"، والبزار في "مسنده" "2/ 236-237/ رقم 1599- زوائده"، وأبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" "4/ 118/ رقم 1797"، وابن عدي في "الكامل" "1/ 295"، ووكيع في "أخبار القضاة" "1/ 59"، والتنوخي في "الفوائد العوالي المؤرخة من الصحاح والغرائب" "ص121/ رقم 6"، والبيهقي في "الكبرى" "10/ 138" من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي مرفوعا: "هدايا الأمراء غلول". وإسناده ضعيف، مداره على إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد، ورواية إسماعيل عن غير الشاميين ضعيفة، ويحيى بن سعيد مدني، وقد فصل في ذلك البيهقي في "الخلافيات" "رقم 150، 151 - بتحقيقي"، قال التنوخي عقبه: "هذا حديث غريب من حديث أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي عبد الله عروة بن الزبير، لا أعلم حدث به عنه غير إسماعيل بن عياش بهذا اللفظ". وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير" "4/ 189" بعد عزوه للبيهقي وابن عدي: "وإسناده ضعيف"، وضعفه الهيثمي في "المجمع" "4/ 151، 200 و5/ 249"، ولكن للحديث شواهد عن جابر وأبي هريرة وابن عباس، خرجها شيخنا الألباني في "الإرواء" "8/ 246-250/ رقم 2622"، وقال: "وفيما تقدم من الطرق والشواهد السالمة من الضعف الشديد كفاية، ومجموعها يعطي أن الحديث صحيح، وهو الذي اطمأن إليه قلبي، وانشرح له صدري، وفي كلام ابن عبد الهادي إشارة إلى ذلك، والله أعلم". 3 لأنه تحيل على أكل أموال الناس بالباطل؛ إذ إن اقتران البيع بالسلف يجعل الثمن أقل من ثمن المثل في مقابلة القرض الذي لا يكون إلا لله. "د". 4 جزء من حديث بلفظ "لا يحل سلف وبيع" مضى تخريجه "1/ 469".

إِنْ لَمْ يَتُبْ1. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، كُلُّهَا دَائِرَةٌ عَلَى أَنَّ التَّحَيُّلَ فِي قَلْبِ الْأَحْكَامِ ظَاهِرًا غَيْرُ جَائِزٍ. وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الأمة من الصحابة والتابعين.

_ 1 مضى لفظه وتخريجه في "1/ 456"، وهو حسن. وقع في الأصل: "أبلغ".

المسألة الثانية عشرة 1: ما ثَبَتَ أَنَّ الْأَحْكَامَ شُرِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ كَانَتِ الْأَعْمَالُ مُعْتَبَرَةً بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِيهَا كَمَا تَبَيَّنَ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ عَلَى أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مُوَافِقًا وَالْمَصْلَحَةُ مُخَالِفَةً؛ فَالْفِعْلُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ2 لَيْسَتْ مقصودة [لأنفسها] 3،

_ 1 تفصيل وافٍ لما أجمل في المسألة قبلها. "د". قلت: وهو تفصيل وتقييد لما اتسمت به المسألة الرابعة من القسم الثاني من قسمي الأحكام "1/ 311 وما بعدها" من إجمال وإطلاق. 2 وكذا الحقوق، وهي مجرد وسائل شرعت لتحقيق غايات معينة قصد الشارع تحقيقها فكانت وسائل أو مقدمات لنتائج المصالح، وليست مقصودة لذاتها حتى تكون مصدرا لسلطة مطلقة يتصرف بها صاحبها كما يشاء، لأن هذا يؤدي إلى اعتبار الحق غاية في ذاته، وذلك يتنافى، والقاعدة المجمع عليها -وذكرها المصنف مرارًا- وهي أن المصالح المعتبرة في الأحكام؛ لأن التصرف المطلق قد يؤدي إلى مناقضة الشارع، ومناقضة الشرع عينا باطلة؛ فما يؤدي إليها باطل. هذا وثمرة اعتبار الحق مجرد وسيلة إلى تحقيق مصلحة شرع من أجلها، أنه مقيد في استعماله بما يحقق هذه المصلحة، وإلا اعتبر المستعمل معتسفًا كأن يتخذه ذريعة إلى مجرد الإضرار بغيره، أو لتحقيق نتائج ضارة بغيره، ترجح على ما يجنيه من مصلحة وهذان الوجهان من الاعتساف يقتضيان النظر في البواعث النفسية أو النتائج المادية التي تنجم عن استعمال الحقوق؛ كمعيارين يعرف بهما التعسف، أما النظر إلى النتائج؛ فهو معنى النظر في مآلات الأفعال الذي يقرر المصنف أنه أصل معتبر مقصود في الشريعة؛ كما سيأتي "5/ 177 وما بعدها". ومن الجدير بالذكر هنا أنه لا يكفي توخي المصلحة التي شرع العمل من أجلها، بل لا بد فيها من امتثال نية امتثال أمر الله، وبيان ذلك أن العمل -وهو وسيلة تنفيذ الحق- بوجه عام إذا كان تعبديا؛ أي: يقصد به امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وهو حق الله فيه كما بينا؛ فإن المصلحة التي تقصد به تعبدية أيضا لأمرين: الأول: لأنها من وضع الشارع الحكيم، وذلك آية حق الله في المصلحة؛ فلا يجوز للعباد ابتداع المصالح لأنه تشريع مبتدأ، وذلك محرم بالضرورة. =

وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا أُمُورٌ أُخَرُ هِيَ مَعَانِيهَا، وَهِيَ الْمَصَالِحُ الَّتِي شُرِعَتْ لِأَجْلِهَا؛ فَالَّذِي عَمِلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَضْعِ1؛ فَلَيْسَ عَلَى وَضْعِ الْمَشْرُوعَاتِ. فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِلتَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَمُطَابَقَةِ الْقَلْبِ لِلْجَوَارِحِ فِي الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ، فَإِذَا عُمِلَ بِذَلِكَ عَلَى قَصْدِ نَيْلِ حَظٍّ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا مِنْ دَفْعٍ أَوْ نَفْعٍ؛ كَالنَّاطِقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَاصِدًا لِإِحْرَازِ دَمِهِ وَمَالِهِ لَا لِغَيْرِ2 ذَلِكَ، أَوِ الْمُصَلِّي رِئَاءَ النَّاسِ لِيُحْمَدَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَنَالَ بِهِ رُتْبَةً فِي الدُّنْيَا؛ فَهَذَا الْعَمَلُ لَيْسَ مِنَ الْمَشْرُوعِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي شُرِعَ لِأَجْلِهَا لَمْ تَحْصُلْ، بَلِ الْمَقْصُودُ بِهِ ضِدُّ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ. وَعَلَى هَذَا نَقُولُ3 فِي الزَّكَاةِ مَثَلًا: إن المقصود بشمروعيتها رَفْعُ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وَمَصْلَحَةُ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ، وَإِحْيَاءُ النفوس المعرضة للتلف، فمن وهب

_ = الثاني: أن المكلف إذا كان عليه أن يتوخى المصلحة التي قصدها الشرع، حتى يكون قصده في العمل موافقا لقصد الله في التشريع؛ فإن توخيه لمحض المصلحة ولذاتها لا يجعل عمله تعبديًّا؛ لأنه لا يختلف عن ابتغاء أي إنسان لحظوظه المجردة في الحياة؛ فلا بد ليؤدي حق الله في عمله أن تتجه نيته إلى امتثال أمر الله جل وعلا، وفي هذا تقديم قول المصنف "3/ 99": "فَإِنَّ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ شُرِعَ لمصلحة كذا ... فَقَدْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ قَاصِدًا لِلْمَصْلَحَةِ غَافِلًا عَنِ امتثال الأمر فيها ... ". وإذا ثبت أن المصلحة تعبدية، سواء كانت معقولة المعنى أم غير معقولة؛ فما انبنى عليها وهو التصرفات والأعمال تعبدية أيضا. 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 1 حيث تحايل على الحكم الشرعي؛ فحافظ على ظاهره، ولم يحافظ على جوهره ومقصوده، بل سعى به لغاية أخرى. انظر: "الفروق" "2/ 32": "الفرق الثامن والخمسون". 2 في نسخة "ماء/ ص243": "غير". 3 في نسخة "ماء/ ص243": "فنقول".

فِي آخِرِ الْحَوْلِ1 مَالَهُ هُرُوبًا2 مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ فِي حَوْلٍ آخَرَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَوْهَبَهُ؛ فَهَذَا الْعَمَلُ تَقْوِيَةٌ لِوَصْفِ الشُّحِّ وَإِمْدَادٌ لَهُ، وَرَفْعٌ لِمَصْلَحَةِ إِرْفَاقِ الْمَسَاكِينِ3؛ فَمَعْلُومٌ أَنَّ صُورَةَ هَذِهِ الْهِبَةِ [لَيْسَتْ هِيَ الْهِبَةَ] 4 الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إِرْفَاقٌ وَإِحْسَانٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَتَوْسِيعٌ عَلَيْهِ، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، وَجَلْبٌ لِمَوَدَّتِهِ وموآلفته، وَهَذِهِ الْهِبَةُ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْمَشْرُوعِ مِنَ التَّمْلِيكِ الْحَقِيقِيِّ لَكَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَصْلَحَةِ الْإِرْفَاقِ وَالتَّوْسِعَةِ، وَرَفْعًا لِرَذِيلَةِ الشُّحِّ، فَلَمْ يَكُنْ هُرُوبًا عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ؛ فَتَأَمَّلْ4 كَيْفَ كَانَ الْقَصْدُ الْمَشْرُوعُ فِي الْعَمَلِ لَا يَهْدِمُ قَصْدًا شَرْعِيًّا5، وَالْقَصْدُ غَيْرُ الشَّرْعِيِّ6 هادم

_ 1 كذا في الأصول المعتمدة في التحقيق، والصواب "قرب نهاية الحول"، وإلا لو كانت الهبة في آخر الحول؛ لما وسعه الهرب لأن الزكاة تكون حينئذ قد وجبت، وشغلت بها الذمة؛ فتأمل. 2 سيأتي له بلفظ: "هربا"، وهو الصحيح لغة. "د". 3 أن مصلحة "إرفاق المساكين" ليست هي المصلحة الوحيدة في إخراج الزكاة؛ فإن مصارف الزكاة متعددة، و"إرفاق المساكين" واحد منها؛ فيكون بالتحيل على إسقاط هذه الفريضة قد عطل كافة المصارف الأخرى التي تصرف فيها الزكاة، فأثر التحيل في أيلولته إلى المفسدة أعظم مما ذكر المصنف، أفاده الأستاذ الدريني في "بحوث مقارنة" "1/ 420". 4 فالهبة المشروعة لا تنافي قصد الشارع من الزكاة، وهو رفع الشح، والإرفاق بالناس والإحسان إليهم، أما الهبة الصورية كالصورة التي فرضها؛ فإنها تنافي قصد الشارع في رفع الشح عن النفوس والإحسان إلى عباده. "د". قلت: ثمة فرق آخر بينهما، أشار إليه المصنف بقوله السابق: "ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه"؛ أي: رجع إلى الموهوب له ليسترجع ما وهبه إياه، وفي هذا إشارة إلى التواطؤ بينهما، ومعلوم أن العقد إذا فقد الإرادة أو الرضا؛ لم ينعقد، وهو باطل شرعًا، فما ذكره "د" من الفرق بينهما فمن حيث المقصد والمآل، وما ذكرناه؛ فمن حيث التكوين أو التكييف الفقهي. 5 بل جاء توثيقا لمقاصد الشريعة وتحقيقا لها، وليست وظيفته سلبية فقط، أي: لعدم هدمها، بل وإيجابية أيضا، أفاده الدريني في "بحوث مقارنة" "1/ 422". 6 هو الباعث غير المشروع بعينه.

لِلْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ. وَمِثْلُهُ أَنَّ الْفِدْيَةَ شُرِعَتْ لِلزَّوْجَةِ هَرَبًا مِنْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فِي زَوْجِيَّتِهِمَا، فَأُبِيحَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْتَرِيَ عِصْمَتَهَا مِنَ الزَّوْجِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، خَوْفًا من الوقوع في المحظور؛ فهذه بذلت ما لها طَلَبًا لِصَلَاحِ الْحَالِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، وَهُوَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ، وَهُوَ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ مُطَابِقٌ لِلْمَصْلَحَةِ، لَا فَسَادَ فِيهِ حَالًا وَلَا مَآلًا، فَإِذَا أَضَرَّ بِهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ؛ فَقَدْ عَمِلَ هُوَ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ حِينَ أَضَرَّ بِهَا لِغَيْرِ مُوجِبٍ، مَعَ الْقُدْرَةِ1 عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْفِرَاقِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ، فَلَمْ يَكُنِ التَّسْرِيحُ إِذَا طَلَبْتَهُ بِالْفِدَاءِ تَسْرِيحًا بِإِحْسَانٍ، وَلَا خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ فِدَاءُ مُضْطَرٍّ وإن كان جائزًا لها فمن2 جِهَةِ الِاضْطِرَارِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِضْرَارِ، وَصَارَ غَيْرَ جَائِزٍ لَهُ إِذْ وُضِعَ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ تَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ كُلِّيَّةٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَلَى مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَلَى الْخُصُوصِ، أَمَّا الْجُزْئِيَّةُ؛ فَمَا يُعْرِبُ عَنْهَا كُلُّ دَلِيلٍ لِحُكْمٍ فِي خاصته، وَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ؛ فَهِيَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُكَلَّفٍ تَحْتَ قَانُونٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تَكَالِيفِ الشَّرْعِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ؛ فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ الْمُسَيَّبَةِ تَعْمَلُ بِهَوَاهَا، حَتَّى يَرْتَاضَ بِلِجَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا صَارَ الْمُكَلَّفُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَنَّتْ3 لَهُ يَتَّبِعُ رُخَصَ4 الْمَذَاهِبِ، وَكُلَّ قَوْلٍ وَافَقَ فِيهَا هَوَاهُ؛ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ التَّقْوَى، وَتَمَادَى فِي مُتَابَعَةِ الْهَوَى، وَنَقَضَ مَا أَبْرَمَهُ الشَّارِعُ5 وَأَخَّرَ ما قدمه، وأمثال ذلك كثيرة.

_ 1 لأن ذلك في يده دائما. "د". وفي الأصل وقعت: "إلى الوصول". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "من". 3 أي: طرأت. 4 في موضوعنا هي الحيل في تلك المذاهب. "د". 5 أي: ولم يكن داخلا مع سائر المكلفين تحت القانون العام المعين في هذا التكليف. "د". قلت: في "ط": "الشرع".

فصل: إذا ثَبَتَ هَذَا1 فَالْحِيَلُ الَّتِي تَقَدَّمَ إِبْطَالُهَا وَذَمُّهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا مَا هَدَمَ أَصْلًا شَرْعِيًّا وَنَاقَضَ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً2، فَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّ الْحِيلَةَ لَا تَهْدِمُ أَصْلًا شَرْعِيًّا، وَلَا تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا؛ فَغَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي النَّهْيِ وَلَا هِيَ بَاطِلَةٌ، وَمَرْجِعُ الْأَمْرِ فِيهَا إِلَى أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ، كَحِيَلِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ. وَالثَّانِي: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ كَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِكْرَاهًا عَلَيْهَا، فَإِنَّ نِسْبَةَ التَّحَيُّلِ بِهَا فِي إِحْرَازِ الدَّمِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لِمُقْتَضَاهَا كَنِسْبَةِ3 التَّحَيُّلِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ فِي إِحْرَازِ الدَّمِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ؛ إِلَّا أَنَّ هَذَا مَأْذُونٌ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً لَا مَفْسَدَةَ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، لِكَوْنِهِ مَفْسَدَةً أُخْرَوِيَّةً4 بِإِطْلَاقٍ، وَالْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ الْأُخْرَوِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ فِي الِاعْتِبَارِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِاتِّفَاقٍ، إِذْ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ تُخِلُّ بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يُخِلُّ بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ؛ فَكَانَ بَاطِلًا، وَمِنْ هُنَا جَاءَ فِي ذَمِّ النِّفَاقِ وَأَهْلِهِ مَا جَاءَ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَكِلَا القسمين بالغ مبلغ القطع.

_ 1 في "د": "لهذا". 2 مراده من "الأصل الشرعي": "المصلحة الكلية أو القانون العام المعين، ومن "المصلحة الشرعية": "المصلحة الجزئية، انظر هامش "د" السابق. 3 أي: في أن كلا منهما نطق بكلمة من غير اعتقاد لمعناها توصلا إلى غرض دينوي. "د". 4 لما تقدم أنه استهزاء ومخادعة لله ولرسوله لا دنيوية؛ لأن في ذلك مصلحة المنافق الدنيوية من إحراز دمه وماله، لكنه إذا عارضت المصلحة الأخروية أهملت وكانت باطلة. "د".

وأما الثالث: هو مَحَلُّ الْإِشْكَالِ وَالْغُمُوضِ، وَفِيهِ اضْطَرَبَتْ أَنْظَارُ النُّظَّارِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ قَطْعِيٍّ لِحَاقُهُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي، وَلَا تَبَيَّنَ فِيهِ لِلشَّارِعِ مَقْصِدٌ يُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَهُ، وَلَا ظَهَرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ فِيهِ؛ فَصَارَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُتَنَازَعًا فِيهِ، شَهَادَةٌ مِنَ الْمُتَنَازِعِينَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْمَصْلَحَةِ؛ فَالتَّحَيُّلُ جَائِزٌ، أَوْ مُخَالِفٌ؛ فَالتَّحَيُّلُ مَمْنُوعٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَنْ أَجَازَ التَّحَيُّلَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ قَصْدَ الشَّارِعِ، بَلْ إِنَّمَا أَجَازَهُ بِنَاءً1 عَلَى تَحَرِّي قَصْدِهِ وَأَنَّ مَسْأَلَتَهُ لَاحِقَةٌ بِقِسْمِ التَّحَيُّلِ الْجَائِزِ الَّذِي عُلِمَ قَصْدُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُصَادَمَةَ الشَّارِعِ صُرَاحًا عِلْمًا أَوْ ظَنًّا لَا تَصْدُرُ2 مِنْ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَعُلَمَاءِ الدِّينِ، نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ إِنَّمَا مَنَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ وَلِمَا وُضِعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِبَعْضِ الْأَمْثِلَةِ لِتَظْهَرَ صِحَّتُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَمِنْ ذَلِكَ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ؛ فَإِنَّهُ تَحَيُّلٌ إِلَى رُجُوعِ الزَّوْجَةِ إِلَى مُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ، بِحِيلَةٍ تُوَافِقُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [الْبَقَرَةِ: 230] ؛ فَقَدْ نَكَحَتِ الْمَرْأَةُ هَذَا الْمُحَلِّلَ؛ فَكَانَ رُجُوعُهَا إِلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ تَطْلِيقِ الثَّانِي مُوَافِقًا، وَنُصُوصُ الشَّارِعِ مُفْهِمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ، بَلْ هِيَ أَوَّلُ مَا يُتَلَقَّى مِنْهُ فَهْمُ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا، حَتَّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" 3

_ 1 في "ط" بعد "بناء" كلمة غير واضحة، وأقرب ما تكون إلى "منه". 2 في "ط": "يصدر". 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الشهادات، باب شهادة المختبئ، 5/ 249/ رقم 2639"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره، 2/ 1055-1056/ رقم 1433" وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها، ومضى تخريجه "1/ 430".

ظَاهِرٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي ذَوْقُ العسيلة، وقد صحل في المحلل، ولو كان قصد التحيل مُعْتَبَرًا فِي فَسَادِ هَذَا النِّكَاحِ لَبَيَّنَهُ عَلَيْهِ الصلاة والسلام، ولأن كونه حيلة لا يمنعه، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ حِيلَةٍ؛ كَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِلْإِكْرَاهِ، وَسَائِرِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقِسْمِ الْجَائِزِ بِاتِّفَاقٍ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَنْقُولِ؛ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ مُوَافَقَتِهِ لِقَصْدِ الشَّارِعِ1. وَكَذَلِكَ إِذَا اعْتُبِرَتْ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ؛ فَمَصْلَحَةُ هَذَا النِّكَاحِ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ قُصِدَ فِيهِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إِذْ كَانَ تَسَبُّبًا فِي التَّآلُفِ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ الْقَصْدُ إِلَى الْبَقَاءِ الْمُؤَبَّدِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّضْيِيقُ2 الَّذِي تَأْبَاهُ الشَّرِيعَةُ، وَلِأَجْلِهِ شُرِعَ الطَّلَاقُ، وَهُوَ كَنِكَاحِ النَّصَارَى، وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ النِّكَاحَ بِقَصْدِ حَلِّ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الرَّغْبَةِ فِي بَقَاءِ عِصْمَةِ الْمَنْكُوحَةِ، وَأَجَازُوا نِكَاحَ الْمُسَافِرِ فِي بَلْدَةٍ لَا قَصْدَ لَهُ إِلَّا قَضَاءُ الْوَطَرِ زَمَانَ الْإِقَامَةِ بِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَيْضًا لَا يَلْزَمُ إِذَا شُرِعَتِ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ لِمَصْلَحَةٍ أَنْ تُوجَدَ الْمُصْلِحَةُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا عَيْنًا حَسَبَمَا تَقَدَّمَ، كَمَا فِي نِكَاحِ حَلِّ الْيَمِينِ، وَالْقَائِلِ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ، عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ فِيهِمَا وَفِي نِكَاحِ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. هَذَا تَقْرِيرُ بَعْضِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الِاحْتِيَالِ هُنَا، وَأَمَّا تَقْرِيرُ

_ 1 نقل ابن القيم في "إعلام الموقعين" "3/ 250-251" عن ابن حزم وأبي ثور وبعض أصحاب أبي حنيفة؛ أن الساعي في "التحليل" مأجور غير مأزور، وذكر أن هؤلاء حملوا أحدايث التحريم على إذا ما شرط في صلب العقد أنه نكاح تحليل، ثم رد هذا وناقشه مناقشة قوية، وكذلك فعل شيخه ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" "30/ 73 وما بعدها". ورد المصنف في "الاعتصام" "1/ 471 - ط ابن عفان" نكاح المتعة بترك الصحابة له مع وجود الدواعي، وسيأتي تنبيه المصنف عليه في آخر "المقاصد". 2 في الأصل: "التضمين".

الدَّلِيلِ عَلَى الْمَنْعِ؛ فَأَظْهَرُ1، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ، وَأَقْرَبُ تَقْرِيرٍ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي "شَرْحِ الرِّسَالَةِ"؛ فَإِلَيْكَ النَّظَرُ فِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ بُيُوعِ الْآجَالِ؛ فَإِنَّ فِيهَا التَّحَيُّلَ إِلَى بَيْعِ دِرْهَمٍ نَقْدًا بِدِرْهَمَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، لَكِنْ بِعَقْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ذَرِيعَةً؛ فَالثَّانِي غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّ الشَّارِعَ إِذَا كَانَ قَدْ أَبَاحَ لَنَا الِانْتِفَاعَ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى وُجُوهٍ مَخْصُوصَةٍ؛ فَتَحَرِّي الْمُكَلَّفِ تِلْكَ الْوُجُوهَ غَيْرُ قَادِحٍ، وَإِلَّا كَانَ قَادِحًا فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ الْمَشْرُوعَةِ، وَإِذَا فُرِضَ أَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِمَقْصُودِ الْعَاقِدِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ الثَّانِي؛ فَالْأَوَّلُ إِذًا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْوَسَائِلِ، وَالْوَسَائِلُ مَقْصُودَةٌ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ، وَهَذَا مِنْهَا، فَإِنْ جَازَتِ الْوَسَائِلُ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ؛ فَلْيَجُزْ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ مُنِعَ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فَلْتُمْنَعِ الْوَسَائِلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَمْنُوعَةً إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يمنع إلا بدليل2.

_ 1 رجع المصنف هذا، وأدخل "نكاح التحليل" في "مناط التحيل" لقطعه كما سيأتي بأن قصد الشرع الأصلي من "النكاح" هو التناسل؛ فكان "نكاح التحليل" غير مشروع؛ لمنافاته لهذا المقصد الأصلي، ولا سبيل إلى التوفيق؛ فتعين أن يكون القصد في "نكاح التحليل" غير شرعي، والقصد غير الشرعي على حد تعبيره هادم للقصد الشرعي، ومن هنا كان "البطلان" الحتمي. 2 هذا النوع من التعامل مشهور هذه الأيام، ولا سيما في "البنوك الإسلامية"! وكلام المصنف السابق فيه نوع تساهل، يظهر ذلك من خلال التمعن والتأمل في كلام ابن القيم، فإنه أولى هذه المسألة أهمية كبرى، ولذا آثرت أن أنقله على الرغم مما فيه من طول؛ إلا أنه مما تشد اليد به، قال رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام الموقعين" "3/ 148": "فإن أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل؛ فأعطى سلعة بالثمن المؤجل، ثم اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما بالسلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة "يعني: ابن عباس": دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة؛ فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة ألبتة؛ لا في شرع، ولا في عقل، ولا في عرف. =

..............................................................

_ = بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال؛ فلم تذهب ولم تنقص، فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله، ويعده أشد الوعيد، ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه، مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل، وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي يترابى المترابيان على رأسه". انتهى. وهذه الحيلة التي أجازها المصنف داخلة تحت صور العينة التي يمنعها الأئمة، وإن أجازها بعضهم بناء على ظواهر العقود وتوفر شروطها وأركانها، وبناء على ما جرت به عادة المسلمين من سلامة عقودهم من التحيل والخداع والغش والتلاعب بآيات الله. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين" "3/ 397" في مسألة العينة والتورق: "ومن الحيل الباطلة المحرمة التحيل على جواز مسألة العينة، مع أنها حيلة في نفسها على الربا، وجمهور الأئمة على تحريمها". وقال ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" "3/ 188" في بيان مسألة التورق وحكمها: "إن باعها إلى غيره "البائع الأول" بيعا ثابتا ولم تعد إلى الأول بحال؛ فقد اختلف الأئمة في كراهته، ويسمونه التورق؛ لأن مقصوده الورق" انتهى. وهذه الصورة التي ذكر ابن تيمية أن السلف اختلفوا في كراهتها، قال عنها تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" "3/ 220": "وعن أحمد فيه "التورق" روايتان: الحرمة والكراهة"، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه "المتعامل بالتورق" مضطر، وهذا من فقهه رضي الله عنه؛ فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر، وكان شيخنا ابن تيمية يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارا وأنا حاضر؛ فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيع ما هو أعلى ... ودليل المنع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع"، رواه الخمسة عدا ابن ماجه، وقوله: "من باع بيعتين؛ فله أوكسهما أو الربا"، رواه أبو داود، وإن ذلك لا يمكن وقوعه إلى على العينة انتهى. قلت: الحديث الأول مضى تخريجه "1/ 469"، والثاني في "السلسلة الصحيحة" برقم "2326"؛ فلعل الذي يقول بجواز التورق وحرمة العينة للضرورة كما قال أحمد، وعلق عليه ابن =

..........................................................

_ = القيم بقوله: "وهذا من فقهه رضي الله عنه، وارتكاب أخذ الضررين، أو بناء على أصله من أن البيع الأول صحيح لوجود القبض والرضا، وعدم اشتراط رجوع المبيع إلى البائع الأول". أما مالك رحمه الله؛ فيمنع العينة بناء على عدم القبض في البيعة الأولى أو القبض الصوري الذي يتخذ وسيلة وذريعة إلى الربا، وقد سد مالك باب الذرائع سدا محكما -كما عبر ابن القيم-، وقد عقد لها بابا في "الموطأ" بعنوان: "العينة وما يشبهها"، وأبطل كل صورها؛ كما تراه في "تنوير الحوالك" "2/ 63". وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين" "3/ 294" تعليقا على الخلاف في مسألة العينة بكل صورها وبيان علله وأسبابه: "وإنما تردد من تردد من الأصحاب الحنابلة في العقد الأول في مسألة العينة؛ لأن هذه المسألة إنما ينسب الخلاف فيها إلى العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح. وعلى هذا التقدير؛ فليست من مسائل الحيل، وإنما هي من مسألة الذرائع، ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه؛ فإنهم لا يحرمون الحيل ويحرمون مسألة العينة، وهو أن الثمن إذا لم يستوفِ لم يتم العقد الأول؛ فيصير الثاني مبينا عليه، وهو تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع؛ فصار للمسألة ثلاثة مآخذ ... قال شيخنا ابن تيمية: والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أعطيت حكم الحيل، وإلا اعتبر فيها المأخذان الآخران ... ". انتهى. ويرى ابن القيم أن الحيل لا تمشي على أصول الأئمة بل تناقضها أعظم مناقضة، وبيان ذلك أن الشافعي رضي الله عنه يحرم مسألة مُدّ عجوة "نوع من التمر" ودرهم بمد ودرهم، ويبالغ في تحريمها بكل طريق خوفًا أن يتخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل؛ فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصل بها إلى ربا النسيئة أولى من تحريم مد عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمد ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخف من التحيل بالعينة على ربا النساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرم مسألة العينة، وتحريمه يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مد العجوة بأن يبيعه أحد عشر درهما بعشرة في خرقة: دراهم بدراهم بينهما حريرة كما قال ابن عباس. فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مد عجوة ويبيح العينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مد عجوة ويتوسع فيها، وأصل كل من الإمامين رضي الله عنهما في أحد البابين يستلزم =

بَلْ هُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّوَسُّلِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَصِحَّةِ قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا" 1؛ فَالْقَصْدُ بِبَيْعِ الْجَمْعِ بِالدَّرَاهِمِ التَّوَسُّلُ إِلَى حُصُولِ الْجَنِيبِ بِالْجَمْعِ2، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، وَلَا فَرْقَ فِي الْقَصْدِ بَيْنَ حُصُولِ ذَلِكَ مَعَ عَاقِدٍ وَاحِدٍ وَعَاقِدَيْنَ، إِذْ لَمْ يُفَصِّلُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ3: إِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ القول بالذرائع غير مفيد هنا؛

_ = إبطال الحيلة في الباب الآخر. وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم. انظر: "إعلام الموقعين" "3/ 241-242". وهذه المناقشة العليمة القوية تدل دلالة راجحة إن لم تكن قاطعة على تحريم المسألتين، كما تدل على ما يتحلى به ابن القيم رحمه الله من نزاهة علمية وسعة علم وقوة حجة في مناقشة هاتين المسألتين على مذهب إمامين جليلين اشتهرا بقوة العارضة والحجة البالغة والمكانة العملية المسلم بها لهما من علماء العالم الإسلامي كله تقريبا. وانظر: "الحيل الفقهية في المعاملات المالية" "ص144 وما بعدها". 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه، 4/ 399-400/ رقم/ 2201، 2202، وكتاب الوكالة، باب الوكالة في الصرف والميزان، 4/ 481/ رقم 2302، 2303"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل، 3/ 1215/ رقم 1593 بعد 95" عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. و"الجمع" -بفتح الجيم وسكون الميم-: التمر المختلط، و"الجنيب" -بجيم ونون وتحتانية وموحدة، وزن عظيم- قال مالك: "هو الكبيس"، وقال الطحاوي: "هو الطيب"، وقيل: الصلب، وقيل: الذي أخرج منه حشفه ورديئه، وقال غيرهم: هو الذي لا يخلط بغيره بخلاف الجمع، قاله ابن حجر في "الفتح" "4/ 400". 2 قلت: وقد وقعت في الأصل: "بع الجميع"، وكذا جميع الكلمات بعدها جميع، ووافقت الأصل نسخة "خ" في الموطن الأخير، وفي الأصل أيضا: "التوصل" لا "التوسل". 3 أي المانع. "د".

فَإِنَّ الذَّرَائِعَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: - مِنْهَا: مَا يُسَدُّ بِاتِّفَاقٍ؛ كَسَبِّ الْأَصْنَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مؤدٍ إِلَى سبِّ اللَّهِ تَعَالَى، وكَسَبِّ أَبَوَيِ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ مُؤَدِّيًا إِلَى سَبٍّ أَبَوَيِ السَّابِّ؛ فَإِنَّهُ عُدَّ فِي الْحَدِيثِ1 سَبًّا مِنَ السَّابِّ لِأَبَوَيْ نَفْسِهِ، وَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِمْ فِيهَا، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ الَّتِي يُعْلَمُ تَنَاوُلُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا. - وَمِنْهَا: مَا لَا يُسَدُّ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا إِذَا أَحَبَّ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِطَعَامِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ أَوْ أَدْنَى مِنْ جِنْسِهِ؛ فَيَتَحَيَّلُ بِبَيْعِ متابعه لِيَتَوَصَّلَ بِالثَّمَنِ إِلَى مَقْصُودِهِ، بَلْ كَسَائِرِ التِّجَارَاتِ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا الَّذِي أُبِيحَتْ لَهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى التَّحَيُّلِ فِي بَذْلِ دَرَاهِمَ فِي السِّلْعَةِ لِيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهَا. - وَمِنْهَا: مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَمَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ فَلَمْ نَخْرُجْ عَنْ حُكْمِهِ بَعْدُ، وَالْمُنَازَعَةُ بَاقِيَةٌ فِيهِ. وَهَذِهِ جملة ما يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ التَّحَيُّلِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَدِلَّةُ الْجِهَةِ الْأُخْرَى مُقَرَّرَةٌ وَاضِحَةٌ شَهِيرَةٌ؛ فَطَالِعْهَا فِي مَوَاضِعِهَا2، وَإِنَّمَا قُصِدَ هُنَا هَذَا التَّقْرِيرُ الْغَرِيبُ3 لِقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِهِ؛ إِذْ كُتُبُ الْحَنَفِيَّةِ كَالْمَعْدُومَةِ الْوُجُودِ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ، وَمَعَ أَنَّ اعْتِيَادَ الِاسْتِدْلَالِ لِمَذْهَبٍ وَاحِدٍ رُبَّمَا يُكْسِبُ الطَّالِبَ نُفُورًا وَإِنْكَارًا لِمَذْهَبٍ غَيْرِ مَذْهَبِهِ، مِنْ غَيْرِ إِطْلَاعٍ عَلَى مَأْخَذِهِ؛ فَيُورِثُ ذَلِكَ حَزَازَةً فِي الِاعْتِقَادِ فِي الْأَئِمَّةِ، الَّذِينَ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى فَضْلِهِمْ وتقدمهم في

_ 1 وقد تقدم "ص76". 2 في كتاب "إعلام الموقعين" "المجلد الثالث" بسط عظيم في هذا الموضع. "د". 3 لعل الأصل: "للغريب" يعني في مقابلة الشهير الذي للمانعين. "د".

الدِّينِ، وَاضْطِلَاعِهِمْ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ وَفَهْمِ أَغْرَاضِهِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا كَثِيرًا ولنكتفِ بِهَذَيْنَ الْمِثَالَيْنِ؛ فَهُمَا مِنْ أَشْهَرِ الْمَسَائِلِ فِي بَابِ الْحِيَلِ، وَيُقَاسُ عَلَى النَّظَرِ فِيهِمَا النَّظَرُ فِيمَا سِوَاهُمَا. فَصْلٌ: هَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَقَدْ مَرَّ مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُقَرَّرَةِ كَثِيرٌ، وَسَيَأْتِي مِنْهُ مَسَائِلُ أُخَرُ تَفْرِيعًا أَيْضًا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ خَاتِمَةٍ تَكُرُّ عَلَى كِتَابِ الْمَقَاصِدِ بِالْبَيَانِ، وَتُعَرِّفُ بِتَمَامِ الْمَقْصُودِ فِيهِ بِحَوْلِ اللَّهِ. فَإِنَّ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَسَائِلِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْرِفَةِ بِمَقْصُودِ الشَّارِعِ، فَبِمَاذَا يُعْرَفُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ لَهُ مِمَّا ليس بمقصود له؟ والجواب أن النظر ههنا يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ التَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ غَائِبٌ عَنَّا حَتَّى يَأْتِيَنَا مَا يُعَرِّفُنَا بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ الْكَلَامِيِّ مُجَرَّدًا1 عَنْ تَتَبُّعِ الْمَعَانِي الَّتِي يَقْتَضِيهَا الِاسْتِقْرَاءُ وَلَا تَقْتَضِيهَا الْأَلْفَاظُ بِوَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ؛ إِمَّا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّكَالِيفَ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا مَصَالِحُ الْعِبَادِ عَلَى حَالٍ، وَإِمَّا مَعَ الْقَوْلِ بِمَنْعِ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي بَعْضٍ2؛ فَوَجْهُهَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ لَنَا على التمام، أو غير معروف

_ 1 فالمعاني والحكم والأسرار والمصالح التي تؤخذ من استقراء مصادر الشريعة ما لم تدل عليها الألفاظ بوضعها اللغوي لا يعول عليها في هذا النظر، ولا تعتبر من مقاصد الشارع. "د". 2 أي: فالمصالح غير مطردة ولا ملتزمة ولا معروف سرها؛ فالنسل مثلا في النكاح ما وجه كونه مقصودا للشارع؟ وهكذا، وقوله: "ويبالغ في ذلك حتى يمنع القول بالقياس" منع القول بالقياس مبني على هذا بناء ظاهرا، سواء أجرى على عدم مراعاة المصالح رأسا أو على أنها إن وقعت في البعض فسرها غير معروف؛ لأنه لا يتأتى القياس على كلا القولين، فقوله: "ويبالغ"؛ أي: يؤكد صحة ما يقول؛ فيلزم عليه عدم القول بالقياس، ويلتزم هذا اللازم. "د".

أَلْبَتَّةَ، وَيُبَالَغُ فِي هَذَا حَتَّى يُمْنَعَ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ، وَيُؤَكِّدُهُ مَا جَاءَ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْلُ عَلَى الظَّاهِرِ مُطْلَقًا، وَهُوَ رَأْيُ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِينَ يَحْصُرُونَ مَظَانَّ الْعِلْمِ بِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ فِي الظَّوَاهِرِ وَالنُّصُوصِ، وَلَعَلَّهُ يشار إليه1 في كتاب القياس إن شال اللَّهُ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِهِ بِإِطْلَاقٍ أَخْذٌ فِي طَرَفٍ تَشْهَدُ الشَّرِيعَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ كَمَا قَالُوا. وَالثَّانِي فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ هَذَا؛ إِلَّا أَنَّهُ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: دَعْوَى أَنَّ مَقْصِدَ الشَّارِعِ لَيْسَ فِي هَذِهِ الظَّوَاهِرِ وَلَا مَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَمْرٌ آخَرُ وَرَاءَهُ، وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ؛ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي ظَاهِرِهَا مُتَمَسَّكٌ يُمْكِنُ أَنْ يُلْتَمَسَ مِنْهُ مَعْرِفَةُ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَهَذَا رَأْيُ كُلِّ قَاصِدٍ لِإِبْطَالِ الشَّرِيعَةِ، وَهُمُ الْبَاطِنِيَّةُ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا بِالْإِمَامِ الْمَعْصُومِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْقَدْحِ فِي النُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ لِكَيْ يُفْتَقَرَ إِلَيْهِ عَلَى زَعْمِهِمْ، وَمَآلُ هَذَا الرَّأْيِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ؛ فَلْنَنْزِلْ عَنْهُ إِلَى قِسْمٍ آخَرَ يُقَرِّبُ مِنْ مُوَازَنَةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ: الضَّرْبُ الثَّانِي: بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ الِالْتِفَاتُ إِلَى مَعَانِي الْأَلْفَاظِ2، بِحَيْثُ لَا تُعْتَبَرُ الظَّوَاهِرُ وَالنُّصُوصُ إِلَّا بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ خَالَفَ النَّصُّ الْمَعْنَى النَّظَرِيَّ اطُّرِحْ وَقُدِّمَ الْمَعْنَى النَّظَرِيُّ، وَهُوَ إِمَّا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَوْ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ مَعَ تَحْكِيمِ الْمَعْنَى جِدًّا حَتَّى تَكُونَ الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ تَابِعَةً لِلْمَعَانِي النَّظَرِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيُ "المتعمقين

_ 1 في الأصل: "عليه". 2 لعل الأصل: "إلى المعاني النظرية" ليتسق الكلام مع ما يليه, وليكون هذا مقابلا للنظر الأول، أما على هذه النسخة؛ فإنه لا يوافق ما بعده، ولا يكون مقابلا للأول. "د".

فِي الْقِيَاسِ"، الْمُقَدِّمِينَ لَهُ عَلَى النُّصُوصِ، وَهَذَا فِي طَرَفٍ آخَرَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ بِاعْتِبَارِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ فِيهِ الْمَعْنَى بِالنَّصِّ، وَلَا بِالْعَكْسِ؛ لِتَجْرِيَ الشَّرِيعَةُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَنَاقُضَ1، وَهُوَ الَّذِي أَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ؛ فَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي الضَّابِطِ الَّذِي بِهِ يُعَرِّفُ مَقْصِدَ الشَّارِعِ؛ فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّهُ يُعْرَفُ مِنْ جِهَاتٍ: إِحْدَاهَا: مُجَرَّدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الِابْتِدَائِيِّ التَّصْرِيحِيِّ، فَإِنَّ الْأَمْرَ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَمْرًا لِاقْتِضَائِهِ الْفِعْلَ؛ فَوُقُوعُ الْفِعْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَمْرِ بِهِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ مُقْتَضٍ لِنَفْيِ الْفِعْلِ أَوِ الْكَفِّ عَنْهُ؛ فَعَدَمُ وُقُوعِهِ مَقْصُودٌ لَهُ، وَإِيقَاعُهُ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهِ، كَمَا أَنَّ عَدَمَ إِيقَاعِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهِ؛ فَهَذَا وَجْهٌ ظَاهِرٌ عَامٌّ لِمَنِ اعْتَبَرَ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عِلَّةٍ، وَلِمَنِ اعْتَبَرَ الْعِلَلَ وَالْمَصَالِحَ، وَهُوَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالِابْتِدَائِيِّ تَحَرُّزًا مِنَ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ الَّذِي قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ2؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الْجُمْعَةِ: 9] ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ لَيْسَ نَهْيًا مُبْتَدَأً، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالسَّعْيِ؛ فَهُوَ مِنَ النَّهْيِ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي، فَالْبَيْعُ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، كَمَا نهي عن الربى والزنى مَثَلًا، بَلْ لِأَجْلِ تَعْطِيلِ السَّعْيِ عِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِهِ، وَمَا شَأْنُهُ هَذَا؛ فَفِي فَهْمِ قَصْدِ الشَّارِعِ مِنْ مُجَرَّدِهِ نَظَرٌ وَاخْتِلَافٌ، مَنْشَؤُهُ3 مِنْ أصل المسألة المترجمة "بالصلاة في

_ 1 في نسخة "ماء/ ص246" زيادة بعدها: "وهو أولى الحمل بالوجهين؛ أي: عليهما". 2 انظر حول هذا المعنى: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "29/ 290-292". 3 فأصل البيع مباح، ولكنه اقترن به وصف باعتبار الزمان، وهو أنه يكون معطلا عن السعي إلى الجمعة الذي هو واجب، وهو وصف منفك فيأتي فيه الخلاف. "د".

الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ". وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالتَّصْرِيحِيِّ تَحَرُّزًا مِنَ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ الضِّمْنِىِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُصَرَّحٍ بِهِ؛ كَالنَّهْيِ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ1، وَالْأَمْرُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ عَنِ الشيء، فإن النهي والأمر ههنا إِنْ قِيلَ بِهِمَا؛ فَهُمَا بِالْقَصْدِ الثَّانِي لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ؛ إِذْ مَجْرَاهُمَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِمَا مَجْرَى التَّأْكِيدِ لِلْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ الْمُصَرَّحِ بِهِ، فَأَمَّا إِنْ قِيلَ بِالنَّفْيِ2؛ فَالْأَمْرُ أَوْضَحُ فِي عَدَمِ الْقَصْدِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِمَا لَا يَتِمُّ الْمَأْمُورُ3 إِلَّا بِهِ الْمَذْكُورُ فِي مَسْأَلَةِ "مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ"؛ فَدَلَالَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي هَذَا عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ مُتَنَازَعٌ فِيهِ؛ فَلَيْسَ دَاخِلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قيد الأمر والنهي بالتصريحي. الثانية: اعْتِبَارُ عِلَلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلِمَاذَا أُمِرَ بِهَذَا الْفِعْلِ؟ وَلِمَاذَا نُهِيَ عَنْ هَذَا الْآخَرِ؟ وَالْعِلَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً اتُّبِعَتْ؛ فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنَ الْقَصْدِ أَوْ عَدَمِهِ؛ كَالنِّكَاحِ لِمَصْلَحَةِ التَّنَاسُلِ، وَالْبَيْعِ لِمَصْلَحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْحُدُودِ لِمَصْلَحَةِ الِازْدِجَارِ، وَتُعْرَفُ الْعِلَّةُ هُنَا بِمَسَالِكِهَا الْمَعْلُومَةِ4 فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، فَإِذَا تَعَيَّنَتْ؛ عُلِمَ أن

_ 1 بعدها زيادة في الأصل: "والأمر الذي تضمنه الأمر". 2 كما هو رأي الإمام الغزالي، وهو المختار، يقولون: ليس الأمر بالشيء هو النهي عن ضده ولا يتضمنه عقلا، والأول رأي القاضي ومن تابعه. "د". قلت: انظر في المسألة: "المحصول" "2/ 199"، و"المنهاج" "1/ 76-80- بشرحي ابن السبكي والإسنوي". 3 في "ط": "المأمور به إلا به". 4 بعد أن عد الرازي في "المحصول" "5/ 137" المسالك المشهورة منها، وهي النص، والإجماع، والمناسبة، والدوران، والسبر، والتقسيم، والشبه، والطرد، وتنقيح المناط؛ قال: "وأمور أخرى اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة، لا ينبغي تفصيل حكم الله بمجرد الاستناد إليه كالطرد الذي هو مقارنة الحكم للوصف من غير مناسبة؛ إذ المقارنة لا تدل على العلية؛ فإن الحد مع المحدود، والأبوة مع البنوة، والجوهر مع العرض قد حصلت بينها المقارنة مع عدم العلية". "خ". وفي "ط": "العلة ههنا ... ". انظر مسالك العلة في: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "20/ 168-184"، و"الرد على المنطقيين" "210"، و"شفاء الغليل" و"أساس القياس" "ص31-32، 37، 61، 74"، كلاهما للغزالي، و"نبراس العقول: "ص209-387"، و"مباحث العلة في القياس عند الأصوليين" "ص369 وما بعدها".

مَقْصُودَ الشَّارِعِ مَا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الْعِلَلُ مِنَ الْفِعْلِ أَوْ عَدَمِهِ، وَمِنَ التَّسَبُّبِ أَوْ عَدَمِهِ1، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ الْقَطْعِ عَلَى الشَّارِعِ أَنَّهُ قَصَدَ كذا أو كذا2؛ إِلَّا أَنَّ التَّوَقُّفَ هُنَا لَهُ وَجْهَانِ مِنَ النَّظَرِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ أَوِ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِلَّةِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَضَلَالٌ عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ، وَلَا يَصِحُّ3 الْحُكْمُ عَلَى زَيْدٍ بِمَا وُضِعَ حُكْمًا عَلَى عَمْرٍو، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِعَ قَصَدَ الْحُكْمَ بِهِ عَلَى زَيْدٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّا إِذَا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا عَلَيْهِ، فَنَكُونَ قَدْ أَقْدَمْنَا عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّارِعِ؛ فَالتَّوَقُّفُ هُنَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَوْضُوعَةِ شَرْعًا أَنْ لَا يُتَعَدَّى بِهَا مَحَالُّهَا حَتَّى يُعْرَفَ قَصْدُ الشَّارِعِ لِذَلِكَ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّ عَدَمَ نَصْبِهِ دَلِيلًا عَلَى التَّعَدِّي دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَدِّي إذ لوكان عِنْدَ الشَّارِعِ مُتَعَدِّيًا لَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَوَضَعَ لَهُ مَسْلَكًا، وَمَسَالِكُ الْعِلَّةِ مَعْرُوفَةٌ، وَقَدْ خُبِرَ4 بِهَا مَحَلُّ الْحُكْمِ؛ فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ عِلَّةٌ

_ 1 أي: في الأحكام الوضعية، وما قبله في الأحكام التكليفية؛ كما يرشد إليه تمثيله للقسمين وما يأتي بعد أيضا. "د". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "وكذا". 3 في الأصل ونسخة "ماء/ ص248" و"ط": "فلا يصح". 4 في الأصل: "جبر".

يَشْهَدُ لَهَا مَسْلَكٌ مِنَ الْمَسَالِكِ؛ فَصَحَّ أَنَّ التَّعَدِّيَ لِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ. فهذان المسلكان كِلَاهُمَا مُتَّجِهٌ فِي الْمَوْضِعِ1؛ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ بِأَنَّ التَّعَدِّيَ الْمَفْرُوضَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَيَقْتَضِي هَذَا إِمْكَانَ أَنَّهُ مُرَادٌ؛ فَيَبْقَى النَّاظِرُ بَاحِثًا حَتَّى يَجِدَ مَخْلَصًا؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مَقْصُودًا لَهُ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي جَزْمَ الْقَضِيَّةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ فَيَنْبَنِي عَلَيْهِ2 نَفْيُ التَّعَدِّي مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَيُحْكَمُ بِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لَهُ، إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَإِنْ أَتَى مَا يُوَضِّحُ خِلَافَ الْمُعْتَقَدِ رُجِعَ إِلَيْهِ، كَالْمُجْتَهِدِ يَجْزِمُ الْقَضِيَّةَ فِي الْحُكْمِ ثُمَّ يَطَّلِعُ بَعْدُ عَلَى دَلِيلٍ يَنْسَخُ حزمه3 إِلَى خِلَافِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهُمَا مَسْلَكَانِ مُتَعَارِضَانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ، وَالْآخَرَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَهُمَا فِي النَّظَرِ سَوَاءٌ4، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَافَعَا أَحْكَامَهُمَا؛ فَلَا يَبْقَى إِلَّا التَّوَقُّفُ وَحْدَهُ؛ فَكَيْفَ يَتَّجِهَانِ مَعًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا قَدْ يَتَعَارَضَانِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ؛ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ لِأَنَّهُمَا كَدَلِيلَيْنِ لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَيَتَفَرَّعَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، وَقَدْ لَا يَتَعَارَضَانِ بِحَسَبِ مُجْتَهِدَيْنَ أَوْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتَيْنِ أَوْ مَسْأَلَتَيْنِ؛ فَيَقْوَى عِنْدَهُ مَسْلَكُ التَّوَقُّفِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَمَسْلَكُ النَّفْيِ فِي مسألة أخرى؛ فلا تعارض على الإطلاق.

_ 1 في نسخة "ماء/ ص248": "الوضع" من غير ميم. 2 في الأصل و"خ" و"ط": "على". 3 في الأصل و"ط": "جزمه". 4 أي: وحينئذ؛ فلا يبنى عليهما حكم، ولا يكون لها ثمرة؛ لأنهما متعارضان مع التساوي، فلا يتأتى ترجيح؛ فيسقطان؛ فكيف يتأتى الانتفاع بهما والعمل بمقتضاهما؟ "د".

وَأَيْضًا؛ فَقَدْ عَلِمْنَا مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَأَنَّهُ غَلَّبَ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ جِهَةَ التَّعَبُّدِ، وَفِي بَابِ الْعَادَاتِ جِهَةَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَالْعَكْسُ فِي الْبَابَيْنِ قَلِيلٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ مَالِكٌ فِي إِزَالَةِ الْأَنْجَاسِ وَرَفْعِ الْأَحْدَاثِ إِلَى مُجَرَّدِ النَّظَافَةِ حَتَّى اشْتَرَطَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ، وَفِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ النِّيَّةَ وَإِنْ حَصَلَتِ النَّظَافَةُ دُونَ ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ إِقَامَةِ غَيْرِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْلِيمِ مَقَامَهُمَا، وَمَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ فِي الْكَفَّارَاتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى عَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ مَا مَاثَلَهُ، وَغَلَّبَ فِي بَابِ الْعَادَاتِ الْمَعْنَى؛ فَقَالَ فِيهَا بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَالَ فِيهِ: "إِنَّهُ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ"1 إِلَى مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ2 الْكَلَامُ فِي هَذَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَمَسْلَكُ النَّفْيِ مُتَمَكِّنٌ فِي الْعِبَادَاتِ، وَمَسْلَكُ التَّوَقُّفِ مُتَمَكِّنٌ فِي الْعَادَاتِ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تُرَاعَى الْمَعَانِي فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَجْرِي الْبَاقِي عَلَيْهِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ "الْحَنَفِيَّةِ"، وَالتَّعَبُّدَاتُ فِي بَابِ الْعَادَاتِ3، وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ شيء فيجري الباقي عليه، وهي طريق الظاهرية، ولكن العمدة ما

_ 1 رواه أصبغ عن ابن القاسم عن مالك، وعلق عليه المصنف في "الاعتصام" "2/ 138" بقوله: "وهذا الكلام لا يمكن أن يكون بالمعنى الذي تقدم قبل، وأنه ما يستحسنه المجتهد بعقله، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه؛ فإن مثل هذا لا يكون تسعة أعشار العلم، ولا أغلب من القياس الذي هو أحد الأدلة". 2 في المسألة الثامنة عشرة: "الأصل في العبادات التعبد، وفي العادات الالفتات إلى المعاني". "د". قلت: والعبارة في الأصل: "مر من الكلام" بزيادة "من". 3 ما ذكره المصنف هنا تعميق وتأصيل لما عند شيخه المقري في "القواعد" "قاعدة 73، 74، 296"، والفروع المنقولة آنفا في الطهارة والزكاة وقيم الزكاة ليس مما انفرد به مالك، بل هو مذهب جماهير الفقهاء.

تَقَدَّمَ، وَقَاعِدَةُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وَالِاسْتِصْحَابِ رَاجِعَةٌ إِلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَالْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ لِلشَّارِعِ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ الْعَادِيَّةِ وَالْعِبَادِيَّةِ مَقَاصِدَ أَصْلِيَّةً وَمَقَاصِدَ تَابِعَةً. مِثَالُ ذَلِكَ النِّكَاحُ؛ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّنَاسُلِ على المقصد الْأَوَّلِ، وَيَلِيهِ طَلَبُ السَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ؛ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَلَالِ، وَالنَّظَرِ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْمَحَاسِنِ فِي النِّسَاءِ، وَالتَّجَمُّلِ بِمَالِ الْمَرْأَةِ، أَوْ قِيَامِهَا عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ إِخْوَتِهِ، وَالتَّحَفُّظُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ مِنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ وَنَظَرِ الْعَيْنِ، وَالِازْدِيَادُ مِنَ الشُّكْرِ بِمَزِيدِ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ1 عَلَى الْعَبْدِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ هَذَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ؛ فَمِنْهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ أَوْ مُشَارٌ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا عُلِمَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَمَسْلَكٍ اسْتُقْرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْصُوصِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ التَّوَابِعِ هُوَ مثبت للمقصد الأصلي، ومقو لحكمته، ومستدع لطبه وَإِدَامَتِهِ، وَمُسْتَجْلِبٌ لِتَوَالِي التَّرَاحُمِ وَالتَّوَاصُلِ وَالتَّعَاطُفِ، الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَقْصِدُ الشَّارِعِ الْأَصْلِيُّ مِنَ التَّنَاسُلِ؛ فَاسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ2 عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِمَّا شَأْنُهُ ذَلِكَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ أَيْضًا، كَمَا رُوِيَ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي نِكَاحِ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ طَلَبًا لِشَرَفِ النَّسَبِ، وَمُوَاصَلَةِ أَرْفَعِ الْبُيُوتَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ النِّكَاحَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ سَائِغٌ، وَأَنَّ قَصْدَ التَّسَبُّبِ لَهُ حَسَنٌ. وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ نَوَاقِضَ هَذِهِ الْأُمُورِ مُضَادَّةٌ لِمَقَاصِدِ الشَّارِعِ بإطلاق،

_ 1 في "ط": "بمزيد نعم الله ... ". 2 وهو مسلك المناسبة التي تتلقاها العقول السليمة بالتسليم، ويبقى النظر في عد هذا جهة ثالثة مستقلة عن الجهة الثانية التي قال فيها: وتعرف المناسبة هنا بمسالك العلة المعلومة"، ومعلوم أن منها المناسبة، فإذا كان هذا من المناسبة كما قلنا؛ احتيج إلى بيان سبب جعل هذا جهة ثالثة. "د".

مِنْ حَيْثُ كَانَ مَآلُهَا إِلَى ضِدِّ الْمُوَاصَلَةِ وَالسَّكَنِ وَالْمُوَافَقَةِ، كَمَا إِذَا نَكَحَهَا لِيُحِلَّهَا1 لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِمَنْعِهِ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الْمُوَاصَلَةِ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّارِعُ مُسْتَدَامَةً إِلَى انْقِطَاعِ الْحَيَاةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ؛ إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُقَاطَعَةَ بِالطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَكُلُّ نِكَاحٍ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، وَهُوَ أَشَدُّ فِي ظُهُورِ مُحَافَظَةِ الشَّارِعِ2 عَلَى دَوَامِ الْمُوَاصَلَةِ، حَيْثُ نَهَى عَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ. وَهَكَذَا الْعِبَادَاتُ؛ فَإِنَّ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ فِيهَا التَّوَجُّهُ إِلَى الْوَاحِدِ الْمَعْبُودِ وَإِفْرَادُهُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ قَصْدُ التَّعَبُّدِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ لِيَكُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّوَابِعَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ وَبَاعِثَةٌ عَلَيْهِ، وَمُقْتَضِيَةٌ لِلدَّوَامِ فِيهِ سِرًّا وَجَهْرًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ إِلَى التَّابِعِ لَا يَقْتَضِي دَوَامَ الْمَتْبُوعِ وَلَا تَأْكِيدَهُ؛ كَالتَّعَبُّدِ بِقَصْدِ حِفْظِ الْمَالِ وَالدَّمِ، أَوْ لِيَنَالَ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ أَوْ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ؛ كَفِعْلِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّ الْقَصْدَ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ بِمُؤَكَّدٍ وَلَا بَاعِثٍ عَلَى الدَّوَامِ، بَلْ هُوَ مقوٍ لِلتَّرْكِ وَمُكَسِّلٌ عَنِ الْفِعْلِ، وَلِذَلِكَ لَا يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ إلى رَيْثَمَا يَتَرَصَّدُ بِهِ مَطْلُوبَهُ، فَإِنْ بَعُدَ عَلَيْهِ تَرَكَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف} الآية [الحج: 11] . فَمِثْلُ هَذَا الْمَقْصِدِ مُضَادٌّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ إِذَا قصد العمل لأجله، وإن كان

_ 1 في الأصل: "ليحللها". 2 لعل الأصل: "في مضادة قصد الشارع"؛ أي: أن نكاح المتعة الذي تعين له مدة مخصوصة أشد من سائر ما ذكر من التحليل وغيره في مضادة المواصلة التي يحافظ عليها الشارع؛ لأن التحليل لم يدخلا فيه على مدة، وقد لا يفارقها، نعم، إن المعنيين متلازمان، فمتى كان نكاح المتعة أشد مضارة لقصد الشارع لورود النهي عنه؛ كان أظهر دلالة على أن مقصد الشارع دوام المواصلة. "د".

مُقْتَضَاهُ حَاصِلًا بِالتَّبَعِيَّةِ1 مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ؛ فَإِنَّ النَّاكِحَ عَلَى الْمَقْصِدِ الْمُؤَكِّدِ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ2 الْفِرَاقُ؛ فَيَسْتَوِي مَعَ النَّاكِحِ لِلْمُتْعَةِ وَالتَّحْلِيلِ، وَالْمُتَعَبِّدِ لِلَّهِ عَلَى الْقَصْدِ الْمُؤَكِّدِ يَحْصُلُ لَهُ حِفْظُ الدَّمِ وَالْمَالِ وَنَيْلُ الْمَرَاتِبِ وَالتَّعْظِيمُ، فَيَسْتَوِي مَعَ الْمُتَعَبِّدِ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَاصِدَ التَّابِعِ الْمُؤَكِّدِ حَرٍ بِالدَّوَامِ، وَقَاصِدُ التَّابِعِ غَيْرُ الْمُؤَكِّدِ حَرٍ بِالِانْقِطَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمُضَادَّةُ هَلْ تعتبر من حيث تقتضي المخالفة عَيْنًا، أَمْ يُكْتَفَى فِيهَا بِكَوْنِهَا لَا تَقْتَضِي الْمُوَافَقَةَ؟ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ يَقْتَضِي الْمُقَاطَعَةَ عَيْنًا؛ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِقَصْدِ الشَّارِعِ عَيْنِيَّةٌ، وَنِكَاحُ الْقَاصِدِ لِمُضَارَّةِ الزَّوْجَةِ أَوْ لِأَخْذِ مَالِهَا أَوْ لِيُوقِعَ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذلك مما لَا يَقْتَضِي مُوَاصَلَةً وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَيْنَ الْمُقَاطَعَةِ؛ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِ النِّكَاحِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ عَيْنًا؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَصْدِ مُضَارَّةِ الزَّوْجَةِ وُقُوعُهَا، وَلَا مِنْ وُقُوعِ الْمُضَارَّةِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ لِجَوَازِ الصُّلْحِ، أَوِ الْحُكْمِ عَلَى الزَّوْجِ، أَوْ زَوَالِ ذَلِكَ الْخَاطِرِ السَّبَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا؛ فَلَيْسَ اقْتِضَاؤُهُ عَيْنِيًّا. فَالْجَوَابُ أَنَّ اقْتِضَاءَ الْمُخَالَفَةِ الْعَيْنِيَّةِ لَا شَكَّ فِي امْتِنَاعِهَا وَبُطْلَانِ مُقْتَضَاهَا مُطْلَقًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مَعًا؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُتَعَبَّدَ لِلَّهِ بِمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْمَقَاصِدِ وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مَشْرُوعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُتَزَوَّجَ بِذَلِكَ الْقَصْدِ، وَأَمَّا مَا لَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ عَيْنًا كَالنِّكَاحِ بِقَصْدِ الْمُضَارَّةِ، وَكَنِكَاحِ التَّحْلِيلِ عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُهُ؛ فَإِنَّ هُنَا وَجْهَيْنِ مِنَ النَّظَرِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَافِقٍ؛ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ عَيْنُ الْمُخَالَفَةِ، فَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ

_ 1 أي: قد يحصل بالتبعية. "د". 2 في الأصل ونسخة "ماء/ ص250": "به"، وفي "ط": "فيه".

عَدَمِ الْمُوَافَقَةِ مَنَعَ، وَمَنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ جَانِبُ عَدَمِ تَعَيُّنِ1 الْمُخَالَفَةِ لَمْ يَمْنَعْ وَيَظْهَرُ هَذَا فِي مِثَالِ نِكَاحِ الْمُضَارَّةِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ بِالنِّكَاحِ الْجَائِزِ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْمَمْنُوعِ؛ فَالنِّكَاحُ مُنْفَرِدٌ بِالْحُكْمِ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ فِي الْبَقَاءِ أَوِ الْفُرْقَةِ مُمْكِنٌ، إِلَّا أَنَّ الْمُضَارَّةَ مَظِنَّةٌ لِلتَّفَرُّقِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الْمِقْدَارَ مَنَعَ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ أَجَازَ. فَصْلٌ: وَهَذَا الْبَحْثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلشَّارِعِ مَقَاصِدَ تَابِعَةً فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مَعًا، أَمَّا فِي الْعَادَاتِ؛ فَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ مَرَّ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ، وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ [ذَلِكَ] فِيهَا. فَالصَّلَاةُ مَثَلًا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِخْلَاصِ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَالِانْتِصَابُ عَلَى قَدَمِ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَذْكِيرُ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] . وَقَالَ: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ 2 أَكْبَرُ} [الْعَنْكَبُوتِ: 45] . وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ" 3. ثُمَّ إِنَّ لَهَا مَقَاصِدَ تَابِعَةً؛ كَالنَّهْيِ عن الفحشاء والمنكر، والاستراحة إليها

_ 1 في "ط": "عدم التعين في ... ". 2 هذا هو المقصود هنا للدلالة على أصل المشروعية، بدليل جعله النهي عن الفحشاء من التوابع. "د". 3 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب المصلي يناجي ربه عز وجل، 2/ 14/ رقم 531" عن أنس مرفوعا: "إن أحدكم إذا صلى ينادي ربه؛ فلا يتفلن عن يمينه، ولكن تحت قدمه اليسرى".

مِنْ أَنْكَادِ الدُّنْيَا فِي الْخَبَرِ: "أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ" 1، وَفِي الصَّحِيحِ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ" 2، وَطَلَبِ الرِّزْقِ بِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132] . وَفِي الْحَدِيثِ3 تَفْسِيرُ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْجَاحِ الْحَاجَاتِ؛ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ4 وَصَلَاةِ الْحَاجَةِ، وَطَلَبِ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النار، وهي الفائدة العامة الخالصة، وَكَوْنِ الْمُصَلِّي فِي خِفَارَةِ اللَّهِ، فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ لَمْ يَزَلْ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ" 5، وَنَيْلِ أَشْرَفِ الْمَنَازِلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الْإِسْرَاءِ: 79] ؛ فَأُعْطِيَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ. وَفِي الصِّيَامِ سَدُّ مَسَالِكِ الشَّيْطَانِ، وَالدُّخُولُ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى التحصين فِي الْعُزْبَةِ فِي الْحَدِيثِ: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ؛ فَلْيَتَزَوَّجْ"، ثُمَّ قَالَ: "وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وجاء" 6.

_ 1 مضى تخريجه "2/ 240"، وهو صحيح. 2 قطعة من حديث أوله: "حبب إلي ... " مضى تخريجه "2/ 240"، وهو صحيح. 3 سيأتي قريبا "ص146"، ومضى أيضا "1/ 333"، وهو ضعيف. 4 لم يكن السلف الصالح يعملون بغير هذه الاستخارة المأثورة في الحديث الصحيح؛ حتى قامت طائفة ممن ألصقوا بجوهر الشريعة بدعًا سيئة؛ فوضعوا الاستخارة المنامية، ثم الاستخارة بالمصحف والسبحة ونحوها، وتفننوا في أوصافها، وذلك كله من المحدثات المكروهة، ولا ينبغي لعاقل أن يعتمد عليها في فعل شيء أو تركه، وقد نص على المنع من الاستفتاح بالمصحف أبو بكر الطرطوشي وأبو بكر بن العربي وعداه من قبيل الأزلام التي هي رجس من عمل الشيطان. "خ". 5 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلة العشاء والصبح في جماعة، 1/ 454/ رقم 657" عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه. 6 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة، 4/ 119/ رقم 1905 - والمذكور لفظه- وكتاب النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من استطاع الباءة؛ فليتزوج"، 9/ 106/ رقم 5065، وباب من لم يستطع الباءة فليصم، 9/ 112/ رقم 5066"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة، 2/ 1018/ رقم 1400" عن ابن مسعود رضي الله عنه.

وَقَالَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ" 1. وَقَالَ: "وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ" 2. وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ فِيهَا فَوَائِدُ أُخْرَوِيَّةٌ وَهِيَ الْعَامَّةُ، وَفَوَائِدُ دُنْيَوِيَّةٌ، وَهِيَ كُلُّهَا تَابِعَةٌ3 لِلْفَائِدَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَهِيَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبَعْدَ هَذَا يَتْبَعُ الْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ فَوَائِدِهَا وَسِوَاهَا، وَهِيَ تَابِعَةٌ؛ فَيُنْظَرُ فِيهَا بِحَسَبِ التَّقْسِيمِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَالْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُؤَكِّدُ كَطَلَبِ الْأَجْرِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ، وَضِدُّهُ كَطَلَبِ الْمَالِ وَالْجَاهِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يَتَأَكَّدُ بِهِ الْمَقْصِدُ الْأَصْلِيُّ، بَلْ هُوَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، والثالث كطلب قطع الشهوة بالصيام، وسائر

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب فضل الصوم، 4/ 103/ رقم 1894، وباب هل يقول إني صائم إذا شُتم، 4/ 118/ رقم 1904"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب فضل الصيام، 2/ 806" عن أبي هريرة رضي الله عنه. 2 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، 4/ 111/ رقم 1896"، مسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب فضل الصيام، 2/ 808/ رقم 1152" من حديث سهل بن سعد مرفوعا: "إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم؛ أغلق فلم يدخل منه أحد". وأخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا ... "، رقم 3666"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر، رقم 1027" من حديث أبي هريرة بلفظ: "من أنفق زوجين في سبيل الله ... "، وفيه: "ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان". 3 في "ط": "كلها توابع".

مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَقَاصِدِ التَّابِعَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحُظُوظِ، وَيَنْبَغِي تَحْقِيقُ النَّظَرِ فِيهَا، وَفِي الثَّانِي الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ التَّأَكُّدِ، وَمَا يَقْتَضِي مِنْ ذَلِكَ ضِدَّ التَّأَكُّدِ عَيْنًا، وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ عَيْنًا. وَأَيْضًا؛ فَهُنَا نَظَرٌ آخَرُ يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ مِنْ حَيْثُ يُطْلَبُ بِهَا الْمَوَاهِبُ الَّتِي هِيَ نَتَائِجُ مَوْهُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ الْمُطِيعِ وَحِلًى يُحَلِّيهِ بِهَا، وَأَوَّلُ ذَلِكَ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى إِذَا قُصِدَ بَاعِثًا عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي أَصْلُ الْقَصْدِ بِهِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ وَالتَّوَاضُعُ لِعَظَمَتِهِ؛ كَانَ التَّعَبُّدُ لِلَّهِ مِنْ جِهَتِهِ صَحِيحًا، لَا دَخَلَ فِيهِ وَلَا شَوْبَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الرُّجُوعُ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ ذَلِكَ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ، وَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِمَّا عَدَّهُ بَعْضُهُمْ طَلَبًا لِلْإِجَارَةِ وَصَاحِبُهُ عَبْدُ سُوءٍ؛ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ الطَّرَفُ الْآخَرُ الْعَامِلُ لِأَجْلِ أَنْ يُحْمَدَ أَوْ يُعَظَّمَ أَوْ يُعْطَى؛ فَهَذَا عَامِلٌ1 عَلَى الرِّيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ عَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ أَصَالَةٍ؛ إِذْ لَا إِخْلَاصَ فِيهِ فَهُوَ عَبَثٌ، وَإِنْ فُرِضَ خَالِصًا لِلَّهِ لَكِنْ قُصِدَ بِهِ حُصُولُ هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ فَلَيْسَ هَذَا الْقَصْدُ بمقوٍ لِلْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، بَلْ هُوَ مُقَوٍّ لِتَرْكِ الْإِخْلَاصِ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا إِلَى الْعَطَاءِ؛ فَيَسْأَلُ مِنَ اللَّهِ الْعَطَاءَ، وَيَسْأَلُ لَهُ لِأَجْلِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الضَّرَّاءِ بِسَبَبِ الْمَنْعِ وَفَقْدِ الْأَسْبَابِ، وَيَكُونُ عَمَلُهُ بِمُقْتَضَى مَحْضِ الْإِخْلَاصِ لَا لِيَرَاهُ النَّاسُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ عَمَلٌ مقتضٍ لِمَا شُرِعَ لَهُ التَّعَبُّدُ2 ومقوٍ لَهُ، وَأَصْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .

_ 1 من الخصوع لله والانتصاب على قدم الذلة بين يديه. "د". 2 في الأصل: "الحامل".

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ "كَانَ إِذَا اضْطَرَّ أَهْلُهُ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرِزْقِهِ؛ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ"1 لِأَجْلِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَهَذِهِ صَلَاةٌ لِلَّهِ يُسْتَمْنَحُ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ. وَعَلَى هَذَا الْمَهِيعِ جَرَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ2 وشيخه فيمن أظهر علمه لِتَثْبُتَ عَدَالَتُهُ، وَتَصِحَّ إِمَامَتُهُ، وَلِيُقْتَدَى بِهِ إِذَا كَانَ مَأْمُورًا شَرْعًا بِذَلِكَ لِتَوَفُّرِ شُرُوطِهِ فِيهِ وَعَدَمِ مَنْ يَقُومُ ذَلِكَ3 الْمَقَامَ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَتِلْكَ الْعِبَادَةُ الظَّاهِرَةُ لَا تَقْدَحُ فِي أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ مَنْ يَقْصِدُ4 [نَفْسَ] ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ عِنْدَ النَّاسِ أَوِ الْإِمَامَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مَخُوفٌ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْعَمَلُ الْمُدَاوَمَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا فِي طَلَبِ الْجَاهِ وَالتَّعْظِيمِ مِنَ الْخَلْقِ بِالْعِبَادَةِ. وَمِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ هُنَا الِانْقِطَاعُ إِلَى الْعَمَلِ لِنَيْلِ دَرَجَةِ الْوِلَايَةِ أَوِ الْعِلْمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَجْرِي فِيهِ الْأَمْرَانِ5، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الْفُرْقَانِ: 74] . وَحَدِيثُ النَّخْلَةِ حِينَ قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: "لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إلي من كذا وكذا"6.

_ 1 الحديث ضعيف، ومضى تخريجه "1/ 333". 2 في "أحكام القرآن" "1/ 118، 136 و2/ 511" وغيره. 3 في الأصل و"ط": "تلك". 4 أي: ولم يكن مأمورا شرعا بذلك، بحيث فقد شرطا من الشروط السالفة. "د". 5 وهما قصد أن يحمد أو يعظم أو يعطى، والقصد الذي قبله الذي لا مانع منه، وقوله: "ودليل الجواز"؛ أي: جواز أحد القصدين وهو السابق، أما الثاني؛ فلا يختلف في منعه. "د". 6 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العلم، باب الحياء من العلم، 1/ 229/ رقم 131، وكتاب الأدب، باب ما لا يستحي من الحق للتفقه في الدين، 10/ 523-524/ رقم 6122"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صفات المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة، 4/ 2164-2165/ رقم 2811"، وأحمد في "المسند" "2/ 31، 61، 115" عن ابن عمر رضي الله عنهما.

وانظر في مسألة "العتبية"1 فأرى أَنَّ اخْتِلَافَ مَالِكٍ وَشَيْخِهِ فِيهَا إِنَّمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. وَمِمَّا يُشْكِلُ مِنْ هَذَا النَّمَطِ التَّعَبُّدُ بِقَصْدِ تَجْرِيدِ النَّفْسِ بِالْعَمَلِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَالَمِ الْأَرْوَاحِ، وَرُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَنَيْلِ الْكَرَامَاتِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى غَرَائِبِ الْعُلُومِ وَالْعَوَالِمِ الرُّوحَانِيَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ قَصْدَ مِثْلِ هَذَا بِالتَّعَبُّدِ جَائِزٌ وَسَائِغٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ إِلَى طَلَبِ نَيْلِ دَرَجَةِ الْوِلَايَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ خَوَاصِّ اللَّهِ وَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الطَّلَبِ مَقْصُودٌ فِي الشَّرْعِ التَّرَقِّي إِلَيْهِ، وَدَلِيلُ الْجَوَازِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَمْثِلَةِ قَبْلَ هَذَا، وَلَا فرق، وقد يقال: إنه خارج عن نمظ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ تَخَرُّصٌ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ2، وَيَزِيدُ بِأَنَّهُ جَعَلَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَسِيلَةً إِلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الِانْقِطَاعِ عَنِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَصْدِ دَاخِلٌ بِوَجْهٍ مَا تَحْتَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف} الْآيَةَ [الْحَجِّ: 11] . كَذَلِكَ هَذَا إِنْ وَصَلَ إِلَى مَا طَلَبَ فَرِحَ بِهِ، وَصَارَ هُوَ قَصْدُهُ مِنَ التَّعَبُّدِ؛ فَقَوِيَ فِي نَفْسِهِ مَقْصُودُهُ وَضَعُفَتِ الْعِبَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَمَى بِالْعِبَادَةِ، وَرُبَّمَا كَذَّبَ بِنَتَائِجِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَهَبُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُخْلِصِينَ، وَقَدْ رُوِيَ أن

_ 1 المتقدمة "2/ 361"، وانظرها في "البيان والتحصيل" "1/ 498". 2 خرق العادة باطلاع أحد الأصفياء على بعض المغيبات هو من الجائزات الداخلة تحت متعلق القدرة، ولكن الناس أكثروا من دعوى وقوعها، وتسارعوا إلى تصديق من يزعم أنه حظي بها أو يحكيها عن غيره، مع أن العناية بهذا الشأن لا تعود على الأفراد ولا الجماعات بفائدة ذات بال، وقد تعدى بعضهم في هذا الأمر حتى ادعى العلم بما ورد الحديث الصحيح مصرحا بأن معرفته تختص بالخالق، وهي الخمس المشار إليها في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] . "خ".

بَعْضَ النَّاسِ سَمِعَ بِحَدِيثِ: مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا؛ ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ"1؛ فَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ لِيَنَالَ الْحِكْمَةَ، فَلَمْ يفتح له

_ 1 هذا الحديث سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فأجاب في "أحاديث القصاص" "رقم 35" بقوله: "هذا قد رواه الإمام أحمد رحمه الله وغيره عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وروي مسندا من حديث يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس، ويوسف ضعيف لا يجوز الاحتجاج بحديثه". وصدق شيخ الإسلام؛ فإن يوسف بن عطية مجمع على ضعفه كما في "الميزان" "4/ 470"، وقال عنه البخاري: "منكر الحديث". والحديث روي مرفوعا عن طريق مكحول عن أبي أيوب مرفوعا، رواه أبو نعيم في "الحلية" "5/ 189"، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" "3/ 144"، وقال: "فيه يزيد الواسطي وهو يزيد بن عبد الرحمن، قال ابن حبان: كان كثير الخطأ فاحش الوهم خالف الثقات في الرويات، ولا يصح لقاء مكحول بأبي أيوب، وقد ذكر محمد بن سعد أن العلماء قدحوا في روايته عن مكحول وقالوا: هو ضعيف في الحديث". والحديث روي من طريق آخر مرفوعا ذكره القضاعي في "مسند الشهاب" "1/ 285/ رقم 325"، ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" "3/ 145". وفيه سوار من مصعب متروك، وقال يحيى عنه: "ليس بثقة ولا يكتب حديثه". وله شاهد مرفوع آخر ذكره ابن عدي في "الكامل" "5/ 307" عن أبي موسى الأشعري بلفظ: "من زهد في الدنيا أربعين يوما وأخلص فيها العبادة؛ أخرج الله تعالى على لسانه ينابيع الحكمة من قلبه". ومن طريق ابن عدي أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" "3/ 144". قال ابن عدي: "متنه منكر، وعبد الملك له غير ما ذكرت وهو مجهول ليس بالمعروف". قلت: عبد الملك هذا هو ابن مهران الرفاعي، قال عنه العقيلي في كتابه "الضعفاء" "3/ 134": "صاحب مناكير، غلب عليه الوهم، لا يقيم شيئا من الحديث"، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" "2/ 370"، وقال: "مجهول الحديث". وذكره ابن حبان في "الثقات" كما في "لسان الميزان" "4/ 69". والحديث روي مرسلا كما أشار لذلك أبو نعيم في "الحلية" "5/ 189" وقال: رواه ابن =

بابها، فلبغت الْقِصَّةُ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ؛ فَقَالَ: "هَذَا أَخْلَصَ لِلْحِكْمَةِ وَلَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ"، وَهَكَذَا يَجْرِي الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا أَعْلَمُ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَا غُيِّبَ عَنِ الْإِنْسَانِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ لَمْ يُطْلَبْ بِدَرَكِهِ، وَلَا حُضَّ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَفِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ: مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو رَقِيقًا كَالْخَيْطِ، ثُمَّ يَنْمُو إِلَى أَنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى حالته الأولى؟ فنزلت1:

_ = هارون ورواه أبو معاوية عن الحجاج فأرسله "أي: من طريق مكحول"، وكذا روي مرسلا كما في "الزهد" لهناد "678"، والمروزي في "زوائد الزهد" "359"، وكذا ابن أبي شيبة في "المصنف" "13/ 231"، وقال: عن مكحول: بلغني أن النبي "وذكره". والحديث ذكره موضوعا ابن الجوزي كما مر وتبعه الصاغاني في "الدر الملتقط" "رقم 26". ورده السيوطي في "اللالئ المصنوعة" "2/ 327"؛ فضعفه وهو الحق، وعلى هذا حكم ابن تيمية والسخاوي في "المقاصد" "395"، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" "242"، والشوكاني في "الفوائد المجموعة" "243"، وابن عراق في "تنزيه الشريعة" "2/ 305"، والزبيدي في "شرح الإحياء" "6/ 8، 9/ 329، 10/ 45"، والألباني في "السلسلة الضعيفة" "رقم 38"، وهو الصواب، لذا قال المنذري في "الترغيب": "لم أقف له على إسناد صحيح ولا حسن، وإنما ذكر في كتب الضعفاء؛ كـ"الكامل" وغيره". وذكر الزبيدي في "شرح الإحياء" "6/ 7"؛ أن عبد الحق الإشبيلي صحح معنى الحديث كما في "شرح الأحكام"، والله أعلم. 1 نقله المصنف عن الغزالي في "الإحياء"، وقال العراقي: "لم أقف له على إسناد". قلت: أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" "1/ ق6"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" "3/ 269"، من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به. وإسناده واه، فيه السدي والكلبي، وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" "1/ 490". وأخرج ابن جرير في "التفسير" "2/ 185-186"، وابن أبي حاتم في "التفسير" "1/ 133/ أ" عن أبي العالية؛ قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت. وفيه أبو جعفر الرازي وأبوه، وكلاهما ضعيف. وأخرجه نحوه ابن جرير عن قتادة بسند رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل. وانظر: "الفتح السماوي" "1/ 231-232" للمناوي، و"لباب النقول" "ص35" للسيوطي، و"تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي" "1/ 118، 119"، وقال: "وهو عند الثعلبي كما ذكره المصنف"، وحكم عليه بأنه "غريب".

{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} الآية [البقرة: 189] ؛ فَجَعَلَ إِتْيَانَ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا مِثَالًا شَامِلًا لِمُقْتَضَى هَذَا السُّؤَالِ؛ لِأَنَّهُ تَطَلُّبٌ لِمَا لَمْ يُؤْمَرُ بِتَطَلُّبِهِ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى مِقْدَارِ الْمَعْرِفَةِ بِمَصْنُوعَاتِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْعَوَالِمُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَخَوَارِقُ الْعَادَاتِ فِيهَا تَقْوِيَةٌ لِلنَّفْسِ، وَاتِّسَاعٌ فِي دَرَجَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ تَعَالَى. لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ شَرْعًا لِأَجْلِ الْعَمَلِ حَسَبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَمَا فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ كافٍ وَفَوْقَ الْكِفَايَةِ؛ فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَضْلٌ، وَأَيْضًا إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا عَلَى الْجُمْلَةِ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} الآية [البقرة: 260] ؛ فَإِنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ طَلَبَ الْخَوَارِقِ بِالدُّعَاءِ، وَطَلَبَ فَتْحِ الْبَصِيرَةِ لِلْعِلْمِ بِهِ1 لَا نَكِيرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِيمَنْ أَخَذَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ أَنْ يَرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؛ فَالدُّعَاءُ بَابُهُ مَفْتُوحٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ شَرْعًا مَا لَمْ يدعُ بِمَعْصِيَةِ، وَالْعِبَادَةُ إِنَّمَا الْقَصْدُ بِهَا التَّوَجُّهُ لِلَّهِ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ لَهُ، وَالْخُضُوعُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَلَا تُحْتَمَلُ الشَّرِكَةُ، وَلَوْلَا أَنَّ طَلَبَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الأخروي مؤكد لإخلاص العمل

_ 1 أي: بالدعاء، يعني أن طلب ذلك بالدعاء لا نكير فيه، إنما النكير في أن يقصد هذا بالعبادة، وسيدنا إبراهيم طلب ذلك بالدعاء لا بعبادة أخرى من العبادات؛ فليس طلب الخوارق بالدعاء كطلبها بالعبادة. "د".

لِلَّهِ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِمَا سَاغَ الْقَصْدُ إِلَيْهِ بِالْعِبَادَةِ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ يَعْزُبُ عَنْهُمْ هَذَا الْقَصْدُ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلَانِ مَثَلَيْنِ؟ أَعْنِي طَلَبَ الْخَوَارِقِ بِالدُّعَاءِ مَعَ الْقَصْدِ إِلَيْهَا بِالْعِبَادَةِ، مَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَهُمَا لِمَنْ تَأْمَّلَ! وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ نَجِدْ مَا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ1؛ لَكَانَ لَنَا بَعْضُ الْعُذْرِ فِي التَّخَطِّي عَنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ؛ فَكَيْفَ وَفِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ الْقَرِيبَةِ الْمَأْخَذِ، السَّهْلَةِ الْمُلْتَمَسِ مَا يَفْنَى الدَّهْرُ وَهِيَ بَاقِيَةٌ، لَمْ يُبْلَغْ مِنْهَا فِي الِاطِّلَاعِ وَالْمَعْرِفَةِ عُشْرُ الْمِعْشَارِ، وَلَوْ نَظَرَ الْعَاقِلُ فِي أَقَلِّ الْآيَاتِ2، وَأَذَلِّ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَا أَوْدَعَ بَارِيهَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْعَجَائِبِ؛ لَقَضَى الْعَجَبَ، وَانْتَهَى إِلَى الْعَجْزِ فِي إِدْرَاكِهِ3، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنْ تَنْظُرَ فِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَعْرَافِ: 185] . {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} [الْغَاشِيَةِ: 17-18] إِلَى آخِرِهَا. {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6] إِلَى تمام الآيات.

_ 1 أي: على كمالات الله وتنزيهه، وقدرته الشاملة، إلى آخر ما أشار إليه، وبالتأمل يدرك الفرق بين الجوابين. "د". 2 كالنخلة، والنملة، والفراشة، وما يسمى بالمكيروبات، وغير ذلك؛ فقد ألفت المجلدات الضخمة فيما عرف لها من الخواص، واعترف علماؤها بأنهم لا يزالون في أوائل البحث. "د". 3 ينظر جملة حسنة من هذه الحكم والعجائب في "مفتاح دار السعادة" و"شفاء العليل" كلاهما لابن القيم، و"النحلة تسبح لله"، للحمصي، و"الطلب محراب الإيمان" لخالص جلبي كنجو.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالنَّظَرِ فِيمَا حَجَبَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ عَادَةً إِلَّا بِخَارِقَةٍ، فَإِنَّهُ إِحَالَةٌ عَلَى مَا يَنْدُرُ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ وَعَوَالِمُ الْغَيْبِ لَمْ تَجِدْهَا مِمَّا أُحِيلَ عَلَى النَّظَرِ فِيهِ، وَلَا مَأْمُورًا بِتَطَلُّبِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا وَعَلَى ذَوَاتِهَا وَحَقَائِقِهَا؛ فَهَذِهِ التَّفْرِقَةِ كَافِيَةٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ النَّظَرُ فِيهِ شَرْعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا؛ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يُطْلَبَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّطَلُّبِ الْخَاصِّ فَلْسَفِيٌّ؛ فَإِنَّ الِاعْتِنَاءَ بِطَلَبِ تَجْرِيدِ النفس والاطلاع على العوالي الَّتِي وَرَاءَ الْحِسِّ إِنَّمَا نُقِلَ عَنِ الْحُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمُتَعَمِّقِينَ فِي فُنُونِ الْبَحْثِ، مِنَ الْمُتَأَلِّهِينَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَلِذَلِكَ تَجِدُهُمْ يُقَرِّرُونَ لِطَلَبِ هَذَا الْمَعْنَى رِيَاضَةً خَاصَّةً لَمْ تَأْتِ بِهَا الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، مِنَ اشْتِرَاطِ التَّغَذِّي بِالنَّبَاتِ دُونَ الْحَيَوَانِ، أَوْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَيَوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهِمُ الَّتِي لَمْ تُنْقَلْ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَا وُجِدَ مِنْهَا فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، كَمَا أَنَّ ذِكْرَ التَّجْرِيدِ وَالْعَوَالِمِ الرُّوحَانِيَّةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَكَفَى بِذَلِكَ حُجَّةً فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، كَمَا سَيَأْتِي عَلَى أَثَرِ هَذَا بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ: أَنَّ طَلَبَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنَ الرُّوحَانِيَّاتِ وَعَجَائِبِ الْمُغَيَّبَاتِ؛ كَطَلَبِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا غُيِّبَ عَنَّا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ النَّائِيَةِ؛ كَالْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ وَالْبِلَادِ الْقَاصِيَةِ، وَالْمُغَيَّبَاتِ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ أَصْنَافٌ مِنْ مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ قَصْدَ أَنْ يَطَّلِعَ الْأَنْدَلُسِيُّ عَلَى قُطْرِ بَغْدَادَ وَخُرَاسَانَ وَأَقْصَى بِلَادِ الصِّينِ؛ فَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي مِثْلُهُ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْسُوسَاتِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنُ هَذَا سَائِغًا؛ فَهُوَ مَحْفُوفٌ بِعَوَارِضَ كَثِيرَةٍ، وَقَوَاطِعَ مُعْتَرِضَةٍ تَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمَقْصُودِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ ابْتِلَاءَاتٌ يَبْتَلِي اللَّهُ بِهَا

عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ1، فَإِذَا وَازَنَ الْإِنْسَانُ بَيْنَ مَصْلَحَةِ حُصُولِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَبَيْنَ مَفْسَدَةِ مَا يَعْتَرِضُ2 صَاحِبَهَا كَانَتْ جِهَةُ الْعَوَارِضِ أَرْجَحَ؛ فَيَصِيرُ طَلَبُهَا مَرْجُوحًا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْلُدْ إِلَى طَلَبِهَا الْمُحَقِّقُونَ3 مِنَ الصُّوفِيَّةِ، وَلَا رَضُوا بِأَنْ تَكُونَ عِبَادَتُهُمْ يُدَاخِلُهَا أَمْرٌ، حَتَّى بَالَغَ بَعْضُهُمْ؛ فَقَالَ فِي طَلَبِ الثَّوَابِ4 مَا تَقَدَّمَ، وَأَشَدُّ الْعَوَارِضِ طَلَبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقْتَضِي وَضْعُهَا5 الْإِخْلَاصَ التَّامَّ فَلَا يَلِيقُ بِهِ طَلَبُ الْحُظُوظِ، فَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ بِالرُّوحَانِيَّاتِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ جِنْسِهِ؛ فَسَارَ كَالْمُسَافِرِ لِيَرَى الْبِلَادَ النَّائِيَةَ، وَالْعَجَائِبَ الْمَبْثُوثَةَ فِي الْأَرْضِ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُجَرَّدُ حَظٍّ لَا عِبَادَةَ فِيهِ، وَمَقْصُودُ الْأَمْرِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ عَاضِدًا لِمَا وُضِعَتْ لَهُ الْعِبَادَةُ فِي الْأَصْلِ، مِنَ التَّحَقُّقِ بِمَحْضِ الْعُبُودِيَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ السَّلَفِ عَنْ دَوَاءِ الْحِفْظِ؛ فَقَالَ: تَرْكُ الْمَعَاصِي، وَمِنْ مَشْهُورِ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الطَّاعَةَ تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ6، كَمَا أَنَّ الشَّرَّ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالشَّرِّ؛ فهل للإنسان

_ 1 في الأصل و"خ" و"ط": "تعملون". 2 في نسخة "ماء/ ص252": "يتعرض". 3 في نسخة "ماء/ ص252"، و"ط": "المحقون". 4 العبارة في نسخة "ماء/ ص252": "فقال بنفي طلب الثواب، وأشد ... ". 5 في "ط": "وضعه". 6 أخرج البخاري في "صحيحه" كتاب الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله، 6/ 48-49/ رقم 2842"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا" عن أبي سعيد الخدري ضمن حديث طويل، فيه: "فقال رجل: يا رسول الله! أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم قال: "كيف قلت؟ ". قال: قلت: يا رسول الله! أيأتي الخير رسول الله صلى الله عبالشر؟ فقال له ليه وسلم: "إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو".

أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ لِيَصِلَ بِهِ إِلَى الْخَيْرِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتَ لَا؛ كَانَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَإِنْ قُلْتَ نَعَمْ؛ خَالَفْتَ مَا أَصَّلْتَ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا نَمَطٌ آخَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَصُدُّهُ مَثَلًا عَنِ الْخَيْرِ الْفُلَانِيِّ عَمَلُ شَرٍّ، فَيَتْرُكُ الشَّرَّ لِيَصِلَ إِلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ الَّذِي يُثَابُ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ فِعْلُ الْخَيْرِ يُوَصِّلُهُ إِلَى خَيْرٍ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَهَذَا عَوْنٌ بِالطَّاعَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [الْبَقَرَةِ: 45] . وَقَالَ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} الآية [المائدة: 2] . وَمَسْأَلَةُ الْحِفْظِ مِنْ هَذَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ الْكَلَامُ فِيهِ؛ فَحَاصِلُهُ طَلَبُ حَظٍّ شَهْوَانِيٍّ يَطْلُبُهُ بِالطَّاعَةِ، وَمَا أَقْرَبَ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِيهِ غَيْرَ مُخْلَصٍ. فَالْحَاصِلُ1 لِمَنِ اعْتَبَرَ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التَّوَابِعِ مُقَوِّيًا وَمُعِينًا عَلَى أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَغَيْرَ قَادِحٍ فِي الْإِخْلَاصِ؛ فَهُوَ الْمَقْصُودُ التَّبَعِيُّ السَّائِغُ، وَمَا لَا؛ فَلَا، وَأَنَّ الْمَقَاصِدَ التَّابِعَةَ لِلْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَقْتَضِي تَأْكِيدَ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَرَبْطَهَا، والوثوق بها، وحصول الرغبة فيها؛ فلا إشكال2 أَنَّهُ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ؛ فَالْقَصْدُ إِلَى التَّسَبُّبِ إِلَيْهِ بِالسَّبَبِ الْمَشْرُوعِ مُوَافِقٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ فَيَصِحُّ. وَالثَّانِي 3: مَا يَقْتَضِي زَوَالُهَا عَيْنًا؛ [فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا فِي أَنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهَا مُخَالِفٌ لِمَقْصِدِ الشَّارِعِ عينًا] 4؛ فلا يصح التسبب بإطلاق.

_ 1 هذا حاصل الفصل فيما يتعلق بتوابع العبادة، وقوله: "وأن المقاصد الأصلية على ثلاثة أقسام ... " إلى قوله: "الجهة الرابعة" حاصل للجهة الثالثة برمتها؛ عبادتها، وعادتها. "د". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "فلا شك". 3 أي: ولا فرق في القسمين بين العبادات والعادات. "د". 4 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

وَالثَّالِثُ: مَا لَا يَقْتَضِي تَأْكِيدًا وَلَا رَبْطًا، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ عَيْنًا؛ فَيَصِحُّ فِي الْعَادَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ1، أَمَّا عَدَمُ صِحَّتِهِ فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا صِحَّتُهُ فِي الْعَادَاتِ؛ فَلِجَوَازِ حُصُولِ الرَّبْطِ وَالْوُثُوقِ بَعْدَ التَّسَبُّبِ، وَيُحْتَمَلُ الْخِلَافُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِذَا كَانَ لَا يَقْتَضِي تَأْكِيدَ الْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ، وَقَصْدُ الشَّارِعِ التَّأْكِيدُ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ التَّسَبُّبُ مُوَافِقًا لِمَقْصِدِ الشَّارِعِ؛ فَلَا يَصِحُّ، وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ، إِذْ لَمْ يَقْصِدِ انْحِتَامَ رَفْعِ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ وَضْعَهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ فِي التَّسَبُّبِ أَمْرًا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ أَيْضًا مِمَّا يَقْصِدُ رَفْعَ التَّسَبُّبِ؛ فَلِذَلِكَ شَرَعَ فِي النِّكَاحِ الطَّلَاقَ، وَفِي الْبَيْعِ الْإِقَالَةَ، وَفِي الْقِصَاصِ الْعَفْوَ، وَأَبَاحَ الْعَزْلَ2، وَإِنْ ظَهَرَ لِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُضَادَّةٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ3 لَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْهَا غَيْرَ مُخَالِفٍ لَهُ عينًا، ومثله4

_ 1 كطلب الاطلاع على عالم الروحانيات بالعبادات على ما حققه، أما مثل قطع الشهوة بالصيام؛ فمع كونه من هذا قد أحاله على ما تقدم من طلب الحظوظ في العبادة؛ فليراجع. "د". 2 أخذ الجمهور بالأحدايث الواردة بإباجة العزل، ولكن شرطوا رضا الزوجة وإذنها بذلك؛ لأن الجماع من حقوقها، وهو لا يتم بغير إنزال، ورجح طائفة منهم ابن حزم حرمته بإطلاق متمسكين بحديث جذامة المروي في "صحيح مسلم" وهو من قوله عليه السلام حين سئل عن العزل: "ذلك الوأد الخفي"، وجروا في هذا الترجيح على قاعدة أن النص الناقل عن البراءة الأصلية يقدم على ما يوافقها، وما يستعمل في هذا العصر من وضع غلاف رقيق على عضو التناسل ليمنع من نفوذ الماء إلى الرحم يجري على هذا الخلاف، والتحقيق ما ذهب إليه الجمهور، وتسميته في حديث جذامة بالوأد الخفي يكفي في وجهها أنه مكروه كراهة تنزيه، إلا أن يتهافت عليه الناس فيحرم كما لو تتابعوا على ترك النكاح من أصله. "خ". 3 أي: فلا يعول على ما ظهر ببادئ الرأي لما كان غير مخالف عينا؛ فيكون حينئذ صحيحا. "د". 4 أي: وهذا مثل ما إذا قصد ... إلخ، فمع كونه لم يقصد قصد الشارع بل قصد أمرا =

مَا إِذَا قَصَدَ بِالنِّكَاحِ قَضَاءَ الْوَطَرِ خَاصَّةً، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَصْدِ الشَّارِعِ الْأَصْلِيِّ مِنَ التَّنَاسُلِ؛ فَلَيْسَ خِلَافًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّا مَضَى تَمْثِيلُهُ. وَلَيْسَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُخَالِفَ لِقَصْدِ الشَّارِعِ بِلَا بُدٍّ هُوَ الِاحْتِيَالُ1 بِالتَّسَبُّبِ عَلَى تَحْصِيلِ أَمْرٍ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ التَّسَبُّبُ فِيهِ عَبَثًا لَا مَحْصُولَ تَحْتَهُ شَرْعًا إِلَّا التَّوَصُّلُ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، فَإِذَا حَصَلَ انْحَلَّ التَّسَبُّبُ وَانْخَرَمَ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ مُنْخَرِمٌ شَرْعًا فِي أَصْلِ التَّسَبُّبِ، وَأَمَّا إِذَا أَمْكَنَ أَنْ لَا يَنْخَرِمَ أَوْ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونُ مُنْخَرِمًا مِنْ أَصْلِهِ؛ فَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ مِنْ [كُلِّ] وَجْهٍ؛ فَهُوَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَيَبْقَى التَّسَبُّبُ إِنْ صَحِبَهُ نَهْيٌ مَحَلَّ نَظَرٍ أَيْضًا2، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْجِهَةُ الرَّابِعَةُ: مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَقْصِدُ الشَّارِعِ: السُّكُوتُ عَنْ شَرْعِ التَّسَبُّبِ3، أَوْ عَنْ شَرْعِيَّةِ الْعَمَلِ مَعَ قِيَامِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ سكوت الشارع عن الحكم على ضربين:

_ 1 لعل أصل العبارة هكذا: "وليس من هذا المخالف لقصد الشارع بلا بد، وهو الاحتيال ... إلخ"، أي: ليس من هذا النوع الذي أكد جوازه بما قرره ما يكون فيه التسبب حيلة للوصول به إلى غرض آخر، بحيث يزول ما تسبب فيه بمجرد وصوله إلى غرضه، كما تقدم في بيوع الآجال، وكالهبة للفرار من الزكاة؛ فإنه لا يعد من هذا النوع الذي فيه الكلام هنا، وهو ما لا يقتضي تأكيد المقصد الأصلي ولا رفعه؛ لأن هذا في الحقيقة يؤدي إلى رفعه وانخرامه، وقوله: "وأما إذا أمكن" يعني: وهو القسم الثالث هنا. "د". 2 وهو ما أشار إليه كثيرا بترجمة الصلاة في الدار المغصوبة. "د". 3 أي: في الأعمال العادية؛ كتضمين الصناع، وقوله: "أو عن شرعية العمل"؛ أي: في الأعمال العبادية، كتدوين المصحف. "د".

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا دَاعِيَةَ لَهُ تَقْتَضِيهِ، وَلَا مُوجِبَ يُقَدَّرُ لِأَجْلِهِ؛ كَالنَّوَازِلِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً ثُمَّ سُكِتَ عَنْهَا مَعَ وُجُودِهَا، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَاحْتَاجَ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا وَإِجْرَائِهَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُلِّيَّاتِهَا، وَمَا أَحْدَثَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَاجِعٌ إِلَى هَذَا الْقِسْمِ؛ كَجَمْعِ الْمُصْحَفِ، وَتَدْوِينِ الْعِلْمِ، وَتَضْمِينِ1 الصُّنَّاعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْ نَوَازِلِ زَمَانِهِ، وَلَا عَرَضَ لِلْعَمَلِ بِهَا مُوجِبٌ يَقْتَضِيهَا؛ فَهَذَا الْقِسْمُ جَارِيَةٌ فُرُوعُهُ عَلَى أُصُولِهِ الْمُقَرَّرَةِ شَرْعًا بِلَا إِشْكَالٍ؛ فَالْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ فِيهَا مَعْرُوفٌ مِنَ الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ2. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ وَمُوجِبُهُ الْمُقْتَضِي لَهُ قَائِمٌ، فَلَمْ يُقَرَّرْ فِيهِ حُكْمٌ عِنْدَ نُزُولِ النَّازِلَةِ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ فَهَذَا الضَّرْبُ السُّكُوتُ فِيهِ كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ أَنْ لَا يُزَادَ فِيهِ وَلَا يُنْقَصَ3؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِشَرْعِ الْحُكْمِ الْعَمَلِيِّ مَوْجُودًا ثُمَّ لَمْ يُشْرَعِ الْحُكْمُ دَلَالَةً4 عَلَيْهِ؛ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا كَانَ هُنَالِكَ بِدْعَةٌ زَائِدَةٌ، وَمُخَالَفَةٌ لِمَا قَصَدَهُ

_ 1 ألم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم صناع؟ بل كان؛ فالتمثيل به غير واضح لأن الموجب إذا كان موجودا؛ فإما أن يكون قد أخذ حكما من الشارع غير ما كان جاريًا قبل، أو لا، وعلى كل؛ فهو حكم إما بإقرار ما كان موجودا أو بتعديله، فلا يظهر عده فيما نحن فيه إلا إذا كان خلا زمانه عليه السلام عما يتعلق بذلك، وهو بعيد. "د". 2 أي: في الجهة الثالثة، وهي ما لم ينص عليه وعلم بمسلك استقرى من النصوص. "د". 3 أي: فهو تقرير لنفس ما كان جاريًا واعتبار له، وأنت ترى أصل الكلام عامًا في العادي والعبادي، ولكنه ساق الكلام في هذا القسم مساق الخاص بقسم العبادة، وهو الذي يقال فيه: بدعة وغير بدعة. "د". 4 في الأصل: "ولا له"، وفي "ط": "ولا نية".

الشارع؛ إذا فُهِمَ مِنْ قَصْدِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدٍّ هُنَالِكَ، لَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهُ1. وَمِثَالُ هَذَا سُجُودُ الشُّكْرِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَهُوَ الَّذِي قَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى2 فِي "الْعُتْبِيَّةِ"3 مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ، قَالَ فِيهَا: "وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ يُحِبُّهُ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شُكْرًا. فَقَالَ: لَا يَفْعَلُ، لَيْسَ هَذَا مِمَّا مَضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ. قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فِيمَا يَذْكُرُونَ سَجَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شُكْرًا لِلَّهِ4؛ أَفَسَمِعْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ ذَلِكَ، وَأَنَا أَرَى أَنْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا مِنَ الضَّلَالِ أَنْ يَسْمَعَ الْمَرْءُ الشَّيْءَ فَيَقُولَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ أَسْمَعْ لَهُ خِلَافًا. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا نَسْأَلُكَ لِنَعْلَمَ رَأْيَكَ فَنَرُدَّ ذَلِكَ بِهِ. فَقَالَ: نَأْتِيكَ بِشَيْءٍ آخَرَ أَيْضًا لَمْ تَسْمَعْهُ مِنِّي: قَدْ فُتِحَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ؛ أَفَسَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا؟ إِذَا جَاءَكَ5 مِثْلُ هَذَا مِمَّا قَدْ كَانَ فِي النَّاسِ وَجَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ لَا يُسْمَعُ عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ؛ فَعَلَيْكَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ6 لَوْ كَانَ لَذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِيهِمْ؛ فَهَلْ سَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ؟ فَهَذَا إِجْمَاعٌ، إِذَا جَاءَكَ أَمْرٌ لَا تَعْرِفُهُ فَدَعْهُ"، هَذَا تَمَامُ الرِّوَايَةِ، وقد احتوت على

_ 1 انظر تفصيل هذا في "الاعتصام" "1/ 360 وما بعدها، ط- رشيد رضا و1/ 468 - ط ابن عفان". 2 وهو الجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع. "د". 3 "1/ 392 - مع شرحها "البيان والتحصيل"". 4 أخرجه سعيد بن منصور في "سننه"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" "2/ 367 - ط دار الفكر"، والبيهقي في "سننه" "2/ 371" بسند ضعيف فيه راوٍ مبهم. وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" "3/ 358/ رقم 5963" -ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط" "5/ 288/ رقم 2882"- بإسناد منقطع. 5 هذا إلى آخر الكلام هو الزائد عن مضمون ما أجاب به أولا، وبه يظهر قوله: "بشيء آخر لم تسمعه منه"، راجع "الاعتصام" "1/ 468 - ط ابن عفان" في فصل: "ثم أتى بمأخذ آخر من الاستدلال ... إلخ"؛ تجد اختلافًا في اللفظ يؤدي إلى بعض الاختلاف في المعنى. 6 كذا في "ط" و"العتبية"، وفي غيره: "لأنه".

فَرْضِ سُؤَالٍ وَالْجَوَابِ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ. وَتَقْرِيرُ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ فِي الْبِدَعِ مَثَلًا: إِنَّهَا "فِعْلُ مَا سَكَتَ الشَّارِعُ عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ تَرْكُ مَا أَذِنَ فِي فِعْلِهِ"، أَوْ تَقُولُ: "فِعْلُ مَا سَكَتَ الشَّارِعُ عَنِ الْإِذْنِ فِيهِ، أَوْ تَرْكُ مَا أَذِنَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ"1؛ فَالْأَوَّلُ كَسُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ مَالِكٍ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ دَلِيلٌ عَلَى فِعْلِهِ2، وَالدُّعَاءُ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ3، وَالِاجْتِمَاعُ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ في غير عرفات4، والثاني كالصيام من تَرْكِ الْكَلَامِ، وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ بِتَرْكِ مَأْكُولَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالثَّالِثُ كَإِيجَابِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي الظِّهَارِ لِوَاجِدِ الرَّقَبَةِ. وَهَذَا الثَّالِثُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ الشَّرْعِيِّ، فَلَا يصح بحال5؛ فكونه بدعة قبيحة بين.

_ 1 الإشارة لفعل ما سكت عنه وترك ما أذن فيه؛ فإن إيجاب شهرين متتابعين في الظهار لواجد الرقبة ليس مما سكت عنه الشارع، بل هو ضد لما نص عليه الشارع، وقوله: "أو أمر خارج عن ذلك"، هذا ما زادت به العبارة عن سابقتها. "د". 2 استحب الإمام الشافعي سجدة الشكر، وقال أحمد: "لا بأس بها"، وقال إسحاق وأبو ثور: "هي سنة"، وكره النخعي ذلك، وزعم أنه بدعة، وكره ذلك مالك والنعمان، قاله أبو شامة المقدسي في "الباعث على إنكار البدع والحوادث" "ص189 - بتحقيقي". وانظر لزاما: "الأوسط" "5/ 287-289" لابن المنذر. 3 انظر في ذلك: "الاعتصام" للشاطبي "1/ 473-475 - ط ابن عفان". 4 انظر في بدعية ذلك: "السنن الكبرى" "5/ 118" للبيهقي، و"اقتضاء الصراط المستقيم" "ص149"، و"مجموع الفتاوى" "11/ 298، 576، 629"، و"منية المصلي" "573"، و"الحوادث والبدع" للطرطوشي "ص115-117"، و"الباعث على إنكار البدع والحوادث" "ص117-119 - بتحقيقي"، و"البدع والنهي عنها" "ص46-47"، و"الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع" "ص181-185 - بتحقيقي"، و"حجة النبي صلى الله عليه وسلم" "ص128". 5 انظر في ذلك: "الاعتصام" "2/ 610-611 - ط دار ابن عفان".

وَأَمَّا الضَّرْبَانِ الْأَوَّلَانِ -وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ لِمَا سَكَتَ الشَّارِعُ عَنْ فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ-؛ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ مُخَالَفَتُهُمَا لِقَصْدِ الشَّارِعِ أَوْ أَنَّهُمَا مِمَّا يُخَالِفُ الْمَشْرُوعَ؟ وَهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا1 مَعَ الْمَشْرُوعِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بَلْ هُمَا فِي الْمَعْنَى كَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ2، وَالْبِدَعُ إِنَّمَا أُحْدِثَتْ لِمَصَالِحَ يَدَّعِيهَا أَهْلُهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، وَلَا لِوَضْعِ الْأَعْمَالِ، أَمَّا الْقَصْدُ؛ فَمُسَلَّمٌ بِالْفَرْضِ3، وَأَمَّا الْفِعْلُ؛ فَلَمْ يَشْرَعِ الشَّارِعُ4 فِعْلًا نُوقِضَ بِهَذَا الْعَمَلِ الْمُحْدَثِ، وَلَا تَرْكًا لِشَيْءٍ فَعَلَهُ هَذَا الْمُحْدِثُ؛ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، بَلْ حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ أَمْرٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ عِنْدَ الشَّارِعِ، وَالْمَسْكُوتُ مِنَ الشَّارِعِ لَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةً [وَلَا مُوَافَقَةً] ، وَلَا يُفْهِمُ5 لِلشَّارِعِ قَصْدًا مُعَيَّنًا دُونَ ضِدِّهِ وَخِلَافِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ رَجَعْنَا إِلَى النَّظَرِ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ؛ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مُصْلِحَةً قَبِلْنَاهُ إِعْمَالًا لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مَفْسَدَةً تَرَكْنَاهُ إِعْمَالًا لِلْمَصَالِحِ أَيْضًا، وَمَا لَمْ نَجِدْ فِيهِ هَذَا وَلَا هَذَا؛ فَهُوَ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ إِعْمَالًا للمصالح المرسلة

_ 1 لأنه لا مشروع في هذه الفرض، وهو توجيه لإنكار الأمرين معا. "د". 2 أي: التي لم يرد من الشارع فيها نص أو دليل بخصوصها، فهي مرسلة عن الدليل. "د". 3 لأن فرض الكلام أنه وجد المقتضى للفعل مثلا أو للترك، كحصول النعمة المستحقة للشكر في سجوده؛ فلا مخالفة للقصد، لما علمناه سابقا في "الجهة الثانية مما يدل على قصد الشارع". "د". 4 أي: وهو أصل الفرض أيضا. "د". 5 هذه الزيادة لا حاجة إليها هنا؛ لأنه وإن كان المسكوت لا يفهم للشارع قصد معين فيه، ولكن أصل الموضوع أن قصد الشارع في هذه المسائل مسلم أنه يوافق البدعة؛ كشكر النعم المطلوب بوجه عام في موضوع سجود الشكر، وأن المقتضى موجود ولكنه لما لم يشرع له الحكم؛ دل على أنه لا زائد عما هو مقرر فيه، ولا يعزب عنك أن المصالح المرسلة إنما تجري في غير العبادات. "د".

أَيْضًا؛ فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ يُفْرَضُ ذَمُّهَا تُسَاوِي الْمُحْدَثَةَ الْمَحْمُودَةَ فِي الْمَعْنَى1؛ فَمَا وَجْهُ ذَمِّ هَذِهِ وَمَدْحِ هَذِهِ؟ وَلَا نَصَّ يَدُلُّ عَلَى مَدْحٍ وَلَا ذَمٍّ عَلَى الْخُصُوصِ. وَتَقْرِيرُ الجواب ما ذكره مالك، وأما السُّكُوتَ عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ هُنَا -إذا وجد المعنى المتقضي لِلْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ- إِجْمَاعٌ مِنْ كُلِّ سَاكِتٍ عَلَى أَنْ لَا زَائِدَ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ غَايَةٌ فِي [تَحْصِيلِ] هَذَا الْمَعْنَى. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ2: "الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مِمَّا شُرِعَ فِي الدِّينِ -يَعْنِي سُجُودَ الشُّكْرِ- لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا؛ إِذْ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا فعله3، ولا

_ 1 أي: في المصلحة والحكمة؛ لأن الفرض أن الجميع فيه المصلحة التي عرف اعتبار الشاع لها، وأي فرق بين سجود الشكر وجمع المصحف، أو بين الاجتماع للدعاء أدبار الصلوات وتدوين العلم؟ وكلاهما عون على الخير. "د". 2 في "البيان والتحصيل" "1/ 393". 3 في هذا الإطلاق نظر كبير؛ إذ أخرج أبو داود في "سننه" "كتاب الجهاد، باب في سجود الشكر، 3/ 89/ رقم 2774"، والترمذي في "جامعه" أبواب السير، باب ما جاء في سجدة الشكر، 4/ 141/ رقم 1578"- وقال: "هذا حديث حسن غريب" و"العمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا سجدة الشكر"- وابن ماجه في "السنن" "كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر، 1/ 446/ رقم 1394"، وأحمد في "المسند" "5/ 45"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 291"، وابن المنذر في "الأوسط" "5/ 287/ رقم 2880"، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" "2/ 34" عن أبي بكرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه شيء يسره، أو جاءه سرور خر ساجدا لله. وهو حديث حسن، وله شواهد عديدة وكثيرة، وقد أثر عن علي وكعب بن مالك كما سيأتي عند المصنف "ص270"، ولذا قال ابن المنذر في "الأوسط" "5/ 287" بعد أن سرد الأقوال: "وبالقول الأول - أي: مشروعية سجود الشكر- أقول؛ لأن ذلك قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر وعلي وكعب بن مالك؛ فليس لكراهية من كره ذلك معنى". وقال شيخنا الألباني في "الإرواء" "2/ 226-232" بعد أن خرج الأحاديث والآثار في ذلك: "وبالجملة؛ فلا يشك عاقل في مشروعية سجود الشكر بعد الوقوف على هذا الأحاديث، لا سيما وقد جرى العمل عليها من السلف الصالح رضي الله عنهم". قلت: وتفصيل المشروعية تجده في "الخلافيات" للبيهقي "مسألة رقم 116"، يسر الله إتمام تحقيقه بخير.

أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اخْتِيَارِ فِعْلِهِ، وَالشَّرَائِعُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ". قَالَ: "وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَا الْمُسْلِمُونَ بعده بأن ذلك لوكان لَنُقِلَ صَحِيحٌ؛ إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَتَوَفَّرَ دَوَاعِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِ نَقْلِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَقَدْ أُمِرُوا بِالتَّبْلِيغِ". قَالَ: "وَهَذَا أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي إِسْقَاطُ الزَّكَاةِ مِنَ الْخُضَرِ وَالْبُقُولِ، مَعَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا بِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" 1 لِأَنَّا نَزَّلْنَا2 تَرْكَ نَقْلِ أَخْذِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ مِنْهَا كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ فِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ فَكَذَلِكَ نُنَزِّلُ تَرْكَ نَقْلِ السُّجُودِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشُّكْرِ كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ فِي أَنْ لَا سُجُودَ فيها"3، ثُمَّ حَكَى خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ4 مِنَ الْمَسْأَلَةِ تَوْجِيهُ مَالِكٍ لَهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا بِدْعَةٌ، لَا تَوْجِيهُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ عَلَى الإطلاق.

_ 1 مضى تخريجه "2/ 155"، وهو صحيح. 2 في "البيان والتحصيل": "أنزلنا". 3 ولكن المقدمة الأولى غير صحيحة؛ كما بيناه ولله الحمد. وفي "ط": "فيها:، وفي غيره: "فيه". 4 أي: مقصود المؤلف من نقل ما ذكر عنه في السؤال والجواب معرفة طريقته في توجيه وبيان معنى كونها بدعة، يعني ليأخذ منه القاعدة العامة التي يريد تأصيلها هنا، وهو أن البدعة ما كان المقتضى لها موجودا في زمانه صلى الله عليه وسلم، ولم يشرع لها حكما زائدا؛ فيعلم أن السكوت دليل على أن قصده الوقوف عند هذا الحد، وليس غرض المؤلف العناية ببيان أن سجود الشكر بدعة، بل الذي يعنيه هو طريقة مالك في بيان بدعيتها، وكأن هذا شبه تبرؤ من تأييد كونها بدعة للأحاديث الواردة في سجوده صلى الله عليه وسلم شكرا، راجع "المنتقى" في باب السهو. "د". قلت: ونحوه في "الاعتصام" "1/ 466-471/ ط ابن عفان".

وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ جَرَى بَعْضُهُمْ فِي تَحْرِيمِ نكاح المحلل أنها بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، مِنْ حَيْثُ وُجِدَ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّرْخِيصِ لِلزَّوْجَيْنِ، بِإِجَازَةِ التَّحْلِيلِ لِيُرَاجِعَا كَمَا كَانَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ1 عَلَى رُجُوعِهَا إِلَيْهِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْلِيلَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا2، وَهُوَ أَصْلٌ صَحِيحٌ، إِذَا اعْتُبِرَ وَضَحَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ مِنَ الْبِدَعِ وَمَا لَيْسَ مِنْهَا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُودَ المعنى المتقضي مَعَ عَدَمِ التَّشْرِيعِ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الشَّارِعِ إِلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلُ، فَإِذَا زَادَ الزَّائِدُ ظَهَرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لقصد الشارع؛ فبطل.

_ 1 كما تقدم "1/ 431". 2 صرح الشيخ ابن تيمية في "فتاويه" بأن التحليل بدعة مستندا إلى هذا الوجه الذي لوح إليه المصنف، وهو أن التحليل لو كان جائزا، لدل عليه النبي صلى الله عليه وسلم من طلق ثلاثا؛ فإنه كان أرحم الناس بأمته وأحبهم بمياسير الأمور، وقال: "من علم كثرة وقوع الطلاق عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وخلفائه، وأنهم لم يأذنوا لأحد في تحليل علم قطعًا أنه ليس من الدين، وهذه قاعدة محكمة لو تحراها علماء الإسلام؛ لما وجدت البدع المكروهة وكثير من الفتاوى السخيفة إلى تلويث جانب الشريعة سبيلا". "خ". قلت: وصرح بهذا المصنف في "الاعتصام" "1/ 471 - ط ابن عفان" أيضا. وانظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 98-285".

كتاب الأدلة الشرعية

كتاب الأدلة الشرعية الطرف الأول في الأدلة على الجملة النَّظَرُ الْأَوَّلُ: فِي كُلِّيَّاتِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ ... [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سيدنا محمد وآله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ] 1 كِتَابُ الْأَدِلَّةِ 2 الشَّرْعِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِيهِ [فِيمَا] 3 يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى التَّفْصِيلِ وَهِيَ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ4؛ فَالنَّظَرُ إِذًا يَتَعَلَّقُ بِطَرَفَيْنِ5:

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"م" و"ط". 2 قال ماء: "الأدلة جمع دليل، وهو ما يتوصل به إلى المقصود -أي: المنسوب- إلى الشرع". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"م"، وسقطت "فيه" من "ط". 4 هذه أدلة شرعية من حيث ما صدقاتها "كذا" الجزئية المتعلقة بالأحكام، والأصولي يبحث عنها من حيث الإجمال، ولا تذكر في"فالنظر إ ها بخصوصها إلا على ضرب من التمثيل والإيضاح. "ف". 5 في "ط": فالنظر إذًا في طرفين".

الطرف الأول: في الأدلة على الجملة النَّظَرُ الْأَوَّلُ: فِي كُلِّيَّاتِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالْكَلَامُ فِيهَا "أ" فِي كُلِّيَّاتٍ1 تَتَعَلَّقُ بِهَا، وَ"ب" فِي الْعَوَارِضِ اللَّاحِقَةِ لَهَا. وَالْأَوَّلُ يحتوي على مسائل:

_ 1 وسيذكرها في أربع عشرة مسألة، وقوله: "وفي العوارض"، وسيذكرها في خمسة فصول: الإحكام والتشابه، الإحكام والنسخ، الأمر والنهي، العموم والخصوص، البيان والإجمال. "د".

المسألة الأولى 1: لما انبنت الشرعية عَلَى قَصْدِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّاتِ وَالتَّحْسِينَاتِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ مَبْثُوثَةً2 في أبواب

_ 1 هذه المسألة تعتبر أُمًّا لجميع المسائل الأصولية المتعلقة بالأدلة الشرعية، بين بها شدة ارتباط هذه المسائل الأصولية بالأدلة الشرعية التفصيلية والقواعد الشرعية، بحيث لا يمكن استغناء المستنبط للأحكام عن النظر للأمرين معا؛ فلا يستغنى بالنظر في الجزئيات -أي الأدلة التفصيلية- عن النظر في الوقت نفسه للقاعدة الأصولية التي تعتبر كلية لها ليعرف بها هذا الجزئي من أي مرتبة هو، وما مقصد الشارع في مثله؟ كما أنه لا يستغنى بالكلية فيجريها في الجزئيات دون أن ينظر في الدليل الخاص بهذه الجزئية الوارد من الكتاب والسنة وما معهما، وقد ساق المصنف تمهيدا لذلك أول المسألة، ثم بين وجه حاجة الجزئيات إلى الكليات بقوله: "وإذا كان كذلك ... إلخ"، ثم بين عدم استغناء الكليات عن الجزئيات بقوله: "وكما أن ... إلخ"، ومد النفس في هذا الجانب؛ لأنه موضع التوهم لمخالفته المألوف في مثله. "د". 2 "وذلك أن الله تعالى لما اقتضت حكمته الأزلية سعادة الخلق في الأولى والآخرة، ناطها بأحكام معقولة التناسب، ورتب عليها مصالح كفيلة بذلك". "ف". وكتب "د" ما نصه: "أي: إن المراتب الثلاثة لا تخلو منها جزئية من مسائل الشريعة وفروعها، وأدلتها الشرعية التفصيلية مستغرقة لهذه الفروع والجزئيات، لا فرق بين ضروريات الدين وحاجياته وتحسيناته، ولا بين الأمور العادية والعبادية؛ فلا فرق في ذلك بين الصلاة والبيع والقضاء وغيرها، ولا بين قاعدة الغرر وقاعدة الربا مثلا، والغرض التعميم، وأن الأدلة التفصيلية عامة شاملة، إن لم تكن من الكتاب؛ فمن السنة أو الإجماع أو غيرهما من الاستحسان والمصالح المرسلة باعتبار الجزئيات في تلك الأدلة؛ فهذه كلها أدلة تفصيلية تتعلق بجزئيات المراتب الثلاث المذكورة، وكما أن الأمر هكذا في الأدلة التفصيلية؛ فهو كذلك أيضا في كلياتها التي أخذت من استقرائها، هي أيضا عامة لكل ما يتعلق بهذه المراتب الثلاث، لا تخص أدلة تفصيلية تتعلق ببعض المراتب دون بعض، ولا بعض القواعد الشرعية دون بعض، بل إنها كليات عامة تقع على جميع الأدلة التفصيلية والقواعد الشرعية المسماة جزئيا إضافيا؛ فتضبط مقاصدها ويتزن بها طريق إجرائها والعمل بها، فكما أن الجزئيات التي هي الأدلة التفصيلية والقواعد الشرعية المذكورة مبثوثة في جميع فروع =

الشَّرِيعَةِ وَأَدِلَّتُهَا، غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ، وَلَا بِبَابٍ دُونَ بَابٍ، وَلَا بِقَاعِدَةٍ دُونَ قَاعِدَةٍ؛ كَانَ النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ فِيهَا أَيْضًا عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِجُزْئِيَّةٍ دُونَ أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا كُلِّيَّاتٌ تَقْضِي عَلَى كُلِّ جُزْئِيٍّ1 تَحْتَهَا وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ جُزْئِيًّا إِضَافِيًّا2 أَمْ حَقِيقِيًّا3؛ إِذْ لَيْسَ فَوْقَ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ كُلِّيٌّ تَنْتَهِي إِلَيْهِ، بَلْ هِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ تَمَّتْ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَفْقِدَ بَعْضَهَا حَتَّى يَفْتَقِرَ إِلَى إِثْبَاتِهَا بِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَهِيَ الْكَافِيَةُ فِي مَصَالِحِ الْخَلْقِ عُمُومًا وَخُصُوصًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} 4 [المائدة: 3] .

_ = المراتب الثلاث؛ كذلك هذه الكليات المأخوذة من استقرائها قاضية على كل الجزئيات وعلى أفراد الأدلة التفصيلية التي تندرح تحتها؛ فلا يتأتى أن يفقد بعض تلك الكليات حَتَّى يَفْتَقِرَ إِلَى إِثْبَاتِهَا بِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ لأن ذلك إنما يعقل في فروع الأحكام لا في أصولها، وإلا؛ لما كانت الشرعية تامة. وهنا يخطر السؤال الذي يريد المؤلف أن يجعل هذه المسألة لتحقيقه، وهو أنه هل يصح إذًا للمجتهد ألا ينظر في الجزئيات والأدلة التفصيلية عند استنباط الأحكام ويكتفي بالكليات، كما هو الشأن في قواعد اللغة مثلا، يجري التطبيق في كل فاعل على أنه مرفوع عند قراءة كلام العرب، بدون نظر إلى أن هذا الفاعل بخصوصه ورد عن العربي المتكلم به مرفوعا؟ وهكذا يكون الشأن هنا؛ فيقال مثلا: إن هذا الجزئي إن كان ضروريا قدم على الحاجي، وإن كان حاجيا قدم على ما بعده، والضروريات نفسها ما كان منها متعلقا بالدين قدم على المتعلق بالنفس، وهذا يقدم على ما بعده منها، وهكذا؛ فيستغنى بالنظر في الكليات عن النظر في الدليل الشرعي الخاص على طبق قواعد النحو مثلا، وكذلك يستغنى عن النظر في الجزئيات الإضافية اكتفاء بالكليات؟ فكان الجواب عن السؤال أن الأمر ليس على ما يظن، بل لا بد منهما معا كما بسطه، ولما كانت هذه المسألة كأصل عام في كتاب الأدلة جعلها فاتحة مسائل هذا الباب؛ فلله درّه ما أسد نظره، ولقد صدق فيما يقول بعد: "إن النظر في هذه الأطراف فيه جملة الفقه"، وسيأتي لهذا المبحث بقية في كتاب الاجتهاد في المسألة الثالثة عشرة". 1 في "ط": "جزء". 2 أي كما قال: "ولا بقاعدة دون قاعدة". "د". 3 كذا في "د"، وفي الأصل و"م" و"ف" و"ط": "أو حقيقيا". 4 المراد بذلك بيان ما لزم بيانه وما يستنبط منه غيره، كالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرع وقوانين الاجتهاد؛ فكل ما يستنبطه المجتهدون ويخرجه العلماء الراسخون من أحكام الوقائع مأخوذ من الكتاب والسنة، وإليهما يرجع الإجماع. "ف". قلت: انظر في تفسير الآية: "الاعتصام" للمصنف "2/ 816-817 - ط دار ابن عفان".

وَقَالَ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 38] . وَفِي الْحَدِيثِ: "تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْجَادَّةِ" 1 الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: "لَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ" 2. وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى تَمَامِ الْأَمْرِ وَإِيضَاحِ السَّبِيلِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَتِ الجزئيات3 وهي أصول الشريعة؛ فما تحتها

_ 1 أخرجه رزين في "جامعه" المسمى "التجريد للصحاح الستة"، كما في "جامع الأصول" "1/ 293" لابن الأثير -وقد نقل هذا الكتاب مفرقا على أبوابه، كما صرح "1/ 55"- عن علي رضي الله عنه قوله، وتتمته: "منهج عليه أم الكتاب"، وانفرادات رزين من مظان الضعف، وورد حديث فيه: "تركتكم على البيضاء"، سيأتي تخريجه "4/ 133، 135"، وهو صحيح. قال "ماء": "الجادة: معظم الطريق، وقيل: وسطه، وقيل: هي الطريق الأعظم الذي يجمع الطرق ولا بد من المرور عليه". 2 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، 1/ 118/ رقم 131 بعد 208" عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى، وأوله: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ... "، وأصل الحديث -دون القطعة المذكورة- في "صحيح البخاري" "رقم 6491". ومعنى: "لا يهلك على الله إلى هالك" أي: من أصر على التحري على السيئة عزمًا وقولًا وفعلًا، وأعرض عن الحسنات همًّا وقولًا وفعلًا، قاله ابن حجر في "الفتح"، وفي "م": "إلا الهالك". 3 أي: الحقيقة؛ كنصوص الأدلة التفصيلية، أو الإضافية؛ كالقواعد الكلية التي تندرج تحت كليات المراتب الثلاث الأعم منها؛ فلذا قال: "وهي أصول الشريعة فما تحتها". "د".

مُسْتَمَدَّةٌ1 مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ، شَأْنَ2 الْجُزْئِيَّاتِ مَعَ كُلِّيَّاتِهَا فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الموجوادات؛ فَمِنَ الْوَاجِبِ اعْتِبَارُ3 تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ بِهَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ عِنْدَ إِجْرَاءِ الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ؛ إِذْ مُحَالٌ أَنْ تَكُونَ الْجُزْئِيَّاتُ مُسْتَغْنِيَةً عَنْ كُلِّيَّاتِهَا، فَمَنْ أَخَذَ بِنَصٍّ مَثَلًا فِي جُزْئِيٍّ4 مُعْرِضًا عَنْ كُلِّيِّهِ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ5. وَكَمَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِالْجُزْئِيِّ6 مُعْرِضًا عَنْ كَلِّيِّهِ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ، كَذَلِكَ مَنْ أَخَذَ بِالْكُلِّيِّ مُعْرِضًا عَنْ جُزئِيِّهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ تَلَقِّي الْعِلْمِ بِالْكُلِّيِّ إِنَّمَا7 هُوَ مِنْ عَرْضِ الْجُزْئِيَّاتِ

_ 1 لأن الأدلة الشرعية وما أخذ عنها من القواعد إنما جاء تقريرًا وتفصيلًا للمقاصد الشرعية العامة في المراتب الثلاث، وكل ما جاء من ذلك لاحظ فيه الشارع المحافظة على هذه المراتب، التي بحفظها ينتظم أمر المعاش والمعاد. "د". 2 أي: أن تكون متفرعه عنها، داخلًا في قوامها ما اعتبر مقومًا لهذه الأنواع. "د". 3 أي: بالتحقق من اندراجها تحتها، بحيث لا يحصل اشتباه ما يدخل تحت الضروري بما يدخل تحت المرتبتين الأخريين، وإلا؛ لما صح الحكم على الجزئي. "د". 4 حقيقي أو إضافي؛ أي: سواء أكان دليلًا خاصًا من الكتاب وما معه، أم كان قاعدة مما يندرج تحت كلي أعم منه؟ "د". 5 أي: قد يدركه الخطأ، وإلا فقد يصادف الثواب؛ فكثيرًا ما يستدل الشخص بحديث على جزئي، ولا يلتفت لكليه ويصادف الصواب، أو يقال: أخطأ في طريق الاجتهاد، وإن لم يخطئ النتيجة. "د". 6 في الأصل و"ف": "أخذها لجزئي"، وقال "ف": "لعل المناسب: كما أن من أخذ به في جزئي معرضًا إلخ ... ". قلت: وما في "د" هو الصواب. 7 هذا بالنسبة لنفس المستقرئ المثبت للكلي، أما بالنسبة لغيره الذي أخذ العلم بالكلي بعد ما تم استقراؤه من غيره؛ فلا يقال فيه ذلك، إلا بواسطة من أخذ عنه الكلي، أما بالنسبة إليه هو؛ فلا توقف. "د".

وَاسْتِقْرَائِهَا؛ [وَإِلَّا] فَالْكُلِّيُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُضَمَّنٌ فِي الْجُزْئِيَّاتِ حَسَبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَعْقُولَاتِ؛ فَإِذًا الْوُقُوفُ مَعَ الْكُلِّيِّ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجُزْئِيِّ وُقُوفٌ1 مَعَ شَيْءٍ لَمْ يَتَقَرَّرِ الْعِلْمُ بِهِ بَعْدُ دُونَ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيِّ، وَالْجُزْئِيُّ2 هُوَ مَظْهَرُ الْعِلْمِ بِهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْجُزْئِيَّ لَمْ يُوضَعْ جُزْئِيًّا؛ إِلَّا لِكَوْنِ3 الْكُلِّيِّ فِيهِ عَلَى التَّمَامِ وَبِهِ قِوَامُهُ، فَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْئِيٌّ إِعْرَاضٌ عَنِ الْكُلِّيِّ نَفْسِهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ4، وَلِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْجُزْئِيِّ جُمْلَةً يُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ فِي الْكُلِّيِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ5 لِلْكُلِّيِّ أَوْ تَوَهُّمِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ، وَإِذَا خَالَفَ الْكُلِّيُّ الْجُزْئِيَّ مَعَ أَنَّا إِنَّمَا6 نَأْخُذُهُ مِنَ الْجُزْئِيِّ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكُلِّيَّ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْعِلْمُ بِهِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْجُزْئِيُّ جُزْءًا مِنَ الْكُلِّيِّ7 لَمْ يَأْخُذْهُ الْمُعْتَبِرُ جُزْءًا مِنْهُ، وَإِذَا أَمْكَنَ هَذَا؛ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْجُزْئِيِّ فِي مَعْرِفَةِ الْكُلِّيِّ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكُلِّيَّ لَا يُعْتَبَرُ بِإِطْلَاقِهِ دُونَ اعْتِبَارِ الْجُزْئِيِّ، وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَكِّدُ لَكَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى قصد الشارع؛

_ 1 راجع إلى الوجه الأول من البيان. "د". 2 راجع إلى الوجه الثاني منه، وكلاهما لا يخلو من نظر. "د". 3 ظاهر بالنسبة للجزئي الإضافي. "د". 4 أي: الإعراض عن الجزئي مع اعتبار الكلي تناقض؛ لأن الإعراض عن الجزئي إعراض عن الكلي بمقتضى تقريره؛ فيكون اعتبارا للكلي وإعراضا عنه معا، وهو تناقض. "د". 5 بحيث لا يرد إليه بالطريق المؤدي إلى تعرف أنه جزئيه ويندرج فيه. "د". 6 بما قدمناه لا يذهب عليك صحة عباراته المتبادر منها التناقض، حيث يقول تارة: "الجزئي مستمد من الكلي شأن الجزئيات مع أنواعها"، وتارة يقول: "الكلي مأخوذ من الجزئي"، وكل صحيح بالمعنى المتقدم في كل منها. "د". 7 أي: من كليه الحقيقي، وقوله: "لم يأخذه المعتبر جزء منه"؛ أي: مما ادعى أنه كليه، يعني: فلا يكون هو كليه. "د".

لِأَنَّ الْكُلِّيَّ إِنَّمَا تَرْجِعُ حَقِيقَتُهُ إِلَى ذَلِكَ1، الجزئي كَذَلِكَ أَيْضًا؛ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِهِمَا مَعًا2 فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ. فَإِذَا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ، ثُمَّ أَتَى النَّصُّ عَلَى جُزْئِيٍّ يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُخَالَفَةِ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ فِي النَّظَرِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ الْجُزْئِيِّ إِلَّا مَعَ الْحِفْظِ عَلَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ، [إِذْ كُلِّيَّةُ] 2 هَذَا مَعْلُومَةٌ ضَرُورَةً بَعْدَ الْإِحَاطَةِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ؛ فَلَا يُمْكِنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنَّ تُخْرَمَ الْقَوَاعِدُ بِإِلْغَاءِ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ3، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُعْتَبَرَ الْكُلِّيُّ وَيُلْغَى الْجُزْئِيُّ. فَإِنْ قِيلَ: الْكُلِّيُّ لَا يُثْبِتُ كُلِّيًّا إِلَّا مِنَ اسْتِقْرَاءِ الْجُزْئِيَّاتِ كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُفْرَضَ جُزْئِيٌّ إِلَّا وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتِ الْكُلِّيِّ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ قَطْعِيٌّ إِذَا تَمَّ4 فَالنَّظَرُ إِلَى الْجُزْئِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ عناء5، وفرض مخالفته

_ 1 أي: لأن اعتبار الكلي وملاحظته عند النظر في الجزئيات إنما يقصد منه المحافظة على مقاصد الشارع، ولا يكون ذلك دون النظر للجزئي أيضا. "د". 2 سقطت من "ط". 3 أي: مما تضمنته القواعد، وإذًا؛ فالقواعد معتبرة لم يهدمها هذا النص في هذا الجزئي، ولكن هذا لا يقضي باعتبار الكلي وحده مطردًا ويلغي الجزئي؛ فلا بد من اعتبار الكلي في غير موضع المعارضة حتى لا يهدر الكلي ولا الجزئي، وسيأتي له بيان وتمثيل. "د". 4 قال بعضهم: "وتمامه بالنظر في الأدلة الجزئية، وما انطوت عليه من الوجوه العامة على حد التواتر الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي لَا يُثْبَتُ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، بَلْ بأدلة ينضاف بعضها إلى بعض، بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَمْرٌ وَاحِدٌ تَجْتَمِعُ عليه تلك الأدلة، وتقدم أن الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي العام، وأن تخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا؛ لأنه إذا خرج عن ضروري مثلا، فإنما يخرج لحاجي أو كمالي لعارض لا لذاته، ولا يتجاوز الأصول الثلاثة" ا. هـ. "د". قلت: قوله: "قال بعضهم ... " هو "ف". 5 في "ط": "عماء".

غَيْرُ صَحِيحٍ، كَمَا أَنَّا إِذَا حَصَّلْنَا مِنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ مَثَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ مَعْنَى الْحَيَوَانِيَّةِ؛ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُوجَدَ إِنْسَانٌ إِلَّا وَهُوَ حَيَوَانٌ؛ فَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيِّ حُكْمٌ قَطْعِيٌّ لَا يَتَخَلَّفُ، وُجِدَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ؛ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي الْحُكْمِ بِهَذَا الْكُلِّىِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا كَذَلِكَ، فَإِذَا فُرِضَتِ الْمُخَالَفَةُ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ فَلَيْسَ بِجُزْئِيٍّ لَهُ كَالتَّمَاثِيلِ وَأَشْبَاهِهَا، فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا وَجَدْنَا أَنَّ الْحِفْظَ عَلَى الدِّينِ أَوِ النَّفْسِ أَوِ النَّسْلِ1 أَوِ الْمَالِ أَوِ الْعَقْلِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ مُعْتَبَرٌ2 شَرْعًا، وَوَجَدْنَا ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ جُزْئِيَّاتِ الْأَدِلَّةِ؛ حَصَلَ لَنَا الْقَطْعُ بِحِفْظِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ حَيْثُمَا وَجَدْنَاهُ؛ فَنَحْكُمُ بِهِ عَلَى كُلِّ جُزْئِيٍّ فُرِضَ عَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ الْوِزَانِ، لَا يُخَالِفُهُ عَلَى حَالٍ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ بِخِلَافِ مَا وُضِعَ، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا 3 كَثِيرًا} [النِّسَاءِ: 82] ؛ فَمَا فَائِدَةُ اعْتِبَارِ الْجُزْئِيِّ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْكُلِّيِّ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا فِي التَّفْصِيلِ؛ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إِنْ عُلِمَ أَنَّ الْحِفْظَ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ مُعْتَبَرٌ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِجِهَةِ الْحِفْظِ الْمُعَيَّنَةِ؛ فَإِنَّ لِلْحِفْظِ وُجُوهًا قَدْ يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ وَقَدْ لَا يُدْرِكُهَا، وَإِذَا أَدْرَكَهَا؛ فَقَدْ يُدْرِكُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ، أَوْ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، أَوْ عَادَةٍ دُونَ عَادَةٍ؛ فَيَكُونُ اعْتِبَارُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ خَرْمًا لِلْقَاعِدَةِ4 نَفْسِهَا، كَمَا قَالُوا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ؛ لَمْ يَنْسَدَّ بَابُ الْقَتْلِ بالقصاص، إذا اقتصر

_ 1 في الأصل: "النسب". 2 في الأصل و"ف" و"م" و"ط": "معتبرا". 3 بحيث تكون الأشياء يجمعها كلي واحد، وتكون من وادٍ واحد، ومع ذلك تتعارض أحكامها وتتنافى، وذلك غير واقع في الشريعة قطعًا. "د". 4 هكذا في "د" فقط، وفي غيرها: "للعادة"، وقال: "ف": "لعله للقاعدة"، وفي "ط": "الإطلاق وهو إما للقاعدة ... ".

بِهِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْقَتْلُ بِالْمُحَدَّدِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي اشْتِرَاكِ1 الْجَمَاعَةِ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ، وَمِثْلُهُ2 الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا مَعَ المراض وسائر الرخص

_ 1 فقد قاد عمر من خمسة أو سبعة في رجل واحد قتلوه غيلة؛ لأنه رضي الله عنه أدرك جهة حفظ النفس بالقصاص، وأنه لو لم يقتل الجماعة بالواحد لم ينسد باب القتل بحكم القصاص، وهذه قد يقف العقل دونها؛ فيفهم أن قتل سبعة بشخص واحد ليس حفظًا للنفس؛ فهذا اجتهاد عمر حيث قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا" لأنه فهم جهة الحفظ التي قد يقف فيها غيره، على أنه رضي الله عنه كان مترددًا فيه حتى قال له علي: أرأيت لو اشترك جماعة في سرقة، أكنت تقطعهم؟ قال: نعم. قال: فكذا هنا"؛ فحكم بالقتل، أما القتل بالمثقل فقد ورد فيه قصة اليهودي الذي قتل الجارية على أوضاح لها بحجر، فرضخ رسول الله رأسه بحجرين قتل بهما؛ فانظر وجه ذكره مع أنه منصوص، ثم لا يتوهم فيه عدم القصاص لمانع يرجع لحفظ النفس، وكذلك قال ابن الحاجب: "إنه ثبت بالقياس على المحدد"، وكأنه لم يكتفِ بالنص الذي أشرنا إليه في الحديث لمانع في الحديث، ولا يعترض بأنه من باب القياس في الأسباب، وهو ممنوع؛ لأن السبب الواحد وهو القتل العمد العدوان؛ فلا قياس في السبب. "د". قلت: أثر عمر أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أم يقتص منهم كلهم؟ 12/ 227/ رقم 6896" بسنده عن نافع عن ابن عمر؛ أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: "لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم"، ثم قال: "وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه، إن أربعة قتلوا صبيًّا؛ فقال عمر.... مثله". قلت: وصل نحوه عبد الرزاق في "المصنف" "18075، 18077"، والخطابي في "الغريب" 2/ 83-84"، ومالك "2/ 192"، والبيهقي "8/ 40-41"، وانظر: "تغليق التعليق" "5/ 252"، و"تحفة الطالب" "ص435"، والمعتبر" "ص218-219"، و"موافقة الخبر الخبر" "2/ 419-421"، و"فتح الباري" "12/ 227-228"، و"الاعتصام" للمصنف "2/ 623-624 - ط ابن عفان"، أما قصة اليهودي؛ فسيأت تخريجها. 2 فالمحافظة على الضروري وهو الدين هنا في الصلاة مثلًا إذا جرى الأمر فيها لنهايتها، ولو أدى إلى المشقة الفادحة محافظة على هذا الضروري ما كان يرخص في القعود مثلا للمريض، ومثله يقال في فطر رمضان للمريض القادر بمشقة، فلو لم ينص الشارع على هذه الجزئيات ويلتفت إليها في الاستنباط، وأكتفي بأصل الحفظ للضروري لما كان هذا الترخص، ولو لم يكن لأدى إلى الضيق والحرج المرفوع قطعًا؛ فقد نظر إلى قاعدة الحاجيات في هذه المسائل مع أنها في موضوع الضروريات. "د". وفي "ط": "ومثله القائم ... ".

الْهَادِمَةُ لِعَزَائِمِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي؛ إِعْمَالًا لِقَاعِدَةِ الْحَاجِيَّاتِ في الضروريات، ومثل ذلك المستثنيات1 من القوعد الْمَانِعَةِ؛ كَالْعَرَايَا، وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالسَّلَمِ، وَالْقَرْضِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا الضَّرُورِيَّاتِ كُلَّهَا2؛ لَأَخَلَّ ذَلِكَ بِالْحَاجِيَّاتِ أَوْ بِالضَّرُورِيَّاتِ3 أَيْضًا، فَأَمَّا إِذَا اعْتَبَرْنَا في كل رتبة جزئياتها؛ كان ذلك محافظة عَلَى تِلْكَ الرُّتْبَةِ وَعَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْكُلِّيَّاتِ؛ فإن تلك المراتب الثلاث يخدم بعضها بعضها ويخصص بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ الْكُلِّ فِي مَوَارِدِهَا وَبِحَسِبِ أَحْوَالِهَا. وَأَيْضًا؛ فَقَدْ يَعْتَبِرُ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ4 مَا لا تدركه العقول إلا بالنص عليه،

_ 1 هذا بناء على أن البيع والإجارة من الضروري، ولم يجر المحافظة على الضروري فيهما للنهاية، بل أعملت قاعدة رفع الحرج التي هي الخاصية للحاجيات؛ فاستثنيت من القواعد التي تقتضي منعها كالغرر في القراض والمساقاة، وهكذا. "د". 2 أي: بحيث نلتزم الوفاء بها في كل جزئياتها لأجل ذلك بالحاجيات في كثير من جزئياتها؛ فيقع الحرج المنبوذ في الشريعة، وقد يخل ذلك بالضروري نفسه. "د". وكتب "ف": "لعله "في كلها"؛ أي: كل الجزئيات". وفي "ط": "فلو اعتبرت الضروريات بكلياتها"، وهو الصحيح. 3 أي قد يؤدي الأخذ بالمحافظة على ضروري إلى الإخلال به نفسه أبو بضروري آخر مثال الأول إذا لم نبح التيمم للمريض خشية المرض أو زيادته؛ فقد يؤدي الوضوء إلى شدة المرض حتى لا يستطيع الصلاة رأسًا، أو لا يستطيعها بالمقدار الذي يستطيعه لو تيمم، ومثال الثاني ظاهر. "د". وكتب "ف": "لعله "بل بالضروريات"؛ فأو بمعنى بل". 4 أي: من المحافظة على المراتب في جزئياتها ومواردها ما يشتبه أمره على العقل ولا يعرف جهة الحفظ فيه إلا بالنص. "د".

وَهُوَ أَكْثَرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ؛ لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ فِي الْفَتَرَاتِ1 قَدْ كَانُوا يُحَافِظُونَ عَلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ2 بِمُقْتَضَى أَنْظَارِ عُقُولِهِمْ، لكن على وجه لم يتجهوا بِهِ إِلَى الْعَدْلِ فِي الْخَلْقِ وَالْمُنَاصَفَةِ بَيْنَهُمْ، بل كان مع ذلك الهرج واقعًا، والمصلح تُفَوِّتُ مَصْلَحَةً أُخْرَى، وَتَهْدِمُ قَاعِدَةً أُخْرَى أَوْ قواعد؛ فجاء الشارع بِاعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ وَالنَّصَفَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي كُلِّ حِينٍ [وَفِي كُلِّ حَالٍ] ، وَبَيَّنَ مِنَ الْمَصَالِحِ مَا يَطَّرِدُ وَمَا يُعَارِضُهُ وَجْهٌ آخَرُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، كَمَا فِي اسْتِثْنَاءِ الْعَرَايَا وَنَحْوِهِ، فَلَوْ أَعْرَضَ عَنِ الْجُزْئِيَّاتِ بِإِطْلَاقٍ؛ لَدَخَلَتْ مَفَاسِدُ وَلَفَاتَتْ مَصَالِحُ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ؛ لِأَنَّهَا يَخْدِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَقَلَّمَا تَخْلُو جُزْئِيَّةٌ مِنَ اعْتِبَارِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ فِيهَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَهَا قَدْ يُعَارِضُ بَعْضًا فَيُقَدَّمُ الْأَهَمُّ حَسَبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ التَّرْجِيحِ، وَالنُّصُوصُ وَالْأَقْيِسَةُ الْمُعْتَبَرَةُ تَتَضَمَّنُ3 هَذَا عَلَى الْكَمَالِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ مَعَ اعْتِبَارِ كُلِّيَّاتِهَا، وَبِالْعَكْسِ، وَهُوَ مُنْتَهَى4 نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ بِإِطْلَاقٍ، وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي طَلَقُهُمْ5 فِي مَرَامِي الِاجْتِهَادِ. وَمَا قُرِّرَ فِي السُّؤَالِ عَلَى الْجُمْلَةِ صَحِيحٌ؛ إِذِ الْكُلِّيُّ لَا ينخرم بجزئي ما،

_ 1 أي: في الأزمنة بين بعثة الرسل. "ف". 2 الضروريات ومكملاتها. "د". 3 فإذن لا بد من الرجوع لجزئيات الأدلة، وهي النصوص والأقيسة، ولا يمكنه الاستغناء عنها بالكليات كما يستغنى بكل فاعل مرفوع عما جاء في رواية تفاصيل كلام العرب مثلا. "د". 4 إذ يجمعون بين النظر للدليل الخاص وبين كليه المندرج تحت المراتب الثلاثة، فيصلون بذلك لمعرفة مقصد الشارع في مثله على العموم؛ فينضبط به قصده بهذا الدليل الخاص على وجه الخصوص. "د". 5 بفتح الطاء واللام؛ أي: سيرهم. "ف".

وَالْجُزْئِيُّ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيِّ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَاتِ الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ؛ فَإِنَّ1 الْإِنْسَانَ مَثَلًا يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَيَوَانِيَّةِ بِالذَّاتِ، وَهِيَ التَّحَرُّكُ بِالْإِرَادَةِ، وَقَدْ يَفْقِدُ ذَلِكَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ مَانِعٍ غَيْرِهِ؛ فَالْكُلِّيُّ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، وَكَوْنُ جُزْئِيٍّ مِنْ جزئياته مَنَعَهُ مَانِعٌ مِنْ جَرَيَانِ حَقِيقَةِ الْكُلِّيِّ فِيهِ أَمْرٌ خَارِجٌ، وَلَكِنَّ الطَّبِيبَ إِنَّمَا يَنْظُرُ فِي الْكُلِّيِّ بِحَسَبِ جَرَيَانِهِ فِي الْجُزْئِيِّ أَوْ عَدَمِ جَرَيَانِهِ، وَيَنْظُرُ2 فِي الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ يَرُدُّهُ إِلَى الْكُلِّيِّ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي لِذَلِكَ فَكَمَا3 لَا يَسْتَقِلُّ الطَّبِيبُ بِالنَّظَرِ فِي الْكُلِّيِّ دُونَ النَّظَرِ فِي الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَبِيبٌ، وَكَذَلِكَ4 بِالْعَكْسِ؛ فَالشَّارِعُ هُوَ الطَّبِيبُ الْأَعْظَمُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي الْعَسَلِ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً لِلنَّاسِ، وَتَبَيَّنَ لِلْأَطِبَّاءِ5 أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ عِلَلٍ كَثِيرَةٍ وَأَنَّ فِيهِ أَيْضًا ضَرَرًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، حَصَلَ هَذَا بِالتَّجْرِبَةِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي أَجْرَاهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ؛ فَقَيَّدَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ كَمَا اقْتَضَتْهُ التَّجْرِبَةُ، بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَهِيَ امْتِنَاعُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الشَّرِيعَةِ خَبَرٌ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ، مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ فِي أَنَّهُ شِفَاءٌ فَقَطْ؛ فَأَعْمَلُوا الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ، وَحَكَمُوا6 بِهَا عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَاعْتَبَرُوا الْجُزْئِيَّ7 أَيْضًا فِي غير الموضع

_ 1 في الأصل: "بأن"، وفي "ط": "كما أن". 2 فالطبيب يعرف أن مرض كذا مشخصاته كذا ودواؤه كذا، ولكن هل الشخص الذي يعالجه توجد فيه الخواص اللازمة لهذا المرض، هذا نظره الأول، فإذا وجدها كذلك وعرف أن الكلي متحقق فيه، لا بد له من النظر للجزئي أيضا نظرة ثانية: أليس عنده من المقارنات لهذا المرض ما يمنع من هذا الدواء؛ فيخفف، أو يمزج بغيره، وهكذا ينظر فيما يرد هذا الجزئي الخاص إلى ما يناسبه من كلي الأدوية؛ فلا يجري عليه الدواء المعروف لكلي المرض بمجرد أنه دواء لكلي مرضه، بل لا بد من النظر في حالة الشخص أو لا؛ فكذا الأمر هنا، وقد أحسن كل الإحسان في التمثيل. "د". 3 في "ط": "فكلما". 4 في "ف" و"م": "فكذلك". 5 في "ط": "للأطباء فيه". 6 فقالوا: إنه شفاء قطعًا. "د". 7 فبهذا الجزئي من التجرية في بعض الأشخاص وإحداثه الضرر، قالوا: إن الكلي لا يجري اطراده على استقامة؛ فيستثني موضع المعارضة وهو أصحاب الصفراء مثلا؛ فقد أعملوا كلا منهما. "د".

الْمَعَارِضِ1؛ لِأَنَّ الْعَسَلَ ضَارٌّ لِمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الصَّفْرَاءُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَهُوَ لَهُ شِفَاءٌ، أَوْ فِيهِ لَهُ شِفَاءٌ. وَلَا يُقَالُ: إِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى اعْتِبَارِ الْجُزْئِيِّ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ مَعًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَتَيْنِ2، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ3 جُزْئِيٍّ وَفِي كُلِّ حَالٍ4، بَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ5 الْجُزْئِيُّ إِذَا لَمْ تَتَحَقَّقِ اسْتِقَامَةُ الْحُكْمِ بِالْكُلِّىِّ فِيهِ كَالْعَرَايَا وَسَائِرِ المستثنيات، ويعتبر الكلي6 في تخصيصه للعام

_ 1 في "ط": "العارض". 2 فعدم اعتباره من حيث ذاته مع ذات الكلي؛ لأنه لا يتأتى وهو جزئي أن يخالف حكم الكلي، ولكن من حيث أمر خارج عنه قد يخالف حكمه، كما قيل في المرض المقترن به علة أخرى؛ فإنها تجعله ينظر فيه بنظر آخر كالصفراء في المثال. "د". 3 أي: بل بعض الجزئيات في بعض الأحوال قد يأخذ حكمًا غير حكم الكلي. "د". 4 لعله: "أو في كل حال" بدليل ما بعده. "ف". 5 معنى اعتبار الجزئي الأخذ بالدليل الخاص وإن خرج عن حكم الكلي الذي هو القاعدة الأصولية التي أخذت من الاستقراء للأدلة، ومعنى اعتبار الكلي تخصيصه للدليل الشرعي التفصيلي العام أو تقييده لمطلقه، كما في المثال السابق، حيث أعملت القاعدة الكلية وهي امتناع أن يأتي في الشرعية خبر بخلاف مخبره؛ فقيدوا بها المطلق الوارد في نفع العسل من مرض الإسهال، بحيث لا يكون إخلالًا بالدليل المطلق أو العام الوارد في هذا الجزئي، وهو جزئي نفع العسل في الإسهال، ولا يشتبه عليك الأمر فتفهم أن كلمة العام تنافي كلمة الجزئي المجعول صفة له؛ لأن عمومه جاء له من كون الدليل الشرعي التفصيلي الوارد فيه من آية أو حديث ورد بلفظ عام، وجزئيته جاءت له من كونه متعلقا بجزئي؛ كصلاة، أو زكاة، أو بيع، أو نكاح، أو داوء مرض كمثاله، بخلاف أصل القاعدة الأصولية؛ فإنها لا تخص بابًا دون باب؛ كقاعدة "الأمر بالشيء ليس أمرًا بالتوابع" مثلا، وبه يتبين أن العبارة كلها محررة. "د". 6 تحريره: "يعتبر الجزئي في تخصيصه للعام الكلي"! "ف". قلت: هامش "د" السابق فيه رد على هذا، وفي الأصل: " ... في تخصيصه للعالم -كذا- الجزئي".

الْجُزْئِيِّ، أَوْ تَقْيِيدِهِ لِمُطْلَقِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ إِخْلَالًا بِالْجُزْئِيِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا مَعْنَى اعْتِبَارِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ، وَقَدْ مَرَّ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ؛ فَلَا يَصِحُّ إِهْمَالُ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْأَطْرَافِ، فَإِنَّ فِيهَا جُمْلَةَ الْفِقْهِ، وَمِنْ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا أَخْطَأَ مَن أَخْطَأَ، وَحَقِيقَتُهُ1 نَظَرٌ مُطْلَقٌ فِي مَقَاصِدِ الشَّارِعِ، وَأَنَّ تَتَبُّعَ نُصُوصِهِ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً أَمْرٌ وَاجِبٌ؛ فَبِذَلِكَ يَصِحُّ تَنْزِيلُ الْمَسَائِلِ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَيَحْصُلُ مِنْهَا صُوَرٌ صَحِيحَةُ الاعتبار، وبالله التوفيق.

_ 1 أي: فلا بد من النظر المطلق في مقاصد الشرع بواسطة الكليات، ولا بد من تتبع النصوص أيضا مع ذلك وهي الجزئيات، وبالأمرين معًا تصدر من الناظر صور صحيحة الاعتبار عند الشارع، وما أصعب هذا العمل! وبه يعرف المدعون للاجتهاد من هؤلاء أشباه العوام قيمة دعواهم. "د".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا1 أَوْ ظَنِّيًّا، فَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِهِ؛ كَأَدِلَّةِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَالْعَدْلِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا؛ فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ أَوْ لَا، فَإِنْ رَجَعَ إِلَى قَطْعِيٍّ؛ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ؛ وَجَبَ التَّثَبُّتُ فِيهِ، وَلَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِقَبُولِهِ، وَلَكِنَّهُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ يُضَادُّ أَصْلًا [قَطْعِيًّا] ، وَقِسْمٌ لَا يُضَادُّهُ وَلَا يُوَافِقُهُ؛ فالجميع أربع أَقْسَامٍ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى بَيَانٍ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الظَّنِّيُّ الرَّاجِعُ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ؛ فَإِعْمَالُهُ أَيْضًا ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ [إِعْمَالِ] 2 أَخْبَارِ الْآحَادِ؛ فَإِنَّهَا بَيَانٌ لِلْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] . وَمِثْلُ3 ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ صِفَةِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى، وَالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ بَيَانٌ لِنَصِّ الكتاب.

_ 1 أي: يكون قطعي الدلالة، سواء أكان قطعي السند بأن كان لفظه متواترا أم كان متواترا تواترا معنويا بحيث تعاضدت عليه الروايات وموارد الشريعة حتى صار مما لا شك فيه، ولا يكفي في ذلك مجرد تواتر اللفظ إذا كان ظني الدلالة والظني ما يقابل ذلك، وهذا في الكتاب والسنة ظاهر، والإجماع أيضا منه ظني وقطعي، أم القياس؛ فكله ظني، ولا يتأتى فيه القطع مع احتمال الاعتراضات الخمسة والعشرين؛ فقوله: "كل دليل" ليس على عمومه لأنه لا يجيء هذا التقسيم في القياس كما عرفت. "د". 2 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل. 3 في "ط": "ومثال".

وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ جُمْلَةٍ1 مِنَ الْبُيُوعِ وَالرِّبَا وَغَيْرِهِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى قَوْلِهِ [تَعَالَى] : {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [الْبَقَرَةِ: 275] . وَقَوْلِهِ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 188] . إِلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الْبَيَانَاتِ الْمَنْقُولَةِ بِالْآحَادِ أَوِ التَّوَاتُرِ2؛ إِلَّا أَنَّ دَلَالَتَهَا ظَنِّيَّةٌ. وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 3؛ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ أَصْلٍ قَطْعِيٍّ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ الضَّرَرَ وَالضِّرَارَ مَبْثُوثٌ مَنْعُهُ فِي الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا، فِي وَقَائِعَ جُزْئِيَّاتٍ4، وَقَوَاعِدَ كُلِّيَّاتٍ5؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [الْبَقَرَةِ: 231] . {وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطَّلَاقِ: 6] . {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} الآية [الْبَقَرَةِ: 233] . وَمِنْهُ النَّهْيُ عَنِ التَّعَدِّي عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، وَعَنِ الْغَصْبِ وَالظُّلْمِ، وَكُلِّ مَا هو في المعنى إضرار6 أو ضرار، ويدخل تحته الجناية على

_ 1 وهي كثيرة؛ كالمحاقلة، والمخابرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة، وغيرها. "د". قلت: للشيخ صالح الفوزان رسالة في البيوع المنهي عنها، وكتبت رسائل عدة في "بيع الغرر"، أجمعها رسالة أستاذنا ياسين درادكة: "نظرية الغرر في الشريعة الإسلامية"، وهي مطبوعة في مجلدين. 2 في "ط": "بالتواتر". 3 مضى تخريجه "2/ 72"، وهو صحيح بشواهده. 4 كما في الآيات الثلاث. "د". 5 كما في التعدي على النفوس وما بعده؛ فإنه كما قال: مَعْنًى فِي غَايَةِ الْعُمُومِ فِي الشَّرِيعَةِ لَا شك فيه؛ فهو قطعي في قواعد كليات، وحديث: "لا ضرر ولا ضرار" راجع له؛ فهو من الظني الراجع إلى قطعي. "د". 6 في الأصل: "ضرر".

النَّفْسِ أَوِ الْعَقْلِ أَوِ النَّسْلِ أَوِ الْمَالِ؛ فَهُوَ مَعْنًى فِي غَايَةِ الْعُمُومِ فِي الشَّرِيعَةِ لَا مِرَاءَ فِيهِ وَلَا شَكَّ، وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَجَدْتَهَا كَذَلِكَ1. وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ الظَّنِّيُّ الْمُعَارِضُ لِأَصْلٍ قَطْعِيٍّ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ2؛ فَمَرْدُودٌ بِلَا إِشْكَالٍ. وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ الشرعية، وَمُخَالِفُ أُصُولِهَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، وَمَا لَيْسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ كَيْفَ يُعَدُّ مِنْهَا؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَا يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وَمَا هُوَ كَذَلِكَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ مَثَّلُوا هَذَا الْقِسْمَ فِي الْمُنَاسِبِ الْغَرِيبِ3 بِمَنْ أَفْتَى4 بإيجاب شهرين متتابعين

_ 1 إلا النادر الذي يكون غالبا في الأخبار، كما في القصص عن بني إسرائيل مثلا، وأحاديث الملاحم والفتن، وأشراط الساعة ونحوها؛ كأحاديث: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود"، و "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم"، وسيأتي له حديث: "القاتل لا يرث"، وأنه لا يرجع لأصل قطعي. "د". 2 ظاهره ولو شهد له أصل ظني، وعليه يكون قوله: "ليس له ما يشهد له بصحته"؛ أي: قطعي لأنه الذي يتأتى فرضه مع فرض أنه معارض لقطعي؛ فإنه لا يعقل تعارض قطعيين، فإن وجد ما ظاهره ذلك أُوِّل كما سيأتي له في مسألة رؤية الباري. 3 الغريب نوعان: نوع هو قسم مقابل للمؤثر والملائم والمرسل؛ فهو أربع أربعة أقسام المناسب، ونوع آخر هو قسم من أقسام ثلاثة المرسل: الغريب، ومعلوم الإلغاء، والملائم؛ فالغريب ومعلوم الإلغاء اللذان هما من أقسام المرسل مردودان باتفاق، وفي الملائم منه خلاف، أما الغريب الذي هو قسم رابع للمناسب؛ فلا يقال فيه: دل الدليل على إلغائه، فإن ذلك إنما هو في أقسام المرسل، وسيأتي للمؤلف في الكلام عن القسم الرابع أنه أعمله العلماء في باب القياس؛ فالمراد بالغريب هنا أحد أقسام المرسل الثلاثة، الذي قالوا فيه وفي معلوم الإلغاء: إنهما مردودان اتفاقا، إلا أنهم جعلوا مثاله المذكور -وهو إيجاب الشهرين- مثالا لمعلوم الإلغاء، لا للغريب؛ =

.............................................................

_ = فليراجع المقام في كتب الأصول. "د". وكتب "ف" هنا ما نصه: "المناسب هو الوصف الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقودا للشارع، والغريب ما دل الدليل على إلغائه وعدم اعتباره؛ فلا يعلل به". 4 أفتى بعض العلماء ملكا جامع في رمضان بصيام شر عين؛ فأنكر عليه؛ فقال: لو أمرته بالعتق لسهل عليه بذل ماله في شهوة فرجه؛ فو مناسب تترتب عليه مصلحة الزجر التي يقصدها الشارع، لكنه ضد الدليل الشرعي في تأخر الصيام عن العتق ولم يشهد له أصل آخر، وقوله: "فلا بد من رده"؛ أي: كمثاله هذا. "د". قلت: نقل المصنف في "الاعتصام" "2/ 610" نحوه عن الغزالي، ولكنه جعل المسألة عن الوقاع في نهار رمضان، وليست عن الظهار، وقال: "فهذا المعنى مناسب؛ لأن الكفارة مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا يزجره الإعتاق ويزجره الصيام"، ثم قال: "وهذه الفتيا باطلة؛ لأن العلماء بين قائلين: قائل بالتخيير، وقائل بالترتيب، فيقدم العتق عن الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة إلى الغني لا قائل به"، ثم ذكر نقلا عن ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان، وعين أن الذي أفتاه يحيى بن يحيى الليثي! ثم قال: "فإن صح هذا عن يحيى بن يحيى رحمه الله، وكان كلامه على ظاهره، كان مخالفا للإجماع". قال أبو عبيدة: عندي نظر في صحة هذه القصة عن الإمام يحيى رحمه الله تعالى، وذكرها بإبهام إمام الحرمين في كتابه "الغياثي" "ص222-223"؛ فأحسن، وعلق عليها بعبارات قوية فيها نصرة للحق إن شاء الله تعالى؛ فأجاد؛ قال: "وأنا أقول: إن صح هذا من معتز إلى العلماء؛ فقد كذب على دين الله وافترى، وظلم نفسه واعتدى، وتبوأ مقعده من النار في هذه الفتوى، ودل على انتهائه في الخزي إلى الأمد الأقصى، ثكلته أمه لو أراد مسلكا رادعا، وقولا وازعا فاجعا؛ لذكر ما يتعرض لصاحب الواقعة من سخط الله، وأليم عقابه، وحاق عذابه، وأبان له أن الكفارات وإن أتت على ذخائر الدنيا، واستوعبت خزائن من غبر ومضى؛ لما قابلت همًّا بخطيئة في شهر الله المعظم وحماه المحرم، وذكر له أن الكفارات لم تثبت ممحصات للسيئات وكان يغنيه الحق عن التصريف والتحريف. ولو ذهبنا نكذب الملوك ونطبق أجوبة مسائلهم على حسب استصلاحهم طلبا لما نظنه من فلاحهم لغيرنا دين الله تعالى بالرأي، ثم لم نثق بتحصيل صلاح وتحقيق نجاح؛ فإنه قد يشيع في ذوي الأمر أن علماء العصر يحرفون الشرع بسببهم؛ فلا يعتمدونهم، وإن صدقوهم؛ فلا يستفيدون من أمرهم إلا الكذب على الله، وعلى رسوله، والسقوط عن مراتب الصادقين، والالتحاق بمناصب الممخرقين المنافقين".

ابْتِدَاءً عَلَى مَنْ ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يَأْتِ الصِّيَامُ فِي الظِّهَارِ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً. وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُخَالَفَتُهُ لِلْأَصْلِ قَطْعِيَّةً؛ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهِ. وَالْآخَرُ: أَنْ تَكُونَ ظَنِّيَّةً؛ إِمَّا بِأَنْ يَتَطَرَّقَ الظَّنُّ1 مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْأَصْلِ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ قَطْعِيًّا، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ مُخَالَفَةَ الظَّنِّيِّ لِأَصْلٍ قَطْعِيٍّ يُسْقِطُ اعْتِبَارَ الظَّنِّيِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ. وَالظَّاهِرِيُّ وَإِنْ ظَهَرَ [مِنْ] 2 أَمْرِهِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ عَدَمُ الْمُسَاعَدَةِ فِيهِ3، فَمَذْهَبُهُ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمُسَاعَدَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا وَلَا تَنَاقُضَ، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النِّسَاءِ: 82] . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالظَّاهِرِيُّ لَا تَنَاقُضَ4 عِنْدَهُ فِي وُرُودِ نَصٍّ مُخَالِفٍ لِنَصٍّ آخَرَ أَوْ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى، أَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ؛ فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ فِي الْمُخَالِفِ مَصْلَحَةً لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ، عَلِمْنَاهَا أَوْ جَهِلْنَاهَا، وأما على عدم اعتبارها؛

_ 1 أي: بأنه ليس مخالفا للقطعي، وهذا التقسيم واضح من أن الفرض عدم مخالفته لقطعي مخالفة قطعية؛ فالنفي منصب على القيد، أو عليه والمقيد جميعًا، وسيأتي له ما يصح أن يكون أمثلة له، وتطرق الظن إلى الظني يكون بحمل الظني على معنى لا يخالف القطعي. "د". 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 سقط من "ط". 4 أي: فكل منهما صحيح، ولا تعارض. "د".

فَأَوْضَحُ، فَإِنَّ لِلشَّارِعِ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى كَيْفَ يشاء؛ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْمُتَعَارِضَيْنَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَقَدْ فَرَضُوا فِي كِتَابِ الأخبار مسألة مختلفًا فيها، تر جع إِلَى الْوِفَاقِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَقَالُوا: خَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا كَمُلَتْ شُرُوطَ صِحَّتِهِ؛ هَلْ يَجِبُ عَرْضُهُ عَلَى الْكِتَابِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ1: "لا يجب؛ لأنه لا تتكامل شروطه إلى وَهُوَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ". وَعِنْدَ عِيسَى بْنِ أَبَانٍ2 يَجِبُ، مُحْتَجًّا بِحَدِيثٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: "إِذَا رُوِيَ لَكُمْ حَدِيثٌ؛ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ، وَإِلَّا؛ فردّوه"3.

_ 1 في كتابه العظيم: "الرسالة" "رقم 1108". 2 وكذا قال الرازي في "المحصول" "4/ 438"، وانظر في المسألة "البحر المحيط" للزركشي "4/ 351-352". 3 أخرج الدارقطني في "السنن" "4/ 208"، وابن عدي في "الكامل" "4/ 1387"، والخطيب في "الكفاية" "430"، والهروي في "ذم الكلام" "ص155" عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "سيأتيكم عني أحاديث مختلفة، فما جاءكم موافقًا لكتاب الله ولسنتي؛ فهو مني، وما جاءكم مخالفًا لكتاب الله وسنتي؛ فليس مني". قال الدراقطني: "صالح بن موسى ضعيف، ولا يحتج بحديثه"، وقال ابن عدي عقبه -وساق أحاديث أخر-: "وهذه الأحاديث عن عبد العزيز غير محفوظات، إنما يرويها عنه صالح بن موسى". وأخرج الدارقطني في "السنن" "4/ 208-209"، والهروي في "ذم الكلام" "ص170" عن علي مرفوعًا بلفظ: "إنها تكون بعدي رواة يروون عني الحديث؛ فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن؛ فخذوا به، وما لم يوافق القرآن؛ فلا تأخذوا به". وقال الدراقطني: "هذا وهم، والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم". وأبو بكر بن عياش لما كبر ساء حفظه، وقد خولف؛ كما يفهم من كلام الدراقطني. وفي الباب أحاديث كثيرة كلها فيها مقال، انظر: "ذم الكلام" "ص170-171"، و"السلسلة الضعيفة" "رقم 1083-1090"، وما عند المصنف "4/ 329 وما بعدها". قال "ف": "هذا العرض إنما يعتد به إذا كان من العلماء الراسخين، وهم الأئمة المجتهدون ومن على قدمهم من الفقهاء والمحدثين".

فَهَذَا الْخِلَافُ كَمَا تَرَى رَاجِعٌ إِلَى الْوِفَاقِ1، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي دَلِيلِ السُّنَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِلْمَسْأَلَةِ2 أَصْلٌ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَقَدْ رَدَّتْ عَائِشَةُ [رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا] حَدِيثَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عليه" 3 بهذا الأصل نفسه؛

_ 1 من حيث إنه لا يقبل إلا ما كان موافقًا، ويرد ما كان مخالفًا، والخلاف بينهما في الطريق لمعرفة ذلك. "د". 2 وهي أن مخالفة الظني لأصل قطعي تسقط اعتبار الظني. "د". قلت: وتوسع المتأخرون؛ فخرجوا كثيرا من الأمثلة الآتية على "عرض أخبار الآحاد على القياس" مثل: "الدبوسيّ في "تأسيس النظر" "65-67"، وأبو زهرة في كتابه "مالك" "298-300"، ورد ذلك عبد العزيز البخاري؛ فقال في كتابه "كشف الأسرار" "2/ 697": "وقد حكي عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل، وهذا القول باطل سمج، مستقبح عظيم، وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول، ولا يدرى ثبوته منه"، وقال ابن تيمية في "صحة أصول مذهب أهل المدينة" "ص24": "من ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره؛ فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن وإما بهوى؛ فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصحِّحوه". وانظر: "شرح تنقيح الفصول" "387"، "وتوثيق السنة في القرن الثاني الهجري" "ص391-413" لرفعت فوزي عبد المطلب؛ ففيها رد على هذا القول. 3 مضى تخريجه من حديث عمر رضي الله عنه "2/ 385"، وهو في "الصحيحين" وغيرها. ويشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه"، 3/ 151-152/ رقم 1288"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، 2/ 642/ رقم 929" ضمن حديث فيه قال: ابن عباس قال: "لما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد"، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه"، قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . وانظر لزامًا: "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" للزركشي "ص67-68، 91-92، 107".

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 38، 39] . وردَّتْ حَدِيثَ1 رُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تُدْرِكُهُ

_ 1 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين، 6/ 313/ رقم 3234، 3235"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} ، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء، 1/ 159/ رقم 177" عن مسروق؛ قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة! ثلاث من تكلم بواحدة منهن؛ فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه؛ فقد أعظم على الله الفرية، قال وكنت متكئًا فجلست. فقلت: يا أم المؤمنين! أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 22] ، {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: "إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض". فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] ، أولم تسمع أن الله يقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51] ؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] . قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] . لفظ مسلم. وانظر "الإجابة "84-89".

الْأَبْصَارُ} [الْأَنْعَامِ: 103] ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ؛ لِاسْتِنَادِهِ1 إِلَى أَصْلٍ آخَرَ لَا يُنَاقِضُ الْآيَةَ، وَهُوَ ثُبُوتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ بِأَدِلَّةٍ قُرْآنِيَّةٍ وَسُنِّيَّةٍ تَبْلُغُ الْقَطْعَ، وَلَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وردَّتْ هِيَ وَابْنُ عَبَّاسٍ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ2؛ اسْتِنَادًا إِلَى أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ رَفْعُ الْحَرَجِ وَمَا لَا طَاقَةَ بِهِ3 عَنِ الدِّينِ؛ فلذلك قالا: "فكيف يصنع بالمهراس"4؟

_ 1 أي: فهو وإن عارض أصلًا قطعيا؛ إلا أنه يشهد له أصل قطعي، على أنه قد ينازع في قطعية الدلالة في آية: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} ؛ فلا يكون مما نحن فيه. "د". 2 ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن عثمان وعلي وغيرهما، جمعها أبو عبيد في كتابه "الطهور" "باب السنة فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، ص325-330"، وقد خرجتها ولله الحمد في التعليق عليه، وقال أبو عبيد عقبها: "هذا عندنا هو سنة الوضوء، أنه لا يدخل المتوضئ يده الإناء حتى يغسلها، وإن كانت نظيفة إنما هذا الاتباع، فإن ترك ذلك تارك، ولم يكن على يده قذر؛ فإنه لا ينجس الماء غير أنه جفاء في الدين". وقال: "والذي نختار الأخذ بالآثار الأولى، فنرى غسل اليد على كل حال". وفي "ط": "إدخالهما الإناء". 3 تقدم في المشقات تقييدها بأن تكون غير معتادة في مثل العمل المفروض، ومثل إمالة الإناء لا يظهر فيها ذلك؛ فإنها قد تكون أقل من البحث عن الماء للوضوء مثلا، واستخراجه من البئر العميقة بأدوات ومشقات؛ فقد يقال: إن هذا من القسم الثاني الذي لم يتحقق كونه قطعيًّا؛ لأن ذلك إنما يثبت بكون هذا من الخروج قطعا، وقد علمت ما فيه، وقولهما: فكيف يصنع بالمهراس؟ إذا كان هو ما يسع ماء كثيرا فليس إناء وضوء؛ فلا تظهر شبهة اقتضائه للحرج لأن الحديث في الإناء المعتاد للوضوء، وهو الذي يسع ماء قليلا يمكن أن يحصل له التغير من قليل ما يحل فيه، وقد قال الحافظ: لا وجود لردهما عليه في شيء من كتب الحديث، وإنما الذي قاله له رجل يقال له قين الأشجعي، راجع "شرح التحرير" في مسألة "معارضة القياس لخبر الواحد". "د". 4 المهراس: حجر مستطيل، ينقر ويدق فيه، ويتوضأ منه، وكتب "ف": "في النهاية" [5/ 259] : "هو صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء" انتهى. قلت: لم يذكر الزركشي في "الإجابة" رد عائشة رضي الله عنها واستدراكها على أبي هريرة =

................................................................

_ = هذا الخبر، وقال في "المعتبر" "رقم 82": "لم أقف على مخالفتهما"، وتذكره كتب الأصول، انظر مثلا: "مختصر المنتهى" ص88" لابن الحاجب، قال ابن كثير في "تحفة الطالب" "رقم 126، 127": "وأما مخالفة ابن عباس وعائشة لأبي هريرة في ذلك؛ فلا يحضرني الآن نقله"، ثم قال: "وإنما روى البيهقي ["1/ 47، 48"] من حديث الأعمش عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله بن مسعود قالوا: "فكيف يصنع أبو هريرة بالمهراس؟ ". قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في "مصنفه" "1/ 99"، وقال ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 461": "تبع المصنف -أي: ابن الحاجب- في ذلك كلام الآمدي، ولا وجود لذلك في شيء من كتب الحديث"، قال الزركشي وابن حجر: "ذكر أبو إسماعيل الهروي في كتاب "ذم الكلام" "رقم 299 - المحققة" بعد أن ساق قصة قين مع أبي هريرة -وسيأتي بيان ذلك- ما نصه: "وروي أن ابن عباس قال لأبي هريرة: أرأيت إن كان حوضا؟ فقال: لا يضرب لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمثال". زاد ابن حجر: "ولم يقع لي هذا الأثر موصولا إلى الآن". قلت: ظفرت بحديث يُنمى إليها مرفوعًا بلفظ: "إذا استيقظ أحدكم من النوم فليغرف على يده ثلاث غرفات قبل أن يدخلها في وضوئه، فإنه لا يدري حيث باتت يده"، والصواب فيه: "عن أبي هريرة"، أفاده أبو زرعة كما في "العلل" "1/ 62/ رقم 162" لابن أبي حاتم، ونقله ابن حجر في "التخليص الحبير" "1/ 62" -وتبعه الشوكاني في "النيل"- عن أبي حاتم وليس عن أبي زرعة، ووهم، كما أفاده المباركفوري في "تحفة الأحوذي" "1/ 111"، وقد فصلت الوهم الواقع في الحديث -وهو من قِبَلِ ابن أبي ذئب- في تعليقي على كتاب "الطهور" "ص326-327" لأبي عبيد، ولله الحمد. نعم، وقع نحو المذكور عند المصنف عن قين الأشجعي، أخرج أبو عبيد في "الطهور" "رقم 279" و"الغريب" "2/ 274"، وأحمد في "المسند" "2/ 348، 382"، وأبو يعلى في "المسند" "10/ 377-378/ رقم 5973"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 22"، والبيهقي "1/ 47"، والهروي في "ذم الكلام" "رقم 298" عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا قام أحدكم من النوم؛ فليفرغ على يديه من وضوئه؛ فإنه لا يدري أين باتت يداه". فقال قين الأشجعي: فإذا جاء مهراسكم هذا؛ فكيف نصنع؟ قال: أعوذ بالله من شركم. إسناده حسن: من أجل محمد بن عمرو.

وَرَدَّتْ أَيْضًا خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي الشُّؤْمِ، وَقَالَتْ: "إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ"1؛ لِمُعَارَضَتِهِ الْأَصْلَ الْقَطْعِيَّ، أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَأَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَلَا طيرة ولا عدوى. وقد اخْتَلَفُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَأُخْبِرَ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِهَا، فَاسْتَشَارَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ؛ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ إِلَّا مُهَاجِرَةُ الْفَتْحِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى رُجُوعِهِ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرارًا مَنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ "؛ فَهَذَا اسْتِنَادٌ فِي رَأْيٍ اجْتِهَادِيٍّ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ، قَالَ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرَكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ"2؛ فَهَذَا اسْتِنَادٌ إِلَى أَصْلٍ قَطْعِيٍّ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْأَسْبَابَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِرَعْيِ الْعُدْوَةِ الْمُجْدِبَةِ وَالْعُدْوَةِ الْمُخْصِبَةِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ بِقَدَرِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بحديث2 الوباء الحاوي لاعتبار الأصلين.

_ 1 ردت عائشة خبر أبي هريرة في الشؤم، وليس خبر ابن عمر، كما قال المصنف، أخرج ذلك أحمد في "المسند" "6/ 150، 240، 246"، وإسحاق بن راهويه في "المسند" "رقم 822 - مسند عائشة"، والطحاوي في "المشكل" "1/ 341"، و"شرح معاني الآثار" "4/ 314"، وابن جرير في "تهذيب الآثار" "رقم 37"، وابن قتيبة في "عيون الأخبار" "1/ 146" بإسناد حسن عن أبي حسان -وهو الأعرج الأجرد، اسمه مسلم بن عبد الله- قال: جاء رجل إلى عائشة؛ فقال: إن أبا هريرة يقول: الطيرة في الفرس والدار والمرأة. فغضبت غضبًا شديدًا، حتى صارت منها شقة في السماء وشقة في الأرض، وقالت: ما قاله، إنما قال: "كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك". وأخرج الطيالسي في "المسند" "رقم 1537"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 479"، وابن خزيمة -كما في "الفتح" "6/ 236"- عن مكحول: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول "وذكر نحوه". وإسناده منقطع، لم يسمع مكحول من عائشة، وانظر: "الإجابة" "ص103-106"، و"السلسلة الصحيحة" "رقم 777، 780، 789، 799، 993، 1897". نعم، أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، رقم 5093"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، رقم 2225" عن ابن عمر مرفوعًا: "الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار"، ولكن لا يوجد لعائشة رضي الله عنها ذكر فيه. 2 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الطب، باب ما يذكر في =

وَفِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، وَفِي اعْتِبَارِ السَّلَفِ لَهُ نَقْلٌ كَثِيرٌ. وَلَقَدِ اعْتَمَدَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لِصِحَّتِهِ فِي الِاعْتِبَارِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا1: "جاء الحديث ولا

_ = الطاعون، 10/ 179/ رقم 5729"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة، ونحوها، 4/ 1740-1741/ رقم 2219" عن عبد الله بن عباس؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد -أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه- فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين. فدعاهم؛ فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام؛ فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي الأنصار. فدعوتهم، فاستشارهم؛ فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم؛ فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر؛ فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديًا له عدوتان: إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة؛ أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه". قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف". لفظ البخاري. وقال "د" في هذا الموطن ما نصه: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفر من المجذوم فرارك من الأسد؛ ففي نفيه إشارة إلى رد معتقد الجاهلية من استقلال الأسباب بالتأثير، وفي إثباته إشارة إلى أن الجذام من الأسباب التي أجرى الله العادة بإفضائها إلى المسببات". 1 ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة، أوردها الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه القيم "الطهور" "رقم 201-204"، وخرجتها بتفصيل ولله الحمد في التعليق عليه، وكذا في مسألة رقم "38" من "الخلافيات"، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب الماء الذي =

أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ؟ "، وَكَانَ يُضَعِّفُهُ وَيَقُولُ: "يُؤْكَلُ صيده؛ فكيف نكره لُعَابُهُ؟ "1. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَرْجِعُ قَوْلُهُ في حديث خيار المجلس2؛ حيث قال

_ = يغسل به شعر الإنسان، 1/ 274/ رقم 172"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، 1/ 234/ رقم 279" عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات". قال أبو عبيد في كتابه "الطهور" "ص270 - بتحقيقي" بعد أن ساق الأحاديث: "وقد اختلف القول فيه على مالك في الكلاب؛ فحكى بعضهم عنه: إنه كان لا يجعل معنى هذا الحديث لكلاب الصيد والماشية، يقول: إنما هذه مثل الهرة التي يقتنيها الناس". قال أبو عبيد: "وروي عنه قول آخر: إنه كان يعم به الكلاب كلها". قال: "وكذلك القول عندنا على العموم بجميعها؛ لأنا لا نخص إلا ما خصت السنة، ولم يأتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه خصوصية شيء منها دون شيء؛ فهي عندنا على كل الكلاب". وانظر تفصيل مذهب مالك في "المدونة الكبرى" "1/ 5"، و"الإشراف" "1/ 41-42" للقاضي عبد الوهاب، و"الاستذكار" "1/ 262"، و"المنتقى" "1/ 73" للباجي، و"المقدمات" "1/ 91" لابن رشد، و"بداية المجتهد" "1/ 21"، و"حاشية الدسوقي" "1/ 83"، و"تفسير القرطبي" "6916"، و"أحكام القرآن" "3/ 1422-1423" لابن العربي، و"الكافي" "1/ 161"، و"بذل الإحسان" الجويني "2/ 177-178"، و"الشرح الصغير" "1/ 43"، و"القوانين الفقهية" "45"، و"انتصار الفقير السالك" "ص286"، و"الذخيرة" 1/ 183 - ط دار الغرب"، و"المعلم بفوائد مسلم" "2/ 242". 1 فكان يضعف الحديث لمعارضته للقطعي، وهو طهارة فمه، ومع ذلك؛ فما بال العدد، وما بال التراب، مع أنهما لا يراعيان في غسل النجس؟ هذا وقد ظهر الوجه، وهو اكتشاف المادة السمية في لعاب الكلب بسبب لعقه لدبره بلسانه كثيرا، وفي برازه الجرثومة المرضية "الميكروب" الذي متى انتقل من حيوان إلى آخر أضر به. "د". "استدارك 1". 2 يشير إلى حديث مضى لفظه "1/ 425"، وهو في "الصحيحين" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

بَعْدَ ذِكْرِهِ: "وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْرُوفٌ، وَلَا أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِيهِ"1 إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَجْلِسَ مَجْهُولُ الْمُدَّةِ، وَلَوْ شَرَطَ أَحَدٌ الْخِيَارَ مُدَّةً مَجْهُولَةً لَبَطَلَ إِجْمَاعًا؛ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ حُكْمٌ لَا يَجُوزُ شَرْطًا بِالشَّرْعِ؟ 2 فَقَدْ رَجَعَ إِلَى أَصْلٍ إِجْمَاعِيٍّ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ قَطْعِيَّةٌ، وَهَى تُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ3 الظَّنِّيَّ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ4 أَثْبَتَ مَالِكٌ خِيَارَ المجلس في التمليك5 قيل: الطلاق

_ 1 "الموطأ" "2/ 671 - رواية يحيى". وانظر -لزاما-: "ترتيب المدارك" "1/ 72"، و"تنقيح الفصول" "2/ 214" مع حاشية الشيخ علي جعيط عليه، و"الإنصاف في أسباب الاختلاف" "ص10" للدهلوي، و"أربع رسائل في علوم الحديث" ص"25-26" مع التعليق عليه، وترجمة "الفضل بن زياد البغدادي" في "تاريخ بغداد" "2/ 302"، و"طبقات الحنابلة" "1/ 251". 2 ولو كان جائزا أصله؛ لكان جائزا شرطه، كل شرط ليس في كتاب الله؛ فهو رد. "د". 3 وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرق اأو يقول أحدهما للآخر: اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع خيار" أخرجه الشيخان كما مضى "1/ 425"، والكلام مستوفى في هذا المقام في "الاستذكار" "20/ 219-225"، و"التمهيد" "14/ 11 وما بعدها"، و"الذخيرة" "5/ 20-23 - ط دار الغرب" للقرافي، والتفريع" "2/ 171" لابن الجلاب، و"الإشراف" "1/ 249-250" للقاضي عبد الوهاب، و"انتصار الفقير السالك" "ص222-225" للراعي، و"إعلام الموقعين" "2/ 197-198 و4/ 22-23"، و"المعلم" للمازري "2/ 167-168"، و"أحكام القرآن" "2/ 175" للجصاص، و"القبس" "2/ 844-845"، و"فتح الباري "4/ 330"، و"بداية المجتهد" "2/ 169"، و"حاشية الدسوقي" "3/ 81"، و"البيوع والمعاملات المالية المعاصرة" "ص60" لمحمد يوسف موسى، ط دار الكتاب العربي -مصر، ط الثانية، سنة 1954م. 4 في "ط": "قد". 5 تمليك الزوج لزوجته عصمتها؛ فله الرجوع ما دام في المجلس. "د".

يُعَلَّقُ عَلَى الْغَرَرِ، وَيَثْبُتُ فِي الْمَجْهُولِ1؛ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا أَهْمَلَ اعْتِبَارَ حَدِيثِ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" 2، وَقَوْلِهِ: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دِينٌ؟ " 3 الْحَدِيثَ؛ لِمُنَافَاتِهِ لِلْأَصْلِ الْقُرْآنِيِّ الْكُلِّيِّ4، نَحْوَ قَوْلِهِ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النَّجْمِ: 38، 39] ، كَمَا اعْتَبَرَتْهُ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ5. وَأَنْكَرَ مَالِكٌ حَدِيثَ إِكْفَاءِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ قَبْلَ الْقَسَمِ6 تَعْوِيلًا عَلَى أَصْلِ رَفْعِ الْحَرَجِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ بالمصالح المرسلة؛ فأجاز

_ 1 فإنه يصح أن يطلقها على ما في قبضة يدها وهو مجهول، بخلاف البيع؛ فالجهل فيه ضار، وما قاله المصنف هو جواب ابن العربي في "القبس" "2/ 845"، وقال عقبه: "ولو لم يكن في هذا "القبس" إلا هذه المشكاة؛ لكفاه". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب من مات وعليه صوم، 4/ 192/ رقم 1952"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، 2/ 803/ رقم 1147" عن عائشة رضي الله عنها. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، 4/ 64/ رقم 1852" عن ابن عباس رضي الله عنهما. 4 الشامل للصيام وغيره من أنواع العبادات، وهو قطعي أيضا مبثوث في الشريعة. "د". 5 مضى تخريجه "ص190". 6 يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الشركة، باب قسمة الغنم، 5/ 131/ رقم 2488، وكتاب الذبائح، باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش، 9/ 638/ رقم 5509"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر، 3/ 1758/ رقم 1968" عن رافع بن خديج؛ قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة، فأصبنا غنما وإبلا، فعجل القوم، فأغلوا بها القدور، فأمر بها فكفئت، ثم عدل عشرا من الغنم بجزور". لفظ مسلم.

أكل الطعام1 قبل القسم2 لمن احتاج إليه، قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ3. وَنَهَى عَنْ صِيَامِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مَعَ ثُبُوتِ الْحَدِيثِ4 فِيهِ؛ تَعْوِيلًا عَلَى أَصْلِ5 سَدِّ الذَّرَائِعِ6. وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِي الرَّضَاعِ خَمْسًا وَلَا عَشْرًا؛ لِلْأَصْلِ7 الْقُرْآنِيِّ فِي قوله:

_ 1 الطعام نوعان: إبل ذبحت أو غنم ذبحت من الغنيمة قبل قسمها، وهذه هي التي ورد فيها الأمر بإكفاء القدور، وأنه صلى الله عليه وسلم جعل يمرغ اللحم في التراب، وهذا هو محل الخلاف بين مالك وغيره؛ فأجازه مالك تعويلا على الأصول المرعية، ولم يعول على هذا الخبر لمخالفته تلك الأصول، أما الطعام الآخر؛ كالشحم والزيت، والعسل؛ فإنه مباح بالنص المؤيد بالقواعد، فقد وجد عبد الله بن المغفل جرابا من الشحم في غزوة خيبر، واختص به بمحضره صلى الله عليه وسلم ولم ينهه عن ذلك. "د". قلت: وفعل ابن المغفل أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، 6/ 255/ رقم 3153"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب، 3/ 1393/ رقم 1772". 2 أي: قسم الغنيمة بين الجيش. "ف". 3 في كتابه: "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" "2/ 605-606". 4 وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال؛ كان كصيام الدهر"، أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعًا لرمضان، 2/ 822/ رقم 1164" عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وانظر ما سيأتي "4/ 106" وتعليقنا عليه. 5 أي: وسد الذرائع أصل مقطوع به في بعض أنواعه، وتقدم أنه ثلاثة أنواع. "د". 6 أي: الوسائل إلى المنهي عنه، وهو هنا ظن وجوبها، وقد شنع الشوكاني في هذا تشنيعا شنيعا على مالك وأبي حنيفة؛ حتى قال: "إن قولهما باطل، لا يصدر عن عاقل" ا. هـ. وما أجدره بأن يقال له هذا القول، كما يعلم ذلك من مراجعة "الزرقاني على الموطأ"، وكتاب "مجموع الأمير في فقه مالك". "د". 7 ليس هذا معارضا، إنما هو بيان للمجمل، أو تقييد للمطلق؛ فلعل له وجها غير =

{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النِّسَاءِ: 23] . وَفِي مَذْهَبِهِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ. وَهُوَ أَيْضًا رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ قَدَّمَ خَبَرَ1 الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقِيَاسِ، إِذْ لَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَرَدَّ خَبَرَ2 الْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الأصول، لأن الأصول قطعية وخبر الواحد

_ = هذا. "د". قلت: نعم، له وجه آخر، بينه القرافي في "الذخيرة" "4/ 274- ط دار الغرب"، قال في الرد على الشافعية المحتجين بقول عائشة: "كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات؛ فتوفي عليه السلام وهو فيما يقرأ من القرآن"، قال: "إن إحالته على القرآن الباقي بعده عليه السلام يقتضي عدم اعتباره؛ لأنه لو كان قرآنا لتلي الآن لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] "، ثم قال: "إذا ظهر ذلك بطل قول الشافعية: إن القرآن مطلق والسنة مقيدة؛ فيحمل المطلق على المقيد". 1 وهو أن أعمى تردى في بئر والنبي عليه السلام يصلي بأصحابه؛ فضحك بعضهم؛ فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، قدم أبو حنيفة هذا الخبر على القياس، قياس القهقهة في الصلاة عليها خارج الصلاة، وهي لا تنقض الوضوء خارجها، وأيضا ليست حدثا؛ لأنه ما يخرج من أحد السبيلين، قال الأحناف: لأن القياس لا يصار إليه مع الدليل الخبري، وبعد؛ فهذا ليس من موضع المسألة، وهو رد الظني لمخالفته القطعي، بل من العمل بظني هو الخبر في مقابلة ظني هو القياس؛ لما أن رتبة القياس متأخرة عن الخبر. "د". قلت: وحديث القهقهة ضعيف؛ فهو من مرسل أبي العالية، وقد خرجته ولله الحمد على وجه مستوعب في تعليقي على كتاب "الخلافيات" للإمام البيهقي "المجلد الثاني، مسألة رقم 22، حديث رقم 683 وما بعده". 2 الذي تضمن أنه صلى الله عليه وسلم أقرع بين ستة مماليك أعتقهم سيدهم عند موته ولا مال له سواهم، فخرجت القرعة لاثنين؛ فأجاز عتقهما وأبقى الأربعة أرقاء، ووردت القرعة في غير حديث، وقد جمعها وتكلم عليها بكلام علمي محرر الإمام ابن القيم في "الطرق الحكمية"، انظره بتحقيقنا وهناك تخريجها، وانظر مذهب الحنفية في "تبيين الحقائق" "5/ 271"، و"المبسوط" "15/ 7"، ومذهب المالكية في "الذخيرة" "11/ 170 وما بعدها - ط دار الغرب".

ظَنِّيٌّ، وَالْعِتْقُ حِلٌّ فِي هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ بَعْدَ مَا نَزَلَ فِي الْمَحَلِّ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ؛ فَلِذَلِكَ رَدَّهُ. كَذَا قَالُوا1. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ2: "إِذَا جَاءَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُعَارِضًا لِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ؛ هَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وَتَرَدَّدَ مَالِكٌ فِي الْمَسْأَلَةِ". قَالَ: "وَمَشْهُورُ قَوْلِهِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِنْ عَضَّدَتْهُ قَاعِدَةٌ أُخْرَى قَالَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ تَرَكَهُ". ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَالِكٍ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ؛ قَالَ3: "لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عَارَضَ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ" أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] . الثاني: أَنَّ عِلَّةَ الطَّهَارَةِ هِيَ الْحَيَاةُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي الْكَلْبِ. وَحَدِيثُ الْعَرَايَا4 إِنْ صَدَمَتْهُ قَاعِدَةُ الربا عضدته قاعدة المعروف".

_ 1 انظر: "المبسوط" "7/ 75-76"، و"أحكام القرآن" للجصاص "2/ 13"، وانظر للرد عليهم: "المغني" "12/ 275-277 - مع الشرح الكبير"، و"الفروق" "4/ 112". 2 في كتابه "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس" "2/ 812-813". 3 أي: تعليلا لقول مالك السابق: "جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته؟ ". "د". 4 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، 5/ 50/ رقم 2381"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب النهي عن المحاقلة والمزابنة، 3/ 1174/ رقم 1536" عن جابر رضي الله عنه؛ قال: "نَهِيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ المخابرة والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وأن لا تباع إلا بالدينار =

وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ مَنْعِ بيع الرطب بالتمر1 لتلك العلة أيضا.

_ = والدرهم؛ إلا العرايا". لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم في آخره: "ورخص في العرايا". والعرايا: جمع "عرية"، سميت بذلك لأنها عريت عن حكم باقي البستان، يعريها صاحبها غيره ليأكل ثمرتها، انظر "تحرير ألفاظ التنبيه" "180" للنووي. وذكر المصنف هذا الحديث كمثال تطبيقي على قوله: "إن عضدته قاعدة أخر عمل به". وانظر في المسألة: "الكافي" "2/ 654" لابن عبد البر، و"التفريع" "2/ 150" لابن الجلاب. 1 أخرج مالك في "الموطأ" "2/ 624"، ومن طريقه الشافعي في "مسنده" 2/ 159" وفي "الرسالة" "ص331-332"، والطيالسي في "مسنده" "رقم 214"، وعبد الرزاق في "المصنف" "8/ 32"، وأحمد في "مسنده" "1/ 279"، وأبو دواد السجستاني في "سننه" "كتاب البيوع، باب في التمر بالتمر/ رقم 3359"، والترمذي في "جامعه" "أبواب البيوع، باب في النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم 1225"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب اشتراء التمر بالرطب، 7/ 269"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات، باب بيع الرطب بالتمر، رقم 2284"، والحميدي في "مسنده" "1/ 41"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "6/ 182 و14/ 204" وفي "مسنده" "ورقة 64 أ"، وأبو يعلى في "مسنده" "2/ 68 و141"، والبزار في "مسنده" "ق208"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "4/ 6"، والهيثم بن كليب الشاشي في "مسنده" "ورقة 69ب"، والدورقي في "مسند سعد" "رقم 111"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 657"، والدارقطني في "سننه" "3/ 49"، والخطابي في "غريب الحديث" "2/ 225"، وابن جميع في "معجمه" "ص201"، والحاكم في "المستدرك" "2/ 38 و43"، والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" "1/ 211"، والبيهقي في "السنن" "5/ 294"، والبغوي في "شرح السنة" "8/ 78"، والضياء المقدسي في "المختارة" "قسم 2/ 218" من طريق عبد الله بن يزيد بن زيد أبي عياش؛ أن سعدا سئل عن البيضاء بالسلت؛ فكرهه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الرطب بالتمر، فقال: "أينقص التمر إذا يبس؟ ". قالوا: نعم. قال: "فلا إذا". وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد في "المسائل" "ص275 - رواية ابنه عبد الله" من طريق ابن عيينة عن =

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ1: "كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْعُدُولِ"، قَالَ: "لِأَنَّهُ كان يذهب في ذلك إلى عرضها مَا اجْتُمِعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ؛ فَمَا شَذَّ مِنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا".

_ = إسماعيل بن أمية عن عبد الله بن يزيد به. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم يروى عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك بن أنس، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث؛ إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح، خصوصا في حديث أهل المدينة"، ثم قال: "والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش"، وقال الخطابي في "معالم السنن" "5/ 35": "قد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص"، وقال: "زيد أبو عياش راويه ضعيف"، ثم قال: "وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش هذا مولى لبني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في "الموطأ"، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته معلوم" ا. هـ. وفي الحديث ذكره السيوطي في "الجامع الكبير" "2/ 216"، وفي "الدر المنثور" "2/ 112"، وعزاه لمالك، وابن أبي شيبة، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، والشافعي، والبيهقي. وقوله: "بالسلت" هو نوع من الشعير، رقيق القشر، صغار الحب، وقوله: "أينقص الرطب؟ "، قال الخطابي في "معالم السنن": "هذا لفظه لفظ استفهام، ومعناه التقرير والتنبيه بكنه الحكم وعلته لكي يكون معتبرا في نظائره، وإلا؛ لا يجوز أن يخفى عليه صلى الله عليه وسلم أن الرطب إذا يبس نقص وزنه؛ فيكون سؤاله عنه سؤال تعرف واستفهام" ا. هـ. وقال البغوي في "شرح السنة" "8/ 79": "وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شيء من المطعوم بجنسه، وأحدهما رطب والآخر يابس، مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، واللحم الرطب بالقديد، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وجوزه أبو حنيفة وحده، وأما بيع الرطب بالرطب، وبيع العنب بالعنب؛ فلم يجوزه الشافعي وجوزه الآخرون". 1 في كتابه "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" "ص149".

وَقَدْ رَدَّ أَهْلُ الْعِرَاقِ مُقْتَضَى حَدِيثِ1 المُصَرَّاة وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِمَا رَآهُ2 مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ، فَإِنَّهُ قَدْ خَالَفَ أَصْلَ3: "الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ" 4، وَلِأَنَّ متلف

_ 1 يشير المصنف إلى ما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لا تصروا الإبل والغنم، ومن ابتاعها؛ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر". أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل والبقر، 4/ 361/ رقم 2150"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، 3/ 1155/ رقم 1515، وباب حكم بيع المصراة، 3/ 1158-1159/ رقم 1524". 2 في الأصل و"ط": "لما رأياه"، ولا معنى لها. 3 فكان مقتضى هذا الأصل ألا يدفع شيئا ما؛ لأنه ضامن، والغلة بالضمان، والأصل الآخر أن متلف الشيء ... إلخ، وهو يقتضي ألا يدفع في اللبن قل أو كثر صاعا، بل يدفع إما لبنا بمقداره، أو يدفع القيمة بالغة ما بلغت، ولا يتقيد بالصاع ولا بالتمر. "د". 4 أخرجه أبو داود في "السنن" "كتاب البيوع والإجارات، باب فيمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا، 3/ 777-779/ رقم 3508-3510"، والترمذي في "جامعه" "أبواب البيوع، باب ما جاء فيمن يشتري العبد ويستغله ثم يجد به عيبا، 3/ 581-582/ رقم 1285"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب البيوع، باب الخراج بالضمان، 7/ 254-255"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب التجارات، باب الخراج بالضمان، 2/ 754/ رقم 2242 و2243"، وأحمد في "المسند" "6/ 49، 161، 208، 237"، والطيالسي في "المسند" "رقم 1464"، والشافعي في "المسند" "رقم 479"، وابن حبان في "الصحيح" "رقم 1125، 1126 - موارد"، وابن الجارود في "المنتقى" "رقم 626، 627"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "4/ 21-22"، والدارقطني في "السنن" "3/ 53"، الحاكم في "المستدرك" "2/ 15"، والبيهقي في "الكبرى" "5/ 321"، والبغوي في "شرح السنة" "8/ 162-163"، وابن عدي في "الكامل" "5/ 1702"، والخطيب في "التاريخ" "8/ 297-298" عن عائشة، والحديث صحيح. وكتب "د" هنا ما نصه: وفسره الترمذي بأن يشتري الرجل العبد يستغله ثم يظهر به عيب فيرده؛ فالغلة للمشتري لأن العبد لو هلك هلك في ضمانه، ونحو هذا يكون فيه الخراج بالضمان. ا. هـ. يعني: وهو يقتضي أن =

الشَّيْءِ إِنَّمَا يُغَرَّمُ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، وَأَمَّا غُرْمُ جِنْسٍ آخَرَ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الْعُرُوضِ؛ فَلَا1. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهِ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِالْمُوَطَّأِ وَلَا الثَّابِتِ"2، وَقَالَ بِهِ فِي الْقَوْلِ الآخر شهادة بأنه لَهُ أَصْلًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ يَصِحُّ رَدُّهُ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يُضَادُّ هَذِهِ الْأُصُولُ الْأُخَرَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ؛ ظَهَرَ وَجْهُ3 الْمَسْأَلَةِ إِنْ شاء الله.

_ = اللبن للمشتري؛ فكيف يرد عنه الصاع من التمر؟ وقد أجيب عنه أولا بأن حديث المصراة أقوى من حديث الخراج بالضمان، وثانيا بأن اللبن المصرَّى كان حاصلًا قبل الشراء في ضرعها؛ فليس من الغلة التي إنما تحدث عند المشتري، فلا يستحقه المشتري بالضمان؛ فلا بد من قيمته، وإنما كانت صاعًا محددًا، ومن تمر لما يعلم من مراجعة شرحه "نيل الأوطار" "5/ 245" للشوكاني مبسوطا، ومن "إعلام الموقعين" "1/ 367" موجزا مضبوطا؛ فلذلك قال بأن له أصلا متفقا عليه لا يضاد هذه الأصول الأخر، والمعول عليه عند المالكية أنه يرد صاعًا من غالب قوت البلد، وقالوا إن التمر في الحديث لأنه كان غالب قوت المدينة، وسيأتي للمصنف كلام على شرح الحديث، انظر: "ص437". 1 ذكر الحنفية ثمانية أوجه في مخالفة الحديث أصول الشريعة، ذكرها العيني في "عمدة القاري" "11/ 270"، وصاحب "إعلاء السنن" "13/ 60"، وانظر في مناقشتها: "فتح الباري" "4/ 364-365"، و"شرح النووي على صحيح مسلم" "10/ 162"، و"شرح السنة" "8/ 125" للبغوي، و"إعلام الموقعين" "1/ 367 وما بعدها". 2 قال ابن العربي في "القبس" "2/ 852-853": "ومن غرائب مذهبنا أن أشهب ذكر عنه في "العتبية" أنه "أي مالك" قال: إن ردها لم يرد معها شيئا لأن الخراج بالضمان"، ثم قال: "وهذا قول باطل"، وقال: وأشهب أجل قدرا من هذا فهما ودينا، وإنما هي من مسائل "العتبية" التي لم تثبت فيها رواية، وإنما هي منقولة من صحف ملفقة من البيوت، وفي مثلها قال مالك: لا يجوز بيع كتب الفقه، يعني: القراطيس والأوراق التي كانت تكتب عنه، فأما كتاب محصل مروي مضبوط بالفصول والأصول؛ فإنه يجوز بيعه إجماعا". وانظر: "إعلام الموقعين" "3/ 10 - ط دار الحديث". 3 في "ط": "ظاهر وجوه".

وَأَمَا الرَّابِعُ1، وَهُوَ الظَّنِّيُّ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ وَلَا يُعَارِضُ أَصْلًا قَطْعِيًّا؛ فَهُوَ فِي مَحَلِّ النَّظَرِ، وَبَابُهُ2 بَابُ الْمُنَاسِبِ الْغَرِيبِ؛ فَقَدْ يُقَالُ: لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ شَرْعٍ عَلَى غَيْرِ مَا عُهِدَ فِي مِثْلِهِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَهَذَانَ يُوهِنَانِ التَّمَسُّكَ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الرِّيبَةِ؛ فَلَا يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ ظَنُّ ثُبُوتِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ قَطْعِيٌّ مُعَارِضٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ؛ إِذْ3 كَانَ عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ مُخَالَفَةً، وَكُلُّ مَا خَالَفَ أَصْلًا قَطْعِيًّا مَرْدُودٌ؛ فَهَذَا مَرْدُودٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يُوَجِّهَ الْإِعْمَالَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِالظَّنِّ عَلَى الْجُمْلَةِ ثَابِتٌ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ، وَهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِأَصْلٍ؛ فَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ أَيْضًا، فَإِنَّ عَضَّدَ الرَّدَّ عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ عَضَّدَ الْقَبُولَ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ؛ فَيَتَعَارَضَانِ وَيَسْلَمُ أَصْلُ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ فِي الحديث قوله عليه الصلاة

_ 1 وهذا كالمناسب المرسل الذي لم يدل الدليل على اعتباره ولا على إلغائه؛ فقد علل به مالك ومن تبعه، ورده الأكثرون. "ف". 2 أي أن شبيه به، وهو ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم بمجرد ترتيب الحكم على وفقه، لكن لم يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم، وإلا؛ لكان ملائما، وإنما ثبت بالقياس، ومثاله أن يقال في البات في مرض الموت لئلا ترث زوجته: يعارض بنقيض قصده؛ فترث قياسًا على القاتل ليرث؛ فحكم بعدم إرثه، والجامع كونهما فعلا محرما لغرض فاسد؛ فهو مناسب غريب في ترتيب الحكم عليه مصلحة، وهو زجرهما عن الفعل الحرام، لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار على الوجه المتقدم، بل إنما ثبت بالقياس المشار إليه، وبهذا البيان تفهم أن معنى قوله: "وقد وجد منه في الحديث ... إلخ"؛ أي: وجد من القسم الرابع حديث: "القاتل لا يرث"؛ فإنه ظني، لم يشهد له ولم يرده أصل قطعي، وليس الغرض أن الحديث من باب المناسب الغريب، يعني: وحيث كان ما هنا شبيها به في وجهي الإعمال والإهمال وأدلة كل، وقد اعتبر العلماء المشبه به في باب القياس؛ فليكن شبهه هنا معتبرا في الأدلة. "د". 3 في "ط": "إذا".

وَالسَّلَامُ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" 1، وَقَدْ أَعْمَلَ الْعُلَمَاءُ الْمُنَاسِبَ الْغَرِيبَ فِي أَبْوَابِ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي بَابِهِ، فَذَلِكَ غَيْرُ ضَائِرٍ إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهِ. فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأَصْلِ الْقَطْعِيِّ لَيْسَ بِإِقَامَةِ2 الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِهِ؛ كَالدَّلِيلِ على أن العمل بخبر الواحد أبو بِالْقِيَاسِ وَاجِبٌ مَثَلًا، بَلِ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَخَصُّ3 مِنْ ذَلِكَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" 4 وَالْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُ، وَهُوَ5 مَعْنًى مُخَالِفٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ الْأُصُولِيُّونَ، والله أعلم.

_ 1 مضى تخريجه "2/ 521"، وهو صحيح. 2 في "ط": إقامة". 3 لأن الغرض هنا أن يتفق في معناه مع مقطوع به، وهذا أخص مما عناه الأصوليون؛ لأنه قد يكون معنى الخبر غير متفق مع مقطوع بخصوص معناه، ولكنه من حيث العمل به يعد مقطوعًا به لدخوله تحت قاعدة مقطوع بها، وهي العمل بخبر الواحد؛ فخبر القاتل لا يرث يقال: إنه راجع إلى قطعي بالمعنى الذي عناه الأصوليون لا بالمعنى المراد هنا؛ لأنه لم يتفق في معناه مع مقطوع به يؤيده؛ فلذا كان ما هنا أخص. "د". 4 مضى تخريجه "2/ 72"، وهو حديث صحيح بشواهده. 5 في "ف": "وهي".

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تُنَافِي قَضَايَا الْعُقُولِ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا 2: أَنَّهَا لَوْ نَافَتْهَا؛ لَمْ تَكُنْ أَدِلَّةً لِلْعِبَادِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ، لَكِنَّهَا أَدِلَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ؛ فَدَلَّ [عَلَى] 3 أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى قَضَايَا الْعُقُولِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ إِنَّمَا نُصِبَتْ فِي الشَّرِيعَةِ لِتَتَلَقَّاهَا عُقُولُ الْمُكَلَّفِينَ؛ حَتَّى يَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَلَوْ نَافَتْهَا؛ لَمْ تَتَلَقَّهَا فَضْلًا [عَنْ] 4 أَنْ تَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهَا خَارِجَةً5 عَنْ حُكْمِ الْأَدِلَّةِ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْأَدِلَّةُ الْمَنْصُوبَةُ عَلَى الْأَحْكَامِ الْإِلَهِيَّةِ وَعَلَى الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَالثَّانِي 6: أَنَّهَا لَوْ نَافَتْهَا؛ لَكَانَ التَّكْلِيفُ بِمُقْتَضَاهَا تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ التَّكْلِيفِ بِتَصْدِيقِ مَا لَا يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ وَلَا يَتَصَوَّرُهُ، بل يتصور

_ 1 أي: أحكام العقول السليمة الراجحة دون السقيمة المدخولة؛ فإنه لا عبرة بها. "ف". قلت: انظر بسط ما عند المصنف وأدلة أخرى في هذا المعنى: "درء تعارض العقل والنقل" لابن تيمية، و"الصواعق المرسلة" "3/ 796 وما بعدها"، و"شرح الكوكب المنير" "1/ 52"، و"العبادي على شرح الورقات" "48"، و"المحلى على جمع الجوامع" "1/ 124"، و"الإحكام" "1/ 9"، و"العضد على ابن الحاجب" "1/ 36"، و"المسودة" "573"، و"إرشاد الفحول". "5". 2 هكذا في الأصل و"م" و"ف"، وفي "د": "أحدهما". 3 و4 الزيادتان من "م" و"ط" فقط. 5 أي: الذي هو التالي في الشرطية، وهو قوله: "لم تكن أدلة". "د". 6 هذا ظاهر في أدلة الأحكام الإلهية والاعتقادات، أما الأحكام العملية؛ فليس المطلوب بها التصديق، بل مجرد العمل، وبقية الوجوه يمكن أن تكون كالأول يستوي فيها أدلة الاعتقادات والعمليات. "د".

خِلَافَهُ وَيُصَدِّقُهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ امْتَنَعَ عَلَى الْعَقْلِ التَّصْدِيقُ ضَرُورَةً، وَقَدْ فَرَضْنَا وُرُودَ التَّكْلِيفِ الْمُنَافِي التَّصْدِيقَ، وَهُوَ مَعْنَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ بَاطِلٌ حَسَبَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْعَقْلُ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ قَطْعًا بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ؛ حَتَّى إِذَا فُقِدَ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ رَأْسًا، وَعُدَّ فَاقِدُهُ كَالْبَهِيمَةِ الْمُهْمَلَةِ، وَهَذَا وَاضِحٌ فِي اعْتِبَارِ تَصْدِيقِ1 الْعَقْلِ بِالْأَدِلَّةِ فِي لُزُومِ التَّكْلِيفِ، فَلَوْ جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ؛ لَكَانَ لُزُومُ التَّكْلِيفِ عَلَى الْعَاقِلِ أَشَدَّ2 مِنْ لُزُومِهِ عَلَى الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ وَالنَّائِمِ؛ إِذْ لَا عَقْلَ لِهَؤُلَاءِ يُصَدِّقُ أَوْ لَا يُصَدِّقُ، بِخِلَافِ الْعَاقِلِ الَّذِي يَأْتِيهِ مَا لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُهُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ سَاقِطًا عَنْ هَؤُلَاءِ؛ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ سَاقِطًا عَنِ الْعُقَلَاءِ أَيْضًا، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ؛ فَكَانَ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ بَاطِلًا. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكُفَّارُ أَوَّلَ مَنْ رَدَّ الشَّرِيعَةَ بِهِ3 لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْحِرْصِ عَلَى رَدِّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى كَانُوا يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا؛ فَتَارَةً يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَتَارَةً: مَجْنُونٌ، وَتَارَةً يُكَذِّبُونَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْقُرْآنِ: سِحْرٌ، وَشِعْرٌ، وَافْتِرَاءٌ، وَإِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بِشْرٌ، وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، بَلْ كَانَ أَوْلَى مَا يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا لَا يُعْقَلُ، أَوْ هُوَ مُخَالِفٌ للعقول، أو ما أشبه ذلك، فلما

_ 1 أي: اعتبار تمكن العقل من التصديق بالأدلة؛ أي: ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأدلة في ذاتها صالحة لأن يصدق العقل بها بألا تتنافى مع قضاياه، هذا، أما التصديق بالفعل؛ فظاهر أنه لا يعتبر. "د". 2 لأن العاقل عنده نفس العقل يضاد التكليف ويمنعه؛ لأنه يصادمه ويعقل خلافه، بخلاف المجنون مثلا؛ فليس عنده تعقل له ولا لخلافه؛ فالذي عنده أنه غير مستعد للتكليف، أما العاقل؛ فمستعد لخلافه، وفرق بين من فقد آلة الشيء ومن تسلح بآلة ضده؛ فبعد الثاني عنه آكد وأقوى. "د". 3 في "ط": "الكفار أولى ... بهم".

لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ دلَّ عَلَى أَنَّهُمْ عَقَلُوا مَا فِيهِ، وَعَرَفُوا جَرَيَانَهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ؛ إِلَّا أَنَّهُمْ أَبَوْا مِنَ اتِّبَاعِهِ لِأُمُورٍ أُخَرَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا كَانَ، وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ أَحَدٌ بِهَذَا الْمُدَّعَى؛ فَكَانَ قَاطِعًا فِي نَفْيِهِ عَنْهُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى جَرَيَانِهَا عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ، [بِحَيْثُ تُصَدِّقُهَا الْعُقُولُ] 1 الرَّاجِحَةُ، وَتَنْقَادُ لَهَا طَائِعَةً أَوْ كَارِهَةً2، وَلَا كَلَامَ فِي عِنَادِ مُعَانِدٍ، وَلَا فِي تَجَاهُلِ مُتَعَامٍ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهَا جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ، لَا أَنَّ الْعُقُولَ حَاكِمَةٌ عَلَيْهَا، وَلَا مُحَسِّنَةٌ فِيهَا وَلَا مُقَبِّحَةٌ، وَبَسْطُ هَذَا الْوَجْهِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ3 فِي بَيَانِ قَصْدِ الشَّارِعِ فِي وَضْعِ الشَّرِيعَةِ لِلْإِفْهَامِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ، يَصُدُّ عَنِ الْقَوْلِ بِهَا غَيْرُ مَا وَجْهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ أَصْلًا؛ كَفَوَاتِحِ السُّوَرِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَالُوا: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا يَعْرِفُهُ الْجُمْهُورُ، [وَفِيهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْعَرَبُ، وَفِيهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ إلا العلماء بالشريعة] 4، وفيه ما لا يعلمه إلا الله5؛ فأين جريان هذا

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 أي: راغبة في ذلك بدون سبق عناد، أو مع سبقه، والكره غير الإكراه الذي لا يتأتى معه التصديق والانقياد العقلي، وقوله: "تصدقها" ظاهر في الاعتقاديات، وقوله: "وتنقاد لها" ظاهر في العمليات على رأي أهل السنة، أما على مذهب المعتزلة؛ فيجريان فيها معا بوضوح، وتكون العقول مصدقة لحسن مقتضى هذه الأدلة، بحيث تكون الأدلة ملائمة لما يدركه العقل من الحسن، وعلى رأي أهل السنة يمكن أن يكون انقياد العقول جاريا في أدلة العمليات أيضا على معنى أنها تدرك بوجه عام أن الشريعة على وجه مطرد لم تجئ إلا لمصلحة العباد الدنيوية أو الأخروية، سواء أدركت خصوص المصلحة في الحكم الخاص أو لم تدركها؛ فهذا معنى انقيادها، وقوله: "لا أن ... إلخ"؛ أي: على خلاف للمعتزلة في ذلك. "د". 3 انظر: تعليقنا على "1/ 127-130". 4 ما بين المقعوفتين سقط من الأصل. 5 ومنه فواتح السور، وهذا القسم غير قسم المتشابهات؛ لأن المتشابهات تدرك بوجه إلا أنها تشتبه، أما هذا فلا يدرك معناه أصلا؛ فظهر وجه كون الثاني وجهًا مغايرًا للأول، وقوله: "كالمتشابهات ... إلخ" على ترتيب اللف، وقوله: "فلا تفهمها أصلا" راجع للأصولية على رأي، وقوله: "أو لا يفهمها ... إلخ" راجع للفروعية على الرأي المتقدم أو للمتشابهات مطلقا على الرأي الآخر. "د". والمثبت من "ط"، وفي غيره: "ما لا يعرفه ... "!!

الْقِسْمُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ؟ وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ مُتَشَابِهَاتٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أو لا1 يعلمها إلى اللَّهُ تَعَالَى؛ كَالْمُتَشَابِهَاتِ الْفُرُوعِيَّةِ، وَكَالْمُتَشَابِهَاتِ الْأُصُولِيَّةِ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِبَاهِهَا إِلَّا أَنَّهَا تَتَشَابَهُ عَلَى الْعُقُولِ؛ فَلَا تَفْهَمُهَا أَصْلًا، أَوْ لَا1 يَفْهَمُهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَالْمُعْظَمُ مَصْدُودُونَ عَنْ فَهْمِهَا؛ فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِجَرَيَانِهَا عَلَى فَهْمِ الْعُقُولِ؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِيهَا أَشْيَاءَ اخْتَلَفَتْ عَلَى الْعُقُولِ حَتَّى تَفَرَّقَ النَّاسُ بِهَا فِرَقًا، وَتَحَزَّبُوا أَحْزَابًا، وَصَارَ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فَقَالُوا فِيهَا أَقْوَالًا كُلٌّ عَلَى مِقْدَارِ2 عَقْلِهِ وَدِينِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ حَتَّى أَدَّاهُ ذَلِكَ إِلَى الْهَلَكَةِ؛ كَنَصَارَى نَجْرَانَ حِينَ اتَّبَعُوا فِي الْقَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ؛ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَعَلْنَا} ، وَ {قَضَيْنَا} ، وَ {خَلَقْنَا} 3، ثُمَّ [مِنْ] 4 بَعْدِهِمْ مِنْ أَهْلِ الِانْتِمَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ، الطَّاعِنِينَ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالتَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ، ثُمَّ يَلِيهِمْ سَائِرُ الْفِرَقِ الَّذِينَ أَخْبَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُلُّ ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنْ خِطَابٍ يَزِلُّ بِهِ5 الْعَقْلُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، فَلَوْ كَانَتِ الْأَدِلَّةُ جارية على تعلقات6 العقول؛ لما وقع في الاعتياد هذا

_ 1 في الأصل و"ط": "ولا". 2 في "ط": "قدر". 3 انظر: "الاعتصام" "2/ 739 - ط دار ابن عفان"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 276"، وسيأتي تفصيل ذلك مع تخريجه "ص316". 4 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 5 أي: يضعف عن فهمه. "د". وفي "ط": "يزل فيه". 6 كذا في "ط"، وفي غيره: "تعقلات".

الِاخْتِلَافُ، فَلَمَّا وَقَعَ؛ فُهِمَ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ ماله خُرُوجٌ عَنِ الْمَعْقُولِ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا. فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ فَوَاتِحَ السُّوَرِ لِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِهَا مَقَالٌ1 بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ أَلْبَتَّةَ؛ فَلَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ؛ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ سَلِمَ؛ فَالْقِسْمُ الَّذِي2 لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّرِيعَةِ نَادِرٌ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ، وَلَا تَنْخَرِمُ بِهِ الْكُلِّيَّةُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إِلَى فَهْمِهِ، وَلَيْسَ كلامنها فِيهِ، إِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى مَا يُؤَدِّي مَفْهُومًا لَكِنْ عَلَى خِلَافِ الْمَعْقُولِ، وَفَوَاتِحُ السُّوَرِ خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّهَا لَوْ بُيِّنَتْ لَنَا مَعَانِيَهَا؛ لَمْ تَكُنْ إِلَّا عَلَى مُقْتَضَى الْعُقُولِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَعَنِ الثَّانِي3 أَنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ لَيْسَتْ مِمَّا تُعَارِضُ مُقْتَضَيَاتِ الْعُقُولِ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَهَّمَ فِيهَا ذَلِكَ؛ فَبِنَاءً عَلَى اتِّبَاعِ هَوَاهُ، كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ

_ 1 أي: فهي مما يعقل معناه، وقوله: "ليس مما يتعلق به تكليف على حال"؛ أي: لا بأمر عملي ولا بأمر اعتقادي، وقوله: "على شيء من الأعمال"؛ أي: القلبية أو البدنية، وقوله: "وإن سلم"؛ أي: إن سلم كونها من الأدلة، فمع كونها نادرة لا تنافي هذا الأصل لأنها ليست مؤدية لمعنى يفهم العقل أنه على خلاف قضاياه؛ فقوله: "ولا تنخرم ... إلخ" هو روح الجواب بالتسليم. "د". 2 هكذا في "د" و"ف" و"ط"، وهي ليست في الأصل، وفي "م": "الثاني الذي". 3 أدمج فيه الجواب عن الثالث؛ لأن مبنى الاعتراضيين متقارب، فإن اختلاف الإخبار بالمعاني المتعددة واختلاف العقول فيها إنما جاء من تشابهها على العقول حتى تفرقت فيها؛ فلذلك قال: "وهذا كما يأتي في الجملة الواحدة ... إلخ"، وهو تمهيد للجواب عن الثالث، وإن لم يعنون له بعنوان خاص؛ إلا أن الاشتباه الذي يكون بين الإخبار بالمعاني المتعددة كما سيذكر أمثلته لا يتناوله الفرض الثاني في كلامه؛ فلا يدخل فيما لا يعلمه إلا الله؛ فقوله: "وهذا كما لا يأتي ... إلخ" ليس المراد به كل ما تقدم، بل ما يصلح لذلك، وهو خصوص أن التأويل فيها يرجع بها إلى معقول موافق بخلاف قوله: "وإن فرض أنها ... إلخ". "د".

مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] لَا أَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَمْرٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّأْوِيلُ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى مَعْقُولٍ مُوَافِقٍ لَا إِلَى مُخَالِفٍ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهَا مِمَّا لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ فَالْعُقُولُ عَنْهَا مَصْدُودَةٌ لِأَمْرٍ1 خَارِجِيٍّ لَا لِمُخَالَفَتِهِ لَهَا، وَهَذَا كَمَا يَأْتِي فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَكَذَلِكَ يَأْتِي فِي الْكَلَامِ الْمُحْتَوِي عَلَى جُمَلٍ كَثِيرَةٍ وَأَخْبَارٍ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ الْقَاصِرُ النَّظَرِ فِيهَا الِاخْتِلَافَ، وَكَذَلِكَ الْأَعْجَمِيُّ الطَّبْعِ2 الَّذِي يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِمَا يَنْظُرُ فِيهِ وَهُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ احْتِجَاجُ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي التَّثْلِيثِ، وَدَعْوَى الْمُلْحِدِينَ عَلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ التَّنَاقُضَ وَالْمُخَالَفَةَ لِلْعُقُولِ، وَضَمُّوا إِلَى ذَلِكَ جَهْلَهُمْ بِحِكَمِ التَّشْرِيعِ، فَخَاضُوا حِينَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي الْخَوْضِ، وَفِيمَا لَمْ يَجُزْ لَهُمُ الْخَوْضُ فِيهِ؛ فَتَاهُوا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لَمَّا كان عَرَبِيَّيْنِ لَمْ يَكُنْ لِيَنْظُرَ فِيهِمَا إِلَّا عَرَبِيٌّ، كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَقَاصِدَهُمَا لَمْ يحل له أن يتكلم فيهما؛ إذًا لَا يَصِحُّ لَهُ نَظَرٌ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِهِمَا، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ شَيْءٌ3 مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَلِذَلِكَ مِثَالٌ يَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ4 سأل ابن عباس؛ فقال له:

_ 1 في "ط": "لمعنى". 2 قيد به لأن نصارى نجران كانوا عربا لا عجما، ولكن غلبت عليهم تعابير الأعاجم المجاورين لهم حتى لم يفهموا أن لفظ "نا" كما يكون للجماعة يكون للواحد المعظم نفسه. "د". 3 أي؛ فالاختلاف منشؤه أحد أمرين: ضعف في اللغة العربية واستعمالاتها، أو جهل بمقاصد الشريعة، أو هما معا. "د". 4 "مسائل نافع بن الأزرق" لابن عباس، أوردها السيوطي في كتابه "الإتقان" "1/ 120-133"، قال في أولها بعد أن ساق الإسناد من طريق الطستي إلى عبد الله بن أبي بكر بن محمد عن أبيه؛ قال: بينما عبد الله بن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن؛ فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به. فقاما إليه؛ فقالا: إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله؛ فتفسرها لنا، وتأتينا =

"إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ1 عَلَيَّ. قَالَ: {فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] .

_ = بمصادفة من كلام العرب؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين. فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما ... " وذكرها. قال السيوطي بعد ذلك "1/ 133": "هذا آخر مسائل نافع بن الأزرق، وقد حذفت منها يسيرا نحو بضعة عشر سؤالا، وهي أسئلة مشهورة، أخرج الأئمة أفرادا منها بأسانيد مختلفة إلى ابن عباس"، ثم بين أن هذه المسائل قد أودعها بعضهم قديما في مصنفاتهم؛ فقال: "وأخرج أبو بكر بن الأنباري في كتاب "الوقف والابتداء" ["1/ 76-98"] منها قطعة، قال: حدثنا بشر بن أنس أنبأ محمد بن علي بن الحسن بن شقيق أنبأنا أبو صالح هدبة بن مجاهد أبنأنا مجاهد بن شجاع أنبأنا محمد بن زيد اليشكري عن ميمون بن مهران؛ قال: دخل نافع بن الأزرق المسجد ... "؛ فذكره. وأخرج الطبراني في "معجمه الكبير" ["10/ 304-312/ رقم 10597"] منها قطعة، من طريق جويبر عن الضحاك عن مزاحم؛ قال: "خرج نافع بن الأزرق ... فذكره". قلت: وانظرها في "مجموع الزوائد" "6/ 303-310 و9/ 278-284"، وقد أفردها محمد فؤاد عبد الباقي ورتبها على حروف المعجم، وألحقها بآخر كتابه "معجم غريب القرآن" "ص238-292"، وقام بدراستها اعتمادا على النص الوارد في "الإتقان" كل من أبي تراب الظاهري في "شواهد القرآن" وعائشة عبد الرحمن في "الإعجاز البياني للقرآن" "القسم الثاني"، ومن هذه المسائل نسخة عتيقة مصورة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، تحت رقم "3849" تحتوي على روايتين لها، وتختلف عما أورده السيوطي في "الإتقان". والمذكور من الأسئلة أخرجه البخاري في "صحيحه" "8/ 555-556 - مع الفتح" معلقا، ثم وصله بقوله: "حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بهذا". وانظر: "فتح الباري" "8/ 559"، و"الاعتصام" "2/ 825 وما بعدها - ط دار ابن عفان". 1 هذا المثال ظاهر فيه أن الاختلاف جاء من السبب الثاني، وهو عدم معرفة مقاصد القرآن؛ فاختلفت عليه الآيات، ويبقى الكلام في أن نافعا؛ هل كان من الطاعنين، أم طلب أن يزيل شبها طرأت عليه بسبب عدم فهمه المقاصد؟ فيدخل سؤاله في قسم ما أشكل على الطالبين، وظاهر قوله: "وهكذا سائر ما ذكره الطاعنون ... إلخ" أنه من القسم الأول؛ فلينظر: هل كان نافع من الخوارج؟ ولين ابن عباس معه لا يدل على الواقع من ذلك، ثم رأيت المؤلف في "الاعتصام" ["2/ 727 - ط دار ابن عفان"] يحكي عن الخوارج إلى أن قال: "ثم رجع عبادة بن قرط من القتال يريد الصلاة، فإذا هو بالأزارقة وهم صنف من الخوارج"، هذا وقد عبر البخاري عن السائل برجل؛ فاتفق الشراح على أنه نافع بن الأزرق، وفي "شرح القسطلاني" لأحاديث السجدة أنه صار بعد أسئلته لابن عباس رئيس الأزارقة من الخوارج"؛ فاجتمع الكلام أوله وآخره. "د".

{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 27] . {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النِّسَاءِ: 42] . {رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الْأَنْعَامِ: 23] ؛ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ: {بَنَاهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ... } إِلَى قَوْلِهِ {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النَّازِعَاتِ: 28-30] ؛ فَذَكَرَ خَلْقَ السماء قبل [خلق] الأرض. ثم قال: {أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ... } إِلَى أَنْ قَالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} الْآيَةَ [فُصِّلَتْ: 9-11] ؛ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الْفُرْقَانِ: 70] ، {عَزِيزًا حَكِيمًا} ، {سَمِيعًا بَصِيرًا} ؛ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} [الْمُؤْمِنُونَ: 101] فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى يُنْفَخُ1 فِي الصُّورِ؛ {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزُّمَرِ: 68] ؛ فَلَا أَنْسَابَ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 27] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الْأَنْعَامِ: 23] ، {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النِّسَاءِ: 42] ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، فَقَالَ المشركون: تعالوا

_ 1 سقط من "ط".

نَقُولُ: "مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَتَنْطِقُ أَيْدِيهُمْ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النِّسَاءِ: 42] . وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ؛ أَيْ: أَخْرَجَ الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ؛ فَخُلِقَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وذلك قوله؛ أني1 لَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ؛ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ". هَذَا تَمَامُ مَا قَالَ فِي الْجَوَابِ. وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعْقُولٌ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَتَى مِنْ بَابِهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا ذَكَرَ الطَّاعِنُونَ، وَمَا أَشْكَلَ عَلَى الطَّالِبِينِ، وَمَا وَقَفَ فِيهِ الرَّاسِخُونَ، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النِّسَاءِ: 82] . وَفِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مِنْ ذَلِكَ بَيَانٌ كافٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ2 فِي رَفْعِ التَّنَاقُضِ وَالِاخْتِلَافِ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرًا، فَمَنْ تَشَوَّفَ إِلَى الْبَسْطِ وَمَدِّ الْبَاعِ وَشِفَاءِ الغليل؛ طلبه في مظانه.

_ 1 كذا في "ط" وفي غيره: "أي". 2 من المؤلفات في ذلك "مشكل الآثار"، و"شرح معاني الآثار"، كلاهما للطحاوي، وهما في الأحاديث والآثار، ودفع إيهام الاضطراب، للشنقيطي، وهو في الآيات التي في ظاهرها اضطراب، وهو مطبوع آخر" أضواء البيان"، ومفردًا وهو من نفائس الكتب.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ 1: الْمَقْصُودُ مِنْ وَضْعِ الْأَدِلَّةِ تَنْزِيلُ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حَسَبِهَا، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ إِلَّا أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ لَهَا اعْتِبَارَانِ:

_ 1 هذه المسألة ترتبط بمسألة: "يستحيل كون الشيء الواحد واجبًا حرامًا من جهة واحدة"، وبمسألة: "إذا أمر بفعل مطلق؛ فالمطلوب ... إلخ" المذكورتين في الأصول، راجع ابن الحاجب وما كتب عليه، يريد المؤلف أن يبسط المقام ويبين سبب اختلافهم في مثل صحة الصلاة في الدار المغصوبة؛ فمهد أولا ببيان الاعتبارين: العقلي والخارجي، ثم ردد الكلام في أن متعلق التكليف الجهة العقلية أو الخارجية، ولا يعني أن المطلوب تحصيله هو نفس الأمر العقلي لأن هذا وإن قيل به، فله معنى آخر غير ما يتبادر منه، وإلا؛ لكان تكليفًا بالمحال، بل غرضه ما صرح به بعد بقوله: "إذا أوقعنا الفعل في الخارج عرضناه على المعقول الذهني؛ فإن صدق عليه صح، وإلا فلا". وقوله أيضا في أثناء الأدلة، وهو: "دليل على أن المعتبر ما يصدق عليه صلاة في الجملة"، ولما تم له التمهيد ببيان الاعتبارين؛ قال: "إن هذا هو منشأ الخلاف في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة"، يعني فيمن قال: إن قصد الشارع بالأمر مثلا منصرف إلى المعقول الذهني، يبني عليه أنه إذا فعل المأمور به مستوفيًا لشرائطه وأركانه التي اعتبرت له في الذهن؛ كان صحيحًا بقطع النظر عما يلابسه من الصفات الخارجية، وسواء أكانت الصفات الخارجيه الزائدة عن المقعول من الحقيقة الشرعية فيها مفسدة تقتضي النهي أم ليس فيها؛ صح المأمور به لأن قصد الشارع قد حصل بهذا المقدار، وكفى، وذلك لأن هذا المقدار الذهني الذي قصد إليه الشارع واحد بالشخص لا تعدد فيه، وذو جهة واحدة لا تعدد فيها؛ لأن التعدد إنما يجيء من اعتبار الكيفيات والأحوال الخارجية، والشارع إنما ينظر إليه من جهة حقيقته العقلية الشرعية، وهي شيء واحد، وحينئذ يستحيل -بناء على القاعدة الأصولية- أن يتعلق بها وجوب وحرمة معًا؛ فمثلا الصلاة في المكان المغصوب صحيحة متى استوفت ما راعاه الشارع في حقيقتها من أركان وشروط ولا نظر إلا ما تعلق بها في الخارج من وصف هو مفسدة تقتضي النهي؛ لأنه إنما جاء من الكيفيات والأحوال الخارجية الزائدة عن الحقيقة الشرعية؛ فلا يعتبر جزءًا من المأمور به حتى يكون العمل تكوّن من جزء صحيح وجزء فاسد؛ فيقتضي فساد المجموع هذا، وأما إذا قلنا: إن منصرف الأدلة إلى الأفراد الخارجية لهذا المعقول الذهني، ومعروف أنها لا تتحقق إلا بهيئات وكيفيات تكون داخلة في حقيقة تلك الأفراد، =

اعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ مَعْقُولِيَّتِهَا. وَاعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا فِي الْخَارِجِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُكَلَّفَ بِهِ أَوْ بِتَرْكِهِ أَوِ الْمُخَيَّرَ فِيهِ يُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ مَاهِيَّتِهِ مُجَرَّدًا عَنِ الْأَوْصَافِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا وَاللَّاحِقَةِ لَهَا؛ كَانَتْ تِلْكَ الْأَوْصَافُ لَازِمَةً أَوْ غَيْرَ لَازِمَةٍ، وَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَارُ الْعَقْلِيُّ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ مَاهِيَّتِهِ بِقَيْدِ الِاتِّصَافِ بِالْأَوْصَافِ الزَّائِدَةِ اللَّاحِقَةِ فِي الْخَارِجِ1، لَازِمَةً أَوْ غَيْرَ لَازِمَةٍ، وَهُوَ الِاعْتِبَارُ الْخَارِجِيُّ؛ فَالصَّلَاةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مَثَلًا يُتَصَوَّرُ فِيهَا هَذَانِ الِاعْتِبَارَانِ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ مِنَ الْأَنْكِحَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهَا، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِبَارَيْنِ فِيمَا إِذَا نُظِرَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، أَوِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْأَوْصَافِ الَّتِي تُنْقِصُ مِنْ كَمَالِهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْعَالِ. فَإِذَا صَحَّ الِاعْتِبَارَانِ عَقْلًا؛ فَمُنْصَرَفُ الْأَدِلَّةِ إِلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ هُوَ، ألجهة

_ = أو لازمة لوجودها؛ كما يقولون في جزئي أي نوع، كما في زيد مثلا: كل مشخصاته الزائدة عن حقيقته النوعية معتبرة جزءًا منه أو كجزء -إذا قلنا ذلك- لزم أن كل ما اقترن به المأمور به في الخارج من كيفيات وأحوال، معتبرة فيه جزءًا له أو كجزء؛ ففي مثل الصلاة في مكان مغصوب يعتبر الشرع الانتفاع بالمغصوب كجزء من الصلاة، فتكون قد تكونت من جزء صحيح وجزء فاسد؛ فتكون فاسدة، وهكذا كل مأمور به اقترن به في الخارج ما فيه مفسدة يكون فاسدًا، على ما سيفصله المؤلف في الفصل التالي من الكلام في الأوصاف السلبية والوجودية. وبهذا البيان تتضح المسألة، ويظهر انسجام أدلتها على كل من هذين النظرين، وتظهر غزارة مادة المؤلف وعلو كعبه في هذا الفن رحمه الله، وسيأتي للمؤلف في المسألة الثالثة في الأوامر والنواهي ما يساعدك على فهم ما قررنا به كلامه هنا، وقد ذكر الآمدي في هذه المسألة في الأوامر، وصحح أن الأمر بالمطلق أمر بالمقيد؛ فراجعه إن شئت. "د". قلت: انظر أيضا "مجموع فتاوى ابن تيمية" "19/ 295-306". 1 في الأصل: "الخارجة".

الْمَعْقُولِيَّةِ أَمْ لِجِهَةِ الْحُصُولِ [فِي] 1 الْخَارِجِ؟ هَذَا مَجَالُ نَظَرٍ مُحْتَمِلٌ لِلْخِلَافِ2، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى الْخِلَافِ الْمَنْصُوصُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَأَدِلَّةُ الْمَذَاهِبِ3 مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا مُبَيَّنَةٌ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا يُتَحَرَّى مِنْهُ مَقْصِدُ4 الشَّارِعِ فِي أَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ. فَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ أُمُورٌ5: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَوِ الْمُخَيَّرَ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ حَقَائِقُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَنْطَلِقُ عَلَيْهَا تِلْكَ الْأَسْمَاءُ، وَهَذَا أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ فِي الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّا إِذَا أَوْقَعْنَا الْفِعْلَ عَرَضْنَاهُ عَلَى ذلك في الْمَعْقُولِ الذِّهْنِيِّ، فَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ صَحَّ، وَإِلَّا؛ فَلَا. وَلِصَاحِبِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّخْيِيرِ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَقُومَ الْمُكَلَّفُ بِمُقْتَضَاهَا؛ حَتَّى تَكُونَ لَهُ أَفْعَالًا خَارِجِيَّةً لَا أُمُورًا ذِهْنِيَّةً، بَلِ الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ هِيَ مَفْهُومَاتُ6 الْخِطَابِ، وَمَقْصُودُ7 الْخِطَابِ لَيْسَ نَفْسَ التَّعَقُّلِ، بَلِ الِانْقِيَادُ، وَذَلِكَ الْأَفْعَالُ الْخَارِجِيَّةُ؛ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَتْ عَمَلِيَّةً أَمِ اعْتِقَادِيَّةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ مَوْصُوفَةً، فَيَكُونَ الْحُكْمُ عليها كذلك8.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 لا نزاع في أن الأوامر والنواهي متعلقة بالمطلق ظاهرا وهو الماهية بلا قيد، وأما المطلوب تحصيله؛ فهو الماهية من حيث اتحادها بالفرد الخارجي أو وجودها فيه على خلاف في ذلك، ولا قائل بأن المطلوب هو الماهية المجردة فيما أظن، وإنما ذلك مقول في معنى المطلق الذي تتعلق به الأوامر والنواهي ظاهرا، وبذلك تعلم ما في الأدلة المسوقة عليه. "ق". 3 في "ط": "المذهب". 4 في "ط": "مقاصد". 5 ذكر له ثلاثة أدلة، عبر عنها بالأول والثاني والثالث، وذكر في مقابل كل منها معارضته من طرف المذهب الآخر بقوله: "ولصاحب الثاني". "د". 6 في "ط": "مفهومة". 7 في "ط": "ومفهوم". 8 أي: ملاحظا فيها وقوعها في الخارج، لا مجرد المقدار الذي يطابق ما في الذهن، وإذا كان الحكم عليها إنما يكون باعتبار الوقوع في الخارج؛ فلا بد فيه من مراعاة الأوصاف من الكيفيات الأحوال التي تكون عليها في الخارج، فإن اقترن بها موجب للفساد أفسدها، والدليل لكل منهما -كما ترى- كأنه مجرد دعوى كلام في مقابلة كلام. "د".

وَالثَّانِي: أَنَّا لَوْ لَمْ نَعْتَبِرِ الْمَعْقُولَ الذِّهْنِيَّ فِي الْأَفْعَالِ؛ لَزِمَتْ1 شَنَاعَةُ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ الْمُقَرَّرَةُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَمِنْ لَوَازِمِهِ فِي الْخَارِجِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْحَرَامَ، وَيَلْقَى فِيهِ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ مَرَّ بُطْلَانُهُ. وَلِصَاحِبِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: لَوِ اعْتَبَرْنَا الْمَعْقُولَ الذِّهْنِيَّ مُجَرَّدًا عَنِ الْأَوْصَافِ الْخَارِجِيَّةِ؛ لَزِمَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ الْأَوْصَافُ الْخَارِجِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ؛ فَإِنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ مَعْلُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ2 وَكَذَلِكَ3 كَلُّ فِعْلٍ سَائِغٍ فِي نَفْسِهِ وَفِيهِ تَعَاوُنٌ4 عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى أَوْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَصِحَّ5 النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَا عَنِ الصلاة عند

_ 1 أي: لو اعتبرنا الخارج في المباح، ومعلوم أنه يلزمه أن يكون فيه ترك حرام؛ لزم أن يكون كل مباح واجبًا كما يقول الكعبي، يعني: وأنتم متفقون معنا على وجود المباح المستوي الطرفين ضمن الأحكام الشرعية. "د". 2 أي: لوحظت فيه الأوصاف الخارجية قطعا، وإلا؛ لما صح منعه. "د". 3 كذا في "ط"، وفي غيره: "كذلك"، وكتب "ف": "لعله "وكذلك"؛ أي أنه منظور فيه للأوصاف الخارجية. 4 كالأكل يقصد به التقوي على الطاعة أو التقوي على الإثم؛ فالأصل مباح، وبالقصد المذكور تحصل الطاعة أو المعصية، وهذا نوع آخر غير سد الذرائع التي هي أمر سائغ يتحيل به إلى ممنوع؛ كبيوع الآجال كما سبق، وقد ذكر ثلاثة أنواع مما اعتبر الشارع فيه الأوصاف الخارجية وبنى حكمه عليها هذان النوعان، وصحة النهي عن صوم يوم العيد والصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، والأنواع الثلاثة يستدل بها على بطلان اعتبار المعقول الذهني مجردًا؛ فقوله: "ولم يصح النهي" داخل تحت مضمون قوله: "لزم ألا تعتبر الأوصاف" وليس مقابلا له، وإنما هو نوع مغاير لسد الذرائع والتعاون الذي اعتبر فيهما كما اعتبر فيه الأوصاف الخارجية. "د". 5 عطف على قوله: "لزم أن لا تعتبر". "ف".

طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَهَذَا الْبَابُ وَاسِعٌ جِدًّا. وَالثَّالِثُ: أَنَّا لَوِ اعْتَبَرْنَا الْأَفْعَالَ مِنْ حَيْثُ هِيَ خَارِجِيَّةٌ فَقَطْ؛ لَمْ يَصِحَّ لِلْمُكَلَّفِ1 عَمَلٌ إِلَّا فِي النَّادِرِ؛ إِذْ كَانَتِ الْأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ مُرْتَبِطًا2 بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَقَدْ فَرَضُوا مَسْأَلَةَ مَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَانَ وَقْتُهُ، وَأَلْزَمُوا الْمُخَالِفِينَ أَنْ يَقُولُوا بِبُطْلَانِ تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ بِهَا وَاجِبًا، وَهَكَذَا كُلٌّ مَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُبْطِلَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ إِذَا تَلَازَمَا3 فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التَّوْبَةِ: 102] ، لِأَنَّهُمَا إِذَا تَلَازَمَا فِي الْخَارِجِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا كالوصف للثاني4؛ لَمْ يَكُنِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ صَالِحًا5، فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ خَلْطُ عَمَلَيْنِ، بَلْ صَارَا6 عَمَلًا وَاحِدًا؛ إِمَّا صَالِحًا، وَإِمَّا سَيِّئًا7، وَنَصُّ الْآيَةِ يُبْطِلُ هذا، وكذلك جريان

_ 1 في "ف": "المكلف". 2 كما تقدم في المسألة السابعة من النوع الثالث من مقاصد الشارع، حيث يقول: "إن الحقوق متزاحمة، وإن بعضها يضاد بعضا؛ كالحج والجهاد مثلا في وقت واحد، وبعضها يؤدي إلى نقض في غيره ... "إلخ ما ذكر هناك. "د". 3 أي: بحيث يكون وجدوه الخارجي مما يلزمه العمل السيء؛ فيكون من الموضوع المتكلم فيه؛ أي: فإذا اعتبر العمل السيء وصفا للعمل الصالح لأنه مقترن بوجوده الخارجي؛ فلا يكون هناك عملان، بل عمل واحد، والآية تسميهما عملين، وتبقي وصف كل منهما بالصلاح ومقابله. "د". 4 كذا في "ط"، وفي غيره: "للوصف الثاني"، وكتب "د": "لعل الأصل: "كالوصف الثاني"، يعني كما هو مقتضى القول الثاني، ويؤيد هذا التصحيح قوله الآتي في جواب الإشكال عن الآية: "كالوصف للآخر". 5 لو زاد هنا جملة "أو السيء سيئا"؛ لناسب قوله بعد: "إما صالحا، وإما سيئا". "د". 6 في "د": "صار"، المثبت من الأصل و"م" و"ف". 7 نوسع في البيان، وإلا؛ فسابقه يقتضي أنه سيء فقط. "ف".

الْعَوَائِدِ1 فِي الْمُكَلَّفِينَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عَمَلٌ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ. وَلِصَاحِبِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْأُمُورَ الذِّهْنِيَّةَ مُجَرَّدَةٌ مِنَ2 الْأُمُورِ الخارجية تعقل3، وما لَا تُعْقَلُ3 لَا يُكَلَّفُ بِهِ، أَمَّا أَنَّ مَا لَا يَعْقِلُ3 لَا يُكَلَّفُ بِهِ؛ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا أَنَّ الْأُمُورَ الذِّهْنِيَّةَ لَا تُعْقَلُ3 مُجَرَّدَةً؛ فَهُوَ ظَاهِرٌ أَيْضًا، فِي4 الْمَحْسُوسَاتِ؛ فَكَالْإِنْسَانِ مَثَلًا، فَإِنَّ مَاهِيَّتَهُ الْمَعْقُولَةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنَ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنُّطْقِيَّةَ لَا تَثْبُتُ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ حَتَّى تَتَخَصَّصَ، وَلَا تَتَخَصَّصُ5 حَتَّى تَتَشَخَّصَ، وَلَا تَتَشَخَّصُ حَتَّى تَمْتَازَ عَنْ سِوَاهَا مِنَ الْمُتَشَخِّصَاتِ بِأُمُورٍ أُخَرَ؛ فَنَوْعُ الْإِنْسَانِ يَلْزَمُهُ خَوَاصُّ كُلِّيَّةٌ هِيَ لَهُ أَوْصَافٌ؛ كَالضَّحِكِ، وَانْتِصَابِ الْقَامَةِ، وَعَرْضِ الْأَظْفَارِ، وَنَحْوِهَا وَخَوَاصُّ شَخْصِيَّةٌ وَهِيَ الَّتِي امْتَازَ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِ الْإِنْسَانِ عَنِ الْآخَرِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ؛ لَمْ يَظْهَرِ الْإِنْسَانُ فِي الْخَارِجِ ألبتة. فقد صارت إذًا الأمور الخارجية الْعَارِضَةُ لَازِمَةً لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْخَارِجِ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِيَّاتِ؛ فَكَالصَّلَاةِ مَثَلًا؛ فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا المركبة من القيام

_ 1 أي: كما يجري في الأمور العبادية يجري في العاديات كما سيقول بعد في الذبح بالسكين والبيوع الفاسدة. "د". وكتب "ف": "المراد بـ"العوائد" هنا العادات، جمع "عادة"، وهي الديون يعاد إليها". 2 في الأصل "عن"، والمثبت من "ف" و"د" و"م" و"ط". 3 في "د" و"م" في جميع المواطن: "تفعل" أو "يفعل"، وفي "ف": "لا يفعل"، وفي هامشها: "في الأصل: لا يعقل، وهكذا ما بعده". قلت: وهكذا في الأصل و"ط" و"ماء"، ثم قال "ف": "وهو غير ظاهر؛ فتنبه"، وكتب "ف" ما نصه: "وهذا يشبه أن يكون مغالطة؛ لأنه أخذ ظاهر الدعوى من أن الحقيقة الذهنية هي المكلف بها، واعترض بما قال، ولكنه لو نظر غلى غرضه الذي قاله وسيقوله؛ لم يتوجه هذا، وسيتضح ذلك بعد". قلت: الكلام مستقيم على النحو الذي ضبطناه، ولله الحمد. 4 كذا في "ط"، وفي غيره: "أما في". 5 في "ط": "حتى تختص، ولا تختص".

وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ في الخارج إلى عَلَى كَيْفِيَّاتٍ وَأَحْوَالٍ وَهَيْئَاتٍ شَتَّى، وَتِلْكَ الْهَيْئَاتُ مُحْكَمَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْمَاهِيَّةِ حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهَا بِالْكَمَالِ أَوِ النُّقْصَانِ وَالصِّحَّةِ أَوِ1 الْبُطْلَانِ، وَهِيَ مُتَشَخِّصَاتٌ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْحُكْمُ عَلَى صَاحِبِهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إِذْ هِيَ فِي الذِّهْنِ كَالْمَعْدُومِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهَا بِمَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ2، وَلَيْسَ إِلَّا أَفْعَالًا مَوْصُوفَةً بِأُمُورٍ خَاصَّةٍ لَازِمَةٍ، وَأُمُورٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَكُلُّ مُكَلَّفٍ مُخَاطِبٌ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِهَا؛ فَهُوَ إِذًا مُخَاطَبٌ بِمَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُحَصِّلَهُ فِي الْخَارِجِ، فَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّوَازِمِ الْخَارِجِيَّةِ؛ فَهُوَ إِذًا مُخَاطَبٌ بِهَا لَا بِغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِزِيَادَةِ وَصْفٍ أَوْ نُقْصَانِهِ؛ فَلَمْ تَحْصُلْ إِذًا عَلَى حَقِيقَتِهَا، بَلْ عَلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى، وَالَّتِي خُوطِبَ بِهَا لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ. فَإِنْ قِيلَ: فَيُشْكِلُ مَعْنَى الْآيَةِ إِذًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} [التَّوْبَةِ: 102] ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَحْصُلُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ3 وَتَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ الِاعْتِبَارُ الذِّهْنِيُّ. قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الْمُتَعَارِضَةَ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ بِمُتَلَازِمَةٍ لِحُصُولِهَا فِي زَمَانَيْنِ وَفِي حَالَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ، وَإِذَا تَلَازَمَتْ حَتَّى صَارَ أَحَدُهَا كَالْوَصْفِ لِلْآخَرِ، فَإِنْ كَانَ كَالْوَصْفِ السَّلْبِيِّ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي عَدَمِ التَّلَازُمِ لِأَنَّ الْوَصْفَ السَّلْبِيَّ اعْتِبَارِيٌّ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ لَيْسَ صِفَةً وجودية، وأما إن كانت

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "والبطلان". 2 الخصم يقول له: إننا متفقون في هذا، ولكن نحن نقول بما وقع في الخارج منطبقا عليه الحقيقة الكلية فقط؛ لأنها هي المرعية في التكليف، أما الزيادات الخارجية التي يقترن بها؛ فلا شأن لها في قصد الشارع، وأنت تقول: لها شأن، وتتحكم في صحة المأمور به وعدمها. "د". 3 في "ط": "بنقصان".

صِفَةً وُجُودِيَّةً أَوْ كَالصِّفَةِ الْوُجُودِيَّةِ1، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الْحَاصِلِ فِي الْخَارِجِ، وَلَا يَدْخُلُ مِثْلُهُ تَحْتَ الْآيَةِ2، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ غَيْرُ الْمُبْطِلَةِ أَوِ النُّقْصَانُ؛ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِمَا حَصَلَ فِي الْخَارِجِ جَارِيًا مَجْرَى الْمُخَاطَبِ بِهِ؛ فَالصَّلَاةُ النَّاقِصَةُ أَشْبَهَتْ فِي الْخَارِجِ الصَّلَاةَ الْكَامِلَةَ فَعُومِلَتْ مُعَامَلَتَهَا، لا أنه3 اعتبر فيها الاعتبار الذِّهْنِيُّ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَشَعَّبُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ. فَصْلٌ: وَيَتَصَدَّى النَّظَرُ4 هُنَا فِيمَا يَصِيرُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ وَصْفًا لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ النَّظَرَانِ، وَمَا لا يصير كذلك؛ فلا يجريان فيه.

_ 1 كما سيأتي في ترك الطهارة للصلاة؛ فإنها وإن كانت سلبية، لكن لما ثبت اعتبارها شرعا؛ كانت كأنها وجودية. "د". 2 لأن الآية في جمعهم بين أعمال صالحة وتركهم الجهاد في هذه الغزوة، والترك هنا وصف سلبي صرف ليس كالطهارة للصلاة مثلا. "د". وكتب "ف" ما نصه: "نزلت على ما رواه البيهقي [في "الدلائل" "5/ 272"] في عشرة من المسلمين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، والواو في الآية بمعنى الباء؛ كما في قولك: "خلطت الماء واللبن"، ومعنى خلط العمل الصالح بالسيء وعكسه: استعقاب آخرهما الآخر، بحيث يقعان في زمانين". قلت: أخرج سبب النزول المذكور ابن جرير في "التفسير" "11/ 16"، وابن مردويه من طريقين عن ابن عباس، في أحدهما عبد الله بن صالح، كاتب الليث وهو ضعيف، وفي الآخر محمد بن سعد العوفي وآباؤه، وهم ضعفاء. وانظر "الدر المنثور" "4/ 275"، و"لباب النقول" "ص123-124"، و"الفتح السماوي" "2/ 697-698"، و"صحيفة علي بن أبي طلحة" "ص271"، و"الكافي الشافي" "ص80" لابن حجر. 3 في "ط": "أنها". 4 إنما يحتاج إلى ضبط هذا الموضع ومعرفة الأفعال التي تعتبر وصف لما اقترن بها والتي لا تعتبر كذلك، بناء على النظر الثاني، أما إذا نظر إلى الأمر الذهني المعقول، وأنه إذا صدق على ما في الخارج صح بقطع النظر عن الأوصاف التي تقترن به في الخارج؛ فلا حاجة له بهذا الضابط وتفصيله لأن الضابط عنده مجرد صدق الحقيقة الذهنية عليه باستيفائه أركانها وشروطها. "د".

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَلَازِمَةَ؛ إِمَّا أَنْ يَصِيرَ أَحَدُهَا وَصْفًا لِلْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا تَلَازُمَ؛ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ تَرْكِ الزِّنَى أَوِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ أَحَدَ التَّرْكَيْنِ لَا يَصِيرُ كَالْوَصْفِ لِلْآخَرِ؛ لِعَدَمِ التَّزَاحُمِ فِي الْعَمَلِ، إِذْ كَانَ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ التَّرْكُ لِكُلِّ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ أَوْ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مُتَزَاحِمَيْنِ1 عَلَى الْمُكَلَّفِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى أَمْرٍ سَلْبِيٍّ وَالسَّلْبِيَّاتُ اعْتِبَارِيَّاتٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَصْفًا سَلْبِيًّا أَوْ وُجُودِيًّا، فَإِنْ كَانَ سَلْبِيًّا؛ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ اعْتِبَارُهُ فِيهِ شَرْعًا عَلَى الْخُصُوصِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ2؛ كَتَرْكِ الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا اعْتِدَادَ بِالْوَصْفِ السَّلْبِيِّ؛ كَتَرْكِ قَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِيمَنْ فَرَّ مِنْ قَضَائِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، [فَإِنَّ الصَّلَاةَ] 3 وَإِنْ وُصِفَتْ بِأَنَّهَا فِرَارٌ مِنْ وَاجِبٍ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَصْفٍ لَهَا إِلَّا اعْتِبَارِيًّا تَقْدِيرِيًّا، لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ وُجُودِيًّا؛ فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ؛ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ لِأَوْصَافٍ فِيهَا خَارِجَةٍ عَنْ حَقَائِقِهَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرُوكَ مِنْ حَيْثُ هِيَ تُرُوكٌ لا تتلازم في الخارج، وكذلك

_ 1 في "ط": "بمتزاحمين". 2 نقول: ولا إشكال في اعتبار المعقول الذهني أيضا متى لوحظ تقييد المعقول المذكور بالشروط مع الأركان، على ما سقناه في تقرير الكلام من أوله؛ فإنه إذا لم تعتبر الشروط أشكل عليه الأمر، واضطر إلى اعتبار بعض الأمور الخارجية دون بعض؛ فلا يكون اعتباره لمجرد الأمر المعقول مقبولا بإطلاق. "د". 3 سقط من "ط".

الْأَفْعَالُ مَعَ التُّرُوكِ؛ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ تَلَازُمُهَا شَرْعًا، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى أَنَّ التَّرْكَ إِنَّمَا اعْتُبِرَ مِنْ جِهَةِ فَقْدِ وَصْفٍ وُجُودِيٍّ لِلْفِعْلِ الْوُجُودِيِّ؛ كَالطِّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ مَعَ الْأَفْعَالِ؛ فَهِيَ الَّتِي تَتَلَازَمُ إِذَا قُرِنَتْ فِي الْخَارِجِ، فَيَحْدُثُ مِنْهَا فِعْلٌ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ؛ فَيُنْظَرُ فِيهِ وَفِي وَصْفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَعَلُّقٌ بِبَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَرْجِعُ إِلَى النَّقْلِ الْمَحْضِ. وَالثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّأْيِ الْمَحْضِ. وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُصُولِ الْأَدِلَّةِ، وَإِلَّا؛ فَكَلُّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرْبَيْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمَنْقُولَاتِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ، كَمَا أَنَّ الرَّأْيَ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إِلَّا إِذَا اسْتَنَدَ إِلَى النَّقْلِ، فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ؛ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَالْقِيَاسُ وَالِاسْتِدْلَالُ1، وَيَلْحَقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجُوهٌ؛ إِمَّا بِاتِّفَاقٍ، وَإِمَّا بِاخْتِلَافٍ؛ فَيَلْحَقُ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ2 قِيلَ

_ 1 هو دليل ليس بنص، ولا إجماع، ولا قياس شرعي، وإن كان راجعًا إلى النص؛ إذ الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل شرعي. "ف". قلت: انظر "الإحكام" "7/ 53"، و"النبذ" "37-51، 120-135" كلاهما لابن حزم، و"الوجيز في أصول الفقه" "148-149". 2 أي: سواء جرينا على أنه يختص بالصحابة كما روي عن أحمد أو لا، وسواء قلنا: إجماع أهل المدينة حجة كما يقول مالك أو لا، وسواء قلنا: يشترط عدد التواتر في حجية الإجماع أو لا، وسواء قلنا: يصح أن يكون مستند الإجماع قياسًا كما هو الحق أو لا كما يقول الظاهرية، وهكذا مما يدور حول الإجماع من الخلاف المقتضي لتوسيع مجال الإجماع أو تضييقه؛ إلا أنه يقال إذا كان مستنده قياسا: لا يكون ملحقًا بالضرب الأول بل بالثاني. "د". وكتب "ف": ما نصه: "أما الإجماع؛ فلأنه لا بد له من سند من كتاب أو سنة، فيعتد به من هذه الجهة، ولا يلزمنا البحث عن سنده لحديث: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، ومذهب الصحابي محمول على الرواية والنقل ما لم يثبت أنه رأي له واجتهاد؛ فيجري الخلاف في حجيته، وأما شرع من قبلنا؛ فلإقراره في شرعنا".

بِهِ وَمَذْهَبُ1 الصَّحَابِيِّ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ بِأَمْرٍ مَنْقُولٍ صِرْفٍ لَا نَظَرَ فِيهِ لِأَحَدٍ. وَيَلْحَقُ بِالضَّرْبِ الثَّانِي الِاسْتِحْسَانُ وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَمْرٍ نَظَرِيٍّ، وَقَدْ تَرْجِعُ إِلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِنْ شَهِدْنَا أَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْعُمُومَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ، حَسَبَمَا يَتَبَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ2 مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ. فَصْلٌ: ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي أَصْلِهَا مَحْصُورَةٌ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُثْبِتِ الضَّرْبَ الثَّانِيَ بِالْعَقْلِ، وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْأَوَّلِ؛ إِذْ مِنْهُ قَامَتْ أَدِلَّةُ صِحَّةِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْعُمْدَةُ، وَقَدْ صَارَ إِذْ ذَاكَ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مُسْتَنَدَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: جِهَةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ. وَالْأُخْرَى: جِهَةُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الْأَحْكَامُ الْجُزْئِيَّةُ الْفَرْعِيَّةُ. فَالْأُولَى كَدَلَالَتِهِ عَلَى أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ، وَالصَّيْدِ، وَالذَّبَائِحِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْحُدُودِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ3 كَدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، وَعَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، وَشَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا حُجَّةٌ، وَمَا كَانَ نحو ذلك.

_ 1 ظاهر إذا لم يكن اجتهادًا منه، وإلا؛ رجع لما يناسبه من الضربين. "د". 2 في المسألة العاشرة من كتاب الاجتهاد أن مآلات الأفعال معتبرة. "د". 3 في الأصل: "الثاني".

فَصْلٌ: ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى الْكِتَابِ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ وَالِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ الرسول صلى الله عليه وسلم الْمُعْجِزَةُ، وَقَدْ حَصَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُعْجِزَتَهُ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: "وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ" 1، هَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ كَثِيرٌ جِدًّا، بَعْضُهُ يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ2، وَلَكِنَّ مُعْجِزَةَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النِّسَاءِ: 59] . وَقَالَ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَه} فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. وَتَكْرَارُهُ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الطَّاعَةِ بِمَا أَتَى بِهِ مِمَّا فِي الْكِتَابِ وَمِمَّا لَيْسَ فِيهِ مِمَّا هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ، وَقَالَ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الْحَشْرِ: 7] . وَقَالَ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . إلى ما أشبه ذلك.

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، 9/ 3/ رقم 4981، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بعثت بجوامع الكلم"، 13/ 247/ رقم 7274"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملة، 1/ 134/ رقم 152" عن أبي هريرة رضي الله عنه. 2 جاء معنى هذا الكلام في حديث صحيح، يأتي نصه وتخريجه "4/ 180".

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ السُنَّةَ إِنَّمَا جَاءَتْ مُبِيِّنَةً لِلْكِتَابِ وَشَارِحَةً لِمَعَانِيهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] . وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [الْمَائِدَةِ: 67] ، وَذَلِكَ التَّبْلِيغُ مِنْ وَجْهَيْنِ: تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ الْكِتَابُ. وَبَيَانُ مَعَانِيهِ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَجَزَاهُ عَنَّا أَفْضَلَ الْجَزَاءِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ] ؛ فَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ مَوَارِدَ السُّنَّةِ وَجَدْتَهَا بَيَانًا لِلْكِتَابِ، هَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْعَامُّ فِيهَا. وَتَمَامُ بَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ مَذْكُورٌ بَعْدُ1 إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَالْغَايَةُ الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهَا أَنْظَارُ النُّظَّارِ وَمَدَارِكُ أَهْلِ الاجتهاد، وليس وراءه مرمى؛ فإنه كَلَامُ اللَّهِ الْقَدِيمُ: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النَّجْمِ: 42] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] . وقل: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الْأَنْعَامِ: 38] . وَبَيَانُ هَذَا مَذْكُورٌ بَعْدُ2 إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

_ 1 في المسألة الثانية من الدليل الثاني وهو السنة. "د". 2 في المسألة الرابعة من السنة؛ فسيشرح فيها كيف أن الكتاب تضمن ما في السنة. "د". وفي "ط": "أنه مذكور".

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ 1: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ فَمَبْنِىٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: رَاجِعَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ مَنَاطِ2 الْحُكْمِ. وَالْأُخْرَى: تَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. فَالْأُولَى نَظَرِيَّةٌ وَأَعْنِي بِالنَّظَرِيَّةِ هُنَا3 مَا سِوَى النَّقْلِيَّةِ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أُثْبِتَتْ بِالضَّرُورَةِ أَمْ بِالْفِكْرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَلَا أَعْنِي بِالنَّظَرِيَّةِ مُقَابِلَ الضَّرُورِيَّةِ، وَالثَّانِيَةُ نَقْلِيَّةٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ شَرْعِيٍّ، بَلْ هَذَا4 جَارٍ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ عَقْلِيٍّ أَوْ نَقْلِيٍّ؛ فَيَصِحُّ أَنْ نَقُولَ: الْأُولَى رَاجِعَةٌ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَالثَّانِيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْحُكْمِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ الْمَطَالِبِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا قُلْتَ: إِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ؛ فَلَا يَتِمُّ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ5 حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ يُشَارُ إِلَى المقصود

_ 1 انظر في تفصيل ذلك "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 111، 254-255 و22/ 329-330". 2 "المناط هو الوصف الذي نيط به الحكم، وتحقيقه إثبات العلة في إحدى صورها التي خفيت فيها العلة؛ كتحقيق أن النباش سارق، بأنه وجد فيه أخذ المال خفية وهو السرقة، فتقطع، ولكن المؤلف هنا أراد بتحقيق المناط إثبات الوصف الذي نيط به الحكم مطلقًا؛ ففي حرمة السكر كونه خمرًا، وفي جواز الوضوء بالماء كونه مطلقا، وفي رفع زيد ونصب عمرو كونه فاعلًا، وفي حدوث العالم كونه متغيرًا". "ف". 3 في "م": "ههنا". 4 أي: حاجة الدليل إلى مقدمتين بحيث ترجع إحداهما إلى تحقيق المناط ... إلخ لا بقيد أن تكون الثانية نقلية؛ إذ قد تكون المقدمتان عقليتين، وسيأتي له توجيه اطراد ذلك في العقليات أيضا بأنه يجب أن تكون إحدى المقدمتين العقليتين جارية مجرى النقليات في خاصيتها وهي أن تكون مسلمة. "د". 5 أي: على الجزئي بهذا الدليل الشرعي حتى يكون الجزئي بهذه الحيثية ليستعمل هذا المشروب المشار إليه إذا لم يتحقق فيه المناط، ولم يندرج في موضوع الكبرى أو يجتنب، ولا يستعمل إذا لم يتحقق فيه ذلك، كما يقولون: إن الأصغر في مقدمة الدليل المنطقي يجب أن يكون مندرجًا في الأوسط حتى ينتقل حكمه إليه؛ فتحقيق المناط يرجع إلى تحقيق اندراج الأصغر في الأوسط. "د".

مِنْهُ لِيُسْتَعْمَلَ أَوْ لَا يُسْتَعْمَلَ، لِأَنَّ الشَّرَائِعَ إنما جاءن لِتَحْكُمَ عَلَى الْفَاعِلِينَ مِنْ جِهَةِ مَا هُمْ فَاعِلُونَ، فَإِذَا شَرَعَ الْمُكَلَّفُ فِي تَنَاوُلِ خَمْرٍ مَثَلًا؛ قِيلَ لَهُ: أَهَذَا خَمْرٌ أَمْ لَا؟ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ خَمْرًا أَوْ غَيْرَ خَمْرٍ، وَهُوَ مَعْنَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، فَإِذَا وُجِدَ فِيهِ أَمَارَةُ الْخَمْرِ أَوْ حَقِيقَتُهَا بِنَظَرٍ مُعْتَبَرٍ؛ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا خَمْرٌ، فَيُقَالُ لَهُ: كُلُّ خَمْرٍ حَرَامُ الِاسْتِعْمَالِ. فَيَجْتَنِبُهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ: هَلْ هُوَ مُطْلَقٌ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ بِرُؤْيَةِ اللَّوْنِ، وَبِذَوْقِ الطَّعْمِ وَشَمِّ الرَّائِحَةِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ؛ فَقَدْ تَحَقَّقَ مَنَاطُهُ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَهِىَ الْمُقَدِّمَةُ النَّظَرِيَّةُ، ثُمَّ يُضِيفُ إِلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ ثَانِيَةً نَقْلِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَاءٍ مُطْلَقٍ؛ فَالْوُضُوءُ بِهِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَظَرَ: هَلْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْوُضُوءِ أَمْ لَا؟ فَيَنْظُرُ: هَلْ هُوَ مُحْدِثٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ تَحَقَّقَ الْحَدَثُ؛ فَقَدْ حَقَّقَ مَنَاطَ الْحُكْمِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِالْوُضُوءِ، [وَإِنْ تَحَقَّقَ فَقْدُهُ؛ فَكَذَلِكَ؛ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبِ الْوُضُوءِ] 1، وَهَى الْمُقَدِّمَةُ النَّقْلِيَّةُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مُطْلَقَةً2 وَمُقَيَّدَةً3، وَذَلِكَ مُقْتَضَى إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ وهي النقلية، ولا ينزل الحكم بها إلى على ما

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وفي "ط": " ... مطلوب بالرضى"؟! 2 في البعض؛ كالقاعدة القائلة: "المرتد يقتل". "د". 3 وهو الأكثر، كما في قاعدة "القاتل يقتل"؛ أي: إذا لم يكن أبا أو إذا لم يعف أولياء الدم مثلا: وعلى هذا يكون معنى الإطلاق والتقييد وغيرهما في المسألة السابعة، ويظهر أنه لا مانع من جعلهما بالمعنى الآتي في المسألة المذكورة. "د".

تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَنَاطُ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ عَلَى التَّقْيِيدِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْمُقَدِّمَةِ النَّظَرِيَّةِ، وَالْمَسْأَلَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ. نَعَمْ، وَفِي اللُّغَوِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ؛ فَإِنَّا إِذَا قُلْنَا: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وَأَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ [مَا] الَّذِي يُرْفَعُ مِنَ الِاسْمَيْنِ وَمَا الَّذِي يُنْصَبُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَاعِلِ مِنَ الْمَفْعُولِ، فَإِذَا حَقَّقْنَا الْفَاعِلَ وَمَيَّزْنَاهُ؛ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى [الْمُقَدِّمَةِ] 1 النَّقْلِيَّةِ، وَهَى أَنَّ كُلَّ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ، وَنَصَبْنَا الْمَفْعُولَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَفْعُولٍ مَنْصُوبٌ، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُصَغِّرَ عَقْرَبًا حَقَّقْنَا أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ؛ فَيَسْتَحِقُّ مِنْ أَبْنِيَةِ التَّصْغِيرِ بِنْيَةَ "فُعَيْعِلٍ"2 لِأَنَّ كُلَّ رُبَاعِيٍّ عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ تَصْغِيرُهُ عَلَى هَذِهِ الْبِنْيَةِ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ عُلُومِ اللُّغَةِ، وَأَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ؛ فَكَمَا إِذَا نَظَرْنَا فِي الْعَالَمِ؛ هَلْ هُوَ حَادِثٌ أَمْ لَا؟ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ3 وَهُوَ الْعَالَمُ، فَنَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا، وَهِيَ الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى، ثُمَّ نَأْتِي بِمُقَدِّمَةٍ مُسَلَّمَةٍ وَهُوَ قَوْلُنَا: كُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ. لَكِنَّا قُلْنَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَسَائِرِ النَّقْلِيَّاتِ: إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ نَظَرِيَّةً، وَهِيَ الْمُفِيدَةُ لِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ -وَذَلِكَ مُطَّرِدٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ أَيْضًا-، وَالْأُخْرَى نَقْلِيَّةً؛ فَمَا الَّذِي يَجْرِي فِي الْعَقْلِيَّاتِ مَجْرَى النَّقْلِيَّاتِ؟ هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَأَمُّلِهِ. وَالَّذِي يُقَالُ فِيهِ4 أَنَّ خَاصِّيَّةَ الْمُقَدِّمَةِ النَّقْلِيَّةِ أَنْ تكون مسلمة إذا تحقق

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 في الأصل: "فعيل". 3 مناط الحكم هو الوصف الذي به يندرج في موضوع الكبرى، وهو هنا التغير. "د". وكتب "ف": "المناسب وهو تغير العالم كما يدل عليه سابق الكلام ولاحقه". 4 هذا يشير غلى أن المقدمة المعتبرة لتحقيق المناط في كل من الشرعيات والعقليات هي المقدمة النظرية، وأما المقدمة الثانية الراجعة إلى الحكم؛ فهي إلى الشرعيات نقلية، وفي العقليات عقلية، وكلتاهما تؤخذ مسلمة. "ف".

أَنَّهَا نَقْلِيَّةٌ؛ فَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ تَصْحِيحِهَا نَقْلًا، وَنَظِيرُ هَذَا1 فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْمُقَدِّمَاتُ الْمُسَلَّمَةُ، وَهِيَ الضَّرُورِيَّاتُ وَمَا تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهَا مِمَّا يَقَعُ مُسَلَّمًا عِنْدَ الْخَصْمِ؛ فَهَذِهِ خَاصِّيَّةُ إِحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً، وَخَاصِّيَّةُ الْأُخْرَى أَنْ تَكُونَ تَحْقِيقَ مَنَاطِ الْأَمْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَسْطِ هُنَا؛ فَإِنَّ التَّأَمُّلَ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِيهِ، وَأَيْضًا فِي فَصْلِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لَهُ بَيَانٌ آخر، وبالله التوفيق.

_ 1 هكذا في "د" و"م"، وفي الأصل: "وينظر في هذا"، وفي "ف" و"ط": "وينظر إلى هذا"، وقال "ف": "لعله "ونظير هذا".

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ1 مُطْلَقًا غَيْرُ مُقَيِّدٍ، وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ قَانُونٌ وَلَا ضَابِطٌ مَخْصُوصٌ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ وُكِّلَ إِلَى نَظَرِ الْمُكَلَّفِ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ مَا تَجِدُهُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى؛ كَالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْعَفْوِ، وَالصَّبْرِ، وَالشُّكْرِ فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَالظُّلْمِ، وَالْفَحْشَاءِ، وَالْمُنْكِرِ، وَالْبَغْيِ، وَنَقْضِ الْعَهْدِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ. وَكُلُّ دَلِيلٍ ثَبَتَ فِيهَا2 مُقَيَّدًا غَيْرَ مُطْلَقٍ، وَجُعِلَ لَهُ قَانُونٌ وَضَابِطٌ؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنًى تَعَبُّدِيٍّ لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ نَظَرُ الْمُكَلَّفِ لَوْ وُكِّلَ إِلَى نَظَرِهِ؛ إِذِ الْعِبَادَاتُ لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي أَصْلِهَا فَضْلًا عَنْ كَيْفِيَّاتِهَا3، وَكَذَلِكَ فِي الْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جَنْسِهَا، وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ فِي الْأُمُورِ الْعِبَادِيَّةِ وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي كَثِيرٌ فِي الْأُصُولِ الْمَدَنِيَّةِ4؛ لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَقْيِيدَاتٌ لِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ إِطْلَاقُهُ، أَوْ إِنْشَاءُ أَحْكَامٍ وَارِدَاتٍ عَلَى أَسْبَابٍ جُزْئِيَّةٍ، وَيَتَبَيَّنُ ذلك بإيراد مسألة مستأنفة.

_ 1 أي: ومثله السنة؛ لأن الكلام في هذه المباحث يتعلق بالأدلة على وجه العموم، بل الأدلة الواردة مقيدة. "د". 2 هكذا في الأصول و"ط"، قال "ف": "المناسب ثبت فيه أي الكتاب"، زاد "د": "أي الكتاب بمعنى الشريعة على هذا الوجه أكثر ما توجد في السنة كتابا وسنة"، كما أشرنا إليه آنفا. "د". 3 في "ط": "كيفيتها". 4 أي: التي شرعت بالمدينة النبوية ويقابلها الأصول المكية، وستأتي أمثلة ذلك في كلام المصنف. "ف" ونحوه عند "م".

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ 1: فَنَقُولُ: إِذَا رَأَيْتَ2 فِي الْمَدَنِيَّاتِ أَصْلًا كُلِّيًّا فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ جُزْئِيًّا3 بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ، أَوْ تَكْمِيلًا4 لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِحِفْظِهَا خَمْسَةٌ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّسْلُ5، وَالْمَالُ. أَمَّا الدِّينُ؛ فَهُوَ أَصْلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَمَا نَشَأَ عَنْهُمَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ. وَأَمَّا النَّفْسُ؛ فَظَاهِرٌ إِنْزَالُ حِفْظِهَا بِمَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] . {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التَّكْوِيرِ: 8] ,. {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} 6 [الأنعام: 119] . وأشباه ذلك.

_ 1 انظر في هذا أيضا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "15/ 160 و17/ 126". 2 في "ط": "أردت". 3 كالجهاد؛ فهو جزئي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سيقرره قريبا، لم يفرض إلا في المدينة بعد الإذن به أولا بآية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ... } إلخ [الحج: 39] ، ثم لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، ثم قال المشركين كافة، خلافا لمن قال: إنه فرض بمكة؛ فإنه غلط لوجوه ستة ذكرها ابن القيم في "زاد المعاد" [3/ 70-71] . "د". وانظره: "5/ 235-236". 4 كالنهي عن شرب الخمر تكميلا لاجتناب الإثم والعدوان كما سيقول. "د". 5 في الأصل: "والنسب" وتكرر ذلك. 6 ومحل الدليل قوله: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ؛ أي: من محرمات الأكل لحفظ النفس؛ فواجب تناوله. "د".

وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ تَحْرِيمُ مَا يُفْسِدُهُ وَهُوَ الْخَمْرُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ1؛ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَكِيَّاتِ مُجْمَلًا، إِذْ هُوَ دَاخَلٌ فِي حُرْمَةِ حِفْظِ النَّفْسِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ، وَمَنَافِعِهَا2 مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَلِكَ مَنَافِعُهَا3؛ فَالْعَقْلُ مَحْفُوظٌ شَرْعًا فِي الْأُصُولِ الْمَكِّيَّةِ عَمَّا يُزِيلُهُ رَأْسًا كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ [وَإِنَّمَا اسْتُدْرِكَ بِالْمَدِينَةِ حِفْظُهُ عَمَّا يُزِيلُهُ] سَاعَةً أَوْ لَحْظَةً4، ثُمَّ يَعُودُ كأنه غطي ثم كشف عنه.

_ 1 فآية التحريم البات: في المائدة، وآيات التمهيد: في النساء والبقرة، وكلها مدنية. "د". 2 لعله زائد يستغنى عنه بقوله: "وكذلك منافعها". "د". 3 في "ف": "منافعهما"، وقال: "المناسب "منافعها" ليشمل منافع السمع والبصر وغيرهما من بقية الأعضاء". 4 قال بعضهم: لعل الأصل: "لا ساعة أو لحظة" كما يدل عليه السياق. [قلت: هذا نص عبارة "ف"] . والظاهر أن الأصل: "أو ساعة أو لحظة"*، ويكون حاصل كلامه أنه وإن لم يرد في المكي نص في مفسد العقل وهو الخمر تفصيلا؛ إلا أنه ورد إجمالا لأن حفظ العقل ومنفعته داخل ضمنا في حفظ النفس كسائر الأعضاء ومنافعها؛ فما يزيل العقل رأسًا يعد مزيلًا لجزء من الإنسان، وما يزيل منفعته دوامًا أو زمنًا ما يعد مزيلًا لمنفعته؛ فحرمة حفظ النفس كلي يندرج فيه إجمالا حفظ العقل نفسه، وكذا حفظ منفعته؛ فما يزيل منفعته ولو لحظة منهي عنه، كمزيل منفعة أي عضو دائما أو لحظة، هذا وجه، ويرجع إلى الأول في صدر المسألة، ثم قال: "وأيضا؛ فإن حفظه على هذا الوجه"؛ أي: بحيث لا يزول ولو لحظة يعد مكملا، "أي لحفظ النفس والدين والنسل والمال والعرض، وإن كان في ذاته من ضروري حفظ العقل؛ فالنهي عن الخمر المذهب للعقل رأسا أو لمنفعته وقتا ما من ضروري حفظ العقل الداخل ضمنا في ضروري حفظ النفس والأعضاء ومنافعها، وهو أيضا مكمل لحفظ الضروريات الأخرى؛ كالدين وغيرها، فلذلك قال: إن حفظه على هذا الوجه من المكملات". وعليه؛ فيرجع النهي عن الخمر على هذا الوجه إلى القسم الثاني في صدر المسألة، هذا إذا قدرنا الساقط من العبارة لفظ "أو" وأما إذا قدرناه لفظ: "لا" كما يقول بعضهم؛ فيكون المعنى أن ما يزيل العقل رأسا من الضروري الداخل في حفظ النفس إجمالا، وأما حفظه على وجه أنه يزول ساعة ثم يعود؛ فيكون من المكملات إنما هو شرب القليل الذي لا يسكر عادة، كما عد النظر =

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ حِفْظَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْمُكَمِّلَاتِ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ1 قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَثَالِبَهَا فِي الْقُرْآنِ، حَيْثُ قَالَ: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [الْمَائِدَةِ: 91] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَظَهَرَ أَنَّهَا مِنَ الْعَوْنِ على الإثم والعدوان. وأم النَّسْلُ2؛ فَقَدْ وَرَدَ الْمَكِّيُّ مِنَ الْقُرْآنِ بِتَحْرِيمِ الزنى، وَالْأَمْرِ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ إِلَّا عَلَى الْأَزْوَاجِ أَوْ مِلْكِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا الْمَالُ؛ فَوَرَدَ فِيهِ3 تَحْرِيمُ الظُّلْمِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْإِسْرَافِ، وَالْبَغْيِ وَنَقْصِ المكيال والميزان4، وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَمَا دَارَ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَأَمَّا الْعِرْضُ الْمُلْحَقُ بِهَا؛ فَدَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ عَنْ أَذِايَّاتِ5 النُّفُوسِ. وَلَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْأُمُورُ فِي الْحِفْظِ مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ6 إِلَّا وَحِفْظُهَا من جانب

_ = للأجنبية مكملا لحرمة الزنا، وأما ثانيا، فلو كان الغرض أن ما يزيله رأسا هو الذي يعد فقط من الضروري وما عداه مكمل؛ لكان ذكر المؤلف منافع الأعضاء حشوا مفسدا لأنه يقتضي أن إذهاب منافع العقل بحيث يغطي وينكشف معدود من نفس الضروري الداخل إجمالا في حفظ النفس، وأما ثالثا؛ فإنه كان المناسب إذا في التعبير بدل قوله: "وأيضا؛ فإن حفظه ... إلخ" أن يقول المؤلف: "أما حفظه على هذا الوجه؛ فإنه من المكمل لحفظ العقل"؛ لأن قوله "وأيضا" يفيد أنه وجه آخر غير السابق لا أنه تكميل للكلام المتقدم، وإنما أطلنا الكلام ليتم فهم المقام. "د". 1 قال "ف": "الأنسب: لأن الخمر". 2 في الأصل: "النسب". 3 في الأصل و"ف" و"ط": "فيها"، وقال "ف": "المناسب: "ورد فيه"". 4 في "د": "أو الميزان". 5 قال "ف": "لعله: أذيات النفوس، جمع أذية، وهي ما يتأذى به". 6 أي: من جهة ما يقضي بهدمها وإفسادها، من الظلم ونقص الكيل وما معها، وقوله: "من جانب الوجود"؛ أي: الأسباب التي تحفظها وتستبقي وجودها؛ كالأكل والشرب في حفظ النفس مثلا. "د".

الوجود حاصل؛ ففي الأربع الأواخر ظاهر، وأم الدِّينُ؛ فَرَاجِعٌ إِلَى التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَالِانْقِيَادِ بِالْجَوَارِحِ1، وَالتَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ آتٍ بِالْمَقْصُودِ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ورسوله واليوم الآخر؛ ليتفرع2 عَنْ ذَلِكَ كُلُّ مَا جَاءَ3 مُفَصَّلًا فِي الْمَدَنِيِّ؛ فَالْأَصْلُ وَارِدٌ فِي الْمَكِّيِّ، وَالِانْقِيَادُ بِالْجَوَارِحِ حَاصِلٌ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ4، وَيَكُونُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ تَكْمِيلًا. وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَكِّيِّ مِنْ ذَلِكَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى الِانْقِيَادِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالْحَجُّ؛ فَمَدَنِيَّانِ مِنْ بَابِ التَّكْمِيلِ5، عَلَى أَنَّ6 الْحَجَّ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْعَرَبِ أَوَّلًا وِرَاثَةً عَنْ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ؛ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَصْلَحَ مِنْهُ مَا أَفْسَدُوا7، وردهم فيه إلى مشاعرهم8.

_ 1 هنا كلمة غير واضحة في الأصل لعلها: فقط. 2 هكذا في الأصل و"ط"، وفي غيره: "ليفرع". 3 أي: من شعب الإيمان ومحبة الله ورسوله، وما إلى ذلك، وقوله: "فالأصل"؛ أي: الإيماني. "د". 4 أي: متى وجد تكليف واحد بدني؛ فإنه يتحقق به معنى كلي الانقياد بالجوارح الذي هو أحد ركني الدين. "د". 5 ولم نقل: إنهما داخلان في كلي الانقياد بالجوارح؛ فيرجعان للوجه الأول في صدر المسألة، حيث اكتفى فيه بالدخول إجمالا في مسألة الخمر؛ لأن هذا يستدعي التوسع في معنى الإجمال، والكلية هنا أكثر مما يحتاج حفظ العقل عند دخوله إجمالا في حفظ النفس والأعضاء؛ فتصير القاعدة بعد ذلك أشبه بالأمور الاعتبارية، وإنما كانا تكميليين للدين؛ لأن الحج اجتماع يظهر فيه اتحاد وجهة المسلمين وتآلفهم وأبهة الإسلام، وهكذا من كل ما فيه تعزيز لشأنه، وفي الصوم تكميل لتهذيب النفس وانقيادها لامتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ فهما من مكملات ضروري الدين. 6 هذا الترقي لا يفيد شيئا في أصل الدعوى، وهي أن كل مدني لا نجد فيه كليا إلا وهو جزئي أو تكميلي لما شرع في مكة؛ لأن إصلاح ما أفسدوه لم يجئ إلا في المدينة. "د". 7 في "م": "أفسدوه". 8 كذا في "ط"، وفي غيره: "مشارعهم".

وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ أَيْضًا؛ فَقَدْ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ أَيْضًا، حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ حَتَّى نَسَخَهُ رَمَضَانُ، وَانْظُرْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ1؛ فَأَحْكَمَهُمَا التشريع المدني، وأقرهما عل ما أراد2 اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّمَامِ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ أَيَّامِهِ3؛ حِينَ قَالَ تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة: 3] ؛ فَلَهُمَا أَصْلٌ فِي الْمَكِّيِّ عَلَى الْجُمْلَةِ4. وَالْجِهَادُ الَّذِي شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ فَرْعٌ5 مِنْ فُرُوعِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ مُقَرَّرٌ بِمَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لُقْمَانَ: 17] ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

_ 1 لفظه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ: "كَانَ يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان ترك يوم عاشوراء؛ فمن شاء صامه، ومن شاء تركه". أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، 4/ 244" -وهذا لفظه- ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، 2/ 792/ رقم 1125". قال "د": "المؤلف يريد أن أصل مشروعية الصيام كانت بمكة، ويكفي في إثبات هذا صيامه صلى الله عليه وسلم ليوم عاشوراء فيها؛ لأنه بعد الرسالة إنما كان يتعبد بالشرع قطعًا، وكونه كان خاصًا به لا يمنع أن أصل المشروعية للصيام كان بمكة". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "أقر". 3 يشير إلى أن سنة الله في التشريع كسنته في التكوين، يرى المتأمل فيها من الحكم البالغة ما يبهر النظر؛ فإنه سبحانه بدأ في إنزال أوضاع الشريعة بالضروري الذي لا تصلح الأمة بدونه، ولا تخرج من ظلمة الجاهلية بغيره؛ فشرع لها بمكة ما يكفل ذلك، ثم لما صلب عودها، وبلغت أشدها، واستعدت العقول لما يكمل ذلك من الأوضاع الشرعية؛ شرع لها بالمدينة ما أكمل به الدين وأتم به النعمة، ولولا ذلك التدرج؛ لنأت الأمة بالتكاليف، وشرد عن قبولها كثير؛ فلله الحمد والمنة. "ف". 4 علمت أنه وإن أفاد في الصوم لكنه لا يفيد في الحج. "د". 5 بل هو أعلى فروعه كما سبق لنا بيانه. "د".

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ 1: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يُمْكِنُ أَخْذُهُ كُلِّيًّا، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ كُلِّيًّا أَمْ جُزْئِيًّا2 إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} 3 [الْأَحْزَابِ: 50] ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَنَدَ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا، أَوْ جُزْئِيًّا، فَإِنْ كَانَ [كُلِّيًّا؛ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ جُزْئِيًّا، فَبِحَسَبِ النَّازِلَةِ لا بحسب التشريع في الأصل بأدلة4:

_ 1 هذه المسألة التاسعة تقدمت له نظيرتها في النوع الرابع من المقاصد المسألة التاسعة أيضا، ولا فرق بينهما إلا من جهة أن تلك في أن الشريعة بحسب المكلفين عامة، وهذه تقول: إن الدليل الشرعي يؤخذ عاما على أحكام الشريعة، وظاهر أن هذه مرتبة على تلك ولازمة لها؛ لأنه متى كانت الشريعة عامة لا تخص مكلفًا دون مكلف؛ فكل دليل ولو كان لفظه غير عام كأن ورد على جزئي؛ فإنه يعتبر عاما، ولذا تجد الأدلة هنا بعضا من الأدلة هناك، وقد توسع هناك بأدلة عقلية، ثم فرع على المسألة فوائد جليلة، وكان يمكنه هنا أن يذكر المسألة ويجعلها مفرعة على تلك، ويحيل في الاستدلال عليها، لكنه زاد هنا قوله: "وقد بين ذلك بقوله وفعله ... إلخ"؛ فهذا من إيجازه فيه هو محل الفائدة الجديدة. "د". 2 أي: في صيغته ولفظه، وكذلك يقال في أوله: "المستند"؛ أي: اللفظ الوارد عن الشارع في الموضوع. "د". قلت: "انظر أيضا "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 339 و15/ 82، 364، 444-445، 451 و16/ 148-149". 3 علم من الآية أنه حيث سكت عن الاختصاص كان الاشتراك ثابتا، وإلا؛ فما معنى تخصيص هذا الموضع الاختصاص؟ ويتأكد ذلك أن ما أجله الله له من الأزواج والمملوكات أطلق، وفي الواهبة قيدها بالخلوص له؛ فعلم أنه حيث سكت عن التقييد؛ فذلك دليل الاشتراك، أفاده ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" "4/ 444". 4 أي: وذلك بأدلة، أي: كون جزئيته لا بحسب التشريع بأدلة، وأما كونها بحسب النازلة؛ فظاهر. "ف".

- مِنْهَا] 1 عُمُومُ التَّشْرِيعِ فِي الْأَصْلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الْأَعْرَافِ: 158] . {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سَبَأٍ: 28] . {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] . وَهَذَا مَعْنًى مَقْطُوعٌ بِهِ، لَا يَخْرِمُ2 الْقَطْعَ بِهِ مَا جَاءَ3 مِنْ شَهَادَةِ خُزَيْمَةَ4 وَعِنَاقِ أَبِي بُرْدَةَ5، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "بُعِثْتُ لِلْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ" 6. - وَمِنْهَا أَصْلُ شَرْعِيَّةِ7 الْقِيَاسِ؛ إِذْ لَا مَعْنَى له إلا جعل الخاص الصيغة كالعام الصِّيغَةِ فِي الْمَعْنَى8، وَهُوَ مَعْنًى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَخْذُ الدَّلِيلِ كُلِّيًّا بِإِطْلَاقٍ؛ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} الآية [الأحزاب: 37] ؛ فَإِنَّ نَفْسَ التَّزْوِيجِ لَا صِيغَةَ لَهُ تَقْتَضِي عُمُومًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ لِأَجْلِ التَّأَسِّي؛ فَقَالَ: {لِكَيْ لا} ، ولذلك قال:

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من "د". 2 بالخاء والراء: أي لا يخل ولا يبطل القطع به ما جاء ... إلخ. "ف". 3 في الاجتزاء في الشهادة على المال بشاهد واحد، وعناق أبي بردة كانت صغيرة غير مستوفية للشرط؛ فقال له: لا تجزئ عن أحد غيرك. "د". 4 مضى لفظه وتخريجه "2/ 469". 5 مضى لفظه وتخريجه "2/ 410". 6 قطعة من حديث أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب منه، 1/ 370-371/ رقم 521" عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. 7 في "ط": "أصل شرعي في". 8 فآية تحريم الخمر صيغتها باعتبار الدلالة الوضعية خاصة بتحريم ما يسمى خمرا، وباعتبار الدلالة المعنوية؛ أي: دلالة العلة عامة لكل ما يشارك الخمر فيما نيط به حكمه؛ فالقياس تعميم في دلالة النصوص مختص بنظر المجتهد. "ف". والمثبت من "ط"، وفي غيره: "الصيغة عام".

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الْأَحْزَابِ: 21] هَذَا، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَصَّهُ اللَّهُ بِأَشْيَاءَ؛ كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا لَهُ1، وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ أَزْوَاجِهِ مِنْ بعده2، والزيادة على أربع، فذلك3 لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ شُمُولِ الْأَدِلَّةِ فِيمَا سِوَى ذلك المستنثى؛ فَغَيْرُهُ أَحَقُّ أَنْ تَكُونَ الْأَدِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَقْصُودَةَ الْعُمُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا صِيَغُ عُمُومٍ، وَهَكَذَا الصِّيَغُ الْمُطْلَقَةُ تَجْرِي فِي الْحُكْمِ مَجْرَى الْعَامَّةِ. - وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَالْقَوْلُ كَقَوْلِهِ: "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ"4، وَقَوْلِهِ فِي قَضَايَا خَاصَّةٍ سُئِلَ فِيهَا؛ أَهِيَ لنا

_ 1 كما في [الأحزاب: 50] : {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . وفي "ط": "بنفسها له". 2 كما في [الأحزاب: 53] : {وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} ، وانظر: "أحكام القرآن" لابن العربي "3/ 1579". 3 في "د": "فلذلك". 4 قال ابن كثير في "تحفة الطالب" "رقم 180": "لم أر لهذا قط سندا، وسألت عنه شيخنا الحافظ جمال الدين أبا الحجاج "أي: المزي" وشيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي مرارا؛ فلم يعرفاه بالكلية"، وقال الزركشي في "المعتبر" "رقم 123": "لا يعرف بهذا اللفظ"، وقال ابن الملقن في "غاية الراغب" "ق19/ 2": "مشهور متكرر في كتب الأصول، ولا يعرف مخرجه بعد البحث عنه"، وقال العراقي في "تخريج أحاديث المنهاج" "رقم 25": "ليس له أصل، وسئل عنه المزي والذهبي؛ فأنكراه". ونقل كلام العراقي وأقره جماعة منهم: السخاوي في "المقاصد" "416"، والقاري في "المصنوع" "125" و"الأسرار" المرفوعة" "430"، والشوكاني في "الفوائد المجموعة" "ص200" - وزاد: "وقد ذكره أهل الأصول؛ فاستدلوا به فأخطئوا"- والعجلوني في "كشف الخفاء" "11161"، والحوت في "أسنى المطالب" "566". وقال ابن حجر في "موافقة الخبر الخبر" "1/ 527": "هذا قد اشتهر في كلام الفقهاء والأصوليين، ولم نره في كتب الحديث"، ونقل كلام ابن كثير السابق، وزاد: "وكذا قال السبكي: إنه سأل الذهبي عنه؛ فلم يعرفه"، قال الزركشي: "لكن معناه ثابت"، وقال ابن حجر: "وقد جاء ما يؤدي معناه" وساقا حديث أميمة بنت رقيقة، وفيه: " وإنما قولي لمائة امرأة كقولي -أو مثل قولي- =

خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً: "بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً" 1، كما في قضية الذي نزلت فيه:

_ = لامرأة واحدة". أخرجه مالك في "الموطأ" "2/ 982-983"، ومن طريقه أحمد في "المسند" "6/ 357"، والنسائي في "عشرة النساء"، والدارقطني في "السنن" "4/ 147"، والطبراني في "الكبير" "24/ رقم 471"، وابن حبان في "الصحيح" "10/ 417/ رقم 4553 - الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" "8/ 146" -عن محمد بن المنكدر- عن أميمة به، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه النسائي في "المجتبى" "كتاب البيعة، باب بيعة النساء، 7/ 149"، الترمذي في "الجامع" "أبواب السير، باب ما جاء في بيعة النساء، 4/ 152/ رقم 1597"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الجهاد، باب بيعة النساء، 2/ 959/ رقم 2874"، وأحمد في "المسند" "6/ 357"، والطيالسي في "المسند" "رقم 1621"، والحميدي في "المسند" "رقم 341"، والطبراني في "الكبير" "24/ رقم 470، 472، 473، 475، 476"، والحاكم في "المستدرك" "4/ 71"، والدارقطني في "السنن" "4/ 146" من طرق عن ابن المنكدر به. والحديث صحيح، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما. انظر: "الإلزامات والتتبع" "ص154". 1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة، 2/ 8/ رقم 526"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب التوبة، باب قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ، 4/ 2115-2116/ رقم 2763" عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة؛ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ؛ فقال الرجل: يا رسول الله؟ ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم". لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: "بل للناس كافة". واللفظ الذي أورده المصنف وقع نحوه في حديث معاذ، وفيه انقطاع؛ كما قال ابن عبد البر في "الاستذكار" "1/ 325"، وقد خرجته وتكلمت عليه بإسهاب ولله الحمد في تحقيقي لـ"الخلافيات" للبيهقي "رقم 434"، وفيه زيادة لذكر الوضوء والصلاة. وما أورده المصنف هو لفظ الترمذي في "جامعه" "أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة هود، 5/ 292/ رقم 3115" عن أبي اليسر، وإسناده فيه قيس بن الربيع، ضعفه وكيع وغيره.

{أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هُودٍ: 114] وَأَشْبَاهِهَا. وَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُدْوَةً لِلنَّاسِ؛ كَمَا ظَهَرَ فِي حَدِيثِ الْإِصْبَاحِ جُنْبًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ1، وَالْغَسْلِ مِنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ2. وَقَوْلُهُ: "إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لأَسُنَّ" 3. وَقَوْلُهُ: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" 4.

_ 1 سيأتي لفظه وتخريجه "4/ 93". 2 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الحيض، باب نسخ "الماء من الماء" ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، 1/ 272/ رقم 350" عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: إن رجلا سأل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل". 3 أخرجه مالك في "الموطأ" "1/ 100 و339 - رواية محمد بن الحسن"- ولفظه ابن الحسن: "إني أنس لأسن" - بلاغا. قال ابن عبد البر في "التمهيد" "24/ 375": "أما هذا الحديث بهذا اللفظ؛ فلا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه، والله أعلم، وهو أحد الأحاديث الأربعة في "الموطأ" التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، والله أعلم". وقال: "ومعناه صحيح في الأصول، وقد مضت آثار في باب نومه عن الصلاة، تدل على هذا المعنى، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قبض أرواحنا لتكون سنة لمن بعدكم، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون"، وبعث صلى الله عليه وسلم معلما؛ فما سن لنا اتبعناه، وقد بلغ ما أمر به، ولم يتوفاه الله حتى أكمل دينه سننا وفرائض، والحمد لله". قال ابن الصلاح في "الرسالة التي وصل فيها البلاغات الأربع في الموطأ" "ص14-15": "وأما حديث النسيان؛ فرويناه من وجوه كثيرة صحيحة"، ذكر منها حديث عثمان بن أبي شيب عن جرير عن ابن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؛ قال صلى الله عليه وسلم. وذكر حديث السهو، وأنه عليه السلام قال: "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني"، قال: "وأخرجه الشيخان في "صحيحهما"، وإنما به من حديث مالك طرف منه". وانظر: "الاستذكار" "4/ 402-403". 4 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة، 2/ 111/ رقم 631" عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

و "خذوا عني مناسككم" 1. وهو كثير.

_ 1 أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، 2/ 943/ رقم 1297"، وأحمد في "المسند" "3/ 318" عن جابر رضي الله عنه؛ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: "لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". وأخرجه النسائي في "المجتبى" "كتاب المناسك، باب الركوب إلى الجمال واستظلال المحرم، 5 270"، وفيه: "يا أيها الناس! خذوا مناسككم". وفي "مسند أحمد" "3/ 366": " ... ألا فخذوا مناسككم".

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ ضَرْبَانِ1: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِيِّ؛ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي جُعِلَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ كَيْفَ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ، وَهُوَ فِي أَوَّلِ2 الْأَمْرِ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ، وَيَدْخُلُ هُنَا جَمِيعُ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 22] . وَقَوْلِهِ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النَّحْلِ: 103] . وَقَوْلِهِ: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فُصِّلَتْ: 44] . وَقَوْلِهِ: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81] . وَقَوْلِهِ: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [الْبَقَرَةِ: 258] . وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ... } إِلَى قَوْلِهِ: {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الرُّومِ: 40] . وَهَذَا الضَّرْبُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمُوَالِفِ3 وَالْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عند

_ 1 انظر "المسودة" "ص496"، و"مجموع الفتاوى" "2/ 7-14 و17/ 437 و19/ 228-234". 2 في "ط": "الأول". 3 في "م": "الموافق".

مَنْ لَهُ عَقْلٌ؛ فَلَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى الْمُوَافِقِ [فِي النِّحْلَةِ] 1. وَالثَّانِي: مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فِي النِّحْلَةِ، وَذَلِكَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَحْكَامِ التكليفية؛ كدلالاة الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى الطَّلَبِ مِنَ الْمُكَلَّفِ، وَدَلَالَةِ2 {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [الْبَقَرَةِ: 178] ، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} [الْبَقَرَةِ: 183] ، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [الْبَقَرَةِ: 187] ؛ فَإِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَمْثَالَهَا لَمْ تُوضَعْ وَضْعَ الْبَرَاهِينِ، وَلَا أُتِيَ بِهَا فِي مَحَلِّ اسْتِدْلَالٍ، بَلْ جِيءَ بِهَا قَضَايَا يُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا مُسَلَّمَةً مُتَلَقَّاةً بِالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا بُرْهَانُهَا فِي الْحَقِيقَةِ الْمُعْجِزَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ الْآتِي بِهَا، فَإِذَا3 ثَبَتَ بِرِهَانُ الْمُعْجِزَةِ؛ ثَبَتَ الصِّدْقُ وَإِذَا ثَبَتَ الصِّدْقُ؛ ثَبَتَ التَّكْلِيفُ عَلَى الْمُكَلَّفِ. فَالْعَالِمُ إِذَا اسْتَدَلَّ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ أَخَذَ الدَّلِيلَ إِنْشَائِيًّا كَأَنَّهُ هُوَ وَاضِعُهُ، وَإِذَا اسْتَدَلَّ بِالضَّرْبِ الثَّانِي أَخَذَهُ مَعْنًى مُسَلَّمًا لِفَهْمِ مُقْتَضَاهُ إِلْزَامًا وَالْتِزَامًا، فَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ الدَّلِيلِ عَلَى الضَّرْبَيْنِ؛ فَهُوَ إِطْلَاقٌ بِنَوْعٍ مِنِ اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ خِلَافُهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي؛ فَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ جارٍ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي نَتِيجَةٌ أَنْتَجَتْهَا الْمُعْجِزَةُ فَصَارَتْ قولا مقبولا فقط.

_ 1 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 2 زاده لأن هذه ليس أوامر ونواه لفظا، بل هي أخبار في معنى الطلب. "د". 3 في "م": "إذا".

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي اللَّفْظِ؛ لَمْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِىِّ إِلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَعْمِيمِ1 اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، بِشَرْطِ2 أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، وَإِلَّا، فلا. فمثال ذلك مع وجود الشرط قوله تَعَالَى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يُونُسَ: 31] ؛ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ كَإِخْرَاجِ الْإِنْسَانِ الْحَيِّ مِنَ النُّطْفَةِ الْمَيِّتَةِ وَبِالْعَكْسِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَاهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ الْمَجَازِيَّيْنِ الْمُسْتَعْمَلَيْنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ: 122] ، وَرُبَّمَا ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ الْجَمِيعَ3 مُرَادٌ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِتَعْمِيمِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ، وَاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَلِهَذَا الأصل أمثلة كثيرة.

_ 1 قال الحنفية وبعض الشافعية وبعض المعتزلة: "لا يستعمل اللفظ في الحقيقة والمجاز مقصودين معا بالحكم، وأجازه الشافعية والقاضي وبعض المتعزلة مطلقا، إلا إذا لم يمكن الجمع؛ كافعل أمرا وتهديدا؛ لأن الأمر يقتضي الإيجاب، والتهديد يقتضي الترك؛ فلا يصح اجتماعهما، وقال الغزالي وأبو الحسين: إنما يجوز عقلا لا لغة؛ إلا في غير المفرد من المثنى والمجموع؛ فيجوز لغة أيضا، فيكون حينئذ كل لفظ مستعملا في معنى. "د". قلت: انظر في هذا: "جلاء الأفهام" "ص85"، و"البحر المحيط" "2/ 127، 139 وما بعدها" للزركشي، و"المحصول" "1/ 278". 2 أي: بشرط أن يكون هذا المعنى مما يستعمل فيه مثل هذا اللفظ عند العرب، وهذا هو محل الزيادة في كلامه على كلام المجيزين، يقيد به هذا الجواز، ولا يخفى أن استعمال ألفاظ الكتاب في المجاز فقط محتاج أيضا إلى هذا القيد. "د". 3 هذا هو محل التمثيل، وقوله: "أو سكر النوم ... إلخ"؛ أي: فيصح أن يكون من موضوع المسألة مما تحقق فيه الشرط. "د".

وَمِثَالُ مَا تَخَلَّفَ فِيهِ الشَّرْطُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النِّسَاءِ: 43] . فَالْمُفَسِّرُونَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّكْرِ مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ أَوْ سُكْرُ النَّوْمِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ مُسْتَعْمَلٌ، وَأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْغُسْلَ مِنْهَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَلَوْ فُسِّرَ عَلَى أَنَّ السُّكْرَ هُوَ سُكْرُ الْغَفْلَةِ وَالشَّهْوَةِ وَحُبِّ الدُّنْيَا الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِ الْعِبَادَةِ فِي اعْتِبَارِ التَّقْوَى كَمَا مَنَعَ1 سُكْرُ الشَّرَابِ مِنَ الْجَوَازِ فِي صُلْبِ الْفِقْهِ، وَأَنَّ الْجَنَابَةَ الْمُرَادُ بِهَا التَّضَمُّخُ2 بِدَنَسِ الذُّنُوبِ، وَالِاغْتِسَالُ هُوَ التَّوْبَةُ؛ لَكَانَ هَذَا التَّفْسِيرُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْ مِثْلَهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا عَهْدَ لَهَا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْهَمُ3 مِنَ الْجَنَابَةِ وَالِاغْتِسَالِ إِلَّا الْحَقِيقَةَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّعْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] إِشَارَةٌ إلى خلق الْكَوْنَيْنِ4؛ فَهَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ لَا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ لَا فِي حَقَائِقِهَا الْمُسْتَعْمَلَةِ وَلَا فِي مَجَازَاتِهَا، وَرُبَّمَا نُقِلَ فِي [مَعْنَى] قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تداوَوا؛ فَإِنَّ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الدَّوَاءَ" 5 أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً6 إِلَى التَّدَاوِي بِالتَّوْبَةِ مِنْ أَمْرَاضِ الذُّنُوبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ

_ 1 أي: فيكون مما استعمل فيهما بدون تحقق الشرط. "د". 2 أي: مجازا مرادا مع الحقيقة؛ لأن أرباب الإشارة من الصوفية لا يقصرون المعنى المراد على المجاز في مثل هذا. "د". 3 أي: ولا تفهم من السكر سكر الغفلة والشهوة لا مجازا ولا حقيقة. "د". 4 كما في "لطائف الإشارات" "2/ 448" للقشيري، وانظر: "4/ 250". 5 مضى تخريجه "1/ 217"، وهو حديث صحيح. 6 ليست الإشارة في كلامهم مما يراد منه استعمال اللفظ في المعنى المذكور، وحاشاهم أن يقولوا ذلك، بل معناه أن الألفاظ مستعملة في معناها الوضعي العربي، وإنما يخطر المعنى الإشاري على قلوب العارفين عند ذكر الآية أو الحديث، بعد فهمه على الطريق العربي الصحيح، كما أفاده ابن عطاء الله في كتابه "لطائف المنن". "د".

مُعْتَبَرٍ1؛ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي مِثْلِهِ، وَأَوَّلُ قَاطِعٍ فِيهِ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَرَبِيًّا وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ إِنَّمَا جَاءَتْ عَلَى مَا هُوَ مَعْهُودٌ لَهُمْ، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي مَوْضِعِهِ2 من هذا الكتاب، وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي مَوْضِعِهِ2 مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَإِنْ نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ نَحْوُهُ عَنْ رَجُلٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَالْقَوْلُ فِيهِ مبسوط بعد هذا3 بحول الله.

_ 1 انظر لزاما: "الاعتصام" "1/ 322 - ط ابن عفان" للمصنف، و"فضائح الباطنية" أو "المستظهري" "الباب الخامس، ص35 وما بعدها"، و"الإحياء" "1/ 37"، كلاهما للغزالي. 2 سبق في المسألة الرابعة من النوع الثاني من المقاصد، وسيأتي أيضا في المسألة التاسعة من مباحث الكتاب العزيز. "د". 3 أي: في الفصل الثاني من المسألة التاسعة المذكورة، فيما روى عن سهل بن عبد الله من تفسير آيات على هذا النحو. "د".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ 1: كُلُّ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِي السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيًّا، أَوْ لَا يَكُونُ مَعْمُولًا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا أَوْ فِي وَقْتٍ مَا، أَوْ لَا يَثْبُتُ بِهِ عَمَلٌ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيًّا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَلَا فِي الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِهِ، وَهِيَ السُّنَّةُ الْمُتَّبَعَةُ وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، كَانَ الدَّلِيلُ مِمَّا يَقْتَضِي إِيجَابًا أَوْ نَدْبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْلِهِ فِي الطِّهَارَاتِ وَالصَّلَوَاتِ عَلَى تَنَوُّعِهَا مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ، وَالزَّكَاةِ بِشُرُوطِهَا، وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ، وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالْبُيُوعِ وَسِوَاهَا مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الشَّرِيعَةِ، وبيَّنها عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ إِقْرَارِهِ، وَوَقَعَ فِعْلُهُ أَوْ فِعْلُ صَحَابَتِهِ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيًّا، وَبِالْجُمْلَةِ سَاوَى الْقَوْلُ الْفِعْلَ وَلَمْ يُخَالِفْهُ بِوَجْهٍ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ وَصِحَّةِ الْعَمَلِ مِنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ بِذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عَلَى حَسَبِ مَا عَمِلَ بِهِ الْأَوَّلُونَ؛ جَرَى فِيهِ مَا تَقَدَّمَ2 فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنَ اعْتِبَارِ3 الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَقَعَ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا قَلِيلًا أَوْ فِي وقت4 من الأوقات أو حال

_ 1 انظر في المسألة: "تيسير التحرير" "1/ 255"، و"أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم" "1/ 461-464، 2/ 180-181" للأشقر. 2 في "ف" و"ط": "جرى ما تقدم في"، وأثبت الصواب في الهامش. 3 لم يظهر معنى اعتبار الكلية والجزئية في هذا، إنما يظهر ما تقدم في فصل ما يدخل تحت العفو وهو في موضوع الخروج عن الدليل، حيث قسمه إلى أقسام ثلاثة، فليراجع. "د". 4 هو وما بعده بيان وتفصيل لقوله: "قليلا"؛ فقوله: "في وقت" أي: كما يأتي في صلاته عليه السلام آخر الوقت المختار لمن طلب منه معرفة الأوقات، وقوله: "أو حال"؛ أي: كتأخيره عليه السلام الظهر للإبراد والجمع بين الصلاتين في السفر كما سيأتي له. "د".

مِنَ الْأَحْوَالِ، وَوَقَعَ إِيثَارُ غَيْرِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ دَائِمًا1 أَوْ أَكْثَرِيًّا؛ فَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ السُّنَّةُ الْمُتَّبَعَةُ وَالطَّرِيقُ السَّابِلَةُ2، وَأَمَّا3 مَا لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا؛ فَيَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ وَفِي الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِهِ، وَالْمُثَابَرَةُ عَلَى مَا هُوَ الْأَعَمُّ وَالْأَكْثَرُ؛ فَإِنَّ إِدَامَةَ الْأَوَّلِينَ لِلْعَمَلِ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذَا الْأَقَلِّ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى شَرْعِيٍّ، أَوْ لِغَيْرِ مَعْنًى شَرْعِيٍّ، وَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مَعْنًى شَرْعِيٍّ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى شَرْعِيٍّ تَحَرَّوُا الْعَمَلَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَقَدْ صَارَ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ الْقَلِيلِ كَالْمُعَارِضِ لِلْمَعْنَى الَّذِي تَحَرَّوُا الْعَمَلَ عَلَى وَفْقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا فِي الْحَقِيقَةِ4؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَرِّي مَا تَحَرَّوْا وَمُوَافَقَةِ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا الْمَنْقُولَ الَّذِي قَلَّ الْعَمَلُ بِهِ مع ما كثر العمل به

_ 1 الفرض أنه وقع العمل بدليل قليلا؛ فكيف يتأتى معه أن يكون العمل بالدليل المقابل له دائما؟ "د". قلت: "وفي "ط": "والعمل عليه دائما". 2 أي: المسلوكة والطريق: السبيل؛ تذكر وتؤنث، نقول: الطريق المستقيمة، والطريق العظمى. "ف". 3 هذا نوع من الترجيح غير ما ذكره الأصوليون في مباحث الترجيح بالأمر الخارج كعمل أهل المدينة أو الخلفاء الأربعة، أو بعمل أكثر السلف، فما هنا ترجيح وإن كان بخارج أيضا؛ إلا أنه يكون عمله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه وبعده كان عليه ولم يخالفوه إلا لأسباب اقتضت المخالفة يأتي ذكرها، ولا ينافي أنه من الترجيح بخارج جعله المعارضة بين العمل والمعنى الذي تحروه؛ لأن الواقع أن المعارضة إنما هي بين الخبرين، ومعارضة العمل تابعة، يرشدك إلى هذا قوله: "فإن فرض أن هذا ... إلخ"؛ فقد عقد المعارضة بين نفس الخبرين حتى اقتضى ذلك التخيير في العمل بأيهما. "د". 4 أي: لضعفه بإزاء ما كثر العمل على وفقه. "د".

يَقْتَضِيَانِ1 التَّخْيِيرَ؛ فَعَمَلُهُمْ إِذَا حُقِّقَ النَّظَرُ فِيهِ لَا يَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّخْيِيرِ، بَلِ اقْتَضَى أَنَّ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ هُوَ الْأَوْلَى فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ الْوَاقِعُ عَلَى وَفْقِ الْآخَرِ لَا حَرَجَ فِيهِ، كَمَا نَقُولُ فِي الْمُبَاحِ مَعَ الْمَنْدُوبِ: إِنَّ وَضْعَهُمَا بِحَسَبِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ يُشْبِهُ الْمُخَيَّرَ فِيهِ؛ إِذْ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْجُمْلَةِ2؛ فَصَارَ الْمُكَلَّفُ كَالْمُخَيَّرِ فِيهِمَا، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَنْدُوبُ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِنَ الْمُبَاحِ فِي الْجُمْلَةِ؛ فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَإِلَى هَذَا3؛ فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْأُصُولِ أَنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ لَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِهَا حُجَّةً مَا لَمْ يُعَضِّدْهَا دَلِيلٌ آخَرُ؛ لِاحْتِمَالِهَا فِي أَنْفُسِهَا، وَإِمْكَانِ4 أَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْمُسْتَمِرُّ، وَمِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ5 الْأَحْكَامِ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ تَرَجَّحَ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْقَلِيلِ، وَلِهَذَا الْقِسْمِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ لِلْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَجْهٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْقِلَّةِ، حَتَّى إِذَا عُدِمَ السَّبَبُ عُدِمَ الْمُسَبَّبُ، وله مواضع؛ كوقوعه بيانًا لحدود حدت.

_ 1 أي: لأنهما دليلان متعارضان ولا مرجح؛ فالحكم إما الوقف، وإما التخيير على الخلاف بينهم في ذلك. "د". 2 وإن كان في ترك المندوب كليا حرج، كما سبق أن المندوب بالجزء يكون واجبا بالكل. "د". 3 يعني: ويضاف إلى ما ذكرناه من أدلة الأخذ بما عليه العمل في الأعم الأكثر أن قضايا الأعيان ... إلخ، ولا يخفى أن العمل إذا كان قليلا عد من قضايا الأعيان التي لا يحتج بها، وهذا يوهن الأخذ بما كان العمل عليه قليلا. "د". 4 عطف تفسير لقوله: "احتمالها في أنفسها". "د". 5 كما تقدم في ترك بعض الصحابة ومن بعدهم لبعض المباحات؛ حتى كان يظن بهم أنهم لا يرونها مباحة. "د". قال "ف": "ولعله: ومن ذلك ما في كتاب ... " إلخ.

أَوْ أَوْقَاتٍ عُيِّنَتْ، أَوْ نَحْوِ1 ذَلِكَ. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَيْنِ2، وَبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ

_ 1 في "ط": "وأوقات عينت ونحو". 2 يشير المصنف إلى ما أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة، 1/ 281-283/ رقم 150"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الصلاة، باب آخر وقت العصر، 1/ 255"، وأحمد في "المسند" "3/ 330"، والدارقطني في "السنن" "1/ 257"، والحاكم في "المستدرك" "1/ 195"، والبيهقي في "الكبرى" "1/ 368" عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام؛ فقال له: "قم فصله. فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر؛ فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب؛ فقال: قم فصله. فصلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم جاء العشاء؛ فقال: قم فصله. فصلى العشاء حين غاب الشفق، ثم جاء الفجر؛ فقال: قم فصله. فصلى الفجر حين برق الفجر "أو قال: سطع الفجر"، ثم جاءه من الغد للظهر؛ فقال: فصله. فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه العصر؛ فقال: قم فصله. فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل "أو قال: ثلث الليل"؛ فصلى العشاء، ثم جاءه الفجر حين أسفر جدا، فقال: قم فصله. فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت". لفظ أحمد. قال الترمذي: "حديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار وأبو الزبير عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر"، وقال: "وقال محمد -يعني: البخاري-: أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح مشهور"، وقال ابن القطان -كما في "نصب الراية" "1/ 222" -: "هذا الحديث يجب أن يكون مرسلا؛ لأن جابرا لم يذكر من حدثه بذلك، وجابر لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء لما علم أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة، ولا يلزم ذلك في حديث أبي هريرة وابن عباس؛ فإنهما رويا إمامة جبريل من قول النبي صلى الله عليه وسلم". وتعقبه ابن دقيق العيد في "الإمام" -كما في "نصب الراية" "1/ 223"- فقال: "وهذا المرسل غير ضار، فمن أبعد البعد أن يكون جابر سمعه من تابعي عن صحابي، وقد اشتهر أن مراسيل الصحابة مقبولة، وجهالة عينهم غير ضارة". =

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ: "صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ" 1؛ فَصَلَاتُهُ فِي الْيَوْمِ2 فِي أَوَاخِرِ الْأَوْقَاتِ وَقَعَ موقع البيان لآخر وقت الِاخْتِيَارِيٍّ الَّذِي لَا يُتَعَدَّى، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُثَابِرًا عَلَى أَوَائِلِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا عِنْدَ عَارِضٍ؛ كَالْإِبْرَادِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ3 وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ في السفر4، وأشباه ذلك.

_ = قلت: والأقوى من جواب ابن دقيق العيد ما وقع في لفظ الترمذي في حديث جابر هذا: "عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أمني جبريل ... ". فإذن؛ رواه جابر مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يشاهد أبو هريرة وابن عباس وغيرهما ممن روى هذا الحديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فاستووا مع جابر في ذلك؛ وهذه علة غير قادحة، والحديث صحيح، وله شواهد عديدة وكثيرة وشهيرة؛ حتى عده السيوطي في "الأزهار المتناثرة" "ص22" وغيره من الأحاديث المتواترة. وانظر "نصب الراية" "4/ 221-226". 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، 1/ 428/ رقم 613" عن بريدة رضي الله عنه. 2 لعل فيه سقط كلمة "الثاني" كما يدل عليه الحديث في باب مواقيت الصلاة. "د". 3 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، 2/ 15/ رقم 533، 534"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد، باب استحباب الإبراد بالظهر، 1/ 410/ رقم 615" عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا اشتد الحر؛ فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم". وقد عده السيوطي في "الأزهار المتناثرة" "ص14" متواترا. 4 ورد ذلك في أحاديث عديدة، منها ما أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب تقصير الصلاة، باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس، 2/ 582/ رقم 112"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين، 1/ 489/ رقم 704" عن أنس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل؛ صلى الظهر ثم ركب". وفي رواية لمسلم: "كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما".

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" 1، إِلَخْ بَيَانٌ لِأَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ لَا مُطْلَقًا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُفْهَمُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ" 2 مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَمَلِ3 عَلَى وَفْقِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ؛ فَالْأَمْرُ

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، 2/ 56/ رقم 579"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد، باب من أدرك من الصلاة، 1/ 424/ رقم 608" عن أبي هريرة مرفوعًا. 2 أخرجه النسائي في "المجتبى" "كتاب المواقيت، باب الإسفار، 1/ 372"، والترمذي في "الجامع" "أبواب الصلاة، باب ما جاء في الإسفار بالفجر، 1/ 289/ رقم 154"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب في وقت الصبح، 1/ 249/ رقم 424" -بلفظ: "أصبحوا بالصبح" -، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر، 1/ 221/ رقم 672"، وأحمد في "المسند" "3/ 465 و4/ 140"، والشافعي في "المسند" "1/ 50، 51"، والحميدي في "المسند" "رقم 408"، وعبد الرزاق في "المصنف" "رقم 2159"، والطيالسي في "المسند" "رقم 959"، والدرامي في "السنن" "1/ 277" والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "1/ 178"، والطبراني في "الكبير" "رقم 4283-4290"، وابن حبان في "الصحيح" "4/ 357، 358/ رقم 1490، 1491- الإحسان"، والبيهقي في "الكبرى" 1/ 457"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 354"، وأبو نعيم في "الحلية" "7/ 94"، و"ذكر أخبار أصبهان" "2/ 329"، والحازمي في "الاعتبار" "ص75"، والقضاعي في "الشهاب" "رقم 458"، والخطيب في "التاريخ" "13/ 45" عن رافع بن خديج مرفوعا، وهو صحيح. والعجب من السيوطي في "الأزهار المتناثرة" "ص14"؛ فإنه عده متواترا؛ فقال: "أخرجه الأربعة عن رافع بن خديج، وأحمد عن محمود بن لبيد، والطبراني عن بلال وابن مسعود وأبي هريرة وحواء، والبزار عن أنس وقتادة، والعدني في "مسنده" عن رجل من الصحابة". ولم يتفطن رحمه الله أن زيد بن أسلم اضطرب في طرقه؛ فجعله تارة من مسند رافع، وتارة من مسند أنس، وتارة عن محمود بن لبيد، وتارة عن رجل من الأنصار، وتارة عن حواء؛ فهؤلاء خمسة يرجع حديثهم إلى اضطراب زيد بن أسلم، وحكم ابن حبان في "المجروحين" "1/ 324-325" على حديث أبي هريرة بالوهم، وحديث بلال وابن مسعود ضعيفان، ورواه عاصم بن عمر بن قتادة، واختلف عليه فيه؛ فجعله مرة عن رافع، ومرة عن قتادة بن النعمان؛ فلم يسلم من هذه الأحاديث إلا حديث رافع، وهو صحيح. وانظر: "الخلافيات" للبيهقي "4/ مسألة رقم 67" وتعليقنا عليه. 3 أي: لقلة العمل على الإسفار، والمرجوحية أخذ بها مالك، وقوله: "وإن لم يصح؛ فالأمر واضح"، الأوضحية بالنسبة لمساعدة مالك فقط، وإلا؛ فهو خروج عن الموضوع لأن الكلام في دليلين صحيحين ترجح أحدهما بأن العمل به أكثري. "د".

وَاضِحٌ. وَبِهِ أَيْضًا يُفْهَمُ1 وَجْهُ إِنْكَارِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَإِنْكَارِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَذَلِكَ2، وَاحْتِجَاجِ عُرْوَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ"3، وَلَفَظُ: "كَانَ يفعل" يقتضي الكثرة4

_ 1 وإن لم يذكر أبو مسعود هذا الوجه في احتجاجه، بل ذكر قوله: "بهذا أمرت" كما يجيء بعد. "د". 2 وسيأتي تخريج ذلك قريبا. 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب مواقيت الصلاة، باب مواقيت الصلاة وفضلها، 2/ 6/ رقم 522 - وهذا لفظه-، وباب وقت العصر، 2/ 25/ رقم 544، 545، 546" عن عائشة رضي الله عنها. وأخرج نحوه مسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر، 1/ 433-434/ رقم 621" عن أنس رضي الله عنه. ولفظ البخاري في "545": "والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء من حجرتها". قال "ف": "لم يظهر: لم يزل، وقيل: لم يصعد، ولم يعل على الحيطان والأول أظهر، تأمل. اهـ"، وفي لفظ البخاري: "الشمس لم تخرج من حجرتها"، قال "د": "والمعنى قبل أن تزول الشمس عن وسط الدار". 4 ولذلك أفرد بعض المصنفين في الحديث بابا لـ"كان"، وسموه "باب الشمائل"، وقال =

بِحَسَبِ الْعُرْفِ؛ فَكَأَنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِ فِي مُخَالَفَةِ ما دوام عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا احْتَجَّ أَيْضًا أَبُو مَسْعُودٍ عَلَى الْمُغَيَّرَةِ بِأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى إِلَى أَنْ قَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتَ" 1 وَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلدَّاخِلِ لِلْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ " 2، وَأَشْبَاهِهِ. وَكَمَا جَاءَ فِي قِيَامِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في المسجد، ثم ترك ذلك

_ = أهل الأصول: إن لفظ "كان يفعل" يفيد عرفا ذلك. "د". قلت: في جميع النسخ المطبوعة: "كان فعل يقتضي الكثرة"، وما أثبتناه من الأصل و"ط"، وهو الصواب. وقال المصنف في "الاعتصام" "1/ 456 - ط ابن عفان": "يأتي في بعض الأحاديث: "كان يفعل" فيما لم يفعله إلا مرة واحدة، نص عليه أهل الحديث". وانظر: إحكام الأحكام" "1/ 90"، و"جمع الجوامع" "1/ 425" مع "شروحه"، و"المسودة في أصول الفقه" "ص115"، و"شرح الورقات" "ص155" لابن القاسم. 1 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب مواقيت الصلاة، باب مواقيت الصلاة وفضلها، 2/ 3/ رقم 521" عن ابن شهاب؛ أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما؛ فدخل عليه عروة بن الزبير، فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري؛ فقال: "ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "بهذا أمرت". فقال عمر لعروة: اعلم ما تحدث، أو: إن جبريل هو أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، 2/ 356/ رقم 878". وهذا الداخل هو عثمان، كما وقع التصريح به في رواية عند مسلم في "صحيحه" "كتاب الجمعة، 2/ 580/ رقم 845"، وابن خزيمة في "الصحيح" "3/ 125/ رقم 1748"، وابن المنذر في "الأوسط" "4/ 42/ رقم 1777".

مَخَافَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ1، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ؛ حَتَّى جَاءَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ فَعَمِلَ بِذَلِكَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْإِيجَابِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ2؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ كِبَارُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَنْصَرِفُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى بُيُوتِهِمْ وَلَا يَقُومُونَ مَعَ الْإِمَامِ، وَاسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ3. وَإِلَى هَذَا الْأَصْلِ4 رَدَّتْ عَائِشَةُ تَرْكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِدَامَةَ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى؛ فَعَمِلَتْ بِهَا لِزَوَالِ الْعِلَّةِ بِمَوْتِهِ، فَقَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ5 رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي [سبحة] الضحى قط، وإني لأسبحها"6.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، 4/ 251/ رقم 2012"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التروايح، 1/ 524/ رقم 761" عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا، ومضى لفظه عند المصنف "2/ 137". 2 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، 4/ 250/ رقم 2010"، ومالك في "الموطأ" "1/ 114-115". 3 انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" "2/ 393"، و"الاستذكار" "5/ 158-159"، و"التمهيد" "8/ 119"، وقد اختار التفرد على أن لا يقطع معه القيام في المساجد، وإلا؛ فلا. 4 الأصل الخاص، وهو ترك العمل خشية أن يفرض لا الأصل الذي فيه الكلام، وهو ترجيح الدليل باستدامة أو أكثرية العمل به. "د". 5 لا ينافي ما جاء عنها في أحاديث أخرى أنه صلى الله عليه وسلم كان يصليها أربعا؛ لأن وقت صلاة الضحى ليس من الأوقات التي يكون فيها عادة بين نسائه، وقد ثبت لها فعله صلى الله عليه وسلم للضحى وإن لم تره؛ فلذلك كانت تصليها، ولو كان داوم عليها لاتفق له رؤيته يصليها؛ فلذلك حكمت بأنه ما كان يداوم عليها. "د". 6 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التهجد، باب من لم يصل الضحى ورآه واسعا، 3/ 55/ رقم 1177" بلفظ: "ما رأيت رسول صلى الله عليه وسلم سبح سبحة الضحى، وإني لأسبحها". أي: ما رأيته داوم عليها، وإني أداوم عليها، أفاده ابن حجر، وما بين المعقوفتين سقط من "ط". وأخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى ... 1/ 497/ رقم 718" باللفظ المذكور، وما بين المعقوفتين منه، وفي الأصول كلها بدلا: من "لأسبحها": "لأستحبها"، وما أثبتناه من "الصحيح" وما بين المعقوفتين استدركناه من "الصحيح" أيضا.

وَفِي رِوَايَةٍ: "وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعَ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ"1. وَكَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ: "لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ2 مَا تَرَكْتُهَا"3. فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى مَا فَهِمَتْ مِنْ تَرْكِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم للمداومة على الضحى؛

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، 3/ 10/ رقم 1128"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى ... 1/ 497/ رقم 718" -والمذكور لفظه- وأحمد في "المسند" "6/ 169"، ومالك في "الموطأ" "1/ 152-153"، وعبد الرزاق في "المصنف" "3/ 78"، والطيالسي في "المسند" "1/ 121"، وابن أبي شيبة في "المصنف" "2/ 406"، والنسائي في "الكبرى" "رقم 402"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 49-50". 2 أي: ما كان فرحها بهما عند خروجهما من القبر بِمُلْهٍ لها عن صلاة الضحى، وذلك دليل على تأكدها من رأيها. "د". 3 أخرجه مالك في "الموطأ" "1/ 153- رواية يحيى، ورقم 405 - رواية أبي مصعب" من طريق زيد بن أسلم عن عائشة، وفي سماع زيد بن أسلم من عائشة نظر. انظر: "جامع التحصيل" "رقم 211". وأخرجه أحمد في "المسند" "6/ 138" من حديث أبان بن صالح عن أم حكيم عن عائشة به. وأخرجه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" "رقم 763"، ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" "ق1683" من طريق محمد بن المنكدر، وال نسائي في "الكبرى"؛ كما في "تحفة الأشراف" "12/ 390" من طريق عاصم بن عمر بن قتادة؛ كلاهما عن رميثة عن عائشة عنها.

فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا1. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُوَاصِلُ الصِّيَامَ ثُمَّ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ2، وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ مِنْ ذَلِكَ -عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا- أَنَّ النَّهْيَ لِلرِّفْقِ؛ فَوَاصَلُوا3، وَلَمْ يُوَاصِلُوا كُلُّهُمْ، وَإِنَّمَا وَاصَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَانَ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْوِصَالِ، وَلَمْ يَتَخَوَّفُوا عَاقِبَتَهُ مِنَ الضَّعْفِ عَنِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ. وَأَمْثِلَةُ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرَةٌ، وَحُكْمُهُ الَّذِي يَنْبَغِي فِيهِ الْمُوَافَقَةُ لِلْعَمَلِ الْغَالِبِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَتَرْكُ الْقَلِيلِ أَوْ تَقْلِيلُهُ حَسَبَمَا فَعَلُوهُ، أَمَّا فِيمَا كَانَ4 تَعْرِيفًا بِحَدٍّ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَقَدِ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ الْأَوَّلُ5 عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى؛ فَكَذَلِكَ يكون بالنسبة إلى

_ 1 أي: المداومة. "د". 2 مضى تخريج ذلك. "2/ 239". 3 ينظر في تفصيل ذلك: "الاستذكار" "10/ 151 وما بعدها"، و"التمهيد" 14/ 363"، و"القبس" "2/ 478"؛ ففيها كلام جيد على هذه المسألة. ومن اللطائف ما قاله ابن العربي في "القبس" "2/ 478": "ووقعت ببغداد نازلة تتعلق بهذا الحديث -أي قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ههنا ... فقد أفطر الصائم" - وذلك أن رجلا قال -وهو صائم-: امرأته طالق إن أفطرت على حار وعلى بارد، فرفعت المسألة إلى أبي نصر بن الصباغ -إمام الشافعية بالجانب الغربي- فقال: هو حانث؛ إذ لا بد من الفطر على أحد هذين. ورفعت المسألة إلى أبي إسحاق الشيرازي بالمدرسة؛ فقال: لا حنث عليه؛ فأنه قد أفطر بدخولها على غير هذين، وهو دخول الليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ... وساق الحديث إلى قوله: "فقد أفطر الصائم"، وفتوى ابن الصباغ أشبه بمذهب مالك رضي الله عنه". 4 وهو النوع الأول من هذا الضرب المذكور في كلامه آنفا. "د". 5 أي: في عهده صلى الله عليه وسلم، وقوله: "فكذلك يكون ... إلخ"؛ أي يكون الشأن فيما جاء من الصحابة والسلف موافقتهم فيه له صلى الله عليه وسلم، أي الحكم فيه للعمل الغالب قطعا بدون توهم؛ فقوله: "بعد" بالضم، وقوله: "موافقته" فاعل، ولعل فيه تحريف كلمة موافقتهم له بموافقته لهم كما هو الأنسب، أي: وأما إذا حصل اختلاف بعد لترخيص منهم بسبب اقتضاه؛ فسيأتي أنه وإن كان طريقًا يصح سلوكه؛ إلا أن الأصل هو الأولى، وهذا معنى قوله: "وأما غيره ... إلخ"؛ أي: فغير ما وافقوا عليه فربما يفهم فيه أن الحكم ليس للعمل الغالب الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم، ولكن الواقع أن الأمر فيه مثل ما وافقوا عليه؛ كما يتبين ذلك من إرجاع الأمثلة التي حصلت فيها المخالفة إلى أن الأولى فيها أيضا ما كان العمل جاريًا فيه على عهده صلى الله عليه وسلم، وغيره يعتبر مرجوحًا، مع كونه صح في ذاته لسبب اقتضاه. "د".

مَا جَاءَ بَعْدَ مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وأما غيره؛ فكذلك أيضا، ويظهر ذلك بالنظر في الأمثرة الْمَذْكُورَةِ. فَقِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَرْكُهُ بِإِطْلَاقٍ مَخَافَةَ التَّشْرِيعِ يُوجَدُ مِثْلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ الْمُقْتَدَى بهم؛ فإن هؤلاء منتصبون1، لأن يقتد بِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَ، وَفِي بَابِ الْبَيَانِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ لِهَذَا2 بَيَانٌ؛ فَيُوشِكُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْجَاهِلُ بِالْفِعْلِ إِذَا رَأَى الْعَالِمَ مُدَاوِمًا عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَسَدُّ الذَّرَائِعِ مَطْلُوبٌ مَشْرُوعٌ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الشَّرْعِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ لَهُ ذِكْرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِهِ الصَّحَابَةُ كَمَا فِي قِيَامِ رَمَضَانَ؛ فَلَا بَأْسَ، وَسُنَّتُهُمْ [سُنَّةٌ] مَاضِيَةٌ، وَقَدْ حَفِظَ اللَّهُ فِيهَا هَذَا الْمَحْظُورَ الَّذِي هُوَ ظَنُّ الْوُجُوبِ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا3 عَلَى إِعْمَالِهِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ إِلَّا وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَيَتَحَرَّوْنَهُ أَيْضًا؛ فَكَانَ عَلَى قَوْلِهِمْ وَعَمَلِهِمِ الْقِيَامُ فِي الْبُيُوتِ أَوْلَى4، وَلِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ أَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَسْتَظْهِرِ الْقُرْآنَ، أَوْ لِمَنْ لَا يَقْوَى إِلَّا بِالتَّأَسِّي، فَكَانَتْ أَوْلَوِيَّتُهُ لِعُذْرٍ كَالرُّخْصَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْبُيُوتَ أَوْلَى5؛ فعلى كل

_ 1 في "ط": "منصوبون". 2 سقطت من "ط". 3 في "ط": "يجمعوا". 4 أي: فهم وإن أقاموها في المسجد بإمام واحد على خلاف ما كان على عهده صلى الله عليه وسلم لهذا العذر ولارتفاع المانع الذي هو خوف الافتراض؛ إلا أن عملهم وقولهم جار على أن الأفضل الموافقة للعمل الغالب في عهده. "د". 5 انظر أيهما الأفضل صلاة قيام رمضان في المساجد أم في البيوت: "الاستذكار" "5/ 158 وما بعدها"، و"التمهيد" "8/ 119"، و"تفسير القرطبي" "8/ 372".

تقدير ما دوام عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُقَدَّمُ، وَمَا رَآهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ فَسُنَّةٌ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْبَغِي تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْهَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ العمل في الصحابة. وأما1 صلاة الضحى؛ فشاهدة عَائِشَةَ بِأَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا قَطُّ دَلِيلٌ عَلَى قِلَّةِ عَمَلِهِ بِهَا، ثُمَّ الصَّحَابَةُ لَمْ يُنْقَلْ عنهم عموم العمل بها، وإنما دوام مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا مِنْهُمْ بِمَكَانٍ لَا يُتَأَسَّى بِهِمْ فِيهِ كَالْبُيُوتِ؛ عَمَلًا2 بِقَاعِدَةِ الدَّوَامِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَلِأَنَّ عَائِشَةَ فَهِمَتْ أَنَّهُ لَوْلَا خَوْفُ الْإِيجَابِ لَدَاوَمَ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَيْضًا مَوْجُودٌ فِي عَمَلِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ؛ إِلَّا أَنَّ ضَمِيمَةَ إِخْفَائِهَا يَصُدُّ عَنِ الِاقْتِدَاءِ. وَمِنْ هُنَا لَمْ تُشْرَعِ الْجَمَاعَةُ فِي النَّوَافِلِ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ فِي بَعْضِ مُؤَكَّدَاتِهَا؛ كَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَنَحْوِهَا وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ النَّوَافِلَ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، حَتَّى جَعَلَهَا فِي ظَاهِرِ لفظ الحديث3 أفضل من

_ 1 مقابل لقوله: "فقيام رمضان"؛ فالمثالان وكذا مثال الوصال بيان لقوله: "وأما غيره؛ فكذلك أيضا" على ما سبق شرحه. "د". 2 أي: فهم لم يبتدعوا، بل عملوا بقاعدة شرعية لا يعارضها ما خشيه صلى الله عليه وسلم من الإيجاب، ولا ظن الوجوب بفعلهم لأنهم كانوا يخفونها كما قال المؤلف: "إلا أن ضميمة إخفائها ... إلخ". "د". 3 يشير المصنف إلى ما أخرجه الترمذي في "الشمائل" "رقم 280"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الصلاة، باب ما جاء في التطوع في البيت، 1/ 439/ رقم 1378"، وأحمد في "المسند" "4/ 342"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "2/ 145/ رقم 865"، وابن خزيمة في "صحيحه" "2/ 210/ رقم 1202"، والمزي في "تهذيب الكمال" "15/ 22" عن عبد الله بن سعد رضي الله عنه؛ قال: سألت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد؛ فقال: "قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، ولإن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد؛ إلا أن تكون صلاة مكتوبة". إسناده صحيح. =

صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ الَّتِي يُصلى فِيهَا؛ فَلِذَلِكَ صَلَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَيْتِ مُلَيْكَةَ رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ1، وَصَلَّى بِابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ بِاللَّيْلِ جَمَاعَةً2، وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَلَا شَهَرَهُ فِيهِمْ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ [عَامَّةُ] عَمَلِهِ فِي النَّوَافِلِ عَلَى حَالِ الِانْفِرَادِ؛ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ كُلُّهَا -مَعَ مَا انْضَافَ إِلَيْهَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ3 أَيْضًا لَمْ يُشْتَهَرْ4 فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ وَلَا وَاظَبُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ دَائِمًا وَلَا كَثِيرًا- أَنَّهُ مَرْجُوحٌ، وَأَنَّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى أَصْلِ الذَّرِيعَةِ اشْتَدَّ الْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْقَضَايَا؛ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ أَوْلَى، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ مَالِكٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُجِيزُ الجماعة في النافلة

_ = وفي هذا الحديث بيان أفضلية صلاة النافلة على الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم، وقد وقع التصريح به أيضا في حديث زيد بن ثابت الصحيح، أخرج أبو داود في "سننه" "1/ 274/ رقم 1024"بإسناد صحيح عنه مرفوعا: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا؛ إلا المكتوبة". وأما عموم أفضلية صلاة المرء النافلة في بيته؛ فقد وردت في أحاديث كثيرة، أصحها ما في "الصحيحين": "أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة". وانظر: "صحيح الترغيب والترهيب" "1/ 177-178". 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير، 1/ 488/ رقم 380"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على حصير، 1/ 457/ رقم 266"، ومالك في "الموطأ" "رقم 406 - رواية أبي مصعب و1/ 153- رواية يحيى"، وأحمد في "المسند" "3/ 131، 149، 164". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب اللباس، باب الذوائب، 10/ 363/ رقم 5919"، وخرجته في تعليقي على كتاب "الطهور" لأبي عبيد "رقم 83" بتفصيل وإسهاب، ولله الحمد والمنة. 3 في "ط": "ذاك". 4 فيكون ما يتعلق بصلاة النافلة جماعة مما حصلت فيه الموافقة لفعله تماما، بحيث لم يوجد ما يقتضي رخصة لمخالفة البعض مثلا، ولا يكون هذا من أمثلة قوله: "وأما غيره". "د".

فِي الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَا يَكُونُ مَظِنَّةَ اشْتِهَارٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ يَكْرَهُهُ1. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوِصَالِ2؛ فَإِنَّ الْأَحَقَّ وَالْأَوْلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عَامَّتُهُمْ، وَلَمْ يُوَاصِلْ خَاصَّتُهُمْ حَتَّى كَانُوا فِي صِيَامِهِمْ كَالْعَامَّةِ فِي تَرْكِهِمْ لَهُ؛ لِمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْقُوَّةِ الَّتِي هِيَ أُنْمُوذَجٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إِنِّي أَبَيْتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي" 3، مَعَ أن بعض4 من كاد يَسْرِدُ الصِّيَامَ قَالَ بَعْدَ مَا ضَعُفَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَطْلَبُ الْمُكَلَّفَ بِالرِّفْقِ وَالْقَصْدِ خَوْفَ الِانْقِطَاعِ -وَقَدْ مَرَّ لِهَذَا الْمَعْنَى تَقْرِيرٌ فِي كِتَابِ6 الْأَحْكَامِ- فَكَانَ الْأَحْرَى الْحَمْلَ عَلَى التَّوَسُّطِ، وَلَيْسَ إِلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ وَمَا وَاظَبُوا عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا؛ فَاحْمِلْ نَظَائِرَ هَذَا الضرب.

_ 1 وكذا كره ابن تيمية للإمام الراتب أن يقيم في المسجد جماعة يصلي بالناس بين العشاءين أو في جوف الليل. انظر: "مجموع الفتاوى" له "23/ 113-114". 2 الوصال صوم يومين أو أكثر دون فصل بينهما بفطر في الليل، والسرد أن يتابع صوم الأيام مع الفطر بالليل، ومنه يفهم أن قوله: "مع أن بعض من كان يسرد ... إلخ" كلام فيما يشبه الوصال من جهة أن كلا غير ما هو الأولى في نظر الشارع. "د". قلت: الوصال من المندوب فيما اختص به صلى الله عليه وسلم على ما ذكر الجويني؛ كما في "الخصائص الكبرى" للسيوطي "3/ 284"، وانظر: "المحقق من علم الأصول" "ص53" لأبي شامة، و"أفعال الرسول" "1/ 273" للأشقر. 3 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الصوم، باب الوصال، 4/ 202/ رقم 1964" عن عائشة رضي الله عنها، ومضى "2/ 239". 4 هو عبد الله بن عمرو. 5 مضى تخريجه "2/ 240". 6 في باب الرخصة، وأن مقصد الشارع بها الرفق بالمكلف.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ1، وَلَكِنَّهُ يَأْتِي عَلَى وُجُوهٍ: - مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُحْتَمَلًا فِي2 نَفْسِهِ؛ فَيَخْتَلِفُوا3 فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَقْوَى عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ أَوْ يُخْتَلَفُ فِي أَصْلِهِ4، وَالَّذِي هُوَ أَبْرَأُ لِلْعُهْدَةِ وَأَبْلَغُ فِي الِاحْتِيَاطِ تَرْكُهُ وَالْعَمَلُ عَلَى وَفْقِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ. كَقِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ إِكْرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، فَإِنَّ الْعَمَلَ الْمُتَّصِلَ تَرْكُهُ؛ فَقَدْ كَانُوا لَا يَقُومُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ5، وَكَانَ يَجْلِسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ6، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ عَمَلٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ؛ حَتَّى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ لَمَّا اسْتُخْلِفَ قَامُوا له في المجلس؛ فقال: "إن تقوموا

_ 1 أي: لا يَتَبَيَّنَ فِيهِ لِلْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَجْهٌ يَصْلُحُ أَنْ يكون سببا للقلة. "ف". 2 أي: يكون وقوعه متفقا عليه، ولكنه يكون محتملا للمعنى المستدل عليه ولغيره كما في القيام للقادم. "د". 3 في "ط": "فيختلف". 4 أي: يكون ثبوته محل خلاف؛ كما في تقييد اليد، وسجود الشكر. "د". 5 بل كان ينهاهم عن ذلك، أخرج البخاري في "الأدب المفرد" "رقم 946، والترمذي في "الجامع" "أبواب الأدب، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل/ رقم 2755"، و"الشمائل" "رقم 328"، وأحمد في "المسند" "3/ 132، 250-251"، والطحاوي في "المشكل" 2/ 39"، وأبو يعلى في "المسند" "6/ 418/ رقم 3784"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" "رقم 127"، والبغوي في "شرح السنة" "12/ 294/ رقم 3329"، و"الشمائل" "رقم 392" بإسناد صحيح عن أنس؛ قال: "ما كان في الدنيا شخص أحب إليهم رؤية مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانوا إذا رأوه؛ لم يقوموا له لما كانوا يعلمون من كراهيته لذلك". 6 أخرج أبو داود في "السنن" "رقم 4698"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" "رقم 140"، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" "50"، والبغوي في "الشمائل" "رقم 393" بإسناد صحيح عن أبي هريرة وأبي ذر؛ قالا: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب ولا يدري أيهم هو حتى يسأل؛ فطلبنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين؛ فكان يجلس عليه، ونجلس بجانبيه".

نَقُمْ، وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ، وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"1؛ فَقِيَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَعْفَرٍ ابْنِ عَمِّهِ2 وَقَوْلُهُ: "قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ" 3 إِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ فَالْأَوْلَى خِلَافُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ نَظَرْنَا فِيهِ وَجَدْنَاهُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ4 الْقِيَامُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّعْظِيمِ5، أَوْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى اللِّقَاءِ لِشَوْقٍ يجده القائم للمقوم

_ 1 ذكره ابن عبد الحكم في "سيرة عمر بن عبد العزيز" "ص39"، وأشار إليه ابن حجر في "الفتح" "11/ 51". وأسند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "19/ 170/ ب" إلى الأوزاعي؛ قال: "حدثني بعض حرس عمر بن عبد العزيز؛ قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة، فلما رأيناه قمنا، فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا، ولكن توسعوا". 2 الوارد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام لأخيه من الرضاعة، وأجسله بين يديه، أخرجه أبو داود في "سننه" "رقم 5145" بسند معضل، وفي بعض رواته كلام. انظر: "السلسلة الضعيفة" "رقم 1120". 3 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب الاستئذان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "قوموا إلى سيدكم"، 11/ 49/ رقم 6262"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، 3/ 1388-1389/ رقم 1768" عن أبي سعيد الخدري بلفظ: "قوموا إلى سيدكم". وفيه قصة. والاستدلال بهذا الحديث على القيام فيه نظر، أفاده ابن حجر في "الفتح" "11/ 51"، وزاد: "وقد وقع في "مسند عائشة" عند أحمد من طريق علقمة بن وقاص عنها في قصة غزوة بني قريظة وقصة سعد بن معاذ ومجيئه مطولا، وفيه: "قال أبو سعيد: فلما طلع قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى سيدكم؛ فأنزلوه"، وسنده حسن". قال: وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه". ثم نقل أجوبة حسنة لابن الحاج على المستدلين بهذا الحديث على مشروعية القيام للقادم، ومما ينبغي أن ينتبه له أن الحديث في "الصحيحين" بلفظ: "قوموا إلى"، وليس "قوموا لسيدكم" كما أورده المصنف. 4 في الأصل: "يقوم". 5 وهذا هو الذي كانوا يتحاشونه ويرونه موجبا لكراهيته، كما أشار إليه بقوله: "وإنما يقوم الناس لرب العالمين". "د".

لَهُ، أَوْ لِيُفْسِحَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى يَجِدَ مَوْضِعًا لِلْقُعُودِ، أَوْ لِلْإِعَانَةِ عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَمَلُ. وَإِذَا احْتَمَلَ الْمَوْضِعُ؛ طُلِبْنَا بِالْوُقُوفِ مَعَ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ الْقَلِيلُ غَيْرَ1 مُعَارِضٍ لَهُ، فَنَحْنُ فِي اتِّبَاعِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى بَيِّنَةٍ وَبَرَاءَةِ ذِمَّةٍ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ رَجَعْنَا إِلَى هَذَا الْمُحْتَمَلِ؛ لَمْ نَجِدْ فِيهِ مَعَ الْمُعَارِضِ الْأَقْوَى وَجْهًا لِلتَّمَسُّكِ إِلَّا مِنْ بَابِ التَّمَسُّكِ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لَا يَقْوَى قُوَّةَ مُعَارِضِهِ2. وَمِثْلُ ذَلِكَ قِصَّةُ مَالِكٍ مَعَ سُفْيَانَ فِي الْمُعَانَقَةِ؛ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ لَهُ: "كَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِجَعْفَرٍ". فَقَالَ سُفْيَانُ: مَا يَخُصُّهُ يَخُصُّنَا، وَمَا يَعُمُّهُ يَعُمُّنَا إِذَا كُنَّا صَالِحِينَ3، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ عَمِلَ فِي الْمُعَانَقَةِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ؛ فَجَعَلَ مُعَانَقَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمْرًا خَاصًّا، أَيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ؛ فَالَّذِي يَنْبَغِي وَقْفُهُ عَلَى مَا جَرَى فِيهِ. وَكَذَلِكَ تَقْبِيلُ الْيَدِ إِنْ فَرَضْنَا أَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ مَا رُوِيَ فِيهِ4 فإنه لم يقع

_ 1 كما سبق أن قضايا الأعيان لا تقوم حجة إلا إذا عضدها دليل آخر؛ لاحتمال ألا تكون مخالفة ... إلخ. "د". 2 أي: لأنه مع كونه قليلا محتمل لغير المعنى المستدل عليه في مقابلة الكثير الذي لا احتمال فيه. "د". وفي الأصل: "تعارضه". 3 ذكره ابن العربي في "أحكام القرآن" "3/ 1663"، وعنه القرطبي في "تفسيره" "15/ 361". وانظر: جزء "القبل والمعانقة" لابن الأعرابي. 4 ورد فيه أحاديث كثيرة صحيحة، تراها في جزء ابن المقرئ "الرخصة في تقبيل اليد"، وكذا في جزء الغماري "إعلام النبيل"، وكلاهما مطبوع وقال ابن تيمية في "الفتاوى المصرية" "ص563"، ونقله ابن مفلح في "الآداب الشرعية" "2/ 271": "تقبيل اليد لم يكن يعتادونه إلا قليلا"؛ فالكراهة أن يتخذ التقبيل شعارا، أو أن يكون ذلك لدينا أو لظالم أو مبتدع، أو على وجه الملق. انظر: "شرح السنة" "12/ 293" للبغوي.

تَقْبِيلُ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا نَادِرًا، ثُمَّ لَمْ يَسْتَمِرَّ فِيهِ عَمَلٌ إِلَّا التَّرْكُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ فَدَلَّ عَلَى مَرْجُوحِيَّتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ سُجُودُ الشُّكْرِ إِنْ فَرَضْنَا ثُبُوتَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْبَشَائِرِ الَّتِي تَوَالَتْ عَلَيْهِ، وَالنِّعَمِ الَّتِي أُفْرِغَتْ عَلَيْهِ إِفْرَاغًا؛ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ مُوَاظَبَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا جَاءَ عَنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا فِي النُّدْرَةِ مِثْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ إِذْ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ2؛ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى وَفْقِهِ تَرْكًا لِلْعَمَلِ عَلَى وَفْقِ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ. وَمِنْ هَذَا الْمَكَانِ يُتَطَلَّعُ إِلَى قَصْدِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي جَعْلِهِ الْعَمَلَ3 مُقَدَّمًا عَلَى الْأَحَادِيثِ؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا يُرَاعِي كُلَّ الْمُرَاعَاةِ الْعَمَلَ الْمُسْتَمِرَّ وَالْأَكْثَرَ4 وَيَتْرُكُ مَا سِوَى ذَلِكَ وَإِنْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ، وَكَانَ مِمَّنْ أَدْرَكَ التابعين وراقب

_ 1 وقد ثبت في غير حديث، مضى تخريج واحد منها "ص163"، وانظر لزاما كلام ابن القيم في "إعلام الموقعين" "2/ 297-298، 320 - ط دار الحديث". 2 كما في "صحيح البخاري" "كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك, 8/ 113-116/ رقم 4418"، و"صحيح مسلم" "كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، 4/ 2120/ رقم 2769". 3 المستند إلى الديل الشرعي لا مجرد العمل؛ فالعمل المستمر عنده يرجح الدليل على سائر الأدلة التي لم يصاحبها العمل المستمر، هكذا ينبغي أن يفهم؛ كما ذكره الأصوليون، قالوا: يرجح الخبر على معارضه بعمل أكثر السلف وعمل أهل المدينة، وسيأتي عن مالك أنه قال: "أَحَبُّ الْأَحَادِيثِ إِلَيَّ مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ". "د". قلت: ينظر عن حجية عمل أهل المدينة: رسالة ابن تيمية "صحة أصول أهل المدينة"، ورسالة أحمد محمد نور سيف "عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين". 4 في الأصل و"ط": "الأكثري".

أَعْمَالَهُمْ، وَكَانَ الْعَمَلُ الْمُسْتَمِرُّ فِيهِمْ مَأْخُوذًا عَنِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا فِيهِمْ إِلَّا وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي قُوَّةِ الْمُسْتَمِرِّ. وَقَدْ قِيلَ لِمَالِكٍ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّ التَّشَهُّدَ فَرْضٌ. فَقَالَ: "أَمَا كَانَ أَحَدٌ يَعْرِفُ التَّشَهُّدَ؟ ". فَأَشَارَ إِلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ1 بِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ كَالْمُبْتَدِعِ الَّذِي جَاءَ بِخِلَافِ مَا عليه ما تَقَدَّمَ. وَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُفَ عَنِ الْأَذَانِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: "وَمَا حَاجَتُكَ إِلَى ذَلِكَ؟ فَعَجَبًا مِنْ فَقِيهٍ يَسْأَلُ عَنِ الْأَذَانِ"، ثُمَّ قَالَ لَهُ مَالِكٌ: "وَكَيْفَ الْأَذَانُ عِنْدَكُمْ؟ ". فَذَكَرَ مَذْهَبَهُمْ فِيهِ؛ فَقَالَ: "مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ ". فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ بِلَالًا لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ سَأَلُوهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لَهُمْ، فَأَذَّنَ لَهُمْ كَمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: "مَا أَدْرِي مَا أَذَانُ يَوْمٍ؟ وَمَا صَلَاةُ يَوْمٍ؟ هَذَا مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلَدُهُ مِنْ بعد يُؤَذِّنُونَ فِي حَيَاتِهِ وَعِنْدَ قَبْرِهِ، وَبِحَضْرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ"2. فَأَشَارَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَثَبَتَ مُسْتَمِرًّا أَثْبَتُ فِي الِاتِّبَاعِ وَأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ3. وَقَدْ بَيَّنَ فِي "الْعُتْبِيَّةِ"4 أَصْلًا لِهَذَا الْمَعْنَى عَظِيمًا يَجِلُّ مَوْقِعُهُ عِنْدَ مَنْ نَظَرَ إِلَى مَغْزَاهُ، وَذَلِكَ أنه سئل عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِيهِ5 الْأَمْرُ يُحِبُّهُ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا؛ فَقَالَ: "لَا يَفْعَلُ، لَيْسَ مِمَّا مَضَى من أمر الناس". فقيل له: إن أبا بكر الصديق

_ 1 في "ط": "عليهم". 2 المذكور عند عياض في "ترتيب المدارك" "1/ 50 - ط المغرب"، وعنه الراعي في "انتصار الفقير السالك" "ص218". 3 تجد قائمة طويلة في كتاب أحمد نور سيف "عمل أهل المدينة" "ص323-359" فيها احتجاج مالك بعمل أهل المدينة، جمعها من "الموطأ" و"المدونة" وكتب العلماء الأقدمين. 4 "1/ 392 - مع "البيان والتحصيل"". 5 كذا في "العتبية" و"ط"، وفي غيره: "يأتي إليه".

-فِيمَا يَذْكُرُونَ- سَجَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شُكْرًا1؛ أَفَسَمِعْتَ ذلك؟ قال: "ما سمعت ذلك، و [أنا] أَرَى أَنْ [قَدْ] كَذَبُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا مِنَ الضَّلَالِ أَنْ يَسْمَعَ الْمَرْءُ الشَّيْءَ فَيَقُولَ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ خِلَافًا". ثُمَّ قَالَ: "قَدْ فُتِحَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ؛ أَفَسَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ؟ إِذَا جَاءَكَ مِثْلُ هَذَا مِمَّا كَانَ فِي النَّاسِ وَجَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ لَا يُسْمَعُ عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ؛ فَعَلَيْكَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَذُكِرَ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِيهِمْ؛ فَهَلْ سَمِعْتَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ؟ فَهَذَا إِجْمَاعٌ، إِذَا جَاءَكَ الْأَمْرُ لَا تَعْرِفُهُ؛ فَدَعْهُ"2. هَذَا مَا قَالَ. وَهُوَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ الْعَمَلَ الْعَامَّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَفِي أَيِّ مَحَلٍّ وَقَعَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَلَائِلِ مَا نُقِلَ، وَلَا نَوَادِرِ الْأَفْعَالِ إِذَا عَارَضَهَا الْأَمْرُ الْعَامُّ وَالْكَثِيرُ. - وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَلِيلُ خَاصًّا بِزَمَانِهِ أَوْ بِصَاحِبِهِ الذي عمل به، أو خاص بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ؛ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي غَيْرِ مَا تَقَيَّدَ بِهِ؛ كَمَا قَالُوا فِي مَسْحِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ فِي الْوُضُوءِ: أَنَّهُ كَانَ بِهِ مَرَضٌ3، وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصلاة والسلام عن ادخار لحوم الأضاحي

_ 1 مضى تخريجه "ص158". 2 انظر: "الاعتصام" "1/ 468-471 - ط ابن عفان"، وما علقناه على "ص158-159". 3 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، 1/ 308/ رقم 204، 205" عن عمرو بن أمية الضمري؛ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسمح على عمامته وخفيه. وأخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، 1/ 230/ رقم 274 بعد 81" عن المغيرة ضمن حديث فيه: "ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفية"، وفي لفظ برقم "274 بعد 82": "يمسح على الخفين، ومقدم رأسه، وعلى عمامته". وقد وردت أحاديث كثيرة وآثار عن أبي بكر وعمر في المسح على العمامة؛ حتى قال الإمام أحمد: "المسح على العمامة من خمس وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم". وانظر بسط المسألة في: "المغني" "1/ 300"، و"المجموع" "1/ 406"، و"الأوسط" "1/ 466-472"، و"مسائل أحمد" "ص8" لأبي داود، والحجة على أهل المدينة" "1/ 16"، و"الموطأ" "1/ 43"، و"الأم" "1/ 26".

بَعْدَ ثلاثٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِذْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجَلِ الدَّافَّةِ" 1. - وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا فُعِلَ فَلْتَةً2؛ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ وَلَا غَيْرُهُ، وَلَا يَشْرَعُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَأْذَنُ فِيهِ ابْتِدَاءً لِأَحَدٍ؛ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ إِذْنًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ كَمَا فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ3 الَّذِي بَعَثَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَمْرٍ فَعَمِلَ فِيهِ، ثُمَّ رَأَى أَنْ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يَحُلَّهُ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ" 4، وَتَرَكَهُ كذلك حتى حكم الله فيه5.

_ 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، 3/ 1651/ رقم 1971" عن عبد الله بن واقد رضي الله عنه مرفوعا. قلت: وقد جاء في الأصل و"ف": "الرأفة"، وهو خطأ. 2 بدون سبق تشريع فيه. "د". 3 هو أبو لبابة الأنصاري في قصة بني قريظة؛ لما استشاروه أن ينزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهم: نعم، وأشار بيده إلى حلقه؛ يعني: الذبح، وسيأتي تخريج القصة. 4 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "21/ 151-152" هكذا مطولا. وأخرج القصة مختصرة ضمن قصة مطولة أخرى أحمد في "المسند"، وفيه محمد بن عمرو ابن علقمة، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات، قاله الهيثمي في "المجمع" "6/ 138". وقال الساعاتي في "الفتح الرباني" "21/ 81-83": "أورده الحافظ ابن كثير في تاريخه""، ثم قال: "هذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثيرة". وانظر "سيرة ابن كثير" "3/ 238"، و"تفسير القرطبي" "14/ 139-140". 5 بقبول توبته، وقد أبره صلى الله عليه وسلم في يمينه؛ فأطلقه بيده الكريمة. "د".

فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا يَقْتَضِي أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا، أَمَّا الِابْتِدَاءُ؛ فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا دَوَامًا؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيهِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِزَمَانِهِ؛ إِذْ لَا وُصُولَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَقَدِ انْقَطَعَ بَعْدَهُ؛ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْقَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يُنْتَظُرَ1 الْحُكْمُ فِيهِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، لَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ؛ فَإِذًا الْعَمَلُ بِمِثْلِهِ أَشَدُّ غَرَرًا؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ تَشْرِيعٌ يَشْهَدُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ [قَبْلَهُ] 2 تَشْرِيعٌ؛ لَكَانَ اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ كَافِيًا فِي مَرْجُوحِيَّتِهِ. - وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ رَأْيًا لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ؛ إِذْ كَانَ فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَيُجِيزَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الِاجْتِهَادِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَكَلَ بَرَدًا وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ؛ فَقِيلَ لَهُ: أَتَأْكُلُ الْبَرَدَ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ فَقَالَ: "إِنَّمَا هُوَ بَرَدٌ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ نُطَهِّرُ بِهِ بُطُونَنَا، وَإِنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ"3. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: "وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ لَمْ يقف النبي عليه الصلاة والسلام

_ 1 في "د": "ينظر". 2 سقط من "ط". 3 أخرحه أحمد في "المسند" "3/ 279"، والطحاوي في "المشكل" "2/ 348"، وسنده صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حزم في "الإحكام" "6/ 83"، وأخرجه البزار في "مسنده" "رقم 1022 - زوائده" أيضا، وزاد: "فذكرت ذلك لسيعد بن المسيب؛ فكرهه، وقال: إنه يقطع الظمأ"، وقال: "لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة". انظر "مجمع الزوائد" "3/ 171-172".

عَلَيْهِ1؛ فَيُعَلِّمَهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِيهِ". قَالَ2: "وَقَدْ كَانَ مِثْلُ هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَمْ يرَ ذَلِكَ عُمَرُ شَيْئًا، إِذْ لَمْ يُخْبَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ"3. فَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ؛ قَالَ: "وَالَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ؛ قَالَ: كُنْتُ عَنْ يَمِينِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يُفْتِي النَّاسَ فِي الْغُسْلِ4 مِنَ الْجَنَابَةِ بِرَأْيهِ. فَقَالَ: أَعْجِلْ5 بِهِ عَلَيَّ! فَجَاءَ زَيْدٌ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تُفْتِيَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ مِنَ الجنابة في مسجد النبي عليه الصلاة والسام بِرَأْيِكَ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَفْتَيْتُ بِرَأْيِي، وَلَكِنِّي6 سَمِعْتُ مِنْ أَعْمَامِي شَيْئًا فَقُلْتُ بِهِ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ أَعْمَامِكَ؟ فَقَالَ: مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيَّ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا يَقُولُ هَذَا الْفَتَى؟ فَقَلْتُ: إِنَّا كُنَّا نفعله7 على عهد رسول الله

_ 1 وقد جاء في رواية فيها عقب نحو الأثر السابق وفيها زيادة عن أنس: "فأتيت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بذلك، فقال: "خذها عن عمك". أي: أبو طلحة في أكله البرد، وقوله عنه ما قال. أخرجه الطحاوي في "المشكل" "2/ 347"، والبزار في "المسند" "رقم 1021 - زوائده"، وأبو يعلى في "المسند" "3/ 15/ رقم 1424 و7/ 73-74/ رقم 3999" بإسناد ضعيف فيه علي بن زيد، وهو ضعيف، قال عنه شعبة: "حدثنا علي بن زيد، وكان رفاعا"، ورفعه منكر؛ فقد رووه الثقات عن أنس ووقفوه على أبي طلحة. 2 في "مشكل الآثار" "2/ 348-349"، ونقل المصنف عنه بتصرف. وفي نسخة الأصل: "قال: فقد ... ". 3 إذ لو أخبر بذلك؛ لكان مما يصلح العمل على وفقه. "ف". 4 في "المشكل": "يفتي الناس بعدم الغسل". 5 في "ط": "اعجلوا". 6 في "المشكل": "ولكن". 7 أي: الجماع بغير إنزال. "د". وقال "ف": يشير إلى أنهم كانوا لا يغتسلون عند عدم الإنزال، والعمل الكثير الذي استمر الاغتسال مطلقا أنزل أو لا من التقاء الختانين".

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَا نَغْتَسِلُ. قَالَ: أَفَسَأَلْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: لَا". ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: "لَئِنْ أُخبرت بِأَحَدٍ يَفْعَلُهُ ثُمَّ لَا يَغْتَسِلُ لَأَنْهَكْتُهُ عُقُوبَةً"1. فَهَذَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ2، وَالشَّاهِدُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَا اسْتَمَرَّ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ عَلَى حَالٍ؛ فَكَفَى بِمِثْلِهِ حُجَّةً عَلَى التَّرْكِ. - وَمِنْهَا: [إِمْكَانُ] أَنْ يَكُونَ عُمِلَ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ نُسِخَ، فَتُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ جُمْلَةً؛ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً بِإِطْلَاقٍ، فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ فِي مِثْلِهِ الْوُقُوفُ مَعَ الْأَمْرِ الْعَامِّ. وَمِثَالُهُ حَدِيثُ الصِّيَامِ عَنِ الْمَيِّتِ3؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلِ اسْتِمْرَارُ عَمَلٍ بِهِ وَلَا كَثْرَةٌ، فَإِنَّ غَالِبَ الرِّوَايَةِ فِيهِ دَائِرَةٌ عَلَى عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ4،] وَهُمَا أَوَّلُ من

_ 1 أخرجه الطحاوي في "المشكل" "2/ 348-349" و"شرح معاني الآثار" "1/ 58-59"، وأحمد في "المسند" "5/ 115"، والطبراني في "الكبير" "5/ 34-35/ رقم 4536" بسند رجاله رجال الصحيح؛ غير ابن إسحاق، وهو مدلس؛ وقد عنعن. 2 المعروف فيه أنه مما عمل به قليلا ثم نسخ، أو تخصص حديثه الذي هو قوله عليه السلام: "إنما الماء من الماء" بالحلم، وقد ورد في الحديث: "لعلنا أعجلناك؟ ". فقال: نعم يا رسول الله. قال: "فإذ أعجلت أو أقحطت؛ فلا غسل عليك". وهذا لفظ البخاري ومسلم، والإقحاط عدم الإنزال، وعن أبي بن كعب: "إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها"، أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي. "د". 3 مضى لفظه وتخريجه "ص198". 4 لفظ حديث عائشة مضى "ص198" ووقع في رواية إسحاق بن راهويه في "مسنده" "رقم 900" عنها: "من مات وعليه صوم نذر؛ فليصم عنه وليه". قال إسحاق عقبه: "السنة هذا". وتقدم ايضا عن ابن عباس في قضاء صوم النذر، وهو في "الصحيحين"؛ فالقول بقضاء صيام الولي مقيد بصيام النذر لأسباب: الأول: الرواي المطلقة تحمل على المقيدة إن اتحد السبب، وهذا باتفاق. الثاني: ورد التقييد بالنذر في رواية إسحاق، وهو الذي أجاب عنه ابن عباس. وانظر: "شرح السنة" "6/ 324". =

خَالَفَاهُ1 فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ، فَقَالَتْ: "أَطْعِمُوا عَنْهَا"2، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] 3؛ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ"4. قَالَ مَالِكٌ: "وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ أَمَرُوا أَحَدًا أَنْ يَصُومَ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّيَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ كل أحد عن نفسه"5.

_ = الثالث: من روى حديث عائشة: "من مات وعليه صيام"، قال: "هذا في النذر"، كما قال أبو داود، انظر: "مسائل أحمد" لأبي داود "ص69"، و"الاستذكار" "10/ 170". الرابع: "ثبت عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان؛ فقال: يطعم، وفي النذر: يصام عنه؛ كما في "مصنف عبد الرزاق" "4/ 236، 237، 240"، و"سنن البيهقي" "4/ 253"، و"المحلى" "6/ 263"، و"أحكام القرآن" "1/ 211" للجصاص، و"الاستذكار" "1/ 171-172"، و"المجموع" "6/ 431". ويحمل قول ابن عباس: "لا يصومن أحد عن أحد" على من شهد رمضان، أما صيام النذر؛ فإن المرء أوجبه على نفسه، فإذا مات ولم يصمه؛ انتقل إلى أوليائه، فيصومون عنه كما ينتقل الدين إلى تركته التي أصبحت بعد موته من حق أوليائه، فيخرج منها. الخامس: إعمال الأدلة كلها خير من إهمالها أو إهمال بعضها، وفي التوجيه السابق إعمال بالمرفوع والموقوف، وما أحسن قول ابن عبد البر في "الاستذكار" "10/ 173": "لولا الأثر المذكور؛ لكان الأصل القياس على الأصل المجتمع عليه في الصلاة، وهو عمل بدن لا يصوم أحد عن أحد، كما لا يصلي أحد عن أحد". وانظر: "تهذيب سنن أبي داود" "3/ 279-282". 1 في "ط": "خالفهما". 2 أخرجه الطحاوي في "المشكل" "3/ 142"، وابن حزم في "المحلى" "7/ 4" بإسناد صحيح. 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 4 أخرجه البيهقي في "الكبرى" "4/ 257"، وأخرج مالك في "الموطأ" "1/ 202 - رواية يحيى، ورقم 835 - رواية أبي مصعب عن ابن عمر مثله. 5 "الموطأ" "1/ 323/ رقم 837 - رواية أبي مصعب".

فَهَذَا إِخْبَارٌ بِتَرْكِ الْعَمَلِ دَائِمًا فِي مُعْظَمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ يَلِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ1، كَمَا أَنَّهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ عَمَلِهِ. وَقَدْ سُئِلَ عَنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ الَّذِي فِي الْمُفَصَّلِ، وَقِيلَ لَهُ: أَتَسْجُدُ أَنْتَ فِيهِ؟ فَقَالَ: "لَا". وَقِيلَ2 لَهُ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لَكَ لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَقَالَ: "أَحَبُّ الْأَحَادِيثِ إِلَيَّ مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَجْتَمِعِ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ مِنْ حَدِيثِ النَّاسِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقُرْآنُ، يَقُولُ اللَّهُ: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ؛ فَالْقُرْآنُ أَعْظَمُ خَطَرًا وَفِيهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ3؛ فَكَيْفَ بِالْأَحَادِيثِ؟ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَيْهِ"4. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعَمَلَ بِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ النَّاسِخُ لِلْآخَرِ؛ إِذْ كَانُوا إِنَّمَا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5.

_ 1 وانتصر لهذا ودافع عنه دفاعا قويا ابن العربي في "القبس" "2/ 517-519"، قال في آخر مسألة الصيام عن الميت: "فأنت إن اتبعت حديثا واحدا دون أن تضربه بسائر الآيات والأحاديث وتستخلص الحق من بينها؛ فأنت ممن في قلبه زيغ، أو عليه رين، والذي تفطن له مالك رضي الله عنه تلقفه من عبد الله بن عمر تعليمًا لا تقليدًا". قلت: وقد سبق استخلاص الحق في مسألة الصيام عن الميت بالتفرقة بين صيام النذر وغيره، وهو الراجح إن شاء الله تعالى. 2 في "ط": "فقيل". 3 هذا بناء على تفسير المحكم بالناسخ والمتشابه بالمنسوخ، أما على ما هو مشهور من أن المحكمات الواضحات؛ فلا يأتي استشهاد الإمام بالآية. "د". 4 انظر مذهب مالك والخلاف عليه في هذه المسألة أو مناقشته فيها في: "الموطأ" "1/ 207- رواية يحيى"، و"المنتقى" "1/ 349" للباجي، و"شرح الزرقاني على الموطأ" "1/ 371"، "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" "1/ 308"، و"الأم" "7/ 187، 188". وانظر أدلة المسألة في: "نصب الراية" "2/ 182"، و"فتح الباري" "2/ 377"، و"الدراية" "1/ 211"، و"شرح معاني الآثار" "1/ 353"، و"عمدة القاري" "7/ 96"، و"التلخيص الحبير" "2/ 8". 5 أصله من كلام لابن عباس تذكره كتب الأصول غالبا. وهو قوله: "كنا نأخذ بالأحدث =

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْيَا الْفُقَهَاءَ وَأَعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ"1، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَمَّا أَخَذَ مَالِكٌ بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ وَطَرَحَ مَا سِوَاهُ؛ انْضَبَطَ لَهُ النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ عَلَى يُسْرٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَثَمَّ أَقْسَامٌ أخر يستل عَلَى الْحُكْمِ فِيهَا بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَبِسَبَبِ ذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْعَامِلِ أَنْ يَتَحَرَّى الْعَمَلَ عَلَى وَفْقِ الْأَوَّلِينَ؛ فَلَا يُسَامِحُ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ بِالْقَلِيلِ؛ إِلَّا قَلِيلًا وَعِنْدَ الْحَاجَةِ وَمَسِّ الضَّرُورَةِ إِنِ اقْتَضَى2 مَعْنَى التَّخْيِيرِ، وَلَمْ يَخَفْ3 نَسْخَ العمل، أو عدم 4 صحة في الدليل،

_ = فالأحدث". انظر مثلا: "مختصر المنتهى" "ص133" لابن الحاجب، و"اللمع" للشيرازي "ص239". أخرج مسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، 2/ 784-785" عن ابن عباس: "خرج صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره". وقصر ابن كثير في تخريجه في "تحفة الطالب" "رقم 204"؛ إذ اقتصر على إيراد ما عند البخاري في "الصحيح" "كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان على حديث في آخره: "وإنما يؤخد من أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالآخر فالآخر". والأشد منه قصورا ما فعله الغماري في "تخريج أحاديث اللمع" "رقم 70"؛ إذ أورد تحته: "كان آخر الأمرين ... "، و"أكل آخر أمريه ... "، ولم يخرج الأثر المذكور، والله الموفق. 1 أخرجه الحازمي في "الاعتبار" "ص3-4"، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" "رقم 3". 2 الضمير للقليل في قوله: "العمل بالقليل"؛ أي: بأن كان الدليل الذي أخذ به يصلح معارضًا لما عمل به الأكثر، ولا يكون ذلك إلا حيث يحتج به وإن ترجح الآخر بكثرة العمل به. "د". 3 الضمير للعامل؛ فهو مبني للفاعل، وقوله: "أو احتمالا" معطوف على مفعول. "د". قلت: لأنه ضبطها بفتحتين، أما "ف"؛ فقد قال: "بضم الياء، وفتح الخاء". وفي "م": "يُخْفَف". 4 في الأصل: "وعدم".

أَوِ احْتِمَالًا1 لَا يَنْهَضُ بِهِ الدَّلِيلُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. أَمَّا لَوْ عَمِلَ بِالْقَلِيلِ دَائِمًا؛ لَلَزِمَهُ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الْمُخَالَفَةُ لِلْأَوَّلِينَ فِي تَرْكِهِمُ الدَّوَامَ عَلَيْهَا، وَفِي مُخَالَفَةِ السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ مَا فِيهَا. وَالثَّانِي2: اسْتِلْزَامُ تَرْكِ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ؛ إِذِ الْفَرْضُ أَنَّهُمْ دَاوَمُوا عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْآثَارِ، فَإِدَامَةُ الْعَمَلِ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا لَمْ يُدَاوِمُوا عَلَيْهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ3: أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى انْدِرَاسِ أَعْلَامِ مَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَاشْتِهَارِ مَا خَالَفَهُ؛ إِذِ الِاقْتِدَاءُ بِالْأَفْعَالِ أَبْلَغُ مِنَ الِاقْتِدَاءِ بِالْأَقْوَالِ، فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ؛ كَانَ أَشَدَّ. الحذرَ الحذرَ4 مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَوَّلِينَ! فَلَوْ كَانَ ثَمَّ فَضْلٌ [مَا] 5؛ لَكَانَ الْأَوَّلُونَ أَحَقَّ بِهِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَثْبُتَ عَنِ الْأَوَّلِينَ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ عَلَى حَالٍ؛ فَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَالْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ جَارِيَةٌ هُنَا بِالْأَوْلَى، وَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا زَعَمُوا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَعْزُبْ عَنْ فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثُمَّ يَفْهَمُهُ هَؤُلَاءِ، فَعَمَلُ الْأَوَّلِينَ كَيْفَ كَانَ مُصَادِمٌ لِمُقْتَضَى هَذَا الْمَفْهُومِ وَمُعَارِضٌ لَهُ، وَلَوْ كَانَ تَرْكَ الْعَمَلِ6؛ فَمَا عَمِلَ بِهِ

_ 1 لعله: "أو احتمال" بالعطف على ما قبله، أي: أمن ذلك كله، تأمل "ف". 2 لازم لما قبله؛ أي: خالفهم فعلا وتركا، وهما متلازمان في مثله. "د". 3 الأول والثاني عامان، وهذا الثالث خاص بما إذا كان من مقتدى به. "د". 4 منصوب على التحذير. "ف". 5 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل و"ط". 6 أي: ولو كان عملهم ترك العمل بمعنى الكف عنه، تأمل "ف".

الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأَوَّلِينَ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ1، فَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ؛ فَهُوَ السُّنَّةُ وَالْأَمْرُ الْمُعْتَبَرُ، وَهُوَ الْهُدَى، وَلَيْسَ ثَمَّ إِلَّا صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ؛ فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ الْأَوَّلِينَ فَهُوَ عَلَى خَطَأٍ، وَهَذَا كافٍ2، وَالْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ الْعُلَمَاءُ بِمِثْلِهِ جارٍ هَذَا الْمَجْرَى3. وَمِنْ هُنَالِكَ لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ السُّنَّةِ دَعْوَى الرَّافِضَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ كَافَّةِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهِ أَوْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ، وَكَثِيرًا مَا تَجِدُ أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يُحَمِّلُونَهُمَا4 مَذَاهِبَهُمْ، وَيُغَبِّرُونَ بِمُشْتَبِهَاتِهِمَا5 فِي وُجُوهِ الْعَامَّةِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى شيء. ولذلك أمثلة كثيرة كالاستلالات الباطنية على سوء مذهبهم بما هو شهير

_ 1 كما جاء في الحديث الصحيح بشواهده، ومضى تخريجه "2/ 434". 2 هذه قاعدة بديعة، ركز عليها المصنف كثيرا فيما سبق وفيما سيأتي، وعليها مدار نجاة المرء، وتكلم عليها الفقهاء المحققون كثيرا، مثل: الشافعي في "رسالته" البغدادية، ونقل عنها ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 80 و1/ 69- ط دار الحديث"، وأولاها عناية تامة ابن تيمية؛ كما تراه في "مجموع الفتاوى" "3/ 157 و4/ 91-94 و132 وما بعدها، و157-158 و5/ 7، 8 و13/ 24"، و"شرح العقيدة الأصفهانية" "ص128"، و"نقض المنطق" "7، 8"، و"الإيمان" "ص417"، وكذلك تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين" "1/ 79 وما بعدها و4/ 118 وما بعدها و147-155"، و"مختصر الصواعق المرسلة" "2/ 345-349". 3 فهو مصادم بعمل السلف الأولين. "ف". 4 في الأصل و"ف" و"ط": "يحملونها"، قال "ف": "الأنسب يحملونها، وكذا قوله بمشتبهاتها، الأنسب فيه التثنية". 5 هكذا في "د" فقط، وفي غيرها: "بمشتبهاتها".

فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ، وَسَيَأْتِي مِنْهُ أَشْيَاءُ فِي دَلِيلِ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاسْتِدْلَالِ التَّنَاسُخِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا زَعَمُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الِانْفِطَارِ: 8] . وَكَثِيرٌ مِنْ فِرَقِ الِاعْتِقَادَاتِ1 تَعَلَّقَ بِظَوَاهِرَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي تَصْحِيحِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ؛ مِمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ وَلَا وَقَعَ بِبَالِ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِينَ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْهُ أَيْضًا اسْتِدْلَالُ مَنْ أَجَازَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْإِدَارَةِ2، وَذِكْرَ اللَّهِ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَبِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ3 بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ويتدارسُونه فِيمَا بَيْنَهُمُ" 4 الْحَدِيثَ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ... " 5 إِلَخْ، وَبِسَائِرِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ مجالس الذكر.

_ 1 قال "ف": "تعلق -أي: تمسك به- كعمل ملحدي زماننا ومتفلسفة عصرنا، وفقنا الله للهدى". 2 في سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون فَيَقْرَءُونَ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ؛ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ من عمل الناس، قال في "الاعتصام" "2/ 31 و1/ 509 - ط ابن عفان" بعد ذكر ما تقدم: "وذلك يدل على أن قراءة الإدارة مكروهة عنده"، وقال قبل ذلك: "ومن أمثلة ذلك قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد؛ فإن هذه الهيئة زائدة على مشروعية القراءة". وانظر في بدعية ذلك أيضا: "الحوادث والبدع" "ص161"، وما سيأتي "ص497". 3 انظر ما سيأتي "ص497". 4 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، 4/ 2074/ رقم 2699" عن أبي هريرة مرفوعا ضمن حديث طويل، مما فيه: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". 5 أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق في "المصنف" "رقم 20577"- ومن طريقه أحمد في "المسند" "3/ 94"، والبغوي في "شرح السنة" 4/ 64-65/ رقم 947"- وإسناده صحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما مرفوعا، وتتمته: "إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده"، وله تتمة في "الصحيحين".

وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ دُعَاءِ الْمُؤَذِّنِينَ بِاللَّيْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} الآية [الأنعام: 52] . وَقَوْلِهِ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الْأَعْرَافِ: 55] . وَبِجَهْرِ قُوَّامِ اللَّيْلِ بِالْقُرْآنِ، وَاسْتِدْلَالِهِمْ عَلَى الرَّقْصِ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا بِحَدِيثِ لَعِبِ الْحَبَشَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ" 1. وَاسْتِدْلَالُ كُلِّ مَنِ اخْتَرَعَ بِدْعَةً أَوِ اسْتَحْسَنَ مُحْدَثَةً لَمْ تَكُنْ فِي السَّلَفِ الصَّالِحِ، بِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَرَعُوا أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَكَتْبِ الْمُصْحَفِ، وَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ، وَتَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، وَتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَصْلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ2؛ فَخَلَطُوا وَغَلِطُوا، واتبعوا ما

_ 1 أخرجه البخاري في "صحيحه" "كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، 2/ 440/ رقم 950، وكتاب الجهاد، باب الدرق، 6/ 94-95/ رقم 2907"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، 2/ 609/ رقم 892 بعد 19" عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا. وقال "ف" على "بني أرفدة": "هو لقب لجنس من الحبشة: يرفضون، أو هو اسم أبيهم الأقدم". 2 وكتاب "الاعتصام" للمؤلف قد أوضح الطريق لتمييز المصالح المرسلة عن البدع على وجه محكم متين، وعالج المسائل المذكورة وبين أنها ليست من البدع في أي وجه من الوجوه؛ فانظره غير مأمور، وكتب "ف" ما نصه: "وقد أسهب المؤلف في ذلك وفي معنى البدعة وأقسامها وما يرتبط بها في كتابه "الاعتصام"، وأنه لكتاب قيم جليل ينبغي الاطلاع عليه ليميز الإنسان بين البدع والمصالح المرسلة؛ فإنه مما اشتبه على كثير من الناس فخلطوا".

تَشَابَهَ مِنَ الشَّرِيعَةِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهَا، وَهُوَ كُلُّهُ خَطَأٌ عَلَى الدِّينِ، وَاتِّبَاعٌ لِسَبِيلِ الْمُلْحِدِينَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا هَذِهِ الْمَدَارِكَ، وَعَبَرُوا عَلَى1 هَذِهِ الْمَسَالِكِ؛ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَدْرَكُوا مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يفهمه الأولون، وحادوا2 عَنْ فَهْمِهَا وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الصَّوَابُ إِذِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ هُمْ كَانُوا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا إِلَّا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمُحْدَثَاتُ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ، وَلَا عَمِلُوا بِهَا؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَرَعَةَ بِحَالٍ، وَصَارَ عَمَلُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ دَلِيلًا إِجْمَاعِيًّا عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ فِي استدلالاتهم3 وَعَمَلِهِمْ مُخْطِئُونَ وَمُخَالِفُونَ4 لِلسُّنَّةِ. فَيُقَالُ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ: هَلْ وُجِدَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَنْبَطْتَ فِي عَمَلِ الْأَوَّلِينَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ -وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ- فَيُقَالُ لَهُ: أَفَكَانُوا غَافِلِينَ عَمَّا تَنَبَّهْتَ لَهُ أَوْ جَاهِلِينَ بِهِ، أَمْ لَا؟ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ فَتْحٌ لِبَابِ الْفَضِيحَةِ عَلَى نَفْسِهِ، وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَارِفِينَ بِمَآخِذِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، كَمَا كَانُوا عَارِفِينَ بِمَآخِذِ غَيْرِهَا؛ قِيلَ لَهُ: فَمَا الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا عَلَى5 زَعْمِكَ حَتَّى خَالَفُوهَا إِلَى غَيْرِهَا؟ مَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِيهَا عَلَى الْخَطَأِ دُونَكَ أَيُّهَا المُتَقَوِّل، وَالْبُرْهَانُ الشَّرْعِيُّ وَالْعَادِيُّ دَالٌّ عَلَى عَكْسِ الْقَضِيَّةِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ مُخَالِفًا لما عليه السلف الصلاح؛ فَهُوَ الضَّلَالُ بِعَيْنِهِ. فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مَا انْتَحَلَهُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْأَوَّلِينَ، وَإِذَا كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ وَوُجِدَ لَهُ فِي الْأَدِلَّةِ مَسَاغٍ؛ فَلَا مخالفة، إنما

_ 1 في "م": "من". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "أو حادوا". 3 كذا في "ط" وفي غيره: "استدلالهم". 4 في "ط": "مخطئون مخالفون". 5 في "م": "عن".

الْمُخَالَفَةُ أَنْ يُعَانِدَ مَا نَقَلَ عَنْهُمْ بِضِدِّهِ، وَهُوَ الْبِدْعَةُ الْمُنْكَرَةُ، قِيلَ لَهُ: بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ؛ لِأَنَّ مَا سُكِتَ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَظِنَّةُ الْعَمَلِ بِهِ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا مَضَى فِيهِ؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَى مُخَالَفَتِهِ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ لِمَا عَمِلَ بِهِ هَؤُلَاءِ مُضَادٌ لَهُ، فَمَنِ اسْتَلْحَقَهُ صَارَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا تُوجَدَ مَظِنَّةُ الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ تُوجَدَ؛ فَيُشْرَعُ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ يُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ فِي مِثْلِهِ، وَهِيَ الْمَصَالِحُ1 الْمُرْسَلَةُ، وَهِيَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا؛ إِذْ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ؛ فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُ ذَلِكَ تَحْتَ جِنْسِ الْبِدَعِ. وَأَيْضًا؛ فَالْمَصَالِحُ2 الْمُرْسَلَةُ -عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا- لَا تَدْخُلُ فِي التَّعَبُّدَاتِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ أَصْلِ الْمِلَّةِ، وَحِيَاطَةِ أَهْلِهَا فِي تَصَرُّفَاتِهِمُ الْعَادِيَّةِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ مَالِكًا وَهُوَ الْمُسْتَرْسِلُ فِي الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ مُشَدِّدًا فِي الْعِبَادَاتِ أَنْ لَا تَقَعَ إِلَّا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِينَ؛ فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَكَرِهَ أَشْيَاءَ، وَإِنْ كَانَ إِطْلَاقُ الْأَدِلَّةِ لَا يَنْفِيهَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهَا تَقَيَّدَتْ مُطْلَقَاتُهَا بِالْعَمَلِ؛ فَلَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَمَهَّدَ أَيْضًا فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُطْلَقَ إِذَا وَقَعَ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ؛ لَمْ يَكُنْ حجة في غيره3.

_ 1 في "ط": "المصلحة". 2 في "ط": "فالمسائل". 3 قال الآمدي في "الإحكام" [المسألة الثامنة في تخصيص العموم بفعل الرسول، 2/ 480] : "أثبته الأكثرون"، ثم قال في [باب المطلق، 3/ 3] : "كل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق عليه، والمختلف فيه، والمزيف، والمختار، فهو بعينه جارٍ في تقييد المطلق". نقول: ولا شك أن المطلق ليس حدة في غير ما قيد به، والمسألة في ابن الحاجب أيضا في باب التخصيص. "د".

فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ أَوِ الْإِذْنَ إِذَا وَقَعَ عَلَى أَمْرٍ لَهُ دَلِيلٌ مُطْلَقٌ؛ فَرَأَيْتُ الْأَوَّلِينَ قَدْ عَنَوْا1 بِهِ عَلَى وَجْهٍ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُهُمْ؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، بَلْ هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى دَلِيلٍ يَتْبَعُهُ فِي إِعْمَالِ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ؛ فَإِذًا لَيْسَ مَا انْتَحَلَ هَذَا الْمُخَالِفُ الْعَمَلَ بِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَلَا مِنْ قَبِيلِ مَا أَصْلُهُ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِذًا أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنْ2 قَبِيلِ الْمُعَارِضِ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْأَقْدَمِينَ، وَكَفَى بِذَلِكَ مَزِلَّةُ قَدَمٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَصْلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لِعَمَلِ الْأَوَّلِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ لَيْسَتْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِيهَا مَا هُوَ3 خَفِيفٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَدِيدٌ، وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ يَسْتَدْعِي طُولًا؛ فلنَكِلْهُ إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَكِنَّ الْمُخَالِفَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبْلُغَ فِي اجْتِهَادِهِ غاية الوسع4 أو لا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِ الِاجْتِهَادَ حَقَّهُ وَقَصَّرَ فِيهِ؛ فَهُوَ آثِمٌ حَسْبَمَا بَيَّنَهُ أَهْلُ الْأُصُولِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ غلطا أو

_ 1 في "م" و"ط": "عملوا". 2 في "ط": "فلم يبق إلا أن يكون من ... ". 3 قال "ف": "لعله منها ما هو ... إلخ" بدليل ما بعده، وهو ظاهر. 4 كما سبق في مسألة الوصال في الصيام من بعض الصحابة بعد ورود النهي عنه. "د".

مُغَالَطَةً إِذْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَهْلُ الرُّتْبَةِ، وَلَا رَأَوْهُ أَهْلًا لِلدُّخُولِ مَعَهُمْ؛ فَهَذَا مَذْمُومٌ. وَقَلَّمَا تَقَعُ الْمُخَالَفَةُ لِعَمَلِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْقِسْمِ1؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ وإن اختلفوا فالأمر العام في المسائل أن يختلفوا إِلَّا فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ2، أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ [مِنْ] مَوَارِدِ الظُّنُونِ لَا ذِكْرَ لَهُمْ فِيهَا؛ فَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الْأَوَّلِينَ فِي الْعَمَلِ، وَالثَّانِي يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَرَيَانُ عَلَى مَا ورد فيه العمل. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي3؛ فَإِنَّ أَهْلَهُ لَا يَعْرِفُونَ مَا فِي مُوَافَقَةِ الْعَمَلِ مِنْ أَوْجُهِ الرُّجْحَانِ؛ فَإِنَّ مُوَافَقَتَهُ شَاهِدٌ لِلدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ، وَمُصَدِّقٌ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يُصَدِّقُهُ الْإِجْمَاعُ؛ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْإِجْمَاعِ فِعْلِيٌّ، بِخِلَافٍ4 مَا إِذَا خَالَفَهُ؛ فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ مُوهِنَةٌ لَهُ أَوْ مكذبة.

_ 1 لوجود التزكية والهدي الحسن في حقهم، وبعدهم عن ركوب ما لا يرتضى. 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "لِأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا لَا يَخْتَلِفُونَ إلا فيما اختلف فيه الأولون"!! وعلق "د" على "اختلف" بقوله: "أي: مذهبا ورأيا، وكان عمل كل منهم جاريا على مقتضى مذهبه، هذه صورة، أو في مسألة لم تظهر للمتقدمين؛ أي: الصحابة مثلا اختلاف في المذهب، ولم يحصل استدلال كل على مذهبه، ولكن روي عنهم الاختلاف في العمل، فإذا اختلف المجتهدون بعد ذلك يكون رأي كل منهم موافقا لرأي البعض وعمله في الصورة الأولى، وموافقا للعمل في الصورة الثانية، لكن بقيت صورة ثالثة، وهي أنه قد يختلف المجتهدون في أمر لم يحصل من الصحابة رأسا عمل فيه، فضلا عن الرأي؛ فلا يأتي فيه قوله: "والثاني يلزم منه الجريان ... إلخ"؛ لأن ذلك إنما يكون فيما حصل فيه منهم عمل؛ إلا أن يقال: إنه قيد كلامه أولا بقوله: "في الأمر العام"؛ أي: إن هذا في الجملة والأغلب". 3 وهم ممن ليسوا أهلا للاجتهاد وأدخلوا أنفسهم فيه غلطا. "د". 4 هكذا في النسخ المطبوعة و"ط"، وفي الأصل: "الفعلي"، ثم ذكر في الحاشية أنه في نسخته: "فعلي".

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ مُخَلِّصٌ لِلْأَدِلَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الْمَحَامِلِ1 الْمُقَدَّرَةِ الْمُوهِنَةِ2؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَتَى نَظَرَ فِي دَلِيلٍ عَلَى مَسْأَلَةٍ احْتَاجَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، لَا يَسْتَقِيمُ إِعْمَالُ الدَّلِيلِ دُونَهَا، وَالنَّظَرُ فِي أَعْمَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ قَاطِعٌ لِاحْتِمَالَاتِهَا [حَتْمًا] 3، وَمُعَيِّنٌ لِنَاسِخِهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا، وَمُبَيِّنٌ لِمُجْمَلِهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ عَوْنٌ فِي سُلُوكِ سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ ظَوَاهِرَ الْأَدِلَّةِ إِذَا اعْتُبِرَتْ مِنْ غَيْرِ اعْتِمَادٍ عَلَى الْأَوَّلِينَ فِيهَا مُؤَدِّيَةٌ إِلَى التَّعَارُضِ وَالِاخْتِلَافِ وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعْنًى، وَلِأَنَّ تَعَارُضَ الظَّوَاهِرِ كَثِيرٌ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا. وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ فِرْقَةً مِنَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ وَلَا أَحَدًا مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَحْكَامِ لَا الْفُرُوعِيَّةِ وَلَا الْأُصُولِيَّةِ يَعْجِزُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَذْهَبِهِ بِظَوَاهِرَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَقَدْ مَرَّ مِنْ ذَلِكَ أَمْثِلَةٌ، بَلْ قَدْ شَاهَدْنَا وَرَأَيْنَا مِنَ الْفُسَّاقِ مَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَسَائِلِ الْفِسْقِ بِأَدِلَّةٍ يَنْسُبُهَا إِلَى الشَّرِيعَةِ الْمُنَزَّهَةِ، وَفِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَالْأَخْبَارِ مِنْ ذَلِكَ أَطْرَافٌ مَا أَشْنَعَهَا4 فِي الِافْتِئَاتِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَانْظُرْ فِي مَسْأَلَةِ التَّدَاوِي مِنَ الْخُمَارِ فِي "دُرَّةِ الْغَوَّاصِ"5 لِلْحَرِيرِيِّ وَأَشْبَاهِهَا، بَلْ قَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ

_ 1 وهي الاحتمالات العشرة؛ من المجاز، والنسخ، والتعارض العقلي ... إلخ. "د". 2 في الأصل: "المكدرة". 3 سقط من "د". 4 في "ف": "ما أشنعهما". 5 جاء فيه "ص122-123 - ط ليدن" ما نصه: "حكي أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى في ديوان الوزارة عن دواء الخمار وقد علق به؛ فأعرض عن كلامه وقال: ما أنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر، فسأله عن ذلك؛ فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، وقال النبي عليه السلام: "استعينوا في الصناعات بأهلها"، والأعشى هو المشهور بهذه =

النَّصَارَى1 عَلَى صِحَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ الْآنَ بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ تَحَيَّلَ؛ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِينَ فِي التَّوْحِيدِ، {وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الْإِسْرَاءِ: 43] . فَلِهَذَا2 كُلِّهِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ نَاظِرٍ فِي الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ مُرَاعَاةُ مَا فَهِمَ مِنْهُ الْأَوَّلُونَ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ بِهِ؛ فَهُوَ أَحْرَى بِالصَّوَابِ، وَأَقْوَمُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَلِهَذَا الْأَمْرِ سَبَبٌ نَذْكُرُهُ بِحَوْلِ الله على الاختصار، وهي:

_ = الصناعة في الجاهلية، وقد قال: وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها ثم تلاه أبو نواس في الإسلام؛ فقال: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء فأسفر حينئذ وجه حامد بالجواب، وقال لعلي بن عيسى: ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة؟ ". وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله عز وجل أولا، ثم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ثانيا، وبين الفتيا، وأدى المعنى وتقصى من العهدة؛ فكان خجل علي بن عيسى من حامد بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. قال "د": "ولا شك أن هذا مجون مرذول من قاضي القضاة لا يصدر إلى عن الفساق المستهترين". قلت: وحديث: "استعينوا في الصناعات بأهلها" ذكره الثعالبي في كتاب "اللطائف واللطف"، وابن النجار في "تاريخه" ضمن القصة المذكورة، وهو مما لا سند له. انظر: "الدرر المنتثرة" "رقم 81"، و"التمييز" "127"، و"كشف الخفاء" "رقم 340"، و"أسنى المطالب" "178". 1 وما زالوا يفعلون، وكتب ردا عليهم الشيخ عبد الله القلقيلي رحمه الله تعالى بعنوان: "ليس في كتاب الله ما يدل على أن المسيح ابن إله أو أنه إله"، وهو مطبوع في رسالة لطيفة. 2 هكذا في الأصول و"ط"، وفي "ف": "فهذا كله"، قال: "الأنسب: فلهذا كله".

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ 1: فَاعْلَمْ أَنَّ أَخْذَ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ يَقَعُ فِي الْوُجُودِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُؤْخَذَ الدَّلِيلُ مَأْخَذَ الِافْتِقَارِ وَاقْتِبَاسِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْحُكْمِ لِيُعْرَضَ عَلَيْهِ النَّازِلَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِتَقَعَ فِي الْوُجُودِ عَلَى وِفَاقِ مَا أَعْطَى الدَّلِيلُ مِنَ الْحُكْمِ، أَمَّا قَبْلَ وُقُوعِهَا؛ فَبِأَنْ2 تُوقَعَ عَلَى وَفْقِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا؛ فَلْيَتَلَافَى الْأَمْرَ، وَيَسْتَدْرِكِ الْخَطَأَ الْوَاقِعَ فِيهَا، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَوْ يَقْطَعُ بِأَنَّ ذَلِكَ قَصْدُ الشَّارِعِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ شَأْنُ اقْتِبَاسِ السَّلَفِ الصَّالِحِ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُؤْخَذَ مَأْخَذَ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى صِحَّةِ غَرَضِهِ فِي النَّازِلَةِ الْعَارِضَةِ، أَنْ يَظْهَرَ [فِي] 3 بَادِئِ الرَّأْيِ مُوَافَقَةُ ذَلِكَ الْغَرَضِ لِلدَّلِيلِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَنْزِيلُ الدَّلِيلِ عَلَى وَفْقِ غَرَضِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ شَأْنُ اقْتِبَاسِ الزَّائِغِينَ الْأَحْكَامَ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَيَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ4 الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ؛ فَلَيْسَ مَقْصُودُهُمُ الاقتباس منها، وغنما مرادجهم الْفِتْنَةُ بِهَا بِهَوَاهُمْ؛ إِذْ هُوَ السَّابِقُ الْمُعْتَبَرُ، وَأَخْذُ الْأَدِلَّةِ فِيهِ بِالتَّبَعِ لِتَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي زَيْغِهِمْ، {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} لَيْسَ لَهُمْ هَوًى يُقَدِّمُونَهُ عَلَى أَحْكَامِ الْأَدِلَّةِ؛ فَلِذَلِكَ {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ

_ 1 انظر حولها: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "19/ 203-220". 2 في الأصل: "فإن هذا". 3 هكذا هي في الأصل، و"ط"، وفي "د" و"ف" و"م": "أن يظهر بادئ"، قال "د": "لعل الأصل بأن يظهر"، وكتب "ف": "لعله إن ظهر في بادئ الرأي الموافقة؛ أي: وبعد النظر والتمحيص يظهر نبو الدليل عن الغرض". 4 في "م": "في".

مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، وَيَقُولُونَ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] ، فيتبرؤون إِلَى اللَّهِ مِمَّا ارْتَكَبَهُ أُولَئِكَ الزَّائِغُونَ؛ فَلِذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مُحَكِّمِينَ لِلدَّلِيلِ عَلَى أَهْوَائِهِمْ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ لِتُخْرِجَ الْمُكَلَّفَ عَنْ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، وَأَهْلُ الْوَجْهِ الثَّانِي يُحَكِّمُونَ أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الْأَدِلَّةِ حَتَّى تَكُونَ الْأَدِلَّةُ فِي أَخْذِهِمْ لَهَا تَبَعًا، وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَدْ مَرَّ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْمَقَاصِدِ، وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: اقْتِضَاءُ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَحَالِّهَا عَلَى وَجْهَيْنِ1: أَحَدُهُمَا: الِاقْتِضَاءُ الْأَصْلِيُّ قَبْلَ طُرُوءِ الْعَوَارِضِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ عَلَى الْمَحَلِّ مُجَرَّدًا عَنِ التَّوَابِعِ وَالْإِضَافَاتِ؛ كَالْحُكْمِ بِإِبَاحَةِ الصَّيْدِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَسَنِّ النِّكَاحِ، وَنَدْبِ الصَّدَقَاتِ غَيْرَ الزَّكَاةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: الِاقْتِضَاءُ التَّبَعِيُّ، وَهُوَ الْوَاقِعُ عَلَى الْمَحَلِّ مَعَ اعْتِبَارِ التَّوَابِعِ وَالْإِضَافَاتِ؛ كَالْحُكْمِ بِإِبَاحَةِ النِّكَاحِ لِمَنْ لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، وَوُجُوبِهِ عَلَى مَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ، وَكَرَاهِيَةِ الصَّيْدِ لِمَنْ قَصَدَ فِيهِ اللَّهْوَ، وَكَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ حَضَرَهُ الطَّعَامُ أَوْ لِمَنْ يدافع2 الأخبثان، وبالجمة كُلُّ مَا اخْتَلَفَ حُكْمُهُ الْأَصْلِيُّ لِاقْتِرَانِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ. فَإِذَا تَبَيَّنَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ؛ فَهَلْ يَصِحُّ الاقتصار في الاستدلال على3 الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، أَمْ لَا بُدَّ من اعتبار التوابع والإضافات حتى يقيد4 دَلِيلُ الْإِطْلَاقِ بِالْأَدِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِاعْتِبَارِهَا؟ هَذَا مِمَّا فِيهِ نَظَرٌ وَتَفْصِيلٌ. فَلَا يَخْلُو أَنْ يَأْخُذَ الْمُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ عَلَى الْحُكْمِ مُفْرَدًا مُجَرَّدًا عَنِ اعتبار الواقع أو لا؛ فَإِنْ أَخَذَهُ مُجَرَّدًا صَحَّ الِاسْتِدْلَالُ، وَإِنَّ أَخَذَهُ5 بِقَيْدِ الْوُقُوعِ فَلَا يَصِحُّ6، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَأْخُوذَ بِقَيْدِ الْوُقُوعِ مَعْنَاهُ التَّنْزِيلُ عَلَى المناط

_ 1 سيقول في آخر المسألة: "وإذا اعتبرت الأقضية والفتاوى في القرآن والحديث؛ وجدتها على هذا الأصل"، يعني: فالمسالة تساعدك على تنزيل ما ورد فيها من ذلك على ما تعلمه من هذا الأصل. "د". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "ويدافعه". 3 في "د": "عن". 4 كذا في "ط"، وفي غيره: "يتقيد". 5 في الأصل: "يأخذه". 6 ليس كل ما اعتبر فيه الوقوع ينضم إليه توابع تخرجه عن الحكم الأصلي، وعليك بالنظر =

الْمُعَيَّنِ، وَتَعْيِينُ الْمَنَاطِ مُوجَبٌ -فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّوَازِلِ- إِلَى ضَمَائِمَ وَتَقْيِيدَاتٍ لَا يَشْعُرُ الْمُكَلَّفُ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّعْيِينِ، وَإِذَا لَمْ يَشْعُرْ بِهَا لَمْ يَلْزَمْ بَيَانُهَا؛ إِذْ لَيْسَ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ، بِخِلَافِ [مَا] 1 إِذَا اقْتَرَنَ الْمَنَاطُ بِأَمْرٍ مُحْتَاجٍ إِلَى اعْتِبَارِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ؛ فَلَا بُدَّ من اعتباره. فقول الله تعالى: {يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [النساء: 95] ، لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلًا كَانَتْ مُقَرِّرَةً لِحُكْمٍ أَصْلِيٍّ مُنَزَّلٍ عَلَى مَنَاطٍ [أَصْلِيٍّ] 1 مِنَ الْقُدْرَةِ وَإِمْكَانِ الامتثال وهو السابع؛ فلم يتنزل2 حُكْمُ أُولِي الضَّرَرِ، وَلَمَّا اشْتَبَهَ3 ذُو الضَّرَرِ ظَنَّ أَنَّ عُمُومَ نَفْيِ الِاسْتِوَاءِ، يَسْتَوِي4 فِيهِ ذُو الضَّرَرِ وَغَيْرُهُ، فَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلَ الرُّخْصَةَ؛ فَنَزَلَ: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَر} . وَلَمَّا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَنْ نُوقش الْحِسَابَ؛ عُذب" 5 بناء على

_ = في أمثلته السابقة لتعلم منها صحة هذا، وأيضا سيقول بعد: "مُوجَبٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّوَازِلِ إِلَى ضَمَائِمَ"؛ أي: إن هناك نوازل أيضا لا ضمائم لها، وعليه، فلو أخذ الدليل معتبرا فيه الواقع الذي لا ضمائم فيه، وجعل الدليل مفردًا؛ فهو صحيح لأنه لم يختلف حكمه عن الحكم الأصلي، ولم يقترن المناط بأمر محتاج إلى اعتباره كما قال؛ فإطلاقه عدم الصحة غير ظاهر، ألا ترى أن قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} نازل على المناط ملاحظ فيه الواقع المعتاد، وانظر قوله بعد: "فأما إن لم يكن ثم تعيين ... إلخ"، وقوله أيضا: "فإن سأل عن مناط غير معين ... إلخ". "د". 1 سقطت من "ط". 2 في "ط": "ولم ينزل". 3 في "ف": "ولما شبه"، قال: "ولعله: ولما اشتبه"، وفي "ط": "ولما تنبه". 4 هذا مبني على أن الآية بعد نزول الاستثناء أفادت أن ذوي الضرر يستوون مع المجاهدين، وليس كذلك؛ لأن الآية إنما تفيد أنهم خارجون عن هذه المقارنة، وأنهم أفضل فقط من القاعدين بغير عذر، وهذا ما فهمه ابن أم مكتوم السائل؛ فلذلك كان يذهب إلى الجهاد بعد ذلك ويقف في الصفوف. "د". 5 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب التفسير، باب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ، 8/ 697/ رقم 4939"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، 4/ 2204/ رقم 2876" عن عائشة رضي الله عنها، وهو قطعة من حديث.

تأصيل قاعدة أخروي، سَأَلَتْ عَائِشَةُ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الِانْشِقَاقِ: 8] ؛ لِأَنَّهُ يُشْكِلُ دُخُولُهُ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ؛ فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَرْضُ لَا الْحِسَابُ الْمُنَاقَشُ فِيهِ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَن أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ" 1 إِلَخْ؛ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةِ: هَلْ هِيَ الطَّبِيعِيَّةُ2 أَمْ لَا؟ فَأَخْبَرَهَا أَنْ "لَا" وَتَبَيَّنَ مَنَاطُ الْكَرَاهِيَةِ الْمُرَادَةِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [الْبَقَرَةِ: 238] تَنْزِيلًا عَلَى الْمَنَاطِ الْمُعْتَادِ، فَلَمَّا عُرِضَ مَنَاطٌ آخَرُ خَارِجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ الْمَرَضُ؛ بيَّنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ3 حِينَ جُحِش شِقُّه. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ" 4، ثُمَّ لَمَّا تعين

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الرقائق، باب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، 11/ 357/ رقم 6507"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، 4/ 2065/ رقم 2683" عن عبادة بن الصامت مرفوعا. 2 فهمت أنه من أحب الموت أحبه الله، ومن كره الموت كرهه الله، ومعلوم أن النفس بمقتضى الفطرة تكره الموت؛ فخافت وقالت: إنا لنكره الموت، قال: "ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته؛ فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته؛ فليس شيء أكره إليه مما أمامه؛ فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه". 3 فقد قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به ... " إلى أن قال: "وإذا قعد فاقعدوا، وصلى بهم قاعدا" الحديث متفق عليه، ومضى تخريجه "1/ 467، 523". قال "ف": "جحش: بالنباء للمجهول؛ أي: انخدش جلده، وفي الحديث أنه سقط من فرس فجحش شقه"، وقال "ماء": "جرح شقه". قلت: مضى تخريج سقوطه صلى الله عليه وسلم عن فرسه في "1/ 523". 4 أخرج البخاري في "صحيحه" كتاب الطلاق، باب اللعان، 9/ 439/ رقم 5304، وكتاب الأدب، باب فضل من يعول يتيما، 10/ 436/ رقم 6005" عن سهل بن سعد مرفوعا: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا". وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا.

مُنَاطٌ فِيهِ نَظَرٌ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ: "لَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ" 1. وَالْأَمْثِلَةُ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا تُحْصَى، وَاسْتِقْرَاؤُهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ هَذَا التَّفْصِيلِ، فَلَوْ فُرِضَ نُزُولُ حُكْمٍ عَامٍّ، ثُمَّ أَتَى كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ يَتَثَبَّتُ فِي مُقْتَضَى ذَلِكَ الْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ؛ لَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى وَفْقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، نَظِيرَ وَصِيَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ بِشَيْءٍ وَوَصِيَّتِهِ لِبَعْضٍ بِأَمْرٍ آخَرَ؛ كَمَا قَالَ: "قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" 2، وَقَالَ لآخر: "لا تغضب" 3، وكما قَبِلَ من

_ 1 أخرجه مسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، 3/ 1457-1458/ رقم 1826"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الوصايا، باب ما جاء في الدخول في الوصايا، رقم 2868"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الوصايا، باب النهي عن الولاية على مال اليتيم، 6/ 255"، والبيهقي في "الكبرى" "3/ 129 و6/ 283" عن أبي ذر. 2 أخرجه الترمذي في "الجامع" "أبواب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان، 4/ 607/ رقم 2410" -وقال: "هذا حديث حسن صحيح"- والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" "4/ 20"- وابن ماجه في "السنن" "كتاب الفتن، 2/ 1314/ رقم 3972"، وأحمد في "المسند" "3م 413 و4/ 384-385"، والدارمي في "السنن" "2/ 296"، والطبراني في "الكبير" "7/ 78/ رقم 6396"، وابن حبان في "الصحيح" "13/ 5/ رقم 5698، 5699"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "3/ 323/ رقم 1585"، وابن أبي الدنيا في "الصمت" "رقم 1، 6"، الخطيب في "التاريخ" "2/ 370 و9/ 234 و454" عن سفيان بن عبد الله الثقفي به، وهو صحيح. وأخرجه مسلم في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، 1/ 65/ رقم 38"، وأحمد في "المسند"3/ 413"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" "3/ 222/ رقم 1584"، والبغوي في "شرح السنة" "رقم 16"عن سفيان بن عبد الله الثقفي؛ قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: "قل آمنت بالله، ثم استقم". 3 أخرج البخاري في "الصحيح" "كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، 10/ 519 / رقم 6116" عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: "لا تغضب"، فردد مرارا؛ قال: "لا تغضب". وفي "مسند أحمد" "2/ 175" ما يدل على أن السائل هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وإسناده حسن.

بَعْضِهِمْ جَمِيعَ مَالِهِ1، وَمِنْ بَعْضِهِمْ شَطْرَهُ2، وَرَدَّ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا أَتَى بِهِ3 بَعْدَ تَحْرِيضِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَى سَائِرِ الْأَمْثَالِ. فَصْلٌ وَلِتَعَيُّنِ الْمَنَاطِ مَوَاضِعُ: - مِنْهَا: الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِتَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ، كَمَا إِذَا نَزَلَتْ آيَةٌ أَوْ جَاءَ حَدِيثٌ عَلَى سَبَبٍ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَأْتِي بِحَسَبِهِ، وَعَلَى وَفَاقِ الْبَيَانِ التَّمَامُ فِيهِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى4: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [فَتَابَ عَلَيْكُمْ] } الآية

_ 1 وهو أبو بكر رضي الله عنه كما ثبت عنه، ومضى تخريجه "ص70". 2 وهو عمر رضي الله عنه كما ثبت عنه، ومضى تخريجه "ص70". 3 كما حصل مع أبي لباباة وكعب بن مالك رضي الله عنهما، ومضى تخريج ذلك "ص70". 4 ليست الآيتان والحديثان من المناط الخاص المفروض فيه أنه يختلف حكمه عن العام بسبب طروء عوارض؛ حتى يكون من الاقتضاء التبعي الذي يخالف حكم الأصل، ويكون الحكم فيه مقصورا عليه بحسب هذه العوارض؛ فإن إباحة مباشرة النساء ليلة الصيام ليست قاصرة علىحالة من كان يختان نفسه، بل ذلك عام، وكذا إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ليست خاصة بمن يخافون عدم العدل في اليتامى، وكذا كون الأعمال بالنيات ليس قاصرا على مسألة الهجرة، وكذا الوعيد في عدم استيعاب الغسل للأعضاء ليس قاصرا على الأعقاب، كما قال المؤلف؛ فالأحكام فيها ليست قاصرة على المناط وهو السبب، بل حكمه حكم غيره، وسيأتي له أنهما إذا لم يختلفا؛ فالجواب إنما يقع بحسب المناط الخاص؛ فهذه الأمثلة منه، أما المناطات الخاصة المخالفة لحكم العام فقد ذكر أمثلتها قبل هذا الفصل؛ فلا يشتبه عليك المقام. "د".

[الْبَقَرَةِ: 187] ؛ إِذْ كَانَ نَاسٌ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ؛ فَجَاءَتِ الْآيَةُ تُبِيحُ لَهُمْ مَا كَانَ مَمْنُوعًا قَبْلُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ خِيَانَةً منهم لأنفسهم. وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ 1} الآية [النساء: 3] ؛ إِذْ نَزَلَتْ عِنْدَ وُجُودِ مَظِنَّةِ خَوْفِ أَنْ لَا يُقْسِطُوا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... " 2 الْحَدِيثَ، أَتَى فِيهِ بِتَمْثِيلِ الْهِجْرَةِ لَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَبُ، وَقَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" 3 مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْأَعْقَابِ يُسَاوِيهَا حُكْمًا، لَكِنَّهُ كَانَ السَّبَبُ فِي الْحَدِيثِ التقصير في الاستيعاب في غسل الرجلين، ومع ذَلِكَ كَثِيرٌ. - وَمِنْهَا: أَنْ يُتَوَهَّمَ بَعْضُ الْمَنَاطَاتِ دَاخِلًا فِي حُكْمٍ [عَامٍّ] ، أَوْ خَارِجًا عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ4؛ فَمِثَالُ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ؛ عذب" 5.

_ 1 ما بين المعقوفتين زيادة من الأصل و"ط". 2 أخرجه البخاري في "صحيحه" في مواطن كثيرة منها "كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، 1/ 91/ رقم 1"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات"، 3/ 1515/ رقم 1907" عن عمر رضي الله عنه. 3 وردت في هذا الباب أحاديث عديدة، سردها أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الطهور" "ص374-384" تحت "باب غسل القدمين ووجوب ذلك مع العقبين، رقم 371-381"، وقد خرجتها بتفصيل وإسهاب في التعليق عليه، ولله الحمد والمنة. ومما ورد في ذلك حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه البخاري في "الصحيح" "رقم 60، 69، 163"، ومسلم في "الصحيح" "1/ 214/ رقم 241" وغيرهما. 4 أي: فبين الشارع المناط، ويزيل اللبس. "د". 5 مضى تخريجه "ص293"، وهو في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها.

وَقَوْلُهُ: "مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ" 1. وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُصَلِّي: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ وقد جاء فيما نزل علي ّ: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [إِذَا دَعَاكُمْ] } الْآيَةَ [الْأَنْفَالِ: 24] ؟ " 2. أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ إِذْ كَانَ إِنَّمَا ثَبَتَ عَلَى صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ نَازِلَتَهُ الْمُعَيَّنَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا مَعْنَى الْآيَةِ. - وَمِنْهَا: أَنْ يَقَعَ اللَّفْظُ الْمُخَاطَبُ بِهِ مُجْمَلًا، بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الْمَقْصُودُ بِهِ ابْتِدَاءً؛ فَيَفْتَقِرُ الْمُكَلَّفُ عِنْدَ الْعَمَلِ إِلَى بَيَانِهِ، وَهَذَا الْإِجْمَالُ قَدْ يَقَعُ لِعَامَّةِ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَدْ يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؛ فَمِثَالُ الْعَامِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الْمُنَافِقُونَ: 10] ؛ فَإِنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمَقْصُودَ بِهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ؛ فَجَاءَتْ أَقْوَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفْعَالُهُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ. وَمِثَالُ الْخَاصِّ3 قِصَّةُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ4 فِي فهم الخيط الأبيض من

_ 1 مضى تخريجه "ص294" وهو في "الصحيحين" عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، هو تتمة قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ". 2 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ... } ، 8/ 307/ رقم 4647" عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه؛ قال: كنت أصلي، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني؛ فلم آتيه حتى صليت، ثم أتيته؛ فقال: "ما منعك أن تأتي؟ ألم يقل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ ... } ... ". وأخرجه أحمد في "المسند" "3/ 450 و4/ 211"، والنسائي في "المجتبى" "كتاب الافتتاح، باب تأويل قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} ، 2م 139"، وأبو داود في "السنن" "كتاب الصلاة، باب فاتحة الكتاب، 2/ 150/ رقم 1458"، وابن ماجه في "السنن" "كتاب الأدب، باب ثواب القرآن، 2/ 1244/ رقم 3785". 3 فإن الإجمال كان عنده خاصة، ولم يكن مجملا عند الصحابة في الآيتين. "د". 4 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ =

الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ؛ حَتَّى نَزَلَ بِسَبَبِهِ: {مِنَ الْفَجْر} [الْبَقَرَةِ: 187] . وَقِصَّتُهُ1 فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التَّوْبَةِ: 31] .

_ = لَكُمُ} ، 8/ 182/ رقم 4509"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، 2/ 766-767/ رقم 1090" عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] ؛ قال له عدي ين حاتم: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار". لفظ مسلم. وأخرج البخاري في "صحيحه" "رقم 4511"، ومسلم في "صحيحه" "رقم 1091" عن سهل بن سعد؛ قال: أنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ، ولم ينزل: {مِنَ الْفَجْرِ} ، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما؛ فأنزل الله بعده: {مِنَ الْفَجْرِ} ؛ فعلموا أنما يعني الليل من النهار. 1 أخرج الترمذي في "الجامع" "أبواب التفسير، باب سورة التوبة، 5/ 278/ رقم 3059"، وابن جرير في "التفسير" "10/ 81"، والطبراني في "الكبير" "17/ 92/ رقم 218"، والواحدي في "الوسيط" "2/ 490-491"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "10/ 116" و"المدخل" "رقم 261"، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه -كما في "الدر المنثور" "2/ 230"- المزي في "تهذيب الكمال" "ق1090" من طرق عن عدي بن حاتم؛ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي! اطرح عنك هذ الوثن"، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قال: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه". قال الترمذي عقبه: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث". وقال المناوي في "الفتح السماوي" "1/ 365" في تخريجه: "أخرجه الترمذي وحسنه"، ولم يحسنه الترمذي. وانظر: "تحفة الأشراف" "7/ 284"، =

وَقِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ1 فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، إِلَى أَمْثَالٍ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرَةٍ. فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ وَأَشْبَاهُهَا مِمَّا يَقْتَضِي تَعْيِينَ الْمَنَاطِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَخْذِ الدَّلِيلِ عَلَى وَفْقِ الْوَاقِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ نَازِلَةٍ. فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَعْيِينٌ2؛ فَيَصِحُّ أَخْذُهُ عَلَى وَفْقِ الْوَاقِعِ مَفْرُوضِ الْوُقُوعِ، وَيَصِحُّ إِفْرَادُهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ فَلَا

_ = و"العارضة" "11/ 246". قلت: غضيف ضعيف، ضعفه الدارقطني. انظر: "الضعفاء والمتروكين" "رقم 430"، و"اللسان" "4/ 240". وللحديث شاهد أخرجه عبد الرزاق في "التفسير" "2/ 272"، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "السنن" "10/ 116"عن حذيفة موقوفا، وله حكم الرفع؛ كما هو مقرر في علم المصطلح، وله شاهد آخر جيد من حديث أبي العالية أخرجه ابن جرير في "التفسير" "10/ 81". فالحديث حسن بطرقه المتعددة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه" الإيمان" "64"، وعزاه ابن كثير في "التفسير" "2/ 348" للإمام أحمد من حديث عدي، ولم أظفر به في "مسنده" "4/ 256، 377" "مسند عدي". 1 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، 9/ 351/ رقم 5252"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها، 2/ 1093" عن ابن عمر؛ أنه طلق أمرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس؛ فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يُطلق لها النساء". لفظ مسلم. 2 وفي هذه الحالة لا يظهر فرق بين الأخذين؛ لأن فرض الوقوع المعتاد لا يغير شيئا. "د".

بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ تَوَابِعِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: لَا يَصِحُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَمْرٍ كَيْفَ1 يَحْصُلُ فِي الْوَاقِعِ إِلَّا أَنْ يُجِيبَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ، فَإِنْ أَجَابَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَنَاطِ الْمَسْئُولِ عَنْ حُكْمِهِ، لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَنَاطٍ مُعَيَّنٍ؛ فَأَجَابَ عَنْ مَنَاطٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. لَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُعَيَّنَ يَتَنَاوَلُهُ الْمَنَاطُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ عَامٍّ، أَوْ مُقَيِّدٌ مِنْ مُطْلَقٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْفَرْضُ هَكَذَا2، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى مَنَاطٍ خَاصٍّ يَخْتَلِفُ مَعَ الْعَامِّ لِطُرُوءِ عَوَارِضَ كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، فَإِنْ فُرِضَ عَدَمُ اخْتِلَافِهِمَا؛ فَالْجَوَابُ إِنَّمَا يَقَعُ بِحَسَبِ الْمَنَاطِ الْخَاصِّ. وَمَا مِثْلُ هَذَا إِلَّا مِثْلُ مَنْ سَأَلَ: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الدِّرْهَمِ3 مِنْ سِكَّةِ كَذَا بِدِرْهَمٍ3 فِي وَزْنِهِ مِنْ سِكَّةٍ أُخْرَى، أَوِ الْمَسْكُوكِ بِغَيْرِ الْمَسْكُوكِ وَهُوَ فِي وَزْنِهِ؟ فَأَجَابَهُ الْمَسْئُولُ بِأَنَّ الدِّرْهَمَ3 بِالدِّرْهَمِ3 سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ؛ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ4 لَهُ جَوَابُ مَسْأَلَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ؛ إذ له أن يقول: فهل

_ 1 أي: عن أمر له كيفية وتوابع خاصة في وقوعه، بحيث يكون مما له مناط معين. "د". 2 أي: ليس الفرض الذي نحكم فيه بالخطأ إذا لم يلاحظه في الجواب هكذا؛ اي: أي مناط خاص كائنا ما كان. "د". 3 في "ط": "الدراهم"بالجمع في الموطنين. 4 أما بالنسبة إلى الجزء الأول من السؤال؛ فإنه جواب بالعام في موضع يتعين فيه الخاص لأن قوله: "فمن زاد ... إلخ" يحتمل زاد في عدد الدراهم مع تساويها في الوزن ولو كانا من سكتين، ويحتمل أن يفهم أن اختلاف السكتين لا يقال فيه الدرهم بالدرهم؛ لأنه نوع آخر، وعلى هذين الاحتمالين لا يكون الجواب صحيحا لأنه قد يفهم منه أن اختلاف السكة أو العدد مع اتحاد الوزن يكون ربا، ويحتمل أن يكون المراد الزيادة في الوزن؛ فيكون الجواب صحيحا، ومع بقاء هذه الاحتمالات يكون الجواب غير مطابق للسؤال ولا يفيد لأنه يبقى أن يقول: ومسألتنا ما حكمها؟ وأما بالنسبة إلى الجزء الثاني؛ فهو جواب بالمباين لأن المسئول عنه غير داخل في الجواب؛ إذ غير المسكوك لا يعد درهما، فلو حذفه كان أولى، وقوله: "لكان مصيبا" يقال عليه: إن الجواب حينئذ يكون أخص من السؤال؛ لأن الدرهم أخص من مطلق الفضة، هذا إذا كان الدرهم ما هو المعروف أنه المسكوك من الفضة للتعامل به، فإذا كان المراد بالدرهم نوعا من الصنج؛ فلا يناسب كلامه. "د".

مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ قَبِيلِ الرِّبَا، أَمْ لَا؟ أَمَّا لَوْ سَأَلَهُ: هَلْ يَجُوزُ الدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ وَهُوَ فِي وَزْنِهِ وَسِكَّتِهِ وَطِيبِهِ؟ فَأَجَابَهُ كَذَلِكَ؛ لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ، لَكِنْ بِالْعَرَضِ لِعِلْمِ السَّائِلِ بِأَنَّ الدِّرْهَمَيْنِ مِثْلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَإِذَا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ فَأَجَابَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ؛ لَكَانَ مُصِيبًا، لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى مَنَاطٍ مُطْلَقٍ، فَأَجَابَهُ بِمُقْتَضَى الْأَصْلِ، وَلَوْ فَصَّلَ لَهُ الْأَمْرَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ لَجَازَ، وَيُحْتَمَلُ فَرْضُ صُوَرٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ شَأْنُ الْمُصَنِّفِينَ أَهْلِ التَّفْرِيعِ وَالْبَسْطِ لِلْمَسَائِلِ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ عَظُمَتْ أَجْرَامُ الدَّوَاوِينِ، وَكَثُرَتْ أَعْدَادُ الْمَسَائِلِ؛ غَيْرَ أَنَّ الْحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أَنْ يُجَابَ السَّائِلُ عَلَى حَدِّ سُؤَالِهِ، فَإِنْ سَأَلَ عَنْ مَنَاطٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ أُجِيبَ عَلَى وَفْقِ الِاقْتِضَاءِ الْأَصْلِيِّ، وَإِنْ سَأَلَ عَنْ مُعَيَّنٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِهِ فِي الْوَاقِعِ إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَقْضِيَةَ وَالْفَتَاوَى الْمَوْجُودَةَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَجَدَهَا عَلَى وَفْقِ هَذَا الْأَصْلِ، وبالله التوفيق.

النظر الثاني: في عوارض الأدلة

النظر الثاني: في عوارض الأدلة الفصل الأول: في الإحكام والتشابه ... النَّظَرُ الثَّانِي: فِي عَوَارِضِ الْأَدِلَّةِ [فَيَنْحَصِرُ الْقَوْلُ فيه في خمسة فصول] 1 الفصل الْأَوَّلُ: فِي الْإِحْكَامِ وَالتَّشَابُهِ وَلَهُ مَسَائِلُ: [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى] 2 الْمُحْكَمُ يُطْلَقُ بِإِطْلَاقَيْنِ: عَامٍّ، وَخَاصٍّ، فَأَمَّا الْخَاصُّ؛ فَالَّذِي يُرَادُ بِهِ خِلَافُ الْمَنْسُوخِ، وَهِيَ عِبَارَةُ عُلَمَاءِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ نَاسِخًا أَمْ لَا؛ فَيَقُولُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، وَأَمَّا الْعَامُّ؛ فَالَّذِي يَعْنِي بِهِ الْبَيِّنَ الْوَاضِحَ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِهِ3؛ فَالْمُتَشَابِهُ بِالْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ هُوَ الْمَنْسُوخُ، وَبِالْإِطْلَاقِ الثَّانِي الَّذِي لَا يُتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ لَفْظِهِ، كَانَ مِمَّا يُدْرَكُ مِثْلُهُ بِالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ أَمْ لَا، وَعَلَى هَذَا الثَّانِي مَدَارِكُ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ فِي بَيَانِ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] } [آلِ عِمْرَانَ: 7] . وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْمُتَشَابِهِ وَالْمُحْكَمِ بِالْمَعْنَى [الثاني] 4 ما نبه عليه الحديث

_ 1 مكانه بياض في الأصل. 2 مكانه بياض في الأصل. 3 فهو كالمفسر في أحد استعماليه عند الأصوليين. انظر: "الحدود" "ص46، 47"، للباجي، و"تفسير القرطبي" "4/ 11"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 59-63 و13/ 143، 274، 275 و17/ 307 وما بعدها". 4 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ" 1؛ فَالْبَيِّنُ هُوَ الْمُحْكَمُ، وَإِنْ كَانَتْ وُجُوهُ التَّشَابُهِ تَخْتَلِفُ2 بِحَسَبِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ؛ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى فَهْمِ3 الْمُخَاطَبِ، وَإِذَا تُؤُمِّلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ وُجِدَ الْمَنْسُوخُ وَالْمُجْمَلُ وَالظَّاهِرُ وَالْعَامُّ وَالْمُطْلَقُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ مُبَيِّنَاتِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ، كَمَا أَنَّ النَّاسِخَ وَمَا ثَبَتَ حُكْمُهُ وَالْمُبَيَّنُ وَالْمُؤَوَّلُ وَالْمُخَصَّصُ وَالْمُقَيَّدُ دَاخِلَةٌ4 تَحْتَ مَعْنَى المحكم.

_ 1 أخرجه البخاري في "الصحيح" "كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، 1/ 126/ رقم 52، وكتاب البيوع، باب الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، 4/ 290/ رقم 2051"، ومسلم في "الصحيح" "كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، 3/ 1219-1220/ رقم 1599" عن النعمان بن بشير رضي الله عنه. 2 سيأتي أن الآية في التشابه الحقيقي صراحة، وظاهر أن الحديث في التشابه الإضافي، وقد يندرج فيه أيضا التشابه الواقع في المناط. "د". 3 أي: فكل منهما لا يتبين المراد به من لفظه عند المخاطب. "د". 4 أي: بعد معرفة أنه الناسخ ... إلخ، فإنه صار واضحا لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره. "د".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 1: التَّشَابُهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، لَكِنَّ النَّظَرَ فِي مِقْدَارِ الْوَاقِعِ مِنْهُ: [هَلْ هُوَ] 2 قَلِيلٌ أَمْ كَثِيرٌ؟ وَالثَّابِتُ مِنْ ذَلِكَ الْقِلَّةُ لَا الْكَثْرَةُ؛ لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: النَّصُّ الصَّرِيحُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ؛ فَقَوْلُهُ فِي الْمُحْكَمَاتِ: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} يَدُلُّ أَنَّهَا المعظم والجمهور، وأم الشيء معظمه وعامه، كما قالوا: "أم الطريق" بمعنى معظمه، و"أم الدِّمَاغِ" بِمَعْنَى الْجِلْدَةِ الْحَاوِيَةِ لَهُ الْجَامِعَةِ لِأَجْزَائِهِ ونواحيه، و"الأم" أَيْضًا الْأَصْلُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَكَّةَ: "أُمُّ الْقُرَى"؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحيت مِنْ تَحْتِهَا، وَالْمَعْنَى يَرْجِعُ3 إِلَى الْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا القليل.

_ 1 لهذه المسألة والتي تليها فوائد كثيرة؛ فالغاية منها اطمئنان القلب بالقرآن، وحينئذ تسد أبواب الاحتمالات الباطلة المتناقضة حوله؛ فللمفسر أن يرد الكلام إلى أصله الأول، ويبين حكمه صرفه عن الأصل، وعليه أن يعلم الأصول الراسخة ولا يعول على غيرها، ويذكرها بقدر الحاجة، وكذلك ربما يكون التأويل الواضح الصحيح خفيا بعيدا عن الناس؛ إما لتمكن خطأ منهم، أو لعدم علمهم ببعض ما يتوقف عليه التأويل؛ فيضطر المفسر إلى دفع هذه الأمور وهو كاره، فإنه يشمئز عن ذكر الحماقات، ولكنه إن تركها لم يحسم جراثيم الباطل! مع أن ذلك متعب ومضيع للوقت؛ فإن أبواب الجهل والكذب لا تحصى. 2 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 3 لا يظهر رجوعه للأول الذي هو المعظم؛ لأن المعنى الثاني يرجع إلى أنه المنشأ الذي تفرع عليه غيره كما يؤخذ من التمثيل بأم القرى، وتعليلها بأن الأرض دحيت من تحتها، ولا يخفى أن الفرع قد يكون أكثر من الأصل، ولو قال: "والأم أيضا الأصل والعماد" كما في "القاموس"؛ لظهر رجوعه للأول، فإن الذي عليه المعتمد والمعول هو معظم الشيء وجمهوره، والنادر لا حكم له. "د".

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَوْ كَانَ كَثِيرًا لَكَانَ الِالْتِبَاسُ وَالْإِشْكَالُ كَثِيرًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ أَنَّهُ بَيَانٌ وَهُدًى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 138] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِين} [الْبَقَرَةِ: 2] . {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ 1 لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النَّحْلِ: 44] . وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيَرْفَعَ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُشْكَلُ الْمُلْتَبِسُ إِنَّمَا هُوَ إِشْكَالٌ2 وَحَيْرَةٌ لَا بَيَانٌ وَهُدًى، لَكِنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا هِيَ بَيَانٌ وَهُدًى؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكَثِيرٍ، وَلَوْلَا أَنَّ الدَّلِيلَ أَثْبَتَ أَنَّ فِيهِ مُتَشَابِهًا؛ لَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِهِ، لَكِنَّ مَا جَاءَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ3 بِالْمُكَلَّفِينَ حُكْمٌ مِنْ جِهَتِهِ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَإِقْرَارُهُ كَمَا جَاءَ، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَالثَّالِثُ: الِاسْتِقْرَاءُ؛ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ إِذَا نَظَرَ فِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ جَرَتْ لَهُ عَلَى قَانُونِ النَّظَرِ، وَاتَّسَقَتْ أَحْكَامُهَا، وَانْتَظَمَتْ أَطْرَافُهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هُودٍ: 1] . وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يُونُسَ: 1] . وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزُّمَرِ: 23] ، يَعْنِي: يشبه بضعه بَعْضًا، وَيُصَدِّقُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ وَآخِرُهُ أَوَّلَهُ، أَعْنِي: أوله وآخره في النزول.

_ 1 يقتضي الاستدلال أن معنى "لتبين"؛ أي: به، فيكون بينا، ويؤكد أن غرضه ذلك سابق الكلام ولاحقه، وهو خلاف ما فسرت به الآية من أنه بيان السنة للقرآن. "د". 2 في "ف": "إشكالا"، قال: "المناسب إنما هو إشكال وخيرة لا بيان وهدى، أو إنما هو ورد إشكالا ... إلخ". 3 لعله: "لم يتعلق"، والجملة خبر، والمبتدأ قبله. "ف".

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الْمُتَشَابِهُ قَلِيلًا؟ وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فُسِّرَ بِهِ آنِفًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَالْمُجْمَلِ وَالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُؤَوَّلِ1 كَثِيرٌ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ يَحْتَوِي عَلَى تَفَاصِيلَ كَثِيرَةٍ، وَيَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرُ الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَيْثُ قَالَ: "لَا عَامَّ إِلَّا مُخَصَّصٌ؛ إلا قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الْبَقَرَةِ: 282] "2. وَإِذَا نَظَرَ الْمُتَأَمِّلُ إِلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ عَلَى التَّفْصِيلِ مَعَ قَوَاعِدِهَا الْكُلِّيَّةِ أُلْفِيَتْ لَا تَجْرِي عَلَى مَعْهُودِ الِاطِّرَادِ؛ فَالْوَاجِبَاتُ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ أُوجِبَتْ عَلَى حُكْمِ الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ جَاءَتِ الْحَاجِيَّاتُ وَالتَّكْمِيلِيَّاتُ وَالتَّحْسِينِيَّاتُ فَقَيَّدَتْهَا عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى وَأَنْحَاءٍ لَا تَنْحَصِرُ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا ذُكِرَ مَعَ الْعَامِّ. ثُمَّ إِنَّكَ لَا تَجِدَ الْمَسَائِلَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا اخْتُلِفَ فِيهِ إِلَّا الْقَلِيلَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، وَأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ غَيْرُ وَاضِحٍ؛ لِأَنَّ مَثَارَ الِاخْتِلَافِ إِنَّمَا هُوَ التَّشَابُهُ يَقَعُ فِي مَنَاطِهِ، وَإِلَى هَذَا؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا فِي التَّكْلِيفِ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ أَوَّلًا فِي مَعْنَاهُ3، ثُمَّ في

_ 1 أي: قبل معرفة ما يقتضي تأويله، وإلا؛ فبعدها يكون محكما. "د". وقال "ف": "سبق إدخاله في المحكم؛ فتأمل". 2 لم أظفر به، وهو من كلام الأصوليين، وليس بمسلم لهم؛ كما تراه في "إجابة السائل" "ص309 وما بعدها"، بل قال عنه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "6/ 442": "من أكذب الكلام وأفسده"، وفي "6/ 444": "في غاية الجهل، وإما في غاية التقصير في العبارة"، ولذا شكك المصنف في ثبوت هذا الأثر عن ابن عباس، انظر "ص312، 4/ 48". 3 أي: هل هو اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء، أم هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به؟ وقوله: "في صيغته"؛ أي: هل له صيغة تخصه أم لا؟ وقوله: "فيما تقتضيه"؛ أي: الوجوب، أم الندب، أم الأمر المشترك، وهل تقتضي التكرار أم لا تقتضيه، وهل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، والنهي عنه يقتضي الأمر بضده أم لا؟ "د".

صِيغَتِهِ، ثُمَّ إِذَا تَعَيَّنَتْ لَهُ صِيغَةُ "افْعَلْ" أَوْ "لَا تَفْعَلْ" فَاخْتُلِفَ فِي مَاذَا تَقْتَضِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَكُلُّ مَا يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مِنْ فَرْعٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ أَوْ مختلف فيه مختلف1 فيه أيضا، إلا أن يثبت فيه تعينه2 إِلَى جِهَةٍ بِإِجْمَاعٍ، وَمَا أَعَزَّ ذَلِكَ؟ وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الَّتِي يَتَلَقَّى مَعْنَاهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ لَا تَتَخَلَّصُ إِلَّا أَنْ تَسْلَمَ [مِنَ] 3 الْقَوَادِحِ الْعَشْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ عَسِيرٌ جِدًّا، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ؛ فَمُتَنَازَعٌ فِيهِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِذَا ثَبَتَ؛ فَفِي ثُبُوتِ كَوْنِهِ حُجَّةً بِاتِّفَاقِ شُرُوطٍ4 كَثِيرَةٍ جِدًّا، إِذَا تَخَلَّفَ مِنْهَا شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً أَوِ اخْتُلِفَ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّ الْعُمُومَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ابْتِدَاءً؛ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ5 مَوْجُودَةٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُودِهَا؛ فَلَا يُعْمَلُ مِنْهَا مَا يُعْمَلُ إِلَّا بِشُرُوطٍ تُشْتَرَطُ، وَأَوْصَافٍ تُعْتَبَرُ، وَإِلَّا؛ لَمْ يُعْتَبَرْ، أَوِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُطْلَقُ مَعَ مُقَيِّدِهِ، وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ الْأَدِلَّةِ غَيْرَ نُصُوصٍ بَلْ مُحْتَمِلَةً لِلتَّأْوِيلِ؛ لَمْ يَسْتَقِرَّ مِنْهَا لِلنَّاظِرِ دليل يسلم بإطلاق.

_ 1 أي: حقيقة أو حكما، حيث بنى على مختلف فيه. "د". قلت: في الأصل: "مختلفا". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "إلى أن يثبت تعيينه". 3 ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 4 فاشترط بعضهم فيه انقراض العصر، وبعضهم أن يكون المجمعون عدد التواتر، وهل لا بد له من مستند أم لا، وهل يجوز أن يكون مستنده القياس أم لا؟ وهكذا. "د". قلت: انظر ذلك في مبحث الإجماع في كتب الأصول، منها: "المحصول" "4/ 17 وما بعدها"، و"البحر المحيط" "4/ 511 وما بعدها" للزركشي، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "7/ 38-39، 19/ 167-168"، و"المسودة في أصول الفقه" "ص316، 320 وما بعدها"، و"روضة الناظر" "2/ 450- ط الرشد"، و"المستصفى" "1/ 182"، و"الإحكام" "1/ 226" للآمدي، و"شرح تنقيح الفصول" "241". 5 أي: هل الألفاظ والصيغ التي قيل إنها للعموم؛ كمن، والذي، والنكرة في سياق النفي، وهكذا؛ هل هي موضوعة للعموم، أم هي للخصوص، أم نقول بالوقف؟

ثُمَّ أَخْبَارُ الْآحَادِ هِيَ عُمْدَةُ الشَّرِيعَةِ، وَهَى أَكْثَرُ الْأَدِلَّةِ، وَيَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْأَسَانِيدِ ضَعْفٌ؛ حَتَّى إِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهَا حُجَّةً أَمْ لَا، وَإِذَا كَانَتْ حُجَّةً؛ فَلَهَا شُرُوطٌ أَيْضًا إِنِ اخْتَلَّتْ لَمْ تَعْمَلْ أَوِ اخْتُلِفَ فِي إِعْمَالِهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا يُقْتَنَصُ1 مِنْهُ الْأَحْكَامُ "الْمَفْهُومُ"، وَكُلُّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ فَلَا مَسْأَلَةَ تَتَفَرَّعُ عَنْهُ مُتَّفَقًا2 عَلَيْهِ. ثُمَّ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْقِيَاسِ أَتَى الْوَادِي بِطَمِّهِ3 عَلَى الْقُرَى بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ أَوَّلًا، ثُمَّ فِي أَصْنَافِهِ، ثُمَّ فِي مَسَالِكِ عِلَلِهِ، ثُمَّ فِي شُرُوطِ صِحَّتِهِ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ يَسْلَمَ عن4 خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ اعْتِرَاضًا، وَمَا أَبْعَدَ هَذَا مِنَ التَّخَلُّصِ حَتَّى يَصِيرَ مُقْتَضَاهُ حُكْمًا ظَاهِرًا جَلِيًّا. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ كُلَّ اسْتِدْلَالٍ شَرْعِيٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا شَرْعِيَّةٌ، وَفِيهَا مِنَ النَّظَرِ مَا فِيهَا. وَمُقَدِّمَةٌ نَظَرِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَلَيْسَ كل مناط معلوما بالضرورة، وبل الْغَالِبُ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ؛ فَقَدْ صَارَ غَالِبُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ نَظَرِيَّةً، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ الْمَسَائِلَ النَّظَرِيَّةَ الْعَقْلِيَّةَ لَا يُمْكِنُ الِاتِّفَاقُ فِيهَا عَادَةً، وَهُوَ رَأْيُ الْقَاضِي أَيْضًا، وَالنَّظَرِيَّةُ غَيْرُ الْعَقْلِيَّةِ الْمَحْضَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِيهَا؛ فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ5 لَا دَلِيلَ فِيهِ، أَمَّا الْمُتَشَابِهُ بِحَسَبِ التَّفْسِيرِ المذكور

_ 1 ف "ط": "يقتص". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "منه متفق". 3 يقال: طم السيل القرى؛ علاها وغلب عليها. "ف". 4 في "د": "من". 5 الوجوه التي ذكرها ترجع إلى وجهين فقط، فصل ثانيهما بثمانية مسالك للاختلاف، وقوله: "بحسب التفسير المذكور"؛ أي: وهو الذي لا يتبين معناه من لفظه، بل يحتاج إلى غيره، يعني: وأما على ما سيأتي في المسألة الثالثة في معنى المتشابه الحقيقي؛ فلا تدخل تلك الأنواع، وهذا الجواب خاص بالوجه الأول من وجهي الإشكال، وسيأتي جواب الثاني في المسألة التالية حيث يقول: "وأما مسائل الخلاف وإن كثرت ... إلخ". "د".

وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ كُلِّهَا الَّتِي مَدَارُ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهَا؛ فَلَا تَشَابُهَ فِيهَا بِحَسَبِ الواقع إذ هي قد فسرت، فالعموم1 الْمُرَادِ بِهِ الْخُصُوصُ قَدْ نُصِبَ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ، وَبُيِّنَ الْمُرَادُ بِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: "لَا عَامَّ إِلَّا مُخَصَّصٌ"2؛ فَأَيُّ تَشَابُهٍ فِيهِ وَقَدْ حَصَلَ بَيَانُهُ؟ وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْأَنْوَاعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَشَابِهًا عِنْدَ عَدَمِ بَيَانِهِ، وَالْبُرْهَانُ قَائِمٌ عَلَى الْبَيَانِ وَأَنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ قَبْلَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْتَصِرُ ذُو الِاجْتِهَادِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ مَثَلًا حَتَّى يَبْحَثَ عَنْ مُخَصِّصِهِ، وَعَلَى الْمُطْلَقِ حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ له مقيد أم لا؛ إذ كَانَ حَقِيقَةُ الْبَيَانِ3 مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا؛ فَالْعَامُّ مَعَ خَاصِّهِ هُوَ الدَّلِيلُ، فَإِنْ فُقِدَ الْخَاصُّ؛ صَارَ الْعَامُّ مَعَ إِرَادَةِ4 الْخُصُوصِ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَشَابِهِ، وَصَارَ ارْتِفَاعُهُ5 زَيْغًا وَانْحِرَافًا عَنِ الصواب.

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "بالعموم". 2 في صحته عن ابن عباس نظر، ولم أظفر به مسندا عنه، وانظر ما علقناه على "ص309". 3 الأنسب حذف كلمة مع "ف". 4 أي: وهذا غير موجود في الشريعة؛ فلا عام أريد به الخصوص وفقد فيه مخصصه، بل لا بد من قيام دليل الخصوص. "د". 5 أي: إهمال المخصص وعدم الأخذ به مع وجوده في الشريعة؛ لأن الدليل الشرعي هو مجموع العام ومخصصه؛ فالأخذ بالعام وحده زيغ. "د". قلت: قال المصنف في "الاعتصام" "1/ 245-246": "من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، وبالعمومات من غير تأمل: هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس، بأن يكون النص مقيدا فيطلق، أو خاصا فيعم بالرأي من غير دليل سواه؛ فإن هذا المسلك رمي في عماية، واتباع للهوى في الدليل، وذلك أن المطلق المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيد، فإذا قيد؛ صار واضحا".

وَلِأَجْلِ ذَلِكَ عُدَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ؛ حَيْثُ اتَّبَعُوا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} [فُصِّلَتْ: 40] . وَقَوْلِهِ: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الْكَهْفِ: 29] . وَتَرَكُوا مُبَيِّنَهُ وَهُوَ1 [قَوْلُهُ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [التَّكْوِيرِ: 29] ، وَاتَّبَعَ الْخَوَارِجُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه} [يُوسُفَ: 40] ، وَتَرَكُوا مُبَيِّنَهُ وَهُوَ] قَوْلُهُ: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا} [الْمَائِدَةِ: 95] . وَقَوْلِهِ: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النِّسَاءِ: 35] . وَاتَّبَعَ الْجَبْرِيَّةُ نَحْوَ قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافَّاتِ: 96] , وَتَرَكُوا بَيَانَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التَّوْبَةِ: 82 وَ95] وَمَا أَشْبَهَهُ. وَهَكَذَا سَائِرُ مَنِ اتَّبَعَ هَذِهِ الْأَطْرَافَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِيمَا وَرَاءَهَا، وَلَوْ جمعوا

_ 1 غير مفهوم أن تكون الآيتان في التحكيم بيانا لآيتي نسبة الفعل للخلق مربوطا بمشيئتهم، وفي "الاعتصام [1/ 303 - ط ابن عفان] في نفس هذا الموضوع أن الآيتين في التحكيم يردان على الخوارج في إنكارهم التحكيم على علي رضي الله عنه، استدلالا منهم بآية: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه} ، أما آيتا نسبة الفعل؛ ففي تهذيب الكلام أن مما يرد على المعتزلة في ذلك آية: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ، وعليه؛ فيتعين أن يكون قد سقط من الكلام. 1- الآية التي بينت آيتي نسبة الفعل. و2- رأي الخوارج، و3- استدلالهم بآية {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه} . فتكون آيتا التحكيم المذكورتان في الكتاب مبينتين لما في هذه الآية الأخيرة، وسيأتي في المسألة الثامنة من الطرف الثاني من الأدلة ما يؤيد ما كتبناه هنا، وسيأتي أيضا في المسألة الثالثة من فصل الأحكام والنسخ ما لو انضم إلى هذا عين الجمل الساقطة هنا، وانظر قوله في المسألة بعد هذه: "ومن أمثلة هذا القسم ما تقدم آنفا للمعتزلة الخوارج وغيرهم"، مع أن النسخة هنا ليس فيها ذكر الخوارج. "د". قلت: وانفردت "ط" بذكرهم، وما بين المعقوفتين منها فقط.

بَيْنَ ذَلِكَ وَوَصَلُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ؛ لَوَصَلُوا إِلَى الْمَقْصُودِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَالْبَيَانُ مُقْتَرِنٌ بِالْمُبَيَّنِ، فَإِذَا أُخِذَ الْمُبَيَّنُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ؛ صَارَ مُتَشَابِهًا وَلَيْسَ بِمُتَشَابِهٍ فِي نَفْسِهِ شَرْعًا، بَلِ الزَّائِغُونَ أَدْخَلُوا فِيهِ التَّشَابُهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ فَضَلُّوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَبَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى يَتَقَرَّرُ بِفَرْضِ قَاعِدَةٍ، وَهِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ الْوَاقِعَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ1: أَحَدُهُمَا حَقِيقِيٌّ. وَالْآخَرُ إِضَافِيٌّ. وَهَذَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِهَا نَفْسِهَا، وَثَمَّ ضَرْبٌ آخَرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَنَاطِ الَّذِي تَتَنَزَّلُ2 عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ. فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، وَمَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لَنَا سَبِيلٌ إِلَى فَهْمِ مَعْنَاهُ، وَلَا نُصِبَ لَنَا دَلِيلٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، فَإِذَا نَظَرَ الْمُجْتَهِدُ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَتَقَصَّاهَا وَجَمَعَ أَطْرَافَهَا؛ لَمْ يَجِدْ فِيهَا مَا يُحكم لَهُ مَعْنَاهُ، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهِ وَمَغْزَاهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ قَلِيلٌ لَا كَثِيرٌ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ السَّابِقَةُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ سِوَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي فَصْلِ الْبَيَانِ وَالْإِجْمَالِ، وَفِي نَحْوٍ مِنْ هَذَا نَزَلَتْ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] ، حِينَ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ3.

_ 1 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 143-147 و17/ 307-308، 372-373، 380، 418-426"، و"الاعتصام" "1/ 221"، و"إيثار الحق" "ص93-101"، و"الفقيه والمتفقه" "1/ 62-63"، و"التكميل في أصول التأويل" للفراهي "ص23-29"، و"التيسير في قواعد علم التفسير" "ص195 وما بعدها" للكافيجي. 2 في "ط": "تنزل". 3 أخرجه ابن جرير في "التفسير" "3/ 177" بإسناد ضعيف، وضعفه ابن حجر في "الفتح" "8/ 210"؛ إذ ذكر قولا آخر في سبب نزولها ورجحه. وأورد الزمخشري في "الكشاف" نحوه، وقال الزيلعي في "تخريجه" "1/ 369": "عزاه الواحدي في "أسباب النزول" للكلبي". وانظر ما مضى "ص211". وانظر الثابت عنه -صلى الله عليه وسلم- في وفد نجران في "تاريخ المدينة" لابن شبة "2/ 580 وما بعدها". وما بين المعقوفتين سقط من "ط".

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ1 بَعْدَ مَا ذَكَرَ مِنْهُمْ جُمْلَةً وَوَصَفَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَهُمْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ مَعَ اخْتِلَافٍ مِنْ أَمْرِهِمْ -يُرِيدُ فِي شَأْنِ عِيسَى-: "يَقُولُونَ: هُوَ اللَّهُ؛ لأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطير ثم ينفخ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ بِشَيْءٍ لَمْ يَصْنَعْهُ وَلَدُ2 آدَمَ قَبْلَهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ فَعَلْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا، وَلَوْ3 كَانَ وَاحِدًا؛ لَمَا قَالَ إِلَّا فعلتُ وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمَ". قَالَ: "فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ4 قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، يَعْنِي صَدْرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آلِ عِمْرَانَ: 64] ؛ فَفِي الْحِكَايَةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ أَنَّهُمْ5 مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَاسُوهُ بِالْعَبِيدِ؛ فَنَسَبُوا لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ، وَأَثْبَتُوا لِلْمَخْلُوقِ ما لا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْخَالِقِ، وَنَفَوْا عَنِ الْخَالِقِ الْقُدْرَةَ عَلَى خَلْقِ إِنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَتَنْزِيهَهُ عَمَّا لا يليق به فيم يَفْعَلُوا، بَلْ حَكَمُوا عَلَى الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ بِمُقْتَضَى

_ 1 في "سيرته" "2/ 164 - مع "سيرة ابن هشام - ط دار الخير". 2 في "سيرة ابن هشام": " ... يصنعه أحد من ولد ... ". 3 في "ط": "فيقولون: لو ... ". 4 في "سيرة ابن هشام": "من قولهم". 5 أي: فليس الفرض أن ما تكلموا فيه من المتشابه؛ لأن المباحث المذكورة عنهم في عيسى، إنما هي من المحكم في آياتها التي وردت فيها؛ لا يوجد فيها اشتباه، ولكن في الموضوع اتباع أهوائهم مبررين لها بهذه الخيالات الفاسدة، وهي أشبه بما يصنعه الذين يتبعون أهواءهم في تفسير الآيات المتشابهة، ولذلك قال: "وفي نحو من هذا نزلت آية ... إلخ"، ولم يقل: وفيه نزلت. "د".

آرَائِهِمْ، فَزَاغُوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْإِضَافِيُّ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي صَرِيحِ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْنَى دَاخِلًا فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُتَشَابِهًا مِنْ حَيْثُ وُضِعَ فِي الشَّرِيعَةِ1 مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بَيَانُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّ النَّاظِرَ قَصَّرَ فِي الِاجْتِهَادِ أَوْ زَاغَ عَنْ طَرِيقِ الْبَيَانِ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ الِاشْتِبَاهُ إِلَى الْأَدِلَّةِ2، وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى النَّاظِرِينَ التَّقْصِيرُ أَوِ الْجَهْلُ بِمَوَاقِعِ الْأَدِلَّةِ؛ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لِلْمُتَشَابِهِ لأنه إِذَا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ حُصُولِ الْبَيَانِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ مَعَ عَدَمِهِ؟ فَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهُمْ دَاخِلُونَ بِالْمَعْنَى فِي حُكْمِ الْآيَةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ مَا تَقَدَّمَ آنِفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَمِثْلُهُ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ سُفْيَانَ؛ قَالَ: "سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يُوسُفَ: 80] ؛ فَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَكَذَبَ. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: مَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ؛ فَلَا يَخْرُجُ -يَعْنِي مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ- حَتَّى يُنَادِيَ منادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ3 عَلِيًّا أَنَّهُ يُنَادِي-: اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ! يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَذَبَ، كَانَتْ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ"4. فَهَذِهِ الْآيَةُ أمرها واضح، ومعناه ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا، كَمَا دَلَّ الْخَاصُّ عَلَى مَعْنَى الْعَامِّ، وَدَلَّ الْمُقَيَّدُ عَلَى مَعْنَى الْمُطْلَقُ، فَلَمَّا قَطَعَ

_ 1 في "ط": "الشرع". 2 وإن كان الاشتباه حصل فيها بأحد هذين السببين، بخلاف القسم الثالث؛ فالدليل فيه مفهوم لا أثر للاشتباه فيه، وإنما الاشتباه في التطبيق. "د". 3 في الأصول كلها و"ط": "تريد"، وما أثبتناه من مصدر تخريجه. 4 أخرجه مسلم في "مقدمة صحيحه" "1/ 20-21".

جابر الآية عما قبلها ما بَعْدَهَا، كَمَا قَطَعَ غَيْرُهُ الْخَاصَّ عَنِ الْعَامِّ وَالْمُقَيَّدَ عَنِ الْمُطْلَقِ؛ صَارَ الْمَوْضِعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ؛ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ التَّوَقُّفُ، لَكِنَّهُ اتَّبَعَ فِيهِ هَوَاهُ فَزَاغَ عَنْ مَعْنَى الْآيَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَالتَّشَابُهُ فِيهِ لَيْسَ بِعَائِدٍ عَلَى الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ عَلَى مَنَاطِ الْأَدِلَّةِ؛ فَالنَّهْيُ عَنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَاضِحٌ، وَالْإِذْنُ فِي أَكْلِ الذَّكِيَّةِ كَذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَطَتِ الْمَيْتَةُ بِالذَّكِيَّةِ؛ حَصَلَ الِاشْتِبَاهُ فِي الْمَأْكُولِ لَا فِي الدَّلِيلِ عَلَى تَحْلِيلِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ، لَكِنْ جَاءَ الدَّلِيلُ الْمُقْتَضِي لِحُكْمِهِ فِي اشْتِبَاهِهِ، وَهُوَ الِاتِّقَاءُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ، وَهُوَ أَيْضًا وَاضِحٌ لَا تَشَابُهَ فِيهِ، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا دَخَلَ فِي هَذَا النَّوْعِ، مِمَّا يَكُونُ مَحَلُّ الِاشْتِبَاهِ فِيهِ الْمَنَاطَ لَا نَفْسَ الدَّلِيلِ؛ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ1. فَصْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا؛ فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ بَاقِي2 السُّؤَالِ، فَنَقُولُ: قَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّشَابُهَ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ الْأَدِلَّةِ مَعَ مَا يُعَارِضُهَا كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ قَلِيلٌ، وَأَنَّ مَا عُدَّ مِنْهُ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ مِنْهُ التَّشَابُهُ الْحَقِيقِيُّ خَاصَّةً. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْخِلَافِ وَإِنْ كَثُرَتْ؛ فَلَيْسَتْ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ فِيهَا مَا هُوَ مِنْهَا وَهُوَ نَادِرٌ؛ كَالْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِيمَا أَمْسَكَ عنه السلف الصالح فلم

_ 1 في نسختي "ف" و"م" زيادة: "أ. هـ"! ولم يسبق أن المصنف أشار إلى نقل حتى تثبت إشارة الانتهاء، وفي "ط": "مقتضي حكمه في اشتباهه ... ". 2 وهو الخاص بمسائل الخلاف، وقوله: "ظهر مما تقدم" هذا كتمهيد لربط أطراف المقام بعضها ببعض، وكفذلكته على الجواب عن الشق الأول من السؤال لإحضار المقام كله لدى السامع. "د".

يَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِغَيْرِ التَّسْلِيمِ لَهُ وَالْإِيمَانِ بِغَيْبَةِ الْمَحْجُوبِ أَمْرُهُ عَنِ الْعِبَادِ؛ كَمَسَائِلِ الِاسْتِوَاءِ، وَالنُّزُولِ، وَالضَّحِكِ، وَالْيَدِ، وَالْقَدَمِ، وَالْوَجْهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ. وَحِينَ سَلَكَ الْأَوَّلُونَ فِيهَا مَسْلَكَ التَّسْلِيمِ وَتُرِكَ الْخَوْضُ فِي مَعَانِيهَا1؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يُحَاطُ بِهِ جَهْلٌ، وَلَا تَكْلِيفَ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَاهَا، وَمَا سِوَاهَا مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ لَيْسَ مِنْ أَجْلِ تَشَابُهِ أَدِلَّتِهَا؛ فَإِنَّ الْبُرْهَانَ قَدْ دَلَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، بَلْ مِنْ جِهَةِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِي مَخَارِجِهَا2 وَمَنَاطَاتِهَا، وَالْمُجْتَهِدُ لَا تَجِبِ إِصَابَتُهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ3، بَلْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ بِمِقْدَارِ وُسْعِهِ، وَالْأَنْظَارُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ وَالتَّبَحُّرِ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ؛ فَلِكُلٍّ مَأْخَذٌ يَجْرِي عَلَيْهِ، وَطَرِيقٌ يَسْلُكُهُ بِحَسَبِهِ لَا بِحَسَبِ4 مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَخَرَجَ الْمَنْصُوصُ5 مِنَ الْأَدِلَّةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَشَابِهًا

_ 1 بل أثبتوا معانيها، وتركوا الخوض في كيفياتها، وانظر لزاما: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "3/ 54-59 و6/ 35 و16/ 390-401"، و"الرسالة التدمرية" "2/ 144 وما بعدها - مع التحفة المهدية"، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" "ص77"، وكتابنا "الردود والتعقبات" "ص67 وما بعدها". نعم، من أطلق التشابه عليها مريدا بذلك حقائقها وكيفياتها؛ فهذا قد يسوغ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، انظر: "منهج ودراسات لآيات الصفات" "ص23، 24" للشنقيطي، وتعليقنا المتقدم "2/ 195، 257"، والآتي على "ص323-326". 2 أي: فيما يخرج عليه الدليل ويحمل عليه معناه؛ فعطف المناطات عليه مغاير ليصح قوله: "وإنما قصاراه ... إلخ"، ويكون قوله: "إلى التشابه الإضافي وهو الثاني" راجعا إلى قوله مخارجها، وقوله: "أو إلى التشابه الثالث" راجعا إلى قوله ومناطاتها. "د". 3 أي: إن قلنا: إن لله حكما في نفس الأمر في كل مسألة، وهو رأي المخطئة، فإن قلنا: إن حكم الله في كل مسالة هو ما وصل إليه المجتهد بعد بذل وسعه؛ فيكون الأمر أظهر. "د". 4 في الأصل: "لا في حسب". 5 قد يفهم من التقييد أن هذا الجواب إنما يفيد في أدلة الكتاب والسنة وقد يلحق بهما الإجماع الناشئ عنهما، أما القياس وما ينشأ عنه من إجماع؛ فلا يخرج عن التشابه، وربما أيد ذلك قوله فيما سبق: "ثم إذا رجعنا إلى القياس أتى الوادي بطمه على القرى ... إلخ"، ولكنا لا نأخذ بهذا الفهم؛ لأنه مهما كانت إشكالات القياس لا تزيد عن أن تصير إلى التشابه الإضافي أو الضر الثالث كغيره من الأدلة الشرعية. "د".

بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنَّمَا قُصَارَاهُ أَنْ يَصِيرَ إِلَى التَّشَابُهِ الْإِضَافِيِّ وَهُوَ الثَّانِي، أَوْ إِلَى التَّشَابُهِ الثَّالِثِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّكَ تَأْخُذُ كُلَّ عَالِمٍ فِي نَفْسِهِ وَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ؛ فَلَا تَجِدُ عِنْدَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَشَابِهَةِ وَالنُّصُوصِ الْمُجْمَلَةِ إِلَّا النَّادِرَ الْقَلِيلَ1 لِأَنَّهُ أَخَذَ الشَّرِيعَةَ مَأْخَذًا اطَّرَدَتْ لَهُ فِيهِ، وَاسْتَمَرَّتْ أَدِلَّتُهَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، وَلَوْ كَانَ وُقُوعُ الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ يَسْتَلْزِمُ تَشَابُهَ أَدِلَّتِهَا؛ لَتَشَابَهَتْ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ، وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهَا بِالْبَيَانِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَالْأَمْرُ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ، وَمَا مِنْ مُجْتَهِدٍ إِلَّا وَهُوَ مُقِرٌّ بِوُضُوحِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مَسَائِلِهَا، وَمُعْتَرِفٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِيهِ؛ فَيَسْتَقْرِئُ مِنْ هَذَا إجماع عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِهَ فِي الشَّرِيعَةِ قَلِيلٌ؛ وَإِنِ اعْتَرَفُوا بِكَثْرَةِ الْخِلَافِ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ كُلَّ خِلَافٍ وَاقِعٍ لَا يَسْتَمِرُّ أَنْ يُعَدَّ فِي الْخِلَافِ، أَمَّا أَوَّلًا فَلَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفِرَقَ الْخَارِجَةَ عَنِ السُّنَّةِ حِينَ لَمْ تَجْمَعْ2 بَيْنَ أَطْرَافِ الْأَدِلَّةِ تَشَابَهَتْ عَلَيْهَا الْمَآخِذُ فَضَلَّتْ، وَمَا ضَلَّتْ إِلَّا وَهَى غَيْرُ مُعْتَبِرَةِ الْقَوْلِ فِيمَا ضلت فيه؛ فخلافها لا يعد خلاف، وَهَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَاهَا فِي الْخُرُوجِ عَنِ الجادة، وإلى

_ 1 فهذا النوع من المتشابه نسبي؛ فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، كما أن الملائكة يعلمون من أخبار الغيب ما يكون متشابها عند بني آدم، أفاده ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "17/ 380". 2 في "ط": "تجتمع".

ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مِنَ الْخِلَافِ مَا هُوَ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى إِلَى الْوِفَاقِ، وَهَذَا مَذْكُورٌ1 فِي كتاب الاجتهاد؛ فيسقط2 بِسَبَبِهِ كَثِيرٌ مِمَّا يُعَدُّ فِي الْخِلَافِ، وَإِذَا رُوجِعَ مَا هُنَالِكَ تَبَيَّنَ مِنْهُ هَذَا الْمَقْصِدُ، وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ فِي عِلْمِ3 الشَّرِيعَةِ قَدْ أُدْخِلَ4 فِيهَا وَصَارَ مِنْ مَسَائِلِهَا، وَلَوْ فُرِضَ رَفْعُهُ مِنَ الْوُجُودِ رَأْسًا؛ لَمَا اخْتَلَّ مِمَّا يَحْتَاجُ إليه في الشريعة شيء بِدَلِيلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ فِي فَهْمِهَا -دَعِ الْعَرَبَ الْمَحْفُوظَةَ اللِّسَانِ كَالصَّحَابَةِ وَمَنْ يليهم من غيرهم-، وبل مَنْ وُلِدَ بَعْدَ مَا فَسَدَ اللِّسَانُ فَاحْتَاجَ إِلَى عِلْمِ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حنيفة، ومن قبلهم أو بعدهم من أمثالهم5؛ فَلَمَّا دَخَلَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ وَقَعَ الْخِلَافُ بِسَبَبِهَا، وَلَوْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهَا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْخِلَافُ6. وَمَنِ اسْتَقْرَأَ مَسَائِلَ الشَّرِيعَةِ وَجَدَ مِنْهَا فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ تِلْكَ الطَّبَقَةِ كَثِيرًا، وَقَدْ مَرَّ فِي الْمُقَدِّمَاتِ تَنْبِيهٌ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ مِنَ الْعُلُومِ الْمُعِينَةِ لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ، فَإِذَا جَمَعْتَ هَذِهِ الْأَطْرَافَ؛ تَبَيَّنَ مِنْهَا أَنَّ الْمُتَشَابِهَ قَلِيلٌ، وَأَنَّ الْمُحْكَمَ هُوَ الْأَمْرُ العام الغالب.

_ 1 سيأتي في المسألة الحادية عشرة وما بعدها مباحث ذاخرة بالفوائد في هذا الموضوع. "د". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "فسقط". 3 في "ط": "علوم". 4 أي: قد أدخل في علم الشريعة -بعدما احتاج إليه هؤلاء المجتهدون وأمثالهم- شيء كثير وقع فيه خلاف، لا حاجة إلى علم الشريعة به، وقد حسب عليها وعد من الخلاف فيها، وأنت إذا رجعت لمسالك الخلاف الثمانية التي أشار إليها سابقا تحققت صحة ما يقول. "د". 5 كذا في "ط"، وفي غيره: "وأمثالهم". 6 قال الشافعي: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس"، نقله السيوطي في "صون المنطق" "ص15"، وقال "ص22": "وقد وجدت السلف قبل الشافعي أشاروا إلى ما أشار إليه من أن سبب الابتداع الجهل بلسان العرب". قلت: "من ذلك قول الحسن البصري في بعض المبتدعة: "أهلكتهم العجمة" كما في "التاريخ الكبير" "5/ 93" للبخاري.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: التَّشَابُهُ1 لَا يَقَعُ فِي الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الِاسْتِقْرَاءُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ2. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأُصُولَ لَوْ دَخَلَهَا التَّشَابُهُ؛ لَكَانَ أَكْثَرُ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ؛ يَصِحُّ بِصِحَّتِهِ، وَيَفْسُدُ بِفَسَادِهِ، وَيَتَّضِحُ بِاتِّضَاحِهِ، وَيَخْفَى بِخَفَائِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَكُلُّ وَصْفٍ فِي الْأَصْلِ مُثْبَتٌ3 فِي الْفَرْعِ؛ إِذْ كُلُّ فَرْعٍ فِيهِ مَا فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفُرُوعَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْأُصُولِ الْمُتَشَابِهَةِ مُتَشَابِهَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الأصول منوط بعضها4 ببعض في

_ 1 أي: الحقيقي الذي ظهر من تحقيقه في المسألة قبلها أنه قليل، وكما سيشير إليه في آخر المسألة، وعلى كل حال؛ هذا بحث آخر غير تشابه نفس الآيات. "د". 2 قال "ف": "الأنسب: استقراء أن الأمر كذلك". 3 هكذا في "د"، وفي الأصل وفي "ف": "مثبوت"، وفي "ط": مبثوث". 4 أي: فكثيرا ما يتوقف التفريع على أصل على ملاحظة أصل آخر، فإذا كان في هذه الأصول متشابه؛ فكل ما تفرع عليه مباشرة أو بتوقف أصل عليه؛ فإنه يكون متشابها، فيسري التشابه إلى الفروع التي انبنت على المتشابه أو إلى الأصول الأخرى التي ترتبط بهذا الأصل المتشابه، ومعلوم أن هذا كثير جدا؛ فيكون أكثر الفروع متشابها، فقوله: "لزم سريانه في جميعها"؛ أي: جميع فروع الأصول التي نيط التفريع عليها بهذا الأصل المتشابه، وليس المراد جميع فروع الشريعة؛ لأنه: أولا: لا يوافق مدعاه من أن الأكثر يكون متشابهًا. وثانيًا: لأنه ليس من المسلم أن جميع الفروع يلزم أن تبنى على أصل متشابه مباشرة أو بالواسطة. "د".

التَّفْرِيعِ عَلَيْهَا، فَلَوْ وَقَعَ فِي أَصْلٍ مِنَ الأصول اشتباه؛ لزم سريانه في سائرها1؛ فَلَا يَكُونُ الْمُحْكَمُ أُمَّ الْكِتَابِ، لَكِنَّهُ كَذَلِكَ؛ فَدَلَّ2 عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْكِتَابِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ وَقَعَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الزَّائِغِينَ عَنِ الْحَقِّ إِنَّمَا زَاغُوا فِي الْأُصُولِ لَا فِي الْفُرُوعِ، وَلَوْ كَانَ زَيْغُهُمْ فِي الْفُرُوعِ؛ لَكَانَ الْأَمْرُ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُصُولِ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ، كَانَتْ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَوْ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ الْكُلِّيَّةِ لَا الْجُزْئِيَّةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّشَابُهَ وَقَعَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا [وَقَعَ] 3 فِي فُرُوعِهَا؛ فَالْآيَاتُ الْمُوهِمَةُ لِلتَّشْبِيهِ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ مِثْلُهَا4 فَرُوعٌ عن أصل التنزيه الذي هو

_ 1 كذا في "ط"، وفي غيره: "جميعها". 2 لا يخفى ما في هذا البيان من الخطابة. "ف". 3 ما بين المعقوفتين سقط من "د". 4 دندن المصنف على المتشابه، ثم تكلم على الصفات، ثم ألمح في قوله هذا أن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه. وصرح الإمام النووي في "شرحه على صحيح مسلم" "16/ 218" أن الصفات من باب المتشابه، ونقل ذلك عن الغزالي في "المستصفى، وأقره عليه؛ فقال في مبحث المتشابه: "ويطلق على ما ورد في صفات الله تعالى مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه، ويحتاج إلى تأويل". وهذا هو القول بتفويض المعنى الذي جنح إليه، بل صرح به النووي في "شرحه" أكثر من مرة، وسبق أن أشرنا إلى أن السلف الصالح كفوا عن الخوض في البحث في كيفية الصفة الواردة في الآية القرآنية أو الحديث النبوي، وقالوا كلمات في معانيها لها معان مفهومة وصحيحة، ولا يليق أن يكون مذهبهم فيها أن تكون آيات الصفات بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم أحد معناه؛ فإنهم رحمهم الله تكلموا في جميع آيات الصفات، وفسروها بما يوافق معناها ودلالتها، ولم يسكتوا عن بيان معنى آية ما، سواء في ذلك المحكم والمتشابه. وهنا لا بد لنا من كلمة عن المحكم والمتشابه، وهل الراسخون في العلم يعلمون معنى =

.........................................................

_ = المتشابه أم يفوضون العلم فيه إلى الله؟ وبمعنى آخر: هل الوقوف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] لازم، وما معنى التأويل فيها؟ يرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الوقف على لفظ الجلالة؛ لأن التأويل المذكور في الآية هو معرفة الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، ورأى آخرون أن التأويل الوارد فيها بمعنى المآل والعاقبة، وشاركوا شيخ الإسلام في القول بالوقف المذكور؛ لأن الراسخين في العلم لا يعلمون مآل أخبار القرآن وعواقب أمره على سبيل التفصيل والتحديد والكنه والحقيقة، وهذا قريب من قول شيخ الإسلام؛ إذ هذه الأمور من الغيب الذي استأثر الله به، بينما رأى فريق ثالث أن التأويل مستعمل عند السلف بمعنى التفسير والبيان؛ فقال هؤلاء بالوقف على: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، وكلا الفريقين مصيب فيما ذهب إليه؛ لأن أصحاب القول بالوقف على لفظ الجلالة يستبعدون أن يكون هناك بشر يشارك الله في علم غيوبه، وأصحاب القول بالوقف على: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} يستبعدون أن يكون تفسير القرآن وبيان معناه لا يعلمه إلا الله، في الوقت الذي أنزل فيه ليفهم ويتدبر. ولم يقف فريق آخر من علماء الكلام والفقه والتفسير على مأخذ كل رأي من الآراء المذكورة، وعلى الأصل الذي بنوا عليه رأيهم، ووجدوا بين أيديهم روايات مختلفة عن السلف، كل يختار رأيًا في الوقف؛ فصوروا أن في المسألة نزاعًا وخلافًا بين السلف، وليس الأمر على التحقيق كذلك، وكان عليهم أن يمعنوا النظر أكثر وأكثر؛ فإن المسألة ليست محل نزاع لو عرف مأخذ كل رأي وأصل كل قول؛ فإن جميع الأقوال التي رويت على أن الوقف على لفظ الجلالة محمولة على أن المراد بالتأويل في الآية عواقب أخبار القرآن ومصائرها، وجميع ما روي على أن الوقف على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} محمول على أن التأويل المذكور هو التفسير والبيان. وبهذا يزول الإشكال والاشتباه الذي نشأ بين المتأخرين لعدم تفرقتهم بين معنى الآية وبين تأويلها، وعدم إدراكهم ما قد يترتب على إهمال التفرقة بين المعنيين من آراء ربما قد احتجموا عنها لو تنبهوا إلى ذلك. تعرض السلفيون -وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- لهذه المشكلة التي فرقت كلمة العلماء، ووضعوا أيديهم على بدايتها متعمقين في أسبابها، باحثين عن نتائجها، =

......................................................

_ = متسائلين: هل يجوز عقلا أن يتكلم الله بكلام لا معنى له عند المخاطب، وهل يجوز كذلك أن يقول الرسول لأمته: إن ربكم قد خاطبكم بكلام لا يعلم معناه إلا هو، وهل يجوز أن يقول لهم: إن القرآن أنزل ليتدبر في الوقت الذي لا يعلم معناه إلا الله؟ إن المشكلة تزداد خطورة خصوصًا في نظر شيخ الإسلام ابن تيمية حين يرى أن وظيفة الرسول هي البلاغ الموصوف بأنه {بَلاغٌ مُبِينٌ} ، وأن وظيفة القرآن أنه أنزل: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً} ، ثم يكون الرسول نفسه لا يفهم معنى ما تكلم به بدعوى أنه لا يعلم تأويله إلا الله، وبدعوى أن الصفات من المتشابه. لعل هذه المشكلة كانت سببًا في أن ابن تيمية قد خصص حياته لخدمتها من قريب ومن بعيد؛ فهو إن خاض غمار الفلسفة أو علم الكلام، أو ناقش الفقهاء والصوفية؛ فسلاحه في كل ميدان هو آيات الكتاب، أو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح؛ لأنه ليس هناك آية لا معنى لها، أو مصروفة عن ظاهرها، بل كل آيات القرآن واضحة في معناها، وليس هناك لبس ولا خفاء، ولقد تتبع ابن تيمية أقوال السلف تتبع الخبير بمصادرها، واضعًا أدلة هؤلاء وهؤلاء أمام النصوص؛ فظهر له الغث من السمين، والصحيح من الخطأ، والسليم من السقيم. وفي القول السابق ادعاء أنه يوجد في ظاهر النصوص ما يوهم التشبيه، وهذا ليس بصحيح، والخلاصة أنه ما من قول يدعي أن هذه الآية أو تلك من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله؛ إلا وقد تكلم السلف في بيان معناها، حتى من أطلق المتشابه على نصوص الصفات مريدا بذلك حقائقها وكيفياتها التي هي عليها، فهذا يسوغ أن يسمى متشابها؛ لأن حقائق الصفات وما هي عليه من الكيفيات لا يعلمه إلا الله، وهذا هو تفويض الكيفية الذي يقول به السلف؛ إلا أننا على الرغم من ذلك نعلم معنى الاسم والصفة؛ فنعلم معنى سميع وبصير وعليم، ومعنى السمع والبصر والعلم، ونعلم معنى أن له يدين ووجها، كل هذا ونحوه نعلم معناه بمقتضى لغة التخاطب، ولا يقتضي علمنا بمعاني هذه النصوص أن تكون مثل ما في الشاهد من سمع المخلوق وبصره وعلمه ويديه ووجهه، ومع هذا كله؛ فلا ينبغي إطلاق لفظ المتشابه على الصفات لأجل هذا إلا به، ولهذا لم يؤثر عن السلف إطلاقه عليها. وكذا إذا تتبعنا أقوال العلماء في معنى المتشابه؛ فلا نجد رأيًا إلا وقد بين السلف معناه ووضحوه، فإذا جعلنا المتشابه هو المنسوخ كما روي عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي =

قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، كَمَا أَنَّ فَوَاتِحَ السُّوَرِ وَتَشَابُهَهَا وَاقِعٌ ذَلِكَ فِي بَعْضِ فُرُوعٍ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، بَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ أَيْضًا فِي التَّشَابُهِ الرَّاجِعِ إِلَى الْمَنَاطِ؛ فَإِنَّ الْإِشْكَالَ الْحَاصِلَ فِي الذَّكِيَّةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالْمَيْتَةِ مِنْ بَعْضِ فُرُوعِ أَصْلِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي الْمَنَاطَاتِ البينة، وهي الأكثر، فإذا اعتبر هذا

_ = وغيرهم؛ علمنا يقينا أن العلماء يعلمون معنى المتشابه لأنهم يعلمون معنى المنسوخ، سواء كان منسوخا لفظه أو لفظه ومعناه، وهذا يدل على كذب من قال عن ابن عباس وابن مسعود أن الراسخين في العلم لا يعلمون معنى المتشابه. وإذا جعلنا المتشابه أخبار القيامة وما فيها؛ فمعلوم بين المسلمين أن وقت قيام الساعة وحقيقة أمرها لا يعلمه إلا الله، لكن ذلك لا يدل على أننا لم نفهم معنى الخطاب الذي خوطبنا به في ذلك، والفرق واضح بين معرفة الخبر وبين حقيقة المخبر عنه. وإذا جعلنا المتشابهات أوائل السور المفتتحة بحروف المعجم؛ فهذه الحروف ليست كلاما تاما مكونا من الجمل الاسمية والفعلية، ولهذا؛ فلا تعرف لأن الإعراب جزء من المعنى، بل ينطق بها موقوفة كما يقال: أب ت، ولهذا تكتب في صورة الحروف المقطعة لا بصورة اسم الحرف. يقول ابن تيمية: "فإذا كان على هذا كل ما سوى هذه محكمًا حصل المقصود؛ فإنه ليس المقصود إلا معرفة كلام الله وكلام رسوله. وانظر موقف شيخ الإسلام من المتشابه ورده على مفوضة المعنى في: "تفسير سورة الإخلاص" "ص143 وما بعدها"، و"الحموية" "160-163"، "مجموعة الرسائل "1/ 189"، و"مجموع الفتاوى" "3/ 54-67 و5/ 35-37، 234، 347-439 و10/ 560 و13/ 279-280، 374-375، 384-385 و16/ 173، 407-422"، و"الإمام ابن تيمية وموقفه من التأويل" "ص164 وما بعدها"، وقد أخطأ رشيد رضا في "تفسير المنار" "3/ 165" عندما نقل عن ابن تيمية أن المتشابه عنده آيات الصفات خاصة، ومثلها أحاديث الصفات. وانظر في المسألة: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة "ص62، 73"، و"منهج ودراسات" "ص23-24" للشنقيطي، و"منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد" "2/ 472-500"، وكتابنا "الردود والتعقبات" "ص77-82"، و"التيسير في قواعد علم التفسير" "ص188 وما بعده" للكافيجي.

الْمَعْنَى؛ لَمْ يُوجَدِ التَّشَابُهُ فِي قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَلَا فِي أَصْلٍ عَامٍّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ التَّشَابُهُ عَلَى أَنَّهُ الْإِضَافِيُّ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ [لَا] 1 فَرْقَ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ حَصَلَ فِي الْعَقَائِدِ الزَّيْغُ والضلال، وليس هو المقصود2 ههنا، ولا هو مقصود صريح باللفظ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا بِالْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ تعالى قال: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} الآية [آل عمران: 7] ؛ فَأَثْبَتَ فِيهِ مُتَشَابِهًا، وَمَا هُوَ رَاجِعٌ لِغَلَطِ3 النَّاظِرِ لَا يُنْسَبُ إِلَى الْكِتَابِ حَقِيقَةً، وَإِنْ نسب إليه؛ فبالمجاز.

_ 1 سقطت إلا من "ط"، ولذا قال "د": "لعله سقط منه لفظ "لا"؛ أي: فعند ملاحظة التشابه الإضافي لا يوجد فرق بين الأصول والفروع، وقوله: "ومن تلك الجهة"؛ أي: وبسبب التشابه الإضافي في الأصول جاء الزيغ في العقائد؛ كما تقدم له أمثلته". ونحوه عند "م". 2 أي: إنما المقصود بنفيه عن الأصول هو التشابه الحقيقي، وليس الإضافي مقصودا في هذا المبحث، كما أنه ليس مقصودا بلفظ الآية وإن كان داخلا فيها بالمعنى كما ذكره سابقا. "د". 3 الناشئ من عدم ضمه لأطراف الأدلة بعضها إلى بعض كما سبق؛ فليس في نفس الأدلة اشتباه، إنما هو من تقصيره أو اتباع هواه. "د".

المسألة الخامسة 1: تسليط التأويل على المتشابه فيه تفصيل فيا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ مِنَ الْإِضَافِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْإِضَافِيِّ؛ فَلَا بُدَّ مِنْهُ إِذَا تَعَيَّنَ بِالدَّلِيلِ كَمَا بُيِّنَ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقُ بِالْمُقَيَّدِ، وَالضَّرُورِيُّ بِالْحَاجِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمَا هُوَ الْمُحْكَمُ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْحَقِيقِيِّ؛ فَغَيْرُ لَازِمٍ تَأْوِيلُهُ؛ إِذْ قَدْ تَبَيَّنَ فِي بَابِ الْإِجْمَالِ وَالْبَيَانِ أَنَّ الْمُجْمَلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا2 لِأَنَّهُ3 إِمَّا أَنْ يَقَعَ بَيَانُهُ بِالْقُرْآنِ الصَّرِيحِ أَوْ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَوْ بِالْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ، أَوْ لَا، فَإِنْ وَقَعَ بَيَانُهُ بِأَحَدِ هَذِهِ؛ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّشَابُهِ، وَهُوَ الْإِضَافِيُّ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَالْكَلَامُ فِي مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ تَسَوُّرٌ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْمُودٍ. وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُقْتَدِينَ بِهِمْ لَمْ يَعْرِضُوا4 لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا تَكَلَّمُوا فِيهَا بِمَا يقتضي تعيين

_ 1 انظر: "الاعتصام" "1/ 221"، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 145، 275-276 و17/ 378 و389-390". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "موحدا"، وعلق "د": "راجع المسألة الثانية عشرة في باب البيان والإجمال تجد في أولها أنه؛ إما لا يتعلق بالمجمل تكليف، وإما أنه لا وجود له، أي: إذا وقفنا على {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، وعليه؛ فلعل الأصل هنا إن كان "موجودا"؛ أي: على فرض وجود المجمل بمعنى المتشابه الحقيقي". 3 الضمير للحال والشأن كما يعلم بالتأمل؛ لأن هذا التشقيق لا يجيء في المجمل الحقيقي الذي يقول فيه: "إن كان موجودا"، وكذا الضمير في "بيانه" للمجمل مطلقا. "د". قلت: قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "17/ 386": "وقد قال كثير من السلف: إن المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به"، وانظر الآثار الواردة في ذلك عند ابن جرير في "التفسير" "3/ 185-186". 4 أي: لم يتعرضوا ويتصدوا له في باب ضرب، من قولهم: عرض له أشد العرض واعترض له؛ قابله بنفسه كما في "شرح القاموس". "د". قلت: انظر الموقف السليم من المتشابه: "القواعد الحسان لتفسير القرآن" "ص70-71" للسعدي، و"إعلام الموقعين" "2/ 294-295، 304".

تَأْوِيلٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَهُمُ الْأُسْوَةُ وَالْقُدْوَةُ، وإلى ذَلِكَ؛ فَالْآيَةُ مُشِيرَةٌ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه} الآية [آل عمران: 7] . ثُمَّ قَالَ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آلِ عِمْرَانَ: 7] . وَقَدْ ذَهَبَ جُمْلَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأُمَّةِ إِلَى تَسْلِيطِ التَّأْوِيلِ عَلَيْهَا أَيْضًا رُجُوعًا إِلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ اتِّسَاعِ الْعَرَبِ فِي كَلَامِهَا، مِنْ جِهَةِ الْكِنَايَةِ وَالِاسْتِعَارَةِ وَالتَّمْثِيلِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الِاتِّسَاعِ؛ تَأْنِيسًا لِلطَّالِبِينَ، وَبِنَاءً عَلَى اسْتِبْعَادِ الْخِطَابِ بِمَا لَا يُفْهَمُ، مَعَ إِمْكَانِ الْوُقُوفِ عَلَى قَوْلِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، وَهُوَ أَحَدُ1 الْقَوْلَيْنِ لِلْمُفَسِّرِينَ؛ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْغَزَّالِيُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْمَذْهَبِ بِأُمُورٍ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِـ"إِلْجَامُ العوام"2؛ فطالعه من هنالك.

_ 1 وعليه؛ فلا يوجد المتشابه بالمعنى الحقيقي. "د". قلت: انظر تعليقنا على "ص323-326". 2 "ص34".

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا تَسَلَّطَ التَّأْوِيلُ عَلَى الْمُتَشَابِهِ؛ فَيُرَاعَى فِي الْمُؤَوَّلِ بِهِ أَوْصَافٌ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَعْنًى صَحِيحٍ فِي الِاعْتِبَارِ، مُتَّفَقٍ1 عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ الْمُؤَوَّلُ قَابِلًا لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمُؤَوَّلَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَقْبَلَهُ اللَّفْظُ أَوْ لَا2، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ؛ فَاللَّفْظُ نَصٌّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ، فَلَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَإِنْ قَبِلَهُ اللَّفْظُ؛ فإما أن يجري على مقتضى العلم3 أو لا، فإن جرى على ذلك؛ فلا

_ 1 هذا هو الوصف الثاني، ولم يبن عليه شيئًا في بيانه الآتي، وكأنه لازم للوصف الأول، وهو صحة المعنى في الاعتبار؛ لأنه لا يكون كذلك إلا حيث يتفق عليه في الجملة وإن خولف في التفصيل؛ فرجع الأمر إلى شرطين: الأول: صحة المعنى في الاعتبار بأن يكون متفقًا مع الواقع المعترف به إجمالًا ممن يعتد بهم. والثاني: أن يكون وضع اللفظ قابلًا له لغة بوجه من وجوه الدلالة حقيقة أو مجازًا أو كناية، جاريًا في ذلك على سنن اللغة العربية. "د". قلت: مما ينبغي التنبه له في الأول: معرفة مراد المتكلم بكلامه، لا معرفة ما يحتمله اللفظ من المعاني من جهة اللغة فحسب، وفي الثاني أن يعلم أن ورود اللفظ بمعنى لا يلزم منه أن يكون هذا المعنى ملازمًا له في جميع النصوص الأخرى، وإن اختلف السياق، وكذا الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في النصوص؛ فغلبته فيه دليل على عدم خروجه عن معنى النص؛ فالحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره، انظر في هذا كله ومع التمثيل عليه: "مجموع فتاوى ابن تيميه" "6/ 13، 14، 366 و7/ 286"، و"الصواعق المرسلة" "1/ 192، 193"، و"إرشاد الفحول" "ص176"، و"أضواء البيان" "1/ 328"، و"منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد" "2/ 552-555". وفي "د" "إذ تسلط..". 2 في الأصل و"ف": "أم لا". 3 يعني أن اللفظ إذا كان قابلًا بحسب اللغة للمعنى المؤول به ينظر: هل معنى التركيب بعد اعتبار هذا التأويل يجري على مقتضى ما نعلمه في هذه القضية من الخارج، أم لا يجري بل يخالف الواقع المعلوم لنا من طريق غير هذا الخبر؟ فإن جرى على ذلك؛ فلا يصح طرحه لأن =

إِشْكَالَ فِي اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَابِلٌ لَهُ، وَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنَ اللَّفْظِ لَا يَأْبَاهُ؛ فَاطِّرَاحُهُ إِهْمَالٌ لِمَا هُوَ مُمْكِنُ الِاعْتِبَارِ قَصْدًا، وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى إِهْمَالِهِ أَوْ مَرْجُوحِيَّتِهِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَجْرِ عَلَى مُقْتَضَى الْعِلْمِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحْمِلَهُ اللَّفْظُ عَلَى حَالٍ1، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ مَعَ تَرْكِ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ2 رُجُوعًا إِلَى الْعَمَى، وَرَمْيًا فِي جَهَالَةٍ؛ فَهُوَ تَرْكٌ لِلدَّلِيلِ لِغَيْرِ شَيْءٍ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَبَاطِلٌ. هَذَا وَجْهٌ. وَوَجْهٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّأْوِيلَ إِنَّمَا يُسَلَّطُ عَلَى الدَّلِيلِ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ؛ فَالنَّاظِرُ3 بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُبْطِلَ الْمَرْجُوحَ جُمْلَةً اعْتِمَادًا عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَا يُلْزِمُ نَفْسَهُ الْجَمْعَ، وَهَذَا نَظَرٌ يُرْجَعُ إِلَى مِثْلِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ على الجملة، وإما

_ = الشرطين قد تحققا؛ فاللفظ قابل، والمعنى المقصود من التركيب لا يأباه، أي: لا يأبى اعتبار هذا التأويل في مفرد من مفرداته؛ لأن المعنى المقصود من التركيب مع اعتبار هذا التأويل في مفرد من مفرداته يرجع إلى معنى صحيح في الواقع لا يخالف المعلوم لنا من قبل، وبهذا يتبين أن اللفظ في قوله: "والمعنى المقصود من اللفظ" ليس هو اللفظ المفرد الذي فيه التأويل، وإلا؛ لكان حاصله أن المعنى المقصود من اللفظ المؤول لا يأبى المعنى المؤول به اللفظ؛ فيتحد الآبي والمأبي، بل اللفظ هو اللفظ الخبري، والمعنى المقصود منه هو المعنى التركيبي. "د". 1 أي: ولو قبله اللفظ. "د". قلت: في "ط": "حال الدليل" بدون "و". 2 وهو اللفظ المتشابه الظاهر في معناه الوضعي، أي: تركه إلى معنى لا يجري على اعتبار صحيح في مقتضى العلم يكون رجوعًا إلى عدم صرف، وقوله: "ترك الدليل"؛ أي: وهو اللفظ الظاهر المتشابه. "د". قلت: انظر في هذا "مجموع فتاوى ابن تيمية" "4/ 191". 3 أي: أن الناظر في أمر تعارض عليه دليلان، أحدهما راجح والآخر مرجوح، له طريقان في التخلص من المعارضة؛ إما أن يهدر المرجوح بما يقتضي إهداره، وإما أن يحمله على معنى يكون صحيحًا متفقًا عليه، ولا يعارض دليله الراجح، أما أنه يحمل المرجوح على وجه آخر لا يعارض الراجح، ولكنه لا يكون صحيحًا في ذاته أو لا يوافقه عليه الخصم؛ فعمل باطل حقيقة أو صناعة. "د".

أَنْ لَا يُبْطِلَهُ وَيَعْتَمِدَ الْقَوْلُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ، فَذَلِكَ الْوَجْهُ إِنْ صَحَّ وَاتَّفَقَ1 عَلَيْهِ؛ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ؛ فَهُوَ نَقْضُ الْغَرَضِ لأنه رام تصحيح دليله المرجوح بشيء2 لَا يَصِحُّ؛ فَقَدْ أَرَادَ تَصْحِيحَ الدَّلِيلِ بِأَمْرٍ باطل، وذلك يقتضي بطلانه عندما رَامَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، هَذَا خُلْفٌ. وَوَجْهٌ ثَالِثٌ3، وَهُوَ أَنَّ تَأْوِيلَ الدَّلِيلِ مَعْنَاهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ كَوْنُهُ دَلِيلًا فِي الجملة؛ فرده إلى ما لا يَصِحُّ رُجُوعٌ إِلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ لَا يَصِحُّ عَلَى وَجْهٍ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَمِثَالُهُ تَأْوِيلُ4 مَنْ تَأَوَّلَ لَفَظَ الْخَلِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النِّسَاءِ: 125] بِالْفَقِيرِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُصَيِّرُ الْمَعْنَى الْقُرْآنِيَّ غَيْرَ صَحِيحٍ5، وَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ غَوَى مِنْ قَوْلِهِ: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّه

_ 1 أي: حتى يسلم الخصم صحة المعنى في ذاته؛ فيتأتى له دعوى حمل المرجوح عليه. "د". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "لشيء". 3 لا يبعد عما قبله. "د". 4 انظر طائفة من الأمثلة القرآنية أولت تأويلًا فاسدًا في "التحبير" للسيوطي "باب غرائب التفسير، النوع الثاني والتسعون، ص335-336"؛ ففيه أمثلة أظهر، وفيه: "هذا النوع من زياداتي". قال أبو عبيدة: وفي كُنَّاشاتي "قصاصاتي المنثورة" أمثلة كثيرة، وكذا في تأويلات خاطئة لأحاديث نبوية، عسى أن أنشط لجمعها في تأليف مستقل، يسر الله ذلك بمنه وكرمه، وسيذكر المصنف في "4/ 225 وما بعدها" أمثلة على هذا الموضوع. 5 لأن إبراهيم الذي يقدم العجل السمين المشوي لضيوفه من عند أهله لا يصح أن يعد فقيرًا؛ فهذا غير صحيح في الاعتبار، لم يجر على مقتضى العلم، وما بعده تخلف فيه شرط قبول اللفظ المؤول له، ومثال بيان تخلف فيه الجميع؛ لأن اللفظ لا يقبله، لا من الإشارة في "هذا"، ولا من العطف في قوله: "وهدى ... إلخ"، ولا يجري على مقتضى العلم. "د".

فَغَوَى} [طه: 121] أَنَّهُ مِنْ غَوِيَ1 الْفَصِيلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ غَوَى بِمَعْنَى غَوِيَ2؛ فَهَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَمِثَالُ مَا تَخَلَّفَتْ فِيهِ الْأَوْصَافُ تَأْوِيلُ بَيَانِ3 بْنِ سَمْعَانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاس} [آلِ عمران: 138] . فصل وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَصُّ بِبَابِ التَّأْوِيلِ، بَلْ هُوَ جارٍ فِي بَابِ التَّعَارُضِ وَالتَّرْجِيحِ؛ فَإِنَّ الِاحْتِمَالَيْنِ4 قَدْ يَتَوَارَدَانِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ، فَيَفْتَقِرُ إلى الترجيح فيهما؛ فذلك ثانٍ عن قَبُولِ الْمَحَلِّ لَهُمَا، وَصِحَّتِهِمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَالدَّلِيلُ في الموضعين واحد.

_ 1 بالكسر: إذا بَشِم من شرب اللبن؛ أي: فالتأويل فاسد لأن ما في القرآن بالفتح، وسيأتي له هذا في المسألة التاسعة من الطرف الثاني من الأدلة. "د"، ونحوه في "م". قلت: كتب في هامش الأصل ما نصه: "في المصباح": غوى غيًا من باب ضرب؛ انهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد، وغوي الفصيل، غوي من باب تعب؛ فسد جوفه من شرب اللبن، وفساد هذا التأويل ظاهر". 2 انظر: "الاعتصام" "1/ 301 - ط ابن عفان" للمصنف. 3 يأتي للمؤلف في المسألة التاسعة المشار إليها آنفًا بيان عن بيان هذا. انظر "4/ 225، 226". وقال "ف": "هو بيان بن سمعان التميمي الهندي اليمني الشيعي، وله شرذمة تنسب إليه تسمى البيانية، تنتحل نحلًا باطلة". قلت: انظر عن حاله وكفره "الفصل" "4/ 185" لابن حزم، و"الملل والنحل" "152"، و"الفرق بين الفرق" "236"، و"لسان الميزان" "2/ 69". 4 لعل الأصل: "الدليلين"، وسيأتي بسطه في مبحث التعارض من كتاب الاجتهاد. "د". قلت: قال ابن القيم في "الصواعق المرسلة" "1/ 187": "وبالجملة؛ فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الفاسد، ولا فرق بين باب الخبر والأمر في ذلك".

الفصل الثاني: في الإحكام والنسخ

[الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْإِحْكَامِ وَالنَّسْخِ. وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى] 1: اعْلَمْ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ هي الموضوعة أولًا، وهي التي2 نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ تَبِعَهَا أَشْيَاءُ بِالْمَدِينَةِ، كَمُلَتْ بِهَا تِلْكَ الْقَوَاعِدُ الَّتِي وُضِعَ أَصْلُهَا بِمَكَّةَ، وَكَانَ أَوَّلُهَا3 الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ثُمَّ تَبِعَهُ مَا هُوَ مِنَ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَإِنْفَاقِ الْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ4، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا هُوَ كُفْرٌ أَوْ تَابِعٌ لِلْكُفْرِ؛ كَالِافْتِرَاءَاتِ الَّتِي افْتَرَوْهَا مِنَ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ [تَعَالَى، وَمَا جُعِلَ لِلَّهِ] وَلِلشُّرَكَاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْهُمُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، وَسَائِرُ مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَوْجَبُوهُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ مِمَّا يَخْدِمُ أَصْلَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كُلِّهَا؛ كَالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَخْذِ الْعَفْوِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِ، وَالدَّفْعِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّبْرِ، وَالشُّكْرِ، وَنَحْوِهَا، وَنَهَى عَنْ مَسَاوِئِ الأخلاق من الفحشاء، والمنكر، والبغي،

_ 1 ما بين المعقوفين سقط من "ط". 2 كذا في "ط"، وفي غيره: "والذي نزل ... ". 3 أي: القواعد المكية. "ف". 4 انظر في هذا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "15/ 160 و17/ 126".

وَالْقَوْلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَالتَّطْفِيفِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، والفساد في الأرض، والزنى، وَالْقَتْلِ، وَالْوَأْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ سَائِرًا فِي دِينِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْجُزْئِيَّاتُ الْمَشْرُوعَاتُ بِمَكَّةَ قَلِيلَةً، وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ كَانَتْ فِي النُّزُولِ وَالتَّشْرِيعِ أَكْثَرُ. ثُمَّ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاتَّسَعَتْ خُطَّةُ1 الْإِسْلَامِ؛ كَمُلَتْ2 هُنَالِكَ الْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى تَدْرِيجٍ؛ كَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ، وَتَحْرِيمِ3 الْمُسْكِرَاتِ، وَتَحْدِيدِ الْحُدُودِ الَّتِي تَحْفَظُ الْأُمُورَ الضَّرُورِيَّةَ وَمَا يُكَمِّلُهَا وَيُحَسِّنُهَا، وَرَفْعِ الْحَرَجِ بِالتَّخْفِيفَاتِ4 وَالرُّخَصِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، [وَإِنَّمَا ذَلِكَ] كُلُّهُ تَكْمِيلٌ لِلْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ. فَالنَّسْخُ إِنَّمَا وَقَعَ مُعْظَمَهُ بِالْمَدِينَةِ؛ لِمَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ فِي تَمْهِيدِ الْأَحْكَامِ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ تَجِدُ مُعْظَمَ النُّسَخِ إِنَّمَا هُوَ لما كان فيه تأنيس أولًا للقريب

_ 1 الخطة: بوزن سدرة، وجمعها خطط كسدر؛ أي: اتسعت بلاده. "ف". 2 تراجع المسألة الثامنة من كتاب الأدلة ليفهم معنى كمال تلك الأصول، وأنه ليس الغرض أن هناك أصولا لم تكن حاصلة رأسا في مكة ثم أنشئت في المدينة، ويدل عليه أيضا قوله أول مسألتنا: "التي وضع أصلها بمكة". "د". 3 تقدم في المسألة الثامنة أن تحريم المسكر داخل إجمالا في حفظ النفس؛ فالذي كان بالمدينة في ذلك إكماله بالتصريح بتحريمه، ووضع الحدود في شربه، والنص على تحريم القليل منه من باب التكميل أيضا. "د" 4 لا ينافي هذا قوله الآتي: "إنما هو لما كان فيه تأنيس.... إلخ" الذي يقتضي أنه روعي أولًا التخفيف ثم روعي التشديد بالمدينة؛ لأن التخفيف بالرخص إنما جاء بعد تفصيل التكاليف التي كانت مطلقة، وتفصيلها اقتضى اقترانها بمشقات وحرج في بعض الأحيان، فروعيت الرخص؛ فهي حتى مع الرخص أشد منها حينما كانت بمكة بدون رخص، ويحسن بك أن تراجع المسألة الخامسة من باب النسخ في كتاب "الأحكام" "3/ 196" للآمدي؛ لتزداد بصيرة في هذا الموضوع، وتعرف الخلاف في جواز نوع النسخ الذي جعله المؤلف معظم النسخ. "د"

الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَاسْتِئْلَافٌ لَهُمْ، مِثْلَ كَوْنِ الصَّلَاةِ كَانَتْ صَلَاتَيْنِ ثُمَّ صَارَتْ خَمْسًا، وَكَوْنِ إِنْفَاقِ الْمَالِ مُطْلَقًا بِحَسَبِ الْخِيَرَةِ1 فِي الْجُمْلَةِ ثُمَّ صار محدودًا مقدارًا، وأن القبلة كانت بالمدينة ببيت الْمَقْدِسِ ثُمَّ صَارَتِ الْكَعْبَةَ، وكحِلّ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ2 ثُمَّ تَحْرِيمِهِ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ عَلَى قَوْلِ طَائِفَةٍ ثُمَّ صَارَ ثَلَاثًا، وَالظِّهَارُ كَانَ طَلَاقًا ثُمَّ صَارَ غَيْرَ3 طَلَاقٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ أَصْلُ الْحُكْمِ فِيهِ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُزِيلَ، أَوْ كَانَ أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ قَرِيبًا خَفِيفًا ثم أحكم.

_ 1 أي: في نوعه ومقداره، وإلا؛ فالإنفاق مطلوب من أول التشريع لا خيرة فيه بمعنى الإباحة، وهذا معنى قوله: "في الجملة". "د" وكتب "ف": "بفتح الياء، بمعنى: الخيار". 2 التحقيق أن نكاح المتعة أبيح في غزوة الفتح ثلاثة أيام ثم حرم؛ فالتحليل كان لضرورة وقتية ثم نسخ، وكلاهما كان بالمدينة؛ فالمثال على ما ترى. "د". وقال "ف": "أي: مؤبدًا إلى يوم القيامة؛ فالحل منسوخ خلافًا لمن زعم عدم نسخه". 3 يعني: وهو أشد لأنه يحتاج لكفارة بخلاف الطلاق. "د".

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُنَزَّلَ بِمَكَّةَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ هُوَ مَا كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ فِي الدِّينِ عَلَى غَالِبِ الْأَمْرِ؛ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ فِيهَا1 قَلِيلٌ لَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ2 النَّسْخَ لَا يَكُونُ فِي الْكُلِّيَّاتِ وُقُوعًا، وَإِنْ أَمْكَنَ عَقْلًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ3 الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حِفْظِ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّاتِ وَالتَّحْسِينِيَّاتِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ إِنَّمَا أَتَى بِالْمَدِينَةِ مَا يُقَوِّيهَا وَيُحْكِمُهَا وَيُحَصِّنُهَا، وَإِذَا كَانَ كذلك؛ لم يثبت نسخ

_ 1 أي: على أن النسخ لا يكون في الكليات، لا على أصل الدعوى؛ فهو استدلال على مقدمة الدليل. "د". 2 ذكر المؤلف ثلاثة أوجه في الاستدلال على أن النسخ فيما نزل بمكة قليل -أو نادر كما يقول بعد-: أ- وجه خاص، وهو أن أكثر ما نزل بها كليات، وهي لا نسخ فيها، أما أن أكثر ما نزل بها كليات؛ فقد تقرر في المسألة الأولى، وأما أن الكليات لا نسخ فيها؛ فدليله الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية ... إلخ، وإذا صحت المقدمتان؛ ثبت أنه لا نسخ في أكثر الأحكام المكية، بل في القليل منها، وهو المطلوب. ب- ما أضافه بقوله: "وإلى هذا؛ فإن الاستقراء....إلخ"، وحاصله أن من تتبع الناسخ والمنسوخ من الأحكام الجزئية نفسها تبين له أن ما نسخ من الجزئيات أقل من المحكم منها، وهذا كما يصح دليلًا على قلة النسخ في الأحكام المكية يدل على قلته في الأحكام المدنية أيضًا، وإن كان سياقه للاستدلال على المكي. ج- في قوله: "ووجه آخر وهو أن الأحكام ... إلخ"، وهو كسابقه عام للمكي والمدني، ولذلك أحال عليهما في الفصل عند الاستدلال على أن الأمر كذلك في سائر الأحكام. "د". 3 أي: في الأحكام المنزلة بمكة، لا في الأحكام الكلية؛ حتى لا يتنافى مع قوله بعد: "لا يكون فيها وقوعًا ... إلخ"، وقوله: "لم يثبت نسخ لكلي"، ولو قال فيه؛ لكان نصًا في المراد. "د".

لِكُلِّيٍّ أَلْبَتَّةَ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَ كُتُبَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ تحقق هذا المعنى؛ فإنما يكون النسخ من الجزيات منها، والجزيات المكيه قليلة. وإلى هذا؛ فإن الاستقرار يُبَيِّنُ أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ الْفَرْعِيَّةَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا بَقِيَ مُحْكَمًا قَلِيلَةٌ، وَيَقْوَى1 هَذَا فِي قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْمَنْسُوخَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَغَيْرَ الْمَنْسُوخِ مِنَ الْمُحْكِمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آلِ عِمْرَانَ: 7] . فَدُخُولُ النُّسَخِ فِي الْفُرُوعِ المكية قليل، وهي قَلِيلَةٌ؛ فَالنُّسَخُ فِيهَا قَلِيلٌ [فِي قَلِيلٍ] ، فَهُوَ إِذًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الْمَكِّيَّةِ نَادِرٌ2. وَوَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَحْكَامَ إِذَا ثَبَتَتْ عَلَى الْمُكَلَّفِ؛ فَادِّعَاءُ النَّسْخِ فِيهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ3 لِأَنَّ ثُبُوتَهَا عَلَى الْمُكَلَّفِ أَوَّلًا مُحَقَّقٌ؛ فَرَفْعُهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِهَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ4 الْقُرْآنَ وَلَا الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ؛ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِلْمَقْطُوعِ بِهِ بِالْمَظْنُونِ؛ فاقتضى

_ 1 لأنه حينئذ يكون مقابلًا للمحكم الذي نصت الآية على أنه أم الكتاب وأصله والغالب فيه. "د". 2 أي: لأنه قليل فيما هو في ذاته قليل. "د". 3 يشبه كلام ابن النحاس الآتي بعد؛ فلعله مأخذه. "د". 4 نعم هو قول الأكثرين، وحجتهم واضحة، وإنما قبلوا تخصيص المتواتر بالآحاد ولم يقبلوا نسخه به لأن الأول بيان وجمع بين الدليلين، بخلاف النسخ؛ فإنه إبطال. "د". قلت: انظر توسعا في المسألة في: "الرسالة" "106"، و"التبصرة" "264"، و"المنخول" "292"، و"المستصفى" "1/ 80" و"أصول السرخسي" "2/ 67"، و"المحصول" "3/ 519"، و"الإحكام" "4/ 617" لابن حزم، و"الإحكام" "7/ 217" للآمدي، و"مجموع فتاوى ابن تيمية" "17/ 195-197"، و"البحر المحيط" "4/ 97-98"، و"كشف الأسرار" "7/ 175"، و"المسودة" "201-204"، و"تيسير التحرير" "3/ 203"، و"إرشاد الفحول" "191" و"مذكرة في أصول الفقه" "84".

هَذَا أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَكِّيَّةِ يَدَّعِي نَسْخَهُ لَا يَنْبَغِي قَبُولُ تِلْكَ الدَّعْوَى فِيهِ إِلَّا مَعَ قَاطِعٍ بِالنَّسْخِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَا دَعْوَى الْإِحْكَامِ فِيهِمَا. فَصْلٌ وَهَكَذَا يُقَالُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مَكِّيَّةٌ كَانَتْ أَوْ مَدَنِيَّةٌ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ غَالِبَ1 مَا ادُّعِيَ فِيهِ النَّسْخُ إِذَا تَأَمَّلْ2؛ وَجَدْتَهُ مُتَنَازِعًا فِيهِ، وَمُحْتَمَلًا، وَقَرِيبًا مِنَ التَّأْوِيلِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى وَجْهٍ، مِنْ كَوْنِ الثَّانِي بَيَانًا لِمُجْمَلٍ، أَوْ تَخْصِيصًا لِعُمُومٍ، أَوْ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْجَمْعِ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى الْأَصْلِ مِنَ الْإِحْكَامِ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. وَقَدْ أَسْقَطَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ "النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ"3 كَثِيرًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: "أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فُرِضَتْ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِهَا". قَالَ ابْنُ النَّحَّاسِ: "فَلَمَّا ثَبَتَتْ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْأَحَادِيثِ4 الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَالَ إِلَّا بِالْإِجْمَاعِ أَوْ حَدِيثٍ يُزِيلُهَا ويبين نسخها، ولم

_ 1 ومنه يعلم أن الطريقة التي جرى عليها مثل الجلالين في "التفسير" ليست على ما ينبغي، وإن كان جريًا على الاصطلاح الآتي في المسألة بعد؛ فهو تساهل في التعبير غير محمود في بيان كلام الله تعالى. "د". 2 في "م" و"ط": "تؤمل". 3 طبع في مجلدين سنة "1413هـ" عن مكتبة الثقافة الدينية بمصر، بتحقيق د. عبد الكبير المدعري. 4 في مطبوع "الناسخ والمنسوخ" و"ط": " ... وبالأسانيد".

يأتِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ"1 انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ. وَوَجْهٌ رَابِعٌ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ النَّسْخِ وَنُدُورِهِ؛ أَنَّ تَحْرِيمَ مَا هُوَ مُبَاحٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ2 كَالْخَمْرِ وَالرِّبَا؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُمَا3 بَعْدَ مَا كَانَا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ لَا يُعَدُّ نَسْخًا لِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ4 الْأَصْلِيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي حَدِّ النَّسْخِ: إِنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ5 بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ، وَمِثْلُهُ رَفْعُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِدَلِيلٍ. وَقَدْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى أَنْ نَزَلَ6: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين} [البقرة: 238] .

_ 1 "الناسخ والمنسوخ" "ص294". 2 انظر له: "حاشية التفتازاني" "2/ 185". 3 في "ط": "كالخمر والزنا فإن تحريمها ... ". 4 يدل على أن الخمر كان مباحا بحكم الأصل قبل نزول تحريمه بالمدينة، وهذا يحتاج إلى الجمع بينه وبين ما سبق له أن تحريمه داخل في الأصل المكي إجمالًا وهو حرمة الجناية على النفس والأعضاء. "د". 5 أي: والمباح بحكم الأصل والعادة الجارية قبل الشرع لا يعتبر حكمًا شرعيًا. "د". قلت: انظر في تعريفات النسخ: "الإحكام" "7/ 180" للآمدي، و"الإحكام" "4/ 59" لابن حزم، و"البرهان" "2/ 56" للزركشي، وأثبت الدكتور مصطفى زيد في كتابه "النسخ في القرآن الكريم" "1/ 60 وما بعدها" الأقوال التي ذكرت في حده، وناقشها مناقشة مطولة؛ فانظره فإنه مفيد. 6 أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب التفسير، باب {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين} ، 8/ 198/ رقم 4534"، ومسلم في "صحيحه" "كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة، 2/ 383/ رقم 539" عن زيد بن أرقم؛ قال: "كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين} [البقرة: 238] ؛ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام". لفظ مسلم. قال ابن حبان في "صحيحه" "6/ 27-28 - مع الإحسان": "هذا الخبر يوهم من لم يطلب العلم من مظانه أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة"، قال: "وذاك أن زيد بن أرقم من =

وَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْتَفِتُونَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى أن نزل1 "قوله": {الَّذِينَ هُم

_ = الأنصار، وقال: كنا نتكلم في الصلاة بالحاجة، وليس مما يذهب إليه الواهم فيه في شيء منه، وذلك أن زيد بن أرقم كان من الأنصار الذين أسلموا بالمدينة، وصلوا بها قبل هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إليهما، وكانوا يصلون بالمدينة كما يصلي المسلمون بمكة في إباحة الكلام في الصلاة لهم، فلما نُسخ ذلك بمكة؛ نُسخ كذلك بالمدينة؛ فحكى زيد ما كانوا عليه، لا أن زيدًا حكى ما لم يشهده". وقال "ف": "القنوت هنا: الإمساك عن الكلام". 1 أخرج الحاكم في "المستدرك" "2/ 393"، والبيهقي في "الكبرى" "2/ 283" "والحازمي في "الاعتبار" "60"، وابن جرير في "التفسير" "18/ 3"، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" "ص227" عن ابن سيرين؛ قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع رأسه إلى السماء، تدور عيناه ينظر ههنا وههنا؛ فأنزل الله عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} ؛ فطأطأ ابن عون رأسه، ونكس في الأرض". وصله الحاكم عن أبي هريرة، وقال البيهقي عن المرسل: "هذا هو المحفوظ"، وقال: "ورواه حماد بن زيد عن أيوب مرسلا، وهذا هو المحفوظ"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولولا خلاف فيه على محمد؛ فقد قيل عنه مرسلًا"، قال الذهبي: "الصحيح مرسل" "وهذا الذي رجحه شيخنا في "الإرواء" "2/ 71-73/ رقم 354"، وعزاه ابن ضويان في "منار السبيل" "1/ 92" لأحمد في "الناسخ والمنسوخ"، وسعيد بن منصور في "السنن". وانظر: "زاد المعاد" "1/ 249"؛ فالحديث ضعيف. وسرد ابن العربي في "الناسخ والمنسوخ" "2/ 308" ما ورد عن ابن سيرين، وأتبعه بقوله: "وروي عن غيره أن المؤمنين كانوا يلتفتون في الصلاة ويتكلمون؛ فنسخ الله ذلك"، ثم قال "2/ 309": "وحديث ابن سيرين باطل، وما روى غيره لا أصل له، إنما روي في "الصحيحين": "إنا كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين} ؛ فأُمرنا بالسكوت". قلت: قضية الكلام مضى تخريجها في الحديث السابق، والمصنف نقل عن ابن العربي ولم ينقل حكمه على الحديث، ومثل هذا يقع كثيرا له؛ فهو لا يفلِّي الأخبار، ولا يمحص الآثار، ولا يبحث عن ناقليها، وشاب كتابه -وهو جوهرة عديمة النظير-بمثل هذا، عفا الله عنا وعنه بمنه وكرمه، وألمح ابن العربي أيضا في "أحكام القرآن" "3/ 1295" لتضعيف هذا الحديث، والله الموفق. وفي "ط": "نزلت".

فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 2] ، قَالُوا: وَهَذَا إِنَّمَا نَسَخَ أَمْرًا1 كَانُوا عَلَيْهِ. وَأَكْثَرُ الْقُرْآنِ2 عَلَى ذَلِكَ، مَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ مِنَ الْإِبَاحَةِ؛ فَهُوَ مِمَّا لَا يُعَدُّ نَسْخًا، وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ مِنْ أَحْكَامِ3 الْجَاهِلِيَّةِ. فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ، وَنَظَرْتَ إِلَى الْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لَمْ يَتَخَلَّصْ فِي يَدِكَ مِنْ مَنْسُوخِهَا إِلَّا مَا هو نادر، على أن ههنا مَعْنًى يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ لِيُفْهَمَ اصْطِلَاحُ الْقَوْمِ في النسخ، وهي:

_ 1 أي: فليس نسخًا لحكم شرعي، بل تعمير للذمة بعد أن كانت غير مشغولة، وقد تفنن في تسمية هذا النوع تحريم ما هو مباحة بالإباحة الأصلية، أو رفع براءة الذمة بدليل، أو نسخ أمر كانوا عليه، وهي عبارات ثلاث استعملها في معنى واحد زيادة في إيضاح الفرق بينه وبين نسخ الحكم الشرعي. "د". 2 أي: أكثر تشريع القرآن رفع ونقض لما كانوا عليه، وإن كان أمهلهم مدة وأخذهم بالتدريج في تشريع ما به إصلاح عاداتهم وعبادتهم؛ فلا يعد نسخًا لأنه إنشاء لأحكام لم يسبقها تشريع في موضوعها. "د". 3 في "م": "الأحكام".

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ النَّسْخَ عِنْدَهُمْ فِي الْإِطْلَاقِ أَعَمُّ مِنْهُ فِي كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ1؛ فَقَدْ يُطْلِقُونَ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ نَسْخًا، وَعَلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ نَسْخًا، وَعَلَى بَيَانِ الْمُبْهَمِ وَالْمُجْمَلِ نَسْخًا، كَمَا يُطْلِقُونَ عَلَى رَفْعِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَأَخِّرٍ نَسْخًا؛ لِأَنَّ جميع ذلك مشترك في معنى واحدًا، وَهُوَ أَنَّ النَّسْخَ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِ اقْتَضَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَقَدِّمَ غَيْرُ مُرَادٍ فِي التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا جِيءَ بِهِ آخِرًا؛ فَالْأَوَّلُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى جَارٍ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ مَعَ مُقَيِّدِهِ؛ فَلَا إِعْمَالَ لَهُ فِي إِطْلَاقِهِ، بَلِ الْمُعْمَلُ هُوَ الْمُقَيَّدُ، فَكَأَنَّ2 الْمُطْلَقَ لَمْ يُفِدْ مَعَ مُقَيِّدِهِ شَيْئًا؛ فَصَارَ مِثْلَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَكَذَلِكَ الْعَامُّ مَعَ الْخَاصِّ؛ إِذْ كَانَ ظَاهِرُ الْعَامِّ يَقْتَضِي شُمُولَ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، فَلَمَّا جَاءَ الْخَاصُّ أَخْرَجَ حُكْمَ ظَاهِرِ الْعَامِّ عَنِ الِاعْتِبَارِ؛ فأشبه الناسخ والمنسوخ؛ إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لَمْ يُهْمَلْ مَدْلُولُهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا أُهْمِلَ مِنْهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ3 الخاص،

_ 1 انظر في ذلك: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "13/ 29-30، 272-273"، و"الإحكام" لابن حزم "4/ 67"، و"فهم القرآن" "398" للمحاسبي، و"إعلام الموقعين" "1/ 29"، و"تفسير القرطبي" "2/ 288"، و"الفوز الكبير في أصول التفسير" "ص112-113" للدهلوي، و"النسخ في دراسات الأصوليين" "521"، و"أحكام القرآن" "1/ 197"، ومقدمة محقق "الناسخ والمنسوخ" "1/ 197" لابن العربي، و"محاسن التأويل" "1/ 13"، و"الإتقان" "2/ 22" لنادية العمري، و"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" "ص88-90" لمكي بن أبي طالب. 2 إنما قال "كأن"؛ لأن الواقع أن المطلق لم يهمل مدلوله جملة كما سيأتي في العام بعد؛ فيقال نظيره هنا، أي أن الذي أهمل إنما هو الاحتمالات الأخرى لغير المقيد. "د". 3 أي: أهمل منه ما دل الخاص على إهماله، وهو ما عدا مدلول الخاص. "د". قلت: في الأصل: "وإنما العمل عليه ... ".

وَبَقِيَ السَّائِرُ عَلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، وَالْمُبَيَّنُ مَعَ الْمُبْهَمِ1 كَالْمُقَيَّدِ مَعَ الْمُطْلَقِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ؛ استهل إِطْلَاقُ لَفْظِ النَّسْخِ فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَعَانِي لِرُجُوعِهَا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ الْمُرَادُ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2 أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} [الْإِسْرَاءِ: 18] إِنَّهُ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [الشُّورَى: 20] . وَعَلَى هَذَا التَّحْقِيقِ تقييد لمطلق؛ إذ كَانَ قَوْلُهُ: {نُؤْتِهِ مِنْهَا} مُطْلَقًا، وَمَعْنَاهُ مُقَيَّدٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي "الْآيَةِ" الْأُخْرَى: {لِمَنْ نُرِيد} ، وَإِلَّا فَهُوَ إِخْبَارٌ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا3 النسخ.

_ 1 كما يأتي مثاله بعد فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} مع قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم} الآية. "د". 2 أخرجه النحاس في "الناسخ والمنسوخ" "ص254" بإسناد ضعيف، وقال: "والقول الآخر إنها غير منسوخة، وهو الذي لا يجوز غيره؛ لأن هذا خبر ... ". وانظر: "الناسخ والمنسوخ" "2/ 355" لابن العربي، و"نواسخ القرآن" "219-220" لابن الجوزي. 3 أي: لا يدخل النسخ مدلول الخبر وثمرته إن كان مما لا يتغير؛ كالإخبار بوجود الإله وبصفاته؛ فدخول النسخ في هذا المدلول محال بإجماع، أما إذا كان مما يتغير كإيمان زيد وكفر عمرو؛ ففيه خلاف، والمختار جوازه، وأما نسخ تلاوة الخبر أو نسخ تكليفنا به كما إذا كلفنا بأن نخبر بشيء ثم ورد نسخ التكليف بذلك؛ فكل من هذين جائز لأنه من التكليف فيدخله النسخ، فانظر معنى الآية: هل هو مما يتغير فيدخله النسخ على المختار، أم لا يتغير فلا يدخله؟ وقالوا: إن من أمثلة ما لا يتغير أن تقول: أهلك الله زيدًا؛ لأنها حادثة واحدة تقع مرة واحدة؛ فلا يتأتى فيها التغيير، والتحقيق أن بعض الأخبار يجوز في مدلولها النسخ كما إذا كان الخبر عامًا؛ فيأتي الثاني يبين تخصيصه وقصره على البعض كما في الآية؛ إلا أنه يكون على اصطلاح المتقدمين لا اصطلاح الأصوليين، وكلامه في هذا. راجع "الإحكام" "3/ 163" للآمدي. "د".